Полный текст (1 719 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اسم الله (الودود)
باب الأسماء والصفات ربما وقفنا عنده طويلاً لنعلم الناس كيف يحبون الله، لنعلم الناس صدق الانتماء إليه.
أرأيت إلى هذه الصفة ما أجملها! وأرقها! وأحنها! الودود، لم تتكرر في القرآن إلا في موضعين اثنين، ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود:٩٠] وفي الآية الأخرى في سورة البروج: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، الصفات حين تقترن ببعضها تؤدي معنى عظيماً.
رحيم من الرحمة؛ لكن صفة الرحمة اقترنت بصفة العزة في مواضع من القرآن، وتستغرب؛ فإن العزة معناها القهر والانتقام والبطش، فكيف اقترنت بالرحمة؟ تأمل في سورة الشعراء بعد ذكر قصة كل نبي، ويذكر الله لنا كيف أهْلَكَ المكذبين، يُتْبِع كلَ قصة بقوله ﵎: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨ - ٩]، عزيز لأنه أهلك المجرمين، رحيم لأنه الطائفة المستضعفة، فصفة الرحمة من الممكن أن تقترن بالعزة، وصفة العزة دائماً صفة استعلاء، ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ [الحشر:٢٣]، ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:٤]، ﴿الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود:٦٦]، ﴿عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٤٢]، صفة العزة صفة هيمنة وجبروت واستعلاء؛ لكن من الممكن أن تقترن بالرحمة.
الغفور من الممكن أن تقترن بالعزة ﴿الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢].
لكن الود لم يقترن إلا بالرحمة والمغفرة، فإذا ذكر الود فاعلم أن كله رحمة أوله وآخره.
فانظر: ودود (فعول)، كثير الود، والود من المستغني جميل، إذا تودد الضعيف يقال عنه: يتزلف، منافق، له مصلحة، إذا تودد المحتاج لم يكن لِوُدِّه ذلك المعنى الذي يكون للمستغني، ولذلك قال العلماء: الزهد من الأمير حَسَن، رجل فقير وزاهد، أنت تقول: وهل هو لاقٍ شيئاً؟! فبالطبع لابد أن يزهد، ليس عنده شيء؛ لكن إذا رأيت أمير المؤمنين يزهد عَظُم في نظرك الزهد ورأيتَ له طعماً.
والقادر إذا عفا وغفر كان لغفرانه طعم.
فالله المستغني العزيز له الأسماء الحسنى والصفات العلا يتودد إليك، وهو لا يحتاجك، فما أجمل هذه الصفة في موضعها! لا سيما إذا سُبِقت بالرحمة وسُبِقت بالمغفرة.
أتفر منه؟! يهون عليك ويقوى قلبك على مشهد العصيان له؟! والله! ما هذا بالنَّصَف، ما هذا بالإنصاف، وهو المتفضل عليك، نعمه عليك من شَعَر رأسك إلى أخمص قدمك.
стр. 107
التوكل على الله وحسن الظن به
إن الذين تنفك عزائمهم في المحن لا ينظرون إلى الله حال الابتلاء؛ لكن ينظرون إلى كيد العدو، لذلك تنفسخ العزائم؛ إذا قيل لأحدهم: احلق لحيتك وإلا اخرج، سأل نفسه سؤالاً: أنا لو خرجت فمن أين آكل؟ أين أبيت؟ هذه هي الجهة التي نظر إليها! هل لما ولى وجهه قال: الله يؤويني ويسترني، ولا يضيعني وقد أطعته، وقد حفظني وأنا عاصٍ له.
فلا تظْنُن بربك ظن سَوء فإن الله أولى بالجميل لكن الجهة التي ينبغي أن يَنْظُر إليها ليس فيها أحد؛ لذلك انفسخ عزمه.
التوكل على الله أصله اعتماد القلب على الله.
أيها المبتلى! أنت عبده، وأنت من خلقه، وإنما أنزل إليك الكتب وأرسل الرسل ليحمِيَك من عدوك، فاطمئن، لن يُسْلِمَك، وسيذكرك ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
الله حسبك وكافيك، وانظر ما أجمل هذه الصفة! صفة الحَسْب، حَسْب، كل حَسْب ورد في القرآن مَعْزُوٌّ إلى الله فهو خالص له: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، لم يشركوا مع الله أحداً في الحَسْب.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤].
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٦٢].
ثم انظر إلى هذا الموضع الجميل الجليل الدقيق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة:٥٩]، فلما ذَكَر الإيتاءَ ذَكَرَه لله ورسوله، ولما ذكر الحَسْبَ أفْرَدَ نفسَه به، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا الله﴾ [التوبة:٥٩] لم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل أفردوا الله بالحَسْب، إذ لا يقدر على رفع الضر إلا الله، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨].
فالحَسْب اعتماد القلب على الله، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦]، هذا هو الحَسْب، فإذا اعتمدت في وقت المحن بقلبك على الله لا يُسْلِمُك إلى عدوك.
إن العرب في الجاهلية وهم جهلاء كفروا بالله ورسوله، كان الرجل الضعيف إذا استجار بواحد قوي، وقال الرجل: هو جار لي، لا يقدر أحد على إيذائه لِمَنَعَتِه وقوته، فإذا دخلت في جوار الله تظن أن الله يُسْلِمُك؟! تظن ذلك؟! لله در أبي بكر -رضي الله عن أبي بكر - لما خرج -كما في صحيح البخاري- مهاجراً وولى وجهَه شطر البحر قابله ابن الدغنة فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومك، أريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي.
قال: يا أبا بكر مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، ارجع وأنا جار لك -أنت في حمايتي- ثم ذهب ابن الدغنة إلى الكعبة ونادى في الناس: ألا إني أجرت أبا بكر، فما تعرض أبو بكر بعدها لأذى.
وكان أبو بكر يصلي وقد اتخذ مسجداً في داره، فكان يصلي داخل الدار، فمضى وقتٌ، فبدا له أن يبني بيتاً في فناء الدار -خارج الدار- وكان أبو بكر رجلاً أسيفاً كثير الأسف سريع الدمعة، إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه، فكان إذا قرأ وبكى اجتمع النساء والولدان عليه يتفرجون -ما هذا الشيء العجيب؟ أول مرة يرون رجلاً يبكي، ويسمعون كلاماً يقطع نياط القلوب- فلما رأى المشركون هذا المنظر، قالوا لـ ابن الدغنة: ما على هذا اتفقنا، مر صاحبك يدخل الدار؛ لأننا نخشى على نسائنا وأبنائنا أن يفتنوا، وإلا فرد جوارك، لن نسكت، لا نرضى أن نخفر جوارك، فجاء ابن الدغنة إلى أبي بكر ﵁، وقال: يا أبا بكر صل إن شئت في دارك ولا تستعلن وإلا رد علي جواري، فإني أكره أن يتحدث العرب أنني أخْفِرْتُ في جواري، قال أبو بكر: بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله .
فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل باب الأسماء والصفات باب خطير في زيادة الإيمان، وتأمل الأسماء المقرون بعضها إلى بعض، تزدد بها إيماناً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسَنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هَزْلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 108
الغربة والتمكين
الغربة الحقيقية ليست هي الغربة عن الأوطان والأحباب، لأن صاحب هذه الغربة قد يجد من يؤنسه في غربته، وقد يرتاح فيها أكثر مما هو في وطنه، ولكن الغربة الحقيقية هي غربة الدين، فغريب الدين غريب بين أهله وذويه، وبقدر الصبر والاحتساب في هذه الغربة يكون الاستخلاف والتمكين؛ تصديقاً لموعود الله جل وعلا.
стр. 109
اقتران الغربة بالاستضعاف
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فسورة القصص سورةٌ مكية، جميعها خلا آيتين تنازع فيها أهل العلم؛ لكن الطابع العام لهذه السورة يدور حول ذكر الله الاستضعاف، وحول أخذ أسباب القوة، ونحن في أشد الحاجة إلى طرح هذا الموضوع، لاسيما وقد صرنا الآن في مفترق الطرق، وكثير من الناس لا يدري أين يقف بعدما حدث تغريب شامل.
وصف الغربة وصف لازم للاستضعاف، فالاستضعاف والغربة قرينان، قال الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٥ - ٧].
التمكين يحتاج إلى التفكير في هذا الموضوع من وقت الرضاعة، هذه الأجيال المنهزمة التي لا تستطيع أن تجد لها الآن موضعاً على وجه الأرض؛ السبب قديم: من أراد أن يمكن له في الأرض فليبدأ بتربية ولده من وقت وضع النطفة.
ذكر الله أنه يريد أن يمن على بني إسرائيل، ويرفع هذا الاستضعاف ويمكِّن لهم، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] هذا هو بداية التمكين لبني إسرائيل، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]، هذا هو الوضع العام، الناس شيع وأحزاب ومستضعفون، لا يملكون لساناً ولا يداً مع فرعون، فالغربة والاستضعاف قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر.
وإنما ساق الله هذه القصة للنبي ﵊ ليقول له: إننا كما مكنا لموسى ومكنا لبني إسرائيل فإننا سنمكن لك وذكر في آخرها قوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥].
سورة القصص هي السورة الوحيدة التي تعرضت لميلاد موسى ﵇، وقصة موسى ﵇ ذكرت كثيراً في القرآن، لكن ما عرفناها إلا من بدء رسالته إلى فرعون، فتطرقت هذه السورة إلى ذكر ميلاد موسى.
ما أحلم الله ! لو أراد أن يأخذ فرعون لأخذه، لكن ربى له رضيعاً، ما أحلمه عن عباده! ولو كان الله يعجل كعجلة أحدنا ما أبقى على ظهرها من دابة.
فقه هذا الأمر ضروري: أن تعرف أنك غريب، يعني: مستضعف، ومستضعف يعني: غريب.
إن رجوع الجيش المنهزم رجوعاً صحيحاً، وانسحابه انسحاباً صحيحاً يُعَدّ باباً من أبواب الانتصار، حتى ولو لم يحرز تقدماً، لكن يكفي أن يرجع بلا هزيمة وبلا خسائر جسيمة، لأن المسألة كلها مناورات، فإذا وجدت الفرصة أمامك فتقدم، ولا تندم ولا تحزن إذا رجعت أضعاف ما تقدمت، المهم: أن تكون كما أمرك الله ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢] لا يضرك أن ترجع مائة خطوة إلى الوراء طالما أنك مستقيم على الأمر، فإن الله إذا أراد أن يمكن للمسلمين مكن لهم في أقل من طرفة العين، لكن لابد من وضع الكلام في مكانه الصحيح، والفعل في مكانه الصحيح، مسألة التقدم والتأخر هذه مسألة ترجع إلى الضغط الذي نعيشه، نحن الآن نعيش في زمان الغربة الثانية، لكنَّ هناك فروقاً جوهرية بين الغربة في الأوائل الغابرين، والغربة في الخالفين.
إن فشل الجماهير الغفيرة في الإجابة على سؤال بدهي هو السبب في هذه المأساة التي نعيشها الآن، سؤالٌ مكوّنٌ من كلمتين اثنتين، إذا سألته لأي رجل كأنما باغته، ويضل فترة يفكر في الجواب.
تعثر الجماهير في الإجابة عن هذا السؤال هو سبب المحنة التي يعيشها المسلمون من قرون، هذا
السؤال
لماذا نتزوج؟ اسأل أي رجلٍ هذا السؤال يشعر بمفاجأة، ويفكر قليلاً، معنى هذا الوقوف: أنه لا يدري لماذا تزوج، كبر وبلغ ويريد أن يتزوج، هذه كل الحكاية؛ لذلك كانت هذه الجماهير الغفيرة هم أولاد الذين تعثروا في هذه الإجابة، فخرجوا للحياة بلا هدف.
اليهود خمسة عشر مليوناً فقط، لو بصق كل رجلٍ مسلم بصقة لأغرقناهم، يملكون المال والسياسة والإعلام والاقتصاد والزراعة كل أسباب الحياة في أيدي اليهود.
لما اطلعت مرة على مذكرات جولدا مائير هذه المرأة التي رأست الحكومة في إسرائيل، قالت: إنها بدأت تفكر في محنة الشعب اليهودي وعمرها أربع عشرة سنة، وبدأت تعد نفسها لتحمل المسئولية وهي في هذا السن ماذا يشغل أحلام نسائنا؟! أنا لا أسوق هذه القصة على أساس أن جولدا مائير في موضع الحجة لا، إذا أردنا الحجة إنما هم الصحابة الأكارم، الذين رباهم النبي ﵊، لكن أضرب مثلاً معاصراً.
امرأة كافرة استطاعت أن تصل إلى قمة الهرم -الحكومة- بدأت هذا الشعور وعمرها أربع عشرة سنة! لماذا يحتقر الإنسان نفسه؟ إنك لا تدري ما يكتب لك من أمنيتك، سل أي عظيم: هل كنت تتوقع أن يقال: فلان الفلاني إمام الأئمة؟ يقول لك: أبداً، ما خطر ببال أي إمامٍ تعقد عليه الخناصر أنه سيكون إماماً، فلو كل إنسان احتقر نفسه، واستسلم للفساد الإداري الذي قتل العباقرة ودفن الأذكياء؛ لما ارتقت أمةٌ أبداً.
لذلك قد تجد اختلافاً في تحديد ميلاد العالم، لأنه يوم ولد كان مولوداً مثل مئات المواليد، لا نباهة له ولا ذكر، ولا ندري أيكون عالماً أم قاطع طريق؟ لكنه يوم مات دونوا وفاته بالساعة، بل بالثانية لماذا؟ لأنه ما مات حتى كان علماً كبيراً ملأ الأرض.
فنحن في زمان الغربة، لكن نوعية الغريب اختلفت، الغريب الأول يختلف عن الغريب الذي بعده.
стр. 110
حقيقة الغربة
أصل الغربة هو التفرد، ألا يكون لك شكلٌ ولا نظير، هذا هو معنى الغريب، قال أبو سليمان الخطابي ﵀ يتوجع من هذه الغربة التي شعر بها في بلده وبين أهله لما كان يدعو إلى السنة، وقام له أصحاب التعصب، فأنشد متوجعاً: وما غربة الإنسان إلا في شقة النوى ولكنها والله في عدم الشكل وإني غريب بين بدٍ وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي هذا هو معنى الغربة، ليس الغريب هو الذي يترك بلده ويسكن في بلدٍ أخرى، فإن الغريب قد يأنس في دار الغربة، ويتخذ له أصحاباً وأخداناً أفضل من الذين تركهم، وهذه القاهرة أغلب الذين يعيشون فيها ليسوا من أهلها، فكيف استقر بهم المقام حتى أنهم نسوا مسقط رأسهم؟! إن الغريب قد يأنس في دار الغربة، لذلك لما نصح النبي ﵊ ابن عمر أن يتجافى عن دار الغرور، قال له: (يا ابن عمر! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) و (أو) ليست تخييراً أن يختار الغربة وأن يكون عابر سبيل لا، إنما ترقى النبي ﷺ به، (أو) هنا: بمعنى بل، يعني كن في الدنيا كأنك غريب بل عابر سبيل، كقول الله : ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل:٧٧]، يعني: بل هو أقرب من لمح البصر، وكقول الله : ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧] يعني: بل يزيدون، لأن الغريب قد يأنس في دار الغربة بأن يجد له شبيهاً أو نظيراً.
والمقصود من الموعظة أن يتجافى ويشعر بالوحشة الدائمة وهو في الدنيا، فالغريب قد يأنس، فقال له: لا، لا تكن غريباً، بعدما قال له: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب﴾ ثم كأنما استدرك فقال له: لا تكن غريباً؛ لأن الغريب قد يأنس، بل عابر سبيل؛ فإن عابر السبيل مستوحشٌ دائماً، لا يكاد يضرب فسطاطه فينام حتى ينقصه ويمضي، ومثل الدنيا والآخرة كمثل الشقة التمليك والشقة المفروشة، فلو أن صاحب الشقة المفروشة تعطل عليه (صنبور) الماء فإنه لا يصلحه فإذا قلت له: لماذا لا تصلح (الصنبور)؟ يقول لك: أصلاً هي مفروشة، وأنا سأتركها وأمضي.
لا يهيئ فيها شيئاً، لكن إذا رزقه الله ، واستطاع أن يشتري شقة تمليك فإنه يتصرف تصرف الذين لا يموتون، كل شيء يخطر بباله من أسباب الرفاهية والنعيم يأتي به الدنيا والآخرة كمثل الشقة التمليك والشقة المفروشة، المفروض أن العبد العاقل يكون مستوحشاً دائماً وهو يمضي إلى الله؛ لذلك ترقى رسول الله ﷺ في الكلام: لا تكن غريباً بل كن عابر سبيل، فليست الغربة أن تترك بلدك وتترك أهلك وتدخل مع آخرين، ليست هذه هي الغربة، وهذا هو معنى كلام الخطابي ﵀: وما غربة الإنسان في شقة النوى أي: في البعد.
ولكنها والله في عدم الشكل ألا يكون لك نظير.
стр. 111
غربة أهل السنة والجماعة
أهل السنة والجماعة في وسط المبتدعة غرباء، فهم يعاملون في وسط المبتدعة معاملة الأقليات المسلمة في بلاد النصارى، فهذا نوعٌ من الغربة، ولذلك عندما تقرأ عقائد أهل السنة تجد أنهم يذكرون من جملة العقائد مسائل فقهية، يعني يقول لك مثلاً: ومن عقائدنا: أن نصلي خلف كل برٍ وفاجر -مع أن هذه ليست عقيدة- ومن عقائدنا: أن نجاهد مع كل برٍ وفاجر، ونرى المسح على الخفين.
متى ذكر المسح على الخفين في العقائد؟! هذه كلها أحكام فقهية.
إذاًَ لماذا ذكروها في العقائد؟ لأنها مباينة لسنن المبتدعة في ذاك الوقت.
لو كتبنا عقائدنا الآن لقلنا: ومن عقائدنا؛ إعفاء اللحية، ومن عقائدنا؛ النقاب فلماذا نذكر هذا؟ لأن هذا هو شعار الغريب وشعار الغريبة، شعار الغريب: أن يعفي لحيته، وشعار الغريبة: أن تلبس نقابها، والحرب الضروس قائمة على الاتجاهين، وقائمة على النساء بصورةٍ أشد، وهذا من جملة الغربة.
إنسان يركب حافلة فيها أكثر من خمسين رجلاً، وعندما تقف الحافلة في أي نقطة تفتيش، ينظر المسئول في وجوه الركاب، فإذا رأى رجلاً أعفى لحيته قال له: تعال وإن عامله بالحسنى نظر في البطاقة وتحقق، هذا إن أحسن إليه، وإلا فإنهم يأخذونه وينزلونه.
ما هي جنايته؟! أنه حمل شعار الغربة، ورفع هذا الشعار، فقط هذه جنايته.
المرأة المنتقبة تحرم من دخول الجامعة، لماذا تحرم من دخول الجامعة، ومحكمة القضاء الإداري العام قبل الماضي أخرجت حكمها، ونشر في جريدة الأهرام -الجريدة الرسمية- أنه لا يوجد قانون يحدد زياً معيناً؟ فمن حق المرأة المنتقبة أن تدخل الجامعة، وصدر القرار، واستحدثوا قرارات جديدة، تمنع المرأة المنتقبة من دخول الجامعة فرفعنا قضية فكسبناها، ثم بعد فترة ينزل قرار جديد فتمنع من دخول الجامعة وهكذا، هو هذا الجديد في الموضوع، فهذه غربة! يسمح للمرأة أن تمشي (بالمايوه) على شاطئ الإسكندرية أو في المصايف، ويقال: هذه حرية شخصية! حرية العري، اجعلوا في مقابلها حرية التستر فهذا أيضاً من العدل.
هذه غربة، بعض الغرباء يفرون منها، فنراه يحلق لحيته ليستريح، وهذه تخلع نقابها لتستريح نقول: لا، إن شعار الغربة شرف، لا تتركه! إن النبي ﷺ قال: (إن الإسلام بدأ غريباً، ويعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) هذا هو الجزاء، وهذا هو الشرف لماذا تتركه؟ (إن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة).
طوبى لهم وحسن مآب، وقال النبي ﷺ : (إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يمشي الجواد المضمر -المسرع- في ظلها مائة عام لا يقطعها) فهذه شجرة الغرباء.
فنحن عندما نذكر المسح على الخفين في جملة عقائدنا فإننا نذكره كما ذكره العلماء قبل ذلك، وكان من شعار المبتدعة ألا يمسح على الخفين، فاضمحل هذا الخلاف، وصار في الكتب، وقلما يتنازع عليه أحد.
اللحية تصلح أن تكون جزءاً من عقائدنا وإن كانت حكماً فقهياً، لكنها صارت قضيةً، وصار يميز بها الغريب في زمن الغربة.
стр. 112
الفرق بين غربتنا وغربة الأوائل وسبب تمكينهم
هناك فرقٌ بين الغرباء الأوائل وسبب تمكينهم، وبين غربتنا نحنُ وعدم تمكيننا.
انظر إلى مؤتمر صانعي السلام والذي كان أحد أعضائه الرئيس الروسي الذي حارب الشيشان ودهسهم بالدبابات، أهذا يوضع في صانعي السلام؟ وشمعون بيريز الذي ما زالت يده تقطر من دماء المسلمين! إنها المأساة، أو قل: هي الملهاة، فأي غربةٍ للإسلام والمسلمين أعظم من ذلك؟! إن هذا المؤتمر كان سرادق عزاء للقتلى في إسرائيل، كأنما يقولون لهم: لا تخافوا حتى وإن قتل منكم مائة رجل؟ قد حشرنا لكم الدنيا كلها لتؤيدكم، وليقولوا لكم: نحن معكم.
لماذا لم يعقد هذا المؤتمر يوم قتل الوغد الكافر - شمعون - مائة مسلم ساجد في المسجد الإبراهيمي؟ وهناك نشروا بعد حرب الخليج أنهم يفكرون في الدولة البترولية الجديدة التي تخضع للنظام العالمي الجديد، وإن لم يستيقظ المسلمون من غفلتهم فإنهم سينفذون هذا المخطط كما نفذوا حرب الخليج -حرب الخليج تطبق من سنة خمس وسبعين- ما عرفنا هذا إلا بعد نشر المذكرات السافرة، والمفروض أن هذه المذكرات تكون سرية؛ حتى ينفذوا الدولة البترولية الجديدة على الأقل، لكنهم يعلمون أننا لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا نفعل، هم متأكدون من ذلك، لذلك ما عندهم سر، السر عندهم علانية، والعلانية سر، إذا كان عدوه بهذا الاستضعاف وهذا الهوان! فالدولة البترولية الجديدة -التي هي المنطقة الشرقية في السعودية مع الخليج- قالوا: ليس معنى أن البترول في أرضكم أنكم ستتحكمون بنا لا، البترول هذا ملك البشرية، وليس من العدل أن توضع مصادر الطاقة في يد جماعة من الأعراب، لابد أن النظام العالمي الجديد والمقصود به هيئة الأمم المتحدة متمثلةً باللجنة الثلاثية والرباعية والخماسية، توزع البترول على العالم، فمثلاً: أمريكا تحتاج الكثير من البترول، فنعطيها، والدول العربية لا تحتاج إلى بترول بالمرة فلا نعطيها، هذا هو النظام العالمي الجديد، وهذه هي الدولة البترولية التي ستكون منزوعة رغم أنف مالكي الأرض، هل توجد غربة أكثر من هذه؟! ويظهرون علينا كل يوم بمثل هذا ونحن نشجب ونستنكر، فلو سمعت عن محجمة دم أريقت في أي مكان في الكرة الأرضية فاعلم أنه دم مسلم، حتى عبّاد البقر الذين هم أذل الخلق أخذوا المسجد وحولوه إلى معبد، وكأنه لا يوجد مليار مسلم على وجه الأرض، كأنهم موتى جميعاً.
هذه غربة طاحنة، أين الغرباء الذين ما عرفوا حقيقة غربتهم؟! اختلف بعضهم مع بعض في قضايا جزئية وسع السلف الخلاف فيها، تعجب لغريب يتشاجر مع غريب وعدوهما ممسك بالسلاح، لابد من دراسة الخلاف، ولابد من معرفة أدب الخلاف، ما وسع السلف الخلاف فيه يسعنا، لسنا أفضل منهم ولا أورع، ولا أفقه في دين الله منهم، ما يسعك فيه الخلاف امض واترك أخاك، وادخر هذا الجهد لعدوك وعدوه أيضاً، نحن غرباء ليست لنا رسالة، وليس لنا هدف واضح.
الصحابة الأوائل كان هدفهم واضحاً كالشمس؛ فانصرفوا بقوة قلبٍ لا يلوون على شيء، إذا لم تستطع أن تعبد الله في أرض، فاتركها، فأنت ما خلقت لتكون مصرياً ولا لتكون سعودياً ولا فلسطينياً، خلقت لتكون عبداً، فإذا عجزت عن تحقيق العبودية في مكانٍ ما وجبت الهجرة، وهذه الهجرة الواجبة إلى يوم القيامة والتي لا تنقطع؛ هجرة تحقيق العبودية لله، الهجرة من السيئة إلى الحسنة، ومن المعصية إلى الطاعة، هجرةٌ دائمة.
قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن على فتوى لشيخنا الإمام، حسنة الأيام، وعالم بلاد الشام، بل عالم ديار الإسلام، الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله ومتع به، لما سأله سائل: قال له: نحن في فلسطين لا نستطيع أن نقيم شعائر ديننا، فماذا نفعل؟ قال: اتركوها.
فقال السائل مستنكراً: نتركها لليهود؟! قال: نعم، اتركوها ثم ادخلوا عليهم الباب.
قامت الدنيا ولم تقعد، وحرفت فتوى الشيخ، فقيل: إن الشيخ يقول هاجروا من فلسطين ودعوها لليهود.
وتعرض للطرد من الأردن بسببها لولا شفاعة الشافعين، أهو قال ذلك أم أن المفتي أسير السؤال؟ صار عندي قناعة: إذا أخطأ عالمٌ في فتوى يكون السؤال خطأً، فنسبة الخطأ للسائل أولى من نسبتها للعالم، فلو لم يكن في المسألة إلا خطأ السائل أو خطأ المجيب لكان إلصاقه بالسائل أولى، السؤال خطأ، فخرج الجواب على مقتضى الخطأ.
لا تستطيع أن تقيم أو تحقق العبودية في أرض ما، لا تكن أسير الأرض، وخذ الأسوة والقدوة من أبي بكر ﵁، كما رواه البخاري في صحيحه أن زيد بن الدغنة قبل أن يسلم رأى أبا بكر متجهاً إلى ناحية البحر: - فقال له: إلى أين يا أبا بكر؟ - قال: أسيح في الأرض وأعبد ربي.
أخرجني قومك.
- قال: يا أبا بكر! مثلك لا يَخرج ولا يُخرج -خروج مثلك خسارة، سواء خرج من تلقاء نفسه أو أخرج- إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، ارجع وأنا جارٌ لك.
أنت في حمايتي وفي عهدي، لكن لا تخرج، وذاك مسلم وهذا كافر.
فرجع أبو بكر، وذهب زيد إلى الكعبة ونادى: - يا معشر قريش! أبو بكر في جواري.
خلاص كلمة شرف، والعرب كانوا يحترمونها، فابتنى أبو بكر له مسجداً داخل الدار، ثم بدا له أن يبني مسجده في فناء الدار، وكان أبو بكر رجلاً بكاءً رقيق القلب، إذا قرأ القرآن لا يملك عينيه، وكانت هذه صفة عنده ﵁، حتى لما مرض النبي ﵊ مرض الموت، وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس.
فقالت عائشة: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف -كثير الأسف، كثير الحزن، متصل العبرة- إذا بكى لا يتبين الناس قراءته من البكاء.
فقال: إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس).
(صواحب يوسف): عائشة خشيت أن يتشاءم المسلمون بـ أبي بكر؛ لأنه هو الذي خلف النبي ﵊ فيتشاءموا به، فأرادت أن تجنب والدها هذا الشعور الذي تشعر به، فقال: إنكن صواحب يوسف: أي تقلن غير الذي في بطونكن، ليست المسألة أن المسألة أنه يبكي أو لا يتبين الناس قراءته من البكاء، فهذه كانت طبيعة الصديق الأكبر ﵁.
فلما كان يصلي في الفناء كان يبكي، ويتجمع النساء والولدان عليه ليشاهدوه، منظر غريب! أول مرة يرون رجلاً يقرأ ويبكي، فلغرابة المنظر كانوا يتقذفون عليه، فخشي كفار قريش أن يؤمن الناس إذا رأوا هذا المنظر، وسمعوا آيات الذكر تخرج من قلبٍ حار بلسان حار أن يدخل هذا في القلوب، فقالوا لـ زيد: مر أبا بكر فليصل داخل بيته، ولا يستعلم، فإنا نخاف أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال زيد لـ أبي بكر: يا أبا بكر! ما على هذا اتفقنا، صل داخل الدار وإلا فرد علي جواري، فإني لا أريد أن يتحدث العرب أني أخفرت جواري، أي شخص يضربك، أو يمتهنك فهذا امتهان لـ زيد، إذاً لم يستطع حماية الذي كان في جواره، فيتحدث العرب أن زيداً لا يستطيع أن يحمي أحداً، فتضيع كلمته، ولا يستطيع أن يجير أحداً.
- فقال: إما أن تصلي في الداخل، وإما أن ترد علي جواري.
- قال: بل أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله .
ورد عليه جواره.
أهذا الغريب يهزم؟ أهذا الغريب يرجع القهقرى؟ لا والله، لو عندنا مائة رجل كالصحابة لفتحنا العالم.
стр. 113
نماذج من أصحاب الغربة الأولى والغربة الثانية وبيان الفرق بينهما
إن القوة قوة القلب، فـ جعفر الطيار تقطع يده وفيها الراية، فيأخذ الراية باليد الأخرى، فتقطع يده الأخرى، فضمها بعضديه أي قوةٍ هذه؟! لا يشعر بهذا الألم ولا بذاك، ويضمها إليه؛ لأنها راية، والراية رمز، فلا يجوز أن تنكس!.
إن القوة قوة القلب، ليست قوة الجوارح، القلب هو ملك البدن، وهذه العضلة تستمد قوتها من القلب، فإذا ضعف القلب لم تنفع العضلة.
ولذلك ترى الرجل البدين القوي مفتول العضلات إذا سمع خبراً شديداً كالصاعقة يقع عليه تجده ينهار لماذا؟ خانته عضلاته؛ لأن عزم قلبه انفسخ، وهذه العضلة جندي مأمورٌ من القلب الذي هو ملك البدن.
الذي كان يميز الجيل الأول من الغرباء عن الأجيال التي جاءت بعد ذلك: قوة القلب، ووضوح الهدف، وصدق الانتماء.
جلس عمر بن الخطاب ﵁ مع لفيف من الصحابة فيهم خباب بن الأرت، فقال عمر: والله ما أحدٌ أحق بهذا المجلس من بلال.
يعني: أولى رجل أن يكون أمير المؤمنين هو بلال بن رباح لماذا؟ لأنه أوذي في الله، فقال خباب: انظر يا أمير المؤمنين! وكشف خباب عن ظهره ففزع عمر لما رأى هذا المنظر، وقال: ما رأيتك اليوم.
قال: أوقدوا لي ناراً عظيمةً، والله ما أطفأها إلا ودك ظهري ومع ذلك لا يتحولون.
فلماذا أيها الغريب إذا تعرضت لأي بلاء، وخيِّرت بين الدين والدنيا، اخترت الدنيا وضحيت بدينك؟ إن سليمان ﵇ لما استعرض الخيل، وكان يعدها للجهاد في سبيل الله كما قال الله : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣٠ - ٣١]، الخيل الممتازة، فظل يتفقد الخيل حتى فاتته صلاة العصر، فقال: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] (توارت): يعني الشمس، بالحجاب: غربت، ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] هذه الخيول التي ألهته عن ذكر الله ، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣] عقرها جميعاً.
لماذا؟ قال: ((إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي)) [ص:٣٢] فالله زكاه، وقال في أول الكلام: ((نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)) [ص:٣٠].
إن العبد الذي يحقق معنى العبودية إذا حصلت مفاضلةٌ بين الله وبين غيره ينحاز إلى جنب الله، هذا هو العبد المزكى، الذي يقال فيه: ((نِعْمَ الْعَبْدُ)) [ص:٣٠].
لو قيل لأحدهم: إما أن تحلق لحيتك أو نفصلك من العمل.
فإنه سيقول: لا.
بل أحلق لحيتي، أليست هذه الصورة منتشرة؟ ويخدع نفسه فيقول -إذا كان مدرساً-: أنا لا أريد أن أترك التدريس، فالتدريس رسالة، ونستطيع أن ننشر الدعوة من خلاله.
أيها المتوهم: الحصة أربعون دقيقة، والمنهج يحتاج إلى الأربعين دقيقة كاملة، فلو كان المدرس ملتزماً ومتمسكاً بدينه، وأراد أن يظهر الشعار يبتدئ الحصة بقوله: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، نستفتح بالذي هو خير، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، فإنك لا تستطيع أن تقول هذا في الحصة؛ لأن في الطلبة جواسيس، ومن الطالبات جواسيس.
الذي يريد أن ينشر الدعوة حقاً ينظر في حاله؛ فإذا كان يسكن في عمارة مؤلفة من خمسة طوابق، في كل طابق شقتان نقول له: - كم عمرك؟ - يقول: اثنان وثلاثون سنة.
- ثلاثون عاماً ولم يلتزم أحد من سكان العمارة على يديك؟! لو كنت حقاً تحمل هم الدعوة حملاً حقيقياً؛ لبدأت تعمل في إطار العمارة؛ لأنهم يعرفونك ويعرفون ابن من أنت، فأنت ستعفي نفسك من تعريف نفسك للناس، بعض الناس لا يلقي بقلبه ولا بسمعه لبعض الدعاة، يقول لك: لا أسمعه، حتى أعرف أهو متطرف أم لا؟ أهو معتدل أم لا؟ فيظل يتردد سنة أو سنتين أو ثلاثاً إلى أن يحبه ويثق في معلوماته فيبدأ يعطيه قلبه.
لا.
أنت رجل تسكن في العمارة وهم يعرفونك، أين جهدك؟ إذا كنت صادقاً في دعوى عدم ترك التدريس لنشر دعوة الله، نقول: الدعوة مجالها واسع جداً، فلماذا تقول: لا، أنا أحلق لحيتي، وأظل مدرساً لمصلحة الدعوة؛ فإنه ليس من مصلحة الدعوة أن تكون من المخالفين لها، فإذا عرِّضت لهذه المفاضلة افعل كما فعل سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٢ - ٣٣]، لذلك زكاه الله ، ونعتُ العبدِ بالعبودية أشرف نعتٍ، وهو أن يقال له: أنت عبد، أو يقول الله : ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ [الزمر:٥٣]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧]، ولو كان هناك وصفٌ أشرف من العبودية لوصفه الله للنبي ﷺ لما أسري به، قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١]، فوصفه بهذا الشرف، فتحقيق العبودية يقتضي الانحياز إلى جنب الله عند أي مفاضلة، لا تتردد في هذا الانحياز؛ فإن الله ناصرٌ من التجأ إليه، كما قال : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 114
الإرادة الشرعية والكونية والفرق بينهما
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الله : ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ)) [القصص:٥]، الإرادة في هذه الآية: هي الإرادة الشرعية، التي باعثها محبة الله ورضاه عن العبد، وهذا هو الفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية.
الإرادة الكونية: هي إرادة القهر والغلبة، وهي تشمل كل الخلق؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١] هذه الإرادة الكونية التي لا يجاوزها برٌ ولا فاجر، إرادة القهر والغلبة، وأن الله يفعل ما يريد ويحكم ما يريد، لكن الإرادة الشرعية خاصة بالمؤمنين قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٨]، هذه كلها الإرادة الشرعية، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] هذه الإرادة الشرعية، وهي خاصة بالمؤمنين دون غيرهم، فالله يقول: ((وَنُرِيدُ)) [القصص:٥]-التي هي الإرادة الشرعية- ((أَنْ نَمُنَّ)) [القصص:٥].
الذي له حق المن وحده هو الله: ﴿لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]، لذلك كان جرم المنان من أعظم الجرائم عند الله يوم القيامة، كما قال ﷺ : (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليهم: المنان، والذي ينفق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره خيلاء).
فهذا المنان لماذا عوقب بكل هذه العقوبات؟ لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم، لماذا عوقب بهذه العقوبات؟ لأنه نازع الله ، كما قال الله ﵎ في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من نازعني فيهما أدخلته النار)، ليس من طبيعة العبد أن يلبس رداء الكبر، هذا اسمه (عبد) ويقال: (طريق معبد): يعني مذلل للأقدام، عبد يلبس رداء الكبر هذا منظر نشاز، إنما المتكبر هو الله، والجبار هو الله، إذاً العبد يلزم موضع قدمه ولا يفارقه، لأن اسمه (عبد) فإذا نازع الله في هاتين ألقاه في النار مثل المنان.
ولما قال النبي ﷺ للأنصار: (ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ فقالوا: الله ورسوله أمنُّ) فهذا المن من الله كائنٌ واقع، وهذه الإرادة وقعت ((وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) [القصص:٥]، قال تعالى: ((وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) لمن؟ لهؤلاء المستضعفين ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧].
أيها الغريب: عدتك الصبر الجميل، وإياك أن تسوي بين فتنة الله وعذابه وبين فتنة العبد وعذابه، فإنه ﴿لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف:١٣٧].
стр. 115
الهدف من الزواج
التمكين يبدأ من الرضاعة، أيها العبد! لماذا تتزوج؟ لا تقل لي: ليخلد اسمي عبر القرون، فوالله ما نعرف أولاد ابن حجر العسقلاني، ولا نعرف أولاد سائر العلماء، ما عرفنا العلماء إلا من علمهم، إن فرعون خلد اسمه عبر القرون، وكذلك قارون خلد اسمه عبر القرون، يصير من قرنٍ إلى قرن، لكنه مصحوب باللعنات.
الرجل الذي بال في ماء زمزم زمن الحجيج، فسألوه: لماذا فعلت ذلك؟ فقال: أردت أن أذكر ولو باللعنات.
يريد أن يذكر، ويكون له اسم! وإذا قلت له: ماذا تريد من الولد؟ يقول لك: لكي يرث المصنع، ويرث العقارات، شبابي كله عبارة عن مصانع، أتركها لمن؟ ولذلك تجد الرجل العقيم ليس عنده طموح في ترك أي شيء وراءه، لو علم أنه عقيم يبدأ يبيع ملكه ويتمتع به.
لماذا تتزوج؟ تتزوج لتنجب عباداً لله، عندك من الأولاد خمسة، هل خطر ببالك أن تقول: هذا الولد وقف لله؟ هل خطر في البال ذلك؟ لا.
لكن يخطر بالبال كثيراً أن تقول: هذا الولد -ما شاء الله- عبقري وذكي، هذا يصير طبيباً، وهذا يصير مهندساً، وهذا أعلمه الكمبيوتر؛ لأنني أريده أن يعمل في محطة الفضاء، وكل ولد من أولادك عملت له دراسة جدوى، ورسمت له حياته، ليت على الخريطة أن هذا الولد مكتوب أمام اسمه: (وقفٌ لله تعالى، لا يجوز استخدامه إلا في الدعوة)، كم رجل خطر على باله هذا الأمر؟! حتى أريكم هذه المحنة، وأنها عميقة الجذور، والتمكين إنما يكون من وقت الرضاعة: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧].
رجلٌ ابنه في سنة ثاني ابتدائي، ثم بعد فترة أصابه العمى، فقام أبوه بإخراجه من المدارس الأهلية وأدخله الأزهر لماذا؟ يقول لك: القرآن أولى به! حتى جاءت فترة من الفترات كان علماؤنا وخطباؤنا من أرباب العاهات، فكأنه صدق عليهم قوله : ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ [النحل:٦٢]، لماذا لم يحفظ القرآن قبل ذلك وله عيون البقر؟! لماذا حفظ القرآن لما عمي؟! عرفتم -أيها الكرام- كيف تعثرنا في الإجابة على هذا
السؤال
لماذا نتزوج؟ اعلم أنه لا ينفعك إلا الولد الصالح في الدنيا والآخرة، هذا هو رصيدك، لو كنت عاقلاً: ادرس هذا الموضوع دراسةً صحيحةً؛ تعلم جدواه.
الرسول ﵊ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: -منهم- ولدٌ صالح يدعو له).
العلماء يقولون: إن الكلام إذا قيد بصفة ثبتت الصفة للحكم، وانتفت عما عداه.
قصر استجابة الدعاء على الولد الصالح، إنما الفاسد لا، فصارت الصفة مقصورة على جنس معين من الولد، لو قال: (ولدٌ يدعو له) هكذا مطلقة؛ لدخل فيها الفاسد، فلما حددها وضيقها دل على أن الفاسد لا ينفع أباه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
استدعاني جماعة من أقاربي بعد وفاة والدهم، قالوا: احضر معنا القسمة، الرجل ترك سبعة أولاد: ثلاث بنات وأربعة أولاد، وهذه المهزلة حصلت بعد ثلاثة وعشرين يوماً، يعني كما يقول العوام: أن أربعينه لم تكتمل، ثم قسمنا التركة فكان نصيب البنت من التركة خمسة وسبعين ألف جنيه، ونصيب الولد مائة وخمسين ألف جنيه، لو أن الموظف الحكومي من أول يوم عُيّن أخذ مائتي جنيه، فإنه سيكون مجموع ما استلم خلال ثلاثين سنة هو سبعون ألفاً، وهو لا يبتدئ بمائتين، وإنما يبتدئ بستين، يعني حياته رخيصة جداً.
فقال أحد الأولاد والذي يبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة وكان طائشاً: قبل أن تقسموا أخرجوا تكاليف زواجي.
كيف يا بني؟ الوالد وهو حي له أن يعطي ماله لأي أحد، وقد كان يزوج أولاده ولداً ولداً، وقبل أن يزوجك مات! فقال الابن: لا.
أنا أريد مثل إخوتي تماماً.
فكان كلما هدأه إخوته يزداد أكثر، فإنه لم يقتنع بالمائة والخمسين ألف بل يريد أيضاً خمسين ألف جنيه حق الزواج وكان يقول له إخوته: إن أبانا لم يكمل الأربعين يوماً منذ موته فقال: الله يرحمه، افرشوا له طوبة تحت رأسه، دعونا في الموضوع، لا تخرجوا من الموضوع! انظر إلى الولد! انظر كيف يتكلم على أبيه!! لو قدر لأبيه فأحياه الله ورأى هذا الولد يتصرف هكذا لقال: ليته مات وهو صغير؛ لكنت وفرت كثيراً من المال.
أهذا هو الولد الذي أنت تريده أن يكون دكتوراً أو مهندساً وما علمته العبودية لله ، فإنك ما انتفعت به لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ومن هذا نعرف أن سبب المحنة التي نعيشها فشل الجماهير في الإجابة عن (لماذا نتزوج)؟ ليس عندنا هدف واضح، ولا رؤية جلية، وعندنا ضعف الانتماء.
العلاج: وضوح الهدف، تعامل مع هذا الدين كما لو كان أنزل إليك وحدك، وأنت المسئول عن إقامته وحدك، واجعل هذا فرض عينٍ عليك، وألزم نفسك به.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.
стр. 116
أمريكا التي رأيت
إن دين الإسلام دين عزة ونصر.
فحين دان العرب بهذا الدين والتزموا به؛ ارتفعوا وعزوا بين الأمم، بعد أن كانوا أذلة متناحرين.
ونحن نرى أمريكا اليوم التي تزعم أنها راعية السلام، وصاحبة الوصاية على العالم، حرصت على تمييع الدين في قلوب المسلمين، فغرست في قلوب أبناء الأمة الإسلامية الإعجاب برعونتها -التي سموها حضارة- فأهانوا الأمة بذلك؛ وهم أهون وأذل، وحضارتهم في الحقيقة حضارة متهاوية، تقوم على تقديس الملذات، وتعيش سمساراً في سوق الانتفاع والاستغلال.
стр. 117
عزة المسلمين في دينهم والتزامهم به
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث المسور بن مخرمة ﵁ في حديث صلح الحديبية أن عروة بن مسعود الثقفي -وكان إذ ذاك كافراً- قال لقريش: ألست منكم بمنزلة الولد؟ قالوا: بلى.
قال: ألستم مني بمنزلة الوالد؟ قالوا: بلى.
قال: فدعوني آته -يقصد النبي ﵊ فأعرض عليه.
وقد عرض عليهم خطة رشد، وكان النبي ﵊ قال لـ بديل بن ورقاء قبل أن يأتي عروة بن مسعود: إننا ما جئنا لقتال، إنما جئنا قاصدين البيت.
وكان أصحاب النبي ﵊ قد أهلوا بالعمرة، فصدتهم قريش عن البيت، فقال النبي ﵊ لـ بديل بن ورقاء: (إننا ما جئنا لقتال، إنما جئنا قاصدين البيت، فإن شاءوا ماددتهم مدة، وإلا فوالله لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي).
فهذا الكلام لم يعجب قريشاً، وظلت القضية في شد وجذب، فلما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا الشد والجذب قال: دعوني آته فربما تكون هناك أمور أخرى في المفاوضات، فيقول قولاً آخر بخلاف ما قال لـ بديل بن ورقاء.
ثم إن عروة بن مسعود قال ذلك القول ليؤكد أمانته في رفع التقرير، فجاء إلى النبي ﵊ فقال له النبي ﷺ نحواً من قوله لـ بديل بن ورقاء.
فجاء عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا محمد! إنها واحدة من ثنتين: إذا قامت الحرب بيننا وبينك، واجتحت قومك وغلبتهم، ووضعت أنوفهم في الرغام، فهل علمت أحداً اجتاح قومه قبلك؟).
كأنه يذكره بأن هذا ليس من مكارم الأخلاق فيقول: إنك إذا ظفرت بقومك وأهلك وعشيرتك كنت تفعل فيهم كل هذا، أو كأنه أراد: وما أخالك تستطيع أن تفعل ذلك.
فلو قامت الحرب -فوالله- ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك، قال أبو بكر ﵁: (أنحن نفر وندعه؟! امصص بظر اللات).
فقال عروة بن مسعود: من هذا؟ فقال النبي ﵊: إنه ابن أبي قحافة.
فقال: والله! لولا أن لك علي يداً لأجبتك.
وفي رواية محمد بن إسحاق عن الزهري عن المسور في هذا الحديث قال: (ولكن هذه بتلك)، يعني: هذه الإساءة منك أكلت جميلك السابق، وليس لك عندي الآن جميل، ومعنى الكلام: أنك لو تكلمت في حق آلهتنا لرددت عليك؛ لأنك استوفيت جميلك السابق بهذه الكلمة العظيمة (امصص بظر اللات).
ثم حان وقت صلاة الظهر، فجيء للنبي ﷺ بوضوء، وتركهم النبي ﵊ يفعلون ما كان ينهاهم عنه قبل ذلك، وهذه سياسة حكيمة! هذه هي السياسة الشرعية: رعاية المصالح، فالنبي ﵊ كان ينهى الصحابة عن القيام عليه وهو جالس، فقد فعلوا في هذا الموقف ما هو أعظم من القيام، ومع ذلك تركهم، لماذا؟ حتى يرى عدوه أن هؤلاء لا يسلمونه أبداً، وأن هؤلاء لو دخلوا في حرب لا يهزمون.
ثم جيء بوضوء فتوضأ النبي ﵊، فاقتتل الصحابة على وضوءه، كلما سقطت قطرة ماء من أعضائه على الأرض.
أقول: كان ينهى عن أقل من ذلك، مثلاً: عندما قال له رجل: أنت سيدنا وابن سيدنا، قال: (قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله) فهذا مجرد كلام! وهو كذلك، هو سيدنا لا شك في ذلك، ومع ذلك يقول: (قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، إنما أنا عبد الله ورسوله).
تركهم يقتتلون على وضوءه، فما سقطت قطرة ماء على الأرض، وما تنخم نخامة -والنخامة عادة يتأفف المرء منها -وهي البلغم- إلا وقعت في يد رجل منهم منهم -الكل يطير على النخامة حتى تكون من نصيبه- فدلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له -يعني: لا ينظر أحدهم إليه فيملأ عينيه منه، بل كان يصوب وجهه إلى الأرض- ولا يرفعون أصواتهم عنده.
فلما رأى هذا المنظر رجع إلى قريش ورفع التقرير لهم على الأمانة التي أشار إليها في مطلع كلامه، فقال: يا قوم! لقد وفدت على الملوك -كسرى وقيصر والنجاشي- فوالله! ما رأيت أصحاب ملك يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمد محمداً، فوالله ما سقطت قطرة ماء على الأرض، وما تنخم نخامة إلا وقعت في يد رجل فدلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له، ولا يرفعون أصواتهم عنده، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
يعني بالخطة: الهدنة، فالنبي ﵊ عرض على بديل بن ورقاء حلين: الحل الأول: (إن شاءوا ماددتهم مدة) يعني: هدنة لمدة عشر سنوات، (وإلا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي) والسالفة: صفحة العنق، يعني: كأنه قال: لو مات من حولي جميعاً سأقاتل وحدي، ولا أدع هذا الأمر أبداً، فالمسألة فيها إصرار، وليست هزلاً: (لأقاتلنهم على أمري حتى تنفرد سالفتي)، فلما رأى حوله مثل هؤلاء الرجال؛ عرف أن المسألة ليس لها حل سوى الهدنة، أما لو دخلت قريش في حرب معه انتهى أمرها.
فرجع عروة بن مسعود يقول: وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها -أي: الهدنة- لأنه لا قبل لكم بهؤلاء.
إنما قدمت بهذا الكلام حتى أضع تقريراً لكم عن رحلتي إلى أمريكا؛ لتستفيد منه أمتي، لاسيما ونحن في سنوات الضعف والهزيمة والقزامة، ويظن كثير من الناس أننا لا نستطيع أن نقاوم هؤلاء.
стр. 118
حضارة الغرب حضارة عوراء مزيفة
أيها الإخوة الكرام: إن المجتمع الأمريكي مجتمع مهلهل، ممزق ساقط بكل ما تحمله الكلمة من معان، ولا يحمل عوامل الحضارة أو عوامل القيام.
إن عمر بن الخطاب ﵁ حين أرسل جيشه ليقاتل في جهة ما، كان قلقاً إذ لم تصله تقارير عن حالة الجيش: هل انتصر أم انهزم؟ فجاء البشير ليلاً يبشر أمير المؤمنين بالفتح، فقال له: متى فتح لكم؟ قال: بعد العصر.
فبكى عمر، وقال: (لا يقف كفر أمام إيمان هذه المدة إلا لأمر أحدثتموه)، أي أن هناك أمراً حدث أخر النصر.
وكان يوصي الجيش إذا خرج، فيقول: (اتقوا الله! واجتنبوا معاصيه، فإنكم إذا عصيتم ربكم فاقكم عدوكم بالعدد).
هذا المجتمع الساقط المنحلّ لماذا لم يغزه المسلمون حتى الآن؟! وهو مجتمع منهار فعلاً بطبعه، لماذا لم يمكَّن للمسلمين حتى الآن؟ لأنهم أيضاً مهلهلون، ففاقونا بالعدد، وفاقونا بالعدة، لكن ما قام هذا المجتمع على قدمه؛ لأنه قوي في ذاته، بل لأننا ضعفاء جداً.
هذا المجتمع فيه من يتزوج الحمير، ومن يتزوج الغنم والنعاج والبقر، ويعرض هذا في البرامج التلفزيونية! وهي ليست حالات فردية، إنما هي ظاهرة عامة في المجتمع الأمريكي.
جموع كبيرة في النمسا منذ عدة سنوات قامت بمظاهرات تطالب بإباحة أن يتزوج الولد أمه وأخته وابنته وخالته وعمته وابنة أخيه وابنة أخته، واستطاعوا الحصول على قانون، والآن هذا يغزو أمريكا، فهم أيضاً يطالبون بزواج الأمهات!
стр. 119
من مقومات هذه الحضارة الشوهاء
أما حالات الشذوذ فحدث عنها ولا حرج، فالجيش الأمريكي تجتاحه حالات الشذوذ، وما انتخب الأمريكيون كلينتون هذا إلا بعدما وعدهم في البرنامج الانتخابي أن يبيح الشذوذ في الجيش الأمريكي: أن يتزوج الرجل الرجل، وتتزوج المرأة المرأة.
وهذه كما قلت لكم ليست حالات فردية، إنما حالات تجتاح المجتمع الأمريكي، البنية الاجتماعية ممزقة هناك، مهلهلة، وأنا لا أهون من شأن عدوي، فإنه ليس من الأمانة أن نتغافل عن مواضع القوة عنده، طالما أننا نضع تقريراً أميناً لهذه الأمة حتى تستفيد، وحتى لا يدركها روح الهزيمة، كثير منا مهزوم في مكانه قبل أن يتحرك،؛ بسبب الخونة الذين في الإعلام بكل صوره: الإعلام المرئي الإعلام المقروء والمسموع، كل هؤلاء خونة، وسيلقون الله خونة، يحاسبهم أشد الحساب عن هذه الصورة المكذوبة التي وضعوها عن هذا المجتمع الأمريكي.
معروف أن الأمم لا تتقدم بناطحات السحاب، ولا تتقدم بالقوة العسكرية المحضة، إنما ترتقي الأمم بالأخلاق، ما قيمة أن تؤسس مصنعاً وتجعل على الآلة رجلاً خائناً أو رجلاً مغفلاً أو رجلاً لا يدري شيئاً، سيفسد الآلة بلا شك.
стр. 120
بعض المغترين بتلك الحضارات الزائفة
قال لي صاحبي يوماً -ونحن ذاهبان إلى السوق-: الأسواق هناك ضخمة جداً، فيها كل شيء، تشتري وتنتقي ثم تذهب إلى البوابات، وهناك من يحاسبك ويأخذ الثمن.
مع هذا الترتيب وهذه الضخامة لا تجد أحداً يسرق.
قلت: يا أخي! هذا المجتمع ليس أميناً، هؤلاء هم الذين سنوا طرائق القتل في العالم، وهؤلاء يقابلك الواحد منهم فيقتلك لأجل دولار واحد، هذا الذي يتزوج الحمير والبقر والغنم ما الأمانة التي لديه؟! إنما هناك مراقبة إلتكترونية في كل مكان، فأنت لما تضع شيئاً في جيبك هناك كاميرات تلفزيونية ورجل مراقب ينظر من خلال هذه الدوائر التلفزيونية يراقب اللصوص المنتشرين في كل مكان، وأيضاً على البوابات أجهزة حساسة دقيقة صنعوها أيضاً خصيصاً لأجل السرقة.
أضرب مثالاً: شخص اشترى ساعة، وبعض الأشياء في كيس بلاستيكي، فسُرق الكيس من يده، ثم أراد السارق أن يخرج بما سرق، وهو يجتاز البوابة انطلقت الصفارة، مباشرة جاء شرطي وأمسكه، قال له: أين ورقة الحساب؟ فاعتذر وقال له: الحساب هنا -وهو يتلعثم- وما إلى ذلك.
فيوقفه ويأخذ منه الكيس إلى حين التحقيق.
ثم بعد هذا يأتي أقزام مغفلون يقولون: المجتمع هذا مجتمع أمين، ليس فيه خونة وليس فيه لصوص، بدليل أن الواحد يدخل الأسواق ويشتري ما يريد.
لكن ما يذكر أبداً أن هناك دوائر تلفزيونية، وما يذكر أبداً أنهم احتاطوا ضد هؤلاء اللصوص (١٠٠%)، فمجتمعهم مجتمع كله خونة ولصوص.
قلت لكم: قد تذهب روح الإنسان ضحية دولار واحد في ذلك المجتمع.
هذا المجتمع متماسك -كما قلت لكم- ليس لأنه يحمل مقومات الحياة في ذاته؛ لكن لأننا ضعاف -مثل الذي يعيش على سمعته- وهم ملوك دعاية، فقد يصل الأمر بهم إلى أن يقنعوك بأن هذه الأسطوانة من ذهب، وأنت تقتنع برغم أنك رجل عاقل ورشيد، ومتأكد (١٠٠%) أن هذه خرسانة وليست ذهباً، بسبب هذه الدعايات التي تضلل مجتمعاتنا.
أذكركم بقانون تحريم الخمر الذي أصدرته الحكومة الأمريكية عام (١٩٣٠م) وإحصائيات وتبعات هذا القانون، حيث استعانت بكل طاقة وموهبة في المجتمع الأمريكي: بأساتذة الإعلام والاجتماع والفلسفة وعلم النفس والاقتصاد والسياسة ورجال الدين، كل واحد من هؤلاء تكلم من منظور علمه عن مضار الخمر، وأنفقوا أموالاً طائلة: ستين مليون دولار على الدعاية، وعشرة ملايين دولار على مكاتب إدارية لمتابعة العمل، وكتبوا تسعة آلاف مليون ورقة -تسعة مليار ورقة- كل واحد يكتب في مضار الخمر، وسنوا قانون تحريم الخمر سنة (١٩٣٠م) وفي سنة (١٩٣٣م) ألغوا قانون تحريم الخمر؛ لأنهم وجدوا أن الناس ازدادوا شراهة في الشرب، وأن هناك خسائر بالجملة: مليار دولار أموال مصادرة، وأربعة ملايين دولار غرامات، ومائتين وخمسين ألف سجين، وأربعمائة أو أربعين ألف قتيل - لا أذكر الرقم الآن- وقاوم الناس أشد المقاومة، وعجزوا في النهاية أن يحرموا الخمر فأباحوه.
نحن الذين نضلل أنفسنا؛ لأننا نرى أننا أقزام! ونتصور أن عدونا لا يهزم.
يا إخوة! انظروا إلى الصومال ما استطاع الجيش الأمريكي أن يفعل شيئاً في الصومال، والصوماليون الواحد منهم جلد على عظم، المجاعة اجتاحت بلادهم، ومع ذلك عجز الأمريكان عن فعل شيء فيه، وانظروا إلى فيتنام! أنا أريد واحداً يدلني على معركة انتصر فيها الأمريكان، الأمريكان لم يحققوا أي انتصار في العالم حتى الآن، في فيتنام انهزموا وخرجوا، وفي الصومال انهزموا وخرجوا، لا تنظروا إلى أنهم يضربون جزيرة أو يمكنون منها حاكماً فهذا ليس انتصاراً.
وما انتصروا في حرب الخليج، وما حاربوا، نحن الذين حاربنا في حرب الخليج، ثم إن العراق ما قاوم أصلاً، ولو دخل العراق المعركة بما عنده من الأسلحة؛ أظن أن الأمريكان كانوا سيصابون بخسائر فادحة، وكانت الصورة ستتغير.
ليس معنى هذا الكلام أن العراق يدخل الحرب، وتكون القضية برمتها صحيحة.
قال الله : ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]، وجاءت (حياة) منكرة للدالة على أنهم يرضون بأي حياة مهما كانت دنيئة، هو يتمنى أن يعيش فقط؛ لأن المترف والغارق في الملذات والشهوات كيف يقاتل وكيف يفقد روحه، وما لديه أية شجاعة، ثم هذه الآلات وهذه الطائرات والصواريخ إنما يطلقها الإنسان، فلو جبن المرء ما استطاع أن ينتفع بنفسه، ولا بالسلاح الذي في يده، فهذا الجيش جيش ضعيف مهما كان يملك من الأسلحة، فكيف تخلف النصر عنا طيلة هذه المدة؟ قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، إذاً هذه هي شروط التمكين.
قبل عشرين سنة كان ستون بالمائة من الأمة لا يصلون، الآن حوالى ثلث الأمة لا يصلون، النسبة انحسرت قليلاً، لكن ثلث الأمة لا يصلي، خذ مثلاً عينة عشوائية، هذا المسجد في هذا المكان في العزبة الجديدة، هذه العزبة يقدر عدد ساكنيها بنحو أربعمائة ألف، لو أنهم جميعاً يصلون، هل ستجد لك مكاناً في المسجد؟ لا.
ولا حتى في الشارع، حتى مع انتشار هذه الزوايا الموجودة تحت البيوت، لو أنهم يصلون على الأقل المغرب والعشاء، لا نقول الظهر والعصر؛ لأن كل واحد يكون في عمله، فيصلي في المسجد المجاور للعمل، لكن في الفجر وفي المغرب والعشاء أن يكون الجميع قد أنهى العمل وجلس في البيت، لو أنهم جميعاً إذا سمعوا صوت المؤذن بادروا إلى المساجد؛ ما وجدنا مكاناً لأحد، بالرغم من أن هذا المسجد يعتبر من أكبر المساجد في البلد، ومع ذلك يمتلئ في صلاة العشاء والمغرب، اذهب إلى مساجد أخرى تجد صفاً أو صفين، وتجد نصف صف في حي مكتظ بالسكان.
فإذا كانت الأمة ضيعت أهم ركن عملي في الإسلام بعد الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهؤلاء ضيعوا الصلاة، وضيعوا الزكاة، ويمرون بالفواحش ولا ينكرونها ولا يجرءون؛ لأن الإنسان قد ينكر المنكر فيدفع ثمن هذا الإنكار، أنا لا أقول: لابد من الإنكار باليد، أو باللسان فقط، بل هناك إنكار بالقلب إذا لم تستطع بيدك أو بلسانك، فهل تمعر وجهك عندما ترى معصية؟ هذا إنكار.
أضرب مثالاً على ذلك: المدخن هل إذا رأيته يدخن كرهته واشمأززت منه؟ الدخان حرام، وهو مبارزة لله بالمعصية، والمصيبة العظمى انتشار الدخان والمجاهرة به.
فلابد من الإنكار ولو بالقلب، أم أن المسألة طبيعية جداً؟
стр. 121
حال من يساكن الكفار في بلادهم
إخواننا العرب الذين يعيشون في أمريكا يعانون من هذه الحالة، كنت في مدينة منهاتن، مدينة تتبع نيويورك، بها مجموعة من إخواننا من الإسكندرية، وشباب كانوا هنا على خير عظيم! فلما ذهبت إلى السوق لأشتري جهاز هاتف، وإذا بي أجد طابوراً أمام سينما، بنات مع شباب يتمازحون ويتبادلون القبل، يسلون أنفسهم حتى يصلوا إلى شباك التذاكر.
فعندما رأيت المنظر اقشعر بدني، وأحسست أن قلبي يتمزق، فأول ما رأيت هذا المنظر، حولت بصري فوقع بصري على أصحابنا وهم يضحكون، اشتريت الجهاز ورجعنا إلى السكن، فقلت لهم: ما سبب ضحككم عندما حدث ذلك الموقف؟ قالوا: لاحظنا منك تصرفاً كالذي حدث لنا أول مجيئنا إلى هنا؛ فعرفنا أننا تغيرنا.
إذاً: هو أول ما جاء إلى هذا المجتمع القذر كان يتمعر وجهه، وكان يجد ألماً في قلبه، ما الذي جعله يعتاد مثل هذه المناظر؟ لأنه ساكن في بلاد الكفر، واعتاد على هذه المناظر ولا يستطيع أن ينكر، لا بيده ولا بلسانه لماذا؟ لأن المجتمع هناك منفتح، كل واحد يعمل الذي يريده، واحد يصلي وبجانبه واحد يزني، هو حر وأنت حر!! لكن إياك أن تنكر عليه ممنوع! وهذا طبعاً مجتمع متفلت؛ لأن تربية الأولاد هناك لها شأن غريب جداً، لا يستطيع أب أن يؤدب ابنه بالضرب، وقد سمعت هذه المرة حكايات عجيبة! ضحكت ملء فمي وأنا أسمعها؛ لأنها نكت، حيث لا يستطيع أي أب أن يضرب ولده إذا فعل أي خطأ مهما فعل، فإذا ضرب الوالد ولده؛ سجن قانوناً لأنه تدخل في حريته الشخصية، ولا يخرج إلا بتعهد مكتوب ألا يتعرض للولد مرة أخرى.
فأي شيء يخطر بباله يفعله.
стр. 122
مثال يبين حقوق الأفراد في مجتمع الحضارة الأمريكية
من الأشياء التي يضحك لها الإنسان أشد الضحك ما حدث في ولاية تكساس الأمريكية وقد كانت تابعة للمكسيك، هي وكاليفورنيا، فالأمريكان اشتروا كاليفورنيا بالمال، مثل ألاسكا اشتروها بالمال، وتكساس في الجنوب منطقة للصعايدة، حيث كل من يعيش في الجنوب فهو صعيدي، وهذا في العالم كله، تجد أن لهم عادات وتقاليد ظاهرة، فالتمسك بالأخلاق عندهم ظاهر، بخلاف الشمال والوسط.
قال سكان هذه الولاية: لا، أمريكا ليس لها حق أن تأخذ هذه الولاية، فهيا بنا نعمل استقلال، وهذه تصير ولايتنا، وسنحاول أن نعمل حكومة وقضاء ومحاكم مستقلة -مع العلم أن هذه أمة معتادة على التمثيل- تخطر في رأس واحد منهم فكرة فيسعون إلى تنفيذها، والحكومة تسمع هذا الكلام كله ولم تتعرض لهم كل واحد يمارس هوايته.
ومن الأشياء المضحكة والغريبة: أن امرأة دخلت مقهى وطلبت قهوة، فأعطوها قهوة ساخنة في كوب مغطى، فوضعت الكأس بين فخذيها حتى تفتح الغطاء، وهي تفتح الغطاء انسكبت القهوة عليها فسلخ الجلد، فرفعت قضية على صاحب المقهى، فأخذت -تعويضاً- عشرين مليون دولار! هل رأيت في حياتك أعجب من هذا! غير أن القاضي الذي حكم استكثر المبلغ فتم الأمر على مليونين.
ثم يأتي إنسان حقير عندنا في الإعلام يقول: انظر الحقوق بائنة! لا أحد يضيع حقه.
أين حق هذه المرأة؟ من الذي أعطاها هذا الحق حتى بالمفهوم الإنساني؟! دعك من الحكم الشرعي في الدين، وانظر إلى هذه الحادثة بالعقل: امرأة أخذت كأساً من القهوة لكي تشربها فانسكب على فخذيها فانسلخ الجلد ما ذنب الرجل؟! ولو أعطاها إياها باردة ترفع عليه قضية! لماذا؟ كيف يعطيها القهوة باردة؟! وهل هناك شخص يشرب قهوة باردة؟! شيء عادي، ويعرض لك المسائل هذه كأنه مجتمع متماسك، والقضاء فيه على أحسن حال إلخ! وإخواننا المسلمون هناك مظلومون ظلماً فضيعاً، بعضهم في السجون بلا جريمة؛ إلا أنك تعيش في بلده بدينك، وهو لا يريد ذلك.
فهؤلاء الناس عملوا حكومة بينهم وبين بعضهم، واتخذوا لأنفسهم مقراً، وبدءوا يرفعون قضايا على أصحاب البيوت، وفعلاً طردوا أناساً من بيوتهم، ولأنه مجتمع مغرور صار ينضم إليهم أناس من رجال الأعمال حتى صار لهم شوكة، وصار عندهم طائرات (هيلوكبتر) يطيرون بها يتفقدون أمر الجمهورية الجديدة، ولما وجدوا أن العملية صارت حقيقة، حتى الأطفال كبرت المسألة في عقولهم؛ دخلوا عليهم فاجتاحوهم وخلصوهم، ووضعوهم كلهم في السجون، ومازال أصحاب البيوت يرفعون قضايا لكي يثبتوا أنهم مظلومون، ويريدون أن يسترجعوا بيوتهم! فإخواننا هؤلاء عندما يعيشون في وسط أولئك، تنتقل إليهم كل أمراض المجتمع الأمريكي، ويا ليتهم يجلسون لعلم نافع يفيدون به الأمة، وإنما أغلبهم سواقين سيارات أجرة، ولو قلنا أنهم يريدون تحصيل رأس مال ثم يعودون إلى البلد لإقامة عمل تجاري لهان الأمر، ولكن نقول لهم: يا جماعة! عندكم رءوس أموال، يقولون: لا تكاد تكفي للعيش في هذه البلاد.
لماذا؟ لأنه مجتمع مفتوح، لو معك مائة دولار، أو عشرة ألف دولار، أو مائة ألف دولار ستصرفها، مجتمع فيه كل ما تريد.
стр. 123
انتشار التعامل بالربا في كل شيء
ثم إنهم سهلوا مسألة الشراء بطريقة اليهود الرهيبة بتسهيل أكل الربا، هناك كرت يحوز عليه الإنسان الأمين من وجهة نظرهم، الكرت هذا تتفاوت أسعاره من مائة ألف دولار إلى مائتين وخمسين ألف دولار إلى خمسمائة ألف دولار إلى مليون دولار، الكرت هذا بمقتضاه تدخل تشتري ما تشاء، ممكن تشتري بمائة ألف وتخرج ولا تدفع قرشاً واحداً، إلا أنك تريهم الكرت فيأخذون رقمه، ويعرفون عنوانك، وتدفع كل شهر قسطاً على حسب المشتريات، فمثلاً لو تأخذ بمائة ألف دولار تدفع مائتين دولار في الشهر، أو ثلاثمائة أو خمسمائة دولار، فمثلاً لو أراد شخص أن يشتري بمائة ألف بضائع، يدفع خمسمائة دولار في الشهر وإلا فلا.
طبعاً لما يأخذ بهذا المبلغ عليه فوائد، فيظل هذا الإنسان يقضي فوائد الديون فقط؛ لأن المائة ألف دولار فوائدها كم؟! فأنت عندما تدفع خمسمائة دولار في الشهر، فهذا جزء من فوائد الديون، والديون على حالها، والجزء الباقي من الأرباح يتراكم على رأس المال على الدين الأصلي، في الأخير تجد نفسك قد أفلست وحجزت أموالك لقضاء دينك، وربما لا تكفي.
فتخيل لما يكون هذا الكرت مع شخص تعرفة، ولما تذهب تزوره إلى أمريكا تجده يركب أفخم سيارة في أمريكا؛ لأنها بدون مقابل!! لديه كرت بمليون دولار مثلاً، يدخل يشتري سيارة -مثلاً- بثلاثمائة ألف دولار، والسيارات هناك رخيصة جداً، فالسيارة الفولفو مثلاً -التي يسمونها عندنا الفلفل- هذه بألفي دولار، سيارة موديل (٩٧) بألفي دولار.
فلما تذهب وترى صاحبك -الذي كان هنا فقيراً- تجده يركب سيارة فخمة جداً، وتدخل مسكنه فتجده ساكناً في شقة فيها كل الكماليات تقول ما هذا؟ هذا يجد المال كالتراب، فكل الناس يأخذون فكرة مغلوطة، يظن أحدهم أنه لو ذهب إلى هناك فسيكون غنياً، لكن هذا الإنسان يعيش بالربا، هذا الإنسان يتمتع بالربا، ووجد نفسه مبسوطاً وميسوراً، وبعضهم قال: هذا شيء عادي جداً جداً، أول ما أحس أني متورط سأركب طائرة وأتوجه إلى مصر، ليست مشكلة، وهم كما قال: (يخرج من المولد بلا حمص)، ونكون هكذا قد ضحكنا عليهم! وأخذنا حقنا، هم يأخذون حقهم من الحكومات، ونحن نأخذه من الحكومات أيضاً، هم لصوص ونحن لصوص، لا أحد أحسن من أحد، هم يسرقون الدول ونحن نسرق أفراد، نحن بهذا أفضل الناس! هذا منطق الأخ الذي كان يكلمني، ما الذي غير هذا المنطق وجعله يستحل الأكل بالربا؟ الفقير ليس محروماً كما يتصور بعض الناس، يمر مثلاً على محلات العصير يشرب عصير قصب، والمانجو معلق لم ينتبه له، ولم يخطر بباله شرب المانجو مثلاً، فهذا هو الغني، لا تقل هو فقير، أنت تدخل تشرب مانجو وتنظر إليه يشرب عصيراً تقول: الحمد لله الذي متعنا، وأعطانا الذي نشتهيه.
وأعطاه الذي يشتهيه أيضاً، فأنت قد استويت معه، لكن أنت دفعت ثمناً غالياً فقط، هكذا تحسب المسألة.
مثلاً: وقع لشخصين حادث، أحدهما يركب سيارة -مرسيدس العيون- والتي يقدر ثمنها بثلاثمائة ألف، طبعاً بثلاثمائة ألف رخيصة رخص التراب؛ لأنها صنعت هنا، لما جيء بها من ألمانيا كانت بخمسمائة وخمسين ألفاً، فلما دخلت فيها إضافات مصرية والعجلات المصرية، نزلت النزلة الكبيرة هذه.
المهم: السيارة اصطدمت بسيارة أجرة (١٣١)، من التي عجلاتها تدق وهي تمشي، طبعاً السيارة الثانية مازالت نظيفة وبعافيتها، والأخرى منتهية، فالذي حدث أن (الفوانيس والشبكة والكبود والرفرف)، وكل مستلزمات السيارة الشبح هذه دمرتها السيارة الأخرى، فنزل صاحب السيارة الأجرة يولول، فقال صاحب (الشبح): أنت تولول لماذا؟ أنت لديك سيارة لا تساوي شيئاً، المفروض أني أنا الذي أحزن! فكان رده عليه أن قال له: أنت بإمكانك أن تشتري غير هذه السيارة، لكن سيارتي هذه هي كل ما أملك، هي لا تساوي عندك ثمن عجلة، ولا تساوي عندك قيمة الباب، لكن هذه كل ما أملك، هذا كل رأس مالي! فمسألة رأس المال والغنى والفقر تؤخذ بهذا الاعتبار، لا يقال: إن الإطار بثمن السيارة، نعم، أنت بإمكانك أن تشتري سيارة كاملة، لديك مال، لكن أنا لا أستطيع، فمسألة الغنى والفقر على غير ما يتصوره الناس.
قال النبي ﷺ : (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) هذا هو الحساب الصحيح.
سألت إخواننا في المؤتمر -مؤتمر القرآن والسنة- سؤالاً وأنا أتكلم عن الطبقات وبناء المساجد، فقلت لهم: رجل معه عشرة دولارات في جيبه تصدق بدولار، كم بقي؟ قالوا كلهم: تسعة -وأكيد أنتم تعرفون هذا الحساب- قلت لهم: لا، خطأ، وسأعطيكم مهلة لكي تفكروا، فلم يستطع أحد منهم أن يصل إلى الجواب الصحيح.
(ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال عبد من صدقة)، فأنا عندي عشرة جنيهات تصدقت بجنيه، فلا تقل: معي تسعة، إنما قل: معي تسعة عشر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، تسعة جمع عشرة بكم؟ بتسعة عشر، والحسنة بعشر أمثالها.
الرجل هذا تصدق بجنيه، صار معه عشرة في ميزان حسناته، والتسعة التي في جيبه فتصير تسعة عشر، هذا هو الصحيح.
هناك حساب صحيح وحساب خطأ، الحساب الصحيح أنك تستصحب النصوص الشرعية، أنا رجل معي مائة جنيه وليس عندي أية تطلعات، ما دخلت في بيت تجاري، وما رأيت النجف، وما رأيت السجاد ولا ورق الحائط والأثاث إلخ، ولا تمنيته قط، فأنا غني، حتى إذا تمنيت ما في يد غيري، هنا يبدأ مشوار الفقر، فقر العاجز.
سفيان الثوري كان يقول: (من استطاع أن يصبر على أكل الخبز والملح لم يستعبده أحد) وجرب جرب أن تشبع بالخبز والملح فقط، ستكون أغنى الناس لماذا؟ لأن أول ما تتطلع إلى ما في يد غيرك يبدأ الفقر ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، وانظر كلمة (زهرة) هذه، فالزهرة عمرها قليل ونفسها قصير، أول ما تقطعها من غصنها لا تعيش إلا يسيراً وتذبل، ولن تعود فيها تلك النظارة.
فالناس هناك يعيشون الشهوات وعليها، فأنصح كل مسلم أن يرجع إلى بلاد المسلمين ويترك بلاد الكفر، تجد بعضهم إذا نصحته بهذه النصيحة يقول لك: أول ما يبدأ الولد يميز سأرجع إلى البلاد.
وكل الموجودين الآن في المجتمع الأمريكي صار لهم خمسة وثلاثون أو أربعون أوخمسة وعشرون سنة، كلهم كان يقول هذه المقالة.
فهذا مجتمع خاوٍ على عروشه، الذي يعرض علينا في بلادنا مع حالة القزامة التي نعيشها هو الذي جعل هذا المجتمع يتماسك.
أول ما ظهرت شواطئ أمريكا لنا وأنا على الطائرة ورأيت شواطئ نيويورك؛ لم أتمالك نفسي من البكاء، ودمعت عيني رغماً عني، وقلت في نفسي: بين بلادنا وبين هذه القارة ست ساعات بالطائرة التي تسير بسرعة ألف ومائتين كيلو في الساعة، كيف يحكموننا وهم في بلادهم؟!! والمسافة بيننا وبينهم طويلة! ما قام هذا المجتمع إلا بضعفنا، ليس بقوته، ليس لهذا المجتمع أية قوة اجتماعية يتماسك بها، ولذلك حجم المؤامرات علينا بلغ أشده.
الميزانية الأمريكية ترصد بمليارات الدولارات، الأموال التي تعطيها لبلاد المسلمين كمساعدات تعادل ميزانية التسليح، فالمعونات التي يعطونها لبلاد المسلمين نظير أن يتحكموا في اتخاذ القرار.
стр. 124
من أسباب ذل المسلمين المنح المالية المشروطة
مثلاً: إحدى المنح اليابانية المتأخرة لمصر مثلاً، لا يعطيك المنحة ويتركك تتصرف فيها، بل هي منحة مشروطة، يقول لك: تعمل ثلاثمائة دار سينما، وتعمل -مثلاً- مائتي مسرح، وتعمل مستشفى، وتربط مثلاً طريقين أو ثلاثة، وتفتح عدداً من الأندية للتنس والكرة إلخ، فهنا يقول أصحابنا: يا أخي! أحسن من لا شيء، هات هات، دعنا نبني الفلل ونعمر البلاد، فهذا كله مجان، والواقع أنه ليس مجاناً، الواقع أن ثمنه غال، لما أنا آخذ منحة ويُشترط علي أن أعمل مثلاً مائة سينما، وخمسين مسرحاً وعشر مدارس مثلاً، وآخذ القرض أو المنحة متصور أن المانح لا تحكم فيه، وهذا الشرط الذي وضعه للمنحة شرط ليس له قيمة، لكن هؤلاء أنفاسهم طويلة وممتدة، هم لا يستعجلون في إفساد هذا الجيل، فعندهم تحمل وصبر حتى إلى الجيل الثالث؛ لأن عملهم مترابط.
نحن لدينا حاجة ملعونة اسمها الخطة الخمسية -لعنة الله عليها- وهي تُعمل لخمس سنوات، الوزير يجلس في الوزارة أربع سنوات ثم يتركها، ولم يكمل أكثر الأعمال، فيأتي الذي يليه بخطة خمسية، فنظل في خمسية ثم خمسية طوال عمرنا، لا نستطيع أن نخرج منها، كل واحد يأتي يبدأ بالعمل من جديد، ملايين ومليارات الأموال مهدرة، هذا ينجز مشروعاً والآخر يأتي يهدمه.
لكن أولئك عملهم متواصل، هناك خطة معينة، كل واحد يأتي فترة زمنية يؤسس، ثم يأتي الذي بعده يبني على ذلك الأساس وهكذا، أما نحن فكلما جاء مسئول هدم ما قبله، وأسس خططاً يترك الوزارة قبل أن ينجزها، ويأتي التالي ليهدم ما أسسه السابق، ويؤسس من جديد وهكذا دواليك.
والشيء الذي يحترق لأجله القلب أن عندنا وزارة اسمها وزارة التخطيط، وهذه الوزارة مهمتها أن تنسق بين الوزارات، لكي لا يقابل القطار قطاراً آخر، وحتى لا يتكرر العمل، لكن كل وزارة في الحقيقة تعمل على حدة.
يذكرني ذلك بسنة سبعة وسبعين عندما أمر السادات الناس بالتقشف، ولابد أن يعيش الوزراء مشاكل الشعب.
ولأن الرأس قدوة؛ قام مباشرة وركب سيارة (فولتك) وأخذ له المصورون صورة وهو متجه إلى الإسماعيلية على سيارة رخيصة، وأحدهم أوقفه وأخذ وأعطى معه، وهكذا القدوة إلخ.
وفعلاً صرف لكل وزير سيارة (خنفسة) مع الاحتفاظ بالسيارة المتقدمة، وهكذا فليكن التقشف.
فهناك أناس يسيرون على خطط، مثلاً: إسرائيل تجد كل شخص في واد، له طريقته الخاصة في التعامل، لكن لا يترك رئيس الوزراء الوزارة إلا وإسرائيل قد ارتفعت، كل واحد يمسك بما معه، لكن كل واحد حر في تصرفه في طريقة التعامل، مثلاً شامير كان شديد اللهجة متشدداً مثل نتنياهو بالضبط أما رابين فكان خفيف اللهجة، لكن كان الاثنان متفقين بقصد الوصول إلى الهدف، لماذا؟ لأن كل واحد يصل بطريقته الخاصة، وكل شخص حقق مكاسب لإسرائيل بالجملة.
مثلاً شامير بنى مستوطنات وعمل مصالح كثيرة لإسرائيل، ولم نستطع أن نوقفه، نشجب ونستنكر قائلين: نحن نحذركم، أنتم ستضيعون السلام، وأنتم الذين ستدفعون الثمن.
فالعملية ساحت وصارت خطيرة جداً، عملية شجب واستنكار ثم يأتي رابين فيقول: أنا ضد المستوطنات، نريد أن نضع أيدينا في أيدي بعض ونعمل سوقاً نعمل سوق نتعاون مع بعض في الزراعة والاقتصاد والثقافة، وتجري زيارات ومؤتمرات متبادلة، شبابكم يأتي يتفرج علينا، وشبابنا يتفرج عليكم؛ لأن سياسة التعاون والتبادل تريد نوعاً من إذابة الجليد.
стр. 125
أثر المنح الدراسية في مسخ الشباب دينياً
ثم تقدم منح دراسية وزيارات لمجموعة من الطلاب المراد إفسادهم، وفعلاً لا يرجعون إلا وقد تغيرت طباعهم وأخلاقهم، هذا إذا لم ينسلخوا عن دينهم.
ثم يأتي أولئك الشباب وهم يمجدون اليهود والنصارى، وهم معجبون بثقافاتهم وحضاراتهم انظر قاسم أمين الذي ذهب إلى باريس وهو شاب غر لا يعرف شيئاً، وكان يعيش في مجتمع متحفظ، فلما ذهب إلى باريس اصطادوه وقربوا له امرأة لعبت بعقله وفكره، وكانت مصدر إلهام له، وهو نفسه قال في مذكراته: إن علاقتي بها كانت بريئة، أي: لم يكن يزني بها؛ لأنه لو زنى بها لاحتقرها، لكن يظل حباً عذرياً، تظل معه حتى تكون مصدر إلهام له، تثمر توجيهاتها، وتؤثر فيه.
رجع قاسم أمين بفكر آخر لكنه متحفظ، قال: المرأة غير متعلمة وينبغي أن ننشئ لها مدارس فلما رأى الناس هاجوا عليه؛ انزوى وانكمش في بيته إلى أن جاء سعد زغلول فأخذ بيده وقال له: اخرج وأنا سأحميك.
فخرج وكتب كتاب (المرأة الجديدة) وهي المرأة التي أريد تحريرها، ولكن أيضاً كان فيه متحفظاً، ومازال يتكلم بالإسلام، وكان يقول: أتمنى قبل أن أموت أن أرى المرأة بجانب الرجل، والمرأة تعمل في المصنع والمتجر وو إلى آخره، وظل يعدد المصالح الحكومية.
ويقول موضحاً: إن هنا مرضاً أريد علاجه، ألا وهو أن الرجل إذا رأى امرأة كان بينهما شيطان فيريد أن يزيله بالاعتياد والاختلاط.
فتصبح النظرة بريئة والاختلاط شيئاً طبيعياً.
ثم جرب من ناحية الثروة السمكية حيث أنهيت بسبب (الاستكوزا) التي ينشرونها في البحر، وكذلك التربة لم تعد صالحة للزراعة بسبب السمادات والهرمونات المصنعة لديهم والمتخصصة في تدمير التربة تماماً.
ظهر لنا نتنياهو وبنفس اللهجة الشديدة يتعامل معنا، ما وجدنا حلاً، نريد (١٣%) من الأرض، فيقول أتباع اليهود والمصلحون (كذبوا): لا، هذا كثير، فيقول الفلسطينيون: نلتقي في النصف (١٠%) لكن لكن هذه الـ (١٠%)، السلطة الحقيقية لها في يد اليهود، وهي مقابل أن تقوم السلطة الفلسطينية بتحجيم حركة حماس، وتطوعت الشرطة الفلسطينية بالقبض على أفراد كثيرين من حركة حماس وأودعتهم السجن.
أناس مع اختلاف مذاهبهم لكن كلهم يمسك بخطة واحدة وطريق واحد، لا تعارض أبداً في الأعمال، نحن نعاني من حالة ضعف رهيبة، لو رجعنا إلى الله ﵎ لغلبناهم في ضحوة من نهار، والله -وأقسم بالله! غير حانث إن شاء الله- أنا لو رجعنا إلى الله ﵎ وعبَّدنا أنفسنا لله في بيوتنا أولاً، ورفعنا تلك المخالفات؛ لمكن لنا سبحانه في أرضه!! فرجوعنا إلى الله ﵎، وتعبيدنا أنفسنا لرب العالمين هو أول خطوة حقيقية في طريق الانتصار وهزيمة الأعداء.
أمريكا تنفق على محاربة المسلمين والصحوة الإسلامية في بلاد المسلمين، مثلما تنفق على التسليح؛ لأنها تعرف جيداً أن المسلمين لو خرجوا من هذا الضيق فلا يستطيع أحد أن يقف في مواجهتهم؛ لأنهم أشجع الناس قلوباً، وأعظم الناس فداءً وتضحية بأرواحهم ولا ترى هذا اليأس أبداً في أمة من الأمم، هذا دين عظيم لاسيما إذا كان المرء يتحرك بعقيدة سليمة.
إن خطواتنا متعثرة، ونحتاج إلى تثبيتها، فنريد من كل واحد منا أن يرجع اليوم إلى البيت فينظر إلى المخالفات الموجودة في البيت، ويعيد حساباته من جديد بحزم.
لابد للرجل أن يتخذ القرار ويحزم أهل بيته وأولاده، ويربيهم تربية صحيحة متصلة بالله تعالى، وأن يجعل له هيبة في بيته، حتى يتم تقبل كلامه وإرشاداته.
стр. 126
شروط جيل التمكين
كنت -مرة في القاهرة- تكلمت عن جيل التمكين وعلاماته وشروطه وما أشبه ذلك، فكان مما قلت: إنه ينبغي علينا أن نوقف أولادنا لله مثلما نوقف المصاحف وسبيل الماء وغيرها.
امرأة حضرت لأول مرة خطبة جمعة كما حدثني ابنها -وهوأخ ملتزم نحسبه على خير- وأخوه لم يكن ملتزماً بذلك القدر، وحضر معه أيضاً هذه الخطبة، فبعدها تأثرت الأم وجمعت أولادها ووعظتهم وأحسنت القول لهم.
ورجل آخر كان يصلي الجمعة منذ زمن طويل، عندما سمع الخطبة وانفعل لها، قال ولده: توجه إلى البيت ينادي امرأته: أين الأولاد فكلهم جاءوا يظنون أن هناك مسألة خطيرة من وجهة نظرهم، قال لهم: أنتم كلكم وقف لله تعالى، ثم اهتم بتربيتهم وواصل ذلك معهم.
وابنه حتى الآن لما يتصل بي أسأله: ما أخبار أبيك؟ فيقول: ما شاء الله، استقام على شرع الله.
سبحان الله! قد ينفتح القلب أحياناً من كلمة لا تظن أن تؤثر ذلك التأثير، وربما قد سمع هذا الشخص مواعظ تهز القلوب هزاً، وتصعقها صعقاً، لكن ما بلغ القلب لم يكن هو المطلوب.
إنني أنصح الآباء الذين يخوفون أولادهم من المجيء إلى المساجد، ويحذرونهم من السجن والإرهاب وغيرها من هذه الأوهام التي ليس لها حقيقة، ولئن يبتلى المرء في الله خير له من أن يبتلى في الدنيا.
ثم هناك فرق بين المسجون جنائياً والمسجون لله وفي الله، أو المسجون السياسي أو الفكري.
فالمسجون جنائياً ذليل مهان، يلعن نفسه ويلعنه الناس.
بخلاف المسجون في قضايا الفكر مثل الشباب المسلم الملتزم، لما يسجن تجده محترماً عزيزاً يدعو له الجميع بالفرج والعاقبة الحسنة، وهو مع ذلك مأجور بصبره، وقدوته الأنبياء والصالحون والعلماء، فهذه فروق بين من يبتلى في الله ومن يبتلى في الدنيا.
لابد للجميع من أن يبتلوا في هذه الدنيا، ولكن تختلف الابتلاءات، هذا يبتلى بامرأته تؤذيه، وهذا بابنه، وهذا بجاره، وهذا بمديره في العمل إلى آخر ما هنالك.
فكل إنسان مبتلى.
فلما يكون بلاؤك في الله فهو شرف لك؛ لأن هذا اصطفاء من الله، اصطفاء لا ابتلاء فقط، اصطفاء من الله أن تبتلى فيه ﵎.
فالمفروض أن يتشرف الآباء إذا ابتلي أبناؤهم من هذه الابتلاءات في سبيل الله.
ولابد أيضاً أن نكون أذلاء مع إخواننا المؤمنين، لا أن نتخاصم وكل يعرض عن الآخر حتى لو كان الاختلاف سائغاً فلا داعي لأن نحمل على بعض الحملات والتباغض وغير ذلك.
فنحن نحتاج إلى أن نعد نظرة تقييمية لهذا المجتمع: إنه لا يتحمل وكزة واحدة من ساعد شخص قوي؛ لأنه متهالك.
تعرفت على ولد أمريكي سنه اثنين وعشرين سنة، من خيرة الشباب الذين قابلتهم، شاب أمريكي أبيض، مسلم مذ كان عمره خمسة عشر سنة، ويتكلم اللغة العربية جيداً، ولسانه منطلق بالعربية، إذا تحدث معك لا تشعر أبداً أنه أمريكي، ففي الحقيقة أعجبتني طريقته في الكلام فسألته: كيف تمكنت من تعلم العربية؟ قال: أنا أسلمت وسني خمسة عشر سنة، وأحببت هذا الدين حباً لا نهاية له، فوجدت لساني يذل له.
وقال: وجدت نفسي أستوعب العربية بسرعة ملحوظة، في أقل من سنة تمكنت من التحدث بالعربية.
أقول: حينها شعرت بمدى ما نحن فيه من النعمة أننا عرب، ليس بيننا وبين القرآن حاجز، ترغب أن تقرأ القرآن؛ تفتح المصحف وتقرأ، ترغب أن تقرأ في السنة تفتح الكتاب وتقرأ.
كانت محاضرتي لهؤلاء الأمريكان حول صدق الرجاء في الله، وأن من صدق رجاؤه في الله لا يخيبه؛ لأنه أكرم من أن يخيب رجاء من رجاه.
إن الله إذا وعد عبداً فإنه منجز له ما وعد، وإذا أوعد فهو له: إن شاء عذب، وإن شاء غفر.
خلف الوعد شين وعار، وخلف الوعيد كرم، إخلاف الوعد لا يليق بالله، فتعالى الله الملك الحق أن يخلف الوعد، لكن يخلف الوعيد، فيلتقي كرمه في إنجاز الوعد، وكرمه في إخلاف الوعيد، بأن لا يعذب، فهو أكرم الأكرمين ﵎! وذكرت قصة جريج، وقصة أصحاب الغار، وقصة الساحر والراهب، وأنا أتكلم برغم أن أكثرهم لا يفهم اللغة العربية، لكن كانوا مشدوهين، وكان بعضهم يبكي، فلما ترجم صاحبنا لهم ما قلت صارت مناحة، فأحسست بغربتهم، فهم قلة.
مثل هؤلاء ومثل العرب كمثل البصير والأعمى، الأعمى يريد أن يعبر الشارع ينادي: خذ بيدي.
لا يستطيع أن يعبر الشارع وحده، لا يستطيع أن يخرج من البيت لقضاء حوائجه وحده، دائماً محتاج، وهذا ذل، فكذلك هذا الإنسان الذي يريد أن يفقه كلام الله ورسوله.
هزتني جداً كلمة قالها أحدهم هناك، لما كان آخر يوم في المؤتمر بكى بشدة! وقال: نحن من الآن يتامى!! من بعد ذهابكم وانطلاقكم ونهاية المؤتمر نحن يتامى!! والله -يا إخواننا- إن هذه الكلمة تتردد في جنبات نفسي حتى هذه الساعة، ما استطعت أن أنساها أبداً، ولن أنسى شكله وهو ينتحب، ويقول: نحن يتامى.
فهذا المجتمع الكافر لا يحمل أسباب الحياة في ذاته، وإنما قام على ضعفنا، فإذا تخلصنا من ضعفنا سقط؛ لأننا الذين أعطيناه مقومات البقاء، فالبدار البدار قبل الفوات! وهذا تقرير أمين أضعه بين أيديكم حتى يتصرف كل إنسان بما يليق بدينه، كل إنسان في عنقه أمانة، فلا نلقى الله خونة يوم نلقاه، إنما نورث هذه العزة وهذا الدين ونحن أقوياء ومعنا أسباب الحياة، وهم يعلمون هذه الحقيقة جيداً، يعلمون أن هذا القيد لو انكسر، فلن يقف دوننا أبداً وما نريد حاجزاً، وإننا يوم نرجع إلى الله سنطأ هذه الأرض بأقدامنا.
أمريكا قارة كاملة، ما بين نيويورك في الشرق وولوس أنجلس في الغرب سبع ساعات طيران، مثل ما تصل من الشرق إلى الغرب.
ونحن نطير فوق الولايات كنت أقول: ما أحلم الله! كل هذه الولايات تعج بالكفر والفسوق والعصيان، والذين يركبون في الطائرة معنا كذلك، ونحن أيضاً مذنبون، وهذا الأسطول الطائر ما بين السماء والأرض سبحان من يمسكه في جو السماوات! ومع ذلك يحلم عنا، ويمسك هذا الأسطول الطائر، وهؤلاء يرتعون في نعمه ويعصونه وهو حليم.
وإذا رجع واحد من هؤلاء قبله وما يعاتبه، وقد يرفعه من مستنقع المعاصي إلى قمة الولاية ويصطفيه.
فما أحلم الله ﵎! فلا نريد أن نغتر بالله ولا بحلمه علينا، وأنه لم يعاجلنا بالعقوبة حتى الآن مع كثرة معاصينا، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨].
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 127
جيل التمكين
إن التربية الإسلامية هي الطريق الصحيح إلى التمكين، وأما الذين ينشدون التمكين من خلال التغيير من قمة الهرم فلن يصلوا إلى أي نتيجة؛ إذ من السهل عليك أن ترغم الناس على الالتزام بتعاليم الإسلام الظاهرة؛ لكنك لا تستطيع أن تجبرهم على الولاء والمحبة للإسلام.
стр. 128
الطريق الصحيح للتمكين
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فحديثنا سيكون عن جيل التمكين؛ مواصفاته، وكيف السبيل إليه.
إن الذين ينشدون التغيير من قمة الهرم لن يصلوا إلى أي نتيجة؛ لأن التغيير لا يكون إلا من قاعدة الهرم وهي كفيلة بأن تخرج لنا القمة التي تحكم شرع الله، ماذا يغني عن رجل وصل إلى قمة الهرم، وهو يتأمر على أناس ليس لهم ولاء للإسلام؟ قد يقهرون، لكنك لا تستطيع أن تجبرهم على الولاء والمحبة للإسلام.
قال رجل لـ علي بن أبي طالب ﵁: (لماذا كثرت الفتن في عهدك ولم تكن كذلك في عهد عمر؟ قال: لأن عمر كان أميراً على مثلي، وأنا أمير على مثلك) فأشار إلى النوعية، وإلى وجود الفرق.
ماذا يغني لو أن رجلاً وصل إلى قمة الهرم وهو لا يستطيع أن يحكم أمثال هؤلاء؟ الذين كتب أحدهم في الشهر الماضي تحت عنوان: (هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟) يعرضون شخص الرسول ﵊ للتشريح والأخذ والرد، فتزول الهيبة والاحترام مع الأيام.
امرأة تقول لعاشقها: وأنا بين أحضانك كأنني زرت قبر الرسول.
وقد كتب أحدهم مقالاً يستنكر ذلك فقال: كيف يكون هذا الكلام في مسرحية أو في فيلم، ولكن هل تم معاقبة القائل؛ حتى نعرف أن الرسول ﵊ -صاحب الجناب العالي- له من ينصره، ويغار عليه؟ هؤلاء لم يصلوا إلى ما قالوه طفرة، وإنما وصلوا إلى هذا نتيجة الاعتداءات الآثمة التي تتكرر ولا نكير ولا أحد يعاقب.
إذا وصل الأمر إلى تشريح جثة الرسول ﵊ على صفحات الجرائد والمجلات، إذاً غداً يعلن الكفر جهاراً نهاراً.
في إحدى المرات تكلموا عن النعجة (دوللي) التي أخذوا منها الخلية الحية بلا رحم وعملوا نعجة، فقالوا في الجرائد والمجلات: هذا أعظم من ولادة المسيح.
تصور (أعظم من ولادة المسيح)! معنى هذا الكلام أن العباد فعلوا ما عجز الله عنه، يعني أن هذا أعظم من ولادة المسيح من غير أب، ومع ذلك لا يلتفت أحد إلى مثل هذه الطوام العظيمة التي تقدح في الله ، وتقدح في كتابه وفي ديننا كله.
لو جاء رجل وهو في قمة الهرم، وحكم أمثال هؤلاء أينتصر بهم؟ لا ينتصر بهم أبداً، لأن الواحد منهم قد يسكت عندما يرى بارقة السيف، ويعلم أنه إذا تكلم عوقب وقتل، أو عزر وسجن، لكن لا يكون ولاؤه للإسلام.
إننا نريد جيلاً يحب الله ورسوله، بيت يرفرف عليه الإسلام.
إن جيل التمكين يحتاج إعداده إلى وقت، لقد عشنا قروناً متطاولة في الفوضى والبعد عن مصدر عزتنا، فنحتاج إلى قرن على الأقل إن لم نقل قروناً حتى نصل إلى الاستقامة، فالذين يستعجلون ويقولون: لو بدأنا التغيير من قاعدة الهرم لطال الطريق، فهؤلاء لن يصلوا إلى شيء أبداً.
كلمة التوحيد التي ينطقها الناس يغفلون عن أول كلمة فيها، ولو حققوها لحققوا التوحيد، فقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله).
ما معنى (أشهد)؟ لو حقق القائل معنى كلمة (أشهد) لاستقامت له الكلمة كلها؛ لأن الشهادة من المشاهدة، وهي الرؤية، (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني: أراه، وهي ضد الغيب، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام:٧٣]، الغيب: ضد الشهادة، فإذا اعتقد القائل في كلمة "أشهد" وحققها فعلاً، وقصدها لما نطق بها -يعني: أرى الله- لاستقامت أحوالنا.
تُرى لو كان يعتقد فعلاً أنه يرى الله ﵎، أيقوى قلبه على معصية الله؟ لا يقوى أبداً، وفي الحديث الذي قواه بعض العلماء أن النبي ﷺ قال لرجل لما قال له: أوصني، قال: (أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجل من صالحي قومك).
لا يستطيع الإنسان أن يقيم على معصية يراه فيها رجل صالح، بل إذا أراد المعصية أغلق الباب، وأغلق النافذة، واطمأن على المداخل والمخارج، وظن ألا أحد يراه أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجل من صالحي قومك؛ لأنك لا تستطيع أن تظهر ما في ضميرك أمامه أبداً.
نقل المعاني المجردة إلى المحسوس يتكرر في القرآن وفي السنة؛ الضلال والهدى معانٍ، والبيع والشراء حس، قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦]، شيء محسوس، فنقل المعنى إلى باب الحس مقصود حتى يتم التصور، قال ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً)، فنقل الرضا الذي هو من المعاني إلى باب الحس الذي هو التذوق.
فأنت عندما تقول: (أشهد) أن لا إله إلا الله يعني: أراه، كان متعذراً عليك أن تراه، انزل درجة، (فهو يراك)، هذه الدرجة التي نزلتها هي قمة الإسلام كله، وهي الإحسان، فبرغم نزولك درجة إلا أنك لما نزلت كنت على قمة الدين (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
هذا إذا نزلت درجة، فكيف إذا بقيت على أصل الكلمة؟ مع أنه عند نزولك كنت على قمة الإسلام، وهو تحقيق باب الإحسان (أن الله يراك)، ولذلك لما قال الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي) أضاف الصوم إليه ، مع أن الصوم لابن آدم أيضاً؛ لأن فيه تحقيق مرتبة الإحسان.
قد يرائي المرء في صلاته، يأتي المسجد ليراه الناس، ويخشع في صلاته ليراه الناس، لكن الصائم في رمضان قد يكون الباب مغلق عليه، ويكاد يموت من العطش، والماء البارد أمامه، لكن لا يستطيع أن يشرب، برغم أنه وحده، إذاً لا يستطيع أحد أن يرائي في الصوم أبداً، فلما كان الصوم محققاً لمرتبة الإحسان قال الله : (فإنه لي وأنا أجزي به) إذ أن إضافة هذا الجزاء إلى الله فيه دلالة على التعظيم.
فالصيام تحقيق لمرتبة الإحسان -أن الله يراك- فكيف إذا حققت معنى الكلمة (أشهد)، فإذا كنت تعتقد فعلاً أنك تراه لا تقم على معصيته طرفة عين، هذا هو معنى كلمة (أشهد).
و (أشهد أن محمداً رسول الله) معناها: إذا وصلك حديث عن النبي ﷺ فاعتبر نفسك واقفاً أمامه وهو يشافهك؛ هو الذي يأمرك وليس الناقل، أنا إذا نقلت لك حديثاً صحيحاً عن النبي ﵊ فبادرت إلى الامتثال، فأنت لا تطيعني، وإنما تطيع كلام الرسول ﵊، فهل إذا وصلك حديث اعتقدت واستحضرت بقلبك أنك واقف أمام النبي ﵊؟ وما أجمل ما قاله السبكي الكبير علي بن عبد الكافي ﵀ في جزء له لطيف، اسمه "بيان قول الإمام المطلبي- يعني الإمام الشافعي - إذا صح الحديث فهو مذهبي"! سئل: إذا وقف الإنسان على حديث يخالف مذهبه -هو مذهبه شافعي- فكان المشهور في المذهب: لا تفعل، وجاءه حديث عن النبي ﷺ : افعل، فإذا كانت الصورة هكذا، أيطيع الحديث أو المذهب؟ فقال: ليفرض أحدكم نفسه بين يدي النبي ﷺ ، فقال له: لا تفعل كذا، أو افعل كذا، أيحل له خلافه؟ هذا هو معنى (أشهد أن محمداً رسول الله) كيف يقوى قلبك على مخالفة أمره إذا وصلك الأمر؟! هب أنك الآن أمام الرسول ﵊ وقال لك: طلق امرأتك التي تحبها ولك منها أولاد -كم من الناس الذين يأكلون الربا، ويأخذون الرشاوي بحجة أن لديهم أولاداً، مع وضوح الآيات ووضوح الأحاديث في تحريم ذلك -واترك مالك، وهذا من أعظم المصائب، فهل تقول له: لا؟ إذا كنت واقفاً أمامه ما أظنك تقوى على ذلك أبداً، فما بالك وقد وصلك ما هو أدنى من ذلك الأمر بألف درجة، فإذا قيل لك: لا تلبس خاتم الذهب، وقيل لك: هذا حرام، لا يحل لك لبسه، ومع ذلك بقي الخاتم في يدك، أهذا تحقيق معنى (أشهد أن لا إله إلا الله)؟ هذا تحقيق (أشهد أن محمداً رسول الله)؟ رأى الرسول ﵊ في يد رجل خاتماً من الذهب، فنزعه من يده وطرحه على الأرض، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده)، ثم فارق النبي ﷺ المجلس، وقام الصحابة أيضاً من المجلس، فذكّر بعض الحاضرين الرجل أن يأخذ خاتمه، وقالوا له: خذ خاتمك وانتفع به، فقال الرجل: ما كنت لآخذه وقد طرحه رسول الله، طالما رماه على الأرض لا تمتد يدي إليه، هذا هو معنى (أشهد أن محمداً رسول الله) أي أنني إذا وصلني حديث عن النبي ﷺ أستحضر أنني واقف أمامه، كيف يكون وقع كلامه علي، هذا هو الجيل المنشود الذي نريده، هذا هو جيل التمكين، لو كان هناك مائة رجل أمثال الصحابة لفتحوا القدس، أما الآلاف من المسلمين اليوم الذين ينطقون بالشهادتين دون أن يحققوا معنى الشهادة فإنهم لن يحركوا ساكناً.
стр. 129
مواصفات جيل التمكين
البيئة المسلمة تؤثر في الساكنين فيها، حتى لو كانوا من الكفار، ولذلك قال النبي ﷺ : (عجب الله من قوم يدخلون الجنة بالسلاسل)، يجر أحدهم إلى الجنة وهو مسلسل، فتعجب الصحابة من ذلك: كيف يسلسل ويجر إلى الجنة، والكل يطمع في الجنة، ولو فتحت أبوابها لدخل البطالون قبل المؤمنين، فذكر النبي ﵊ أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بالسلاسل هم الأسرى، الذين وقعوا أسرى بعد الحرب، فجيء بهم مسلسلين في العبودية وفي الرق إلى بلاد الإسلام، فلما رأوا الإسلام ورأوا سلوك المسلمين أسلموا، فكان إسلامهم الأول بالسلاسل.
أما اليوم لو نزل رجل كافر في أي مطار من مطارات البلاد الإسلامية لما وجد فرقاً بينها وبين البلاد الكافرة، ولو مشى في شوارع البلاد التي تنتمي إلى الإسلام ما وجد كبير فرق بينها وبين البلاد التي يظللها الكفر، فنريد إرجاع الحياة الإسلامية مرة أخرى.
روى الإمام العجلي ﵀ في كتاب الثقات في ترجمة الحسن بن صالح بن حي ﵀: أنه باع جارية له، فلما ذهبت الجارية إلى البيت الجديد استيقظت في نصف الليل، وصارت تنادي أهل البيت: يا أهل البيت! الصلاة الصلاة! فقاموا فقالوا لها: أُذن للفجر؟ فقالت لهم: ولا تصلون إلا الفجر؟! قالوا: نعم.
فلما أصبحت ذهبت إلى الحسن وقالت له: ردني إليك، لقد بعتني إلى قوم سوء لا يقومون الليل.
هذه جارية، لكن تربت في بيت الحسن.
تأمل معي بيت الحسن بن صالح: كان للحسن بن صالح أخ توأم اسمه: علي بن صالح بن حي، وكان علي أوثق الرجلين وأفضلهما في الحديث والرواية والضبط، فكان الحسن وعلي وأمهما، يقسِّمون الليل ثلاثة أثلاث، فكانت الأم تقوم الثلث الأول، ثم توقظ الحسن فيصلي الثلث الثاني، ثم يوقظ الحسن علياً فيقوم الثلث الأخير.
فلما ماتت الأم صار علي يصلي نصف الليل، والحسن يصلي النصف الآخر، فلما مات الحسن قام علي الليل كله؛ بيت بهذه المثابة تربت فيه تلك الجارية، فكيف لا تقول هذا الكلام؟!
стр. 130
المرأة الصالحة وأثرها في إعداد جيل التمكين
جيل التمكين له ثلاثة ركائز: الأب، والأم، والولد -الذي هو الثمرة-.
أي زرع لا يمكن أن يقوم إلا بثلاثة أشياء: خصوبة الأرض، وعذوبة الماء، ومهارة الأيدي العاملة.
وبقدر الخلل في واحد منها يكون الخلل في الزرع، ولا خلاف بين الناس جميعاً أن أجل غراس يغرس هو الإنسان، قال الله : ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧]، وأجل ما يغرسه المرء منا هو الإنسان.
إن الأرض البور لا قيمة ولا سعر لها في الواقع، ومع ذلك فأكثر المسلمين تزوج من تلك الأرض، والأرض الخصبة أغلى ثمناً، وأعلى قيمة، فهل لهذه الأرض من مواصفات؟ نعم، قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة ﵁: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) هذا حديث معروف مشهور، لكنه خرج مخرج الخبر: أي أن الناس إذا أرادوا اختيار المرأة فإنهم يراعون المال والجمال والحسب، والنبي ﷺ في الحديث لم يحض إلا على ذات الدين، وترك الباقي، لم يقل فاظفر بها على أي صفة من هذه المواصفات لا، فالمواصفات الواردة في الحديث خرجت مخرج الخبر، أي: من الناس من ينشد جمال المرأة، ومنهم من ينشد مالها، ومنهم من ينشد حسبها، فحض على ذات الدين وحدها، ولكن لم ينكر عليك بعد اختيار ذات الدين أن تأخذ صفة من هذه الصفات الثلاث، فذات دين جميلة أفضل من ذات دين قبيحة، وذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دين جميلة فقيرة، وذات دين جميلة غنية ذات حسب أفضل من ذات دين جميلة وغنية وليس لها حسب، لكنه حض على ذات الدين فقط.
وقوله: (تربت يداك) يعني: تعلقت يداك بالتراب، والتراب هو مصدر الخير والبركة والنماء، وليس المقصود تعلقت يداك بالبركة إذا اخترت ذات الدين، فأول صفة يجب على المرء أن يبحث عنها المرأة ذات الدين.
انظر إلى خديجة ﵂ الكاملة الودود الولود، كيف ثبتت زوجها ﷺ ، وكيف استدلت بكمال عقلها على أن من كان فيه هذه الصفات لا يخزيه الله أبداً، مع أنه لم يكن نزل دين آنذاك، ولذلك قال النبي ﷺ فيها: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع) يعني: لم يكمل من النساء إلى أن تقوم الساعة إلا أربع فقط، منهن خديجة وابنتها فاطمة، فقد أخذتا نصف الكمال في النساء.
لما رجع النبي ﵊ يرجف فؤاده قال لـ خديجة: (لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) فاستدلت بكمال عقلها أن مثل هذا لا يخزى، لم تقل له: كلا، لا يبتليك الله أبداً؛ لأنه قد يبتلى الأخيار، ولكن لا يخزون (كلا لا يخزيك الله أبداً) فشدت من أزره.
إن أعظم ما يبتلى به الداعية إلى الله أن يتزوج بامرأة غايتها غير غايته؛ غايته الآخرة وغايتها الدنيا.
قالت خديجة للنبي ﷺ هذه الكلمات التي تكتب بالذهب، ولذلك كان النبي ﷺ يكثر من ذكرها كأنها نشيد ينشده، وكان يكثر من الثناء عليها وفاءً لها، حتى قالت عائشة ﵂: (ما غرت على امرأة قط غيرتي من خديجة) لكثرة ثناء النبي ﷺ عليها، يقول الذهبي ﵀: وهذا أعجب شيء، أن تغار من امرأة ميتة، ولا تغار من عدة نسوة يشركنها في رسول الله ﷺ ، وهذا هو العجب!! ولقد كان رسول الله يذبح فيرسل اللحم إلى صديقات خديجة، ويقول: (إن حسن العهد من الإيمان) تعلموا الوفاء.
فلما أكثر من الثناء عليها قالت له مرة: (وما يعجبك من امرأة حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، أبدلك الله خيراً منها؟).
(حمراء الشدقين) كناية عن سقوط أسنانها، فالمرء الذي ليس في فمه أسنان إذا ضحك فإنه لا يظهر إلا حمرة اللثة، تقول امرأة سقطت أسنانها، ذهب شطر الجمال، مثل العين، والشعر، فالمرء الذي ليس له أسنان يذهب بهاء وجهه.
(ما يعجبك منها؟) أي ما يعجبك من امرأة عجوز، قد سقطت أسنانها، ليس لها جمال، وهلكت في الدهر، (وأبدلك الله خيراً منها) تعني نفسها، شباب وجمال، فيرد عليها قائلاً: (ما أبدلني الله خيراً منها) امرأة ذات دين تعين زوجها على نوائب الحق، والمؤمن مبتلى؛ قد يسجن الزوج؛ فتقوم الزوجة الصالحة بدور الأب في غيابه، وهي لا تتضجر من المعيشة ولا ترسل رسالة تطلب الطلاق هذا هو الوفاء! طالما الرجل صاحب دين، صاحب منهج مستقيم؛ فتصبر المرأة معه، هذا هو مقتضى الوفاء، فهذه المرأة هي ذات الدين، فلا يقوم بهذه الخلال إلا ذات الدين.
ثم عدد النبي ﷺ الأسباب التي جعلته يكثر من الثناء عليها، وعلى النساء اللواتي يردن الحظوة عند أزواجهن بلا تضحية ولا ثمن أن يتعلمن من هذا الحديث، قال النبي ﷺ : (ما أبدلني الله خيراً منها) قال: (آمنت بي إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمته من باقي النساء)، كيف لا أحبها، وكيف لا أجلها، وكل شيء يذكرني بها.
في صحيح البخاري ومسلم: (أن هالة بنت خويلد أخت خديجة استأذنت على النبي ﷺ -كان استئذانها كاستئذان خديجة - فلما استأذنت ارتاع لذلك النبي ﷺ -شخص يذكرك بحبيبك، نفس الصوت، نفس الاستئذان، فأول ما سمع صوتها ارتاع لذلك، وفي الروايات الأخرى: فارتاح لذلك- وقال: اللهم هالة -يعني: اللهم اجعل المستأذن هالة - قالت عائشة: فغرت -حتى هؤلاء يذكرنه بها، فغارت، وقالت له هذه المقالة-: ما يعجبك من امرأة حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، أبدلك الله خيراً منها؟) فهي ذات الدين، ولا تجمل الحياة إلا بها، فكيف قصرت وكيف فرطت في اختيار الأرض التي ستضع فيها بذرتك، ويخرج منها ولدك.
أول شيء في الطريق لإعداد جيل التمكين: المرأة ذات الدين، قال ﷺ : (تزوجوا الودود الولود)، فربط بين هاتين الصفتين (الودود الولود)، ولذلك المرأة إذا لم تنجب تشعر في قرارة نفسها أنها ليست امرأة، وتكاد تجن أحياناً سعياً وراء الولد؛ لأن الولد يقوي الود والروابط بين الرجل والمرأة ويمتنها، فإذا أحب الرجل امرأته أحب أولاده منها، وإذا كره امرأته قد يكره أولاده منها.
القصص التي نسمعها كل يوم والد لديه مال وفير، وأولاده من أفقر الناس في البلد -فأغنى الناس وأفقرهم في ذات الوقت هو البخيل- ويذهب الولد يستجدي أباه قائلاً له: لا أجد مسكناً، وعندك بيت، وعندك مال، ابن لي مسكناً.
فيقول الأب: أنا رجل عصامي، وبدأت ثروتي من الصفر، لم لا تبدأ أنت الآخر كذلك؟ هل هناك أب يخاطب ابنه بهذه اللهجة، وبهذه الطريقة؟! فلما بدأت تشتكي وتسرد تاريخها مع زوجها، مشاكل من أول يوم، فكرهها وكره أولاده منها، ومن ثم يولي الدفء من البيوت بسبب عدم الانسجام بين الرجل والمرأة، وبالتالي لا يفرز لنا جيل أبداً.
فـ خديجة ﵂ مثال للمرأة الوفية، فهي صاحبة الدين المتين، فقد وقفت جوار زوجها لما كان وحده، في وقت عز فيه النصير، كان وحده وهي امرأة، وهي التي قوت من عزمه، واعترف لها بالفضل والجميل، ولذلك تنازع العلماء: أيهما أفضل خديجة أم عائشة؛ لأن النبي ﵊ بعد أن قال كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع أردف هذا بقوله: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) إنما ذيل بهذا حتى لا يضيع فضل عائشة.
خديجة لها الكمال، وعائشة بالنسبة لسائر النساء ما عدا هؤلاء الأربع الكمّل كفضل الثريد على سائر الطعام، فقطعاً هذا أنزل درجة من الكمال، والتحقيق: أن خديجة ﵂ أفضل للنبي ﷺ ، وعائشة أفضل لأمته، فقد نقلت الكثير من الأحكام عائشة ﵂! وكم نقلت من الحديث والعلم! عاشت بعد النبي ﷺ أربعين سنة تفتي وتنقل العلم، وتعلم وتهذب وتربي، والذي ينفع النبي ﷺ أفضل.
ولذلك استدل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو يناقش الرافضي ابن المطهر الحلي، حينما قال: إن علياً أفضل من أبي بكر ﵄، واستدل على ذلك بحديث منكر، وهو: (أن النبي ﵊ لما أراد أن يكسر صنماً فوق الكعبة انطلق هو وعلي بن أبي طالب، فصعد النبي ﷺ فوق أكتاف علي، فعجز علي عن حمله، فصعد علي على أكتاف النبي ﷺ وتناول الصنم فكسره، فاستدل الرافضي على فضل علي أنه صعد على منكبي النبي ﵊، وقال: ولا يوجد أحد صعد على منكبيه إلا هو).
رد شيخ الإسلام ﵀ قائلاً: كلا، بل الذي ينفع النبي ﷺ أفضل من الذي ينفعه النبي، ولذلك قال النبي ﷺ في أبي بكر: (ما منكم من أحد له عليَّ يد إلا جزيته بها إلا أبا بكر، فله عليَّ يد يجزيه الله بها) كأنه قال: أنا لا أستطيع أن أجزيه، فالله يتولى جزاءه، فـ أبو بكر نفع النبي ﷺ ، لذلك كان شرفاً له أنه الذي ينفع لا الذي ينتفع.
فـ خديجة ﵂ نفعت النبي ﵊، ولذلك نال
стр. 131
المؤامرة على الحجاب
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
التربية الإسلامية هي الباب الذي نلج منه إلى التمكين، الحروب التي تقوم في أطراف الأرض، وتنشب في كل زمان، المقصود من ورائها التمكين.
لماذا يقوم النظام العالمي الجديد؟ من أجل السيطرة والتمكين، لكنهم تنكبوا الغزو عن طريق السلاح؛ لأنهم علموا أن المسلمين شجعاناً أبطالاً، أصحاب فداء، فنحوا القوة العسكرية جانباً، وبدءوا بالغزو الفكري وزعزعة العقائد، حتى استطاعوا أن يهزوا الثوابت التي يقوم عليها البنيان الإسلامي كله.
لو هدم رجل جداراً من عمارة لا ينزعج أهل العمارة، لكن لو بدأ يهدم عموداً يقف الكل أمامه، وذلك لأنهم يعلمون أن العمارة كلها ستنهار، هذا الذي فعله أعداؤنا، ومكن لفكرهم هذا الطابور الخامس الذي ما نزال نعاني منه حتى الآن، والحملة مسعورة على أشدها، وازدادت على النساء بصفة خاصة، وبالذات على قضية الحجاب، وقد تركوا اللحى؛ لأنها كثرت جداً، فنقول للمنتقبات أيضاً: إذا كثر الحجاب جداً أيضاً كفوا عنه، مثلما كفوا عن اللحية.
لماذا تمنع الفتاة المتحجبة من دخول الجامعة مثلاً أو دخول المدرسة بينما تدخل بنت أخرى بشعرها؟ لو اعترضت على البنت المتبرجة، لقالوا لك: حرية، فلماذا صادرتم حرية المتحجبة مع أن الدستور عندكم يقول: إن الحرية الشخصية مكفولة ما لم تضر بالآخرين؟! وأي ضرر من امرأة متحجبة؟ هي حرة.
لكن هذه الحرب الضروس لا تستهدف الحجاب فقط إنما الحجاب رمز، مثلما حرقوه في ميدان الإسماعيلية الذي سموه الآن: ميدان التحرير، إشارة إلى تحرير المرأة من دينها وحجابها؛ لأنه رمز التخلف عندهم، نساء يخرجن على ثكنات الإنجليز في ميدان الإسماعيلية، ويخرجن يحاربن الإنجليز، نساء يحاربن الإنجليز!! تمثيلية لكن غبية، كاتب السيناريو غبي، ما استطاع أن يأتي بحبكة مقنعة، فقام الإنجليز يرمونهم بالرصاص، فماذا فعلت النساء؟ قمن بخلع الحجاب، وقد جهزن دلو بنزين وأضرمن النار في الحجاب فما دخل الحجاب بضرب الإنجليز إياكم؟ مسرحية غبية جداً، لكن كان المقصود حرق الحجاب كرمز.
لكن هذا دين الله ، وهو الذي يرعاه ويكفله، فقد عاد الحجاب بسرعة لم يتخيلها أحد قط، والمدة التي غاب فيها الحجاب عن الساحة خمسين سنة فقط تصور، لم يزل الحجاب فجأة، إنما على مدار عشر سنوات، فمن سنة ألف وتسعمائة وثلاثين كان الزوال الحقيقي الواضح للنقاب، ورجع الحجاب سنة ألف وتسعمائة وثمانين، من سنة ثلاثين إلى ثمانين خمسين سنة -نصف قرن- ما قيمة نصف قرن في حياة الأمم؟ فلما رجع الحجاب بسرعة مذهلة فقدوا صوابهم، وصاروا يضربون ضرب عشواء في كل مكان، يريدون إيقاف هذا الزحف، كل يوم تنضم متحجبات إلى القافلة، هذا دين الله ، فالحجاب رمز، وهذا علامة الديانة.
يجب أن تعتقد المرأة أنها أس البنيان كله، وأن تعرف عظم المسئولية الملقاة على عاتقها، وأنها مقصودة بهذه الحرب، وأنها المستهدفة في المقام الأول مع ضعفها، وقلة تربيتها، وعدم اعتناء أبويها بها.
أيها الإخوة! اهتزت الثوابت حتى صرت تسمع في بلاد المسلمين من إذا أمر بالصلاة قال: حتى أقتنع، ومن إذا أمرت بالحجاب، قالت: حتى أقتنع، ويأتي الوالد فيعزز وجهة النظر، يقول: أنا لا أريد أن أضغط عليها؛ حتى لا تكره الحجاب، افترض أن هذه البنت لم تقتنع أبداً بالحجاب، والولد لم يقتنع بالصلاة، ما هو المآل؟ ترك الصلاة، هل هذه هي الوصية التي أوصانا الله حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] وحياتنا في الوحي قرآناً وسنة؟ هل هذه هي الوصية؟ الله يأمر، أقول: لا حتى أقتنع!
стр. 132
الآثار السيئة لتقسيم الدين إلى قشور ولباب
تعلمون أن هذا ترك آثاراً سلبية على دعاتنا، الذين واكبوا هذه المحنة وعاشوا أغلب أعمارهم فيها، هل تعرف كيف؟ الدعاة الذين استهانوا أو هونوا من إعفاء اللحية، ومن تطويل الإزار، وقالوا: إن هذه قشور، وكل الأحكام التي على هذا النمط قشور، تعرفون لماذا قالوا هذه الكلمة؟ لأنهم قضوا أكثر أعمارهم يقاتلون هؤلاء العلمانيين على فرضية الصلاة، فعندما يأتي أحدهم ويقول: لا توجد صلاة، فأنت تثبت أن الصلاة ركن، فإذا جاء أحدهم وقال لك: يا مولانا! ما رأيك في اللحية؟ يقول لك: أي لحية؟ الصلاة ضاعت، لا تكلمني عن اللحية، لا تكلمني عن الإزار هذه قشور بالنسبة لما نقاتل من أجله! فتركت هذه الظاهرة آثاراً سلبية حتى على الدعاة، مع أننا لا نقدح في إخلاصهم، وعندهم عاطفة ومحبة لله ورسوله، وقد قضوا أغلب أعمارهم يثبتون أن الصلاة ركن، وقالوا: هذه قشور.
فتركت هذه الظاهرة آثاراً سلبية؛ إحدى هذه السلبيات: أنه لم يراع تغير الجيل، فقد جاء جيل آخر يعتقد فرضية الصلاة، إذاً فلابد أن تغير الأسلوب، أنت لا تكلم الجيل الذي كنت تكلمه في الماضي، هذا جيل جديد، ومع ذلك لا زال يقول حتى للجيل الجديد: أي لحية؟ أي إزار؟ هذه سلبية عانينا منها وما زلنا نعاني.
وصل الحال ببعض المنتسبين إلى العلم أن يهاجم الحجاب أكثر من مهاجمة التبرج والسفور، ويقول: الفرض تغطية البدن كاملاً سوى الوجه والكفين، واتخذت هذه الدعوة سلماً إلى التبرج والسفور، وهذا كله بسبب التهوين، فحتى الذين يدعون إلى الله أصيبوا بسبب هذه المحنة.
الثوابت تهتز ولا زالت تهتز حتى الآن، فالاعتداء على شخص الرسول ﵊ موجود، والقائل أنه هل مات بالزائدة الدودية أم لا، كان ينبغي أن يعزر بأن يجلد، وقد يصل التعزير إلى القتل، إذا كان يستهزئ بشخص الرسول ﵊، أو إذا قال كلاماً فيه استهزاء وإن لم يقصد، هذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم، من استهزأ بالله ورسوله، واستهزأ بدين الإسلام يقتل، حتى لو أظهر الرجوع؛ لأنه لو جاء رجل فسب النبي ﵊ واستهزأ به، فلما رأى بارقة السيف قال: تبت؛ تركناه، فاستهزأ آخر، فلما أردنا أن نقيم عليه الحد قال: تبت؛ تركناه، فاستهزأ ثالث، فقال: تبت وهكذا تذهب حرمة نبينا ﷺ ، فحفاظاً على مكانة الرسول ﵊ يقتل هذا الشخص، وإذا تاب فتوبته بينه وبين الله، لكن يقتل تعزيراً، لأنه قد يصل التعزير في مثل هذه الحالة إلى القتل.
واحتج العلماء لها بأحاديث منها: أن النبي ﷺ وجد امرأة مقتولة، ولم يعرفوا من الذي قتلها، فقال: (أنشد الله رجلاً لي عليه حق فعل ما فعل إلا قام، فقام رجل أعمى فقال: إني قتلتها، كانت زوجتي، وكانت بي بارة، لكنها كانت تكثر الوقيعة فيك، فكنت أنهاها فلا تنتهي، فقمت إليها فقتلتها، فقال ﵊: ألا اشهدوا أن دمها هدر) دمها هدر، كانت تسب النبي ﵊.
فكيف يترك هؤلاء دون أن يعاقبوا؟! ولم يصل هؤلاء إلى هذا طفرة، لكنهم لما رأوا أشياء كثيرة تهتز اهتزازاً عنيفاً ساغ لهم أن يهزوا هذا الأصل أيضاً بأسلوب غير مباشر، تقول له: تتكلم عن سيدنا النبي ﷺ ، يقول لك: يا أخي! هذا كلام علمي، وأنا عندما أذكر النبي أقول: محمد أقول ﷺ ، وعليه الصلاة والسلام، لكن هذا كلام علمي.
حسناً هل الجثة موجودة الآن وبإمكانك أن تشرحها حتى تفيد البشرية من هذا المرض، لو جاز لك أن تقول: أنا أشرح إنساناً، وآخذه من المشرحة وأسرقه من أجل أن أعمل أبحاثاً تفيد البشرية، ونطور من خلالها العلاج، ونعرف طبيعة المرض، لو جاز لك ذلك في إنسان له جثة، فما هي الفائدة العلمية التي تعود على هذا الكاتب حتى يقال أن النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية، وقد مات النبي ﷺ منذ خمسة عشر قرناً؟! الفائدة أنك تتكلم عن الرسول فقط، وتتناول شخصه كأنه مثل أي شخص آخر، ممكن فيما بعد أن نشرح مواقفه وأخلاقه، ونعترض عليه، والأمر طبيعي، وهذا كله باسم المنهجية العلمية، وهذا كله علم، ونحن لم نسبه ولم نشتمه، لكن نتكلم كلاماً علمياً.
وتصبح شخصية الرسول ﵊ -التي لم تمس- سهلة المسيس، وأي إنسان ممكن أن يتكلم عليها، وأي إنسان ممكن أن يتناول جانباً آخر من حياته، وقد يظهر شخص ويقول لك: هل مات باللثة -مرض في اللثة- ويستدل بحديث في البخاري أن عائشة ﵂ قالت: (ما زلت أعرف أثر السم في لهاة النبي ﷺ حتى مات) ويأتي لك بتشريح للثة وتشريح للأسنان ويتكلم، وكأنه يتكلم عن شخص عادي، فليس هذا من الوقار والهيبة والاحترام للنبي ﷺ ، وعندما يشرح يتكلمون عليه، حتى الذين لا يصلون يتكلمون عنه.
نحن أمام طوفان هائل، أين هذا الجيل الذي يقف ولاءً لله ورسوله في زمان الغربة، يدافع عن الله ورسوله، وعن دين الله ورسوله في زمان الغربة، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، لا يستوي من نصر الله ورسوله في وقت عز فيه النصير مع الذي انضم إلى القافلة بعد رجوع الناس زرافات ووحداناً إلى دين الله ﵎.
جيل التمكين صار ضرورة، وبكل أسف بعض الذين ينسبون إلى الالتزام والتدين لم يراعوا هذه المسألة، فعندما تنظر إلى أولادهم لا ترى كبير فرق بينهم وبين أولاد غيرهم، كل هذا بسبب أن الأيدي العاملة القائمة على استصلاح الأرض ليست ماهرة، نحن قلنا: الصلاح له ثلاثة أركان: خصوبة الأرض، ومهارة الأيدي العاملة، مع عذوبة الماء إذا تجمعت هذه الثلاث أخرجت لنا زرعاً قوياً.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 133
خطر اليهود
لقد بين الله خطر اليهود على الأمة الإسلامية وذكر في كتابه العزيز أنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وعداوتهم لهذه الأمة ليست أمراً جديداً، بل إنها بدأت منذ ظهور الدعوة الإسلامية، فقد كادوا للنبي ﷺ وحاولوا قتله وألبوا عليه القبائل، وها هم في عصرنا الحاضر يكيدون لنا بشتى الوسائل والأساليب، فتارة بالسلاح كما يحصل في فلسطين، وتارة بالمسخ الأخلاقي والغزو الثقافي كما يحدث في كثير من البلدان، وتارة بالدعوة إلى السلام والحب والوئام، والذي باطنه التربص بالمسلمين وتغريبهم عن دينهم.
стр. 134
أعداء المسلمين في المرحلة المدنية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن النبي ﷺ بدأ بتوطيد العلاقة بين أفراد هذه الأمة وبين الله ببناء المسجد، ثم وطد العلاقة بين أفرادها بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم بيَّن علاقة المسلمين بالذين لا يدينون دين الحق من أهل الكتاب ومن أهل الأوثان.
فعندما ظهر الإسلام في مكة لم يكن هناك إلا عدو واحد ظاهر، وهم: أهل الأوثان فقط، وكانت عداوتهم ظاهرة سافرة، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة ظهر صنف ثانٍ لم يكن إذ ذاك بمكة وهم: المنافقون.
ولم يكن في مكة نفاق، وإنما ظهر النفاق في المدينة، وكان لظهوره عدة أسباب، وظهر في المدينة المنورة عدو قديم وهم اليهود، فصار الإسلام محاطاً في المدينة المنورة بثلاثة من أعدائه: المشركون الذين كانوا يسكنون أصلاً في مكة ولهم أذيال في المدينة، ثم اليهود، ثم هذا الصنف الجديد وهم المنافقون.
وسورة البقرة سورة مدنية فضحت اليهود والمنافقين، ففي مطلع هذه السورة المباركة تجد أوصاف هؤلاء الثلاثة: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين، فوصف الله المؤمنين في أربع آيات، ووصف الكافرين في آيتين، ووصف المنافقين في ثلاث عشرة آية؛ لأنه صنف جديد، شديد الدهاء والمكر، واعلم أنك لا تؤتى من عدوك بقدر ما تؤتى ممن يدعي أنه صديقك وهو ليس كذلك.
стр. 135
خطر النفاق على الأمم والحضارات
إن النفاق أمرّ وأمضى من السيف على رقاب الأمم، وإذا نظرت إلى هلاك أية أمة تجد أن النفاق لعب دوراً كبيراً في هلاكها، وقد حكم الله أن المنافقين ليسوا بمؤمنين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:٨ - ٩].
فالعجب أن بعض المسلمين يقول: إن المنافقين مؤمنون، والمنافقون الذين حكم الله بكفرهم هم الذين كانوا ينافقون نفاق عقيدة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) [النساء:١٤٥].
стр. 136
أقسام النفاق
النفاق قسمان: نفاق عمل، ونفاق علم واعتقاد.
стр. 137
القسم الثاني: نفاق العمل
نفاق العمل مثل قوله ﵌: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) والحديث الآخر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً -وفي رواية: من كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها- إذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان).
هذا النفاق نفاق العمل دركات، وكما أن الإيمان يزيد وينقص، والكفر أيضاً دركات، فكذلك النفاق دركات؛ فالذي يحدِّث ويكذب مرة أو مرتين لا يعتبر داخلاً تحت هذا الحديث، لأن كلمة (إذا): تدل على الاستمرار، هذا دأبه: وأنه كلما حدث كذب، فإذا هنا بمعنى: كلما، أي أن هذا صار شعاراً له؛ كلما حدث كذب، وكلما وعد أخلف، وكلما اؤتمن خان، وكلما خاصم فجر، وكلما عاهد غدر، هذا هو الذي يطلق عليه اسم المنافق، أما الذي يكذب مرة أو مرتين، أو يخلف مرة أو مرتين، ولم يكن ذلك له بخلق، فهذا لا يدخل تحت الحديث.
ويدل على ذلك أن في بعض طرق الحديث أن النبي ﵊ علق هذا الوصف بالذي ينوي أن يكذب إذا حدث، وينوي أن يخلف إذا وعد، أما إذا وعد، ثم جاء أمر خارج عن إرادته وقدرته، فهذا لا يدخل تحت نفاق العمل.
فهؤلاء المنافقون الذين ملئوا الدولة الإسلامية في المدينة المنورة كان لهم شأن عظيم جداً -كما ستعلمون- لاسيما في الغزوات، وقد قال الله في بعضهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧]، في هذه الغزوة الله ﵎ ثبط أولئك عن الخروج؛ لأن خروجهم كان فيه مضرة عظيمة.
لماذا وصف الله الكافرين في آيتين فقط من مطلع سورة البقرة، ووصف المنافقين بثلاث عشرة آية؟ إن الله لما بدأ بالمؤمنين ثنَّى بالكافرين، وإنما يذكر الشيء ثم يذكر ضده، ثم ألحق المنافقين بالكافرين، ولو لاحظت الترتيب في السورة ستراه بدأ بالمؤمنين؛ لأنهم أهل أن يبدأ بهم، ثم ثنى بالكافرين الذين لا اختلاف عند المؤمنين بكفرهم، ثم ثلث بالذين يتصور بعض المسلمين أنهم من المؤمنين، فألحقهم بالكافرين، فهذا الصنف الذي يتردد فيه النظر أهو مسلم أم هو كافر؟ ذكره بعد الكافرين وألحقه بهم ترجيحاً لكفرهم.
стр. 138
القسم الأول: نفاق الاعتقاد
فالذي ينافق نفاق اعتقاد كافر، بل هو أشر من الكافر، وهو الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] أي: دون الكفرة بدركة أو بدركتين إلى ما شاء الله ، والذي ينافق نفاق اعتقاد بخلاف الذي ينافق نفاق العمل، فالذين كانوا على عهد النبي ﵌ كانوا ينافقون نفاق اعتقاد.
ما سبب هذه الفئة الجديدة؟ معلوم أن النبي ﵊ أول ما دخل المدينة وادع كل من كان حولها ومن كان فيها -أي: سالمهم- لأنه لا قبل له بهم، وادعهم حتى موقعة بدر، فبدأ النفاق يظهر؛ لأن القوة الإسلامية بدأت تظهر.
فما ظهر النفاق إلا لقوة الدولة الإسلامية بعد موقعة بدر؛ لأن موقعة بدر فصلت الأمور فصلاً تاماً، ورفعت المسلمين رفعاً عظيماً ما كانوا يتوقعونه، فبدأ المنافقون -وعلى رأسهم عبد الله بن أبي ابن سلول - يوادعون وينافقون ويظهرون خلاف ما يبطنون، وكان النبي ﵊ يعرف ذلك منهم، لكنه أعلم الناس أن الحكم إنما يكون بالظاهر، وحتى لا يفتات الناس على الله ، فيحكموا على العباد بما يظنونه في قلوبهم.
والنبي ﵊ كان يعلم المنافقين، لاسيما بعد غزوة تبوك التي تخلف فيها أكثر من ثمانين من المنافقين وصاروا يعتذرون بشتى الاعتذارات كي لا يخرجوا في هذه الغزوة، بسبب شدة الحر، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك، جاءه المعذرون يعتذرون إليه؛ برغم أنه كان يعلم نفاقهم وكذبهم، إلا أنه قبل منهم علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله .
ومما يدلنا على معرفته بالمنافقين: أنه لما جاء كعب بن مالك وقال: (يا رسول الله! والله ما كان لي من عذر، وما جمعت قط بين راحلتين كما جمعتهما في هذه الغزوة، فقال النبي ﷺ له: أما هذا فصدق) ما معنى هذا الكلام؟ معناه: أن الثمانين الذين اعتذروا قبل ذلك كذبوا عليه، ومع ذلك قبل علانيتهم واستغفر لهم: (وأما هذا فصدق، فقم حتى يحكم الله فيك)، فكان يعرفهم؛ لكنه لا يستطيع أن يقول لرجل جاء وقال: أنا آمنت، أن يقول له: لا أنت كاذب، أنت تضمر خلاف ما تقول، فإن هذا يجرئ العباد بعده على أن يحكموا على ما في قلوب العباد، وهذا خطير جداً، ولو أن هذا الباب فتح، لفتح به شر مستطير لا يعلمه إلا الله.
ولذلك لا يجوز للقاضي أو للحاكم أن يحكم بخلاف ما يسمع من لسان المتهم إلا إن كان عنده قرينة قوية تدل على كذبه، أما أن يحكم على ما في قلبه أو يقول: لا.
أنت تضمر خلاف ما تقول بغير حجة ناهضة؛ فهذا لا شك أن النبي ﷺ نهى عنه، وجميع أنبياء الله إنما يحكمون بالظاهر.
ألم تر إلى أسامة بن زيد لما كان في غزوة من الغزوات -كما روى البخاري في صحيحه - إذا به يرى رجلاً من المشركين أمامه، فعلاه بسيفه؛ فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، فما تركه أسامة حتى قتله، فلما ذهب إلى النبي ﷺ وقال له ذلك؛ قال ﵊ مستنكراً عليه: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟! قال: يا رسول الله! قالها تقية، قالها خوفاً من القتل، قال: هلا شققت عن قلبه! أقتلته بعد أن قالها؟! قال أسامة: فما زال يكررها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلا حين ذاك).
في موقف ترجح لـ أسامة أن هذا الرجل كاذب، وهو في موقف قتال ضد المسلمين، فلما علاه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فترجح لدى أسامة أن هذا الرجل كاذب، وأنه يريد أن ينجو من القتل بهذه الكلمة، فلم يعذره، وقد يكون أسامة معذوراً؛ لأن الظروف والملابسات المحيطة بهذا الرجل أدته إلى هذا الفعل، ولكن النبي ﵊ شدد عليه جداً، وهو يقول له: (أقتلته بعد أن قالها؟!) وهذا يدلنا على أن الأصل هو الحكم بالظاهر، وأننا نقبل علانية الرجل وإن كان كاذباً في الباطن، حتى نعلم علماً يقينياً أنه كاذب، فإن دماء بني آدم معصومة لا تهدر إلا بيقين.
ولذلك لما قال النبي ﵊: (ادرأوا الحدود بالشبهات) كان يرشد إلى أنه لو اشتبهت بأن هذا الرجل لابس الحد أو لم يلابسه، فاعتبر أنه لم يلابس الحد؛ فإذا وقعت للقاضي شبهة، فلا يحل دم المسلم بالشبهة، وإنما يهدر دمه بيقين، فلذلك كان النبي ﵊ يعلم أن المنافقين كاذبون، ومع ذلك ما أحل دماءهم؛ حتى لا يتجرأ من يأتي بعده، مع كونه ﵊ المكلم من السماء.
فهذا الصنف الذي ظهر في المدينة المنورة ظهر بسبب قوة الدولة وشوكتها، ولكم عانى المسلمون الأمرين من جراء هذا الصنف أما الصنف الآخر الذي ينافق نفاق عمل فهو كثير جداً، وهو الذي ابتلي المسلمون به، لاسيما في زماننا هذا ومع ذلك -والله أعلم- قد يكون هناك الذين ينافقون نفاق الكفر، ولكن ما أمرنا أن نشق عن بطن أحد.
стр. 139
كيد اليهود للنبي ﷺ ودعوته
كان أكثر هؤلاء الذين ينافقون نفاق الاعتقاد من اليهود؛ لأنهم حسدوا النبي ﵌ وبغوا عليه وكذبوا عليه، ولا أدل على ذلك من أول واقعة حدثت قبل أن يبني النبي ﷺ المسجد.
إن الأنصار كانوا يخرجون كل يوم إلى طرقات المدينة ينتظرون مقدم النبي ﷺ وصاحبه من مكة، فكانوا كل يوم ينتظرون حتى الظهيرة ثم ينقلبون إلى بيوتهم، فأول من رأى الرسول عليه الصلاة السلام قادماً رجل من اليهود، حبر من أحبارهم، فلما رآه ﵊ يزول به السراب؛ لأنه كان يلبس لباساً أبيض؛ صرخ بأعلى صوته وقال: هذا جدكم أيها العرب! فخرج المسلمون إليه بالسلاح.
وأول موقف حدث بعدما وطئت أقدام النبي ﷺ المدينة مع هؤلاء اليهود يقصه لنا عبد الله بن سلام ﵁، وكان حبر اليهود الأكبر، يقول: (إذ سمعت بمقدم النبي ﵊، قال: فجئته فأول ما نظرت إلى وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فسألته عن مسائل، فأجاب النبي ﵌ بها، فأسلم عبد الله بن سلام، وقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي يكذبون ويفترون- وإنهم إذا علموا بإسلامي بهتوني ما ليس فيَّ، فادعهم وسلهم عني وأنا مختبئ في هذه الدار، فأرسل النبي ﷺ إلى اليهود، فلما دخلوا عليه قال: يا معشر يهود! اتقوا الله؛ فإنكم تعلمون أني رسول الله حقاً.
قالوا: ما نعلمك (ثلاثاً).
فقال لهم: ما عبد الله بن سلام فيكم -أي ما منزلته-؟ قالوا: هذا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
فقال لهم: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله أن يسلم! -وفي رواية قالوا: معاذ الله أن يفعل ذلك!! - فقال: اخرج يا عبد الله، فخرج من وراء الحائط وهو يقول لهم: اتقوا الله! فإنكم تعلمون أنه رسول الله حقاً.
قالوا له: كذبت.
فأنت شرنا وابن شرنا، ثم خرجوا).
كان هذا أول موقف لليهود مع النبي ﷺ حتى قبل أن يبني المسجد، يكذبون ويفترون (اتقوا الله يا معشر يهود فإنكم تعلمون أني رسول الله حقاً) يقولون: ما نعلمك!! وهم يكذبون؛ لأن الله قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: ليس هناك رجل يجهل ولده، فكما أنهم يعرفون أبناءهم، فهم يعرفون صفته ﵊، ولكنهم جحدوه، فكان لهم معه أمر عظيمٌ جداً، ونكل بهم بعد ذلك أشد التنكيل، كيف لا ينكل بهم الذين افتروا حتى على رب العزة، وتاريخهم مع نبيهم بل مع أنبيائهم جميعاً تاريخ معروف حافل بالغدر والخديعة؟!
стр. 140
صور من محاولات اليهود في إبعاد المسلمين عن دين ربهم
وهنا نتطرق لدراسة نفسية اليهود، وأخلاقهم لتعلموا الخطر المحدق بهذه الأمة بسبب مسالمتها لليهود.
стр. 141
الغزو الفكري والثقافي
إن تاريخ الغزو الفكري يدل على دهاء اليهود وغفلة المسلمين، فلقد علم اليهود وكل الذين عادوا المسلمين أنهم في الحرب المباشرة يخسرون، والمسلم من أجسر الناس قلباً في الحرب، لاسيما إن استنفرته باسم الدين، فإنه يتطلع إلى جنة الله ، يشتاق إليها، لا ينظر إلى روحه، وهذه مسألة معلومة من وقائع السيرة النبوية والغزوات، والله قال عن اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤].
لقد دخل اليهود معنا في معركة، ونحن في هذا العصر لم نلتفت إليها بل لم نحسنها، وهي معركة الغزو الفكري.
معركة الغزو الفكري هي أن يدمر دينك وأنت لا تشعر؛ فبدلاً من أن يدخل معك في حرب مباشرة، يحصل مقصوده وهو هناك على مكتبه، وأقرب الأمثلة على ذلك فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وأنتم تعلمون أن القائمين على جائزة نوبل هم اليهود، وقد علم اليهود أن المسلمين يتحرقون شوقاً إلى الفوز بجائزة نوبل، ويرون أنهم على سنار الكرة الأرضية، ولا قيمة لهم إن لم يفوزوا بجائزة نوبل، وعلموا هذا من الترشيحات المستمرة للأدباء المصريين والعرب وأنهم يفشلون في كل مرة، فنظروا وفتشوا، فإذا هذا الرجل نجيب محفوظ له هذه الرواية: (أولاد حارتنا) طبعاً اسم مضلل يضلل العوام؛ لأن هذه الرسالة أو القصة نشرت في جميع بلاد الغرب باسمها الحقيقي: (موت الإله)، واعترض عليها الأزهر سنة (٥٨) وحرم هذه الرواية، وترجمت في جميع بلاد العالم بهذا الاسم: (موت الإله) الذي يصف الله فيه بأنه ظالم، وأنه تزوج بامرأتين، وأنه ظلم إبليس؛ لأنه كان يقسو عليه، وكان ظالماً لأمه، وكان يدلل المرأة الأخرى، ومن فجره أنه سمى الأولاد بأسماء قريبة من أسماء الأنبياء.
فالنبي ﷺ اسمه في هذه الرواية (قاسم)؛ لأنه أبو القاسم، وصفه في هذه الرواية بأنه طيب وابن حلال، لكنه وإن كان كذلك فإن دعوته بالخير لم تثمر عند أحد؛ لأنه لا أحد يقتنع بدعوته في هذا الزمان مع ظلم هذا الإله الكبير، هذا الرب الذي يقعد في هذا البيت، وقد ظلم المرأة وظلم أولادها، يجعل جميع الأنبياء سفاكين، وإبليس مظلوماً؛ لأن أباه ظلم أمه، فهو مظلوم، فيعتذر عن إبليس ويتهم الأنبياء.
ثم يزعمون أن هذه إشارات للخير والشر وأن هذا فن، فهذا العفن الذي أخذناه من اليهود فن.
وكلية الفنون الجميلة تأتي فيها المرأة عارية كما ولدتها أمها -وحتى الآن- ثم يأتون بالشباب يرسمونها على كل وضع: على ظهرها، وعلى جنبها، واقفة وراقدة، ويزعمون أن هذا فن.
وفي السياحة والفنادق يعلمون الشباب صنع الخمور، وكيفية التمييز بين الخمور المختلفة، وكيفية معرفة الخمور المسمومة أو الزائفة من غيرها، وكيفيه تقديم الخمور بلطافة للذي يشرب، كل هذا أتانا من اليهود.
ولما علم اليهود أننا نتحرق شوقاً لجائزة نوبل، نظروا فوجدوا أولاد حارتنا، ووجدوا أن الأزهر صادر هذه الرواية، فقالوا: كيف ننشر هذه الرواية؟ -هذا سؤال يسأله اليهود لأنفهسم- كيف ننشر هذه الرواية ويعلمها القاصي والداني، ونحلل دينهم من خلالها؟ قالوا: نُعطيه جائزة نوبل! وفعلاً رشحوه لجائزة نوبل، وصفق الشرق العربي كله لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وما هي إلا ثلاثمائة وتسعون ألف دولار قيمة الجائزة؛ يعني: مليون جنيه، ونستطيع بها تحليل عقائد ألف شاب أو مائة شاب.
ونشرت الرواية على رغم أنف الأزهر، وتباع على الأرصفة، وصار لها شأن عظيم، وخرج الأدباء يكفرون المشايخ، ويتهمونهم على صفحات الجرائد بالجمود، ويقولون: هذه حرية رأي، ويأخذون حديثاً من نجيب محفوظ يقول فيه: أنا أرجو من علماء الدين أن يبعدوا الدين عن هذه الأشياء، فمسألة المصادرة والحجر هذه كلمات يجب أن تلغى من القاموس أصلاً، ويتهكمون أن رجال الدين أفقهم ضيق لا يفهمون الفن، ولا البلاغة ولا الإيماءات.
وكذلك هذه الأغنية التي حصل عليها ضجة: أغنية (من غير ليه) ورفع بعض المسلمين دعوة على المغني وعلى الكاتب؛ لأنه يقول: (أنا مش عارف من أين أتيت ولم أتيت وما فائدة هذه الحياة)، فنسمع من الذين يسمون بالمؤرخين المسلمين -وهذه مصيبة كبيرة- يأتي على صفحات الجرائد ويقول: نصيحة إلى علماء الدين: يجب أن يجردوا الفن من الدين، فالفن هذا شيء والدين شيء آخر، لا يجوز أن يكون الدين حاكماً على الفن وإلا حكمنا على كثيرين بالكفر.
فمثلاً: نحكم على الذي قال: (قدر أحمق الخطى) بالكفر، ألا يرى أن هذا كفر؟ وقام الأزهر من عشر سنوات وعمل ضجة حتى تلغى هذه الأغنية، ومع ذلك تذاع ليل نهار.
فهذا الرجل يقول: يجب أن ننحي الدين عن الأغاني فهذا فن! وهذا امتداد لقولهم أن الدين لا يهيمن على الحياة، مع أنهم يعلمون أن كاتب الأغنية نصراني؛ فهو أصلاً كافر، واسمه: مرسي جميل عزيز.
فهذا من مخلفات الغزو الفكري، أن ينشر هذه القضايا التي استدعاها اليهود في هذا البلد الآمن، ولنا مع هؤلاء وقفة ووقفات حتى نظهر كيدهم ونبصر المسلمين بالدور الكبير الذي يقوم به أذنابهم وعملائهم في بلاد الإسلام.
نسأل الله الرحمة، ونسأله العافية من كل داء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 142
الدعوة للسلام
إن أعظم كسب لليهود أن توادعهم الأمة المسلمة، ولا يحتجن أحد أن النبي ﵌ وادع اليهود؛ كما قال بعضهم واحتجوا بقول الله : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] بل وخرج بعض الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا يطبلون لهذا السلام المزعوم.
ونحن لسنا في شهوة لدماء البشر، ولقد عُرف المسلمون في كل مراحل التاريخ أنهم أقل الناس سفكاً للدماء، وأنهم أقل الناس ولوغاً في دماء الخلق، ولكن اليهود قوم لا خلاق لهم، قال الله : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فنبذ العهد سمة معروفة من سمات اليهود، ثم إن جنحوا هم فسأجنح أنا، والآية لفظها صريح جداً: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] أما هؤلاء فلا يجنحون لسلم أبداً.
أترى رجل يجنح للسلم وعنده سنة (١٩٧٦م) مائة وعشرون رأساً نووياً.
لماذا يسعى إلى تصنيع السلاح الذري؟! ولماذا يضرب بمنتهى البجاحة كل المفاعلات النووية في بلاد المسلمين؟! حتى البلاد التي لا تظهر عداوتها صراحة كالباكستان مثلاً، ضربوا المفاعل النووي في باكستان، بل وقتلوا علماء الذرة المصريين والمسلمين في باريس كالدكتور: يحيى المذهبي الذي كان يتعاهد المفاعل النووي العراقي، ومعروف أن المفاعل النووي العراقي ضرب سنة (١٩٨٠م)، وخرجت الطائرات بمنتهى الاطمئنان وضربته ورجعت ولم تعتذر.
إن السلام حقيقة مسلوبة والعدل فلسفة اللهيب الخاب لا عدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب لا يمكن أن يكون هناك سلام وعدوك يتربص بك، فهذه هدنة وليس سلاماً، يهادوننا حتى يسترجعوا أنفاسهم ويصنعوا أسلحتهم.
قرأنا في الجرائد عن القنبلة الخطيرة التي تصنعها إسرائيل اليوم، وهي قنبلة آثارها لا تلحق بإسرائيل وتلحق بمصر مثلاً أو الشام وهذه البلاد، أرأيتم إلى القنبلة الموقوتة التي ضرب بها رشيد كرامي في لبنان، قنبلة موقوتة وضعت تحت الكرسي تنسف الرجل فقط ولا تنسف الطائرة، بالرغم من أن الطائرة حجمها صغير، فقتلت الرجل ولم تصب الطائرة بشيء.
فإذا كانوا سنة (١٩٧٦م) -أي: منذ أكثر من عشر سنوات- كان لديهم مائة وعشرون رأساً نووياً، وهذا الذي ظهر، والذي لديهم لا شك أنه أكثر من ذلك، ويصنعون القمر الإسرائيلي المعروف، حتى خرج بعض الذين لا يعون في هذا الأسبوع وقال: لا خطر علينا إطلاقاً من القمر الصناعي الإسرائيلي، ما شاء الله!! لا خطر إطلاقاً!! يعني: كأن إسرائيل هذه دولة حميمة صديقة جداً لا تتربص الدوائر بالمسلمين! يعني: اطمأنوا وناموا! والذي يدرس تاريخ هؤلاء يعلم علماً يقينياً أنهم لا يجنحون لسلام أبداً، اقرأوا مذكرات القادة الإسرائيليين عن حرب [٧٣] كانت لحكمة بليغة، وكان نصراً مؤزراً.
فهؤلاء اليهود الذين عادوا النبي ﷺ وعادوا أمته قال الله فيهم مقالة صريحة تصم آذان الجهلة -إن لم يكن المعتدين على حدوده-: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] إذاً: القضية محسومة، طالما أنك على الإسلام فثق أنك في محل السخط من هؤلاء.
هل نسيتم أيها المسلمون دير ياسين؟ ألم تقرأوا حتى التاريخ المعاصر؟ كان الرجل اليهودي يأتي على امرأة مسلمة حامل في الشهر الأخير، ثم يقول للذي بجانبه: الذي في بطنها ذكر أم أنثى؟ فواحد يقول ذكر والآخر يقول أنثى، فيتراهنون، ثم يبقرون بطنها حتى يعلم الذي في بطنها أهو ذكر أم أنثى!! إن كنتم قد نسيتم دير ياسين فأنا أظنكم لن تنسوا صبرا وشاتيلا، مذابح بالألوف المؤلفة.
لقد رأينا مناظر يندى لها الجبين: طفل بريء وقد غطى الدم وجهه ورمي جيفة للكلاب، وما يحدث الآن في لبنان ليس ببعيد ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨] كيف؟ لكننا ننسى بسرعة!
стр. 143
من كيد اليهود
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إن دور اليهود في حياة المسلمين المعاصرة يكاد يدخل في كل شيء، أرأيتم وأنا أدعو المسلمين أن يقرءوا التاريخ المعاصر قراءة متأنية، أرجو أن تقرأوا التاريخ المعاصر بدءاً من الحملة الفرنسية على الأقل.
إن حرق الحجاب في ميدان الإسماعيلية -الذي هو ميدان التحرير الآن في القاهرة- كان بسبب اليهود أيضاً، فقد كان قبل سنة (١٩١٩م) النقاب منتشراً، ولعل الذين هم فوق سن السبعين الآن رأوا هذا النقاب الذي كانت المرأة تغطي به الوجه؛ ففي الريف -على وجه الخصوص- وفي بعض المدن، كان النقاب منتشراً ثم قامت ثورة التاسع عشر، وخرجت النساء وصفية زغلول التي يسمونها أم المصريين في مقدمة الركب، وذهبن ليتظاهرن على الإنجليز، ثم خرجت قوات الاحتلال الإنجليزي لتضرب هؤلاء النسوة، فما كان من النسوة إلا أن فعلن شيئاً في غاية العجب: خلعن جميعاً هذا الحجاب وحرّقنه بالنار.
فما علاقة الحجاب بالاحتجاج على الإنجليز؟! يمثلون ولكن لا يحسنون حتى الكذب، ما علاقة هذا الحجاب بالاحتجاج على الإنجليز؟ فالمقصود من خروجهن حرق الحجاب وليس ضد الإنجليز، وماذا سيفعلن النساء ضد الإنجليز وقد خرجن عزّلاً من السلاح؟! كان المقصود أن يحرق هذا الحجاب، وأن يداس بالأقدام؛ ولذلك غيروا اسمه من ميدان الإسماعيلية إلى ميدان التحرير، إشارة إلى تحرير المرأة، وكأن الإنجليز هم الذين فرضوا عليها هذا الحجاب؛ فنكاية فيهم نحن نحرق هذا الحجاب، وبدأ السفور من أيامها إلى الآن.
هذا أيضاً من صنع اليهود، هؤلاء اليهود الذين عروا يوماً امرأة واحدة، فوضع يهودي ذيل المرأة في طرفها أو في عمود أو خشبة، فلما أرادت المرأة أن تقوم انكشفت عورتها، وهذا بفعل يهودي، صرخت وقالت: (وامعتصماه) ثم فتحت عمورية لأجل هذه المرأة.
رجل عنده نخوة من المسلمين، سمع وامعتصماه فأخذته النخوة والعزة بالإسلام، وذهب إلى المعتصم يمشي على قدميه وهو يقول: رأيت كذا وكذا، وصرخت المرأة وقالت: وامعتصماه! ولأجل هذه المرأة جرد المعتصم جيشاً وفتح عمورية.
ألا ترون أن اليهود هم الذين عروا جميع نساء المسلمين اليوم؟! ثم انظر إلى الفرق، امرأة واحدة فتحت بها عمورية، ونساء المسلمين اليوم عرايا كلهن، إلا من عصم الله، وهذا بسبب فعل اليهود، وما تحرك أولئك، كل شيء يدخلون النساء فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء).
وتجدون في مذكرات الذين حضروا الحرب العالمية الثانية: لماذا هزم هتلر مع أنه كان في أول الحرب قد انتصر انتصاراً عظيماً جداً؟ ستجدون أنه غُلب بالنساء؛ فقد كان هتلر رجلاً عسكرياً صارماً، فمنع الإجازات عن المتزوجين منهم -أي: ليس هناك أي إجازات إطلاقاً- حياة قاسية فعلم اليهود بذلك، فسربوا النساء إلى معسكرات الجنود ليلاً، بعد أن حقنوهن بحقن تجعل الذي يجامع هذه المرأة يفقد أعصابه، فأول ما رأى هؤلاء الجنود النساء كان حالهم كالجائع إذا رأى الطعام، وبعد أن يجامع المرأة يقعد وقد شلّت أعصابه.
فاليهود قوم دهاة يحتاجون إلى ذكاء وحذر في معاملتهم.
الاستراتيجيون العرب أبدوا مخاوفهم من هذا القمر الصناعي الإسرائيلي، وقالوا: إنه على ارتفاع شاهق جداً ويصور أي شيء في بلاد المسلمين، بحيث أنك إن أردت أن تتدرب سراً مثلاً لا تستطيع، لماذا؟ لأنه يكشفك، فبلادك كلها مشكوفة بهذا القمر، ومع ذلك يخرج رجل فيقول: ليس هناك إطلاقاً أي مخاوف من القمر الصناعي الإسرائيلي.
ونحن منذ قبل سنة ثمانين نريد أن نصنع مفاعلات نووية في مصر، ونقول: إنها مفاعلات سلمية، يعني: لإنتاج الطاقة والكهرباء فقط، وإسرائيل معترضة على ذلك، هم يفعلون ما يشاءون ونحن لا نجرؤ حتى على الاعتراض، ولو اعترضنا لا قيمة لهذا الاعتراض، هذا كله بسبب تغلغل اليهود في حياة المسلمين، وبسبب ضعفنا نحن وبعدنا عن ديننا.
فهؤلاء اليهود جندوا المرأة، واستوعبوا كل إمكانياتها في إضلال جميع الخلق، وعلى رأسهم المسلمون.
فمثلاً: في الإعلانات هناك إعلان عن إطار سيارة -عجلة سيارة- فتجد الإطار ثم فخذ امرأة بجانب الإطار، ما علاقة فخذ المرأة بإطار السيارة؟! وهلا وضعتم فخذ رجل! أي شيء يضعون المرأة فيه؛ لعلمهم أن هذا هو الذي يقتل المسلمين فعلاً.
فهؤلاء اليهود دهاة جداً وماكرون جداً، ولو استطعنا أن نأخذ حذرنا منهم، فهذه هي أولى درجات النصر.
نسأل الله ﵎ أن يبصرنا بعيوبنا، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأن ينصرنا على من بغى علينا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 144
رعاية المصالح
(جلب المصالح ودرء المفاسد) قاعدة شرعية متفق عليها بين علماء الإسلام، بل إنه ما أنزلت الشرائع إلا لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها.
لكن بعض الناس يتخذ المصلحة صنماً يعبده، ويفهم هذه القاعدة على هواه، فيرد بها من أحكام الشريعة ما لا يقوم الإسلام إلا به، فيجيز لنفسه ولأتباعه الطواف بالقبور والتمسح بها، ويزعم أن ذلك من المصلحة الشرعية، وهذا الفعل قد علم من دين الإسلام أنه من الأعمال الشركية التي لا مهادنة فيها، ولا مصلحة مع بقائها.
стр. 145
حكم المصلحة إذا عارضت النص أو القياس أو الإجماع
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سمعت بعض الذين يجيزون الخروج والاعتكاف في المساجد، سمعت ممن سمع منه هذه الفتوى، قال: يجوز للمسلم أن يخرج في سبيل الله، وأن يعتكف في مسجد فيه قبر.
فإن كانت المصلحة تقتضي ذلك لقال ما هو أبعد من ذلك، وقال لهم أيضاً: إذا رأيتم جماعة يطوفون حول ضريح، فطوفوا معهم بنية الدعوة، طف معه حول القبر، وأنت تمشي في الأشواط كلمه، ادعه، إن كانت المصلحة تقتضي ذلك، ثم احتج بقصة الغرانيق، ولقد طار لبي، وقفَّ شعري، واقشعر جلدي؛ أن يكون هناك مسلم يحتج بقصة الغرانيق، وأنا أعلم أن الجمهور الأعظم من الجالسين لا يعرف قصة الغرانيق.
أولاً: نحن نعلم أن المصلحة المعتبرة شرعاً يشترط فيها ألا تصادم كتاب الله ، ولا سنة النبي ﷺ ، ولا تصادم القياس، وتحقق المصالح الخمسة، وهناك شرط أخير: وهو ألا يفوت بفعل هذه المصلحة ما هو أعظم منها.
فمثلاً: لو أن هناك قطعة أرض، ولكنها معبر يمر الناس منها، فاستولى عليها بعض الناس أو أخذها؛ يريد أن يبني عليها بيتاً، لا شك أن هذا يحقق له مصلحة، لكن تحقيق هذه المصلحة ضيع مصلحة أعظم منها، وهو انتفاع الجمهور الأعظم بهذه القطعة، نحن نسلم أن فرداً واحداً أو اثنين أو ثلاثة انتفع بهذا المشروع، لكنه عاد بالضرر على ألف رجل أو مائة رجل أو خمسمائة رجل، فيشترط أيضاً في المصلحة: ألا يفوت بفعلها مصلحة أعظم منها.
ولقد طار هذا الخبر -سجود المشركين في آية النجم- فرجع كثير من المسلمين من أرض الحبشة، وظنوا أن قريشاً أسلمت؛ لأنهم سجدوا، فلما رجعوا وجدوهم أشد أذىً على النبي ﷺ وعلى أصحابه؛ فهاجروا الهجرة الثانية.
نخلص من هذا: أن ضابط المصلحة لا يكون بمعارضة الكتاب والسنة، فإن قلت: هذه مصلحة، وكانت في معارضة الكتاب والسنة، فاعلم أنها مصلحة فاسدة، ولا أعلم أحداً من علماء المسلمين أفتى بأنه يجوز العمل بالمصلحة وإن خالفت الكتاب والسنة إلا نجم الدين الطوفي، وقد رد عليه جميع العلماء بحثه هذا، وكان رجلاً مبتدعاً يجمع نحو خمس بدع، فردوا عليه بحثه هذا، والذي يقرأ في باب المصالح المرسلة يجد رد العلماء على نجم الدين الطوفي، فلا يغتر إنسان أو قارئ ببحثه وإن أدلى بشبهه هذه.
следующие страницы →