← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الوسائل المعاصرة لأعداء الإسلام في غزو البلاد الإسلامية نحن أمام مخطط رهيب وتغريب خطير، وهذا هو الذي يمشي فيه أعداؤنا من اليهود الآن، فالحزب الحاكم في إسرائيل الآن خطته غير خطة إسحاق شامير؛ لأن إسحاق شامير كان يذهب إلى استعمال القوة، فيبني المستوطنات على أراضي الفلسطينيين لكن إسحاق رابين كان مذهبه يعتمد على أسلوب المراوغة لنيل أكبر قدر من المكاسب. ولذلك هم الآن يسعون بقضهم وقضيضهم لإقامة السوق الشرأوسطية -الشرق أوسطية-؛ لأنهم حين يغرقون الدول العربية ببضاعتهم هذه سيضيعون اقتصادنا نحن. قرأت بحثاً لرجل ناصح، وهو أستاذ خبير في الزراعة، قال: إن نسبة الفشل الكلوي ارتفعت بسبب البذور التي تأتينا من إسرائيل عن طريق النمسا وسويسرا فهم يحقنون البذور بأشياء تضر التربة وتضر الآدميين، ولكن القاتل لا يعرف. وقرأت خبراً مفاده أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لما علم أن امرأة يهودية قتلت في الضفة الغربية أصدر بياناً قال فيه: نحن نعترض، ولابد أن نثأر. أما نحن فشعب البوسنة والهرسك يكاد يفنى، وكل الذي في جعبتنا الشجب والاستنكار. علينا أن نأخذ العبرة من حرب رمضان، حين تجمع العرب لأول مرة ومنعوا البترول عن أوروبا مات الناس في النمسا وفي البلاد الباردة من البرد، ورأينا صورهم وهم يركبون الجحوش -جمع جحش- ويركبون الدراجات الهوائية لماذا؟ لا يوجد بترول، ولم يكن يأخذ البنزين إلا السادة الكبار. أسباب الحياة في أيدينا لكننا حمقى! فنحن نستطيع أن نحول الحضارة الغربية إلى صفيح لو منعنا عنهم البترول، ولذلك النظام العالمي الجديد ركز على منابع النفط، ومما لا يخفى أن حرب الخليج أعدّ لها منذ نحو خمس عشرة سنة؛ وعندهم نفس طويل جداً في إعداد مثل هذه المخططات. فأسلوب الغزو بأن يدخل على المسلمين ويحتل الأرض بالطائرات هذا كان فيما مضى، أما الآن فالمستعمر يمكث في بيته، ويضع رجلاً على رجل، ويمارس لعبة تحريك العرائس، فيحرك أعوانه كالدمى بالخيط، فهم هنا يعملون ما يريده منهم، وهو هناك يضع رجلاً على رجل!

стр. 1122

دور بعض من ينسب إلى الإسلام في الترويج لزيف الحضارة الغربية كان أحد الأدباء -وقد أفضى إلى ما قدم- تربطه صداقة وطيدة بأديب آخر يكتب في عمود اسمه (مواقف في الأهرام) فكتب عن صاحبه في أحد أعمدته قائلاً: أنا رأيته في المنام في جهنم، وقال: أنت ستلحقني إن شاء الله. ولم يستح هذا الرجل أن يكتب هذا الكلام في عمود (مواقف)! وبعد ذلك أقر وقال: فعلاً؛ لأن الأدباء لصوص وظل يشتم قليلاً. وهذا الرجل ليس موفقاً ولا حكيماً، فعندما ذهب فرنسا سنه (١٩٧٩م)، يعني الرجل كما يقال: (ما بقي في الكرم إلا الحطب) قيل له: ما الذي أعجبك في فرنسا؟ قال: أعجبني الزواج الجماعي، والزواج الجماعي يقصد به أنهم يتبادلون الزوجات فيما بينهم. هذا هو الذي أعجبه في فرنسا؟! فنحن لا ينقل إلينا من تلك الحضارة إلا مثل هذا، فمثلاً لو أن عندنا طائرات، وحصلنا على معونة من الغرب في مجال الطيران، فإنهم يشترطون علينا مثلاً شراء قطع غيار بمبلغ عشرة مليون دولار، وهذه القطع تكون متعلقة بهيكل الطائرة الخارجي أو ما شابه ذلك، فلو قلنا: أعطونا قطع غيار خاصة بالمحرك يقول لك: المعذرة، يوجد لدينا عجز، خذ أبواباً وشبابيك، فتمتلئ المخازن عندنا بالأبواب والشبابيك لكنه لا يعطيك أسباب الحياة؛ لأنه عدوك، فكيف نسينا أنه عدونا؟ لأن عقيدة الولاء والبراء ليس لها أثر في حياتنا.

стр. 1123

دور الإعلام في بعض الدول الإسلامية في نشر الرذيلة بين المسلمين أصبحت الحرب الآن فكرية إعلامية رهيبة، سئل مسئول إعلامي عن المسلسلات الفاضحة التي تدعو إلى المجون صراحة. فرد المسئول قائلاً: التلفاز هذا أليس له مفتاح؟ فليغلقله يا أخي! فنقول له: وأنت ما عملك؟ فلماذا لا تدعني أقتل خلق الله، وأسرق البنوك، وأعمل كل شيء وأنا حر في ذلك، فلماذا تقتلني وتضعني في السجن وتشنقني؟! يقول لك: أصلاً أنت متعدٍ على القانون، وهذا ليس في مصلحة الناس. وهل من مصلحة الناس نشر الفجور فيهم؟ وأنت رجل وضعت أميناً عليهم ومسئولاً أمام الله ﵎، فكيف تسرب الفساد، ثم تأتي وتقول: للتلفاز مفتاح، والذي يريد أن يقفله يقفله وأنت تعلم أن الناس لا يلتزمون أهذا منطق؟! وهلاّ اعتمدت هذا المنطق في بقية المسائل، دعني أفعل ما أريد، فلماذا تحاسبني على أي خطأ آخر؟ لكن هذا مخطط رهيب لتغريب هذه الأمة، فكتب الدين والمناهج الدراسية، رفعت منها الآيات التي تسب اليهود وتلعنهم، كأنها ليست قرآناً. جاءتني نشرة من شخص أرسلها إلي في خطبة من الخطب، وكنت أظنها سؤالاً، فإذا بها منشور من وزارة الأوقاف لفلان من مديرية الأوقاف لهذا البلد، وتطلب من هذا الرجل ألا يتكلم عن عمر بن الخطاب، وفيها ختم المدير وإمضائه، وبعث لي الورقة أقرأها، فضربت كفاً بكف عمر بن الخطاب! نعم؛ لأن عمر بن الخطاب ذكره يؤلم أناساً، فالكلام عن عمر بن الخطاب يعد مشكلة، لأنه كلام عن العدل والإيثار وهذه الأشياء مشكلة! وفي كل يوم تدفع إلينا أرحام المطابع بسموم كثيرة جداً، ولا يُمكن للدعاة إلى الله ﵎ أن يصلوا إلى هذه الجماهير التي وصل إليها المفسدون فعلى الأقل لو جعلت وسائل الإعلام منبراً للجميع، وكل واحد يعرض فيها بضاعته، على سبيل العدل، فلو جاء شخص يدعو لزواج المتعة، فدعني أرد عليه، وهذا شيخ الأزهر نفسه تألم حين أرسل رداً إلى الصحف ولم يتم نشره، وهو أكبر شخصية إسلامية في البلد، فكيف يمكن أن يتم البنيان؟ فهل يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم وأورد هنا حادثة حصلت عندنا حين عرضت وزارة الإعلام مسرحية ماجنة، قاموا فيها بالإتيان بمجسم يمثل الكعبة، وأتوا ببئر بترول تحت الكعبة، وجاءوا براقصة عارية ترقص فوق الكعبة! وهذه عرضت، وفي النهاية المخرج قال: أنا مسلم، موحد الله، حتى إني ألبس خاتم فضة. فكأننا إذا لبسنا خواتم من فضة! يعني أننا وصلنا إلى قمة الالتزام!! فهل يفعل هذا في صورة الكعبة، التي هي البيت العتيق الذي تحن إليه أفئدة المسلمين من جميع العالم! أنت عندما تذهب إلى البيت العتيق وتدخل وتراه يقف شعرك، وجلدك يقشعر من عظمة البيت! وأنت ترى الناس وهم يطوفون حوله. الشيء المعظم عندنا يصل به الامتهان أن يصور، ويؤتى براقصة لترقص فوق البيت؛ بدعوى أن الجماعة الذين عندهم البترول هم الراقصون وهم إلخ، ولا يستخدمون المال فيما يريد الله، فيأتي هذا المخرج لبيان هذا الواقع فيعرض البيت للمهانة! إن هذه رموز دينية، فلو جاء رجل ورسم صورة الكعبة، ووضعها على الأرض، وقال للناس: دوسوا. فهذا يعزر؛ لأن هذه ليست مجرد صورة، بل هو رمز ديني. لما سقطت الخلافة الإسلامية في تركيا، وفرضوا القبعة على الشعب التركي بدل العمامة -والقبعة شعار غربي- قام علماء الدين جميعاً يقاومون القبعة، فقبض على جماعة منهم، وجيء بواحد من العلماء -طبعاً حكموا عليه بالإعدام- فقال له القاضي وهو يحاكمه: ما أتفهكم يا علماء الدين! أقمتم الدنيا ولم تقعدوها لقبعة، وهي قماش، وتقولون: البسوا العمامة. وهي قماش، فما الفرق بين القماشين؟! قال له: أيها القاضي! إنك تقضي وخلفك علم تركيا، فهل تستطيع أن تبدله بعلم أمريكا، وهذا قماش وهذا قماش؟! فألقمه حجراً وأسكته. لأن هذا يمثل عنواناً، فكما أنك لا تستطيع أن ترفع علم بلد غير بلدك فوق رأسك وأنت تتكلم؛ لأن هذا يعتبر عندكم من الخيانة العظمى والعلم عبارة عن قماش، ثم هم يطالبونا بتحية العلم أيضاً لماذا؟ أليس العلم قماشاً؟ قال لك: لا، الذي لا يؤدي تحية هذا العلم نفصله لأن هذا رمز البلد، وشعارها، وعنوانها. فنحن نخاطبهم بنفس الطريقة ونستخدم نفس الأصل، فنقول: هذا أيضاً عنوان، فالكعبة عنوان، فليس من الضروري أن يصعد فوق الكعبة المشرفة نفسها ويعمل هذه العملية ومع ذلك لم يحاكم المخرج بل أخذ الجوائز عن هذا العمل. ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالث وإذا تتابعت السهام، وتكسرت النصال في الجسد؛ لا يستطيع المقاومة، فلا تأخذوا دينكم لا من صحف ولا مجلات، وأخرجوا التلفاز من البيوت، فهو والله دمار، وهو من أخطر ما يكون! وأنا على استعداد لأن آتي لكم بتقرير شركة إنترناشونال -شركة يابانية منتجة لجهاز للتلفاز- وهذا نشر في مجلة البيان التي تصدر في لندن، يقول العالم الذي كتب هذا التقرير: إن الأشعة التي يرسلها التلفاز تجعل العقل نصف نائم، بحيث أنه يتلقى كل الذي يقذف إليه بلا أي مقاومة، فهذه الأشعة من خصائصها أنها تؤثر على العقل، وتجعله نصف نائم، ويقول: إن علماء الأشعة لم يستطيعوا الحد من خطورة الأشعة تحت الحمراء -التي في التلفاز الملون- وهي تصيب المدمن الذي يشاهد كثيراً بالسرطان. وقد قرأت هذا التقرير مرة على المنبر، وقد صار لنا ثلاث سنوات نردد هذا الكلام وكأننا نحرث في الماء، ونقول: أخرجوا التلفاز، فهو حرام، ونأتي بالأدلة الشرعية على أن وجود التلفاز في البيوت حرام، ومع ذلك يرفض كلام العالم ويقال: هذا ليس خبيراً. طيب: فالآن أتينا لكم برأي الخبراء. وبالفعل هناك أناس رفعوا جهاز التلفاز لما لوحت بهذا التقرير على المنبر، فقفز إلى ذهني قوله ﵎: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، فحين نسمع كلام (الخواجة) نسلم له لأن (الخواجة) يفهم، والخواجة دقيق في أحكامه ودراساته، لكن كلام الشيخ لا. لماذا؟!! بل العالم هو أنصح الناس للناس، لاسيما إذا كان من بني جلدتك إذا كان مسلماً مثلك، هو يأخذ بيدك إلى الله ﵎. المشكلة حتى في عرضهم للمادة الإعلامية، عرض خبيث جداً. طيب! مدرسة المشاغبين، عندما نشروها، ألم يزدد الشغب في المدارس؟ فما الذي استفدناه؟ يقول لك: لكي نبين أن الحق ينتصر في النهاية؟ ليتها ما زنت ولا تصدقت، كانت امرأة دائماً تزني لماذا يا امرأة؟ قالت: أريد أن أبني مسجداً هذا لا يصلح. إنهم في وسائل الإعلام يعرضون الشر بالتفصيل الممل، يعني مثلاً: إذا عرض الشر في ثلاثين حلقة، بأن يعرض الممثل مبيناً كيف يضرب، وكيف يكسر القفل، وكيف يسرق، وكيف يعمل، وبعد ذلك لم يستطع أن يكسر القفل، فقام وقعد يخترع مفتاحاً ووسيلة لكسر القفل، ويستغرق خمس أو ست حلقات في هذا العمل، وأخيراً يفتحه، ثم إذا به عندما قبضت عليه الشرطة وأدخل السجن، يقول: يا ليتني ما أقدمت على هذا العمل، وينتهي المسلسل على هذا. فهلا جُعلت أيضاً ثلاثون حلقة تصوره وهو يتجرع المر؛ لكي يحصل نوع من التصور، فاعتقاد الشيء فرعٌ عن تصوره، فحين تريد أن تنفر إنساناً من شيء تأتي له بتفاصيل هذا الشيء. فأنت مثلاً حين تصور حاله بعد دخول السجن وقد تشرد عياله، وهو لا يستطيع النوم، ويظل يتقلب على فراشه يجافيه النوم، ويظهر عليه الندم على ما اقترفت يداه، فعند ذلك يحصل تصور لدى المشاهد. لكن أتيت له بتصور مفصل للجريمة، ولما جاء الإصلاح قمت واختزلته في مشهد وأنهيت المسلسل، فهذا هو الذي يحصل، فهل هذا عرض يرجى به نصيحة؟ وأنا دائماً أقول: لابد من اقتران التربية بالتعليم، لأي مصلحة أعمل لافتة طويلة عريضة، أظهر فيها صورة علج على حصان، وبيده علبة سجائر (مالبورو) وأكتب بخط يرى بالميكروسكوب: التدخين مضر جداً بالصحة، هلا كتبت ذلك على رأس هذا العلج، لكي أراه أنا أيضاً. ولماذا هذه القسمة الضيزى، فأنت تعلم أن هذه العبارة الصغيرة هي في صالح الناس، فلماذا تكتبه بهذا الحجم الذي لا يرى؟!! وهذا يذكرني بقصة رجل وجد عنزاً، فذهب إلى الشيخ وقال: يا شيخ! أنا وجدت عنزاً. قال له: لابد أن تعرفها سنة. قال: وكيف أعرفها؟ قال: تطوف في الشوارع وتقول: من الذي ضاعت عليه عنزاً؛ فكان يمشي في الشارع ويقول: من الذي ضاعت عليه عنز بصوت خفيف جداً -أي: أنه يرفع صوته بالكلام ثم يخفضه إذا جاء عند ذكر العنز- فماذا استفاد الناس من صراخ هذا الذي ينادي؟ لم يستفيدوا شيئاً. فكذلك عندما يأتي من يقول: التدخين مضر جداً بالصحة، لا تدخن، فهل هذا مؤتمن عليَّ؟ والأساتذة في كلية الطب والمجامع العلمية الطبية تعقد المؤتمرات في كل مكان، وتعرض في شتى وسائل الإعلام خطورة هذا التدخين. إذاً: أنا مثلما أقاوم المخدرات، والهيروين، أقاوم التدخين وما الفرق؟ بعدما ثبت طبياً عند الكفرة -ودعك منا؛ حتى لا نكون متطرفين- أن هذا مضر جداً بالصحة. وإذا كان الناس لا يعرفون مصلحتهم فلماذا لا أضرب على أيديهم؟ وإلا فلم أتأمر عليهم؟ فيحق لي أن أضرب على يد المخطئ كي لا يضر نفسه؛ لأنني أدرى بمصلحته. فنحن أمام مخطط رهيب، يجب التفطن له، ويجب الركون إلى علماء الدين الأعلام، لا تأخذوا دينكم من الصحف والمجلات، ولا ممن لا تثقون بدينه، الذين يتقلبون كل يوم كالحرباء، إنما خذوا دينكم من أهل العلم، وهم كثر والحمد لله، فإن الله لم يخل العصر من قائم له بالحجة. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1124

قل إن كنتم تحبون الله للمحبة علامات كثيرة تدل على صدق المحب؛ منها: تفريغ القلب للمحبوب، فلا يشرك أحداً في حبه، وإنما يفرغ قلبه لمحبوبه الذي أحبه، كما أنه لا يصرف تفكره إلا في هذا الحبيب، ومنها أيضاً: البذل للمحبوب وطاعته والانصياع لأمره، فالإنسان إذا أحب فإنه يبذل كل ما يستطيع من أجل أن يرضي من أحبه فإن لم تتوفر هذه الصفات كان ذلك الحب ادعاء لا يقوم على دليل.

стр. 1125

علامات المحبة إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 1126

طاعة المحبوب من علامات الحب -وهو فرع أيضاً على الأصل الأصيل الذي بدأنا به- ألا يزاحم أحدٌ محبوبك في قلبك، وأن تنفعل له حتى ولو كان بضد رغبتك، ولذا يكثر عجبي من الذين يظهرون الالتزام فإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها. أيها المخالف الذي يظهر عليك سمت الالتزام! ألا تعظم نظر الله إليك حال المخالفة، ثم تدعي أنك لا تستطيع أن تترك هذه العادة السيئة ولا أن تترك معصيتك وتقول: كلما أردت أن أتركها أعجز عن تكرها، فنقول لك: ذلك لفتور المحبة، فإنك إذا كنت تحب الشيء وسيدك يغضب ولا يحب ذلك، فأيهما تقدم -أيها العاقل- إذا كان في يد سيدك حياتك وموتك، وشقاؤك وتعاستك، أيهما تقدم؟ تقدم أمر سيدك أم شهوة نفسك؟ كيف هان عليك أن تعلم أن سيدك ينظر إليك وأنت تعصيه، ثم هو يحلم عنك ويمهلك، فتزداد اغتراراً بالمعصية واجتراراً لها، لا والله ما هذا بالنَّصَف، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. إن من علامات الحب أن تطيع من تحب ولو كنت كارهاً، ولو كان على خلاف هواك، وهذا شأن كل محب صادق لا يمكن أن يعصي محبوبه، ألم تر إلى قول الشاعر: يخط الشوق شخصك في ضميري على بعد التزاور خط زورِ ويوهمنيك طول الفكر حتى كأنك عند تفكيري سميري فلا تبعد فإنك نور عيني إذا ما غبت لم تظفر بنورِ إذا ما كنت مسروراً لهجري فإني من سرورك في سرورِ فإنه يلتذ بكل ما يرضي المحبوب ولو كان غير مرضي لدى المحب. وكما قال المتنبي: يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم إذا كان قول حاسدي أرضاك مع أنه قد جرحني فليس لجرحي ألم إذا كان يرضيك، وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة). وقال آخر: ولئن ساءني أن نلتني بمساءة لقد سرني أني خطرت ببالك مجرد ما أخطر ببالك حتى ولو فكرت أن تؤذيني، فأنا أشكرك أنني خطرت ببالك! ولو كنت ستلحق بي الأذى، هكذا يقول المحبون بعضهم لبعض. هذا كله من علامات الحب، فإذا نقلنا ذلك إلى المحبوب الحق وهو الله ﵎ فلا يحل لنا -أيها الإخوة الكرام- أن نمشي بهذا التفلت ونحن كل يوم نقدم على الله . أحياناً أتعجب -حتى يصيبني الدوار- من الذين يحتفلون بأعياد ميلادهم، والله هذا شيء عجيب! كلما مر من عمرك عام تحتفل أنك تقترب من مصرعك؟! هل رأيت عاقلاً يفعلها؟!! كلما اقترب من حبل المشنقة يحتفل!! لكن قاتل الله الانحلال وقاتل تباع أهل الكفر، فهم الذين نقلوا إلينا ذلك، فالاحتفال بأعياد الميلاد إنما هو شعار الكافرين الذين لا يؤمنون بآخرة ولا بعث، فانظر كيف انتقل ذلك إلينا حتى صار عرفاً بيننا ولا ينكره أحد، بل بعض الذين منَّ الله عليهم بالالتزام في أشياء كثيرة لا يزالون يحتفلون بأعياد الميلاد، ويرددون نفس الأغنيات بنفس اللغة الأجنبية، أهؤلاء محبون لله تعالى حقاً، وكيف يجتمع حبهم المزعوم لله تعالى مع معاصيه وما يغضبه ويأباه؟!! كل يوم يمر فهو صفحة عظيمة تطوى من كتاب نهايته الموت، وكل لحظة تمر تدنيك من مصرعك شبراً فشبراً، فهل عملت لهذا المصرع؟ قال الفضيل بن عياض ﵀ لرجل: كم مضى من عمرك؟ قال: ستون عاماً، فقال له الفضيل: أنت منذ ستين عاماً وأنت سائر إلى الله، فانزعج الرجل وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وما العمل، وقد فَرَطَ منه تقصير؟ قال: أحسن فيما يأتي يغفر لك ما قد مضى. فإذاً العبرة بالخواتيم، ولا شك أن معرفة ذلك واستشعاره يبعث على دوام المراقبة ورجاء حسن الخاتمة والخوف من سوئها. يقول النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة حتى إذا كان بينه وبين الموت ذراع -أو قال: قيد شبر- عمل بعمل أهل النار فدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار حتى إذا كان بينه وبين الموت ذراع -أو قال: قيد شبر- عمل بعمل أهل الجنة فدخل الجنة. فيا أيها العاصي! الذي قطعت عمرك في العصيان، أقبل على الله ، لن تجد أرحم منه، لا والداً ولا والدةً، إذا قلت له: (وعجلت إليك رب لترضى)، غفر لك وقبلك إنه هو الغفور الودود.

стр. 1127

حب ما يحب المحبوب وبغض ما يبغضه من علامات الحب أيضاً: أن تنفعل لمحبوبك حتى تأتمر من غير أمر وتنتهي من غير نهي، ولكن بشرط وهو: أن تلاحظ تصرف محبوبك فما كان يأتيه ويحبه فقد صار أمراً من غير أمر، وما كان يكرهه ويعافه ويجافيه فأنت كذلك تكرهه وتأباه ولو لم ينهك عن ذلك، هذا الذي قصدته، فإذا رأيت محبوبك يقبل على شيء ما، ولكنه لم يأمرك ولم يقل لك: افعل كذا، فمجرد إقباله على هذا الشيء تعتبره أمراً في حقك وإن لم يأمرك حبيبك، كما في الحديث الصحيح: أن أنس بن مالك ﵁ قال: (شهدت رسول الله ﷺ يأكل الدباء ويتتبعه) الدباء هو: القرع، وهو غير الكوسة، فالرسول ﷺ كان يحب الدباء، وكان يتتبع القطعة في الطبق ويأخذها. قال أنس بن مالك: (رأيته ﷺ يأكل الدباء فلا أزال أحبه) مع أنه لم يقل له: يا أنس كل الدباء، لكن رآه محباً لأكله فانفعل له، وهذا يشبه تصرف الأم عندما ترى ابنها يأكل القطعة ثم تأخذها وتمضغها له بفمها مع أن الأب لا يعمل هذا الشيء؛ لأن النفس تعافه. ما الذي هون على الأم مثل هذا المضغ؟ حبها للولد، وذلك بسبب طول الملازمة، وأسباب أخرى كثيرة، منها: الحمل، والرضاع، ومنها ما فطر الله الأم على محبة الولد فالأم تسهر طوال الليل وبالذات حال فطامها له، وقد يستمر ذلك ثلاثة أو أربعة أيام، مع أنها طوال النهار تهتم بأمور المنزل، فيأتي الليل وهي مرهقة جداً، ومع ذلك تصبر ولا تتضجر، والأب قد يأتي من العمل وهو متعب ومرهق، فعندما يدخل البيت ويسمع صراخ الطفل يغضب وقد لا يحتمل فيضرب الطفل من أجل أن يسكته. هذا هو الفرق، فالأم تفعل ذلك لشدة محبتها للولد، وإذا مات الابن تكون فجيعة الأم بالولد أضعاف فجيعة الأب بسبب شدة الحب، فالإنسان المحب حياته كلها لمحبوبه، فيظل يفكر فيه، ويبحث عن الأشياء التي يحبها، ويقوم بها، ويتمنى لو أنه يتكلم معه الساعات الطويلة، وإذا أرسل رسالة فيظل يقرؤها طوال الليل والنهار، ويكون قد قرأها ستمائة مرة، ومع ذلك لا يزال يقرأ، وكل مرة يحس أنه أول مرة يقرأها؛ لأن كل مرة فيها جرعة شوق لم تكن في المرة الأولى، فجرعة الشوق هذه هي التي تأتي بطعم للكلام. لماذا قال الرسول ﵊ لـ ابن مسعود كما في الصحيحين: (اقرأ عليَّ القرآن، قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري) لأن القرآن كلما تعطيه عقلك، يعطيك جديداً، لا ترجع أبداً بغير فائدة. سأذكر مثالاً، ولكن لن أتوسع فيه كثيراً وإنما سأذكر بعض ما يتعلق به، ومن أراد أن يتوسع فليبحث في كتب التفسير عن هذه النكتة اللطيفة، قال الله : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٥] لماذا قال (مطمئنين)؟ مع أن السياق -في الظاهر- ينفع بدونها؛ لأنه ذكر في الآية التي قبلها أنهم اعترضوا فقالوا: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء:٩٤] بشراً مثلنا؟! استنكار، وقالوا: نحن نريد رسولاً من نوع مختلف لا يكون مثلنا، لا يمشي في الأسواق ولا يأكل المطعومات وغيرها. ولو أنهم أُرسل إليهم ملك لقالوا: هذا ليس من جنسنا ونحن نريد أن يُبعث لنا رسولٌ من جنسنا، ليس هذا هو معنى الآية، وإنما معنى الآية أنه: لو أن الأرض عليها ملائكة لن أنزل بشراً، بل سأنزل واحداً من جنسهم، فأنت كلما تعطي القرآن قلبك وعقلك أعطاك أشياء جديدة، وهكذا في خطاب المحبوب، كلما تقرأه مرة جديدة وتعطيه قلبك مرة بعد مرة يعطيك أشياء جديدة، وهذه هي علاقة التفاعل بين المحب والمحبوب، علاقة إخاء وود، لا يمكن أن يكون العطاء من جانب واحد، فيظل المحب يعطي والمحبوب يبخل عليه، لا يريد أن يعطيه شيئاً، والمحب قد تفتر محبته، فلكي تبقي من تحب لا تثقل عليه، فكما أنه يعطيك، فلابد أن تعطيه. وينبغي أن يكون المحب ذكياً لأنه إذا كان محباً فعلاً يبقى هو ومحبوبه على طريقة واحدة، فلا يكون هناك تغاير، ولو نظرت عين المحب إلى المحبوب أو المحبوب إلى المحب عرف أن فيها كلاماً، لكن الغباء أكثر ما يضيع المحبة، فممكن لأي أحد أن يعبر عن طريقة حبه بلمسة، أو بكلمة، والمفروض أن يكون ثمة تجاوب بين المحب والمحبوب ولا يشترط أن يكون كل واحد نسخة من الآخر بل كلٌ يعبر بطريقته، لكن الشيء الملحوظ المشترك هذا التفاعل. يقول ابن مسعود ﵁: (أقرأ عليك وعليك أنزل؟!) يعني: أنت أولى أن تلتذ به وأولى أن تفهمه إذا قرأته فأنت أولى به مني إذ أنه نزل عليك، فقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ من أول النساء حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] قال: حسبك، قال: فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان) إذاً من علامات الحب: الانفعال. فأنت كل حياتك لمحبوبك وهو محور حياتك، أفنيت عمرك فيه وفي ملاحظته؛ حتى إذا تبسم وضحك تعرف فمه كيف يبتسم وعيناه كيف تلمعان، كل شيء عندك محفوظ بسبب شدة عنايتك به، فـ أنس بن مالك رآه يتتبع الدباء فأحب الدباء، حتى صار أحسن أكل بالنسبة له، مع أنه لم يؤمر، لكن هذا تصرف المحب، وينتهي وإن لم ينهه، مثل الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: أن النبي ﵌ لما هاجر من مكة إلى المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، وكانت دار أبي أيوب الأنصاري تتألف من طابقين، فأراد النبي ﷺ أن يسكن في الطابق الأرضي فقال له أبو أيوب: (اصعد إلى فوق يا رسول الله! فقال: السفل أرفق بنا يغشاني أصحابي، فصعد أبو أيوب إلى فوق فقال: بينما أنا بالليل إذ انتبهت وقلت: أأنا أمشي على سقيفة تحتها رسول الله؟) يعني: رجلاي فوق رأسه، وهذا الحديث رواه مسلم وغيره، وأنا أسوق القصة من الألفاظ المجتمعة، يعني: لا أذكر خصوص لفظ مسلم ﵀. قال: فقلت: (أأنا أمشي على سقيفة تحتها رسول الله؟ قال: وانكسر لنا حب -الحب هو الزير- قال: فجففته بلحافي أنا وامرأتي، والله ما لنا غيره، فخشيت أن ينزل الماء على رأس النبي ﵊، اجتمع هو وامرأته في ركن، فلما أصبحا نزل إلى النبي ﷺ قال: والله يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبداً، اصعد إلى فوق، فصعد النبي ﷺ قال: فكنت أرسل إليه الطعام ولا آكل أنا وامرأتي إلا إذا رجع الطعام إلينا، فنتتبع مواضع يده وفمه فنأكل منها ونشرب، قال: فأرسلت إليه ذات يوم ثوماً -أو قال بصلاً- فلم يأكل منه ففزعت وصعدت إليه وقلت: يا رسول الله! أحرام هو؟ قال: لا. ولكني أناجي من لا تناجي، وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) يقصد جبريل ﵇، لما يأتي يناجيه بالوحي فيشم رائحة البصل فيتأذى. فانظر إلى حقوق الصحبة، فإنه لا يريد أن يؤذي صاحبه الذي يأتيه بالوحي، قال: (ولكني أناجي من لا تناجي)، فقال أبو أيوب -ذاك المحب-: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره) لم يقل له: حرام، أو لم يقل له: لا تأكل، بل أجاب إجابة صريحة واضحة: (ولكني أناجي من لا تناجي)، فانتهى بغير نهي منه. هي هذه علامة المحب، علامة المحب أن يراقب أحوال محبوبه فإذا رأى محبوبه يأتي الفعل مراراً وتكراراً فعله، مثل عبد الله بن عمر لما رأى النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت، وكان النبي ﷺ يمشي ولا يركب، فكان عبد الله بن عمر كل سبت يخرج من بيته إلى مسجد قباء ماشياً. بل وصل أمر هذا الصحابي الجليل إلى أبعد من ذلك، قال النبي ﷺ عندما أخبروه أن النساء يصلين معه ويحضرن المسجد، فكان هناك بابان للمسجد، فقال ﵊: (لو جعلنا هذا الباب للنساء) قال سالم أو نافع: فما دخل منه عبد الله بن عمر إلى أن مات، والنبي ﷺ ما قال: لا تدخلوا من الباب، إنما قال: (لو جعلنا هذا الباب للنساء) فما دخل منه عبد الله إلى أن مات عبد الله، فهل مثل عبد الله يمكن أن يخالف أي مخالفة دقت أو جلت؟!! لا يمكن ذلك أبداً. وكان عبد الله بن عمر يتتبع المواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ويصلي فيها، وكان أبوه على خلاف مذهبه، فـ عبد الله بن عمر كان رائده الحب، وعمر بن الخطاب كان رائده المصلحة وسد ذريعة الشرك، كان عمر بن الخطاب مرة يمشي فرأى رجالاً يتدافعون تحت شجرة فقال: ما بال هؤلاء يتدافعون؟ قالوا: إن النبي ﷺ صلى تحتها، فنهاهم عن ذلك وفرقهم وقال: صلوا أينما كنتم، فقد جعل الله الأرض مسجداً وطهوراً، إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم تتبعهم لآثار أنبيائهم. هذا هو رأي عمر، ولو كان لوحده لساغ له أن يفعل فعلهم، لكن بما أنه في باب الأسوة لا يسوغ له إلا أن يفعل ما يصلح الرعية حتى ولو كان بخلاف مراده، مثل العلماء، فبعض العلماء يفتون بأشياء فإذا خلوا بأنفسهم خالفوا بعض ما يفتون به من باب الورع. مثل ما يعزى لـ أبي حنيفة ﵀ عندما أخبره رجل أن شاته قد سرقت، فذهب إلى قصاب وقال له: كم سنة تعيش الشاة؟ فقال له: عشر سنين. فحرم على نفسه لحوم الشياة عشر سنين؛ لأنه ربما يكون السارق باعها لجزار فيشتري منه فيكون بذلك قد أكل حراماً. ولو جاءه رجل فسأله: هل يجوز أن أشتري لحماً وأنا لا أعلم هل هو ذلك المسروق أم لا؟ فسيكون جوابه: نعم.

стр. 1128

تفريغ القلب للمحبوب اعلم -أيها المسترشد- أن أهم علامات الحب: ألا يزاحم محبوبك أحد في قلبك؛ لأن القلب لا يعمل إلا في اتجاه واحد، فإذا شغلته بغير محبوبك لم تكن محباً، وإذا قسمته بين محبوبك وغيره نقصت المحبة وكانت الدعوى أعرض مما بين المشرقين؛ لأن القلب لا يعمل إلا في اتجاه واحد كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:١ - ٤] فأبان بهذه الآيات أن القلب لا يعمل إلا في جهة واحدة، وأنه كلما أخلصت هذه الجهة لمحبوبك كانت المحبة أتم ونلت الرضا، فأمر الله نبيه ﷺ بتقواه، والتقوى هي جماع كل خير، ولا تتم التقوى إلا باتباع الوحي أمراً ونهياً، ثم لا يتم كل ذلك إلا باعتماد القلب على الله وهو حقيقة التوكل ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]؛ لأن القلب لا يعمل إلا في جهة واحدة. فإن قلت: كيف يتم ذلك وقد (سئل النبي ﷺ عن أحب الناس إليه من النساء؟ فقال: عائشة، فقيل: من الرجال؟ قال: أبوها) فقد ثبت أن النبي ﷺ يحب، ولابد أن يكون للمحبة شيء في القلب. نقول: لا تنافي؛ لأن محبة النبي ﷺ لـ عائشة وأبي بكر فرع عن محبة الله لهما، فإذا أحب غير الله إنما أحبه لحب الله إياه، فهو في النهاية لا ينفعل إلا لحب الله ، فإذا كان القلب لا يعمل إلا في جهة واحدة فحافظ عليه، ولابد أن تغار أن يملأ هذا القلب غير محبوبك. إن النبي ﷺ قال للناس ليبين لهم فداحة الشرك وعظم الجرم الذي يقترفونه في حق أنفسهم قال: (أيها الناس! أيكم يرضى أن يكون له عبد يعمل فيؤدي إلى غير سيده؟) أيكم يرضى هذه الصورة: أن يكون لك عبد يعمل بالأجرة، فإذا كان آخر النهار أخذ الأجرة وأعطاها لغيرك، أهذا عدل بار؟! هل أحد منكم يطيق هذا العبد؟! فإذا كنا جميعاً نجيب: لا أحد يطيق هذا العبد، فكيف صرف الناس العبادة إلى غير الله ؟!! يأكلون من خيره ومن نعمائه، وكل شيء في حياتهم هو المتفضل عليهم به، ومع ذلك يصرفون العبادة إلى غير الله ، فكيف لم ترضوا لأنفسكم ما رضيتموه لله ؟!! هذا من علامات الشقاواة والتعاسة كما قال حبيب بن أوس الطائي الشاعر المشهور بـ أبي تمام يقول: ومن الشقاوة أن تحب ومن تحب يحب غيرك أو أن تسير لوصل من لا يشتهي في الوصل سيرك أو أن تريد الخير بالـ إنسان وهو يريد ضيرك سيَّان إن أوليته خيراً وإن أمسكت خيرك فهذا من علامات الشقاء: أن الذي صرفت له مهجة قلبك منصرف عنك، يحب غيرك، ويعطيه الولاء. هذا من أعظم علامات الشقاء، فلذلك كان أعظم سمات المحبة أن تفرغ قلبك لمحبوبك، وليس هناك أحد قط -لا ملك مقرب ولا نبي مرسل- يستحق المحبة لذاته إلا الله ، هو الذي يستحق المحبة لذاته ولا يستحقها أحد، فإذا أحببنا الأنبياء والرسل إنما أحببناهم؛ لأنهم دلونا على الله ، فمحبتنا للرسل فرع عن محبتنا لله .

стр. 1129

البذل للمحبوب ومن علامات محبتك: بذلك لمحبوبك، وهذا فرع من العلامة الكبرى التي بدأنا الكلام عنها. واعلم أن الحب بذل وعطاء وليس أخذاً، كل الناس يأخذ والأخذ أسهل ما يكون، إنما الحب عطاء وبذل، ألم تسمع إلى الله وهو يعلم الصحابة فيقول لهم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] هذا هو الحب، فمن هان عليه أن يبذل نفسه في الله هان عليه أن يبذل ماله من باب أولى، ولذلك لم يتقدم أحد أبا بكر في هذا الحب، كان يكثر أن يقول: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله!) أي: أفديك بأبي وأمي، ومن باب أولى (أفديك بنفسي). وكما روى أبو سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوماً: (إن عبداً خيَّره الله بين زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده، قال أبو سعيد: فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! قال: فعجبنا من هذا الشيء) ما الذي يبكيه؟!! والنبي ﷺ ما قال شيئاً سوى: (أن عبداً خيَّره الله بين زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده،) قال أبو سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ هو المخيَّر. ولما غضبت فاطمة ﵂ منه؛ لأنه لم يعطها شيئاً من ميراث النبي ﵊، فالتقيا مرة فقالت: يا أبا بكر! أتصل قرابتك ويرثونك ولا يرث محمداً أهله؟ فقال لها: والله لأن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إليَّ من أن أصل قرابتي. ولما جاء والد أبي بكر مسلماً يوم الفتح وبايعه النبي ﷺ بكى أبو بكر، فقال له ﷺ : (ما يبكيك يا أبا بكر؟! قال: والله لأن تكون هذه يد عمك أحب إليَّ من أن تكون يد أبي) لأن يكون عمك أسلم وتقر عينك أحب إليَّ من أن يكون أبي هو الذي أسلم. هذا هو الحب، لم يتقدمه أحد على الإطلاق، ولذلك استحق هذه الشهادة: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، واستحق أيضاً هذه الشهادة: (ما منكم من أحدٍ له عليَّ يدٌ إلا وفيته بها غير أبي بكر فله عليَّ يد يجزيه الله بها)، واستحق أيضاً شهادات أخرى؛ منها: (أن النبي ﷺ لما ندب الصحابة إلى بذل أموالهم لله -وكان أبو بكر سبَّاقاً لا يُلحق غبار جواد جوده في الله فقال عمر بن الخطاب ﵁: اليوم أسبق أبا بكر، فذهب إلى بيته وأحضر مالاً عظيماً وجاء ووضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : ما تركت لأهلك يا عمر؟! قال: تركت مثله، وجاء أبو بكر ومعه مال عظيم فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ له: ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟! قال: تركت لهم الله ورسوله، فأتى بماله كله، فقال عمر: لا جرم، لا أسابقك بعد اليوم أبداً) ألم أقل لكم: لا يُلحق غبار جواد جوده في الله فضلاً عن أن يُلحق هو؟ وإنما كان ذلك بتمام المحبة. الذي يبذل نفسه لله لا يستصعب أن يبذل ماله وما دون ذلك، ولذلك قال صرمة بن قيس وهو يترجم شعور الصحابة وموقفهم من رسول الله ﷺ قال: ثوى في قريش بضع عشرة حجةً يذّكر لو يلقى حبيباً مواسيا ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم يرَ داعيا فلما أتانا واستقرت به النوى وأصبح مسروراً بطيبة راضيا وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس عاديا بذلنا له الأموال من حِلِّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا نعادي الذي عادى من الناس كلهم بحق ولو كان الحبيب المصافيا ونعلم أن الله لا رب غيره وأن رسول الله أصبح هاديا وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: (لقد سمعت من المقداد بن الأسود كلمات لأن أكون أنا الذي قلتها أحب إليَّ من حمر النعم، سمعت المقداد بن الأسود يقول لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! لو خضت بنا هذا البحر خضناه معك، والله لا نقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] قال: فتهلل وجه رسول الله ﷺ وسُرَّ بما قال) يقول ابن مسعود: لأن أكون أنا الذي قلت؛ لأن الرسول سُرَّ بذلك، وهكذا كانوا يتسابقون في رضاه. البذل -أيها الإخوة الكرام- يكون على ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى: أن يبذل كارهاً بمشقة، وهذا يكون في ابتداء الأمر قبل استحكام المحبة. المرحلة الثانية: إذا تخللت المحبة شغاف قلبه بذل راضياً طائعاً. المرحلة الثالثة: إذا استحكمت المحبة أكثر بذل سؤالاً وتضرعاً. تأمل هذه المراحل، يبذل بمشقة، ثم يبذل راضياً طائعاً، ثم يبذل سائلاً متضرعاً، هو الذي يسأل أن يبذل، فإذا قبلت بذله شكرك؛ لأنك قبلت بذله، كما كان بعض السلف يفعل: يخرج بصدقته فإذا وافى فقيراً أو مسكيناً مستحقاً وأعطاه الزكاة فقبلها المسكين صافحه وشكره، فيتعجب المسكين ويقول: أنا أولى أن أشكرك، فيقول له: لا. بل أنا أولى أن أشكرك! لأنك الذي سقت الأجر إليَّ بقبولك الصدقة. فيعطي المال ويشكر الآخذ؛ لأنه هو الذي أتاح له القربى والزلفى من الله ، أتظن أن الذي يبذل ماله سؤالاً وتضرعاً يبذله رياءً وسمعة؟!! لا. لا يبذله رياءً وسمعة، وكذلك كان الصحابة يبذلون لله مهجهم سؤالاً وتضرعاً. في غزوة أحد جاء عمرو بن الجموح وكان رجلاً أعرج، شديد العرج، وقد أسقط الله عنه فريضة الجهاد هو والأعمى والمريض فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور:٦١] فجاء هذا الأعرج شديد العرج يشكو أبناءه، فهل يشكو من العقوق أو أنهم ضربوه أو أنهم حبسوا أموالهم عنه؟ هذا لم يكن يخطر لأبناء الصحابة على بال، أما الآن فإنك تجد أماً مات زوجها وتعبت على تربية ابنيها وأتعبت نفسها لأجلهما، وبعد أن بلغ أحدهما خمسة وعشرين سنة يقول للآخر: هيا نضرب أمنا ضرباً شديداً، فيأخذ كل منهما عصاً ويضربون أمهم، هل رأيت هذا في العالمين؟!! أو خطر ببالك في باب العقوق أن يستلذ ولد بضرب أمه؟!! إننا لا نبرئ الآباء من هذه المحن؛ لأنهم السبب في ذلك، وقلت لكم: إن محنة إهمال الأولاد مؤجلة، ولا يظهر هذا إلا بعد أن يستوي عود الولد. جاء عمرو بن الجموح يشكو أبناءه؛ لأنهم يمنعونه من الجهاد ويقولون: يا أبانا! إن الله قد وضع عنك الجهاد، ونحن ستة من أبنائك نقاتل في سبيل الله دونك ألا تقر عينك؟! فيقول لهم: إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فلا تحولوا بيني وبينها، ويبكي ويذهب إلى رسول الله ﷺ شاكياً، فيقول النبي ﷺ : (دعوه، لعل الله أن يرزقه شهادة) وتدور رحى الحرب ويكون عمرو في أوائل من قتل، وهذا شيء طبيعي، فهو لا يحسن الكر ولا الفر، ولو أراد ذلك ما استطاع لعرجته، فلما جاء موعد الدفن، وكان يقدم في اللحد أكثرهم قرآناً، وهكذا يُعِز القرآن أهله في الدنيا والآخرة حتى عند الدفن، إذا دفن ميتان في قبر واحد فالسنة أن يقدم في اللحد أكثرهم قرآناً، لا يتقدم صاحبَ القرآن العامل به، الواقف على حدود الله ، المعظم لكلمات الله ﵎ أحدٌ لا في الدنيا ولا في الآخرة، فلما جاء موعد الدفن كان للمحبة شأن في الدفن، فقال ﷺ : (ادفنوا عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام في قبر واحد -لماذا؟ - قال: ادفنوا هذين المتحابين في قبر واحد) حتى الحب يُستصحب ويراعى دفن الميت، مع من كان يحب في الدنيا. وهكذا يفرق الله بدينه بين الناس في الدنيا والآخرة، فلا يجمع بين كافر ومؤمن في الدنيا والآخرة، لا في بيت ولا في مال ولا في قبر، كما قال ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين)، وقال: (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) فلو أن رجلاً يسب دين الله ثم مات على ذلك ولم يتب، فهذا كافر، ولو كان له مليارات وأبناؤه فقراء لا يحل لهم أن يأخذوا درهماً واحداً من هذا المال؛ لأنه لا يسوغ لك أن تباينه في الدنيا، ثم تأخذ ماله بعدما مات، إن صدق المحبة يستلزم أن تتبرأ من كل شيء هو فيه، ولا تجري وراء مصلحتك ولا تجري وراء ما يفيدك. كم أوذي المؤمنون من الكافرين في الدنيا بسبب إيمانهم ومع ذلك لم يتركوا الإيمان، فلو ساغ للمؤمنين أن يتزلفوا إلى الكافرين أو ينتفعوا من ورائهم بشيء لهادنوهم؛ حتى يعيشوا وحتى لا يخرجوا من ديارهم وأموالهم، فلذلك قال لك: لا تأخذ المال؛ لأن هذا برهان وعلامة صدق الحب. من علامات صدق الحب: أن تكره كل شيء من الكافر ولو كان يسرك أو ينفعك، هذه من علامات صدق المحبة. وكذلك البذل لله لا يجوز تلطيخه بشيء من الدنيا، وبذلك يظهر لك لماذا أبى رسول الله ﷺ على أبي بكر إلا أن يدفع له ثمن الراحلة، كما في صحيح البخاري: (لما أراد النبي ﷺ أن يهاجر وأعلم أبا بكر أنه سيؤذن له في الهجرة اشترى أبو بكر راحلتين وحبسهما يعلفهما انتظاراً لذلك اليوم، فلما أذن الله لنبيه بالهجرة وجاء النب

стр. 1130

الغيرة وأقسامها لا بد أن نراقب علامات المحبة؛ لأن أكثر أهل الأرض يدعون من المحبة والكمالات ما ليس لهم، وعلامات المحبة كثيرة، منها -مثلاً- أن تلتذ بهجر الناس واللياذ بمحبوبك، وتحب دائماً العزلة، والأنس بمحبوبك. وابن القيم ﵀ يقول: سمعت بعض أصحابي -وأظنه: تقي الدين ابن شقير أو غيره- قال: رأيت شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية خارجاً وحده فتبعته إلى بعض الخلوات، فلما وصل إلى خلوة أنشد بيتاً من الشعر فقال: وأحدث نفسي بسيرتك لعلي أخلص بالسر خالياً المحب لا يحب أن يشاركه أحد في حبيبه، فهو يتمنى أن ينفرد ويخلو به لكي يستطيع أن يناجيه، وإذا رأى الناس مجتمعين حول حبيبيه فإنه يكرههم ويمقتهم. ولذلك نحن قلنا في الجمعة الماضية: إن من علامات الحب: الغيرة على المحبوب، والغيرة: أن يريد المحب أن يتفرد بمحبوبه ويكره أن يشاركه أحد فيه، ونحن إذ تكلمنا على الغيرة فاتنا أن نقول في الجمعة الماضية تتمة للغيرة المحمودة والغيرة المذمومة: كل من يغار قد يغار غيرة محمودة، وقد يغار غيرة مذمومة، فالغيرة المحمودة: أن تخاف على محبوبك أن يتغير عليك، وأن تغار عليه أن يُسب وأن يُشتم وأن تُنتهك حرماته، هذه الغيرة المحمودة التي نحن تكلمنا عليها سابقاً. أما الغيرة المذمومة فكما قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه: (إن من الغيرة غيرة يكرهها الله، وهي غيرة الرجل على أهله في غير ريبة) وثمة مشاكل كثيرة تصلني منها: أنه اتصلت بي امرأة وقالت إن زوجها يقفل عليها الباب بالقفل، افترض حصل حريق ماذا تعمل المرأة، هل تقفز من سابع دور؟ وهناك شخص قد عمل لكل شباك قفلاً؟ لكي لا ترى!! الله يكره هذا، وإذا دخل غرفته ورأى أن السرير غير مرتب قال: من الذي كان قاعداً هنا؟ فإذا كنتَ محباً لله فينبغي أن تكره الذي يكره، فإذا علمت أنه يكره هذا لا يحل لك أن تأتيه، ولو كنت ترغب فيه. تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقاً لأطعته إن الحبيب لمن يحب مطيع أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1131

نفي الأسباب وإثباتها إن من أعظم ما ابتليت به الأمة في عقيدتها فكرتان: الأولى: التعلق بالأسباب وما يقابله من ترك العمل بها. والثانية: الاحتجاج بالقدر في فعل العباد للمعاصي والذنوب. وقد بيّن الله ورسوله هذه الأمور في الكتاب والسنة، وتضمن البيان التحذير من الانزلاق في مثل هذه العقائد الباطلة والأفكار الهدامة للدين، وقد عقل سلف الأمة هذا التحذير، حتى قال بعضهم: ومن ذلك المقولة المشهورة بينهم: (الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، وترك الأسباب بالكلية قدح في التشريع).

стр. 1132

الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فقد اشتهر عند علماء السلف قولهم: (الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، وترك الأسباب بالكلية قدح في التشريع)، وإنما ردوا بهذه المقالة على الذين غلوا في الأسباب وجفوا عنها، فقولهم: (الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد) بمعنى: أن العبد إذا التفت إلى السبب عن المسبب؛ فقد أشرك بالله ، فقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لو قال الرجل: لولا الكلب لسرق اللص الدار لكان مشركاً. والعبرة هنا بما يكنه قلبه، وإلا لو قال الرجل هذه المقالة، وهو يعني اختصار القول فقط، كأن يقول كما يقول علماء الأرصاد: تأتي الرياح الشرقية فتدفع السحب، فتسقط الأمطار، إذا عنى أن الرياح الشرقية والغربية هي التي ساقت الأمطار من نفسها، وأن الأمطار نزلت، فهذا هو الشرك بالله، أما إذا اختصر العبارة فقط، فقال: إن ذلك بفضل الله ﵎ وبقدرته، فهذا لا بأس به، كما قال : (أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فمن قال: مطرنا بفضل الله؛ فهذا مؤمن بي، كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فهذا كافر بي، مؤمن بالكوكب). فكثير من العباد افتتن بالأسباب، لاسيما إذا جاء السبب كاملاً، فهو يتصور أنه لابد أن يجني الثمرة طالما كان السبب كاملاً، فرد الله هذا الاعتقاد بقصة مريم ﵍ وهي قصة عجيبة مدهشة. (كانت مريم ﵍ قوية فتية في غاية صحتها، وكان يأتيها رزقها بغير أن تعمل، كما قال ﵎: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، وهي قادرة على الاكتساب، فلما ولدت ونفست وأصبحت في أضعف حالاتها -ومعروف أن المرأة بعد ما تلد تكون قد استنفدت كل قواها- قال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥]، فتصور امرأة نفساء ماذا تفعل بنخلة؟ بل لو جاء مائة رجل من الأشداء فهزوا النخلة ما أسقطوا تمرة واحدة منها، فكيف قال لها ذلك؟! وقد أبان الشاعر المجيد عن هذا المعنى بقوله: توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغبن بالعجز يوماً عن الطلب ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يتساقط الرطب فلو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن لكل رزقٍ سبب أراد الله أن ينبهنا في الحالة الأولى أن الأسباب قد تكتمل على وجهها ومع ذلك لا تؤتي الثمرة، ومثل ذلك أنك ترى هذا في رجل صحيح (١٠٠%)، وامرأته صحيحة (١٠٠%)، ومع ذلك لا ينجبان، ويضع الطب تقريره أنه لا مانع إطلاقاً لا عند الرجل ولا عند المرأة، ومع ذلك يظل الرجل محروماً من الإنجاب مع اكتمال السبب. والله يريد أن يعلمنا أنه لا ينبغي الافتتان بالسبب إذا جاء على كماله، ويريد أن يعلمنا أيضاً أن لا نلتفت عن السبب لقول الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، حتى لا يفهم بعض الناس أننا ننفي تأثير الأسباب، فالمعتزلة يقولون: إن السبب لا قيمة له، ولذلك ولج من هذا الباب كثير من العاطلين الذين قالوا: إذا كان الله كتب لنا الجنة؛ فإننا سندخلها بلا عمل، وإذا كان قد كتب علينا النار، فلو عملنا كل طاعة في الدنيا لا تفيد الطاعة، فأبطلوا شرع الله بسبب هذا. أما نحن فنقول: إن الأسباب لها تأثير، ولكن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله، كما قال ﷺ : (لا عدوى) ففهم بعض الناس من قوله: (لا عدوى) أنه نفى العدوى مع أنه ﵊ قال: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فهذا فيه إثبات للعدوى. لكن كيف نوفق بين هذين الحديثين؟ الجواب أن الجمع بين الحديثين أن نقول: لا عدوى تنتقل بذاتها، وليس بالضرورة إذا جلست بجانب إنسان عنده مرض مُعْدٍ أن تحمل نفس المرض، بل قد يحمل الإنسان المرض، ويأتي آخر فلا يحمله، وأنت ترى أن الإنسان ممكن أن تأتيه رصاصة في رأسه في موضع ما ولا يموت، ويصاب آخر في نفس الموضع فيموت، فلو كان السبب مؤثراً -لا محالة- في كل حال؛ لكان ينبغي أن يكون التأثير عاماً، شاملاً كافة الخلق، لا يتخلف ولا يميز بين إنسان وآخر. ومما يدل على أن الأسباب لا تؤثر بنفسها وإنما بمشيئة الله قول الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] رميت الأولى بمعنى: أصبت، ورميت الثانية بمعنى: سددت الرمية، ورميت الثالثة بمعنى: أصبت، إذاً: عندنا رميتان بمعنى الإصابة، ورمية واحدة بمعنى تسديد الإصابة، فيكون معنى الآية: وما أصبت إذ رميت ولكن الله أصاب، وهذا يدل على أن الله هو الذي يخلق التأثير في السبب، فيكون السبب مرة قاتلاً ويكون مرة غير قاتل، مثال آخر: (النار) معلوم أن من طبيعتها الإحراق، ومع ذلك نزع الله عنها الإحراق لما رموا فيها إبراهيم ﵇، فهذا يدلنا على أن الله هو الذي يسبب الأسباب، وهو الذي يجعلها تؤثر، لكنه أمرنا بأخذ الأسباب. وباء السببية في القرآن كثيرة، قال الله : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] الباء هنا: باء السببية، فإن قال قائل: إن النبي ﵊ قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون، وهذا الحديث ظاهر التعارض مع الآية، فهل الباء التي وردت في الحديث هي باء السببية؟ أي: لن يدخل أحد منكم الجنة بسبب عمله؟ قال العلماء: لا. بل الباء في الحديث هي باء العوض والمقابلة، أي: لن يدخل أحد منكم الجنة عوضاً عن عمله، لأنه لا يوجد إطلاقاً إنسان على وجه الأرض يستطيع أن يعمل عملاً يقابل النعم التي أنعم الله ﵎ بها عليه، وقد روى الحاكم في مستدركه بسند ضعيف، ونستأنس بهذه القصة فقط، عن النبي ﷺ قال: (جاءني جبريل، فقال لي: يا محمد! إن رجلاً عبد الله في جزيرة ستمائة عام، وسأل الله أن يقبضه وهو ساجد، فأخرج الله له رماناً من الصخر، وأخرج له عيناً من الماء العذب بقدر الإصبع، فكان يأكل من الرمانة، ويشرب من الماء، ويصلي، فلما جاء موعد وفاته، قال الله : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: بل بعملي، فقال: عبدي! إنه لا يظلم عندي اليوم أحد، كما قال ﵎: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧] فوضعوا نعمة البصر في كفة، ووضعوا عبادة ستمائة عام في كفة، فطاشت العبادة، ورجحت نعمة البصر، وبقيت بقية النعم فضلاً من الله عليه، لم يؤد شكرها) وقد وضع ووضع نعمة البصر في الميزان أولاً؛ لأن أعظم ما يبتلى به المرء أن يفقد عينيه، كما قال الله في الحديث الإلهي: (إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه؛ فصبر؛ لم أجد له جزاء إلا الجنة) وفي اللفظ الآخر: (إذا ابتليت عبدي بفقد كريمتيه؛ لم أجد له جزاءً إلا الجنة)، وإنما سماها حبيبة؛ لأن المرء يحب الدنيا بها، فإذا فقدهما؛ استوى عنده الدر الثمين مع الخرز المهين، فلا قيمة لأي شيء عند الأعمى؛ لأنه لا يتمتع برؤية هذه الأشياء، ومن يحب الدنيا لا يحبها إلا بعينيه غالباً، وسماهما كريمتين أيضاً؛ لأن العبد إذا فقد عينيه احتاج إلى الخلق؛ والحاجة إلى الخلق ذل، فلا يكاد يمشي خطوة إلا وهو يحتاج إلى من يساعده. فلذلك الإنسان إذا أنعم الله عليه بنعمة البصر فقد أكرمه؛ لأنه عافاه من ذلك الافتقار والاحتياج للناس، فلذلك وضعت هذه النعمة نعمة البصر، ولذلك طاشت عبادة الستمائة عام، (فقال الله : خذوه إلى النار، فجعل يستغيث ويقول: يا رب! أدخل الجنة برحمتك، فقال: أرجعوه، فقال الله له: عبدي! خلقتك ولم تكن شيئاً أبرحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرجت لك رماناً من الصخر برحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: أخرجت لك عيناً عذبة من الماء المالح أبرحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: قويتك على عبادة ستمائة عام أبرحمتي أم بعملك؟ قال: برحمتك يا رب! قال: برحمتي ادخل الجنة، يا عبدي! كنت نعم العبد). فيظهر من هذا أنه لا يستطيع إنسان أن يوفي نعمة واحدة مهما فعل، وحسبك مثالاً ما جاء في آخر الحديث: (قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) هل وجدت أحداً تورمت قدماه من كثرة الوقوف في الصلاة غير نبينا ﵊؟ لا تكاد تعثر على رجل بمثل هذا الجد، وهو أعبد من مشى على الأرض بقدميه ﷺ . يقول: (ولا أنا) فهذا يدل على أن كل العباد الذين يأتون بعد ذلك وعملهم ناقص عن عمل الرسول ﵊ لا يدخلون الجنة بأعمالهم، فالباء هنا هي باء العوض وليست باء السببية. والذين لا يفهمون ولا يعملون للآخرة أكثر الناس اعتراضاً على الله في باب القضاء والقدر، وبالمقابل انظر إلى الصحابة والأجيال التي أتت بعد ذلك، انظر إلى استقامة فهمهم، روى البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (

стр. 1133

ترك الأسباب قدح في الشريعة (وترك الأسباب بالكلية قدح في التشريع)، فلو أن كل رجل قال: أنا لن أتزوج! فمن يعمر الأرض ويقيم الدنيا ويقيم الصناعات ويقيم الجهاد بعد ذهاب هذا الجيل، لابد من نسل، فمن تجده يقول: إذا قدر الله لي الولد فسأرزق الولد بلا زوجة، كل العقلاء يحكمون عليه بالحمق، فطلب الولد بلا زواج حمق، وطلب دفع الجوع بلا أكل حمق، كذلك طلب الجنة بلا سعي حمق. وتجد التناقض في حياة الناس، فمنهم من تجده لا يصلي ولا يزكي، ويقول لك: أنا قلبي أبيض مثل اللبن مع أن هناك أناساً يصلون وعندهم حقد وحسد، ماذا عملوا بالصلاة؟ لكن أنا لا أصلي ولا أزكي لكن قلبي أبيض ولا يفعل شيئاً، هذا في جانب الهدى. لكن لو سألته: لماذا تعقد صفقات كل يوم؟ ولماذا تسافر إلى الخارج؟ لماذا لا تجلس في بيتك وتضع رجلاً على رجل، ولو أراد الله لك الغنى لأغناك بلا تجارة وبلا سعي، إذا قلت له هذه العبارة ينكرها عليك، وإذا قلت له: لماذا تذهب إلى البيت؟ قال: لآكل لأني إن لم آكل سأموت من الجوع، لا لن تموت من الجوع إذا كتب الله لك الحياة بغير أكل طيلة عمرك ستعيش. فما بالهم في مسائل الهداية يهونون منها ولا يعملون، ويعتمدون على القدر، وفي مسائل الدنيا يسلكون كل سبيل ويبحثون عن كل سبب مهما كان السبب محرماً، حتى إنك تجد بعض الشباب يذهب إلى بلاد أوروبا ليعمل، تقول له: ماذا تعمل في أوروبا؟ يقول لك: أغسل الصحون في مطعم، لكن لو سألته: كيف تغسل الصحون من بقايا الخنزير وكئوس الخمر؟! وهل خطر ببالك أن تغسل طبق أكلك في بيتك؟ أبداً، هو يأكل ويترك الأطباق، وما خطر بباله أن يأخذ هذا الطبق ويذهب به إلى المطبخ ليغسله. وبعض الناس تجد أنه يسعى في معصية الله ، فتقول له: لماذا تسعى في معصية الله ؟ يقول لك: والله أنا بحثت عن عمل فلم أجد، وقد أغلقت الأبواب في وجهي، ويأتي لك بألف عذر حتى يسلك هذا السبب الذي هو في معصية الله . عندنا في مصر جماعة مبتدعة اسمها الفرماوية، هذه الجماعة تنسب إلى الشيخ الفرماوي الذي هو قائد الجماعة، يقولون: إن البخاري شيوعي، لأن منطقة بخارى هي تابعه للاتحاد السوفيتي سابقاً، وفي عيدهم يحرقون فتح الباري شرح صحيح البخاري لـ ابن حجر العسقلاني؛ لأنهم يكرهون البخاري، وكل الأحاديث التي وردت من طريق عائشة أو أم سلمة ﵄ ينكرونها، وأي امرأة لها حديث ينكرونه بحجة أن صوت المرأة عورة، كأن الله خلق المرأة خرساء لا تتكلم، وهذا خطأ، صوت المرأة ليس بعورة، إلا إذا كان هناك خضوع في القول أي: ترقيق الصوت ونحو ذلك، وقد نهى الله ﵎ عن ذلك فقال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. حتى إن بعض الدعاة الذين يسلكون مسالك الاحتياط؛ يقولون: إذا كانت المرأة صوتها ناعم وتتكلم في التلفون فعليها أن تخشن صوتها كالرجل، فنقول: لا داعي لمثل هذا الاحتياط، ونقول: إذا خلقها الله ﵎ بهذا الصوت فلتتكلم على سجيتها، لكن لا تخضع بالقول، إذ أن الله خلقها هكذا، فلا داعي لمسألة تفخيم الصوت ولا دليل عليه إطلاقاً. وهذه الجماعة تعتقد أن العمل شرك، وأن سلوك الأسباب يعتبر شركاً، وكأنك -أخذك بالأسباب- تتهم الله أنه خلقك وضيعك، كونك تشتغل تكون قد اتهمت ربك ولسان حالك يقول: يا رب! أنت ما أنفقت عليَّ. إذاً: هذا اتهام لله ، وحتى تجرد التوحيد فإنك لا تعمل. ومن العجيب أن أفراد هذه الجماعة يلبسون ثياباً على لونين، تجد منهم من يلبس ثياباً خضراً، وآخرون يلبسون ثياباً بيضاً، الذي يلبس ثوباً أخضر يكون المصحف الذي يقرأ فيه جلدته خضراء، والذي يلبس ثوباً أبيض، تكون جلدة مصحفه (بيج) أو نحو ذلك، وقد كنا في المعسكر أول ما يقومون من النوم يلعبون الرياضة ويجرون، وعندما يأتي واحد منهم يسأل عنهم، يقوم الرجل منهم يلف نفسه ببطانية وبعد ذلك يكلم صاحبه، فيقول له صاحبه: لماذا أنت لافف نفسك بالبطانية؟ يقول: الآن استيقظت من النوم، وتجده يحذرنا ويقول: أرجوكم يا جماعة! لا يقل أحدكم أنني ألعب رياضة؛ لأن الرياضة من الأسباب، لأنهم سوف يكفرونه بذلك، يقولون له: أنت تبذل سبباً تقوي به جسمك، فيخشى أنهم -بذلك- يشكون فيه فيقدحون في توحيده. فأنا أسأله أقول له: يا فلان! أنتم تقولون بالأسباب ولا تجوزون الأخذ بها، ومع ذلك أنت خياط تخيط ثياب في بلدك، وهذه الخياطة أليست سبباً؟ قال: نعم، لكن أنا أشتغل وأصرف على الذين وصلوا إلى القمة مثل (البشوات)، نحن إيماننا ناقص، فنصرف عليهم، فصاحب الإيمان الكامل يلبس ثوباً أبيض، وصاحب الإيمان الناقص يلبس ثوباً أخضر، إذاً: الثوب الأخضر للذين يشتغلون لتأكيل الكبار. ولو سألت صاحب الثوب الأبيض: أنت لماذا تحفظ القرآن؟ لقال لك: لأن النبي ﷺ قال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) قلت له: أليس الحفظ سبباً؟ ولماذا لم تترك القرآن ولو شاء الله لصب القرآن في صدرك صباً؟ فإذا به يسكت ولا يجيب؛ لأنه خالف البدهيات التي لا يمكن لأحد أن ينكرها في حال من الأحوال وهو ما يراه في حياته العادية. وخذ مثلاً: مفتاح الكهرباء لو ظللت مائة عام واقفاً لأجل أن يضيء لا يضيء حتى تضغط عليه. فالمقصود من العبد أن يفعل السبب، وأن يكون مجداً في طلب الهدى كما هو مجد في إصلاح حياته وأمره، ولذلك قال العلماء هذه المقالة الجامعة: (الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد) فمهما كان السبب قوياً، ومهما كانت الآلة صحيحة؛ اعلم أنك قد لا تحصل ما تنشده إلا إذا قدره الله ﵎ لك. (وترك الأسباب بالكلية والانخلاع منها قدح في التشريع) لأن هذا سيؤدي بنا إلى ترك كل الحدود، وستكون المسألة في غاية الفوضى بين العباد. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1134

الأسئلة

стр. 1135

حكم الحلف بغير الله السؤال ما حكم الحلف بغير الله؟ الجواب بالنسبة للحلف بغير الله ، كأن يقول الإنسان: والنبي أو والولي أو غيرها، فإن النبي ﷺ نهى عن الحلف بالآباء ونهى عن الحلف بغير الله ﵎، وفي الصحيح: (أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: وأبي وأبي، فقال: يا عمر! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فما قلتها ذاكراً ولا آثراً) أي حتى مجرد أن يحكي الحكاية، ولا ذاكراً لها استئنافاً من عند نفسي.

стр. 1136

حكم الاعتماد على الأسباب فقط السؤال نحن في هذا الوقت في هذا العصر الحديث لابد أن نأخذ الأسباب التي توصلنا إلى طاعة الله وتوصلنا إلى ما نريد، الأسباب بيد الله وهو القادر على كل شيء، يقول للشيء: كن فيكون، ولكن هذا المجتمع الذي نعيشه الآن ليس عصر النبوة ولا عصر الخلفاء الراشدين، نحن في وقت الطائرة والسيارة والكمبيوتر، لابد أن نأخذ بها حتى نصل إلى تحقيق المجتمع الإسلامي الكامل، أما أننا نقعد نقول: نحن لدينا إيمان قاطع بقدرة الله ولا نبذل الأسباب فهذا خطأ. الجواب أيها الأخ الكريم: هذا الذي ذكرته هو الذي أنا قلته تماماً، لكن أنا مضطر الآن لأن أبين بعض الإشكالات التي حصلت من كثرة ضرب الأمثلة. قال العلماء: (الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، وترك الأسباب بالكلية قدح في التشريع) فلو جاء رجل فقال: أنا لن أتزوج وأريد الولد، ماذا تقول في هذا الرجل؟ تقول: إنه أحمق، ولو قال رجل: أنا أريد أن أصل بالسيارة إلى المكان الفلاني بدون (بنزين) سوف نقول: أحمق، لو قال: لو شاء الله لأجراها بدون (بنزين) نقول: نعم، الله على كل شيء قدير، لكن لابد أن تبذل السبب، بأن تضع (البنزين) في السيارة. كذلك هناك رجل يريد أن يعيش بلا أكل، وقد قال ربنا : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣]، ثم قال : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] قال سفيان الثوري: (إذا اضطر فلم يأكل الميتة فمات؛ دخل النار) لأنه أعان على نفسه، وقد أحل الله له الميتة لكي لا يموت، فلو شاء الله لأقام العباد بدون أن يحل لهم ما حرمه، فإن ربنا قادر على إبدال أكلنا للميتة التي حرمها علينا، ويعطينا القوة والطاقة حتى نصل إلى الحلال، أليس ربنا على كل شيء قدير، لكن الله أباح لنا أن نأكل الميتة أخذاً بالأسباب، فمفهوم كلامي: أنه لا ينبغي لعبد أن يركن إلى الأسباب فيقول: إن الطب الحديث لازم يرفع العلة، هذا مرفوض، نقول: لا، الدواء قد يرفع العلة وقد لا يرفع العلة. السائل: أنا أقول: إن للأسباب تأثيراً ولكني لا أعتقد أن الأسباب حتماً توصل إلى المقصود؟ الشيخ: هذا هو الكلام الصحيح.

стр. 1137

معنى قول أهل العلم: (ونفي الأسباب أن تكون مؤثرة قدح في العلم) السؤال ما معنى قول أهل العلم: (ونفي الأسباب أن تكون مؤثرة قدح في العلم)؟ الجواب نفي الأسباب أن تكون مؤثرة هذا نفي في العلم، فأي رجل يقول: إن السبب لا يؤثر، كلامه هذا فيه إزالة للوحي كله، بل الأسباب تؤثر؛ لأن الله قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] وباء السببية تكررت في القرآن كثيراً كقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:١٦٠] أي: بسبب أنهم ظلموا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وكقوله سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة:١٣] فالله لعنهم؛ لأنهم كفروا، فهذا أيضاً سبب، فقولنا: إن الأسباب لا تأثير لها، كأننا ألغينا القضاء والقدر، وبالتالي ألغينا الوحي بطبيعة الحال، فنفي أن تكون الأسباب مؤثرة فيه رد على المعتزلة الذي يزعمون أن الأسباب لا تأثير لها؛ لأن عقيدة الجبر موجودة عندهم هي أن الإنسان مجبور على فعله ولا اختيار له.

стр. 1138

مفهوم حديث: (الدعاء هو العبادة) السؤال هل حديث: (الدعاء هو العبادة) يفسر قوله تعالى: (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)؟ الجواب نعم حديث: (الدعاء هو العبادة) ترجمة لقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] أي: يستكبرون عن دعائي، فالدعاء هو: التضرع والانكسار بين يدي الله وهذا هو حقيقة العبودية، معنى (عبد) يعني: مذلل، فلا يكون العبد عبداً إلا إذا كان ذليلاً، ولذلك قال العلماء وهم يتكلمون في مقامات التوبة قالوا: أيهما أفضل: التائب من المعصية أم الذي لم يرتكب معصية؟ فمع ترجيحهم أن الذي لم يرتكب معصية أصلاً هو أفضل، قالوا: ولكن الذي ارتكب معصية فتاب عنده عبودية ليست موجودة عند الذي لم يعص الله وهي عبودية الذل والانكسار، فإن العبد إذا وضع ذنبه أمامه فلا يزال يخاف أن يرديه، وكلما زاد يقين العبد خاف من ذنبه، كما حدث للأنبياء في ساعة المحشر، يأتي الناس آدم فيقول: (نفسي نفسي، إن الله أمرني أن لا آكل من الشجرة فأكلت، فيذهبون إلى نوح فيقول: نفسي نفسي، إني كانت لي دعوة فدعوتها، فيذهبون إلى إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث، فيذهبون إلى موسى فيذكر وكزته للرجل الذي قتله، فيأتون إلى عيسى ﵇، فكلٌ يقول: نفسي نفسي، ولم يذكر ذنباً، حتى يأتون إلى النبي ﵊ فيقول: أنا لها! أنا لها) كما في حديث الشفاعة الطويل. فهاهم الأنبياء المقدمون على أقوامهم يذكرون ذنبهم، فكذلك إذا رسخ إيمان العبد عظم عنده الذنب العظيم، كما روى الترمذي وغيره وهو في البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: (وإن الفاجر ليعمل الذنب العظيم، فيرى كأنه ذباب نزل على وجه، فقال به هكذا، فطار) أما المؤمن فيعمل الذنب، فيرى أنه كجبل يكاد أن يسقط على رأسه، فيبين خوف المؤمن أما الكافر فيفعل الذنب العظيم جداً ويرى هذا الذنب كذبابة حطت على وجهه فقال هكذا فطارت. وجاء عن السلف قولهم: (رب طاعة أورثت عزاً واستكباراً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً)، فالإنسان قد يفعل الطاعة فيعجب بها ويظن أنه فعل شيئاً ذا بال، فلا يزال يظن هكذا حتى يرديه الله ﵎، ورب معصية يفعلها العبد ستأخذ بطريقه إلى الجنة، فكلما ذكر المعصية؛ جد واجتهد، خوفاً من الله ﵎. ولا يفهم من هذا أن المعصية أفضل من الطاعة، كما قال بعض المتصوفة لما جاء في كلمة السلف: (ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً) قالوا: وفي هذا دلالة على أن الذنب أحياناً يكون أفضل من الطاعة، وهذا تفكير مقلوب؛ لأنه لا يمكن أن يقول قائل: إن الذنب أفضل من الطاعة أبداً، لكن تأثير الذنب على العبد المؤمن يكون إيجابياً كما يقول العلماء في استثمار الصفات السلبية، فمثلاً هناك بعض الناس تجد عنده إحباطاً شديداً، لا يأكل ولا يشرب، وكل يوم يضعف جسمه، يقول: كلما تذكرت القبر وعذاب القبر والوحدة والغربة وإلى أين يصير، لا يستطيع أن يأكل ولا يشرب، وتجده لا يصلي ولا يذهب إلى المسجد، بل غالق على نفسه الغرفة، وإن هذا يدمر نفسه، والمفروض أن يكون استثمار الخوف استثماراً إيجابياً، كلما خاف جد واجتهد، لا أن يقعد، فكذلك الذنب لابد للعبد أن يستثمره، أنه يجعله رائداً بين يديه إلى الله ﵎. فالدعاء أصله الانكسار، ولذلك قال النبي ﷺ : (إن الله يغضب على ابن آدم إذا لم يسأله) الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب والله أعلم.

стр. 1139

كيفية الجمع بين حديث: (لا عدوى ولا طيرة) وحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) الجواب حديث: (لا عدوى ولا طيرة) أشار فيه النبي ﷺ بذلك إلى من اتكل على الأسباب، وحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فيه إشارة إلى من اعتمد عليها واتكأ عليها، فهذا ليس فيه نفي للعدوى إنما فيه إثبات لها؛ بدلالة تتمة الحديث لما قال النبي ﷺ : (لا عدوى، فقال الرجل: يا رسول الله! إنه يكون عندي الجمل الأجرب فيعدي السليم، كيف لا عدوى؟ فقال ﵊ له: فمن أعدى الأول؟) أول جمل أجرب على وجه الأرض من أعداه؟ فيريد أن ينبه بهذا إلى أن الله هو الذي قدر العدوى وقد تأثيرها، وأنه لا عدوى تنتقل بذاتها؛ بدليل أن الجمل الأول الذي أصابه الجرب لم يجرب بسبب عدوى وإنما قدره الله عليه، وهكذا ما بعده.

стр. 1140

الأخوة [١] إن الأخوة في الله نعمة إلهية ومنحة ربانية، وإن الحب والبغض في الله أوثق عرى الإيمان، وقد رتب الله لعباده المتحابين فيه الأجر العظيم في الدنيا والآخرة، والنصوص المتواترة من الكتاب والسنة في فضل الأخوة لا تخفى على ذي لب، فهي أساس صلاح المجتمعات وبناء الدول واستحقاق النصر من الله .

стр. 1141

مؤاخاة النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠] * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أذن الله لنبيه بالهجرة فهاجر إلى المدينة، فأول ما بدأ أن أسس المسجد ليجمع بين الناس، وليربطهم بربهم، ثم بعد ذلك آخى بينهم، وحتى نعلم أهمية هذه الأخوة يجب علينا أن نُطل إطلالة سريعة على وضع المؤمنين في مكة قبل الهجرة، لأنك لن تستطيع أن تقدر هذه الأخوة ولا تحس بشأنها وضرورتها إلا إذا علمت حالهم في مكة، ولنبدأ -مثلاً- بحال زعيمهم وقدوتهم ﷺ ، برغم أن الله ﵎ منعه بعمه أبي طالب، فكان ذا منعة ومع ذلك وصل إليه الأذى. قالت عائشة ﵂ بعد غزوة أحد -وما أدرك ما غزوة أحد، وما جرى للمسلمين فيها والنبي ﷺ خاصة؟! لقد كسرت رباعيته، ودخلت حلقات المغفر في وجنتيه، وسال الدم على جبهته، وقتل حمزة عمه وقتل نفر كثير من المسلمين، فحزن عليهم النبي ﷺ حزنا ًعظيماً- فقالت له عائشة كما في الصحيحين: (هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: نعم. لقد لقيت من قومك -ثم ذكر لها قصته لما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الله وقد أدموا قدميه بالحجارة- قال: فبينما أنا مهموم هائم، إذ رأيت سحابة تظلني، فرأيت جبريل ﵇، فقال: إن الله قد علم ما قال لك قومك، وما قلت لهم، فلو شئت لأقلبن بهم الأرض، وهاهو ملك الجبال، قال ﷺ : فسلم عليَّ ملك الجبال، وقال: إن الله أمرني أن أكون طوع أمرك فلو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت -وهما جبلان عظيمان في مكة- فقال ﵊: بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئاً). وفي الصحيحين أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ يصلي عند الكعبة إذ جلس أبو جهل وجماعة وقد ذُبح جزور بالأمس -جزور أي: بعير- فقال أبو جهل: من منكم يقوم إلى سلى هذا الجزور، فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ -السلى هو موضع البهيمة في بطن الحيوان وهو يساوي من الإنسان المشيمة في بطن المرأة فكان ملقياً على الأرض- فقال: من يقوم فيأخذ هذا السلى فيضعه بين كتفيه إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فوضع السلى بين كتفيه ﷺ ، قال ابن مسعود: وأنا أنظر فلو كان لي منعة -أي: لو كان له ظهر وعشيرة في مكة- لمنعتهم، قال: فأُخبِرت فاطمة ابنته ﷺ فجاءت تجري وهي جويرية صغيرة فطرحت السلى من على ظهره وهي تشتمهم وتسبهم، وقد رأيت أبا جهل يميل إلى القوم وهم يتضاحكون، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: اللهم عليك بقريش ثلاثاً، قال: فسكتوا وزالت الضحكة من على وجوههم -كانوا يخافون دعوته- ثم قال: اللهم عليك بـ أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وسمى أقواماً، قال عبد الله بن مسعود: والله لقد رأيتهم جميعاً صرعى يوم بدر). والنبي ﷺ برغم أن الله منعه بعمه إلا أن الأذى وصله، فما بالك بصغار المؤمنين المستضعفين الذين لا يأوون إلى أهل ولا إلى قرابة قوية؟! لقد كانوا يتوجسون ريبة من هؤلاء المشركين، ففي سنن ابن ماجة بسند حسن من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (أول من أسلم النبي ﷺ ومنعه الله بعمه، وأبو بكر ومنعه الله بقومه، أما سائر المؤمنين كـ عمار وأمه سمية، وبلال، وصهيب، والمقداد، وخباب، فقد أخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وألقوهم في رمضاء مكة، أما بلال فقد هانت عليه نفسه في الله فأخذه الولدان يجرجرونه، وهو يقول: أحد أحد) ففي هذا الجو العصيب لا يمكن أن تقوم أخوة. والحياة إذا لم يكن فيها من تحبه ويحبك فلا قيمة لها، فقد كان الواحد منهم يخشى أن يجتمع بأخيه فيعذبان، وكان شيء مفقود أن تجتمع إلى إلفك، ولذلك حرص النبي ﷺ جد الحرص على أن يوجد في المسلمين هذه الخصلة (الأخوة).

стр. 1142

قصة إسلام أبي ذر الغفاري وما ورد فيها من صور الأخوة وفي الصحيحين قصة عجيبة تريك هذه الريبة التي كان يشعر المسلمون بها في مكة، من حديث ابن عباس ﵂ قال: (أخبرني أبو ذر عن أول إسلامه قال: علمت أن رجلاً خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي -وأخوه هذا أنيس، أسلم أيضاً وهو أخوه الوحيد- فقلت لأخي: ارحل إلى مكة -وهو من غفار- فأعلم لي خبر هذا الرجل، قال: فركب أخوه ورحل ثم رجع إليه بعد أيام وقال له: لقد رأيت رجلاً يحث على مكارم الأخلاق، ويقول كلاماً ما هو بالشعر -وأنيس أخوه كان شاعراً- قال: ويقول كلاماً ما هو بالشعر، فقال له أبو ذر: ما شفيتني، ثم جهز رحله وأخذ شنةً فيها ماء ورحل إلى المسجد الحرام، قال: فمكثت في المسجد لا أسأل أحداً؛ لأنه إن سأل ضرب وعذب، وكانوا يتربصون بكل من يتصل بالنبي ﷺ ، قال: فمكثت في المسجد يومي هذا لا أسأل أحداً، فمر بي علي بن أبي طالب فقال: الرجل غريب؟ اتبعني، قال: فتبعته ما يسأل أحد منا الآخر شيئاً، فلما أصبح الصباح رجعت إلى المسجد ما أسأل أحداً شيئاً، فمر بي علي، فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ اتبعني، قال: فتبعته ما يسأل أحداً منا الآخر شيئاً، فلما كان في اليوم الثالث رجعت إلى المسجد ما أسأل أحداً -كل هذا وهو خائف- قال: فتضعفت رجلاً منهم -نظر إلى رجل فوجده ضعيفاً فقال في نفسه: لو سألت هذا فإني آمن غوائله، فلن يؤذيني- فقلت له: أين ذلك الذين يقولون إنه صبئ؟ قال: فأشار الرجل إلى القوم وقال: الصابئ الصابئ قال: فقام القوم عليَّ بكل مدرة وعظم وانقلبوا عليَّ حتى كأني نصب أحمر -من كثرة الدماء التي سالت على وجهه- قال: فمر بي علي وقال لي: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ ألا تخبرني بخبرك؟ فقلت له: إن أمنتني أخبرتك؟ قال: لك ذلك، قال: إني أسأل عن ذاك الرجل الذي يزعمون أنه نبي، قال: فاتبعني فهذا وجهي -أي: أنا ذاهب إلى هناك- وإنني سأسبقك، فإن رأيت ما سيؤذيك فسأصلح نعلي، فإن رأيتني أُصلح نعلي، فانطلق ولا تنحني عليَّ -وفي رواية البخاري قال:- فإن رأيتني أريق الماء فانصرف ولا تنحني عليَّ- قال: فتبعته فدخلت على النبي ﷺ فسمعت منه، فأسلمت مكاني، فقال النبي ﷺ : اذهب إلى قومك وانتظر خروجي -أي: لا تجهر بدعوتك حتى لا ينالك الأذى وانتظر خروجي وظهور دعوتي- قال أبو ذر: أما والله لأصرخن بها فيهم، فخرج إلى المسجد الحرام وقال: أيها الناس! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: فانقلب المسجد عليَّ، فما زالوا يضربونني حتى الموت حتى انكب عليَّ العباس وقال: أيها الناس! أما تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام تمر بغفار؟ قال: فتركوني، فلما أصبحت صرخت فيهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فانقلبوا عليَّ ففعلوا بي ما فعلوا بالأمس فأكب العباس عليَّ وقال: أما تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام تمر بغفار؟ فأنقذني منهم، -وفي رواية مسلم - قال: فانقلبوا عليَّ بكل مدرة وعظم حتى كأني نصب أحمر فهربت منهم واختبأت في المسجد ثلاثين يوماً ليس لي طعام إلا ماء زمزم، حتى تكسرت عكن بطني، ولم يعد على كبدي سخفة جوع -العكن: كسرات البطن إذا سمن المرء، وكان المتصور أن رجلاً يعيش على الماء يصير جلداً على عظم، وإنما هذا تكسرت عكن بطنه، يعني: أصبح له كرش وأصبح اللحم يتكسر من السمن، ولم يعد على كبدي سخفة جوع، أي: لم يشعر بالجوع - فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال له عن ماء زمزم: إنها طعام طعم، وشفاء سقم). فانظر إلى إسلام أبي ذر وإلى ما كانوا يلقونه إذا جهر المرء بدعوته، يقول له علي: (اتبعني فإن رأيت ما أخاف عليك انحنيت أصلح نعلي وانصرف أنت) فلا يستطيع الرجل أن يمشي مع أخيه، ولا أن يستمتع بهذه الأخوة، ولا أن ينصر أحدهم الآخر؛ لأنهم جميعاً مستضعفون، ولذلك حرص النبي ﷺ أن يجمع شمل هؤلاء المستضعفين: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩].

стр. 1143

بذل المؤمن ماله لإعانة أخيه ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت هذه الأخوة عقداً نافذاً لا كلاماً فارغاً لدرجة أنهم كانوا يتوارثون دون ذوي الرحم، كانوا يتوارثون بهذه الأخوة، فآخى النبي ﷺ بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن من المهاجرين وسعد من الأنصار، فقال سعد: (يا عبد الرحمن! إني أكثر أهل المدينة مالاً ولي زوجتان، فأقسم مالي نصفين، وانظر إلى زوجتي فاختر أحسنهما أطلقها ثم تزوجها أنت، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق) فدله على السوق فانقلب في ذلك اليوم بفضل أقطٍ وسمن -الأقط: هو اللبن الجاف- وما هي إلا أيام حتى قابل النبي صلى عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف في الطريق وعليه صفرة كأنه خضاب أو نحو ذلك فقال له: (مهيم -أي: ما هذا الذي أراه عليك وهو أثر الصفرة؟ - قال: إني تزوجت، قال: وكم أصدقتها؟ قال: بنواة من ذهب) نواة من ذهب في بضعه أيام. إن المرء عندما ينظر إلى سماحة سعد لا يسعه إلا أن يُعجب بنبل عبد الرحمن وعفته فقد قال له: (هذا نصف مالي خذه، ثم انظر إلى زوجتي فاختر أحسنهما) مع أن العرب كانوا يغارون جداً على العرض، ولا يتصور في رجل أن يقول: اختر بين زوجتي أطلقها وتزوجها أنت: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣] وقصة الأوس والخزرج والمعارك الرهيبة الجاهلية التي كانت تحصل بينهم لا تكاد تنسى، فإذا لطم الرجل الآخر لطمة تقوم لها الحرب على قدم وساق، وقد قامت الحرب أربعين سنة بين الأوس والخزرج على شيء تافه جداً وقتل ألوف مؤلفة، ونزلت هذه الآية للأوس والخزرج: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣] أي: إنك لا تستطيع مهما أوتيت من المال أن تشتري ولاء أحد، ولا أن تشتري قلبه، ويمكن أن يظهر لك الولاء، أما القلب فلا.

стр. 1144

عدم تحقيق الأخوة في الله سبب لضعف الأمة وتفرقها إن هذه المحنة التي يعيشها المسلمون الآن هو هذا الشتات القلبي بين المسلمين، وهذه الأخوة الجوفاء التي يتشدق المسلمون بها الآن هي السبب في هذه المصائب، فأين حدبك على أخيك؟ وأين شفقتك؟ لقد قلت من هذا المكان مراراً وتمنيت من كل قلبي أن أجد له أثراً فعالاً. قلت: الذين يحجون أكثر من مرة. والحج بعد المرة الأولى يصير في عداد النافلة، أي: التطوع، فينفق بضعة ألوف من الجنيهات على هذا الحج ويذهب ولا يحج على السنة. ففي اليوم الثامن يحشرون حشراً إلى عرفات ولا يبيتون في منى، وإذا ما أفاضوا من عرفات يتجاوزون المزدلفة ولا يبيتون بها قلت لمثل هؤلاء: هذه الألوف التي تنفقها انظر إلى أخ لك فقير لا يجد ثمن الزواج، أو إلى مريض لا يجد ثمن العلاج، أو إلى رجل يريد التوسعة في سكنه، أو إلى رجل هدم مسكنه رأساً ويعيش في عشة، قل له: خذ هذا المال، واقض به حاجتك، لكن عقد الأخوة فارغ، مجرد دعوى جوفاء لا قيمة لها، ولا يمكن لمثل هذه المؤاخاة أن تقوم في مجتمع يسوده الجهل والجبن والشح، مع أنك إن فعلت ذلك تقربت إلى ربك أكثر من تقربك بهذا الحج الناقص، فحدبك على أخيك وعفوك عليه فرض عليك، وحجك نافلة، فقدم الفرض على النافلة إن كنت تريد الأجر؛ لكن ما أظنك تريد الأجر؛ لأن المرء إن علم أن هذا الموطن يؤجر فيه أكثر من الموطن الآخر لا شك أنه يذهب إليه. والذين يذهبون إلى المصيف ينفقون في عشرة أيام أكثر من ألف جنيه، ثم يعودن بأوزار يحملونها على أظهرهم ويزعمون أنهم يرفهون عن أنفسهم، وإننا ما علمنا أن المعصية يمكن أن ترفه عن العبد وتزيل همه. أترفه عن نفسك بالنار؟! كالذي يرى أن الجو حار فيقول: أدخل فرناً؛ فهو كالمستجير من الرمضاء بالنار؛ فهذا الذي يذهب إلى المصيف ثم يعود بأوزار على ظهره يعمل عمل المجانين، وهذا من المفاهيم الخاطئة الناتجة عن الجهل بهذا الدين وحدوده ومعالمه.

стр. 1145

فضل الأخوة في الله لقد رأينا أناساً يرون في سماع القرآن الكريم مأتماً، فيرفه عن نفسه بسماع أغنية، أو بأن يلهو ويلعب وإذا زجرته قال: ساعة لقلبك وساعة لربك. اسمع نصيحتي: ساعة قلبك لا تكون إلا لربك. إن هذا القلب إن لم يكن له صلة وثيقة بالله يظل دائماً في جحيم، إن ذكر الله يريح القلب؛ ولذلك لما سأل رجل النبي ﷺ عن عمل وثيق يلقى الله ﵎ به قال: (أن تموت ولسانك رطب بذكر الله رطب بذكر الله . فالنبي ﵊ آخى بين هؤلاء المستضعفين، وصارت هذه الأخوة عقداً نافذاً حتى بعد الممات، (ففي غزوة أحد أراد عمرو بن الجموح أن يقاتل، وكان رجلاً أعرج شديد العرج وكان له ستة أبناء من الفرسان -يعني: ليسوا كأي المقاتلين، بل هم من الفرسان، في مقدم الجيش- فقالوا له: يا أبانا! إنك ممن عذر الله؛ فإنك أعرج، فقال لهم: إنني أريد أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة فلا تمنعوني، ثم شكاهم إلى النبي ﷺ ، فقال لهم: دعوه لعل الله يرزقه الشهادة، ثم دارت رحى الحرب وقتل عمرو مع من قتل، فلما أراد النبي ﷺ أن يدفنه قال: ادفنوه مع فلان فقد كانا متحابين) يعني: أنه يحشر يوم يحشر مع من يحب، فانظر إلى هذا، وانظر إلى الذي يقول: (صديقي ريجن، صديقي كارتر)، ويعطيهم ود قلبه، والنبي ﷺ يقول: (من أحب قوماً حشر معهم)، وفي الصحيحين: (أن رجلاً جعل يصرخ في القوم ويقول: يا محمد! أجبني وكان رجلاً من الأعراب فجعل القوم يغمزونه -أي: يقولون له: حسن عبارتك ولا تقل: يا محمد قل: يا رسول الله- والرجل لا يأبه ويصرخ حتى وصل إلى النبي ﷺ وقال له: يا محمد! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم -يعني: أعماله دون أعمالهم، هل يمكن له أن يراهم مثلاً في الجنة أو أن يكون مع من يحب في الجنة؟ - فقال النبي ﷺ : الرجل مع من أحب، قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام بشيء كفرحنا لهذه البشارة) لأنهم جميعاً يحبون النبي ﷺ . والنبي ﵊ ساق لنا أحاديث كثيرة في المودة والمحبة وهذا التعاقد الأخوي، فقال ﵊: (يقول الله : أين المتحابون بجلالي؟ أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)، المتحابون بجلالي، أي: الرجل يحب الآخر لله، لا للمال والمصلحة. لا تخضعن لمخلوق على طمعٍ فإن ذلك نقص منك في الدين واسترزق الله مما في خزائنه فإن رزقك بين الكاف والنون أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1146

نعمة الإحساس بالخطأ الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن بعض المسلمين يفكرون تفكير هذا اللص الحميري الذي قال يوماً: إني لأستحيي من الله أن أُرى أُجرجر حبلاً ليس فيه بعير وأن أسأل النكس الدنيء بعيره وبعران ربي في البلاد كثير يقول: لم أسأل الدنيء بعيره وأستعيره منه وأقترضه لأقضي عليه حاجتي، وبعران ربي كثيرة في البلدان، أسرق منها ما أشاء؟! فبعض المسلمين يفكرون بعقلية هذا اللص إما جهلاً وإما تجاهلاً، ونعوذ بالله أن نكون من أهل هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] فلو أنه في يوم من الأيام تفطن لخطئه لعدل، لكنه يحسب أنه يحسن الصنع؛ فلذلك لا يمكن أن يرجع، وإن حاولت أن تقنعه لا يرجع؛ لأنه يظن أنه من المحسنين، وهذا ما يشير إليه بعض الباحثين بقولهم: (نعمة الألم)، فالألم من أجل نعم الله على العبد؛ بخلاف ما يتصوره بعض الناس؛ مثلاً: إن جاءك (مغص) شديد؛ فهذه نعمة؛ ولعل بعضكم يقول: وما وجه النعمة وهو ألم؟! فأقول انظر إلى الأمراض الفتاكة كالسرطان مثلاً، إنه ينهش في جسم المريض ولا يشعر المريض بالألم؛ فالألم إنذار؛ فلذلك يبادر الإنسان إلى الطبيب فيأخذ العلاج، ويمكن له أن يتدارك المرض من أوله، بخلاف ما إذا سرى المرض في جسم العبد، وهو لا يدري أنه مريض، حتى إذا شعر بالألم كانت القاضية، فنعمة الألم هذه كنعمة الإحساس بالغلط، ولذلك يقول الأطباء: (إن أولى درجات العلاج هي الاعتراف بالمرض) أن تعترف أنك مريض هذه أولى درجات العلاج أما أن تكابر فأنت وشأنك. فهؤلاء الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، منع الله منهم نعمة إدراك الغلط، وقد حسن لهم الشيطان أعمالهم فهم: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤] انظر مثلاً: إلى هذه الصفوف عندما تقام الصلاة، هل المسلمون يحسنون تسوية الصفوف؟ إنه مما يؤسفني أن أقول: لا. والنبي ﷺ يقول: (لا تختلفوا -أي: في الصف- فتختلف قلوبكم) لماذا تدخل في هذه الصلاة ثم تخرج منها وليس بينك وبين أخيك رابط؟ إنك لا تقف معه كالبنيان المرصوص، رجل بجنب رجل فقط، وقد قال عبد الله بن مسعود: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث يُنادى بهن، ولقد رأيتنا ما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأينا الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف أي: يُحمل بين الرجلين؛ لأنه لا يستطيع أن يقف على قدميه. فانظر إلى هذا الذي يُهادى بين الرجلين يُحمل حملاً، كي يأتي إلى هذه الجماعة، حتى يدرك جلال هذه الأخوة.

стр. 1147

الحب والبغض في الله إن قصرت في قيام الليل، أو في صلاتك، أو لم يكن معك مال تتصدق به، أو عجزت أن تأمر بمعروف أو تنهى عن منكر، فأحب في الله ، تدرك منزلة رفيعة، ففي صحيح مسلم: (أن رجلاً ذهب ليزور أخاً له في قرية مجاورة، فأنزل الله ملكاً في صورة رجل، فوقف على قارعة الطريق، فقال لهذا الرجل: إلى أين أنت ذاهب؟ فقال: إني ذاهب لأزور أخاً لي، فقال له الملك: أو ترى أن له عليك نعمة -يعني: له جميل عليك-؟ قال: لا. غير أني أحبه في الله ، قال: فإن الله يقول لك: إنه أحبك كما أحببته) إنه أحبك. وإذا أحب الله عبداً، أحبه كل أهل الأرض ووضع له القبول في الأرض، كما في الحديث الصحيح: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلان بن فلان فأحبه). تصور أنك إن ذكرك الله في الملأ الأعلى، فقال: إني أحب فلان بن فلان، انظر إلى هذا الشرف السامق، وهذا لمجد الأثيل، أن الله ﵎ في علوه وكبريائه ومجده يذكر هذا العبد المستضعف الذي يمشي بقدمين على الأرض، ويقول: إني أحبه. لو أن ملِكاً في هذه الأرض قال: إني أحبك -وأشار إلى عبد- لكاد أن يطير من الفرح، مع أن محبة هذا لا ترفع شيئاً ولا تضعه. وهذه محبة الملك المتعال: (إني أحب فلان بن فلان) ألا ترغب أن تكون هذا العبد؟ إياك أن تستحقر نفسك، فإنك لا تدري منزلتك عند الله : (إني أحب فلان بن فلان، فأحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء: إن الله يحب فلان بن فلان فأحبوه، ثم يوضع له القبول في الأرض) وورد في بعض الآثار: إن العبد الصالح إذا مات بكت عليه الأرض، بكى عليه موضع سجوده، وبكى عليه موضع قدمه الذي كان يمشي به على الأرض؛ لأنه افتقد هذا الصالح، ثم إن هذا العبد إذا مات رُفع ورفعت روحه إلى السماء، وتفتح له أبوب السماء، من هذا؟ فلان، أي: الذي كانوا يحبونه وهو حي، فيستقبلونه ويدعون له، وقد طيب الله ثراه وروحه حتى يُرفع إلى عليين. إذاً: هذه الأخوة في الله لها أجر عظيم جداً، فإياك أن تدنس هذه الأخوة بشيء من هذه الأرض، كأن تتقرب إلى إنسان لأجل ماله أو جاهه أو نفوذه، لا. أحب لله وأبغض فيه، فإن هذه الأخوة كانت من أعظم ما فعل النبي ﵌، حتى كانوا يتجمعون في المسجد كأنهم روح واحد، ألم تسمع إلى عمر بن الخطاب ﵁ وهو يقول: (كنت أتناوب النزول أنا وأخ لي من الأنصار إلى النبي ﷺ هذا الأخ الذي عناه عمر هو: عتبان بن مالك وقد آخى النبي ﷺ بينه وبين عمر، وظلت هذه الأخوة يتوارث بعضهم بعضاً إلى بعد موقعة بدر مباشرة، فنزل قول الله : ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥]، فألغيت المواريث وبقيت المناصرة. إن هذا المجتمع المفكك لا يمكن أن يعود وينتصر إلا إذا فعل الدعاة ما فعله النبي ﵊، فالذين يريدون أن يجاهدوا بأيديهم، كيف يجاهدون في هذا التفرق العظيم بين الناس؟! هل يمكن مثلاً أن نقول الآن: حيَّ على الجهاد وربع الأمة مثلاً لا يصلي أو ثلث الأمة لا يصلي أو نصف الأمة لا يصلي؟ هل تضمن إذا دارت رحى الحرب أن لا يطعنك في ظهرك؟ لا تضمن ذلك، لأن قلبه ليس عليك، يجب على الذين يريدون هذه المنزلة أن يبدءوا من حيث بدأ النبي ﷺ ، أما الذين يقولون: (نبدأ من حيث انتهى)، فهذه مقالة خطأ، وأقل ما يمكن أن توصف هذه المقالة أنها خطأ، يقول: (نبدأ من حيث انتهى)، وهل النبي ﷺ يوم انتهى ترك شيئاً لغيره حتى يبدأ به؟! لقد أتم كل شيء ثم انظر إلى حالك الآن وأنت مستضعف لا تملك من أمر نفسك شيئاً، وانظر إلى إخوانك وقد تفرقوا شذر مذر، بحيث أنك لو قلت لأحد الناس: إن فلاناً يموت، إن فلاناً سقط بيته، إن فلاناً مريض، أعطونا شيئاً من المال على الأقل، فنصف الموجودين لا يُعطي شيئاً، أظن هذا إن قلت له: أعطني روحك فسيكون بها أبخل. يجب أن نبدأ كما بدأ النبي ﵊، هذه الأخوة يجب أن تعود، لقد رأيت بعض المسلمين -ولا أريد أن أقول: (كثيراً) مع أن الواقع يشهد أنهم كثير- إذا اختصم أحدهم مع الآخر في مسألة فرعية، ترك المسجد الذي يصلي فيه أخوه؛ بل لعله لا يقابله أبداً، ويتجنى بعضهم على بعض، وهم أسوأ ما يكونون في المعاملات المالية، ولقد رأيت بعض الناس قال للبعض الآخر: أليس معك مال نصنع شركة؟ قال له: نعم معي، وذهب الرجل إلى امرأته فقال لها: اخلعي الذهب، وهاتي كذا، وهاتي كذا، سوف نبيع كل هذا وننشئ شركة، وسنأخذ جزءاً من الأرباح كل شهر، وجاء الرجل بذهب المرأة، وجاء بالمتاع الذي كان ادخره يوماً ما، ووضعه في يد صاحبه، فأخذ هذا الإنسان المال، وكان عليه دين، فَسَدَّ دينه بمال أخيه، وكلما قال له أخوه: أين التجارة؟ قال له: أنا وصيت على البضاعة، ستأتي غداً، بعد غد، غداً، بعد غد حتى طال الأمل، ثم كشف هذا الآخر عن وجهه، قال له: حدثت لي ظروف، فأنفقت المال، وكاد الآخر أن يجن؛ لأن امرأته كادت أن تُطلق بسبب بيع الذهب، أهل المرأة أصروا على أن يأتي بالذهب، والرجل لا يملك شيئاً، والآخر يقول له: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] وهذا الآخر أيضاً فقير مثلك، وكان أولى بماله منك، وما أعطاه المال حتى هدده، وما أعطاه ماله كاملاً؛ بل أعطاه مقسطاً، وضاع ذهب المرأة وضاع متاعه الذي ادخره، وراحت الأخوة من بين الاثنين. أهذه أخوة؟! أهؤلاء يمكن يوماً أن تقوم بهم دولة؟! إن سنة الله ﵎ في الأرض لا تتخلف وهي سنة عادلة، يوم ينظر الله ﵎ إلى هذا القطيع فيرى قلوبهم تجمعت في بوتقة واحدة وفي مكان واحد، نكون أحق بنصر الله ، أما الآن فنحن لا نستحق هذا النصر، ولا نستحق أن يرفع عنا هذا الضيم، الذي وضعه الله بعدله، ويجب على المسلمين أن يراجعوا هذه الأخوة، وأن ينظروا أين مكانهم من هذه الأرض، وهل يحبون في الله أم يحبون لعرض زائل، إن هذه الدروس يجب أن نستفيد منها استفادة عملية. فأرجو أن يراجع كل منا نفسه في باب الأخوة، هل يحب أخاه فعلاً في الله أم لا؟ إن كان عنده مال مدخر وأخوه يحتاج إلى هذا المال؛ فليحمله إليه، جرب يا أخي ولا تقل: هذا المال أنا أدخره للطوارئ. جرب أن تعطيه لأخيك، كما يقول بعض الدعاة: (جربوا الله مرة)؛ فإنك إن كنزت هذا المال، أتى الله عليك بجائحة أخذت هذا المال وربما تستدين عليه، والنبي ﷺ يقول: (ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال عبد من صدقة) فجرب وأحسن إلى أخيك وسترى وقع هذا الفعل في حياتك، فإن الله ﵎ بيده نواصي العباد. وستعلمون أثر هذه الأخوة فيما بعد عندما تبدأ المجابهة ما بين هؤلاء المسلمين، وما بين القوى الثلاث اللائي كن يقطن في المدينة المنورة وهم أعداء الدولة المسلمة: الكفار، والمنافقون، واليهود. هؤلاء الأعداء الثلاثة الذي وقفوا بالمرصاد لهذه الدعوة، فلا تستطيع هذه الدعوة مع قلة عددها وعتادها أن تنتصر عليهم إلا بهذه الأخوة. أرأيتم في غزوة أحد لما جاء طلحة بن عبيد الله وقد أحاط المشركون بالنبي ﷺ يريدون أن يصلوا إلى ما الله مانعهم منه، وهو أن يصلوا إلى النبي ﷺ لكي يقتلوه، ترس عليه طلحة وأبو دجانة -ترس يعني: احتضنه وجعل ظهره للسهام- فأصيب طلحة في ظهره بسهام الكفار وهو لا يتحرك، حتى لا يصل سهم إلى النبي ﷺ ، وهذه هي الأخوة والمحبة الصادقة. إن أخاك الحق من كان معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعك شتت فيك شمله ليجمعك أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1148

الأخوة [٢] لقد سطر لنا صحابة رسول الله ﷺ من حياتهم العملية أروع صور الحب والبغض في الله، وإيثارهم إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ولذلك نصرهم الله ومكن لهم في الأرض، ففتحوا البلدان، ومصروا الأمصار. وإن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية اليوم وما تعيشه من ذل وهوان يجد أن من أسباب ذلك غياب روح الأخوة في الله.

стр. 1149

صور مشرقة من حياة السلف في الحب في الله لا يستطيع قوم بناء مجتمع يسود هذه الأرض إلا إذا كانت لبناته كالبنيان المرصوص، أما أن يكون أفراده شذر مذر: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣]، فخصوماتهم الدقيقة التافهة يمكن أن تقوض أركان المحبة الزائفة التي يدعيها بعضهم مع بعض.

стр. 1150

قتل كعب بن الأشرف كعب بن الأشرف آذى النبي ﷺ ، وشبب بنساء المؤمنين، فقال ﵊ يوماً -كما في الصحيحين -: (من لـ كعب بن الأشرف فإنه آذى الله ورسوله. قال محمد بن مسلمة: أتأذن لي في قتله؟!)، أتعلمون من هو كعب بالنسبة لـ محمد بن مسلمة؟ إنه خاله، ونحن نعرف أن الروابط من جهة الأم تكون أقوى من الروابط من جهة الأب في محل الحنان، فتجد خالك أحن عليك من عمك. وهذا خاله، لكنه آذى الله ورسوله، فلا يساوي بعرة ولا قيمة له فقال: (أتأذن لي في قتله؟ قال: نعم. قال: فهل تأذن لي أن أقول له شيئاً؟ -يعني أن أكذب عليه حتى أستدرجه- قال: نعم)، فذهب معه أبو نائلة، أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة، يعني: ليس رجلاً غريباً، إنما تربطه به أواصر محبة، كان من الممكن أن يحابي ويقول: يذهب غيري؛ فإن قلبي لا يطاوعني ولكن: نعادي الذي عادى من الناس كلهم بحق ولو كان الحبيب المواتيا فذهبا إليه وقالا له: (إن هذا الرجل -يعنيان النبي ﷺ قد أعنتنا وشق علينا، وطلب منا صدقة ونحن لا نجد ما نأكل. قال: قد علمت والله ليشقن عليكم. قالوا: ولكنا لا نريد أن نظهر أننا تركناه حتى نرى شأنه أو ما يؤول إليه أمره، فهلا أعطيتنا وسقاً أو وسقين من شعير فنعطيهما لهذا الرجل؟! قال: ارهنوني شيئاً -وسق من شعير أو وسقين لا قيمة لهما، فانظر إلى هذا المشرك الكافر ماذا يريد في مقابل وسق! - قالوا له: وما تريد؟ قال: ارهنوني نساءكم. فقالوا له: أنت أجمل العرب، وقلما جاءتك امرأة إلا فتنت بك؛ فاغتر في نفسه، فقال: إذاً ارهنوني أولادكم. قالوا: معاذ الله أن يسب أولادنا يوماً أنهم رهنوا بوسق من شعير! ولكن نرهنك اللأمة -اللأمة هي الدرع والسيف، وإنما قالوا: نرهنك اللأمة حتى إذا أتوا بالسلاح لا يشعر بريبة، وأنهم جاءوا ليقتلوه- قال: نعم. فحددوا موعداً، فلما أرادوا -لأنهم اصطحبوا اثنين آخرين- أن يذهبوا إلى كعب بن الأشرف صحبهم النبي ﷺ وقال: الله معكم. فذهبوا إليه وناداه أبو نائلة: انزل يا كعب. فقالت امرأته: إلي أين يا كعب في هذه الساعة؟ قال: إنه أخي أبو نائلة، أخي من الرضاعة، وإن الكريم إذا دعي إلى طعان بليل أجاب، كيف لا أنزل؟! قالت: لا تنزل، فإني أشم رائحة الدم. فقال: هذا أخي أبو نائلة، ونزل، وكان قد تطيب، وكان ريحه يسبقه، فقال محمد بن مسلمة: ذروني أقول له: دعني أشم رأسك، فإذا استمكنت من ذؤابتيه ورأسه فدونكم فاقتلوه. فلما جاء كعب قال له محمد بن مسلمة: ما رأيت كاليوم ريحاً! هلا تأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فأعطاه رأسه، فاستمكن منه وقال: دونكم فاقتلوه، فسمعوا قعقة السيوف على عظمه، وانطلقوا إلى النبي ﷺ ، فلما رآهم قال: أفلحت الوجوه! قالوا: ووجهك يا رسول الله!). هذا عدوا الله ورسوله لا قيمة له: نعادي الذي عادى من الناس كلهم بحق ولو كان الحبيب المواتيا

стр. 1151

موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه رأس النفاق وهذا عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، ابن زعيم المنافقين ورأسهم: (قال عبد الله بن أبي ابن سلول: الذي قال ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]-ويقصد بنفسه الأعز وبالنبي ﷺ الأذل، لعنه الله- فقال عمر لرسول الله ﷺ : دعني أقطع عنقه. قال: (معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه). فقام عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول وقال: يا رسول الله! إني لا أحب أن أرى قاتل أبي يمشي على الأرض، فأنا أقتله. قال له: لا تقتل أباك، فماذا يفعل عبد الله؟ - ذهب إلى أبيه وأخذ بتلابيبه، وقال: والله لن تدخل المدينة حتى تقول: أنك الأذل، ورسول الله ﷺ الأعز، وما تركه يدخل المدينة حتى قالها). نعادي الذي عادى من الناس كلهم بحق ولو كان الحبيب المواتيا

стр. 1152

موقف أبي قتادة مع كعب بن مالك وهذا أبو قتادة الأنصاري لما تخلف كعب بن مالك في غزوة تبوك، ومنع النبي ﷺ المسلمين من كلامه، قال كعب: (فكنت أمشي في الأسواق ولا يكلمني أحد -يأتي على الناس فينصرفون ويتركونه وحده- قال: فلما شق عليَّ ذلك، كنت في الحال الذي وصف الله : ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] قال: فتسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي، وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة! أما تعلم أني أحب الله ورسوله؟ -لماذا هذه الجفوة؟ أما تعلم أني أحب الله ورسوله؟ - فالتفت إليه أبو قتادة وقال: الله أعلم. قال كعب: ففاضت عيناي رثاءً لنفسه. فهؤلاء هم الناس الذين انتظمت حياتهم في سلك واحد وهم الذين انتصروا على أهل الأرض جميعاً؛ لأن هذا يؤذن أن قلبهم واحد، وأن مشاعرهم واحدة لا تتخلف، فانظروا إلى حالهم وانظروا إلى حال المسلمين الآن، ترى أنهم أجدر الناس، وأحقهم بنصر الله ، وترى أننا الآن لا نستحق نصر الله ﵎، كيف وقلوبنا ليست على قلب رجل واحد كما أومأ النبي ﵌: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر). أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1153

تعامل الأنصار مع المهاجرين وإيثارهم على أنفسهم إن أسباب نجاح المجتمع الذي كونه النبي ﷺ كان من أساسه: صدقهم في هذه الأخوة، فقد كانت الأخوة عقداً نافذاً لا لفظاً فارغاً. في صحيح البخاري أن الأنصار قالوا للنبي ﷺ : (اقسم بيننا وبين إخواننا النخل، قال لهم: لا) لماذا؟ لأن المهاجرين لم يكونوا يحسنون الزرع، فمعنى أنهم يأخذون نصف النخل ولا يحسنون الزرع أنهم سيتلفونه ولا يستفيدون به، إذاً: ماذا يفعلون؟ قال المهاجرون للأنصار: (تكفوننا وتقتسمون معنا الثمر)، يعني: أنتم تشتغلون بالفلاحة وبما يتطلبه النخل، ونحن نقسم معكم هذا الثمر في آخر الموسم. بل كان من شأن الأنصار عجباً! أنهم كانوا إذا أرادوا أن يقسموا التمر وضعوا أيضاً معه سعف النخيل -وهو الجريد- فكانوا يأخذون بعض الثمر مع السعف، ويجعلون في مقابل هذا السعف تمراً كثيراً للمهاجرين، يعني: كانوا يبخسون أنفسهم حقها، وهم أصحاب الزرع والثمر. فلما كان يوم خيبر وتدفقت الأموال، أراد النبي ﷺ أن يوفيهم حقهم، فقالوا: (يا رسول الله! إننا فعلنا الذي أمرتنا به -يعني فعلنا ما شرطت علينا- وإنك وعدتنا شيئاً في مقابل هذا، فنريد أن توفي لنا به، قد وعدتنا الجنة، فقال النبي ﷺ : فذلك لكم)، أين في المسلمين الآن من يقتسم اللقمة مع أخيه بحق، فضلاً عن أن يجور عليه أو أن يتهمه أو أن يأكله؟ إننا وضعنا أيدينا على مكمن الداء، وهو أن كل رجل في المسلمين إنما هو بمفرده يتحرك وحده، لا يلتصق بأخيه، والنبي ﷺ يقول: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر). هذا المجتمع مجتمع المؤمنين، وليس مجتمع أدعياء الإيمان، مجتمع المؤمنين الحق: إن أخاك إن تألم شعرت بوجع في قلبك هذا هو مجتمع المؤمنين! أما مجتمع أدعياء الإيمان فحدث عن الخلل الذي فيه ولا حرج، فهو أشبه بمجتمع اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤]، انظر إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨]، حتى في معرض القتل يذكره بأنه أخوه، لم يقل له فمن عفي له ممن قتله شيئاً، إنما قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] حتى في معرض القتل والقلوب لدى الحناجر يذكرهم بأنهم إخوة، فما بالك إن لم يكن هناك قتل؛ فإن وجود رابطة الأخوة أدعى؟! وقد قال الله أيضاً: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] قال هذه الآية بعد قوله : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] هم يقتتلون، والذين يقتتلون عادة ينسون روابط المودة، بدليل أنه يمكن أن يقتل أخاه -في ساحة الحرب- الذي كان يبادله الود بالود، لكن هذه حرب، ومع ضراوة هذه الحرب يذكرهم الله سبحانه بأنهم إخوة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]. وفي معرض الطلاق الذي يشحن النفوس ويشحذ، ويكون كل طرف متربصاً بالآخر، يقول الله : ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] ليس لمجرد أنك طلقت المرأة أن تقطع روابط الصلة بينك وبين أهلها، في مثل هذه المواقف -التي تتغلب فيه النزعة الترابية الجسدية على نزعة الإيمان والروح- يذكر الله ﵎ بوجود هذه الروابط بين المؤمنين. فهذه الأشياء إن لم تكن موجودة؛ فمن باب أولى أن يوجد هذا الحب والود. إن ضياع هذه الأخوة أوقعنا في مأزق كبير جداً، فلا نستطيع الآن أن نجمع بين شتات المؤمنين؛ حتى عيرنا الكفرة، وأخذوا سفاسفنا وأظهروها على أنها كبائر، وصاروا يعيرون المؤمنين، والله ﵎: ﴿لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] (ما بأنفسهم) أي: الذي علق بأنفسهم، وإن الله ﵎ سنته لا تتخلف ولا تختلف. قرأت اليوم لأحد الصحفيين، يقول: إن العالم كله الآن مبهور، ويتابع باهتمام سفينة الفضاء التي أطلقوها من اثني عشر عاماً، وقد قطعت أكثر من أربعة آلاف مليون كيلومتر، يقول: فبينما العالم يهتم بهذا فماذا نجد في بلادنا؟ نجد القوم يناقشون فوائد البنوك هل هي حرام أو حلال، وستر الوجه أهو واجب أم مستحب، ونقل الأعضاء أهو جائز أم لا. انظروا إلى هذا الجاهل! وما علاقة أن ترسو سفينة الفضاء على أي كوكب بالذي قاله؟! أيريدنا أن نأكل الربا مثلاً، وما علاقة هذا بهذا؟! وهل سلط الله خراف البشر على هذه الأمة المتآكلة التي أكلها الجهل والهوى إلا بعد أن أكلوا الربا؟! إنهم رأونا أمة مستضعفة، كلؤنا مستباح، وليس هناك أحد ينتقم منهم ويردهم على أعقابهم، فشددوا وطأتهم. يقول الصحفي: وقد سمعت أحد الدعاة هنا في خطبة جمعة يقول: جاءني رجل فقال لي: إني ألقيت يمين الطلاق على امرأتي، وقلت لها كذا وكذا هل وقع اليمين أم لا؟ يقول الصحفي: العالم وصل إلى القمر وهذا يسأل عن هذا، وهذا رجل داعية يعتلي منبر أكبر مسجد ويتحدث عن هذا. فنقول له: كفى جهلاً! فما تمكن الأعداء من الأمة إلا عندما ضيعت أمر ربها وشرعه، وأصبحت أمة ينخر فيها السوس، ولا صريخ ولا منقذ؛ لأنها هانت على الله، وتركت شرعه، وخالفت الأخوة الإسلامية التي بنى عليها النبي ﷺ دولة الإسلام. فأين أخوتكم أيها المسلمون؟ إننا نرى الرجل يختلف مع أخيه في مسألة فرعية أو مسألة تافهة؛ فيكون حاله كما قال الشاعر الجاهلي: ألا لا يجهلنْ أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا يعني: إن تضربني مرة أضربك عشر مرات، ورجعت العصبية المقيتة التي قتلها النبي ﷺ ووضعها تحت قدميه، وبدأت تطل برأسها على المسلمين. وكان من نتيجة غياب هذه الأخوة أن ظهرت هذه الأنانية، وأن ظهر هذا الكبر والاعتداد بالنفس، وما ظهرت هذه الصفات في مجتمع إلا قتل، وكلمة (أنا) قد فتكت بثلاثة عتاة؛ فتكت بإبليس عندما قال لله : ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فما كان مصيره؟ كان مصيره النار خالداً مخلداً فيها أبداً. وكذلك قارون عندما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] هذا بعبقريتي وذكائي، أنا كنت أعلم أنني سأكون غنياً؛ لأنني ذكي أحسن التدبير والخطط: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، اعتداده بنفسه، فماذا فعل الله به؟ ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]. وكذلك صاحب الجنتين المذكور في سورة الكهف الذي قال الله فيه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف:٣٢]، هذا الرجل قال لصاحبه وهو يحاوره: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤] فماذا كان جزاؤه؟ ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف:٤٢]، صاحبه قال له: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩]، فلعل بعضكم يقول: هذا الرجل الصالح قال: (أنا) أيضاً؟! نقول: هناك فرق شديد بين (أنا) هنا و (أنا) هناك، إنك لو حذفت كلمة (أنا) في قول الرجل المتكبر ما استقام المعنى، ولو حذفتها في كلام الرجل الصالح لاستقام المعنى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ [الكهف:٣٤] أحذف كلمة أنا تجد أن المعنى لا يستقيم، فهذا يدل على أن كلمة (أنا) يدور حولها المعنى، بخلاف قول هذا الرجل الصالح: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩] فلو حذفت كلمة (أنا) استقام المعنى: (إن ترني أقل منك مالاً وولداً)؛ فيدل على أنه لم يعني كلمة (أنا)، إنما قالها في مقابل قول الرجل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، فهو يقول له: إن كنت تراني أنا -هذا المستضعف- أقل منك مالاً وولداً ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا﴾ [الكهف:٤٠]. وفي صحيح البخاري من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (طرقت الباب على النبي ﷺ فقال: من؟ فقلت: أنا. فسمعته من داخل الدار يقول: أنا أنا! كأنما كرهها) لماذا كرهها؟ لأنها تشعر بكبر، وإن كنا لا نعتقد أن جابر بن عبد الله الأنصاري كذلك، إنما غيره يمكن أن يكون كذلك، فكأنما -وهو يقول: (أنا) - يقول: أنا مستغن عن نسبي وعن تعريفي، (أنا) فلم يقل: أنا جابر أو أنا ابن عبد الله الأنصاري، إنما قال: (أنا)، قال ابن الجوزي ﵀: (فيها نبرة كبر) لذلك كرهها النبي ﵌. والنبي ﷺ لا يكره شيئاً إلا أن يكون ممقوتاً ولا يأتي بخير، ونحن نتابعه ﷺ ، ونعمل بسنته، فإنه ما تضيع سنة إلا تحل مكانها بدعة، وما يزول إيمان عن بقعة من الأرض إلا حل محله مثله من الكفر، كالزجاجة الفارغة إن لم يملأها شيء ملأها الهواء، فلابد أن تملأ بشيء، ونف

стр. 1154

اتباع الكتاب والسنة هو السبيل لتحقيق الأخوة الصادقة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لعل قائلاً يقول: قد أحسنت فيما قلت! يحنو بعضنا على بعض، لكن ما السبيل إلى هذا الخلق الرائع الذي كان فيه أصحاب النبي ﷺ ؟ نقول: السبيل كتاب الله ، وسنة رسوله ﵌ على نهج السلف الصالح -هذا هو السبيل- وأن تضع في حسبانك ألا تقدم بين يدي الله ورسوله قول أحد كائناً من كان وإن أصابك ما أصابك؛ فحينئذٍ تجد نفسك وضعت رجليك على أول الطريق، أما بغير ذلك فلا. تجد الآن بعض المسلمين يكفر الطرف الآخر، لماذا يكفرونهم؟ لأنهم جهلة، ليس عندهم شيء من العلم، إنما عندهم شبهات، ويعتدون بأنفسهم أشد الاعتداد، وهذا -كما قلنا- ضيع ثلاثة من أكبر العتاة، فهو كفيل أن يضيع هؤلاء الغثاء، الذين لا يزنون شيئاً في الحياة. إن الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ أصحاب عبادة وزهد، إلا أنهم جهلة، حتى أن النبي ﷺ قال في صفتهم: (يخرج أقواماً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية)، أبعد أن يكون من القانتين الصائمين العابدين يخرج من الدين كما يخرج السهم من الرمية؟! نسأل الله العفو والعافية! (يخرج من الدين كما يخرج السهم من الرمية) نعم؛ لأنه جاهل، لم يقف على شيء كبير من العلم، لذلك خرج وما نفعته عبادته. لذلك: نحن ندعو دائماً إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح. أما درى هذا القائل قول النبي ﷺ الذي يقول فيه: (من قال لأخيه (يا كافر) أو قال له (يا عدو الله) فإن لم يكن كذلك إلا حار عليه ورجع، ولو كان مازحاً) لو كان يمزح ويقول له: (يا كافر) مازحاً، إن لم يكن هذا كافراً رجعت إليه الكلمة. هناك جاهل يقول: (من لم يكفر الكافر فهو كافر)، ويأتي على رجل من المسلمين يزعم أنه كافر، ثم يقول لك: إن لم تكفره فأنت مثله كافر. وهذا إنما أتي من فهمه ومن يكُ ذا فمٍ مرٍ مريض يجد مراً به الماء الزلالا فالماء النقي عندما يوضع في إناء فيه طين يصير الماء كله طين، ويذهب صفاؤه. إن هذه القاعدة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) إنما تقال في الكافر الأصلي، الذي لا يختلف على كفره اثنان، فمثلاً لو قال رجل: إن النصراني ليس بكافر. نقول له: أنت كافر لماذا؟ لأن الله ﵎ حكم بكفره بلفظ قاطع محكم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] فهذا حكم الله القاطع، الذي لا يحتمل تأويلاً. حينئذٍ: الذي يتوقف في تكفير من أطلق الله عليه الكفر فهو كافر، ونقول له: أنت كافر بملء فمنا. إنما يأتي رجل كان في الأصل مسلماً، فارتكب أعمالاً هي من أعمال الكفر، واختلف الناس فيه، فقال جماعة: هو كافر، وقال جماعة: نلتمس له العذر وليس بكافر، فلا يمكن أن يقال: من لم يكفر الكافر فهو كافر؛ لأن هذا كافر من وجهة نظرك، والدلائل التي قامت عندي لا تكفره، حينئذٍ لا نعمل هذه القاعدة التي إنما تقال في الكافر الأصلي، لا على الكافر الذي اختلف المسلمون في كفره. وهؤلاء ترى أحدهم يرمي جماهير المسلمين بالكفر؛ لأنهم لا يكفرون من يرى أنه كافر، وهذا جاهل جهلاً غليظاً جداً. وهؤلاء الذين يكفرون المسلمين لا تصادقهم، ولا تدعهم إلى بيتك، ولا تؤاخهم؛ لأنهم قد يكفرونك، وأنت لا تضمن أنك إن أدخلتهم بيتك لم يسرقوا ما عندك من مال؛ على أنه غنيمة، ولا تضمن أنهم لا يستحلون امرأتك على أساس أنها من السبي. فلا تدخلهم بيتك ولا كرامة، واغلظ عليهم في ذات الله ؛ فإنهم فرقوا شمل المسلمين. فإن أسلافهم الخوارج كان عندهم شيء من العلم وكانوا أهل عبادة وزهد، أما هؤلاء فهم جهلة أغمار. فأسلافهم كفروا علياً ﵁ والنبي ﷺ شهد له بالجنة. انظر إلى فجور هؤلاء يكفرونه! يجعلونه من أصحاب النار! والمعصوم ﷺ قد شهد له أنه من أصحاب الجنة، ومع ذلك يقولون: هو من أصحاب النار، وخرجوا عليه وكفروه، ومع ذلك فإن علياً ﵁ أنصفهم والإنصاف عزيز: ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم فعندما سئل عنهم علي بن أبي طالب: أهم كفرة؟ قال عنهم قولة الرجل الفقيه، الذي يقف على حدود ما أنزل الله، ولا يتهجم إذا اغتاظ. وهؤلاء الذين يكفرون المسلمين ترى أحدهم إذا هدأت ثورته كف عن التكفير، وإذا غاظه أحد كفر الجميع، فالمسألة عنده لا ترجع إلى موازين ولا إلى أدلة. فلما سئل علياً ﵁ عنهم: أهم كفرة؟ قال: لا. من الكفر فروا، لكنهم قوم أصابتهم فتنه فعموا وصموا. انظر تشق عصا المسلمين بالجهل والهوى. إذا أردت أن تسلك طريق الأخوة في الله فعليك أن ترجع إلى اللبنة الأولى، إلى ما علم النبي ﷺ أصحابه أول ما علمهم! فأول ما علمهم: التوحيد والرهبة من الله ، واتقاء غضبه، ورجاء رضوانه ﵎. نسأل الله أن يهدي أمتنا إلى التي هي أقوم والتي هي أحسن. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا

стр. 1155

السنة بين المحبة والاتباع إن من لوازم محبة النبي ﷺ اتباع سنته، وواقع المسلمين اليوم يظهر زيف دعوى المحبة للرسول ﷺ بخلاف ما كان عليه فالصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا يعظمون كلام النبي ﷺ . ولقد أدرك الصحابة الكرام أن محبة النبي ﷺ واتباع سنته، وتعظيم كلامه أمر واجب على الأعيان، وأنه لا يتم الإيمان إلا به؛ فلذلك بذلوا الغالي والنفيس من أجله ﷺ ، بينما تجد في المقابل في زمننا من يحكّم عقله وهواه ويرد حديث رسول الله ﷺ ، وهذا دليل على عدم تعظيم النبي ﷺ ، فعدم تقديم النص أمر خطير جداً يجب الحذر منه.

стр. 1156

اتباع النبي ﷺ ومحبته من الإيمان إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن محبة النبي ﷺ وموالاته، ونصب الحرب على أعدائه لأمر واجب على الأعيان، ولا يتم إيمان العبد إلا بهذا. قال بعض العلماء: إن العبد إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن معنى وتفسير هذه الكلمة المباركة هو أن الله هو المعبود بحق، ولا معبود بحق سواه، وكذلك نبينا ﵊ لا شريك له في الاتباع. وهنا نكتة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما يتعلق بخطبة الحاجة، قال: لما بدأ الكلام بدأ بصيغة الجمع: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره) إلا في الشهادة لم يقل: ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه لا يقوم أحد نيابة عن أحد بهذا الأمر، بل لا بد أن يشهد كل عبد بذاته: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يستقيم إيمانه إلا إذا شهد هو بنفسه: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

стр. 1157

تعظيم الصحابة للنبي ﷺ إن الناظر في جيل الصحابة الأوائل يرى أن أعظم ما يميزهم المحبة العظيمة التي غرست فيهم الاتباع، اتباع أولئك الصحابة وتعظيمهم لكلام النبي ﵊. جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵊ لما هاجر إلى المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، وكان دار أبي أيوب على طابقين، فقال النبي ﵊ لـ أبي أيوب: (السفل أرفق بنا -أي اجعلنا في أسفل الدار- إنه يغشاني أصحابي فالسفل أرفق بنا) وكان أبو أيوب في الطابق العلوي، وذات ليلة وهو يمشي في الليل فزع، فقال: أنا أمشي على سقف يعلو النبي ﷺ !! وانكمش هو وأهل داره في زاوية حتى الصباح، استعظم أن يمشي على السطح؛ لأن النبي ﵊ تحته، قال: (وانكسر حب لنا)، هذه الزيادة ليست في صحيح مسلم، إنما في نفس الحديث عند البيهقي في باب النبوة وغيره. قال: (وانكسر حبٌّ لنا -الحب: هو الجرة العظيمة- قال: فجففت الماء بلحافي، اللحاف الذي يتغطى به هو وامرأته والله ما لنا غيره، خشية أن تسقط قطرة ماء على النبي ﵊، فلما أصبح الصباح قال: يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها. فصعد النبي ﷺ إلى أعلى). حتى إنه لما كان يرسل إلى النبي ﷺ بالطعام فيأكل منه، فيرجع إليهم ما تبقى منه فيأكلون، فيسأل أبو أيوب: أين مواضع يده؟ وإذا شرب يقول: أين موضع فمه من الإناء؟ فيتحرى مواضع فمه ويده ﷺ فيأكل من الموضع الذي أكل، وكذلك يتحرى في الشرب موضع فمه ﷺ في الإناء فيشرب هو وامرأته منه، فأرسل له يوماً بصلاً، فلم يأكل منه النبي ﵊ شيئاً، فلما صعد الرجل بالطعام إلى أبي أيوب ورأى البصل كما هو فزع ونزل وقال: (يا رسول الله! أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أُناجَى فأكره ذلك) -يعني يكره أن يؤذي الملك، فماذا قال أبو أيوب؟ رغم أن البصل حلال، والنبي ﵊ لم ينهه عن ذلك، قال: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره، وامتنع من أكل البصل. كذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمر ﵄ قال لأبنائه يوماً، وأبناؤه هم: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم، وحمزة، وبلال، فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وفي لفظ: (إذا استأذنت أمة أحدكم أن تخرج إلى المسجد فلا يمنعها). فقال أحد أبنائه -وهو بلال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً! الدغل: جمعه أدغال، وهو المكان كثير الشجر، كأنه يقول: إن بعض النساء قد يتخذن من الخروج إلى المسجد ذريعة فيقضين مآربهن، فيقول: لنمنعهن حتى لا يتخذنه دغلاً وحجة، يعني: -كما لو دخل رجل في الأدغال وراء شجرة أو نحو ذلك- فحصبه عبد الله بن عمر بحصيات، وقال له: أقول: قال رسول الله ﷺ ذلك وتعارضه! والله لا رأيتك أبداً، فيذكرون أنه ما دخل عليه حتى مات. هذا لأن ابن عبد الله بن عمر اعترض على حديث رسول الله ﷺ ، وكان في اعتراضه سوء أدب من وجهة نظر والده، بغض النظر عن أنه متأول، ولا يقصد أن يرد برأيه الحديث، وإنما كان عنده علة جعلته يتلفظ بهذا القول، لكنه كان قولاً فجاً في نظر عبد الله بن عمر، فلم يتحمل منه هذا.

стр. 1158

اعتراض الغزالي على حديث: الكلب الأسود شيطان الآن يعترضون ليس على حديث نبوي بل على آيات القرآن الكريم، وبطبيعة الحال هم لا يعترضون على ذات الآية إنما على معناها ومؤداها. وهذا محمد الغزالي المصري في كتابه الأخير -وهو من أشأم الكتب التي صدرت في هذا العصر- لمّا أتى على حديث أبي ذر، الذي رواه عنه عبد الله بن الصامت، وأخرجه مسلم وفيه أن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة المرأة والكلب الأسود والحمار، قال أبو ذر: يا رسول الله! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟ قال النبي ﵊: الكلب الأسود شيطان). فهذا بيان واضح للتفرقة، وأبو ذر استشكل الكلب الأسود، لماذا الكلب الأسود؟ فقال له: (الكلب الأسود شيطان). فيأتي الغزالي فيقول: بل الكلاب كلها سواء، يعني: لا فرق بين الكلب الأسود والأحمر والأصفر. كيف هذا وقد بين النبي ﷺ ما استشكله أبو ذر وقال له: إنه شيطان؟! فيأتي هذا فيقول: لا، ليس شيطاناً، بل الكلاب كلها سواء، لا فرق بين أصفر وأحمر وأبيض، فهذا رد صريح للأحاديث النبوية، وهناك العشرات الذين يردون الأحاديث، بل أكثر!

стр. 1159

اعتراض الغزالي على حديث الحبة السوداء ومن الأمثلة أيضاً: لما ذكر الغزالي حديث النبي ﵊: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، تدرون ماذا قال؟ لقد قال: لا يعقل أن الحبة السوداء تستخدم في (الأنفلونزا)، أو تستخدم في (المغص)، أو تستخدم في مثل هذه الأشياء، فلا بد أن الحديث ليس على ظاهره، فيقول وهذا كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، يقول: فهل دمرت كل شيء؟ مع أن لفظ (كل) من ألفاظ العموم، إذاً قول النبي ﷺ : (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أن الحبة السوداء شفاء من كل داء، ولسنا نعتقد أن الحبة السوداء هي التي تدفع الداء، إنما هي سبب، قد يرفع الله الداء بشربة ماء، وقد لا يرتفع المرض بأخذ جميع أنواع العلاجات التي صنعت لرفع هذا المرض، فالمسألة مسألة أسباب فقط، والله ﵎ هو الشافي. هناك امرأة مغربية ذهبت إلى أطباء الدنيا، وقرروا أن عندها سرطان، وأن الحالة ميئوس منها، وقالوا: لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، وقالوا لأهلها: متعوها وأكلوها وشربوها كل ما تريد؛ لأنه لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، فقال الأهل للمرأة: أي شيء في نفسك وتريدينه من أكل أو شرب أو غيرهما سنوفره لكِ، قالت: أريد أن أذهب إلى الحرم، وأقضي بقية عمري هناك، وذهبوا بها إلى الحرم، ولم تكن تأكل ولا تشرب، وإنما كانت تشرب من ماء زمزم فقط، وكانت تأكل بعض حبات الفاكهة ونحو ذلك، مرت ثلاثة أشهر والمرأة لا شيء عندها أربعة أشهر خمسة أشهر ستة أشهر أين ذهب المرض؟ لا تدري، شعرت أنها في صحة جيدة، عرضت نفسها على أطباء المملكة، قالوا: إنك لا تشتكين من أي علة، قالت: هؤلاء لا يعرفون شيئاً، الأطباء الكبار قرروا أن بها سرطاناً، وأطباء المملكة يقولون: ليس بها شيء، أبناؤها لم يصدقوا ما قرره أطباء المملكة، فأخذوها وطاروا بها إلى الأطباء هناك، فبحثوا فلم يجدوا العلة، أين ذهب المرض؟ لا يعرفون، قالوا لها: عند أي طبيب تعالجت، وأي دواء أخذت؟! قالت: ما أخذت شيئاً سوى أنني كنت في الحرم، وكل طعامي وشرابي كان من ماء زمزم. فهذا يدل على أن الله ﵎ رفع هذا الداء بماء زمزم. كما قلنا: قد يرتفع العلاج بشربة ماء، وهذا ما حدث لـ أبي ذر في قصة إسلامه، أنه اختفى من المشركين في المسجد الحرام، ونزل إلى ماء زمزم، ولم يكن له شرب ولا أكل إلا من ماء زمزم، حتى قال أبو ذر: (حتى تكسرت عكن بطني). يعني: صار اللحم طبقات بعضها فوق بعض من شرب ماء زمزم، (حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع). ماء زمزم هو الماء الوحيد الذي إن شربته قام مقام الطعام، بخلاف الماء العادي إذا كنت جائعاً فلا تستطيع أن تستسيغ الماء، بخلاف ماء زمزم، فقال النبي ﷺ : (إنه طعام طعم، وشفاء سقم) أي: ماء زمزم. فمن الذي يقول بقول الغزالي؟ مع أن النبي ﵊ يقول: (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أنها شفاء من كل داء إلا السام، -وهو الموت- واحتجاجه بالآية في غاية العجب؛ لأن الآية تقول: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] فيقول: فهل دمرت كل شيء؟ تمام الآية: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فدل على أن المساكن استثنيت من هذا التدمير. انظروا إلى الجرأة على حديث النبي ﵊! فاتباع وتوقير كلام النبي ﵊ فرع -بلا شك- عن المحبة، لو كان هؤلاء يحبون النبي ﵊ كما كان يحبه السلف الأوائل لوقفوا عند قوله، ولم يتقدموا بين يديه بقول، فضلاً عن أن يخالفوا قوله، فإن مخالفة قوله ﵊ جريمة عظيمة.

стр. 1160

الفرق بين تعظيم الصحابة للكتاب والسنة وبين المتأخرين بعدهم إن الفرق بيننا وبين أصحاب النبي ﷺ يظهر في قوله ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] ورثوا الكتاب! هناك فرق بين الذي قاتل من أجل آيات الكتاب وبين الذي ورثه، أنت ترى أن الرجل قد يخلِّف ثروة طائلة لأولاده، فترى كثيراً من أولئك الورثة ينفق هذا المال كله الذي جمعه والده في عشرات السنين، ويأتي الولد ويضيعه في عشية أوضحاها دون أن يذرف عليه دمعة، إنما الذي جمعه بكده وعرقه لا ينفق منه درهماً واحداً ولا ديناراً إلا إن علم أن هذا هو موضعه فيه؛ لأنه تعب عليه. كذلك الصحابة ما كانوا ليخالفوا الكتاب أبداً، ولم يكونوا ليخالفوا قول النبي ﵊؛ لأنهم تحملوا الأذى من أجله، وما وصلنا الكتاب ولا السنة إلا على أشلاء أولئك الصحابة، والحروب التي خاضوها واستعذبوا الموت في سبيل الله ، من أجل أن يوصلوا إلينا هذا البيان نقلاً أميناً صحيحاً غير محرف، بخلاف أولئك الذين ورثوا الكتاب ترى أحدهم يحتج بالآية في غير موضعها، بل وبضد موضعها أحياناً، وتهون عليه، ويجاهر ويكابر. هناك بعض أصحاب محلات الحلاقة يكتبون على جدران محلاتهم قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] وهذه الظاهرة موجودة عندنا في بعض محلات الحلاقة، ماذا يقصدون بكتابة هذه الآية؟ إنهم يقصدون بذلك أنه عندما يحلق اللحية مرتين يصير الوجه ناعماً والخد أملساً، فهذه الآية ساقها الله ﵎ مساق المدح لأهل الجنة، وهؤلاء يضعون الآية في غير موضعها بل ضد موضعها، لماذا هانت عليهم آيات القرآن الكريم إلى هذا الحد؟! لأنهم ورثوا الكتاب، لم يحسوا بقيمة هذا القرآن. كذلك ترى مكتوباً في محل عصير أو شراب: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، هل هذا هو الشراب الطهور الذي أراده الله ﵎ من الآية؟! بل وترى بعض الذين يحملون القرآن الكريم -أي: يحفظونه عن ظهر قلب- مخالفات عجيبة. حدثت عندنا قصة وهي: أن أحد الأثرياء ماتت والدته، فأراد أن يأتي بأشهر قارئ ليقرأ لها، فأتى بقارئ كبير ومشهور جداً، وإنما يسمع الناس صوته في الإذاعة، ولم تكتحل أعينهم برؤياه، فلما علموا أن القارئ الإمام سيقرأ في العزاء أتوا من كل حدب وصوب، ومن كل فج بعيد؛ حتى يرون هذا القارئ. هذه القصة حدثت قبل عشر سنوات، يعني من نحو خمسة عشر عاماً، فلما ذهبوا ليتعاقدوا معه، قالوا له: بكم تقرأ ثلاثة أرباع؟ قال: أقرؤها بأربعمائة جنيه، الأربعمائة جنيه في ذلك الوقت كانت قيمة عالية، قالوا له: خذ المال، قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، انظروا! وكأن هذا القارئ لم يقرأ قط قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]! وكأنه لم يقرأ قط قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، كأنه لم يقرأ هذه الآيات! بل قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، وجاء الرجل وقرأ، والناس ينصتون ليس لآيات القرآن، إنما ينصتون للصوت، هم منسجمون مع الصوت، حتى أن قارئاً كان يقرأ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] قام رجل وقال: الله يزيدك يزيده ماذا؟! أكثر من سبعين ذراعاً!! وأحياناً تقرأ هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧١] يقول بعض الحاضرين: اللهم اجعلنا منهم، هو لا يدري زمر الجنة من زمر النار، إنما يسمع للتطريب فقط، فانسجم الناس، المهم طلبوا ربعاً رابعاً، قال: أنا مرتبط بأعمال، حسن! خذ ما شئت من المال، الذي طلب منه مواصلة القراءة هو ذلك الرجل الثري؛ لأن الحاضرين في عزاء والدته عدد ضخم جداً، وهم يتفاخرون بذلك، أبى، فقال له بعض الناس: لماذا تغالي في أجرك؟! أربعمائة جنيه في ثلاثة أرباع! لماذا تغالي في أجرك؟! فقال -ما أدري مازحاً أم جاداً، مع أن المزاح في هذا لا يجوز- قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٤١] أنا أعتقد أن هذا الرجل لو قصد واعتقد هذا المعنى لكفر، فإن الدنيا كلها التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لو وضعت الدنيا في كفة ووضع شطر آية في كفة، لا يشك أحد أن هذه الآية بل وشطر الآية أفضل من الدنيا كلها، وهل يظن أن هذا الرجل لو غالى حتى أخذ أموال الدنيا كلها أنه وفى هذا القرآن حقه؟! فإذا كان هذا حال الذين يقرءون القرآن كله، ويحفظونه عن ظهر قلب فكيف بغيرهم؟! ولقد نعلم علماًَ ضرورياً أن جل الصحابة كانوا يحفظون القرآن كاملاً، لكن الفرق بيننا وبينهم كبير.
следующие страницы →