Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
اتباع النبي ﷺ ومحبته من الإيمان
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن محبة النبي ﷺ وموالاته، ونصب الحرب على أعدائه لأمر واجب على الأعيان، ولا يتم إيمان العبد إلا بهذا.
قال بعض العلماء: إن العبد إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن معنى وتفسير هذه الكلمة المباركة هو أن الله هو المعبود بحق، ولا معبود بحق سواه، وكذلك نبينا ﵊ لا شريك له في الاتباع.
وهنا نكتة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما يتعلق بخطبة الحاجة، قال: لما بدأ الكلام بدأ بصيغة الجمع: (إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره) إلا في الشهادة لم يقل: ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه لا يقوم أحد نيابة عن أحد بهذا الأمر، بل لا بد أن يشهد كل عبد بذاته: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا يستقيم إيمانه إلا إذا شهد هو بنفسه: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
стр. 1157
تعظيم الصحابة للنبي ﷺ
إن الناظر في جيل الصحابة الأوائل يرى أن أعظم ما يميزهم المحبة العظيمة التي غرست فيهم الاتباع، اتباع أولئك الصحابة وتعظيمهم لكلام النبي ﵊.
جاء في صحيح مسلم أن النبي ﵊ لما هاجر إلى المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، وكان دار أبي أيوب على طابقين، فقال النبي ﵊ لـ أبي أيوب: (السفل أرفق بنا -أي اجعلنا في أسفل الدار- إنه يغشاني أصحابي فالسفل أرفق بنا) وكان أبو أيوب في الطابق العلوي، وذات ليلة وهو يمشي في الليل فزع، فقال: أنا أمشي على سقف يعلو النبي ﷺ !! وانكمش هو وأهل داره في زاوية حتى الصباح، استعظم أن يمشي على السطح؛ لأن النبي ﵊ تحته، قال: (وانكسر حب لنا)، هذه الزيادة ليست في صحيح مسلم، إنما في نفس الحديث عند البيهقي في باب النبوة وغيره.
قال: (وانكسر حبٌّ لنا -الحب: هو الجرة العظيمة- قال: فجففت الماء بلحافي، اللحاف الذي يتغطى به هو وامرأته والله ما لنا غيره، خشية أن تسقط قطرة ماء على النبي ﵊، فلما أصبح الصباح قال: يا رسول الله! لا أعلو سقيفة أنت تحتها.
فصعد النبي ﷺ إلى أعلى).
حتى إنه لما كان يرسل إلى النبي ﷺ بالطعام فيأكل منه، فيرجع إليهم ما تبقى منه فيأكلون، فيسأل أبو أيوب: أين مواضع يده؟ وإذا شرب يقول: أين موضع فمه من الإناء؟ فيتحرى مواضع فمه ويده ﷺ فيأكل من الموضع الذي أكل، وكذلك يتحرى في الشرب موضع فمه ﷺ في الإناء فيشرب هو وامرأته منه، فأرسل له يوماً بصلاً، فلم يأكل منه النبي ﵊ شيئاً، فلما صعد الرجل بالطعام إلى أبي أيوب ورأى البصل كما هو فزع ونزل وقال: (يا رسول الله! أحرام هو؟ قال: لا، ولكني أُناجَى فأكره ذلك) -يعني يكره أن يؤذي الملك، فماذا قال أبو أيوب؟ رغم أن البصل حلال، والنبي ﵊ لم ينهه عن ذلك، قال: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره، وامتنع من أكل البصل.
كذلك في الصحيح أن عبد الله بن عمر ﵄ قال لأبنائه يوماً، وأبناؤه هم: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وسالم، وحمزة، وبلال، فقال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وفي لفظ: (إذا استأذنت أمة أحدكم أن تخرج إلى المسجد فلا يمنعها).
فقال أحد أبنائه -وهو بلال: والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً! الدغل: جمعه أدغال، وهو المكان كثير الشجر، كأنه يقول: إن بعض النساء قد يتخذن من الخروج إلى المسجد ذريعة فيقضين مآربهن، فيقول: لنمنعهن حتى لا يتخذنه دغلاً وحجة، يعني: -كما لو دخل رجل في الأدغال وراء شجرة أو نحو ذلك- فحصبه عبد الله بن عمر بحصيات، وقال له: أقول: قال رسول الله ﷺ ذلك وتعارضه! والله لا رأيتك أبداً، فيذكرون أنه ما دخل عليه حتى مات.
هذا لأن ابن عبد الله بن عمر اعترض على حديث رسول الله ﷺ ، وكان في اعتراضه سوء أدب من وجهة نظر والده، بغض النظر عن أنه متأول، ولا يقصد أن يرد برأيه الحديث، وإنما كان عنده علة جعلته يتلفظ بهذا القول، لكنه كان قولاً فجاً في نظر عبد الله بن عمر، فلم يتحمل منه هذا.
стр. 1158
اعتراض الغزالي على حديث: الكلب الأسود شيطان
الآن يعترضون ليس على حديث نبوي بل على آيات القرآن الكريم، وبطبيعة الحال هم لا يعترضون على ذات الآية إنما على معناها ومؤداها.
وهذا محمد الغزالي المصري في كتابه الأخير -وهو من أشأم الكتب التي صدرت في هذا العصر- لمّا أتى على حديث أبي ذر، الذي رواه عنه عبد الله بن الصامت، وأخرجه مسلم وفيه أن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة المرأة والكلب الأسود والحمار، قال أبو ذر: يا رسول الله! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟ قال النبي ﵊: الكلب الأسود شيطان).
فهذا بيان واضح للتفرقة، وأبو ذر استشكل الكلب الأسود، لماذا الكلب الأسود؟ فقال له: (الكلب الأسود شيطان).
فيأتي الغزالي فيقول: بل الكلاب كلها سواء، يعني: لا فرق بين الكلب الأسود والأحمر والأصفر.
كيف هذا وقد بين النبي ﷺ ما استشكله أبو ذر وقال له: إنه شيطان؟! فيأتي هذا فيقول: لا، ليس شيطاناً، بل الكلاب كلها سواء، لا فرق بين أصفر وأحمر وأبيض، فهذا رد صريح للأحاديث النبوية، وهناك العشرات الذين يردون الأحاديث، بل أكثر!
стр. 1159
اعتراض الغزالي على حديث الحبة السوداء
ومن الأمثلة أيضاً: لما ذكر الغزالي حديث النبي ﵊: (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، تدرون ماذا قال؟ لقد قال: لا يعقل أن الحبة السوداء تستخدم في (الأنفلونزا)، أو تستخدم في (المغص)، أو تستخدم في مثل هذه الأشياء، فلا بد أن الحديث ليس على ظاهره، فيقول وهذا كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، يقول: فهل دمرت كل شيء؟ مع أن لفظ (كل) من ألفاظ العموم، إذاً قول النبي ﷺ : (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أن الحبة السوداء شفاء من كل داء، ولسنا نعتقد أن الحبة السوداء هي التي تدفع الداء، إنما هي سبب، قد يرفع الله الداء بشربة ماء، وقد لا يرتفع المرض بأخذ جميع أنواع العلاجات التي صنعت لرفع هذا المرض، فالمسألة مسألة أسباب فقط، والله ﵎ هو الشافي.
هناك امرأة مغربية ذهبت إلى أطباء الدنيا، وقرروا أن عندها سرطان، وأن الحالة ميئوس منها، وقالوا: لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، وقالوا لأهلها: متعوها وأكلوها وشربوها كل ما تريد؛ لأنه لم يبق من عمرها إلا ثلاثة أشهر فقط، فقال الأهل للمرأة: أي شيء في نفسك وتريدينه من أكل أو شرب أو غيرهما سنوفره لكِ، قالت: أريد أن أذهب إلى الحرم، وأقضي بقية عمري هناك، وذهبوا بها إلى الحرم، ولم تكن تأكل ولا تشرب، وإنما كانت تشرب من ماء زمزم فقط، وكانت تأكل بعض حبات الفاكهة ونحو ذلك، مرت ثلاثة أشهر والمرأة لا شيء عندها أربعة أشهر خمسة أشهر ستة أشهر أين ذهب المرض؟ لا تدري، شعرت أنها في صحة جيدة، عرضت نفسها على أطباء المملكة، قالوا: إنك لا تشتكين من أي علة، قالت: هؤلاء لا يعرفون شيئاً، الأطباء الكبار قرروا أن بها سرطاناً، وأطباء المملكة يقولون: ليس بها شيء، أبناؤها لم يصدقوا ما قرره أطباء المملكة، فأخذوها وطاروا بها إلى الأطباء هناك، فبحثوا فلم يجدوا العلة، أين ذهب المرض؟ لا يعرفون، قالوا لها: عند أي طبيب تعالجت، وأي دواء أخذت؟! قالت: ما أخذت شيئاً سوى أنني كنت في الحرم، وكل طعامي وشرابي كان من ماء زمزم.
فهذا يدل على أن الله ﵎ رفع هذا الداء بماء زمزم.
كما قلنا: قد يرتفع العلاج بشربة ماء، وهذا ما حدث لـ أبي ذر في قصة إسلامه، أنه اختفى من المشركين في المسجد الحرام، ونزل إلى ماء زمزم، ولم يكن له شرب ولا أكل إلا من ماء زمزم، حتى قال أبو ذر: (حتى تكسرت عكن بطني).
يعني: صار اللحم طبقات بعضها فوق بعض من شرب ماء زمزم، (حتى تكسرت عكن بطني ولم أجد على كبدي سخفة جوع).
ماء زمزم هو الماء الوحيد الذي إن شربته قام مقام الطعام، بخلاف الماء العادي إذا كنت جائعاً فلا تستطيع أن تستسيغ الماء، بخلاف ماء زمزم، فقال النبي ﷺ : (إنه طعام طعم، وشفاء سقم) أي: ماء زمزم.
فمن الذي يقول بقول الغزالي؟ مع أن النبي ﵊ يقول: (الحبة السوداء شفاء من كل داء) فنحن نعتقد أنها شفاء من كل داء إلا السام، -وهو الموت- واحتجاجه بالآية في غاية العجب؛ لأن الآية تقول: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] فيقول: فهل دمرت كل شيء؟ تمام الآية: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] فدل على أن المساكن استثنيت من هذا التدمير.
انظروا إلى الجرأة على حديث النبي ﵊! فاتباع وتوقير كلام النبي ﵊ فرع -بلا شك- عن المحبة، لو كان هؤلاء يحبون النبي ﵊ كما كان يحبه السلف الأوائل لوقفوا عند قوله، ولم يتقدموا بين يديه بقول، فضلاً عن أن يخالفوا قوله، فإن مخالفة قوله ﵊ جريمة عظيمة.
стр. 1160
الفرق بين تعظيم الصحابة للكتاب والسنة وبين المتأخرين بعدهم
إن الفرق بيننا وبين أصحاب النبي ﷺ يظهر في قوله ﵎: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] ورثوا الكتاب! هناك فرق بين الذي قاتل من أجل آيات الكتاب وبين الذي ورثه، أنت ترى أن الرجل قد يخلِّف ثروة طائلة لأولاده، فترى كثيراً من أولئك الورثة ينفق هذا المال كله الذي جمعه والده في عشرات السنين، ويأتي الولد ويضيعه في عشية أوضحاها دون أن يذرف عليه دمعة، إنما الذي جمعه بكده وعرقه لا ينفق منه درهماً واحداً ولا ديناراً إلا إن علم أن هذا هو موضعه فيه؛ لأنه تعب عليه.
كذلك الصحابة ما كانوا ليخالفوا الكتاب أبداً، ولم يكونوا ليخالفوا قول النبي ﵊؛ لأنهم تحملوا الأذى من أجله، وما وصلنا الكتاب ولا السنة إلا على أشلاء أولئك الصحابة، والحروب التي خاضوها واستعذبوا الموت في سبيل الله ، من أجل أن يوصلوا إلينا هذا البيان نقلاً أميناً صحيحاً غير محرف، بخلاف أولئك الذين ورثوا الكتاب ترى أحدهم يحتج بالآية في غير موضعها، بل وبضد موضعها أحياناً، وتهون عليه، ويجاهر ويكابر.
هناك بعض أصحاب محلات الحلاقة يكتبون على جدران محلاتهم قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:٨] وهذه الظاهرة موجودة عندنا في بعض محلات الحلاقة، ماذا يقصدون بكتابة هذه الآية؟ إنهم يقصدون بذلك أنه عندما يحلق اللحية مرتين يصير الوجه ناعماً والخد أملساً، فهذه الآية ساقها الله ﵎ مساق المدح لأهل الجنة، وهؤلاء يضعون الآية في غير موضعها بل ضد موضعها، لماذا هانت عليهم آيات القرآن الكريم إلى هذا الحد؟! لأنهم ورثوا الكتاب، لم يحسوا بقيمة هذا القرآن.
كذلك ترى مكتوباً في محل عصير أو شراب: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان:٢١]، هل هذا هو الشراب الطهور الذي أراده الله ﵎ من الآية؟! بل وترى بعض الذين يحملون القرآن الكريم -أي: يحفظونه عن ظهر قلب- مخالفات عجيبة.
حدثت عندنا قصة وهي: أن أحد الأثرياء ماتت والدته، فأراد أن يأتي بأشهر قارئ ليقرأ لها، فأتى بقارئ كبير ومشهور جداً، وإنما يسمع الناس صوته في الإذاعة، ولم تكتحل أعينهم برؤياه، فلما علموا أن القارئ الإمام سيقرأ في العزاء أتوا من كل حدب وصوب، ومن كل فج بعيد؛ حتى يرون هذا القارئ.
هذه القصة حدثت قبل عشر سنوات، يعني من نحو خمسة عشر عاماً، فلما ذهبوا ليتعاقدوا معه، قالوا له: بكم تقرأ ثلاثة أرباع؟ قال: أقرؤها بأربعمائة جنيه، الأربعمائة جنيه في ذلك الوقت كانت قيمة عالية، قالوا له: خذ المال، قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، انظروا! وكأن هذا القارئ لم يقرأ قط قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]! وكأنه لم يقرأ قط قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، كأنه لم يقرأ هذه الآيات! بل قال: أرسلوها إلى البنك الفلاني، وجاء الرجل وقرأ، والناس ينصتون ليس لآيات القرآن، إنما ينصتون للصوت، هم منسجمون مع الصوت، حتى أن قارئاً كان يقرأ: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] قام رجل وقال: الله يزيدك يزيده ماذا؟! أكثر من سبعين ذراعاً!! وأحياناً تقرأ هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧١] يقول بعض الحاضرين: اللهم اجعلنا منهم، هو لا يدري زمر الجنة من زمر النار، إنما يسمع للتطريب فقط، فانسجم الناس، المهم طلبوا ربعاً رابعاً، قال: أنا مرتبط بأعمال، حسن! خذ ما شئت من المال، الذي طلب منه مواصلة القراءة هو ذلك الرجل الثري؛ لأن الحاضرين في عزاء والدته عدد ضخم جداً، وهم يتفاخرون بذلك، أبى، فقال له بعض الناس: لماذا تغالي في أجرك؟! أربعمائة جنيه في ثلاثة أرباع! لماذا تغالي في أجرك؟! فقال -ما أدري مازحاً أم جاداً، مع أن المزاح في هذا لا يجوز- قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٤١] أنا أعتقد أن هذا الرجل لو قصد واعتقد هذا المعنى لكفر، فإن الدنيا كلها التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لو وضعت الدنيا في كفة ووضع شطر آية في كفة، لا يشك أحد أن هذه الآية بل وشطر الآية أفضل من الدنيا كلها، وهل يظن أن هذا الرجل لو غالى حتى أخذ أموال الدنيا كلها أنه وفى هذا القرآن حقه؟! فإذا كان هذا حال الذين يقرءون القرآن كله، ويحفظونه عن ظهر قلب فكيف بغيرهم؟! ولقد نعلم علماًَ ضرورياً أن جل الصحابة كانوا يحفظون القرآن كاملاً، لكن الفرق بيننا وبينهم كبير.
стр. 1161
الفرق بيننا وبين الصحابة في حفظ القرآن
كان الصحابة كتلة واحدة؛ لأنهم تعلموا الإيمان والقرآن جميعاً، وما كانوا يتجاوزون آية من آيات القرآن إلا ويعملون بها، ويقول بعض العلماء: لعل هذا هو السبب الذي جعلهم لا يحفظون القرآن كله، الذين يحفظون القرآن الآن ليسوا أذكى منهم ولا أحفظ، والعرب الأوائل اشتهروا بالحفظ، كانوا يحفظون المعلقات، ويحفظون الأمثال، هكذا كان الحفظ! أيعجزون أن يحفظوا آي الذكر، ويحفظوا أقوالاً مركبة معقدة كالصخر؟! أفلا يحفظون آيات الذكر الحكيم التي يحفظها الطفل الصغير؟! ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
أنا أعرف رجالاً عاشوا وهم يحفظون القرآن، وماتوا وهم لا يعرفون تفسير المعوذتين! ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] الواحد منهم لا يعرف ما هو الغاسق، ولا يعرف ما معنى وقب، وكذلك الطفل الصغير لا يعرف لكنه يحفظ، فهذه بركة في القرآن الكريم أن يحفظه الكل، أفيعجز أولئك الصحابة الذين كانوا يحفظون الأقوال الجامدة من أن يحفظوا القرآن الكريم؟! لا يعجزون، إذاً لماذا مات أغلبهم ولم يحفظوا القرآن الكريم كله؟ لأنهم لم يكونوا يتجاوزون الآية ولا الآيتين ولا الثلاث إلا بعد أن يعملوا بها.
وهذا -كما قلت:- أحد الفروق التي تميز أولئك الصحابة العظام وبين جيلنا الآن.
стр. 1162
السر في كون الصحابة فاقوا من بعدهم
أثُر عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، وإنه يأتي أقوام يتعلمون القرآن ثم يتعلمون الإيمان)، هذا هو الفرق: تعلم الإيمان أولاً، فإذا جاءته آية أو جاءه حديث لا يفقه معناه لا يعترض، لأنه آمن أولاً فيسلِّم، بخلاف الذي يقرأ القرآن بغير إيمان كامل فإنه يمكن أن يعترض على آيات، أو يمكن أن يرد أحاديث كثيرة.
فلذلك عبد الله بن مسعود كأنه بهذا القول يشير إلى خطورة تعلم المرء القرآن قبل تعلم الإيمان، أو تعلم العلم قبل تعلم الإيمان، لقد وصلت استهانة الناس بالقرآن إلى حد أنهم حرفوا النص، لا أقول حرفوا التأويل، إنما حرفوا النص.
بعض أقطاب الصوفية وأظنه ابن عربي أو رجل يشابهه لما جاء يفسر قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]-الصوفية يفسرون القرآن بالإشارة- قال: تفسير الآية ليس كما يتبادر إلى أذهانكم، وإنما معنى الآية هكذا: (من ذل ذي يشف ع)، أتى بلفظ آخر للآية: (من ذل): من الذل.
(ذي): اسم إشارة، أي: من ذل نفسه.
(يشف) أي: من الكبر والبطر والرياء والعجب.
(ع): فعل أمر: من وعى، أي: ع هذا الكلام، هل الآية هكذا لفظاً ومعنى؟! سبحان الله! هانت عليهم آيات القرآن الكريم؛ لأن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٦٩]، وهذا رجل وارث، ما قاتل على آيات الكتاب حتى يعز عليه أن يحرف المعنى، لأن مسألة تحريف اللفظ هذه مسألة خطيرة جداً.
صحيح أن ألفاظ القرآن الكريم يحمل وجوهاً كثيرة، والآية الواحدة قد تحتمل أكثر من معنى، لكن ليس إلى هذا الحد الذي يعود على معنى الفقه بالإبطال، إذا كان التأويل سائغاً معتبراً لا يخرج عن حد اللفظ اللغوي، وكان معنىً سائغاً لائقاًً كهذا التفسير اللائق لقوله ﵎: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] هذه الآية معناها: أن المساجد لله ﵎، فلا تخلط فيها شيئاً من الدنيا، ولذلك يمنع فيها البيع والشراء، وهيشات الأسواق، والنزاع والخصومة، وإنشاد الضالة، وهذه المعاني في المسجد إلى آخره.
فالمعنى السائغ اللائق هو كما قال بعض العلماء: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ المساجد هنا: جمع مسجَد، أي: أن أعضاءك السبعة التي تسجد بها لله، فلا تسجد بها لأحد غير الله، لا تأت وتخرَّ على الأرض ساجداً أمام أي إنسان مهما كان عظيماً، كما يفعل بعض الجهلاء، كما حدث مع شاه إيران لما خرج من المطار أتى رجل وقبل نعله وسجد له.
وهذا المعنى الذي قاله هؤلاء العلماء في هذه الآية معنى لاائق؛ لأن اللغة تدل عليه، لا يجوز لأحد أن يسجد لأحد من البشر على هذه الأعضاء السبعة، بل هذه الأعضاء إنما يسجد بها المرء لربه ﵎.
فإذا كان اللفظ محتملاً للمعنى ولا يخرج عن دلالته اللغوية فإنه جائز، لكن ليس إلى هذا الحد الذي يصل إلى إبطال الآية ذاتها، مثل لفظ: (من ذل ذي يشف ع) مع أن الآية خلاف هذا تماماً، إنما تجرءوا على فعل هذا الفعل المنكر، وهانت عليهم آيات القرآن الكريم؛ لأنهم ورثوا الكتاب.
стр. 1163
الفرق بيننا وبين الصحابة في الاختلاف
الصحابة الأوائل كانوا يختلفون عن هؤلاء اختلافاً كبيراً، لذلك فنحن نشبه بُعْدَ المسلمين عن تطبيق الإسلام بمثلث حاد الزاوية، النقطة لا أبعاد فيها، مثل إذا وضعت نقطاً برأس القلم فليس فيها طول ولا عرض، وإن كان فيها أبعاد فهي أبعاد قصيرة جداً لا تكاد تذكر، فلو قلنا: هذه النقطة هي العهد النبوي، كانوا كلهم شيئاً واحداً، حتى لو حدث خلاف فهذا الخلاف ينتهي بسرعة؛ لأن الصحابة ما كانوا يقصدون الخلاف ولا يتعبدون به، إنما الخلاف شيء طارئ رغماً عنهم، حدث بسبب اختلاف وجهات النظر، ولكنهم كانوا يرجعون بسرعة إذا ظهر الحق.
كما في الصحيحين (أن أبا بكر وعمر ﵄ اختلفا في شيء، وكان في أبي بكر ﵁ حدة، فكأنما احتد على عمر، فرجع أبو بكر فقال لـ عمر: اغفر لي.
فقال: لا أغفر لك.
فانصرف أبو بكر وندم عمر أن أبا بكر قال: اغفر لي، قال: لا أغفر لك، فذهب إلى بيت أبي بكر فلم يجده، ف أبو بكر كان قد توجه إلى النبي ﵊، وقد رفع شيئاً من ثوبه، فلما رآه النبي ﷺ قال: أما صاحبكم هذا فقد غامر -يشير إلى أن هيئة أبي بكر هيئة غير عادية- فجاء وقال: يا رسول الله! اختلفت مع عمر في شيء من الحديث، فقلت له: اغفر لي.
قال: لا أغفر لك.
فقال النبي ﷺ : يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً، فقعد، -فلما سأل عنه عمر فلم يجده توجه إلى بيت النبي ﵊ فلما رآه النبي ﵊ تغير وجهه، وقال له ولهم جميعاً: جئتكم فقلتم لي: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت! وواساني بماله ومنعتموني! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟)، قال: فما أوذي بعدها.
الآن يختلف بعض الإخوة مع أخيه في مسألة فرعية، فتراه يترك المسجد الذي يصلي فيه مع أخيه، وإذا رآه قادماً من طريق أخذ في طريق آخر، وإذا ذُكِرَ أخوه ذمه، وقد ينهشه لماذا؟ لأنه مختلف معه، تراه يراقبه في صلاته: هل يحرك الإصبع أم يشير بها؟ هل يشير أم يرفع عند النفي والإثبات؟! هل يقبض بعد القيام من الركوع الثاني أم يرسل، قضايا فرعية يتعاملون فيها كالقضايا الأصولية، وهذه مصيبة عظيمة! إن الدافع هو جهل أولئك بالخلاف وأدب الخلاف وأدبه، كان الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون في المسائل العظيمة، وأظن خلافهم في اختيار الخليفة بعد النبي ﵊ في سقيفة بني ساعدة مشهوراً، وكان كفيلاً بتدمير الدعوة، لأنه كان من الأنصار من هو مصر على -بلغة العصر- أن يرشح نفسه بمقابل أبي بكر الصديق، أو في مقابل المهاجرين، حتى قال قائلهم: (منا أمير ومنكم أمير)، وأصروا على ذلك في بداية الأمر، ولكن لأن الله ﵎ يعلم أنهم أخلصوا دينهم لله، وأنهم لا يتعبدون بالخلاف ولا يختارونه، فأصلح ذات بينهم، وزال الخلاف، فلما قضي الأمر لم تجدهم يعترضون على اختيار أبي بكر خليفة، ويقول: لا، أنا معترض، وهذه وجهة نظري.
الآن لو حدث كمثل الأمثلة التي ضربتها لا يتحمل الناس بعضهم بعضاً فيها، هؤلاء لم يتحمل بعضهم بعضاً في القضايا الفرعية فكيف بالقضايا الأصولية؟! وفي حديث عبد الله بن مسعود لما أتم عثمان في منى أربعاً، وهو في الصحيحين، لكن الجملة التي أريدها في سنن أبي داود، وفي مسند الإمام أحمد: (لما بلغ ذلك عبد الله بن مسعود أن عثمان يتم استرجع).
وفي مسند الإمام أحمد بسند فيه ضعف: (أن أبا ذر لما بلغه ذلك حوقل واسترجع أن يتم أربعاً) ولكن لما أقيمت الصلاة قاموا يصلون خلفه أربعاً، قيل لـ عبد الله بن مسعود في ذلك قال: (الخلاف شر).
لأن الخلاف الذي ينتج عنه خروج عبد الله بن مسعود على عثمان بن عفان، مع أن عثمان اجتهد في هذه المسألة، فأداه اجتهاده إلى ذلك ووافقته عائشة عليه، فإنه أعظم ألف مرة من المصلحة الحادثة التي يحصلها من لا يصلي خلف عثمان أربعاً، أيختلفون بين يدي الله في مناسك الحج؟ أهذا هو الفقه؟! فعندنا مثلاً المفتي لما يرى أن هلال رمضان لم يره، بينما في بلد مجاور لنا رأوا الهلال، فيقول هذا المفتي: إن لكل بلد رؤية خاصة، وهذان قولان معروفان عند أهل العلم: اختلاف المطالع واتحادها، وإن كان الراجح اتحاد المطالع، لكن الرأي الآخر قال به علماء، واختاره هذا المفتي، فلا نخالفه في هذا الأمر لعموم البلوى بالمخالفة، حدث عندنا في حلوان منذ أربع سنوات: أن السعودية رأت الهلال قبلنا بيوم، وصادف -ولعلكم تذكرون- العيد يوم الجمعة، فبعض الذين لا يتبعون المفتي بعد صلاة الجمعة وقف على المنبر وأخذ ماءً وشرب، بينما هذا اليوم كان هو المتمم لرمضان عندنا، الناس جميعاً صُوَّم، وهذا وقف على المنبر وشرب، وقال: اليوم يوم العيد ولا يحل صيام يوم العيد! لقد حدث خلاف كادت أن تطير فيه رقاب، ما هي المصلحة؟ وهل هناك مصلحة أن يذهب أناس يصلون العيد وإخوانهم في نفس البلد يتمون صيام رمضان؟! إذا كان من المسائل التي رجح بها القائلون باتحاد المطالع، قالوا: إذا اجتمعت الأمة المسلمة على يوم عيد واحد وعلى يوم صوم واحد، فهذا أدعى أن يحس بعضهم ببعض، فلا شك أن أهل البلد الواحد أكثر إحساساً بهذا الأمر من أهل البلدان المتفرقة، يعني: إذا كان العيد في تلك البلاد، ونحن لا زلنا صائمين، فإننا لا نحس أن هناك مخالفاً؛ لأننا جميعاً صُوَّم، إنما إذا كنا في البلد الواحد وأقوام يصلون العيد، وأقوام يتمون صوم رمضان! هذا بلا شك من الجهل، كما قال بعض العلماء: لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف.
فالصحابة الأوائل كان عندهم من فقه النفس وفقه الأحكام الشرعية ما يعقلهم من مثل هذا الزلل الذي يقع فيه كثير من الشباب اليوم، أضف إلى ذلك الإخلاص، يوجد الآن أقوام يتعبدون بالخلاف، وهذه مصيبة كبيرة، بل بدعة قبيحة جداً، أن يتعبد عبد بالخلاف.
стр. 1164
من أدب الخلاف عند الصحابة
جاء في سنن الإمام الترمذي بسند صحيح أن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (توضئوا مما مست النار)، فحدث بينه وبين ابن عباس جدال طويل حول هذا الحديث، صحيح أن هذا الحديث نُسخ، لكن لم يصل النسخ إلى أبي هريرة، فلا يزال يفتي بالذي سمعه، قال له ابن عباس: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟! -أي: سآكل اللحم بغير أن أطبخه؟! - يا أبا هريرة! أفلا نتوضأ من الحميم؟ -يعني: ألا يجوز لي أن أتوضأ من الماء الساخن؟ - هبني في شتاء قارس وأريد أن أتوضأ بماء ساخن، لا بد أن تمسه النار، يعني: أنت تلزمني إذاً بعد أن أتوضأ بالماء الساخن أن أحدث وضوءاً بماء بارد لم تمسه النار، إذاً لا فائدة في تسخين الماء.
هل ابن عباس أتى بنص أم بشبه عقلية؟ شبه عقلية، ما أتى بنص، لذلك ثبت أبو هريرة، ولم يرجع عن قوله، ثم قال له: يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال، لا تأت بهذه الشبه العقلية على النص، النص هو المقدم.
صحيح أن ابن عباس روى حديثاً -وهو صحيح- (أن النبي ﵊ كان عند ميمونة، خالة ابن عباس وكان يحتز من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة فصلى ولم يحدث وضوءاً)، فهذا من جملة الأحاديث التي يحتج بها العلماء على نسخ الحديث الأول.
لو أن ابن عباس روى هذا لـ أبي هريرة لرجع أبو هريرة عن قوله، لكن الذي جعل أبو هريرة يثبت على هذا القول: هو أن معه نصاً وابن عباس ليس معه نص، بل جدل عقلي.
انظر! هذا خلاف بين ابن عباس وبين أبي هريرة، هل هجر أحدهما الآخر؟ لا.
كما قلنا: الصحابة انتفعوا بالآيات، وانتفعوا بالأحاديث التي تحث على الترابط والتماسك، ولقد قال بعض العلماء: من عجز أن يقوم الليل، وأن يتصدق، وأن يأمر بمعروف وينهى عن منكر، فليحب أخاه في الله، فإن هذا يحقق به خيراً عظيماً.
وحسبنا حديث أبي هريرة: (أن رجلاً زار أخاً له في قرية مجاورة، فكان هناك ملك على قارعة الطريق، قال له: إلى أين؟ قال: إلى قرية كذا أزور فلاناً.
قال: هل ترى عليك له نعمة؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله.
قال: فأنا رسول الله إليك إن الله أحبك كما أحببته).
فإذا وصل العبد إلى مثل هذه المرتبة فاز والله، لكن تجد أن روح المحبة طاشت وزالت بخلاف تافه جداً!! ربما جزئية واحدة نختلف فيها تفرقنا، ومائة ألف جزئية متفقون عليها بيني وبينك لا تجمعنا! قد أكون متفقاً معك في عشرات المسائل، متفقاً معك في العقيدة، متفقاً معك في غالب الفروع، لكن خالفتك في جزئية واحدة، تتجنبني، ولا تصلي في المسجد الذي أصلي فيه، وإذا ذكرتني ذميتني.
стр. 1165
أدب الإمام الشافعي مع مخالفيه
ما أكمل عقل الشافعي ﵀! اختلف هو ويونس بن عبد الأعلى أحد تلامذته في مسألة وتفرقا، فما كان من الشافعي إلا أن ذهب إلى دار يونس، ودخل عليه، وقال: يا أبا محمد! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟! الذي أبعد هؤلاء الشباب عن جادة الصواب: أنهم لم يتتبعوا خُطا أسلافهم بحق، بل لم يتتبعوا أوامر النبي ﵌ الكثيرة بمحبة المسلم لأخيه وعذره، وأن يلتمس له العذر؛ لذلك الفرق بيننا وبين أولئك كثير.
стр. 1166
ضعف الاتباع عند المتأخرين لبعدهم عن زمن النبوة
فلو افترضنا أن النقطة هذه هي زمان النبوة، فالخلاف الحادث فيها كان خلافاً يزول بسرعة؛ -كما قلنا- لأنهم ما كانوا يختارون الخلاف، إذا أخذت ضلعاً أو خطاً مستقيماً من هذه النقطة، واعتبرت أن هذه هي الأوامر والنواهي، وأن هذا هو الإسلام، وأخذت خطاً مستقيماً آخر ينبع من ذات النقطة، ومثلنا الصورة هكذا هذا رأس المثلث وهذان الضلعان، كلما انحدرت إلى أسفل كلما ازدادت المسافة بين الضلعين أي: أنك كلما انحدرت وبعدت عن مصدر الضوء -وهو النبي ﵊ فكلما أوغلت في الظلام بعدت، وكلما ابتعدت المسافة بين الضلعين بعد الإنسان عن زمان النبوة، وكلما بعد عن تحقيق الإسلام يكون بينه وبين الأوامر والنواهي خط طويل طويل.
فلا شك أن الاتباع -اتباع النبي ﵊ فرع عن المحبة التي تكون في قلب العبد للنبي ﵊؛ لأن الذي يحب النبي ﵊ يستحيل أن يخالفه، أعجز كثير من المسلمين أن يكونوا كهذا الرجل الذي طاف بديار محبوبته يوماً، فقال: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار مجرد أنها كانت في هذا المكان فهو يرى أن لهذا الجدار منة عليه وحقاً، أنا لا أقصد إقراره على هذا المعنى، لكن لعل المعنى الذي أريده وصل إليكم.
وكهذا الرجل الذي أراد أن يهدي محبوبه يوماً هدية، ولكنه كان عاجزاً فبكى ثم قال: أرسلت دمعي للحبيب هدية ونصيب قلبي من هواه ولوعه قال اجتهد فيما يليق بقدرنا قلت اتئد جهد المقل دموعه ما أملك إلا هذا فأنا أرسله إعلاماً بالمحبة.
стр. 1167
اقتداء الأئمة بالصحابة في اتباع النبي ﷺ
علماؤنا المتبوعون رحمة الله عليهم، كـ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان، والأوزاعي وهؤلاء السادة كانوا مثل أسلافهم من التابعين وشيوخهم حتى الصحابة رضوان الله عليهم، فساروا على نهجهم سيراً حثيثاً، ليت الذين يتبنون هذه المذاهب يتأدبون بالأدب الذي تحلى به إمام المذهب، اتباعهم للنبي ﵊ الذي هو فرع عن المحبة الأصيلة في قلب ذلك الإمام العظيم، أظن قولهم: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) هو قول مشتهر مستفيض عنهم جميعاً، فلا يقدمون قول أحد على قوله ﵊.
هذا المعنى نظمه بعض المتأخرين، وهو الشيخ محمد سعيد حفظ المدني، وكان حنفياً ويسكن في المدينة المنورة، وغالبنا لا يعرفه، له منظومة الهدى، نظم فيها قواعد الإسلام وآدابه، منظومة رائقة جداً، يقول بخصوص هذه الجزئية -جزئية الاتباع-: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأصل بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذاً بأقوالي حتى تعرض على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتموا قولي مخالفاً لما رويتموا من الحديث فاضربوا الجدار بقولي المخالف الأخبار وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر ما قالت الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي ﷺ وذكر في هذه المنظومة أيضاً قول بعض المتأخرين من الأحناف: إن عيسى ﵇ عندما ينزل في آخر الزمان يفصل بالمذهب الحنفي، فقال: واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب فهذا القول من علمائنا السادة الأكابر يدل على محبتهم للنبي ﵌، وهذا مستفيض بل متواتر من أقوالهم التي نقلت عنهم في كتب المذاهب وفي كتب غيرهم، حتى إن الإمام الشافعي ﵀ لما تناظر هو وإسحاق بن راهويه في مسألة شراء البيوت، فاحتج الشافعي عليه بالحديث، فقال له إسحاق: إن الحسن وعطاء يقولان كذا وكذا.
فقال له الشافعي: أنت فقيه أهل خراسان؟ قال: هكذا يقولون.
قال: كنتُ أحوجَ أن يكون غيرك في موضعك فآمر بقرص أذنه، وهل لأحد قول مع قول النبي ﷺ ؟! ولما سأله سائل: إذا جاءك حديث عن النبي ﷺ أتأخذ به؟ قال: سبحان الله! أتراني ألبس لباس الرهبان؟ أترى على وسطي زناراً؟ أتراني أخرج من كنيسة؟! أشهدكم أنه إذا قال النبي ﷺ قولاً فلم أقل به أنه قد زال عقلي.
وكذا قاله بعض العلماء المتبوعين كـ أحمد وغيره- قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، قلت به أو لم أقل.
فلله درهم برءوا أنفسهم أحياءً وأمواتاً! وكان الإمام الشافعي يقول لـ أحمد: يا أحمد! أنتم أعلم بالحديث منا، فإذا صح عندك الحديث أعلمني به حتى أفتي عليه، -أو قال: أعلمني به حتى أقول به- كوفياً كان أو حجازياً أو بصرياً.
قال الإمام الذهبي: ولم يقل: أو مصرياً؛ لأن الشافعي كان أدرى بحديث أهل مصر من أحمد، إنما قال: بصرياً كان أو كوفياً أو حجازياً ولم يقل مصرياً؛ لأنه كان أبصر بحديث أهل مصر من الإمام أحمد.
فالحاصل أن الاتباع فرع على محبة النبي ﵊، فنحن نعلم ضرورةً أن الذي لا يتبع النبي ﷺ ما نزعم أنه لا يحبه؛ لأن عدم محبة النبي ﵊ كفر، لكن نقول: إن المحبة في قلبه خفيفة، ليست هي المحبة التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها، وأن يوقر النبي ﷺ فلا يتقدم بين يديه بقول ولا فعل، ولله در الإمام السبكي! حيث قال في رسالته النافعة: بيان قول الإمام المطلبي.
إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وليتصور أحدكم إذا بلغه الحديث أنه واقف بين يدي النبي ﷺ ، وأنه أمره بهذا الحديث وبهذا الأمر، أكان يسعه أن يرده؟ ليتصور أحدنا أنه الآن يسمع هذا الحديث من النبي ﵊، أكان يسعه أن يرده ويبدي التأويلات، فضلاً عن التمحلات الباردة التي يبديها بعض الناس ليفتن غيره، وذلك بتغيير دلالة الأحاديث النبوية، أكان يسعه أن يقول هذا أمام النبي ﷺ ؟ فإن كان الجواب بالنفي، فكذلك لا يجوز للمسلم أن يبلغه عن النبي ﵊ حديث فيخالفه إلى غيره، إذ أن خير الهدي هدي محمد ﵌.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1168
الأسئلة
стр. 1169
حقيقة المدرسة العقلانية ونقد أحد ممثليها
السؤال
السائل يقول: الغزالي يمثل المدرسة العقلانية، ما أصل هذا النهج المنحرف؟ وكيف انحدروا ووقعوا فيه؟ كما لاحظنا أن كثيراً من الشباب السذج لا يعرفون خطر هذا الانحراف.
الجواب
الشيخ محمد الغزالي خطه من قديم تقريباً واحد، فالذي يتابع كتابات الشيخ الغزالي من أوائل ما بدأ يصنف، يرى أن كتابه الأخير ليس مفاجأة، إنما المفاجأة فيه أنه جمع كل الأوابد والطامات في هذا الكتاب، أما هذه فمتفرقة في كتبه كلها، فتقديم عقله على حديث النبي ﵊، وعدم اكتراثه بعقول غيره هذه هي مصيبة هذا الرجل، كأنما هو الوحيد الذي يفكر ويتدبر ويفهم، تعجبت جداً! عندما أورد حديث موسى وملك الموت الذي رواه البخاري ومسلم، واعترض عليه اعتراضاً متهافتاً للغاية! فيقول: إن بعض الطلبة من الجزائر قال لي: هذا الحديث هل هو صحيح؟ فقلت له متبرماً: وما يعنيك؟ قال: أردت أن أسأل عن صحته.
قال: فأجبته وأنا ضائق الصدر: الحديث مروي عن أبي هريرة.
ما علاقة روايته عن أبي هريرة بالصحة؟ هو لم يقل لك: من الصحابي الذي رواه؟ إنما يقول لك: ما صحته؟ مع كون هذا الرجل يعلم أن هذا الحديث في الصحيحين، لكنه لم يصرح بأن الحديث في الصحيحين؛ لأن تصحيحه أو اعتراضه على حديث في الصحيحين دعوى فجة من مثله، لذلك هو يتبرم ويحوم ويدور ويتحاشى أن يقول: إن الحديث في الصحيحين.
يقول: فلما رجعت إلى هذا الحديث في بعض مصادره -ونقل من شرح الإمام النووي كلاماً للمازري والخطابي وغيرهما- قال: ودافعوا عن هذا الحديث، ودفاعهم كله دفاع تافه خفيف الوزن لا يساغ، قال: ثم رجعت أتأمل وأتدبر فوجدت أن الحديث فيه نكارة، إذ كيف يكره الصالحون الموت؟! بل كيف يكره نبي بل رسول بل من أولي العزم من الرسل الموت؟! وهل الملائكة تصاب بالأعراض وأنه فقأ عينه؟! قال: ورفضت الحديث.
رفض الحديث بهذا التفكير الذي لا يعجز عنه أسخف الناس تفكيراً من الذين لا يتمتعون بعقل راجح يقولون مثل هذا القول، كيف وهذا الرجل داعية من عشرات السنين؟! ويقول: فرجعت أفكر وأتدبر، معنى ذلك أنه فكر ملياً في الأمر، لكن (تمخض الجبل فولد فأراً)، بعد كل هذا التدبر والتفكر ما وصل إلا إلى هذه النتيجة السقيمة، ما وسعه شروح العلماء السابقين، هلا عندما يردها يردها بعلم وحلم بدلاً من أن يصف أولئك العلماء كـ ابن خزيمة والحافظ والنووي والمازري والخطابي وابن القيم وابن تيمية، وكل هؤلاء الذين مروا على هذا الحديث وغيره وفسروه تفسيراً مستقيماً، هل هؤلاء جميعاً دفاعهم تافه خفيف الوزن لا يساق؟! فهذا عجيب! لو قرأ مثلاً في فتح الباري وكلف خاطره لعلم أن في مسند الإمام أحمد رواية لهذا الحديث بسند صحيح أن ملك الموت كان يأتي الأنبياء على صورة رجل، فحينئذ سؤاله: وهل الملائكة تصاب بالأعراض؟ سؤال لا قيمة له؛ لأن الذي أصيب هو الجسم العارض، يقول: وهل الصالحون يكرهون الموت؟ يعني يقول له: أجب ربك، فيفقأ عينه ويفر من لقاء الله! هذا منكر.
نقول: رجل دخل على موسى ﵇، ما يعرف من أين دخل؟ والباب غير مفتوح والنافذة غير مفتوحة، وهو جالس في داره إذا به يجد رجلاً يقول له: أجب ربك.
وكان ملك الموت قد نزل -كما يظهر من الحديث- في هذه المرة بصورة تختلف عن الصورة التي كان ينزل بها على موسى، وكان هذا من باب الامتحان له.
إذاً الخلاصة أن موسى ﵇ رأى رجلاً غريباً في الدار، من أين دخل؟ لا يدري، فعاقبه المعاقبة الشرعية -كما يقول ابن خزيمة - وفقأ عينه، لأن الناظر في دارٍ بغير إذن صاحبها تفقأ عينه، لقوله ﵊ عندما رأى رجلاً ينظر قال: (لو أدركتك لفقأت بها عينك ولا دية لك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا دخل البصر فلا إذن).
فلو جاءك رجل لا تعرفه وأنت في الدار وقال لك: أجب أمير المؤمنين.
هل تجيب أمير المؤمنين، أو كما عهدت من أمير المؤمنين أنه إذا أرادك أرسل لك حاجباً من عنده، وعلمت أنه لا يرسل آحاد الناس، إذ لا سبيل لآحاد الناس أن يصل إلى أمير المؤمنين؟ فقال لك: أجب أمير المؤمنين حالاً، أتستجيب له؟ فهذا رجل قال لموسى ﵇ -ولا يعرفه-: أجب ربك؛ ففقأ عينه.
ولذلك لما صعد ملك الموت وقال لله ﵎: (إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد عليه عينه وقال له: انزل لعبدي فقل له: ضع يدك على متن ثور فلك بكل شعرة مستها يداك سنة).
فلما نزل ملك الموت نزل هذه المرة بصورته المعروفة، لذلك موسى لم يفقأ عينه، ولو كان الرجل غريباً أيضاً لا يعرفه موسى لفقأ عينه في المرة الثانية، أما أنه لم يفقأ عينه هذه المرة؛ لأنه نزل بصورته التي يعرفها موسى ﵇، حينئذ فطن موسى أن هذا كان امتحاناً له، فقال: (إن ربك يقول لك: ضع يدك على متن ثور، فلك بكل شعرة مستها يداك سنة) فعلم أن الأولى كانت اختباراً له، لذلك قال: (أي رب: ثم ماذا؟ قال: الموت.
قال: فالآن)، فواضح جداً أن موسى ﵇ له مبرر أن يفعل ذلك.
لكن في عجز الحديث أن موسى لم يكره الموت بل رحب به، قال: (فالآن) فهل في هذا الحديث أن موسى كره الموت؟ ثم هل الصالحون فعلاً يكرهون الموت أم لا؟ هذا الرجل يقول: إن الصالحين لا يكرهون الموت؛ لأنهم يرحبون بلقاء الله، وكذلك كل الذين لا يعتمدون على الحديث يزلون، يعتمد على عقله فقط، ولله در سفيان الثوري ﵀ حيث قال: الحديث درج والرأي مرج، فإذا كنت على الدرج فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، وإذا كنت في المرج فسر حيث شئت.
يقول: إذا كنت تتبع عقلك ورأيك وهواك فالمسافة كبيرة جداً أمامك، تنتقل من رأي إلى رأي لأنه لا ضابط لك، فالرأي والذي يتبع الرأي مرج من المروج الواسعة والفسيحة، أما الحديث فهو درج سلم، فإذا كنت على السلم احذر أن تزل قدمك فتندق فتقع على أم رأسك.
يريد أن يقول: إن من يحتج بالأحاديث النبوية يجب عليه أن يحذر؛ لأنه مقيد بالنص، بخلاف الذي يعتمد على عقله إن سار يمنة ويسرة ما يضره، مصداقاً لقوله ﷺ : (الدنيا سجن المؤمن)، سجن المؤمن؛ لأنه مقيد بأوامر ونواه: افعل لا تفعل كأنه مسجون، ليست هناك رغبة مطلقة لأي إنسان، كل رغباته محدودة ومقيدة، إنما الأشياء المطلقة لا يجدها المسلم إلا في الجنة، فالدنيا سجن المؤمن؛ لأنه مقيد بالأوامر والنواهي؛ لأنه يمشي على درج.
فهذا الرجل لأنه لا يعني بالأحاديث النبوية ولا ينظر فيها، ويعتمد على عقله وفهمه، بغض النظر عن أفهام الناس وعقولهم، وفيهم ألوف مؤلفة عقل أقل واحد منهم يزن عقل عشرات مثله؛ فكان هذا سبباً في زلَله، لكنه لو نظر في الأحاديث النبوية لما أقدم على هذه الدعوى، وأن الصالحين يحبون الموت.
ونرد هذه الدعوى بحديثين: الحديث الأول: ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: قال الله ﵎: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وفي آخر الحديث (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي بقبض روح عبدي المؤمن يكره إساءته وأكره مساءته) فهذا نص في أن العبد المؤمن يكره الموت، فمن أين له أن يقول: إن الصالحين يحبون الموت؟ الحديث الآخر: حديث عائشة ﵂ في الصحيحين أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.
قالت عائشة: يا رسول الله! كلنا يكره الموت) هنا الشاهد، ولو كان الصالحون يحبون الموت لقال لها: لا يا عائشة، هناك من يحب الموت.
أما وأنه أقرها على هذا القول -ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة- دل على أن إقراره ﵊ لهذه الجملة في أن الصالحين يكرهون الموت.
ومن مثل عائشة ﵂ في الصلاح؟! (قالت: كلنا يكره الموت.
قال: ليس كذلك، إن العبد المؤمن إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة رأى مقعده من الجنة؛ فتعجل أن يخرج من هذا الضيق إلى هذه الجنة؛ فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن العبد الفاجر إذا كان في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، ورأى العذاب الذي ينتظره، والنعيم الذي كان فيه قبل ذلك -بالقياس إلى هذا العذاب- كره أن تخرج روحه؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه) واللقاء هنا معناه الموت، للحديث الصحيح أن النبي ﵊ قال: (واعلموا أنكم لن تلاقوا ربكم حتى تموتوا) فدل أن اللقاء هنا ليس هو وقوف العبد بينه وبين ربه ليس بينهما ترجمان لا، اللقاء في هذا الحديث معناه: الموت، كما هو مفسر في هذا الحديث.
فهل في هذا الحديث ما يذكر أن يستنكر؟! وهل الرجل الذي تدبر وأمعن ونظر، ثم عبس وبسر، هل في نظره هذا أي فكرة عميقة أو أي أطروحة تستحق الاحترام؟! الجواب: لا، اعترض -كما قلنا- اعتراضاً لا يعجز عنه أقل الناس تفكيراً.
المدرسة العقلية معروفة، وهي المدرسة التي لا تكترث بعلم الأثر، ثم هم يحابون كتّاب العصر وأولئك العلمانيين، حتى إن الشيخ الغزالي نفسه مشترك مع بعض النصارى في إصدار مجلة اسمها: (كل الناس) عندنا في مصر، وفيها صور خليعة لنساء، وفيها لاعبي الكرة، وفيها كل شيء، فهذا يشترك مع أولئك؛ حتى لا يقال: متزمت.
فهذا الرجل من خلال كتاباته -وإن كان يقول: أنا أعتز بالإسلام، لكن يبدو أنه لا يعتز به، بل إنه يشعر بعقدة نقص إذا نسب نفسه للإسلام عند أهل الغرب، لذلك يتحاشى تماماً أن يخالف الحديثُ فكرَ أهل الغرب، ويظهر ذلك جداً في الأصل السقيم الذي يعتمده، وهو الترخص، وأخذ شواذ الفتيا من ا
стр. 1170
الكبائر والصغائر
إن للشيطان خطوات للإيقاع بالإنسان، إذ يبدأ بتهوين الصغائر في نفسه، ثم يقوده إلى الكبائر، ثم إلى الكفر والعياذ بالله، ولقد حذر الله منه وبين أنه عدو مضل مبين يجب الحذر منه، والكبائر هي كل وعيد ختمه الله بنار أو بعذاب أو بلعنة أو بغضب، وأما الصغائر فقد حذر الله منها أيضاً، ولكنها أخف من الكبائر، وبين الشارع أنه لم ينج من اقترافها أحد، فما من رجل يقع بجهل أو هوى في الصغائر فيعترف بذنبه ويتوب إلا تاب الله عليه.
стр. 1171
خطورة موالاة اليهود والنصارى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن موسى ﵇ لما قتل الفرعوني قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]، كل عدو مضل لكن ليس مبيناً، لكن صفة الإضلال صفة أساسية ورئيسة في العداوة، من ظن أنه سوف يأتيه نفعاً من عدوه فهو سادر في أودية الضلال، والذي يعتمد على عدوه أشد منه ضلالاً.
فربنا ﵎ قد حذرنا وخالفنا أمره، خالفنا تحذيره، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١١٨ - ١٢٠] كلام واضح غاية الوضوح ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: من سواكم، إذاً: لا يأتي من مخالفك في المذهب خير، سواء كان كافراً، أو كان فاسقاً، أو مبتدعاً لا يأتيك منه خير، قال تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران:١١٨] يعني: لا يقصرون في إفسادكم، الخبال يعني: الفساد (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) أي: ودوا من قلوبهم لو وقعتم في العنت.
فأفواههم ما بين الحين والحين تظهر هذه البغضاء؛ لكن لأن الحرب خدعة والحياة مكر فهم لا يستطيعون أن يخرجوا ما في صدورهم على ألسنتهم، إنما يخرج لبداً، وما تخفي صدورهم أكبر، فهل هذا الكلام العربي المبين واضح أم غامض؟ يقول تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران:١١٨] وما من آية إلا وهي واضحة، لا يسمى الشيء آية إلا إذا كان واضحاً: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ) فهو كلام عربي واضح: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).
ثم ذكر ربنا ﵎ نماذج للمفارقات بيننا وبينهم، وأنهم لا يستحقون منكم أن ترفعوا لهم رأساً، بل انبذوهم نبذ النواة، ولا ترفعوا لهم رأساً لماذا؟ لأن هناك تبايناً بينكم وبينهم: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] وهم بالمقابل لا يحبونكم، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران:١١٩]، ولم يذكر: (ويكفرون بكتابكم)؛ لأن هذا الإضمار فيه وضوح، إنما صرح في الأولى لأن كل شيء يبني على الحب والبغض، ما من حركة في الكون أو سكنة إلا يتبعها حب أو بغض: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] فإذا كانوا يكرهونكم فالإضمار أقوى وأبلغ.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران:١١٩] لا يقول: ويكفرون بالكتاب كله؛ لأنه واضح، إذا فارقناهم في المحبة فكل شيء يأتي بعد المحبة ضرراً علينا، فيكون الإضمار أقوى من التعريف.
كما قال ربنا ﵎ في قصة يوسف لما نادى على صواع الملك: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٤ - ٧٥] هذا أقوى من أن يقال: يسجن، يعاقب، يجلد، ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥] أي: ما خطر ببالكم عقوبة له يستحقها.
فإضمار الجزاء أقوى من تعيينه، كذلك إضمار تكذيبهم للكتاب أقوى من تعيينه، لاسيما بعدما ذكر التباين في المحبة: ﴿هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، هذه الآيات في غاية الوضوح، أنه لا يأتيك من عدوك نفع على الإطلاق، وذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآيات نزلت في اليهود، وما ندري والله ما الذي يجري، فألسنتهم تنطق بالسوء، هذا واضح غاية الوضوح: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] ونحن نعلم، ومع ذلك عز علينا أن نقول مثل ما قال الشاعر العربي -لما حدث بين قومه وبين آخرين موادعة ومهادنة، وكان الآخرون يعتدون عليهم، فاتفقوا أن يفتحوا صفحة جديدة، فإذا بهؤلاء يغدرون مرة أخرى، فقال هذه الأبيات التي اختارها أبو تمام وأودعها في ديوان الحماسة، ثاني قطعة في هذا الديون الكبير، وهي أبيات يصح أن أقول فيها: إنها شعار المرحلة، يقول: صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يَرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا لكنهم لئام، فرجعوا مرة أخرى ونقضوا العهود، قال: فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ شر صريح وواضح، وعريان، غير مستتر، ولم يبق سوى العدوان، لا نقول: نحن مصرون على السلام، ولابد من السلام، ولابد من دفع عجلة السلام لا وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَان بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ كل هذه مشيات للأسد.
وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلاْنُ الزق: قربة من جلد، إذا كانت ملآنة ونخستها بإصبعك يفيض الماء، يريد أن يقول: كفى فقد بلغ السيل الزبى، هذا معنى الكلام وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَدَا وَالزِّقُّ مَلآنُ وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ مثل أن يضرب شخص شخصاً آخر فيقول المضروب: الله يسامحك، فيضربه مرة ثانية، فيقول: الله يسامحك، يظل يضربه مائة مرة وهو يقول: الله يسامحك، لا، هذا اسمه: إذعان وخضوع واستسلام، ولا يجوز أن يقال: حليم، إنما يقال: ضعيف، سموا الأشياء بمسمياتها حتى لا ينخدع الناس، لا تقل: هذا حلم، قل: هذا ضعف.
وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ مددت يدك مرة واثنين وعشراً وعشرين ومائة ومع ذلك فهو لئيم، يضرب اليد التي امتدت إليه للسلام، لم يبق إلا الشر، هذه هي سمات العدو، وهذه هي طريقة الرد على العدو.
стр. 1172
الشيطان يوقع الإنسان في الكبائر
إن أعدى أعداء الإنسان الشيطان، كما قال ﵊: (الشيطان ذئب الإنسان)، وقد ذكرنا قبل ذلك: أن هذا الشيطان نصب فخوخاً لبني آدم ستة تندرج تحتها كل أجناس الشر، وهي تترقى إلى أسفل، وقد يتعجل المرء، فهذا عدوك يترقى بك في المهالك إلى أعلى، فكيف يترقى الشيطان بك إلى أسفل؟ الشر الأول: أن يوقعه في الكفر، فإن نجا العبد من الكفر أوقعه في البدعة، فإن نجا من البدعة أوقعه في الكبيرة، فإن نجا من الكبيرة أوقعه في الصغيرة، إذاً: هذا تدني وتدرج لأسفل، وهذا لا يناسب كيد الشيطان، فيقال: إن هذا تدرج يائس مفلس، يريد أن يوقع بك الضر على أي وجه، لا يدعك سالماً على الإطلاق.
يبدأ بالكفر، فإن نجا لا يتركه، لكن يتدرج به إلى أسفل رجاء أن يرجع به مرة أخرى إلى الكفر.
هناك كلمة حسنة يقولها علماء السلف، يقولون: إن المقاتل لا يغير عقيدته، ولكن يغير موقعه.
أنت رجل لك هدف، إذا مضيت في هذا الطريق القصير اعترضتك عقبات كثيرة، فليس من الحكمة أن تدخل وتجابه كل هؤلاء الأعداء في هذا الطريق، لكن ارجع إلى الوراء وابحث عن طريق آخر ولو كان بعيداً، المهم أن تصل سالماً.
إذاً: رجوعك القهقرى إلى الخلف ليس هزيمة، ليس النصر أن تكسب أرضاً، وأن تتقدم إلى الأمام إذا كان في التقدم عطبك، اعلم أن النصر ألا تدمر وتهلك، ولذلك فإن القادة العسكريين يجعلون رجوع الجيش سالماً منهزماً من أبواب النصر؛ لأنه يستطيع أن يهاجم بهذا الجيش مرة أخرى، لكنه لو استمر على مواجهة العدو بدون سلاح قوي فهذه الهزيمة.
فهذا الشيطان إن عجز أن يلقيك في الكفر يتدنى بك الصغائر ثم الكبائر، ثم إلى الكفر مرة أخرى.
البدعة بريد الكفر وبوابته، وكذلك الكبائر إن أصر العبد عليها واستحلها كفر، إذاً: أخذه من الكبائر إلى الكفر، وقد يأخذه من باب المباح ويلقيه في الكفر، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] إنها خطوات ماكرة خفية، فقد يدخل الكفر من باب المباح وهو لا يدري.
فتكلمنا عن الكفر، وتكلمنا عن البدعة، والآن نتكلم عن الكبائر:
стр. 1173
سبب تسمية الكبيرة وأقسامها
إنما سميت الكبيرة كبيرة لجسامة جرمها، وأنكر جماعة من المعتزلة أن يكون في الذنوب صغائر وكبائر، قالوا: (كل ذنب كبير إذا قيس بجانب الذي عصيته)، ويقول بلال بن سعد: (لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظم من عصيت)؛ لذلك عظموا المعصية، وقالوا: إن كل ذنب كبير.
وهذا خطأ، وهو مخالف للشرع وللعقل.
أما مخالفته للشرع: فقد قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، وهذه الآية واضحة، فجعل الذنوب كبائر، وفواحش، ولمماً.
وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك.
قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك؟) ونزل في ذلك قول الله ﵎ مصدقاًَ كلام نبيه ومرتباً: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨].
الذنوب فيها كبير، وفيها أقل، وفيها أقل، ومن جهة العقل فقد اتفق العقلاء: أن من لطم رجلاً ليس كمن قتله، فإن من قتل رجلاً بحديدة فأرداه لا يعامل -لا في أعراف البشر، ولا في أحكام الله معاملة الذي لطم.
فكما أن الإيمان يتفاوت، فكذلك الظلم يتفاوت، وكذلك الفسق يتفاوت، وكذلك الذنوب تتفاوت، فهناك ذنوب كبيرة، عظيمة جسيمة، ذكر النبي ﷺ منها نحو ثلاثين كما في الأحاديث الصحيحة، وصح عن ابن عباس ﵄: (أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ قال: هي إلى السبعين أقرب) يشير إلى أن الكبائر لا تنحصر لا في سبع ولا في تسع، إنما مجموع ما ورد في الأحاديث الصحيحة من الكبائر يصل إلى ثلاثين، وقد اتكأ كثير من العلماء الذين صنفوا في الكبائر على أحاديث ضعيفة، لكننا لا نعول إلا على الصحيح.
إذاً: ما هي الكبيرة؟ وما حدها؟
стр. 1174
تعريف الكبيرة وحقيقتها
الكبيرة هي: كل وعيد ختمه الله بعذاب أو بنار أو بلعنة أو بغضب، كل هذا كبيرة، وكل معصية أوجبت الحد فهي كبيرة، وألحق العز بن عبد السلام بهذا: من استهان بالذنوب حتى لو تبين له أنها حلال، نضرب مثلاً لذلك: لو أن رجلاً أراد أن يزني فوطئ امرأة، فاكتشف أنها زوجته، هل الإثم ينحط عن هذا الإنسان؟
الجواب
لا، كذلك لو أقدم على قتل إنسان يظنه معصوم الدم -أي: لا يحل له أن يقتله- فاكتشف عندما نظر في جثته أن هذا قتل أباه أو أخاه، وأن دمه هدر، فهذا يؤاخذ؛ لأنه لما قتل كان يعتقد أنه يقتل معصوم الدم، ولا عبرة في أن يقول: إن هذا كان حلال الدم؛ لأنه قتل أبي أو قتل أخي فوجب منه القصاص، وهذان المثلان ضربهما العز بن عبد السلام فيمن يستهين بالذنوب.
فالكبيرة هي ما ختم بعذاب أو غضب، كقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، فهذا واضح أنه من أكبر الكبائر، والنبي ﵊ ذكر هذا من السبع الموبقات، التي بدأها بـ: (الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق) أي: ينبغي أن يقتل بحق: إما زنا بعد إحصان، أو ردة عن الإسلام، فالقتل العمد من السبع الموبقات، ولقد ختمه الله بخمس عقوبات.
كذلك قول النبي ﷺ -وهذا بكل أسف استهان به كثير من المسلمين، مع أن العقوبة مضاعفة على صاحبها!: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم -هذه كلها تؤذن بأن الذي سيأتي من الكبائر-: المسبل إزاره) الذي يطيل الإزار تحت الكعبين، والكعب: هو العظم الناتئ في أعلى القدم، وهناك كثير من المسلمين يجرجرون أزرهم، ويقولون: المهم القلب، ويقولون: نحن لا نفعل ذلك خيلاء، وحسبك ما ورد من الوعيد في مقدم الكلام: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم -كيف يقال: هذه قشور، أو هذه صغيرة وقد تقدمها هنا الوعيد؟! -: المسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) في الأسواق يحلف بالأيمان الغلاظ أن هذه السلعة جيدة وممتازة، وهو يعلم أن هذه السلعة مكتوب عليها: صنعت في بلد كذا، وهو الذي وضع هذه الصناعة، كثير من التجار يسأل، مثلاً عن البضاعة اليابانية فيجد لها قيمة، وجميع الناس يقبلون عليها، فهل يجوز لنا أن نأتي ببضاعة من الصين أو من أي بلد ونضع عليها صنع في اليابان، والناس يقبلون على ذلك؟ فهذه سرقة، وحرام شرعاً.
كذلك تغيير مقاسات الملابس، يعلمون مثلاً أن المقاس الأكبر هو المطلوب، فيأتي التاجر على المقاسات المتوسطة ويضع عليها مقاساً كبيراً، فأنت تنظر إلى الورقة الموضوعة على الملابس وتشتري، ثم تجد أن هذا الذي كنت تظن أنه يلائمك، على مقاس ولدك الصغير، وهذا كله حرام وغش وفسق، ولا يجوز، ويحلف بالله العظيم أن هذه السلعة صنعت في اليابان، أو في البلد الفلاني، فهذا ينفق سلعته بالحلف الكاذب.
وقوله: (والمنان) -الذي إذا فعل منّ- فهذه كلها تؤذن أنها من الكبائر.
فالكبيرة: ما لعن فاعلها، وهذا ما ذكره العلماء في الحد، إذا لعن الله أحداً أو لعن رسوله أحداً فقد ارتكب كبيرة، قال ﷺ : (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) وهذا الحديث من الأحاديث التي فيها جواز لعن المعين، كما في الحديث الحسن: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن جاري ظلمني.
فقال له: خذ متاعك، وقف على قارعة الطريق.
فأخذ الرجل متاع البيت ووقف على قارعة الطريق، فمر رجل، فقال: مالك يا فلان؟ فقال: جاري ظلمني.
فقال: لعنه الله، قاتله الله ومضى.
وجاء آخر فقال: مالك يا فلان؟ فقال: ظلمني جاري؛ فقال: لعنه الله، قاتله الله ومضى.
وجاء ثالث -وهكذا دواليك، والجار يسمع- فجاء الجار إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! مره أن يرد متاعه إلى الدار فإن الناس لعنوني).
وفي النساء المتبرجات قال النبي ﷺ : (العنوهن إنهن ملعونات) المرأة التي تسير في الطريق متبرجة كاشفة عن شعرها ونحرها وصدرها وساقيها ويديها قال: (العنوهن إنهن ملعونات) لا تقل: لعنة الله على فلانة بنت فلان لا، لكن قل: لعنة الله على المتبرجات، فهذا يشمل جنس المتبرجات، ولكن لا نلعن فلانة بنت فلان؛ لاحتمال أن تتداركها رحمة الله فتتوب، وأصل اللعن: الطرد من الرحمة.
فأيما نص وجدت فيه لعناً لصاحبه فهذا داخل في أبواب الكبائر.
أسأل الله أن يقينا وإياكم كبائر الذنوب وصغارها.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1175
حقيقة اللمم وعدم انفكاكه عن الإنسان
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] (اللمم): ما يلم بك مما لا تستطيع دفعه، فيقع المرء فيه إما بجهل وإما بهوى.
و (اللمم): الصغائر.
والنبي ﵊ يقول: (كل ابن آدم خطاء) فأنت لا تنفك عن ذنب أبداً، لابد أن تقع في الذنب، فاجتنب الكبائر، فإذا وقعت في الصغائر بجهل أو هوى غفر الله لك؛ لأنه قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] أي: أنه لم يسوِ اللمم بالكبائر، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، إذ كل ابن آدم خطاء، فلابد أن يصيب ذنباً، قال النبي ﷺ : (قال الله : أذنب عبدي ذنباً، فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي.
فقال الله : علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب؛ غفرت لعبدي.
ثم أذنب ذنباً، فقال: رب! إني أذنبت ذنباً، فاغفر لي.
فقال الله : علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب؛ غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً، فقال: رب! إني أذنبت ذنباً فاغفر لي.
فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب؛ غفرت لعبدي فليفعل ما شاء) أي: ليس إذناً أن يفعل ما يشاء؛ لكنه طالما يعترف أنه مذنب، ولا يجحد أنه عاصٍ، ويرجع إلى ربه؛ فإن الله أكرم من أن يبقي الذنب عليه بعد اعترافه.
فهذا الحديث من جملة أحاديث كثيرة تبين أن العبد لابد أن يقترف الذنب، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: (ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة ﵁: إن النبي ﷺ قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدركه لا محالة) لابد أن يأخذ حظه من الزنا، قال: (فالعين تزني وزناها النظر، واللسان يزني وزناه النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فهو مدركه لا محالة: فالعينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما الاستماع، واللسان يزني وزناه النطق، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
فاللمم الذي أشار إليه ابن عباس: كل شيء ما عدا الفرج.
هذا هو اللمم الذي لابد أن يقع فيه ابن آدم، من الذي لم ينظر إلى ما حرم الله؟ من الذي لم يتكلم بما يغضب الله؟ من الذي لم تسمع أذنه إلى ما حرم الله من الغيبة والنميمة والتجسس؟ من الذي ما ضرب ظلماً؟ من الذي ما خطا برجله إلى معصية؟ من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط فهذا كله من اللمم.
فإذا وقع العبد في زنا الفرج سمي زانياً، ولا يسمى زانياً -أي: الذي يوجب الحد الشرعي كالجلد والرجم وغيرهما- إذا نظر إلى المحرمات، ولا يسمى زانياً إذا بطش، إنما يسمى زانياً شرعاً وعرفاً إذا صدق الفرج ذلك، كما قال ﵊: (من أحسن في الجاهلية فأسلم أعطاه الله أجره مرتين، ومن أساء عوقب بالأول والآخر) فالفرج هو الذي يصدق ذلك أو يكذبه؛ ولذلك كان الفرج هو الكبيرة، وكل ما عدا ذلك من مقدماته فهو اللمم.
وفي الحديث الصحيح (أن رجلاً قابل امرأة في الطريق، ففعل معها كل شيء إلا الجماع، فبينما هو يمشي إذ دخل في حائط، فذهب إلى النبي ﷺ ، فقال: إني فعلت كذا وكذا، فسكت ﵊ حتى نزل قوله ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال: يا رسول الله! أهذه لي أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة).
فما من رجل يقع بجهل أو هوى في شيء من اللمم فاعترف بذنبه وتاب؛ إلا تاب الله عليه، فهذا وعد الصدق الذي وعدنا ربنا ﵎، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 1176
من للإسلام في زمن الغربة [٢]
رمى أعداء الله هذا الدين الحنيف عن قوس واحدة، وكان في طليعتهم المرتدون من بني جلدتنا، فأثخنوا في الأمة، واضرموا نار الفتنة، ونفثوا السموم، فمنهم من أعلن عداءه للدين، ومنهم من أيد بصمته عن الباطل ودعمه لمتبنيه، فلا مخرج من هذا الاستضعاف إلا بالعودة إلى كتاب الله، والالتزام بنهج النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم
стр. 1177
تطبيق حد الردة في زماننا
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي ﵌ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، وهذا هو حكم المرتد، من رضي بالكفر بعد الإيمان حكمه القتل سواءً كان رجلاً أو امرأة؛ كما قال علماء العربية والأصول أن: (مَن) و (مَا) والأسماء الموصولة كلها من صيغ العموم والألف واللام التي تفيد الاستغراق من صيغ العموم أيضاً، ولفظة: (كل) و (جميع) أيضاً من صيغ العموم، فحيثما وجدت كلمة من هذه الكلمات في أي سياق فاعلم أن السياق يستغرق أفراد الجنس.
فقول النبي ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه)، هذا يفيد العموم سواء كان رجلاً أو امرأة؛ وإنما دعاني إلى هذا القول أنه ورد حديث في بعض الكتب أنكره علماء الحديث، وبكل أسف تبناه بعض الفقهاء في كتبهم وقالوا بمقتضاه، وخصصوا به هذا العموم، وهو الحديث المنكر الباطل بإجماع علماء الحديث وهو: (إذا ارتدت المرأة لا تقتل)، وهذا خصوص أو تخصيص، وسلطوا هذا الحديث على الحديث العام: (من بدل دينه فاقتلوه)، فكانت النتيجة أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، وأن الرجل إذا ارتد يقتل، ولكن الراجح أن هذا العموم قد سلم من التخصيص، ولا معارض له، وهو يشمل الرجال والنساء معاً.
стр. 1178
كيفية الخروج من مرحلة الاستضعاف
خروجنا من هذا المأزق بإعادة النظر في التعليم الشرعي، تقدم لي مشكلات وبكل أسف من طلبة في المعاهد الأزهرية نجحوا بتقدير عال (٩٠%) و (٩٣%) و (٨٧%)، والطالب منهم يريد أن يدخل كلية الشريعة؛ لأنه مؤمن برسالة معينة، ويريد أنه يصل إلى درجة أستاذ في كلية الشريعة، يريد أن ينصر الله ورسوله، فيعترض عليه أهله، ويقولون له: تطلع في الآخر (فقي)؟!! أربيناك من أجل أن تكون في الأخير (فقي)؟! ومعنى كلمة (فقي) أي: فقيه، فكيف كانت هذه هي النظرة للفقه والفقهاء؟ كانت بسبب الإعلام الرسمي الذي حط من منزلة الفقهاء.
فيأتي لك بفلم، وولد خطب بنتاً من أهلها باسم الحب، ويريد أن يتزوجها باسم الحب، فيذهبون إلى مأذون يلبس العمامة والكاكولا، فيقول لهم: خلصونا بقا!! وهل هي في اللغة العربية لفظ (بقا)؟! فما المقصود من هذه العملية؟ المقصود منها تحقير هذه اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، ولا زالوا يحطون من قيمة أساتذة العربية، من أيام دانلوك الذي وضع نظام التعليم القذر في بلادنا ونحن زرعناه في البلاد العربية، بينما مدرس الإنجليزي طيلة عمره محترم، وحصة الإنجليزي والفرنساوي والفيزياء والكيمياء تكون الحصص الأولى، وحصص اللغة العربية تكون الحصص الثالثة والرابعة، أما حصة الدراسات الإسلامية فلا تكون إلا في السادسة، عندما يكاد الطالب أن يقفز من فوق السور، ووصل إلى درجة من الإعياء أنه لم يعد قادراً على استيعاب أي شيء.
وفي نفس الوقت رفعوا درجات اللغة الإنجليزية، ورفعوا مرتب أستاذ اللغة الإنجليزية، فإذا كان مدرس اللغة العربية يأخذ أربعة جنيهات فإن مدرس الإنجليزي يأخذ اثني عشر جنيهاً، وهذا فيه تحقير، إذاً: من سيدخل قسم اللغة العربية إذا كان سيأخذ أربعة جنيهات؟! لذا فالأب يقول لابنه: ادخل يا بني قسم اللغة الإنجليزية حتى تحصل على إثني عشر جنيهاً، ومضافاً إلى ذلك الدروس الخصوصية، ولأنك ستكون ترجماناً، والترجمة الفورية مطلوبة في كل مكان.
ثم أعطوا مادة الإسلامية لمدرس اللغة العربية؛ لأن مدرس اللغة العربية مستواه الاجتماعي منخفض، فعندما يعطونه حصة الدين يكون الدين كذلك، ويأتون بمدرس اللغة العربية وهو يلبس (البنطال أبو الحمالات) وكل دقيقة يشد ويمط في (حمالات البنطال والحمالات تلسع) ويجعلون منه أضحوكة، ما المقصود من هذا الكلام؟ المقصود تحقير اللغة العظيمة التي نزل بها القرآن، وهذا مخطط قديم ورهيب، وأنا ألح عليكم أن تقرءوا رسالة: (في الطريق إلى ثقافتنا)، لأستاذنا الجليل الشيخ محمود شاكر حفظه الله، وهذه الرسالة فيها تاريخ تغريب التعليم من أيام محمد علي الذي يطلق عليه باعث النهضة الحديثة إلى الآن، رسالة يشيب شعرك وأنت تقرؤها، والشيخ محمود شاكر كانت له مساجلات عظيمة على صفحات مجلة الرسالة يوم أن كان لها قيمة، ثم نشر هذا التراث على شكل كتاب باسم أباطيل وأثمار، اقرءوا هذا الكتاب، فهو دفاع عن العربية وذود عن حياضها، ضد لويس عوض، وعبد العزيز فهمي الذي كرموه بأن عملوا اسمه على مترو مصر الجديدة.
إذا ذهبت لتركب من مصر الجديدة ترى على المترو اسم عبد العزيز فهمي، والذي كان يطالب بأن تحل اللغة العامية محل اللغة العربية، والشيخ أحمد شاكر ﵀ الأخ الأكبر للشيخ محمود شاكر له رسالة عظيمة في الرد على عبد العزيز فهمي، معارك على كل الجبهات، أين رجالنا على كل الجبهات؟ هل عندنا كوادر يقاتلون هؤلاء؟ لا.
ليس عندنا كوادر، إنما عندنا أشباه فقط، ومن أعظم أبواب الخلل اشتباه العالم بشبيه العالم؛ لأن الجاهل يأتي فيتزيا بزي العالم، فيظنه الناس عالماً، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، ويذكرني هذا بأبيات لـ تأبط شراً، وهو شاعر جاهلي اسمه ثابت بن جابر، ولقبوه في كتب الأدب بـ تأبط شراً، فيحكي أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني أن رجلاً ثقفياً أحمق قابل ثابت بن جابر، وكان تأبط شراً رجلاً ضعيف البنية، فقال: بِمَ تغلب الرجال يا ثابت وأنت دميم وضئيل؟ قال له: باسمي! ساعة أن ألقى الرجل فأقول له: أنا تأبط شراً ينخلع قلبه!! فآخذ منه ما أريد، فقال له: بهذا فقط؟ قال: فقط.
ففكر الثقفي قليلاً وكان يكنى بـ أبي وهب، فقال له: هل تبيع لي اسمك؟ يعني طالما أنك تخوف الناس باسمك فلماذا لا تبيعه لي؟ فقال له تأبط شراً: بكم تشتريه؟ قال له: بهذه الحلة الجيدة وبكنيتي، فقال له تأبط شراً: وافقت، فخلع الرجل حلته، وقال له: هذه الحلة وأنت أبو وهب، فقال له: هنيئاً لك، وأنت تأبط شراً، واتفقوا على ذلك، وهذا لا شك أنه حمق عظيم، وقام تأبط شراً بكتابة أبيات وأرسلها إلى امرأة الثقفي يقول فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه اكتنى بي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأسٌ كبأسي وسَوْرَتي وأين له في كل فادحةٍِ قلبي أي: هو أخذ اسمي، لكن هل أخذ قوة قلبي، وأخذ جرأة جناني وجلدي على الأحداث؟! ما أخذ ذلك، فتزيا أبو وهب بزي القوي، وتصور نفسه أنه تأبط شراً وذهب إلى ذي بأس ماذا سيقول له: أنا تأبط شراً (بصوت شاحب منخفض)؟!!! مع أن الرجل ليس له قلب شجاع أصلاً.
مثلما حصل في حرب الخليج، إذ صرح الرئيس الأمريكي وقال: نحن نناشد الرئيس العراقي صدام حسين ألا يريق الدماء! ونحن نعلم أن جيشه رابع جيش في العالم، وأن لديه خبرة في الحرب الميدانية؛ فهو يحارب منذ ثماني سنين، ونحن قد جهزنا ثمانية عشر ألف كفن، فيقول صدام حسين: حقاً أمريكا تخاف مني!! فماذا عملوا به؟ لعبوا به وأدخلوه الحرب، مثل الأحمق الثقفي، ليس له قلب ولا ساعد وظن نفسه تأبط شراً، وذكرني بالمثل الخرافي الذي كان يحكى لنا من زمان وهو: كل شخص يقتل يحل محله عفريت، فيحكون مرة أن هناك رجلاً عجوزاً قُتل، فعفريته ضروري أن يكون على عكاز، المهم أن العفريت عندما طلع بعدما قتل الرجل كان ماسكاً للعكاز ولا يستطيع أن يقوم من مكانه، فكان هناك رجل يمشي هكذا، فقال له العفريت: يا بنيّ! خذ بيدي حتى أقوم لأخيفك؟ فاليوم عندما يلبس رجل العمامة وكاكولا ويجلس على كرسي، أو يقولون له: أنت مدير الأوقاف، أو أنت مقيم شعائر، أو أنك في لجنة الفتوى، هو ليس بعالم وليس عنده مؤهلات العلماء، لكن الحكاية طلعت في دماغه وكبرت، وهذا من أعظم أبواب الخلل.
لذلك نحن نضع دائماً صورة العالم الرباني الذي يرجع إليه؛ حتى لا يلتبس عليكم، فالناس الذين يذهبون إلى مقيمي الشعائر ليحصلوا منه على فتاوى في الطلاق هذه جناية على الفروج؛ لأنهم جهلة لا يعرفون حدود الطلاق ولا الرجعة.
إذاً: معرفة العالم مسألة ضرورية في مرحلة الاستضعاف، حتى تعلم من العالم الذي إذا ناداك قلت له: لبيك، ومن شبيه العالم الذي إذا ناداك أخرسته، وعرفت أنه لا يتبع، إذاً: مرحلة الاستضعاف مرحلة خطيرة جداً، ونحن في مفترق الطرق.
هذه مقدمةٌ ضرورية في كلامنا على الاستضعاف، فنحن سوف نرسم البيت المسلم الذي ينتج لنا ديناً يستحق التمكين، إذا أردت أن يمكن لولدك فماذا تفعل؟ افعل كذا وكذا وكله من القرآن والسنة كما هو دأب علمائنا، إذ في القرآن والسنة كفايةٌ لمن اعتبر وادكر، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1179
كفريات نصر أبو زيد
نصر أبو زيد أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية دار العلوم اعتمد في الحكم بردته على ما قررته محكمة النقض وبما أنهم رجال قانون فإنهم يتعاملون مع النصوص، فلما قرءوا كلام الرجل -وهم أناس يتعاملون مع النص- خرجوا بالنتائج الآتية من كلام الرجل، وهذا تقرير محكمة النقض خرج في أربعة وثلاثين صفحة وقد قرأته، وسأقرأ عليكم منه من ص (٢٠) إلى ص (٢٤)، والتي فيها مجمل ما ذكر الرجل في كتبه، وكان من المفروض أن يكتب هذا التقرير في كل الصحف الرسمية؛ نصراً لله ورسوله ولدينه وإعزازاً للمؤمنين، بدلاً من مجلة السيارات التي تنشر في أخبار اليوم، والإعلانات التي تأخذ نحو عشر صفحات، هذا أولى أن ينشر على الناس ذراً للرماد في عيون المارقين، وهناك مجلة كاملة لنشر الفاحشة اسمها (مجلة الحوادث)، تنشر الشر بالتفصيل الممل المقيت، والشباب في هذه الأيام عاطلون، يريد أن يضيع وقته، فيقرأ هذه المجلة، ويخطر على باله أن ينفذ بعض هذه التفصيلات التي يقرؤها.
ألا تتعجبون من الجرائم التي تقع في المجتمع ليل نهار! هذه بضاعتكم ردت إليكم، كان من الأولى أن ينشر هذا التقرير إعزازاً للمؤمنين ونصراً لدين الله ، لكن نحن بهذا الصوت الضعيف لعل الله أن ينقله، ويتخلل إلى أفئدتكم فتعملون بما أمركم الله به.
فاسمعوا هذا الذي ذكرته محكمة النقض التي لم تسلم من الإهانة والتجريح، واتهموهم بأنهم دخلوا مع الإرهابيين في صف واحد، وبعدما كنا نحارب الإرهابيين فيا فرحة الإرهابيين بهذا التقرير، يقولون: ويكفي عند جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية لاعتبار الشخص مرتداً أن يتعمد إتيان الفعل أو القول الكفري ما دام قد صدر عنه بقصد الاستخفاف أو التحقير أو العناد أو الاستهزاء، ولا يندفع حكم الردة إذا تحقق ما تقدم، وإن ادعى المرتد أنه مسلم؛ لأنه اتخذ موقفاً يتنافى مع الإسلام؛ لأن الزنديق يموه بكفره، ويروج عقيدته الفاسدة، ويبطن الكفر ويدعي الإسلام.
وبعد هذه المقدمة، قالوا: وكان الثابت مما أبداه الطاعن الأول -الذي هو نصر أبو زيد - في مصنفاته المبينة بالأوراق -أنها تضمنت وفقاً لطريق دلالتها وما لا احتمال معه لأي تأويل جحداً لآيات القرآن الكريم القاطعة بأن القرآن كلام الله، يقول: إن هذا من صنع البشر، إذ وصفه بأنه منتج ثقافي، يعني: مثل أي سلعة، وأن الإيمان بوجود قيزيقى يناقض الحقيقة، ويعكر الفهم العلمي للنصوص، هذا كلام المرتد، وينكر سابقة وجود القرآن في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩]، ينكر أنه في كتاب مكنون، وينكر سابقة وجوده في اللوح المحفوظ، ويعتبره مجرد نصٌ لغوي!! ويصفه بأنه ينتمي إلى ثقافة البشر، وأنه تحول إلى نصٍ إنساني متأنث، منحياً عنه صفة القدسية استهزاءً بقيمته، وينكر أن الله تعالى هو الذي سمى القرآن بهذا الاسم، جاحداً للآيات القرآنية التي صرحت بذلك مع كثرتها، وذكر في أبحاثه: أن الإسلام ليس له مفهوم موضوعي محدد منذُ عهد النبوة إلى يومنا هذا، وهو قولٌ هدف منه إلى تجريد الإسلام من أي قيمة أو معنى، ووصفه بأنه دينٌ عربي لينفي عنه عالميته وأنه للناس كافة، ووصف علوم القرآن بأنها تراث رجعي، وهاجم تطبيق الشريعة، ونعت ذلك بالتخلف والرجعية، زاعماً أن الشريعة هي السبب في تخلف المسلمين وانحطاطهم، ويصف العقل الذي يؤمن بالغيب بأنه عقلٌ غارقٌ في الخرافة، وصرح بأن الوقوف عند النصوص الشرعية يتنافى مع الحضارة والتقدم، ويعطل مسيرة الحياة، ويتهم النهج الإلهي بتصادمه مع العقل بقوله: (معركةٌ تقودها قوى الخرافة والأسطورة باسم الدين والمعاني الحرفية للنصوص الدينية، وتحاول قوى التقدم العقلانية أن تنازل الخرافة أحياناً على أرضها) انتهى كلام المرتد.
قالت المحكمة: وهذا من الكفر الصريح، وكشف الله عنه بقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام:٢٥]، والأساطير هي الأباطيل أو الأحاديث التي لا نظام لها، ومفردها (أسطورة) وهو ما نعت به الطاعن، الدين والنصوص الدينية؛ زاعماً أنهما ينطويان على خرافة، ويقول: إن تثبيت القرآن في قراءة قريش كان لتحقيق السيادة القرشية التي سعى الإسلام لتحقيقها، وكأن القرآن لم ينزل إلا لتحقيق سيادة قريش، ويهزأ برسول الله ﷺ ويلمزه بقوله: (موقف العصبية القرشية التي كانت حريصةً على نزع صفات البشرية عن محمد وإلباسه قدسيةً إلهيةً تجعل منه مشرعاً).
وينكر حجية السنة النبوية، وأن الإسلام دين الوسطية، ويدعو إلى المروق من النصوص الشرعية بقوله: (لقد آن أوان المراجعة والانتقال إلى مرحلة التحرر -لا من سلطة النصوص وحدها- قبل أن يجرفنا الطوفان).
وأبحاثه فيها اتهامٌ للقرآن والسنة والصحابة والأئمة، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة بالعصبية الجاهلية، فحارب الإسلام في نصوصه ومبادئه ورموزه، واعترض على نصيب البنات في الميراث؛ راداً بذلك على ما ورد في القرآن الكريم بنصوص قطعية محكمة في هذا الصدد، وتمادى في غلوه بالدعوى إلى التحرر من النصوص الشرعية، يزعم أنه ليس فيها عناصر جوهرية ثابتة، وأنها لا تعبر إلا عن مرحلة تاريخية قد ولّت، وهذا ظنٌ بشرع الله تعالى أنه غير صالحٍ لكل الأزمنة، ويصف اتباع النصوص الشرعية بالعبودية، وينكر أن السنة وحيٌ من عند الله ، ويدعي أنها ليست مصدراً للتشريع، متحدياً بذلك الآيات القرآنية العديدة التي وردت في هذا الشأن على خلاف إجماع الأمة، وسخر من أحكام الجزية وملك اليمين، مصوراً الإسلام بالتسلط برغم تسامحه وحظه على عتق الرقاب، وأنكر أن الله ذو العرش العظيم، وأنه تعالى وسع كرسيه السماوات والأرض، وأن من خلقه الجنة والنار والملائكة والجان، رغم ورود آيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة في ذلك، متجاهلاً هذا.
وسخر من نصوص الكتاب العزيز، مستخفاً به بقوله بما معناه: إن النص القرآني حول الشياطين إلى قوة معوقة، وجعل السحر أحد أدواتها، بما معناه: أن القرآن حوى كثيراً من الأباطيل، وسار على هذا النهج المضاد للإسلام في مقاصده وعقائده وأصوله بجرأة وغلوٍ وتجريح، نافياً عن مصادره الرئيسة ما لها من قداسة، ولم يتورع في سبيل ذلك أن يخالف الحقائق الثابتة حتى التاريخية منها، وكان هذا هو منهجه، وهو مدرك لحقيقته وفحواه في ميزان الشريعة، إذ أنه نشأ مسلماً في مجتمع إسلامي، ويعمل أستاذاً للغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ويقوم بتدريس علوم القرآن، ومثله لا تخفى عليه أحكام الإسلام وأركانه وأصوله وعقائده، بل إنه يدعي الفقه والعلم وذلك حجةٌ عليه، وإذ هو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة بالنسبة لأي مسلمٍ لم ينل حظاً من التعليم أو الثقافة الدينية؛ فإنه يعد مرتداً عن دين الإسلام؛ لإظهاره الكفر بعد الإيمان، وما تذرع به من أن ما صدر عنه من قبيل التأويل فهو مردود، إلى آخر الكلام والحيثيات التي نشروها في محكمة النقض.
هذا الكفر كله أخرج من عدة كتب، ولو وزع كفره على أمةٍ من المؤمنين لدخلوا النار جميعاً، فماذا بقي إذا كان يحتوي على الأباطيل والخرافة تسيطر عليه؟ وماذا بقي لنا من بيان الرسول ﵊؟
стр. 1180
وجود الردة في هذا العصر
هذا الرجل على ملته خلقٌ كثير؛ لكنه تجرأ ونطق، وهم جبنوا وخرسوا فلم ينطقوا، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في كل نفس داعية الألوهية، فكل شخص على استعداد أن يكون إلهاً، وتجد الرجل المتواضع الذي كان معك في الحارة وتربى معك تدرج حتى وصل إلى قمة الهرم في رئاسة الناس، وإذا به يقول: لا يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعباد، هو قال هكذا، لم يقل: للعبيد؛ حتى لا يقبض عليه أحد، فإذا قلت له: أنت تتخذ ألفاظ الألوهية التي قالها المولى جل وعلا في القرآن، يقول مجيباً عليك: لا.
القرآن قال: (للعبيد)، وأنا قلت: للعباد، فإذا أصابه مغص يجأر ويعظ الأرض.
فكل نفس فيها داعية الألوهية، كما حدث لفرعون، قال ابن القيم ﵀: لكن فرعون تجرأ فأظهر، وغيره جبن فأضمر، فهؤلاء الجبناء الذين يدافعون عنه على صفحات الصحف والمجلات هم على نفس عقيدته، لكنه هو الذي عبر.
стр. 1181
غياب العدالة والحدود في بلاد الإسلام
حكم الله في هذا المرتد أن يحضروه، ولو أرادوه لأتوا به، فحكم الله أن يقتل هذا المرتد، لكن بكل أسف ليس عندنا جهةٌ تنفيذية، والآن محكمة النقض أتعبت نفسها في القراءة ثم خرج التقرير في (٣٤) صفحة، وشغلوا الناس وأملئوا الصحف، ثم بعد كل هذا: هل هناك جهة تنفيذية لتطبيق الحكم على المرتد؟ لا.
كل هذا مجرد حبر على ورق.
وما حدث للمستشار غراب ليس عنكم ببعيد، الرجل أراد في آخر حياته أن يحكم بالشرع، فقال: لا يأتيني رجلٌ زنى وقد أحصن إلا حكمت عليه بالرجم، والقصة الآتية حدثت في محكمة أسيوط: فالرجل كلما أتى إليه برجل زان محصن، والمحصن هو المتزوج إذا زنى، فكان المحامون كلما أتت قضية زان محصن يحاولون تأخير القضية حتى تقع في دائرة غراب، لماذا؟ لأن غراباً قال: لا أحكم إلا بشرع الله، وشرع الله هو الرجم، وهذا حكم الله في القرآن والسنة، وصحيحٌ أنه لم يأت في القرآن إلا الجلد، لكن الرجم كان ثابتاً بآية من آيات القرآن ثم نسخت ورفعت كلها بإجماع العلماء، وثبت هذا الرفع في كتاب الحدود من صحيح البخاري ﵀ في باب رجم الحبلى من الزنا، وفيه قول عمر بن الخطاب ﵁: (لقد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وإنه كان مما نقرأ من كتاب الله آية الرجم)، هذا كلام عمر ﵁ في صحيح البخاري، وهذه الآية نُسخت تلاوة ورفعت، ونص الآية كما ورد في مستدرك الحاكم: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم).
وعمر بن الخطاب ﵁ أورد آيةً أخرى رفعت من القرآن في هذا الكلام، فقال: وإنه كان مما نقرأ في كتاب الله الآية الآتية: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) فهذه كانت آيات ورفعت بإجماع العلماء، لأن النسخ على نوعين: ١ - ما نسخ حكمه وبقي لفظه، مثل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
٢ - وما نسخ لفظه وبقي حكمه، مثل آية الرجم، فـ عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إنه كان مما نقرأ آية الرجم، رجم رسول الله ﷺ ورجم أبو بكر ورجمتُ، وأخشى أن يطول بالناس زمان، فيقول قائلٌ: ما نجد الرجم في كتاب الله؛ فيذلوا بترك فريضة أنزلها الله)، فالرجل أراد أن ينفذ حكم الله، فكلما أتى له زانٍ محصن يقول: حكمت المحكمة برجم الزاني، وهنا نتساءل: هل هناك جهة تنفيذية تنفذ الرجم، لا.
ليس هناك جهة لتنفيذ الرجم، فمعنى هذا الحكم أن الرجل أخذ براءة، رفعت قضية إلى محكمة أسيوط في رجل زانٍ محصن، وكانت القضية في الليل للمستشار غراب، ثم انتظروا حتى الصباح، ثم صدر الحكم: حكمت المحكمة حضورياً برجم الزاني فلان الفلاني، وإذا بالقاعة تضج بالتصفيق: يحيا العدل!! يحيا العدل!! وما معنى (يحيا العدل) والرجل حكم عليه بالرجم؟! يعني الإعدام، إزهاق الروح، والسبب في قولهم: (يحيا العدل) أنه أخذ براءة؛ لأنها لا توجد جهة تنفيذية تقوم بتطبيق الحكم.
وهذا أمر لا يجوز!! قد يقول شخص: بما أن الحكم بالرجم حبر على ورق فهل من الممكن أن نبدل هذا الحكم بالسجن مثلاً؟! وهل يعني هذا أن غراباً غلطان مثلاً؛ لأنه لم يحكم عليه بالسجن، كأقل رادع من العقوبة؟! هل يسعه ذلك؟!
الجواب
لا يجوز لأحدٍ أن يبدل حكم الله بدعوى أنه لا يوجد من ينفذه، ليس هذا من سلطة القاضي، فالقاضي يحكم، والحاكم هو المسئول عن التنفيذ، لكن ليس من سلطة القاضي طالما لا توجد جهةٌ تنفيذية أن يقول: لابد أن أعمل أية عقوبة عليه حتى لا يخرج براءة، سيقول شخص: ما دليلك على ذلك؟ أقول: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في صحيح البخاري أيضاً، ورواه البخاري في كتاب الحدود في باب الاعتراف بالزنا: (أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر وكان أفقه الرجلين: نعم، يا رسول الله! اقض بيننا بكتاب الله -وانتبه لهذه المقولة: بماذا قالا؟ بكتاب الله، لكن ما هو الموضوع؟ - فقال الرجل الثاني: إن ابني هذا كان عسيفاً عند هذا وإنه زنى بامرأته -والعسيف هو الأجير، وسمي عسيفاً؛ لأنه يعسف ويتعسف معه- وإني ذهبت إلى جماعةٍ فقضوا أن على ابني الرجم؛ فافتديت ابني بمائة شاة وخادم، فقال ﵊: والله لأقضين بينكم بكتاب الله، أما الغنم والخادم فردٌ عليك)، وانتبه هنا للكلام، هو بدل حكم الله بفدية، قالوا له: ابنك عليه الرجم، فقال: لا.
وأدفع مائة من الغنم وخادماً، فقال له: لا.
أما غنمك وخادمك فردٌ عليك، ونحن نسوق هذا الكلام أيضاً إلى الجماعة الذين أحلوا الفروج الحرام من مقيمي الشعائر الجهلة بأحكام الطلاق، كم أحلوا من فرجٍ محرم، يفتون في الطلاق، يا أيها الناس! لا يجوز لكم أن تستفتوا هؤلاء.
يوم أمس الأول كنت أصلي الفجر في الريف، فوجدت رجلاً وامرأته أمام المسجد، وقالا لي: نحن نبحث عنك؟ فقلت: ما بكما؟! فاتضح أن الرجل طلق امرأته، ادعى أنه كان سكران، والمرأة تقول: لا، وادعت أنه لا يضبط الكلام، وأنه قال لها أول مرة: أنتِ طالق بالثلاث، ثم ذهبا لفلان فرد أن هذا يمين! وهل هذا يمين؟! فجاء في المرة الثانية وقال لها: أنت طالق بالثلاث، فرد مرة أخرى أنه مجرد يمين، وكل مرة يأخذ عشرين جنيه ويرد بأنه ليس بطلاق وإنما يمين، وثالث مرة قال لها: أنت طالق بالثلاث، ورابع مرة البارحة قال لها: أنت طالق بالثلاث، وهذا كلام صريح مثل الشمس، فقالت المرأة عندما قال لها في الرابعة أنت طالق بالثلاث: أنا لا أريد هذه المرة الذهاب للمفتي السابق!! فقلت لهما: المرأة من الطلقة الثالثة زانية وأنت زانٍ، إن لفظة: (أنت طالق) لفظ صريح في إيقاع الطلاق.
وليس عند العلماء جميعاً أي إشكال في وقوع الطلاق بهذا اللفظ الصريح، بل إن الأئمة الأربعة وجماهير أصحاب الأئمة الأربعة على أن امرأة هذا الرجل طالق من المرة الأولى طلاقاً بائناً، ويقول الأئمة الأربعة: من قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً، فهي طالقٌ ألبتة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وخالف في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه المحقق ابن القيم رحمهما الله، وقالا: لا.
مفهوم العدد لا يكون إلا إذا تكرر، فلو سمع رجلٌ قول النبي ﷺ : (من قال مائة مرة: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، غفرت له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر)، فجاء رجلٌ فقال: (سبحان الله وبحمده مائة مرة) فهل قالها مائة مرة أو مرة واحدة؟ قالها مائة مرة، كذلك الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالقٌ ألف مرة فإنه لا يفهم من العدد إلا مرةً واحدة، إلا إذا كرر هذا العدد في مجالس منفصلة فقال لامرأته: أنت طالق! فخرج ثم دخل، فقال لها: أنت طالق! فخرج ثم دخل، فقال لها: أنت طالق! وهكذا فمع كل طلقة بمجلسٍ جديد، فتكون قد كررت العدد مرةً ومرة ومرة، قال الفقهاء: فلو قال لامرأته: أنت طالق، طالق، طالق، طالق، طالق، فكل طلقةٌ تقع بمفردها، لماذا؟ لأن العدد مفهومه التكرير، وقد كرر، إنما الإشكال أن يجمل العدد في لفظٍ واحد فيقول: أنت طالق مائة مرة، وقعت مرة واحدة؛ لكن لو ظل يقول: أنت طالق، طالق، طالق، طالق، على طول هكذا فإن الطلاق يقع.
وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله رفضا أيضاً هذه المسألة، والمهم أن المسألة فيها بحث طويل، والمحاكم الآن في مصر والشام على فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فعلى فتوى العلماء السابقين تكون امرأة هذا الرجل طالق منذ زمن الطلقة الأولى، وعلى فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ امرأته طالق من الطلقة الثالثة، ومع ذلك كنت أصلي في المسجد فوجدت الرجل وامرأته واقفين يبيعون العنب، ما الذي حصل؟ قالا: إنما ذهبا إلى مدير الأوقاف وأرجعها له، فهنا لا يكون إلا واحد من اثنين: إما أن يكون مدير الأوقاف لا يفقه شيئاً، وإما أن يكونا دلسا عليه، ونقلا له كلاماً غير الذي قالاه لي لما وجدا الحكم صريحاً.
وأنا أقول هذا الكلام لأن هناك أناساً يقولون: ادفع عشرين جنيه وأرجع امرأتك، فنقول له: لا.
أما العشرون فردٌ على صاحبها وقد وقع الطلاق، كما قال النبي ﵊، (أما الغنم فهي ردٌ عليك والجارية ردٌ عليك) -أي الخادم كما ورد في بعض الروايات- ثم قال: (فأما ابنك فعليه جلد مائة وتغريب عام، وأما امرأة هذا فعليها الرجم).
وتأمل ما ورد في الحديث: (قالوا: اقض بيننا بكتاب الله، فقال: والله! لأقضين بينكم بكتاب الله) فهل تجدون الرجم في كتاب الله؟! وهل الجلد في كتاب الله؟ نعم.
لكن هل التغريب في كتاب الله؟ ليس في كتاب الله.
إذاً: قوله: (والله! لأقضين بينكم بكتاب الله) يدل على أن السنة من الوحي، وهي داخلةٌ دخولاً لازماً في قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، إذاً: الذكر عند جميع علماء المسلمين قرآن وسنة.
ومما يدل على ذلك هذا الحديث المتقدم الذي رواهُ الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، قال: (والله! لأقضين بينكم بكتاب الله)، فقضى بما ليس في كتاب الله نصاً وقد ثبت في السنة، فدل على أن السنة هي من كتاب الله ، لقول الله ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
стр. 1182
الغاية من إقامة البيت المسلم
إن الغاية من إقامة البيت المسلم هي توحيد الله وإقامة حدوده، وإن من أهم المقومات لهذا البيت المرأة الصالحة، ولقد حض الشرع على اختيار المرأة الصالحة؛ لأنها بمثابة المصنع الذي يخرج منه الرجال، فالرجال الذين يعول عليهم نصرة هذه الأمة لن يأتوا إلا بعد اختيار الأرض الخصبة التي تخرجهم، وبعد اختيار المرأة الصالحة ينبغي علينا أن نحسن تربية الأولاد، وفق شرع الله ، بأن نهيئ لهم القدوة الحسنة التي يقتدون بها، والمتمثلة في الوالدين فعلى الأب أن يعظم الله بلسانه وجوارحه؛ ليتأسى به الولد في ذلك، فهذه دعوة إلى الاهتمام بالأساس فالتمكين منوط به.
стр. 1183
إقامة البيت المسلم وارتباطه بجيل بالتمكين
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها الإخوة الكرم: لماذا تقوم الحروب بين الناس؟ هذا السؤال ليس له إلا جوابٌ واحد، وهو أن كل طائفة على وجه الأرض تبحث عن التمكين لها، كل الحروب القائمة على وجه الأرض سببها البحث عن التمكين، فالنظام العالمي الجديد الذي تحاول أمريكا أن تفرضه باستخدام مذهب اللصوصية والإرهاب، كل هذا ليكون لها مكان -وأصل التمكين من المكان- وشرع الله الجهاد للمسلمين لأجل هذا التمكين.
إذاً: غاية النزاع في الأرض سببه التمكين، لذلك امتن الله على بني إسرائيل أنه مكّن لهم، فقال : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ [القصص:٥]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] بعد ذكر التمكين مباشرةً، ذكر الله ميلاد موسى، فقال ﵎: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] إذاً: التمكين يحتاج إلى رجال، رجال يجودون بأرواحهم للدفاع عن دين الله، وعما يعتقدونه على أي حال، فالمسلمون يجودون بأرواحهم دفاعاً عما يعتقدونه الحق من دين الله ، فسبيلنا إلى التمكين، وجود رجال، وبغير هذا الشرط لا يكون هناك تمكين أبداً، فلا تمكين إلا برجال، الرجولة ترضع من الصغر، فالذي يضيع عمره وطفولته، يضيعها في الفوضى لا يؤمّل الخير فيه، ومثل هذا لا أبني عليه بناءً سامقاً، لأن الأصل ضائع، فأنت أردت أن تبني برجاً، فكلما أردت أن تصعد إلى فوق يجب عليك أن تهتم بالأساس -المسألة هكذا متناسبة- الصعود إلى فوق معناه الاهتمام بالأساس، فأساس الإنسان طفولته، هذا البناء العظيم الذي يبنى، وهذه المسئولية الجسيمة التي توضع على كتف الإنسان، لا يتحملها إلا رجل له بطولة مشرفة، وأين ذهبت طفولة أولادنا؟، ماذا علمناهم؟ أكلوا وشربوا وذهبوا إلى المدارس وتعلموا كل شيء إلا الدين.
هكذا ذهبت طفولة أولادنا هدراً، واعلم صلاح البيت مناط بصلاح الأساس، هذا هو معمل تخريج الرجال، والمرأة تعرف مسئوليتها، والرجل يعرف مسئوليته.
стр. 1184
الغاية من الزواج
أقف على
السؤال
لماذا نتزوج؟ لو سألت هذا السؤال أي رجل، فإنه لا يجيبك على الفور، إنما يتريث ويفكر قليلاً، فهذا التريث يدل على أنه لم يتزوج لهدف، وإنما تزوج لأن أمه تريد أن تفرح به، وأبوه يريد أحفاداً، أو يريد أن يورث الأولاد، أو يريد أن يخلِّد اسمه، وهذه المسألة تجد للناس فيها مذاهب، لكن أصل الزواج كله قائم على ما ذكره عمر بن الخطاب ﵁ حين قال: (إني لأكره نفسي على إتيان المرأة، رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده)، هذه هي الغاية من إقامة البيت المسلم.
إذاً: الغاية هي توحيد الله ، لا يكون من نسلك رجل فاسق ولا فاجر: (إني لأكره نفسي على إتيان المرأة، رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده) هذه هي الغاية، والله ﵎ لما ذكر طلاق المرأة للمرة الثالثة قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: للمرة الثالثة، ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، حسن! ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة:٢٣٠]، يعني: الزوج الثاني، وأراد الزوج الأول أن يردها إلى عصمته: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠]، إذاً: الغاية من إقامة البيت المسلم هو إقامة حدود الله ، فالبيوت التي تسودها الفوضى لا قيمة لها: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠]، إذا كان الهدف المراجعة، فلأن يكون في إقامة الحدود من باب أولى.
رجل يتزوج بامرأة لماذا؟ ليقيما حدود الله، هذه هي الغاية من إقامة البيوت، ولقد ذهب الشرع مذهباً عظيماً في سبيل هذا الاصطلاح، فحض على اختيار المرأة؛ لأن المرأة كالأرض، فالأرض البوار ثمنها رخيص، والأرض التي تزرع ثمنها غال.
إذاً: عندما تنظر إلى المجتمع الذي تعيش فيه المرأة، إذا خرجت من بيتٍ ملتزم فإنها توزن بالذهب، لا تستكثر من أجل الحصول عليها كل غالٍ ونفيس، فهذه هي الأرض الخصبة.
стр. 1185
أهمية اختيار الزوجة الصالحة لإقامة البيت المسلم
إن المرأة الصالحة تشبه الأرض الخصبة، ولقد حض النبي ﵌ على اختيار أجود الأرض، حيث قال: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)، إن الرجل الذي ابتلاه الله بزوجة ناشزة لا يستمتع بها في الدنيا ولا في الآخرة، فمزاجه معكّر بصفة دائمة في الدنيا، وعندما يقف بين يدي رب العالمين لا يستجمع قلبه، فأي متعةٍ حصل عليها هذا المسكين.
اعلم أن المرأة قنطرة سعادة وشفاء، فكيف تستهين باختيارها؟ ابحث عن المرأة التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك.
إن الرجل إذا تقدم إلى امرأة لابد أن يراعي فيها الصلاح، وهذا لنجابة الولد؛ لأن المرأة الفاسدة لا تربي الأبناء تربية سليمة فهي تهدم ولا تبني.
إذاً: المرأة الفاسدة لا تستحق شربة الماء، ووجودها كعدمها، تماماً مثل الرجل الكافر لا قيمة له، فالحيوان البهيم أفضل منه عند الله .
روى وكيع في أخبار القضاة في ترجمة شريك بن عبد الله النخعي، ﵀، وكان قاضياً مشهوراً، أنه جاءه رجلٌ نصراني على بغلة، وكان مقرباً من زوجة الخليفة؛ لأنه كان يشتري لها الذهب وحاجياتها، فظن أن له مكانة، فكان يظلم الناس وعنده من يسنده ويعينه على ظلمه، فظلم هذا النصراني رجلاً مسلماً، فرفع المسلم شكاته لـ شريك بن عبد الله ﵀، فجاء هذا الرجل النصراني على بغلة منتفخاً، فلما نزل من على بغلته أمر به شريك فجلد جلداً قوياً فتوعد شريكاً، أنه سيشتكيه إلى امرأة الخليفة، وركب النصراني البغلة، وجعل يضربها بعنف، فقال له شريك: قاتلك الله! لا تضربها، فإنها أذكر لله منك: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، لا يوجد الجحود والكفر إلا في بني آدم والجن، فكل المخلوقات مستقيمة على صراط الله، وهي أذكر لله من كثيرٍ من بني آدم، إن الحيوان البهيم أفضل من الكافر، قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤]، يعني: الأنعام أفضل منهم.
فالمرأة الصالحة خير متاع الدنيا، واسألوا الذين ابتلوا بنساءٍ فاسدات، اسألوهم.
إن الرجل إذا ابتلي بامرأةٍ فاسدة يحسد كل رجلٍ يمشي في الشارع يظنه سعيداً، يحسد كل الخلق، لأنه يشعر أنه يشقى وحده، حتى ربما حسد من هو أدنى منه في الدين والعلم والمكانة، بسبب فساد المرأة؛ لذلك حض النبي ﷺ الرجال على اختيار النساء، فإنهن الأرض التي تنتج الرجال الذين يمكن الله لهم.
стр. 1186
السلوك الحسن وأثره في إقامة البيت المسلم
سلوك المرء الصالح له أثر في كل من في البيت وفي كل من حوله، فهذا الإمام أحمد بن عبد الله العجلي ﵀، روى في كتاب: الثقات في ترجمة أحد العلماء، اسمه الحسن بن صالح بن حي، أن الحسن باع جاريةً له، فاشتراها رجل، وذهبت الجارية إلى بيت الرجل المشتري، وفي نصف الليل قامت الجارية تقول: يا أهل الدار! الصلاة الصلاة، أي: قوموا إلى الصلاة، فقالوا لها: أأذن الفجر؟ فقالت لهم: ولا تصلون إلا الفجر؟ قالوا: نعم.
فقالت لهم: لا تقومون الليل؟ قالوا: لا.
فلما أصبح الصباح رجعت إلى الحسن، وقالت: ردني إليك، فإنك بعتني إلى قوم سوءٍ لا يقومون الليل.
هذه جارية مملوكة من أين أخذت هذا الخلق؟ أخذته من هذا البيت.
أذكر لكم عن هذا البيت كيف كان شكله وكيف كان وضعه؟ هذا البيت كان فيه الحسن بن صالح بن حي، وأخيه علي بن صالح بن حي وأمهما، وكان طريقتهم كالآتي: كانوا يقسِّمون الليل ثلاثة أقسام، الحسن بن صالح يقوم في الثلث الأول، وعلي بن صالح يقوم في الثلث الثاني، وأمهم تقوم في الثلث الثالث، فلما ماتت الأم قسم علي الحسن الليل بالنصف، يقتسمان وقت الأم بينهما، فلما مات الحسن، حمل علي الليل كله، هذا هو البيت، فجارية تعيش في مثل هذا البيت كيف لا تقول مثل هذه المقالة الرائعة: إنك بعتني إلى قوم سوءٍ لا يقومون الليل؟! ابنك كاميرا مثل (الكاميرا المسجلة) يلتقط عليك كل حركاتك، فإياك أن تتصور أن الولد يغفل عنك، فالولد يتأسى بك، فكل شيءٍ تفعله يصوره ويسجله (كالكاميرا المسجلة)، فعظم حرمات الله أمام الولد، إذا ذُكر الله فاجهر بالثناء عليه أمام الولد، وإذا ذكر النبي ﵌ فارفع صوتك بالتسليم والصلاة عليه أمام الولد، هذا كله يؤثر في بنيان الولد، وفي تربيته، عظم حرمات الله ، فإنها من تقوى القلوب.
стр. 1187
حكم عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح
أزمتنا اليوم أزمة رجال، فلو أن عندنا مائة رجل كالصحابة، والله لفتحنا الدنيا، ونحن نبحث عن هذا الصنف من الرجال.
إذا كنا نريد أن نختصر مسافة البحث عن التمكين ينبغي علينا أن نربي أولادنا وذلك باختيار المرأة الصالحة، فهي غاية أماني الرجل في الدنيا، وأساس صلاح الأولاد، وهي مربية الأجيال، ولذلك حض النبي ﵌ على ذلك حضاً صريحاً.
إن الرجل قد سُن له أن يدخل البيوت ويخطب المرأة، فهل يجوز للمرأة أن تطلب الرجل؟ لقد سنّ رسول الله ﵌ بالإقرار في أن للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح، وهذا شيءٌ عجيب؛ لأن للعلماء قاعدة تقول: (ما منع سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة) يعني: قد يكون هناك فعل لم يحرم لذاته، ولكن حرم لأننا لو فتحناه أدى إلى فساد، وذلك مثل النظر، فالنظر إلى النساء ليس محرماً في ذاته، إنما هو محرمٌ لما يفضي إليه من الفساد وهو الزنا، ولذلك قال العلماء: النظر بريد الزنا، ومنع الرجل من النظر إلى المرأة لما يفضي إليه النظر من الفساد.
إذاً: حُرِّم النظر إلى المرأة الأجنبية سداً لذريعة الزنا.
إذاً: أنا أريد أن أتزوج، سأتقدم بطبيعة الحال إلى امرأةٍ أجنبية، فكيف آخذها؟ هل أتزوجها قبل أن أنظر إليها أم أنظر إليها؟ نقول: انظر إليها قبل الزواج، إن النظر حرام إلى الأجنبية.
نقول لك: نعم.
النظر حرام إلى الأجنبية سداً لذريعة الزنا، ولكن يباح للمصلحة الراجحة، وهي دوام العشرة.
ولذلك روى الإمام النسائي والترمذي وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (خطبت امرأةً فقلت للنبي ﵌ ذلك، قال: فهل نظرت إليها؟ قلت: لا.
قال: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (يؤدم بينكما) أي: يدوم الود، وقال له في النص الآخر: (انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئاً)، وكان في أعين الأنصار صغر، فقال: (انظر إليها)، فلربما لم تنظر إليها ثم تتزوجها فتجد فيها شيئاً لا تحبه، فتطلقها بعدما صارت ثيباً! لا.
إذاً: المصلحة الراجحة وهي دوام العشرة بيني وبين التي خطبتها تقتضي أن أنظر إليها قبل الزواج، مع أن النظر محرم في الأصل سداً للذريعة.
والمرأة لو عرضت نفسها على الرجل فقد يكون هذا الرجل ضعيف القلب فيظن بهذه المرأة سوءاً، فالأفضل والأصون لكرامة المرأة أن لا تعرض نفسها؛ لئلا يطمع فيها الفساق، ولئلا تبتذل.
ولا يباح للمرأة أن تعرض نفسها مع وجود مثل هذا، ولعل مثل هذا الخاطر هو الذي يحجب النساء العفيفات عن عرض أنفسهن على الرجل الصالح، خشية أن يظن الرجل بهن سوءاً أو يظن أنها امرأة متبجحة قليلة الحياء، وهذا أمر مغروس في الفطرة.
ففي صحيح البخاري من حديث ثابت البناني ﵀ قال: (كنت عند أنس بن مالك، وعنده ابنةٌ له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى رسول الله ﵌ تعرض عليه نفسها، قالت: يا رسول الله، ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها، واسوأتاه)، أتهب الحرة نفسها؟ أي: هذا عيب! إذاً: المناسب أن لا تعرض المرأة نفسها سداً لذريعة سوء الظن بها، لكن في سبيل الوصول إلى الرجل الصالح، يباح لها أن تعرض نفسها، إذ هو غاية المنى بالنسبة للمرأة في الدنيا، وخروجاً من هذا الأصل فإنه يباح لها ذلك، وإن سيئ بها الظن، يباح لها ذلك، كل هذا لتحصيل الرجل الصالح الذي هو غاية المنى في الدنيا، وعلى ذلك أدلة منها هذا الدليل الذي ذكرته آنفاً، ومنها أيضاً: ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى النبي ﵌؛ فقالت: يا رسول الله! وهبتُ نفسي لك، فصعَّد النظر إليها، وصوبه، ثم جلست المرأة، فقال رجلٌ لما رأى النبي ﵌ رغب عنها: يا رسول الله! زوجنيها، قال: ما عندك، اذهب إلى أهلك فالتمس مهراً، فذهب ثم جاء.
قال: ما وجدت، قال: اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد، فذهب ثم رجع.
فقال: لم أجد، ولكن يا رسول الله! معي إزاري، أعطيها نصف الإزار مهراً، فقال النبي ﵌: وما تصنع بإزارك إن لبسْتَه لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسَتْه لم يكن عليك منه شيء، فجلس الرجل وطال جلوسه ثم قام ينصرف فناداه، قال: ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا، قال: أتقرؤهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم.
قال: اذهب قد ملكتكها بما معك من القرآن) فقامت المرأة تتبعه إلى منزله.
استنبط الإمام البخاري ﵀! من هذا جواز أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، وإن كان الحديث قد سيق في هبة المرأة نفسها.
لا يحل للمرأة أن تهب نفسها للرجل، فتقول: وهبتُ نفسي لك، يعني: بلا مهرٍ ولا ولي، فإن هذا من خصوصيات النبي ﵌: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، لكن استنبط الإمام البخاري بدقيق فقهه، وثاقب نظره من الحديث ما لا خصوصية فيه، وهو جواز أن تعرض المرأة نفسها على الرجل.
стр. 1188
حكم عرض الرجل ابنته أو أخته على الرجل الصالح
إن عرض الرجل وليته أو ابنته أو أخته على الرجل الصالح اتباع سنة الأنبياء والصالحين، من ذلك: الرجل الصالح صاحب مدين الذي ورد ذكره في سورة القصص: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، قالوا: إنه شعيب، والراجح أنه ليس شعيباً النبي؛ لأن شعيباً النبي قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٩]، وقد ثبت أن قوم لوط كانوا في زمان إبراهيم، وبين إبراهيم وموسى مدةٌ طويلة تزيد عن الأربعمائة سنة، إنما الراجح أنه رجلٌ صالح من أهل مدين: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧]، فعرض ابنته على الرجل، لما رأى فيه من صفات الكمال.
وكذلك في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: (إن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر، من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب النبي ﵌، فتوفي بالمدينة، فقال عمر: أتيت عثمان فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئاً وأوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً، قال عمر: قلت: نعم.
قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها).
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث زينب بنت أم سلمة: (أن أم حبيبة زوج النبي ﵌ قالت له: يا رسول الله! انكح أختي ابنة أبي سفيان -تريد أن تزوجه أختها شقيقتها- قال: تحبين ذلك؟ فقلت: نعم.
لست لك بمخلية -أي: لست أنا الوحيد التي معك- وأحب من يشاركني في الخير أختي، فقال: إن ذلك لا يحل لي، فقلت: يا رسول الله! فوالله إنا نتحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة، قال: ابنة أم سلمة؟ فقلت: نعم، فقال ﵊: فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن).
أي: هي محرمةٌ لسببين، السبب الأول: أنها ربيبة في حجري، والربيبة هي ابنة المرأة من الزوج الآخر.
بمعنى أن رجلاً تزوج امرأة، أنجب منها بنتاً، ثم طلقها أو مات عنها، فالمرأة تتزوج، وإذا تزوجت المرأة رجلاً، تصير البنت من الزوج الذي طلق أو مات ربيبة، والربيبة تحرم إذا دخل الزوج بالأم، أما إذا لم يدخل بها، فيجوز له أن يتزوجها، قال الله في آية المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، أي: إذا عقد الرجل على المرأة ولم يدخل بها وطلقها، جاز له أن يتزوج ابنتها، بخلاف البنت، فإنه إذا عقد الرجل على البنت ولم يدخل بها، حرمت الأم إلى يوم القيامة، لقول الله في آية المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فبمجرد العقد صارت البنت زوجة، وصارت أمها محرمة إلى يوم القيامة، فقال: (فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي)، والسبب الثاني: لأن ثويبة أرضعته وأبا سلمة، فهو أخوه من الرضاعة، فلا يحل أن ينكح الرجل ابنة أخيه من الرضاعة.
وروى أبو يعلى في مسنده بسندٍ قواه الحافظ ابن حجر ﵀: (أن امرأةً قابلت النبي ﵌ في الحج تعرض نفسها عليه، فجعل الفضل بن العباس ينظر إليها، ويلوي النبي ﵌ وجه الفضل).
كل هذا فيه دليل على أنه يجوز للمرأة أن تعرض نفسها، ويجوز للولي أن يعرض بنته، وهي سنة سنة الصالحين، وهناك أمثلة أخرى نذكرها إن شاء الله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1189
القوة والأمانة صفتان حميدتان يجب توفرهما في الرجل الصالح
الحمد لله، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
تأمل قول ابنة الرجل الصالح قالت لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، للرجل الصالح صفتان حميدتان وهما: الأمانة والقوة.
فالقوة: ليقوم الرجل بأعباء الزوجية، من نفقة وغيرها، والأمانة: قال ﵌: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله)، هذه هي الأمانة، إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان، لماذا تظلمها؟ لماذا تقض مضجعها بالمعاملة السيئة، إذا لم تمسك بالمعروف فسرِّح بإحسان! فلا تعضلها، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والرجل الأمين لا يخون الأمانة، فقد جاء وأعطى ولي الزوجة العهد أنه سيحافظ عليها، وأنه سيتقي الله فيها، فإذا كان رجلاً أميناً حقاً لا تُضَار المرأة يوماً معه، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، لا يضر الرجل إن لم يكن ذا مال أو جاه أو جمال، إذا كان قوياً وأميناً، ولكن أين الذين يزنون الرجال بميزان الرجولة لا بميزان المادة؟ لقد فقدوا في هذه الأيام!!
стр. 1190
نماذج لكيفية وزن الرجال بميزان الدين
ذكر أبو نُعيم في كتاب: حلية الأولياء، في ترجمة سعيد بن المسيب ﵀، سيد التابعين، قال: عن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، قال: كنت أحضر مجلس سعيد بن المسيب في مسجد النبي ﵌، ففقدني أياماً، فلما جئت قال: أين كنت يا بن أبي وداعة؟ قلت: ماتت زوجتي، فانشغلتُ بها، قال: فهلا آذنتنا فشهدناها معك، قلت: كرهت أن أشق عليك، قال له سعيد: هل أحدثت زوجةً؟ فقلت له: يرحمك الله ومن يزوجني، وليس معي من المتاع شيء، قال له: أزوجك ابنتي، قال: نعم، ولكن ليس عندي غير درهمين أو ثلاثة، فتشهد سعيد وحمد الله وزوجه ابنته بنت سعيد بن المسيب وقد خطبها أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك ولي العهد، فأبى سعيد أن يزوجه، حتى إن عبد الملك بن مروان احتال واخترع مصيبة لـ سعيد بن المسيب وجلده مائة جلدة انتقاماً منه، وصب عليه جرة ماءٍ باردة في يوم بارد، وألبسه جبة صوف بسبب أنه رفض أن يزوج ابنته من ابنه، هذه هي الرجولة، لو تقدم أمير المؤمنين لأي واحد منا فلن ينام الليل!!، سيقول: الحمد لله! ضمنت أن البنت ستعيش في عيشٍ رغيد، والنعمة ستكون تحت رجليها، لكن موازين الرجال مختلفة: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، لكن سعيد بن المسيب حمد الله وأثنى عليه، وتشهد، وصلى على النبي ﵌ وزوج الرجل، فقال: فلما جاء اليوم الثاني وكنت صائماً، ووضعت أمامي خبزاً وزيتاً لأفطر طرق الباب، قلت: من؟ قال: سعيد، قال: ففكرت في كل سعيدفي الدنيا إلا سعيد بن المسيب، فإنه ما رؤي منذُ أربعين سنة إلا بين البيت والمسجد، وما فاتته تكبيرة الإحرام قط، فقلت: أفي بيتي سعيد بن المسيب ما عهد الرجل هكذا -لذلك خطر على باله كل سعيد إلا سعيد بن المسيب - قال: ففتحت الباب فإذا سعيد، فظننت أنه تراجع أو بدا له شيء، فقلت: يرحمك الله، كنت أحق أن آتيك أنا، قال: ل.
، لكنك رجل قد تزوجت، وكرهتُ أن تبيت الليلة عزباً، فخذ زوجتك.
وكانت خلفه في الباب، قال: فلما دخلت المرأة سقطَت من الحياة، وأغلقت الباب وصعدت إلى السطح أنادي في الجيران، فقالوا: مالك؟ قلت سعيد زوجني بابنته، فنزلت إليَّ أمي، فقالت لي: والله لا تقربها حتى أصلحها لك في ثلاثة أيام، قال: فبعد ثلاثة أيام دخلت بها، فإذا هي من أجمل النساء، وأحفظهن الناس لكتاب الله، ولسنة رسول الله ﵌، وأرعاهن لحق زوجها، فمكثت شهراً لا ألقى سعيداً، فلما أردت أن أخرج أمسكت بإزاري، وقالت: إلى أين؟ قلت: أذهب إلى سعيد أتعلم منه، قالت: اجلس أعلمك علم سعيد.
فلو كن النساء كمثل هذي لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال أين هؤلاء النساء؟ المرأة هي قاعدة البناء العظيم الذي ترتكز عليه الأمة، فساد المرأة يعني فساد الدنيا والآخرة، وصلاحها صلاح الدنيا والآخرة.
سعيد زوّج رجلاً معه ثلاثة دراهم فقط؛ لما لمح فيه من الصلاح والنجابة والأمانة والقوة، فيا أيها الناس! اختاروا لبناتكم الرجل الصالح.
أيها الرجل: لا تستحيي أن تعرض ابنتك أو من كنت وليها على من تثق بدينه وتقواه، لست أفضل من عمر، ولست أفضل من صاحب مدين، هؤلاء السلف، ونعم السلف لنا، سنُّوا لنا هذه السنة، وعلم بها رسول الله ﵌، وما عنف عمر وما راجعه، فدل ذلك على أنها سنة بإقراره ﵌.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1191
انحراف الأبوين عقبة أمام التزام الأبناء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.
ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
أيها الإخوة الكرام: الحديث عن الأسرة مؤلم ومحزن، لا يعرف ذلك إلا من دخل في مشاكل الناس، ربما ظن أحدكم أن التمكين قريب، لكن ليس الخبر كالمعاينة، أسرنا مهترئة، بسبب الفشل، والآن أجيب عن السؤال الذي ذكرته في مطلع الخطبة، لماذا نتزوج؟ نسبة لا تكاد في الأرقام الذين تزوجوا بقصد أن ينجبوا عباداً لله، بالنسبة للسواد الأعظم قليل جداً، أولياء الأمور هم الذين استرعاهم الله هذه الذرية، كثيرٌ منهم خانوا هذا العهد وضيعوا رعيتهم كل يوم تأتي المكالمات لمشاكل لا آخر لها، فهذه وأختها، لبسن النقاب منذُ أربعة أشهر، تقول إحداهن: لقد وصلت وتقول: ما أحسست أنني استحق الحياة إلا بعد أن غطيت وجهي، وهذا الشعور لا يشعر به فعلاً إلا من تعاطى هذا الفعل، والمرأة إذا ارتدت النقاب لا تستطيع أن تخلعه، فإذا نزعت نقابها فكأنك كشفت عورتها، هكذا شعور المرأة المنتقبة، لكن ما هي المشكلة؟ المشكلة أن أباها أمرها بخلع النقاب، ثم اتخذ خطوات عملية، أخذ النقاب ووضع عليه (كيروسين) ثم أحرقه، هذه الخطوة الأولى.
الخطوة الثانية: الأم تذهب إلى بيت أبيها عقوبة لهذه البنت، وأبت أن ترجع هذه الأم إلا إذا خلعت النقاب.
الخطوة الثالثة: ممنوع منعاً باتاً وضع أي شيء على الرأس، لا تضع حتى غطاء الرأس! يعني تخرج بشعرها.
الخطوة الرابعة: أنه إذا جاءه ضيف ألزم بناته وأهله على أن يصففن شعورهن، ويدخلن على هذا الضيف سافرات.
الخطوة الخامسة: أنه يأمرهن أن يجلسن بجوار الضيف وإذا امتنعن من ذلك فالسوط موجود!! الخطوة السادسة: الضرب المبرِّح أمام الضيف!! أسمعتم؟! أهؤلاء رجال؟! لو لم يكن هناك دين لكان هناك غيرة، فالكلاب تقتتل على الكلبة.
وهذا كلب ومع ذلك فيه نوع من الغيرة، وهذا الرجل يفعل كل هذه الأفاعيل مع ابنته، وهاهي تسأل: ماذا أفعل؟ ويقف الإنسان في حيرة، قالت: بذلنا كل شيء، ستقول لي يا شيخ: اصبري تحملي، كل ما يخطر على بالك أنا فعلته، إنه يضربني بالسوط ضرباً مبرحاً أمام الضيف.
هذا نموذج لكثير من الأسر، هؤلاء لا يستحقون الحياة، هؤلاء يهزمهم شر الخلق وأضعفهم -اليهود والنصارى- هؤلاء لا ينتصرون أبداً، إن بنياننا الأسري مختل.
يا أولياء الأمور: إذا انتقبت البنت فاحمدوا الله على ذلك؛ فإن النقاب عفة ووقار وشرف.
اسأل نفسك سؤالاً: أيهما أفضل عندك: أن تنتقب ابنتك أم أن يهرب بها أحدهم ويتزوجها؟ هذه بمقابل لبس النقاب، فالنقاب صيانة وعفاف وشرف، كيف تأخرت حتى الآن في تغطية وجه امرأتك وبنتك وأختك؟!
стр. 1192
إهمال التربية سبب تحطم الأسر
هناك أسرة بكاملها تحطمت بسبب أن الولد ما تربى التربية الإسلامية الصحيحة، صاحب رفقاء السوء، وتعرف على واحد من أصحاب المخدرات فأعطاه منها، وقال له خذ وشُم: بعد ذلك صار مدمناً لها، فمباشرة من حين أخذ (الجرعة الأولى من المخدرات) بدأ يتغير، بدأ يسرق مال أبيه، ثم يسرق من بيوت الناس، قبضت الشرطة عليه، وسألوه ابن من أنت؟ قال: أنا ابن فلان الفلاني، يعني: من بيت كبير، وأبوه ذلك الرجل صاحب المنصب الكبير، فيذهبون به إلى قسم الشرطة -فضيحة- أما في البيت فهو كل يوم في ضرب وصراخ في ذلك البيت الذي لم يكن أحد يسمع لهذه الأسرة فيه صوتاً، أما الآن فكل يوم عراك وصياح، وهذا الولد لا يتقي الله، ولا يرقب في أهله إلاً ولا ذمة، فإنه يسبّهم بأقذع الألفاظ، يريد أن يشُم تلك المخدرات، فتحطم بنيان الأسرة وتصدع.
ما سبب ذلك؟ السبب: إهمال التربية الصحيحة، هذا الولد لو كان رجلاً تقياً، لما وجد في أصدقائه ولا أقرانه من يقول له: شُم، والرسول ﷺ يقول: (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)، أنت إذا كنت رجلاً مصاحباً للمؤمنين، أرأيت مؤمناً يغشك ويدمرك ويعطيك ما حرم الله؟ لا.
لا يمكن هذا، أي رجل ملتزم يعرف قيم دينه إذا ارتكب هو في نفسه معصية فإنه يحاول أن يتوارى عن الأنظار، فكيف يجهر بها أمامك؟! بل كيف يدعوك إليها؟ لا يجرؤ على ذلك.
стр. 1193
من شروط التمكين: الصدق مع الله
إن الأمة الإسلامية اليوم تملك ثروة بشرية هائلة -ملايين- ولكن أين الرجال فيهم؟ إنهم قلة، مثلاً: أي رجل وقع في أزمة وخير ما بين دين الله وما بين الدنيا، فإنه يختار الدنيا مباشرة، يقول لك: أكل وأعيش وأولادي وتركتي.
وإذا قيل لأحدهم: احلق لحيتك وإلا لن تأخذ الوظيفة، تراه يتساءل هل يحلق حتى يأخذ الوظيفة ثم يعفيها مرة أخرى، هذا إذا كان الرجل فيه تدين، وغالب الناس لا يقف عند هذه المسائل ولا يفكر على الإطلاق، بل يقوم فوراً ويحلق لحيته، ولسان حاله يقول: لماذا لا أختار الدنيا؟ اعلم يا أخي! أن الله لا يضيِّع من توجه إليه، وإنما يختبرك وينظر إلى صدق عزيمتك، كما قال ﵎: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣]، فإذاً: لا بد من اختبار، إذا صدق الرجل مع الله ورسوله، وكان وقافاً عند حدود الله مكّن له في الأرض: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فهذه شروط التمكين، هل نحن أمة تستحق التمكين، وثلث الأمة لا يصلي؟ ثلث الأمة لا يصلي وربما أكثر، هؤلاء لا يسجدون لله ، هل يمكّن لهؤلاء؟ لا يمكَّن لهم أبداً، إنما يمكَّن الله لعباده المؤمنين، الذين إن مكنّ لهم كانوا أوفياء لشرعه.
إن الناظر إلى حال الأمة الإسلامية وحال أفرادها يرى كثيراً من الناس يتصرف تصرف أهل الجاهلية، إذا ركبوا سفينةً في البحر وأتاهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إلى البر إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣].
إذا كنت في البحر وذهب منك الحول والقوة حينها تلجأ إلى الله، وبمجرد أن تمشي على رجليك، تتصور أنك ملكت أمرك حينها!! هذا يذكرني برجل ركب معي من القاهرة مرة، ويبدو أنه أول مرة يركب طائرة، والطائرة كانت تطير بسرعة كبيرة حوالي ألف كيلو في الساعة، نظرت للرجل ورأيت وجهه قد اصفر، أول ما بدأت الطائرة تطير وقال: انتيت، لا حول إلا بالله.
يعني: لم يعد في أيدينا شيء، الطائرة صارت مرتفعة، فبعد أن استقر حاله وأحضروا له عصير الليمون، تعرفت عليه، وقلت له: سمعتك تقول كذا وكذا، لا حول ولا قوة إلا بالله، وهل وأنت تمشي على الأرض بقدميك لك حول بغير حول الله؟ إن كثيراً من العباد يحسب المسألة خطأ، عندما يمشي على الأرض ينسى قدرة الله.
يعني: أنه بإمكانه فعل كل شيء، يستطيع أن يعود إلى بيته لوحده، ويستطيع أن يمشي، لكن وهو في الجو، فلا يستطيع أن يفعل شيئاً!! وكذلك لو كان في لجة البحر لا يستطيع أن يفعل شيئاً، في الجور والبحر يلجأ إلى الله.
إن الله ليكره ذلك، والله لا تليق بعظمته هذه المعاملة، وهو الغفور الودود، وتأمل هذين الاسمين المتعاقبين: (الغفور الودود) يعني: يغفر الذنب ويتودد إليك.
مثلاً -ولله المثل الأعلى- إذا أسأت إلى أبيك، أو إلى أخيك، أو إلى أمك، أو إلى أختك، أو إلى خالك، أو عمك، أو صديقك، كان عليك أن تصطلح معه، وتذهب لتقول له: هل تريد مني خدمة؟ أنا جئت اليوم أقدّرك وأعتذر عما بدر مني، حتى تزيل هذا الغبش الذي كان.
إذاً: المسيء هو الذي يتودد، لكن لاحظ الشيء العجيب، الله هو الغفور، يغفر للمسيء، وهو الودود الذي يتودد إلى عبده المسيء، فسبحان من رب عظيم! فلماذا أشركت معه غيره؟ أشركت مالك أو أولادك أو امرأتك أو سلطانك أو أشركت معه غيره وهو يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) هذا من عزته ﵎، فالعزيز لا يقبل هذا.
تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة دائر الشركاء فيه إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه ولا ترد الأسود حياض ماء إذا كان الكلاب يلغن فيه لا يمكن للأسد أن يشرب من حوض شرب منه كلب؛ ترفعاً وعزة.
وها نحن في صفاتنا نأبى أن نشارك أصحاب الخسة فيما يطلبونه، فلله المثل الأعلى، فكيف بهذا الإنسان يشرك به ويتركه!!؟ لا، هو العزيز، ولذلك عندما تشرك معه غيره، يقول لك: اذهب إلى من أشركت؛ لأن حقيقة الشرك فيه دلالة على النقص.
هل يوجد أحد في الدنيا يتمنى أن أحداً يشاركه في ماله أو في تجارته، عندما تذهب إلى أي شارع تجد شركة فلان الفلاني، فلان وأولاده، فلان وشركاه، هذه الشركات عُملت لماذا؟ أنا لو معي رأس مال أكنت أتمنى أن يشاركني أحد في الربح؟ الحال أن بعض الناس حين يشتركون مع بعض تجد كل شريك يطمع في شريكه.
ويقول له: أنا أريد ربحاً أكثر منك، ويمكن أن يظلمه، فلو كان هذا الرجل معه مالاً ما أشرك معه أحداً.
إذاً: الشركة دلالة على النقص، لماذا دخل في شراكة؟ لأن رأس ماله ضعيف، أو لأن خبرته قليلة، أو لأنه ضعيف يحتاج إلى ظهر يحميه، لذلك يُدخِل شخصاً ذا سلطان ليحميه، وهناك أناس لهم مناصب كبيرة أحيلوا إلى التقاعد، فتجد أصحاب الأموال يذهبون إليهم يدخلونهم في هذه الأموال ويشاركونهم، من أجل أن يخلصوهم من الجمارك؛ لأن هذا المتقاعد يعرف المسئول الفلاني والمسئول العلاني وما إلى ذلك، مع أن هذا المتقاعد تراه يجلس لا عمل له، يجلس على مكتب، ويوصِّلونه بسيارة، والسائق يذهب به ويعود، هذا كله لماذا؟ لأجل أنه يعرف المسئولين الكبار، فالرجل هذا يسهل لهم العقبات ويمرِّر لهم المخالفات.
إذاً: الإشراك نقص فقل لي إذاً لماذا تشرك مع الله؟ هل الله فقير؟ لا.
فرزق الله لا ينفد، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]، ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٠].
إذاً: يجب أن نعلم أن الله أغنى الشركاء عن الشرك، وأنه الغني ونحن الفقرءا، نحن محتاجون إليه، وهو غني عنا، ومع ذلك تراه يغفر ذنوبنا ويتودد إلينا، فما علينا إلا أن نوحده وأن نعظمه حق التعظيم، وأن نقدره حق التقدير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1194
الغيرة للمحبوب
إن للمحبة علامات وأمارات كثيرة، وإن من أوضحها وأشدها دلالة: الغيرة للمحبوب.
وإذا تأملنا في واقع الأمة اليوم على اختلاف طوائفها ومذاهبها وما تدعيه وتتشدق به من حب النبي ﷺ وجدنا البون شاسعاً والفرق واضحاً جلياً بيننا وبين سلف الأمة من الصحابة والتابعين.
فها هم اليهود اليوم يسبون نبينا ﵊ جهاراً، ويصورونه على صورة خنزير ولم يحرك أحد من المسلمين ساكناً، بينما كان سلف الأمة يبذلون المهج والأرواح في الذب عنه ﷺ والدفاع عن عرضه، وما ذاك إلا لأنهم صدقوا في حبهم، فأطاعوه وغاروا عليه، وقدموه على المال والنفس والأهل والولد، فأين نحن منهم؟ ما حقيقة محبتنا له ﷺ ؟
стр. 1195
الغيرة للمحبوب من علامات المحبة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة الكرام! إن وقود الانتماء هو الحب، وللمحبة علامات تقطع بها وجه كل دعي للمحبة وهو عار عنها، ونحن اليوم مع علامات للمحبة، وإنما آثرت ضرب المثل بأقوال المحبين في الدنيا لأقيم الحجة على الخلق بأمرٍ غير منكورٍ عندهم يسلمون به.
إن المحب لا إرادة له مع حبيبه، ولو صارت له إرادة مع حبيبه فإن هذا قدحٌ في دعوى محبته، وكل الناس لا ينكرون هذا المعنى، فإذا عدّلناه إلى أجلّ محبوبٍ وهو الله رأيت دعوى عريضة، ورأيت الكاذبين يتلو بعضهم بعضاً في أمر لا ينكرونه بينهم.
إن من علامات المحبة: الغيرة للمحبوب.
وعليه فلا أتصور حباً بلا غيرة، فإذا رحلت الغيرة رحل الحب تبعاً لها، والغيرة هي أنفةٌ أن يشاركني في محبوبي أحد، وهي نارٌ وتوهج يخرج من القلب حال ذكر المحبوب، وهي أنانية التفرد بالمحبوب، هذا هو أصل الغيرة: أن تغار له وعليه.
وكما ورد في الحديث الصحيح: أن هلال بن أمية الواقفي جاء إلى النبي ﷺ يوماً وقال: يا رسول الله! وجدتُ رجلاً مع امرأتي -ولم يكن نزل حد الملاعنة بين الرجل وامرأته، وكان الرجل إذا رمى امرأته أو غيرها بالزنا فرض عليه أن يأتي بأربعة شهداء وإلا جُلد- فجاء هلال بن أمية الواقفي، وقال: (يا رسول الله! وجدت رجلاً مع امرأتي فقال: يا هلال! أربعة شهداء أو حدٌ في ظهرك، فحينئذٍ انتفض سعد بن عبادة -سيد الخزرج- وقال: يا رسول الله! أدع لكعاً يتحسها وأبحث عن أربعة شهداء؟! والله ليس له إلا السيف غير مصفح! فقال النبي ﷺ للخزرج: انظروا ما يقول سيدكم -يستنكر عليه؛ لأنه يعارض آية في كتاب الله فقالوا: يا رسول الله! اعذره، فوالله ما تزوج امرأةً قط إلا بكراً، وما طلق امرأةً فجرأ أحدنا أن يتزوجها بعده، فقال النبي ﷺ : أتعجبون من غيرة سعد؟! والله إني لأغير من سعد، والله أغير مني؛ لذلك حرم الفواحش).
следующие страницы →