← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الغزو الفكري والثقافي إن تاريخ الغزو الفكري يدل على دهاء اليهود وغفلة المسلمين، فلقد علم اليهود وكل الذين عادوا المسلمين أنهم في الحرب المباشرة يخسرون، والمسلم من أجسر الناس قلباً في الحرب، لاسيما إن استنفرته باسم الدين، فإنه يتطلع إلى جنة الله ، يشتاق إليها، لا ينظر إلى روحه، وهذه مسألة معلومة من وقائع السيرة النبوية والغزوات، والله قال عن اليهود: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤]. لقد دخل اليهود معنا في معركة، ونحن في هذا العصر لم نلتفت إليها بل لم نحسنها، وهي معركة الغزو الفكري. معركة الغزو الفكري هي أن يدمر دينك وأنت لا تشعر؛ فبدلاً من أن يدخل معك في حرب مباشرة، يحصل مقصوده وهو هناك على مكتبه، وأقرب الأمثلة على ذلك فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وأنتم تعلمون أن القائمين على جائزة نوبل هم اليهود، وقد علم اليهود أن المسلمين يتحرقون شوقاً إلى الفوز بجائزة نوبل، ويرون أنهم على سنار الكرة الأرضية، ولا قيمة لهم إن لم يفوزوا بجائزة نوبل، وعلموا هذا من الترشيحات المستمرة للأدباء المصريين والعرب وأنهم يفشلون في كل مرة، فنظروا وفتشوا، فإذا هذا الرجل نجيب محفوظ له هذه الرواية: (أولاد حارتنا) طبعاً اسم مضلل يضلل العوام؛ لأن هذه الرسالة أو القصة نشرت في جميع بلاد الغرب باسمها الحقيقي: (موت الإله)، واعترض عليها الأزهر سنة (٥٨) وحرم هذه الرواية، وترجمت في جميع بلاد العالم بهذا الاسم: (موت الإله) الذي يصف الله فيه بأنه ظالم، وأنه تزوج بامرأتين، وأنه ظلم إبليس؛ لأنه كان يقسو عليه، وكان ظالماً لأمه، وكان يدلل المرأة الأخرى، ومن فجره أنه سمى الأولاد بأسماء قريبة من أسماء الأنبياء. فالنبي ﷺ اسمه في هذه الرواية (قاسم)؛ لأنه أبو القاسم، وصفه في هذه الرواية بأنه طيب وابن حلال، لكنه وإن كان كذلك فإن دعوته بالخير لم تثمر عند أحد؛ لأنه لا أحد يقتنع بدعوته في هذا الزمان مع ظلم هذا الإله الكبير، هذا الرب الذي يقعد في هذا البيت، وقد ظلم المرأة وظلم أولادها، يجعل جميع الأنبياء سفاكين، وإبليس مظلوماً؛ لأن أباه ظلم أمه، فهو مظلوم، فيعتذر عن إبليس ويتهم الأنبياء. ثم يزعمون أن هذه إشارات للخير والشر وأن هذا فن، فهذا العفن الذي أخذناه من اليهود فن. وكلية الفنون الجميلة تأتي فيها المرأة عارية كما ولدتها أمها -وحتى الآن- ثم يأتون بالشباب يرسمونها على كل وضع: على ظهرها، وعلى جنبها، واقفة وراقدة، ويزعمون أن هذا فن. وفي السياحة والفنادق يعلمون الشباب صنع الخمور، وكيفية التمييز بين الخمور المختلفة، وكيفية معرفة الخمور المسمومة أو الزائفة من غيرها، وكيفيه تقديم الخمور بلطافة للذي يشرب، كل هذا أتانا من اليهود. ولما علم اليهود أننا نتحرق شوقاً لجائزة نوبل، نظروا فوجدوا أولاد حارتنا، ووجدوا أن الأزهر صادر هذه الرواية، فقالوا: كيف ننشر هذه الرواية؟ -هذا سؤال يسأله اليهود لأنفهسم- كيف ننشر هذه الرواية ويعلمها القاصي والداني، ونحلل دينهم من خلالها؟ قالوا: نُعطيه جائزة نوبل! وفعلاً رشحوه لجائزة نوبل، وصفق الشرق العربي كله لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وما هي إلا ثلاثمائة وتسعون ألف دولار قيمة الجائزة؛ يعني: مليون جنيه، ونستطيع بها تحليل عقائد ألف شاب أو مائة شاب. ونشرت الرواية على رغم أنف الأزهر، وتباع على الأرصفة، وصار لها شأن عظيم، وخرج الأدباء يكفرون المشايخ، ويتهمونهم على صفحات الجرائد بالجمود، ويقولون: هذه حرية رأي، ويأخذون حديثاً من نجيب محفوظ يقول فيه: أنا أرجو من علماء الدين أن يبعدوا الدين عن هذه الأشياء، فمسألة المصادرة والحجر هذه كلمات يجب أن تلغى من القاموس أصلاً، ويتهكمون أن رجال الدين أفقهم ضيق لا يفهمون الفن، ولا البلاغة ولا الإيماءات. وكذلك هذه الأغنية التي حصل عليها ضجة: أغنية (من غير ليه) ورفع بعض المسلمين دعوة على المغني وعلى الكاتب؛ لأنه يقول: (أنا مش عارف من أين أتيت ولم أتيت وما فائدة هذه الحياة)، فنسمع من الذين يسمون بالمؤرخين المسلمين -وهذه مصيبة كبيرة- يأتي على صفحات الجرائد ويقول: نصيحة إلى علماء الدين: يجب أن يجردوا الفن من الدين، فالفن هذا شيء والدين شيء آخر، لا يجوز أن يكون الدين حاكماً على الفن وإلا حكمنا على كثيرين بالكفر. فمثلاً: نحكم على الذي قال: (قدر أحمق الخطى) بالكفر، ألا يرى أن هذا كفر؟ وقام الأزهر من عشر سنوات وعمل ضجة حتى تلغى هذه الأغنية، ومع ذلك تذاع ليل نهار. فهذا الرجل يقول: يجب أن ننحي الدين عن الأغاني فهذا فن! وهذا امتداد لقولهم أن الدين لا يهيمن على الحياة، مع أنهم يعلمون أن كاتب الأغنية نصراني؛ فهو أصلاً كافر، واسمه: مرسي جميل عزيز. فهذا من مخلفات الغزو الفكري، أن ينشر هذه القضايا التي استدعاها اليهود في هذا البلد الآمن، ولنا مع هؤلاء وقفة ووقفات حتى نظهر كيدهم ونبصر المسلمين بالدور الكبير الذي يقوم به أذنابهم وعملائهم في بلاد الإسلام. نسأل الله الرحمة، ونسأله العافية من كل داء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 142

الدعوة للسلام إن أعظم كسب لليهود أن توادعهم الأمة المسلمة، ولا يحتجن أحد أن النبي ﵌ وادع اليهود؛ كما قال بعضهم واحتجوا بقول الله : ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال:٦١] بل وخرج بعض الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا يطبلون لهذا السلام المزعوم. ونحن لسنا في شهوة لدماء البشر، ولقد عُرف المسلمون في كل مراحل التاريخ أنهم أقل الناس سفكاً للدماء، وأنهم أقل الناس ولوغاً في دماء الخلق، ولكن اليهود قوم لا خلاق لهم، قال الله : ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فنبذ العهد سمة معروفة من سمات اليهود، ثم إن جنحوا هم فسأجنح أنا، والآية لفظها صريح جداً: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١] أما هؤلاء فلا يجنحون لسلم أبداً. أترى رجل يجنح للسلم وعنده سنة (١٩٧٦م) مائة وعشرون رأساً نووياً. لماذا يسعى إلى تصنيع السلاح الذري؟! ولماذا يضرب بمنتهى البجاحة كل المفاعلات النووية في بلاد المسلمين؟! حتى البلاد التي لا تظهر عداوتها صراحة كالباكستان مثلاً، ضربوا المفاعل النووي في باكستان، بل وقتلوا علماء الذرة المصريين والمسلمين في باريس كالدكتور: يحيى المذهبي الذي كان يتعاهد المفاعل النووي العراقي، ومعروف أن المفاعل النووي العراقي ضرب سنة (١٩٨٠م)، وخرجت الطائرات بمنتهى الاطمئنان وضربته ورجعت ولم تعتذر. إن السلام حقيقة مسلوبة والعدل فلسفة اللهيب الخاب لا عدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهاب بالإرهاب لا يمكن أن يكون هناك سلام وعدوك يتربص بك، فهذه هدنة وليس سلاماً، يهادوننا حتى يسترجعوا أنفاسهم ويصنعوا أسلحتهم. قرأنا في الجرائد عن القنبلة الخطيرة التي تصنعها إسرائيل اليوم، وهي قنبلة آثارها لا تلحق بإسرائيل وتلحق بمصر مثلاً أو الشام وهذه البلاد، أرأيتم إلى القنبلة الموقوتة التي ضرب بها رشيد كرامي في لبنان، قنبلة موقوتة وضعت تحت الكرسي تنسف الرجل فقط ولا تنسف الطائرة، بالرغم من أن الطائرة حجمها صغير، فقتلت الرجل ولم تصب الطائرة بشيء. فإذا كانوا سنة (١٩٧٦م) -أي: منذ أكثر من عشر سنوات- كان لديهم مائة وعشرون رأساً نووياً، وهذا الذي ظهر، والذي لديهم لا شك أنه أكثر من ذلك، ويصنعون القمر الإسرائيلي المعروف، حتى خرج بعض الذين لا يعون في هذا الأسبوع وقال: لا خطر علينا إطلاقاً من القمر الصناعي الإسرائيلي، ما شاء الله!! لا خطر إطلاقاً!! يعني: كأن إسرائيل هذه دولة حميمة صديقة جداً لا تتربص الدوائر بالمسلمين! يعني: اطمأنوا وناموا! والذي يدرس تاريخ هؤلاء يعلم علماً يقينياً أنهم لا يجنحون لسلام أبداً، اقرأوا مذكرات القادة الإسرائيليين عن حرب [٧٣] كانت لحكمة بليغة، وكان نصراً مؤزراً. فهؤلاء اليهود الذين عادوا النبي ﷺ وعادوا أمته قال الله فيهم مقالة صريحة تصم آذان الجهلة -إن لم يكن المعتدين على حدوده-: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] إذاً: القضية محسومة، طالما أنك على الإسلام فثق أنك في محل السخط من هؤلاء. هل نسيتم أيها المسلمون دير ياسين؟ ألم تقرأوا حتى التاريخ المعاصر؟ كان الرجل اليهودي يأتي على امرأة مسلمة حامل في الشهر الأخير، ثم يقول للذي بجانبه: الذي في بطنها ذكر أم أنثى؟ فواحد يقول ذكر والآخر يقول أنثى، فيتراهنون، ثم يبقرون بطنها حتى يعلم الذي في بطنها أهو ذكر أم أنثى!! إن كنتم قد نسيتم دير ياسين فأنا أظنكم لن تنسوا صبرا وشاتيلا، مذابح بالألوف المؤلفة. لقد رأينا مناظر يندى لها الجبين: طفل بريء وقد غطى الدم وجهه ورمي جيفة للكلاب، وما يحدث الآن في لبنان ليس ببعيد ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨] كيف؟ لكننا ننسى بسرعة!

стр. 143

من كيد اليهود الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن دور اليهود في حياة المسلمين المعاصرة يكاد يدخل في كل شيء، أرأيتم وأنا أدعو المسلمين أن يقرءوا التاريخ المعاصر قراءة متأنية، أرجو أن تقرأوا التاريخ المعاصر بدءاً من الحملة الفرنسية على الأقل. إن حرق الحجاب في ميدان الإسماعيلية -الذي هو ميدان التحرير الآن في القاهرة- كان بسبب اليهود أيضاً، فقد كان قبل سنة (١٩١٩م) النقاب منتشراً، ولعل الذين هم فوق سن السبعين الآن رأوا هذا النقاب الذي كانت المرأة تغطي به الوجه؛ ففي الريف -على وجه الخصوص- وفي بعض المدن، كان النقاب منتشراً ثم قامت ثورة التاسع عشر، وخرجت النساء وصفية زغلول التي يسمونها أم المصريين في مقدمة الركب، وذهبن ليتظاهرن على الإنجليز، ثم خرجت قوات الاحتلال الإنجليزي لتضرب هؤلاء النسوة، فما كان من النسوة إلا أن فعلن شيئاً في غاية العجب: خلعن جميعاً هذا الحجاب وحرّقنه بالنار. فما علاقة الحجاب بالاحتجاج على الإنجليز؟! يمثلون ولكن لا يحسنون حتى الكذب، ما علاقة هذا الحجاب بالاحتجاج على الإنجليز؟ فالمقصود من خروجهن حرق الحجاب وليس ضد الإنجليز، وماذا سيفعلن النساء ضد الإنجليز وقد خرجن عزّلاً من السلاح؟! كان المقصود أن يحرق هذا الحجاب، وأن يداس بالأقدام؛ ولذلك غيروا اسمه من ميدان الإسماعيلية إلى ميدان التحرير، إشارة إلى تحرير المرأة، وكأن الإنجليز هم الذين فرضوا عليها هذا الحجاب؛ فنكاية فيهم نحن نحرق هذا الحجاب، وبدأ السفور من أيامها إلى الآن. هذا أيضاً من صنع اليهود، هؤلاء اليهود الذين عروا يوماً امرأة واحدة، فوضع يهودي ذيل المرأة في طرفها أو في عمود أو خشبة، فلما أرادت المرأة أن تقوم انكشفت عورتها، وهذا بفعل يهودي، صرخت وقالت: (وامعتصماه) ثم فتحت عمورية لأجل هذه المرأة. رجل عنده نخوة من المسلمين، سمع وامعتصماه فأخذته النخوة والعزة بالإسلام، وذهب إلى المعتصم يمشي على قدميه وهو يقول: رأيت كذا وكذا، وصرخت المرأة وقالت: وامعتصماه! ولأجل هذه المرأة جرد المعتصم جيشاً وفتح عمورية. ألا ترون أن اليهود هم الذين عروا جميع نساء المسلمين اليوم؟! ثم انظر إلى الفرق، امرأة واحدة فتحت بها عمورية، ونساء المسلمين اليوم عرايا كلهن، إلا من عصم الله، وهذا بسبب فعل اليهود، وما تحرك أولئك، كل شيء يدخلون النساء فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). وتجدون في مذكرات الذين حضروا الحرب العالمية الثانية: لماذا هزم هتلر مع أنه كان في أول الحرب قد انتصر انتصاراً عظيماً جداً؟ ستجدون أنه غُلب بالنساء؛ فقد كان هتلر رجلاً عسكرياً صارماً، فمنع الإجازات عن المتزوجين منهم -أي: ليس هناك أي إجازات إطلاقاً- حياة قاسية فعلم اليهود بذلك، فسربوا النساء إلى معسكرات الجنود ليلاً، بعد أن حقنوهن بحقن تجعل الذي يجامع هذه المرأة يفقد أعصابه، فأول ما رأى هؤلاء الجنود النساء كان حالهم كالجائع إذا رأى الطعام، وبعد أن يجامع المرأة يقعد وقد شلّت أعصابه. فاليهود قوم دهاة يحتاجون إلى ذكاء وحذر في معاملتهم. الاستراتيجيون العرب أبدوا مخاوفهم من هذا القمر الصناعي الإسرائيلي، وقالوا: إنه على ارتفاع شاهق جداً ويصور أي شيء في بلاد المسلمين، بحيث أنك إن أردت أن تتدرب سراً مثلاً لا تستطيع، لماذا؟ لأنه يكشفك، فبلادك كلها مشكوفة بهذا القمر، ومع ذلك يخرج رجل فيقول: ليس هناك إطلاقاً أي مخاوف من القمر الصناعي الإسرائيلي. ونحن منذ قبل سنة ثمانين نريد أن نصنع مفاعلات نووية في مصر، ونقول: إنها مفاعلات سلمية، يعني: لإنتاج الطاقة والكهرباء فقط، وإسرائيل معترضة على ذلك، هم يفعلون ما يشاءون ونحن لا نجرؤ حتى على الاعتراض، ولو اعترضنا لا قيمة لهذا الاعتراض، هذا كله بسبب تغلغل اليهود في حياة المسلمين، وبسبب ضعفنا نحن وبعدنا عن ديننا. فهؤلاء اليهود جندوا المرأة، واستوعبوا كل إمكانياتها في إضلال جميع الخلق، وعلى رأسهم المسلمون. فمثلاً: في الإعلانات هناك إعلان عن إطار سيارة -عجلة سيارة- فتجد الإطار ثم فخذ امرأة بجانب الإطار، ما علاقة فخذ المرأة بإطار السيارة؟! وهلا وضعتم فخذ رجل! أي شيء يضعون المرأة فيه؛ لعلمهم أن هذا هو الذي يقتل المسلمين فعلاً. فهؤلاء اليهود دهاة جداً وماكرون جداً، ولو استطعنا أن نأخذ حذرنا منهم، فهذه هي أولى درجات النصر. نسأل الله ﵎ أن يبصرنا بعيوبنا، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأن ينصرنا على من بغى علينا، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 144

رعاية المصالح (جلب المصالح ودرء المفاسد) قاعدة شرعية متفق عليها بين علماء الإسلام، بل إنه ما أنزلت الشرائع إلا لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. لكن بعض الناس يتخذ المصلحة صنماً يعبده، ويفهم هذه القاعدة على هواه، فيرد بها من أحكام الشريعة ما لا يقوم الإسلام إلا به، فيجيز لنفسه ولأتباعه الطواف بالقبور والتمسح بها، ويزعم أن ذلك من المصلحة الشرعية، وهذا الفعل قد علم من دين الإسلام أنه من الأعمال الشركية التي لا مهادنة فيها، ولا مصلحة مع بقائها.

стр. 145

حكم المصلحة إذا عارضت النص أو القياس أو الإجماع إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. سمعت بعض الذين يجيزون الخروج والاعتكاف في المساجد، سمعت ممن سمع منه هذه الفتوى، قال: يجوز للمسلم أن يخرج في سبيل الله، وأن يعتكف في مسجد فيه قبر. فإن كانت المصلحة تقتضي ذلك لقال ما هو أبعد من ذلك، وقال لهم أيضاً: إذا رأيتم جماعة يطوفون حول ضريح، فطوفوا معهم بنية الدعوة، طف معه حول القبر، وأنت تمشي في الأشواط كلمه، ادعه، إن كانت المصلحة تقتضي ذلك، ثم احتج بقصة الغرانيق، ولقد طار لبي، وقفَّ شعري، واقشعر جلدي؛ أن يكون هناك مسلم يحتج بقصة الغرانيق، وأنا أعلم أن الجمهور الأعظم من الجالسين لا يعرف قصة الغرانيق. أولاً: نحن نعلم أن المصلحة المعتبرة شرعاً يشترط فيها ألا تصادم كتاب الله ، ولا سنة النبي ﷺ ، ولا تصادم القياس، وتحقق المصالح الخمسة، وهناك شرط أخير: وهو ألا يفوت بفعل هذه المصلحة ما هو أعظم منها. فمثلاً: لو أن هناك قطعة أرض، ولكنها معبر يمر الناس منها، فاستولى عليها بعض الناس أو أخذها؛ يريد أن يبني عليها بيتاً، لا شك أن هذا يحقق له مصلحة، لكن تحقيق هذه المصلحة ضيع مصلحة أعظم منها، وهو انتفاع الجمهور الأعظم بهذه القطعة، نحن نسلم أن فرداً واحداً أو اثنين أو ثلاثة انتفع بهذا المشروع، لكنه عاد بالضرر على ألف رجل أو مائة رجل أو خمسمائة رجل، فيشترط أيضاً في المصلحة: ألا يفوت بفعلها مصلحة أعظم منها. ولقد طار هذا الخبر -سجود المشركين في آية النجم- فرجع كثير من المسلمين من أرض الحبشة، وظنوا أن قريشاً أسلمت؛ لأنهم سجدوا، فلما رجعوا وجدوهم أشد أذىً على النبي ﷺ وعلى أصحابه؛ فهاجروا الهجرة الثانية. نخلص من هذا: أن ضابط المصلحة لا يكون بمعارضة الكتاب والسنة، فإن قلت: هذه مصلحة، وكانت في معارضة الكتاب والسنة، فاعلم أنها مصلحة فاسدة، ولا أعلم أحداً من علماء المسلمين أفتى بأنه يجوز العمل بالمصلحة وإن خالفت الكتاب والسنة إلا نجم الدين الطوفي، وقد رد عليه جميع العلماء بحثه هذا، وكان رجلاً مبتدعاً يجمع نحو خمس بدع، فردوا عليه بحثه هذا، والذي يقرأ في باب المصالح المرسلة يجد رد العلماء على نجم الدين الطوفي، فلا يغتر إنسان أو قارئ ببحثه وإن أدلى بشبهه هذه.

стр. 146

حكم وجود القبور في المساجد إن الذي يجيز لمن يخرجون أن يعتكفوا في مسجد فيه قبر، قد خالف قول النبي ﵌ حيث قال -فيما صح عنه-: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك) قالها ثلاث مرات، وهو آخر ما تكلم به ﷺ ، قالت عائشة: (يحذر ما صنعوا) أي: يحذر المسلمين مما صنعه اليهود والنصارى، فإن هذا بضد التوحيد الخالص. عندما تقول: يا حسين! مدد أو: يا بدوي! مدد أو: يا دسوقي! مدد. أي: أنك تقول: إنني أريد منك أيها المقبور، أريد مدداً، أريد عوناً. فما صنعة الله إذاً في الكون؟! إن كان الدسوقي يمدك بمدد أو البدوي أو الحسين، فما صنعة الله في الكون؟! إن هذا بضد التوحيد الخالص، لذلك يقول الإمام الشافعي ﵀: (إن المسجد والقبر لا يجتمعان في دين الإسلام). لا يجتمع مسجد مع قبر في دين الإسلام، وكأنه أخذ هذا من قول عائشة ﵂: (فلولا ذاك -أي: فلولا نهيه ﵊ أبرز قبره) لكنا أبرزنا قبره وأظهرناه، وبنينا عليه قبة، لولا أنه لعن من فعل ذلك، ونهى عنه، فلولا ذاك أبرز قبره، لكنه خشي أن يتخذ مسجداً، خشي أن يبنى عليه، فكيف تطيب نفس امرئ يسمع مثل هذا الحديث ثم يقول لأتباعه: يجوز لكم أن تعتكفوا في مسجد فيه قبر إن ظهرت لكم فيه مصلحة؟! وأي مصلحة في مخالفة الشارع، وفي مخالفة أمره؟! كالذي يقول: يجوز حلق اللحى لمصلحة الدعوة أي مصلحة تعود على الدعوة إن كنت أنت بصنيعك هذا أول المخالفين لها، وهي تنهى عن ذلك؟! فنصوص الدعوة الكثيرة تنهى عن ذلك. يقول الشيخ محمد قطب: إني أخشى أن تكون مصلحة الدعوة صنماً يعبد. كلما أراد أن يرتكب مخالفة يزعم أنها لمصلحة الدعوة. ليس من مصلحة الدعوة أن تكون من المخالفين لها، بل المصلحة أن تثبت عليها حتى يعلم الناس أنها الحق، لا أن تخالفها وتترخص فيما لا رخصة لك فيه. والأدهى من ذلك والأمر أنه يقول: فإن رأيتهم يطوفون حول ضريح فطف معهم بنية الدعوة! تطوف مع قوم يطوفون حول الضريح طواف المسلمين حول البيت العتيق، حتى إنهم ليوقفون شرطياً، فمن طاف من الشمال إلى اليمين أرجعه حتى يطوف من اليمين إلى الشمال. وفي عهود الصبا الأولى وقعت في ذلك، فذهبت أمشي كيفما أحب فوجدت رجلاً يجذبني من ذراعي، يقول: امش مع الناس. وما فطنت إلا بعد سنين أنهم يجعلون هذا الضريح كالكعبة. وقد صرح بعض غلاة الصوفية بأن الطواف بهذه المقابر كالحج؛ ولذلك بدعة الطواف حول الضريح أخذت من هذا القول؛ أو أن هذا القول وُضع لها حتى تعطي قداسة لهذا الضريح.

стр. 147

بطلان قصة الغرانيق زعموا أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠] ((تلك الغرانيق العلا)) ((وإن شفاعتهن لترتجى)) قال له جبريل: أنا ما أتيتك بهذا، أنا ما أنزلت عليك هذا الذي تقرأ. فيزعمون أنه ﷺ قال: قد افتريت على الله. فأنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج:٥٢ - ٥٣]. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) معنى (تمنى): أي تلا وقرأ، ومنه قول حسان بن ثابت في عثمان: تمنى كتاب الله أول ليلة .................. أي: قرأ، فمعنى (تمنى) هنا: أي قرأ وتلا: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) أي: قرأ (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه) أي: بينما هو يقرأ إذ الشيطان يدس شيئاً في قراءته: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ) ويبطله (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ) فلا يصير فيها لبساً ولا إدخالاً من الشيطان: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فيقولون: إنه ﷺ لما أدخل الشيطان على قراءته -وهو يقرأ-: ((تلك الغرانيق العلا)) ((وإن شفاعتهن لترتجى)) سجد المشركون والمسلمون جميعاً، وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا قبل اليوم بخير، ولا نرى إلا أنه داهننا وامتدح آلهتنا؛ فسجدوا لذلك إلا رجلاً واحداً وهو أمية بن خلف، ما رضي أن يسجد، وأنف من ذلك، وأخذ حفنة من تراب ووضعها على جبهته. هذه القصة ليس لها إسناد صحيح، وهي باطلة. ولو جاءت بأصح الأسانيد لجزمنا أنها باطلة بغير تردد. إن في إثبات هذه القصة تضييعاً للعصمة التي يمتاز بها الأنبياء. أرأيتم إلى نبي يدخل عليه الشيطان شركاً وكفراً صريحاً، ثم لا يعلم أن هذا من الكفر أو الشرك، ثم لا يعلم أن هذا من إدخال الشيطان عليه؟! إن في إثبات هذه القصة تضييعاً للقرآن ذاته، فيأتينا ملحد يقول: لعل هذه الآية من إدخال الشيطان على النبي وهو لا يدري. (((تلك الغرانيق العلا)))! (غرانيق): جمع غرنيق، أي: تلك الأصنام علية المنزلة. ماذا فعل النبي ﷺ من يوم أن بعث؟ ألم يبعث بمحاربة هذه الأصنام وتحطيمها؟! كيف يأتي بعد ذلك فيمدحها بأنها علية، لها شأن علي؟! (تلك) اسم إشارة للبعيد، ويقولون: إن استخدام اسم الإشارة للبعيد يفيد علو المنزلة، كقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] بخلاف: (هذا الكتاب لا ريب فيه)، (ذلك): اسم إشارة للبعيد، أي أنه يفيد بعد المنزلة وعلوها، فعندما يقول: ((تلك الغرانيق العلا)) فيشير إليها بهذا التعظيم الذي يحمل في طيات اسم الإشارة، ثم هذا التصريح (العلا) بأنها علية. ((وإن شفاعتهن لترتجى)) أي أنك إذا ذهبت إلى صنم وطلبت منه الشفاعة لكان ذلك مما يرجى منه! لو أن عبداً من عبيد الله من المسلمين صرح بهذه العبارة ثم اعتقدها؛ لكفرناه بلا خلاف. لو زعم أن هذه الأصنام تنفع وتضر، وأنه لو استشفعها لشفعت له؛ لكفرناه بلا خلاف. أيمكن أن يصدر هذا من النبي ﷺ ثم لا يعلم أهذا شرك أم توحيد؟!! هل هذا معقول؟!! النبي ﵊ الذي علم الناس التوحيد لا يعلم إن كان مدح الأصنام من جملة الكفر أو من جملة التوحيد؟!! ثم إن سياق سورة النجم يندد بهذه الأصنام، يندد بها، كيف يستقيم تنديد ومدح في ذات السياق؟! إن هذا لا ينطلي على أضعف الناس نظراً في العربية والسياق، فكيف ينطلي على رسول الله ﵊؟! لم يصح سند لهذه القصة، ولو جاءنا (مالك عن نافع عن ابن عمر أصح الأسانيد) لجزمنا ببطلان هذه القصة؛ لما فيها من الجور والحيف على إثبات العصمة له ﷺ ، وقد أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ معصوم من العمد والخطأ والسهو في حال البيان، في حال إبلاغ القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. ذهب بعض العلماء إلى أن العصمة هنا هي العصمة في البلاغ، وأنه لا يدخل في تبليغه ﵊ تحريف قط، لا عمداً ولا سهواً. والتفسير الثاني للعصمة: أن الله يعصمه من الناس، أي: لا يقتل، يضمن له أنه لا يقتله أحد، وهذا لعله التفسير الأرجح، أنه لن يقتله أحد حتى يبلغ ما أمره الله ﵎ به. يأتي رجل يقول: إن النبي ﵊ امتدح الأصنام لأجل مصلحة الدعوة؟! ليحتج بهذا على إثبات طواف هؤلاء حول المقابر. يقول: لماذا تلوموننا وهذا النبي ﵊ مدح الأصنام حتى يستميل قلوب قريش؟! وقد حدث، فقال: ((تلك الغرانيق العلا)) ((وإن شفاعتهن لترتجى)).

стр. 148

تفسير قوله تعالى: (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) فإن قلتَ -حيث أنك أثبت بطلان هذه القصة-: فما هو وجه تأويل قوله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، فهذا يبين أن الشيطان يلقي في بعض التلاوة، فهذه الجملة في إثبات القصة؟ سأقول لك: لو سلمت معك جدلاً أن القصة ثابتة؛ فتأويلها على غير ما تقرأ، مع أنها لم تثبت، لكن سلمنا جدلاً أنها ثبتت، فالذي اختاره ابن كثير وغيره كالحافظ ابن حجر أن النبي ﷺ كان إذا قرأ يقرأ قراءة متأنية يفصل بين الآيات، وهذه طريقته ﵊، قالت عائشة ﵂: (ما كان رسول الله يسرد الحديث كسردكم، إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلاً تفهمه القلوب) فقرات وجملاً، بحيث أن السامع لها يفطن للمعنى الذي يريد، فإن السرعة في القول تفوت بعض مقصود المتكلم، بحيث أن السامع لا يستطيع متابعة المتكلم لسرعته، لذلك كان الأفضل أن يتكلم الإنسان كلاماً فصلاً بطيئاً؛ حتى يتيح للسامع التأمل. فكان ﵊ يقرأ هكذا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] ثم يسكت ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:٢٠] ثم يسكت، ففي هذه السكتة نطق الشيطان وحاكى صوت النبي ﷺ وقال: ((تلك الغرانيق العلا)) ((وإن شفاعتهن لترتجى))، فسمع المشركون صوتاً يشبه صوت النبي ﵊، فظنوا أنه ﵊ هو الذي قرأ، وخرجوا بهذا من المشكل؛ لأن الحافظ ابن حجر في الفتح زعم أن هذه القصة لها قوة، قال: إن مجموع طرق هذه القصة يفيد أن لها أصلاً. يفيد أنها حدثت، لكن الحافظ ابن حجر أول هذا التأويل الذي ذكرته، وقال: يستحيل أن يجري هذا الكلام على لسان النبي ﵊، فإن هذا مناف تماماً للعصمة في البلاغ، لكن الحافظ ابن حجر حمل على أن الشيطان هو الذي تكلم في أثناء هذه السكتات بصوت يشبه صوت النبي ﵊؛ فظن المشركون أن هذا من جملة التلاوة. ولذلك تتمة الآيات: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٣] أي أن الذي ألقاه الشيطان بلسانه صار فتنة لهؤلاء، وظنوا أن النبي ﷺ يحابي آلهتهم؛ ففتنوا فتوناً عظيماً لهذا. لكن العلماء يقولون: (إن التأويل فرع التصحيح). وهذه القاعدة مهمة، ومعناها: أنك لا تلجأ إلى تأويل رواية أمامك إلا بعد أن تثبت صحتها، وإلا صار التأويل عبثاً. لماذا تؤول شيئاً ضعيفاً أو مكذوباً أو باطلاً؟ يكفي في رد الباطل أنه باطل؛ لذلك يقولون: إن التأويل فرع التصحيح، أي أنك لا تلجأ لتأويل رواية أمامك إلا بعد أن تثبت أنها صحيحة، فإن ثبت لديك أنها ضعيفة أو مكذوبة أو منكرة فلا تشتغل بتأويلها. لذلك نحن نضرب صفحاً عن هذه القصة، ونرى أنها باطلة، وقد صرح جمع من العلماء ببطلان هذه القصة، حتى قال القاضي عياض -بعد أن أثبت ضعفها وبطلانها- قال: (وعلى التسليم أنها صحيحة، فتأويلها كذا وكذا، ونعوذ بالله من صحتها). فإنه ليس لها إسناد يقوم على طريقة أهل الحديث، فكفانا الله مئونتها ومئونة تأويلها. فما هو التأويل الصحيح للآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: ما يقرأ نبي آية إلا أولها بعض البطلة والمبتدعة تأويلاً يعود على الآية بالإبطال (إذا تمنى): أي إذا الرسول قرأ؛ ألقى الشيطان في أذهان بعض السامعين تأويلاً يعود على الآية بالبطلان مثلاً: لما قرأ النبي ﷺ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، قال المشركون: انظروا إليه يأكل ما قتل ولا يأكل ما قتل الله، لأن الله ﵎ قال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة:٣] المنخنقة: أي التي تخنق، والموقوذة: أي التي تضرب بحديدة أو بخشبة على رأسها فتموت، والمتردية: أي التي تتردى من مكان عال إلى مكان منخفض؛ فتموت بأثر الصدمة، والنطيحة: أي: التي نطحتها أختها فماتت بسبب النطحة. فيقولون: إن هذه الأنواع كلها الله هو السبب في قتلها، قدر عليها أن تموت فماتت، فكيف لا تأكلون ما قتل الله، ثم تأكلون ما قتلتم أنتم بالذبح؟! فيعودون لهذا التأويل بالبطلان على الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، أفتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتل الله؟! فالنبي ﷺ يتلو، يتمنى في تلاوته فيلقي الشيطان الشُبه التي تعود على هذه التلاوة لإبطال معناها، وهذا في النهاية تكذيب صريح للتلاوة. وأيضاً لما قرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، قالوا: إذاً عيسى في النار؛ لأن هناك من عبدوه، ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، يعني: الذين يعبدون وآلهتهم التي كانوا يعبدونها في جهنم، فعيسى ﵇ عُبد من دون الله؛ إذاً هو في النار فيعودون بمثل هذه الشبه على الآية بالإبطال. هذه الآية إنما تقال فيمن عبد وسلم أنه معبود، رجل قيل له: أنت إلهنا، قال: نعم، أنا إلهكم. فهذا رضي بذلك، فهو ومن عبده في النار، أما عيسى ﵇ فيبرأ من هذا: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، فهناك بيان صريح أن عيسى ﵊ تبرأ أن يكون إلهاً، لكن هؤلاء يعودون بتأويلهم هذا إلى إبطال هذه الآية، معنى أن تثبت أن عيسى ﵇ ومن عبده في النار، إذاً أنت تعود بالبطلان على هذه الآيات من سورة المائدة: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ [المائدة:١١٦]. فالرسول يقرأ، والشيطان يلقي الشبه في أذهان المستمعين؛ فيعودون على الآية أو بعض الآيات الأخرى بالبطلان هذا هو التفسير الصحيح للآية. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ [الحج:٥٢] وهذا يدل على شمول هذا التزيين من الشيطان، سواء كان للرسل أو للأنبياء. ومعلوم أن الرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي وليس العكس، ليس كل نبي رسولاً، فهناك بعض الأنبياء إنما آتاهم الله النبوة تشريفاً لهم، لكن ليس لهم رسالة يؤدونها إلى أقوامهم. فما من رسول أو نبي قرأ شيئاً من الوحي إلا ألقى الشيطان في هذا الوحي بالإيهام، فيعود على التلاوة بالبطلان، لكن أن يكون هذا فيما يتعلق بقصة الغرانيق حاشا لله، فإن نبينا ﷺ معصوم ومنزه عن أن يقع في هذا الكفر الصريح نعوذ بالله تعالى من اعتناق الباطل. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 149

لا مداهنة في العقيدة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه القصة -قصة الغرانيق- وإن كانت غير معروفة للسواد الأعظم، لكنها كانت فرصة حتى نجلي هذا البحث الذي يحتاج إلى نوع تأمل وتدبر وبحث في الكتب؛ لنعلم الوجه الصحيح؛ لأن النبي ﵌ أول ما فعل أقر التوحيد في نفوس أتباعه. لا يمكن أن نداهن هؤلاء المشركين على حساب العقيدة، فإن المواقف التي وادع المشركين فيها وسالمهم هي بعيدة تماماً عن حيز العقيدة، هي فيما يتعلق بإرساء دعائم بعض الأحكام الشرعية وليس التوحيد، ليس في التوحيد مداهنة. ولقد كان من اليوم الأول يبين لهؤلاء المشركين أن هذه الآلهة لا تغني شيئاً، ويجهر بها حتى أنه لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله) أبوا أن يقولوها مجرد قولٍ، حتى عمه لما قال له: (قلها أحاج بها بين يدي الله عنك) (قلها أحاج لك بها) فانبرى أبو جهل وقال: يا أبا طالب! أترغب عن ملة آبائك؟ قال: لا أرغب عن ملة آبائي، ومات بغير أن يقولها. كان ﵊ أثبت من الجبال الرواسي في تبليغ هذه الكلمة مع تبيين حدودها. إن المشركين الأول كانوا يفهمون هذه الكلمة أفضل من بعض علماء المسلمين الآن، ولا أقول السواد الأعظم من المسلمين. لو أن المسلمين الآن فهموا لا إله إلا الله كما فهمها المشركون الأوائل؛ لما وجدت هذه الوثنية عندهم، وليس بالضرورة أن نسوي بين المسلمين وبين المشركين نعوذ بالله من ذلك، إنما نتكلم في فهم الكلمة. لقد حارب العرب حروباً شديدة ضد المسلمين حتى لا يقولوا هذه الكلمة، ولو مجرد قول يخرج من أفواههم أبداً؛ لأنهم كانوا يفهمونها حق الفهم. معنى (لا إله إلا الله): لا معبود بحق سوى الله، ولا مشرع بحق سوى الله، و ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، فمعنى الاعتراف بهذه الكلمة: خلع الأنداد، خلع السلطان، خلع الصولجان، خلع هذا المنصب الرفيع الذي كان يتمتع به سادة قريش من أن يحكموا في دماء الناس بغير معقب لهم يعني تسلب كل السلطات من أيديهم إذا قالوا: لا إله إلا الله؛ لذلك كانوا يأبون أشد الإباء أن يقولوها أويعترفوا بها هذا معنى (لا إله إلا الله): أن الله ﵎ إن حكم فيك بحكم أن تنصاع له، ولا يجوز لك أن تقدم بين يدي الله ورسوله، فهذا كان واضحاً جداً من دعوة النبي ﵊. ثم إنه قد ورد في بعض هذه الروايات الباطلة أن النبي ﷺ تمنى في قلبه، وهذا تفسير آخر لمعنى (إذا تمنى)، قلنا: إن التفسير الأول -وهو المعتمد- (إذا تمنى): أي إذا تلا وقرأ، وهناك تفسير آخر (إذا تمنى): أي من الأمنيات التي تتردد في الصدر. فبعض هذه الروايات تقول: إن النبي ﵊ تمنى أن لا يوحى إليه شيء في سب الأصنام حتى يستميل قلوب المشركين وهذا كفر أيضاً: أن تتمنى أن الله ﵎ لا ينزل قرآناً يسب فيه الأصنام، هذا ميل، والله ﵎ يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]، لو خطر بباله أن يتقول علينا وأن يفتري علينا بعض الآيات ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٥ - ٤٦] أي: لأهلكناه ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٧]، لا يمكن أن يتقول، حاشا لله أن يتقول من عنده، أو أن يتمنى ألا ينزل الله ﵎ آيات تندد بالمشركين وبآلهتهم هذا كله ورد في الروايات الباطلة. أهناك مسلم عنده مثل هذه المقدمات الأساسية الضرورية، يمكن أن يقول: إن هذه القصة صحيحة، والنبي ﵊ جاهد المشركين وأثنى على أصنامهم لأجل أن يدعوهم، وأنه سلك هذا المسلك لمصلحة الدعوة؟! هذا لا يمكن أن يقوله رجل عنده هذه المقدمات أبداً.

стр. 150

سجود المشركين بعد قراءة النبي ﷺ لسورة النجم بقي سؤال أخير -وهو سؤال ضروري-: إذاً لماذا سجد المشركون؟ وسجود المشركين ثابت في صحيح البخاري، من حديث ابن مسعود: (أن النبي ﷺ لما قرأ سورة النجم، فبلغ آخرها ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢] سجد المشركون والمسلمون إلا رجلاً واحداً أخذ بعض تراب ووضعه على جبهته) هو أمية بن خلف كما ورد في بعض الروايات، وهناك خلاف في تعيين اسم الذي لم يسجد، أنه أخذ بعض تراب ووضعه على جبهته. لماذا سجدوا إذاً؟ سجد المشركون لأن في آخر السورة ذكر الله ﵎ إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * الجواب =٦٠٠٤٨٣٧> فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٠ - ٥٤]، هذه آيات أرعبت المشركين، وظنوا أنهم لصدق النبي ﷺ إن لم يسجدوا سيحيق بهم ما حاق بهؤلاء الأقوام، وظنوا أنهم لو سجدوا -حتى ولو عن غير إيمان بهذه الدعوة- أنهم ينجون من العذاب، وقد كانوا يعلمون أن النبي ﷺ صادق، وأن الإنذار الذي يأتي به لا محالة واقع. وهذا شبيه بما رواه البيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن أبا جهل قال: من يأتي محمداً ﷺ ويكون عالماً بالسحر والكهانة، فيسمع الذي يقول؟ قالوا: إنك لن تجد أفضل من عتبة بن ربيعة -وكان رجلاً عالماً بالسحر والكهانة- فذهب إلى النبي ﷺ ، فتلا عليه النبي ﵊ (حم فصلت)، حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، وضع عتبة بن ربيعة يده على فم النبي ﷺ ، وقال: أمسك لا تكمل؛ لأنه يعلم -وقد صرح كما سيأتي الآن- أنه صادق ﷺ إذا جاء بالإنذار، قال: أمسك، أي: لا تكمل القراءة، وقعد في بيت النبي ﵊ وما استطاع الخروج، ففشا في قريش أنه صبأ وكفر، وأعجبه طعام محمد ﷺ . فبعد أيام خرج، قالوا له: أعجبك طعام محمد؟ قال: يا قوم! إنكم لتعلمون أني من أغنى قريش، فما كنت لأقعد لطعام محمد، إنما خفت، فإنه لما قرأ (فَإِنْ أَعْرَضُوا) أي: عن هذا البيان وعن هذا القرآن (فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) قال: فأمسكت على فمه وقلت: اذكر بخير، وإنكم يا قوم لتعلمون أنه إن أنذركم بعذاب إنه لصادق. فكأن المشركين لما قرع أسماعهم هذه الآيات في إهلاك الأقوام السابقين ظنوا أنهم سيحيق بهم هذا العذاب إن لم يسجدوا ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢]، فظنوا -إن سجدوا ولو عن غير إيمان بهذا الذي سمعوا- أن هذا ينجيهم من العذاب، فهذا هو وجه سجود هؤلاء المشركين مع النبي ﷺ . نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

стр. 151

حبائل الشيطان إن للشيطان وسائل شتى يسعى من خلالها إلى إغواء ابن آدم، فيجلب عليه خَيْله ورَجْله وعَدَد معاونيه وعُدَدِهم ليغويه ويضله، ولا ييأس؛ فكلما أعياه الدخول على الإنسان من باب بحث عن آخر وهكذا حتى يتمكن منه ويوقعه في حبائله، ويجعله ينحرف عن الصراط المستقيم.

стр. 152

بيان أن عداوة الشيطان لبني آدم عداوة ظاهرة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]. إن موسى ﵇ ذكر صفتين كاشفتين للشيطان، قال: (إنه عدو مضل مبين)، الصفة الأساسية -وصف الذات- بالنسبة للشيطان أنه عدو، فماذا ينتظر من العدو؟ أينتظر منه إيصال الخير؟! ثم ذكر صفتين كاشفتين لهذه العداوة (مضل، مبين) فأما أنه مضلٌ فواضح أما أنه مبين فهذا من أعجب ما يكون، قد أفهمه ويفهم أولو الألباب أن المرء يزل إذا كانت عداوة العدو خفية، أما إذا كانت العداوة بينة ظاهرة غاية الظهور ومع ذلك يزل المرء! فهذا شيء عجيب. إن الله قال لآدم ﵇ ولحواء: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف:٢٢] وأظن أن العداوة مادامت بينة فمن السهل أن تكشف، فالشيطان له طريقة الخداع والمكر حتى يخفي هذه العداوة البينة الظاهرة، فهو يجر المرء ويستزله خطوة خطوة، وقد حذرنا الله ﵎ من اتباع خطوات الشيطان في أربعة مواضع من كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:١٦٨] بعد النهي عن اتباع خطوات الشيطان يذكر العداوة البينة حتى لا يلتبس عليك. الموضع الثاني: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨] السلم هو الإسلام. الموضع الثالث: قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأنعام:١٤٢] في ثلاثة مواضع بعد ذكر الخطوة يذكر العداوة البينة؛ حتى لا يلتبس عليك خطوه وجره. والموضع الرابع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١] إذاً طريقة الشيطان الجر، ولذلك النبي ﷺ كان يستعيذ بالله من الشيطان وشَرَكه، من أن ينصب له شَرَكاً -فخاً- وكل شر وضع في الأرض فالشيطان خلف هذا الشر، فعداوته بينة.

стр. 153

أجناس الشر التي يدعو إليها الشيطان إذا حصرنا أجناس الشر التي يدعو إليها الشيطان فهي لا تخرج عن ستة أجناس، قد يندرج تحت كل صنف مئات الجزئيات، لكن كل هذه الجزئيات توصل في آخر الأمر إلى ستة أجناس.

стр. 154

الدعوة إلى الشرك بالله الجنس الأول: الدعوة إلى الإشراك بالله والكفر به، فإذا ظفر الشيطان منه بذلك خف أزيزه، وقل مع المرء عمله، وهذا هو ما يصبو إليه الشيطان، وهي الغاية القصوى لما يريد: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. المعنى: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم، لكن حذف حرف الجر (على) أقوى، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ [الأعراف:١٦] فإن الذي يعلو على الشيء قد يفارقه، إنما هذا معناه أنه لزم القعود على الصراط لزوماً أكيداً لا يفارقه ولا يغادره؛ حتى صار كأنه والصراط شيئاً واحداً: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]. وقد بين النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي وأحمد وابن حبان من حديث سمرة بن أبي الفاكه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه) ما من طريق إلا وعليه شيطان بل شياطين، وقال الله تعالى أنه قال:: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] هي هذه الجهات الأربع التي يتحرك فيها ابن آدم. قال ﵊: (إن الشيطان قعد لابن آدم على أطرقه) أي ما من طريق يتوجه ابن آدم إليه إلا كان الشيطان عليه. فجاءه من باب الإسلام، وقال له: أتسلم وتذر آلهتك وآلهة آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه فأسلم، فوقف له على طريق الهجرة قال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الصِول -الصول هو: الحبل الذي تربط به رجل الفرس ثم في نهاية الحبل وتد، فيكون الفرس في حدود طول الحبل، مثل المهاجر كالفرس في الصول، وأي مهاجر في بلاد الغربة مساحة حركته ضيقة، إما أن يكون فر هارباً فهو حريص على ألا يصل إليه أحد، إذاً دائرة معارفه ضيقة وليست كالذي يسكن في بلاده وبين أهله وماله. أيضاً: مساحة رزقه أقل من مساحة رزق الإنسان المقيم في بلده وبين إخوانه وأهله، فيقول له: إنك إذا هاجرت قيدت حركتك، فعصاه وهاجر. ثم قعد له في طريق الجهاد فقال له: تقاتل؛ فتقتل، وتنكح المرأة، ويقسم المال، يعني امرأتك التي تغار عليها ولا تتخيل على الإطلاق أن يتزوجها رجل غيرك، فنخوتك تمنع من الذهاب إلى الجهاد؛ لأن هذا معناه أنك ستقتل والمرأة ستنكح بعدك، فكيف تجاهد؟! فعصاه وجاهد. قال النبي ﷺ : (من جاهد في سبيل الله فقتل فله الجنة، فغرق فله الجنة، فوقصته دابته فله الجنة). إذاً: الشيطان يقعد على كل طريق لابن آدم، وأعظم ما يصبو الشيطان إليه ويدعو الناس جميعاً إليه: أن يشركوا بالله، ولذلك قدم الله بالتنبيه على هذه العظيمة التي لا تبقي حسنة للعبد: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨١]. هذه السيئة التي تحيط بالعبد وبحسنات العبد هي الشرك، فذكر ربنا ﵎ هذه الفاقرة العظيمة بين يدي كيد الشيطان وطرقه وأساليبه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا * إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء:١١٦ - ١٢٠] تلخيص عداوة الشيطان: شباكه التي ينصبها، ومصائده التي يقيمها لأولاد آدم (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ) الذي يعبد الشيطان يأتمر بأمره، فكل من حاد عن حكم الرحمن فهو تبع للشيطان، ولذلك أخر الأمر بعد الإضلال والأمنية (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) وهذا نوع من التنصيص على جملة من أوامره لا على كلها (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ) البتك: القطع، وكانت الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وكان آخر بطن أنثى، كانوا يقطعون أذنها ويتركونها لآلهتهم، وهذه هي البحيرة، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣] ما جعل الله شيئاً من ذلك أبداً. يقول سعيد بن المسيب فيما رواه البخاري في صحيحه ومسلم: البحيرة كانوا يدعون درها للطواغيت -يعني: اللبن- والسائبة أي: التي يسيبونها لآلهتهم، تلد خمسة أبطن آخرها أنثى فيسيبونها لآلهتهم. الوصيلة: هي الناقة تلد البطن الأول أنثى والبطن الثاني أنثى، فإذا ولدت أنثيين في المرة الأولى والثانية قالوا: قد وصلت الأنثى بأنثى، وهذا من غيظهم على الله، لماذا يعظمون الأنثى وإذا ولدت أنثى يتركونها؟ لأنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الله إناثاً، وجعلوا لله البنات، فالأنثى عندهم نوع من الغيظ. الحام هو: فحل الإبل الذي يعدونه للضراب، وقد بقي في هذه الأمة شيء من هذا الفعل الجاهلي، مع أن النبي ﷺ نهى عن ذلك بالنص، ففي الحديث: (نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل) وهذا كثير في بلاد الريف، رجل عنده أنثى فيذهب إلى رجل عنده فحل يضربها لتحمل؛ فالرجل الذي عنده الفحل يتعاطى أجراً على فعل الفحل، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وحرم أخذ الأجرة على ذلك، ولا يتعللن أحد بأن الرجل يطعم الفحل؛ لأنه لابد أن يطعمه. فالحام: فحل الإبل الذي أعدوه للضراب، فإن ضرب عشر مرات تركوه وقالوا: هذا حام، ما جعل الله شيئاً من ذلك، لكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب، ويقولون: شرع كذا وكذا وكذا. فربنا ﵎ ذكر طرق الشيطان لكن نبه على أعظمها (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) وسنرجع إلى بسط هذا المقام فإنه مقام خطير زلت فيه أقدام.

стр. 155

الدعوة إلى البدعة أول جنس من أجناس الشر يسعى الشيطان إليه: أن يشرك العبد ويكفر بربه، فإذا كتب للعبد وهو في بطن أمه أنه سعيد، وأنه لا يكفر، وأيس منه الشيطان انتقل إلى الجنس الثاني: وهو البدعة، فإن المبتدعة أعداء الرسل، وهم الذين غيروا دين الله ، وأمروا الناس أن يعبدوا الله بشرع لم يأت به النبي ﷺ ، ولم يأذن به رب العالمين، والبدعة بوابة الكفر، فهذا هو الشَّرَك الثاني. ومن أقل البدع التي يرتكبها الناس كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا وقف أحدهم بين يدي رب العالمين أتى بعشر بدع، يقف فيقول: نويت أن أصلي الظهر -بصوت مسموع- حاضراً، مستقبلاً القبلة، مأموماً، ثم يصرخ بذلك، وتنتفض عروقه، ويكبر بصوت عالٍ كأنه يكبر على عدو، ولو لبث ما لبث نوح -هذا كلام شيخ الإسلام - يبحث في الكتب عن حرف عن النبي ﷺ أو الصحابة أو التابعين أنهم فعلوا ذلك لا يجد إلى ذلك سبيلاً. وهذا من أقل ما يرتكب، وهو من تحصيل الحاصل الذي لو سمعه عربي -ينطق العربية سليقة- لضحك عليه، لأنه تحصيل حاصل. شخص جاء من بيته ليصلي الجمعة فيقول: نويت أن أصلي الجمعة، مستقبلاً القبلة أو مستدبراً، يعني يشك في نفسه أنه مستقبلاً القبلة أو لا؟! حاضراً! أيظن نفسه غائباً وعفريته يصلي؟! مأموماً! أيظن نفسه إماماً؟! أليس هذا كله من تحصيل الحاصل؟! فلو سمع رجل عربي هذا الكلام لضحك، ولظن السفه من المتكلم، فإن الرجل لو قعد على سفرة طعامه فقال: نويت أن آكل رزاً، نويت أن آكل خبزاً، نويت أن آكل مخللاً، فإن هذا شيء يضحك؛ لأنه إنما هو تحصيل حاصل. عندما يقف وهو بين يدي رب العالمين في أعظم شعيرة عملية فيرتكب مثل هذه البدع، فلا شك أنه يعبد الله بما لم يأذن به، وبما لم يعلمه رسول الله ﷺ ، وهذا أدنى ما يذكر من البدع.

стр. 156

الدعوة إلى الصغائر إذا سبقت للعبد من الله الحسنى وعصم من الكبائر ساقه إلى الجنس الرابع: وهي الصغائر، شيء يسير، ومكوث العبد على الصغيرة أعظم من إتيانه الكبائر، (فمن القطر تدفق الخلجان): لا تستهن بصغيرة إن الجبال من الحصى وقد اتخذ كما قال: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء:١١٨]، جماعة يعملون معه، وأناس يتكلمون بالقرآن ويجادلون، وأناس يقفون يأخذون الناس بالقوة، وأناس يهددونهم إذا سلكوا طريق الله (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) أي جرى في قدرك وفي علمك أن هذا لي، فكل هؤلاء يعملون لحسابه. فيأتي مثلاً رجل يزعم أنه يفسر القرآن، مع أن غالب تفسيره إلحاد في آيات الله، يقول: (إن الله جميل يحب الجمال)، صفة الجمال صفة من صفات الله كما في حديث مسلم، ويقول: إن من يرمق الجمال فإنه يبحث عن آية الله في الكون، فهذا مؤمن وتدبر آيات الله ليزداد إيماناً، ومن أمثلة ذلك: أن الرجل إذا رأى امرأة جميلة فجعل ينظر إليها ويقول: تبارك الخلاق العظيم! ما هذا الخلق؟! وما هذا الخد؟ وما هذا العضد؟ وما هذا الوجه الجميل؟ وما هذا الأنف الرشيق؟ وما هذه العينان الجميلتان؟ وجعل يتغزل وينظر ويملأ عينه، فهذا الرجل يتأمل!! هذا أحد الذين قال إبليس فيهم (لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) ولأضلنهم بمثل هذا القول، قال صلى الله ﷺ : (إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن). ويقول: هل أتيت بشيء من كيسي؟! إنما أقول لك: قال الله قال الرسول يا أخي! اسم الله على لسان كل مؤمن، حتى الكافر مجبر على ذكر اسم الله عند رؤية الشيء الجميل، وقد اتفق أهل الأرض جميعاً على أنهم إذا رأوا شيئاً جميلاً يقولون: (الله الله)، فكل جميل ينسبونه إلى الله، ويذكر مثل هذا القول. وكثير من بني آدم ضعاف العقول، ضعاف التفكير يدخل عليهم مثل هذا، مع أن النبي ﷺ سئل عن نظر الفجأة فقال: (اصرف بصرك، فإن النظرة الأولى لك والأخرى عليك)، إذا مشى المرء فوقعت عينه فجأة على امرأة فلا يؤاخذ به، إنما إذا نظر مرة أخرى بدأ عداد السيئات يرصد له. والرسول ﵊ بين لنا خطورة الصغائر قال: (إياكم ومحقرات الأعمال، فإن مثل محقرات الأعمال كمثل قوم كانوا في صحراء، فذبحوا جدياً لهم والتمسوا حطباً لشواء هذا الجدي، فذهب كل رجل إلى وجهة، فأتى هذا بعود وذا بعود وذا بعود، فأشعلوا فيه ناراً فأنضجوه وأكلوه، فمثل محقرات الأعمال كمثل هذا، إذا اجتمعن على العبد أهلكنه).

стр. 157

التوسع في باب المباح إذا سبقت للعبد من الله الحسنى ولم يصرّ على الصغيرة، واستغفر الله وتاب عليه؛ جره إلى الجنس الخامس من الشر وهو: التوسع في باب المباح، مثلاً: رجل تاجر طوال حياته يعمل، ويقول: التجارة حلال، وقد قال الله: (اسعى يا عبدي وأنا أسعى معاك)، ويذكر لك في فضل العمل، وفي فضل النفقة، والغنى أحاديث وآيات، فيوسع له دائرة المباح، لأنه لم يستطع أن يجعله يكفر ولا يبتدع ولا يقع في كبيرة، ولا يصر على صغيرة، إذاًَ: أفضل شيء أنه يجعله يعمل طوال عمره، حسناً: هذا العمل يلهي عن ذكر الله، ويشغله عما ينبغي للعبد أن يجعل له فيه ورداً ثابتاً، قال النبي ﷺ : (ما من ساعة تمر على ابن آدم لا يذكر الله فيها إلا ندم عليها يوم القيامة)، والعمل هذا يشغل عن مثل هذا الذكر، ثم يلبس عليه ويقول له: يا أخي! طالما أنك هكذا فستكون غنياً وتملك الأموال، وبالتالي تستطيع أن تخرج الزكاة، وتكفل الفقراء، وتنفق هنا وهنا، وهذا شيء من أبرك الأعمال. التوسع في الأكل والشرب مباح، ولكن تصور رجلاً ملأ بطنه بأطايب الطعام والشراب، وأراد أن يعبد الله ، فإنك تجده يشعر بالكسل والخمول، هذا الكلام مجرب في إفطار رمضان، عندما تفطر وتشرب تقف في صلاة العشاء تتثاءب وتريد أن تنام، ويصد مثل هذا الكسل كثيراً من الناس عن مواصلة صلاة القيام، يقول: عندما تخف بطني سوف أصلي لوحدي، فإذا خفت بطنه لم يصل. وكم ضيع هذا الشبع على أناس العبادة في رمضان، مع أن الأكل مباح، ولكن يا أخي! اعلم أن الجواد الذي تعده للسباق لا يكون ذا بطن كبيرة، إنما هو الجواد المضمر، عنده قدرة على أنه يجري، فيفوز؛ فنحن في سباق إلى الله : ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] وذو الكرش لا يسبق. إذاً: الأكل والشرب مباح، ولكنه يؤدي إلى الخمول، يقول له: افعل وافعل، وهذا كله حلال، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة:١٦٨]، هذا من الحلال الطيب، فإن الشافعي كان يذهب إلى بيت أحمد بن حنبل ويطعم ويقول: (طعام الكريم دواء)، كل ووسِّع على نفسك. فإذا اشتغل بالمباح الذي يستوي طرفاه -يستوي فيه المدح والذم- فوت على نفسه من الثواب ما هو أعظم من فعل هذا المباح. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 158

الدعوة إلى الكبائر لو كان العبد من أهل السنة، ولا يفارق السنة قيد أنملة قاده الشيطان إلى الجنس الثالث من الشر وهو: الكبائر، فيجتهد في إيقاعه في الكبائر، ولا يستطيع أن يلبس على مثل الذي أفلت من الشرك وأفلت من البدعة إلا بالأمانيّ والتزيين. قال النبي ﷺ : (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم المرأة تعجبه فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها)، وتخيل هذا الحديث: (المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان)، قد تكون هذه المرأة أقبح امرأة على وجه الأرض لكنها صادفت شبقاً وشهوة عالية من الرجل؛ فلم يرها على صفة القبح، بل رآها جميلة، فإذا أقبلت عليه لم ير قبحاً فيها إنما يرى جمالاً وسمتاً، وإذا أدبرت رأى أيضاً رشاقة وجسماً، فلا يزال يشتهيها حتى إذا واقعها ظهر له قبحها، وهذا من التزيين الذي وعد به في قوله: (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ) فعمل الشيطان أنه يزين ويمني. كم تتصوروا زمن وقوع الفاحشة؟ خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة، ساعة من حياة المرء الطويلة، وقد لا يرتكب في حياته إلا مثل هذا القبح الواحد، ويظل أسيراً له طيلة عمره. فالشيطان يوقع الذي نجا من الكفر ومن البدعة بتزيين المعاصي له، ثم ينفث في أذنه: إن الله غفور رحيم، وللشيطان أجناس من بني آدم يقومون بنفس الدور بإتقان؛ فيصغر له الكبيرة، كمثل الذي حدث لـ كعب بن مالك كما رواه البخاري ومسلم من حديثه في تخلفه عن غزوة تبوك قال: وجاء المعذرون من الأعراب يعتذرون للنبي ﷺ إن بيوتنا لعورة، وذكروا أعذاراً فقبل النبي ﷺ علانيتهم ووكل سرائرهم إلى الله، أما كعب بن مالك قال: فجئت حتى دخلت على النبي ﷺ ، فلما رآني تبسم تبسم المغضب وقال: ما خلفك؟ قلت: والله! يا رسول الله! لو كنت عند غيرك من أهل الدنيا لخرجت بعذر فقد أوتيت جدلا. والله ما كان لي من عذر وما كنت قط أقوى مني كهذه الغزوة، وما جمعت بين راحلتين قط إلا في هذه الغزوة، قال: أما هذا فقد صدق، قم حتى يحكم الله فيك، قال كعب: فخرجت، فتبعني جماعة من أهلي فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنباً إلا هذا الذنب اليتيم، ولقد كان كافيك استغفار رسول الله لك، لماذا تفضح نفسك؟ يعني لو كنت قلت له: لي عذر، وقلت له: استغفر لي يا رسول الله! لقال: غفر الله لك. وانتهى الأمر، والرسول مستجاب الدعوة، ولم يكن هناك داعٍ لأن تفضح نفسك! قال: فلا زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع إليه فأكذب نفسي. هذا من عمل شياطين الإنس، يقولون: والله ما نعلمك أذنبت ذنباً! وما أدراك؟ إذا خلا العبد بمحارم الله انتهكها، وخرج للناس جميلاً عفيفاً ذا سمت وذا ورع ودمعة، تقوى العبد تعرف بالخلوات. وكيف استقل نظر الله إليه وهو لا يغيب عن عينه، واستعظم نظر من لا يملك له موتاً ولا حياة ولا نشوراً، هذا بلا شك قدح في دين المرء، ويكون القدح على قدر الذنب، فالكبيرة لا يقع فيها المرء إلا إذا لبس عليه وزين له الأمر.

стр. 159

الاشتغال بالمفضول من الأعمال عن الفاضل الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إذا سبقت للعبد من الله الحسنى فلم يشتغل بمثل هذا المباح عن الذكر، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جره إلى الجنس السادس والأخير وهو: الاشتغال بالمفضول عن الفاضل، وأكثر الناس يقع في هذا، ولا يتفطن إليه إلا العلماء. الأعمال الصالحات درجات، مثلاً: إذا تخيلنا رجلاً تاجراً وعنده عشرة أصناف من ألوان التجارة؛ صنف بألف جنية والربح فيه خمسون جنيهاً، وصنف آخر الربح فيه ثلاثون، وآخر عشرون أو عشرة، فبالله عليكم هل هناك عاقل يترك الصنف الذي يكسب فيه خمسين ويأخذ الذي يكسب فيه عشرة؟ كثر سؤال الصحابة للنبي ﷺ هذا السؤال يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟ وكله خير، فلماذا لم يتوجهوا من تلقاء أنفسهم لأي خير؟ لأنهم يعلمون أن العمر قصير، والاشتغال بالخير الدون لا يكون لائقاً بالعقلاء، لذلك كان من أعظم الخير تعلم العلم وبثه لله ؛ لأن تعلم العلم توصيل لرسالة الله الذي وقف صناديد أهل الأرض ضدها، أعداء الرسل هم أصحاب الشوكة والمال، وأصحاب الشوكة هم الذين يستطيعون إيصال الضر، وقد قضى الله في قدره أن يكون أتباع الرسل من المستضعفين. إذاً: لحوق الضرر بهؤلاء المستضعفين إذا كانت الشوكة في يد الصناديد أمر متوقع محقق، فمن الذي يبحث عن المتاعب لنفسه، ومن الذي يعرض نفسه لمثل هذا الضيق والإرهاق، لاشك أنه إذا صبر واحتسب وعلم فإن الأجر على قدر المشقة، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فأشار إلى أن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لابد أن يلحقه الأذى، فأمره أن يصبر على ما يصيبه. فهذا أقرب شيء في الدنيا، ولذلك قال النبي ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وقال ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: -أي أنه إذا جاز أن يحسد أحدٌ أحداً فلا حسد إلا في خصلتين- رجل آتاه الله القرآن -أو (آتاه الله العلم) أو (آتاه الله الحكمة) ثلاث روايات- فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق). وهذا الرجل الثاني صاحب المال مفتقر افتقاراً أكيداً إلى الرجل الأول، فإن المال وحده ليس ممدوحاً، فلا يمدح المال إلا إذا سلطته على ما يهلكه في الحق، ولا يعرف الحق إلا عالم أو من يسأل العالم. إذاً: هذا الرجل الثاني ليس ممدوحاً؛ حتى يلتصق بواحد من أهل العلم فيسأله عن وجوه إنفاق المال، وما يحل له من ذلك وما يحرم؛ فحينئذٍ يكون من المحسودين؛ لأنه سلطه على هلكته في الحق، أما الجاهل الذي لا يعرف الحق من الباطل؟ فلا يتصور في رجل أن يهلك ماله في الحق إلا إذا كان عالماً أو ملتصقاً بعالم. فأنت عندما تريد أن تفعل الخير ابحث عن أعلى الخير وأفضله، قالوا: (يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟) يعني: نريد أعلى الأعمال وأتمها، وهذا أيضاً في العلم كما قال الراجح: العلم إن طلبته كثير والعمر عن تحصيله قصير فقدم الأهم منه فالمهم وكلما اشتغلت بفضول العلم ضاع عليك لب العلم، قليل من الناس من ينتبه إلى هذه المرتبة، قالوا: (يا رسول الله! ما أحب الأعمال إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قالوا: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قالوا: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله). فمن أحب الأعمال: (الصلاة على وقتها)، وفي رواية: (الصلاة لأول وقتها) (على) حرف جر يفيد الاستعلاء والتمكن، تقول: ارتقيت على الدابة يعني: تمكنت من ظهرها، فكأن الرجل يأتي إلى الصلاة في أوائل الناس مستمكناً من أول الوقت، لا تفوته تكبيرة الإحرام، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله. فالشيطان يشغل العبد بالثواب الأقل؛ لأنه إذا لم يستطع أن يوقعه في الشر المحض فعلى الأقل أن يقلل خيره، ومن تقليل الخير أن يرشده إلى الأقل في باب الخيرات. فهذه يا عباد الله! ستة أجناس من الشر، كل عمل للشيطان مهما كان كثيراً ومهما كان دقيقاً لا يخرج عن واحدٍ من هذه الأجناس، وسنفصل هذه الأجناس كلها؛ لأن معرفة عداوة الشيطان من أفضل ما يحصله الإنسان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] فقدم الكفر على الإيمان، إذ لا إيمان إلا بعد كفر. ومثل الذي يؤمن بالله ويعبد طاغوتاً كمثل رجل معه ماء رقراق ومعه إناء في أسفله طين، فإذا صب الماء الرقراق على الطين تعكر الماء كله، فإذا أردت أن يظل الماء رقراقاً نظف الإناء ثم صب الماء، كذلك التوحيد لابد أن يتطهر المرء من رجس الطواغيت، ولا يعبد شيئاً من دون الله ، فإذا وُجد التوحيد نفعه أقل العمل. أخلص دينك لله يكفيك العمل القليل. من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول نسأل الله ﵎ أن يقبضنا وإياكم على التوحيد الخالص، وأن يحسن خاتمتنا وإياكم أجمعين. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكاها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 160

عصمة الأنبياء لقد عصم الله أنبياءه ورسله من السهو والنسيان في تبليغ الوحي، فنسيانهم نسيان تشريع لا نسيان غفلة، كما أن الله عصمهم من ارتكاب كبائر الذنوب؛ لأن مقام النبوة لا يليق به ذلك، فهو مقام شرفه الله وكرمه، أما ما يحصل منهم من إتيان بعض الصغائر أو الاجتهادات الخاطئة فإنما هو لإثبات بشريتهم، ومع ذلك فإن الله يعلمهم ويعاتبهم بواسطة الوحي حتى يبلغوا درجة الكمال بين البشر.

стр. 161

بلوغ موسى ﵇ مرحلة الاستواء العقلي والجسمي إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٤ - ١٧]. الاستواء معناه: اكتمال القوة الجسمية والعقلية، وقد ظهر اكتمال القوة الجسمية في موقفين: الموقف الأول: في وكزة موسى ﵇ والتي قضى بها على القبطي. الموقف الثاني: لما سقى لابنتي العبد الصالح الغنم، لما ورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس يسقون، فوجد امرأتين تذودان الأنعام، ولا تستطيعان السقيا، فسقى لهما. لما دخل موسى ﵇ المدينة (والمدينة مُحَلاة بالألف واللام إشارة إلى العاصمة آنذاك، وليست أي مدينة) - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص:١٥]. فقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ﴾ [القصص:١٥] إشارة إلى أنه خرج منها، فيا ترى كيف خرج؟ ولماذا خرج؟ وهو ربيب فرعون الذي رباه في قصره، فكان المناسب أن يكون من أهل المدينة؛ لكن قوله : ﴿وَدَخَلَ﴾ [القصص:١٥] إشارة إلى أنه فارقها، ويدل على هذا أيضاً قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]. إذاً: صار موسى معروف المذهب مخالفاً لفرعون، حتى إنه صار له شيعة وأتباع، ولا يقال: شيعة إلا إذا كانوا موافقين له في الدين والمذهب. ولو كان هذا الرجل يعرف أنه ما يزال ربيب فرعون يدخل معه ويخرج معه، ولا يفترق عن فرعون في شيء ما استغاث به، فهذا يدلنا على أن موسى ﵇ بدأ يفارق البيئة العفنة: الظلم والقصر، وترك كل ذلك وخرج، وقال بعض أهل التفسير: إنه أظهر مخالفة فرعون فعلاً، فصار يخاف على نفسه فخرج. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص:١٥] ذهب كثير من أهل التحقيق إلى أن الوقت ذلك كان وقت القيلولة، فدخل المدينة في هذا الوقت: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] بضربة واحدة: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥].

стр. 162

الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة خلافاً للشيعة الإمامية الإثني عشرية: أن الأنبياء معصومون من الكبائر؛ دون الصغائر ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إجماعَ أهل السنة على ذلك. لقد اتفقت الأمة جميعاً لا خلاف بينها أن الأنبياء معصومون في الرسالة والتبليغ، لا يجوز عليهم الخطأ ولا التحريف، وإن كان يجوز عليهم النسيان، وهذا بأمر الله ﵎، ليس نسيان غفلة؛ ولكنه نسيان تشريع. وهذا فيما يتعلق بإبلاغ الوحي والدين؛ إذا نسي شيئاً إنما ينساه لشرع. كما حدث للنبي ﵌ في قصة ذي اليدين التي رواها البخاري ومسلم: (أن النبي ﷺ صلى بأصحابه يوماً العصر فسلم من ركعتين، وخرج الناس وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه -وفي بعض طرق الحديث أن النبي ﵊ كان غاضباً- فقام رجل في يديه طول -لذلك قيل له: ذو اليدين لطول يديه- فقال: يا رسول الله! أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نَسِيْتَ؟ قال: ما قَصُرَتْ وما نِسِيْتُ. ثم استقبل الناس، فقال: أحقاً ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: أجل يا رسول الله! فاستقبل القبلة وصلى ركعتين وسجد للسهو). فالنبي ﷺ شرَّع لنا في سهوه في الصلاة أن من نسي في صلاته فصلى أقل من العدد المطلوب من الركعات أنه لا يعيد الصلاة مرة أخرى كما يفعل بعض الناس، إنما يتم الناقصَ فقط، ويسجد للسهو، والنبي ﷺ قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكروني). إذاً: ما يتعلق بإبلاغ الدين وكلام الله ، لا يجوز عليهم الخطأ ولا التحريف ولا النسيان وهذا بإجماع الأمة.

стр. 163

العفو عن الأنبياء في الاجتهاد الخطأ بعض الأنبياء قد يخطئ في الاجتهاد ولا حرج عليه في ذلك، فقد روى أبو هريرة ﵁ كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: (خرجت امرأتان في زمان داوُد ﵇، فجاء الذئب فعدى على ولد إحداهن فأكله، فاختصمت المرأتان على الولد الباقي، فرفعتا الأمر إلى داوُد ﵇، فقضى به للكبرى، فلما خرجتا قابلتا سليمان ﵇، فشكت له الصغرى حكومة أبيه، وقالت: إنه قضى بالولد للكبرى وهو ولدها، فقال سليمان ﵇: ائتوني بسكين أشقه بينكما نصفين، فصرخت المرأة الصغرى، وقالت: لا أريده، أعطه لها، فحكم به لها) وقد قال ﵎: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩] حتى لا يظن الظان أن داوُد ﵇ لما لم يتفطن للحكم كان نقصاً فيه، قال ﵎: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] إصابة الحق منحة من الله ﵎. فالأنبياء يجوز عليهم مثل هذه الصغائر لكن يتوب الله عليهم.

стр. 164

محمد ﷺ ومعاتبة الله له وكذلك قال الله للنبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١]. وكذلك قال له ﵎: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] إلى آخر الآيات. ولما قبل النبي ﷺ الفدية في أسارى بدر قال له الله ﵎: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨].

стр. 165

نبي من الأنبياء يحرق قرى النمل وكذلك روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (أن نبياً من الأنبياء نام تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه، فأُخرج من تحت الشجرة، ثم أمر بحرق قرى النمل، فأوحى الله إليه: ألا إن قرصتك نملة واحدة تحرق قرية من الموحدين؟! -وفي اللفظ الآخر قال له: فهلا نملة) أي: نملة فهلا عاقبت نملة؟! وعاتبه ربه ﵎ في ذلك.

стр. 166

داود ﵇ وخطيئته في ميله عن الحق بين الحكمين وكذلك في قصة داوُد ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢١ - ٢٥].

стр. 167

كذب اليهود على داود في تخطئة الله له داوُد ﵇ في الآيات السابقة ليس تفسيرها كما يقول اليهود في كتبهم. إن داوُد ﵇ أرسل قائد جيشه لما رأى امرأة جميلة فأعجبته فأراد أن يتزوجها، فأحْكَمَ مؤامرةً على قائد الجيش وأرسله ليقاتل قوماً بلا حاجة إلى القتال؛ كل هذا ليُقْتَل هذا القائد، فيتزوج داوُد ﵇ امرأته، فأرسل القائدَ إلى جهة معينة يقاتل قوماً، فقاتلهم وقتل نفراً كثيراً، ورجع قائد الجيوش، فأرسله إلى جهة أخرى فكان كما حدث، فقتل مئات الألوف ولم يقتل القائد، فلم يجد داوُد ﵇ بداً من أن يقتله، فقتله وتزوج امرأته. فأراد الله أن يعلمه خطأه، فأرسل إليه مَلَكين في صورة رجلين يختصمان، وتسورا عليه المحراب يعني: تسلقا جدار المحراب الذي يصلي فيه، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص:٢٣] والنعجة: المرأة، فقال: ﴿ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص:٢٤] أنت عندك تسع وتسعون امرأة وأنا لي امرأة واحدة، فأخذتَ مني المرأة الواحدة وغلبتني في الخطاب بالبيان والحجة، فغلَّط داوُد ﵇ الرجل الذي ضم النعجة إليه، وقال: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] فغلَّط نفسه، فلما انتهت الحكومة اختفى الرجلان فجأة فعلم داوُد ﵇ أنهما ملكان؛ فحينئذٍ انكشف له الأمر فاستغفر ربه مما فعل. هكذا تقول الرواية الإسرائيلية اليهودية، وحاشا لداوُد ﵇ أن يفعل ذلك. وكذلك اتهموا لوطاً ﵇ أنه شرب الخمر وزنا بابنتيه. واتهموا إبراهيم ﵇ أنه أعطى امرأته لجبار مصر، مع أن القصة في صحيحي البخاري ومسلم عندنا تخالف اتهام اليهود تمام المخالفة. الأنبياء معصومون من الكبائر؛ لا يشركون بالله، ولا يقتلون، ولا يزنون، كل الكبائر لا يفعلها الأنبياء، إنما خطيئة داوُد ﵇ أنه قضى لأحد الخصمين على الآخر بدون أن يسمع الطرف الآخر، هذه هي خطيئة داوُد ﵇ التي استغفر منها.

стр. 168

آدم ﵇ ومعصيته لربه في أكل الشجرة اتفقت الأمة على أنه لا يجوز لنبي من الأنبياء أن يرتكب كبيرة، وجوزوا الصغائر عليهم؛ ولكن مع تجويز الصغائر عليهم فإن الله لا يقرهم على ذلك، بل يستغفرون ويغفر لهم، وهذه ميزة لهم ليست لأحد من بني آدم، وفي ذلك آيات وأحاديث، قال آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١].

стр. 169

آدم ﵇ وجحوده لربه وكذلك روى الترمذي في سننه وصححه، أن النبي ﷺ قال: (لما خلق الله آدم مسح ظهره بيده، فأخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب! من هؤلاء؟ قال: ذريتك، فرأى رجلاً منهم وبيص عينه أظهر من الكل، فقال: من هذا يا رب؟ قال: هذا ولدك داوُد يأتي في آخر الأمم، قال: رب! كم عمره؟ قال: ستون عاماً، قال: رب! زده من عمري أربعين سنة، فلما جاء الملك ليقبض آدم ﵇، فقال له آدم: قد بقي من عمري أربعون عاماً، قال: أوَلَم تعطها ولدك داوُد؟ قال: لا، فجحد آدم، فجحدت ذريته، ونسي آدم، فنسيت ذريته، وخطئ آدم، فخطئت ذريته -وفي بعض طرق الحديث-: أن الله أتم لداوُد مائة عام، وأتم لآدم عمره).

стр. 170

نوح ﵇ وسؤاله الله ما ليس له به علم وكذلك في قصة نوح ﵇ قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٧].

стр. 171

دروس وعبر من قصة قتل موسى ﵇ للقبطي

стр. 172

استغفار موسى ﵇ من قتل القبطي فإن قيل: إن كان لا جناح عليه فلم استغفر؟ ولا يكون الاستغفار إلا من ذنب؟ فنقول: إن موسى ﵇ قتل نفساً خطأً لم يؤمر بقتلها، ولذلك عد هذا ذنباً بالنسبة إلى مقامه ومكانه. وفي حديث الشفاعة الذي في الصحيحين وغيرهما عندما يذهب الناس يستشفعون بآدم، فيقول: نفسي نفسي، فيحيلهم إلى نوح، ونوح ﵇ يحيلهم إلى إبراهيم، وإبراهيم ﵇ يحيلهم إلى موسى ﵇، فيقول موسى: نفسي نفسي! إني قتلتُ نفساً لم أومر بقتلها، فكذلك كل من فعل شيئاً لم يؤمر به فهو مذنب.

стр. 173

وقوع القتل من الأنبياء فإن قلتَ: إن موسى ﵇ قتل نفساً والقتل من الكبائر، وكبائر الذنوب لا يقع فيها الأنبياء؟ فأقول: نعم، إن موسى ﵇ لم يعمد إلى قتل هذا القبطي أبداً، إنما أراد أن يكف بأسه عن الإسرائيلي، فلما وكزه ولم يرد قتله، لكن القتل وقع خطأ والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فأثبت لهم الإيمان برغم الخطأ وهو القتل، ومع ذلك لا يزال مؤمناً ووصف الإيمان وصف له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] فأثبت لهم الأخوة الإيمانية مع وجود القتال. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال: يا أهل العراق! ما أسْأَلَكم عن الصغيرة وأرْكَبَكم للكبيرة -يعني: ما أشد سؤالَكم عن السفاهات وما أشد ركوبَكم للكبائر- أما أني سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الفتنة تجيء من هاهنا، وأشار إلى المشرق، وإن موسى ﵇ إنما قتل القبطي خطأً، وقد قال الله له: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]). فهو قتل هذه النفس خطأً.

стр. 174

البدعة تعريفها وضوابطها نقول هذا الكلام لأهل البدع الذين يفعلون شيئاً لم يؤمروا به، وليس لهم دليل ولا أثارة من علم، لا من كتاب منير ولا من سنة بينة، ويفعلون ذلك يتقربون به إلى الله، هؤلاء عصاة وإن قصدوا الخير، فالخير ما أمر الله به ورسوله، والله قد أتم النعمة وأكمل الدين، فكل مفترٍ على الله بإثبات أمر لم يأمر به الله فهو مذنب: (إني قتلت نفساً لم أومر بقتلها) لا تقل: هذا عمل خير، لو كان خيراً لدلك النبي ﷺ عليه. إن المبتدع يقول بلسان حاله: أنا أستدرك على النبي ﷺ ما فاته، كل عمل يبتدعه المرء لا أجر له فيه بل هو مأزور، لا بد أن يسأل عن الهدى والإيمان كما يسأل عن رغيف الخبز. البدعة: فعل شيءٍ حادثٍ لم يؤمر به المرء بكيفيةٍ مخصوصةٍ في زمان مخصوص يتقرب به إلى الله، وهذا ضابط البدعة المذمومة. أن يفعل الشيء يتقرب به إلى الله. أما إذا فعل الشيء لا يقصد به القربى فهذا ليس من البدع المذمومة، مثل: التوسعة في ليلة عاشوراء كتجهيز كعك العيد أو المواسم التي يذبحون فيها ويوسعون على أنفسهم، بعض المتسننين يرفض الأكل والتوسعة في هذه الليلة، يقول: لا. هذا بدعة، نقول: البدعة لا تكون إلا إذا قصد بالأكل التقرب إلى الله، أما إذا قصد التوسعة على نفسه ويأكل فقط فهذا ليس من البدعة في شيء؛ لأنه يُشترط في البدعة المذمومة المستقبحة شرعاً أن يتقرب المرء بها إلى الله، لكن مثلاً كعك العيد ليست بدعة مذمومة ومحرمة؛ لأنهم لا يتقربون بأكل الكعك إلى الله، ولكن الآفة في هذا أنهم يضيعون على أنفسهم العشر الأواخر، يسهرون الليل في تجهيز العجين في هذه المعجنة وعباد الله المتقون يصفون أقدامهم بين يدي رب العالمين، هذه هي الآفة في هذا الأمر لكنها ليست بدعة، إنما البدعة -كما شاهدت بعض الناس يفعلها- أنه بعد الصلاة إذا أراد أن يدعو الله يسجد ويدعو، لماذا تسجد يا فلان وتدعو هكذا؟ يقول: إن النبي ﷺ قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ويقول الله ﵎: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] فهذا الوضع اقتراب من الله، فأنا أريد أن أكون قريباً من ربي حال دعائي واستغفاري. فنقول له: لو كان المفهوم من الآية والحديث ما فهمتَ ما تركها النبي ﷺ ، إنما المقصود بالسجود في الآية والحديث: الصلاة، والتعبير هنا عن الصلاة بجزء من أجزائها: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩] أي: صلِّ، وقوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) أي: في صلاته؛ لكن السجود المطلق بعد الصلاة فإنه لم يرد عن النبي ﷺ ، ولم يفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم، ولا أعلم أحداً من الأئمة المتبوعين أفتى باستحبابه، إذاً: هذه بدعة وإن قصد بها الخير. فكل فعل لم يؤمر به المرء فيفعله يتقرب به إلى الله وليس عليه دليل فهذا مذموم.

стр. 175

استعظام الذنب عند موسى ﵇ فلذلك استغفر موسى ﵇ ربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] بالنسبة لمقامه. قال أنس ﵁ كما في الصحيح للتابعين: (إنكم لتفعلون الشيء هو أدق من الشعرة عندكم إن كنا نعده على زمان النبي ﷺ من الكبائر) لماذا؟ الكبائر معروفة، فهم يفعلون الفعل أدق من الشعرة يقول: هذا كان عندنا -أي: مع معاشر أهل الورع- من الكبائر، وإن كان ليس كبيرة في ذاته، ولكنه كبيرة بالنسبة لمقام الإنسان، كلما شرف صدر الإنسان ونبل استعظم الناس صدور الذنب منه، ولا يستعظمون الكبيرة من أهل الفسق، وهكذا عندما يفعل هذا نبي من الأنبياء -حتى ولو كان مباحاً له أن يفعله- لكن ليس لائقاً من مثله في مقامه ومكانته، فإنه يعتبر هذا ذنباً كبيراً يستغفر منه، وكذلك أهل النبل دائماً يستعظمون الشيء الدقيق، وكذلك أهل الإيمان كما في الحديث الصحيح الذي رواه ابن مسعود قال النبي ﷺ : (إن المؤمن ليرى ذنبه الدقيق كالجبل العظيم، وإن الفاجر ليرى ذنبه العظيم كمثل الذباب يقع على أنفه فقال به هكذا فطار) الرجل المؤمن يرى الذنب الدقيق كالجبل العظيم، فلو قلت له: ماذا أذنبتَ؟ يقول: هلكت! ارتكبت موبقة من الموبقات، مع أن هذا الشيء في الميزان لا يساوي شيئاً إنما استعظمه بالنسبة لورعه ومقامه. وفي حديث البخاري في كتاب بدء الوحي من حديث ابن عباس (لما دخل أبو سفيان على هرقل وجعل يسأله عن النبي ﷺ وأدنى هرقل أصحاب أبي سفيان منه ليقرروه، وقال لهم: إن كذب عليَّ فأعلموني -أنا إنما جعلتكم معه حتى إذا كذب قلتم: كذب- فيقول أبو سفيان وكان كافراً إذ ذاك: ولولا أن يؤثروا عليَّ كذباً لكذبتُ) أي: لولا أن يعيروني يوماً ما بأنني كذبتُ لكذبتُ، مع أنه في أمس الحاجة إلى الكذب، هرقل يسأل عن النبي ﷺ وهم كفار يعادونه ويقاتلونه ألا يفترون عليه؟ طبعاً سهل جداً أن يفتروا عليه يسألهم -مثلاً-: هل هو أمين؟ يتمنى أن يقول: هو خائن، لكن الذي صده عن ذلك خشية أن يأثر عليه قومه الموالون له الكذب. إن الإنسان النبيل لا يكذب وإن لم يأتِ نهي شرعي بذلك؛ لأن الكذب معروف أنه من الدناءات، أي إنسان يحترم نفسه لا يسقط في الدناءات ترفعاً لا ديناً، يترفع أن يسقط في المستنقعات، لو كان عنده نبل. فموسى ﵇ استعظم من مثله وفي مقامه أن يقتل خطأً؛ لذلك فقد عد هذا ذنباً يجب منه الاستغفار، ولذلك بادر وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص:١٦] مع أنه ما قصد: ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَه﴾ [القصص:١٦]. وهنا شرط: من أراد أن يغفر الله له فلا بد أن يعترف بذنبه وظلمه أولاً؛ لأنه إذا لم يعترف فلن يتب، الاعتراف بالذنب فيه انكسار؛ لكن أن يذهب إلى ربه ويطلب المغفرة منه وهو شامخ رافع الرأس، فمثل هذا لا يُغفر له. ففي حديث الإفك الذي رواه الشيخان في صحيحيهما أن النبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂: (يا عائشة! إن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري، فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه). فإذا أردت أن تخرج من ذنبك، قل: يا رب! إني مذنب، إني ظالم لنفسي، إني جاهل، فاغفر لي، فإذا قدمت بهضم النفس وكسرها ودق عنقها ضَمُن أن يستجاب لك، لذلك قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦] فقال الله : ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] بفاء التعقيب، أي: غفر له فوراً بمجرد أن اعترف وخرج من ذنبه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 176

معاداة موسى ﵇ للمجرمين الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. أيها الإخوة الكرام: ما أجمل الوفاء! لا يضيع الوفاء إلا لئيم، وصدق المتنبي إذ يقول: إن أنت أكرمت الكريم ملكتَه وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا لا تصلح صناعةُ خير مع لئيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] هذا هو الوفاء، والاعتراف بالجميل، وبالنعم: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] إذ قبلت توبتي، وهذه أجل النعم على الإطلاق أن يقبل الله توبة التائب، ويمحو حوبته، ويغفر ذنوبه. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] أقسم على نفسه، وقطع على نفسه عهداً في مقابل هذه النعمة الجسمية، وهي أنك أسقطت عني الذنب وغفرت لي، فلن أكون ظهيراً لمجرم عليك أبداً، لا أتولى الذين ظلموا من المجرمين والكافرين، وأكون على نقيضهم؛ إذ الكافر على ربه ظهير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]. أيها الكرام! لماذا نهادن أهل المعاصي؟! لماذا نلقي إليهم بأيدي المودة وقد عصوا ربهم ﵎، وكانوا عليه ظهرياً؟! فلماذا إذاً نواليهم؟! أليس هذا من كفران النعم؟! هذا من كفران النعم أن توالي أهل البدع، وأن توالي أهل العصيان والظلمة. قال عبيد الله بن الوليد سألت عطاء بن أبي رباح فقلت له: (إن أخي يأكل بقلمه يكتب ويحسب، قال: من الرأس؟ قال: خالد بن عبد الله القسري، قال: ألم تسمع قول العبد الصالح: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]) فاستعظم أنه يكتب الخراج، أي: أن هذا الرجل محافظ على بيت المال إذا خَرَجَ مالٌ، كتب: خَرَجَ مالٌ، وإذا دَخَلَ مالٌ، كتب: دَخَلَ مالٌ، الرجل هذا غلطان؟! الرجل هذا يرتكب محرماً؟! وعطاء بن أبي رباح كان عبداً أسود منَّ الله عليه بالعلم، وكم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم، كانوا إذا جاءوا عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل الشهير العالم العامل إذا سألوه فيسألهم عن بلدهم، فيقول لهم: (أتستفتوني وعندكم عطاء بن أبي رباح) وهذه تزكية ما بعدها تزكية لمثل هذا العبد الضعيف. فهذا الكلام نعطيه لكل من ارتكب مظلمة في حق إنسان لإنسان، قال : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. يقول: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. ويقول تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] أكثر الذين يرتكبون المظالم يقول: أنا ماذا أعمل؟ أنا عبدُ الآمر. نقول له: أشركت بالله بهذا القول، فهلا قلتَ: أنا عبدٌ مأمورٌ، فحينئذٍ نسأل من الذي يأمرك؟ وبم أمرك؟ ويقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. وهؤلاء الظلمة الذين يدخلون النار أفواجاً وأمماً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤] تصوَّر! يُعذَّبون ويَختَصمون ويسبُّ بعضهم بعضاً، ولو أنهم لا يعذبون لكفى عذاباً أن تكون مع من تكره في مكان واحد لا تستطيع مفارقته، وصدقت العرب عندما كانت تقول: (رب مملول لا يُستطاع فراقه)، أشقى الناس من اقترن بإلف لا يستطيع فراقه، مكتوب عليه. رجل تجوز امرأةً ناشزاً، كافرةً بالنعم، جاحدةً للفضل، وعنده أولاد منها، أو عليه مائة ألف أو ثلاثون ألفاً، أو أنه إذا طلقها أخذت كل ما جمعه في حياته، فمضطر أن يعيش ذليلاً، مضطراً، يتجرع الذل ليلاً نهاراً، ضاعت بهجة حياته؛ لأنه عاجز عن الطلاق، فكيف إذا كانوا في مكان واحد ويلعن بعضهم بعضاً. أنا أذكر أنه لم تضق علينا زنزانة قط إلا بعدما جمعوا بيننا وبين جماعة التكفير وبين الفرماوية وبين الجماعات المختلفة، عندما كنا جميعاً أصحاب عقيدةٍ واحدة، ومنهجٍ واحد، وفي مكان واحد، كنا متآلفين متحابين متآخين، وما شعرنا أبداً بالحد على الإطلاق، بدءوا يشكلون الأفراد: (١٠) تكفير، (٥) فرماوية، (٤) من الاتجاه الفلاني العلاني، وبدءوا يتناحرون ويتناقشون ويشتم بعضهم بعضاً، هنا شعرنا بالسجن والحبس: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤] يُعذبون ويسب بعضُهم بعضاً ويلعن بعضُهم بعضاً. فمن تمام اعترافك بنعمة الله عليك أن لا تنحاز إلى من يكفر به سواءً كان كفر جحود أو كفر نعمة. لا يحل لك أن تعطي لأهل المعاصي الود، ولا أن تستضيف أحداً منهم، ولا تبسط لهم يد المودة؛ لأن الله سوى بين الفاعل وبين الراضي، قال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠] فهذا وعد قطعه موسى على نفسه كله وفاء: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] بقبول توبتي؛ وغسل حوبتي؛ فلن أكون ظهيراً للمجرمين عليك. نسأل الله ﵎ أن يَجْتَبِيَنا إلى طاعته، وأن يغفرَ لنا ما فرطنا فيه، وأن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 177

عبدة الشيطان إن المتصفح لتاريخ الأمم السابقة مع أنبيائها يجد أن الذين عادوا الرسل وكذبوهم هم عبدة الشيطان وأتباعه شعروا بذلك أم لم يشعروا، وفي زماننا وجد من يصرحون بذلك، فيقولون: نحن نعبد الشيطان اتقاء غضبه وسخطه، ويختلقون له القصص والروايات من أنه مظلوم، وقد أراد أن يتوب فلم يقبل الله توبته، ورغم قلة هؤلاء إلا أنه لا يجوز السكوت عن باطلهم الذي أعلنوه وجاهروا به.

стр. 178

مذهب عبادة الشيطان قديم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا زال حديثنا موصولاً عن جيل التمكين وعن صفات هذا الجيل، ولا زلنا نقول: إن التفريط في إيجاد هذا الجيل لَجُرْمٌ عظيم تحاسب الأمة عليه كلها في الدنيا والآخرة، ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق، وما أنزل كتابه إلا بالحق، فلم هذا التفلت؟ إن هناك آصرة قوية وعلاقة متينة بين الطفولة والتمكين، وكما قلنا مراراً ونقول: إن الله ﵎ لما ذكر التمكين لبني إسرائيل ذكر رضاع موسى ﵇: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٥ - ٧]. أولادنا ماذا فعلنا معهم؟ أطعمناهم كسوناهم أدخلناهم أرقى المدارس والجامعات لكنهم صفر! تعرفون جيل آبائنا حلقة مفرغة لا قيمة لها في عمر الزمن، والسبب يطول شرحه لكن سأضع لكم شيئاً تقيسون عليه بقية الأشياء. عبدة الشيطان الآن هم تفريخ طبيعي لذلك الجيل. في سنة (١٩٠٠م) لما بدأت بذور العلمانية تظهر مع ضعف الدولة العثمانية، وبدأت تكون لهم صولة وجولة، وبدأ نور التدين يخفت، ظهرت طائفة من الكتاب يكتبون القصص والمقالات -وهؤلاء هم الذين شكلوا مسار الأمة- وقد كانت كل رواياتهم تنطق بالكفر والجبر -وهو نوع من الكفر- فالجبر: اتهام لله بالظلم، الله خلقني، قدر عليَّ المعصية لِمَ يدخلني النار؟ يعني: هو ظالم؛ لأنه لو كان عادلاً ما أدخلني النار بجرم ليس من يدي. فمذهب عبادة الشيطان مذهب قديم وليس مذهباً جديداً مستحدثاً، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] وقال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] ما غاب هذا المذهب عن الأرض طرفة عين، كل المعاصي التي وقعت في الأرض على مذهب عبادة الشيطان، وكل مخالفة لله ورسوله على مذهب عبادة الشيطان، لكن الجديد أن يقول رجل: أنا أعبد الشيطان، هذا هو الجديد في الموضوع، كان الرجل يفعل المعصية عامداً ويقول: أنا جاهل أنا لا أدري أن الأمر بخلاف ذلك ويقول: أنا غلبني هواي المهم لا بد أن يعتذر، ولا يصرح أنه يعبد الشيطان، الجديد في المسألة التصريح. الذين يقولون: نعبد العجل العجل عبارة عن لحمة وجلد. والذين يقولون: نعبد الشمس الشمس منبع الأشعة. فالذين يعبدون الشيطان أي ميزة فيه؟ وليس معنى الكلام أنني أجوز عبادة البقر أو عبادة الشمس؛ لكن مذهب ليس فيه أي ميزة على الإطلاق، من الذين أشاعوه؟

стр. 179

القصص العابثة وعبادة الشيطان مذهب الشيطان كتبه رجل ليس له من اسمه نصيب (توفيق الحكيم) لا توفيق ولا حكمة، كتبه في رواية، ونشرت وطبعت عشرات المرات عنوانها: (الشهيد) الرواية هذه خلاصتها أن الشيطان أراد أن يتوب فذهب إلى أعلى سلطة دينية شيخ الأزهر، وقال له: أنا مخطئ واعترفت بخطئي، وأريد أن أتوب. قال له: تريد أن تتوب؟! لا. كيف تتوب؟! سيبطل القرآن بتوبتك، القرآن يلعن الشيطان، والمؤمنون يستعيذون بالله من الشيطان دائماً، فلو تبت فمن نستعيذ؟! لا. بقاؤك ضروري. قال الشيطان: وأنا أكون ضحية من أجل أن يستعيذوا مني فأدخل النار؟ أنا أريد أن أتوب. قال: فأفحم شيخ الأزهر ولم يجد جواباً، ولما لم يجد جواباً، قال: والله توجد سلطة أعلى مني، وهذا ليس من اختصاصي، أنا اختصاصي إعلاء مجد الأزهر، وأن أنشر الدين بين الناس، إنما مسألة قبول توبتك هذا لا أقبلها، ليس من اختصاصي. قال: إذن دلني. قال له: عليك بجبريل. فيصعد ويجد جبريل فيقول له: أريد أن أتوب! أنا مخطئ. فيقول له جبريل: كيف تتوب؟ كيف نقبل توبتك؟ إن السماوات والأرض قائمة على لعنتك، لا نقبل منك توبة، على أي حال هذا ليس من اختصاصي. قال: فلمن أذهب إذن؟! قال: اذهب لربك. فلما ذهب إلى الله لعنه وطرده. نزل إبليس من فوق وهو يصرخ بأعلى صوته ويقول: أنا شهيد! أنا شهيد! أنا شهيد! وبعد ذلك يقول الكاتب: وتجاوبت معه السماوات والأرض والأشجار والأحجار والرمال كلها قالت: أنا شهيد! أنا شهيد! معنى هذا الكلام أن السماوات والأرض والجبال تقر أن الشيطان مظلوم. إذاً: النتيجة أن الله ظلم إبليس. هذه هي القصة، وهذا رجل فارس من الفرسان الذين شكلوا عقائد وثقافات الجيل المنصرم، أن الشيطان مظلوم!

стр. 180

لماذا يعبدون الشيطان ؟ ولكن أبين لكم إلى أين تذهب هذه القافلة التي تعبد الشيطان، نعم هم شرذمة قليلون ليسوا شيئاً بجانب سواد الأمة الذي رجع إلى الله؛ لكن معظم النار من مستصغر الشرر، وكان العرب يقولون: (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له) لا تنم لعدوك ولو كان نملة، فما جاءت الطامات الكبيرة إلا بهذا القول: إنهم شرذمة قليلون لا قيمة لهم، لا. نحن نندد بهذا إعلاءً لكلمة الله ، وإعذاراًَ إلى الله أننا أنكرنا عليهم وأننا تكلمنا. شاب من ضمن الشباب الذين يعبدون الشيطان قيل له: لماذا أنت تعبد الشيطان؟ قال: نحن نعبده لنتقي شره وغضبه. فكيف هان عليهم غضب الله؟! إذا كان الإنسان لا بد أن يعبد شيئاً ليتقي غضبه فلا، يعبد إلا الله؛ فإن الله إذا غضب لا يقوم لغضبه شيء، والشيطان برغم قوته ملَّكك الله أكتافه، هو أقوى منك وأنت أضعف؛ لكن ملكك الله أكتافه، ولكن به ﵎ إذا قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، لا يبقى أمامك أبداً، ولذلك كان شيطان الإنس أعتى من شيطان الجن في هذا الباب، شيطان الجن تتقيه بالاستعاذة، شيطان الإنس لو قرأت عليه القرآن كله ما يتحرك، فملكك الله شيطان الجن بالاستعاذة. وبعد ذلك يقول شاب منهم: إن الله لم يعطه فرصة للدفاع عن نفسه، لمجرد ما أبى قال له: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨] انظر! يتكلمون عن الله! يقولون: مجرد ما اعترض طرد. وربنا ذكر أن جنايات الشيطان ثلاث: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]. ولا يقال عن إنسان أبى إلا إذا كان باختيار، فإن الذي يفعل مجبوراً لا يقال أبى، ولذلك تسقط الواجبات كلها بالعجز. نحن نقاوم مذهب الشيطان بكتاب الله، فهو كله ضد مذهب الشيطان، وسنة النبي ﷺ ضد مذهب الشيطان. إن الذي أفزعنا هو هذا السكوت عن هذا المذهب، وأصحابه قد أعلنوه؛ وعمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: من أعلن عاقبناه، ومن أسر فهو إلى الله. إذاً: الإنسان العاصي إذا أظهر العصيان ارتكب جريمتين: جريمة المعصية، وجريمة إظهار المعصية. أما إذا أسر بالمعصية فهذا أمره إلى الله. الذين يتبعون الشيطان في الدنيا كثير؛ لكنهم يعتذرون ويبررون ويبرئون أنفسهم أن يكونوا تابعين للشيطان. نحن الآن مقبلون على مرحلة عصيبة بيننا وبين اليهود، كتبهم تنطق أنه قبل عام (٢٠٠٠م) ستكون هناك حرب عظيمة؛ لأن الدجال في اعتقادهم -والدجال هو إمام اليهود- سيظهر عام (٢٠٠٠م)؛ كما في تلمودهم وكتبهم التي كتبوها بهذا الشأن، فهم يسعون أن يجتمع اليهود جميعاً خلف إمامهم -وهو الدجال- وهم لذلك يعدون العدة، وتباشير الحرب قائمة. والقادة العسكريون في بلادنا كتبوا على صفحات الجرائد أنهم قبل عام (٢٠٠٠م) يتوقعون حرباً، ويقولون: نحن نتوقع بحسنا العسكري أنه ستكون هناك حرب قوية بيننا وبين اليهود قبل عام (٢٠٠٠م). فأين شبابنا الذين يدافعون عن دينهم؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمننا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
следующие страницы →