← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الوضوء لقراءة القرآن السؤال ما حكم الوضوء لقراءة القرآن؟ الجواب أكثر العلماء على استحبابه، إلا إذا كان الإنسان يحفظ أو يدرس أو نحو ذلك، فمن العلماء من رخص بالترك للمشقة، والشوكاني وغيره من العلماء قالوا بإباحة قراءة المصحف على غير وضوء، معتمدين على أن الضمير في قوله ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] يعود على أقرب متعلق وهو الكتاب المكنون، وليس على القرآن الكريم، أي: لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون، فيقول الشوكاني: ليس هناك دليل أصلاً على منع قراءة المصحف بدون وضوء، وحديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) قال: إن لفظ (طاهر) لفظ مشترك، وحقيقة اللفظ المشترك أنه لا يصل إلى معنى من معانيه إلا بدليل مستقل، فيطلق على المسلم، ويطلق على الماء الطاهر، ويطلق على الماء المطهر إلخ، ثم قال: إنَّ جعْل المقصود به هنا الطهارة من الحدث لابد له من دليل آخر حتى يعين هذا المعنى الذي أراده، وله كلام معروف. مداخلة: فلو أن شخصاً تبنى قول الجمهور؟ الشيخ: إذا تبنيت قول الشاطبي ﵀ في الموافقات: عليك بسنن الجمهور في الخلاف، إلا أن يكون لديك بحث خاص وأقمت الحجج على أن هذا هو الصواب، وأنت خالفت الجمهور فلك ذلك إن كنت أهلاً له هذا من حيث الإجمال. مداخلة: إذاً: فنبقى على قول الجمهور حتى يبحث أحدنا بدقة في المسألة؟ الشيخ: كما قلت، وكما تكلمنا الآن وقلنا: عليك بسنن الجمهور.

стр. 1367

الصلاة جماعة خارج المسجد السؤال ما حكم الجماعة في غير المسجد؟ الجواب جماعة؛ لأنه لا يشترط أن تكون الجماعة في المسجد. ولا يأثمون؛ لأن المقصود إقامة الجماعة، في أي مكان، وليس المسجد شرطاً لإقامة الجماعة، بمعنى: لا تقام الجماعة إلا في المسجد لا، المقصود إقامة الجماعة في أي مكان.

стр. 1368

معنى حديث: (من سن في الإسلام سنة حسنة) السؤال ما معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة ومن سن سنة سيئة)؟ الجواب ( من سن سنة سيئة) مثلاً: في بلد من البلدان أراد رجل أن يسن سنة الجاهلية الأولى بالنسبة للسارق، فقال: الشريف إذا سرق سنتركه، والوضيع إذا سرق سنقطع يده، وأعاد هذه المسألة كرة أخرى في هذا البلد، ومات ومضى الناس على هذا الذي سنه. والمقصود بالسن في قوله: (من سن سنة سيئة) (السنة) بالمعنى الاصطلاحي: ما ينسب إلى النبي ﵊ لا ما ينسب إلى الناس، ولذلك قال (من سن في الإسلام). إذاً: كل رجل يأتي فيقطع يد الوضيع ويترك الشريف عليه إثم كل رجل يفعل ذلك من بعده، وكذلك لو جاء رجل -مثلاً- فوجد الناس يحلقون لحاهم، والنساء يمشين سافرات، فجاء فأحيا فيهم سنة اللحية، وأحيا فيهم سنة النقاب، فهذا ينسب النقاب إليه وينسب اللحية إليه، وإن لم يكن جاء بذلك من عنده؛ لأنه هو الذي أحياها فنسبت إليه، كما قال ﵊: (ما من نفس تقتل إلا وكان على ابن آدم الأول كفل منها) لأنه أول من سن القتل.

стр. 1369

حكم الكلام أثناء قضاء الحاجة السؤال ما حكم الكلام أثناء قضاء الحاجة؟! الجواب يجوز الكلام أثناء قضاء الحاجة، وعادة الإنسان أنه لا يتكلم إلا إذا كان محتاجاً، ولا يوجد شخص بكامل قواه العقلية يدخل الخلاء ولا يحلو له الكلام إلا وهو يقضي الحاجة. مداخلة: ألا يدخل في ذلك النهي عن الكلام على الغائط؟! الشيخ: ربما؛ لأن كلمة (على الغائط) إما أن تكون في وقت قضاء الحاجة، وإما إذا انتهى المرء من قضاء الحاجة ووقف، فهذا أحد المعنيين، لكن يحمل على ذلك بقرائن أخرى لا شك. وهنا مسألة: التسمية للوضوء داخل الخلاء إذا سمى الله ﵎ في قلبه فقد تم المراد، يعني: ليس ضرورياً أن يجهر بها، ويرفع صوته.

стр. 1370

حكم صيام يوم السبت السؤال هل صحيح أنه لا يجوز صيام يوم السبت إلا أن يكون فرضاً؟! الجواب هذا صحيح؛ لأن الحديث صحيح، والذي يتبنى صحة الحديث لا يسعه إلا أن يقول بما قال الشيخ في مسألة صيام السبت، والذين يرون عدم النهي عن صيام السبت يضعفون الحديث أصلاً، لكن لو قلنا للذين لا يقولون بتحريم صيام السبت إلا في الفرض: هبوا أن الحديث صحيح من باب الجدل؛ لا يدعه إلا أن يفتي بالفتوى: أنه لا يجوز صيام السبت، لكنهم أصلاً يقولون بجواز صيام السبت؛ لأن الحديث ضعيف لديهم. مداخلة: هل هذا على سبيل إفراد السبت؟! الشيخ: لا يوجد لفظ: (إفراد) في الحديث، بل الحديث يقول: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم). مداخلة: وهل هذا مثل إفراد الجمعة؟ الشيخ: لا، الجمعة فيها نص (نهى عن إفراد الجمعة). مداخلة: ألا يعارض حديث النهي عن صيام السبت حديث آخر؟! الجواب: لا تعارض؛ لأن حديث النهي مقدم عند التعارض، إذ لو كان عندنا حديثان: حديث يمنع وحديث يبيح، ولم نستطع الجمع يقدم دليل المنع؛ لأن الأصل في العبادات المنع، ومتى كان الجمع ممكناً فذاك، ولو كان الحديث هكذا: (لا تصوموا يوم السبت) كان ممكناً أن نقول: لا تصوموا يوم السبت إلا أن يكون يوماً قبله، أو يوماً بعده، لكن لا يوجد أي وجه للجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الأخرى التي تبيح صيام السبت؛ لأنه قال ﵊: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) فصارت المسألة واضحة جداً؛ لأن لفظ الحديث يساوي: (لا تصوموا يوم العيد). فصارت المسألة واضحة جداً, لأن: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) مثله أيضاً: (لا تصوموا يوم العيد) , والعيد لا يصام عند المسلمين. مداخلة: هل يمكن الجمع بين الحديثين؟ الشيخ: لا تستطيع أن تجمع أصلاً, يعني: كيف تجمع بين قوله: (لا تصوموا يوم العيد) وبين استحباب صيام الإثنين أو الخميس, إذا جاء العيد يوم الإثنين أو يوم الخميس هل يشرع للإنسان أن يصوم يوم العيد؟ لا يشرع له أن يصوم. إذاً فقوله: (إلا فيما افترض عليكم) قيد صوم السبت بالفريضة, فالترجيح إذا تعارض الحديث المانع مع الحديث المبيح الآذن فإن المنع يقدم, لأن الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بالإباحة. مداخلة: هل يصوم الحاج يوم عرفة إذا كان يوم إثنين أو خميس؟ الشيخ: يترك صيام عرفة, لأن يوم عرفة ليس فرضاً بل هو مستحب, ولذلك لا يصوم الحاج يوم عرفة. مداخلة: هل ورد أن النبي ﷺ كان يجمع بين صوم السبت والأحد؟ الشيخ: هذا صحيح, ولكن كل هذا حكمه حكم الصورة الأولى, كان أكثر صيامه ﵊ السبت والأحد, ومن الممكن أن نقول: إن هذا كان في الأول, ثم قال ﵊: (لا تصوموا يوم السبت). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1371

لماذا لا نحب الله ؟! إن العبد قد يحب مخلوقاً فيتعلق به، ويصير ذكره على لسانه، فإذا به يدمن ذكر المخلوق وينسى الخالق الكبير! ألا وهو الله ، ولذلك أمرنا الله بذكره والتعلق به في أحلك الظروف عند اشتداد الكروب وتتابع المحن، وأمرنا كذلك بذكره عند طول الغربة، فالإنسان عندما يفارق الأهل والأوطان ويغيب عنهم طويلاً يستوحش فيصير ذكرهم على لسانه، وبالمقابل فهو لا يشعر بالوحشة إذا غفل عن ذكر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 1372

توطيد دعائم الدين في بناء المساجد والحب في الله إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. لقد أخبر العارفون بالإسلام من الكلام عن أدواء المسلمين، والبحث عن العلاج لها. وفي ظني أن أمراض المسلمين لا تخرج عن شيئين، ومن تدبر صنيع النبي ﵌ عندما دخل المدينة لاح له هذا الأمر، فمِن الثابت أن النبي ﷺ لما دخل المدينة فعل شيئين: الشيء الأول: أنه بنى المسجد. الشيء الثاني: أنه آخى بين المهاجرين والأنصار. لا تستقيم الدنيا -فضلاً عن الآخرة- للناس إلا بهما؛ بنى المسجد لتوطيد العلاقة بين الناس وربهم، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار لتوطيد العلاقة بينهم. فالعلاقة تكون بين العبد وربه أولاً. ثم بين العبد وأخيه. جاء في صحيحي البخاري ومسلم: من حديث أنس (أن النبي ﷺ أتى بني عمرو بن عوف، فمكث فيهم أربع عشرة ليلة، ثم نادى بالأنصار، فجاء بنو النجار مدججين بالسلاح، فأتى حتى وصل إلى فناء دار أبي أيوب الأنصاري -وكان ﵊ يصلي حيث أدركته الصلاة- فنظر فرأى حائطاً لبعض بني النجار، فقال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا -أي: أعطوني هذا الحائط بالثمن لنبني المسجد عليه-، فقالوا: والله لا نأخذ عنه ثمناً ولا نطلبه إلا إلى الله ، وكان في هذا الحائط نخل، فأُمِر به فقُطِع، وكان فيه خرب فسويت، وقبور للمشركين فنبشت، فجعل النبي ﷺ قَبْل أصحابه يحمل اللَّبِن، وهو يبني المسجد ويرتجز: اللهم لا عيش إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة وكان الصحابة ﵃ يحملون اللَّبِن، حتى إن عمار بن ياسر إذ ذاك مريضاً، وكان ناقهاً: -أي: في فترة النقاهة بعد مرضه- فكان يحمل لَبِنَتين لَبِنَتين، والناس يحملون لَبِنةً لَبِنة، فكان النبي ﷺ ينفض التراب عن ظهره، ويقول: يا ويح ابن سمية! تقتله الفئة الباغية). وكان هذا من أعلام نبوته ﵌. فتمتين العلاقة بالله هي الأصل. وتمتين العلاقة بين الناس بعضهِم ببعض فرعٌ على هذا الأصل. فإذا اتقى المرء ربه، لم يظلم أخاه. إذاً: الأصل هو تمتين علاقتك بالله، وهذا هو الذي ندندن عليه، لو استقام العود لاعتدل الظل، وكيف يعتدل ظل والعود أعوج؟! وجرب أن تعبد ربك بالحب، فلو عبدته بالحب لرأيت فرقاً عظيماً جداً بين أدائك للعبادة به، وبين أدائك للعبادة بدونه.

стр. 1373

كثرة نعم الله علينا وضعف محبتنا له لماذا لا نحب الله؟! هذا سؤالٌ مر! لكنه واقع ما له من دافع! لماذا لا نحب الله وقد تحبب إلينا بسائر نعمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]؟! وإنما قال: نعمة على الإفراد ولم يقل: نِعَم؛ لأنه إذا جاز لي أن أعجز عن عد نعمةٍ واحدة، فلأن أعجز عن عد نعمه من باب أولى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم:٣٤]. وربنا يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] أي: لا يكون جزاء الإحسان إلا من جنسه، لا يرد الصنيعة إلا لئيم، وكثير من العباد لئام، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أقل الناس هو الذي يشكر، والاعتراف بالنعمة أول بوابة الحب. ولذلك لما شمخ إبليس لعنه الله بأنفه، وحاج ربه ﵎، وأقسم أنه سيقف على الطريق لعباده يصدهم عن الله قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] أكثرُ شيء مُرُّ: أن تُسْدِي الصنيعةَ ثم تتهم بأنك أسأت، البريء المظلوم: هو أشد الناس تجرعاً للمرارة. فلو نظرت إلى موقف السيدة عائشة ﵂ في حادثة الإفك، لعلمت مدى المرارة التي تجرعتها العفيفة، الغافلة المؤمنة، لما اتهمت في عرضها بالزنا. ومع ذلك فيا لَحِلْمَ الله! ما أحلمه على عباده! كما قال ﵊: (ما أحدٌ أصبر على أذى يسمعه من الله! إنهم ليدَّعون أن له ولداً، وأنه لا يحيي الموتى ومع ذلك يرزقهم ويعافيهم، ولو أن العبد ملأ طباق الأرض ذنوباً ثم تاب مسح ذنبه واجتباه، وجعله من أوليائه، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى). فأكثر شيء وأثقل على النفس: رد الجميل، ولذلك قال إبليس: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]. فلماذا لا نحب الله ، وهو الذي يتحبب بالنعم؟! من أهم العلامات في محبة الله ﵎ أنك تؤثر عليه ولا يضرك لوم اللائمين، بل تستعذب الأمر كلما ضيقوا عليك، هذه هي الثمرة العظيمة من المحبة في حال إقبالك عليه ﵎، إقبال قلبك فإن الإقبال لا يكون إلا بالقلب، ثم تنفعل الجوارح بالقلب، ففي حال إقبالك على الله ﵎ تشعر بذاك السمو، كما حدث بذلك الأنصاري، كما رواه الإمام أحمد ﵀ في مسنده بسندٍ قوي: عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في غزوة من الغزوات، فدخل الصحابةُ دار رجلٍ من المشركين، فأصابوا امرأته -أي: أسروها- فلما جاء المشرك وعلم بالأمر أقسم أن يريق في أصحاب النبي ﷺ دماً، ثم قفل النبي ﷺ راجعاً، وهم في بعض الطريق عرسوا -أي: ضربوا بخيامهم وباتوا- فقال النبي ﵊: مَن رجلان يكلآنا في نومنا؟ فقام رجلان أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار، فقالا: إنا نكلؤك يا رسول الله! فنام النبي ﷺ والصحابة وانتصب هذان، فقال الأنصاري للمهاجري: تكفيني أول الليل أم آخره؟ قال: بل أكفيك آخره، فنام المهاجري ووقف الأنصاري وصف قدميه لله ودخل في الصلاة، فجاء الرجل المشرك يبحث عن المسلمين -لأنه أقسم أن يريق في أصحاب النبي ﷺ دماً- فرأى هذا واقفاً، فعَلِم أنه طليعة المسلمين، وأنه هو الذي يحرسهم، فجاء بسهم وضربه، فلم يتحرك، فذهب المشرك وانتزع السهم منه، ثم عاود فضربه وهو لا يتحرك، فعاود المشرك فانتزع السهم منه، ثم جاء الثالثة فضربه، والمسلم لا يتحرك -الأنصاري- ثم ركع، ففر المشرك، وإذا بالأنصاري يموت دماً، فأيقظ المهاجري فلما رآه كذلك فزع، وقال: ما هذا؟ فأخبره بالأمر، فقال له: رحمك الله فهلا أيقظتني؟ قال: والله لولا أنني على ثغرٍ من ثغور المسلمين ما قطعت صلاتي حتى أتم قرآتي ولو تقطعت نفسي). فأين إحساس هذا الإنسان؟! ثلاث مرات يُضْرَب بالسهم ويُنْزَع السهم منه، ومع ذلك لا يتحرك، هذا هو الإقبال على الله ﵎. إن آباءنا ما ربونا على محبة الله ، ولا على تعظيم حرمات الله ؛ لأنهم عاشوا في أيام الاشتراكية ومسخ الهوية الإسلامية، وشربوا كل الهزائم، فورثوا هذا الضعف، آباؤنا يطلبون منا تحصين حياتنا، ويطلبون منا أن نكون في حالنا، ويطلبون منا أن نأكل عيشاً كالأنعام، هذه مطالب الآباء حتى الساعة.

стр. 1374

من مقتضيات الشهادتين

стр. 1375

من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله استشعار عظمة الله من مقتضيات (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) أنه إذا وصلك الأمر من الله أن تعتقد أنك ترى هذا الأمر، وإذا وصلك الأمر عن النبي ﷺ أن تعتقد أنه هو الذي يأمرك، وهذا معنى قولك: أشهد، أي: أرى بعيني: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد:٩] الغيب ضد الشهادة، فعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: كأنك تقول: أنا أشاهد الله، فإذا علمت أنك بنظر الله لم يقف قلبك على مشهد العصيان أبداً، ولا تستطيع. وجاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ ، فقال: (أوصني، قال: أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجلٍ من صالحي قومك) فهل يستطيع رجلٌ مهما كان فاجراً جريئاً أن يأتي على أصلح الناس في قومه فيفجر أمامه؟! لا أظنه يجرؤ على ذلك، يقول: (أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجلٍ من صالحي قومك). فإذا قلت: (أشهد أن لا إله إلا الله) كأنك تراه، وإذا قلت: (أشهد أن محمداً رسول الله) كأنك تراه وهو يأمرك. وللأسف الشديد أن المشركين الأوائل كانوا يفقهون هذه الكلمة أكثر من بعض المنتسبين إلى العلم الآن من المسلمين، كان أبو جهل أفقه لمعنى (لا إله إلا الله) من هذا الذي ينسب إلى العلم ويقول: إن الطواف بالقبور ليس شركاً! لماذا قامت الحروب؟! ولماذا صَبَر العرب على حشد الغلاصم، وقطع الحلاقم، ونفذ الأراقم، ومتون الصوارم؟ لا إله إلا الله! يا أخي! قل: لا إله إلا الله وانته. لماذا تقوم الحروب؟! لماذا تسبى النساء؟! لماذا نضحي بالأموال الكثيرة؟! كان يمكنهم أن يقولوها وينتهوا؛ لكنهم أبوا أن يقولوها، ورضوا أن يدخلوا في حروب متوالية ولا يقولوها، لأنهم كانوا يفهمون أن معنى لا إله إلا الله أن الحكم لله، وليس لأحدهم بعد ذلك أن يأخذ أو يتسلط بالبغي والعدوان.

стр. 1376

من لوازم شهادة أن محمداً رسول الله استشعاره بأنه الآمر ومن لوازم (أشهد أن محمداً رسول الله) أن تتخيل النبي ﵊ في كل أمرٍ يصلك على لسان رجلٍ ثقةٍ عالم إذا قال لك: قال النبي ﷺ كذا تعتقد أنه هو الذي يأمرك، ورأيت مرة في مسجد خاتم ذهب في يد رجل، فقلت وأنا أتكلم: مثلاً: الرسول ﵊ خرج إلى الصحابة يوماً وهو آخذ الحرير في يدٍ والذهب في يدٍ، وقال: (هذان حرامٌ على ذكور أمتي، حل لإناثها) فإن كنت ذكراً فاخلع الذهب؛ لأن النبي ﵊ يقول: (حرام على ذكور أمتي). يا أخي! تخيل أنك صحابي، وأنك جالس الآن وأمامك النبي ﷺ ، فرأى ذلك الذهب، فقال لك: اخلع الذهب؛ لأن هذا لا يحل لك، ما هو الرد؟ فسكتَ. فقلت: لا. أنا أريد أن أسمع الرد منكم جميعاً، الرسول ﵊ واقف الآن ومعنا في هذا المسجد، ورأى بعض المسلمين يلبس الذهب، فقال: اخلع عنك الذهب، فقالوا جميعاً: نسمع كلام النبي ﵊ ونخلع الذهب، وأنا أنتظر أن يخلع الرجل الذهب، فلم يخلع! هذا هو الفرق بين هذه الأجيال المتعاقبة وجيل الصحابة.

стр. 1377

كيف مكن للصحابة ولم يمكن لنا ؟ الآن في باكستان عندما قالوا: إنهم أجروا ست تجارب نووية، خرج الناس يضربون بالرصاص في الشوارع فرحين، لا يصدقون أنفسهم، وبعض المسلمين انتشوا وشعروا بشيء من العز، رغم أن هذا لا قيمة له في الحقيقة، كل هذا ذر للرماد في العيون. أمة ضعيفة مستضعفة، تعيش على هامش الدنيا. قال لي أحد الإخوة: إن أهم خطر يواجهنا الآن هم اليهود، يجب أن نعلم أولادنا ورجالنا ونساءنا طبيعة اليهود. فقلت لمحدثي: وما الفائدة؟! عرفناهم أنهم جبناء، كما قال الله ، وأنهم لا يحبون بعضهم، بأسهم بينهم شديد؛ لكن بعد كل هذا أنت تعرِّف مَنْ؟ تعرِّف رجالاً لم يحققوا عبودية الله في أنفسهم وأولادهم؟! ما هي الفائدة؟! إن حقيقة دائنا أننا لسنا عبيداً لله كما أمر الله، في بيوتنا كثيرٌ من المخالفات ليس للدولة فيها دخل، لماذا لا تزيل هذا التلفاز من بيتك؟! لماذا لا تحجب امرأتك؟! لماذا لا تحجب ابنتك؟! لماذا تصلي في البيت أنت وأولادك والأذان على رأسك؟! مخالفات كثيرة يجب على ولي الأمر ورب البيت أن يزيلها ومع ذلك لا يزيلها! هذا الذي ما نزع خاتم الذهب من يده رغم سماعه للكلام، في مقابله صحابي آخر روى قصته الإمام مسلم في صحيحه، أنه كان يلبس خاتم الذهب، فرآه النبي ﷺ فنزع منه الخاتم، وقال: (أيعمد أحدكم على جمرةٍ من نارٍ فيضعها في يده، فلما هم الصحابي أن يقوم من مجلسه وقد ترك الخاتم على الأرض، قال له بعضُ الصحابة: خُذ خاتمك فانتفع به، فقال: ما كنت لآخذه وقد طرحه رسول الله ﷺ حتى لا ينتفع به، ولا يأخذه عنده، هذا هو الفرق. فالعبادة تكون بالحب، وهذا الحب ثمرته الإقبال على الله، فرق كبيرٌ بين هذا وبين الذي يعبد الله كالموظف الذي يذهب إلى الديوان ليوقع. فالذي يحب الله ﵎ يستعذب اللوم فيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]. ويرحم الله أحد الشعراء المجيدين لما قال: وقف الهوى فيَّ حيث أنت فليس لي متأخرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمُ وأهنتني فأهنتُ نفسي جاهداً ما مَن يهون عليك ممن يكرم أشبهت أعدائي فصرت أحبهم إن كان حظي منك حظي منهم أجد الملامة في هواك لذيذةً حباً لذكرك فليلمني اللوَّمُ وقال الآخر: يخط الشوقُ شخصك في ضميري على بعد التزاور خط زور ويوهن لي طول الفكر حتى كأنك عند تفكيري سميري فلا تبعد فإنك نور عيني إذا ما غبت لم تظفر بنوري إذا ما كنت مسروراً لهجري فإني مِن سرورك في سرور ويرحم الله أبا الطيب المتنبي حيث يقول أيضاً في هذا المعنى: يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا فما لجرحٍ إذا أرضاكم ألم طالما أن هذا يرضيك رب فزده؛ لأن المسارعة إلى مرضاة الله ﵎ من ثمرتها الصبر، كما قال الله لموسى ﵇: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٣ - ٨٤] كلما عجلتَ إلى الله رضي عنك.

стр. 1378

من علامات حب الله الإكثار من ذكره أيها الإخوة الكرام: هل يعجل ويمد الخطا إلى الله غافلٌ عن ذكره؟! إننا نرى في سير المحبين: أن الرجل إذا تعلق قلبه بحب آخر أكْثَرَ من ذكره، وقد أمرنا الله ﵎ أن نكثر من ذكره وهذا علامةُ الحب. وسن لنا النبي ﷺ الأذكار الموظفة في الصباح والمساء وما بينهما إقامةً لذكر الله، وإعلاناً لحبه، فأول مذكورٍ إذا فتحت عينيك هو الله، وآخر مذكورٍ إذا أغمضت جفنك هو الله، هكذا فليكن الحب! إذا فتح المرء عينيه أول شيءٍ يقرع لسانه هو ذكر الله ، شرع لنا الأذكار، إذا استيقظ المرء يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله -أول كلمة ينطق بها- والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أول ما تستيقظ ترفع راية العبودية أن المُلْك لله، وأنك عبد ليس لك ملك، كله عاريةٌ مستردة، فلماذا يستطيل على الخلق؟! وأعجب ما يكون أن يقطع رجلٌ رحم أخيه للمال! الذي يقطع رحم أخيه للمال فبِعه بيعاً رخيصاً بثمن بخس، ليس لأحدٍ ملكٌ على الحقيقة، إنما هو ملك اعتباري وله آثار مترتبةٌ في الدنيا، إذا سرقه أحد قُطعت يده؛ لكن إذا نظرنا بصورة أوسع وجدنا أنه ملك اعتباري بالنسبة لملك الله . فالإنسان إذا أصبح يقول: أصبحنا وأصبح الملك لله، فهذا دليل على الافتقار، وأنه ليس بيده شيء، وأنه محتاج للذي بيده الملك، فأول شيء يعلنه: (الملك لله) مع فقرك إليه: (أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله). إذا أصبح عليك الصباح، وفتحت عينك، وحركت لسانك، وذكرت ربك أنك أفضل من الذي حصل الدنيا جميعها، فكونك تذكر الله ، هذا شكرٌ يحتاج إلى حب، فإذا عجزت أن تؤدي شكر الحب فمتى تؤدي الشكر؟! (والحمد لله، ولا إله إلا الله). وهذا أيضاً إعلامٌ منه أنه عبدٌ، وأن له إلهاً يعبده. ثم في قوله: (الحمد لله) إشارةٌ دقيقة بعد ذكر الملك في (أصبحنا وأصبح الملك لله) والحمد لله أي: أن الملك له لا لغيره، لو كان الملك لغيره لشقينا ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠] بل يد الله ملأى، لا يغيضها شيء سحاء الليل والنهار. قال ﷺ : (أرأيتم ما أنفق منذُ خلق السماوات والأرض) كم أنفق منذُ خلق السماوات والأرض؟! لو أرادت الدول كلها أن تعمل تكييفاً مركزياً للكون -حرارة في أيام الشتاء، وبرودة في أيام الصيف- فسيعجزون عن ذلك ولا يستطيعون، انظر إليه كم أنفق منذ خلق السماوات والأرض! لما قرأتُ هذا الحديث خطر ببالي أن أقدر النفقة التي أنفقها ساكنو الشارع الذي أسكن فيه -وهو شارع طوله: خمسون متراً فقط- فحسبت بالآلة الحاسبة واعتقدت أن مسكني مقياس في البناء والتشطيب والديكورات، وهو مسكن متواضع جداً جداً بالنسبة للناس الذي يشتري أحدهم الشقة بسبعين مليون جنيه. أحد أصدقائي له صديق سعودي عنده شقة من دورين في عمارة وهذا السعودي أراد أن يبيع هذه (الفيلا) الصغيرة، ووكل صديقي أن يبيعها، وأعلن إعلاناً في الصحف أن هناك (فيلا) للبيع، في ميدان لبنان، والمواصفات مع صاحب الإعلانات، يقول: كاد قلبي أن يقف عندما اتصل لي أحدهم وقال: بكم تبيع هذه (الفيلا)؟ قال: بمليون وسبعمائة ألف. قال له: أكيد تشطيبها سيء. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أنه ثمن بخس، مليون وسبعمائة ألف! فخطر ببالي أن أعمل حساباً للشارع الذي نسكن فيه ثلاثين عمارة، في كل عمارة خمسة أدوار، كل دور يكلف كذا، والتشطيب كذا. ثم خطر ببالي أن آخذ الشارع الذي بجانبي، والشارع الذي بجانبي، فإذا بي أجد خلال ثلاثة أو أربعة شوارع فقط أن النتيجة معي: ستين مليون جنيه، فوزع تلك النتيجة على المدينة كلها، ثم وزعها على الجمهورية كلها، ثم وزعها على العالم، وانظر هذا العالم كله الذي هو مبني على الأرض كم نتيجته؟ ثم تدبر قوله ﷺ فانظر كم أنفق منذُ خلق السماوات والأرض؟! لتعلم غناه، ومع ذلك وحتى تقوم الساعة يقول الله : (لو أن إنسكم وجنكم وأولكم وآخركم قاموا في صعيدٍ واحد فسأل كل واحدٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) إذا أخذتَ إبرة وأدخلتها في البحر المحيط، فانظر كم أخذَتْ هذه الإبرة من البحر، فهذا الذي ينقص مما عند الله ﵎، فالحمد لله أن الملك له، ﵎: (يدُه ملأى لا يغيضها شيء سحاء الليل ولا النهار). أولاً: تقول: الحمد لله بعد ذكر الملك، أي: الحمد لله أن الملك له. ثانياً: أن الله ﴿وَلَو يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس:١١]. وتدبر يا أخي الكريم إذا وقعت في مظلمة فإنك تتمنى تَلَفَ ظالمك وتتمنى له الشر، ومن غيض قلبك تتمنى لو أنه أمامك وأنه عُرِّض لأفتك الأمراض، وأنه ذليل وأنك تتشفى فيه. الله ليس كعباده، يملأ الإنسانُ الأرضَ ظلماً وبغياً وعدواناً ويستجيب الله له ويتوب عليه، ويجعله من أفضل أوليائه، وهذا هو الفرق بين صفات الله وصفات عباده، صفات الله كلها حسنى. فالحمد لله أن الملك له، هذا أول ذكرٍ تذكره أيها الأخ الكريم عندما تفتح عينك في الصباح، فكم عدد المسلمين الذين يفتتحون يومَهم بغير الذكر؟! إذا علمت أن عددهم أقل من القليل، علمت أن أكثر أهل الأرض أدعياء للمحبة، ولا يحب أحدٌ أحداً إلا أكثر من ذكره، كما ذكر سفيان الثوري على رابعة العدوية، فذكر شيئاً من الدنيا، فقالت: يا سفيان من أحب شيئاً أكثر من ذكره! فقال لها: صدقتِ. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 1379

جيل الصحابة هو الترجمة العملية للإسلام الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام: جيل الصحابة هو الترجمة العملية للإسلام في النصوص، قرآناً وسنةً. فإذا أرسل المرء طرفه في حياة هؤلاء يتعجب منهم، أنهم يؤدون العبادة بكل الحب، ومن أراد أن يقلدهم عجز وتعب، قال لي قائلٌ يوماً: كلما قرأتُ سير العلماء أو سير الصحابة، فأردت أن أجتهد كاجتهادهم عجزتُ، فما هو السبب؟ قلت له: السبب أن الأمر يمر بمراحل، فالأمر على ثلاثة أقسام: - أمر وجوب. - أمر استحباب. - أمر إباحة. والنهي على قمسين: - نهي تحريم. - نهي كراهية. فإذا أمرت بأمر فهو أحد هؤلاء الثلاثة، ولا أتصور أنك تفعل الأمر المستحب وأنت مقصر في الواجب؛ لذلك فإن من درب نفسه على الواجب سهُل عليه فعل المستحب؛ لأن باب المستحب واسع جداً، لا يأتي على فعل كل المستحبات إلا نبي. لكن الواجب يستطيع كل مكلفٍ أن يفعله، لماذا؟ لأنه مأمورٌ به على سبيل الحث والإلزام، ويؤاخذ إذا قصَّر فيه، وإذا علمنا أن من أصول الشريعة أن الله رفع الحرج عن الناس، فلا يُتَصَوَّر أن يأمرهم أمر إيجابٍ يعجزون عن فعله. إذاً: كل أمرٍ دل على الوجوب فبإمكان المكلف أن يفعله، فإذا عجز عن فعله عجزاً حقيقياً سقط الواجب عنه وصار معذوراً عند الله، كما قال ﵊: (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنْب). وقال ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه). إذاً: الواجب كله بإمكان العبد أن يفعله. أما المستحب: فلا يستطيع الإحاطة بالمستحب كله إلا نبي. ولذلك جُعل الاستحباب علامة الالتزام.

стр. 1380

من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب قال الله في الحديث الإلهي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددتُ في شيء أنا فاعله كترددي بقبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره إساءته). إذاً: هناك حبان: ١ - حبٌ يأتي بعد الفريضة. ٢ - حبٌ يأتي بعد المستحب. قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) هذا هو الحب الأول (ولا يزال) تأمل هذا الفعل الأول: فَعَل ما افترضه الله فأحبه الله، ثم لا يزال، أي: باستمرار (يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) وهي حرفٌ لانتهاء الغاية، تقول: أكلتُ حتى شبعت، مشيتُ حتى تعبت، فكلمة (حتى) حرف لانتهاء الغاية، ولم يذكر هذا اللفظ إلا في النوافل (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضته عليه) لكن هذا يدل على أن شوط المحبة لم ينته بعد، هو أحرز المحبة لكنه ما أنهى الشوط (ولا يزال يتقرب حتى) إذاً: لا يصل إلى آخر شوط المحبة حتى يتقرب إليه بالنوافل، فإذا وصل إلى آخر شوط المحبة، استحق الثمرة: (كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، إلى آخر الحديث. ونحن نقيس التزام الإنسان عادةً بالنوافل، فهل تتخيل أن رجلاً يصوم يوم الإثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر أو يوماً دون يوم فيأتي عليه رمضان فيفطر؟! أنا أعلم يقيناً أنه لا يفطر رمضان لما أراه يصوم الإثنين والخميس؛ لكن يمكنه أن يصوم رمضان ويقصر في النوافل، هل رأيتم رجلاً قام الليل وضيع الفريضة؟ لكن يمكن أن يصلي الفريضة ويضيع قيام الليل. إذاً: أي العلامتين أدل على التزام هذا الإنسان؟ متابعة النوافل لا الفرائض. فأنت يا من تسأل! لماذا تعجز إذا أردت أن تقلد الصحابة؟ لو نظرت في نفسك لوجدت أنك قصرت في كثير من الواجبات، فأنى لك إحراز المستحبات؟ لا تستطيع الصبر على المستحب إلا إذا أديت الواجب كما أُمِرت، وكان الصحابة كذلك، فعلوا الواجب؛ لأنهم كانوا يحبون الله.

стр. 1381

الصحابة يتسابقون على الموت يا أخي الكريم! أمرنا الله بشيء فيه لمسةٌ جميلة، رأيتها واضحةً جليةً في حياة الصحابة، أنهم كانوا يذكرون الله في أحلك الظروف. والإنسان إذا وقع في شر يفقد عقله، ولا يستحضر في هذا المجال إلا من يؤمِّن نصره، ومن يحب، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥]. وأنت مقبل على عدوك وخائف نتيجة الحرب، اذكر الله يثبت قلبك: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال:٤٥] وكان ذكرُ المحبوب في وقت الخوف من علامة الحب عند بني آدم انظر إلى عنترة بن شداد يقول: ولقد ذكرتكِ والرماح كأنها أشطان بئر في لَبان الأدهمِ فوددت تقبيل السيوف لأنها برقت كبارق ثغرك المتبسمِ هذا فائق جداً! الرجل في الحرب والكر والفر، وينظر إلى الرقاب وهي تطير. الحرب قائمة على قدم وساق، يقول: إن الرماح كأنها أشطان بئر، أنت عارف عندما يكون ثَمَّ بئر ويريد الإنسان أن يستسقي الماء من البئر فيرسل الدلو بحبل، فالرمح عندما يدخل في صدر الفرس مثل هذا الدلو عندما ينزل البئر. في لَبان الأدهم: أي في صدر الأدهم وهو الجواد الذي يركبه. فـ (وددت تقبيل السيوف): من كثرة حبه لـ عبلة، فإن السيوف ذكَّرته بها وهي تلمع فأحب أن يصل إلى السيوف ويقبلها، ويرى أن هذا من علامة الفخار، أن يذكر محبوبه في مثل هذا الوقت! والله أمرنا أن نذكره في وقت الخوف، فتن ظاهرة جداً، ومن قرأ غزوات المسلمين وجد هذا واضحاً جلياً، كانوا يتسابقون على الموت. أنس بن النضر قَلَّ مَن يعرفه إلا الدارسون، وهو عم أنس بن مالك: في ليلة أحد وجد أنه سيموت في أول من يموت، ثم لما اشتدت الحرب وصرخ الشيطان: مات محمد، وانقسم المسلمون وجلس بعضهم يبكي فمر أنس بن النضر على جماعةٍ من المسلمين قد ألقَوا أسلحتهم وجلسوا يبكون قال: ما يبكيكم؟ قالوا: مات النبي ﷺ ، قال: قوموا فموتوا على ما مات عليه، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وقاتل حتى قُتِل. وهذا عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله في صبيحة أحد قال لابنه جابر: يا بني! إني أراني سأقتل في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، فاستوص بأخواتك خيراً، وكان مِن أول مَن قُتِل. وعبد الله بن جحش كان يقول: اللهم لقني عدواً عظيماً حرثُه -سلطان- عظيماً كيده، فيبقر بطني، ويجدع أنفي، ويقطع أذني، فتسألني: فيم قتلت يا عبد الله؟ أقول: فيك يا رب. وهذا عمرو بن الجموح كان شديد العرج، وكان له ستة أولاد كلهم من الفرسان يقاتلون في سبيل الله، فأراد في غزوة أحد أن يخرج فيقاتل مع النبي ﷺ ؛ فقال أولاده: يا أبانا! إنك ممن عَذَر الله ؛ فبكى وقال: إني أريد أن أطأ بعرجتي هذه الجنة، وشكاهم إلى النبي ﵊، فقال: دعوه لعل الله أن يرزقه شهادة، وماذا يفعل أعرجٌ في حرب فيها كر وفر؟ فقُتل أيضاً مع الذين قتلوا، فقال النبي ﷺ : (رأيته يطأ بعرجته في الجنة وما بها من عوج). فعندما تنظر إلى هؤلاء الصحابة الذين كانوا يتسابقون على الموت: أفتظن هؤلاء ينافس بعضُهم بعضاً على حُطام الدنيا؟ أبداً! فقضية العبادة بالحب كانت موجودة جداً عند الصحابة؛ لأنهم حافظوا على الفرائض التي هي على سبيل الوجوب، فهان عليهم المستحب، كالصبر على المظالم مثلاً: قال رجلٌ للنبي ﷺ : (إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال ﵊: إن كنت كذلك فكأنما تسفهم المل -الذي هو الرماد الحار- ولا يزال معك عليهم من الله ظهير ما دمت على ذلك). فأي الناس يصبر على مثل هذا الذي قاله هذا الصحابي؟ قليل. فالمستحب دائرته واسعة جداً جداً، لا يحيط بها إلا نبي. فهذه هي الأوامر، فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يراعون مثل هذا، فكان عندهم ذوق عالٍ جداً. انظر ابن عمر ﵁ سُئِل عن أكل الغراب، فاستدل على تحريمه بحجةٍ عجيبة، قال: (مَن يأكل الغراب وقد سماهُ رسول الله ﷺ فاسقاً؟!) فمجرد أن يسميه فاسقاً لا يؤكل. انظر! يستدل بأن الرسول ﷺ سماه فاسقاً، لو كان في الغراب خير ما سماه فاسقاً؛ فيستدل بالتسمية على تحريمه، وهذه حجةٌ عجيبة تدلك على ما كان فيه الصحابة ﵃ من الفطنة العالية. وكذلك مثله ما رواه الطبراني في الأوسط بسندٍ فيه لين، أن عبد الله بن عمر وابنه سالم بن عبد الله، كانا عند الحجاج بن يوسف الثقفي؛ فقال الحجاج لـ سالم: خذ هذا الرجل وخذ معك سيفاً فاضرب عنقه على الباب. فأخذه سالم وأخذ السيف معه وانطلق به من الباب، فقال له سالم: أصليت الصبح؟ قال: نعم. فقال له سالم: خذ أي طريق شئت. ثم رجع والسيف في يده. فقال له الحجاج: أقتلت الرجل؟ قال له: لا. قال له: لِمَ؟ قال: لأن أبي هذا -وأشار إلى أبيه عبد الله بن عمر - حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (مَن صلى الصبح فهو في ذمة الله). شخص في ذمة الله كيف أقتله وأجور على حمى الملك، أأقتل مَن هو في ذمة الملك؟! فأطرق الحجاج وسكت. فقال عبد الله بن عمر لابنه: إنك مسالم، إنما سميتك سالماً لتسلم! فكان له من تسمية أبيه نصيب. هذه أشياء تعد في غاية البساطة بالنسبة لمواقفهم الكبيرة، وإنما تلقوا هذا عن النبي ﷺ بآذانٍ مفتوحة، وبقلوب مفعمة بالإيمان، وهذا سمت المحب، لا أن يسمع وهو متضايق كاره، فيذهب عليه نصف الكلام، أو ثلث الكلام أو ربع الكلام أو كل الكلام، إنما كانوا يذهبون إلى النبي ﷺ فيرمقونه، تكون أعينهم مثل (الكاميرا) المسجلة، ما يفعل هذا إلا محب. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1382

أبو سفيان وهرقل [١، ٢] ذكر البخاري ﵀ في صحيحه قصة أبي سفيان مع هرقل، والتي ألقى فيها هرقل على أبي سفيان عدداً من الأسئلة تتعلق بالنبي ﷺ ، وكانت أسئلة دقيقة ومختصرة، وبعد أن أكمل أسئلته بدأ يطابق إجابات أبي سفيان بما عنده من علم بصفات الأنبياء، فوجدها تنطق بنبوة محمد ورسالته.

стр. 1383

قصة أبي سفيان مع هرقل إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فدرسنا في هذا المساء حديث من صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى، واخترت هذا الحديث؛ لأن الإمام البخاري في تبويبه لمعاني الأحاديث عادةً ما يسلك كثيراً سبيل الإشارة؛ حتى يمرن ذهن القارئ ويعلمه استنباط الأحكام أو المعاني من الأحاديث. هذا الحديث حديث جليل، وهو آخر حديث في أول كتاب في صحيح البخاري، وقد قسم البخاري ﵀ صحيحه إلى كتب؛ كتاب بدء الوحي، كتاب الإيمان، كتاب العلم، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة إلى آخره. فأول كتاب بدأ به الإمام البخاري ﵀ صحيحه: كتاب بدء الوحي، فذكر في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، أول حديث هو حديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) الحديث وآخر حديث هو الذي سنشرحه في هذا المساء. قلت: إن هذا الحديث طويل، ويشتمل على كثير من المعاني، ولكننا لا نستطيع أن نأتي على كل المعاني التي يزخر بها هذا الحديث، لكن سنقف على أهم هذه المعاني وأوضحها. قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب وهو: ابن أبي حمزة، ومن الرواة عن الزهري، وأكثر من الرواية عنه، وهو إمام ثقة- عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره: (أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً في الشام في المدة التي كان رسول الله ﵌ مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء -مدينة- فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا ترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسباً، فقال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، قال -يعني أبو سفيان -: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، -قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة- قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقلت: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطة على دينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ ، الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:٦٤]. قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقناً أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام. وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقفاً على نصارى الشام، يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيث النفس، فقال بعض بطارقته: قد استنكرنا هيئتك. قال ابن الناطور: وكان هرقل حزاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر، فمن يختتن من هذه الأمة؟ قالوا: ليس يختتن إلا اليهود، فلا يهمنك شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك فيقتلوا من فيهم من اليهود. فبينما هم على أمرهم أُتي هرقل برجل أرسل به ملك غسان يخبر عن خبر رسول الله ﷺ ، فلما استخبره هرقل قال: اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية، وكان نظيره في العلم، وسار هرقل إلى حمص، فلم يرم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج رسول الله ﷺ ، وأنه نبي، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلقت. ثم اطلع فقال: يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الإيمان، قال: ردوهم علي، وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيت، فسجدوا له ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل).

стр. 1384

الاختلاف في إسلام هرقل هل هرقل مسلم أم كافر؟ نحن لا نعلم هل كل كلامه عن الرسول ﷺ كلام مصدق، وهو يقول: لو كنت عنده لغسلت عن قدمه، واستدعائه البطارقة والعلماء والأساقفة وقوله لهم: ألا تريدون أن يثبت الله ملككم فتؤمنوا بهذا النبي؟ يعني كل كلام هرقل يدل على أنه مؤمن، لكن لما رأى نفرتهم، ويئس من أن يؤمنوا قال: ردوهم علي، وقال: إنما قلت مقالتي لأختبر شدتكم على دينكم، فقد رأيت أنكم أشداء على دينكم، فرضوا عنه وسجدوا له، فكان ذلك آخر أمر هرقل. ووردت بعض الروايات الضعيفة والتي جاء فيها أن هرقل كان كافراً، وأن النبي ﵊ كفره، والتي تخالف قول ابن عباس أو قول الراوي: (فكان ذلك آخر أمر هرقل) فنقول: إن كان الرجل آمن وأراد الاحتفاظ بملكه فله -يعني أمره إلى الله ولا نقطع فيه بكفر ولا إيمان إلا بدليل واضح؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات). الرسول ﵊ لما أرسل الكتب إلى الآفاق، عامل كل ملك أرسل إليه الكتاب بجنس احترامه أو إهانته لكتاب النبي ﵊. فهرقل لما عظم كلام الرسول ﵊، وعظم الخطاب حفظ الله له ملكه، وكسرى لما مزق الخطاب دعا عليه النبي ﵊ فمزق الله ملكه وقتله ابنه.

стр. 1385

حكم رواية الكافر بعد إسلامه كان أبو سفيان رئس في قريش رغم أنه لم يكن مؤهلاً لهذه الرئاسة، لكنه رئس بسبب ذهاب أكابر قريش بموقعة بدر، فقد قتلوا جميعاً، وقد رئس مبكراً. فـ أبو سفيان هو من قص هذه القصة التي حدثت له وهو كافر، وهنا قاعدة حديثية وهي: الكافر إذا أسلم فحدثنا بعد إسلامه بشيء فعله أو شاهده قبل أن يسلم -أي: وهو كافر- هل يقبل منه أم لا؟ قال العلماء: العبرة في حال الأداء، أن يكون مسلماً، ليس هناك مانع أن يسمع الحديث وهو كافر، لكن لو قص علينا القصة وهو كافر نردها عليه؛ لأننا لا نأمن أن يزيد أو ينقص أو يحرف. لكن بعد أن دخل في الإسلام وعلم أن الكذب على الله ورسوله من أعظم الجنايات، وثبتت عدالته عندنا يقتضي أن نقبل خبره حتى وإن كان هذا الخبر حدث أيام ما كان كافراً. ومن الأمثلة على ذلك: قول جبير بن مطعم ﵁: (دخلت المدينة فوافيتها -قبل أن يسلم- ورسول الله ﷺ يصلي المغرب بسورة الطور) فالإمام البخاري روى هذا الحديث في صحيحه وقال: باب القراءة في المغرب. رغم أن جبير بن مطعم لما سمع الحديث كان كافراً، لكن العبرة في وقت الأداء -أي: وقت ذكر الحديث- أن يكون العبد مسلماً أدى أحد فرائض العدالة. فـ أبو سفيان بن حرب ﵁ يحكي القصة التي حصلت له أيام ما كان كافراً؛ لأن القصة هذه حدثت -كما قال أبو سفيان - في المدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان وكفار قريش في صلح الحديبية والذي كان سنة (٦) هجرية. وكان الرسول ﷺ قد اتفق مع قريش أن يضع الحرب عشر سنوات، لكن كفار قريش نقضوا هذه المدة، فغزاهم رسول الله ﷺ سنة (٨) وفتح مكة كما هو معروف.

стр. 1386

بداية الحوار بين أبي سفيان وهرقل قال أبو سفيان: (إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجاراً بالشام) كانت قريش قد عضها الفقر بنابه، وكان عندهم شيء شبيه بالمجاعة، حتى قال أبو سفيان كما في بعض الروايات الأخرى: (فما بقي من رجل أو امرأة في قريش إلا أعطاني شيئاً أبيعه) بسبب أن الحرب حصبت قريشاً؛ لأنهم ظلوا يقاتلون النبي ﵊ مدة طويلة. فلما علم هرقل أنهم في الشام أرسل في طلبهم، وفي بعض الروايات أن أبا سفيان قال: فبينما أنا مع رفقائي إذ جاء جنود هرقل فساقونا إليه. فدعاهم في مجلسه ثم قال لترجمانه: قل لهم: أيكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ هرقل رجل ذكي جداً، وقد قال عنه أبو سفيان: ما رأيت أدهى من هذا الأقلف. الذي هو هرقل. الأقلف: غير المختتن، وعدم الاختتان كان -بالذات في النساء- يترتب عليه فواحش كثيرة، وقد كانت العرب تعير الرجل فتقول له: يا بن القلساء. والقلساء: التي لم تختتن. والعوام يسمون الاختتان: طهارة؛ لأن المرأة إذا لم تختتن فإنها تكون كثيرة الحنين إلى الرجال، ولذلك تجد الفواحش تقع في أوروبا بسبب عدم الاختتان، والذين ينادون بعدم الاختتان فإنهم يعتدون على أنوثة المرأة؛ لأنهم يريدون أن تكثر الفواحش عندنا مثل ما كثرت الفواحش في بلاد الغرب بسبب عدم الاختتان. وقد اختلف العلماء في كتب الفقه فقالوا: هل تجوز إمامة الأقلف أم لا، بل هل تجوز صلاته أم لا؟ لأنه يكون به بول مستمر.

стр. 1387

بيان ذكاء هرقل في طرح الأسئلة فهرقل هذا داهية، دلنا على ذلك تصرفه، ونوعية الأسئلة التي سألها لـ أبي سفيان، وسوف نتعلم من أسئلة هرقل عدة دروس: الدرس الأول: قال: أيكم أقرب نسباً من هذا الذي يزعم أنه نبي؟ نستفيد من هذا السؤال شيئين: الشيء الأول: لماذا طلب أقرب النسب إلى الرسول ﵊؟ لأن الرجل إذا كان يربطه نسب بالنبي ﵊ فإنه لن يكذب عليه، لاسيما إذا كان النسب شريفاً، بخلاف لو لم يكن من أقاربه؛ لأن الغريب يطعن في النسب، ومسألة الطعن في الأنساب كانت منتشرة في الجاهلية، ولذلك جعل النبي ﵊ الطعن في الأنساب من خصال الجاهلية، بل جعلها من خصال الكفر، فقال: (صنفان في أمتي هما بهما كفر: النياحة، والطعن في الأنساب)، والعرب كانوا يعظمون الأنساب غاية التعظيم، والنبي ﵊ دندن كثيراً على أن النسب لا ينفع عند الله، فقال: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وقال: (يا فاطمة! اعملي فإني لا أملك لكِ من الله شيئاً). ثانياً: قوله: هذا الذي يزعم. نحن نعلم أن كلمة (زعم) أغلب ما تستخدم في الكذب؛ قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧]، و ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:٢٤] والنبي ﵊ قال: (بئس مطية الرجل (زعموا)) لأن زعموا تدل على أنك لست متأكداً من كلامك، والأخبار يدخلها الصدق والكذب، طالما أنه لا يوجد تأكد من الكلام إذاً (زعم) مطية للكذب، فأكثر ما تستخدم هذه الكلمة في الكذب، لكن تستخدم أحياناً في الصدق، وهذا كقول ضمام بن ثعلبة لما جاء إلى الرسول ﵊، قال: (أتانا رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فبالذي نصب الجبال ورفع السماء ودحا الأرض آلله أرسلك؟) إلى آخر القصة المعروفة. قوله: (إن رسولك يزعم أنك تزعم) ولو كان ضمام بن ثعلبة يكذبه ما جاءه، فالزعم هنا محمول على الصدق، وكذلك بعض العلماء يستخدم الزعم في الصدق، كقول سيبويه في كتابه الشهير: زعم الخليل كذا وكذا. والخليل بن أحمد الفراهيدي هو شيخ سيبويه، وصاحب كتاب: العين، وهو أول معجم في اللغة العربية. وما قصد سيبويه أن يرد كلام الخليل، إنما قصد أن يحتج بكلام الخليل، فأورد كلام الخليل مورد الاحتجاج ومع ذلك يقول: زعم الخليل كذا وكذا؛ زعم: أي قال قولاً صحيحاً. فهرقل لما قال: هذا الذي يزعم أنه نبي؟ فهذا نوع من التمويه والاستدراج لـ أبي سفيان؛ لأن أبا سفيان إذا علم أن هرقل منحاز للنبي ﵊ انحيازاً كاملاً لعله يكذب، لا يصدقه، لكن إذا علم أنه يشكك في نبوته فهذا يجرئه على أن يقول كل ما عنده. وهذا نوع من الاستدراج الذكي، فأنت عندما تتهم شخصاً فلا تباشره بالاتهام؛ لأنه يمكن أن ينكر كما حدث في قصة الساحر والراهب، لما علم الملك أن هناك بذرة إيمان بدأت تنبت في المملكة، ثم علم أن جليسه قد آمن بسبب الغلام؛ فعلم أن الغلام يدعو الناس للإيمان، فالملك استدرجه، ولم يتهمه مباشرة، لذلك هرقل كان يعلم أن أبا سفيان عدو للنبي ﵊، فلم يرد أن يستفزه، لكي يأخذ منه الخبر اليقين، ولذلك أفلح فعلاً في استدراجه وحاصره بالأسئلة.

стр. 1388

تحريم الكذب وبيان أنه من أعظم الذنوب ماذا فعل هرقل ذلك الداهية -كما وصفه أبو سفيان - قبل أن يسأل أبا سفيان؟ قال له: اجلس. وأجلس أصحابه خلف ظهره، وقال للترجمان: قل لهم إني سائله، فإن كذبني فكذبوه. قال أبو سفيان: ولولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه. انظر إلى الترفع عن الدنايا، مع أن الذي منعه عن الكذب ليس هو الإيمان، وليس هو الخوف من الله ، وإنما الخوف من أن يتهم بالكذب، والكذب ما أباحه الله قط إلا أنواعاً معينة أباحها بضوابط معينة، لكن مطلق الكذب ما كان مباحاً أبداً. ولذلك يقول سفيان بن عيينة -وهذا الكلام صحيح، رواه الإمام النسائي، ليس في السنن ولكن في جزء له، جزء حديثي- قال سفيان: كل ذنب جعلت فيه الكفارة فهو من أيسر الذنوب، وكل ذنب لم تجعل فيه الكفارة فهو من أعظم الذنوب؛ لذلك لم يجعل الله للكذب كفارة؛ لأنه إذا أمرك بكفارة وأديتها يسقط الذنب. ومن الأدلة على ذلك: قصة الغامدية التي زنت ثم جاءت إلى النبي ﷺ ليقيم عليها الحد، فرجمها النبي ﷺ وأراد أن يصلي عليها، فامتنع عمر، ووقف أمامه فقال له النبي ﷺ : (تنح عني يا عمر، فوالله لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم). كيف وقد جادت بنفسها لله ؟ والرجم إنما هو كفارة لهذا الذنب، فالمرأة لقيت الله ولا شيء عليها، بل إن توبتها تسع سبعين من أهل المدينة ونحن نعلم أن أهل المدينة كانوا كلهم صحابة، فلو قسمت توبتها على سبعين صحابي لوسعتهم. أما إذا كان الذنب عظيماً فالله ﵎ لا يجعل فيه كفارة، كقتل المؤمن، فإن الله ما جعل في قتل المؤمن عمداً كفارة، لذلك احتج بعض العلماء بترك الكفارة في قتل المؤمن -قتل العمد- على أن القاتل -قاتل المؤمن عمداً- لا توبة له، قال: لأنه لو كانت له توبة لأذن له بكفارة كما أذن لقاتل المؤمن خطأً. فالكذب هذا لم تجعل فيه الكفارة؛ لأنه من أعظم الذنوب، وهو قبيح في ذاته، لذلك فالكذب عند العلماء من المحرمات لذاتها. المحرمات قسمان: قسم محرم لذاته، وقسم محرم لغيره. المحرم لذاته: أي لما يشتمل عليه من القبح في ذاته، كالقتل، وكالشرك بالله، والكذب، والزنا؛ لأنها قبيحة في ذاتها، فهي حرام. حرام لغيره: أي أنه في الأصل مباح، لكن اقترن به صفة نقلته من الحل إلى الحرمة، فمثلاً: الصلاة فريضة، لكن الصلاة على الأرض المغصوبة باطلة على رأي الحنابلة، ومكروه على رأي الباقين. فنقول: إذا رأيت شخصاً يصلي على أرض غصبها من إنسان حتى لو أخذ أرض الإنسان وبنى عليها مسجداً، فإن الصلاة فيه تكون كالصلاة على الأرض المغصوبة، فلا يمكن أن يأتي أحد ويقول: كيف تكون الصلاة باطلة وهو إنما صلى في المسجد؟ فنقول: لا. المسألة ليست كذلك، فالصلاة صحيحة في نفسها سواء كانت فريضة أو مستحبة، لكن لما اقترنت صلاته بالصلاة على الأرض المغصوبة كانت حراماً. ومثل ذلك: الذي يبيع العنب لمن يجعلونه خمراً، فيكون هذا البيع حراماً، مع أن بيع العنب في الأصل حلال، لكن لما باعه لمن يجعلونه خمراً أصبح هذا البيع محرماً. وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب، كأن يسرق أحد ثياباً ثم يلبسها ويصلي بها، فهذه حكمها حكم الأرض المغصوبة، ومن الفقهاء من يقول: لا يجوز له أن يصلي في الثوب المغصوب، وإنما يصلي عرياناً. لأن الله ﵎ قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وهو لا يستطيع أن يواري عورته، فيصلي حسب ظروفه، أما أن يسرق الثوب أو يغصبه حتى يصلي فيه فهذا لا يجوز. إذاً: فالكذب لا سيما على الله ورسوله محرم لذاته، ومع ذلك فالذي جعل أبا سفيان لا يكذب إنما هو الترفع، وفي رواية ابن إسحاق قال أبو سفيان: (قد كنت سيداً مطاعاً في قومي، فأنفت أن أُنسب إلى كذب). هي هذه مقتضى الرئاسة، ولذلك كان من أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة: ملك كذاب. لماذا يكذب وهو ملك؟ ما كذب إلا لأنه في نفسه كذاب، مستمرئ للكذب حتى أن الكذب أصبح كالصفة الجبلية فيه، لذلك كان من أشد الناس عذاباً يوم القيامة. فأنفة أبي سفيان وترفعه عن الدنايا جعله لا يكذب. وفي بعض الروايات أنه قال: ولو كذبت ما كذبوني، لماذا؟ لسببين: السبب الأول: أن أبا سفيان هو الملك المطاع فيهم، ولا يعقل أن يُرد عليه في مثل هذا المجلس العلني. السبب الثاني وهو الأهم: لأنهم يريدونه أن يكذب؛ لأنهم هم أيضاً يعادون الرسول ﷺ . فمن مصلحة هؤلاء أنهم أيضاً يكذبوه، ولذلك قال أبو سفيان: لو كذبت ما كذبوني.

стр. 1389

هرقل يسأل أبا سفيان جاء في بعض الروايات الأخرى أن أبا سفيان أول ما جلس وسأله هرقل عن الرسول ﷺ قال: هو ساحر هو كذاب. فقال له هرقل: ما سألتك عنه لتكتمه. فخجل الرجل من نفسه، فبدأت المحاكمة، وبدأت الأسئلة التي حاصر بها هرقل أبا سفيان، وأسئلته ذكية جداً ومرتبة، وهي كذلك مختصرة، و (خير الكلام ما قل ودل). بدأ هرقل يسأل أبا سفيان فقال: أيكم أقرب نسباً؟ قال أبو سفيان: أنا أقرب إليه نسباً. وجاء في بعض الروايات الأخر -أظنها في البخاري - أنه قال: هو ابن عمي. لأنهما -أي أبو سفيان والرسول ﵊ يشتركان معاً في الأب الرابع وهو عبد مناف، ولذلك قال أبو سفيان كما في الروايات الأخرى قال: ولم يكن في الركب أحد من عبد مناف غيري. فالرسول اسمه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. وأبو سفيان: أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. فاشتركوا في الأب الرابع، فلهذا قال: هو ابن عمي. ثم قال له: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ يعني: هل ادعى أحد النبوة قبله؟ قال: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملِك؟ قال: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. أسئلة قوية جداً ومركزة، وفي صلب الموضوع، ولذلك أي إنسان يستجوب أحداً فلابد أن يدرس القضية أولاً، ويجعل كل الأسئلة في محور القضية، ويكون السؤال دقيقاً بحيث لا تجعل المسئول يفكر كثيراً في الجواب أو يدخل في تفاصيل لا حاجة لذكرها. فكانت أسئلة هرقل محدودة بحيث لم تسمح لـ أبي سفيان أن يدخل في تفاصيل لا حاجة لها، وقد استثمر هرقل الإجابات المختصرة لـ أبي سفيان بعد ذلك، وأقام عليه الحجة بأن النبي ﵊ رسول، ورسالته حقة من جنس إنكاره للرسالة. وقد كانت إجابات أبي سفيان هي نفس الدليل الذي أثبت به هرقل صدق الرسول ﵊، وصدق رسالته؛ فقد قال لـ أبي سفيان: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.

стр. 1390

بيان أن الرسل تبعث في نسب قومها قوله: (فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها) أي: في أفضل نسب؛ لأن الخلق دائماً يهتمون بالأنساب، وهذه من خصال الجاهلية الموجودة في الخلق إلى أن تقوم الساعة. فقريش بعد ما أقيمت عليهم الحجة من كل صوب، ماذا قالوا؟ قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. القرآن جميل! وكلام طيب! لكن لو أنزل على رجل عظيم من أهل الأنفة، والشرف! فقال راداً عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا﴾ [الزخرف:٣٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]. لذلك لم تزنِ امرأة نبي قط، ولا جاء نبي أبداً من سفاح؛ لأن هذا قدح مباشر في رسالته، كما أنه ممكن أن يكون أبو النبي كافراً لكن لا يكون زانياً. الزنا قبيح جداً، ولذلك كما يقول ابن عباس: (ما زنت امرأة نبي قط) لكن ممكن تكفر. يعير بالزنا أشد مما يعير بالكفر، وإن كان الكفر هو رأس الخبائث كلها، وكأنه لهذا -لهذا المعنى- برأ الله ﵎ موسى من قذف بني إسرائيل إياه؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (كان بنوا إسرائيل يغتسلون عراة، وكان موسى ﵇ رجلاً حيياً يستحيي أن يُرى شيء من جلده، فكان يذهب إلى مكان بعيد في النهر ويخلع ملابسه وينزل يسبح. وفي أحد الأيام شك بنو إسرائيل في موسى ﵇ فقال بعضهم لبعض: لماذا لا يستحم معنا؟ إنه آدر -آدر يعني: عظيم الخصية؛ عنده عيب في الخصية- فاتهموه بهذه التهمة- وبينما كان موسى عليه السلامة يستحم وقد كان وضع كل ملابسه على حجر، فإذا بالحجر يأخذ ملابسه ويذهب، فخرج موسى يجري وراء الحجر عرياناً، فمر الحجر على بني إسرائيل وهم في النهر، وموسى ﵇ يجري وراء الحجر فمر عليهم عرياناً، وهو يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر!) يعني: أعطني ثوبي أيها الحجر! فوقف الحجر، فموسى ﵇ من غضبه أمسك العصا وظل يضرب الحجر، قال ﵊: (لو شئت لأريتكم ندبات العصا على الحجر) أي: أن العصا تركت آثاراً على الحجر. فقال بعضهم لبعض بعد أن رأوا موسى ﵇ مستوي الخلق، قالوا: ما بالرجل من بأس. قال بعض العلماء: إنما أراهم الله ﵎ ذلك؛ لأنه يمكن أن يرتقي إلى الشك في ذرية موسى ﵇، ونحن نعلم أن الحيوانات المنوية تخرج من الخصية، فإذا كانت الخصية فيها عيب أو ما شابهه فيكون هذا سلم للطعن في ذرية موسى ﵇. فأنزل الله ﵎ قوله في ذلك في هذه القصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]. فقد كان الناس يهتمون بمسألة الحرص على الأنساب؛ لذلك كل الرسل أرسلت في نسب قومها، فالقدح في النسب مشكلة كبيرة جداً ممكن تقوض الرسالة.

стр. 1391

موافقة هرقل لأقوال أبي سفيان في النبي ﷺ قال هرقل: وسألتك: هل أحد منكم قال هذا القول؟ يعني: زعم أنه نبي. فذكرت: أن لا، يعني: لا. ليس هناك أحد ادعى هذه الدعوة. قال: فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله، لكن ما قال قبله أحد قط هذه الدعوى، فمن أين يأتي بها؟ قال: وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت: أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. يعني: شخص أبوه كان ملكاً، وهو الآن قاعد في المنفى، وجعل له حكومة مؤقتة، ويريد أن يرجع البلد مرة أخرى، مثل ابن فاروق، فهؤلاء متطلعون لحكم أبيهم. المملكة مثل الأرض الخاصة، ولذلك لا يسمح بالحريات في المملكات، إنما يسمح بالحرية ولو كاذبة في النظام الجمهوري. أصل النظام الجمهوري: أن لا يكون هناك حاكم دائم، لكن المملكة هذه ملك للحاكم فإذا مات سيأخذها من بعده ابنه أو أخوه فقال له: لو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.

стр. 1392

اعتراف أبي سفيان بأن النبي ﷺ لم يكن كاذباً قال: وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا. فقلت: أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. إجابة ملزمة! يعني: رجل لم تجربوا عليه كذباً، ويتعفف عن الكذب عنكم في قضاياكم العادية، فهل هذا الرجل يكذب على الله؟! هذا الذي يسميه العلماء: القياس الجلي، أو القياس الأولوي. القياس الأولوي صورته: أن يستدل بنفي الأقل على نفي الأكثر، كقوله ﵎: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] إذاً هذا من باب أولى يحرم الضرب، لكن لو قال: ولا تضربهما، فكان يجوز أن تقول: أف. هذا هو القياس الجلي أو القياس الأولوي، فهو عندما ينهاك عن الأقل فقد حرم عليك الأكثر، فقوله: (لا تقل لهما أف)، يعني: من باب أولى الضرب، لكن لو قال لك: لا تضرب، فجائز أن تشتم؛ لأن النهي عن الضرب ليس فيه النهي عن الشتم، لكن النهي عن التأفف فيه نهي عن الشتم وعن الضرب. فإذا كان لا يكذب على الناس فمن باب أولى أنه لا يكذب على الله، فقد أعرف أنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. بعد أن سأله عن الكذب سأله عن الغدر. لماذا أخر الغدر عن الكذب؟ هذا من باب تقديم الخاص على العام، وهنا قاعدة مهمة جداً، يقول العلماء: تقديم الخاص على العام يفيد الاهتمام. مثلاً لو قلت لك: لا تأكل الضأن ولا اللحم لا فرق بين الضأن واللحم، كان ممكن أن أقول لك: لا تأكل اللحم. فذكري لتحريم الضأن قبل اللحم يدل على أن الضأن بالذات محرم تحريماً مؤكداً، فتخصيصي لذكر هذا النوع من اللحم قبل ذكر سائر اللحوم دلالة على تأكيد منع هذا اللحم، إذاً هذا فيه اهتمام بالشيء الذي أفردته، الذي هو الخصوص. ومثله قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه الذي بدأ به البخاري صحيحه: (إنما الأعمال بالنيات) الحديث في آخره: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) الخاص هنا ذكر بعد العام ولا فرق. قال رسول الله ﷺ : (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرت عيني في الصلاة) وبعضهم يرويه: (حبب إلي من دنياكم ثلاث) لفظ (ثلاث) باطلة، لا أصل لها في الحديث، والحديث نفسه يؤكد أنها باطلة؛ لأن الصلاة ليست من الدنيا، إنما (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب) وبعد ذلك تبدأ بكلام جديد (وجعلت قرت عيني الصلاة) فالنساء من الدنيا بنص الحديث، فكان من الممكن أنه لا ينبه عن المرأة وهي داخلة في الدنيا، لكن طالما أنه أفردها بالذكر رغم أنها داخلة في الدنيا فيكون تأكيداً على فتنتها، كأن يقال: انتبه من الدنيا وبالذات المرأة. فعندما تفرد هذا الجزء من العام بالذكر فإنك تهتم به، وذلك كقوله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢] خصص الصلاة والنسك بالذكر، ثم جمعهما في قوله: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ والمحيا منه الصلاة والنسك، لو أن الآية تقول: (قل إن محياي ومماتي) لعلمنا يقيناً أن الصلاة داخلة في الموضوع، لكن كونه يذكر الصلاة والنسك على سبيل الخصوص وبعدها يعمم الكلام، فهذا يدل على تأكيد الاهتمام بهذين: النسك الذي هو الذبح، سواءً كان يقصد به ذبح الحج أو غيره، والصلاة.

стр. 1393

الغدر أعم من الكذب أيهما أعم الكذب أم الغدر؟ الغدر أعم من الكذب؛ لأن الغدر يمكن أن يتم بأشياء كثيرة غير القول، فقد يكون بالفعل، يعني: بالجوارح وهي كثيرة، أذكر منها حديثاً رواه أصحاب السنن عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما فتح النبي ﵌ مكة أمّن الناس جميعاً إلا أربعة رجال وامرأتين -يعني قال: كل الناس آمنون، إلا أربعة رجال وامرأتين- قال: اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة) هذا إهدار عام لدم هذا الإنسان، أي واحد يقابله يقتله، يعني: أنه لم يندب أحداً لقتله: (ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة) لأنه كان فيما مضى أي إنسان يتعلق بأستار الكعبة مهما كانت جريمته حتى وإن قتل فهو في أمان، فكان كل من قتل تعلق بأستار الكعبة. لذلك قال النبي ﷺ : (حتى لو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة) هذا تأكيد على إهدار دمائهم. وهؤلاء هم: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي السرح، وعبد الله بن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، والمرأتان لم تذكر أسماؤهما. أما مقيس بن صبابة فأدركوه في السوق فقتلوه، وكذلك قتلوا عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة. أما عكرمة فهرب، وركب البحر، ولما أوشكت السفينة على الغرق، قال صاحب السفينة: إنه لن تنفعكم آلهتكم هنا، فلا ينفعكم إلا الإخلاص، فأخلصوا في الدعاء، ولذلك عند الشدة لا تجد أحداً منافقاً أو مرائياً بل يخلص أشد الإخلاص. فقال عكرمة: (والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلن ينجني في البر غيره، والله لئن سلمني الله لآتين محمداً ﵌ فلأجدنه عفواً كريماً) فلما نجا ذهب إلى النبي ﵌ وأسلم بين يديه فقبل منه. بقي عبد الله بن أبي السرح، والذي كان أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، فأول ما علم أن دمه مباح هرب عند عثمان، حتى دعا النبي ﷺ إلى البيعة العامة، فلما علم عثمان بن عفان بذلك، أخذ عبد الله بن أبي السرح وذهب إلى النبي ﵌، وأنتم تعلمون مكانة عثمان ﵁ من النبي ﵌، وأنه كان عزيزاً غالياً، فجاء عثمان ﵁ ووقف أمام النبي ﷺ وعبد الله وراءه، فقال: (يا رسول الله! بايع عبد الله، فسكت النبي ﵊ ولم يبايعه، قال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فلم يبايعه -ثلاثاً- فبايعه بعد الثالثة، ثم قال لأصحابه -وهنا الشاهد-: أليس منكم رجل رشيد، إذ يراني كففت بيعتي -كففت يدي عن بيعة هذا- فيقوم إليه فيضرب عنقه؟ فقالوا: يا رسول الله! هلاّ أومأت إلينا بعينك؟ فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)؛ لأن خيانة العين من الغدر، وسميت كذلك؛ لأنك تظهر شيئاً وتبطن آخر. فخيانة العين من الغدر، والغدر يمكن أن يكون باليد، وبالعين واللسان، لذلك كان الغدر أعم من الكذب، والكذب أخص من الغدر، فالكذب جنس من أجناس الغدر. ولذلك سأل أولاً عن الكذب ثم سأل عن الغدر. وجد أبو سفيان فرصة ذهبية يغمز فيها الرسول ﵊، وذلك حين سأل هرقل أبا سفيان فقال: (هل يغدر؟ قال: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها) الله أعلم، جائز يغدر. قال: (ولم تمكني كلمة أقول فيها شيئاً إلا هذه)؛) لأن هرقل كان يحاصره بالأسئلة، فلم يستطع أن يجد أي فرصة إلا هذه، فقوله هذا إشارة إلى أنه يمكن أن يغدر، أما الكذب فلا. حقيقة أنا لم أعلم أحداً في المناظرة يطبق هذا المنهج إلا شيخنا الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله، وهو يناظر تحس أنه أسد خرج من القفص، وهو يناقش في القفص يقول له عندما يتقابل سؤالان: قل: نعم أو لا، أو فيه تفصيل؟ وبعد ذلك يقول للسائل: قل الذي تريده، يعني مثلاً: شخص سأل عن مسألة في أصول التوحيد هل يعذر قائلها أم لا؟ فيقول: قال ﵎ كذا وكذا وقال النبي ﷺ كذا وكذا وقال العلماء كذا فيدخلك في متاهة، فكان يحاصرهم فيقول: هل يعذر أم لا؟ ويقول له: قل نعم أولا؟ ما الفوائد من هذه الطريقة؟ فوائد هذه الطريقة: أنك إذا سألته عن تفصيل فقال: لا، فلو قال بعد ذلك: نعم، فقل له: ألم تقل: لا، فلماذا غيرت كلامك، لكن لو أنك تركته من البداية ولم تناقشه، فإنه يقول لك: أنت لم تفهمني جيداً، ولم يكن قصدي هذا ويدخلك في متاهات أنت في غنى عنها.

стр. 1394

بيان أن الضعفاء هم أتباع الرسل يقول هرقل: (وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل) هذا التقليد الجاهلي بدأ يعود بصورة موسعة في هذا العصر، شخص من كبار العلمانيين عندنا، والله ابتلاه بمرض عضال، ونذكر هذا لنُذكِّر أنه ما انتصب رجل لحرب الله ورسوله إلا رجع مدحوراً، وكان هذا الرجل قد كتب مقالاً في أحد الجرائد، وقد أغلقت هذه الجريدة بعد هذا المقال، قال: إن الذين يظهرون التدين تدينهم غير حقيقي؛ لأن تدينهم بسبب الضغط الاقتصادي، يعني: وجد نفسه فقيراً ففزع إلى الله، فنقول: هل هذا خطأ؟ لا، شخص وجد نفسه فقيراً، وعرف أن كل الأغنياء لا يملكون لأنفسهم غنى، فرجع إلى الغني الكبير، فهل هذا يعيبه؟ قال: هذا التدين لابد أن يكون منبعثاً من القلب، يعني: يتدين بدون هدف، ولا يكون مصلحياً، هكذا قال! ثم ذكر قول رابعة العدوية: (اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، وإن كنت أعبدك ابتغاء وجهك الكريم فلا تحرمني من وجهك). هذا كلام خاطئ! فهل الرسول ﵊ عندما كان يسأل الله الجنة ويعوذ به من النار كان يعبده عبادة التجار؟!! كل الأنبياء كانوا يسألون الله الجنة ويعوذون به من النار، ويسألونه العافية، ويعوذون به من المرض. فيقول: إن التدين الحقيقي أن يقبل الإنسان على الله دون أن يكون له غرض، فالإنسان إذا لم يكن له حافز لم يعمل، وهذه طبيعة الإنسان، فنحن مثلاً على المستوى الدنيوي عندما نأتي بشخص ونقول له: اعمل كذا وكذا، وسوف نعطيك مائة جنيه، فإنه سيعمل ليل نهار حتى ينجز هذا العمل ويحصل على المائة جنيه، ولو لم يكن هناك مقابل فإنه لن يقوم بأي عمل؛ لأن هذه مربوطة بتلك وهي طبيعة الإنسان، لذلك الله ﵎ جعل الجنة للمطيعين، وجعل النار للعصاة، لماذا؟ لأن الإنسان لا يتحرك إلا بحافز، ولذلك قال النبي ﵊: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) عندما تتأمل هذا الحديث تجده يؤكد الكلام الذي قلناه، فالإنسان إذا قامت الساعة وفي يده فسيلة، فإنه سيتركها ولن يغرسها، لكن النبي ﵊ قال له: (فاغرسها)، فلماذا أمره أن يغرسها؟ لأن الإنسان يتصرف بما جبل عليه، فهو عندما يزرع نخلة فإنه إنما يزرعها ليأكل منها هو وأولاده، لكن لو علم أنه لن يأكل منها أحد ولن ينتفع منها أحد ما غرسها، فكأن النبي ﷺ قال له: خالف طبعك، خالف جبلتك واغرسها. لما جاء صحابي إلى النبي ﵊، وقال له: (يا رسول الله! -وكان يأكل تمراً- مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة، فقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات) لماذا؟ لأن الذي سوف يحبسه عن الجنة أنه يأكل التمرة هذه، فألقى التمرة وقاتل حتى قتل. لكن لو قال له النبي ﷺ : ليس لك شيء، فهل من الممكن أن يرمي التمر ويذهب يقاتل؟ بل سيقول: آكل وأستريح، ولذلك لما جاء رجل إلى عبد الله بن الزبير أيام فتنته مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وقال له: أنا فارس مغوار! ومقاتل شجاع! يمكن أكون في المقدمة، لكن كم تعطيني؟ قال له: أعطيك كذا وكذا، قال له: زدني، فقال له: بعد أن نرجع، فتولى الرجل وهو يقول: أراك تأخذ روحي نقداً وتعطيني دراهمك نسيئة. الإنسان معروف أنه لا بد أن يعمل لشيء، لذلك خلق الله الجنة والنار، وجعل الجنة درجات، وقد كان من الممكن أن تكون درجة واحدة، لكن كل إنسان يجتهد أن يكون في أعلى الدرجات في الجنة. والنار -عياذاً بالله- جعلها دركات من أجل أن العبد إذا اقترف المعصية يخاف، فيستقل من المعاصي بقدر ما يمكن. فعندما يأتي هذا العلماني ويقول: التدين الحقيقي يجب أن يكون إلى الله بدون دافع، فهو جاهل، لا يعرف شيئاً، ولم يقرأ شيئاً من الوحي، ولا حتى يعرف طبائع الناس، يقول: إن تدينهم بسبب الضغط الاقتصادي العام! هل هذا يعاب الإنسان به؟ لا يعاب الإنسان به، لذلك دائماً تجد كل أتباع الرسل في كل زمان هم الضعفاء، لا تجد منهم السادة، ولا تجد منهم أصحاب المناصب، بل تجد دائماً أصحاب المناصب والأشراف هم أصحاب الهوى، وهم أعداء الأنبياء، ولذلك النظام الجديد الذي يجتاح العالم الآن وبكل أسف دخل على العالم الإسلامي، والذي هو تقليص دخل الفقراء، فأنت عندما تنظر الآن شروط التقديم في الكليات العسكرية تجدها تغيرت عن قديم، فقد كانوا قديماً يقولون عندما تذهب إلى النظام الاشتراكي: إن الكل يتساوون في الطابور هذا جنب هذا، الآن أصبح في استمارة التقديم لا بد من معرفة إذا كان هناك أحد قد سبقك في هذا المجال فقالوا: لأن القلاقل التي حدثت في مثل هذه الأجهزة حدثت بسبب المتدينين، الذين هم الفقراء، ولا يمكن أن يبيع أحد منهم دينه من أجل شقة أو سيارة، فغيروا النظام إلى النظام الملكي، فتكون هذه المناصب للأعيان وأولاد الأعيان، لماذا؟ لأنهم أصحاب دنيا، وكل آمالهم من الدنيا شقة وسيارة، ورصيد في البنك، فإذا عملت كل هذه الأشياء فسيوافقون على أي قرار أو عمل. فأتباع الأنبياء دائماً ضعفاء، وهذا لا يعيبهم، لماذا؟ لأن الحق لا ينتصر بقوة العدة ولا العدد فقط، قال الله ﵎: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] فالنصر من الله ﵎، ونحن لا نملك تأثير الأسباب، العدة والعدد لهما دور في الانتصار لكن ليست هي السبب الرئيس في النصر؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم انتصروا في بدر وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً أمام ألف رجل من قريش خرجوا مدججين بالسلاح، ومع ذلك نصرهم الله ﵎ على عدوهم لما جمعهم على غير ميعاد.

стр. 1395

قوة الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب (قال: وسألتك يزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: وكذلك أمر الإيمان حتى يتم) يزيد الإيمان كالقمر، فيبدأ كالهلال ثم يكبر شيئاً فشيئاً حتى يصير بدراً. قال: (وسألتك: أيرتد أحد منهم سخطةً على دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا) هذا شيء طبيعي، فإذا كانوا يزيدون فإنهم لا ينقصون، ولا يرتد أحد منهم. (قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب) يعني: كأنها استقرت في نفس أنسجة القلب، ويكون مثاله كمثال اللون إذا اختلط بالماء فلم يترك جزئيات الماء، فإنك عندما تأتي بالشاي وتضعه في الماء، وتتركه لمدة سنة، فإنه لا يمكن أن يتغير لون الشاي؛ لأن الشاي اختلط بجزئيات الماء، بخلاف التراب؛ فإنك لو أتيت بالماء وخلطته به، وتركته خمس دقائق فإنك ستلاحظ أن التراب نزل تحت الماء، هذا هو الفرق بين مخالطة البشاشة والمخالطة العامة، فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلب كان كمثل ذلك الشاي، لذلك لا يرتد الإنسان أبداً مهما عذب وأوذي، وأعظم دليل على ذلك: أبو جندل بن سهيل بن عمرو فإن أباه سهيل بن عمرو عندما علم أنه أسلم قيده بالحديد، فلم يصبر على ذلك، فقرر أن يهرب، وذهب ماشياً وهو مقيد بالحديد من مكة إلى الحديبية، وكان من ضمن الاتفاق بين المشركين والمسلمين أنه إذا جاء أحد من مكة مسلماً فإنهم يردونه، ولما وصل أبو جندل إلى الحديبية إذا به يفاجأ بأبيه وهو جالس مع الرسول ﷺ ، فقال سهيل: هذا أول ما أطالبك به، فطلب منه الرسول أن يتركه، لكن سهيلاً لم يوافق على ذلك، وأصر على أخذ ابنه معه، فقال الرسول ﷺ لـ أبي جندل: (ارجع)، فحزن المسلمون لذلك أشد الحزن، ومع ذلك كله لم ييأس أبو جندل، ورجع وهو راضٍ بأمر الرسول رغم كل التعب الذي عاناه في سفره من مكة إلى الحديبية وهو مقيد بالحديد. ولذلك عندما سأل هرقل: (أيرتد أحدٌ منهم سخطةً على دينه؟)، كان ذلك نوع من التأكيد؛ لأنه عندما سأله: (أيزيدون، أم ينقصون؟ قال له: بل يزيدون) كان هذا دلالة على أنه لن يرتد أحد؛ لأنه لو كان أحد يرتد فإنهم سينقصون، لكنه قال هذا ليؤكد أن هذه الزيادة ليست أي زيادة، فالرجل إذا دخل في الإسلام وأشرب قلبه بالإيمان فلا يمكن أن يرتد عن دينه. قال: (فكذلك أمر الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب).

стр. 1396

ضرورة ترك ما كان عليه الآباء من الجهل والضلال قال: (بم يأمركم؟ قال يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم). ثم قال هرقل: (سألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان). فقرن بين عبادة الأوثان وقول الآباء؛ لأن اتباع الآباء وثن، وكان هذا قول الكفار، فقد كانوا يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] فاتباعهم لهذا الوثن صدهم عن الحق. وضع هرقل كلمة عبادة الأوثان مكان كلمة الآباء، ولم ينكر عليه أبو سفيان ويقول: أنا لم أقل هذا، أنا قلت أنه قال واتركوا ما يقوله آباؤكم، فإقرار أبي سفيان وسكوته عن الاعتراض على هرقل غيَّر كلامه دلالة على أنه موافق ومقر. اتباع الآباء في غير الحق وثن، قال الرسول ﵊ لهم: (اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم) إذا كان أبو سفيان يذكره على أنه رد للرسول ﵊، والله ﵎ ذكر كلامهم هذا في معنى الربوبية، فقد كانوا يقرون بأن الله يسلمون ﵎ وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] لكنهم لا يقرون به في باب الألوهية، من ذلك ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] لماذا؟ إذا كان الرب واحد وأنتم تقرون بذلك، فما المانع أن يكون هو الإله الواحد أيضاً الذي يستحق أن يعبد دون غيره؟ فـ أبو سفيان يقول هذا على سبيل القدح في رسالة الرسول ﵊، لكن هرقل لأنه كان قد قرأ الكتاب العبراني، وكانت عنده خلفية بالشرائع السابقة، وعنده خلفية بدين المسيح ﵇؛ فكل ذلك أتاح له الفرصة أن يرد على أبي سفيان، فقال له: (قال: فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف) هذه أشياء لا يمكن للإنسان كامل العقل أن يعترض عليها، ولذلك قريش بعدما رأت أن كل شيء مدموغ بالحجة، قالت المقالة التي ذكرها الله ﵎ عنهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١].

стр. 1397

ملك القلوب هو الطريق إلى الملك الحقيقي قال هرقل: (فإن كان ما تقوله حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين) وهذا دليل على أنه لا يمكّن في الأرض إلا لمن استأثر بقلوب من عليها، ولا يكون بقلة الأدب، ولا بالعنف. وهنا نكتة في منتهى اللطف، وهي في قصة يوسف ﵇، وذلك عندما ألقوه في الجب، وبعدها أخرجوه، ثم ذهب إلى العزيز، وكان لا يزال صغيراً، والله بعدما ذكر أنهم استقبلوه وأحبوه قال: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٦] يوسف ﵇ لم يمكن له في الأرض إلا بعدما خرج من السجن وصار وزيراً، فأين التمكين؟ طالما دخل قلب هذا الرجل، فهذا هو الملك الحقيقي، ابن آدم لا يمكن أن يتنازل بما يملك إلا إذا كسب أحد قلبه، فإذا ملكت قلوب الناس فهذا هو الملك الحقيقي، لذلك قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف:٥٦]. لذلك نقول: يا من ترغب بالملك، املك قلوب الناس تضمن الملك الذي تحت أرجلهم، ولذلك هرقل جزم وقال: (إن كان حقاً ما تقول فسيملك موضع قدمي هاتين)، ولذلك ربنا امتن على رسوله ﵊ قال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال:٦٣]. الآن بعض الجماعات الإسلامية منذ خمسين سنة تحاول أن تقيم -لا أقول دولة حرة- بل حياً في بلد، ومع ذلك لم يستطيعوا، بينما الرسول ﵊ خلال عشر سنين أقام دولة كانت تخاف منها معسكرات فارس والروم، بماذا أقامها؟ أقامها بتأليف القلوب. ومن الأمثلة على ذلك: لما آخى الرسول ﷺ بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، جاء سعد وقال: اختر أجمل نسائي فأطلقها فإذا انقضت عدتها تزوجتها، وخذ شطر مالي، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق. ما الذي حدث للعرب؟!! كان العرب إذا نظر أحد إلى امرأته قام فقتلها، بينما سعد بن الربيع يقول الآن: أتنازل لك عن أجمل نسائي؟! ما الذي حدث؟! الله غيَّر قلوب هؤلاء، وكل فساد على الأرض بسبب تحول القلوب. جاء في رواية أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] يبكي حتى يبل لحيته، فسئل عن ذلك فقال: كان لي بنت في السادسة من عمرها، وعندما أخذتها لأضعها في التراب كانت تزيل التراب عن لحيتي. لكن بعد الإسلام أصبح الصحابة رقيقي القلوب، فكانوا كثيري البكاء، وكان الواحد منهم إذا سمع شيئاً من الوعيد، أو آيات من القرآن يسيل دمعه مباشرة، والعين كلما كانت كثيرة البكاء دل ذلك على زكاء النفس. أبو بكر الصديق كما في صحيح البخاري: (همَّ أن يخرج من مكة مهاجراً إلى الحبشة، فقابله ابن الدغنة فقال له: أين تذهب يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي -فماذا قال له زيد؟ وكان زيد رجلاً كافراً آنذاك- قال: يا أبا بكر! مثلك لا يخرج ولا يُخرج؛ إنك تصل الرحم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر) خروجك خسارة! خروج المصلحين والأتقياء من أي بلد أكبر خسارة! مكارم الأخلاق هي الطريق الطبيعي لكسب قلوب العباد، ولذلك كانوا يبحثون عن أي وسيلة لغزو القلوب فيحاولون إيقافها. فمثلاً: حصل زلزال في مكان ما، فقامت بعض الجماعات الإسلامية العاملة في الساحة وأتت ببعض المعونة وقامت بالمساعدة، هذا معناه أن الناس سوف يقولون: إن أصحاب الجماعة الإسلامية هم الذين أتوا بهذه المعونة، فقالوا: من أراد أن يساعد فلا يذكر اسمه ولا اسم جماعته؛ لأنهم يعلمون أن غزو القلوب مسألة خطيرة. لذلك النبي ﵊ عندما طعن عبد الله بن أبي في عرض النبي ﷺ ، فقال أحد الصحابة: (يا رسول الله! دعنا نضرب عنقه، قال: أخشى أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) لأن الذي هو في البادية لا يعلم شيئاً عن رسول الله ﷺ فيقول: هذا يقتل أصحابه، أين الوفاء والإخلاص؟ فيصده ذلك أن يدخل في الإسلام، فالمصلحة الراجحة تقتضي أن أعامله بالمعروف. غزو القلوب هو الملك الحقيقي، لذلك أنصحكم أن تعملوا على كسب القلوب، فإنك إذا استطعت إن تكسب قلب إنسان فتكون كأنك ملكته، فالرسول ﵊ لما كان يدعو إلى التصدق، استغل عمر هذه الفرصة وقال: (اليوم أسبق أبا بكر) فتصدق بنصف ماله، وأبو بكر عندما تصدق أخذ كل ماله ووضعه بين يدي رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ لـ عمر: (ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت مثله، وقال لـ أبي بكر ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا أسابقك بعد اليوم). صهيب الرومي خرج من مكة إلى المدينة بالليل، وعلم كفار قريش بخروجه فلحقوا به وأمسكوه قبل أن يصل، فقالوا له: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، ثم تريد أن تخرج بالمال، والله لا يكون أبداً، فقال لهم: إن تركت لكم المال تخلون بيني وبين الهجرة؟ قالوا: نعم، فأخبرهم بمكانه، فلما وصل إلى النبي ﵊، وقص عليه ذلك قال له: (ربح البيع أبا يحيى)، فهؤلاء ما ضحوا إلا بعد ما خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم. فلذلك هرقل استدل بهذه الصفات الحميدة؛ أن الرسول ﵊ سيملك موضع قدميه، وفعلاً ملك الرسول ﵊ موضع قدمي هرقل.

стр. 1398

الأمر بإنزال الناس منازلهم واللطف بهم في الدعوة قوله ﵊ في الكتاب الذي أرسله إلى هرقل: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) لما ذكر نفسه نسبها إلى العبودية، ولما ذكر هرقل نسبه إلى العظمة؛ لأن هرقل رجل كافر، وهو يدعوه ويتألف قلبه، فلهذا لابد أن ينزله منزلته: (أنزلوا الناس منازلهم). يا أيها الدعاة إلى الله ﵎! إننا خسرنا كثيراً بإهمالنا لهذا الأصل، فقد يذهب أحدنا إلى قرية أو قبيلة للدعوة، فيعترض عليه رجل من كبار القبيلة، وهو أجهل من أبي جهل، فالواجب عليك ألا تحمل عليه بالكلام، لأن خسارتك لهذا الرجل خسارة كبيرة؛ لأنه قد يمنعك من دخول القبيلة أو القرية، فتحرم من دعوة أهل هذه القرية، أنا لا أقول لك: أقره على باطله، وليس هذا هو لازم القول، لكن أقول لك: استخدم القول اللين في توصيل الحق ولا تسكت عن باطل. يعني مثلاً: جاء رجل إلى محمد بن سيرين، وقال له: رأيت أن أسناني سقطت، فذهبت إلى فلان فقال لي: إن أولادك سيموتون، فأحزنني ذلك، قال له: بل سيبارك الله لك في عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً، فالتعبير نفس التعبير لكن اختلفت الصيغة؛ لأنه إذا كان آخر أهله موتاً، فهذا يعني أن أولاده سيموتون قبله. وبعض الناس يرتاح عندما تخبره بأشياء تسره حتى وإن لم تكن صحيحة لكنه يرتاح لمثل هذا الكلام. رجل عظيم في بلد من البلدان، وهو رجل فاسق، وأنا أريد أن أدخل هذا البلد، ما المانع أن أقول له: سمعتك سبقتك، والحقيقة أنت مشهور جداً، وكنت أتمنى أن أراك، وأنت أقررت باطلاً في المسألة هذه؟ وأدخلت في الدين ما ليس منه؟ وأخرجت من الدين ما هو منه؟ فسيتصور الرجل أن هذا كله مدح. وكان أحدهم في أيام التعذيب قد عذبه الجلاد أشد التعذيب -نسأل الله العافية- وبعد أن أكمل تعذيبه قال له: ادع لي، فقال له: الله يعينك ويحميك. (يعينك) يعني: يطردك، و (يحميك) يعني: يحميك بالنار، فالجلاد اعتقد أن معنى (يحميك) من الحماية، يعني: يحرسك. وسمعت شخصاً يقول لرجل: أنت من الأكابر، فأنكر عليه أحدهم، وقال له: الأكابر هم المجرمون، فقال له: ليس الأكابر الذين نعرفهم؟ فالإنسان يتلطف في هؤلاء الناس. فالنبي ﵊ لما أرسل بالرسالة، ما قال: إلى الكافر بن الكافر هرقل؛ لأن هذا نوع استعداء، لكن قال: (إلى هرقل عظيم الروم) وهو فعلاً عظيم الروم، وقد نسب نفسه ﵊ بمقتضى ما عنده من الإيمان للعبودية؛ لأنها أشرف صفة يوصف بها العبد، كما قال بعض العلماء في قوله ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١] قالوا: لو كانت هناك صفة أشرف من صفة العبودية لنسبه إليها؛ لأن هذه من أشرف الليالي، فوضع نفسه تواضعاً لله ﵎، كما ثبت في مسند مالك وأحمد وغيرهما: (أن جبريل ﵇ كان جالساً مع النبي ﷺ ، فسمعوا صوت باب يفتح من السماء، فقال جبريل: يا رسول الله! أو لا تدري ما هذا؟ قال: لا، قال: هذا باب ما فتح قبل اليوم، ولا يفتح بعد اليوم) نزل منه ملك، هذا الملك نزل لتخيير النبي ﷺ : (إن ربك يخيرك، ملكاً رسولاً أجعلك، أم عبداً رسولاً؟ قال: فنظر النبي ﷺ إلى جبريل يستشيره، فأشار إليه: أن تواضع لربك، فقال: بل عبداً رسولاً) هذا هو الشرف؛ فالإنسان الذي ينسب نفسه للعبودية يعلو: (كفى شرفاً أن أكون لك عبداً، وكفى لي عزاً أن تكون لي رباً).

стр. 1399

معنى قول أبي سفيان: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة) الفائدة الأخيرة وهي: بعدما ارتفعت الأصوات في الجلسة، وكثر الصخب، قال أبو سفيان: (فخرجت وقلت: لقد أمِر أمْر ابن أبي كبشة) أمِر: يعني زاد، من قوله ﵎: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] أمرنا هنا ليس من الأمر؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء، وهذه لها تأويلات؛ منها: أمرنا بمعنى: كثرنا، (أمرنا مترفيها) أي: كثرناهم، وزدنا في عذابهم، وهذا كقوله ﵎ في قصة موسى والخضر ﵉، لما قتل الخضر الغلام قام موسى فقال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، ولما خرق السفينة قال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١] (إمراً) أي: كثير الفساد، فما قال (إمراً) في الغلام، وإنما قال في السفينة؛ لأن كلمة (إمراً) يعني: كثير الفساد، ومنه قوله ﷺ كما رواه أحمد وغيره: (خير المال سكة مأبورة -النخل عندما تؤبره- ومهرة مأمورة) مأمورة يعني: كثيرة النتاج؛ تولد كثيراً. فكلمة: (أمِر) أي: لقد كثر وانتشر وشاع. قال: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة) أبو كبشة هو الجد الأعلى لأم الرسول ﵊، لماذا لم يقل: لقد أمِر أمر ابن عبد المطلب؟! فلماذا نسبه إلى جد غامض غير معروف؟! تحقيراً له؛ لأن العرب كانت إذا حقرت إنساناً نسبته إلى جدٍ غامض غير معروف في الناس. وفي حديث رواه ابن حبان والبزار بسندٍ حسن: (أن عبد الله بن أبي ابن سلول مر على النبي ﵊ فرآه في أجمة، فقال: لقد غبَّر علينا ابن أبي كبشة) غبَّر علينا، أي: أخذ مننا السلطان فبلغت هذه الكلمة الرسول ﵊، فذهب عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى النبي ﵊ فقال: (والذي بعثك بالحق، لو أمرتني لآتينك برأسه، قال له: لا، برَّ أباك، وأحسن صحبته). النسبة إلى الجد المشهور شرف، فالرسول ﵊ كان يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). ما كان يقول: أنا ابن عبد الله إلا في الرسائل التي كان يرسلها، فقد كان يقول فيها، (من محمد بن عبد الله)، لكن في قريش كان ينسب نفسه إلى جده عبد المطلب؛ لأنه كان أكثرهم نباهة في قريش. نسأل الله ﵎ أن يزيدنا وإياكم علماً، وأن يغفر لنا وإياكم، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 1400

الرؤيا والغيبة تنقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام: رؤيا صالحة من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا يحدث المرء بها نفسه، فكل ما يراه الإنسان في منامه لا يخرج عن واحدة مما سبق. والرؤيا سواء كانت صالحة أو مكروهة لها أحكام وآداب ينبغي مراعاتها، وعلى معبر الأحلام أن ينتقي أحسن الألفاظ عند تعبيره للرؤى والأحلام. واختلاق الرؤى والكذب على الناس في ذلك ولو بغرض الخير محرم شرعاً.

стр. 1401

صور وأنواع الرؤيا إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله ﵎: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥]. هاتان الآيتان اشتملتا على جملة من الفوائد، وأعظم هذه الفوائد أو أظهرها هي الرؤيا، والرؤيا من المبشرات كما قال النبي ﵌: (لم يبق شيء من النبوة إلا المبشرات)، فأثبت بهذا القول: بأن الرؤيا بشرى، وكما في حديث أبي قتادة في الصحيحين عن النبي ﵌ قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، وكذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁: (الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا يحدث المرء بها نفسه)، فكل ما يراه الإنسان في منامه لا يخرج عن واحدةٍ من هذه، الرؤيا الصالحة من الله، ورؤيا تحزين -أي: تهويل- من الشيطان، ورؤيا يحدث المرء بها نفسه.

стр. 1402

الفرق بين رؤيا الصالح والكافر في صحيح البخاري: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وفي هذا الحديث: الرؤيا الحسنة، وفي بعض الروايات الأخرى: (الرؤيا الصالحة)، وفي رواية: (الرؤيا الصادقة)، وكلها بمعنى الرؤيا الحسنة. (من الرجل الصالح) قيد الصلاح هنا مهم؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: (الرؤيا جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، فهل رؤيا الكافر إذا صحت تكون جزءاً من النبوة؟ الجواب لا. لماذا؟ لدلالة هذا الحديث، لذلك كان هذا القيد مهماً. بعض الكافرين رؤياهم صحيحة، كالملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣] وهو كافر صحت رؤياه، ورؤيا هرقل، لما رأى له صاحبه ظفر النبي ﷺ عليهم وأخذ ممالكهم، وهذا صح في صحيح البخاري، وكان ذلك صحيحاً، فيقال: الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، ويراها الرجل الصالح، فإذا رآها الكافر، لا تكون جزءاً من النبوة؛ لأن النبوة تشريف، فكيف يشرف الذي كفر بها أصلاً؟! وهذا القيد ومثله في الأحاديث ينبغي اعتباره؛ لأننا إذا أهملنا مثل هذا القيد، دخل تحته مثل هذه الجزئيات التي لا تقررها الشريعة، ففي حديث النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ولد صالح يدعو له)، فذكر الصلاح هنا دل على أن الولد الفاسد لا يستجاب له، ولا ينتفع الوالد بالولد الفاسد لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمجيء هذا الولد وبال عليه في الدنيا والآخرة، فإذا دعا الولد الفاسد لأبيه لا يستجاب له. فلأن النبي ﵊ قال: الولد الصالح، وقيد الولد بالصلاح، ووصفه بالصلاح، دل هذا على أن الفاسد ليس كذلك.

стр. 1403

بشارة الرؤيا الصالحة فقوله ﵊: (الرؤيا الحسنة -أو: الصالحة، أو: الصادقة- من الرجل الصالح، جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وإنما كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوة؛ لأن النبي ﷺ : أول ما بشر بالوحي بشر بالرؤيا الصادقة، كما قالت عائشة ﵁: (كان أول ما رآه النبي ﷺ -يعني من مبشرات النبوة- الرؤيا الصالحة، فكان إذا رأى رؤيا جاءت مثل فلق الصبح) لذلك صارت جزءاً من النبوة. قوله ﵊: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)؛ فأثبت أن الرؤيا بشرى؛ لكن بعض الرؤيا لا تكون بشرى: إنما تكون نذارة لصاحبها، فهل تدخل هذه في البشرى؟ نعم. مثل: حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين قال: (كنت شاباً عزباً، أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﵌، فكان الناس يرون رؤى، فيقصونها على النبي ﷺ ، فيؤولها لهم، فقلت في نفسي ذات ليلة: لو كان فيَّ خيرٌ لرأيت رؤيا، قال: فنمت في هذه الليلة، فرأيت -لكن يا لهول ما رأى- ملكين يجراني إلى النار، وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، فأخذاني فأوقفاني على شفيرها -أي: على حافتي النار- فإذا فيها أناسٌ معلقون من أرجلهم عرفتهم، وإذا ملكٌ أخذني منهم، وقال لي: لم ترع، أي لا تخاف، فاستيقظتُ وأنا أقول: أعوذ بالله من النار)، وكأنما هاب أن يقصها على النبي ﵊، فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂، فقصتها على النبي ﷺ ، فقال ﵊: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وفي الرواية الأخرى قال: (عبد الله رجلٌ صالح لو كان يقوم الليل)، قال راوي هذا الحديث، سالم ابنه: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا. فهذه الرؤيا وإن كان ظاهرها مفزعاً كما أفزعت ابن عمر ﵄، إلا أنها كانت من أوائل المبشرات؛ إذ دله النبي ﷺ على ما ينجيه من النار. وقد يكون الإنذار من جملة البشرى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥] يبشرون الذين آمنوا، وينذرون الذين كفروا، فإن الكافر إذا أنذر فأسلم كانت النذارة بمنزلة البشرى للمؤمن، إذاً فالنذارة تختلف: فقد تكون نذارةً محضة أو بشارة على حسب الأثر المترتب، فرؤيا ابن عمر وإن كان ظاهرها مؤلماً إلا أن عاقبتها كانت حسنة، استفاد منها ابن عمر، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً.

стр. 1404

قص الرؤيا على العالم الناصح لكن ينبغي أن لا يقص الرجل رؤياه إلا على عالمٍ أو ناصح؛ فإنه إذا فعل غير ذلك خسر. ويستفاد هذا من قوله ﵎، قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، فدل هذا على أنه لا يجوز أن تقص الرؤيا إلا على ناصحٍ محق، أو على عالمٍ بها، وقد ورد هذا صريحاً في صحيح مسلم، قال ﷺ : (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فليحمد لله وليستبشر بها)، هذا القدر أيضاً في صحيح البخاري، لكن زاد مسلم: (ولا يقصها إلا على من يحب). فإن الرؤيا إذا كانت بشرى فصادفت سامعاً ماكراً قلبها عليه، فلا تكون في حقك رؤيا إنما تكون تحزيناً حينئذٍ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، فقد علم يعقوب ﵇ حسد إخوته له، فإذا قال لهم: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، حسدوه، وقلبوا له التأويل، لذلك لا ينبغي أن تقص الرؤيا إلا على عالم، فإن الرؤيا لها ضوابط في التفسير، وليس كما يقول الناس: الرؤيا بالعكس، هذا غير صحيح، فقد يرى الإنسان في الرؤيا شيئاً سيئاً ويقع كما رأى، وسأذكر نماذج لذلك الآن، لكن إذا قصها على عالم -وعنده ضوابط التأويل- استفاد الرائي.

стр. 1405

استخدام الألفاظ الحسنة لتعبير الرؤيا جاء رجلٌ إلى بعض المعبرين في زمان ابن سيرين ﵀، وقال: إني رأيت أن أسناني سقطت، فقال له: يموت أولادك، فحزن الرجل، ولم يقتنع بهذا التأويل فذهب إلى ابن سيرين، وابن سيرين كما يقول الإمام الذهبي: كان له تأييد إلهي في تأويل الرؤيا، وصار علماً على المعبرين، فقال يـ ابن سيرين: رأيت أن أسناني سقطت فقال لي فلان: سيموت أولادك، فقال له: أبداً، بل سيبارك الله في عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً، مضمون التفسيرين واحد، إذا طال عمره حتى يكون آخرهم موتاً قطعاً سيموت أولاده قبله، لكن انظر إلى حسن الإلقاء، حسن التعبير عن الرؤيا، حتى وإن كانت مؤلمة، وهذه لا يفعلها إلا عالم أو ناصح.
следующие страницы →