← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 7691

تحفة الفقهاء

علاء الدين السمرقندي

Полный текст (1 060 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فِيهِ وَأَرَادَ طَرحه فَصَالحه على دَرَاهِم فَالصُّلْح بَاطِل لِأَن هَذَا حق لجَماعَة الْمُسلمين وَلم يكن لَهُ حق مُعْتَبر حَتَّى يكون إِسْقَاطًا لحقه وبمثله لَو كَانَ الطَّرِيق غير نَافِذ فخاصمه رجل من أهل الطَّرِيق فَصَالحه على دَرَاهِم مُسَمَّاة فَالصُّلْح جَائِز لِأَنَّهُ مُشْتَرك بَين جمَاعَة محصورة فَيكون جُزْء مِنْهُ ملكا لهَذَا الْوَاحِد فَيكون صلحا عَن حَقه وَفِيه فَائِدَة لاحْتِمَال أَن يُصَالح الْبَقِيَّة بِخِلَاف الأول لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر الصُّلْح من جَمِيع النَّاس وَلَو ادّعى رجل على رجل مائَة دِرْهَم فأنكرها الْمُدعى عَلَيْهِ فَصَالح الْمُدَّعِي على أَنه إِن حلف الْمُدعى عَلَيْهِ فَهُوَ بَرِيء فَحلف الْمُدعى عَلَيْهِ مَا لهَذَا الْمُدَّعِي قَلِيل وَلَا كثير فَإِن الصُّلْح بَاطِل وَالْمُدَّعِي على دَعْوَاهُ فَإِن أَقَامَ بَيِّنَة أَخذه بهَا وَإِن لم يكن لَهُ بَيِّنَة وَأَرَادَ استحلافه لَهُ ذَلِك وَإِنَّمَا بَطل ذَلِك لِأَنَّهُ إِبْرَاء مُعَلّق بِالشّرطِ وَهُوَ فَاسد لِأَن فِيهِ معنى التَّمْلِيك وَأما الِاسْتِحْلَاف فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن حلف فِي غير مجْلِس القَاضِي فَلهُ أَن يحلفهُ ثَانِيًا لِأَن الْحلف فِي غير مجْلِس القَاضِي لَا عِبْرَة بِهِ فيحلفه ثَانِيًا وَأما إِذا حلف فِي مجْلِس القَاضِي فَلَا يحلفهُ ثَانِيًا لِأَن حق الْمُدَّعِي فِي الْحلف صَار مُسْتَوْفِي مرّة فَلَا يجب عَلَيْهِ الْإِيفَاء ثَانِيًا وَلَو اصطلحا على أَن يحلف الْمُدَّعِي فَمَتَى حلف فالدعوى لَازِمَة للْمُدَّعى عَلَيْهِ فَحلف الْمُدَّعِي على ذَلِك فَإِن الصُّلْح بَاطِل وَلَا يلْزم الْمُدعى عَلَيْهِ شَيْء بِهَذَا لِأَن هَذَا إِيجَاب المَال بِشَرْط وَهُوَ فَاسد وَلَو ادّعى على امْرَأَة نِكَاحهَا فصالحها على مائَة دِرْهَم على أَن تقر لَهُ بِالنِّكَاحِ فَهُوَ جَائِز وَتَكون الْمِائَة زِيَادَة فِي مهرهَا لِأَن إِقْرَارهَا بِالنِّكَاحِ مَحْمُول على الصِّحَّة

стр. 947

وَكَذَا لَو قَالَ لَهَا أَعطيتك مائَة دِرْهَم على أَن تَكُونِي امْرَأَتي فَهُوَ جَائِز إِذا قبلت ذَلِك بِمحضر من الشُّهُود وَيكون هَذَا كِنَايَة عَن النِّكَاح ابْتِدَاء وَكَذَا لَو قَالَ تَزَوَّجتك أمس على ألف دِرْهَم فَقَالَت لَا فَقَالَ أزيدك مائَة على أَن تقري لي بِالنِّكَاحِ فأقرت كَانَ لَهَا ألف وَمِائَة وَالنِّكَاح جَائِز وَيحمل إِقْرَارهَا على الصِّحَّة وَكَذَا لَو ادعِي على رجل مَجْهُول النّسَب أَنه عَبده فَأنْكر وَقَالَ إِنِّي حر الأَصْل فَصَالح الْمُدَّعِي عَلَيْهِ مَعَ الْمُدَّعِي على بدل مَعْلُوم جَازَ حَتَّى لَو أَقَامَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَة بعد ذَلِك لَا تقبل وَيصير ذَلِك بِمَنْزِلَة الْعتْق بِبَدَل وَلَكِن تقبل الْبَيِّنَة فِي حق إِثْبَات الْوَلَاء وَلَو ادّعى على رجل ألف دِرْهَم فَأنْكر فَقَالَ أقرّ لي بهَا عَلَيْك على أَن أُعْطِيك مائَة دِرْهَم كَانَ بَاطِلا لِأَن هَذَا إِيجَاب الْألف على نَفسه بِمِائَة دِرْهَم وَكَذَلِكَ لَو صَالح الْقَاذِف مَعَ الْمَقْذُوف بِشَيْء على أَن يعْفُو عَنهُ وَلَا يخاصمه فَهُوَ بَاطِل وَكَذَلِكَ لَو صَالح الشَّاهِد بِمَال على أَن لَا يشْهد عَلَيْهِ أَو أَرَادَ أَن يشْهد على الزَّانِي أَو السَّارِق أَو الْقَاذِف فَصَالَحُوهُ على مَال فَالصُّلْح بَاطِل وَلَا تقبل شَهَادَته فِي هَذِه الْحَادِثَة وَفِي غَيرهَا إِلَّا أَن يَتُوب وَيسْتَرد المَال مِنْهُ فِي جَمِيع ذَلِك وَلَو ادّعى رجل قبل رجل وَدِيعَة أَو عَارِية أَو مَالا مُضَارَبَة أَو إِجَارَة فَقَالَ الْأمين قد رَددتهَا عَلَيْك أَو هَلَكت ثمَّ صَالحه على مَال فَإِن الصُّلْح بَاطِل عِنْد أبي يُوسُف وَعند مُحَمَّد جَائِز وَهِي من الخلافيات

стр. 948

وَأما إِذا كَانَ الصُّلْح بَين الْمُدَّعِي وَالْأَجْنَبِيّ فَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ بِإِذن الْمُدعى عَلَيْهِ أَو بِغَيْر إِذْنه أما إِذا كَانَ بِإِذْنِهِ فَإِنَّهُ يَصح الصُّلْح وَيكون وَكيلا عَنهُ فِي الصُّلْح وَيجب المَال على الْمُدعى عَلَيْهِ دون الْوَكِيل سَوَاء كَانَ الصُّلْح عَن إِقْرَار أَو عَن إِنْكَار لِأَن الْوَكِيل فِي الصُّلْح لَا ترجع إِلَيْهِ الْحُقُوق وَهَذَا إِذا لم يضمن بدل الصُّلْح عَن الْمُدعى عَلَيْهِ فَأَما إِذا ضمن فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ بِحكم الْكفَالَة وَالضَّمان لَا بِحكم العقد فَأَما إِذا كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَهَذَا صلح الْفُضُولِيّ وَهُوَ على أَرْبَعَة أوجه فِي ثَلَاثَة مِنْهَا يَصح الصُّلْح وَيجب المَال على الْمصَالح الْفُضُولِيّ وَلَا يجب على الْمُدعى عَلَيْهِ شَيْء بِأَن يَقُول الْفُضُولِيّ للْمُدَّعِي أصالحك من دعواك هَذِه على فلَان بِأَلف دِرْهَم على أَن ضَامِن لَك هَذِه الْألف أَو عَليّ هَذِه الْألف أَو قَالَ عَليّ ألفي هَذِه أَو على عَبدِي هَذَا أضَاف المَال إِلَى نَفسه أَو عين الْبَدَل فَقَالَ عَليّ هَذِه الْألف أَو عَليّ هَذَا العَبْد وَإِنَّمَا كَانَ هَكَذَا لِأَن التَّبَرُّع بِإِسْقَاط الدّين بِأَن يقْضِي دين غَيره بِغَيْر إِذْنه صَحِيح والتبرع بِإِسْقَاط الْخُصُومَة عَن غَيره صَحِيح وَالصُّلْح عَن إِقْرَار إِسْقَاط للدّين وَالصُّلْح عَن إِنْكَار إِسْقَاط للخصومة فَيجوز كَيْفَمَا كَانَ وَفِي فصل وَاحِد لَا يَصح بِأَن قَالَ أصالحك من دعواك هَذَا مَعَ فلَان على ألف دِرْهَم أَو على عبد وسط فَإِن هَذَا الصُّلْح مَوْقُوف على إجَازَة الْمُدعى عَلَيْهِ فَإِن أجَاز يَصح وَيجب المَال عَلَيْهِ دون الْمصَالح لِأَن الْإِجَازَة بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء التَّوْكِيل وَالْحكم فِي التَّوْكِيل كَذَلِك وَإِن لم يجز يبطل الصُّلْح لِأَنَّهُ لَا يجب المَال وَالْمُدَّعى بِهِ لَا يسْقط

стр. 949

وعَلى هَذَا الْخلْع من الْأَجْنَبِيّ على هَذِه الْفُصُول إِن كَانَ بِإِذن الزَّوْج يكون وَكيلا عَنهُ وَيجب المَال على الْمَرْأَة للزَّوْج دون الْوَكِيل لِأَنَّهُ معبر وسفير فَلَا يرجع إِلَيْهِ بالحقوق وَإِن كَانَ بِغَيْر إِذْنه فَإِن وجد من الْفُضُولِيّ ضَمَان بدل الْخلْع أَو قَالَ خَالع امْرَأَتك على كَذَا دِرْهَم عَليّ أَو على عَبدِي هَذَا أوعلي هَذَا الْألف أَو عَليّ هَذَا العَبْد فَإِن الْخلْع صَحِيح وَيجب المَال على الْفُضُولِيّ وَلَيْسَ لَهُ أَن يرجع لِأَنَّهُ مُتَبَرّع وَإِن قَالَ اخلع امْرَأَتك على كَذَا فَقَالَ خلعت فَإِنَّهُ مَوْقُوف على إجَازَة الْمَرْأَة فَإِن أجازت صَحَّ الْخلْع وَيجب الْبَدَل عَلَيْهَا دون الْفُضُولِيّ وَإِن لم تجز بَطل الْخلْع وَلَا يَقع الطَّلَاق وعَلى هَذِه الْفُصُول الْعَفو عَن دم الْعمد من الْأَجْنَبِيّ وعَلى هَذِه الْفُصُول الزِّيَادَة فِي الثّمن من الْأَجْنَبِيّ إِن كَانَت بِإِذْنِهِ يكون وَكيلا وَتجب على المُشْتَرِي لَا وَإِن كَانَت بِغَيْر إِذن المُشْتَرِي فَهُوَ على الْفُصُول الَّتِي ذكرنَا

стр. 950

بَاب آخر من الصُّلْح جمع فِي الْبَاب مسَائِل مُتَفَرِّقَة مِنْهَا أَن من كَانَ لَهُ على آخر ألف دِرْهَم فَقَالَ للمديون أصالحك على أَن أحط عَنْك مِنْهَا خَمْسمِائَة على أَن تُعْطِينِي الْيَوْم خَمْسمِائَة فَصَالحه على ذَلِك قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد إِن أعطَاهُ خَمْسمِائَة فِي ذَلِك الْيَوْم برىء من الْخَمْسمِائَةِ الْأُخْرَى وَإِن لم يُعْطه حَتَّى مضى الْيَوْم انْتقض الصُّلْح وعادت الْألف عَلَيْهِ كَمَا كَانَت وَقَالَ أَبُو يُوسُف بِأَنَّهُ يبرأ من الْخَمْسمِائَةِ وَيبقى عَلَيْهِ خَمْسمِائَة وَأَجْمعُوا أَنه إِذا قَالَ أصالحك عَن الْألف على خَمْسمِائَة تعجلها الْيَوْم فَإِن لم تعجلها فالألف عَلَيْك وَلم يعجل الْيَوْم بَطل الصُّلْح وَعَلِيهِ الْألف وَحَاصِل هَذَا أَن عِنْدهمَا هَذَا الْكَلَام فِي مَوضِع الْإِجْمَاع وَهُوَ الْفَصْل الثَّانِي لَيْسَ تَعْلِيق الْبَرَاءَة عَن خَمْسمِائَة بِشَرْط تَعْجِيل خَمْسمِائَة لِأَن الْألف كلهَا مُعجلَة بِحكم عقد المداينة فَلَا معنى لاشتراطه وَهُوَ ثَابت وَلِأَن تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ لَا يجوز لِأَنَّهُ تمْلِيك من وَجه حَتَّى يرْتَد بِالرَّدِّ وَهَذَا الْكَلَام صَحِيح بِالْإِجْمَاع وَلكنه حط وإبراء عَن الْخَمْسمِائَةِ للْحَال وَتَعْلِيق فسخ الْبَرَاءَة بترك التَّعْجِيل فِي الْيَوْم وَتَعْلِيق الْفَسْخ بِالشّرطِ جَائِز فَإِن من قَالَ لغيره أبيعك هَذَا العَبْد بِأَلف

стр. 951

دِرْهَم على أَن تعجلها الْيَوْم فَإِن لم تعجلها فَلَا بيع بَيْننَا فَإِن البيع جَائِز وَجعل ترك التَّعْجِيل شرطا فِي الْفَسْخ فَكَذَا هَذَا وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي فصل الْخلاف وَعند أبي يُوسُف هَذَا تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِشَرْط التَّعْجِيل والبراءة لَا يَصح تَعْلِيقهَا بِالشُّرُوطِ وَجه قَول أبي يُوسُف أَنه صَالح على عوض بِشَرْط تَعْجِيله فَإِذا لم يُوجد الْوَفَاء بالتعجيل لم يَنْفَسِخ العقد بِدُونِ شَرط الْفَسْخ صَرِيحًا وَلم يُوجد فَبَقيَ الْحَط صَحِيحا كَمَا إِذا قَالَ بِعْتُك هَذَا العَبْد بِأَلف على أَن تعجلها الْيَوْم بِخِلَاف الْفَصْل الْمجمع عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك صلح على خَمْسمِائَة للْحَال وَجعل ترك التَّعْجِيل شرطا للْفَسْخ عرفنَا ذَلِك بالتنصيص على ذَلِك الشَّرْط وَلَو صَالح على أَن يُعْطِيهِ خَمْسمِائَة إِلَى شهر على أَن يحط عَنهُ خَمْسمِائَة السَّاعَة فَإِن لم يُعْطه إِلَى شهر فَعَلَيهِ الْألف فَهُوَ صَحِيح لِأَن هَذَا إِبْرَاء للْحَال وَتَعْلِيق لفسخ الْإِبْرَاء بِالشّرطِ وعَلى هَذَا الْكفَالَة إِذا أَخذ مِنْهُ كَفِيلا بِأَلف دِرْهَم فَصَالح مَعَه على أَن يحط خَمْسمِائَة وَشرط على الْكَفِيل ذَلِك إِن أوفاه خَمْسمِائَة إِلَى شهر فَإِن لم يوفه خَمْسمِائَة إِلَى رَأس الشَّهْر فَعَلَيهِ الْألف فَهُوَ جَائِز وَالْألف على الْكَفِيل إِن لم يوفه لما قُلْنَا وَلَو ضمن الْكَفِيل الْألف مُطلقًا ثمَّ قَالَ عَنْك حططت خَمْسمِائَة على أَن توفيني رَأس الشَّهْر خَمْسمِائَة فَإِن لم توفني فالألف عَلَيْك فَهَذَا صَحِيح وَهُوَ أوثق من الأول وَلَو قَالَ لمن عَلَيْهِ الْألف مَتى مَا أدّيت إِلَيّ خَمْسمِائَة فَأَنت تَبرأ عَن الْبَاقِي فَإِن هَذَا لَا يَصح وَيبقى عَلَيْهِ الْألف لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْبَرَاءَة بِالشّرطِ

стр. 952

وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ صالحتك على أَنَّك مَتى مَا أدّيت إِلَيّ خَمْسمِائَة فَأَنت بَرِيء من خَمْسمِائَة لَا يَصح لما قُلْنَا وَكَذَا من قَالَ هَذِه الْمقَالة لمكاتبه إِذا أدّيت إِلَيّ خَمْسمِائَة فَأَنت بَرِيء من بَاقِي الْكِتَابَة لما قُلْنَا وَلَو قَالَ لَهُ إِن أدّيت إِلَيّ خَمْسمِائَة فَأَنت حر وَالْبدل ألف يَصح وَيبرأ لِأَن هَذَا تَعْلِيق الْعتْق وَتثبت الْبَرَاءَة حكما وَمِنْهَا المُشْتَرِي إِذا وجد بِالْمَبِيعِ عَيْبا فَصَالحه البَائِع من الْعَيْب على شَيْء دَفعه إِلَيْهِ أَو حط عَنهُ من ثمنه شَيْئا فَإِن كَانَ الْمَبِيع مِمَّا يجوز رده على البَائِع أَو كَانَ لَهُ حق الْمُطَالبَة بأرشه دون رده فَالصُّلْح جَائِز لِأَن هَذَا صلح عَن حَقه وَإِن لم يكن لَهُ حق الرَّد وَلَا أَخذ الْأَرْش لَا يجوز الصُّلْح لِأَن هَذَا أَخذ مَال لَا بِمُقَابلَة شَيْء فَلَا يجوز وَهَذَا إِذا كَانَ بيعا يجوز فِيهِ التَّفَاضُل وَأما إِذا كَانَ فِي بيع الرِّبَا فَلَا يجوز لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الزِّيَادَة وَهُوَ رَبًّا فَلَا يجوز وَفِي الْموضع الَّذِي جَازَ إِذا زَالَ الْعَيْب بِأَن انجلى الْبيَاض يبطل الصُّلْح وَيَأْخُذ البَائِع مَا أدّى لِأَنَّهُ زَالَ حَقه وَلَو صَالح عَن عيب قَائِم وَعَن كل عيب يجوز وَلَو لم يجد بِهِ عَيْبا وَصَالح مَعَ هَذَا عَن كل عيب جَازَ لوُجُود سَبَب الْحق وَلَو صَالح عَن عيب خَاص كالعمى وَنَحْوه يجوز لِأَنَّهُ لما جَازَ عَن كل عيب جَازَ عَن الْوَاحِد

стр. 953

كتاب الْمُزَارعَة فِي الْكتاب فصلان فصل فِي الْمُزَارعَة وَفصل فِي الْمُعَامَلَات ونحتاج إِلَى تفسيرهما فِي عرف اللُّغَة وَالشَّرْع وَإِلَى بَيَان مشروعيتهما وَإِلَى بَيَان أَنْوَاع الْمُزَارعَة وَإِلَى بَيَان شَرَائِط الْمُزَارعَة المصححة مِنْهَا والمفسدة وَإِلَى بَيَان الْمعَانِي الَّتِي تجْعَل عذرا فِي فسخ الْمُزَارعَة والامتناع مِنْهَا بعد الشُّرُوع فِيهَا أما الأول فَنَقُول الْمُزَارعَة عبارَة عَن عقد الزِّرَاعَة بِبَعْض الْخَارِج وَهُوَ إِجَارَة الأَرْض أَو الْعَامِل بِبَعْض الْخَارِج وَأما إجارتهما بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير فِي الذِّمَّة أَو مُعينَة فَلَا يكون عقد مُزَارعَة بل سمي إِجَارَة وَقد ذكرنَا فِي كتاب الْإِجَارَة وَكَذَا الْمُعَامَلَة هُوَ إِجَارَة الْعَامِل ليعْمَل فِي كرمه وأشجاره من السَّقْي وَالْحِفْظ بِبَعْض الْخَارِج وَأما بَيَان المشروعية فَقَالَ أَبُو حنيفَة كلتاهما فاسدتان غير مشروعتين

стр. 954

وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد كلتاهما مشروعتان وَقَالَ الشَّافِعِي الْمُعَامَلَة مَشْرُوعَة دون الْمُزَارعَة وَهِي مَعْرُوفَة فِي الخلافيات وَأما بَيَان أَنْوَاع الْمُزَارعَة ذكر فِي الْكتاب وَقَالَ الْمُزَارعَة أَنْوَاع أَرْبَعَة وَهِي كَذَلِك فِي الظَّاهِر لَكِن يتَفَرَّع مِنْهَا أَنْوَاع أخر وَمَعْرِفَة ذَلِك مَبْنِيَّة على معرفَة أصُول مِنْهَا أَن الْمُزَارعَة فِيهَا معنى الْإِجَارَة وَالشَّرِكَة لِأَنَّهَا إِمَّا إِجَارَة الأَرْض أَو الْعَامِل بِبَعْض الْخَارِج إِن كَانَ بالبذر من قبل صَاحب الأَرْض فَهُوَ مُسْتَأْجر الْعَامِل ليعْمَل لَهُ فِي أرضه بِمَا يُعْطِيهِ من الْعِوَض وَهُوَ بعض الْخَارِج الَّذِي هُوَ نَمَاء ملكه وَهُوَ الْبذر وَإِن كَانَ الْبذر من الْعَامِل فَهُوَ مُسْتَأْجر الأَرْض ليزرعها بِبَعْض الْخَارِج الَّذِي هُوَ نَمَاء ملكه وَهُوَ الْبذر وَمِنْهَا أَيْضا معنى الشّركَة بَين الْمُتَعَاقدين لكَون الْخَارِج مُشْتَركا بَينهمَا على قدر مَا سميا فِي العقد إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول قد جَاءَ الشَّرْع بِجَوَاز الْمُزَارعَة بِبَعْض الْخَارِج إِذا كَانَ عوضا عَن مَنْفَعَة الأَرْض أَو عَن مَنْفَعَة الْعَامِل بِخِلَاف الْقيَاس لحَاجَة النَّاس لِأَن الْأُجْرَة مَعْدُومَة مَجْهُولَة فَمَتَى كَانَ العقد على هَذَا الْوَجْه يكون مُزَارعَة صَحِيحَة وَإِلَّا فَيكون مُزَارعَة فَاسِدَة وأصل آخر وَهُوَ أَن صَاحب الْبذر يسْتَحق الْخَارِج بِسَبَب أَنه نَمَاء ملكه لَا بِالْإِجَارَة وَالَّذِي لَيْسَ بِصَاحِب الْبذر يسْتَحق الْخَارِج بِالشّرطِ وَهُوَ عقد الْمُزَارعَة فَإِن العقد إِذا كَانَ صَحِيحا يجب الْبَدَل

стр. 955

الْمُسَمّى وَإِذا كَانَ فَاسِدا لَا يسْتَحق الْبَدَل الْمُسَمّى وَلَكِن يجب أجر الْمثل بِمُقَابلَة مَنْفَعَة الأَرْض أَو مَنْفَعَة الْعَامِل لِأَنَّهُ لم يرض ببذل الْمَنْفَعَة من غير عوض لَكِن عِنْد مُحَمَّد يجب أجر الْمثل بَالغا مَا بلغ وَعند أبي يُوسُف مُقَدرا بِقِيمَة الْخَارِج الْمُسَمّى ذكر الْخلاف فِي كتاب الشّركَة وَيكون الْخَارِج كُله لصَاحب الْبذر لِأَنَّهُ نَمَاء ملكه ثمَّ إِذا كَانَ الْبذر من صَاحب الأَرْض يكون الزَّرْع كُله لَهُ طيبا وَلَا يتَصَدَّق بِشَيْء لِأَنَّهُ نَمَاء ملكه وَقد حصل فِي أرضه وَإِن كَانَ الْبذر من الْعَامِل فَإِن الْخَارِج بِقدر بذره وبقدر مَا غرم من أجر مثل الأَرْض والمؤن يطيب لَهُ لِأَنَّهُ أدّى عوضه وَيتَصَدَّق بِالْفَضْلِ على ذَلِك لِأَنَّهُ وَإِن تولد من بذره لَكِن فِي أَرض غَيره بِعقد فَاسد فأورث شُبْهَة الْخبث وعَلى هَذَا قَالُوا فِي الْمُزَارعَة الصَّحِيحَة إِذا لم تخرج الأَرْض شَيْئا لَا يجب على وَاحِد مِنْهُمَا لَا أجر الْعَمَل وَلَا أجر الأَرْض لِأَن الْوَاجِب هُوَ الْخَارِج لكَون التَّسْمِيَة صَحِيحَة فتقومت الْمَنَافِع بِهَذَا الْبَدَل فَمَتَى لم يُوجد بقيت الْمَنَافِع على الأَصْل وَهِي غير مُتَقَومَة وَفِي الْمُزَارعَة الْفَاسِدَة يجب أجر الْمثل وَإِن لم تخرج الأَرْض شَيْئا لِأَن الْمَنَافِع تتقوم هَاهُنَا بِأَجْر الْمثل ففوات الْخَارِج لَا يمْنَع من وُجُوبه إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول ذكر فِي الْكتاب وَقَالَ الْمُزَارعَة أَنْوَاع أَرْبَعَة وَهِي فِي الظَّاهِر كَذَلِك وَلَكِن يتَفَرَّع مِنْهُمَا أَنْوَاع أخر أما بَيَان الْأَرْبَعَة أَن يكون الأَرْض وَالْبذْر من رب الأَرْض وَالْبَقر وَالْعَمَل وآلاته من الْعَامِل أَو يكون الأَرْض وَالْبَقر وَالْبذْر من رب الأَرْض وَالْعَمَل من الْعَامِل لَا غير

стр. 956

أَو تكون الأَرْض وَحدهَا من صَاحب الأَرْض وَالْبَاقِي كُله من الْعَامِل أَو تكون الأَرْض وَالْبَقر من صَاحب الأَرْض وَالْبذْر وَالْعَمَل من الْعَامِل فَفِي الثَّلَاثَة الأولى الْمُزَارعَة صَحِيحَة لِأَن فِي الْفَصْل الأول صَاحب الأَرْض مُسْتَأْجر للْعَمَل وَالْبَقر آلَة الْعَمَل فَيكون تبعا لَهُ فَلَا تكون الْأُجْرَة بِمُقَابلَة الْبَقر كمن اسْتَأْجر خياطا ليخيط بآلته يجوز وَفِي الْفَصْل الثَّانِي صَاحب الأَرْض مُسْتَأْجر لِلْعَامِلِ أَيْضا وَحده وَفِي الْفَصْل الثَّالِث يكون الْعَامِل مُسْتَأْجرًا للْأَرْض وَحدهَا وَقد ذكرنَا أَن اسْتِئْجَار الأَرْض وَحدهَا واستئجار الْعَامِل بِبَعْض الْخَارِج وَحده يكون مُزَارعَة صَحِيحَة لوُرُود الحَدِيث فِيهِ مُخَالفا للقياص وَفِي الْفَصْل الرَّابِع لَا يجوز لِأَنَّهُ يصير صَاحب الْبذر وَهُوَ الْعَامِل مُسْتَأْجرًا للْأَرْض وَالْبَقر بِبَعْض الْخَارِج فَيكون الْبَعْض بِمُقَابلَة الْبَقر مَقْصُودا وَلم يرد الشَّرْع بِهِ فَبَقيَ على أصل الْقيَاس وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف فِي الأمالي أَنَّهَا جَائِزَة وَأما مَا يتَفَرَّع مِنْهَا الِاسْتِئْجَار الْبذر وَهُوَ أَن يدْفع الرجل بذرا إِلَى رجل ليزرعه فِي أرضه ببقره بِنصْف أَو بِثلث فالمزارعة فَاسِدَة لما قُلْنَا إِنَّه يصير مُسْتَأْجرًا الأَرْض وَالْعَامِل جَمِيعًا وَلم يرد الشَّرْع بِهِ وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنَّهَا جَائِزَة وَمِنْهَا أَن يشْتَرك أَرْبَعَة من أحدهم الأَرْض وَمن الآخر الْبذر وَمن الثَّالِث الْبَقر وَمن الرَّابِع الْعَمَل فَهِيَ فَاسِدَة وَفِي عين

стр. 957

هَذِه الْحَادِثَة ورد الْأَثر بِالْفَسَادِ وَلَو شَرط عمل صَاحب الأَرْض مَعَ الْعَامِل لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يُوجد تخلية الأَرْض وَيجب أجر الْمثل فِيمَا إِذا كَانَ الْبذر من الْعَامِل وَيجب أجر مثل عمل الْعَامِل إِذا كَانَ الْبذر من صَاحب الأَرْض وَلَو شَرط عمل عبد صَاحب الأَرْض على أَن يكون الْخَارِج أَثلَاثًا ثلثه لصَاحب الأَرْض وَثلثه لعَبْدِهِ وَثلثه لِلْعَامِلِ إِن كَانَ الْبذر من صَاحب الأَرْض جَازَ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجر لِلْعَامِلِ فَيكون العَبْد معينا لَهُ وَيكون نصيب العَبْد لصَاحبه وَإِن كَانَ الْبذر من الْعَامِل لَا يجوز وَيكون الْخَارِج لصَاحب الْبذر وَعَلِيهِ أجر مثل الأَرْض وَالْعَبْد وَكَذَا أجر الْبَقر إِن كَانَ من صَاحب الأَرْض أَيْضا وَلَو شَرط عمل رجل أَجْنَبِي مَعَ الْعَامِل على أَن الْخَارِج يكون أَثلَاثًا فَإِن كَانَ الْبذر من الْعَامِل لَا يجوز فِي حق الْعَامِل الثَّانِي وَيجوز فِيمَا بَين صَاحب الأَرْض وَالْعَامِل الأول فَيكون الثُّلُث لصَاحب الأَرْض وَالثُّلُثَانِ لِلْعَامِلِ الأول وللعامل الثَّانِي أجر الْمثل وَإِن كَانَ الْبذر من صَاحب الأَرْض جَازَ وَيكون الثُّلُث لَهُ وَلكُل عَامل الثُّلُث لِأَنَّهُ يصير مُسْتَأْجرًا للعاملين وَهَذَا جَائِز وَأما شَرَائِط الصِّحَّة وَالْفساد فَمن شَرَائِط الصِّحَّة بَيَان الْمدَّة سنة أَو أَكثر وَهَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة وَعَن مُحَمَّد بن سَلمَة أَنه قَالَ هَذَا فِي بِلَادهمْ لِأَن وَقت الزِّرَاعَة

стр. 958

متفاوت فَيصير ابْتِدَاء الزِّرَاعَة مَجْهُولا أما فِي بِلَادنَا فَيجب أَن يجوز لِأَن وقته مَعْلُوم فَصَارَ كالمعاملة وَيَقَع على أول زرع يخرج وَأما فِي الْمُعَامَلَة فَالْقِيَاس أَن يشْتَرط بَيَان الْمدَّة وَفِي الِاسْتِحْسَان أَنه يَقع على أول ثَمَر يخرج فَإِذا انْتهى الثَّمر انْتهى العقد فَأَما فِي الرطاب فَإِذا دفع الأَرْض ليزرع الرطاب وَدفع بذرها أَو دفع أَرضًا فِيهَا أصُول رطبَة ثَابِتَة وَلم يسم الْمدَّة فَإِن كَانَ شَيْئا لَيْسَ لابتداء نَبَاته وَلَا لانْتِهَاء جزه وَقت مَعْلُوم لَا يجوز فَأَما إِذا كَانَ وَقت جزه مَعْلُوما فَإِنَّهُ يجوز وَيَقَع على وَقت جزه وَاحِدَة كَمَا فِي الشَّجَرَة المثمرة وَلَو دفع إِلَيْهِ نخلا فِيهَا طلع وَبسر أَحْمَر أَو أصفر أَو أَخْضَر فَإِنَّهُ يجوز وَإِن لم يبين الْوَقْت لِأَنَّهُ وَقت إِدْرَاكه مَعْلُوم وَلَو دفع إِلَيْهِ الْبُسْر وَقد تناهى عظمه لَكِن لم يصر رطبا بعد لَا يجوز لِأَنَّهُ لم يبْق لِلْعَامِلِ عمل يحصل بِهِ الثَّمر وَكَذَا الْجَواب فِي دفع الزَّرْع مُزَارعَة إِن كَانَ بقلا لم يستحصد جَازَ وَإِن استحصد لَا يجوز لما قُلْنَا وَمِنْهَا إِذا شَرط على الْعَامِل شرطا يبْقى منفعَته إِلَى السّنة الثَّانِيَة وَقد دفع الأَرْض مُزَارعَة سنة كحفر الْأَنْهَار الصغار والآبار وَوضع المسناة تفْسد الْمُزَارعَة وَإِن كَانَ فِي مَوضِع لَا يبْقى يجوز وعَلى هَذَا إِذا شَرط الكراب لَا تفْسد لِأَنَّهُ لَا تبقى منفعَته فِي

стр. 959

السّنة الثَّانِيَة وَإِن شَرط الثنيان تفْسد وَبَعْضهمْ قَالُوا أَرَادَ بِهِ تَثْنِيَة الكراب مرَّتَيْنِ ومرارا وَهَذَا تبقى منفعَته فِي السّنة الثَّانِيَة وَمِنْهُم من قَالَ أَرَادَ بِهِ أَن تثنى الكراب بعد انْقِضَاء مُدَّة الْمُزَارعَة حَتَّى يرد الأَرْض مكروبة إِلَى صَاحبهَا وَهُوَ شَرط مُفسد ثمَّ شَرط الكراب إِذا لم يكن مُفْسِدا هَل يلْزم الْمزَارِع فَنَقُول يلْزم بِالشّرطِ لِأَنَّهُ سَبَب لزِيَادَة الْغلَّة فَصَارَ كمن اشْترى جَارِيَة على أَنَّهَا خبازة أَو كاتبة فَيجْبر على الكراب لَو امْتنع وَلَو عقد الْمُزَارعَة مُطلقًا هَل يجب الكراب على الْعَامِل إِن كَانَ بِحَال يخرج الأَرْض زرعا مُعْتَادا من غير كراب لَا يلْزمه وَإِن كَانَ لَا يخرج زرعا مُعْتَادا فَإِنَّهُ يجْبر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ يخرج شَيْئا قَلِيلا لِأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِ مُطلق عمل الزِّرَاعَة فَيَقَع على أدنى عمل مُعْتَاد فَأَما غير المتعاد من الزَّرْع الْقَلِيل فَلَا عِبْرَة بِهِ وَكَذَا السَّقْي يجب عَلَيْهِ إِذا كَانَ لَا يخرج زرعا مُعْتَادا بِمَاء السَّمَاء وَحده وَلَو دفع على أَنه إِن زرع بكراب فَلهُ كَذَا إِن ثنى فَلهُ كَذَا وَإِن زرع بِغَيْر كراب وثنيان فَكَذَا صَحَّ العقد فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَكَذَا إِذا قَالَ إِن زرع حِنْطَة فَلهُ كَذَا وَإِن زرع شَعِيرًا فَلهُ كَذَا فَهُوَ على هَذَا أَيْضا وَمِنْهَا أَن يشْتَرط الْحَصاد والدياس والتذرية وَالْحمل إِلَى مَوضِع البيدر فَهُوَ شَرط مُفسد للْعقد فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه شَرط صَحِيح وَهُوَ قَول مَشَايِخ خُرَاسَان

стр. 960

وَأما شَرط الْحمل بعد الْقِسْمَة إِلَى منزل صَاحب الأَرْض فَهُوَ مُفسد بالِاتِّفَاقِ وَمِنْهَا التَّخْلِيَة بَين الأَرْض والمزارع شَرط الصِّحَّة وَقد ذكرنَا وَأما الْمعَانِي الَّتِي تجْعَل عذرا للْفَسْخ أَو تجْعَل عذرا فِي الِامْتِنَاع عَن الْعَمَل أَو حق أَخذ الأَرْض فَنَقُول إِذا عقد عقد الْمُزَارعَة ثمَّ أَرَادَ أَحدهمَا الِامْتِنَاع فَإِن كَانَ صَاحب الْبذر لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الشُّرُوع إِلَّا بعد إِتْلَاف ملكه وَهُوَ الْبذر وَإِذ لم يكن صَاحب الْبذر لَيْسَ لَهُ ذَلِك إِلَّا بِعُذْر يفْسخ بِهِ العقد وَلَو مَاتَ أَحدهمَا فللآخر أَن يمْتَنع إِن كَانَ قبل الشُّرُوع وَبعد الشُّرُوع يَنْفَسِخ العقد عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ على التَّفْصِيل الَّذِي نذْكر والأعذار الْمُوجبَة حق الْفَسْخ فِي جَانب صَاحب الأَرْض هُوَ الدّين الَّذِي لَا وَجه لقضائه إِلَّا بِثمن الأَرْض أَو كَون الْعَامِل جانيا وَفِي جَانب الْعَامِل هُوَ الْمَرَض الَّذِي يعجزه عَن الْعَمَل وَالسّفر وَنَحْو ذَلِك ثمَّ إِذا فسخ أَو ترك العقد وَقد عمل فِيهَا الْعَامِل من الكراب وكرى السواقي وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذ شَيْئا من صَاحب الأَرْض لِأَنَّهُ لَا قيمَة للمنافع وهما قوماها بالخارج وَقد بَطل سَبَب الِاسْتِحْقَاق بِالْفَسْخِ لَكِن هَذَا فِي الحكم أما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَعَلَيهِ أَن يُرْضِي الْعَامِل بِإِعْطَاء عوض عمله

стр. 961

ثمَّ بَيَان كَيْفيَّة الْفَسْخ بِمَوْت أحد الْعَاقِدين فَنَقُول إِن مَاتَ رب الأَرْض وَالزَّرْع بقل وَقد عقد الْمُزَارعَة ثَلَاث سِنِين فَإِنَّهُ يبْقى العقد فِي هَذِه السّنة لهَذَا الزَّرْع وَلَيْسَ لوَرَثَة رب الأَرْض أَخذ الأَرْض وَلَكِن تتْرك الأَرْض فِي يَد الْمزَارِع حَتَّى يستحصد فَإِذا استحصد قسموه على شرطهم وتنتقض الْمُزَارعَة فِيمَا بَقِي من السنين وَإِنَّمَا يبْقى العقد نظرا للجانبين شرعا وَلَو مَاتَ المزراع وَالزَّرْع بقل فَإِن كَانَ وَرَثَة المزراع قَالُوا نَحن نعمل فَلَيْسَ لصَاحب الأَرْض أَن يقْلع وَتبقى الْمُزَارعَة حكما فَأَما إِذا قَالَ وَرَثَة الْمزَارِع نَحن لَا نعمل وَلَكِن نقلع الزَّرْع والبقل بَيْننَا لَا يجبرون على الْعَمَل وَيُقَال لصَاحب الأَرْض اقلع فَيكون بَيْنكُم أَو أعطهم قيمَة حصتهم وَالزَّرْع كُله لَك أَو أنْفق على حصتهم وَتَكون نَفَقَتك فِي حصتهم فَأَما إِذا انْقَضتْ الْمدَّة من غير موت المزارعين وَالزَّرْع بقل انْتهى عقد الْمُزَارعَة وَلَكِن الزَّرْع مُشْتَرك بَينهمَا فَيكون الْعَمَل عَلَيْهِمَا إِلَى أَن يستحصد وعَلى الْمزَارِع أجر مثل نصف الأَرْض وعَلى هَذَا فِي مُدَّة الْإِجَارَة وَالْعَارِية إِذا انْقَضتْ وَالزَّرْع بقل فَإِنَّهُ يجب أجر مثل الأَرْض وَيتْرك الزَّرْع حَتَّى يستحصد نظرا لَهما بِخِلَاف الْمَوْت فَإِنَّهُ ثمَّة لَا يجب أجر مثل الأَرْض لِأَن ثمَّة يبْقى العقد حكما وَيكون الْعَمَل على الْعَامِل لَا عَلَيْهِمَا وعَلى هَذَا قَالُوا إِن الْجمال إِذا مَاتَ فِي بعض طَرِيق مَكَّة فَإِن الْمُسْتَأْجر يمْضِي إِلَى مَكَّة بِالْمُسَمّى لأَنا بَقينَا العقد حكما كَذَا هَذَا وَكَذَا إِذا كَانَ على صَاحب الأَرْض دين فادح وَفِي الأَرْض الزَّرْع

стр. 962

بقل لَيْسَ لَهُ أَن يَبِيع الأَرْض بل يبْقى العقد إِلَى أَن يستحصد لما قُلْنَا

стр. 963

كتاب الْإِكْرَاه الْإِكْرَاه نَوْعَانِ نوع يُوجب الإلجاء والإضرار كالتخويف بِالْقَتْلِ وَقطع الْعُضْو وَالضَّرْب المبرح المتوالي الَّذِي يخَاف مِنْهُ التّلف وَنَوع لَا يُوجب كالتخويف بِالْحَبْسِ والقيد وَالضَّرْب الْيَسِير وَالَّذِي يَقع عَلَيْهِ الْإِكْرَاه من الْفِعْل وَالتّرْك إِمَّا إِن كَانَ من الْأُمُور الحسية أَو من الْأُمُور الشَّرْعِيَّة أما إِذا وَقع الْإِكْرَاه على الْفِعْل الْحسي فَهُوَ أَقسَام ثَلَاثَة فِي حق الْإِبَاحَة والرخصة وَالْحُرْمَة أما الَّذِي يحْتَمل الْإِبَاحَة كشرب الْخمر وَأكل الْميتَة وَالْخِنْزِير فَإِن كَانَ الْإِكْرَاه بِمَا يُوجب الِاضْطِرَار وَهُوَ الْقَتْل وَقطع الْعُضْو وَنَحْوه فَإِن كَانَ غَالب حَال الْمُكْره أَنه يقْتله لَو لم يشرب فَإِنَّهُ يُبَاح لَهُ شربه وتناوله لِأَن هَذَا مِمَّا يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة كَمَا فِي حَال المخمصة وَإِن كَانَ غَالب حَاله أَنه لَا يقْتله وَلَا يُحَقّق مَا أوعده أَو كَانَ التخويف بِمَا لَيْسَ فِيهِ خوف تلف النَّفس كالحبس والقيد وَالضَّرْب الْيَسِير فَإِنَّهُ لَا يُبَاح الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَلَا يرخص حَتَّى يَأْثَم بالإقدام عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يجب تَقْدِيم حق الله تَعَالَى على حق نَفسه

стр. 964

وَفِي الْفَصْل الأول يُبَاح حَتَّى لَو أقدم لَا إِثْم عَلَيْهِ وَلَو لم يقدم حَتَّى هلك يَأْثَم لِأَنَّهُ صَار مهْلكا نَفسه عَن اخْتِيَار وَأما الْفَصْل الَّذِي يرخص فِيهِ وَلَا يسْقط الْحُرْمَة كَمَا إِذا أكره بِالْقَتْلِ على أَن يجْرِي كلمة الْكفْر على لِسَانه أَو على أَن يشْتم مُحَمَّدًا ﷺ أَو على أَن يُصَلِّي إِلَى الصَّلِيب فَإِنَّهُ لَا يُبَاح لَهُ ذَلِك وَلَكِن يرخص لَهُ الْفِعْل وَإِن امْتنع حَتَّى قتل كَانَ مثابا ثَوَاب الْجِهَاد لِأَن الْحُرْمَة لم تسْقط بِخِلَاف الْفَصْل الأول وعَلى هَذَا لَو أكره على إِتْلَاف مَال إِنْسَان بِمَا فِيهِ خوف التّلف وغالب ظَنّه أَن يفعل فَإِنَّهُ يرخص وَلَا يُبَاح لِأَن حُرْمَة مَال الْغَيْر لَا تسْقط لحقه وَلَكِن يرخص بِالضَّمَانِ كَمَا فِي حَال المخمصة وَأما الْفَصْل الثَّالِث فَلَا يُبَاح وَلَا يرخص وَإِن كَانَ يُخَالف الْقَتْل على نَفسه كَمَا إِذا أكره بِالْقَتْلِ على أَن يقتل فلَانا الْمُسلم أَو يقطع عضوه أَو يضْربهُ ضربا يخَاف فِيهِ التّلف وَكَذَا فِي ضرب الْوَالِدين على وَجه يخَاف مِنْهُ التّلف لِأَن الْقَتْل حرَام مَحْض وَضرب الْوَالِدين كَذَلِك فَلَا يسْقط لأجل حَقه وَلَو فعل فَإِنَّهُ يَأْثَم فِي الْآخِرَة وَأما أَحْكَام الدُّنْيَا من الْقود وَالضَّمان فَنَقُول فِي الْإِكْرَاه على إِتْلَاف مَال الْغَيْر يجب الضَّمَان على الْمُكْره بِلَا خلاف وَأما فِي الْقَتْل خطأ وعمدا فَيكون الحكم على الْمُكْره عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَيصير الْمُكْره آلَة وَيصير قَاتلا فَيكون الحكم عَلَيْهِ وَعند أبي يُوسُف تجب الدِّيَة على الْمُكْره وَلَا يجب الْقود أصلا وَعند الشَّافِعِي يجب على الْمُكْره وَالْمكْره جَمِيعًا الْقود وَعند زفر على الْمُكْره وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة

стр. 965

وَكَذَا فِي الْإِكْرَاه على الْقطع على هَذَا الْخلاف هَذَا إِذا لم يَأْذَن الْمُكْره عَلَيْهِ للمكره على مَا أكره أما إِذا أذن لَهُ بِقطع الْيَد وَالْقَتْل فَلَا يُبَاح للمكره ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُبَاح بِالْإِبَاحَةِ وَالْإِذْن وَلَكِن فِي الْقطع لَا يجب الضَّمَان على أحد لوُجُود الْإِذْن من جِهَته وَفِي الْقَتْل لَا عِبْرَة لإذنه بل تجب الدِّيَة على الْمُكْره كَمَا لَو لم يُوجد الْإِذْن هَذَا جَوَاب ظَاهر الرِّوَايَة وَفِي رِوَايَة لَا يجب وَلَو أكره على الزِّنَا بِالْقَتْلِ لَا يُبَاح وَلَا يرخص للرجل ويرخص للْمَرْأَة وَكَانَ أَبُو حنيفَة يَقُول أَولا إِنَّه لَا يجب الْحَد ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ فَإِن كَانَ الْإِكْرَاه من السُّلْطَان لَا يجب الْحَد وَيجب الْعقر وَإِن كَانَ من غَيره يجب الْحَد وَعِنْدَهُمَا لَا يجب الْحَد وَيجب الْعقر كَيْفَمَا كَانَ وَأما الْإِكْرَاه على الْأُمُور الشَّرْعِيَّة فنوعان فِي الأَصْل إِمَّا إِن ورد الْإِكْرَاه على إنْشَاء التَّصَرُّف أَو على الْإِقْرَار بِهِ أما إِذا ورد على الْإِنْشَاء فَهُوَ على وَجْهَيْن إِن كَانَ تَصرفا يحْتَمل الْفَسْخ وَيشْتَرط فِيهِ الرِّضَا كَالْبيع وَالشِّرَاء وَالْإِجَارَة وَنَحْوهَا وَالْإِكْرَاه بِأَيّ طَرِيق كَانَ فَإِنَّهُ يكون التَّصَرُّف فَاسِدا إِن اتَّصل بِهِ التَّسْلِيم يُفِيد الْملك وَإِلَّا فَلَا وعَلى قَول زفر يكون مَوْقُوفا على إجَازَة الْمُكْره وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة

стр. 966

وَهَذَا إِذا بَاعَ أَو اشْترى بِالثّمن الَّذِي أكره عَلَيْهِ فَأَما إِذا بَاعَ بِخِلَاف جنسه ينفذ وَيخرج عَن الْإِكْرَاه لِأَنَّهُ أَتَى بِغَيْر مَا أكره عَلَيْهِ وَإِن بَاعَ بِأَقَلّ من ذَلِك الثّمن فَالْقِيَاس أَن ينفذ وَلَا يكون مكْرها وَفِي الِاسْتِحْسَان يكون مكْرها وَإِن بَاعه بِأَكْثَرَ من ذَلِك الثّمن يكون طَائِعا وَإِن كَانَ تَصرفا لَا يحْتَمل الْفَسْخ كَالطَّلَاقِ وَالْعتاق وَالنِّكَاح وَالْيَمِين وَالنّذر وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ ينفذ التَّصَرُّف عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة ثمَّ الطَّلَاق إِن كَانَ قبل الدُّخُول بهَا يلْزمه نصف الْمهْر الْمُسَمّى والمتعة فِي غير الْمُسَمّى على الْمُكْره لِأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِ بِسَبَب إكراهه وَإِن كَانَ بعد الدُّخُول يجب على الزَّوْج الْمُكْره لِأَنَّهُ استوفى مَنْفَعَة الْبضْع وَأما فِي الْعتاق فَيجب الضَّمَان على الْمُكْره سَوَاء كَانَ مُوسِرًا أَو مُعسرا وَلَا يسْعَى العَبْد فِي ذَلِك وَيكون الْوَلَاء للْمُعْتق الْمُكْره لِأَن الْعتْق حصل بِفعل الْمُكْره لَكِن جعل ذَلِك إتلافا من الْمُكْره فَعَلَيهِ قِيمَته وَفِي النِّكَاح إِذا أكرهت الْمَرْأَة على التَّزْوِيج بِأَلف وَمهر مثلهَا عشرَة آلَاف فَالنِّكَاح صَحِيح وَيَقُول القَاضِي للزَّوْج إِن شِئْت تمم لَهَا مهر مثلهَا وَإِلَّا فرقت بَيْنكُمَا وَإِن لم ترض الْمَرْأَة إِن كَانَ الزَّوْج كفوا لَهَا وتخير الْمَرْأَة إِن كَانَ غير كُفْء وَإِن تمم لَهَا مهر مثلهَا وَإِن رضيت الْمَرْأَة بِنُقْصَان الْمهْر وَعدم الْكَفَاءَة يثبت الْخِيَار للأولياء فِي عدم الْكَفَاءَة بالإتفاق وَفِي نُقْصَان الْمهْر عِنْد أبي حينفة خلافًا لَهما هَذَا إِذا كَانَ قبل الدُّخُول فَإِن كَانَ بعد الدُّخُول وَهِي غير مُكْرَهَة فِي التَّمْكِين يجوز النِّكَاح لوُجُود الرِّضَا دلَالَة وَيسْقط الْخِيَار للْمَرْأَة وَيبقى الْخِيَار للأولياء وَإِن فرق القَاضِي بَينهمَا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ قبل الدُّخُول لِأَن

стр. 967

الْفرْقَة جَاءَت من قبلهَا وَأما إِذا أكره على الأقارير فَلَا يَصح سَوَاء كَانَ بِالْمَالِ أَو الطَّلَاق أَو الْعتاق وَنَحْو ذَلِك لِأَن الْإِقْرَار إِخْبَار وَالْخَبَر الَّذِي ترجح كذبه لَا يكون حجَّة وَالْإِكْرَاه دَلِيل رُجْحَان الْكَذِب وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ الْإِكْرَاه بوعيد شَيْء مُعْتَبر عِنْد النَّاس حَتَّى يكون نافيا للضَّرَر وَيخْتَلف باخْتلَاف حَال الْمُكْره من الشّرف والدناءة والضعف وَالْقُوَّة حَتَّى قَالَ أَصْحَابنَا بِأَن السَّوْط الْوَاحِد والقيد وَالْحَبْس فِي الْيَوْم الْوَاحِد إِكْرَاه فِي حق بعض النَّاس وَلَيْسَ بإكراه فِي حق الْبَعْض فَيكون مفوضا إِلَى رَأْي القَاضِي الْمُجْتَهد لاخْتِلَاف أَحْوَال النَّاس فِيهِ وَلَو أكره رجل على قتل وَارثه بإكراه يُوجب الإلجاء فَإِنَّهُ لَا يحرم عَن الْمِيرَاث وَإِن كَانَ لَا يُبَاح لَهُ الْإِقْدَام على قَتله لِأَنَّهُ مُضْطَر فِيهِ وَلَو أكره رجل على شِرَاء ذِي رحم محرم مِنْهُ حَتَّى عتق لَا يجب على الْمُكْره شَيْء لِأَن الشِّرَاء يَصح بِمثل الْقيمَة وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ لَا تجب وَالْإِعْتَاق وَشِرَاء الْقَرِيب سَوَاء فِي ثُبُوت الْعتْق إِلَّا أَنه لَا تجب الْقيمَة هَاهُنَا لِأَنَّهُ حصل لَهُ عوض وَهُوَ صلَة الرَّحِم وَلَو أكره على شِرَاء عبد قَالَ لَهُ إِن مَلكتك فَأَنت حر فَاشْتَرَاهُ وَقَبضه حَتَّى عتق عَلَيْهِ لَا يضمن الْمُكْره لِأَنَّهُ مبَاشر الشَّرْط فَإِن الْعتْق بِالْيَمِينِ يَقع وَكَذَا لَو قَالَ لعَبْدِهِ إِن دخلت هَذِه الدَّار فَأَنت حر فأكره على أَن يدْخل الدَّار فَدخل فَعتق لَا يضمن لِأَنَّهُ مبَاشر للشّرط دون الْعلَّة

стр. 968

ثمَّ الْإِكْرَاه عِنْد أبي حنيفَة إِنَّمَا يَصح من السُّلْطَان لَا غير وَعِنْدَهُمَا يَصح من كل مسلط لَهُ قدرَة تَحْقِيق مَا وعد وَقيل إِن هَذَا اخْتِلَاف زمَان لِأَن فِي زمن أبي حنيفَة كَانَ لَا يقدر على الْإِكْرَاه إِلَّا السُّلْطَان وَفِي زمانهما تَغَيَّرت الْأُمُور فَأجَاب كل وَاحِد على حسب زَمَانه وَبَعْضهمْ حققوا الِاخْتِلَاف من حَيْثُ الْمَعْنى وَلَو أَن صَبيا مسلطا بِأَن كَانَ سُلْطَانا أكره رجلا بِالْقَتْلِ على الْقَتْل وَنَحْوه فَالْجَوَاب فِيهِ وَفِي الْبَالِغ سَوَاء لِأَنَّهُ تحقق مِنْهُ الْإِكْرَاه لَهُ وَكَذَا إِذا كَانَ رجل بِهِ مرّة يخْتَلط بِهِ وَهُوَ مسلط يجوز إكراهه كالعاقل سَوَاء

стр. 969

كتاب الْقِسْمَة الْقِسْمَة فِي الْأَمْلَاك الْمُشْتَركَة نَوْعَانِ قسْمَة الْأَعْيَان وَقِسْمَة الْمَنَافِع وَهِي الْمُهَايَأَة أما قسْمَة الْأَعْيَان الْمُشْتَركَة فمشروعة عرفنَا شرعيتها بِحَدِيث رَسُول ﷺ أَنه قسم خَيْبَر بَين الْغَانِمين وَعَلِيهِ توارث الْأمة والأعيان الْمُشْتَركَة قد تكون أَمْثَالًا مُتَسَاوِيَة فقسمتها تكون تَمْيِيز الْأَنْصِبَاء لَا غير مثل الْمكيل وَالْمَوْزُون والعددي المتقارب وَقد تكون أَشْيَاء مُخْتَلفَة مثل الدّور وَالْعَقار وَالْعرُوض وَالْحَيَوَان وقسمتها تكون فِي معنى البيع ثمَّ الْقِسْمَة قد تكون من القَاضِي وأمينه بِإِذْنِهِ وَقد تكون من الشُّرَكَاء عِنْد التَّرَاضِي فَإِن كَانَت الْقِسْمَة من القَاضِي عِنْد المرافعة إِلَيْهِ فَإِن كَانَ فِي ذَلِك مَنْفَعَة لَهُم فَإِنَّهُ يقسم وَإِن كَانَ فِيهِ ضَرَر أَو لَا حَاجَة لَهُم إِلَى ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يفعل وَإِن تَرَاضيا عَلَيْهِ وَلَكِن يُفَوض الْأَمر إِلَيْهِم حَتَّى يقسموا بِأَنْفسِهِم فَإِن الْحمام الْمُشْتَرك بَين اثْنَيْنِ إِذا طلبا من القَاضِي الْقِسْمَة لَا يقسم لِأَن فِي الْقِسْمَة ضَرَرا لِأَنَّهُمَا يتضرران بذلك لِأَنَّهُ لَا يُمكن الِانْتِفَاع بِبَعْض الْحمام دون الْبَعْض وَلَو قسما

стр. 970

بأنفسهما جَازَ لولايتهما على أَنفسهمَا وَكَذَا فِي الْبَيْت الْوَاحِد وَالثَّوْب الْوَاحِد والجوهرة الْوَاحِدَة لَا تجوز الْقِسْمَة من القَاضِي وَلَو طلبا مِنْهُ الْقِسْمَة لَا يفعل وَلَو قسما بأنفسهما جَازَ وَكَذَا دَار بَين اثْنَيْنِ لأَحَدهمَا فِيهَا شقص قَلِيل إِن طلب صَاحب الْقَلِيل لَا يقسم لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة لَهُ فِيهِ فَيكون مُتَعَنتًا وَإِن طلب صَاحب الْكثير يقسم لِأَن لَهُ حَاجَة فِي ذَلِك وَيدْفَع الضَّرَر عَن نَفسه وَلَو قسما بأنفسهما جَازَ لما قُلْنَا ثمَّ الْمَقْسُوم لَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ دورا أَو عقارا أَو مَنْقُولًا فَإِن كَانَ عقارا وَهِي فِي يَد الْجَمَاعَة وطلبوا الْقِسْمَة من القَاضِي فَإِن قَالُوا هِيَ بَيْننَا مِيرَاث عَن فلَان فَإِن عِنْد أبي حنيفَة لَا يقسم حَتَّى يقيموا الْبَيِّنَة على موت فلَان وعَلى عدد الْوَرَثَة وَعِنْدَهُمَا يقسم بإقرارهم وَيشْهد أَنه قسمهَا بإقرارهم وَلَو كَانَ ذَلِك فِي عرُوض أَو شَيْء مَنْقُول فَإِنَّهُ يقسم بإقرارهم بالِاتِّفَاقِ وَكَذَا إِذا أقرُّوا بِكَوْن الْعقار بَينهم ملكا مُطلقًا وَلم يدعوا انْتِقَال الْملك فِيهَا من وَاحِد فَإِنَّهُ يقسم بَينهم بإقرارهم بِالْإِجْمَاع وَإِن ادعوا أَنهم اشْتَروا من فلَان الْغَائِب فَفِي رِوَايَة الأَصْل لَا يقسم حَتَّى يثبتوا الِانْتِقَال من الْغَائِب وَفِي رِوَايَة يقسم بإقرارهم وَهَذَا إِذا لم يكن فِي الْوَرَثَة غَائِب كَبِير أَو صَغِير لَا ولي لَهُ فَأَما إِذا كَانَ فِي الْوَرَثَة كَبِير غَائِب أَو صَغِير فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يقسم على كل حَال وَعِنْدَهُمَا ينظر إِن كَانَت الدَّار فِي يَد الْكِبَار الْحُضُور فَإِنَّهُ يقسم بَينهم وَيَضَع حق الْغَائِب فِي يَد أَمِين يحفظه ويوكل عَن الصَّغِير

стр. 971

رجلا حَتَّى يحفظه وَإِن كَانَت الدَّار فِي يَد الْغَائِب أَو فِي يَد الصَّغِير أَو فِي أَيْدِيهِمَا مِنْهَا شَيْء فَإِنَّهُ لَا يقسم حَتَّى تقوم الْبَيِّنَة على الْمِيرَاث وَعدد الْوَرَثَة بالِاتِّفَاقِ ثمَّ إِذا قَامَت الْبَيِّنَة على الْمِيرَاث ينظر إِن كَانَ الْحَضَر اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَالْغَائِب وَاحِد أَو أَكثر وَفِيهِمْ صَغِير فَإِن القَاضِي يقسم بَينهم ويعزل نصيب كل صَغِير وغائب وَيجْعَل فِي يَد أَمِين يحفظه وَلَو كَانَ هَذَا فِي ملك مُطلق وشريكان حاضران وَشريك غَائِب فَالْقَاضِي لَا يقسم لِأَن القَاضِي لَهُ ولَايَة فِي الْجُمْلَة فِي مَال مُشْتَرك بَين الْوَرَثَة فَيكون قَضَاء على الْحَاضِر وَلَا ولَايَة لَهُ على مَال الْغَائِب مَقْصُودا فَلَا يقسم من غير أَن يحضر من يقوم مقَامه وَلَو حضر وَارِث وَاحِد وَغَابَ الْبَاقُونَ وَطلب الْقِسْمَة فَإِن القَاضِي لَا يقسم لِأَن الْقِسْمَة لَا تصح إِلَّا بَين المتقاسمين الْحَاضِرين وَلَو كَانَ وَارِث كَبِير حَاضر وَهُنَاكَ وَارِث صَغِير نصب القَاضِي لَهُ وَصِيّا وَقسم لِأَنَّهُ حضر المتقاسمان وَطلب أَحدهمَا الْقِسْمَة فَإِنَّهُ يحكم بِالْقِسْمَةِ على أَحدهمَا للطَّالِب وَلَو قسم دَارا بَين شَرِيكَيْنِ وفيهَا مسيل المَاء وَالطَّرِيق وَنَحْوهمَا فَإِن قسم مُطلقًا وَأمكن أَن يَجْعَل فِي نصيب كل وَاحِد مِنْهُمَا طَرِيقا ومسيل مَاء فَإِنَّهُ تصح الْقِسْمَة فِي الْكل وَإِن كَانَ لَا يُمكن جعل الطَّرِيق فِي ملك أَحدهمَا بل يحْتَاج إِلَى تسييل المَاء والاستطراق فِي نصيب شَرِيكه فَإِن ذكر الْقَاسِم فِي الْقِسْمَة إِنِّي قسمت الدَّار بَينهمَا بحقوقها فَإِنَّهُ يبْقى مُشْتَركا بَينهمَا فَيكون لَهُ حق تسييل المَاء والاستطراق فِي نصيب شَرِيكه وَإِن لم يذكر الْحُقُوق تنقض الْقِسْمَة وَيكون ذَلِك غَلطا من

стр. 972

الْقَاسِم لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن كل وَاحِد مِنْهُمَا من الِانْتِفَاع بِهِ بِدُونِ الطَّرِيق وَلَو قسم دورا بَينهم وَجعل لكل وَاحِد نصِيبه فِي دَار وَاحِدَة سَوَاء كَانَت متلاصقة أَو فِي بَلْدَة أَو فِي بِلَاد لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا إِن كَانَ يُمكن التَّعْدِيل فِي الْقِسْمَة فِي ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وعَلى هَذَا قسْمَة الرَّقِيق بِأَن جعل نصيب كل وَاحِد فِي عبد لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا جَائِز فَأَما فِي الْمَنْقُول سوى الرَّقِيق إِذا كَانَ جِنْسا وَاحِدًا مثل الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم والمكيل وَالْمَوْزُون فَإِنَّهُ جَائِز بِلَا خلاف لِأَن التَّفَاوُت يسير فَأَما إِذا جعل لأَحَدهم الْإِبِل وَللْآخر الْغنم وَللْآخر الْبَقر لم يجز لاخْتِلَاف الْأَنْوَاع وَكَذَا فِي الثِّيَاب من جنس وَاحِد تجوز الْقِسْمَة وَفِي الْأَجْنَاس الْمُخْتَلفَة لَا تجوز وَفِي الثَّوْب الْوَاحِد لَا تجوز لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى الْقطع وَهُوَ ضَرَر ثمَّ إِذا قسم الدَّار فَإِنَّهُ يقسم الْعَرَصَة بالذراع وَيقسم الْبناء بِالْقيمَةِ وَيجوز أَن يَجْعَل لأَحَدهمَا أَكثر ذِرَاعا من الآخر لِأَن قِيمَته أَكثر ثمَّ ذكر أَبُو الْحسن أَن أَبَا حنيفَة قَالَ يحْتَسب فِي الْقِسْمَة كل ذِرَاع من السّفل الَّذِي لَا علو لَهُ بذراعين من الْعُلُوّ الَّذِي لَا سفل لَهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُف ذِرَاع من السّفل بِذِرَاع من الْعُلُوّ وَقَالَ مُحَمَّد يقسم على الْقيمَة دون الذِّرَاع ومشايخنا قَالُوا إِنَّمَا أجَاب أَبُو حنيفَة على عَادَة أهل الْكُوفَة

стр. 973

لاختيارهم السّفل على الْعُلُوّ الْعَمَل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة على قَول مُحَمَّد لاخْتِلَاف حَال الْبِلَاد فِي ذَلِك فَتعْتَبر الْقيمَة ثمَّ مَا كَانَ فِي البيع من خِيَار الرُّؤْيَة وَخيَار الشَّرْط وَالرَّدّ بِالْعَيْبِ فَفِي الْقِسْمَة كَذَلِك لَا يَخْتَلِفَانِ لِأَنَّهَا فِي معنى البيع وَهَذَا إِذا قسما بِالتَّرَاضِي فَأَما إِذا قسم القَاضِي فَكَذَلِك فِي الْعَيْب وَلَا يثبت خِيَار الرُّؤْيَة وَلَا خِيَار الشَّرْط فِيهِ لِأَنَّهُ لَو فسخ كَانَ للْقَاضِي أَن يقسم ثَانِيًا فَلَا فَائِدَة فِيهِ ولأحد الشَّرِيكَيْنِ أَن يحْفر فِي نصِيبه بِئْرا أَو بالوعة وَإِن كَانَ يضر بقسم شَرِيكه وَكَذَا هَذَا فِي الجارين وَإِذا ظهر للْمَيت دين بعد الْقِسْمَة أَو وَارِث غَائِب أَو طِفْل أدْرك وَلم يكن لَهُ وَصِيّ فَلهم نقض الْقِسْمَة لِأَن الْقَاسِم غلط فِيهَا فَإِن كَانَ للْمَيت مَال سوى مَا قسم يقْضِي مِنْهُ الدّين وَلَا ينْقض الْقِسْمَة وَكَذَلِكَ إِذا قضى بعض الْوَرَثَة الدّين أَو كفل رجل عَن صَاحب الدّين وَكَذَا لَو ظهر الدّين للْوَارِث الَّذِي قسم وَلَا تكون الْقِسْمَة مِنْهُ إِبْرَاء للدّين الَّذِي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يعلم ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا ظَهرت الْوَصِيَّة لأَجْنَبِيّ أَو ظهر ولد وَارِث فَإِنَّهُ تنقض الْقِسْمَة لِأَن الْمُوصى لَهُ كواحد من الْوَرَثَة وَأما الْمُهَايَأَة فنوعان من حَيْثُ الْمَكَان أَو من حَيْثُ الزَّمَان

стр. 974

أما من حَيْثُ الْمَكَان بِأَن كَانَت دَارا كَبِيرَة يسكن أَحدهمَا نَاحيَة وَالْآخر نَاحيَة جَازَ وَهِي قسْمَة الْمَنَافِع وَلَا يشْتَرط فِيهَا بَيَان الْمدَّة وَلَو استغل أَحدهمَا نصِيبه جَازَ بِخِلَاف الْعَارِية فَإِنَّهَا لَا تؤاجر وَقَالَ بَعضهم لَا يجوز كَمَا فِي الْعَارِية إِلَّا إِذا اشْترطَا الاستغلال لمن شَاءَ مِنْهُمَا وَأما من حَيْثُ الزَّمَان بِأَن كَانَت دَارا صَغِيرَة يسكن أَحدهمَا شهرا وَالْآخر شهرا جَازَ وَهَذَا فِي معنى الْعَارِية وَلِهَذَا يشْتَرط الْمدَّة وَلَو آجر أَحدهمَا لَا يجوز كَمَا فِي الْعَارِية وَلَو تهايآ فِي الرَّقِيق الْمُشْتَرك فَأخذ أَحدهمَا عبدا وَالْآخر عبدا جَازَ عِنْدهمَا بِلَا شكّ لِأَن قسْمَة الرَّقِيق جَائِزَة عِنْدهمَا وَعند أبي حنيفَة تجوز هَاهُنَا لِأَنَّهَا قسْمَة الْمَنَافِع وَهِي من جنس وَاحِد وَفِي النخيل وَالشَّجر الْمُشْتَرك إِذا أَخذ أَحدهمَا طَائِفَة يستثمرها وَينْتَفع بثمرها خَاصَّة وَالْآخر طَائِفَة لَا يجوز لِأَنَّهَا اسْتِحْقَاق الْعين بِالْإِجَارَة وَفِي الْأَرَاضِي يزرع أَحدهمَا الْبَعْض وَالْآخر الْبَعْض جَائِز لِأَنَّهَا قسْمَة الْمَنَافِع

стр. 975

كتاب الْمَأْذُون قَالَ يحْتَاج إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة الْإِذْن للْعَبد فِي التِّجَارَة وَإِلَى تَفْسِير الْإِذْن وَإِلَى بَيَان حكم الْإِذْن وَمَا يملك بِهِ العَبْد من التَّصَرُّف وَمَا لَا يملك وَإِلَى بَيَان صِحَة الْحجر وَإِلَى بَيَان حكم الْمَأْذُون بعد الْحجر أما الأول فَلَمَّا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه كَانَ يُجيب دَعْوَة الْمَمْلُوك وَعَلِيهِ توارث الْأمة وَأما إِذن العَبْد الصَّغِير الْعَاقِل أَو الصَّبِي الْحر الْعَاقِل فَصَحِيح عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا يَصح وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة وَأما تَفْسِير الْإِذْن فَنَقُول الْإِذْن نَوْعَانِ خَاص وعام فَأَما الْإِذْن الْخَاص فَأن يَقُول لعَبْدِهِ اشْتَرِ بدرهم لَحْمًا لنَفسك أَو اشْتَرِ كسْوَة لنَفسك أَو لفُلَان فَاشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يجوز وَيكون

стр. 976

مَأْذُونا فِي ذَلِك خَاصَّة وَالْقِيَاس أَن يكون مَأْذُونا فِي الْأَنْوَاع كلهَا لِأَن الْإِذْن بِالتَّصَرُّفِ لَا يتَجَزَّأ وَفِي الِاسْتِحْسَان يقْتَصر على مَا أذن فِيهِ لِأَن هَذَا من بَاب الِاسْتِخْدَام فَلَو نفذ الْإِذْن إِلَى غَيره وَلم يكن قصد الْمولى أَن يكون مَأْذُونا فِي التِّجَارَات لَا يقدر على الِاسْتِخْدَام وَأما الْإِذْن الْعَام فَأن يَقُول أَذِنت لَك فِي التِّجَارَات أَو فِي التِّجَارَة يصير مَأْذُونا فِي الْأَنْوَاع كلهَا بِلَا خلاف أما إِذا أذن فِي نوع بِأَن قَالَ اتّجر فِي الْبَز أَو فِي بيع الطَّعَام أَو غير ذَلِك يصير مَأْذُونا فِي أَنْوَاع التِّجَارَات عندنَا وَعند زفر وَالشَّافِعِيّ يقْتَصر على مَا سمي وَكَذَا إِذا قَالَ اقعد فِي التِّجَارَة أَو فِي الصِّنَاعَة يصير مَأْذُونا فِي جَمِيع أَنْوَاع الْحَرْف وَكَذَا إِذا قَالَ أَذِنت لَك أَن تتجر شهرا أَو سنة يصير مَأْذُونا فِي جَمِيع الْأَوْقَات مَا لم يحْجر عَلَيْهِ حجرا عَاما وَكَذَا لَو قَالَ اتّجر فِي الْبَز وَلَا تتجر فِي الْخَزّ لَا يَصح نَهْيه ويعم الْإِذْن فِي النَّوْعَيْنِ وَغَيرهمَا وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة أَن الْإِذْن تمْلِيك التَّصَرُّف أَو إِسْقَاط الْحق وَفك الْحجر ثمَّ الْإِذْن قد يثبت صَرِيحًا وَقد يثبت بطرِيق الدّلَالَة فالصريح مَا ذكرنَا وَأما الدّلَالَة بِأَن رأى الْمولى عَبده يَبِيع وَيَشْتَرِي فَسكت وَلم يَنْهَهُ عَن ذَلِك يصير مَأْذُونا فِي التِّجَارَات وَلَا يصير مَأْذُونا فِي بيع ذَلِك الشَّيْء بِعَيْنِه وَفِي الشِّرَاء يصير مَأْذُونا وَهَذَا عندنَا وَعند الشَّافِعِي لَا يصير مَأْذُونا والكسوت يكون إِذْنا فِي مَوَاضِع فَإِن من بَاعَ عبدا من إِنْسَان

стр. 977

بِحَضْرَتِهِ وَالْعَبْد سَاكِت يكون إقراراي مِنْهُ بِالرّقِّ دلَالَة وَكَذَا المُشْتَرِي إِذا قبض السّلْعَة بِحَضْرَة البَائِع وَسكت البَائِع يكون إِذْنا بِالْقَبْضِ وَكَذَا إِذا سمع الشَّفِيع بِالْبيعِ فَلم يطْلب الشُّفْعَة وَسكت يكون تَسْلِيمًا للشفعة وَكَذَا الْبكر إِذا زَوجهَا وَليهَا فَسمِعت من الْوَلِيّ وسكتت يكون إِذْنا وَله نَظَائِر وَفِي بعض الْمَوَاضِع لَا يكون السُّكُوت رضَا على مَا عرف فِي مَوْضِعه وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أد إِلَيّ ألفا فَأَنت حر فَإِنَّهُ يصير مَأْذُونا لِأَنَّهُ لَا يقدر على الْأَدَاء إِلَّا بِالْكَسْبِ فَيكون إِذْنا لَهُ دلَالَة وَكَذَلِكَ إِذا كَاتب عَبده يصير مَأْذُونا لِأَنَّهُ جعله أَحَق بِكَسْبِهِ ثمَّ الْإِذْن بِالتِّجَارَة يَصح مُعَلّقا بِشَرْط ومضافا إِلَى وَقت بِأَن قَالَ أَذِنت لَك إِلَى رَأس الشَّهْر أَو قَالَ إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر فقد أَذِنت لَك جَازَ لِأَن الْإِذْن إِسْقَاط لحق نَفسه والإسقاط يَصح تَعْلِيقه بالأخطار وبمثله لَو علق الْحجر بِالشّرطِ لَا يَصح لِأَن الْحجر فِيهِ معنى الْإِثْبَات وإعادة الْحق وَلَا يَصح تَعْلِيق الْإِثْبَات بِالشّرطِ وَأما بَيَان حكم الْإِذْن وَمَا يملك الْمَأْذُون وَمَا لَا يملكهُ فَنَقُول كل مَا كَانَ من التِّجَارَة وتوابع التِّجَارَة وضروراتها فَإِنَّهُ يملكهُ الْمَأْذُون وَمَا لَا فَلَا

стр. 978

وَله أَن يسْتَأْجر إنْسَانا ليعْمَل مَعَه أَو مَكَانا ليحفظ فِيهِ أَمْوَاله أَو دوابا ليحمل عَلَيْهَا أمتعته وَله أَن يُؤَاجر مَا اشْترى من الدَّوَابّ وَالرَّقِيق وَله أَن يُؤَاجر نَفسه أَيْضا وَيصِح مِنْهُ الشِّرَاء بِالنَّقْدِ والنسيئة وبالعروض لِأَن ذَلِك مُعْتَاد للتجار وَيملك البيع وَالشِّرَاء بِغَبن يسير بِالْإِجْمَاع وَأما بِالْغبنِ الْفَاحِش فَيملك أَيْضا عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما كَمَا اخْتلفُوا فِي الْوَكِيل بِالْبيعِ الْمُطلق إِذا بَاعَ بِغَبن فَاحش إِلَّا أَن فِي الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ بِغَبن فَاحش لَا يجوز عِنْد أبي حنيفَة وَعِنْدَهُمَا يجوز وَفِي الْمَأْذُون الشِّرَاء وَالْبيع سَوَاء يجوز بِغَبن فَاحش عِنْد أبي حنيفَة لِأَن الْوَكِيل مُتَّهم وَلَا تُهْمَة هَاهُنَا وَيملك تَأْخِير الدّين من ثمن مَبِيع أَو إِقْرَار لَهُ بِإِتْلَاف كَسبه وَنَحْو ذَلِك وَالْقَرْض لَا يَصح تَأْجِيله مِنْهُ كَمَا لَا يَصح من الْحر وَأما الْحَط فَلَا يَصح مِنْهُ لكَونه تَبَرعا وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاء وَالْكَفَالَة لِأَنَّهُ تبرع وَيملك التَّصَدُّق باليسير والضيافة الْيَسِيرَة لِأَنَّهَا من ضرورات التِّجَارَة عَادَة وَلَا يملك التَّصَدُّق بالدرهم الْكَامِل وَلَا الْهِبَة وَلَا الْهَدِيَّة وَلَا الْقَرْض وَكَذَا لَا يملك الْكفَالَة بِالنَّفسِ وَلَا بِالْمَالِ لِأَنَّهَا تبرع وَلَا يملك أَن يُكَاتب وَأَن يعْتق على مَال لِأَنَّهُ لَيْسَ من التِّجَارَة وَيملك أَن يُوكل بِالْبيعِ وَالشِّرَاء لِأَنَّهُ هَذَا من عَادَة التِّجَارَة فَإِنَّهُ لَا

стр. 979

يقدر أَن يفعل ذَلِك كُله بِنَفسِهِ وَيجوز لَهُ أَن يتوكل عَن غَيره بِالْبيعِ بالِاتِّفَاقِ وَهل يجوز أَن يتوكل بِالشِّرَاءِ عَن غَيره إِن وَكله بِالشِّرَاءِ نَقْدا وَدفع الثّمن إِلَيْهِ أَو لم يدْفع فَالْقِيَاس أَن لَا يجوز لِأَنَّهُ يصير فِي معنى الْكَفِيل بِالثّمن وَفِي الِاسْتِحْسَان يجوز وَإِذا توكل بشرَاء عبد نَسِيئَة لَا يجوز الشِّرَاء عَن الْآمِر وَيصير مُشْتَريا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ يصير الثّمن عَلَيْهِ وَالْملك يَقع لغيره وَعَلِيهِ التَّسْلِيم إِلَيْهِ لِأَن الثّمن مُؤَجل فَيكون بِمَعْنى الْكفَالَة فَأَما إِذا كَانَ الشِّرَاء بِالنَّقْدِ فَلَا يجب عَلَيْهِ التَّسْلِيم إِلَى الْآمِر بل لَهُ أَن يحْبسهُ حَتَّى يَسْتَوْفِي الثّمن من الْمُوكل فَلَا يكون فِي معنى الْكفَالَة بل فِي معنى البيع وَيملك أَن يَأْذَن لعبيده فِي التِّجَارَة وَله أَن يعير دوابه وَله أَن يودع وَيقبل الْوَدِيعَة لِأَن هَذَا من صَنِيع التُّجَّار وَله أَن يدْفع المَال مُضَارَبَة وَيَأْخُذ المَال من غَيره وضاربه ويشارك مَعَ غَيره شركه عنان وَلَا يجوز أَن يُشَارك شركَة مُفَاوَضَة لِأَنَّهَا تَتَضَمَّن الْكفَالَة وَلَا تصح مِنْهُ الْكفَالَة وَإِذا شَارك شركه مُفَاوَضَة تنْقَلب شركَة عنان وَهل يملك أَن يُكَاتب عبدا من أكسابه إِن لم يكن عَلَيْهِ دين وَأَجَازَ الْمولى جَازَ وَيكون العَبْد مكَاتبا لمَوْلَاهُ وَيدْفَع بدل الْكِتَابَة إِلَى الْمولى وَيعتق إِلَّا إِذا أذن الْمولى إِيَّاه بِقَبض بدل الْكِتَابَة وَإِن كَانَ عَلَيْهِ دين لَا يَصح لِأَنَّهُ تعلق بِهِ حق الْغُرَمَاء فَيكون مَوْقُوفا على إجَازَة الْمولى فَإِن لم يجز الْمولى ورد الْكِتَابَة يَنْفَسِخ وَمَا اكْتَسبهُ يصرف إِلَى دينه وَإِن أجَاز الْمولى الْكِتَابَة وَأمر العَبْد بِقَبض بدل الْكِتَابَة إِن كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق لَا تصح الْكِتَابَة لِأَن هَذَا إِعْتَاق بِشَرْط الْأَدَاء وَالْمولى

стр. 980

لَا يملك كسب عَبده الْمَأْذُون إِذا كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق فَكَذَا هَذَا وَيُبَاع الْمكَاتب فِي الدّين وَإِن كَانَ الدّين غير مُسْتَغْرق يعْتق العَبْد وَيضمن الْمولى قيمَة العَبْد للْغُرَمَاء لتَعلق حَقهم بِهِ كَمَا لَو أعْتقهُ ابْتِدَاء وَعِنْدَهُمَا تصح الْكِتَابَة كَيْفَمَا كَانَ كَمَا يَصح الْإِعْتَاق كَيْفَمَا كَانَ وَالْكَسْب الَّذِي أَدَّاهُ الْمكَاتب إِلَى العَبْد الْمَأْذُون يدْفع إِلَى الْغُرَمَاء وَإِن فضل شَيْء فعلى مَوْلَاهُ لإتلاف حَقهم بِالْإِعْتَاقِ وَلَا يملك التَّسَرِّي بِجَارِيَة من أكسابه لِأَنَّهُ لَا يملك حَقِيقَة وَلَيْسَ لَهُ أَن يتَزَوَّج لِأَنَّهُ لَيْسَ من التِّجَارَة فَإِن أذن الْمولى جَازَ وَعَلِيهِ الْمهْر بعد الْعتاق إِن كَانَ النِّكَاح بِغَيْر إِذن الْمولى وَإِن كَانَ بِالْإِذْنِ مِنْهُ يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ وَكَسبه لَكِن بَعْدَمَا فضل من دين التِّجَارَة إِن ثَبت بِإِقْرَار الْمولى فَإِن ثَبت بِالْبَيِّنَةِ تحاص الْمَرْأَة الْغُرَمَاء بمهرها وَلَيْسَ لَهُ أَن يُزَوّج عَبده لِأَنَّهُ لَيْسَ من التِّجَارَة وَفِيه ضَرَر بالمولى وَكَذَا لَيْسَ لَهُ أَن يُزَوّج أمته عِنْدهمَا وَعند أبي يُوسُف يملك لِأَنَّهُ تصرف نَافِع وَيصِح مِنْهُ الْإِقْرَار على نَفسه بِالثّمن وَالْأُجْرَة وَلَو أقرّ بِالْغَصْبِ فَإِن كَانَ مُعَاينَة فَالضَّمَان يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّهُ من التِّجَارَة معنى فَإِنَّهُ يملك بِهِ الْمَغْصُوب وَكَذَلِكَ إِذا جحد الْمُضَاربَة والوديعة لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْغَصْب ثمَّ إِذا ثَبت تعلق الدّين بِرَقَبَة العَبْد وَكَسبه فَإِن الدّين يقْضِي من الْكسْب أَولا فَإِن فضل من الدّين شَيْء أَو لم يكن لَهُ كسب أصلا فَإِن القَاضِي يَبِيع الرَّقَبَة إِذا طلبه الْغُرَمَاء إِلَّا إِذا قضى الْمولى دينه وَلَا يجوز من الْمولى بيع العَبْد إِلَّا بِإِذن الْغُرَمَاء أَو بِإِذن القَاضِي أَو

стр. 981

بِأَن يقْضِي دينهم لِأَن ملكه قَائِم لكنه مَشْغُول بِحَق الْغُرَمَاء وَلَو أعْتقهُ الْمولى صَحَّ إِعْتَاقه لِأَنَّهُ ملكه غير أَنه إِن كَانَ عَلَيْهِ دين أقل من قِيمَته يقْضِي دُيُونه وَإِن كَانَت دُيُونه أَكثر من قِيمَته غرم قِيمَته وَإِن كثرت فَإِن فضل شَيْء عَن قِيمَته يُؤَاخذ العَبْد بعد الْعتاق وَإِن كَانَ الْمَأْذُون مُدبرا أَو أم ولد ثمَّ أعْتقهُ جَازَ عتقه وَلَا ضَمَان للْغُرَمَاء لِأَنَّهُ حَقهم غير مُتَعَلق بهما لِأَنَّهُ لَا يجوز بيعهمَا وَلَو أعتق عبد عَبده الْمَأْذُون إِن كَانَ عَلَيْهِ دين مُسْتَغْرق لَا يَصح إِعْتَاقه عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما وَإِن كَانَ غير مُسْتَغْرق يَصح بِالْإِجْمَاع وَالْمولى ضَامِن لقيمته إِن كَانَ مُوسِرًا وَإِن كَانَ مُعسرا فللغرماء أَن يضمنوا العَبْد وَيرجع هُوَ على الْمولى كَمَا إِذا أعتق العَبْد الْمَرْهُون فَأَما حكم الْحجر فَنَقُول إِن الْمولى يملك حجر العَبْد الْمَأْذُون إِذا كَانَ حجرا مَشْهُورا بِأَن يشْتَهر ذَلِك فِي السُّوق فَأَما إِذا حجر فِي بَيته فَلَا يَصح لِأَن فِيهِ ضَرَرا بِالنَّاسِ وغرورا وَلَو بَاعه وَلَا دين عَلَيْهِ يصير مَحْجُورا لِأَنَّهُ صَار ملك الْغَيْر فَلَا تبقى ولَايَة الأول عَلَيْهِ وَكَذَا إِذا كَانَت جَارِيَة فاستولدها الْمولى صَارَت ومحجورا عَلَيْهَا دلَالَة منع الْمولى أم الْوَلَد عَن الْخُرُوج إِلَى الْأَسْوَاق وَإِن أُغمي عَلَيْهِ لم يصر مَحْجُورا اسْتِحْسَانًا وَفِي الْجُنُون يصير مَحْجُورا

стр. 982

وَإِذا أبق أَو ارْتَدَّ صَار مَحْجُورا وَقَالَ أَبُو يُوسُف لَا يصير مَحْجُورا إِذا دبر الْمَأْذُون لَا يصير مَحْجُورا لِأَنَّهُ يُمكنهُ التَّصَرُّف مَعَ التَّدْبِير وَإِذا صَحَّ الْحجر فَلَا يملك التَّصَرُّف بعده فِي حق الْمولى وَلَو أقرّ بِشَيْء من حُقُوق الْأَمْوَال فَإِنَّهُ لَا يلْزم مَوْلَاهُ وَلَا يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ لَكِن يُؤَاخذ بعد الْعتاق وَإِذا كَانَ فِي يَده شَيْء من الأكساب وَعَلِيهِ دين فَإِنَّهُ لَا يَصح حجره فِي حَقّهَا وَلَيْسَ للْمولى أَن يستردها لتَعلق حق الْغُرَمَاء بِهِ وَلَو جنى الْمَأْذُون جنايات فَإِنَّهُ يقْتَصّ فِيمَا يجب فِيهِ الْقصاص وَالدَّفْع أَو الْفِدَاء فِيمَا لَا يجب فِيهِ الْقصاص والمأذون وَغير الْمَأْذُون فِي ذَلِك سَوَاء وَقد ذكرنَا هَذَا فِي كتاب الدِّيات فَلَا نعيده

стр. 983

كتاب السّير قَالَ يحْتَاج إِلَى تَفْسِير الْجِهَاد وَإِلَى بَيَان كَيْفيَّة فرض الْجِهَاد وَإِلَى بَيَان من يفترض عَلَيْهِ وَإِلَى بَيَان مَا يجب حَال شُهُود الْوَقْعَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام الْأَنْفَال والغنائم وَإِلَى بَيَان حكم الْجِزْيَة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام أهل الرِّدَّة وَإِلَى بَيَان أَحْكَام الْبُغَاة وَنَحْو ذَلِك أما تَفْسِير الْجِهَاد فَهُوَ الدُّعَاء إِلَى الدّين الْحق والقتال مَعَ من امْتنع عَن الْقبُول بِالْمَالِ وَالنَّفس قَالَ الله تَعَالَى ﴿انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ وَقَالَ ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ﴾

стр. 984

وَأما بَيَان كَيْفيَّة فَرْضه فَنَقُول إِنَّه فرض كِفَايَة لَا فرض عين ونعني بِهِ أَنه إِذا لم يقم بِهِ الْبَعْض من أهل الثغور وَغَيرهم مِمَّن هُوَ يقرب مِنْهُم فَإِنَّهُ يفْرض على جَمِيع النَّاس مِمَّن لَهُ قدرَة عَلَيْهِ إِمَّا بِالنَّفسِ أَو بِالْمَالِ فَإِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ لِأَن الْمَقْصُود وَهُوَ دفع شَرّ الْكَفَرَة وَالدُّعَاء إِلَى دين الْإِسْلَام يحصل بِالْبَعْضِ فَمَا لم يتَعَيَّن الْبَعْض يجب على الْكل وَإِذا تعين الْبَعْض سقط عَن البَاقِينَ وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا كَانَ النفير عَاما يجب على العَبْد أَن يخرج بِغَيْر إِذن الْمولى وعَلى الْمَرْأَة القادرة عَلَيْهِ أَن تخرج بِغَيْر إِذن زَوجهَا وعَلى الْوَلَد أَن يخرج بِغَيْر إِذن الْوَالِدين أَو أَحدهمَا إِذا كَانَ الآخر مَيتا فَأَما إِذا قَامَ بِهِ الْبَعْض فَلَا يجوز لهَؤُلَاء أَن يخرجُوا إِلَّا بِالْإِذْنِ وَأما بَيَان مَا يجب حَال شُهُود الْوَقْعَة فَنَقُول إِذا لَقِي الْغُزَاة قوما من الْكفَّار فَإِن لم تبلغهم الدعْوَة أصلا يَنْبَغِي أَن يَدعُوهُم إِلَى الْإِسْلَام أَولا فَإِن أَبَوا فَإلَى الذِّمَّة فَإِن أَبَوا فَحِينَئِذٍ يقاتلونهم فَأَما إِذا بلغتهم الدعْوَة فَالْأولى الْبدَاءَة بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَام فَإِن بدأوا بِالْقِتَالِ والإغارة والبينات عَلَيْهِم فَلَا بَأْس بذلك لِأَنَّهُ قد توجه عَلَيْهِم الْخطاب بِالْإِيمَان بِاتِّفَاق الْأمة فَإِن سمع رجلا قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله أَو قَالَ أشهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله فَإِن كَانَ من عَبدة الْأَوْثَان أَو من الثنوية أَو من الدهرية فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتله لِأَنَّهُ أَتَى بِالتَّوْحِيدِ وَإِن كَانَ من أهل الْكتاب فإتيان الشَّهَادَتَيْنِ لَا يَكْفِي مَا لم يتبرأ من دين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَكَذَا إِذا قَالَ أَنا مُسلم أَو مُؤمن أَو أَنا مصل لأَنهم

стр. 985

يَعْتَقِدُونَ أَن دينهم إِسْلَام وَأَن لَهُم شرائع وَصَلَاة وَإِذا قَالَ أَنا صليت مَعَ الْمُسلمين بِجَمَاعَة أَو أَنا على دين مُحَمَّد لَا يُبَاح قَتله لِأَن ذَلِك دلَالَة الْإِسْلَام ثمَّ الْغُزَاة لَهُم أَن يقتلُوا كل من كَانَ من أهل الْقِتَال وكل من قَاتل وَإِن لم يكن من أهل الْقِتَال فِي الْجُمْلَة نَحْو الصّبيان والمجانين والرهابين والشيوخ الهرمى فَأَما إِذا لم يقاتلوا فَلَا يُبَاح قتل هَؤُلَاءِ وَأما الرهابين فَإِن كَانُوا لَا يخالطون النَّاس فَكَذَلِك وَإِن كَانُوا يخالطون النَّاس أَو يدلون على عورات الْمُسلمين فَيُبَاح قَتلهمْ وَلَا بَأْس أَن يحرقوا حصونهم بالنَّار ويغرقوها بِالْمَاءِ وينصبوا المجانيق على حصونهم ويهدموها عَلَيْهِم وَأَن يرموها بالنبال وَإِن علمُوا أَن فيهم أُسَارَى الْمُسلمين والتجار لِأَن فِيهِ ضَرُورَة وَكَذَا إِذا تترسوا بأطفال الْمُسلمين وبأساراهم لَكِن يَنْبَغِي أَن يقصدوا بِهِ قتل الْكفَّار دون الْمُسلمين لما فِيهِ من ضَرُورَة إِقَامَة الْفَرْض عَلَيْهِم ثمَّ إِذا ظفر الْغُزَاة بهم فَلَا بَأْس بِأَن يقتل الْمُقَاتلَة مِنْهُم من كَانَ مُقَاتِلًا سوى الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ لَا يُبَاح قَتلهمَا بعد الْفَرَاغ من الْقِتَال لِأَنَّهُمَا لَيْسَ من أهل الْقَتْل ليَكُون جَزَاء على قتالهما إِلَّا إِذا كَانَ الصَّبِي أَو الْمَعْتُوه ملكا فَلَا بَأْس بِقَتْلِهِمَا كسرا لشوكتهما وَيُبَاح فِي حَالَة الْقِتَال لدفع الشَّرّ وَأما الشُّيُوخ والرهابين والنسوان إِذا قَاتلُوا فَيُبَاح قَتلهمْ بعد الْفَرَاغ أَيْضا جَزَاء على قِتَالهمْ إِلَّا إِذا كَانَت الْمَرْأَة ملكة فَيُبَاح قَتلهَا وَإِن لم تقَاتل وَيَنْبَغِي لَهُم أَن يخرجُوا إِلَى دَار الْإِسْلَام نِسَاءَهُمْ وصبيانهم ويسترقوهم لما فِيهِ من مَنْفَعَة الْمُسلمين وَلَا يَنْبَغِي أَن يتركوهم فِي دَار
следующие страницы →