← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

صور وأنواع الرؤيا إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله ﵎: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٤ - ٥]. هاتان الآيتان اشتملتا على جملة من الفوائد، وأعظم هذه الفوائد أو أظهرها هي الرؤيا، والرؤيا من المبشرات كما قال النبي ﵌: (لم يبق شيء من النبوة إلا المبشرات)، فأثبت بهذا القول: بأن الرؤيا بشرى، وكما في حديث أبي قتادة في الصحيحين عن النبي ﵌ قال: (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، وكذلك في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁: (الرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا يحدث المرء بها نفسه)، فكل ما يراه الإنسان في منامه لا يخرج عن واحدةٍ من هذه، الرؤيا الصالحة من الله، ورؤيا تحزين -أي: تهويل- من الشيطان، ورؤيا يحدث المرء بها نفسه.

стр. 1402

الفرق بين رؤيا الصالح والكافر في صحيح البخاري: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وفي هذا الحديث: الرؤيا الحسنة، وفي بعض الروايات الأخرى: (الرؤيا الصالحة)، وفي رواية: (الرؤيا الصادقة)، وكلها بمعنى الرؤيا الحسنة. (من الرجل الصالح) قيد الصلاح هنا مهم؛ لأنه ورد في بعض الأحاديث: (الرؤيا جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، فهل رؤيا الكافر إذا صحت تكون جزءاً من النبوة؟ الجواب لا. لماذا؟ لدلالة هذا الحديث، لذلك كان هذا القيد مهماً. بعض الكافرين رؤياهم صحيحة، كالملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣] وهو كافر صحت رؤياه، ورؤيا هرقل، لما رأى له صاحبه ظفر النبي ﷺ عليهم وأخذ ممالكهم، وهذا صح في صحيح البخاري، وكان ذلك صحيحاً، فيقال: الرؤيا الصادقة جزء من النبوة، ويراها الرجل الصالح، فإذا رآها الكافر، لا تكون جزءاً من النبوة؛ لأن النبوة تشريف، فكيف يشرف الذي كفر بها أصلاً؟! وهذا القيد ومثله في الأحاديث ينبغي اعتباره؛ لأننا إذا أهملنا مثل هذا القيد، دخل تحته مثل هذه الجزئيات التي لا تقررها الشريعة، ففي حديث النبي ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، ولد صالح يدعو له)، فذكر الصلاح هنا دل على أن الولد الفاسد لا يستجاب له، ولا ينتفع الوالد بالولد الفاسد لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمجيء هذا الولد وبال عليه في الدنيا والآخرة، فإذا دعا الولد الفاسد لأبيه لا يستجاب له. فلأن النبي ﵊ قال: الولد الصالح، وقيد الولد بالصلاح، ووصفه بالصلاح، دل هذا على أن الفاسد ليس كذلك.

стр. 1403

بشارة الرؤيا الصالحة فقوله ﵊: (الرؤيا الحسنة -أو: الصالحة، أو: الصادقة- من الرجل الصالح، جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)، وإنما كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوة؛ لأن النبي ﷺ : أول ما بشر بالوحي بشر بالرؤيا الصادقة، كما قالت عائشة ﵁: (كان أول ما رآه النبي ﷺ -يعني من مبشرات النبوة- الرؤيا الصالحة، فكان إذا رأى رؤيا جاءت مثل فلق الصبح) لذلك صارت جزءاً من النبوة. قوله ﵊: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات)؛ فأثبت أن الرؤيا بشرى؛ لكن بعض الرؤيا لا تكون بشرى: إنما تكون نذارة لصاحبها، فهل تدخل هذه في البشرى؟ نعم. مثل: حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين قال: (كنت شاباً عزباً، أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﵌، فكان الناس يرون رؤى، فيقصونها على النبي ﷺ ، فيؤولها لهم، فقلت في نفسي ذات ليلة: لو كان فيَّ خيرٌ لرأيت رؤيا، قال: فنمت في هذه الليلة، فرأيت -لكن يا لهول ما رأى- ملكين يجراني إلى النار، وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، فأخذاني فأوقفاني على شفيرها -أي: على حافتي النار- فإذا فيها أناسٌ معلقون من أرجلهم عرفتهم، وإذا ملكٌ أخذني منهم، وقال لي: لم ترع، أي لا تخاف، فاستيقظتُ وأنا أقول: أعوذ بالله من النار)، وكأنما هاب أن يقصها على النبي ﵊، فقصها على أخته حفصة أم المؤمنين ﵂، فقصتها على النبي ﷺ ، فقال ﵊: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وفي الرواية الأخرى قال: (عبد الله رجلٌ صالح لو كان يقوم الليل)، قال راوي هذا الحديث، سالم ابنه: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا. فهذه الرؤيا وإن كان ظاهرها مفزعاً كما أفزعت ابن عمر ﵄، إلا أنها كانت من أوائل المبشرات؛ إذ دله النبي ﷺ على ما ينجيه من النار. وقد يكون الإنذار من جملة البشرى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [النساء:١٦٥] يبشرون الذين آمنوا، وينذرون الذين كفروا، فإن الكافر إذا أنذر فأسلم كانت النذارة بمنزلة البشرى للمؤمن، إذاً فالنذارة تختلف: فقد تكون نذارةً محضة أو بشارة على حسب الأثر المترتب، فرؤيا ابن عمر وإن كان ظاهرها مؤلماً إلا أن عاقبتها كانت حسنة، استفاد منها ابن عمر، فكان لا ينام من الليل إلا قليلاً.

стр. 1404

قص الرؤيا على العالم الناصح لكن ينبغي أن لا يقص الرجل رؤياه إلا على عالمٍ أو ناصح؛ فإنه إذا فعل غير ذلك خسر. ويستفاد هذا من قوله ﵎، قال: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، فدل هذا على أنه لا يجوز أن تقص الرؤيا إلا على ناصحٍ محق، أو على عالمٍ بها، وقد ورد هذا صريحاً في صحيح مسلم، قال ﷺ : (إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها، فليحمد لله وليستبشر بها)، هذا القدر أيضاً في صحيح البخاري، لكن زاد مسلم: (ولا يقصها إلا على من يحب). فإن الرؤيا إذا كانت بشرى فصادفت سامعاً ماكراً قلبها عليه، فلا تكون في حقك رؤيا إنما تكون تحزيناً حينئذٍ: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥]، فقد علم يعقوب ﵇ حسد إخوته له، فإذا قال لهم: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، حسدوه، وقلبوا له التأويل، لذلك لا ينبغي أن تقص الرؤيا إلا على عالم، فإن الرؤيا لها ضوابط في التفسير، وليس كما يقول الناس: الرؤيا بالعكس، هذا غير صحيح، فقد يرى الإنسان في الرؤيا شيئاً سيئاً ويقع كما رأى، وسأذكر نماذج لذلك الآن، لكن إذا قصها على عالم -وعنده ضوابط التأويل- استفاد الرائي.

стр. 1405

استخدام الألفاظ الحسنة لتعبير الرؤيا جاء رجلٌ إلى بعض المعبرين في زمان ابن سيرين ﵀، وقال: إني رأيت أن أسناني سقطت، فقال له: يموت أولادك، فحزن الرجل، ولم يقتنع بهذا التأويل فذهب إلى ابن سيرين، وابن سيرين كما يقول الإمام الذهبي: كان له تأييد إلهي في تأويل الرؤيا، وصار علماً على المعبرين، فقال يـ ابن سيرين: رأيت أن أسناني سقطت فقال لي فلان: سيموت أولادك، فقال له: أبداً، بل سيبارك الله في عمرك حتى تكون آخر أهلك موتاً، مضمون التفسيرين واحد، إذا طال عمره حتى يكون آخرهم موتاً قطعاً سيموت أولاده قبله، لكن انظر إلى حسن الإلقاء، حسن التعبير عن الرؤيا، حتى وإن كانت مؤلمة، وهذه لا يفعلها إلا عالم أو ناصح.

стр. 1406

الرؤيا قد تتحقق في الواقع قد تقع الرؤيا كما رئيت وتتحقق في الواقع، كرؤيا النبي ﵌ قبل غزوة أحد، قال: (رأيتُ أنني في درعٍ حصينة، هززت سيفي فانقطع رأسه، ورأيت بقراً تنحر والله خير)، فاقترح عليهم النبي ﵊ أن لا يهاجمهم، قال: نبقى في المدينة، فإن هاجمونا صددناهم، فقالوا: والله يا رسول الله ما دخلوها علينا في جاهلية، أفيدخلونها علينا في الإسلام؟! قال: فشأنكم إذاً؛ فلما خرجوا من عنده لام بعضهم بعضاً وقالوا: رددنا على النبي ﷺ رأيه، فرجعوا إليه، قالوا: يا رسول الله ما ترى؟ وكان قد لبس اللأمة، واللأمة هي درع الحديد يلبسها المقاتل في القتال يتقي بها ضربات السيف، فقال ﵊: (إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأْمَتَه أن يضعها حتى يقاتل). فأول النبي ﷺ سيفه الذي انقطع بمقتل رجلٍ من أهله، فكان حمزة، وأول البقرة التي تنحر: بنفرٍ من أصحابه يقتلون، فقتل سبعون. لذلك قال: والله خير. فرأى هذه الرؤيا فوقعت كما رأى فليس قلب الرؤيا بالعكس ضابطاً من ضوابط التأويل، لا. لكنها تحتاج إلى عالمٍ ناصح.

стр. 1407

آداب الرؤيا الصالحة والمكروهة الرؤيا الصادقة لها آداب، والرؤيا المكروهة لها آداب إذا رأيت الرؤيا تحبها فاحمد الله وبشر بها من تحب، وإذا رأيت الرؤيا تكرهها، فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنها منه، ثم ابصق عن يسارك ثلاثاً إذا انتبهت من نومك، ولا تحدث بها أحداً أصلاً؛ فإنها لا تضرك، ثم قم فصل وتحول عن جنبك الذي كنت نائماً عليه، وقد ورد هذا في حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ومسلم: (وإذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليبصق حين يفزع من نومه عن يساره ثلاثاً، ولا يحدث بها أحداً؛ فإنها لا تضره) وفي صحيح البخاري قال: (ثم يصلي ويتحول عن جنبه الذي كان عليه). ما هو الضابط بين الحلم وبين الرؤيا؟ الرسول ﵊ قال: (الرؤيا الصالحة من الله) وقال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها)، ولا شك أن ما يراه الإنسان من تلاعب الشيطان به من جملة ما يكره، فإن كان الأمر كذلك، فكيف قص ابن عمر رؤياه التي يكرهها على الرسول ﵊ ولم يكتمها، ولم يبصق عن يساره ثلاثاً؟ الضابط ما بين الرؤيا التي تدخل في جملة الرؤيا الصالحة وتكون في النذارة، وما بين الرؤيا التي لا ينبغي أن يقصها المرء أصلاً: أن الرؤيا التي لا ينبغي أن يقصها المرء أصلاً: هي التي لا منفعة منها، كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في صحيح مسلم، جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت رأسي قطعت وأنا أتبعها، رأسه قطعت وتطير أمامه، وهو وراءها يريد أن يأخذها- فقال ﵊: (لا يحدث أحدكم بتلاعب الشيطان به). ترى مثلاً أنك تهبط من جبل عالٍ أو أنت تطير وهناك شيطان يطير وراءك، أو نسر يطير خلفك، وبعد أن ينتبه الإنسان من نومه ويجد نفسه على السرير يحمد الله، فهذه الرؤيا من الشيطان، ولذا قال له الرسول ﵊: لا تقصها إذا أصبحت؛ لأنها من تلاعب الشيطان. إذا رأى الرجل شيئاً من النار، عذاب النار، أو مشتقات النار، وألقي في روعه أن هذا من حيات النار مثلاً أو من ثعابين النار فعليه أن يطلب التأويل، أما إذا رأى رأسه تطير وهو يطير وراءها، فأي شيء في ذلك؟! وضابطٌ آخر ذكره العلماء وهو إذا كان المرء يعلم أنه من الصالحين، بأن يقوم بما افترض الله عليه ظاهراً، ويجتهد في تصحيح نيته؛ فإذا رأى ما يكره فليقصها على عالمٍ أو ناصح، فإن هذه أيضاً تدخل من جملة النذارة؛ أما إذا علم المرء من نفسه تقصيراً فيما فرض الله عليه، وعدم تصحيح لنيته فهذا من تلاعب الشيطان به.

стр. 1408

تأويل الرؤيا بما فيها من ألفاظ كان النبي ﷺ إذا سئل عن رؤيا يأخذ تأويل الرؤيا من الأسماء أو من بعض الألفاظ الموجودة في الرؤى، كما قال له رجل: رأيت أنني أكل من رطب ابن طاب، فقال النبي ﵊: (أرى أن ديننا طاب)، فحمل الرؤيا على المحمل الحسن من الاسم، وهذا أحد ضوابط التأويل. كما قابل النبي ﷺ بريدة بن الحصيب في أول الإسلام، فقال له: ما اسمك؟ فقال: بريدة، فالتفت إلى أبي بكر وقال: برد أمرنا وصلح، فأخذه من اسمه، جاء قومٌ وكانوا قد أسلموا فقال: ممن القوم؟ قالوا: من غفار، قال: غفر الله لها، وأنتم؟ قالوا: من أسلم، قال: سلمها الله، فأخذها من الاسم أيضاً؛ لذلك كان النبي ﷺ يغير الاسم القبيح لأجل هذا. (جاءته امرأةٌ قال لها: ما اسمك؟ قالت: عاصية، قال: بل أنت جميلة)، وسماها جميلة كما في صحيح مسلم، وجاءه رجلٌ قال له: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم، قال: بل راشد بن مقسط فغيره. وجاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب ﵁ قال: ما اسمك؟ قال: طارق بن شهاب، قال: ممن أنت؟ قال: من الحرقة، قال: قال: فالحق بيتك فإنه يحترق. فرجع الرجل إلى بيته فوجده احترق. فيأخذ مفسر الأحلام من الاسم أو من بعض مفردات الرؤى تأويل الرؤيا، فيذكر الذي يستحسنه السامع، ويكتم بعض الذي يكرهه، إن وقع في روعه ذلك لمصلحة الرائي. كما في حديث ابن عباس ﵁ في صحيح مسلم، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: رأيت شجرةً ينطف منها السمن والعسل، والناس يأخذون منها، فمن مقلٍ ومن مستكثر، ثم رأيت سبباً ممدوداً بين السماء والأرض -السبب هو الحبل يقول هذا الكلام للرسول ﵊ فتعلقت به فعلوت، فتعلق به رجل بعدك فعلا، فتعلق به رجلٌ بعده فعلا، فتعلق به رجلٌ بعده فانقطع، ثم وصل له بسبب فعلا، فقال: أبو بكر: بأبي أنت يا رسول الله لأعبرنها، أي: دعني أؤولها، قال: نعم. قال: أما الشجرة: فهي الإسلام، وأما الشيء الذي ينطف منها: أي يقطر، فهو القرآن، والناس من مستقلٍ منه ومن مستكثر، وكلما استكثر أخذ حلاوة وشعر بها، وأما السبب فهو الحق الذي أنت عليه، يعليك الله به، ثم يأخذ به رجلٌ بعدك، فيعليه الله به، ثم يأخذ به رجل بعده فيعليه الله به، ثم يأخذ به رجل بعده فينقطع، ثم يعليه الله به، بأبي أنت يا رسول الله أصبت أم أخطأت؟ قال له: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فحلف عليه وقال: بالله عليك ما الذي أخطأت فيه، قال: لا تقسم، وفي رواية الدارمي، قال: فأبى أن يخبره. لذلك نحن لا ندري على وجه التحديد ما الذي أخطأ فيه أبو بكر في التأويل؛ لكن تأويلها جزءٌ منها ظاهر، وهو السبب الحبل المدود من السماء إلى الأرض، أخذ به النبي ﷺ فعلاً، ثم أخذ به أبو بكر فعلاً، ثم أخذ به عمر فعلاً. ثم أخذ به عثمان فانقطع به، وتلك الفتنة التي جرت في أواخر عهد عثمان، وقتل بسببها، واقتتل المسلمون بسببها، ثم وصل له فعلا. ويمكن أن تعلم هذا أيضاً في حديث آخر في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: دخل النبي ﷺ بستاناً وأمرني بحفظ الباب، وقال: لا يدخلن أحد؟ فدخل النبي ﷺ وفي البستان بئرٌ، فكشف عن فخذيه، ودلى رجليه في البئر، فجاء أبو بكر، قلت: على رسلك، أي تمهل، ودخل، فقال: يا رسول الله أبو بكر في الباب؟ قال: ائذن له وبشره بالجنة، فأذن له بعدما بشره بالجنة، فدخل أبو بكر وجلس بجانب النبي ﷺ وكشف عن فخذيه، ودلى رجليه في البئر، فقال أبو موسى الأشعري يحدث نفسه: إن يرد الله بفلان خيراً وهو أخوه، فليأت به الساعة لماذا؟ لأنه يقول له: ائذن له وبشره بالجنة، إذاً استفاد من البشرى، قال: فجاء عمر، قلت: على رسلك، فدخل فقال عمر بالباب؟ قال: ائذن له وبشره بالجنة، ودخل عمر، فجلس بجانب أبي بكر فكشف فخذيه، ودلى رجليه في البئر، فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به، ويقصد أخاه، قال: فجاء عثمان فقلت: على رسلك، فقلت: عثمان بالباب؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، وهذا هو السبب الذي انقطع، فانقطاع الحبل كان من هنا، ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال: عثمان الله المستعان! ودخل فلم يجد مكاناً، فجلس قبالتهم في الجانب الآخر من البئر.

стр. 1409

ضابط في الغيبة إذا كان الكلام على جهة التعريف بالأشخاص فلا مانع، أما إذا كان على جهة التنقيص فلا يجوز، ومن هنا نجمع بين قوله ﷺ : (ما فعل القوم الجعد القصار)، وبين قول عائشة ﵂: (حسبك منها أنها قصيرة)، السيدة عائشة ﵂ خرجت الكلمة منها على جهة التنقيص، لذلك كانت حراماً وكانت غيبة، إذا لا مصلحة من ذكر أنها قصيرة، بخلاف النبي ﷺ : (ما فعل القوم الجعد القصار)، فإنه جرى مجرى التعريف لهم، كما لو قلت أنت: فلان الأعرج الذي يسكن بجانبنا، هل تعرفه؟ أو الأعمى أو الأحول، كل هذه العيوب، أنت أجريتها مجرى التعريف؛ لكن إذا خرجت من التعريف إلى التنقيص أو التحقير كان غيبة؛ كأن يأخذ المتكلم من نفس اسم الإنسان سباً، أو يجزئ الاسم إلى مقطعين فيصبح سباً أو لعناً أو نحو ذلك؛ فهذا كله محرم لا يجوز؛ إذ لا مصلحة في ذلك إلا الهجاء وهو محرم. مثل نفطويه - نفطويه أحد علماء النحو الكبار- ولقب بـ نفطويه، على مقياس سيبويه؛ لأنه جرى على طريقة سيبويه في النحو. كان بين نفطويه وبين ابن دريد، صاحب كتاب جمهرة اللغة، ما يكون بين الأقران من التنازع والتنافر، فقال نفطويه: ابن دريد بقرة فيه لؤم وشره قد ادعى بجهله وضع كتاب الجمهرة وهو كتاب العين إلا أنه قد غيره يقول: إن كتاب الجمهرة أصلاً ليس من تأليف ابن دريد، بل أخذ كتاب العين، وسطا عليه، وقدم فيه وأخر، ونسبه لنفسه، فـ ابن دريد هجاه وقال له: من سره أن لا يرى فاسقاً فليجتهد أن لا يرى نفطوَيْه أحرقه الله بنصف اسمه وصير الباقي نواحاً عليه نفطويه: نفط، أي: بترول، أحرقه الله بالنصف الأول من اسمه، يعني بالجاز، وجعل الباقي صراخاً عليه: ويه ويه، ويه. فهذا قطع اسمه نصفين على سبيل الهجاء وعلى سبيل الذم، وهذا لا يجوز. وقد اختلف العلماء في ضبط اسم نفطويه وكل من جرى هذا المجرى، هل هو نِفْطَوَيْه، أو نِفْطُويَه، فأهل اللغة يقولون: (نفطُويَة، سِيُبَوُيَة، زَنْجُوُيَة، مَنْجُوُيَة)، هذه كلها ألقاب لعلماء، وأهل الحديث يقولون: (سِيْبَوَيْه، نِفْطَوَيْه، زِنْجَوَيْه، مِنْجَوَيْه وهكذا)، وطبعاً واضح أن أهل الحديث أخف وألطف؛ لأن نطقهم نفسه لطيف، فهم يذكرون الضبطين في نفطويه، فـ ابن دريد على ضبط أهل الحديث: من سره أن لا يرى فاسقاً فليجتهد أن لا يرى نفطوَيْه إلى آخر ما قال. ابن بسام جرى على مجرى علماء اللغة، فقال: -وهذه الرؤيا ادعاها ابن بسام وسنذكر حكمها عند الكلام على الرؤى وأحكامها-: رأيت في النوم أبي آدماً صلى عليه الله ذو الفضل فقال أخبر ولدي كلهم من كان في حزنٍ وفي سهل بأن حوا أمهم طالقٌ إن كان نفطوية من نسلي فهو حين: رأيت في النوم أبي ويقص هذا الكلام، فهذا الفعل محرم؛ لأنه قال ﵊: (من أرى عينيه ما لم تريا، فليتبوأ مقعده من النار)، وقال: (من تحلم حلماً كلف يوم القيامة أن يعقد شعيرة وليس بفاعل)، وهذا سنذكره عند الكلام على الرؤى وأحكامها، أن الإنسان لا يجوز له أنه يدعي أنه رأى حلماً، لكي يخيف شخصاً مثلاً، رجل عرف عنه بأنه يأكل أموال اليتامى ظلماً، فيقول شخص من أهل الخير -وهو كاذب في ذلك- لأبناء هذا المعتدي: رأيت أباكم في المنام موثقاً بالقيود، وإذا بشخص يضربه قائلاً له: أموال اليتامى يا مفتري أكلت مال النبي، وغايته من اختلاق هذه الرؤيا تخويف هذا الرجل الذي يأكل أموال اليتامى، فلا يجوز أن يفتري هذا الحلم بسبب الخير هذا؛ لأن الرسول ﵊ منعنا أن نفتري في الأحلام؛ لأن الأحلام مبشرات، والأحلام لا يؤخذ منها أحكام شرعية؛ لأن الأحلام مبشرات، وهي جزء من النبوة، فلو ترك الناس هكذا، للعبوا بالنبوة، كما قال مالك: أيلعب بالنبوة؟!

стр. 1410

الأمور التي لا تحرم فيها الغيبة القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ومجاهر فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر

стр. 1411

حكم من استفتى فذكر غيره بما يكره (ومستفتٍ) إذا أراد رجل أن يستفتي حتى لو كشف بعض ما يتأذى منه خصمه أو جاره أو زوجه، فإنه لا جناح عليه، ومنه حديث عائشة ﵂، قالت: (جاءت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ﵄ إلى النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح -الشح: أشد البخل- فهل عليَّ أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ (ووقع في بعض الطرق: بغير علمه) فقال لها ﵊: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). فأذن لها أن تأخذ من مال زوجها الشحيح بغير إذنه، الشاهد من الحديث قالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح)، ولو علم أبو سفيان: أنه وصف بالبخل في مجلس النبي ﵊ لتأذى من ذلك، لاسيما أن البخل يتأذى منه كل النبلاء، وأقول: النبلاء؛ لأن بعض الناس لؤماء، يرى أحدهم أن البخل حنكة وتدبير للمعاش، مع أن البخل من أدوأ الأدواء؛ كما وصفه النبي ﵊، لما قال: (يا بني سلمة من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس، لكننا نبخله -وفي رواية- لكنه بخيل، قال: وهل هناك داء أدوأ من البخل؟!) يعني أقبح ما يوصف به شريف القوم البخل، إنما سيدكم هو عمرو بن الجموح، وكان فقيراً ضعيفاً متضعفاً. ولا شك أن أبا سفيان لو علم أنه نسب إليه الشح لانزعج، لكن المرأة ما قصدت أن تذهب وتفضح أبا سفيان، إنما ذهبت تستفتي -وهنا تنبيه: بعض النساء يجلسن مع بعض، وتقول: أنا لا أجد ما آكل، زوجي لا يطعمني، أو الولد يقول على أبيه كذا، أو الأب يقول كذا على ابنه، من باب الشكوى والتنفيس، ولكن أنت تقولين هذا الكلام لمن لا يستطيع رفع الظلم عنك، فإذا كانت شكواك لمجرد التنفيس، فهذه من الغيبة المحرمة، إلا إذا قلت هذا الكلام لمن تطلب منه المشورة التي هي قائمة مقام الفتوى أو مساوية للفتوى، فلان بخيل ولا يؤكلني، ماذا أفعل؟ إذا كانت المسألة هكذا، خرجت مخرج الفتوى، أما إذا كانت شكوى محضة، لا ينبني عليها فائدة، فهذا كله داخلٌ في باب الغيبة المحرمة.

стр. 1412

حكم الغيبة لإزالة المنكر ومن طلب الإعانة في إزالة منكر؛ لأنه لا يمكنك إزالة المنكر إلا إذا وصفت المنكر للذي ترجو منه العون، ولا يصح أن تقول له: انهض معي لنزيل المنكر دون أن تخبره ما هو المنكر ومن الذي قام به، فإذا لم تخبره فإنه لن ينهض معك لتغيير هذا المنكر ولن يحرك ساكناً. كما روى الإمام أبو داود وابن الجارود في المنتقى: أن شخصاً ذهب إلى مسجد من المساجد، فسمع جماعة يقرءون قرآناً عجباً، ليس مثل القرآن الذي سمعه الجن ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:٢] فقد كان قرآناً عجباً بالنسبة لهم، وهو قرآن يهدي إلى الرشد، إنما سمع قرآناً عجباً يهدي إلى الفقر، سمعهم يقولون: واللاقمات لقماً والخابزات خبزاًً والعاجنات عجناً! فأول ما سمع هذا الكلام ذهب إلى ابن مسعود، وقال له: سمعت الآن أقواماً يقرءون كذا وكذا، وكان أميراً على الكوفة، فأرسل صاحب الشرطة فجاء بهم؛ فكان أحدهم رسول مسيلمة الكذاب الذي أرسله إلى النبي ﷺ ، فـ مسيلمة بعث رسولاً لكي يقول للرسول ﷺ آمن بي! فقال ﵊: (لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك)، وأبى الرسول ﵊ أن يقتله؛ لأنه رسول، فلما وجده ابن مسعود قال: والله لأقتلنك، وأمر به فقتله، لماذا؟ لأنه انتفت عنه الصفة التي من أجلها عُصِم دمه، امتنع الرسول ﵊ قال: (لولا أنك رسول لقتلتك)، لكنه الآن ليس رسولاً. إذاً هذه الأوصاف الستة التي لا يكون فاعلها مغتاباً ولا يأخذ حكم المغتاب: القدح ليس بغيبةٍ في ستة متظلم ومعرف ومحذر ومجاهرٍ فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، ونسأل الله أن يجمعنا وإياكم على الخير. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1413

حكم تعريف شخص ما بعيب فيه تعريف شخص ما بعيب فيه كالعمى والعرج وغيرها، لا يجوز إذا خرج مخرج التنقيص، وأما إذا خرج مخرج التعريف فهذا لا إشكال فيه، وهذا هو القسم الثاني: الذي لا تكون فيه الغيبة محرمة. القدح ليس بغيبةٍ في ستةٍ متظلم ومعرفٍ ومحذر

стр. 1414

التحذير لا يدخل في الغيبة المحرمة المحذر هو من يقول مثلاً: لا تكن كفلان، كما قال النبي ﷺ لرجلٍ كما في الحديث الصحيح: (لا تكن كفلان كان يقوم الليل فتركه). فالنبي ﵊ إنما ذكر فلاناً تنقيصاً له وذماً، أنه كان يقوم الليل فتركه؟ فحذره أن يكون مثله، وكما لو ذهب بعض الناس إلى القاضي أو إلى الحاكم، فقال: إن فلاناً يفعل كذا، وأخشى أن يفعل كذا وكذا، واحذر من فلان فإنه يفعل كذا وكذا، وذكرهم بالسوء، فهذا كله جائز.

стр. 1415

حكم غيبة أهل البدع و (مجاهر فسقاً) فلو جاهر الرجل بالفسق؛ فإنه ليس لأهل المعاصي حرمة، وليس لأهل البدع من باب أولى حرمة، ولذلك لما سئل الحسن، أنه يوجد رجل فيه بدعة فهل أفضحه؟ قال: نعم، وقال: ليس لهم حرمة. وهذا ظاهر من الحديث الأول في صحيح مسلم، حديث عمر بن الخطاب ﵁، الذي رواه يحيى بن يعمر، لما قال: خرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فوافق أن لقينا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد أو خارجاً منه، فقلنا: أبا عبد الرحمن إنه ظهر أناس يتقفرون العلم، ويقرءون القرآن، وذكر من شأنهم -أي من عباداتهم ومن جدهم ومن اجتهادهم ونحو ذلك- وأنهم يقولون: إن الأمر أنف -بمعنى: أن الله لا يعلم بالأمر حتى يحدث- فقال عبد الله بن عمر: إذا لقيتهم، فأخبرهم أنني منهم براء، وهم بريئون مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أنفق أحدهم مثل أحدٍ ذهباً ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم ساق الحديث. فـ عبد الله بن عمر تبرأ منهم، مع أن ولاية المؤمن للمؤمن من أعظم القربات، إلا أنه تبرأ منهم، ووقع فيهم وهم غائبون، فلا شك أن هؤلاء لو علموا أن ابن عمر تبرأ منهم لأحزنهم ذلك، ومع ذلك لم يأبه عبد الله بن عمر بذلك، ولولا ذلك ما عرف المسلمون أهل البدع من أهل السنة، ونحن نجد أن العلماء صنفوا في أهل البدع كتباً، وذكروهم بأسمائهم، وذكروا قبح مقالاتهم ليحذرهم المسلمون. ولذلك الإمام أحمد لما سئل عن تبيين بدعة المبتدع، قال: نعم هي أولى من جهاد الكفار، وهذا كلام كله فقه؛ لو قيل -وهذه هي الليلة الختامية لـ إبراهيم الدسوقي - لو قلنا لكم جميعاً وقلنا للمسلمين جميعاً في سرادق عظيم: كيف يسمح بهذا المحفل الشركي في ديار المسلمين؟! كيف يطوف بهذا القبر ألوف مؤلفة، يقصدونه كما نقصد نحن البيت العتيق؟! وجعلنا نستنفر الناس والهمم تجد أن الذي سيقف بجانبك قليل، وإذا دعوت الناس أن يقفوا معك ضد اليهود الكفار، الذين عداوتهم ظاهرة، فنحن لا نحتاج إلى جهد أننا نثير الجماهير حتى الغافلة في مقاومة الكافرين. لذلك كان القدح في المبتدع أولى من القدح في الكافر؛ لأن الكافر عداوته ظاهرة لكل أحد، والكل يستنفر ضده. لما عرضت مسرحية رسمت فيها الكعبة، وأتوا بامرأة عارية، ترقص على الكعبة من فوق، وبعد ذلك يخرج بئر بترول من تحت الكعبة؛ من أجل أن الذين عندهم البترول والكعبة في أرضهم هذا هو سلوكهم، ونتساءل: كيف هانت الكعبة حتى ولو بالكرتون على مثل هذا المخرج؟ وكيف أجيزت من الرقابة؟ وكيف طلعت هذه العارية على مسرح الجماهير؟ هذا العمل مثل ما كتب الشاعر في صحيفة الأهرام منذ أربع سنين، حين قال: (الله في مدينتي ينام على الرصيف)، تقول له: لماذا؟ يقول لك: يا أخي! الله المقصود به: الفضيلة، الخير، هذا التعليل العليل الذي تكلم به. نحن نعرف أن هذا اللفظ الجليل (الله) لم يسم به أحد إلا الله؛ عندما يقول: (الله في مدينتي ينام على الرصيف) هذا كلام كفري صريح لا يحتاج إلى تأويل معنى آخر. فهناك أشياء معينة الجماهير كلها يمكن أن تتبناها، على رأس ذلك إذا كان معسكر العدو من الكافرين الذين يتربصون بالمسلمين وعداوتهم ظاهرة، بخلاف المبتدعة: هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا، ويأكلون من ذبائحنا ويستقبلون قبلتنا، لذلك كان هتك هؤلاء المبتدعة واجباً، وهذا داخل في جملة التحذير، أنا أقول: لا تقرءوا لفلان ولا تأخذوا الفتوى من فلان، فإنه جاهل أو أنه يلعب بدينه، أو أنه كذا وكذا، وأذكر فيه صفات، لو علم بها لانزعج مني. وسبق أن قلنا أن أهل المعاصي ليس لهم حرمة، وأن أهل البدع داخلون في ذلك من باب أولى.

стр. 1416

الانتماء لله ورسوله الانتماء لله ورسوله من أسباب انتصار السلف على أعدائهم وظهورهم عليهم؛ لأن الانتماء لله ورسوله يُشعر المرء بالعزة بدين الله وأنه منتمٍ إلى الله ، فيبذل كل ما يستطيع لنصرة هذا الدين وإعلاء كلمته، وقد كان في حياة السلف الكثير من الصور التي تدل على صدق انتمائهم إلى الله ورسوله ﷺ .

стр. 1417

ترك الانتماء لله ورسوله من أسباب الوقوع في المهالك إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الانتماء لله ورسوله هو من أسباب انتصار السلف على أعدائهم وظهورهم عليهم، لذلك ينبغي للآباء أن يعلموا أبناءهم صدق الانتماء لله ورسوله، ونحن في زمان صار فيه ترك الانتماء قاعدة من قواعد البحث العلمي، وكتبت فيه رسائل دكتوراه وماجستير، وأطلقوا عليه اسم: الانحياز العلمي؛ حتى أصبحوا يحذرون منه ويقولون: لا تنحاز لفلان ولا علان. هذا الحياز العلمي المزعوم هو الذي جعل رجلاً مثل الدكتور طه حسين -الذي صار عميد الأدب العربي مع وجود الأدباء الأفاضل مثل الرافعي مثلاً- هو الذي جعله يذهب إلى القول بأن القرآن الكريم ينبغي أن نعرضه للنقد ككتاب أدبي من كتب الشعر والنثر، وطرد من الأزهر وفصل، وكفروه، لكنه تاب والله أعلم. الانتماء هو الذي رفع الغرب، فهم مع أنهم لا يعبدون الله لكن ينتمون إلى بلادهم محبون لها، لذلك صنعوا الأعاجيب لها. الانتماء لله ورسوله الركن الذي ميز الصحابة، ووجد في هذا العصر من يعتدي عليهم بكلام لا يليق بهم وهؤلاء لو ركب بعضهم بعضاً حتى بلغوا عنان السماء ما وصلوا إلى شسع نعل أحدهم، وقد وجدت لأحدهم كتاباً يتحدث فيه عن الصحابة والجنس، ولما قرأت بعض كلامه اقشعر جلدي والله؛ فقد تكلم عن عمر بن الخطاب كلاماً لا يقوله كافر، مع ما لـ عمر من المكانة عند جماهير المسلمين، فالذين يعتدون على الصحابة دمهم مباح. ما هي جريمة عمر التي عرضها هذا الكاتب؟ قال في كتابه: إن عمر بن الخطاب لم يكن رجلاً نبيلاً؛ لأنه لما أراد أن يتزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وكانت فتاة صغيرة، استخدم سلطته كأمير المؤمنين، وكان يقول لـ علي بن أبي طالب: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل نسب مقطوع إلا نسبي، وكل سبب مقطوع إلا سببي) وأنا أريد أن يكون لي سبب ونسب بآل البيت، فكأن هذا الكاتب يريد أن يقول: إن عمر كاذب؛ لأنه يريد المتعة، وإنما قال ذلك ذريعة للوصول إلى هدفه. يقول الكاتب: برغم معارضة الحسن وعقيل لهذا الزواج إلا أن جهود ابن الخطاب أثمرت، وهذه الأساليب المتباينة عهدناها من الحكام في كل زمان ومكان: أن أقوالهم تخالف أفعالهم؛ لأن ابن الخطاب قد وعظ الناس وأمرهم بتخفيف المهور، إلا أنه لما أراد أم كلثوم أمهرها أربعين ألفاً. وقصة الاعتراض (أصابت امرأة وأخطأ عمر) قصة منكرة كاذبة، ما كان لمثل عمر أن تخفى عليه الآية وتذكره امرأة وهو المعَلم، لا يصح سندها أبداً، لكن هذه هي مشكلتنا؛ وهي أننا نصدق كل ما يقال لنا، ويجب أن نعلم أنه ما من مبتدع ولا مبطل يحتج بحجة إلا تكون أحد شقين: إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة. يقول الكاتب: وبعد ذلك وافق علي بن أبي طالب؛ لأن عمر بيده مقاليد الأمور، ويعطي للصحابة باجتهاده، فطعن في علي بن أبي طالب أيضاً بأن زوجه ابنته لأجل المال؛ حتى لا يمنع عطاءه من بيت المال. وبعد ذلك يستمر الكاتب فيقول: وبعد ذلك جاءت أم كلثوم فلم يتحمل عمر على طول كشف عن ساقها -هذا الكلام يكتب عن عمر بن الخطاب - فقامت أم كلثوم، وقالت له: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك. هذا الجزء من القصة حدث فعلاً إلا أن لها تأويلاً وهو: أن عمر بن الخطاب ﵁ عندما أراد أن يصاهر علي بن أبي طالب للسبب المذكور، قال له علي بن أبي طالب: إن أعجبتك فهي امرأتك، فـ عمر لم يأتِ لخطبتها إلا وقد أعجبته، فصارت بذلك زوجة لـ عمر، لكن أم كلثوم لم تكن تعلم بذلك. كما أن هذا الكاتب يصور الصحابة الأجلاء على أنهم طائفة كان كل همهم النساء! يرمونهم بدائهم.

стр. 1418

صور من الانتماء لله ورسوله في تاريخ السلف

стр. 1419

سلمة بن الأكوع وصدق الانتماء أيها الإخوة الكرام! صدق الانتماء يطيل النَّفس في البذل والجهاد، قصرت أنفاس كثير من الناس بضعف الانتماء أو بعدم وجوده، وخذ هذا المثل الذي ما سمعته أذناك ولا رأته عيناك: صحابي جليل لا يعرفه أكثر الناس، وهو سلمة بن الأكوع ﵁ قص قصة عجيبة وخبراً غريباً على شجاعته وبذله وقوة قلبه، وجرأة جنانه على الأحداث، وهذا الحديث حفظه لنا الإمام مسلم في صحيحه رحمة الله عليه، قال سلمة: خرجنا مع النبي ﷺ إلى الحديبية وكنا أربعة عشر مائة-ألف وأربعمائة- فجاءوا على البئر وقد عطش الناس وعطش الظهر -الحيوانات- قال: فجاء النبي ﷺ على جبل ركية -أي: على حافة البئر- فإما دعا وإما بصق، قال: فجاش الماء فسقينا واستقينا، ثم قفلوا راجعين إلى المدينة، قال: ودعا النبي ﷺ أصحابه إلى البيعة تحت الشجرة فكنت في أوائل من بايع، ثم دعا الناس إلى البيعة، فقال لي: ألا تبايع يا سلمة؟ قلت: يا رسول الله! قد بايعت في أوائل الناس، قال: وأيضاً، فبايعته فدعا الناس إلى البيعة ثالثاً، فقال لي: ألا تبايع يا سلمة؟ قلت: يا رسول الله! بايعتك في أوائل الناس وفي وسط الناس، قال: وأيضاً، فبايعته للمرة الثالثة، وكان قد أعطاني حجفة أو درقة -وهي تشبه الترس الذي يستخدمه الرجل في القتال- لما رآني عزلاًًً من السلاح، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : أين درقتك التي أعطيتك؟ قلت: يا رسول الله! لقيت عمي عامراً وهو عازل من السلاح فأعطيته إياها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: (إنك كالذي قال الأول: اللهم أبغني حبيباً هو أحب إليّ من نفسي) قال سلمة: وكنت تبيعاً لـ طلحة بن عبيد الله أخدمه وأسقي فرسه، وقد تركت مالي وأهلي مهاجراً إلى الله ورسوله. قال: وراسلنا المشركون في الصلح حتى اختلط بعضنا ببعض ومشى بعضنا في بعض -يعني: وضعت الحرب أوزارها- قال: فأتيت شجرة فكسحت الشوك التي تحتها -يعني: كنسته- واضطجعت، فجاء أربعة نفر من المشركين فوقعوا في رسول الله ﷺ ، فأبغضتهم -لا يستطيع أن يقتلهم؛ لأن الحرب وضعت أوزارها وهم في معاهدة- قال: وتحولت إلى شجرة أخرى، ونام المشركون الأربعة تحت الشجرة وعلقوا سيوفهم. قال: وبينما أنا مضطجع إذا بصارخ: قتل ابن جنيد -من المسلمين- قال: فحينئذٍ قمت فاخترطت سيفي وسللته، وأخذت سيوف المشركين فجعلتها ضغثاً في يدي -يعني: حزمة- ووقفت عليهم، فقلت: والذي كرم وجه محمد لو نظر إليّ منكم أحد لضربت الذي فيه عيناه، وأخذتهم أستاقهم إلى رسول الله ﷺ ، وإذا بعمي عامر أتى برجل من العبلات يقال له: مكرد، على فرس مجفف -مكسو- ومعه سبعون من المشركين -أتى بهم أسرى- فقال رسول الله ﷺ : (دعوهم يكن عليهم بدء الفجور وثناه)، وعفا عنهم -يبدءون هم بالفجور ونقض العهد، ويثنون أيضاً فتكون لنا الحجة البالغة في قتلهم- وتركهم رسول الله ﷺ وقفلوا راجعين إلى المدينة، وهم راجعون إلى المدينة كان هناك جبل بين المسلمين وبين بني لحيان من المشركين؛ لأن هذا الجبل كانت عيون الرسول ﷺ عليه يحرسون المسلمين، فكان الذي يرقى الجبل يستغفر له- قال سلمة: فرقيت الجبل في هذه الليلة مرتين أو ثلاث مرات، وأرسل رسول الله ﷺ ظهره -والظهر هي: النوق التي تحمل الأثقال أرسله مع غلامه رباح، ومع سلمة بن الأكوع -. قال: فلما أصبحنا إذا بـ عبد الرحمن الفزاري -وكان رجلاً كافراً- يقتل راعي النبي ﷺ ويأخذ كل الإبل، قال: فلما رأيت ذلك، أعطيت الفرس لـ رباح وقلت: أوصل هذا الفرس إلى طلحة بن عبيد الله، وقل لرسول الله ﷺ : إن المشركين قتلوا غلامه وأخذوا سلاحه. ثم صعد على قمة الجبل ووجه صوته إلى المدينة وصرخ ثلاث مرات: واصباحاه قال: وانطلقت وراءهم وأنا أرميهم بالنبل -وكان سلمة أسرع من الخيل- قال: فجعلت أضرب رحالهم، فيسقط السهم بين أكتافهم فأقول لهم: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع -يقال عن اللئيم: راضع، وإنما سمي اللئيم راضعاً؛ لأن البخيل من العرب كان إذا أراد أن يشرب اللبن، يذهب إلى ثدي الناقة ويمصه حتى لا يسمع الجيران، فقيل: لئيم راضع-. قال: وانطلقت وراءهم أضربهم بالسهم، قال: فوالله ما خلق الله بعيراً من ظهر رسول الله ﷺ -أي: من النوق التي يملكها- إلا خلفته ورائي -تركوا كل شيء- قال: وتركوا ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يستخفون -يتخففون رجاء الفرار- قال: حتى وصلوا إلى مضيق جبل واحترزوا مني ولم تصل سهامي إليهم، فصعدت قمة الجبل وجعلت أرديهم بالحجارة، حتى جاء ابن بدر الفزاري فقال: ما لكم؟ قالوا: نحن في هذا البرح من الغلس فقال: ماذا تفعلون؟ قالوا: هذا الرجل قال: ألا يقوم أربعة إليه -وسلمة على قمة تل صغير يستمع- قال: فلما أمكنوني من الكلام، قلت لهم: تعرفونني؟ قالوا: لا. من أنت؟ قال: أنا سلمة بن الأكوع، والله لا أريد منكم رجلاً إلا نلته، ولا تريدون مني شيئاً فتحصلوه مني. فقال رجل: أظن ذلك، فلا نقدر عليه، قال: وجلسوا يتغدون، قال: فما تركتهم يأكلون -ضربهم بالسهام والنبال- فتركوا الغداء وفروا، فجاء فرسان رسول الله ﷺ ثلاثة أو أربعة أولهم: الأخرم الأسدي، وثانيهم: أبو قتادة الأنصاري، وثالثهم: المقداد بن الأسود، قال: فلما جاء الأخرم أخذت بعنان فرسه، وقلت له: لا يقتطعونك، انتظر حتى يجيء رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فقال لي الأخرم: يا سلمة! إن كنت تعلم أن الله حق وأن النار حق وأن الجنة حق فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فتركته فتناجز هو وعبد الرحمن الفزاري الذي قتل راعي النبي ﵊، فقتل الأخرم فرس عبد الرحمن وقتل عبد الرحمن الأخرم، وأخذ الفزاري الكافر فرس الأخرم وركبه وفر، قال: فلحقه أبو قتادة الأنصاري فقتله، قال: فجاء رسول الله ﷺ وأصحابه، وقال: إنهم في بني غطفان، وبعد أن ظفر الرسول ﵊ بظهره ذبح بلال له ناقة وجعل يشوي له من كبدها وسنامها -وكان كل هذا بالليل- فقال له سلمة: انتدبني مع مائة رجل نتبعهم، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في النار -في ضوء النار- وقال: أأنت تفعل ذلك؟ قلت: أجل، فقال ﵊: (خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رَجَّالتنا سلمة)، وقفلوا راجعين إلى المدينة. قال: وكان رجل لا يسبق شداً -يعني: سريع جداً- فجعل يقول: ألا من مسابق ويكررها، فقال له سلمة: إنك لا تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً، قال: نعم، إلا رسول الله، فقال: يا رسول الله! ائذن لي؟ قال: فاستبقنا، قال: فقفزت قفزتين ووقفت أستبقي نفسي إلخ. فيجب علينا أن نمسك ألسنتنا عن الطعن في الصحابة؛ لأنه ليس هناك جيل يضاهيهم أبداً، فقد اختارهم الله لصحبة نبيه كما قال ابن مسعود ﵁: نظر الله في قلوب العالمين، فاصطفى قلب محمد ﷺ لرسالته، ونظر في قلوب العالمين فاصطفى أصحاب محمد له. هذه أمثلة قليلة يضيق عنها الحصر، وشجاعتهم أعظم، وبذلهم في الله يضرب ببعضه المثل. الانتماء قضية مصيرية؛ لأنه يبنى على هذا الانتماء دين المرء، ونحن في هذا العصر أحوج ما نكون إلى هذا الانتماء؛ لأنه في وقت ظهور الإسلام كان الناس بين مؤمن وكافر، وكان الوضع في مكة برغم شدته أخف من المدينة؛ لأنه ظهر في المدينة منافقون، يظهرون الإسلام ويكيدون ويوقعون بين الأحباب، وهذا لم يكن موجوداً في مكة، فصار العبء جسيماً وثقيلاً. وفي عصرنا ظهر الكفر والنفاق معاً، ليس كفراً فقط، وليس نفاقاً فقط، إنما هو كفر ونفاق.

стр. 1420

معاذ ومعوذ وصدق انتمائهما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: بينما أنا في الصف يوم بدر إذ رأيت غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما -ما بين الاثني عشر سنة والأربعة عشر سنة- قال: فجاءني أحدهما فغمزني، وقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ فقلت: يا ابن أخي! وما تريد منه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن التقى سوادي بسواده -أي: جسمي بجسمه أو شخصي بشخصه- ما أتركه حتى يموت الأعجل منا، يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] هذا هو دليل الانتماء (أشد حباً لله) وقال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه من حديث أنس ﵁ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب الرجل أخاه لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار) هذا هو داعية الانتماء. قال: لئن التقى سوادي بسواده لا أتركه حتى يموت الأعجل منا، قال: وجاءني الغلام الآخر فغمزني وقال لي مثلما قال الأول، وكل منهما حريص على أن يقتل أبا جهل قبل أخيه؛ لأن عدو الله ورسوله لا يجوز له أن يحيا بيننا أبداً، ولا يحل لنا أن نلقي إليه بالود أبداً، هذا قادح في المحبة والانتماء. قال: فلم أنشب -أي: لم يمر إلا وقت قصير- حتى رأيت أبا جهل يجول في الناس -أي: يضطرب، قلق، يذهب ويأتي ليس له مكان ثابت- قال: فلما رأيته، قلت لهما: هذا صاحبكما، قال: فابتدراه فضربه كل بسيفه فقتلاه، ثم اختصما على سلبه -السلب: ما يكون عند الرجل المقتول من المغانم، والمجاهد إذا قتل الكافر فله سلبه؛ متاع ويكون ملكاً للمجاهد الذي قتله، فاختصم هذان الغلامان فذهبا إلى النبي ﷺ كل يقول: أنا -لأن قتل عدو الله ورسوله شرف- فقال ﵊: (هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا. فقال: أرياني، فلما نظر إلى سيفهما، قال: كلاكما قتله). الغلام الأول: معاذ بن عمرو بن الجموح، والغلام الآخر: معاذ بن عفراء، وفي رواية أخرى أن اللذين قتلا أبا جهل: هما معاذ بن عفراء ومعوذ بن عفراء. فينبغي علينا أن نعلم أبناءنا صدق الانتماء لله ورسوله، وألا يأخذهم في الله لومة لائم؛ لأن الانتماء إنما هو موالاة الله ورسوله. ومن صور الانتماء لله ورسوله: ما حدث في غزوة أحد (لما كانت الدولة للمشركين وصعد أبو سفيان -قبل أن يسلم- على قمة الجبل والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر أسفل الجبل، وقد أشاع الشيطان أن النبي ﷺ قتل، فصعد أبو سفيان على قمة الجبل، وقال: أفيكم محمد؟ فقال ﵊: لا تجيبوه، قال: أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ قال: لا تجيبوه، فلما ظن أن هؤلاء ماتوا -لأن قوام الإسلام كان بهم- قال: أُعل هبل، فحينئذٍ قال لهم النبي ﷺ : ألا تجيبوه؟ قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، فقال: لنا العزى ولا عزى لكم، قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: وكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم). هذا إظهار لعزة من عبده المسلمون، وإعلاء لجناب التوحيد، نهاهم أن يجيبوه أولاً، فأحسن جد الإحسان، وأمرهم أن يجيبوه ثانياً فأحسن جد الإحسان، إن ذواتنا ينبغي ألا يكون لها وزن في الله ﵎، ذواتنا ينبغي أن تمحى، لأن هذا هو مقتضى تجريد الإخلاص لله . فينبغي للآباء أن يعلموا أبناءهم حب الله، وأن يظهروا نعمه التي أنعم بها عليهم، وقد قرأت آيات في سورة الفرقان يعدد الله فيها نعمه على عباده، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٤٧ - ٥٤]. فانظر كيف يتحبب الله إلى العباد بنعمه، ويرقق قلوبهم بها، ومع ذلك ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]. وهذه من ألطف الآيات في مدح المؤمنين؛ لأن الكافر ظهير على ربه، فلا يرى عدواً لله إلا وضع يده في يده، بخلاف المؤمنين. وتأمل قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥]، فالذي يعبد ما لا ينفعه إنما هو مجنون؛ لأن الإنسان لا يعبد إلا من ينفعه ويضره، فما وجه ذكر الضرر في الآية: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥] فكأن إلحاق الضرر بالمعبود نعمة، لأن الإله لا يكون إلهاً حتى يضر وينفع، فيضر كل نفس فيها داعية الألوهية، ولو خلي بين الجبار وبين ما في صدره لقال: أنا ربكم الأعلى، كما تجرأ فرعون على قولها فأظهرها وجبن غيره فأضمرها. قال رجل مرة -وضرب بيده ضرباً شديداً على المنضدة وهو يخطب-: أنا الحاكم ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩]، هكذا قال وقد أهلكه الله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠]، ما الذي جرأه على أن قال هذه المقولة التي تفرد بها الله ﵎ دون ملوك الأرض؟ فكل واحد منا عنده داعية الألوهية لأن يكون جباراً عنيداً، فحينئذٍ هذا لا ينفعه إلا إلحاق الضرر به، فيكون إلحاق الضرر به نعمة. وقد كان هناك غلام ابن تسع سنين وأصيب بشلل في أطرافه الأربعة، وكان لا يستطيع أن يحرك إصبعاً واحداً، ثم امتن الله عليه بالشفاء بالأسباب التي خلقها، فاسترد عافيته، والعجيب أنه أصبح يعمل أشق الأعمال بعد ذلك؛ وذهب إلى العراق وفعل كل شيء: زنى، وشرب الخمر أليس المرض في حقه كان نعمة؟ لو أنه بقي طريح الفراش طيلة عمره، أليس هذا أفضل من أن ترتد إليه العافية، فإلحاق الضرر بمثله نعمة ينبغي أن يشكر العبد ربه عليها، هو ضرر بالنسبة لنا، لكنه رحمة في علم الله ، إذاً: لا يستقل بمعرفة ما يصلح العباد مما يضرهم إلا الله ورسله بتعليم الله إياهم. القرآن مليء بهذه الآيات، قف على هذه الآيات واشرح لولدك نعم الله وآلاءه، وإذا ذُكر الله فينبغي أن يظهر ذلك على وجهك، وعلى طريقة جلستك، فإن كنت مضطجعاً فاعتدل في جلستك واجهر بتسبيح الله ، فالأولاد ليسوا أغبياء، فعيونهم كالكاميرات المسجلة تحفظ كل شيء تراه ثم يطبقونه فيما بعد، فهم في غاية الذكاء وإنما هم عاجزون عن التعبير. وإذا ذكر النبي ﷺ ينبغي أن يظهر ذلك عليك، قال الإمام مالك ﵀: كان أيوب السختياني إذا ذكر عنده النبي ﷺ يبكي حتى نرحمه محبة له، هذا أصل الانتماء وأسه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] والصحابة عندما تمكن حب الله من قلوبهم استرخصوا كل غالٍ ونفيس في سبيل الله ، واليوم أصبح ترك الانتماء قاعدة في البحث العلمي، وهو ما يعرف بالحياز العلمي، والكفار لا يحيزون، ولو حازوا فليس عندهم من يعظمونه فينحازون إليه، ونحن نعلم أن المرء بغير انتماء لا يعمل أبداً، لأن الله خلق الناس لهدف، فلا يمكن أن يكون هناك شخص لا يعمل لهدف، فمتى ترك الكافرون انتماءهم فهم ينتمون إلى التراب، ونحن ننتمي إلى العزيز الوهاب، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٨١]، لا مساواة كما قال النبي ﷺ لأصحابه لما قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فعلمهم أن يقولوا: (الله مولانا ولا مولى لكم). روى ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (جئنا رسول الله ﷺ ونحن فتيان حزاورة -والفتى الحزور: هو الذي ناهز الاحتلام- فتعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن) تعلموا الإيمان أولاً، لذلك لم يكذبوا الله ورسوله ولم يتوقفوا عند آية قط، ولم يقفوا عند حديث أبداً، ولا اعترضوا على الله بآرائهم، ولا ردوا سنة النبي ﷺ بمحض أهوائهم؛ لأنهم آمنوا أولاً، فهان عليهم ما يجدونه بعد ذلك، فالانتماء هو البوابة إلى الإيمان.

стр. 1421

الأسئلة

стр. 1422

شبه وردود السؤال كيف يرسل علي بن أبي طالب ﵁ ابنته إلى بيت رجل آخر، وهي لا تعلم أنها زوجته؟ الجواب الحاصل يا أخي الكريم! أنها كانت ناهزت الحيض، فأنت عندما ترسل ابنتك إلى أخ لك في الله لتخبره أنك تريده أو نحو ذلك، كل هذا جائز لا شيء فيه، ولا أرى شبهة في المسألة. أما مسألة إذا عقد الرجل على امرأته فهل يجوز له الدخول عليها؟ فمن العلماء من يقول: لا يجوز للعاقد أن يجامع المعقود عليها إلا بإذن وليها، وأنا أتبنى هذا الرأي، والحجة في ذلك: سداً للذريعة، وهب أنه جامعها ثم طلقها، فإن هذه المرأة ستكون حاملاً، فيسوء ظن الناس في عرض الرجل وفي عرض المرأة، ولذلك شرع الإشهار حتى يعلم كل الناس أن هذه المرأة تزوجت، ويوم أن تطلق ويطلبها رجل آخر يقال: هذه ثيب، لكن رجل جامعها وطلقها وهي معقود عليها، فيسوء الظن بها، أضف إلى ذلك أنه قد يعقد الرجل عليها ويعجز عن توفير السكن، وقد يظل سنة أو سنتين وهو يبحث عن السكن فتحمل المرأة، وقد حصل أن بعض النساء حملت في العقد وأسقطت لماذا؟ ليس عنده شقة. فمنع العاقد أن يجامع المعقود عليها هو من باب سد الذريعة فقط وكفى. مداخلة: أين الولي والشهود؟ الجواب: ليس في القصة أنه لا يوجد ولي، لا سيما وأن الحسن بن علي وعقيل بن أبي طالب كانا يعلمان بذلك. لا تظنوا أن الصحابة تفوت عليهم هذه البدهيات التي خطرت لكم، تظن أنك فهمتها ولم تفت عليك وفاتت على علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب. المهم أننا في هذا العصر نعاني من الكافرين والمنافقين على السواء؛ الكافرون يكفرون بالله، والمنافقون يحسنون كفرهم وينقلونه إلينا باسم العلم، والجماهير عاجزة عن الرد، فكلما تكلم أحد قالوا: هل أنت متخصص، الكلام هذا لأهل التخصص. ومثال ذلك: القضية الطارئة على الساحة الآن؛ وهي قضية الاستنساخ: وذلك عندما يقوم المنافقون بتمهيد الطريق لهذه القضية وتغطيتها، ويتهمون الله ، ويكتبون ذلك على صفحات الصحف، فيوهنون من عزم المؤمنين. فالمؤمنون يتمنون لو يقوم بعض العلماء بالرد على هؤلاء ليشفوا صدور المؤمنين، ويردوا كيد الكائدين، حتى لا تقم لهم قائمة، وحتى لا يفكر أمثال هؤلاء أن يكتبوا يوماً ما على صفحات الصحف والمجلات، بالطعن في الدين أو مخالفة رسول رب العالمين فعندها ينهزمون ويرتدون على أعقابهم خائبين خاسئين، وإلا فكم هي القضايا التي ينشرونها بين الفينة والأخرى وآخرها ما سمعتم بقضية الاستنساخ التي نسأل الله ﵎ أن يخزي أعداء هذا الدين والمتربصين به ويجعل الدائرة عليهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 1423

أين العلماء الربانيون ؟ إن مشكلة عصرنا الحاضر الذي طغى عليه الجهل هو غياب العلماء الربانيين؛ فبغيابهم غابت دعوة الحق، وبغيابهم رفع الأقزام رءوسهم لينشروا الباطل، ويسفهوا علم الكتاب والسنة، ويشككوا فيهما بإيراد الشبه والضلالات العقلية والكلامية، ولا مخرج من هذا إلا بعودة أمثال هؤلاء العلماء، فعلينا أن نسعى جاهدين في تربية أبنائنا التربية الصحيحة، وتعليمهم القرآن والسنة والأخلاق، لنرتفع بمستوى هذه الأمة إلى المكانة التي تستحقها إن شاء الله.

стр. 1424

ظهور أقزام العلمانيين عند غياب العلماء الربانيين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد: فقد اخترت عنوان هذه المحاضرة هذا السؤال أين ذهب العلماء الربانيون؟ وكيف السبيل إلى وجدانهم؟ ذلك أن العالم الرباني وحده هو الوقود الحقيقي لحركة هذه الأمة، والذي يتطلع إلى سير السالفين ويدمن الاطلاع عليها يرى عشرات المئات بل الألوف من هذه النماذج المشرفة، التي نفتقر عشرة منها أو نفتقر خمسة منها في عالمنا الإسلامي الكبير المنتشر الأرجاء، ولست مبالغاً إذا قلت: إن الرجل إذا أدمن الاطلاع على سير السالفين شعر بغربة عميقة جداً، بين هذا الواقع السلبي الذي يعيشه المسلمون الآن، وبين ماضيهم المشرق جد الإشراق، على حد قول شوقي فيما قال: بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات هنالك نوران: بيدك قرآن وسنة، ومع ذلك كلما وجدت حفرةً سقطت فيها! لا يجدي هذا النور العظيم مع رجل لا يرى! إن مشكلة هذه الأمة: عدم وجود العلماء الربانيين الذين يأخذون بنواصي أفرادها إلى الخير، ولو أن كل مسلم أمعن النظر في هذه المصيبة التي ابتلي المسلمون بها الآن أقل ما يمكن أن يفعله أن يريق الدموع، أما الأسى والحزن فهذا محله القلب، وإلا فهذه الرءوس الكثيرة جداً في عالم المسلمين اليوم الجاهلة، التي تأخذ بنواصيهم إلى كل شر، ولا أدري بأي قرآن أو بأي سنة أو فهم لأصول المسلمين ينظر هؤلاء إلى النصوص الشرعية! أنا عجبت أشد العجب -ولعلكم عجبتم لأن هذا أمراً كان مشهوراً في الجرائد الرسمية- من هذا الفاصل الهزلي الرديء الذي نشرته (صحيفة الأهرام) في شهر مارس الماضي عن النقاب. وهذا الصحفي - أحمد بهاء الدين - تاريخه معروف لدينا جميعاً، لم يعجبه حكم المحكمة الإدارية أن الطالبات لهن الحق في ارتداء النقاب؛ لأن هذا من الحرية الشخصية، فوقف على كلام رجل يوزع جهله يمنةً ويسرة، فلخص منه كلاماً يدل على أن هذا الرجل لم يعرف أين باب الإسلام. أبجدياته الإسلام يجهلها هذا الرجل الذي صنف كتاب (حجاب ونقاب في نظر الدين) وانتهى بحثه الراقي العلمي الدقيق إلى أن النقاب لا يوجد له أثر لا في القرآن ولا في صحيح السنة وأنه إنما دخل مصر مع المماليك. وأنا لا يعنيني هؤلاء، ولست أقف عندهم طويلاً، إنما أقف على فتوى الدكتور عبد الغني الراجحي الذي دبج اسمه بقوله: العميد الأسبق لكلية أصول الدين، وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر. لقد بعث ثلاث رسائل إلى هذا الرجل أحمد بهاء الدين يقول له: قرأت -وأنا أروي بالمعنى- بشغف مقالاتكم الرائعة عن نظر الإسلام في النقاب، وما أوردتموه من قول العلماء الثقات. أين هم العلماء الثقات؟! الفنجري؟! هذا الهنجري رجل واحد فكيف صار هو العلماء؟! وصار من الثقات؟! ثم قال: وقد أحسنتم الاستدلال! يقول عنه هذا القول مع أنه لم يأت بشيء، هل تتصورون أن النافي أتى بدليل؟ كلما سألته يقول: لا أدري، لا أدري، لا أدري، الذي يثبت شيئاً لابد أن يأتي عليه بالدليل، أما النافي فكما يقول بعض علماء الأصول: لا دليل على النافي خلافاً لـ ابن حزم. المهم أن هذا الرجل يقول: لم يثبت، لم يصح، لم يأت، لم لم. فأين قول الراجحي عنه: لقد أحسنتم الاستدلال؟ هذا يذكرني بقصة شاب محام أراد أن يجتهد فتبنى قضية رجل ضليع في إجرامه، التهمة عليه (١٠٠%) فوقف في ساحة المحكمة قال: يا سيادة القاضي! إن موكلي بريء، والدليل على أنه بريء: أولاً أما ثانياً: فهذا يدلنا إلى الدليل الدامغ لبراءة المتهم، وهذا ما سأشرحه في ثالثاً. سيدي القاضي! بعد الذي ذكرته من الأدلة الملزمة أطالب ببراءة موكلي. أين هذا الذي ذكره هذا المحامي الناشئ في الدفاع عن هذا الرجل الضليع في إجرامه؟! هذا العميد الأسبق لكلية أصول الدين يصل في نهاية البحث إلى أن النقاب نحكم عليه بالحرمة وأنه بدعة، وأنا استغرب جداً أن يجهل رجلٌ هذه الأبجديات المبثوثة في جميع دواوين المسلمين!! فيأتي هذا الرجل فيتكئ عليه كثير من الآباء لإرغام بناتهم لخلع النقاب ويقولون: هذا هو العميد الأسبق لكلية أصول الدين، وأستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر! يقول: لم يصح لم يوجد بل أنا أفتي بأنه بدعة محرمة في ظل الظروف السياسية الموجودة!

стр. 1425

نماذج مشرقة لعلماء ربانيين

стр. 1426

العالم الرباني: محمد شاكر بل أنا لا أذهب بكم بعيداً وأسوق لكم حكاية حكاها لنا الشيخ العلامة، آخر أعيان المحدثين في الديار المصرية، وشيخ الأشبال أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى وطيب ثراه، يقول وهو يخاطب أحد الأدباء الذين وصفوا النبي ﵌ بكلمتين نابيتين، ولعلكم قرأتم القصة في (كلمة الحق) كتاب صدر لشيخ أحمد شاكر ﵀. يقول: إن السلطان فؤاد كان يصلي الجمعة في العابدين، فاستحضروا الشيخ محمد المهدي خطيب مسجد عبدان؛ لأنه كان خطيباً مفوهاً، وكان السلطان يحب أن يصلي وراءه دائماً، دعته الأوقاف ونقلته إلى مسجد آخر حتى يخطب الجمعة، وصادف في هذه الفترة أن طه حسين عميد الأدب العربي، أتى بالدكتوراه في اللغة العربية من فرنسا، فشل في أن يأخذها في بلاد العرب فأخذها في بلاد الأعاجم. فأراد الخطيب محمد المهدي أن يثني على الملك فؤاد بمناسبة أنه قادم يصلي الجمعة، فقال يمتدح الملك فؤاد: ما عبس وما تولى لما جاءه الأعمى. الأعمى: هو طه حسين، ما عبس فيه ولا تولى، بل هش له وبش، وأرسله إلى فرنسا يحضر الدكتوراه. وبعد أن صلوا الجمعة قام الشيخ محمد شاكر والد الشيخ أحمد شاكر -وكان وكيل الجامع الأزهر- وقف وقال: أيها الناس! صلاتكم باطلة والخطيب كافر، فأعيدوا الصلاة؛ حدث هرج ومرج والسلطان واقف، وهو يقول: أيها الناس! صلاتكم باطلة وخطيبكم كافر. وبعد ذلك إمام مسجد عابدين رفع إلى السلطان الفتوى يأمره بصلاة الظهر، وكان هذا الرجل - محمد المهدي - له ظهر وله مستشارون، فأقنعوه أن يرفع شكوى ضد الشيخ محمد شاكر. الشيخ محمد شاكر أفتى بهذا لأن في قول الخطيب تعريض بمقام النبي ﵌، أي: أن الملك فؤاد صنع أفضل مما صنع النبي ﷺ ؛ فإنه لما جاء ابن أم مكتوم عبس وتولى، ولما جاء طه حسين إلى الملك فؤاد ما عبس ولا تولى، قال: هذا تعريض في مقام النبي ﷺ ولا يجوز وإن كان الخطيب يعتقد ذلك فهو كافر. وأرسل الشيخ محمد شاكر إلى مستشرقين أجانب ممن لهم خبرة بدلالات الألفاظ على المعاني، وأراد أن يستقدمهم ليقول لهم: هل استخدام الخطيب لهذه العبارة فيها تعريض بالمقام النبوي أم لا؟ ولم يرجع لشيخ من شيوخ الأزهر حتى لا يقال: انحازوا له. فلما علم أن القضية في النهاية ستحدث فتنة وخسراناً فيها محمد المهدي وقد أذله الله، قال الشيخ أحمد شاكر: وأقسم بالله لقد رأيت هذا بعينيّ، طال الزمان بالرجل محمد المهدي -والذي كان من أشهر خطباء مصر، حتى إن الملك فؤاد كان يحرص على الصلاة عنده- فلقد رأيته خانعاً ذليلاً فراشاً لأحد المساجد يتلقى نعال المصلين، فتواريت عنه وهو يعرفني وأنا أعرفه؛ حتى لا يراني، فلست مشفقاً عليه فلم يكن يوماً موضعاً للشفقة. الشيخ محمد شاكر ﵀ لا يعرفه كثير من جيلنا؛ والسبب في هذا: انقراض علم التراجم، لم يعد هناك أناس يعتنون بتراجم العلماء العاملين كما اعتنى سلفنا كالحافظ ابن كثير والحافظ شمس الدين الذهبي، والحافظ المزي ثم أتى بعد ذلك الحافظ زين الدين العراقي، ثم أتى بعد ذلك الحافظ ابن حجر، وبعد ذلك الحافظ شمس الدين السخاوي والسيوطي إلخ، حتى وصل إلى الشوكاني فصنف البدر الطالع في العلماء، وكل قطر حسب همة علمائه ففقهاء اليمن لهم كتاب في مجلدين فيه تراجم فقهاء اليمن. أما هنا في مصر ففقراء جداً في فن التراجم، فالشيخ محمد شاكر لا يعرفه جيلنا إلا من خلال المطالعات الدقيقة، لاسيما إذا كان مثلاً الشيخ أحمد شاكر -وهو من أعيان المحدثين- هو الذي ذكر هذه الواقعة، ولولا أنه ذكرها لاندثرت، ولا يوجد كتاب في التراجم بالنسبة للمعاصرين إلا كتاب الزركلي الذي هو كتاب الأعلام، ولكنه كتاب مختصر جداً لا يروي غليلاً. فالحاصل: أن أمثال هؤلاء العلماء أين هم في الأمة المسلمة الآن، الذين يقودون المسلمين إلى صدع بالحق مهما كلفهم ذلك؟ كيف يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم إذا جاز للعالم الرباني -إن كان موجوداً- أن يخاطب بهذا الحماس هذا الجمع، وأضعاف أضعاف هذا الجمع، أمام جهاز التلفاز الذي ذكروا في آخر إحصائية أن المشاهدين الدائمين لهذا الجهاز يتجاوزون خمسة عشر مليوناً، من في البيوت النساء والأطفال ومن في المقاهي إلخ، فضلاً أنه في فترة المساء تزداد الكمية جداً، وكذلك في أيام الجمعات والإجازات يزداد عدد المتفرجين. إذا جاز للعالم الرباني أن يخاطب هذا الجمع، فيفاجئ أن هناك جهازاً لا يمكن منه العالم الرباني يهدم له كل هذا الذي يقوله، يخرج الرجل من هنا جذوة نار في منتهى الحماس، حتى إذا دخل البيت ولم يشم رائحة الإسلام ولا الآداب الإسلامية؛ انطفأت هذه الجذوة، ويظل ما بين الأخذ والرد حتى ييأس أو تموت نفسه اللوامة. قال لي بعض الناس -بعد أن ذكرت له استنكار العلماء واستنكار كل من له ذوق إسلامي على هؤلاء النسوة اللاتي يمشين في الشوارع عاريات-: أنا أنظر إليهن ولا أشعر بشيء من الشهوة، فأين الفتنة المزعومة التي تذكرها؟! فقلت له: أنا لا أكذبك، وأنت صادق حين تقول: إن نفسك لم تتحرك بشيء من الشهوة، ولكن أستطيع أن أجزم الآن بأن نفسك اللوامة قد ماتت، النفس اللوامة التي إذا رأت المنكر قرعت تلقائياً، الإنسان المفطور على هذا الدين أول ما يرى المنكر يقرع له ويحس به، قال بعض العلماء المعاصرين: كانوا قديماً يدورون بين سنة وبدعة، ونحن الآن ندور بين بدعة وردة! مبتدعنا إن تهاون قليلاً سقط في الردة، وكانوا قديماً إذا تهاون رجل في السنة سقط في البدعة؛ هذا كله المسئول عنه غياب العالم الرباني العامل بعلمه، فيأخذ كل هذه الجموع إلى طريق الله وإلى طريق السعادة.

стр. 1427

العالم الرباني: العز بن عبد السلام يا أيها المسلمون! أين العالم الرباني؟ أين فيكم مثل العز بن عبد السلام هذا العالم القوي الشكيمة؟ لما جاء الملك أيوب -وكان ملكاً على مصر- في احتفال رسمي للدولة، وهو قاعد على الكرسي شامخاً، وحوله الناس يقبلون الأرض، ودخل العز فصرخ وقال: يا أيوب! تذكر إذا قال الله لك: ألم أملكك الأرض ثم تبيح شرب الخمر في الحانة الفلانية، وتترك الدار الفلانية للدعارة والزنا؟! فغضب الذين حول الملك أيوب كيف يناديه بـ أيوب ولا يقول له: يا أمير المؤمنين! أو يا أيها الأمير! أو يناديه بالكنية؟ فقال أيوب: وأين ذاك يا سيدي -يقول للعز -؟ قال: في الحانة الفلانية والحانة الفلانية. قال: يا سيدي! هذا أنا لم أفعله، إنما هذا كان من زمان أبي. قال: أنت من الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]؟ فأمر أيوب بإبطال هذه الحانات وما فيها من المنكرات. قال له أبو الحسن البادي -وقد انتشرت الواقعة في الديار المصرية-: ألم تهب الرجل؟! قال: يا بني! إني استحضرت هيبة الله فرأيت السلطان قدامي كالقط. كيف يمكن أن يستحضر بهذه السرعة إلا إن كان هذا الرجل مدرباً على استحضار النية الصالحة من كثرة إدمانها، والعز بن عبد السلام هذا مثل قريب، ولو ضربت الأمثلة في القرون الفاضلة لرأيتم العجب.

стр. 1428

وجود العلماء الربانيين ينشر الأدب والأخلاق في الأجيال ومن أشد المصائب التي حلت بديار المسلمين بفقدان العالم الرباني: غياب الأدب. هذه النهضة العلمية التي يعيشها المسلمون اليوم لم تواكبها نهضة أخلاقية، بدليل أنك تجد الرجل منا يتبع كثيراً من النصوص النظرية، بينما يعجز عن تطبيق حديث واحد في حياته.

стр. 1429

الإمام الشافعي وأدبه مع محمد بن الحسن الشيباني عندنا مثل رفيع جداً للإمام الشافعي مع الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة -رحمة الله على الجميع- مع أن الإمام الشافعي كان أرفع وأعلى قدراً من محمد بن الحسن، فقدره كقدر أبي حنيفة رحم الله الجميع، وكان محمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف يمشيان على أصول أبي حنيفة، وكان سفيان الثوري ﵀ يقول: (لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن فوقه وعمن دونه وعمن مثله). أي: لا يستنكف الإنسان النبيل أن يأخذ فائدة ممن هو أقل منه. فالإمام الشافعي ذهب إلى الإمام محمد بن الحسن الشيباني يتلقى عنه علم أبي حنيفة، فكان لا يعجبه بعض ما يقوله محمد بن الحسن ولكنه لا يعترض، كان يسكت، فإذا قام محمد بن الحسن ناظر الشافعي أصحابه فظهر عليهم، الشافعي يقول لهم: تقولون كذا؟ فيقولون: نعم. يقول: فما تقولون في كذا؟ وما تقولون في كذا؟ فيلزمهم الحجة فلا يستطيعون جواباً، فتكرر هذا الأمر مرات، فأبلغوا محمد بن الحسن وقالوا: إنك تقوم فيناظرنا الشافعي فلا نستطيع أن نرد عليه. فقال محمد بن الحسن: هلاّ ناظرتني. فقال الشافعي: إني أجلّك عن المناظرة. انظر إلى الأدب العالي! قال محمد: فلابد. فقال له: أنتم تقولون -وهذا نوع من أدب الشافعي في المناظرة مع أستاذه الذي هو من أقرانه محمد بن الحسن الشيباني أنتم تقولون بنقض الوضوء بالقهقهة؟ قال: نعم: أي: ولو أن رجلاً قهقه في الصلاة بطلت صلاته وفسد وضوءه. قال: فما تقول في رجل قذف محصنة في الصلاة، أي: بينما هو يصلي فمرت امرأة قال لها: أنت زانية. قال: صلاته باطلة. قال: فما حال طهارته؟ قال: كما هي. قال: سبحان الله! أقذف محصنة في الصلاة عندكم أهون من قهقهة؟! فألجمه. قال: فأخذ محمد نعله وانصرف. وهذا الشيخ العلامة النحرير ذهبي العصر الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني في كتابه العظيم -أنا أنصحكم أن تشتروا هذا الكتاب- كتاب التنكيل بما في تأويل الكافرين من الأراجيف، هذا أعظم كتاب قرأته في باب الرد، فهو يلزم الخصم الحجة بمنتهى الأدب، فذكر مما ذكر في مناظرات الشافعي مع محمد بن الحسن الشيباني، وأن الشافعي لم يعجبه قول محمد بن الحسن في المياه، وفي نجاسة المياه، فقال له: إنكم لتقولون قولاً لعله لو قيل: تخطاطأ فقال قولكم لكان قد أحسن التخاطؤ. ! هذه عبارة راقية جداً، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن اليماني ﵀: فكان الشافعي ﵀ يستوفي حقه حتى في التشنيع، ولكن انظر كيف شنع! هذا القول رغم أنه شديد جداً إلا أنه رقيق، هذا كله ما ورثه الإمام الشافعي ولا ورثه محمد بن الحسن إلا بعد ذهاب الكبر، والقعود أمام الشيوخ، فمصيبتنا عدم وجود العلماء الربانيين الذين نرسل إليهم أبناءنا حتى يتلقون العلم منذ نعومة أظفارهم، وجيلنا هذا جيل حسبه أن يكون قنطرة للجيل القادم، ما منا من أحد إلا أدرك هذا الإسلام وهذا العلم على مشارف الجامعة، لكن بعدما ذهبت السنون الأولى الخطيرة في حياة الإنسان، وهي أيام الصغر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه وإني لأذكر قصةً فيها هذا المعنى: أن رجلاً أعرابياً تزوج امرأة على امرأته الأولى، وكان البيتان متجاورين، فصعدت جارية المرأة الجديدة على السطح، فوجدت جارية المرأة القديمة على الباب، فأنشدت وقالت: وما تفعل الرجلان رجلٌ صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشلت تعرض بالمرأة القديمة، وأن المرأة الجديدة هي سيدتها، فتكرر هذا الكلام من جارية المرأة الجديدة، فبينما هي تمر يوماً إذ قالت لها جارية القديمة: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل وهذا شيء واقع، أنت قد تكون ولدت هنا في الإسكندرية في منطقة معينة، ثم تذهب إلى بلاد الدنيا ويكون لك شأن عظيم، فإذا رجعت تشعر بحنين في قلبك وأنت تشاهد ملاعب صباك كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبداً لأول منزل يحن كل إنسان إلى جذره الأول، إلى حياته الأولى فلو كانت حياتنا تمشي على الفوضى كما كانت حياة كثير منا وأدركتنا عناية الله ، فهذا لا يتصور فيه الثبات مثل الذي ينشأ منذ نعومة أظفاره على محاسن هذا الدين.

стр. 1430

خلق التابعين مع ابن مسعود إن وجود الشيوخ بكثرة ينقل الأدب لطالب العلم مع العلم، وهذا ميراث متوارث وليس شيئاً جديداً، فقد روى الدارمي في سننه بسنده الصحيح إلى يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، قال: بينما نحن جلوس على باب عبد الله بن مسعود بعد صلاة الغداة، إذ جاء أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس فقال: أما خرج أبو عبد الرحمن؟ فقلنا: لا. فقعد معنا. انظر إلى هؤلاء الناس يقعدون على درج البيت! وهذا شيء يجب على إخواننا أن يتفطنوا له، لكن اليوم يكاد الجرس أن يتلف من كثرة الدق على الباب، وكأن أدب الاستئذان ثلاث مرات قد ذهب، وربما يطرق الباب مائة مرة، ولقد أحصيت مرةً أن رجلاً طرق الجرس علي ستاً وثلاثين مرة، أعدّها عداً، ومازال واقفاً، حتى إن الجرس تلف، وما أدري هل هو السبب أم تكاثرت عليه الدقات. فأين هذا من فعل هؤلاء السادة؟ يجلس بعد صلاة الغداة ولا يدق على عبد الله بن مسعود الباب، لأنه هو الذي يحتاج إليه، ويقعد على درج البيت ولا يراه من العيب، حتى إذا خرج عبد الله بن مسعود قال: فاكتنفناه. (اكتنفناه): يعني عن يمينه وعن شماله ووراءه وأمامه، وهذا هو فعل العالم الرباني حقاً، لا يفعل كما يفعل بعض الجبابرة يمشي في الأمام والكل وراءه، هذا ليس من الهدي، وكان النبي ﵌ يقول: (تقدموا وخلوا ظهري للملائكة) وكان ﵌ لا يتقدم الصفوف، وهذا من أعظم ما يكون أن يكون الرجل في أخريات الناس، يزجي الضعيف ويساعد المحتاج، هب أن رجلاً سقط لا يدري به أحد، من يكون المسئول عنه؟ فكان النبي ﷺ يكون في أخريات الناس.

стр. 1431

النبي ﷺ وأخلاقه مع الصحابة وقد حفظ لنا جابر بن عبد الله الأنصاري قصةً رائعة جداً في صحيح البخاري قال: (غزوت مع النبي ﷺ غزوة، فبينما نحن قافلون إذ أعيا ناضحي تحت الليل -الناضح: الجمل- وأرهقه السير، فجعل يضربه حتى يستنفره فلم ينفر الجمل، فجعل يقول: ما زال لنا ناضح سوء. قال: فإذا بي أسمع النبي ﷺ يقول: من هذا؟ قال: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول جابر. قال: ما دهاك؟ قال: أعيا ناضحي تحت جنح الليل. أمعك عصا؟ فناوله العصا، فضربه فارتدت إليه العافية -إلى الجمل- فركب جابر جمله، وركب النبي ﷺ دابته، قال جابر: فجعل الجمل يسبق ناقته، هذا الجمل الذي أعيا يسبق ناقة النبي ﷺ التي لا تلحق! وفي صحيح مسلم وغيره أن امرأةً أخذت ناقة الرسول ﵊ وفرت عليها -لعلمها أنه لا يلحقها شيء وكانت المرأة أسيرة- فنذرت إن نجاها الله لتنحرن هذه الناقة جميلاً لها! فلما علم النبي ﷺ قال: (بئس ما جازتها!) يعني: أهذا جزاؤها أن الله جعلها سبباً في نجاتها، وهي تريد أن تكرمها بأن تذبحها! فقال: (بئس ما جازتها، لا نذر فيما لا يملك المرء، ولا نذر في معصية الله . المهم أن هذا الجمل يسبق الناقة وجابر يشد خطامه؛ لأنهم كانوا يرون أنه من سوء الأدب أن يتقدم أحد على النبي ﷺ ، وهذا ظاهر في رواية البخاري ومسلم أن رجلاً أعرابياً صعد على قعيد -القعيد: ولد الناقة- وأطلقه، فسبق ناقة النبي ﷺ ، فشق ذلك على الصحابة، فقال النبي ﷺ : (إن الله ما رفع شيئاً في الدنيا إلا وضعه) يريد أن يطيب من خاطرهم. فجعل النبي ﷺ يتسامر مع جابر، ويتفقد أحواله إلى آخر القصة). فالحاصل أن من هدي العلماء والأمراء الربانيين أنهم لا يتقدمون في الأمام كما هو واقع في الجاهلية، وفعل الأوروبيين الكفرة الذي أخذه كثيرٌ من المسلمين اليوم، حيث يرون أن في التقدم شيء من الشرف، ويجعلون الكراسي في الأمام، ويكون عن اليمين فلان وعن الشمال فلان، إذا غاب فلان إذاً لابد أن يقعد على الكرسي، حتى أنا رأيت بنفسي أن الصف الأول في المسجد محجوز لجماعة معينة، وإذا أردت أن تأخذ لك محلاً في الصف الأول يمنعونك، وبالفعل منعوا رجلاً رأيته بنفسي، قالوا: هذا مكان الحاج فلان. والحاج فلان لا يدخل إلا في نصف الخطبة، حتى جعلوا الصفوف الأولى للكبراء بخلاف الهدي المعروف، الذي يجب على المسلمين أن يتوارثوه. (خرج عبد الله بن مسعود مع أبي موسى الأشعري قال: فاكتنفناه، فقال عبد الله بن قيس: يا أبا عبد الرحمن! لقد رأيت في المسجد شيئاً أنكرته، وما رأيت إلا خيراً) ثم ساق بقية القصة. الحاصل: أن وجود المشايخ بكثرة كان سبباً مباشراً لأدب طالب العلم، أما أن يتعلم الإنسان من الكتب فقط، ولا يسعى أن يتلقى العلم عن الشيوخ، أو حتى على الأقران الذين سبقوك في هذا المضمار؛ فإن هذا يصيب الأمة -في الحقيقة- بأضرار كثيرةً جداً. أضرب لكم هذا المثل الخطأ: نحن أعاجم بالنسبة للغتنا العربية، فيأتي الرجل ويفسر القرآن والسنة بما يعرفه من الألفاظ المتوارثة الآن، وهذا لا يجوز أن يفسر بالألفاظ الحادثة بل لا بد أن يفسر القرآن والسنة باللغة التي نزل بها القرآن على العرب، وباللسان الذي كان الصحابة يفهمونه لألفاظ النبي ﷺ ، وإلا فنحن أعاجم بالنسبة للغتنا العربية. فإذا دخل رجل المكتبة لكي يقرأ في كتاب فلعله لا يقرأ الجملة صحيحة، وأنا رأيت رجلاً في بعض المسائل كمسألة تقديم اليدين على الركبتين في الصلاة، فيذكر الحاكم في مسنده أثراً عن ابن عمر في أنه يقدم يديه على ركبتيه، ثم قال الحاكم: والقلب إلى رواية ابن عمر أميل؛ لأن في ذلك روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين. فهو يأتي ويقول: القلب أميل. أي: أن الحديث مقلوب! تصور! الحاكم يقول: القلب أميل إلى رواية ابن عمر لأن له شواهد عن الصحابة والتابعين. وهذا يقول: الحديث مقلوب ومعنى ذلك أن قلبه يميل إلى ترجيح رواية ابن عمر لأن لها شواهد كذا وكذا. وليس (القلب أميل) أي أن الحديث مقلوب. وما غر بعض إخواننا من الشباب إلى انتحال فكر الخوارج أو هذه الأفكار المبتدعة إلا لأنهم عكفوا على الكتب فقط، فأعملوا الكتب بعقولهم هم ولا يقبلون تراجعاً ولا يتنازلون عن فهمٍ فهموه، حتى أوصلتهم الجرأة أن تجرءوا على الأئمة الشافعي وأحمد وغيرهم، بل أنا بنفسي سمعت رجلاً منهم عندما قلت له: قول ابن عباس:) كفر دون كفر) فقال: نحن رجال وهم رجال. يعني: يجعل نفسه قرين ابن تيمية، وابن الصلاح، والعز بن عبد السلام، ولو ترقى قليلاً وجعل نفسه المزي، وابن مندة، وابن جرير، ثم ترقى قليلاً فجعله نفسه أحمد، والشافعي، ومالك، وهذا لن يعجزه فقد تجرأ على جيل الصحابة مباشرةً، وقال: نحن رجال وهم رجال! فقلنا: إن كنت تقصد الذكورة؛ فنحن لا ننازعك فيها فأنت ذكر، لكن إن كنت تقصد المقام والفهم فشتان! فقد توفرت لـ ابن عباس دعوة النبي ﷺ : (اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل)، فماذا توافر لك أنت؟! فإذا به يلقي هذه المفاجأة التي أنكرها عليه إخوانه أنفسهم، فقال: وما يدريك أن الله استجاب دعوة النبي ﷺ ؟! تصل به هذه الجرأة إلى هذا الحد؛ لأنه لا يرى من يعقب عليه؛ والسبب إنه يأخذ من الكتب مباشرةً، فيفهم ويكتب ما يريد، ولو تعود أن يقعد لشيخ فإنه يهاب أن يتكلم في حضرته؛ لأنه قد يتكلم خطأً، وقد كان نظام الإجازات قديماً من أقوى الأشياء التي كانت تجعل طالب العلم لا يتكلم إلا بعد علم، وبعد أن يجيز له أستاذه وشيخه، حتى إذا رأى شيخه أخطأ ما كان يهجم عليه.

стр. 1432

غياب العالم الرباني سبب في فقدان الأدب وكيع بن الجراح وهو أحد الأئمة الثقات الحفاظ، شيخ أحمد وغيره، ولم يثبت أنه كان شيخ الشافعي، ولم يثبت له لقاء به الشافعي، وأنبه على هذا عرضاً؛ لأنهم ينسبون إلى الشافعي بيتين من الشعر، يقول: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصي بل الإمام الشافعي كان من طبقة وكيع، فكيف يمكن أن يتتلمذ عليه أو أن يكون شيخاً له، إلا إن كان من باب رواية الأقران عن بعضهم، ولم يثبت هذا أيضاً، إنما هو شيخ للإمام أحمد، والإمام إسحاق بن راهويه. فكان وكيع يقول: يا أهل الحديث! أدوا زكاة الحديث، اعملوا عن كل مائة حديث بخمسة. أنا أرجو أن ينظر كل مسلم في محفوظاته من الأحاديث النبوية، ثم ينتقي خمسة أحاديث فيترجمها إلى الواقع العملي. فغياب العالم الرباني هو السبب في هذه النهضة العلمية التي لم تواكبها نهضة أخلاقية، وأنا هنا أبين لكم أن فقدان الشيوخ هو السبب المباشر لغياب الأدب، ولا يتصور أحدكم أن التلميذ كان يذهب إلى الشيخ يتلقى عنه علماً نظرياً فقط، إنما كان يتلقى عنه الأدب مع العلم، ومن أعظم ما استفاده التلامذة من الأساتذة الكبار: الذل وانكسار النفس وذهاب الكبر؛ لأن هذا العلم لا يصلح إلا بتواضع وإخلاص نية.

стр. 1433

الأعمش يعلم طلابه الأخلاق والأدب لو أخذنا رجلاً عالماً جليلاً كبيراً وهو سليمان بن مهران الأعمش أحد الأئمة الكبار القراء الحفاظ -حفاظ أهل الكوفة- هو شيخ شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة الثقات الكبار. كان عنده من شدة الخلق على تلاميذه شيئاً يضرب به المثل، حتى حكى الخطيب في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أنه كان عسراً جداً في الرواية، ولا يكاد يحدث بحديث، مع أن طلاب العلم عندهم نهم، مصداقاً لقوله ﵌: (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا) فكان طالب العلم لا يشبع، لاسيما عند الثقة الحافظ الإمام؛ فإنه شرف كبير أن يروي حديثاً عن الأعمش وأن يتسند له. فكانوا يتهافتون عليه تهافت الفَراش على النار، وكان هو شديد الامتناع في التحديث، فكل يوم يذهب أصحاب الحديث بكراريسهم ومحابرهم بالمئات يقرعون عليه الباب ويدخلون، فلما ضاق بهم ذرعاً اشترى لهم كلباً، فكلما سمع وقع أقدام أطلق الكلب لكي يفرق هذا الجمع، ونرجو أن تتصورا رجلاً كـ شعبة يجري أمام الكلب! أتظن أن شعبة زهد في الأعمش لا سيما أنه كان يماثله مئات في ديار المسلمين؟ أبداً، ما كانوا يزهدون في هؤلاء الأئمة؛ لأنهم ربوا على الأدب، يطلق عليهم الكلب، وبعد أن يؤدي الكلب مهمته يرجع والأعمش جذلان -مسرور- فيعودون مرة أخرى فيطلق عليهم الكلب. وذات يوم جاء أصحاب الحديث بكراريسهم ومحابرهم وقرعوا الباب، فإذا الكلب غير موجود، فدخلوا على الأعمش دخول المنتصر، فوجدوه يبكي! فقالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟! فقال لهم: لقد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، اقعدوا أحدثكم، فحدثهم يومئذٍ بحديث -بحديث واحد- وخرجوا كأظفر ما يكون، كأنه رجل فتح حصناً؛ لأنه أخذ حديثاً من الأعمش. وذات مرة خرج الأعمش في جنازة رجل، وكان به عمش وكان يحفظ ألف ألف حديث -يعني: مليوناً بأرقام اليوم- بإسنادها ومتنها، لا يدخل إسناد في متن، ولا يختلط رجل بآخر، مع شدة في خلقه. وذات مرة وهو في مجلس التحديث -وكان يكره أن يجلس أحد إلى جواره- فجاء طالب علم جديد لا يعرف طريقة الأعمش، فجلس بجواره، والطلاب لا يستطيعون أن يقولوا للرجل: ابعد، لكن لو علم الأعمش أن الرجل قعد بجانبه سيفض المجلس؛ فسكتوا، فشعر به الأعمش؛ فظل يبصق عليه حتى انتهى المجلس، يقول: حدثني فلان -ويبصق عليه- حتى انتهى المجلس، والرجل ساكت خشية أن يقول شيئاً، فيقطع الأعمش المجلس. وقال له رجل مرةً: يا أبا محمد! حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ بحلقه ولزقه بالحائط وقال: هذا إسناده! تصور رجل بهذه العسرة في التحديث كيف يتهافتون عليه، ولا يزهدون فيه!! اليوم لو أن أي طالب علم رأى من معلمه شيئاً يشينه اعتزله ولا يقابله في الطريق، ولا يسلم عليه، هذا إن كان من المتقين، وإلا ربما افترى عليه أيضاً، فأين هذا من ذاك؟! كان الأعمش بمثل هذا الخلق يكسر الكبر في نفوس تلاميذه، ويعلمهم التواضع الجم، وكان -فيما نحسب- حسن النية، جعل الله له لسان صدق في هذه الأمة، فلا يذكر إلا بالجميل. وورث أبو بكر بن عياش منه هذا العسر في الرواية، فقالوا له يوماً: حدثنا بحديث. قال لهم: لا، ولا بنصف حديث. فقالوا له: حدثنا بنصف حديث. قال: اختاروا: السند أو المتن؟! فقال له رجل يريد أن يمدحه إلى نفسه: أنت عندنا إسناد -يعني ينتظر أن يقول لهم متناً- فقال لهم: كان إبراهيم يدحرج الدلو. ! قال الخطيب: فانظر! ضن عليهم أن يحدثهم بحديث ينفعهم. ولا يتصورن أحد أن هذا الفعل من هؤلاء السادة فعل شائن، بل كان من أجل أفعالهم لتأديب طلاب العلم، وكان الأعمش يقول: لو كنت بقالاً لاستقذرتموني، وما رفعني إلا الحديث لماذا؟ لأنه واضح من لقبه، فهو لقب بـ الأعمش لعمش كان في عينه، وليس من الغيبة: أن يذكر الرجل بالعيب الذي فيه على سبيل التعريف وليس على سبيل التنقيص، وهذا موجود بكثرة كـ الأعمش وكـ الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، أما غندر فهو لقب ليس بعيب، وغندر هو لقب محمد بن جعفر وهذا ليس من العيب الخَلقي، غندر أي: المشرد بلغة أهل الحجاز، وأطلقها ابن جريج على محمد بن جعفر عندما كان يشرد في مجلسه. ومثلاً كـ ابن علية ينسب لأمه إسماعيل بن علية، والأحول ونحو ذلك. فكل هذه الأوصاف إذا قيلت في جزء التعليم فقط لا تعد من الغيبة، وإن قيلت على سبيل التنقيص فهذه غيبة.

стр. 1434

الفرق بين شباب السلف الصالح وأبنائنا هنا قصة طريفة جداً رواها الخطيب في كتابه (الكفاية في علوم الرواية) تبين لك الشعور بالمسئولية وكيف يصير هذا الشاب الطموح إماماً إذا تعاهدته، يروي هذه القصة من طريق أحمد بن النضر الهلالي، قال: سمعت أبي يقول: كنا في مجلس سفيان بن عيينة -وهذا عالم في الرواية، وشيخ الشافعي، ومن أقران مالك، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز- إذ دخل صبي صغير؛ فضحك بعض من في المجلس، فتلا سفيان قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤] ثم قال: لو رأيتني يا أبا نصر وأنا ابن عشر سنين، طولي خمسة أشبار، وجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، ثيابي قصار، أكمامي صغار، وذيلي بمقدار، ونعلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهري وعمرو بن دينار، أقعد بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، مقلمتي كاللوزة، فإذا دخلت المجلس قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. ثم ضحك سفيان بن عيينة، قال أحمد: ثم تبسم أبي وضحك، قال عمار بن علي: ثم تبسم أحمد وضحك، إلى آخر الإسناد، حتى وصلت البسمة إلى الخطيب البغدادي. فانظر إلى سفيان بن عيينة وله عشر سنين، ويختلف إلى من؟ إلى الزهري، وإلى عمرو بن دينار الذي أدرك جابراً، والزهري أدرك أنساً وسهل بن سعد، أي: أنهم من كبار التابعين، قال: (فأقعد بينهم كالمسمار) أي: أنه دائم الجلوس، لا يقوم حتى يقوموا. نحن الآن يقعد فينا مفت ولو كان عمره ستون سنة، فيصير كـ البخاري وهو ابن أحد عشر عاماً. كان مجلس البخاري مجلس يقعد فيه مائة ألف أو يزيدون وما في وجهه شعرة -أي: لم تنبت له لحية- بل إذا انحدرنا إلى التاريخ القريب نجد أن الحافظ ابن حجر العسقلاني مات وللسيوطي من العمر ثلاث سنين، ومع ذلك كان والد - السيوطي - يأخذه وهو ابن ثلاث سنين حتى يتشرف بمجالس أصحاب ابن حجر، مع كونه لا يدري وليس هناك تحمل ولا إجازة لأنه صغير، ومع ذلك كان يأخذه، ويمتن الحافظ السيوطي فيما بعد ويقول: كان أبي يأخذني إلى مجالس أصحاب ابن حجر وهو ابن ثلاث سنين فقط، لا يدري، والولد اليوم يكون عمره عشر سنين ولا يحضر الصلوات إلا بالضرب. بل هناك أعجب من ذلك: مات عبد الرزاق وللزبري من العمر ست سنوات فقط، وروى الزبري مصنفات عبد الرزاق كلها، ولم يطعن أحد من العلماء في سماع الزبري من عبد الرزاق بن همام الصنعاني علامة اليمن وإمامه، ودونك المعجم الصغير للطبراني، لا يروي الطبراني شيئاً عن عبد الرزاق إلا من طريق إسحاق بن إبراهيم الزبري! وهناك أحد الرواة روى سنن أبي داود عن أبي علي اللؤلؤي، أبو داود له رواه: كثيرون لسننه، فتجد في بعض الروايات ما ليس بمرضي، فأحياناً يقول: رواه أبو داود. وتبحث عنه في سنن أبي داود فلا تراه، فيكون هذا مثلاً من رواية أبي بكر ابن داسة، فإذا أردت أن تظفر برواية ابن داسة فعليك بسنن البيهقي، لأن البيهقي لا يروي حديثاً من سنن أبي داود إلا من طريق ابن داسة وليس من طريق اللؤلؤي. فيبقى عندنا روايتان لسنن أبي داود: رواية أبي علي اللؤلؤي وهي المطبوعة الآن بين أيدينا، ورواية ابن داسة: وهي الموجودة في سنن البيهقي، وفيها زيادة في الأحاديث على رواية اللؤلؤي. فأتى هذا الراوي شيخ شيخ الخطيب وكانت آخر عرضة سمعها من أبي علي اللؤلؤي وهو ابن خمس سنين، وروى كتاب أبي داود كله عن اللؤلؤي بسنده إلى أبي داود بسنده إلى النبي ﷺ كل السنن، ولم يطعن أحد في روايته وهو ابن خمس سنين أين هؤلاء؟!! كيف يتأتى للمسلمين أن يظفروا بمثل هذا إلا بعد أن توجد طبقة علماء ربّانيين، الذين لا يبيعون دينهم، والذي يصبرون على الحق المر، إذا زل العالم زل بزلته عَالمَ. عندما أنظر إلى شيخ الأزهر -وهو لابس أكبر عمامة موجودة في البلد- فأراه في جنازة أحد الوزراء يمشي في الصفوف الأمامية والموسيقى تدق، والنعش على مدفع، وهو لا ينكر، كيف يتأتى للعوام أن يعرفوا الحق من الباطل بهذا الوضع؟! فإذا أنكرنا ذلك قالوا: شيخ الأزهر قد فعلها؟! يمشي في جنازة مخالفة لجنازة المسلمين لا يشك في هذا أحد أن هذا ليس من ريح الإسلام، إنما هذه جنازات أوروبا، ويذهب ويأخذ بيديه الشريفتين الورد ويضعه على قبر الجندي المجهول، قام ووضعه على نعش المتوفى. كيف يمكن للعوام أن يعرفوا الحق من الباطل وأكبر رأس فيهم يفعل هذه الأفاعيل؟ بل كيف يمكن للعوام أن يصلوا إلى الحق وهم يرون أن أحد الكبار فيهم يسأل: ما الذي يعجبك يا مولانا؟ قال: والله أنا يعجبني فريد شوقي، والأغاني القديمة التي كان يغنيها عبد الوهاب، وأغاني أم كلثوم بألحان رياض السنباطي، لأنه هادئ قليلاً! أسمع هذا الرجل وأتعجب في نفسي وأقول: كيف للدعاة إلى الكتاب والسنة أن يتقلدوا كل هذا حتى يصلوا إلى قلوب العوام؟!! متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

стр. 1435

العالم الرباني ومهمته مهمة العالم الرباني شاقة جداً؛ لأنها تتمثل في أمرين: الأمر الأول: أن يأخذ الخرافة من نفوس الناس، وأن يرفع كل هذه الأشلاء. الأمر الثاني: أن يصب الإسلام الصحيح في هذه النفوس، وقد يموت وتموت بعده أجيال قبل أن ينتشلوا الخرافة من قلوب المسلمين، فضلاً عن أن يبذروا بذرة الإسلام الصحيح، هذا هو البناء الصحيح، ليس هناك إيمان إلا بعد كفر، أن تكفر بالطاغوت ثم تؤمن بالله ؛ لأنه لا يستقيم أن تؤمن بالله وهناك طاغوت في قلبك، ارفع الأشلاء والأنقاض ثم ارم الأساس الصحيح، فهذا الركام الذي يرمى على الساحة الإسلامية وتبتلعه اللصوص، فكيف لي بمعول أجتث به هذه الشجرة الملعونة في حياة المسلمين؟! وقد تتقطع الأعناق والرقاب دون اجتثاثها؛ لأن هناك أيد كثيرة جداً تحرص على أن تظل هذه الشجرة الملعونة. فمهمة العالم الرباني شاقة جداً، وهم مبتلون بتحريف النص عنهم أيضاً، وإشاعة الإشاعات أيضاً عنهم، فلا يكاد يسلم عالم رباني من إشاعات مغرضة تشوه تاريخه، وحسبنا بالشيخ ناصر الدين الألباني محدث العصر. هذا الرجل افترى عليه كثيرون جداً ما لم يقله، وبسبب هذه الافتراءات شرد في بلاد الأرض، فلا ترى له وطناً ولا سكناً، وحياته في الفترة الأخيرة مؤلمة جداً، عالم مثل هذا العالم يشرد في بلاد الأرض؛ ولأنه يرى حرمة السفر إلى بلاد الكفر فهو لم يتجه إلى أمريكا وفرنسا أو غيرها وإلا لوجد حرية كبيرة، فظل على حدود الإمارات ستة أشهر! ممنوع من دخولها! وممنوع من دخول الكويت! وممنوع من دخول السعودية! وممنوع من دخول سوريا كيف لهذا الرجل أن يعيش؟ وما دخَل الأردن إلا بتزكية خاصة من تلميذه الشيخ محمد بن إبراهيم الشقرة وكيل وزارة الأوقاف وإمام مسجد دار الصفوة، فدخل إلى الملك حسين بصفته الشخصية يطلب منه دخول الشيخ ناصر الدين الألباني إلى الأردن مع التعهد بألا يلتقي بأحد، وأجبروه أن يكتب على باب (الفيلا) (ممنوع مجيء أكثر من اثنين) لأنه تجمهر، ولا بد من موعد على الهاتف. وفي الأيام الأولى ضيقوا عليه بشدة، لكن في الأيام الأخيرة وبعدما أنسوا جانبه تركوا له هذا الأمر، حتى أنه -في زيارتي لعمان- دعا مجموعة للغداء وصادف أن كنت فيهم، وكنا خمسة وعشرين فرداً، فخرجوا فقلت للشيخ: هذه اللافتة تقول: ممنوع دخول أكثر من اثنين. قال: هم دخلوا اثنين اثنين! هو سريع البديهة جداً! فهذا العالم لا يوجد له مكان يستريح فيه، وقبل ذلك منعوا دروسه العامة في مسجد عمر في الزرقاء، حتى أنه لم يتمكن أن يلقي دروساً على طلاب العلم إلا في بيت أحدهم خلسة بعد صلاة العشاء. وعندما وقع مؤتمر السنة والسيرة النبوية في مصر لم يستدعوا الشيخ ناصر الدين الألباني -وهو أعظم الناس منة على المسلمين في هذا العصر للسنة والسيرة النبوية وما قالوا للشيخ ناصر: تعال وشرفنا حتى ولو عضواً، لا تتكلم. ومثل هؤلاء العلماء الربّانيين، انظر إلى معاملة الجهات الرسمية لهم! كيف يمكن أن ينتفع المسلمون بهم وهم مشردون في الأرض؟! بل الأغرب من ذلك: أنه حصلت مصادرة في بعض البلاد وهجوم الشرطة على المكتبات، كتاب تحذير الساجد، وكتاب (حرمة التصوير) للشيخ الألباني والشيخ ابن باز ولفيف من العلماء، وتحقيق شرح العقيدة الطحاوية لماذا يا إخواننا؟ قالوا: هذه الكتب ممنوعة، والأزهر نص على أنها ممنوعة! كيف ممنوعة؟! بالذات الشيخ ناصر الدين الألباني وتعليقاته. أهذه معاملة العلماء الربانيين العاملين؟! جحود شديد! إيجاد هؤلاء العلماء الربانيين يتمثل فيك أيها المسلم في معاملة ولدك، من منكم قال في نفسه: أنا نذرت ولدي هذا لله؟ وجد وسعى حثيثاً في تربيته على الهدف الذي يريد، من منكم فعل هذا وبدأ يقوم لولده الدعامة الأساسية، بأن يوصله إلى المشايخ لكي يتعلم، ويكون له مكتبة، ويزيح هذا الجهاز من البيت إن كان موجوداً، ويبدله بالكتب، فأول ما يشب الولد لا يرى إلا موضع الكتب، فينغرس في قلبه حب الكتب، وأنت لا تسمع عن أحد من العلماء النابغين إلا وأبوه كان عالماً، وجده كان عالماً إلخ. وإذا نظرت إلى شيخ الإسلام رأيت جده أبا البركات شيخ الحنابلة، ثم أباه عبد الحليم شيخ الحنابلة، فمن الطبيعي جداً أن يكون ابن تيمية شيخ الحنابلة، لأن جده وأباه أساس المذهب الحنبلي في دمشق، كذلك ابن مندة، أسرته بيت عريقٌ في العلم، وكلهم علماء، وكذلك والمقادسة كلهم علماء أيضاً، فلتكن أنت أول طالب علمٍ في أسرتك، فيأتي أولادك فتهتم بهم، وقل: هذا لله، أنا سأربيه حتى يكون عالماً، عندنا آلاف الأطباء والصيادلة والمهندسين! عندنا الآلاف في كل شيء، لكن ما عندنا علماء شرعيون، تحدث فتنة جديدة -هرج ومرج- ولا ندري من يفتي فيها الفتوى الصحيحة، أقرب مثال على ذلك اللحوم المستوردة، عندما كنا نقرأ الأخذ والرد نستغرب جداً؛ لأنه لا يوجد من يحكم هذه القضية لماذا؟ لأن المعطيات غير موجودة، تحدث فتوى جديدة يحتار فيها الشباب حتى يصلوا إلى عالم واحد مثلاً في آخر الأرض يصنع الفتوى، والله يعلم إن كان الجواب يصل الجواب صحيحاً، أو باطلاً، مشكلة كبيرة! وكان ابن حبان ﵀ في مقدمة كتابه يقول: وإني لأنظر إلى كل الصناعات فأجدها كفيت إلا هذه الصنعة، فكأنها التي عناها الرسول ﷺ بقوله: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا) قال ابن حبان: فكأن العلم -علم الحديث والفقه- هو العلم المعني بالانتزاع. كل يوم في مصر إذا راح عالم شغر مكانه سنين طويلة، أخبروني بعد الشيخ أحمد شاكر: كيف صارت الديار المصرية خالية ممن يفقهون بالحديث، أين الفقهاء من الطراز الكبير الموجودون في مصر؟! لعل المخلصون منهم لا يجدون وسائل الإعلام، هناك بلا شك طاقات كبيرة جداً في مصر، ولكنها متوارية، حتى يكاد أن يقال: إنه لا يوجد أحد، إذا مات الواحد منهم شغر مكانه فترة طويلة من الزمن، حتى يخلفه آخر، وهذه مشكلة كبيرة تدل على الشيء الذي يعاني المسلمون منه الآن.

стр. 1436

مسئوليتنا نحو أبنائنا أقبل على الله بنذر ولدك أن يكون أحد العلماء الشرعيين فيأخذون بيد الأمة، انظر كثير من الإخوان يعاني بأن ابنه ليس بنبيه، ويعلم ابنه اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية واللغة الألمانية! ويخرج الولد صفر اليدين من اللغة العربية، حتى أن هذا الأمر واقع -بكل أسف- وموجود عند كثير من الإخوة الذين يتصور أن وسطهم أنقى من وسط العوام، فتجد الولد يجيد كل اللغات إلا اللغة العربية فهو أعجمي فيها، ولقد عايشت هذا بنفسي عندما درست اللغة العربية في الكلية فوصل بي الأمر أنني كنت آخذ الكتاب من أوله إلى آخره إعراباً لا أكاد أخطئ في لفظة ولا في كلمة ولا في تعليق، وقبل أن أجيد اللغة العربية كنت أسوق الكلام مكسوراً، وإن قلت الشعر قلته ملحوناً، فإن قال لي قائل: لم رفعت هذا أو كسرت هذا؟ وقفت لا أدري شيئاً، أهذا الذي يجب على المسلم؟ أهذا الذي يجب علينا تجاه لغتنا العربية؟! فأنا أدعوكم -وأرجو الله إن كنت صادقاً في هذه الدعوة أن يجعل لها محلاً في قلوبكم- إن لم يكن هناك نية فاستحضر النية في أن تربي ولدك بأن يكون عالماً شرعياً ربانياً، يأخذ بيد هذه الأمة، بعد أن جروا وراء الطب والهندسة إلخ، فإن الناس لا يفتئون يجرون وراء هذه، ولا أحد يجري وراء العلم الشرعي إذ لا وظيفة له، وهذا بكل أسف لمحناه ظاهراً في القرن السابع الهجري وما بعده، لمحنا بُعد الناس عن علم الحديث، وإقبالهم إلى علم الفقه بسبب الرواتب، لأن الفقيه له وظيفة، ويمكن أن يعين -مثلاً- قاضياً في الفتوى، ويمكن أن يعين إماماً وخطيباً، يمكن أن يعين مدرساً، أما علم الحديث فما يجدي شيئاً ولا يجلب لصاحبه رزقاً؛ فأعرض كثير من الناس عنه. بل تجد الفقيه الكبير قد يُعرض عن الجهر برأيه في مخالفة مذهبه مثلاً أو في مخالفة الدولة حرصاً على الراتب، ونحن لا نعيبهم بهذا فهم بشر، وهذا حدث لـ تقي الدين السبكي -وكان أحد العلماء الذين اكتملت فيهم آلة الاجتهاد- فهو أحد الذين وقفوا ضد شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان له مساجلات كثيرة علمية ومناصحات علمية أيضاً. قال ولي الدين بن عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم ولي الدين هذا ابن الحافظ زين الدين العراقي - لشيخه سراج الدين البلقيني: ما الذي جعل تقي الدين السبكي لا يسلك سبيل الاجتهاد كما سبقه شيخ الإسلام ابن تيمية وقصر نفسه على المذهب الشافعي؟ فسكت سراج الدين البلقيني ولم يجب، قال ولي الدين: عيبه أن ذلك من الأعطيات؛ لأن تقي الدين إن خالف المذهب الشافعي واجتهد وأخذ بالدليل وإن كان يعارض المذهب فهو يعتبر رأس المذهب الشافعي؛ أقصوه عن رئاسة المذهب، فلذلك لم يفعل ليحوز الراتب. انظر هذا شيء من ضعف البشر، لكن هناك ألف حسنة في مقابل هذا عند تقي الدين السبكي ﵀. فكان من أول القرن الثامن وما بعده الحرص الشديد على تعلم العلم الذي يجلب الراتب ظاهراً جداً وملاحظاً، وقد ظهر عندنا الآن بصورة فاحشة جداً، إن قلت: علمه العلم الشرعي، ولا داعي أن تدخله المدارس، أو تدخله الأزهر، أو تعلمه أنت وتتعاهده. فيقول: ومن أين يعيش إذا كبر؟ فإنه لا بد من وظيفة، وعز العالم من عز الدولة، والدولة الآن لا تتبنى العلم الشرعي، إذا رأيت الدولة تهتم بالعلم الشرعي رأيت أعز رجلٍ فيها هو العالم، وإذا رأيتها تهتم بالفن، والرقص، وتهتم بكل هذه الأشياء المنكرة؛ فاعلم أن العالم الشرعي هو الذي يكون تحت الأقدام. وهذا واضح جداً كالشمس ولا يحتاج إلى دليل، ففي مسرحية قال لي محدثي: في أول المسرحية أتوا بهيئة التدريس مدرسين وطلاب لينشدوا نشيد المدرسة، وهي تتكون من مدرس اللغة العربية، ومدرس الإسلامية، ومدرس الرياضيات إلخ، فقلت له: وكيف عرفت أن فيهم مدرس الإسلامية؟! قال: لأنه كان يلبس جبة وعمامة -أزهري- ثم بعد أن درسوا حصصهم أخذوا دوراً في الرقص البلدي، فكان أفضل من يرقص فيهم صاحب الجبة والعمامة، لدرجة أن الذي حدثني قال: وقعت على قفاي من شدة الضحك ودمعت عيناي - وليس دمعة حزن- على منظر هذا الشيخ وهو يرقص هذا الرقص بحماس بالغ. هذا يدل على مهانة هؤلاء العلماء ونظرة الدولة للعلماء الشرعيين، يأتي فيرقص سبحان ربي!! والله إن آخر شيء يمكن أن أتوقعه أن يثور الناس، أو يتكلم العلماء الرسميون حتى ذراً للرماد في العيون، لكن أين العالم الرباني الذي يستنكر هذا ولو حتى على رقبته؟ ماذا يريد المرء إلا ذكراً خالداً؟ تصور لو أن رجلاً كان في منصبٍ، ثم ذهب إلى بعض صحف المعارضة وأدلى ببيان يستنكر فيه المخالفات الشرعية الموجودة، ويقول لهذا: أنا أقدم استقالتي. فيقدم استقالته ويذهب، ما هي المشكلة؟ لا يفيق الإنسان إلا بعد أن يترك الكرسي، وهذا دليل على أنه ليس بعالم أصلاً، وإنما نقول: عالماً تجوزاً، ولأن هذه هي تسمية العوام له. ولدينا مثال حي جداً: الدكتور زكريا البدوي، أنا لست أنسى له هذا الموقف في مسجد صلاح الدين -عذراً أنا أسمي لأن التسمية مهمة جداً في هذا العصر؛ لأنه لا يكفي أن نقول: ما بال أقوام، لأن الشر صار مستطيراً جداً من كل ناحية، حتى لا يدري المسلم أين الخير وأين منبعه؛ من كثرة الشرر المتطاير- في المنيل، وكان الشيخ عبد الرقيب صقر يجمع التبرعات لأفغانستان، وكانت هناك أشياء كثيرة، فأراد رئيس الدولة أن يصلي في هذا المسجد، وكان الدكتور هو وزير الأوقاف، فأمر بإخراج كل المعونات التي في المخازن -وهي لا تضر- ورماها في حديقة المسجد حتى تلفت أشياء كثيرة وهذا لماذا؟ من أجل أنه إذا مر لا تقع عينه على طبيخ، ولا يشم إلا أصل رائحة المسجد وما في البساط وما في الأدوية وما في الأحذية، وهذا شيء الدولة تتبناه ولا تمنعه: أن ترسل لأفغانستان المعونات، حتى جاءت الجمعة الثانية فقام الشيخ عبد الرقيب يدعو من قلبٍ حار والمسجد يكاد ينخلع من تأمين المصلين. مرت الأيام وأخرج الدكتور من الوزارة، وإذا به يشتعل ناراً ضد الحكومة، ولعل المتابعين في الصحف أدركوا لفحة النار والهجير تخرج من قلب هذا الرجل على الأزهر وعلى شيوخ الأزهر: المنافقون الممالقون إلخ، وأين كنت يوم كذا ويوم كذا؟ لا يفيق الإنسان حتى يترك هذا المنصب، هذا يدل على أنه ليس بعالم أصلاً، فضلاً عن أن يوصف بأنه عالم رباني. إن صلاح هذه الأمة لا يكون إلا بوجود العلماء الربانيين، ولئن كنا نعاني من عدم وجودهم فأنا أدعوكم إلى أن يجند كل واحد منكم ولداً من أولاده لدراسة العلم الشرعي، وحفظ القرآن الكريم، وأن يمشي على سير الصالحين حتى إذا وصل الولد إلى سن الخامسة عشر أجيز بالفتوى. لو ضمنّا في هذه الأمة عشرة أو عشرين من هذا الطراز نأمل إن شاء الله أن يصلح الله الحال، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأسأل الله تعالى أن يجعل ما قلناه وما سمعناه قائداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً ليوم العرض عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 1437

الأسئلة

стр. 1438

ذكر القدح في الأشخاص يكون حسب المصلحة السؤال هل يجوز أن يسمى الرجل بما فيه من العيب والقدح؟ الجواب تسمية الرجل والإخبار بما فيه كان النبي ﷺ يراعي المصلحة فيما يقول، فأحياناً يقول: (ما بال أقوم) في موضع، ويصرح في موضع آخر، إذا كان يستلزم النصيحة المحضة والتحذير لا مانع من التصريح، وقد صرح النبي ﷺ في الحديث الصحيح -والحديث في الصحيحين- لما جاءته فاطمة بنت قيس تخبر النبي ﷺ عن معاوية بن أبي سفيان وأبي جهم أنهما خطباها فقال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) فإذا كان هذا في شأن امرأة، ولم يخفي عنها النبي ﷺ بما يعلمه في معاوية بن أبي سفيان وفي أبي جهم، فمصلحة الأمة المسلمة لاسيما مع كثرة الشر يستدعي أن يصرح الإنسان بالتحذير من هؤلاء الناس، لاسيما والفتنة تأتينا من طريقهم، وهم يمكنون من الصحف الرسمية وغير الرسمية، ومن وسائل الإعلام، فإذا علم المسلم أن هذا إنما يأتيه من ورائه دخن كان على حذر منه.

стр. 1439

الحديث الضعيف لا يفيد العلم السؤال هل الحديث الضعيف يفيد العلم؟ الجواب لا يفيد الحديث الضعيف بشيئاً من العلم، لا في فضائل الأعمال ولا في الأحكام الشرعية على المذهب الراجح. مداخلة: ابن حجر ذكر شروطاً للحديث الضعيف في إفادته العلم؟ الجواب: أنت لو قرأت شرح الشروط الثلاثة التي ذكرها الحافظ ابن حجر في العمل بالحديث الضعيف تجد أنه ذهب في النهاية إلى منع العمل بالحديث الضعيف، وأنا أحيلك على مقدمة تمام المنة للشيخ ناصر فقد تكفل بشرح هذه الثلاثة الشروط.

стр. 1440

أين نحن من أصحاب النبي ﷺ ؟! إن علو الهمم شيء أساسي في بناء الأمم، فرجل ذو همة يحيي الله به أمة، وإن الناظر إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم ليجد في علو همتهم وعزمهم وقوة إيمانهم ما يدعو للعجب، فلذلك مكن الله لهم في الأرض وأيدهم بنصره، وما صارت الأمة الإسلامية اليوم إلى هذه الدرجة من الضعف والذل وتسلط الأعداء؛ إلا بسبب دناءة الهمم وخستها في جميع مجالات الحياة، فإذا أردنا أن نرفع هذا الذل عن أمتنا؛ فعلينا أن نرجع إلى سير أسلافنا وننشرها في مجتمعاتنا؛ لأن في نشر سير مثل هؤلاء الأبطال دعوة إلى علو الهمة ونشر الفضيلة.
следующие страницы →