← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7691

تحفة الفقهاء

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

بِأَن يقْضِي دينهم لِأَن ملكه قَائِم لكنه مَشْغُول بِحَق الْغُرَمَاء وَلَو أعْتقهُ الْمولى صَحَّ إِعْتَاقه لِأَنَّهُ ملكه غير أَنه إِن كَانَ عَلَيْهِ دين أقل من قِيمَته يقْضِي دُيُونه وَإِن كَانَت دُيُونه أَكثر من قِيمَته غرم قِيمَته وَإِن كثرت فَإِن فضل شَيْء عَن قِيمَته يُؤَاخذ العَبْد بعد الْعتاق وَإِن كَانَ الْمَأْذُون مُدبرا أَو أم ولد ثمَّ أعْتقهُ جَازَ عتقه وَلَا ضَمَان للْغُرَمَاء لِأَنَّهُ حَقهم غير مُتَعَلق بهما لِأَنَّهُ لَا يجوز بيعهمَا وَلَو أعتق عبد عَبده الْمَأْذُون إِن كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق لَا يَصح إِعْتَاقه عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَإِن كَانَ غير مُسْتَغْرق يَصح بِالْإِجْمَاع وَالْمولى ضَامِن لقيمته إِن كَانَ مُوسِرًا وَإِن كَانَ مُعسرا فللغرماء أَن يضمنوا العَبْد وَيرجع هُوَ على الْمولى كَمَا إِذا أعتق العَبْد الْمَرْهُون فَأَما حكم الْحجر فَنَقُول إِن الْمولى يملك حجر العَبْد الْمَأْذُون إِذا كَانَ حجرا مَشْهُورا بِأَن يشْتَهر ذَلِك فِي السُّوق فَأَما إِذا حجر فِي بَيته فَلَا يَصح لِأَن فِيهِ ضَرَرا بِالنَّاسِ وغرورا وَلَو بَاعه وَلَا دين عَلَيْهِ يصير مَحْجُورا لِأَنَّهُ صَار ملك الْغَيْر فَلَا تبقى ولَايَة الأول عَلَيْهِ وَكَذَا إِذا كَانَت جَارِيَة فاستولدها الْمولى صَارَت ومحجورا عَلَيْهَا دلَالَة منع الْمولى أم الْوَلَد عَن الْخُرُوج إِلَى الْأَسْوَاق وَإِن أُغمي عَلَيْهِ لم يصر مَحْجُورا اسْتِحْسَانًا وَفِي الْجُنُون يصير مَحْجُورا

стр. 982

وَإِذا أبق أَو ارْتَدَّ صَار مَحْجُورا وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يصير مَحْجُورا إِذا دبر الْمَأْذُون لَا يصير مَحْجُورا لِأَنَّهُ يُمكنهُ التَّصَرُّف مَعَ التَّدْبِير وَإِذا صَحَّ الْحجر فَلَا يملك التَّصَرُّف بعده فِي حق الْمولى وَلَو أقرّ بِشَيْء من حُقُوق الْأَمْوَال فَإِنَّهُ لَا يلْزم مَوْلَاهُ وَلَا يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ لَكِن يُؤَاخذ بعد الْعتاق وَإِذا كَانَ فِي يَده شَيْء من الأكساب وَعَلِيهِ دين فَإِنَّهُ لَا يَصح حجره فِي حَقّهَا وَلَيْسَ للْمولى أَن يستردها لتَعلق حق الْغُرَمَاء بِهِ وَلَو جنى الْمَأْذُون جنايات فَإِنَّهُ يقْتَصّ فِيمَا يجب فِيهِ الْقصاص وَالدَّفْع أَو الْفِدَاء فِيمَا لَا يجب فِيهِ الْقصاص والمأذون وَغير الْمَأْذُون فِي ذَلِك سَوَاء وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الدِّيات فَلَا نعيده

стр. 983

كتاب السّير قَالَ يحْتَاج إِلَى تَفْسِير الْجِهَاد وَإِلَى بَيَان كَيْفيَّة فرض الْجِهَاد وَإِلَى بَيَان من يفترض عَلَيْهِ وَإِلَى بَيَان مَا يجب حَال شُهُود الْوَقْعَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام الْأَنْفَال والغنائم وَإِلَى بَيَان حكم الْجِزْيَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام أهل الرِّدَّة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام الْبُغَاة وَنَحْو ذَلِك أما تَفْسِير الْجِهَاد فَهُوَ الدُّعَاء إِلَى الدّين الْحق والقتال مَعَ من امْتنع عَن الْقبُول بِالْمَالِ وَالنَّفس قَالَ الله تَعَالَى ﴿انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 984

وَأما بَيَان كَيْفيَّة فَرْضه فَنَقُول إِنَّه فرض كِفَايَة لَا فرض عين ونعني بِهِ أَنه إِذا لم يقم بِهِ الْبَعْض من أهل الثغور وَغَيرهم مِمَّن هُوَ يقرب مِنْهُم فَإِنَّهُ يفْرض على جَمِيع النَّاس مِمَّن لَهُ قدرَة عَلَيْهِ إِمَّا بِالنَّفسِ أَو بِالْمَالِ فَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ لِأَن الْمَقْصُود وَهُوَ دفع شَرّ الْكَفَرَة وَالدُّعَاء إِلَى دين الْإِسْلَام يحصل بِالْبَعْضِ فَمَا لم يتَعَيَّن الْبَعْض يجب على الْكل وَإِذا تعين الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا كَانَ النفير عَاما يجب على العَبْد أَن يخرج بِغَيْر إِذن الْمولى وعَلى الْمَرْأَة القادرة عَلَيْهِ أَن تخرج بِغَيْر إِذن زَوجهَا وعَلى الْوَلَد أَن يخرج بِغَيْر إِذن الْوَالِدين أَو أَحدهمَا إِذا كَانَ الآخر مَيتا فَأَما إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض فَلَا يجوز لهَؤُلَاء أَن يخرجُوا إِلَّا بِالْإِذْنِ وَأما بَيَان مَا يجب حَال شُهُود الْوَقْعَة فَنَقُول إِذا لَقِي الْغُزَاة قوما من الْكفَّار فَإِن لم تبلغهم الدعْوَة أصلا يَنْبَغِي أَن يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام أَولا فَإِن أَبَوا فَإلَى الذِّمَّة فَإِن أَبَوا فَحِينَئِذٍ يقاتلونهم فَأَما إِذا بلغتهم الدعْوَة فَالْأولى الْبدَاءَة بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام فَإِن بدأوا بِالْقِتَالِ والإغارة والبينات عَلَيْهِم فَلَا بَأْس بذلك لِأَنَّهُ قد توجه عَلَيْهِم الْخطاب بِالْإِيمَان بِاتِّفَاق الْأمة فَإِن سمع رجلا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله أَو قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَإِن كَانَ من عَبدة الْأَوْثَان أَو من الثنوية أَو من الدهرية فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتله لِأَنَّهُ أَتَى بِالتَّوْحِيدِ وَإِن كَانَ من أهل الْكتاب فإتيان الشَّهَادَتَيْنِ لَا يَكْفِي مَا لم يتبرأ من دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَكَذَا إِذا قَالَ أَنا مُسلم أَو مُؤمن أَو أَنا مصل لأَنهم

стр. 985

يَعْتَقِدُونَ أَن دينهم إِسْلَام وَأَن لَهُم شرائع وَصَلَاة وَإِذا قَالَ أَنا صليت مَعَ الْمُسلمين بِجَمَاعَة أَو أَنا على دين مُحَمَّد لَا يُبَاح قَتله لِأَن ذَلِك دلَالَة الْإِسْلَام ثمَّ الْغُزَاة لَهُم أَن يقتلُوا كل من كَانَ من أهل الْقِتَال وكل من قَاتل وَإِن لم يكن من أهل الْقِتَال فِي الْجُمْلَة نَحْو الصّبيان والمجانين والرهابين والشيوخ الهرمى فَأَما إِذا لم يقاتلوا فَلَا يُبَاح قتل هَؤُلَاءِ وَأما الرهابين فَإِن كَانُوا لَا يخالطون النَّاس فَكَذَلِك وَإِن كَانُوا يخالطون النَّاس أَو يدلون على عورات الْمُسلمين فَيُبَاح قَتلهمْ وَلَا بَأْس أَن يحرقوا حصونهم بالنَّار ويغرقوها بِالْمَاءِ وينصبوا المجانيق على حصونهم ويهدموها عَلَيْهِم وَأَن يرموها بالنبال وَإِن علمُوا أَن فيهم أُسَارَى الْمُسلمين والتجار لِأَن فِيهِ ضَرُورَة وَكَذَا إِذا تترسوا بأطفال الْمُسلمين وبأساراهم لَكِن يَنْبَغِي أَن يقصدوا بِهِ قتل الْكفَّار دون الْمُسلمين لما فِيهِ من ضَرُورَة إِقَامَة الْفَرْض عَلَيْهِم ثمَّ إِذا ظفر الْغُزَاة بهم فَلَا بَأْس بِأَن يقتل الْمُقَاتلَة مِنْهُم من كَانَ مُقَاتِلًا سوى الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتلهمَا بعد الْفَرَاغ من الْقِتَال لِأَنَّهُمَا لَيْسَ من أهل الْقَتْل ليَكُون جَزَاء على قتالهما إِلَّا إِذا كَانَ الصَّبِي أَو الْمَعْتُوه ملكا فَلَا بَأْس بِقَتْلِهِمَا كسرا لشوكتهما وَيُبَاح فِي حَالَة الْقِتَال لدفع الشَّرّ وَأما الشُّيُوخ والرهابين والنسوان إِذا قَاتلُوا فَيُبَاح قَتلهمْ بعد الْفَرَاغ أَيْضا جَزَاء على قِتَالهمْ إِلَّا إِذا كَانَت الْمَرْأَة ملكة فَيُبَاح قَتلهَا وَإِن لم تقَاتل وَيَنْبَغِي لَهُم أَن يخرجُوا إِلَى دَار الْإِسْلَام نِسَاءَهُمْ وصبيانهم ويسترقوهم لما فِيهِ من مَنْفَعَة الْمُسلمين وَلَا يَنْبَغِي أَن يتركوهم فِي دَار

стр. 986

الْحَرْب لما فِيهِ من ضَرَر بِالْمُسْلِمين وَأما الشَّيْخ الفاني الَّذِي لَا قتال عِنْده وَلَا يقدر أَن يلقح لَكِن يُمكن أَن يفادى بِهِ فَإِن شاؤوا تَرَكُوهُ وَإِن شاؤوا أَخْرجُوهُ على قَول من يرى مفاداة الْأَسير بالأسير وعَلى قَول من لَا يرى يتركونه فِي دَارهم لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِيهِ وَكَذَا فِي الْعَجُوز الْكَبِيرَة الَّتِي لَا تَلد وَلَا يَنْبَغِي للغزاة أَن يفر وَاحِد من اثْنَيْنِ مِنْهُم وَالْحَاصِل أَن الْأَمر مَبْنِيّ على غَالب الظَّن فَإِن غلب فِي ظن الْمقَاتل أَنه يغلب وَيقتل فَلَا بَأْس بِأَن يفر مِنْهُم وَلَا عِبْرَة بِالْعدَدِ حَتَّى إِن الْوَاحِد إِذا لم يكن مَعَه سلَاح فَلَا بَأْس بِأَن يفر من اثْنَيْنِ مَعَهُمَا السِّلَاح أَو من الْوَاحِد الَّذِي مَعَه سلَاح ثمَّ الْغُزَاة هَل لَهُم أَن يُؤمنُوا الْكَفَرَة إِن كَانَ عِنْدهم أَن الْقُوَّة للكفرة يجب أَن يُؤمنُوا حَتَّى يتقووا ثمَّ يخبروهم بِنَقْض الْأمان ويشتغلوا بِالْقِتَالِ لِأَن الْأمان فِي هَذِه الْحَالة فِي معنى الْقِتَال ثمَّ أَمَان الْوَاحِد الْحر أَو العَبْد الْمقَاتل أَو الْمَرْأَة صَحِيح بِلَا خلاف فَأَما أَمَان العَبْد الْمَحْجُور فَلَا يَصح عِنْدهمَا وَعند مُحَمَّد وَالشَّافِعِيّ يَصح وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَأما أَمَان الصَّبِي الْمُرَاهق فَلَا يَصح عِنْدهم وَعند مُحَمَّد يَصح وَأَجْمعُوا أَنه لَا يجوز أَمَان التَّاجِر فِي دَار الْحَرْب وَلَا الْأَسير فِيهَا وَلَا أَمَان الْمُسلم الَّذِي لم يُهَاجر إِلَيْنَا وَلَا أَمَان الذِّمِّيّ الْمقَاتل مَعَهم لأَنهم متهمون فِي ذَلِك

стр. 987

فَأَما الْمُسلم الْحر فيستوي فِيهِ الْأَعْمَى وَالْمَرِيض وَالشَّيْخ الْكَبِير لِأَن هَؤُلَاءِ من أهل الرَّأْي ثمَّ بعد صِحَة الْأمان للْإِمَام أَن ينْقض إِذا رأى الْمصلحَة فِيهِ لَكِن يُخْبِرهُمْ بذلك ثمَّ يقاتلهم حَتَّى لَا يكون تغريرا لَهُم وَكَذَا الْجَواب فِي الْمُوَادَعَة وَهُوَ الصُّلْح على ترك الْقِتَال مُدَّة بِمَال أَو بِغَيْر مَال تجوز من الإِمَام إِن رأى الْمصلحَة ثمَّ يُخْبِرهُمْ بِالنَّقْضِ وينقض حَتَّى لَا يكون تغريرا وَمَا أَخذ من المَال إِن لم يتم الْمدَّة يرد إِلَيْهِم بِقَدرِهِ وَكَذَلِكَ الْمُوَادَعَة فِي حق الْمُرْتَدين وَأهل الْبَغي جَائِزَة إِذا كَانَ فِيهِ مصلحَة لِأَن هَذَا بِمَنْزِلَة الْأمان وَهَذَا إِذا كَانَ الصُّلْح على أَن يَكُونُوا على حكم الْكفْر وَلَو صَالحُوا على أَن يَكُونُوا على أَحْكَام الْمُسلمين فَإِنَّهُم يصيرون ذمَّة وَلَا يجوز لنا نقض ذَلِك كعقد الذِّمَّة وَأما أَحْكَام الْأَنْفَال والغنائم فَنَقُول هُنَا ثَلَاثَة أَشْيَاء النَّفْل وَالْغنيمَة والفيء أما النَّفْل فَمَا خصّه الإِمَام لبَعض الْغُزَاة تحريضا لَهُم على الْقِتَال لزِيَادَة قُوَّة وجرأة مِنْهُم بِأَن قَالَ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه أَو قَالَ لسرية مَا أصبْتُم فَهُوَ لكم أَو قَالَ لأحد معِين مَا أصبت فَهُوَ لَك فَإِنَّهُ مُخْتَصّ بِهِ وَيثبت الْملك لَهُ فِي النَّفْل وَلَا يُشَارك فِيهِ غَيره من الْغُزَاة وَالسَّلب عبارَة عَن ثِيَاب الْمَقْتُول وسلاحه الَّتِي مَعَه ودابته الَّتِي عَلَيْهَا سرجها وآلاتها وَمَا عَلَيْهَا من الحقيبة الَّتِي فِيهَا الْأَمْوَال وَمَا على الْمَقْتُول من الْكيس الَّذِي فِيهِ الدَّرَاهِم فَأَما مَا يكون مَعَ غُلَامه على فرس آخر وأمواله الَّتِي على دَابَّة أُخْرَى فَذَلِك من

стр. 988

الْغَنِيمَة يشْتَرك فِيهِ الْغُزَاة كلهم وَهَذَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي السَّلب للْقَاتِل وَإِن لم ينص عَلَيْهِ الإِمَام وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَأما الْفَيْء فَمَا حصل من غير مقاتلة فَهُوَ خَاص لرَسُول ﵇ فيتصرف فِيهِ رَسُول الله ﷺ كَيفَ شَاءَ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أَفَاء الله على رَسُوله مِنْهُم فَمَا أَوجَفْتُمْ عَلَيْهِ من خيل وَلَا ركاب وَلَكِن الله يُسَلط رسله على من يَشَاء﴾ وَأما الْغَنَائِم فَهُوَ اسْم لما يُؤْخَذ من أَمْوَال الْكَفَرَة بِقُوَّة الْغُزَاة وقهر الْكَفَرَة بِسَبَب الْقِتَال بِإِذن الإِمَام وَيتَعَلَّق بالغنائم أَحْكَام مِنْهَا حكم ثُبُوت الْحق وَالْملك فِيهَا فَنَقُول هَذَا أَقسَام ثَلَاثَة أَحدهَا أَن يتَعَلَّق حق التَّمَلُّك أَو حق الْملك للغزاة بِنَفس الْأَخْذ والاستيلاء وَلَا يثبت بِهِ الْملك قبل الْإِحْرَاز بدار الْإِسْلَام عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ فَإِن عِنْده فِي قَول يثبت الْملك بِنَفس الْأَخْذ وَفِي قَوْله بعد الْفَرَاغ من الْقِتَال وانهزام الْعَدو ويبتنى على هَذَا الأَصْل فروع مِنْهَا أَن الإِمَام إِذا بَاعَ شَيْئا من الْغَنَائِم لَا لحَاجَة الْغُزَاة أَو بَاعَ وَاحِد من الْغُزَاة فَإِنَّهُ لَا يَصح عندنَا لعدم الْملك وَكَذَا لَو أتلف وَاحِد من الْغُزَاة فِي دَار الْحَرْب فَإِنَّهُ لَا يضمن وَلَو مَاتَ وَاحِد من الْغُزَاة لَا يُورث سَهْمه

стр. 989

وَلَو لحق المدد الْجَيْش قبل الْقِسْمَة فِي دَار الْحَرْب يشاركونهم فِي الْقِسْمَة وَلَو قسم الإِمَام فِي دَار الْحَرْب لَا مُجْتَهدا وَلَا بِاعْتِبَار حَاجَة الْغُزَاة فَإِنَّهُ لَا يَصح الْقِسْمَة عندنَا وَعند الشَّافِعِي يَصح بِخِلَاف ذَلِك فِي الْفُصُول وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَأما بَيَان ثُبُوت الْحق فَإِن الْأَسير إِذا أسلم قبل الْإِحْرَاز بدار الْإِسْلَام فَإِنَّهُ لَا يكون حرا وَلَو أسلم قبل الْأَخْذ يكون حرا لما أَنه يتَعَلَّق بِهِ حق الْغُزَاة بِالْأَخْذِ وَكَذَلِكَ لَو أسلم أَرْبَاب الْأَمْوَال قبل الْإِحْرَاز بدار الْإِسْلَام فَإِنَّهُم لَا يختصون بِأَمْوَالِهِمْ بل هم من جملَة الْغُزَاة فِي الِاسْتِحْقَاق بِسَبَب الشّركَة فِي الْإِحْرَاز بدار الْإِسْلَام بِمَنْزِلَة المدد وَكَذَا لَيْسَ لوَاحِد من الْغُزَاة أَن يَأْخُذ شَيْئا من الْغَنَائِم من غير حَاجَة وَلَو لم يثبت الْحق كَانَ بِمَنْزِلَة الْمُبَاح وَالْقسم الثَّانِي بعد الْإِحْرَاز بدار الْإِسْلَام قبل الْقِسْمَة فَإِن حق الْملك يتَأَكَّد ويستقر وَلَكِن لَا يثبت الْملك أَيْضا وَلِهَذَا قَالُوا لَو مَاتَ وَاحِد مِنْهُم يُورث نصِيبه وَلَو قسم الإِمَام أَو بَاعَ جَازَ وَلَو لحقهم مدد لَا يشاركونهم وَيضمن الْمُتْلف وَلَكِن الْملك لَا يثبت حَتَّى لَو أعتق وَاحِد من الْغُزَاة عبدا من عبيد الْغَنِيمَة لَا يعْتق لِأَنَّهُ لَا يثبت الْملك الْخَاص إِلَّا بِالْقِسْمَةِ وَالْقسم الثَّالِث بعد الْقِسْمَة يثبت الْملك الْخَاص لكل وَاحِد فِيمَا هُوَ نصِيبه فَأَما حكم الطَّعَام والعلف فِي دَار الْحَرْب فَنَقُول لَا بَأْس بتناول الطَّعَام والعلف لعُمُوم الْحَاجة سَوَاء كَانَ المتناول

стр. 990

غَنِيا أَو فَقِيرا من غير ضَمَان لِأَن فِي إِلْزَام الْغَنِيّ حمل الطَّعَام والعلف مَعَ نَفسه مُدَّة ذَهَابه وإيابه ومقامه فِي دَار الْحَرْب حرجا عَظِيما وَإِذا كَانَ محرزا بدار الْإِسْلَام لَا يُبَاح التَّنَاوُل بِغَيْر ضَمَان وَمَا فضل من الطَّعَام والعلف بعد الْإِحْرَاز قبل الْقِسْمَة فَإِنَّهُ يرد إِلَى الْغَنِيمَة إِن كَانَ غينا وَإِن كَانَ فَقِيرا يَأْكُل بِالضَّمَانِ وَإِن كَانَ بعد الْقِسْمَة فَإِنَّهُ يرد ثمنه إِلَى الْفُقَرَاء وَإِن بَاعَ شَيْئا مِنْهُ يرد ثمنه إِلَى الْمغنم إِن كَانَ غَنِيا قبل الْقِسْمَة وَإِن كَانَ بعد الْقِسْمَة يتَصَدَّق على الْفُقَرَاء وَإِن كَانَ فَقِيرا يَأْكُل إِن كَانَ بعد الْقِسْمَة وَأما مَا سوى الطَّعَام والعلف من الْأَمْوَال فَلَا يُبَاح للغزاة أَن يَأْخُذُوا شَيْئا مِنْهَا لتَعلق حق الْكل بهَا إِلَّا فِي السِّلَاح والكراع وَالثيَاب عِنْد الْحَاجة وَإِذا اسْتغنى يردهُ إِلَى الْمغنم أَو يدْفع إِلَيْهِ بِحِصَّتِهِ من الْغَنِيمَة فَلَا يُبَاح للغني أَن يفعل ذَلِك بِخِلَاف الطَّعَام والعلف وَمِنْهَا حكم كَيْفيَّة قسْمَة الْغَنَائِم فَنَقُول يقسم على خَمْسَة أسْهم فَأَرْبَعَة أسْهم للغزاة وَالْخمس لأربابه وَإِنَّمَا يصرف إِلَى الْمُقَاتلَة يَعْنِي بِهِ أهل الْقِتَال سَوَاء كَانَ شَابًّا أَو شَيخا عبدا مَأْذُونا أَو حرا بعد أَن كَانَ رجلا مُسلما مَأْذُونا لِلْقِتَالِ وَسَوَاء كَانَ صَحِيحا أَو مَرِيضا أما الصَّبِي الْعَاقِل وَالْمَرْأَة وَالذِّمِّيّ وَالْعَبْد الْمَحْجُور عَن الْقَتْل إِذا قَاتلُوا فَإِنَّهُ يرْضخ لَهُم الإِمَام شَيْئا لَا سَهْما كَامِلا لِأَنَّهُ لَا يجب الْقِتَال على هَؤُلَاءِ إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة ثمَّ ينظر إِن كَانَ رَاجِلا فَلهُ سهم وَاحِد وَإِن كَانَ فَارِسًا فَلهُ

стр. 991

سَهْمَان عِنْد أبي حنيفَة سهم لَهُ وَسَهْم لفرسه وَعِنْدَهُمَا لَهُ ثَلَاث أسْهم سهم لَهُ وسهمان لفرسه ثمَّ يُسهم للفارس لفرس وَاحِد عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَزفر وَعند أبي يُوسُف يُسهم لفرسين وَلَا يُسهم لما زَاد على ذَلِك وَهَذِه الْمَقَادِير تعرف بالأخبار الْوَارِدَة فِي الْبَاب وَمِنْهَا أَنه يعْتَبر حَال الْمقَاتل فِي كَونه فَارِسًا أَو رَاجِلا فِي حَال دُخُوله دَار الْحَرْب فِي ظَاهر الرِّوَايَة إِذا كَانَ قَصده الدُّخُول للْجِهَاد حَتَّى إِذا كَانَ يدْخل تَاجِرًا فَإِنَّهُ لَا يسْتَحق وَلَو دخل فَارِسًا لقصد الْجِهَاد يسْتَحق سهم الفرسان وَإِن مَاتَ فرسه وَعند الشَّافِعِي يعْتَبر وصف الْمقَاتل حَال شُهُود الْوَقْعَة وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَلَو دخل رَاجِلا ثمَّ اشْترى فرسا أَو وهب لَهُ أَو ورث أَو اسْتعَار أَو اسْتَأْجر وَقَاتل فَارِسًا فَلهُ سهم راجل لاعْتِبَار حَال الدُّخُول وروى الْحسن عَنهُ أَنه لَهُ سهم فَارس وَلَو دخل فَارِسًا ثمَّ بَاعَ فرسه أَو آجره أَو أَعَارَهُ أَو رَهنه أَو وهبه وَسلم روى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن لَهُ سهم فَارس لاعْتِبَار الدُّخُول وَذكر فِي السّير الْكَبِير أَن لَهُ سهم راجل لِأَنَّهُ لم يكن دُخُوله لقصد الْجِهَاد فَاعْتبر الْحسن حَالَة الدُّخُول بِنَاء على الظَّاهِر وَاعْتبر حَال شُهُود الْوَقْعَة أَيْضا لأجل حَقِيقَة الْقِتَال وَمِنْهَا حكم الأسرى فَنَقُول الإِمَام بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ قتل الْمُقَاتلَة مِنْهُم سَوَاء كَانُوا من الْمُشْركين أَو من أهل الْكتاب من الْعَرَب أَو من الْعَجم لِأَنَّهُ قد يكون مصلحَة

стр. 992

الْمُسلمين فِي قَتلهمْ وَإِن شَاءَ استرقهم وقسمهم بَين الْغَانِمين إِلَّا فِي حق مُشْركي الْعَرَب فَإِنَّهُم لَا يسْتَرقونَ وَلَكِن يقتلُون إِن لم يسلمُوا قَالَ الله تَعَالَى ﴿تقاتلونهم أَو يسلمُونَ﴾ فَأَما النِّسَاء والذراري فيسترقون كلهم الْعَرَب والعجم فِيهِ سَوَاء وَلَا يُبَاح قَتلهمْ لِأَنَّهُ فِيهِ مَنْفَعَة للْمُسلمين وَلَيْسَ للْإِمَام أَن يمن على الأسرى فَيتْرك قَتلهمْ لِأَن فِيهِ إبِْطَال حق الْغُزَاة من غير نفع يرجع إِلَيْهِم وَهل يجوز أَن يتْرك قَتلهمْ بالمفاداة بِأَن يفادى بهم أسرى الْمُسلمين عِنْد أبي حنيفَة لَا تجوز المفاداة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد تجوز المفاداة بهم وَلَا يجوز مفاداة أسر الْكفَّار بِمَال يُؤْخَذ مِنْهُم وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة ثمَّ للْإِمَام خِيَار آخر فِي حق أهل الْكتاب وَعَبدَة الْأَوْثَان من الْعَجم أَن يعْقد مَعَهم عقد الذِّمَّة على أَن يقبلُوا الْجِزْيَة وَيتْرك الْأَرَاضِي فِي أَيْديهم بالخراج كَمَا فعل عمر ﵁ بسواد الْعرَاق فِي حق مُشْركي الْعَجم فَأَما فِي حق مُشْركي الْعَرَب فَلَا يجوز أَخذ الْجِزْيَة مِنْهُم كَمَا لَا يجوز الاسترقاق فَيقسم أراضيهم بَين الْغُزَاة لقَوْله ﵇ لَا يجْتَمع دِينَار فِي جَزِيرَة الْعَرَب وَمِنْهَا حكم الْخمس فَنَقُول إِن الْخمس فِي زَمَاننَا يقسم على ثَلَاثَة أسْهم سهم لِلْيَتَامَى وَسَهْم

стр. 993

للْمَسَاكِين وَسَهْم لأبناء السَّبِيل وَلم يكن ذكر هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف على طَرِيق الِاسْتِحْقَاق حَتَّى لَو صرف إِلَى صنف مِنْهُم جَازَ كَمَا فِي الصَّدَقَة وَاخْتلف مَشَايِخنَا قَالَ بَعضهم بِأَن فِي زمن النَّبِي ﵇ كَانَ يقسم على خَمْسَة أسْهم سهم للرسول ﷺ وَسَهْم لأقرباء الرَّسُول ﵇ للْفُقَرَاء دون الْأَغْنِيَاء وَقَالَ بَعضهم يصرف إِلَى الْفُقَرَاء والأغنياء من الأقرباء وَثَلَاثَة أسْهم إِلَى مَا ذكر الله تَعَالَى فِي الْكتاب وَهَذَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي يقسم على خَمْسَة أسْهم فسهم الرَّسُول يصرف إِلَى كل خَليفَة فِي زَمَانه وَسَهْم ذَوي الْقُرْبَى يصرف إِلَى بني هَاشم من أَوْلَاد فَاطِمَة وَغَيرهَا وَثَلَاثَة أسْهم أُخْرَى إِلَى مَا نَص الله عَلَيْهِم وَعِنْدنَا على الْوَجْه الَّذِي كَانَ وَقد بَقِي ثَابتا وهم فُقَرَاء الْقَرَابَة سوى سهم الرَّسُول ﵇ فَإِنَّهُ سقط بوفاته وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة ثمَّ الْخمس إِنَّمَا يجب فِيمَا يُؤْخَذ من أَمْوَال أهل الْحَرْب إِذا أَخذ إِمَّا بِإِذن الإِمَام أَو بِقُوَّة قوم لَهُم مَنْعَة وشوكة فَإِن الْغَنِيمَة اسْم لمَال يُؤْخَذ على طَرِيق الْقَهْر وَالْغَلَبَة أما فِي المنعة فَظَاهر وَكَذَا إِذا أذن الإِمَام لسرية أَو لوَاحِد حَتَّى يدْخل للإغارة بِخمْس مَا أَصَابَهُ لِأَنَّهُ أَخذ بِقُوَّة الإِمَام ومعونته والإمداد عِنْد الْحَاجة فَأَما إِذا دخل قوم لَا مَنْعَة لَهُم بِغَيْر إِذن الإِمَام وَأخذُوا شَيْئا لَا يجب فِيهِ الْخمس عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وهم بِمَنْزِلَة اللُّصُوص والتجار ظفروا بِمَال أهل الْحَرْب خُفْيَة وأخرجوه يكون ملكا لَهُم خَاصَّة وَلَا خمس فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بغنيمة هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم أَمْوَال الْكفَّار الَّتِي أخذت مِنْهُم

стр. 994

وَأما حكم أَمْوَالنَا الَّتِي أخذُوا من الْمُسلمين بالقهر وَالْغَلَبَة فِي دَار الْإِسْلَام فَقبل أَن يحرزوا بدار الْحَرْب لَا يثبت الْملك لَهُم وَإِن أحرزوا يثبت الْملك لَهُم عندنَا خلافًا لَهُ وَكَذَا الْجَواب فِي عبيدنا إِذا أخذُوا فِي دَار الْإِسْلَام فَأَما إِذا أبق العَبْد منا وَدخل دَار الْحَرْب ثمَّ أَخَذُوهُ وأسروه لَا يصير ملكا لَهُم عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يملكونه وَأَجْمعُوا أَنهم إِذا أخذُوا مدبرينا ومكاتبينا وَأُمَّهَات أَوْلَادنَا أَنهم لَا يملكُونَ حَتَّى لَو وجد الْملك الْقَدِيم يَأْخُذهُ من غير شَيْء قبل الْقِسْمَة وَبعد الْقِسْمَة وَفِي يَد التَّاجِر فَأَما كل مَال ملكوه فَإِن وجد قبل الْقِسْمَة يُؤْخَذ بِغَيْر شَيْء وَإِن كَانَ بعد الْقِسْمَة يُؤْخَذ بِالْقيمَةِ وَإِن وجد فِي يَد تَاجر أخرجه إِلَى دَار الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يَأْخُذ بِالثّمن إِن شَاءَ لِأَن للْمَالِك الْقَدِيم حق التَّمَلُّك بِالْبَدَلِ كالشفيع وَهَذَا فِي غير الْمكيل وَالْمَوْزُون فَأَما فِي الْمِثْلِيَّات فَلَا يَأْخُذ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي أَن يَأْخُذ شَيْئا وَيُعْطِي مثله وَلَو أَن حَرْبِيّا دخل دَار الْإِسْلَام بِغَيْر أَمَان يصير فَيْئا لجَماعَة الْمُسلمين حَتَّى لَو أسلم قبل أَن يَأْخُذهُ وَاحِد من الْمُسلمين فَإِنَّهُ لَا يعْتق وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة فَأَما عِنْدهمَا فَيصير ملكا للآخذ حَتَّى لَو أسلم قبل الْأَخْذ يكون حرا وَأَجْمعُوا أَنه إِذا عَاد إِلَى دَار الْحَرْب قبل الْأَخْذ ثمَّ أسلم يكون حرا لِأَن حق أهل دَار الْإِسْلَام لم يتَأَكَّد عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لم يثبت فَإِن دخل بِأَمَان ثمَّ أَخذ يَصح الْأمان وَلَا يصير ملكا للآخذ لَكِن يَقُول لَهُ الإِمَام إِن رجعت قبل سنة فَلَا شَيْء عَلَيْك وَإِن

стр. 995

مَضَت سنة وضعت عَلَيْك الْجِزْيَة وصرت ذِمِّيا فَإِن ذهب قبل مُضِيّ السن وَإِلَّا صَار رَاضِيا بِالذِّمةِ وَيصير ذِمِّيا

стр. 996

بَاب أَخذ الْجِزْيَة وَحكم الْمُرْتَدين أما حكم الْجِزْيَة فَنَقُول إِن أَخذ الْجِزْيَة وَعقد الذِّمَّة مَشْرُوع فِي حق جَمِيع الْكفَّار إِلَّا فِي حق مُشْركي الْعَرَب والمرتدين فَإِنَّهُ لَا يقبل مِنْهُم الْجِزْيَة كَمَا لم يشرع فيهم الاسترقاق فَأَما فِي حق أهل الْكتاب فَلقَوْله تَعَالَى ﴿هم المعتدون﴾ وَأما فِي حق الْعَجم فبحديث عمر ﵁ أَن فتح سَواد الْعرَاق وَضرب الْجِزْيَة على جَمَاعَتهمْ وَوضع الْخراج على أراضيهم ثمَّ الْجِزْيَة إِنَّمَا تشرع فِي حق المقاتلين من الرِّجَال الْعُقَلَاء الْأَحْرَار الأصحاء دون النِّسَاء وَالصبيان والمجانين والأرقاء لِأَنَّهَا تجب على من يجب عَلَيْهِ الْقَتْل ثمَّ الْجِزْيَة على التَّفَاوُت فِي حق الْمُوسر المكثر فِي كل سنة ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ درهما وَفِي حق الْمُتَوَسّط أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ وَفِي حق الْفَقِير المعتمل أَعنِي الْقَادِر على الْعَمَل وَالْكَسْب اثْنَا عشر درهما حَتَّى لَا يجب على الزَّمن وَالْأَعْمَى وَالشَّيْخ الفاني إِذا لم يَكُونُوا أَغْنِيَاء وَإِذا

стр. 997

كَانُوا أَغْنِيَاء فَكَذَلِك فِي ظَاهر الرِّوَايَة لِأَن هَؤُلَاءِ لَيْسُوا من التقل وَعَن أبي يُوسُف فِي رِوَايَة أَنه يجب على الْأَغْنِيَاء مِنْهُم وعَلى هَذَا فِي التغلبي الْفَقِير الَّذِي لَا يقدر على الْعَمَل لَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَن الصَّدَقَة المضاعفة جِزْيَة حَقِيقَة وَكَذَلِكَ إِن مرض الذِّمِّيّ أَكثر السّنة لَا تجب الْجِزْيَة لِأَن الصِّحَّة شَرط وَكَذَلِكَ أهل الصوامع والرهابين والسياحون يُؤْخَذ مِنْهُم الْخراج إِذا كَانُوا مِمَّن يقدرُونَ على الْعَمَل وَعَن مُحَمَّد أَنه لَا خراج عَلَيْهِم لأَنهم لَا يقتلُون إِذا لم يكن مِنْهُم شَرّ ظَاهر فَلَا تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة ثمَّ الْجِزْيَة تجب زجرا لَهُم عَن الْكفْر فِي الْمُسْتَقْبل عِنْد أبي حنيفَة حَتَّى تُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة فِي السّنة الَّتِي يعْقد فِيهَا الذِّمَّة وَإِذا مَضَت السّنة لَا يُؤْخَذ مِنْهُم الْجِزْيَة فِي السّنة الَّتِي يعْقد فِيهَا الذِّمَّة وَإِذا مَضَت السّنة لَا يُؤْخَذ لما مضى وَعِنْدَهُمَا تُؤْخَذ مَا دَامَ ذِمِّيا لما مضى ولقب الْمَسْأَلَة أَن الموانيد هَل تُؤْخَذ أم لَا فَعنده لَا تُؤْخَذ خلافًا لصاحبيه وَأما إِذا أسلم الذِّمِّيّ أَو مَاتَ تسْقط الْجِزْيَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَأما حكم أهل الرِّدَّة فَنَقُول لَهُم أَحْكَام من ذَلِك أَن الرجل الْمُرْتَد يقتل لَا محَالة إِذا لم يسلم وَلَا يسترق لَكِن الْمُسْتَحبّ أَن يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام أَولا فَإِن أسلم وَإِلَّا

стр. 998

فَيقْتل من سَاعَته إِذا لم يطْلب التَّأْجِيل فَأَما إِذا طلب التَّأْجِيل إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام لينْظر فِي أمره فَإِنَّهُ يُؤَجل وَلَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَكِن مَشَايِخنَا قَالُوا الأولى أَن يُؤَجل ثَلَاثَة أَيَّام وَيحبس ويعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَإِذا وَقع الْيَأْس فَحِينَئِذٍ يقتل فَأَما الْمَرْأَة فَلَا تقتل عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَلكنهَا تحبس وتجبر على الْإِسْلَام وتضرب فِي كل ثَلَاثَة أَيَّام إِلَى أَن تسلم وَكَذَا الْجَواب فِي الْأمة إِلَّا أَن الْأمة تحبس فِي بَيت الْمولى لِأَن ملكه قَائِم بِخِلَاف الْمُرْتَدَّة الْمَنْكُوحَة فَإِن النِّكَاح قد بَطل بِالرّدَّةِ وَلَو لحقت بدار الْحَرْب ثمَّ ظهر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم لَهُم أَن يسترقوا الْمُرْتَدَّة دون الْمُرْتَد فَأَما الصَّبِي الْعَاقِل إِذا ارْتَدَّ فَردته صَحِيحَة عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد كإسلامه وَعند أبي يُوسُف إِسْلَام صَحِيح دون ارتداده وَعند الشَّافِعِي لَا يَصح كِلَاهُمَا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة لَكِن لَا يقتل ويعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَلَكِن لَا يحبس وَلَا يضْرب وَإِذا بلغ الْآن يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام جبرا وَيحبس وَيضْرب لَكِن لَا يقتل لِأَنَّهُ لَا يجب الْقَتْل بِهَذِهِ الرِّدَّة وعَلى هَذَا الصَّبِي إِذا حكم بِإِسْلَامِهِ تبعا لِأَبَوَيْهِ ثمَّ بلغ كَافِرًا وَلم يسمع مِنْهُ الْإِقْرَار بعد الْبلُوغ فَإِنَّهُ يجْبر على الْإِسْلَام وَلَكِن لَا يقتل أَيْضا فَأَما إِذا سمع مِنْهُ الْإِقْرَار بعد الْبلُوغ يقتل إِذا ارْتَدَّ والسكران إِذا ارْتَدَّ فِي حَال ذهَاب عقله فَالْقِيَاس أَن تصح ردته فِي حق الْأَحْكَام وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا تصح وَإِن ذهب عقله بِسَبَب

стр. 999

البرسام وَالْإِغْمَاء فَارْتَد فِي تِلْكَ الْحَالة لَا تصح ردته قِيَاسا واستحسانا لِأَن الْكفْر لَا يَصح بِدُونِ الْقَصْد وَمِنْهَا حكم مَال الْمُرْتَد وتصرفاته قَالَ أَبُو حنيفَة إِنَّه مَوْقُوف فَإِن مَاتَ أَو قتل على ردته أَو لحق بدار الْحَرْب بَطل جَمِيع ذَلِك إِلَّا أَن يَدعِي ولد جَارِيَة لَهُ فَيثبت نسبه وَتصير الْجَارِيَة أم ولد لَهُ وَإِن أسلم صَحَّ ذَلِك كُله لِأَن مَاله مَوْقُوف عِنْده بَين أَن يصير لوَرثَته من وَقت الرِّدَّة وَبَين أَن يبْقى لَهُ إِذا أسلم فالتصرفات المبنية عَلَيْهِ كَذَلِك وَعند أبي يُوسُف تَصَرُّفَاته صَحِيحَة مثل تصرف الصَّحِيح وَعند مُحَمَّد تَصَرُّفَاته مثل تصرف الْمَرِيض لَا تصح تبرعاته إِلَّا من الثُّلُث لِأَن عِنْدهمَا ملكه بَاقٍ بعد الرِّدَّة وَإِنَّمَا يَزُول بِالْمَوْتِ وَالْقَتْل وإلحاق بدار الْحَرْب وَأما حكم مَال الْمُرْتَدَّة وتصرفاتها فَمثل قَوْلهمَا فِي الْمُرْتَد عِنْد أبي حنيفَة لِأَنَّهَا لَا تقتل وَمِنْهَا حكم مِيرَاث الْمُرْتَد وَإِذا مَاتَ أَو قتل أَو لحق بدار الْحَرْب وَترك مَاله فِي دَار الْإِسْلَام قَالَ أَبُو حنيفَة فَمَا اكْتَسبهُ فِي حَال الْإِسْلَام فَهُوَ مِيرَاث لوَرثَته الْمُسلمين وَمَا اكْتَسبهُ فِي حَال الرِّدَّة فَهُوَ فَيْء وَعِنْدَهُمَا الْكل مِيرَاث ثمَّ عِنْدهمَا يعْتَبر حَال الْوَارِث وَقت الْمَوْت وَالْقَتْل دون الرِّدَّة فَإِن كَانَ مُسلما حرا يَرث وَإِلَّا فَلَا وَعَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة يعْتَبر حَال الرِّدَّة لَا غير وَفِي رِوَايَة يعْتَبر حَال الرِّدَّة والدوام إِلَى وَقت الْمَوْت وَالْقَتْل

стр. 1000

وَكَذَلِكَ إِذا لحق بدار الْحَرْب فَإِنَّهُ يُورث مَاله لِأَن اللحاق بدار الْحَرْب بِمَنْزِلَة الْمَوْت لَكِن هَل يشْتَرط قَضَاء القَاضِي بلحاقه فَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَلَكِن القَاضِي يحكم بِعِتْق أُمَّهَات أَوْلَاده ومدبريه وَأما الْمكَاتب فَإِذا أدّى بدل الْكِتَابَة إِلَى ورثته عتق وَيكون الْوَلَاء للمرتد وَيقوم الْوَرَثَة مقَامه فِي حق قبض بدل الْكِتَابَة كَمَا إِذا مَاتَ الْمولى وَترك مكَاتبا وَلَو أَن الْمُرْتَد بَعْدَمَا لحق بدار الْحَرْب عَاد إِلَى دَار الْإِسْلَام مُسلما فَإِن كَانَ قبل قَضَاء القَاضِي بلحاقه فَمَا لَهُ على حَاله وَلم يعْتق مدبروه ومكاتبوه وَأُمَّهَات أَوْلَاده وَإِن كَانَ بعد الْقَضَاء فَمَا وجد من مَاله فِي يَد وَارثه بِحَالهِ فَهُوَ أَحَق بِهِ كَأَنَّهُ وهب مِنْهُ وَله أَن يرجع وَمَا زَالَ عَن ملكه بالتمليك أَو بِالْأَكْلِ فَلَا رُجُوع فِيهِ وَلَا سَبِيل لَهُ على أُمَّهَات الْأَوْلَاد والمدبرين وَلَا يفْسخ عتقهم لِأَنَّهُ لَا يحْتَمل الْفَسْخ وَإِن وجد بدل الْكِتَابَة فِي يَد الْوَرَثَة يَأْخُذهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْء على الْوَرَثَة

стр. 1001

بَاب أَحْكَام الْبُغَاة قَالَ إِذا خرج طَائِفَة على الإِمَام على التَّأْوِيل وخالفوا الْجَمَاعَة فَإِن لم يكن لَهُم مَنْعَة فللإمام أَن يَأْخُذهُمْ ويحبسهم حَتَّى يحدثوا تَوْبَة وَإِن كَانَت لَهُم مَنْعَة فَإِنَّهُ يجب على الَّذين لَهُم قُوَّة وشوكة أَن يعينوا إِمَام أهل الْعدْل ويقاتلوهم حَتَّى يهزموهم ويقتلوهم وَبعد الانهزام يقتلُون مدبريهم وأسرائهم ويجهزون على جريحهم وَأَصله قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَينهمَا فَإِن بَغت إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ وَإِن عَفا الإِمَام عَن أسرائهم فَلَا بَأْس بِهِ أَيْضا وَإِن لم يكن لَهُم مَنْعَة ينحازون إِلَيْهَا فَلَيْسَ للْإِمَام أَن يقتل أَسْرَاهُم وَلَا مدبريهم وَلَكِن يحبسهم حَتَّى يحدثوا تَوْبَة ثمَّ يخلى سبيلهم ثمَّ بعد التَّوْبَة مَا أَخذ الإِمَام من أَمْوَالهم وسلاحهم وَهُوَ قَائِم يرد إِلَيْهِم وَمَا استهلكوه فَلَا ضَمَان عَلَيْهِم وَكَذَا فِي جَانب أهل الْبَغي إِذا أتلفوا أَمْوَال أهل الْعدْل

стр. 1002

وَأَصله حَدِيث الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ وَقعت الْفِتْنَة فَاجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وهم متوافرون على أَن كل دم أريق بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَهُوَ هدر وكل مَا أتلف بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَلَا ضَمَان فِيهِ وكل فرج استبيح بِتَأْوِيل الْقُرْآن فَلَا حد فِيهِ وَمَا كَانَ قَائِما يرد وَهَذَا إِذا أتلفوا فِي حَال التجبر والمنعة فَأَما إِذا أتلفوا مَالهم ونفوسهم قبل ظُهُور المنعة أَو بعد الانهزام فَإِنَّهُم يضمنُون لأَنهم من أهل دَار الْإِسْلَام وَهَذَا جَوَاب الحكم وَإِنَّمَا نعني بِهِ أَن يضمن كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ للْآخر مَا أتلف من الْأَنْفس وَالْأَمْوَال لكَونهَا معصومة فِي هَذِه الْحَالة إِلَّا بطرِيق الدّفع ثمَّ كل من لَا يُبَاح قَتله من أهل الْحَرْب لَا يُبَاح قَتله من أهل الْبَغي إِلَّا إِذا وجد الْقِتَال من العبيد والنسوان والشيوخ فيحنئذ يقتلُون فِي حَالَة الْقِتَال وَبعد الانهزام لَا يُبَاح وَيكرهُ أَن يبْعَث برؤوس الْبُغَاة أَو الحربى إِلَى الْآفَاق إِلَّا إِذا كَانَ فِي ذَلِك وَهن لَهُم فَلَا بَأْس بِهِ ثمَّ قَتْلَى أهل الْعدْل شُهَدَاء يفعل بهم مثل مَا يفعل بِالشُّهَدَاءِ يكفنون فِي ثِيَابهمْ وَلَا يغسلون وَيصلى عَلَيْهِم فَأَما قَتْلَى أهل الْبَغي فَلَا يصلى عَلَيْهِم سَوَاء كَانَ لَهُم مَنْعَة أَو لم يكن وَهُوَ الصَّحِيح وَلَكِن يغسلون ويكفنون ويدفنون لِأَن هَذَا من شِيمَة الْمَوْتَى وَأما قَضَاء قَاضِي أهل الْبَغي بِشَهَادَة أهل الْبَغي فَلَا يَصح لاحْتِمَال أَنه قضى بِمَا هُوَ بَاطِل عندنَا لأَنهم يسْتَحلُّونَ أَمْوَالنَا ودماءنا وَلَا يقبل قَاضِي أهل الْعدْل كتاب قاضيهم لما ذكرنَا من الِاحْتِمَال

стр. 1003

وَإِذا تَابُوا وَرَجَعُوا ينظر الإِمَام فِي قضاياه فَإِن قضى بِمَا هُوَ الْحق بِشَهَادَة أهل الْعدْل ينفذ وَإِلَّا فَيرد الْكل وَأما إِذا نصبوا قَاضِيا من أهل الْعدْل فَإِن قَضَاءَهُ نَافِذ لِأَن لَهُم شَوْكَة وَقُوَّة وَأمكن للْقَاضِي تَنْفِيذ قضاياه بقواهم وَالله أعلم

стр. 1004

كتاب الشّرْب فِي هَذَا الْكتاب فصلان أَحدهمَا فِي أَحْكَام الشّرْب الثَّانِي فِي أَحْكَام الْأَرَاضِي أما الأول فَنَقُول إِن الْمِيَاه أَنْوَاع أَرْبَعَة مَاء مَمْلُوك وَهُوَ مَا أحرز فِي الْأَوَانِي وَحكمه حكم سَائِر الْأَمْلَاك لَيْسَ لأحد فِيهِ حق وَلَا يحل لأحد أَن يَأْخُذهُ وَلَا أَن يشربه إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة القاتلة بِأَن أَصَابَهُ الْعَطش على وَجه يهْلك فَيُبَاح لَهُ الْأَخْذ وَالشرب وَلَو منع صَاحبه لَهُ أَن يقاتله بِالسِّلَاحِ حَتَّى يتَمَكَّن من تنَاوله بِقدر مَا يدْفع بِهِ عطشه إِذا كَانَ مَعَه فضل مَاء عَن حَاجته الماسة وَفِي الطَّعَام يُبَاح لَهُ أَن يَأْخُذ جبرا وقهرا وَلَكِن لَا يُقَاتل بِالسِّلَاحِ كَمَا قَالَ بعض الْمَشَايِخ وَقَالَ بَعضهم هَذَا فِي البئرالخاص وَالنّهر الْخَاص فَإِن حق الشّفة ثَابت لكل النَّاس فَمن منع حَقه لَهُ أَن يُقَاتل مَعَه فَأَما فِي المَاء الْمَمْلُوك فَعِنْدَ الضَّرُورَة القاتلة يُبَاح لَهُ الْأَخْذ قهرا لَكِن لَا يُقَاتل كَمَا فِي الطَّعَام

стр. 1005

وَالثَّانِي المَاء الَّذِي يكون فِي الْبِئْر والحوض وَالْعين الْمَمْلُوكَة لَهُ فَهُوَ حق خَاص لَهُ كالمملوك لَكِن لعامة النَّاس حق الشّفة من هَذَا المَاء حَتَّى يشرب بِنَفسِهِ وَيَأْخُذ المَاء لنَفسِهِ ولمواشيه وَلَيْسَ لصَاحب المَاء حق الْمَنْع وَهُوَ معنى قَوْله ﵇ النَّاس شُرَكَاء فِي الثَّلَاث فِي المَاء والكلأ وَالنَّار وَلَكِن لَو أَرَادَ أحد أَن يسْقِي زرعه من ذَلِك المَاء لَا يجوز لَهُ ذَلِك ويمنعه السُّلْطَان عَنهُ لِأَن هَذَا يبطل حَقه لِأَنَّهُ لَو أطلق هَذَا لشاركه فِيهِ كل من يُمكنهُ سقِِي أرضه مِنْهُ فَيبْطل حَقه أصلا وَالثَّالِث أَن يكون نَهرا مُشْتَركا بَين جمَاعَة محصورة حَتَّى يثبت الشُّفْعَة بِسَبَب الشّركَة فِيهِ كَانَ لهَؤُلَاء الشُّرَكَاء حق السَّقْي بِقدر شركتهم فِي النَّهر وَلَيْسَ لغَيرهم حق السَّقْي للمزارع وَالْأَشْجَار إِنَّمَا لَهُم حق الشّفة وَلَو أَرَادَ وَاحِد من الشُّرَكَاء أَن يكْرِي نَهرا صَغِيرا وَيَأْخُذ المَاء من النَّهر الْمُشْتَرك فيسوق إِلَى أَرض أَحْيَاهَا لَيْسَ لَهَا مِنْهُ شرب لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِرِضا الشُّرَكَاء وَكَذَلِكَ إِذا أَرَادَ أَن ينصب عَلَيْهِ رحى لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِرِضا الشُّرَكَاء لِأَن بقْعَة الرَّحَى حق وَملك لجماعتهم فَإِذا بنى اخْتصَّ بِتِلْكَ الْبقْعَة وَانْقطع حق الشُّرَكَاء عَنْهَا فَيمْنَع أما إِذا كَانَ مَوضِع الرَّحَى ملكه موليس فِيهِ ضَرَر بالشركاء بِأَن كَانَ المَاء يُدِير الرَّحَى وَيجْرِي المَاء على سنَنه فِي النَّهر فَلَيْسَ لَهُم حق الْمَنْع لِأَن المَاء مُشْتَرك بَينهم وَلكُل وَاحِد مِنْهُم أَن ينْتَفع بِحقِّهِ على وَجه لَا يتَضَرَّر بِهِ شركاؤه فَأَما إِذا كرى نَهرا من هَذَا النَّهر وعرج المَاء حَتَّى يصل إِلَى الرَّحَى

стр. 1006

الْمَمْلُوكَة لَهُ فِي أرضه فيدير رحاه ثمَّ يجْرِي النَّهر من أَسْفَله لَيْسَ لَهُ ذَلِك لِأَن فِيهِ ضَرَرا بالشركاء بِقطع المَاء عَن سنَنه فَيتَأَخَّر وُصُول حَقهم إِلَيْهِم وينتقص فِي الْجُمْلَة أَيْضا وَكَذَا الْجَواب فِي نصب الدالية والسانية وَالرَّابِع الْأَنْهَار الْعِظَام كالفرات والدجلة والجيحون وَغَيرهَا فَلَا حق لأحد فِيهَا على الْخُصُوص بل هُوَ حق الْعَامَّة فَكل من يقدر على سقِِي أراضيه مِنْهَا فَلهُ ذَلِك وَكَذَا نصب الرَّحَى والدالية وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا إِذْ لم يكن فِيهِ ضرب بالنهر الْعَظِيم أما إِذا كَانَ فِيهِ ضرب فَيمْنَع عَن ذَلِك ثمَّ كري الْأَنْهَار الْعِظَام على السُّلْطَان من مَال بَيت المَال لِأَن مَنْفَعَتهَا ترجع إِلَى عَامَّة النَّاس فَيكون مؤونة ذَلِك فِي مَال الْعَامَّة وَهُوَ مَال بَيت المَال وَأما كري النَّهر الْمُشْتَرك بَين أَقوام معلومين فَعَلَيْهِم وَاخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة ذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة عَلَيْهِم جَمِيعًا أَن يكروا من أَعْلَاهُ فَإِذا جَاوز أَرض رجل وَاحِد دفع عَنهُ حِصَّته يكرن الْكرَى على من بَقِي وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد الكري عَلَيْهِم جَمِيعًا من أَوله إِلَى آخِره بحصص الشّرْب وَالْأَرْض

стр. 1007

وَبَيَان ذَلِك أَن النَّهر إِذا كَانَ بَين عشرَة وَلكُل وَاحِد مِنْهُم عَلَيْهِ أراض على السوَاء فَإِن الكري من فوهة النَّهر إِلَى أَن يُجَاوز شرب أَوَّلهمْ بَينهم على عشرَة أسْهم على كل وَاحِد مِنْهُم الْعشْر فَإِذا تجَاوز شرب الأول خرج هُوَ من الكري وَيكون الكري على البَاقِينَ على تِسْعَة أسْهم فَإِذا تجَاوز شرب الثَّانِي سَقَطت عَنهُ النَّفَقَة وَيكون الكري على البَاقِينَ على ثَمَانِيَة أسْهم على هَذَا التَّرْتِيب وَقَالا إِن المؤونة بَينهم على عشرَة أسْهم من أول النَّهر إِلَى آخِره فهما يَقُولَانِ إِن لصَاحب الْأَعْلَى مَنْفَعَة فِي حفر الْأَسْفَل فَإِنَّهُ مسيل مائَة كَمَا أَن لصَاحب الْأَسْفَل مَنْفَعَة فِي الْأَعْلَى ثمَّ حفر الْأَعْلَى مُشْتَرك فَكَذَلِك الْأَسْفَل وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِن فوهة النَّهر مُشْتَركَة لَا يتَوَصَّل أحدهم إِلَى الِانْتِفَاع بشربه إِلَّا بحفرها وَكَذَا حفر مَا بعْدهَا فَإِذا تجَاوز شرب أحدهم فَلَا حق لَهُ فيحفر مَا بعد أرضه لِأَن ذَلِك ملك الْبَاقِي لَا ملكه إِنَّمَا لَهُ حق تسييل المَاء فِيهِ فَتكون المؤونة على الْمَالِك لَا على صَاحب الْحق كَمَا فِي مسيل المَاء على سَطَعَ مَمْلُوك لغيره وَإِذا كَانَ نهر لرجل بَين أراض فَاخْتَلَفُوا فِي المسناة قَالَ صَاحب الأَرْض هِيَ ملكي وَقَالَ صَاحب النَّهر هِيَ ملكي وَلَا يعرف أَن المسناة فِي يَد من هِيَ وَفِي تصرف من هِيَ قَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ ملك صَاحب الأَرْض حَتَّى إِن لَهُ أَن يغْرس فِيهَا ويزرع وَيمْنَع صَاحب النَّهر عَن إِلْقَاء الطين فِيهَا وَعَن الْمُرُور فِيهَا إِلَّا أَنه لَيْسَ لَهُ أَن يحْفر المسناة فيسيل مَاء النَّهر فِي غير مَوْضِعه فَيكون حق صَاحب النَّهر فِي إمْسَاك المَاء لَا غير وعَلى قَوْلهمَا إِنَّمَا هِيَ ملك صَاحب النَّهر وَمن مَشَايِخنَا من قَالَ إِن هَذَا الْخلاف مَبْنِيّ على أَن النَّهر هَل لَهُ حَرِيم أم لَا فَإِن كرى رجل نَهرا فِي أَرض موَات بِإِذن السُّلْطَان فَعِنْدَ

стр. 1008

أبي حنيفَة لَيْسَ لَهُ حَرِيم وَعِنْدَهُمَا لَهُ حَرِيم فَكَانَ الظَّاهِر شَاهدا لصَاحب النَّهر عِنْدهمَا وَلَيْسَ بِشَاهِد لَهُ عِنْد أبي حنيفَة لَكِن أهل التَّحْقِيق من مَشَايِخنَا قَالُوا لَا خلاف أَن للنهر حريما فِي أَرض موَات فَإِن النَّبِي ﵇ جعل للبئر حريما فَيكون جعله ذَاك جعلا للنهر حريما بطرِيق الأولى لشدَّة حَاجَة النَّهر إِلَى الْحَرِيم وَلَكِن الْخلاف هَاهُنَا فِيمَا إِذا لم يعرف أَن المسناة فِي يَد صَاحب النَّهر بِأَن كَانَت مُتَّصِلَة بالأراضي مُسَاوِيَة لَهَا وَلم تكن أَعلَى مِنْهَا فَالظَّاهِر شَاهد أَنَّهَا من جملَة أراضيه إِذْ لَو لم تكن هَكَذَا لكَانَتْ أَعلَى لإلقاء الطين فِيهَا وَنَحْو ذَلِك وَعِنْدَهُمَا الظَّاهِر شَاهد لصَاحب النَّهر لكَونه حريما لَهُ فَوَقع الْكَلَام بَينهم فِي التَّرْجِيح ثمَّ الشّرْب الْخَاص أَو الْمُشْتَرك لَا يجوز بَيْعه وهبته وَنَحْو ذَلِك إِلَّا الْوَصِيَّة وَيجْرِي فِيهِ الْإِرْث لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَين مَال بل هُوَ حق مَالِي فَأَما إِذا بَاعَ تبعا لأرضه جَازَ وَيصير الشّرْب لصَاحب الأَرْض وَإِنَّمَا يدْخل الشّرْب إِذا ذكره صَرِيحًا فِي البيع أَو يذكر إِنِّي بِعْت الأَرْض بحقوقها أَو بمرافقها أَو بِكُل قَلِيل وَكثير هُوَ لَهَا دَاخل فِيهَا وخارج مِنْهَا من حُقُوقهَا فَحِينَئِذٍ يدْخل فَأَما فِي الْإِجَارَة فَيدْخل الشّرْب من غير ذكر لِأَن الِانْتِفَاع بِالْأَرْضِ الْمُسْتَأْجرَة لَا يكون إِلَّا بِالْمَاءِ بِخِلَاف البيع أما أَحْكَام الْأَرَاضِي فَهِيَ أَنْوَاع وَأَرْض مَمْلُوكَة عامرة لَا يجوز لأحد التَّصَرُّف فِيهَا وَالِانْتِفَاع بهَا إِلَّا بِرِضا صَاحبهَا وَالثَّانيَِة أَرض خراب انْقَطع مَاؤُهَا وَهِي ملك صَاحبهَا لَا تَزُول

стр. 1009

عَنهُ إِلَّا بإزالته وتورث عَنهُ إِذا مَاتَ وَهَذَا إِذا عرف صَاحبهَا وَإِن لم يعرف فَحكمهَا حكم اللّقطَة الثَّالِثَة الأَرْض الْمُبَاحَة وَتسَمى الْموَات وَهِي نَوْعَانِ أَحدهمَا مَا يكون تبعا لبَعض الْقرى مرعى لمواشيهم ومحتطبا لَهُم فَهِيَ حَقهم لَا يجوز للْإِمَام أَن يقطعهَا من أحد لِأَن فِي ذَلِك ضَرَرا بهؤلاء وَلَكِن ينْتَفع بالحطب والقصب الَّتِي فِيهَا هَؤُلَاءِ وَغَيرهم وَلَيْسَ لَهُم أَن يمنعوها عَن غَيرهم لِأَنَّهَا لَيست بِملك لَهُم وَالْحَد الْفَاصِل أَن يسمع صَوت الرجل من أدنى الأَرْض الْمَمْلُوكَة إِلَيْهِ فَمَا لم يسمع صَوته فِيهِ فَهِيَ لَيست بتابعة لقريتهم وَالنَّوْع الثَّانِي مَا لَا يكون تبعا لقرية من الْقرى فَهِيَ على الْإِبَاحَة من أَحْيَاهَا بِإِذن الإِمَام فَعِنْدَ أبي حنيفَة تكون ملكا لَهُ وَعِنْدَهُمَا بِغَيْر إِذن الإِمَام تصير ملكا لَهُ وَيصير هُوَ أَحَق بهَا من غَيره ملكا والإحياء أَن يَبْنِي ثمَّة بِنَاء أَو يحْفر نَهرا أَو يَجْعَل للأراضي مسناة وَنَحْو ذَلِك أما إِذا وضع أحجارا حولهَا وَجعل ذَلِك حدا فَإِنَّهُ لَا تصير ملكا لَهُ وَلَكِن يكون هُوَ أَحَق بِالِانْتِفَاعِ بهَا بسبق يَده على مَا رُوِيَ مني مناخ من سبق ثمَّ فِي الْأَرَاضِي الْمَمْلُوكَة لَا شركَة لأحد فِي الْحَطب والقصب مِنْهَا وَإِنَّمَا لَهُم حق فِي الْكلأ وَلَيْسَ لأربابها منع الْغَيْر عَن ذَلِك للْحَدِيث الَّذِي روينَا وَلَو منع عَن الدُّخُول يَقُول لَهُ أخرج الْكلأ إِلَى الطَّالِب وَإِلَّا فَاتْرُكْهُ حَتَّى يدْخل فيحصد بِنَفسِهِ وَهَكَذَا المروج الْمَمْلُوكَة والأجمة الْمَمْلُوكَة فِي حق الْكلأ والسمك لَا فِي الْحَطب والقصب

стр. 1010

ثمَّ إِذا حفر نَهرا هَل لَهُ حَرِيم عِنْد بعض الْمَشَايِخ على الْخلاف الَّذِي ذكرنَا فِي المسناة وَعند بَعضهم لَهُ حَرِيم بِقدر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ بالِاتِّفَاقِ لإلقاء الطين وَنَحْوه وَاخْتلف أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد فِي مِقْدَاره قَالَ أَبُو يُوسُف قدر عرض نصف النَّهر من هَذَا الْجَانِب وَقدر النّصْف من الْجَانِب الآخر وَقَالَ مُحَمَّد قدر عرض جَمِيع النَّهر من كل جَانب وَكَذَا الِاخْتِلَاف فِي الْحَوْض فَأَما حَرِيم بِئْر العطن فأربعون ذِرَاعا بِالْإِجْمَاع وحريم الْعين خَمْسمِائَة ذِرَاع من كل جَانب بِالْإِجْمَاع وَاخْتلفُوا فِي بِئْر الناضح قَالَ أَبُو حنيفَة أَرْبَعُونَ من كل جَانب وَقَالا سِتُّونَ ذِرَاعا

стр. 1011

كتاب الْأَشْرِبَة قَالَ يحْتَاج إِلَى تَفْسِير أَسمَاء الْأَشْرِبَة الْمُحرمَة فِي الْجُمْلَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا أما الْأَسْمَاء فثمانية الْخمر وَالسكر ونقيع الزَّبِيب ونبيذ التَّمْر والفضيخ والباذق والطلاء وَيُسمى المثلث والجمهوري وَيُسمى أَبُو يوسفي أما الْخمر فَهُوَ اسْم للنيء من مَاء الْعِنَب بَعْدَمَا غلي وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد وَسكن عَن الغليان وَصَارَ صافيا وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِذا غلي وَاشْتَدَّ فَهُوَ خمر وَإِن لم يسكن عَن الغليان وَأما السكر فَهُوَ النيء من مَاء الرطب بَعْدَمَا غلي وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد وَسكن غليانه عِنْده وَعِنْدَهُمَا إِذا غلي وَلم يسكن غليانه وَأما نَقِيع الزَّبِيب فَهُوَ الزَّبِيب إِذا نقع فِي المَاء حَتَّى خرجت حلاوته إِلَى المَاء من غير طبخ وَأما نَبِيذ التَّمْر فَيَقَع على المَاء الَّذِي نقع فِيهِ التَّمْر فَخرجت حلاوته ثمَّ اشْتَدَّ وغلي وَقذف بالزبد وَهَذَا الأسم يَقع على الْمَطْبُوخ والنيء مِنْهُ

стр. 1012

وَأما الفضيخ فَهُوَ الْبُسْر إِذا خرج مِنْهُ المَاء وغلي وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد وَذَلِكَ بِأَن يكسر ويدق يُسمى فضيخا لِأَنَّهُ يفضخ أَي يكسر ويرض وَأما الباذق فَهُوَ اسْم لما طبخ أدنى من مَاء الْعِنَب حَتَّى ذهب أقل من الثُّلثَيْنِ سَوَاء كَانَ أقل من الثُّلُث أَو النّصْف أَو طبخ أدنى طبخه بَعْدَمَا صَار مُسكرا وَسكن عَن الغليان وَأما الطلاء فَهُوَ اسْم للمثلث وَهُوَ الْمَطْبُوخ من مَاء الْعِنَب بَعْدَمَا ذهب ثُلُثَاهُ وَبَقِي الثُّلُث وَصَارَ مُسكرا وَأما الجمهوري فَهُوَ الطلاء الَّذِي يلقى فِيهِ المَاء حَتَّى يرق وَيعود إِلَى الْمِقْدَار الَّذِي كَانَ فِي الأَصْل ثمَّ طبخ أدنى طبخه وَصَارَ مُسكرا وَهَذَا بَيَان الْأَسْمَاء أما بَيَان الْأَحْكَام فَنَقُول أما الْخمر فلهَا أَحْكَام سِتَّة الأول تَحْرِيم شرب قليلها وكثيرها وَيحرم الِانْتِفَاع بهَا للتداوي وَغَيره لَكِن عِنْد أبي حنيفَة مَا لم تسكن من الغليان يُبَاح شربهَا وَعِنْدَهُمَا إِذا صَار مُسكرا يحرم شربه وَإِن لم يسكن من الغليان قَالَ ﵇ حرمت الْخمر لعينها قليلها وكثيرها وَالسكر من كل شراب وَالثَّانِي تَكْثِير جَاحد حرمتهَا لِأَن حرمتهَا ثبتَتْ بِنَصّ الْكتاب وَالثَّالِث يحرم تمليكها وتملكها بِسَبَب الْملك من البيع وَالْهِبَة وَغَيرهمَا مِمَّا للعباد فِيهِ صنع وَالرَّابِع هِيَ نجسه نَجَاسَة غَلِيظَة حَتَّى إِذا أصَاب الثَّوْب أَكثر

стр. 1013

من قدر الدِّرْهَم يمْنَع جَوَاز الصَّلَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿رِجْس من عمل الشَّيْطَان﴾ وَالْخَامِس يجب الْحَد بِشرب قليلها وكثيرها بِإِجْمَاع الصَّحَابَة عَلَيْهِ وَالسَّادِس يجب فِيهِ الْحَد مُقَدرا بِثَمَانِينَ سَوْطًا فِي حق الْأَحْرَار وَفِي حق العبيد نصف ذَلِك وَأما حكم السكر ونقيع الزَّبِيب وَالتَّمْر من غير طبخ والفضيخ والباذق فواحد وَهُوَ أَنه يحرم شرب قليلها وكثيرها لَكِن هَذِه الْحُرْمَة دون حُرْمَة الْخمر حَتَّى إِن من جحد حُرْمَة هَذِه الْأَشْرِبَة لَا يكفر بِخِلَاف الْخمر وَكَذَا لَا يجب الْحَد بِشرب قليلها وَإِنَّمَا يجب الْحَد بالسكر وَقَالَ بعض النَّاس بِإِبَاحَة هَذِه الْأَشْرِبَة مثل بشر المريسي وَغَيره لوُرُود الْأَخْبَار فِي إِبَاحَة شربهَا وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي النَّجَاسَة فَفِي رِوَايَة عَن أبي حنيفَة أَنه نجس الْعين كَالْخمرِ وَيمْنَع من جَوَاز الصَّلَاة مَا كَانَ مُقَدرا بِأَكْثَرَ من قدر الدِّرْهَم وَفِي رِوَايَة ظَاهر وَعَن أبي يُوسُف أَنه اعْتبر فِيهِ الْكثير الْفَاحِش أَو مَا بيع هَذِه الْأَشْرِبَة وتمليكها فَجَائِز عِنْد أبي حنيفَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا يجوز ذَلِك فهما يَقُولَانِ إِن المَال مَا يُبَاح الِانْتِفَاع بِهِ

стр. 1014

حَقِيقَة وَشرعا وَهَذِه الْأَشْرِبَة لَا يُبَاح شربهَا وَلَا الِانْتِفَاع بهَا شرعا فَلَا تكون مَالا كَالْخمرِ أَبُو حنيفَة يَقُول إِن الْأَخْبَار تَعَارَضَت فِي هَذِه الْأَشْرِبَة فِي الْحل وَالْحُرْمَة فَقُلْنَا بِحرْمَة الشّرْب احْتِيَاطًا وَلَا تبطل الْمَالِيَّة الثَّابِتَة فِي الْحَالة الأولى احْتِيَاطًا لِأَن الِاحْتِيَاط لَا يجْرِي فِي إبِْطَال حُقُوق النَّاس وَأما حكم الطلاء وَحكم مطبوخ التَّمْر وَالزَّبِيب أدنى طبخ على السوَاء فالقليل مِنْهُ حَلَال ظَاهر والمسكر حرَام وَهُوَ الْقدح الَّذِي يسكر فَإِذا سكر يجب عَلَيْهِ الْحَد وَيجوز بَيْعه وتمليكه وَيضمن متلفه وَهَذَا فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَعَن مُحَمَّد رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة أَنه حرَام شربه لَكِن لَا يجب الْحَد مَا لم يسكر وَهُوَ قَول الشَّافِعِي وَفِي رِوَايَة قَالَ لَا أحرمهُ وَلَكِن لَا أشْرب مِنْهُ وَالصَّحِيح قَوْلهمَا بِاتِّفَاق عَامَّة الصَّحَابَة على إِبَاحَة شربه حَتَّى إِن عِنْد أبي حنيفَة هَذَا من عَلامَة مَذْهَب السّنة وَالْجَمَاعَة حَتَّى سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ السّنة أَن تفضل الشَّيْخَيْنِ وتحب الختنين إِلَى أَن قَالَ وَلَا تحرم نَبِيذ الْجَرّ ثمَّ مَا سوى هَذِه الْأَشْرِبَة مِمَّا يتَّخذ من الْحِنْطَة وَالشعِير والذرة وَالسكر والفانيذ وَالْعَسَل والتين فَهِيَ مُبَاحَة وَإِن سكر مِنْهَا وَلَا حد على من سكر مِنْهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيح من الرِّوَايَة لِأَن هَذِه من جملَة الْأَطْعِمَة وَلَا عِبْرَة بالسكر فَإِن فِي بعض الْبِلَاد قد يسكر الْمَرْء من الْخبز وَنَحْوه والبنج يسكر وَلبن الرمكة يسكر

стр. 1015

وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَن الْمُسكر مِنْهُ حرَام كَمَا فِي المثلث وَلَكِن إِذا سكر مِنْهُ لَا حد فِيهِ بِخِلَاف المثلث ثمَّ حد السكر الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ وجوب الْحَد وَالْحُرْمَة عِنْد أبي حنيفَة أَن يَزُول عقله بِحَيْثُ لَا يفهم شَيْئا وَعِنْدَهُمَا إِذا كَانَ غَالب كَلَامه الهذيان فَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة غَايَة السكر فَاعْتبر الْكَمَال فِي دَرْء الْحَد وَلَو كَانَ الْخمر فِيهَا حموضة غالبة وفيهَا طعم المرارة لكنه مغلوب فَإِنَّهُ لَا يحل مَا لم يزل من كل وَجه وهما اعتبرا الْغَالِب فَيحل عِنْدهمَا وَيحرم على الْأَب أَن يسْقِي الصّبيان خمرًا وَعَلِيهِ الْإِثْم فِي الشّرْب وَكَذَلِكَ لَو سقى الدَّوَابّ حَتَّى سكرت ثمَّ ذَبحهَا لَا يحرم أكل لَحمهَا وَلَو نقعت فِيهَا الْحِنْطَة ثمَّ غسلت حَتَّى زَالَ طعمها ورائحتها يحل أكلهَا وَلَو ألْقى فِي الْخمر علاجا من الْملح والمسك وَالْبيض والخل حَتَّى صَارَت حامضا يحل شربهَا عندنَا وَصَارَت خلا وَعند الشَّافِعِي لَا يحل ولقب الْمَسْأَلَة أَن تَحْلِيل الْخمر بالعلاج هَل يُبَاح أم لَا وَلَو نقل الْخمر من الظل إِلَى الشَّمْس وَمن الشَّمْس إِلَى الظل حَتَّى تصير حامضا تحل عندنَا وَللشَّافِعِيّ فِيهِ قَولَانِ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَالله أعلم

стр. 1016

كتاب الْحَظْر وَالْإِبَاحَة سمى مُحَمَّد بن الْحسن ﵀ ومشايخنا هَذَا الْكتاب كتاب الِاسْتِحْسَان لما فِيهِ من الْمسَائِل الَّتِي استحسنها الْعقل وَالشَّرْع وَالشَّيْخ أَبُو الْحسن الْكَرْخِي سَمَّاهُ كتاب الْحَظْر وَالْإِبَاحَة لما فِيهِ من بَيَان أَحْكَام الْحَظْر وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة وَالنَّدْب على الْخُصُوص وَبَدَأَ الْكتاب بِإِبَاحَة الْمس وَالنَّظَر إِلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء فَنَقُول النسوان على أَرْبَعَة أَنْوَاع نوع مِنْهَا الزَّوْجَات والمملوكات بِملك الْيَمين وَنَوع مِنْهَا الأجنبيات وَذَوَات الرَّحِم الَّتِي لَا يحرم نِكَاحهنَّ وَنَوع آخر ذَوَات الرَّحِم الْمحرم والمحارم الَّتِي لَا رحم لَهَا كالمحرمة بِالرّضَاعِ والصهرية وَنَوع آخر مملوكات الْغَيْر أما النَّوْع الأول فَيحل للزَّوْج وللمالك النّظر والمس من قرنها إِلَى قدمهَا عَن شَهْوَة وَيحل الِاسْتِمْتَاع فِي الْفرج وَمَا دون الْفرج إِلَّا فِي حَالَة الْحيض فَإِنَّهُ لَا يُبَاح الْوَطْء فِي هَذِه الْحَالة مَا لم تطهر وَهل يُبَاح الْجِمَاع فِيمَا دون الْفرج قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا

стр. 1017

يُبَاح الِاسْتِمْتَاع إِلَّا فَوق الْإِزَار وَقَالَ مُحَمَّد يجْتَنب شعار الدَّم وَيحل لَهُ مَا وَرَاء ذَلِك من غير إِزَار وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي تَفْسِير قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف مَا فَوق الْإِزَار بَعضهم قَالُوا أَرَادَ مَا فَوق السُّرَّة من الْبَطن وَنَحْوه وَلَا يُبَاح مَا دون السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ بِهِ أَنه يحل الِاسْتِمْتَاع مَعَ الْإِزَار لَا مكشوفا وَكَذَا لَا يحل الِاسْتِمْتَاع بالدبر عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَقَالَ بعض أَصْحَاب الظَّوَاهِر يُبَاح وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون﴾ ﴿إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين﴾ من غير فصل إِلَّا أَن حَالَة الْحيض صَارَت مُسْتَثْنَاة لقَوْله تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى﴾ وَصَارَ الِاسْتِمْتَاع بالدبر مُسْتَثْنى بأجماع الصَّحَابَة وَبِحَدِيث عَليّ ﵁ أَن النَّبِي ﵇ قَالَ من أَتَى حَائِضًا أَو امْرَأَة فِي دبرهَا أَو أَتَى كَاهِنًا فَصدقهُ فِيمَا يَقُول فَهُوَ كَافِر بِمَا أنزل على مُحَمَّد ﷺ وَأما النّظر إِلَى عين الْفرج فمباح أَيْضا لِأَن الِاسْتِمْتَاع مُبَاح فالنظر أولى لَكِن لَيْسَ من الْأَدَب النّظر إِلَى فرج نَفسه أَو إِلَى فرجهَا وأصل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت قبض رَسُول الله ﷺ وَمَا نظرت إِلَى مَا مِنْهُ وَمَا نظر إِلَى مَا مني وَأما النَّوْع الثَّانِي وَهُوَ الْمَحَارِم من ذَوَات الرَّحِم والمحارم الَّتِي لَا وَالركبَة وَإِلَى الْبَطن وَالظّهْر وَيُبَاح النّظر إِلَى مَا سوى ذَلِك من الشّعْر والصدر والساعدين والساقين وَنَحْوهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يبدين زينتهن﴾ رحم لَهَا من الأجنبيات فَنَقُول

стр. 1018

النّظر حرَام إِلَى هَؤُلَاءِ إِلَى مَا بَين السُّرَّة ﴿إِلَّا لبعولتهن﴾ وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ غَالب رَأْيه أَنه لَا يَشْتَهِي فَأَما إِذا كَانَ غَالب حَاله أَنه يَشْتَهِي فَلَا يُبَاح لَهُ النّظر وَمَا عرفت من الْجَواب فِي حق النّظر فَهُوَ الْجَواب فِي حق الْمس أَنه لَا يُبَاح لَهُ مس الْأَعْضَاء الَّتِي لَا يُبَاح لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَيُبَاح مس الْأَعْضَاء الَّتِي يُبَاح لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَهَذَا إِذا كَانَت الْأَعْضَاء مكشوفة فَأَما إِذا كَانَت مَعَ الثِّيَاب وَاحْتَاجَ ذُو الرَّحِم الْمحرم إِلَى مس هَذِه الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة وَرَاء الثَّوْب للإركاب والإنزال والوضع فِي الْقَبْر واللحد فَلَا بَأْس بذلك إِذا كَانَ لَا يَشْتَهِي لأجل الْحَاجة وَأما النَّوْع الثَّالِث وَهُوَ مملوكات الْغَيْر فَحكمهَا وَحكم ذَوَات الرَّحِم الْمحرم فِي حُرْمَة النّظر والمس سَوَاء وَأما النَّوْع الرَّابِع وَهُوَ الأجنبيات وَذَوَات الرَّحِم بِلَا محرم فَإِنَّهُ يحرم النّظر إِلَيْهَا أصلا من رَأسهَا إِلَى قدمهَا سوى الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِالنّظرِ إِلَيْهِمَا من غير شَهْوَة فَإِن كَانَ غَالب رَأْيه أَنه يَشْتَهِي يحرم أصلا وَأما الْمس فَيحرم سَوَاء عَن شَهْوَة أَو عَن غير شَهْوَة وَهَذَا إِذا كَانَت شَابة فَإِن كَانَت عجوزا فَلَا بَأْس بالمصافحة إِن كَانَ غَالب رَأْيه أَنه لَا

стр. 1019

يَشْتَهِي وَلَا تحل المصافحة إِن كَانَت تشْتَهي وَإِن كَانَ الرجل لَا يَشْتَهِي فَإِن كَانَ عِنْد الضَّرُورَة فَلَا بَأْس بِالنّظرِ وَإِن كَانَ يَشْتَهِي كَالْقَاضِي وَالشَّاهِد ينظر إِلَى وَجههَا عِنْد الْقَضَاء وَتحمل الشَّهَادَة أَو كَانَ يُرِيد تزَوجهَا لِأَن الْغَرَض لَيْسَ هُوَ اقْتِضَاء الشَّهْوَة على مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ للْمُغِيرَة بن شُعْبَة لَو نظرت إِلَيْهَا لأحرى أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا وَأما النّظر إِلَى الْقَدَمَيْنِ هَل يحرم ذكر فِي كتاب الِاسْتِحْسَان هِيَ عَورَة فِي حق النّظر وَلَيْسَ بِعَوْرَة فِي حق الصَّلَاة وَكَذَا ذكر فِي الزِّيَادَات إِشَارَة إِلَى أَنَّهَا لَيست بِعَوْرَة فِي حق الصَّلَاة وَذكر ابْن شُجَاع عَن الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنَّهَا لَيست بِعَوْرَة فِي حق النّظر كالوجه وَالْكَفَّيْنِ وَأما الرِّجَال فِي حق الرِّجَال فَيُبَاح لكل وَاحِد النّظر إِلَى الآخر سوى مَا بَين الرّكْبَة إِلَى السُّرَّة وَالركبَة عَورَة عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ والسرة لَيست بِعَوْرَة عندنَا وَعِنْده عَورَة وَكَذَلِكَ النِّسَاء فِي حق النِّسَاء يُبَاح النّظر إِلَى جَمِيع الْأَعْضَاء سوى مَا بَين الرّكْبَة إِلَى السُّرَّة وَمَا يُبَاح النّظر يُبَاح الْمس من غير شَهْوَة وَلَا يُبَاح الْمس وَالنَّظَر إِلَى مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة إِلَّا فِي حَالَة الضَّرُورَة بِأَن كَانَت الْمَرْأَة ختانة تختن النِّسَاء أَو كَانَت تنظر إِلَى الْفرج لمعْرِفَة الْبكارَة أَو كَانَ فِي مَوضِع الْعَوْرَة قرح أَو جرح يحْتَاج إِلَى التَّدَاوِي وَإِن كَانَ لَا يعرف ذَلِك إِلَّا الرجل يكْشف ذَلِك الْموضع الَّذِي فِيهِ جرح وقرح فَينْظر إِلَيْهِ ويغض الْبَصَر مَا اسْتَطَاعَ

стр. 1020

وَكَذَا يُبَاح للنِّسَاء النّظر إِلَى الرِّجَال إِلَّا فِيمَا بَين السُّرَّة إِلَى الرّكْبَة لِأَن هَذَا لَيْسَ بِعَوْرَة فَإِن الرِّجَال قد يكونُونَ فِي إِزَار وَاحِد فِي الْأَسْوَاق وَلم يُنكر عَلَيْهِم أحد
следующие страницы →