Полный текст (1 060 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
فصل فِي الْإِيصَاء
الله جلّ ذكره نقُول الْإِيصَاء جَائِز
وَلَا بُد لَهُ من الْقبُول من الْمُوصي لِأَنَّهُ مُتَبَرّع بِالْعَمَلِ فِيهِ فَلَا بُد من قبُوله
وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يعْتَبر الْقبُول بعد الْمَوْت كَمَا فِي الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لِأَنَّهُ إِيجَاب بعد الْمَوْت لَكِن جَازَ هَاهُنَا الْقبُول فِي حَال الْحَيَاة بِخِلَاف الْوَصِيَّة بِالْمَالِ لضَرُورَة أَن الْمَيِّت إِنَّمَا يُوصي إِلَى من يعْتَمد عَلَيْهِ من الأصدقاء والأمناء فَلَو اعْتبر الْقبُول بعد الْمَوْت فَرُبمَا لَا يقبل فَلَا يحصل غَرَضه وَهُوَ الْمُوصي الَّذِي اخْتَارَهُ
وَإِذا صَحَّ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن كَانَ الْمُوصي حَاضرا أَو غَائِبا
فَإِن كَانَ حَاضرا وَقبل مُوَاجهَة صَحَّ
وَلَو أَرَادَ أَن يرد الْوِصَايَة وَيرجع لَا يَصح بِدُونِ محْضر الْمُوصي أَو علمه لما فِيهِ من الْغرُور بِهِ
وَإِذا رد فِي المواجهة صَحَّ
فَأَما إِذا كَانَ غَائِبا فَبَلغهُ الْخَبَر فَقبل فَلَا يَصح رده إِلَّا بِحَضْرَة الْمُوصي
وَإِذا بلغه وَلم يقبل ورده صَحَّ بِغَيْر محضره لِأَنَّهُ لَيْسَ بغرور
وَأما إِذا بلغه بعد الْمَوْت فَإِذا قبل أَو تصرف فِي التَّرِكَة تَصرفا يدل
стр. 912
على قبُوله فَلَا يَصح رده إِلَّا عِنْد الْحَاكِم لِأَنَّهُ قَائِم مقَام الْمُوصي كَالْوَكِيلِ لَا يملك عزل نَفسه فِي حَال غيبَة الْمُوكل وَيملك فِي حَال حَضرته
فَأَما إِذا لم يقبل ورد كَمَا علم يَصح وَله الْخِيَار بَين أَن يقبل وَيرد لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فِي الْعَمَل فَلَا يجْبر عَلَيْهِ
وَلَو لم يعلم القَاضِي بِأَن للْمَيت وَصِيّا وَالْوَصِيّ غَائِب فأوصى إِلَى رجل فالوصي هُوَ وَصِيّ الْمَيِّت دون وَصِيّ القَاضِي لِأَنَّهُ اتَّصل بِهِ اخْتِيَار الْمَيِّت كَمَا إِذا كَانَ القَاضِي عَالما
ثمَّ للْقَاضِي أَن يعْزل وَصِيّ الْمَيِّت إِذا كَانَ فَاسِقًا غير مَأْمُون على التَّرِكَة
وَإِن كَانَ ثِقَة لكنه ضَعِيف لَا يقدر على التَّصَرُّف وَحفظ التَّرِكَة بِنَفسِهِ فَإِن القَاضِي يضم إِلَيْهِ غَيره وَلَا يعزله لاعتماد الْمُوصي عَلَيْهِ لأمانته فيحصيل الْغَرَض بهما
وَلَو أوصى الْمَيِّت إِلَى رجل ثمَّ أوصى إِلَى آخر كَانَ هَذَا اشتراكا فِي الْوِصَايَة مَا لم ينص على عزل الأول وإخراجه
وَكَذَلِكَ هَذَا من القَاضِي
وَلَو أَنه أوصى إِلَى رجل بِقَضَاء دينه وَأوصى إِلَى آخر بِأَن يعْتق عَنهُ فَهُوَ وصيان فيهمَا جَمِيعًا عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَكَذَلِكَ إِذا أوصى بِنَصِيب بعض وَلَده إِلَى رجل وبنصيب من بَقِي إِلَى آخر
وعَلى هَذَا لَو أوصى بميراثه فِي بلد إِلَى رجل وَفِي بلد آخر إِلَى آخر
وَكَذَلِكَ لَو أوصى بتقاضي الدّين إِلَى رجل وبنفقة الْوَرَثَة إِلَى آخر وبحفظ
стр. 913
المَال إِلَى آخر
وَكَذَا إِذا أوصى إِنْسَان للْحَال وَإِلَى آخر إِن قدم فَإِذا قدم فلَان فَهُوَ وَصِيّ دون الأول فهما وصيان فِي ذَلِك كُله عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف خلافًا ل مُحَمَّد لِأَن الْوِصَايَة لَا تتجزأ عِنْدهمَا مَتى ثبتَتْ فِي الْبَعْض تثبت فِي الْكل
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة فِيمَن أوصى إِلَى فلَان حَتَّى يقدم فلَان فَإِذا قدم فَهُوَ الْوَصِيّ دون الأول فَهُوَ كَمَا قَالَ فَيكون عَن أبي حنيفَة رِوَايَتَانِ فِي هَذَا
وَيجوز أَن يكون الأول قَول أبي يُوسُف خَاصَّة
وَعند وَمُحَمّد كل وَاحِد مِنْهُمَا وَصِيّ فِيمَا جعل إِلَيْهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من الْخلاف
وَلَو أوصى إِلَى رجل وَهُوَ وَصِيّ لرجل آخر فَإِنَّهُ يكون وَصِيّا فِي تركته وتركة الأول عندنَا خلافًا لِابْنِ أبي ليلى
وَلَو أوصى إِلَى رجلَيْنِ فَإِن أَحدهمَا لَا ينْفَرد بِتَصَرُّف يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَعند أبي يُوسُف ينْفَرد
ثمَّ إِن عِنْدهمَا ينْفَرد فِي أَشْيَاء مَخْصُوصَة بِأَن يكون فِي تَأْخِير التَّصَرُّف ضَرَر إِلَى حَضْرَة صَاحبه أَو لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي وَذَلِكَ نَحْو شِرَاء الْكَفَن وجهاز الْمَيِّت وَكَذَا جمع الْأَمْوَال المتفرقة من قبض الدُّيُون والودائع وَالْمَغْصُوب
وَكَذَلِكَ فِي أَدَاء مَا على الْمَيِّت من رد الودائع وَالْمَغْصُوب وَقَضَاء الدّين وتنفيذ الْوَصِيَّة بِأَلفَيْنِ أَو بِأَلف مُرْسلَة أَو بِإِعْتَاق عبد بِعَيْنِه بِخِلَاف الْوَصِيَّة بأعمال الْبر أَو إِعْتَاق عبد غير معِين لِأَنَّهُ يحْتَاج فِيهِ إِلَى الرَّأْي
وَكَذَا شِرَاء مَا لَا بُد للْيَتِيم مِنْهُ نَحْو الْإِنْفَاق وَالْكِسْوَة وَكَذَا قبُول
стр. 914
الْهِبَة وَبيع مَا يتسارع إِلَيْهِ الْفساد لِأَن فِيهِ مَنْفَعَة للصَّبِيّ
وَهَكَذَا ينْفَرد بِالْخُصُومَةِ للْمَيت وَعَلِيهِ
وَلَو مَاتَ أحد الْوَصِيّين وَأوصى إِلَى رجل آخر جَازَ وَيكون قَائِما مقامة
وَإِن لم يوص إِلَى آخر فللقاضي أَن ينصب وَصِيّا آخر حَتَّى ينفذ تصرفهما عِنْدهمَا خلافًا لأبي يُوسُف
ثمَّ وَصِيّ الْأَب أولى من الْجد
فَإِن لم يكن فالجد ثمَّ وَصِيّ الْجد
فَإِن لم يكن فَالْقَاضِي ووصي القَاضِي
ثمَّ ينظر إِن كَانَ فِي التَّرِكَة دين يملك الْوَصِيّ بيع كل شَيْء لقَضَاء الدّين من الْعقار وَالْمَنْقُول
وَإِن لم يكن دين وَالْوَرَثَة كلهم صغَار يملك بيع كل شَيْء وإمساك ثمنه وَالتَّصَرُّف فِيهِ
وَإِن كَانَ كلهم كبارًا وهم حُضُور لَيْسَ لَهُ ولَايَة بيع شَيْء إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ وَصَايَا
وَإِن كَانُوا غيبا يملك بيع الْمَنْقُول لِأَن حفظ الثّمن أيسر وَله ولَايَة حفظ مَال الْغَائِب وَلَا يملك بيع الْعقار
وَإِن كَانَ بَعضهم صغَارًا وَبَعْضهمْ كبارًا غيبا يملك بيع الْعقار عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لَا يَصح فِي حِصَّة الْكِبَار
وَأما وَصِيّ الْأُم وَالْأَخ وَالْعم فَهَؤُلَاءِ بِأَنْفسِهِم يملكُونَ حفظ مَال الصَّبِي وَبيع الْمَنْقُول لِأَنَّهُ من بَاب الْحِفْظ
стр. 915
وَلَو قَالَ لرجل إِن مت من مرضِي هَذَا أَو فِي سَفَرِي هَذَا فَأَنت وَصِيّ فِي مَالِي فبرأ وَلم يمت حَتَّى رَجَعَ من السّفر ثمَّ مَاتَ لَا يكون وَصِيّا لِأَنَّهُ تعلق بِشَرْط خَاص وَلم يُوجد
وَلَو أوصى إِلَى عبد إِنْسَان أَو إِلَى ذمِّي أَو إِلَى صبي عَاقل فَإِنَّهُ لَا ينفذ ويخرجه القَاضِي
وَلَو عتق العَبْد وَأسلم الذِّمِّيّ قبل إِخْرَاج القَاضِي تنفذ الْوَصَايَا
وَإِذا بلغ الصَّبِي لَا تنفذ عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا تنفذ
وَلَو تصرف العَبْد أَو الذِّمِّيّ قبل الْإِخْرَاج يَصح فِي رِوَايَة وَلَا يَصح فِي رِوَايَة وَفِي الصَّبِي لَا يَصح بِالْإِجْمَاع
وَلَو أوصى إِلَى عبد نَفسه فَإِن لم يكن فِي الْوَرَثَة كَبِير جَازَ عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما
وَلَو كَانَ فِي الْوَرَثَة كَبِير لَا يَصح بِالْإِجْمَاع
стр. 916
بَاب الرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة
أصل الْبَاب أَن الرُّجُوع فِي الْوَصِيَّة صَحِيح لِأَنَّهُ تبرع لم يتم لِأَن الْقبُول فِيهِ بعد الْمَوْت فَيملك الرُّجُوع كالرجوع عَن الْإِيجَاب فِي البيع قبيل الْقبُول
وَإِذا ثَبت أَنه يَصح الرُّجُوع فِيهِ فَكل فعل يُوجد من الْمُوصي فِيهِ دلَالَة على تبقية الْملك لنَفسِهِ يكون رُجُوعا
وكل فعل يدل على إبْقَاء العقد وتنفيذ الْوَصِيَّة لَا يدل على الرُّجُوع كَمَا إِذا وجد مِنْهُ فعل لَو فعل فِي ملك غَيره يَنْقَطِع حق الْملك للْمَالِك وَيصير ملكا لَهُ
فَإِذا فعل بعد الْوَصِيَّة فِي الْمُوصى بِهِ مَا يدل على إبْقَاء الْملك فِيهِ لنَفسِهِ فَيكون رُجُوعا كَمَا إِذا أوصى بِثَوْب ثمَّ قطعه وخاطه ونظائره كَثِيرَة
وَكَذَا إِذا اتَّصَلت بِعَين الْمُوصى بِهِ زِيَادَة لَا يُمكن تمييزها وَلَا يسْتَحق عَلَيْهِ نقضهَا فَإِنَّهُ يكون رُجُوعا لِأَنَّهُ لَا يُمكن تَسْلِيمهَا إِلَّا بِتَسْلِيم تِلْكَ الزِّيَادَة وَلَا يجب عَلَيْهِ ذَلِك فَيدل على الرُّجُوع وَذَلِكَ كالسويق إذالته بالسمن أَو بني بِنَاء فِي الدَّار الْمُوصى بهَا وَكَذَلِكَ لَو أوصى بِقطن ثمَّ حَشا بِهِ قبَاء وضربه أَو بِثَوْب فَجعله ظهارة أَو بطانة لِأَنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ نقض ذَلِك لكَونه تَصرفا فِي ملكه
وَكَذَلِكَ لَو أَزَال الْمُوصى بِهِ عَن ملكه بِأَن بَاعهَا ثمَّ اشْتَرَاهَا
стр. 917
بطلت الْوَصِيَّة
وَلَو ذبح الشَّاة تبطل الْوَصِيَّة بِنَفس الذّبْح لِأَنَّهُ يدل على الرُّجُوع لِأَن الذَّبِيحَة لَا تبقى إِلَى مَا بعد الْمَوْت
وَلَو أوصى بقميص ثمَّ نقضه وَجعله قبَاء يكون رُجُوعا
وَلَو لم يخطه قبَاء لَكِن نقض الْقَمِيص فِيهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخ
وَلَو أوصى بدار ثمَّ جصصها أَو هدمها لَا يكون رُجُوعا لِأَن الْبناء تبع والتجصيص زِينَة
وَكَذَلِكَ لَو غسل الثَّوْب الْمُوصى بِهِ لإِزَالَة الْوَسخ
وَلَو قَالَ أوصيت بِهَذَا العَبْد لفُلَان ثمَّ قَالَ أوصيت بِهَذَا لفُلَان آخر يكون شركَة
وَلَو قَالَ العَبْد الَّذِي أوصيت بِهِ لفُلَان هُوَ لفُلَان يكون للثَّانِي وَلَا يكون شركَة
وَلَو قَالَ العَبْد الَّذِي أوصيت بِهِ لفُلَان فقد أوصيت بِهِ لفُلَان يكون شركَة
وَلَو أوصى ثمَّ أنكر الْوَصِيَّة وجحدها فالجحود لَا يكون رُجُوعا عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد يكون رُجُوعا
وَلَو أوصى بِعَبْد لإِنْسَان ثمَّ قَالَ مَا أوصيت لفُلَان فَهُوَ لعَمْرو وَهُوَ حَيّ ثمَّ مَاتَ عَمْرو قبل موت الْمُوصي يكون مِيرَاثا لِأَن الْوَصِيَّة انْتَقَلت إِلَى عَمْرو فَإِذا مَاتَ قبل موت الْمُوصي بطلت الْوَصِيَّة فَيكون مِيرَاثا
وَلَو قَالَ مَا أوصيت لفُلَان فَهُوَ لعقب عَمْرو وَعَمْرو حَيّ فَإِن مَاتَ عَمْرو قبل موت الْمُوصي فَهُوَ لوَرَثَة عَمْرو لأَنهم صَارُوا عقبا
стр. 918
لَهُ قبل نَفاذ الْوَصِيَّة بِالْمَوْتِ وَلَو مَاتَ الْمُوصي وَعَمْرو حَيّ فَتكون الْوَصِيَّة لفُلَان لِأَنَّهُ لم تنْتَقل الْوَصِيَّة إِلَيْهِم لِأَن الْعقب لَا يكون قبل موت عَمْرو
وَلَو أوصى بِسيف لإِنْسَان فَهُوَ لَهُ بغمده وحمائله عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَهُ السَّيْف لَا غير
وَكَذَا لَو أوصى بالميزان والقبان والسرج فَعِنْدَ زفر يدْخل كل مَا كَانَ تَوَابِع ذَلِك الشَّيْء
وَعند أبي يُوسُف يدْخل مَا كَانَ مُتَّصِلا بِهِ
وَفِي الْمُصحف الَّذِي لَهُ غلاف عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف لَا يدْخل الغلاف
وَعند زفر يدْخل فَأَبُو يُوسُف مر على أَصله وَكَذَا زفر
وَأَبُو حنيفَة إِمَّا أَن يفرق بَين الْمُصحف وَسَائِر الْمسَائِل أَو يكون عَنهُ رِوَايَتَانِ
وَلَو أوصى بِشَيْء فِي الظّرْف فَإِن الْمُعْتَبر فِيهِ الْعَادة إِن كَانَ مِمَّا يُبَاع مَعَ الظّرْف يدْخل وَإِلَّا فَلَا
стр. 919
كتاب الْوكَالَة
يحْتَاج إِلَى بَيَان الْوكَالَة لُغَة وَشرعا وَإِلَى بَيَان أَنْوَاعهَا
أما الْوكَالَة فِي اللُّغَة فَهِيَ الْحِفْظ قَالَ الله تَعَالَى ﴿حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل﴾ أَي وَنعم الْحَافِظ
وَقد يُرَاد بهَا التَّفْوِيض يُقَال توكلت على الله أَي فوضت أَمْرِي إِلَيْهِ
وَفِي الشَّرْع كَذَلِك هِيَ تَفْوِيض التَّصَرُّف وَالْحِفْظ إِلَى الْوَكِيل
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا من قَالَ وكلت فلَانا فِي مَالِي يصير وَكيلا فِي الْحِفْظ لِأَنَّهُ أدنى
ثمَّ الْوكَالَة نَوْعَانِ أَحدهمَا فِي حُقُوق الله تَعَالَى والثانى فِي حُقُوق الْعباد أما الْوكَالَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى
فنوعان فِي الْإِثْبَات والاستيفاء
стр. 920
الأول التَّوْكِيل فِي إِثْبَات الْحُدُود وَهُوَ الَّذِي يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْخُصُومَة من حد السّرقَة وحد الْقَذْف وَفِيه خلاف قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد يجوز وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يجوز
وَكَذَا الْخلاف فِي إِثْبَات الْقصاص أَيْضا
أما فِي غَيرهمَا فَلَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْخُصُومَة فَلَا يَصح فِيهِ التَّوْكِيل فِي الْإِثْبَات بل يثبت ذَلِك عِنْد القَاضِي بالشهود وَالْإِقْرَار
وَأما فِي الِاسْتِيفَاء فَإِن كَانَ الْمَسْرُوق مِنْهُ حَاضرا والمقذوف يجوز التَّوْكِيل بِالِاسْتِيفَاءِ لِأَن ذَلِك إِلَى الإِمَام وَهُوَ لَا يقدر أَن يُبَاشر بِنَفسِهِ على كل حَال
وَإِن كَانَ غَائِبا اخْتلف الْمَشَايِخ قيل يجوز لِأَنَّهُ لَا يَصح الْعَفو وَالصُّلْح عَنْهُمَا
وَقيل لَا يجوز لِأَنَّهُ يحْتَمل الْإِقْرَار والتصديق
وَأما فِي الْقصاص فَإِن كَانَ الْوَلِيّ حَاضرا يجوز وَإِن كَانَ غَائِبا لَا يجوز لاحْتِمَال الْعَفو
وَأما الْوكَالَة فِي حُقُوق الْعباد فأنواع مِنْهَا الْوكَالَة فِي الْخُصُومَة فِي إِثْبَات الدّين وَالْعين والحقوق
وَاخْتلفُوا فِيهَا قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَصح من غير رضَا الْخصم إِلَّا من عذر السّفر أَو الْمَرَض أَو كَانَت امْرَأَة مخدرة
وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ جَوَاب أَصْحَابنَا فِي الرجل وَالْمَرْأَة سَوَاء وَإِنَّمَا هَذَا شَيْء استحسنه الْمُتَأَخّرُونَ
وعَلى قَول أبي يُوسُف وَمُحَمّد يَصح من غير رضَا الْخصم فِي الْأَحْوَال كلهَا وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
стр. 921
وَإِذا صَحَّ التَّوْكِيل بِالْخُصُومَةِ فَإِذا أقرّ الْوَكِيل على مُوكله فَعِنْدَ أبي حنيفَة وَمُحَمّد يَصح فِي مجْلِس الْقَضَاء وَلَا يَصح فِي غير مَجْلِسه
وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَصح فيهمَا جَمِيعًا
وَقَالَ زفر وَالشَّافِعِيّ لَا يَصح أصلا
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا اسْتثْنى الْإِقْرَار وتزكية الشُّهُود فِي عقد التَّوْكِيل يَصح وَيكون وَكيلا بالإنكار لَا غير
وَأما إِذا وكل بِالْخُصُومَةِ مُطلقًا ثمَّ اسْتثْنى الْإِقْرَار فِي كَلَام مُنْفَصِل فَعِنْدَ مُحَمَّد لَا يجوز وَعند أبي يُوسُف يَصح
وَأَجْمعُوا أَن إِقْرَار الْأَب وَالْوَصِيّ وَأمين القَاضِي على الصَّغِير لَا يَصح
وَأما التَّوْكِيل بِالْإِقْرَارِ إِن ثَبت عِنْده ذكر الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يجوز وَذكر فِي الْوكَالَة أَنه يجوز
وَالْوَكِيل بِالْخُصُومَةِ فِي مَال إِذا قضى القَاضِي بِالْمَالِ هَل يملك الْقَبْض فعندنا يملك وَعند زفر لَا يملك
أما الْوَكِيل بتقاضي الدّين فَيملك الْقَبْض أَيْضا فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَلَكِن أَصْحَابنَا الْمُتَأَخّرُونَ قَالُوا لَا يملك بِحكم الْعرف كالوكلاء فِي بَاب الْقَضَاء
وَأما الْوَكِيل بِقَبض الدّين فَهَل يملك الْخُصُومَة فِي إِثْبَات الدّين إِذا أنكر الْغَرِيم عِنْد أبي حنيفَة يملك وَعِنْدَهُمَا لَا يملك
وَأَجْمعُوا أَن الْوَكِيل بِقَبض الْعين إِذا أنكر الْغَرِيم لَا يملك الْخُصُومَة
стр. 922
وَأَجْمعُوا أَن الْوَكِيل بالملازمة لَا يملك الْقَبْض
وَقَالُوا فِي الْوَكِيل بِطَلَب الشُّفْعَة وبالرد بِالْعَيْبِ وبالقسمة إِنَّه يملك الْخُصُومَة
ثمَّ لكل وَاحِد من الْخَصْمَيْنِ أَن يعْزل وَكيله من غير محْضر من خَصمه إِلَّا إِذا كَانَ وَكيلا بالتماس الْخصم فَلَا بُد من حَضْرَة الْخصم حَتَّى يَصح عَزله وَلَكِن لَا بُد من علم الْوَكِيل أَو حَضرته حَتَّى يَصح عَزله حَتَّى لَا يُؤَدِّي إِلَى الْغرُور فِي حَقه
وَكَذَا الْجَواب فِي كل وكَالَة
وَإِذا بلغ الْوَكِيل الْخَبَر بِالْعَزْلِ بِالْكِتَابَةِ أَو بالرسالة يَنْعَزِل بِلَا خلاف
وَأما إِذا جَاءَهُ على وَجه الْخَبَر لم يَنْعَزِل عِنْد أبي حنيفَة حَتَّى يُخبرهُ رجل عدل أَو رجلَانِ على أَي صفة كَانَا فَالشَّرْط عِنْده أحد شطري الشَّهَادَة إِمَّا الْعَدَالَة أَو الْعدَد
وَعِنْدَهُمَا خبر الْوَاحِد مَقْبُول وَلَا يشْتَرط الْعَدَالَة لِأَن هَذَا من بَاب الْمُعَامَلَة
وَمِنْهَا الْوكَالَة بِقَبض الدّين صَحِيحَة لحَاجَة صَاحبه إِلَى قبض الْوَكِيل لعَجزه عَن قبض دُيُونه بِنَفسِهِ كلهَا إِلَّا أَن فِي قبض رَأس مَال السّلم وَثمن الصّرْف يَصح التَّوْكِيل فِي الْمجْلس لَا خَارج الْمجْلس لِأَن الْمُوكل يملك الْقَبْض فِي الْمجْلس لَا غير
وَإِذا قبض الْوَكِيل يبرأ الْمَدْيُون وَصَارَ الْمَقْبُوض ملكا لصَاحب الدّين وَيكون أَمَانَة فِي يَد الْوَكِيل وَيكون حكمه حكم الْمُودع فِي أَن يقبل قَوْله إِنَّه دَفعه إِلَى صَاحب الدّين وَفِي كل مَا يبرأ بِهِ الْمُودع من الْوَدِيعَة
стр. 923
وَلَيْسَ للْوَكِيل بِالْقَبْضِ أَن يُوكل غَيره لِأَنَّهُ رَضِي بِرَأْيهِ وأمانته وَحده
فَإِن فعل ذَلِك وَقبض الْوَكِيل الثَّانِي لم يبرأ الْغَرِيم من الدّين لِأَن التَّوْكِيل لم يَصح فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ إِلَّا إِذا وصل مَا قبض إِلَى الْوَكِيل الأول لِأَنَّهُ وصل إِلَى يَد من هُوَ نَائِب الْمَالِك فَإِن هلك فِي يَد الْقَابِض قبل ذَلِك ضمنه الَّذِي قَبضه وَلم يبرأ الدَّافِع من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ وَكَانَ للطَّالِب أَن يَأْخُذ الْغَرِيم بِدِينِهِ
فَإِذا أَخذه مِنْهُ رَجَعَ الْغَرِيم على من دَفعه إِلَيْهِ فَيرجع الْوَكِيل الثَّانِي على الأول إِن هلك مَا قبض فِي يَده إِلَّا إِذا قَالَ الْمُوكل للْوَكِيل بِالْقَبْضِ اصْنَع مَا شِئْت فَلهُ أَن يُوكل غَيره بِالْقَبْضِ
وَلَيْسَ للْوَكِيل بِقَبض الدّين أَن يَأْخُذ عينا مَكَانَهُ لِأَن هَذَا عقد مُعَاوضَة وَقد وَكله بِقَبض حَقه لَا غير لَا بالاستبدال وَلَا بالاعتياض
وَلَو وكل رجلَيْنِ بِقَبض دينه فَلَيْسَ لأَحَدهمَا أَن يقبض دون صَاحبه لِأَنَّهُ رَضِي برأيهما لَا بِرَأْي أَحدهمَا فَإِن قبض أَحدهمَا لم يبرأ الْغَرِيم حَتَّى يصل مَا قبض أَحدهمَا إِلَى صَاحبه فَيَقَع ذَلِك فِي أَيْدِيهِمَا جَمِيعًا أَو يصل إِلَى الْمُوكل لِأَن الْمَقْصُود بِالْقَبْضِ قد حصل فكأنهما قد قبضاه ابْتِدَاء
وَلَو أَن الْوَكِيل بِقَبض الدّين قَبضه فَوَجَدَهُ معيبا فَمَا كَانَ للْمُوكل رده فللوكيل رده وَأخذ بدله لِأَنَّهُ قَائِم مقَامه
وَلَو كَانَ لرجل على رجل دين فَجَاءَهُ رجل وَقَالَ لَهُ إِن الطَّالِب أَمرنِي بِقَبْضِهِ مِنْك فَدفعهُ إِلَيْهِ ثمَّ جَاءَ الطَّالِب وَأنكر أَن يكون أمره بذلك فَهَذَا على ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا إِن صدق الْوَكِيل بِالْوكَالَةِ وَدفعه إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَال لَهُ ادْفَعْ الدّين إِلَى الطَّالِب وَلَا حق لَك على الْوَكِيل لِأَنَّهُ أقرّ بِالْوكَالَةِ ذ
стр. 924
وَإِقْرَاره صَحِيح فِي حق نَفسه فَكَأَنَّهُ يَقُول إِن الطَّالِب ظَلَمَنِي بِالْقَبْضِ فَلَا أظلم الْوَكِيل الْقَابِض بِحَق
وَالثَّانِي إِن صدقه وَضَمنَهُ مَا دَفعه إِلَيْهِ ثمَّ حضر الْمُوكل وَرجع عَلَيْهِ رَجَعَ هُوَ على الْقَابِض لِأَنَّهُ وَإِن اعْترف أَنه قبض بِحَق وَأَن الطَّالِب ظَالِم فِيمَا قبض وَلكنه ضمنه مَا يَطْلُبهُ الطَّالِب بِغَيْر حق فَيصح الضَّمَان كَمَا لَو قَالَ مَا غصبك فلَان فَهُوَ عَليّ
وَالثَّالِث إِن كَانَ الْمَطْلُوب يَقُول كذب الْوَكِيل فِي الْوكَالَة أَو لم يصدق وَلم يكذب وَدفعه إِلَيْهِ ثمَّ حضر الطَّالِب وَأخذ مِنْهُ رَجَعَ على الْوَكِيل لِأَنَّهُ لما كذبه أَو لم يكذبهُ وَلم يصدقهُ ثمَّ طَالبه عَاد إِلَى التَّكْذِيب وَله ذَلِك فَلم يقر بِكَوْنِهِ قَابِضا بِحَق فَلهُ أَن يرجع
وَأما التَّوْكِيل بِالشِّرَاءِ فَنَقُول جملَة هَذَا أَن الْوكَالَة على ضَرْبَيْنِ وكَالَة عَامَّة ووكالة خَاصَّة
أما الْوكَالَة الْعَامَّة فَإِنَّهَا تصح مَعَ الْجَهَالَة الْكَثِيرَة كَمَا إِذا قَالَ اشْتَرِ لي مَا شِئْت أَو مَا رَأَيْت لِأَنَّهُ فوض الرَّأْي إِلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَة البضاعة وَالْمُضَاربَة
وَأما الْوكَالَة الْخَاصَّة فَالْقِيَاس أَن لَا تجوز مَا لم يذكر الْجِنْس وَقدر الثّمن وَالصّفة كَمَا فِي البيع
وَفِي الِاسْتِحْسَان أَن الْجَهَالَة الْيَسِيرَة لَا تمنع
وَإِنَّمَا تقل الْجَهَالَة إِذا كَانَ اسْم مَا وكل بِشِرَائِهِ لَا يتَنَاوَل إِلَّا نوعا وَاحِدًا وَذكر فِيهِ أحد أَمريْن إِمَّا الصّفة أَو مِقْدَار الثّمن
فَإِذا كَانَ الِاسْم يتَنَاوَل أنواعا مُخْتَلفَة أَو فِي حكم الْأَنْوَاع الْمُخْتَلفَة فَإِن الْجَهَالَة كَثِيرَة فَلَا تجوز الْوكَالَة وَإِن بَين مِقْدَار الثّمن أَو الصّفة أَو
стр. 925
كِلَاهُمَا مَا لم يبين مَعَ ذَلِك نوعا مِنْهُ
أما بَيَان الأول إِذا قَالَ الْمُوكل للْوَكِيل اشْتَرِ لي عبدا أَو جَارِيَة إِن بَين الثّمن أَو الصّفة بِأَن قَالَ تركيا أَو روميا أَو هنديا جَازَ لِأَنَّهُ تقل الْجَهَالَة بِذكر أَحدهمَا وبحال الْمُوكل
وَلَو قَالَ اشْتَرِ لي حمارا أَو بغلا أَو فرسا وَلم يبين لَهُ صفة وَلَا ثمنا قَالُوا يجوز لِأَن النَّوْع لم يخْتَلف وَالصّفة تكون مَعْلُومَة بِحَال الْمُوكل
وَلَو قَالَ اشْتَرِ شَاة أَو بقرة وَلم يبين لَهُ صفة وَلَا ثمنا لم يجز لِأَنَّهَا لَا تصير مَعْلُومَة الصّفة بِحَال الْمُوكل وَقد ذكرنَا أَنه لَا بُد من أَن تكون الصّفة أَو الثّمن مَعْلُوما
وَأما بَيَان الثَّانِي إِذا قَالَ اشْتَرِ لي حَيَوَانا أَو مَمْلُوكا أَو دَابَّة أَو ثوبا لَا يجوز وَإِن بَين الثّمن لِأَن الِاسْم يَقع على أَنْوَاع مُخْتَلفَة
وَكَذَا إِذا قَالَ اشْتَرِ لي جوهرا لما قُلْنَاهُ
وَكَذَا إِذا قَالَ اشْتَرِ لي حِنْطَة لَا تجوز الْوكَالَة مَا لم يبين الثّمن أَو عدد القفزان
وَلَو وَكله بشرَاء عبد أَو جَارِيَة وسمى الثّمن أَو الصّفة فَاشْترى أعمى أَو مَقْطُوع الْيَدَيْنِ أَو الرجلَيْن فَإِنَّهُ يجوز ذَلِك عِنْد أبي حنيفَة إِذا اشْترى مَا يُسمى عبدا أَو جَارِيَة وَعِنْدَهُمَا يجوز الْأَعْوَر أَو مَقْطُوع أحد الطَّرفَيْنِ فَأَما فَائت جنس الْمَنْفَعَة فَلَا يجوز
وَلَو وَكله بِأَن يَشْتَرِي لَهُ طَعَاما وَلم يبين لَهُ فَإِن كَانَ الثّمن قَلِيلا
стр. 926
يصرف إِلَى الْخبز وَإِن كثيرا انْصَرف إِلَى الْحِنْطَة والدقيق
وَلَو قَالَ اشْتَرِ لي بدرهم لَحْمًا انْصَرف إِلَى مَا يُبَاع فِي السُّوق فِي الْأَغْلَب دون لحم الْوَحْش وَالطير والسمك والشواء والمطبوخ
وَفِي الرَّأْس ينْصَرف إِلَى المشوي دون النيء وَيَقَع على رَأس الْغنم دون الْبَقر وَهُوَ أَمر مَبْنِيّ على الْعَادة
وَلَو قَالَ اشْتَرِ لي جَارِيَة بِعَينهَا بِمِائَة دِينَار فاشتراها بِدَرَاهِم تكون قدر قيمَة مائَة دِينَار أَو أقل جَازَ على الْآمِر فِي قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
وَقَالَ زفر لَا يلْزم الْآمِر وَهَذَا رِوَايَة الْحسن بن زِيَاد
وَقَالَ الْكَرْخِي الْمَشْهُور من قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد أَنه لَا يجوز أَن يَشْتَرِيهَا بِالدَّرَاهِمِ كَمَا قَالَ زفر لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ
ثمَّ الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ إِذا خَالف يصير مُشْتَريا لنَفسِهِ
فَأَما الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا خَالف يكون مَوْقُوفا على إجَازَة صَاحبه وَالْفرق ظَاهر
وَأما التَّوْكِيل بِالْبيعِ فَنَقُول عِنْد أبي حنيفَة الْوَكِيل بِالْبيعِ مُطلقًا لَهُ أَن يَبِيع بِمَا عز وَهَان بِأَيّ ثمن كَانَ وَإِن كَانَ غبنا فَاحِشا وَسَوَاء كَانَ الثّمن عينا أَو دينا
وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز إِلَّا أَن يَبِيع بالأثمان بِمثل قِيمَته
وَأما إِذا بَاعَ الْوَكِيل بعض مَا وكل بِبيعِهِ فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن كَانَ ذَلِك مِمَّا لَا ضَرَر فِي تبعيضه جَازَ بالِاتِّفَاقِ مثل الْمكيل وَالْمَوْزُون أَو يَبِيع شَيْئَيْنِ
وَإِن كَانَ فِي تبعيضه ضَرَر بِأَن كَانَ التَّوْكِيل بِبيع عبد
فَبَاعَ نصفه جَازَ عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا لَا يجوز إِلَّا أَن يُجِيزهُ الْمُوكل
стр. 927
ثمَّ الْوكَالَة نَوْعَانِ مِنْهَا مَا لَا حُقُوق لَهُ إِلَّا مَا أَمر بِهِ كَالْوكَالَةِ بتقاضي الدّين وَالْوكَالَة بالملازمة وَنَحْوهمَا
وَمِنْهَا مَا يكون حُقُوقه للْوَكِيل وَعَلِيهِ
وَمِنْهَا مَا يكون حُقُوقه للْمُوكل وَعَلِيهِ
فَكل مَا لَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى إِضَافَة العقد إِلَى الْمُوكل ويكتفي فِيهِ بِالْإِضَافَة إِلَى نَفسه كالبياعات والأشربة والإجارات وَالصُّلْح عَن إِقْرَار وَنَحْوهَا فَإِن الْحُقُوق ترجع إِلَى الْوَكِيل حَتَّى يجب عَلَيْهِ تَسْلِيم الْمَبِيع وَقبض الثّمن ويخاصم المُشْتَرِي الْوَكِيل فِي الْعَيْب وَيجب عَلَيْهِ الضَّمَان عِنْد الِاسْتِحْقَاق إِلَّا إِذا كَانَ العقد لَيْسَ من أهل لُزُوم الْعَهْد كَالصَّبِيِّ الْمَحْجُور وَالْعَبْد الْمَحْجُور وَالْقَاضِي وَأمين القَاضِي وَنَحْو ذَلِك
وللوكيل أَن يُوكل غَيره فِي الْحُقُوق
وَلَيْسَ للْمُوكل أَن يُبَاشر ذَلِك بِنَفسِهِ مَا دَامَ الْوَكِيل قَائِما فَإِن مَاتَ الْوَكِيل أَو جن جنونا مطبقا وَهُوَ شهر عِنْد أبي يُوسُف وحول عِنْد مُحَمَّد يخرج الْوَكِيل من الْوكَالَة وَترجع الْعهْدَة إِلَى الْمُوكل
وَأما مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَى الْإِضَافَة إِلَى الْمُوكل كَالنِّكَاحِ وَالْخلْع وَالطَّلَاق على مَال وَالصُّلْح عَن دم الْعمد وَالْعِتْق على مَال وَالْكِتَابَة وَالصُّلْح عَن إِنْكَار وَنَحْوهَا فالحقوق ترجع إِلَى الْمُوكل
ثمَّ الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا رد عَلَيْهِ الْمَبِيع بِالْعَيْبِ يملك أَن يَبِيعهُ مرّة أُخْرَى
وَكَذَلِكَ فِي كل مَا يكون هُوَ الْخصم فِيهِ
وَلَو أَن الْوَكِيل بِالْبيعِ إِذا أَبْرَأ المُشْتَرِي من الثّمن أَو أَجله أَو أَخذ بِالثّمن عوضا غَيره أَو صَالحه من الثّمن على شَيْء فَذَلِك كُله جَائِز
стр. 928
على الْوَكِيل عِنْد أبي حنيفَة وَيضمن للْمُوكل وعَلى قَوْلهمَا لَا يجوز شَيْء من ذَلِك
وَإِن ارْتَدَّ الْوَكِيل توقفت الْوكَالَة فَإِن أسلم جَازَ وَإِن قتل على ردته أَو لحق بدار الْحَرْب مُرْتَدا وَحكم بالحاقه تبطل وَعِنْدَهُمَا جَائِزَة وأصل الْمَسْأَلَة أَن تَصَرُّفَات الْمُرْتَد مَوْقُوفَة عِنْده وَعِنْدَهُمَا نَافِذَة
وتصرفات الْمُرْتَدَّة نَافِذَة بِلَا خلاف
فَإِن رَجَعَ مُسلما عَاد إِلَى وكَالَته عِنْد مُحَمَّد وَعند أبي يُوسُف لَا يعود
стр. 929
كتاب الْكفَالَة
قَالَ يحْتَاج إِلَى بَيَان الْكفَالَة لُغَة وَشرعا وَإِلَى بَيَان أَلْفَاظ الْكفَالَة وَإِلَى بَيَان شَرَائِط صِحَّتهَا وَإِلَى بَيَان أَنْوَاع الْمَكْفُول بِهِ وَإِلَى بَيَان أَحْكَامهَا
أما الأول فالكفالة لُغَة هِيَ الضَّم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وكفلها زَكَرِيَّا﴾ أَي ضمهَا إِلَى نَفسه
وَفِي الشَّرْع ضم ذمَّة إِلَى ذمَّة فِي حق الْمُطَالبَة أَو فِي حق أصل الدّين على حسب مَا اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
وَأما أَلْفَاظ الْكفَالَة فَأن يَقُول الْكَفِيل للطَّالِب دَعه فَأَنا ضَامِن مَا عَلَيْهِ أَو كَفِيل بذلك أَو قبيل أَو زعيم أَو هُوَ إِلَيّ أَو عَليّ أَو هُوَ لَك
стр. 930
عِنْدِي أَو هُوَ لَك قبلي
وَقد ذكرنَا فِي كتاب الْإِقْرَار إِذا قَالَ لفُلَان عِنْدِي كَذَا يكون إِقْرَارا بالوديعة وَهَاهُنَا يكون ضمانا لِأَن قَوْله عِنْدِي يحْتَمل هُوَ فِي يَدي وَيحْتَمل هُوَ فِي ذِمَّتِي فَيَقَع على الْأَدْنَى وَهُوَ الْوَدِيعَة فَأَما الدّين فَلَا يكون إِلَّا فِي الذِّمَّة وَلَا يكون فِي الْيَد فَحمل على الْوُجُوب هَاهُنَا
وَأما شرائطها فَمن ذَلِك أَن يكون الْكَفِيل من أهل التَّبَرُّع لِأَن الْكفَالَة تبرع بِالْتِزَام المَال
فَلَا يَصح فِي الصَّبِي وَالْعَبْد الْمَحْجُور عَلَيْهِ
وَكَذَا لَا تصح كَفَالَة الْمكَاتب
وَكَذَا كَفَالَة الْمَرِيض لَا تصح إِلَّا من الثُّلُث كتبرعه
وَمن شَرطهَا أَيْضا أَن يكون الدّين صَحِيحا سَوَاء كَانَ على الصَّغِير أَو العَبْد الْمَحْجُور لِأَنَّهُ يُطَالب بعد الْعتْق
أما الْكفَالَة بِبَدَل الْكِتَابَة فَإِنَّهُ لَا تجوز لِأَنَّهُ لَيْسَ بدين صَحِيح لِأَنَّهُ لَا يجب للْمولى على عَبده شَيْء وَإِنَّمَا وَجب مُخَالفا للْقِيَاس لصِحَّة الْكِتَابَة نظرا للْعَبد حَتَّى يصل إِلَى الْعتْق
وَأما الْمَكْفُول بِهِ فنوعان الدُّيُون والأعيان
وَمَا الْكفَالَة بالديون فصحيحة بِلَا خلاف وَصَاحب الدّين بِالْخِيَارِ إِن شَاءَ طَالب الْأَصِيل وَإِن شَاءَ طَالب الْكَفِيل وَلَا يُوجب بَرَاءَة الْأَصِيل عندنَا
стр. 931
وَعند ابْن أبي ليلى يُوجب الْبَرَاءَة وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ يصير الْكفَالَة وَالْحوالَة سَوَاء
وَأيهمَا اخْتَار مُطَالبَته لَا يبرأ الآخر بِخِلَاف غَاصِب الْغَاصِب مَعَ الْغَاصِب فَإِن للْمَالِك أَن يضمن أَيهمَا شَاءَ وَإِذا اخْتَار تضمين أَحدهمَا لم يكن لَهُ اخْتِيَار الآخر
وَكَذَا فِي إِعْتَاق أحد الشَّرِيكَيْنِ الشَّرِيك السَّاكِت بِالْخِيَارِ بَين أَن يضمن الْمُعْتق إِن كَانَ مُوسِرًا وَبَين أَن يستسعي العَبْد فَإِذا اخْتَار أَحدهمَا لَيْسَ لَهُ أَن يخْتَار الآخر
وَجُمْلَة هَذَا أَن الْكَفِيل لَيْسَ لَهُ أَن يُطَالب الْمَكْفُول عَنهُ بِالْمَالِ قبل أَن يُؤَدِّي عَنهُ شَيْئا إِلَّا أَنه إِذا طُولِبَ طَالب الْمَكْفُول عَنهُ بالخلاص
فَإِن حبس كَانَ لَهُ أَن يحبس الْمَكْفُول عَنهُ
أما إِذا أدّى فَينْظر إِن كَانَ كفل بِغَيْر أمره فَلَا يرجع عندنَا خلافًا لمَالِك لِأَنَّهُ تبرع بِقَضَاء دين غَيره وَإِن كفل عَنهُ بأَمْره وَهُوَ مِمَّن يجوز إِقْرَاره على نَفسه بِالدّينِ وَيملك التَّبَرُّع يرجع عَلَيْهِ لِأَن الْكفَالَة فِي حق الْمَكْفُول عَنهُ استقراض وَهُوَ طلب الْقَرْض وَالْكَفِيل بِالْأَدَاءِ مقرض للمكفول عَنهُ ونائب عَنهُ فِي الْأَدَاء إِلَى الْمَكْفُول لَهُ وَفِي حق الْمَكْفُول لَهُ تمْلِيك مَا فِي ذمَّة الْمَكْفُول عَنهُ من الْكَفِيل بِمَا أَخذه من المَال فَيرجع عَلَيْهِ بِمَا أقْرضهُ حَتَّى إِن الصَّبِي الْمَحْجُور إِذا أَمر رجلا بِأَن يكفل عَنهُ فكفل وَأدّى لَا يرجع عَلَيْهِ لِأَن استقراض الصَّبِي لَا يتَعَلَّق بِهِ الضَّمَان وَأما العَبْد الْمَحْجُور فَلَا يرجع عَلَيْهِ إِلَّا بعد الْعتْق لما قُلْنَا
وَلَو وهب صَاحب الدّين المَال لأَحَدهمَا جَازَ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة أَدَاء المَال
وَكَذَا لَو مَاتَ الطَّالِب فورثه أَحدهمَا لِأَن بِالْهبةِ وَالْمِيرَاث يملك مَا فِي ذمَّته فَإِن كَانَ الْمَوْهُوب
стр. 932
لَهُ أَو الْوَارِث هُوَ الْكَفِيل فقد ملك مَا فِي ذمَّته فَيرجع على الْأَصِيل كَمَا لَو ملك ذَلِك بِالْأَدَاءِ
وَإِن كَانَ الْمَوْهُوب لَهُ أَو الْوَارِث هُوَ الْمَكْفُول عَنهُ برىء الْكَفِيل كَأَنَّهُ أدّى
وَلَو أَبْرَأ الطَّالِب الْأَصِيل فقد برئا جَمِيعًا
وَإِن أَبْرَأ الْكَفِيل برىء دون الْأَصِيل سَوَاء كَانَ ذَلِك بِأَمْر الْمَكْفُول عَنهُ أَو لَا
وَلَو قَالَ لأَحَدهمَا بَرِئت إِلَيّ من المَال فَهُوَ إِقْرَار بِالْقَبْضِ بالِاتِّفَاقِ لِأَن هَذَا اللَّفْظ يسْتَعْمل فِي الْأَدَاء
وَلَو قَالَ لأَحَدهمَا بَرِئت من المَال فَهُوَ إِقْرَار بِالْقَبْضِ عِنْد أبي يُوسُف كَأَنَّهُ قَالَ بَرِئت إِلَيّ من المَال
وَعند مُحَمَّد بِمَنْزِلَة قَوْله أَبْرَأتك من المَال
ثمَّ الْكَفِيل يرجع بِمَا ضمن لَا بِمَا أدّى لِأَنَّهُ ملك مَا فِي ذمَّة الْأَصِيل حَتَّى أَنه إِذا كَانَ عَلَيْهِ دَرَاهِم صِحَاح جَيِّدَة فَأدى زُيُوفًا وَتجوز بِهِ صَاحب الدّين فَإِنَّهُ يرجع بالجياد
وَكَذَا لَو أدّى عَنْهَا من الْمكيل وَالْمَوْزُون أَو الْعرُوض فَإِنَّهُ يرجع بِالدَّرَاهِمِ بِخِلَاف الْوَكِيل بِقَضَاء الدّين فَإِنَّهُ يرجع بِمَا أدّى لَا بِمَا على الْغَرِيم وَبِخِلَاف الصُّلْح إِذا صَالح من الْألف على خَمْسمِائَة فَإِنَّهُ يرجع بخمسائة لَا بِالْألف لِأَنَّهُ إِسْقَاط الْبَعْض
وَلَو كفل لرجل بِمَال إِلَى القطاف أَو إِلَى الْحَصاد أَو إِلَى الدياس أَو إِلَى النيروز أَو إِلَى المهرجان وَنَحْوهَا من الْآجَال المجهولة يَصح عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ بِخِلَاف البيع إِلَى هَذِه الْآجَال فَلَا يجوز بِالْإِجْمَاع
وَلَو كَانَ عَلَيْهِ ثمن بيع أَو دين حَال فَأَجله إِلَى هَذِه الْآجَال يَصح أَيْضا بِمَنْزِلَة الْكفَالَة
وَلَا خلاف فِي جَوَاز الْكفَالَة إِلَى أجل مَعْلُوم من الشَّهْر وَالسّنة وَنَحْوهَا
стр. 933
أما إِذا كفل إِلَى أجل مَجْهُول لَا يشبه آجال النَّاس مثل مَجِيء الْمَطَر وهبوب الرّيح فالأجل بَاطِل وَالْكَفَالَة جَائِزَة لِأَن الْكفَالَة وَردت منجزة لَكِن الْأَجَل بَاطِل فَلم يَصح التَّأْجِيل فَتبقى الْكفَالَة حَالَة
أما إِذا علق الْكفَالَة بِشَرْط فَإِن كَانَ ذَلِك سَببا لوُجُوب الْحق أَو وَسِيلَة إِلَى الْأَدَاء فِي الْجُمْلَة مثل أَن يَقُول إِذا قدم زيد أَو اسْتحق الْمَبِيع فالكفالة جَائِزَة لِأَنَّهُ سَبَب للوصول إِلَى الْأَدَاء لِأَن زيدا رُبمَا يكون مضاربا
فَأَما إِذا قَالَ إِذا جَاءَ الْمَطَر أَو هبت الرّيح أَو دخل زيد دَارنَا فَأَنا كَفِيل عنْدك بِكَذَا فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن الْأَمْوَال لَا يجوز أَن يتَعَلَّق وُجُوبهَا بِالشُّرُوطِ
وَلَو كَانَ على رجل دين مُؤَجل فكفل بِهِ رجل مُطلقًا فَإِنَّهُ يكون مُؤَجّلا لِأَنَّهُ الْتزم مثل مَا على الْأَصِيل فَإِن سمي الْكَفِيل أَََجَلًا زَائِدا عَلَيْهِ أَو نَاقِصا أَو مثله يلْزمه كَذَلِك لِأَنَّهُ مُتَبَرّع فَيلْزمهُ على حسب مَا تبرع بِهِ
وَلَو كَانَ المَال حَالا فكفل إِنْسَان مُؤَجّلا بِأَمْر الْمَكْفُول لَهُ فَإِنَّهُ يجوز فَيكون تأجيلا فِي حَقّهمَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَفِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَن مُحَمَّد أَنه حَال على الْأَصِيل مُؤَجل فِي حق الْكَفِيل
وَلَو كفل عَن رجل لرجل والمكفول لَهُ غَائِب فَبَلغهُ الْخَبَر فَأجَاز لَا يَصح وَلَا تتَوَقَّف الْكفَالَة على قبُوله وَهَذَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَقَالَ أَبُو يُوسُف خلافًا لَهما فَهَذَا كَذَلِك إِلَّا أَنَّهُمَا استحسنا فِي الْمَرِيض إِذا قَالَ عِنْد مَوته لوَرثَته اضمنوا مَا عَليّ من الدّين لغرمائي وهم غيب فَفَعَلُوا فَهُوَ جَائِز ويلزمهم نظرا للْغُرَمَاء
стр. 934
وَلَو كفل رجلَانِ رجلا بِأَلف دِرْهَم بأَمْره وَلم يكفل كل وَاحِد عَن صَاحبه فَإِن على كل وَاحِد مِنْهُمَا خَمْسمِائَة لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْكفَالَة
وَلَو أدّى أَحدهمَا لَا يرجع على صَاحبه لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَن نَفسه لَا عَن صَاحبه لَكِن يرجع على الْأَصِيل بِمَا أدّى
وَلَو لَقِي الْمَكْفُول لَهُ الكفيلين يعد ذَلِك فكفل أَحدهمَا عَن صَاحبه صَحَّ لِأَن الْكفَالَة عَن الْكَفِيل صَحِيحَة ثمَّ مَا أدّى فَالْقَوْل قَوْله إِنَّه أدّى من كَفَالَة الْكَفِيل الآخر أَو من كَفَالَة نَفسه لِأَنَّهُ لزمَه المَال من وَجْهَيْن
وَلَو لَقِي الْمَكْفُول لَهُ الْكَفِيل الآخر الَّذِي لم يكفل فَطلب مِنْهُ أَن يكفل عَن صَاحبه وكفل صَحَّ وَالْجَوَاب فِيهِ وَفِيمَا إِذا كَانَ فِي الِابْتِدَاء كفل كل وَاحِد من الكفيلين عَن صَاحبه سَوَاء وَهُوَ أَن كل مَا يُؤَدِّي كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الْمَكْفُول لَهُ فَذَلِك عَن نَفسه إِلَى خَمْسمِائَة
وَلَو قَالَ أؤدي عَن شَرِيكي لَا عَن نَفسِي لَا يقبل وَيكون عَن نَفسه
فَأَما إِذا زَاد على خَمْسمِائَة فَيرجع بِالزِّيَادَةِ على شَرِيكه إِن شَاءَ وَإِن شَاءَ على الْمَكْفُول عَنهُ
وعَلى هَذَا إِذا اشْترى رجلَانِ من رجل عبدا بِأَلف دِرْهَم على أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا كَفِيل عَن صَاحبه ثمن حِصَّته
وَكَذَا الْجَواب فِي المفاوضين بعد فسخ الشّركَة إِذا كَانَ عَلَيْهِمَا دين لصَاحبه أَن يُطَالب بِهِ كل وَاحِد مِنْهُمَا وَإِذا أدّى أَحدهمَا النّصْف لَا يرجع فَإِذا أدّى زِيَادَة على النّصْف لَهُ أَن يرجع على صَاحبه لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا كَفِيل عَن صَاحبه
وَأما الْكفَالَة بالأعيان فَهِيَ أَنْوَاع ثَلَاثَة أَحدهمَا كَفَالَة بِعَين هِيَ أَمَانَة غير وَاجِبَة التَّسْلِيم كَالْوَدِيعَةِ وَكَمَال الْمُضَاربَة وَالشَّرِكَة وَهِي لَا تصح أصلا
стр. 935
وَالثَّانِي الْكفَالَة بِعَين هِيَ أَمَانَة وَلكنهَا وَاجِبَة التَّسْلِيم كالعارية وَالْمُسْتَأْجر فِي يَد الْمُسْتَأْجر وَكَذَا الْعين الْمَضْمُونَة بغَيْرهَا كَالْمَبِيعِ قبل الْقَبْض مَضْمُون بِالثّمن وكالرهن مَضْمُون بِالدّينِ وَالْجَوَاب فِي الْكل وَاحِد وَهُوَ أَنه تصح الْكفَالَة بِتَسْلِيم الْعين فَمَتَى هَلَكت الْعين لَا يجب على الْكَفِيل قيمَة الْعين
وَالثَّالِث الْعين الْمَضْمُونَة بِقِيمَتِهَا كالمغصوب وَالْمَبِيع بيعا فَاسِدا والمقبوض على سوم الشِّرَاء تصح الْكفَالَة بهَا وَيجب عَلَيْهِ تَسْلِيم الْعين مَا دَامَت بَاقِيَة وَإِذا هَلَكت يجب عَلَيْهِ تَسْلِيم قيمتهَا مَتى ثَبت الْغَصْب بِالْبَيِّنَةِ أَو الْإِقْرَار
ثمَّ الْكفَالَة بِالنَّفسِ بعد الدَّعْوَى من قبيل الْقسم الثَّانِي فَإِنَّهُ مَضْمُون بِالتَّسْلِيمِ وَإنَّهُ يجب عَلَيْهِ تَسْلِيم النَّفس والحضور إِلَى بَاب القَاضِي حَتَّى يُقيم الْخصم الْبَيِّنَة فَتَصِح الْكفَالَة بِهِ عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَلَكِن لَو هلك الْكَفِيل لَا شَيْء عَلَيْهِ من المَال الْمُدعى بِهِ حَتَّى لَا يُؤْخَذ من تركته وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَكَذَا لَو كفل بِنَفس من عَلَيْهِ التَّعْزِير
أما لَو كفل بِنَفس من عَلَيْهِ حد الْقَذْف أَو حد السّرقَة أَو الْقصاص هَل يجوز ذكر أَبُو الْحسن أَن الْكفَالَة بِالنَّفسِ فِي الْحُدُود وَالْقصاص جَائِزَة فِي قَوْلهم إِذا بذلها الْمَطْلُوب بِنَفسِهِ وَلَكِن هَل للْقَاضِي أَن يَأْمُرهُ بالتكفيل إِذا طلب الْخصم قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَأْخُذ القَاضِي مِنْهُ كَفِيلا وَلَكِن يحْبسهُ حَتَّى تُقَام عَلَيْهِ الْبَيِّنَة أَو يَسْتَوْفِي
ثمَّ الْكَفِيل بِالنَّفسِ يُؤْخَذ بإحضار الْمَكْفُول عَنهُ مَا دَامَ إحضارة مُمكنا مَقْدُورًا
فَإِن صَار بِحَال لَا يقدر على إِحْضَاره بِوَجْه من الْوُجُوه بِأَن مَاتَ بطلت الْكفَالَة وَلَا شَيْء على الْكَفِيل فَأَما إِذا كَانَ يُرْجَى حُضُور الْمَكْفُول عَنهُ بِأَن غَابَ فَإِنَّهُ يتَأَخَّر الْمُطَالبَة بالإحضار عَن
стр. 936
الْكَفِيل للْحَال ويؤجل إِلَى مُدَّة يُمكنهُ الْإِحْضَار فِي تِلْكَ الْمدَّة فَإِن لم يحضرهُ وَظَهَرت مماطلته فَإِنَّهُ يحبس الْكَفِيل فَإِذا ظهر للْقَاضِي أَنه لَا يقدر على الْإِحْضَار بِدلَالَة الْحَال أَو شهد الشُّهُود بذلك فَإِنَّهُ يخرج من الْحَبْس وَينظر إِلَى وَقت الْقُدْرَة كَمَا فِي الْإِعْسَار فِي حق الدّين وَإِذا أخرجه القَاضِي فَإِن الْغُرَمَاء يلازمونه وَلَا يحول القَاضِي بَينه وَبَين الْغُرَمَاء وَلَكِن لَيْسَ للْغُرَمَاء أَن يمنعوه من اشْتِغَاله كَمَا فِي الإفلاس سَوَاء
هَذَا إِذا كفل بِالنَّفسِ مُطلقًا
فَأَما إِذا ادّعى عَلَيْهِ ألف دِرْهَم فكفل بِنَفسِهِ على أَن يوافيه بِهِ غَدا فَإِن لم يوافه بِهِ غَدا فَعَلَيهِ المَال الَّذِي ادّعى فَإِن أقرّ الْمَطْلُوب بِالْألف أَو ثَبت بِالْبَيِّنَةِ وَقضى القَاضِي وكفل على هَذَا الْوَجْه صحت الْكفَالَة بِالنَّفسِ وَتَصِح الْكفَالَة بِالْمَالِ مُعَلّقا بِشَرْط ترك الموافاة غَدا وَالْكَفَالَة بِالشّرطِ صَحِيحَة فَإِذا لم يواف بِهِ غَدا يُؤْخَذ مِنْهُ المَال بِسَبَب الْكفَالَة بِالْمَالِ وَبقيت الْكفَالَة بِالنَّفسِ لِأَن من حجَّته أَن يَقُول لي عَلَيْهِ مَال آخر
وَلَو قَالَ كفلت بِنَفسِهِ على أَنِّي إِن لم أواف بِهِ غَدا فعلي الْألف وَلم يقل الْألف الَّذين ادعيت فعلى قَول مُحَمَّد لَا تصح الْكفَالَة وعَلى قَوْلهمَا تصح كَأَنَّهُ قَالَ فعلي الْألف الَّذِي تَدعِي لِأَنَّهُ هِيَ الْمَعْهُودَة
فَأَما إِذا أنكر الْمَطْلُوب المَال ثمَّ كفل بِنَفسِهِ على أَن يوافيه بِهِ غَدا وَإِن لم يواف بِهِ فَعَلَيهِ المَال فَلم يوافه بِهِ لَا يلْزمه المَال لِأَن وجوب المَال لَا يتَعَلَّق بالخطر أما الْكفَالَة بِالْمَالِ الثَّابِت فَيتَعَلَّق بالخطر
وَلَو كفل بِالنَّفسِ وَالْمَال وَسَماهُ ثمَّ قَالَ إِن وافيتك بِهِ غَدا فَأَنا
стр. 937
بَرِيء مِنْهُ فوافاه بِهِ من الْغَد يبرأ من المَال فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَفِي رِوَايَة لَا يبرأ لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ وَفِي الْبَرَاءَة معنى التَّمْلِيك فَلَا يَصح تَعْلِيقه بِالشّرطِ
وَلَو كفل بِالنَّفسِ على أَن يوافي بِهِ عِنْد القَاضِي غَدا فسلمه إِلَيْهِ فِي السُّوق فَإِنَّهُ يبرأ
وَالْأَصْل أَنه إِذا سلمه فِي مَكَان يقدر على أَن يحضرهُ فِيهِ إِلَى القَاضِي فَهُوَ كتسليمه فِي مجْلِس القَاضِي
وَكَذَا إِذا سلمه فِي أَطْرَاف هَذَا الْمصر
وَلَو سلمه فِي قَرْيَة هَذَا الْمصر الَّتِي لَيْسَ فِيهَا قَاض لَا يبرأ
وَلَو كفل على أَن يدْفع فِي مصر معِين فَدفع فِي مصر آخر يبرأ عِنْد أبي حنيفَة وَفِي كل مَوضِع فِيهِ قَاض وَعِنْدَهُمَا لَا يبرأ مَا لم يسلم فِي ذَلِك الْمصر بِعَيْنِه
стр. 938
كتاب الْحِوَالَة
الْحِوَالَة مَشْرُوعَة لقَوْله ﵇ من أُحِيل على مَلِيء فليتبعه
ثمَّ الْحِوَالَة مبرئة عندنَا حَتَّى يبرأ الْمُحِيل من الدّين الَّذِي عَلَيْهِ بالحوالة إِلَى الْمُحْتَال عَلَيْهِ
وللمحتال لَهُ أَن يُطَالب الْمُحْتَال عَلَيْهِ لَا غير
وَقَالَ زفر لَا يبرأ وَله أَن يطالبهما كَمَا فِي الْكفَالَة
وَكَذَا الْكفَالَة بِشَرْط بَرَاءَة الْأَصِيل حِوَالَة أَيْضا عندنَا لِأَنَّهَا حِوَالَة معنى
ثمَّ لَيْسَ للمحتال لَهُ أَن يرجع على الْمُحِيل إِلَّا إِذا توى مَا على الْمُحْتَال عَلَيْهِ وَذَلِكَ بطريقين عِنْد أبي حنيفَة بِأَن يَمُوت الْمُحْتَال عَلَيْهِ مُفلسًا أَو يجْحَد الْمُحْتَال عَلَيْهِ الْحِوَالَة وَيحلف
وَعِنْدَهُمَا بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وبطريق ثَالِث وَهُوَ أَن يقْضِي القَاضِي بإفلاسه فِي حَال الْحَيَاة لِأَن الْقَضَاء بالإفلاس صَحِيح عِنْدهمَا فِي حَالَة الْحَيَاة وَعند أبي حنيفَة لَا يَصح
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَا يعود الدّين إِلَى الْمُحِيل أبدا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
стр. 939
ثمَّ الْحِوَالَة نَوْعَانِ مُطلقَة ومقيدة أما الْمُطلقَة فَأن يحِيل صَاحب الدّين على رجل لَهُ مَال عَلَيْهِ أَو لم يكن وَقبل ذَلِك الرجل
فَإِن لم يكن عَلَيْهِ مَال يجب عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي
وَإِن كَانَ عَلَيْهِ مَال وَلم يُقيد الْحِوَالَة بِهِ بِأَن لم يقل أحيله عَلَيْك بِمَالي عَلَيْك أَو على أَن تعطيه مِمَّا عَلَيْك وَقبل الْمُحْتَال عَلَيْهِ فَعَلَيهِ أَدَاء الْأَلفَيْنِ ألف إِلَى الْمُحِيل وَألف إِلَى الْمُحْتَال لَهُ وللمحيل أَن يُطَالِبهُ بذلك الْألف لِأَنَّهُ لم تتقيد الْحِوَالَة بِهِ كَمَا إِذا كَانَ عِنْد رجل ألف دِرْهَم وَدِيعَة فأحال غَرِيمه عَلَيْهِ بِأَلف دِرْهَم وَلم يُقَيِّدهُ بِالْألف الْوَدِيعَة فَقبله لَهُ أَن يَأْخُذ الْوَدِيعَة وعَلى الْمُحْتَال عَلَيْهِ أَدَاء الْألف بالحوالة
فَأَما إِذا قيد الْأَدَاء بِالْمَالِ الَّذِي عَلَيْهِ فَلَيْسَ للْمُحِيل أَن يُطَالِبهُ بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ تعلق بِهِ حق الْمُحْتَال لَهُ فَإِذا أدّى تقع الْمُقَاصَّة بَينهمَا
ثمَّ فِي الْحِوَالَة الْمُطلقَة إِذا لم يكن على الْمُحْتَال عَلَيْهِ دين فَأدى إِلَى الْمُحْتَال لَهُ أَو وهب لَهُ الْمُحْتَال لَهُ أَو تصدق عَلَيْهِ أَو ورث من الْمُحْتَال لَهُ أَو أدّى الْمُحْتَال عَلَيْهِ دَنَانِير أَو عرُوضا بدل الدَّرَاهِم فَإِنَّهُ يرجع على الْمُحِيل بِالْمَالِ بِمَنْزِلَة الْكَفِيل على مَا مر
وَإِن أَبرَأَهُ عَن الدّين وَقبل مِنْهُ وَلم يرد الْإِبْرَاء فَإِنَّهُ يبرأ
وَلَا يرجع على الْمُحِيل بِشَيْء كَمَا فِي الْكفَالَة
هَذَا إِذا كَانَت الْحِوَالَة بِأَمْر الْمُحِيل فَإِن كَانَت بِغَيْر أمره فَأدى الْمُحْتَال عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يرجع وَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين فَهُوَ بِحَالهِ
стр. 940
كتاب الصُّلْح
الصُّلْح مَشْرُوع بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع
أما الْكتاب فَقَوله تعالي ﴿وَإِن امْرَأَة خَافت من بَعْلهَا نُشُوزًا أَو إعْرَاضًا فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يصلحا بَينهمَا صلحا وَالصُّلْح خير﴾
وَأما السّنة فَمَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ الصُّلْح جَائِز بَين الْمُسلمين إِلَّا صلحا أحل حَرَامًا أَو حرم حَلَالا
وَعَلِيهِ الْإِجْمَاع
ثمَّ الصُّلْح أَنْوَاع ثَلَاثَة أَحدهَا الصُّلْح عَن إِقْرَار الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ جَائِز بِالْإِجْمَاع
وَالثَّانِي الصُّلْح عَن إِنْكَاره وَهُوَ جَائِز عندنَا
وَقَالَ ابْن أبي ليلى لَا يجوز وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَالثَّالِث الصُّلْح عَن سكُوت الْمُدعى عَلَيْهِ وَهُوَ جَائِز أَيْضا عندنَا وَهُوَ قَول ابْن أبي ليلى
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ الصُّلْح بَين الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعى عَلَيْهِ أَو بَين الْمُدَّعِي وَالْأَجْنَبِيّ
стр. 941
أما الأول فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تكون الدَّعْوَى فِي الْعين الْقَائِمَة أَو فِي الدّين وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ الصُّلْح عَن إِنْكَار أَو عَن إِقْرَار
أما إِذا كَانَت الدَّعْوَى فِي الْأَعْيَان الْقَائِمَة وَالصُّلْح عَن إِقْرَار فَإِن هَذَا الصُّلْح فِي معنى البيع من الْجَانِبَيْنِ فَمَا يجوز فِي البيع يجوز فِي الصُّلْح وَمَا لَا فَلَا
فَإِن كَانَ الْمُدعى بِهِ عرُوضا أَو عقارا أَو حَيَوَانا من العبيد وَالدَّوَاب يجوز الصُّلْح إِذا كَانَ بدل الصُّلْح عينا قَائِما معينا مَمْلُوكا لَهُ سَوَاء كَانَ كيليا أَو وزنيا أَو غير ذَلِك من الْحَيَوَان وَالْعرُوض
أما إِذا كَانَ دينا فَإِن كَانَ شَيْئا من الْمكيل وَالْمَوْزُون مَعْلُوم الْقدر وَالصّفة يجوز كَمَا فِي البيع لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء تصلح ثمنا عينا كَانَ أَو دينا
وَإِن كَانَ الْبَدَل ثيابًا مَوْصُوفَة فِي الذِّمَّة لَا يجوز مَا لم يُوجد فِيهِ جَمِيع شَرَائِط السّلم بِخِلَاف الكيلي والوزني فَإِنَّهُ يثبت دينا فِي الذِّمَّة مُطلقًا فِي الْمُعَاوضَة الْمُطلقَة فيصلح ثمنا من غير أجل
وَإِن كَانَ الْبَدَل حَيَوَانا مَوْصُوفا فِي الذِّمَّة لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يصير دينا فِي مُقَابلَة مَال بِمَال فَلَا يصلح ثمنا
وَإِن كَانَ الصُّلْح عَن إِنْكَار فَكَذَلِك الْجَواب فِي جَانب الْمُدَّعِي
فَأَما فِي جَانب الْمُدعى عَلَيْهِ فَهُوَ إِسْقَاط وَبدل عَمَّا لَيْسَ بِمَال
وعَلى هَذَا يثبت حق الشُّفْعَة فِي الْجَانِبَيْنِ فِي الصُّلْح عَن إِقْرَار حَتَّى أَن الْبَدَل إِذا كَانَ دَارا وَالْمُدَّعى بِهِ دَارا يثبت للشَّفِيع الشُّفْعَة فِي الدَّاريْنِ وَفِي الصُّلْح عَن إِنْكَار وَالْمَسْأَلَة بِحَالِهَا يثبت للشَّفِيع الشُّفْعَة فِي الدَّار الَّتِي هِيَ بدل الصُّلْح دون الدَّار الَّتِي هِيَ مدعى بهَا لما قُلْنَا
стр. 942
وَكَذَا حق الرَّد بِالْعَيْبِ وَحكم الِاسْتِحْقَاق على هَذَا فِي الصُّلْح عَن إِقْرَار يثبت من الْجَانِبَيْنِ وَفِي الصُّلْح عَن إِنْكَار يثبت فِي جَانب الْمُدَّعِي لَا غير
أما إِذا كَانَ الْمُدعى بِهِ ذَهَبا أَو فضَّة فَإِن كَانَ الْبَدَل غير الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهُ يجوز الصُّلْح كَيْفَمَا كَانَ وَإِن كَانَ الْبَدَل ذَهَبا أَو فضَّة
فَإِن كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار وَالْبدل من جنس الْمُدعى بِهِ فَلَا يَصح إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء وَيشْتَرط التَّقَابُض
إِن كَانَ بِخِلَاف جنسه كالذهب مَعَ الْفضة يجوز مَعَ التَّفَاضُل وَلَكِن يشْتَرط الْقَبْض فِي الْمجْلس لِأَن هَذَا صرف فَيشْتَرط فِيهِ شَرَائِط الصّرْف
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي الصُّلْح عَن إِنْكَار فِي حق الْمُدَّعِي
هَذَا كُله إِذا كَانَ الْمُدعى بِهِ عينا فَأَما إِذا كَانَ دينا فَإِن كَانَ دَرَاهِم أَو دَنَانِير وَبدل الصُّلْح عين مَال مَعْلُوم من غير الكيلي والوزني فَإِنَّهُ يجوز وَيكون ذَلِك بِمَنْزِلَة بيع الْعين بِالدّينِ إِن كَانَ عَن إِقْرَار
وَإِن كَانَ عَن إِنْكَار فَفِي حق الْمُدَّعِي كَذَلِك إِلَّا أَنه إِذا كَانَ الْبَدَل من الذَّهَب وَالْفِضَّة الَّتِي تتَعَيَّن كالتبر والأواني مِنْهُمَا يكون صرفا فَيشْتَرط التَّسَاوِي والتقابض فِي الْجِنْس والتقابض فِي خلاف الْجِنْس دون التَّسَاوِي
وَإِن كَانَ الْبَدَل من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَإِن كَانَ من جنسه كَمَا إِذا كَانَ عَلَيْهِ ألف دِرْهَم جَيِّدَة فَصَالح من ذَلِك على ألف دِرْهَم جَيِّدَة أَو رَدِيئَة جَازَ وَيكون هَذَا اسْتِيفَاء عين حَقه وإبراء عَن صفته
وَإِن صَالح على خَمْسمِائَة جَيِّدَة أَو رَدِيئَة جَازَ وَيكون اسْتِيفَاء
стр. 943
للْبَعْض وإبراء عَن الْبَعْض
وَإِن صَالح على ألف دِرْهَم لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يَجْعَل اسْتِيفَاء فَيجْعَل صرفا والتساوي شَرط لصِحَّة الصّرْف عِنْد اتِّحَاد الْجِنْس
وأصل هَذَا أَن الصُّلْح مَتى وَقع على جنس مَا هُوَ الْمُسْتَحق بِعقد المداينة يَجْعَل اسْتِيفَاء وَإِن لم يُمكن أَن يَجْعَل اسْتِيفَاء يكون صرفا فَيشْتَرط فِيهِ شَرَائِط الصّرْف
وعَلى هَذَا إِذا صَالح من ألف دِرْهَم رَدِيء على خَمْسمِائَة جَيِّدَة لَا يجوز لِأَن مُسْتَحقّ الرَّدِيء لَا يسْتَحق الْجيد فَلَا يُمكن أَن يَجْعَل اسْتِيفَاء فَيكون صرفا وَبيع ألف دِرْهَم رَدِيء بِخَمْسِمِائَة جَيِّدَة لَا يجوز لِأَنَّهُ رَبًّا
وَلَو صَالح من ألف سود على ألف بيض وَسلمهَا فِي الْمجْلس جَازَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِيفَاء وَهُوَ صرف فَإِذا وجد التَّقَابُض وهما فِي مجْلِس وَاحِد جَازَ لِأَن الْجَوْدَة لَا قيمَة لَهَا عِنْد مقابلتها بجنسها
وَإِن افْتَرقَا بَطل
وَلَو صَالح عَن ألف بيض على خَمْسمِائَة سود جَازَ وَيكون هَذَا حطا عَن الْقدر وَالصّفة وَاسْتِيفَاء لبَعض الأَصْل
وَلَو صَالح من الدّين الْحَال على الْمُؤَجل وهما فِي الْقدر سَوَاء جَازَ وَيكون هَذَا تأجيلا للدّين
وَلَو كَانَ على الْعَكْس يجوز أَيْضا وَيكون اسْتِيفَاء وَيصير الآخر تَارِكًا حَقه وَهُوَ الْأَجَل
وَلَو كَانَ الدّين مُؤَجّلا وَصَالح على بعضه معجلا لَا يجوز لِأَن صَاحب الدّين الْمُؤَجل لَا يسْتَحق الْمُعَجل فَلَا يُمكن أَن يَجْعَل اسْتِيفَاء فَصَارَ عوضا وَبيع خَمْسمِائَة بِأَلف لَا يجوز
стр. 944
وَلَو كَانَ الْبَدَل بِخِلَاف جنسه بِأَن صَالح من الدَّرَاهِم على الدَّنَانِير فَإِن وجد التَّقَابُض يجوز وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يَجْعَل اسْتِيفَاء لاخْتِلَاف الْجِنْس فَيصير صرفا فَيشْتَرط شَرَائِط الصّرْف
وَكَذَا فِي سَائِر الوزنيات إِذا كَانَت مَوْصُوفَة فِي الذِّمَّة لِأَنَّهُ افترق عَن دين بدين
وعَلى هَذَا إِذا كَانَ الدّين كيليا فَصَالح على جنسه أَو على خلاف جنسه على الْفُصُول الَّتِي ذكرنَا من غير تفَاوت
وَأما إِذا كَانَ بدل الصُّلْح الْمَنَافِع بِأَن كَانَ على رجل عشرَة دَرَاهِم فَصَالح من ذَلِك على مَنْفَعَة الدَّار سنة أَو ركُوب الدَّابَّة سنة وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يجوز وَيكون إِجَارَة إِن كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار من الْجَانِبَيْنِ
وَإِن كَانَ عَن إِنْكَار من جَانب الْمُدَّعِي فَكل حكم عرف فِي الْإِجَارَة فَهُوَ الحكم هَاهُنَا فِي موت الْعَاقِدين وهلاك الْمُسْتَأْجر والاستحقاق من غير تفَاوت وَقد ذكرنَا فِي الْإِجَارَة إِلَّا أَن فِي الصُّلْح عَن إِقْرَار يرجع إِلَى الْمُدعى بِهِ وَفِي الصُّلْح عَن إِنْكَار يرجع إِلَى أصل الدَّعْوَى
وَإِن كَانَ الدّين الْمُدعى بِهِ حَيَوَانا بِأَن وَجب فِي الذِّمَّة عَن قتل الْخَطَأ أَو فِي الْمهْر وَبدل الْخلْع فَصَالح على دَرَاهِم فِي الذِّمَّة وافترقا من غير قبض جَازَ وَإِن كَانَ هَذَا دينا بدين لِأَن هَذَا لَيْسَ بمعاوضة بل اسْتِيفَاء عين حَقه لِأَن الْحَيَوَان الَّذِي وَجب فِي الذِّمَّة لم يكن وُجُوبه لَازِما حَتَّى إِن من عَلَيْهِ إِذا جَاءَ بِقِيمَتِه يجْبر من لَهُ على الْقبُول بِخِلَاف سَائِر الدُّيُون
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ الْمُدعى بِهِ مَالا فَأَما إِذا كَانَ حقوقا لَيست بِمَال فَصَالح مِنْهَا على بدل هُوَ مَال فَهَذَا على ضَرْبَيْنِ ضرب يجوز وَضرب لَا يجوز
стр. 945
أما الضَّرْب الَّذِي يجوز فنحو الصُّلْح عَن مُوجب الْعمد فِي النَّفس وَمَا دون النَّفس على أَي بدل كَانَ دينا كَانَ أَو عينا أقل من الدِّيَة وَأرش الْجِنَايَة أَو أَكثر لِأَن هَذَا بدل الْقصاص لَا بدل الدِّيَة إِلَّا أَن الْبَدَل إِذا كَانَ دينا لَا بُد من الْقَبْض فِي الْمجْلس حَتَّى لَا يكون افتراقا عَن دين بدين
وبمثله لَو كَانَ الصُّلْح فِي قتل الْخَطَأ وجراح الْخَطَأ فِيمَا ذكرنَا من جَوَاز الصُّلْح وَاشْتِرَاط الْقَبْض فِي الدّين إِلَّا أَن الْفرق بَين الْعمد وَالْخَطَأ أَن فِي الْعمد الصُّلْح على أَكثر من الدِّيَة وَالْأَرْض جَائِز وَفِي الْخَطَأ على أَكثر من الدِّيَة وَالْأَرْش لَا يجوز لِأَن هَا هُنَا الْأَرْش وَالدية مقدران شرعا وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ رَبًّا فَلَا يجوز فَهُوَ الْفرق
ثمَّ ينظر إِن كَانَ الْبَدَل مِمَّا يصلح مهْرا فِي النِّكَاح وَتَصِح تَسْمِيَته يجب ذَلِك
وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يصلح مهْرا وَلَا تصح تَسْمِيَته وَيجب فِي ذَلِك مهر الْمثل تجب هَاهُنَا دِيَة النَّفس فِي الْقَتْل وَأرش الْجِنَايَة فِيمَا دون النَّفس إِلَّا فِي فصل وَاحِد وَهُوَ أَنه إِذا صَالح على خمر أَو خِنْزِير فِي الْعمد فَإِن كَانَ فِي النِّكَاح يجب مهر الْمثل وَهَاهُنَا يسْقط الْقصاص وَلَا يجب شَيْء وَيكون ذَلِك عفوا مِنْهُ
وَمَا عرفت من الْجَواب فِي الصُّلْح عَن دم الْعمد فَهُوَ الْجَواب فِي الْخلْع وَالْعِتْق على مَال وَالْكِتَابَة فِيمَا ذكرنَا
وَأما الضَّرْب الثَّانِي فأنواع كَثِيرَة مِنْهَا أَن المُشْتَرِي إِذا صَالح مَعَ الشَّفِيع عَن حق الشُّفْعَة على مَال مَعْلُوم لَا يجوز
وَمِنْهَا أَن الْكَفِيل بِالنَّفسِ إِذا صَالح الْمَكْفُول لَهُ بِمَال مَعْلُوم على أَن يبرأ من الْكفَالَة فَالصُّلْح بَاطِل وَالْكَفَالَة لَازِمَة
وَلَو كَانَ لرجل ظلة على طَرِيق نَافِذَة أَو كنيف شَارِع فخاصمه رجل
стр. 946
فِيهِ وَأَرَادَ طَرحه فَصَالحه على دَرَاهِم فَالصُّلْح بَاطِل لِأَن هَذَا حق لجَماعَة الْمُسلمين وَلم يكن لَهُ حق مُعْتَبر حَتَّى يكون إِسْقَاطًا لحقه
وبمثله لَو كَانَ الطَّرِيق غير نَافِذ فخاصمه رجل من أهل الطَّرِيق فَصَالحه على دَرَاهِم مُسَمَّاة فَالصُّلْح جَائِز لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَين جمَاعَة محصورة فَيكون جُزْء مِنْهُ ملكا لهَذَا الْوَاحِد فَيكون صلحا عَن حَقه وَفِيه فَائِدَة لاحْتِمَال أَن يُصَالح الْبَقِيَّة بِخِلَاف الأول لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر الصُّلْح من جَمِيع النَّاس
وَلَو ادّعى رجل على رجل مائَة دِرْهَم فأنكرها الْمُدعى عَلَيْهِ فَصَالح الْمُدَّعِي على أَنه إِن حلف الْمُدعى عَلَيْهِ فَهُوَ بَرِيء فَحلف الْمُدعى عَلَيْهِ مَا لهَذَا الْمُدَّعِي قَلِيل وَلَا كثير فَإِن الصُّلْح بَاطِل وَالْمُدَّعِي على دَعْوَاهُ فَإِن أَقَامَ بَيِّنَة أَخذه بهَا وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة وَأَرَادَ استحلافه لَهُ ذَلِك وَإِنَّمَا بَطل ذَلِك لِأَنَّهُ إِبْرَاء مُعَلّق بِالشّرطِ وَهُوَ فَاسد لِأَن فِيهِ معنى التَّمْلِيك
وَأما الِاسْتِحْلَاف فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن حلف فِي غير مجْلِس القَاضِي فَلهُ أَن يحلفهُ ثَانِيًا لِأَن الْحلف فِي غير مجْلِس القَاضِي لَا عِبْرَة بِهِ فيحلفه ثَانِيًا
وَأما إِذا حلف فِي مجْلِس القَاضِي فَلَا يحلفهُ ثَانِيًا لِأَن حق الْمُدَّعِي فِي الْحلف صَار مُسْتَوْفِي مرّة فَلَا يجب عَلَيْهِ الْإِيفَاء ثَانِيًا
وَلَو اصطلحا على أَن يحلف الْمُدَّعِي فَمَتَى حلف فالدعوى لَازِمَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ فَحلف الْمُدَّعِي على ذَلِك فَإِن الصُّلْح بَاطِل وَلَا يلْزم الْمُدعى عَلَيْهِ شَيْء بِهَذَا لِأَن هَذَا إِيجَاب المَال بِشَرْط وَهُوَ فَاسد
وَلَو ادّعى على امْرَأَة نِكَاحهَا فصالحها على مائَة دِرْهَم على أَن تقر لَهُ بِالنِّكَاحِ فَهُوَ جَائِز وَتَكون الْمِائَة زِيَادَة فِي مهرهَا لِأَن إِقْرَارهَا بِالنِّكَاحِ مَحْمُول على الصِّحَّة
стр. 947
وَكَذَا لَو قَالَ لَهَا أَعطيتك مائَة دِرْهَم على أَن تَكُونِي امْرَأَتي فَهُوَ جَائِز إِذا قبلت ذَلِك بِمحضر من الشُّهُود وَيكون هَذَا كِنَايَة عَن النِّكَاح ابْتِدَاء
وَكَذَا لَو قَالَ تَزَوَّجتك أمس على ألف دِرْهَم فَقَالَت لَا فَقَالَ أزيدك مائَة على أَن تقري لي بِالنِّكَاحِ فأقرت كَانَ لَهَا ألف وَمِائَة وَالنِّكَاح جَائِز وَيحمل إِقْرَارهَا على الصِّحَّة
وَكَذَا لَو ادعِي على رجل مَجْهُول النّسَب أَنه عَبده فَأنْكر وَقَالَ إِنِّي حر الأَصْل فَصَالح الْمُدَّعِي عَلَيْهِ مَعَ الْمُدَّعِي على بدل مَعْلُوم جَازَ حَتَّى لَو أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة بعد ذَلِك لَا تقبل وَيصير ذَلِك بِمَنْزِلَة الْعتْق بِبَدَل وَلَكِن تقبل الْبَيِّنَة فِي حق إِثْبَات الْوَلَاء
وَلَو ادّعى على رجل ألف دِرْهَم فَأنْكر فَقَالَ أقرّ لي بهَا عَلَيْك على أَن أُعْطِيك مائَة دِرْهَم كَانَ بَاطِلا لِأَن هَذَا إِيجَاب الْألف على نَفسه بِمِائَة دِرْهَم
وَكَذَلِكَ لَو صَالح الْقَاذِف مَعَ الْمَقْذُوف بِشَيْء على أَن يعْفُو عَنهُ وَلَا يخاصمه فَهُوَ بَاطِل
وَكَذَلِكَ لَو صَالح الشَّاهِد بِمَال على أَن لَا يشْهد عَلَيْهِ أَو أَرَادَ أَن يشْهد على الزَّانِي أَو السَّارِق أَو الْقَاذِف فَصَالَحُوهُ على مَال فَالصُّلْح بَاطِل وَلَا تقبل شَهَادَته فِي هَذِه الْحَادِثَة وَفِي غَيرهَا إِلَّا أَن يَتُوب وَيسْتَرد المَال مِنْهُ فِي جَمِيع ذَلِك
وَلَو ادّعى رجل قبل رجل وَدِيعَة أَو عَارِية أَو مَالا مُضَارَبَة أَو إِجَارَة فَقَالَ الْأمين قد رَددتهَا عَلَيْك أَو هَلَكت ثمَّ صَالحه على مَال فَإِن الصُّلْح بَاطِل عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد جَائِز وَهِي من الخلافيات
стр. 948
وَأما إِذا كَانَ الصُّلْح بَين الْمُدَّعِي وَالْأَجْنَبِيّ فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ بِإِذن الْمُدعى عَلَيْهِ أَو بِغَيْر إِذْنه
أما إِذا كَانَ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ يَصح الصُّلْح وَيكون وَكيلا عَنهُ فِي الصُّلْح وَيجب المَال على الْمُدعى عَلَيْهِ دون الْوَكِيل سَوَاء كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار أَو عَن إِنْكَار لِأَن الْوَكِيل فِي الصُّلْح لَا ترجع إِلَيْهِ الْحُقُوق وَهَذَا إِذا لم يضمن بدل الصُّلْح عَن الْمُدعى عَلَيْهِ فَأَما إِذا ضمن فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ بِحكم الْكفَالَة وَالضَّمان لَا بِحكم العقد
فَأَما إِذا كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهَذَا صلح الْفُضُولِيّ
وَهُوَ على أَرْبَعَة أوجه فِي ثَلَاثَة مِنْهَا يَصح الصُّلْح وَيجب المَال على الْمصَالح الْفُضُولِيّ وَلَا يجب على الْمُدعى عَلَيْهِ شَيْء بِأَن يَقُول الْفُضُولِيّ للْمُدَّعِي أصالحك من دعواك هَذِه على فلَان بِأَلف دِرْهَم على أَن ضَامِن لَك هَذِه الْألف أَو عَليّ هَذِه الْألف أَو قَالَ عَليّ ألفي هَذِه أَو على عَبدِي هَذَا أضَاف المَال إِلَى نَفسه أَو عين الْبَدَل فَقَالَ عَليّ هَذِه الْألف أَو عَليّ هَذَا العَبْد وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا لِأَن التَّبَرُّع بِإِسْقَاط الدّين بِأَن يقْضِي دين غَيره بِغَيْر إِذْنه صَحِيح والتبرع بِإِسْقَاط الْخُصُومَة عَن غَيره صَحِيح وَالصُّلْح عَن إِقْرَار إِسْقَاط للدّين وَالصُّلْح عَن إِنْكَار إِسْقَاط للخصومة فَيجوز كَيْفَمَا كَانَ
وَفِي فصل وَاحِد لَا يَصح بِأَن قَالَ أصالحك من دعواك هَذَا مَعَ فلَان على ألف دِرْهَم أَو على عبد وسط فَإِن هَذَا الصُّلْح مَوْقُوف على إجَازَة الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن أجَاز يَصح وَيجب المَال عَلَيْهِ دون الْمصَالح لِأَن الْإِجَازَة بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء التَّوْكِيل وَالْحكم فِي التَّوْكِيل كَذَلِك وَإِن لم يجز يبطل الصُّلْح لِأَنَّهُ لَا يجب المَال وَالْمُدَّعى بِهِ لَا يسْقط
стр. 949
وعَلى هَذَا الْخلْع من الْأَجْنَبِيّ على هَذِه الْفُصُول إِن كَانَ بِإِذن الزَّوْج يكون وَكيلا عَنهُ وَيجب المَال على الْمَرْأَة للزَّوْج دون الْوَكِيل لِأَنَّهُ معبر وسفير فَلَا يرجع إِلَيْهِ بالحقوق
وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَإِن وجد من الْفُضُولِيّ ضَمَان بدل الْخلْع أَو قَالَ خَالع امْرَأَتك على كَذَا دِرْهَم عَليّ أَو على عَبدِي هَذَا أوعلي هَذَا الْألف أَو عَليّ هَذَا العَبْد فَإِن الْخلْع صَحِيح وَيجب المَال على الْفُضُولِيّ وَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع لِأَنَّهُ مُتَبَرّع
وَإِن قَالَ اخلع امْرَأَتك على كَذَا فَقَالَ خلعت فَإِنَّهُ مَوْقُوف على إجَازَة الْمَرْأَة فَإِن أجازت صَحَّ الْخلْع وَيجب الْبَدَل عَلَيْهَا دون الْفُضُولِيّ
وَإِن لم تجز بَطل الْخلْع وَلَا يَقع الطَّلَاق
وعَلى هَذِه الْفُصُول الْعَفو عَن دم الْعمد من الْأَجْنَبِيّ
وعَلى هَذِه الْفُصُول الزِّيَادَة فِي الثّمن من الْأَجْنَبِيّ إِن كَانَت بِإِذْنِهِ يكون وَكيلا وَتجب على المُشْتَرِي
لَا وَإِن كَانَت بِغَيْر إِذن المُشْتَرِي فَهُوَ على الْفُصُول الَّتِي ذكرنَا
стр. 950
بَاب آخر من الصُّلْح
جمع فِي الْبَاب مسَائِل مُتَفَرِّقَة مِنْهَا أَن من كَانَ لَهُ على آخر ألف دِرْهَم فَقَالَ للمديون أصالحك على أَن أحط عَنْك مِنْهَا خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي الْيَوْم خَمْسمِائَة فَصَالحه على ذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد إِن أعطَاهُ خَمْسمِائَة فِي ذَلِك الْيَوْم برىء من الْخَمْسمِائَةِ الْأُخْرَى وَإِن لم يُعْطه حَتَّى مضى الْيَوْم انْتقض الصُّلْح وعادت الْألف عَلَيْهِ كَمَا كَانَت
وَقَالَ أَبُو يُوسُف بِأَنَّهُ يبرأ من الْخَمْسمِائَةِ وَيبقى عَلَيْهِ خَمْسمِائَة
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ أصالحك عَن الْألف على خَمْسمِائَة تعجلها الْيَوْم فَإِن لم تعجلها فالألف عَلَيْك وَلم يعجل الْيَوْم بَطل الصُّلْح وَعَلِيهِ الْألف
وَحَاصِل هَذَا أَن عِنْدهمَا هَذَا الْكَلَام فِي مَوضِع الْإِجْمَاع وَهُوَ الْفَصْل الثَّانِي لَيْسَ تَعْلِيق الْبَرَاءَة عَن خَمْسمِائَة بِشَرْط تَعْجِيل خَمْسمِائَة لِأَن الْألف كلهَا مُعجلَة بِحكم عقد المداينة فَلَا معنى لاشتراطه وَهُوَ ثَابت وَلِأَن تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ لَا يجوز لِأَنَّهُ تمْلِيك من وَجه حَتَّى يرْتَد بِالرَّدِّ وَهَذَا الْكَلَام صَحِيح بِالْإِجْمَاع وَلكنه حط وإبراء عَن الْخَمْسمِائَةِ للْحَال وَتَعْلِيق فسخ الْبَرَاءَة بترك التَّعْجِيل فِي الْيَوْم وَتَعْلِيق الْفَسْخ بِالشّرطِ جَائِز فَإِن من قَالَ لغيره أبيعك هَذَا العَبْد بِأَلف
следующие страницы →