Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
مسئوليتنا نحو أبنائنا
أقبل على الله بنذر ولدك أن يكون أحد العلماء الشرعيين فيأخذون بيد الأمة، انظر كثير من الإخوان يعاني بأن ابنه ليس بنبيه، ويعلم ابنه اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية واللغة الألمانية! ويخرج الولد صفر اليدين من اللغة العربية، حتى أن هذا الأمر واقع -بكل أسف- وموجود عند كثير من الإخوة الذين يتصور أن وسطهم أنقى من وسط العوام، فتجد الولد يجيد كل اللغات إلا اللغة العربية فهو أعجمي فيها، ولقد عايشت هذا بنفسي عندما درست اللغة العربية في الكلية فوصل بي الأمر أنني كنت آخذ الكتاب من أوله إلى آخره إعراباً لا أكاد أخطئ في لفظة ولا في كلمة ولا في تعليق، وقبل أن أجيد اللغة العربية كنت أسوق الكلام مكسوراً، وإن قلت الشعر قلته ملحوناً، فإن قال لي قائل: لم رفعت هذا أو كسرت هذا؟ وقفت لا أدري شيئاً، أهذا الذي يجب على المسلم؟ أهذا الذي يجب علينا تجاه لغتنا العربية؟! فأنا أدعوكم -وأرجو الله إن كنت صادقاً في هذه الدعوة أن يجعل لها محلاً في قلوبكم- إن لم يكن هناك نية فاستحضر النية في أن تربي ولدك بأن يكون عالماً شرعياً ربانياً، يأخذ بيد هذه الأمة، بعد أن جروا وراء الطب والهندسة إلخ، فإن الناس لا يفتئون يجرون وراء هذه، ولا أحد يجري وراء العلم الشرعي إذ لا وظيفة له، وهذا بكل أسف لمحناه ظاهراً في القرن السابع الهجري وما بعده، لمحنا بُعد الناس عن علم الحديث، وإقبالهم إلى علم الفقه بسبب الرواتب، لأن الفقيه له وظيفة، ويمكن أن يعين -مثلاً- قاضياً في الفتوى، ويمكن أن يعين إماماً وخطيباً، يمكن أن يعين مدرساً، أما علم الحديث فما يجدي شيئاً ولا يجلب لصاحبه رزقاً؛ فأعرض كثير من الناس عنه.
بل تجد الفقيه الكبير قد يُعرض عن الجهر برأيه في مخالفة مذهبه مثلاً أو في مخالفة الدولة حرصاً على الراتب، ونحن لا نعيبهم بهذا فهم بشر، وهذا حدث لـ تقي الدين السبكي -وكان أحد العلماء الذين اكتملت فيهم آلة الاجتهاد- فهو أحد الذين وقفوا ضد شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان له مساجلات كثيرة علمية ومناصحات علمية أيضاً.
قال ولي الدين بن عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم ولي الدين هذا ابن الحافظ زين الدين العراقي - لشيخه سراج الدين البلقيني: ما الذي جعل تقي الدين السبكي لا يسلك سبيل الاجتهاد كما سبقه شيخ الإسلام ابن تيمية وقصر نفسه على المذهب الشافعي؟ فسكت سراج الدين البلقيني ولم يجب، قال ولي الدين: عيبه أن ذلك من الأعطيات؛ لأن تقي الدين إن خالف المذهب الشافعي واجتهد وأخذ بالدليل وإن كان يعارض المذهب فهو يعتبر رأس المذهب الشافعي؛ أقصوه عن رئاسة المذهب، فلذلك لم يفعل ليحوز الراتب.
انظر هذا شيء من ضعف البشر، لكن هناك ألف حسنة في مقابل هذا عند تقي الدين السبكي ﵀.
فكان من أول القرن الثامن وما بعده الحرص الشديد على تعلم العلم الذي يجلب الراتب ظاهراً جداً وملاحظاً، وقد ظهر عندنا الآن بصورة فاحشة جداً، إن قلت: علمه العلم الشرعي، ولا داعي أن تدخله المدارس، أو تدخله الأزهر، أو تعلمه أنت وتتعاهده.
فيقول: ومن أين يعيش إذا كبر؟ فإنه لا بد من وظيفة، وعز العالم من عز الدولة، والدولة الآن لا تتبنى العلم الشرعي، إذا رأيت الدولة تهتم بالعلم الشرعي رأيت أعز رجلٍ فيها هو العالم، وإذا رأيتها تهتم بالفن، والرقص، وتهتم بكل هذه الأشياء المنكرة؛ فاعلم أن العالم الشرعي هو الذي يكون تحت الأقدام.
وهذا واضح جداً كالشمس ولا يحتاج إلى دليل، ففي مسرحية قال لي محدثي: في أول المسرحية أتوا بهيئة التدريس مدرسين وطلاب لينشدوا نشيد المدرسة، وهي تتكون من مدرس اللغة العربية، ومدرس الإسلامية، ومدرس الرياضيات إلخ، فقلت له: وكيف عرفت أن فيهم مدرس الإسلامية؟! قال: لأنه كان يلبس جبة وعمامة -أزهري- ثم بعد أن درسوا حصصهم أخذوا دوراً في الرقص البلدي، فكان أفضل من يرقص فيهم صاحب الجبة والعمامة، لدرجة أن الذي حدثني قال: وقعت على قفاي من شدة الضحك ودمعت عيناي - وليس دمعة حزن- على منظر هذا الشيخ وهو يرقص هذا الرقص بحماس بالغ.
هذا يدل على مهانة هؤلاء العلماء ونظرة الدولة للعلماء الشرعيين، يأتي فيرقص سبحان ربي!! والله إن آخر شيء يمكن أن أتوقعه أن يثور الناس، أو يتكلم العلماء الرسميون حتى ذراً للرماد في العيون، لكن أين العالم الرباني الذي يستنكر هذا ولو حتى على رقبته؟ ماذا يريد المرء إلا ذكراً خالداً؟ تصور لو أن رجلاً كان في منصبٍ، ثم ذهب إلى بعض صحف المعارضة وأدلى ببيان يستنكر فيه المخالفات الشرعية الموجودة، ويقول لهذا: أنا أقدم استقالتي.
فيقدم استقالته ويذهب، ما هي المشكلة؟ لا يفيق الإنسان إلا بعد أن يترك الكرسي، وهذا دليل على أنه ليس بعالم أصلاً، وإنما نقول: عالماً تجوزاً، ولأن هذه هي تسمية العوام له.
ولدينا مثال حي جداً: الدكتور زكريا البدوي، أنا لست أنسى له هذا الموقف في مسجد صلاح الدين -عذراً أنا أسمي لأن التسمية مهمة جداً في هذا العصر؛ لأنه لا يكفي أن نقول: ما بال أقوام، لأن الشر صار مستطيراً جداً من كل ناحية، حتى لا يدري المسلم أين الخير وأين منبعه؛ من كثرة الشرر المتطاير- في المنيل، وكان الشيخ عبد الرقيب صقر يجمع التبرعات لأفغانستان، وكانت هناك أشياء كثيرة، فأراد رئيس الدولة أن يصلي في هذا المسجد، وكان الدكتور هو وزير الأوقاف، فأمر بإخراج كل المعونات التي في المخازن -وهي لا تضر- ورماها في حديقة المسجد حتى تلفت أشياء كثيرة وهذا لماذا؟ من أجل أنه إذا مر لا تقع عينه على طبيخ، ولا يشم إلا أصل رائحة المسجد وما في البساط وما في الأدوية وما في الأحذية، وهذا شيء الدولة تتبناه ولا تمنعه: أن ترسل لأفغانستان المعونات، حتى جاءت الجمعة الثانية فقام الشيخ عبد الرقيب يدعو من قلبٍ حار والمسجد يكاد ينخلع من تأمين المصلين.
مرت الأيام وأخرج الدكتور من الوزارة، وإذا به يشتعل ناراً ضد الحكومة، ولعل المتابعين في الصحف أدركوا لفحة النار والهجير تخرج من قلب هذا الرجل على الأزهر وعلى شيوخ الأزهر: المنافقون الممالقون إلخ، وأين كنت يوم كذا ويوم كذا؟ لا يفيق الإنسان حتى يترك هذا المنصب، هذا يدل على أنه ليس بعالم أصلاً، فضلاً عن أن يوصف بأنه عالم رباني.
إن صلاح هذه الأمة لا يكون إلا بوجود العلماء الربانيين، ولئن كنا نعاني من عدم وجودهم فأنا أدعوكم إلى أن يجند كل واحد منكم ولداً من أولاده لدراسة العلم الشرعي، وحفظ القرآن الكريم، وأن يمشي على سير الصالحين حتى إذا وصل الولد إلى سن الخامسة عشر أجيز بالفتوى.
لو ضمنّا في هذه الأمة عشرة أو عشرين من هذا الطراز نأمل إن شاء الله أن يصلح الله الحال، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وأسأل الله تعالى أن يجعل ما قلناه وما سمعناه قائداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً ليوم العرض عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 1437
الأسئلة
стр. 1438
ذكر القدح في الأشخاص يكون حسب المصلحة
السؤال
هل يجوز أن يسمى الرجل بما فيه من العيب والقدح؟
الجواب
تسمية الرجل والإخبار بما فيه كان النبي ﷺ يراعي المصلحة فيما يقول، فأحياناً يقول: (ما بال أقوم) في موضع، ويصرح في موضع آخر، إذا كان يستلزم النصيحة المحضة والتحذير لا مانع من التصريح، وقد صرح النبي ﷺ في الحديث الصحيح -والحديث في الصحيحين- لما جاءته فاطمة بنت قيس تخبر النبي ﷺ عن معاوية بن أبي سفيان وأبي جهم أنهما خطباها فقال: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) فإذا كان هذا في شأن امرأة، ولم يخفي عنها النبي ﷺ بما يعلمه في معاوية بن أبي سفيان وفي أبي جهم، فمصلحة الأمة المسلمة لاسيما مع كثرة الشر يستدعي أن يصرح الإنسان بالتحذير من هؤلاء الناس، لاسيما والفتنة تأتينا من طريقهم، وهم يمكنون من الصحف الرسمية وغير الرسمية، ومن وسائل الإعلام، فإذا علم المسلم أن هذا إنما يأتيه من ورائه دخن كان على حذر منه.
стр. 1439
الحديث الضعيف لا يفيد العلم
السؤال
هل الحديث الضعيف يفيد العلم؟
الجواب
لا يفيد الحديث الضعيف بشيئاً من العلم، لا في فضائل الأعمال ولا في الأحكام الشرعية على المذهب الراجح.
مداخلة: ابن حجر ذكر شروطاً للحديث الضعيف في إفادته العلم؟ الجواب: أنت لو قرأت شرح الشروط الثلاثة التي ذكرها الحافظ ابن حجر في العمل بالحديث الضعيف تجد أنه ذهب في النهاية إلى منع العمل بالحديث الضعيف، وأنا أحيلك على مقدمة تمام المنة للشيخ ناصر فقد تكفل بشرح هذه الثلاثة الشروط.
стр. 1440
أين نحن من أصحاب النبي ﷺ ؟!
إن علو الهمم شيء أساسي في بناء الأمم، فرجل ذو همة يحيي الله به أمة، وإن الناظر إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم ليجد في علو همتهم وعزمهم وقوة إيمانهم ما يدعو للعجب، فلذلك مكن الله لهم في الأرض وأيدهم بنصره، وما صارت الأمة الإسلامية اليوم إلى هذه الدرجة من الضعف والذل وتسلط الأعداء؛ إلا بسبب دناءة الهمم وخستها في جميع مجالات الحياة، فإذا أردنا أن نرفع هذا الذل عن أمتنا؛ فعلينا أن نرجع إلى سير أسلافنا وننشرها في مجتمعاتنا؛ لأن في نشر سير مثل هؤلاء الأبطال دعوة إلى علو الهمة ونشر الفضيلة.
стр. 1441
الولاء والبراء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة الكرام: إن الولاء والبراء روح الإيمان، وولاؤك لله ورسوله والمؤمنين فريضة، وبراءتك من أعداء الله ورسوله والمؤمنين فريضة أيضاً، فأهل الفساد هم أهل السلطان، وأهل الشوكة في غالب الأزمان يطارودنك ويضطهدونك، وهذه ضريبة معجلة يدفعها أهل الإيمان.
стр. 1442
علو الهمة خلق أسلافنا
سأل سائلٌ فقال: كلما قرأت في تراجم أسلافنا في جدهم وعزمهم وقوة إيمانهم، وأردت أن أقلدهم فيما يفعلون أفشل، وأنا صادق في الطلب، لست بمراءٍ، أريد أن أقتفي أثرهم، لكنني أرجع مثل موجٍ منكسرٍ أو جيش منهزم فما هو الفرق؟ ولماذا أرجع منهزماً، وهم يظفرون الجولة بعد الجولة؟! نقول: اعلم -أيها المحب- أن الفارق هو علو الهمة، فعلو الهمة يورثك طول النفس، وقد كان أسلافنا كلهم أصحاب همم عالية.
كان الشيخ سعيد الحلبي -وهو قريب العهد منا- يلقي درسه في مسجدٍ بدمشق، فدخل عليه إبراهيم باشا الكبير وكان الشيخ ماداً رجله وهو يلقي الدرس، فدخل إبراهيم باشا فلم يغير الشيخ هيئته، فتألم إبراهيم وكظم غيظه وانصرف، ثم أرسل له بألف ليرة ذهبية، فرد الشيخ الحلبي هذه الدنانير الذهبية ومعها رساله قصيرة يقول فيها: (إن من يمد رجله لا يمد يده).
إذاً: مد رجله كان مقصوداً، فهكذا عزتهم بالعلم، ما كانوا يطمحون لدنيا؛ فما فُل شيءٌ من عزمهم ولا كُسِرت شوكتهم.
لكن خساسة الهمم غزت كل مجالات حياتنا، ولنضرب لذلك مثلاً: ما نشر في جرائدنا الرسمية وغير الرسمية: مأتم وعويل لماذا؟ لمصرع أشهر زانيةٍ في القرن العشرين! أهلكها الله ، فقامت الصحف وصدرت الصفحات الأولى عن حياتها ومآثرها.
ومن المبكي حقاً: أنه في اليوم الثالث من ربيع الثاني، سنة ألف وأربعمائة وثمانية عشر هجرية، رحل عن دنيانا أحد الأفذاذ الكبار من أساتذتنا، كان نجماً من نجوم الأدب والدفاع عن الإسلام في مصر والعالم كله على مدار ستين عاماً: الشيخ الإمام الكبير العلم -طيب الله ثراه، وسقا جدثه- الشيخ أبو فهر محمود محمد شاكر ﵀.
هذا الرجل الفذ مات ولم يحرك الإعلام ساكناً، برغم أنه كان نجم الأدب، وكانت له قناةٌ لا تلين، فقد ترك الجامعة، ليرد على أستاذه طه حسين في مزاعمه في الشعر الجاهلي، وكان طه حسين أستاذ محمود شاكر، فترك الجامعة ليرد عليه، ورد عليه وانتصف منه سنة ألف وتسعمائة وستة وثلاثين، والرجل يكتب ويدافع، ووقف وقفةً بطولية ضد من سموه أستاذ الدين: أحمد صبحي السيد، وعبد العزيز فهمي وغيرهم.
هؤلاء أرادوا أن يحولوا اللغة العربية إلى اللغة العامية، وأن يستبدلوا الحروف العربية بالحروف اللاتينية، فوقف ضد هؤلاء وقفة شامخة، وكان كالجبل الأشم، ورحل الشيخ محمود شاكر ولم يحرك الإعلام ساكناً حتى وزارة الثقافة -الذي هو يعتبر رأسها، وهو الذي زانها- لم تنع الرجل، وهو لا يحتاج إليها بطبيعة الحال.
وزارة الثقافة لم تدفع له ثمن الكشف، بل وزارة الثقافة في الكويت هي التي دفعت تكاليف الكشف في غرفة الإنعاش وغرفة العناية المركزة لهذا العالم.
عقوق مستمر وجحود للكبار.
عش مجبراً أو غير مجبر فالخلق مربوطٌ مقدر والخير يهمس بينهم ويقام للسوءات منبر هكذا يقال: (للسوءات منبر)، أما الخير فيهمس به بينهم، فيموت الرجل ويرحل عن دنيانا، ولا أحد يذكره! هكذا فليكن العقوق، هكذا فليكن الجحود ونكران الجميل! لكن الرجل -أحسبه والله حسيبه- ما كان يرجو من هؤلاء مدحاً ولا جزاءً ولا شكوراً، لكن هذا نمط يغزو حياتنا كلها، عقوق لعلمائنا وجحود لفضلهم.
стр. 1443
دناءة الهمم
امرأة تعترف بالخيانات، ويجري وراءها الذين أخلدوا إلى الأرض، وصرعهم الملك الذي لا يبقى إلا وجهه، وتصرمت عنهم الدنيا والشهرة التي أهلكتهم.
كل حيّ سيموت ليس في الدنيا ثبوت حركات سوف تفنى ثم يتلوها خفوت وكلامٌ ليس يحلو بعده إلا السكوت أيها التاجر قل لي أين ذاك الجبروت كنت مطبوعاً على اللطـ ـف فما هذا الصموت ليت شعري أهمود ما أراه أم قنوت أين أملاك لهم في كل أفق ملكوت زالت التيجان عنهم وخلت تلك التخوت أصبحت أوطانهم من بعدهم وهي خبوت لا سميع يفقه القو ل ولا حي يقوت عمرت منهم قبورٌ وخلت منهم بيوت خمدت تلك المساعي وانقضت تلك النعوت إنما الدنيا خيالٌ باطلٌ سوف يفوت ليس للإنسان فيها غير تقوى الله قوت ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧].
هذا الشاب الذي صرع خلف المرأة العاهرة أعطاها في حفل العزاء الأخير خاتم من الماس بمليون جنيه، والله أعلم هل خطر بباله أن يؤدي الزكاة المفروضة على المليارات أم لا، إنما البكاء على خساسة الهمم! إن أسلافنا ولدوا وهم ينظرون إلى السماء، فتعلقت أنظارهم بالثريا، وهؤلاء ولدوا وهم ينظرون إلى الأرض، لا يرون إلا شراك النعل وموضع القدم فتعلقت أنظارهم بالثرى: إن الهوان حمار الدار يألفه والحر ينكره والفيل والأسد ولا يقيم بدار الذل يألفها إلا الذليلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوطٌ برمته وذا يشج فما يأوي له أحد هذا هو الهوان، خساسة الهمم دخلت في حياتنا حتى في اختيار الزوجة، وهذا الكلام له صلةٌ متينة بموضوعنا في جيل التمكين، ومواصفات هذا الجيل التليد.
فلو أن رجلاً ذهب إلى الصحراء، واشترى فيها الفدان الذي لا يزرع بمائة ألف، لقال الناس: مخبول ومجنون، يدفع مائة ألف في فدان لا يزرع؟ فهذا الذي ينكره الناس يقعون فيه إذا ذهبوا ليحضروا الحفل الأسطوري الاستفزازي في بلد أغلب أهله جياع، وينشر على صفحات الجرائد: قطعة الجبن بثلاثمائة دولار -يعني: بألف جنيه- قطعة جبن توضع في سندوتش، قطعة جبن بألف جنيه، وفي هذا الحفل يؤتى بمجموعة من البغال المستوردة بمبالغ باهظة تقدر بخمسة عشر ألف دولار؛ لترفع ذيل فستان العروس، وتغطى نوافذ الصالة بثمانية آلاف متر حرير طبيعي، وجعلوا يعددون أشياء لا تدخل تحت الحصر! المهم أن قيمة الحفل الإجمالية بلغت أربعة ملايين جنيه! فيا ترى هذه المرأة المخطوبة كم مهرها؟ وكم مؤخرها؟ وإذا كان الذي أُنفق على ذلك أربعة ملايين، فيا ترى بكم ذهبُ هذه المرأة.
أليس هذا لدفع المال الكثير للأراضي البور، هذه المرأة أليست مثل الأرض البور، ما الذي سيخرج من صلبها؟! يدفع ألوفاً مؤلفة بصدد مثل هذا النمط من النساء الذي ورد في الحديث الصحيح أنه مثل الجرب، المرأة الفاسدة مثل الجرب، فهذا رجل يطلب معاشرة امرأة جرباء، ويدفع فيها كل هذا المال، وإنما هي خسة الهمة في الطلب! فإذا كان هذا مقياسه في طلب شريك حياته، فما بالك ببقية مجالات حياته.
الذي ميز بين الجيل الأول العظيم وبين الأجيال المتعاقبة -كجيلنا مثلاً- هو علو الهمة، فعلو الهمة يطيل نفسك في البذل، وإذا طال نفسك لا يضرك الأذى في الله، ولا يضرك ما فاتك من الدنيا.
стр. 1444
قصة أصحاب الكهف
تدبرت قصة أهل الكهف، وأرسلت طرفي فيها مرةً ومرة، فوقفت على بعض المعاني: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤].
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها فليس ترمي سوى العالي من الشجر الحشيش في الأرض ما يضيره الرياح والبروق والرعود، ولا يتأثر إلا الشجر العالي الطويل القامة، كذلك المحن لا يهتز لها الذين أخلدوا إلى الأرض؛ إنما تصيب القمم وأصحاب الهمم، تأمل في الآيات: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٣ - ١٤]، (إذ قاموا) بعد (ربطنا)؛ لأنه لا يقوم ولا يصبر إلا إذا استقام قلبه؛ فلذلك تقدم ذكر الربط على القلب قبل القيام، والمصائب التي تأتي زرافات ووحداناً لا يتحملها إلا قلبٌ جسور، يستوي معه التبر والتراب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ما بيتي والسجن إلا واحد) فعلام ما يأسى؟! هذا من أثر الربط على القلب، ومن الذي ربط؟ الله هو الذي ربط، والذي يربطه ويكرمه لا يحله أحد، فتبارك الذي ربط ﴿لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] لا انفصام لهذا الربط.
﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] والمدهش أن هؤلاء الفتية كانوا أولاد علية القوم! فسبحان الذي يخرج الحي من الميت، أولاد علية القوم، البيوت الراقية، تنحو وتركوا مظاهر الترف، وآوتهم الهمم إلى كهفٍ، لكن: قطرةٌ من فيض جودك تملأ الأرض ريا ونظرة بعين رضاك تجعل الكافر وليا ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦]، كهفٌ خشن لكن لا يحسون بذلك، تركوا الترف والدعة انحيازاً إلى جانب الله .
وقصة أهل الكهف قصةٌ فريدة؛ لأن هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها مثل هؤلاء الفارين بدينهم دون الأنبياء، قصص القرآن تدور على الأنبياء؛ لأنهم الأسوة والقدوة والمثال، فضُرب المثل بأصحاب الكهف ليقال للناس: لكم فيهم أسوةٌ.
لزوم الكهف معناه: الاعتزال.
والعزلة في المجتمع الفاسد لا بد منها.
والعزلة قسمان: عزلةٌ بالبدن، وعزلةٌ بالقلب، فإذا استطعت أن تخرج من بلدك إذا استعلى فيها العصيان فاخرج، فإن السلف كانوا يفعلون ذلك: خرج بعض العلماء من بلدٍ يسب فيه عثمان ﵁، وقال: لا أقعد في بلدٍ يسب فيه عثمان ورحل، ونحن نعلم أن انتقال الإنسان من دار إلى دار كم يكلف! لكن إذا عجزت فلا أقل من اعتزال هؤلاء بقلبك، فلا تشاركهم في اهتماماتهم، ولا تعينهم على باطلهم، ولذ بإخوان الصدق.
واعلم أن العزلة لها ضوابط، حتى لا يئول الحال أن تعتزل الناس جميعاً فتأتي بأفكار هدامة مثلما حدث لبعض الجماعات المنحرفة: اعتزل ثم بمضي الزمان كفر الناس، وقال: هؤلاء ليسوا بمسلمين؛ لأنهم رضوا بالتحاكم إلى القوانين الجائرة، فأورثته العزلة تكفير المجتمع فهذه عزلة غير محمودة.
فعدم فهم العزلة الشرعية أحد الأسباب المفضية إلى ضعف عقيدة الولاء والبراء.
وإن الجهل بمراتب الأحكام الشرعية له أثر في وهن عقيدة الولاء والبراء، فهذا الجهل الذي نراه -قد أطبق على المسلمين- هو أحد الأسباب الرئيسية في ضعف عقيدة الولاء والبراء.
فالرسول ﵊ يُسب ويُشتم، ويرسم بالصورة المهينة التي تعلمونها جميعاً، ومع ذلك -كما قلت- لم تصدر أي جهة رسمية أو أي صحيفة استنكاراً على ذلك، ولما ماتت الزانية تكلم ثلاثة رؤساء، ونددوا بالمخابرات البريطانية والفرنسية، وقالوا: إن هذا اعتداء على الحرية الشخصية.
فهل الحرية الشخصية تعني الفجور؟! تكلم ثلاثة رؤساء، ونشر كلامهم في الجرائد الرسمية.
ولكن عندما يسب رسول الله ﷺ لا يحركون ساكناً.
فانظر إلى هذا التباين لتعلم إلى أي مدى ضعف الولاء والبراء عند المسلمين.
علو الهمة في الحيوان يجعل له قيمة، فالأسد قالوا: إنه ملك الغابة لماذا؟ لأن الأسد لا يأكل الجيف أبداً، ولا يأكل الطعام البارد على الإطلاق، بخلاف الكلاب، والذباب، فكلما ذبّ الكلب وطرد آب ورجع، وقد جاء في قول القائل: تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة دائر الشركاء فيه ولا ترد الأسود حياض ماءٍ إذا كان الكلاب ولغن فيه وتأمل في كلب أهل الكهف، كلبٌ تبع الصالحين فنبل ذكره وعلا قدره، وذكر في كتاب الله المجيد! وهذا كلب تعلق بآدمي يموت، فكيف إذا تعلقت بالحي الذي لا يموت؟! كم يكون قدرك، وكم يكون نبلك! فلماذا نرضى بالدون وخساسة الهمم.
الولاء والبراء أن تتولى الله ورسوله، وتتبرأ من الكافرين والفاسقين والمنافقين.
ولابد أن تصبر على ما يصيبك؛ لأن أصحاب الولاء والبراء يدفعون الضريبة عاجلة، ولكن الله وعدهم فقال: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1445
صور من حياة السلف في علو الهمة
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الإخوة الكرام: إنني إذا ضربت المثل أحياناً ببعض أهل الكفر، لا أقصد الاحتجاج بهذا المثل، إنما أقصد إثارة الهمم؛ فإن المرء إذا رأى الرجل الدون يرقى وهو خامل؛ عز عليه أن يظل في هذا الخمول، وما أورد مثل هذه القصص في موضع الحجة على الإطلاق، ولا أحتج بهؤلاء، ولا أرفع بهم رأساً على الإطلاق، إنما أرفع الرأس بالقرن الأول، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، القرون الثلاثة المفضلة، التي زكاها رسول الله ﷺ ؛ فقال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
стр. 1446
سعد بن معاذ ﵁
هناك القلوب لا قيمة لها، لأن كعبتها التي تدور حولها الشهوات، بخلاف الجيل الأول، فقلوبهم من القلوب التي تطوف حول العرش.
ومن هذه القلوب: قلب الذكي الذاكي سعد بن معاذ ﵁.
سعد بن معاذ كان رجلاً، بشراً من البشر يمشي على الأرض بقدميه، ولما مات اهتز له عرش الرحمن أتصدق؟! يا له من عبد! قيمة هذا العبد: يهتز له عرش الرحمن يوم يموت، له عند الله قدر: (إن العرش اهتز يوم مات سعد) وكان سيداً شريفاً مطاعاً نبيلاً من نبلاء الرجال، محبباً إلى النبي ﷺ .
стр. 1447
أنس بن النضر ﵁
ومن هذه القلوب: قلب أنس بن النضر ﵁.
هذا السيد الذاكي صاحب هذا القلب لما كسرت الربيع بنت النضر ثنية جارةٍ لها وأردوا القصاص أبى عليهم أنس، وقال: (تكسرون ثنية الربيع! لا، والله لا تكسر أبداً، فرفعوا أمرهم إلى النبي ﷺ -والثنية: مقدمة من الأسنان- فقال ﷺ : (يا أنس! كتاب الله القصاص.
قال: يا رسول الله! تكسر ثنية الربيع! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر أبداً، فليأخذوا الدية.
وهم يرفضون ذلك -لا بد من القصاص، لابد أن تكسر سنها- فلا يزال النبي ﷺ يقول: يا أنس! كتاب الله القصاص.
وهو يقول: لا، والذي بعثك بالحق لا تكسر أبداً؛ حتى رضي القوم بالدية.
فحينئذٍ يقول ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) يا له من عبد! كم قدره وكم يساوي أن يقسم على الملك الجليل! أن يقسم عليه أن يفعل كذا! فيبر الله قسمه ويفعل.
كم يكون قدر هذا العبد!! ولو أن رجلاً لاذ بأعظم أهل الدنيا، فإنه لا يستطيع فعل شيء، فهذا فرعون الجبار ما ملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
وهذه الظاهرة ظاهرة التطوس.
مثل أن يكون هناك ديك أو دجاجة فيجعل من نفسه طاووساً ومهما صنع فهو من الدجاج، وهذه الظاهرة تسمى ظاهرة التطوس.
لكن الملك الجليل أقسم عليه عبدٌ من عباده فأبره، لأن هذا النمط من البشر قلوبهم تطوف حول العرش، لا يطوف القلب حول العرش إلا بعلو الهمة وصدق الإيمان؛ لذلك ندندن دائماً على علو الهمة.
من علو الهمة: ألا تنظر حولك، فلو نظرت حولك لاستوحشت بقلة السالكين، ولذلك الله منَّ على أهل الكهف لما قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١] الضرب على الأذن نعمة من الله، لا تسمع الناس؛ لأن أكثر المصائب التي تفتك بالعزم سببها الناس، فالضرب على الأذن نعمة جليلة.
فلو كنت ماض فصم أذنك إلا عن نداء الحق، واعلم أن كثرة مخالطة الناس تفتك بالعزم، وبالذات في هذا الزمان، الصدع بكلمة الحق مر وعواقبه وخيمة، لكن يبقى بعد ذلك جلالة الذكر عند الله .
اليوم عندما يريدون أن يلمعوا الزعماء القوميين يعملون المسلسلات والأفلام، وأي إنسان ينظر إلى إنسان من هؤلاء يتمنى أن يكون مثله، بالرغم أنه لا وزن له على الإطلاق، لكنهم لمعوه فقط، وهو لا وزن له.
стр. 1448
إبراهيم الحربي
ومن أعلام علو الهمة: أولئك الأفذاذ الذين عاصروا الإمام أحمد والإمام البخاري، وغيرهم من أئمة الإسلام الذين لا تعرفهم الجماهير.
هل أحد منكم سمع بـ إبراهيم الحربي؟ إنه الإمام الكبير العلم، صاحب كتاب: (غريب الحديث)، وأحد تلاميذ الإمام أحمد، وأمتنا تمتاز بكثرة العمالقة! وإذا أردت أن تعد العمالقة الشوامخ في أمتنا تكل من كثرة العد.
إبراهيم الحربي ﵀ رجل صاحب همة عالية.
قال: (اشتكيت ضرسي عشرين عاماً، فما شعرت بي أمي ولا امرأتي).
مريض مريح، المريض في العادة يكون مزعجاً: تجده يتأوه آه آه آه ويجهد أهله، ولا يكف عن الأنين، يوجع قلب الذين من حوله.
وهناك مريض لطيف خفيف، يمرض ولا يشعر به أحد، ما أخبارك؟ الحمد لله، أنا بخير، ويلهج بذكر الله والثناء على الله .
فـ إبراهيم الحربي من هذا النوع، مع أن هناك حديث موضوع، لا أقول عنه حديث، ولكن أقول: إنه كلمة مشهورة وهي حق فعلاً بين الناس: (لا ألم كألم الضرس، ولا وجع كوجع العين) أي إنسان لديه حس حديثي يعرف أن هذا الذي وضعه طبيب، يعني: هذا ليس عليه أنوار النبوة (لا ألم كألم الضرس -انظر إلى هذا الكلام! - ولا وجع كوجع العين) فعلاً: ألم الضرس من أشد الآلام؛ لأن مكانه الرأس، والرأس به السيطرة الكاملة على الجسم، حتى أن الشافعي ﵀، لما أراد أن يبين أن وقوف الشريف بباب اللئيم مسألة لا تطاق ولا يقدر عليها؛ جعل يعدد المحالات الممكنة، فذكر منها: وجع الضرس، فقال ﵀: لقلعُ ضِرْسٍ وضَرْبُ حبسٍ ونزْعُ نفسٍ ورَدُّ أمسِ كل هذا مستحيل! وقرُّ بردٍّ وقود فرد ودبْغُ جِلدٍ بِغيرِ شَمسِ ونفْخُ نارٍ وحَمْلُ عارٍ وَبيْعُ دارٍ بربعِ فلسِ كل هذا: أهونُ من وقفةٍ لحرٍّ يرجو نوالاً ببابِ نحسِ وقفة الحر على باب اللئيم أعظم من هذا الذي قاله الشافعي ﵀.
انظر الهمة العالية في كظم الألم، برغم أنه لو قال: آه، واشتكى ونحو ذلك فهذا مباح، لا شيء فيه، وأن الإنسان إذا عاده عائد فشكا له علته من باب التنفيس، ليس من باب الشكوى، وجاز له ذلك، كما في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: (مرضت بمكة مرضاً أشفيت فيه على الموت -والكلام هذا كان في حجة الوداع- قال: فدخل النبي ﷺ يعودني.
فقلت: يا رسول الله! إنه قد بلغ بي من الألم ما ترى -يشتكي له ويقول له: انظر ما حصل لي، وما وصلت إليه صحتي من التدهور- وعندي مال وأريد أن أوصي به) فذكر المرض ليس على سبيل التشكي والتسخط على قدر الله ﵎ جائز، ولكن كظمه من باب الندب.
стр. 1449
محمد بن واسع
ومن علو الهمة أيضاً: ما قاله محمد بن واسع ﵀، محمد بن واسع هذا يعرفه الله، وقل من الناس من يعرفه، لما تقرأ سيرته تبكي على نفسك، هو صاحب الكلمة الشهيرة: (لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني)! وكان محمداً من العباد الزهاد.
كان يقول: (إني لأعرف الرجل يبكي عشرين سنة، ورأسه بجانب امرأته ما تشعر امرأته به).
يعني: يبكي من خشية الله فتدركه العبرة، فلا تشعر امرأته به، ورأسه بجانب رأسها! يا لعلو الهمة! ولذلك حق لمثله أن يكون في زمرة السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فذكر منهم ﷺ : (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
أنت تعرف الدمع، إنما يسوقه قائدان، الدمع لا ينزل إلا إذا ساقهُ قائدان: القائد الأول: قائد الخوف.
والقائد الثاني: قائد الشوق.
الخائف باكٍ والمشتاق باك، كلاهما يبكي، فالخائف من الله يبكي، والمشتاق إلى لقائه يبكي أيضاً، فالذي عمَّر قلبه بذكر الله إذ قلبه يطوف حول العرش إنما يبكي: إما فرقاً وإما شوقاً، فلا يزال يبكي أبداً، ولذلك النبي ﷺ قال هنا: (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
ومشكلتنا في هذا الزمن مشكلة همم، ولذلك نحن نحتاج إلى من يبرز، وأنا أهيب بالدعاة وطلاب العلم أن يعقدوا المجالس في سير السلف، وأن يقرءوا سير السلف، ويقفوا عند المثال التربوي في سير هؤلاء العظماء، ويعرضوها على الجماهير.
стр. 1450
أبو بكر بن أبي داود
أبو بكر بن أبي داود خرج يطلب أبا سعيد الأشج، ويكتب عنه الحديث، واشترى ثلاثين مداً باقلاء، وكان معه أرغفة فإذا أراد أن يأكل ذهب شطر الفرات، فينقع الرغيف في الماء ثم يأكل والله المستعان! وفي هذا قصة طريفة وهي تعرف برغيف أبي نوح، والشاعر يقول: يجوع ضيف أبي نو حٍ بكرةً وعشية فجاع بطني حتى وددت طعم المنية وجاءني برغيف قد أدرك الجاهلية الرغيف هذا مصنوع على حجر الطن وجاءني برغيف قد أدرك الجاهلية فقمت بالفأس كيما أدق منه شظية أي: يأكل، ولا يأتي باللقمة إلا بالفأس، فقام يأكل لقمة فثلم الفأس، طارت قطعة من الفأس، تثلم الفأس وانطاع مثل سهم الرمية خرجت اللقمة هذه كالقذيفة فشج رأسي ثلاثاً ودق مني ثنية أي: شج رأسه وكسر أسنانه، فهذا هو رغيف أبي نوح، أشهر من أبي نوح، وهو رغيف خالد الذكر! قلنا: إن ابن أبي داود خرج لطلب الحديث وكان معه أرغفة، فإذا أراد أن يأكل ذهب إلى شط الفرات فينقع الرغيف ساعة، ثم يأكل ويمضغ أربع حبات فول، وينطلق إلى أبي سعيد الأشج يطلب الحديث، فنفذ زاده، ولكنه كتب عن أبي سعيد ثلاثين ألف حديث.
الله أكبر! ما هذه الهمم!! أبو بكر بن أبي داود هل تعلمون من أبوه؟ أبو داود صاحب السنن الشهيرة، وأحد الكتب الستة، والكتب الستة هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة.
الصحيحان: هما البخاري ومسلم.
السنن الأربعة: أول هذه السنن مرتبة عند أهل العلم: سنن أبي داود؛ للثناء والذكر، وحسن التبويب.
стр. 1451
جليبيب ﵁
أيها المسلمون: هل أحدٌ منكم يعرف جليبيباً؟ يعز علي أن يكون أغلب المسلمين لا يعرف من هو جليبيب!.
روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ غزا غزوةً مع أصحابه، وبعد أن انقضت الغزوة، قال: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: نعم.
نفقد فلاناً وفلاناً.
ثم قال: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: نعم.
نفقد فلاناً وفلاناً.
ثم قال لهم: هل تفقدون أحداً؟ قالوا: لا.
قال: ولكني أفقد جليبيباً فالْتَمِسُوه في القتلى، فالتَمَسُوه فإذا هو قد قتل سبعة وقتلوه، فجاء رسول الله ﷺ ووقف عليه وقال: قتل سبعةً وقتلوه، هذا مني وأنا منه (سبع مرات)) وكما ورد في صحيح ابن حبان، سبع مرات وهو يقول: (هذا مني وأنا منه)، هذا جليبيب من الرسول ﷺ وهو منه، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو! لكن في زمان الضعف ينبغي أن نظهر هؤلاء الذين يملكون الإعلام في العالم، وهم اليهود، والصحافة الضعيفة في البلاد التابعة لليهود تكون بوقاً وظلاً للصحافة القوية، فإعلام المسلمين إعلام يهودي يسير على نفس الخطة، والمهم -عندهم- رواج الصحيفة، لا يهم ما الذي ينشر فيها، فكل يومٍ يلمع جناة وشذاذ.
وحتى في احتفالاتهم البدعية المنكرة يأتون بشخصيات فاسدة كما حدث في المعهد النموذجي لمدينة نصر -المعهد الأزهري- في يوم عيد الأم، والذي يحز في النفس أن يحتفل بها في المعاهد الأزهرية، في هذا اليوم أتوا بالأم المثالية في المعهد الأزهري، الأم المثالية، أما وجدوا أُماً محترمةً في هذا المجتمع يقدمونها للبنات والشباب إلا مثل هذه؟! أنا أذكر هذه النماذج لتحس بمعنى الغربة، فإلى متى هذا اللهو واللعب؟! وإلى متى هذا التغافل الذي نعيشه في بيوتنا وطوفان الفساد الكاسح يعلو أسرنا ومجتمعاتنا.
إننا نحتاج إلى إظهار أمثال جليبيب ﵁، الرجل الذي كان نكرة في قومه؛ حتى أنه كما روى ابن حبان بنفس السند في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ قال لرجلٍ: أريد أن أخطب ابنتك.
قال: نعم، ونُعمى عين، فقال ﷺ : ولكن ليست لي.
قال: إذاً: حتى أستشير أمها.
فجاء إلى الأم، فقال: إن رسول الله ﷺ خطب ابنتك.
فقالت: نعم، ونعمى عين، قال لها: لا، ولكن ليس له.
قالت: لمن إذاً؟ قال: لـ جليبيب.
قالت: لـ جليبيب! لا والله، قد جاءها فلانٌ وفلان، أنزوجها جليبيباً) رجل نكرة، لكنه عند الله معروف، وما يضر العبد أن يكون مجهولاً عند الناس لا يعرف إذا كان الله يعرفه، فمعرفته سبحانه هي التي تنفع العبد، وإذا نسي الله عبداً هلك ولو ذكره العالم أجمع.
إن أويس القرني ﵀، وقد زكاه النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال: (خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس).
المهم أن أويس القرني لما جاء إلى عمر بن الخطاب وعرفه عمر، قال له: ادع لي -لأن النبي ﵊ أوصى أن من قابل أويساً فليطلب منه الدعاء- فقال له: أنت أولى أن تدعو لي، إنك حديث عهدٍ بسفر صالح، فدعا له، فقال له عمر: إلى أين تتجه؟ قال: إلى مكان كذا.
قال عمر: تحب أن أكتب لك إلى عاملها -أكتب له رسالة يهتم بك، وينزلك المنزل السهل الجميل- فقال له: لأن أكون في غبراء الناس أحب إلي.
أي: دعني من الشهرة، أنا لو تهت في الناس هذا أحب إلي، فما زال في هذا البلد، ففطن الناس إليه فجاءوا جماعات يطلبون منه الدعوات كما أمر النبي ﵊ وأوصى، فلما علم أن الناس فطنوا له؛ هام على وجهه في الأرض! لا يضر أن يجهلك الناس وأن يجهلوا قدرك إذا كان الله يعرفك.
فـ جليبيب لم يكن له ذكر، ولم يكن معروفاً، فقالت المرأة: ومن جليبيب؟ قد طلبها فلانٌ وفلان، فتكلمت الفتاة المؤمنة من وراء الستر، وقالت: ويحكم! أتردان أمر رسول الله ﷺ ؟! اسمعن يا معاشر النساء! ويحكم: أتردان أمر رسول الله ﷺ .
اجعلوا أمري لرسول الله ﷺ ، فتزوجت جليبيباً، فدعا لها رسول الله ﷺ بدعاء جميل رقيق جامع، قال: (اللهم صبّ عليها الخير صباً، ولا تجعل عيشها كداً)؛ لكن جليبيباً خرج إلى الغزوة بعد وقتٍ قصير من الزواج ومات، قال ثابت: فما وجدنا امرأةً أنفق منها في المدينة.
كل يريد الظفر، كلٌ يريد أن يتزوجها ويحظى بالعيش معها.
هكذا إذا أردنا الاحتجاج أورثنا أمثال هؤلاء، فليس عندنا في أصحاب النبي ﷺ نكرة على الإطلاق، فكلهم أعلام أفذاذ كالجبال الشامخة، إن بعض أصحاب النبي ﷺ دخل على زياد بن أبيه وكان رجلاً غشوماً، فقال له: يا بني! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن شر الرعاة الحطمة، فلا تكن منهم) شر الرعاة الحطمة، عندما يكون راعي غنم، وليس عنده حلم، فكلما يصطاد غنمة يضربها، إذاً: سيموت الغنم ولن تبقى معه غنمة، فشر الرعاة الذي يحطم، الغشيم، الذي ليس عنده حلم، فيقول له: (إياك أن تكون منهم) فرد زياد بن أبيه عليه فقال له: اجلس، فإنك من نخالة أصحاب محمد.
أي: أنت لست من الأكابر، أنت من الحثالة، من الذين لا يزنون شيئاً، فرد عليه عائد بن عمرو الصحابي الجليل ﵁ فقال له: أوفيهم نخالة؟ لا.
والله إنما كانت النخالة في غيرهم وبعدهم -أي: يعرض به- وأما هؤلاء فليس فيهم نخالة على الإطلاق.
فهذا النمط هو الذي نحتج به؛ لكن أحياناً نذكر بعض نماذج من الكفرة؛ من باب استثارة الهمم، لما ترى الرجل الدون الحقير، الذي يقاتل للتراب يرتفع وأنت صاحب دعوة الحق، ما زلت ضعيف الهمة فهذا يحفزك.
هناك ولاية من ولايات أمريكا اسمها ولاية هيوبتن، وهيوبتن اسم رجل، هذا الرجل خطب في البرلمان الأمريكي خطبة بليغة جداً خطف بها قلوب الأعضاء، وبعد انتهاء الخطبة قال له الرئيس الأمريكي: إن ولاية هيوبتن التابعة لكندا ولاية حيوية وخطيرة، ونحن نريد أن نضمها إلى أمريكا، وقد ابتعثتك لهذه المهمة.
فقال له: اعطني مالاً ورجالاً وآتيك بها.
قال له: لو كان عندي مالٌ ورجال ما انتدبتك، ولكن تذهب وحدك بلا دولار واحد سوى الرجل الذي سيعبر بك النهر إلى هناك.
وذهب الرجل الذي عنده ولاء أرضي، وكان عظيم الخطابة، فالمتهم الذي لبسته كل أسباب الإدانة يخرجه بريئاً منها، ومضى على هذا، وأخذ الصيت العظيم العريق العالي في البلد، بعدما كان له هذا الصيت بدأ يخاطب الناس عن ضرورة الاستقلال عن كندا، واستطاع بعد فترة من الزمن وبعد قناعة السكان أن يحقق طموحه، فاستقل أهل الولاية عن الوطن الأم وانضموا إلى أمريكا، ورجع الرجل إلى بلده بهذه الولاية بغير رصاصة واحدة، فأبقوا اسمه على أشهر مدينة في أمريكا: ولاية النصر؛ تخليداً لذكراه.
وهذا الرجل حقير، ليس له قيمة، لكنه استطاع أن يصل إلى مراده بالدجل والباطل، وفعل الذي يريد، ونحن معنا كتاب الحق، الكتاب المهيمن على كل الكتب، الكتاب الوحيد الذي ليس فيه نقطة واحدة ليست منه؛ لأن الله هو الذي تولى حفظه بنفسه، لو وكل حفظ الكتاب إلينا لبدلنا وحرفنا مثل اليهود والنصارى، لكنه حفظه ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] معنا هذا الكتاب العظيم وعجزنا عن استرداد بيت المقدس الذي اغتصبه اليهود.
وهذا كله بسبب ضعف الهمم والعزائم.
فعلو الهمة هو وقود استمرار في عقيدة الولاء والبراء، الضريبة التي تدفعها كل يوم لولائك لله ورسوله، وبراءتك من أعداء الله ورسوله، ولا يصبر عليها إلا ذو همة.
قال بعض العلماء: إن القلوب جوالة: قلب يطوف حول العرش، وقلبٌ يطوف حول الحش.
وأغلب أغنياء الأرض قلوبهم من النوع الثاني، قلوبهم تطوف حول الحُش، فكل حياتهم أكل وشرب، ونزه وفسح، وقضاء للشهوات، فهذا الشاب شبابه الذي ذهب ولا قيمة له حتى في الدنيا، وكانت هذه الجنازة المهيبة التي تذكرنا بجنازة تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العظمى، والجنازة المهيبة هذه للمفاخرة، وهو لا قيمة له حتى في الدنيا، بل على العكس، خرجت الصحف تتكلم وتقول: أصحاب الدماء الزرقاء كيف لهم أن يمسوا بشرة الأميرات؟ وهم يقولون: إن العرب جرب.
ما هي حياة هذا الشاب؟ يقولون: كان هوايته اقتناء النساء مثل الميدالية، كما أنك تحب أن تقتني ميدالية أو كتاباً، وتقتني شيئاً نفيساً، فهذا كانت حياته اقتناء النساء الجميلات، والسهر في الملاهي الليلية.
أبوه ثري جداً، رجل في غناء فاحش إلى أبعد الحدود، له الطائرات الخاصة، وكراج كامل، كراج كبير جداً، كل الكراج هذا عبارة عن سيارات حديثة في العالم، سيارات لا يقدر أن يقتنيها أحد، يركب كل سيارة في السنة مرة، وهذا مثل أحذية العندليب الأسمر التي هي إلى حد الآن موجودة ومعروفة، وأنا لا أعلم لماذا احتفظوا بها حتى الآن! وكلما تأتي الذكرى السنوية يقومون بأخذ لقطة للأحذية، ما الأمر؟! الأحذية هينة أو ماذا؟ يقولون لك: الفقيد والمأسوف على شبابه كان يلبس سبعة عشر جزمة! أرأيت عقول هؤلاء الناس؟! فهذا لديه مليارات ما الذي خرج به وقد صار رهين قبر منبوذ في ضاحية من ضواحي لندن؟! ما قيمة دنياه كلها، وما قيمة ما فعل؟ لا قيمة لها على الإطلاق: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، ما أحسن هذه الآية! تهز القلب هزاً: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى
стр. 1452
أهمية نشر سير السلف في المجتمعات
فنشر سير السلف الصالح في مجتمعات المسلمين عودة إلى الفضيلة، وعودة إلى علو الهمة مرةً أخرى؛ لأن بعض الناس قد يرى أن الناس الكبار بدءاً من الرسل والصحابة مستواهم عال، فنحن أين وهم أين! فيصده هذا البون الشاسع عن التأسي، وأنا لما أتيت بسير العلماء الذين هم أقل من القرون الأولى -أقل من الصحابة في المنزلة- وقد فعلوا مثل هذا، ليتحفز الإنسان على أن يكون أمثال هؤلاء.
إذاً: أهم باب في علو الهمة: أن تطالع سير السلف بدءاً من الصحابة ﵃ إلى العلماء العاملين.
إذاً: علو الهمة لا بد أن تتسلح به وأنت ماضٍ في مسألة الولاء والبراء، وهذه مسألة خطيرة، نعم يطول الكلام بنا فيها، لكن حياتنا كلها مرهونة بها.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
стр. 1453
تحطيم الرءوس وضرب الرموز [١]
إن الطعن في الرموز والقيادات أسلوب موجود منذ القدم، فهذا رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول عندما أشاع حادثة الإفك لم يكن يقصد الطعن في عائشة ﵂، وإنما كان يقصد الطعن في ذات النبي ﷺ في المقام الأول، وها هي رايات المنافقين تخفق في عصرنا، فهذه الكتب التي تطبع وتباع على الأرصفة، وفيها من الطعن في رموزنا وأصولنا ما هو إلا امتداد لتلك الرايات القديمة، فالواجب على أمة الإسلام أن تدافع عن الرموز والأصول؛ وذلك بإيجاد الكوادر العلمية القادرة على مجابهة الأعداء، والمحافظة على رموزنا وأصولنا ومبادئنا وثوابتنا.
стр. 1454
تلاعب العلمانيين في أصولنا سببه غياب دور العلماء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة الكرام! ذكرتُ في الجمعة الماضية تهجمَ بعض الكاتبين الجهلة على أحاديث النبي ﵌، ودعواهم أنها مثلوبة، رغم أنها في أصح كتابين بعد كتاب الله بإجماع الأمة، وهما صحيحا البخاري ومسلم.
وذكرت من جملة الفوائد التي عددتها في حديث الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، وأن من أخطر ما يواجهه المسلم العامي هو اختلاط العالم بشبيه العالم.
اختلاط العالم بشبيه العالم معناه: أن يذهب رجل مريض إلى رجل جاهل يظنه طبيباً ولا علم له بالطب فيقتله؛ لأنه جاهل.
أرسل إلي بعض المسلمين كتاباً، هو امتداد لهذه الحلقة التي يريد العلمانيون أن يطوقوا المسلمين بها، وهو الطعن في أصول الإسلام، هم لا يستطيعون الآن أن يتكلموا في القرآن؛ لأن القرآن محفوظ لفظه، لكنهم يلعبون في معناه، ويحرفون الكلم عن مواضعه والعلماء يقولون: إن اللفظ المجمل لا ينتفع به إلا بوجود اللفظ المبيِّن: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢] هل تستطيع أن تقيم الصلاة دون أن تعرف كيفيتها؟ هل تعرف الظهر كم ركعة، والعصر كم ركعة، والمغرب كم ركعة؟ لا.
إذاً البيان في السنة كما قال ربنا ﵎: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤].
فالسنة هي البيان للقرآن، فلو جاز أن يُلعب في هذا البيان ضاع اللفظ القرآني ولم يُنتفع به، وصاحب الكتاب رجل مغمور غير معروف، وهذه من آفات غياب لجنة كبار العلماء، الأطباء لهم نقابة، حتى جمعية الرفق بالحيوان لها نقابة، وبإمكانها أن ترفع قضية على رجل ضرب حماراً، العلماء ليس لهم نقابة ولا رابطة، أين هيئة الأبحاث؟! أين الأزهر؟! تنشر هذه الكتب في مطابع، وتأخذ ترقيماً رسمياً في دار الكتب المصرية، وتجد فيها طعناً على البخاري، وأن البخاري لا يفقه شيئاً لا في الحديث ولا في الفقه! عندما يهملون العلماء الحقيقيين، ويهتمون بهؤلاء الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً ما الذي بقي لنا؟!
стр. 1455
الطعن في الرموز هو دأب المنافقين في القديم والحديث
الطعن على الرموز مقصود، ولا زال هذا دأب المنافقين منذ القديم فهذا عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين لما أشاع عن عائشة ﵂ حديث الإفك، إنما قصد النبي ﷺ ولم يقصد عائشة، إنما كانت سبباً فقط، أراد أن يقول: إن امرأة النبي ﷺ زانية: أراد أن يقول هذا وقصده الطعن عليه ﷺ ، ولذلك كاد المسلمون أن يقتتلوا ليس لـ عائشة ﵂ في حد ذاتها، إنما لما ألم بالنبي ﷺ من التجريح والطعن؛ وذلك باتهام امرأته بالزنا.
ولا تزال حرب إسقاط الرموز حرباً خسيسةً خبيثةً، والآن هي تدور على أشدها، الطعن على صحيح البخاري، وعلى صحيح مسلم بشبهات تنطلي على كثير من الناس فيظن بعضهم أن كل من أمسك قلماً كان عالِماً.
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سوَّدت وجهك بالمدادِ العالِم لا يكون عالماً إلا بأصول؛ لكن الخطورة على العوام، الذين لا يفرقون بين العالم وشبيه العالم، وشتان بينهما استدلالاً واستنباطاً وفهماً.
يُذَكِّرني هذا الخلط بين العالم وبين شبيه العالم بقصة رواها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب: الأغاني فيقول: إن الشاعر ثابت بن جابر المشهور بـ (تأبط شراً) لقيه رجل أحمق من ثقيف يكنى أبا وهب، فقال له أبو وهب: بم ترعب الرجال يا ثابت وأنت كما أرى دميماً وضئيلاً؟ قال: باسمي، ساعة ألقى الرجل أقول له: أنا تأبط شراً فينخلع قلبه، فآخذ منه ما أريد.
فقال له أبو وهب: أبهذا فقط؟ قال: نعم.
فقال له أبو وهب: فهل تبيع لي اسمك؟ فقال له تأبط شراً: بكم؟ قال: بحلتي -وكان يرتدي حلة جديدة جيدة-، وبكنيتي أي: أعطيك حلتي وكنيتي وأنت تبيعني اسمك.
فقال له تأبط شراً: اتفقنا، هات الحلة، فأخذ حلته وقال له: أنت تأبط شراً وأنا أبو وهب.
ثم أنفذ تأبط شراً أبياتاً ثلاثة يخاطب فيها زوجة هذا الثقفي الأحمق فقال فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه تكنى بي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس وبأسي وسورتي؟ وأين له في كل فادحة قلبي هو أخذ اسمي نعم؛ لكن هل أخذ قلبي؟ وهل أخذ جرأة جناني على الأحداث؟ وهل أخذ صبري عندما أخذ اسمي؟ فهكذا شبيه العالم يلبس أزياء العلماء؛ لكنه في الحقيقة ليس عنده شيء من العلم، فليس كل من أمسك قلماً كان عالماً.
стр. 1456
شبه العلمانيين حول حديث الرجل الذي أمر أبناءه بحرقه وذره والرد عليها
لقد قام العلماني وجمع أحاديث مختارة من صحيحي البخاري ومسلم، فهي متفق عليها، والعلماء يقولون: إن الأحاديث المتفق عليها التي رواها البخاري ومسلم هي أقوى الأحاديث، فيأتي فينتقي أقوى هذه الأحاديث ويضعفها، ويقول: هي مكذوبة! ويثير عليها شبهات لا تنطلي ولا تنفق في سوق أهل العلم، منها: الحديث الرائع الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁، عن أبي سعيد الخدري، وهو مروي أيضاً عن حذيفة بن اليمان، وعن عقبة بن عامر الجهني، وعن معاوية بن حيدة، هؤلاء جميعاً رووا هذه القصة، قال ﵌: (كان رجل فيمن كان قبلكم رزقه الله مالاً وولداً، وفي رواية: أغاثه الله مالاً وولداً لم يعمل خيراً قط -وفي مسند الإمام أحمد- إلا التوحيد) وفي سنن الدارمي من حديث معاوية بن حيدة: (أن هذا الرجل لم يكن يدين بدين، وقد انفرط من عمره زمان، وبقي من عمره شيء، ولم يعمل خيراً قط، وذكر عقبة بن عامر: أنه كان يعمل نباشاً للقبور) بعد ما تدفن الجثة يأتي ويسرق الكفن، وفي الصحيحين: (أن الرجل كان يسيء الظن بعمله، فجمع أولاده وقال لهم: أيُّ أب كنت لكم؟ قالوا: يا أبانا كنت خير أب، قال: فلن أعطيكم شيئاً من مالي، حتى تعطوني الميثاق أن تفعلوا ما آمركم به، قالوا، وما تأمرنا؟ قال: إنني لم أعمل خيراً قط ولئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.
قالو له: ماذا تريد؟ قال: إذا أنا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في يوم عاصف، فإن الله إن قدر عليَّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات الرجل صنعوا ما أمرهم أبوهم، قاموا فحرقوه حتى صار فحماً ودقوه وذروا نصفه في البحر، ونصفه في البر، فأمر الله البحر أن يرد ما أخذ، وأمر البر أن يرد ما أخذ، وقال له: كن، فكان، فلما وقف بين يديه قال: عبدي ما حملك على أن فعلت ذلك؟ قال: خَشْيَتُك يا رب، قال: أما وقد خشيتني فقد غفرت لك).
يا عباد الله! ما هو المعنى المستنكر في هذا الحديث؟! أدعوكم إلى أن تجتهدوا وفيكم من هو أعقل منه، وفيكم الأذكياء، فليقل لي واحد منكم ذكي عاقل فاهم لقن: أي معنى مستنكر في هذا الحديث حتى يقال: إن هذا حديث مكذوب على النبي ﷺ ؟! العلة التي أوردها هذا الكاتب المغبون الخاسر، قليل الحظ من الفقه والفهم، هي: أن هذا الحديث فيه أن الرجل أنكر قدرة الله ، ومنكر القدرة كافر، ونحن نعلم أن الكافر لا يدخل الجنة، هكذا الأصول؛ الرجل إذا مات على الكفر لا يدخل الجنة هكذا أعلمنا ربنا ، فهذا الحديث يخالف الأصول قرآناً وسنةً في أن الكافر لا يدخل الجنة.
العلماء يقولون: لا يجوز الاعتراض على ظاهر النص في بداءة الرأي، لا بد من إعمال النظر، والنظر هل هذا المعنى الذي أورده صحيحاً أم لا؟ وإذا كان لا يعلم فلماذا لم يطالع كتب أهل العلم، وقد قال أهل العلم في ذلك كلاماً في غاية الوضوح؟ أفما وسعه ما وسع أهل العلم جميعاً، وكلهم يصدق هذا الكلام؟! الرجل أسرف على نفسه، كان يعمل نباشاً، وكان مسرفاً في المعاصي، فأدركه الخوف من الله ، والخوف من الله هو من المقامات العلية، لا يحققها إلا المؤمنون.
وقال الله : ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، فإن كان مؤمناً خاف ربه.
وقال ربنا عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠].
وقال ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
فكلما عظم إيمان العبد عظم خوفه من الله ، وكيف لا وأنت امتثل واعتبر بكلام عمر ﵁ لما كان يقول: ليت أم عمر كانت عقيماً! ليت أم عمر، لم تلد عمر! ليتني كنت قشة! لو كان لي قلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله يوم ألقاه، يقول هذا عمر؛ فالآمن من عذاب الله ، والآمن من مكر الله هو الأقل إيماناً، والذي يتحرك في الدنيا وهو آمن! مَن الذي أعطاه صكاً بالأمان؟! كيف لا يخاف على نفسه؟ ولذلك الإمام البخاري أورد هذا الحديث في كتاب الرقاق، قال: باب الخوف من الله، وأبرز هذا الحديث، وقد رواه في ثلاثة مواضع من صحيحه هذا أحدها.
فالرجل غلب عليه الخوف من الله، ومعلوم أن الخوف إذا غلب على إنسان فقد جل عقله، وصواب تفكيره، وليس هذا مخصوص بالخوف فقط، بل بالفرح الشديد أيضاً.
العبد إذا فرح فرحاً شديداً أذهله، وإذا خاف خوفاً شديداً أذهله.
وفي ذلك أحاديث يظهر منها أن هناك إنكاراً لقدرة الله، أو إنكاراً لعلم الله، منها: الحديث الذي رواه مسلم، من حديث محمد بن قيس بن مخرمة، قال: قالت عائشة لي أو لنا: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى قالت: إنه لما كان في ليلتي التي هي لي، جاء ففتح الباب رويداً رويداً ومشى رويداً رويداً، فما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش حتى قام رويداً رويداً، وأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق، قالت: فانطلقت وراءه فإذا هو ذاهب إلى البقيع، فذهب إلى البقيع فرفع يديه ثلاث مرات يرفعها ويخفضها، قالت: ثم انحرف راجعاً؛ فانحرفت، فأسرع؛ فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر- أي: مشى الهوين- فأحضرت، وسبقته فلما دخل عليها حجرتها إذا أنفاسها تتلاحق وتتردد، فقال: ما لك يا عائش؟ حشيا رابية؟ فقالت له: لا.
فقال لها: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، فقالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: نعم) فما يقولون في عائشة؟! قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فها هي عائشة ﵂ كانت تجهل أن الله أحاط علمه بكل شيء، فقالت: (يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ -أي: مهما كتمنا الله يعلم- قال لها: نعم) فهذا ظاهرٌ أنها تنكر إحاطة الله بالعلم، فهل نكفرها، أو يقال: كيف سكت النبي ﷺ عن ذلك، ولم يقل لها: اغتسلي وانطقي بالشهادتين؟! وأيضاً فقد روى عبد الله بن مسعود، عن النبي ﵌ أنه قال: (آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، رجل يمشي مرة ويكبو مرة، وتدفعه النار مرة، فلما خرج منها التفت إليها وقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من العالمين، فرفعت له شجرة تحتها ماء بارد، ولها ظل ظليل، فقال: رب! ادنني من هذه الشجرة، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فقال الله : عبدي! إن أدنيتك منها تعاهدني على أن لا تسألني عن شيء بعد ذلك؟ فيقول: إي وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه من الشجرة فيشرب من مائها ويستظل بظلها، -رجل خارج من النار فوافَقَ ظل شجرة- فرفعت له شجرة هي أحسن من الأولى، فقال الرجل: رب! ادنني من هذه الشجرة، فلأستظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله له: ما أغدرك يا ابن آدم! أوَلم تعاهدني على أن لا تسألني عن شيء بعد ذلك، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيقول له: ألا أدنيتك من هذه الشجرة تعاهدني على أن لا تسألني عن شيء بعد ذلك؟! فيقول: إي وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه منها، ثم تفتح له أبواب الجنان، فيرى المؤمنين يتنعمون ويتضاحكون على سرر متقابلين، فيسكت ما شاء الله له أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة، فيقول الله : ما أغدرك يا ابن آدم! أوَلم تعاهدني على أن لا تسألني عن شيء بعد ذلك؟! وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فقال له: ادخل الجنة -في بعض طرق الحديث:- يدخل الجنة ثم يقول: يا رب! وجدتها ملأى -ليس لي مكان فيها- فيقول له: ادخل الجنة ولك مثل الدنيا، فيقول العبد: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيضحك النبي ﷺ حتى تبدو نواجذه، ثم يقول: ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: مم تضحك يا رسول الله؟! قال: من ضحك رب العزة لما قال له العبد: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيضحك الله ويقول: ألا إني لا أستهزئ بك ولكني على ما أشاء قادر -وفي حديث أبي سعيد الخدري - قال: ادخل الجنة ولك عشرة أمثالها).
ما يقال في هذا الإنسان وهو يواجه ربه ويقول: (أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟) وهل يجوز لعبد أن يخاطب ربه بمثل هذا المقال؟ لما غلب عليه الفرح الشديد فقد عقله.
ولماذا نذهب بكم إلى الدار الآخرة، فهذا مثال حصل في الدنيا، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵄ قال: قال ﷺ (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم بأرض فلاة، كان معه راحلته وطعامه وشرابه، فنام فاستيقظ فلم يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فبحث عنها حتى يئس منها، فقال: أرجع إلى مكاني وأموت، فلما رجع إلى مكانه إذا به يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال ﷺ : أخطأ من شدة الفرح).
إذا غلب الخوف على إنسان ذهب بعقله أو جله، وإذا غلب الفرح على إنسان كان كذلك.
فهذا رجل -أي: الذي أمر أبناءه بإحراقه- يائس من النجاة، وهو جاهل بإحاطة الله وتمام قدرته؛ لكنه كما في مسند الإمام أحمد جاء بالتوحيد، يعني: أن هذا الرجل مسلم لكنه يجهل كمال قدرة الله ، والذي بلغ به هذا المبلغ هو شدة خوفه، فقال لأولاده ذلك، فلما علم الله أن الرجل خائف، وهو أعلم بعبده إذا كان دعياً أو صادقاً، قال: (ما حملك على أن فعلت ذلك) والعبد أراد أن يفلت من ربه، فابتكر هذه الطريقة فقال لأولده: (احرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في الريح في يوم عاص
стр. 1457
شبه العلمانيين حول قول سليمان: لأطوفن الليلة على مائة امرأة والرد عليها
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
من جملة الأحاديث التي أنكرها أيضاً حديث رواه أبو هريرة ﵁، وهو في صحيحي البخاري ومسلم قال ﷺ : (قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو قال على تسع وتسعين امرأة، كلهن تلد غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له صاحبه قل: إن شاء الله، فلم يقلها، فلم تلد واحدة منهن أحداً إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان، قال النبي ﷺ : أما لو استثنى -يعني لو قال: إن شاء الله- لولدت كلهن فارساً يقاتل في سبيل الله، وكان أدعى لحاجته) فيقول: إن هذا الحديث مكذوب على النبي ﷺ بالحجج الآتية: أولاً: أنه ليس في مقدور أي إنسان أن يجد طاقةً ووقتاً أن يجامع مائة امرأة في ليلة واحدة، ثم قال: -وكتبها هكذا بالحرف الأسود كنوع من التنبيه- وأرجوا الالتفات إلى هذا؛ لأنه هام.
ثانياً: قال: كيف يقول نبي من أنبياء الله هذا اللفظ غير المهذب في وسط الناس، إنني سأفعل كذا وكذا؟ ثالثاً: كيف لنبي من أنبياء الله أن يشترط على الله ، أن تلد النساء الذكور، يقول: (كلهن تلد فارساً يقاتل)؟ وما أدراه أنه سيخرج فارساً، قد تخرج امرأة؟ فكيف يشترط على الله ﵎ مثل هذا؟ أرأيتم كيف الاعتراض على حديث النبي ﷺ بالجهل؟! يجب على أهل العلم أن يوقفوا هذه المهزلة، الجهات الرسمية الذين يغطون في النوم، الذين يتقاضون مرتبات من الدولة، أين جهات الرقابة في الأزهر؟ تخرج كتب كل يوم وتجد من يقوم بطبعها، بعد أن يأخذوا ترقيمها دولياً من دار الكتب، أين هذه الجهات الرسمية؟ وما عملها؟ وهل يستحقون الراتب الذي يأخذونه إذا كان مثل هذه الكتب تباع على الأرصفة، ويُطْعَن فيها على كتاب الله ، وعلى سنة النبي ﷺ ، ويتكلم الجهلة في دين الله ؟! متى يصل العطاش إلى ارتواء إذا استقت البحار من الركايا ومن يثني الأصاغر عن مرادٍ إذا جلس الأكابر في الزوايا وإن ترفع الوضعاء يوماً على الرفعاء من إحدى الرزايا إذا استوت الأسافل والأعالي فقد طابت منادمة المنايا والنبي ﷺ يقول: (إن من أشراط الساعة: التماس العلم عن الأصاغر) والعلماء لهم تأويلات في الأصاغر، فقال بعضهم: الأصاغر هم أهل البدع، وقال بعضهم: الأصاغر يعني في العلم، الذين ليس عندهم علم، وكاتب هذا الكتاب رجل له مسجد يخطب فيه، ويدرس هذا الكتاب وأمثاله على الطلبة، كيف لا يطرد مثل هذا الإنسان؟ وكيف يُعترض على مثل هذا الحديث الجميل بمثل هذه الاعتراضات التافهة؟ أولاً: قوله: هل يستطيع رجل أن يأتي مائة امرأة في ليلة؟ أو هل الليلة يستطيع فيها الرجل أن يجد وقتاً لمجامعة مائة امرأة؟ للرد على هذا أقول: إن القدرة على إتيان النساء من تمام الفحولة، وكمال الرجولة، ولا زال العجز عن إتيان النساء معرة عند بني آدم، وأنبياء الله لهم تمام الكمالات، فكيف ينكر على من ملَّكه الله رقاب الإنس والجن والطير أن يكون له شيء هو موجود عند بعض بني آدم؟! وآسف أنني أقول مثل هذه البدهيات، يضطرنا مثل هذا أن نقول مثل هذا الكلام لنبين هذا التهافت.
ثانياً: يقول النبي ﷺ : (إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، فلا زال كل شيء في تناقص؛ الزمان والإنسان).
قال ﷺ : (خلق الله آدم ستين ذراعاً فلا يزال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة).
تخيل إنساناً طوله ستون ذراعاً في الهواء: (فلا زال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة) كذلك الزمان، كان اليوم أطول.
ومن علامات اقتراب الساعة قِصَر اليوم، وفي حديث الدجال أن النبي ﷺ قال: (يلبث فيكم الدجال أربعين يوماً، يوم كسنة -بعدِّكم-، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر الأيام كأيامكم) فهذا يوم في آخر الزمان كسنة، ومع هذا لو تنزلنا وقلنا: إن اليوم الذي كان في أيام سليمان ﵇ بقصر يومنا، فإتيان المرأة كم يستغرق من الوقت؟ خمس دقائق؟ عشر دقائق؟ لديك أربع وعشرون ساعة، عشر ساعات يأتي كل عشر نساء في ساعة، أيُعْتَرض على هذا الحديث، بمثل هذا الاعتراض التافه الذي لا قيمة له؟ ثم إن الحديث يقول: (قال سليمان ﵇ لأطوفن) فهل يرى أحد منكم رزقه الله الذوق والفهم أن لفظة: (لأطوفن) غير مهذبة؟! بل هي من ألطف الكنايات في الدلالة على هذا الفعل، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف:١٨٩] فانظر إلى الكناية الجميلة!: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] فقوله: (لأطوفن) من ألطف الكنايات؛ لكن الرجل مصاب في ذوقه وفهمه، حتى يرى أن مثل هذه الكناية اللطيفة ليس فيها ذوق.
ثم هل في الحديث أن سليمان ﵇ جمع الناس وقال: إني سأفعل كذا وكذا؟ لقد ورد في صحيح البخاري: أن صاحب سليمان الذي راجعه وقال له قل: إن شاء الله! ملك، الرواية تقول: (فقال له الملك) رفيقه وصاحبه الذي كان يجالسه قال له: قل: إن شاء الله، فإما أن يكون سليمان ﵇ قال هذا الكلام بصوت مرتفع فسمعه الملك، فقال: قل: إن شاء الله، وإما أن يكون كالمحدث نفسه بصوت عالٍ وتراه وكأنه يحدث هذا أو ذاك، فأي عيب فيه؟ وهل ترون في هذا اشتراطاً على الله ؟ لو قال رجل منا: أنا ما تزوجت إلا ليرزقني الله برجالاً يتفقهون في دين الله، ويدفعون عن كتاب الله، أيشترط على الله بهذا؟ أم أن سليمان ﵇ قالها على سبيل الرجاء والتمني؟ وهل لو قلت: أتمنى أن يرزقني الله بعلماء، تكون قد اشترطت على ربك أن يرزقك البنين دون البنات؟ أترون هذا أيها الإخوة الكرام في هذا الحديث الجميل الجليل؟ مع ذلك يعترضون على أحاديث النبي ﷺ بمثل هذا، وفي الكتاب أكثر من أربعين حديثاً رواه البخاري ومسلم كلها مكذوبة على النبي ﷺ حسب زعمه، ومع ذلك فالكتاب يطبع ويباع.
стр. 1458
مكانة العلماء والدور العظيم الذي يقومون به
قلت لكم في الجمعة الماضية: إن الآيات التي تتكلم عن اليهود رفعت من المناهج المدرسية، والآيات التي تتكلم عن كفر النصارى رفعت من الكتب المدرسية، فما يؤمننا أن يأتي جيل بعد ذلك يرفعها من المصحف؟! ولا زال الزمان يستدير، وكلما مات عالم لا يشغل مكانه عالم مثله في العلم، لا يزال العلم يتناقص كما قال النبي ﷺ ، وقد أخبرنا بزواله، فقال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن ينتزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً -وفي الرواية الأخرى:- حتى إذا لم يَبق عالمٌ، اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا، فلا يزال العلم يتناقص إلى يوم القيامة).
أيها الإخوة الكرام! أأتإن الدفاع عن أصولنا واجب، لا بقاء لنا على ظهر الأرض إذا لم تبقَ أصولنا قرآنٌ وسنةٌ.
ودعوة التقريب الآن بين الشيعة وبين أهل السنة أيضاً هي إحدى الطامات التي تسعى إلى هدم أصولنا، والتشكيك فيها، فهؤلاء الشيعة يضحكون على السذج من أهل السنة بدعوتهم إلى التقريب، بينما تراهم يضربون رموزنا، ويحطمون رءوسنا وهم صحابة رسول الله ﷺ ، فدعوى التقريب دعوى باطلة؛ لأن الاختلاف معهم في الأصول.
فاللعب في الأصول على أشُدِّه، وضرب الرءوس على أشُدِّه.
فلا بد أن ينتبه المسلمون إلى ذلك.
وأخيراً أؤكد على ضرورة إيجاد الكوادر العلمية، وهذا الأمر مسئولية في أعناق المسلمين.
فتفريغ الطاقات والكوادر صار الآن ضرورةً؛ لكي نجابه هذه الهجمات الشرسة على كتاب الله ، وسنة النبي ﷺ .
نسأل الله ﵎ أن يحفظ لنا ديننا.
اللهم احفظ ديننا.
اللهم قاتل الكفرة المارقين الذين يصدون عن سبيلك.
اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد.
اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
ربِّ آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1459
تحطيم الرءوس وضرب الرموز [٢]
لقد قام العلماء الأوائل بواجبهم في الدفاع عن النبي ﷺ وسنته، وفي مقدمة هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، فقد بذلوا أرواحهم وأموالهم من أجله ﷺ ، ثم تلاهم التابعون ومن بعدهم، فهذا يحيى بن معين يوقف حياته كلها في الذب عنه وعن سنته، وكذلك رفيقه الإمام أحمد، فما حصل له من بعض خلفاء بني العباس مشهور، وغيرهم.
ولازال العلماء يذبون عن النبي ﷺ وعن سنته، فسنة الدفع سنة ربانية لا يمكن اختفاؤها، فهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 1460
وجوب الدفاع عن سنة النبي ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
هناك عالم شهير معروف لدى أهل العلم -وإن كان جماهير المسلمين لا يعرفون عنه شيئاً- وهو الإمام أبو زكريا يحيى بن معين ﵀، لقد كان يحيى بن معين رفيق الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أحمد معروف عند العوام جميعاً بحكم انتشار مذهبه الفقهي، كان ابن معين ﵀ أحد الحراس الأشداء الأقوياء لسنة النبي ﷺ ، ولََكَمْ أضرَّ بالكذابين والمغفلين وتوجعوا منه كثيراً! ومع ذلك كان لا يفتأ أن يقذف بالسهام إليهم، ولا يعبأ بنكيرهم ولا بكلامهم.
قيل له يوماً: ألا تخشى أن يكون هؤلاء الذين تكلمت فيهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟ فقال لهم: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحبَّ إلي من أن يكون الرسول خصمي، يقول لي: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكذِبَ عن سنتي؟ فالدفاع عن سنة النبي ﷺ واجب لأسباب منها: السبب الأول والأهم: هو حفظ الدين؛ لأنه إذا جاز لنا أن نترك الأدلة تفلتت منا دليلاً وراء دليل، سيأتي علينا زمان وليس عندنا دليل معتبر لا القرآن ولا السنة؛ فالمنافقون والعلمانيون يبدءون بالسنة، ثم يُثَنُّون بالقرآن، ونحن الآن في زمن الغربة، وقد سمعنا بآذاننا أن بعض رؤساء الدول العربية قال: إنه يريد أن يشطب بعض آيات المصحف، وقد صدرت فتوى في السعودية وفيها: أنه إذا لم يرجع عن هذا الكلام فهو كافر.
وهذا الرئيس أصدر كتاباً اسمه: (الكتاب الأخضر)، شكله مثل البطيخة، من داخله أحمر، ومن خارجه أخضر، فهو شيوعي، الزحف الأحمر على ديار المسلمين، يقول: إن هناك آيات لابد أن تشطب منها كلمات، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] نشطب ماذا منها؟ قال نشطب: ((قُلْ)) [الإخلاص:١] لماذا؟ قال: لأن هذا الكلام كان موجهاً إلى النبي ﷺ ، والنبي ﷺ قد مات، ومن ثَمَّ نشطب هذا الكلام الموجه له، فعندما تأتي تقرأ سورة الإخلاص تقول: (هو الله أحد)، انظر إلى جرأة هذا الإنسان وإلى كلامه! هذا في وقتنا الحاضر فما بالك إذا مضت القرون وظهر الخبث أكثر من ذلك، ولم يوجد علماء، ما الذي يمكن أن يجري في بلاد المسلمين؟! فالآن الطعن على السنة واضح جداً، والمقصود به الطعن على كتاب الله ؛ والمسلمون لا يدرون ما المقصود من طعنهم بالسنة؟! إذاً ترك الأدلة تتفلت منا، مسألة خطيرة جداً! فلا يكون عندنا أي أدلة نستدل بها.
فالدفع واجب لهذا.
ومن الأسباب: حماية لجناب النبي ﷺ ومحبة له.
стр. 1461
رد عقلي على من طعن في رواة صحيح البخاري
نقول: مَن مكتشف الجاذبية الأرضية؟ يقولون: إسحاق نيوتن.
أليس كذلك؟ لو أني قلت الآن: إن هذا غلط، ومن قال: إن إسحاق نيوتن هو مكتشف الجاذبية الأرضية، كل هذا كلام غلط؟! أترى أن الناس سيردون عليَّ أم لا؟ سيردون عليّ، نقول لهم: مَنْ يكون إسحاق نيوتن؟ والذين نقلوا عنه المذهب ماذا يساوون؟ نحن الذين نقول: نشترط في الناقل أن يكون ثقةً عدلاً، لكي نقبل كلامه؛ لأن الفاسق خبره مردود، كما قال الله : ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فاتفق العلماء: أن من رُمِي بالفسق أو ثبت عليه أن خبره مردود، لا يُقبل لا في الدين ولا في الدنيا، لو جاء رجل أمام القاضي وادعى دعوة، قال له القاضي: أين شهودك؟ فقال: شاهدي فلان.
تعال يا فلان! أتشهد أن هذا الرجل له حق؟ قال: نعم.
أشهد.
وبينما هو يقول: نعم.
أشهد، إذ دخل من باب المحكمة رجل، وقال: أيها القاضي! إن هذا الشاهد سب والديه، فإن القاضي مباشرةً يسقط شهادة الشاهد، أو أنه يتعاطى الخمر، أو يشرب حشيشاً، تسقط شهادة هذا الشاهد؛ لماذا؟ لأنه فاسق.
وهذا في الدنيا، فالدين من باب أولى.
فالذين نقلوا إلينا خبر أن إسحاق نيوتن مكتشف الجاذبية الأرضية، نقول لهم: سموا لنا رجالكم، أخرجوهم لنا، من يكونون؟ ماذا تظنونهم؟ إن أغلبهم كفرة، ومع ذلك هؤلاء العلمانيون يقطعون بنسبة هذا الاكتشاف إلى إسحاق نيوتن.
حسناً! رواة صحيح البخاري لماذا طعنتم فيهم، وفي رواياتهم؟ على هذه الروايات وقد نقلها الإمام البخاري عن الثقات العدول إنهم أئمة، فهم نجوم الدجى فلماذا رددتم عليهم رواياتهم؟ بل ما يجري الآن في دنيا الناس يقولون: إن هناك أطباقاً طائرة، يوجد من الناس من يصدق بأن هناك أشياء اسمها: الأطباق الطائرة، ويأتي ناس من الكواكب، لا سيما من كوكب زحل، ويقولون: جاء أناسٌ على طائرة قَدْر هذا، ونزلوا في صحراء كذا، وعملوا كذا، ورآهم شهودُ عَيَانٍ، وليسوا عَيَاناًَ، وعَيَّاناً، وكلاماً من هذا، وبعض الناس يصدق مثل هذا الكلام! إذاً هل تصدقون أنتم هذا الكلام؟ ومن نقل إلينا هذا الكلام؟ إنها المخابرات الأمريكية، أفيهم عدل واحد؟! إن هؤلاء كلهم كفرة.
إذاً عندما ينقلون هذا الكلام، لماذا يُصَدَّق نَقْلُ هؤلاء الكذبة، ويُرد على المسلمين العدول نَقْلُهُم؟! فالمسألة -إذَنْ- ليست مسألة تحاكمٍ علميٍ، المسألة مسألة أهواء.
стр. 1462
مسألة الدفاع عن الدين وتحمل التبعات
إن مسألة الدفع لها تبعات، فلا يضيرنا على الإطلاق أن يغضب هؤلاء، أو أن يشنوا علينا هجمات، أو أن يقول: الحياة الجنسية عند علماء الإسلام وأن يفتعلوا علينا قصة من القصص، وحكاية من الحكايات، وينشرونها في وقت ما: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] وإذا خشي أهل العلم وطلابه من هجمات العلمانيين على أعراضهم بسبب الذود عن دين الله فلن يحققوا التوحيد: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] ولذلك لا ينبغي أن يتعلق قلب العالم أو طالب العلم إلا بالله وهو يبلغ دعوة الله، فلا تتعلق بالعوام ولا بنصر العوام، فإنك قد تصبح غريباً فريداً فذاً منبوذاً وحدك، مثلما كان الإمام أحمد ﵀ في فتنته الشهيرة، كان الإمام أحمد يحضر مجلسه مائة ألف محبرة، فلما أُخِذ ليُجْلَد لم يوجد بجانبه رجل واحد، أين ذهب هؤلاء؟! في حين أن الروايات تقول: إن المأمون سمع همهمة على باب القصر وتمتمة، فقال: ما الخطب؟ قيل: العوام يشتكون من قلة اللحم، نعم.
اللحم يقل والخبز يقل والزيت يقل ومن الممكن أن يقوم الناس بالتخريب من أجل الدنيا، ويحْرِقوا (الأتوبيسات) والمنشآت العامة، هذه المسألة سهلة جداً؛ لكن أن يؤخذ واحد من أهل العلم، ويُجْلَد أو يُشْنَق أو يُعْدَم أو نحو ذلك فهذه مسألة لا تهم العوام كثيراً.
لأجل هذا فإن العالم يجب أن يتعلق قلبه بالله .
وهذا الرجل الذي برأ نفسه وهو يتكلم عن بعض رواة هذا الحديث، ويقول: إن فلاناً قال: فلانٌ سيئ الحفظ، وفلاناً قال: فلانٌ هذا لا يُحْتَجُّ به، وهم رواة صحيح البخاري.
стр. 1463
الضابط لرواية البخاري ومسلم عمن تُكلِّم فيهم
نحن يا إخواننا نضع ضابطاً عاماً بالنسبة لرواية المتكلَّم فيهم في الصحيحين.
الإمام البخاري كان إماماً فذاً، له اختيار واجتهاد، وسيئُ الحفظ ليست كل رواياته ساقطة، وكذلك الثقة الثبت العدل ليست كل رواياته مقبولة.
الإمام مالك وهو مَن هو ثقةً وإتقاناً وضبطاً، رد عليه علماء الحديث بعض أحاديثه.
سفيان بن عيينة، سفيان الثوري، الزهري، شعبة بن الحجاج، منصور بن المعتمر، منصور بن زاذان، الأعمش هؤلاء الثُّلَّة، ما من واحد من هؤلاء إلا رد العلماء عليهم بعضَ أحاديثهم.
كذلك مَن ابتُلِي بسوء حفظ فليس كل حديثه مردوداً.
إذاً: إذا أخرج الإمام البخاري ومسلم حديثاً في الصحيحين لراوٍ تَكَلَّم فيه بعض أهل العلم، نقول: لماذا خَرَّج له البخاري وهو مُتَكَلَّمٌ فيه؟
الجواب
أن الإمام البخاري إذا تَكَلَّم العلماء في راوٍ فإنه ينتقي من أحاديث هذا الراوي ما لم يُنْكِرْه أهل العلم.
هذا إمامٌ ليس سهلاً، فعندما يكون الراوي مُتَكَلَّماً فيه، وليس كلُّ ما روى باطلاً ولا خطأً، فـ البخاري كان ينتقي الأحاديث انتقاءً.
فكل حديث أودعه البخاري في صحيحه وفيه راوٍ مُتَكَلَّمٌ فيه، إنما انتقاه البخاري على عين، فلا يُطْعَنُ عليه بدعوى أن الراوي مُتَكَلَّمٌ فيه، هذا هو الضابط.
عندما تجيء وتقول: الراوي مُتَكَلَّمٌ فيه فكأنك تقول: إن البخاري مثل بائع اللُّب (الزعقاء) لا يميز، فأنت بهذا أهدرت اختيار البخاري، وألغيت اجتهاده، وهذا لا يجوز؛ لأن المَلَكَة في الاجتهاد في علم الحديث تشكل نصف العلم، فدراسة المصطلح والطرق: النصف، والمَلَكَة: النصف الآخر.
стр. 1464
الرد على من زعم أن البخاري ليس عنده دراية بعلم الحديث والفقه
إن البخاري مَن هو في العلم والفقه؟! لكن يأتي هذا المغبون الخاسر ويقول لك ماذا؟ بعد أن أورد حديث سليمان ﵇ وقوله: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة) يقول: ويبدو أن البخاري كان رجلاً طيباً، عنده سذاجة وتلقائية، ولم يكن له كبير دراية بعلم الحديث ولا الفقه.
الإمام البخاري ليس عنده دراية بعلم الحديث والفقه؟! البخاري ذروة في الفقه، دعنا من الفقه الآن.
أيكون الإمام البخاري ليس له دراية بالحديث؟! إذاً: من الذي له دراية في الدنيا؟! يعني: لو قال رجلٌ: إن سيبويه لا يعرف النحو لحصبه أهل الأرض بالحجارة؛ لِمَا توافر عندهم جميعاً أن سيبويه المُبَرَّز العالِم الكبير الذي وضع أصول النحو، وأنه هو مقدم أهل البصرة، كما أن الكسائي مقدم أهل الكوفة.
فعندما يأتي شخص ويقول: إن سيبويه لا يعرف شيئاً في النحو، أو يقول مثلاً: إن عاصم بن بهدلة لا يعرف شيئاً في القراءات، والقراءة المشهورة: حفص عن عاصم، أو يقول: إن نافعاً لم يكن يعرف قراءة القرآن! فانظر! عندما تبلغ الجرأة بهذا الشخص فيقول هذا الكلام! وبعد ذلك يقول: وهذه المحنة الكبرى في أمتنا؛ يأخذون الدين بحسب شهرة الرجال، ولتذهب المبادئ العقلية إلى الجحيم.
لذلك -بسبب هذا وغيره- كان علينا عبء الدراسة المستفيضة للسنة حديثاً حديثاً: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
إن الذي يغيظني هو: احتجاجه بالآية، يعني: كلُّ الكلام الذي فات كَوْمٌ، واحتجاجُه بالآية: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] كَوْمٌ آخر.
وهذا يذكرني بالرجل الذي يُحكى عنه: أن امرأة ذهبت لتستأجره لقتل قاتل زوجها، فلما أتت إليه قالت له: أنا فقيرة وراعية أيتام! قال لها: نقتله لوجه الله.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]، سيقتله لوجه الله! لا يأخذ منها نقوداً! فانظر! عندما يتكلم عن البخاري الإمامِ العَلَمِ الفرد! وماذا سيحدُث لو تكلموا عن أمثالنا، ممن ليس لهم حكمة البخاري، ولا مكانته ولا عظمته؟! شيء عجيبٌ أن لجنة الفتوى وكبار العلماء ما زالت تغط في نومها حتى الآن! اصحوا من النومَ، أنا عندي ثمانية عشر كتاباً، أشعلت حرباً على السنة في خلال سنتين، وأنا لا أجمع هذا الكتب ولا أشتريها إنما تصلني من مسلمين غيورين على دين الله ، يقولون: رُد، فأرسل نسخاً منها إلى إخواني وأقول لهم: رُدوا على هذا الخبث المنتشر، والإنسان إذا قرأ الكتاب يجد فيه أشياء غريبة جداً، وفيه أشياء من الشبهات، وفيه أشياء وردت في كتب أهل العلم، وأهل العلم ردوا عليها؛ ولكنهم يغضون الطرف عن رد أهل العلم.
стр. 1465
عدم الحكم على المعين حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع
ففي الحديث الذي بدأتُ به في خطبة ماضية، حديث الرجل الذي أمر بحرقه بعد موته وذره في الريح، هذا أصل من الأصول التي يعتمد عليها أهل السنة في الرد على الخوارج.
فالجماعة الذين يحاربون التطرف هذا حديث يرد على أهل التطرف بحق، وهم الذين يكفِّرون جماهير المسلمين ولا يعذرونهم كمثل الرجل الذي يطوف بقبر فهؤلاء يكفرونه، أما نحن فلا نكفره عيناً، الخوارج وجماعة الهجرة والتكفير والتوقف يكفرونه عيناً، ونحن لا نكفره حتى نقيم عليه الحجة الرسالية التي يكفر بها، وذلك بتوفر الشروط وانتفاء الموانع، وهذا هو الاعتدال، مع اعتقادنا أن ما أتى به جُرْم من أعظم الجرائم، نحن لا نهون من جرمه؛ ولكن لا نكفره بعينه، وإن كان جرمه عظيماً، وعظَمة جرمه تتضح من حديث أبي واقد الليثي -الذي رواه الترمذي وصححه- قال: (كنا حديث عهد بإسلام وخرجنا مع النبي ﷺ ، فمررنا على شجرة للمشركين وقد علقوا عليها أسيافهم، وكانوا يسمونها: ذات أنواط، فقال بعض المسلمين للنبي ﷺ : يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فقال ﵊: الله أكبر! إنها السنن، قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]).
ألا ترون الفرق بين قول الصحابة حديثي العهد بالإسلام، وبين قول أصحاب موسى له؟ الفرق واضح، أصحاب موسى قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وهؤلاء قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) اجعل لنا شجرة، وليس من اتخاذ الشجرة قصد للعبادة، فمن الممكن أن يتخذوا الشجرة ليعلقوا عليها أسيافهم؛ لكن أنكر النبي ﷺ عليهم مجرد المشابهة بكلام الكافرين، فالتشبه بالمشركين في الكلام مرفوض فكيف بفعلهم؟! فأنا أسوق هذا الكلام للجماعة الذين يعملون الأناشيد الإسلامية، ويأخذون بعض نغمات أهل الفجور في أغانيهم، فيَنْظِمُون أغاني يزعمون أنها إسلامية، مصحوبةً بدف على أوزان الأغاني الفاجرة، وشخص أخبرني أن ثمة شريطاً نازلاً: لُوْلا لُوْلا لُوْلا لُوْلاكِ لُوْلاكِ لُوْلا لُوْلا إسلامنا ولست أعرف من (لُوْلا) هذه؟! ولا ماذا يقصد بهذا الكلام؟! وقيل: إن ثمة أغنية فاجرة أيضاً على نفس الوزن، يقولون: نحن نستغل شهرة الأغنية والإيقاع، ونعمل أنشودة على وزنها؛ لأن الجماعة الذين تعودوا سماع النغمة المنحرفة هذه سيسمعون النغمة المعدلة، وأذنه لا تنكر الكلام.
فانظر إليهم كيف تشبهوا بأهل الفجور! وما الذي ينطبع في أذهان المستمعين وقد حفظوا الأغنية الفاجرة عندما يسمعون الكلمات الجديدة؟! هذا مَثَلُهم كَمَثَل ممثلٍ فاجر كان ليلة أمس في أحضان امرأة لا تحل له في الفراش، واليوم يمثل عمر بن عبد العزيز في مسلسل، البارحة كان رجلاً فاجراً، والآن لابسٌ العمامةَ، ومعه لحية، ويعظ الناس، وتراه يسكب الدمع من عينيه، اتقِ الله يا مفتري! بالأمس في أحضان امرأة لا تحل لك، واليوم تمثل شخصية عمر بن عبد العزيز الإمام الخليفة العادل الورع.
ما الذي يمكن أن يخطر ببالك عند مشاهدتك لهذا؟! أليس هذا طعناً على عمر بن عبد العزيز؟! أليس هذا نوعاً من الخلط في ذهن المستمع أو في ذهن المتفرج؟! وهكذا تبهت الشخصيات القوية الكبيرة! وعندما تبهت هذه الشخصيات بمثل هذا فما معنى هذا؟! الله كرَّمنا كمسلمين على لسان النبي ﷺ فنهانا في صلاتنا أن نتشبه بالكلاب، وبالثعالب، وبالديوك، نهى عن نقر الديك، وافتراش الكلب، واحتفاز الثعلب، ونهى عن بروكٍ كبروك البعير، كل هذا إكرام لك ألا تتشبه بحيوان على الإطلاق، فكيف تتشبه بالكافرين؟! مجرد موافقة الكافرين في أقوالهم ممنوعة.
تجد بعض الجماعة يقولون: ( Mersi)! (Sorry)! (Pardon)! لماذا يا جماعة؟! أَعَقِمَتْ لغتُنا العربية أن تجد فيها ألفاظاً لطيفة وجميلة؟! أَعَقِمَتْ ألفاظُنا العربية؟! إخوانُنا أصحابُ المحلات الذي يكتبون أسماءً أجنبية على محلاتهم، والله إنني أرى أن أشرفَ منهم الرجل (الدَّغْل) صاحب الفول والطعمية الذي في المنصورة والمحلة، انظر! رغم الاسم العَكِر إلا أنه أشرف؛ لأن (الدَّغْل) لفظ عربي.
فنحن نقول لإخواننا الذين عَقِمَت اللغة العربية عندهم أن يجدوا لفظاً عربياً مشرفاً: ارفعوا هذه الأسماء الأجنبية من على المحلات.
عدوُّك الذي يقاتلُك والذي يهلكُك ها أنت ترفع عنوانَه، ولغتَه على باب محلك، أولادُك لابسون للفنائل التي عليها العلم الأمريكي، يرفعون العلم الأمريكي على صدورهم، مُعْظَمُ ملابس الأطفال عليها كتابات باللغة الأجنبية، فينطبع في أذهان الأولاد تقديس وتعظيم هذه اللغة.
فمجرد المشابهة ممنوعة، فكيف بالفعل؟! وإن كان هناك فرق بين قول أصحاب موسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً﴾ [الأعراف:١٣٨] وقول الصحابة: (اجعل لنا ذات أنواط) إلا أنهم شابهوهم، فقد أنكر النبي ﵊ عليهم، وقال: (إنها السنن، قلتم كما قالوا) فنَزَّلهم بمنزلة أصحاب موسى، مع أن قصدهم خلاف ذلك.
هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: أن هذه المشابهة بالقول مدعاة إلى المشابهة بالفعل.
فإذا كان النبي ﷺ أنكر عليهم أن يعظموا شجرةً، مع أنهم يعلمون أنها لا تضر ولا تنفع، فكيف بدعاء الناس للأولياء في المقابر، واعتقاد الناس أنهم يضرون وينفعون! ومع ذلك أنكر النبي ﷺ عليهم ولم يكفرهم، ولو كان في هذا تكفير لهم، لأمرهم بالاغتسال ونطق الشهادتين.
فهذا يدل على أن من نشأ ببادية أو ببلد ليس فيه علماء ينشرون الكتاب والسنة، فارتكب شيئاً من هذه المخالفات أنه يُعذَر، وليس معنى العذر بالجهل أنه يصير سليماً، لا.
بل سيؤاخذ عند الله بتقصيره في طلب العلم، ولكن لا يكفَّر، هذا معنى العذر، لكنه يؤاخذ؛ لأنه قد عرف كل شيء بتفاصيله، فكيف لم يعرف دينه؟! لكن معنى قول أهل السنة: أنه يُعذر بالجهل أي: لا يكفَّر، وليس معناه رفع المؤاخذة بالكلية.
وكذلك أيضاً من هذه الأصول: الحديث الشهير: أن معاذ بن جبل لما ذهب إلى الشام وجد الناس يسجدون للأساقفة، فقال: (لِمَ تسجدون لهم؟ قالوا: نسجد لهم تكريماً وتحيةً لهم، فقال: النبيُ ﷺ أَوْلَى بأن أسجدَ له، فلما رجع خرَّ بين يديه ساجداً، فقال النبي ﷺ : ما هذا يا معاذ؟! فقلت: يا رسول الله! رأيت الناس يسجدون لأساقفتهم، فأنت أولى أن أسجد لك، فقال: يا معاذ! إنه لا ينبغي أن يُسْجَدَ إلا لله، ولو كنتُ آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، أي: لِعِظَمِ حقه عليها) ولو كان السجود لغير الله يكْفُر فاعلُه مجرداً لقال له النبي ﷺ : كفرتَ، اغتسل وانطق بالشهادتين، والنبي ﵊ لم يقل له ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهذا يدل على أن النبي ﷺ عَذَرَه.
وهذا كله داخلٌ تحت هذا الأصل العظيم.
فتصوَّر عندما يضيع هذا الأصل ويضيع هذا الأصل ويضيع هذا الأصل إذاً: ما الذي يبقى لنا مع هؤلاء المبتدعة، فضلاً عن الأعداء؟! فيا جماعة! لوذوا بعلمائكم، وارجعوا واعرفوا مَن هو العالِم الذي يُرْجَع إليه، فإن علماء الفتوى يقولون: إن العامي مقلد في كل شيء، إلا في اختيار من يقلده، فإنه مجتهد.
إذاً: العامي مجتهد في اختيار مَن يقلده، ومن يتبعه في دين الله ، فإذا كنت مجتهداً فكيف لا تعرف الفرق بين العالِم وبين شبيه العالِم؟! متى يبلغ البنيان يوماً تمامَه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدمُ ولله در من قال متوجعاً: لو كان سهماً واحداً لاتقيتُهُ ولكنه سهمٌ وثانٍ وثالثُ
стр. 1466
الأسئلة
стр. 1467
حكم صيام النصف الأخير من شعبان
السؤال
هذا يسأل عن صيام نصف شعبان؟
الجواب
إذا كان الصيام بدأ من نصف شعبان، فهناك حديث: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) مع حديث: (لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين).
فالجواب أولاً: إن حديث (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) طعن في صحته الإمام أحمد وغيره، وقال: هذا حديث منكر، وصححه بعض أهل العلم.
وعلى التسليم بصحته فنحن نقول ما قال العلماء: إن هذا يكون في حق من ليس له صيام الراتب، فاستأنف الصيام من نصف شعبان.
فالذي لم يتعود على صيام الراتب، إذا انتصف شعبان فلا يصُم.
أما من كان له صيام راتب فهذا له الحق أن يصوم بعد نصف شعبان بشرط أن لا يصوم قبل رمضان بيوم أو يومين خشية أن يصوم يوم الشك.
إذاً: الجمع بين الحديثين أن مَن كان له صيام راتب فله أن يصوم؛ لكن قبل رمضان بيوم أو يومين يقطع الصيام، والذي لم يكن له صيام راتب فإنه لا يصوم بعد النصف من شعبان.
стр. 1468
حكم أخذ التعويضات من العراق والكويت
السؤال
هناك أسئلة كثيرة عن أموال التعويضات التي تأتي من العراق ومن الكويت، هل هي حلال أم لا؟
الجواب
نعم.
حلال.
خُذْها.
стр. 1469
الإسراء والمعراج وصلاة النبي ﷺ بالأنبياء إماماً
السؤال
هل التقى النبي ﷺ بالأنبياء في المسجد الأقصى، وصلى إماماً بهم قبل أن يُعْرَج به إلى السماوات العُلى، وإن كان كذلك فلماذا كان يسأل عن كل نبي وعن اسمه عند دخوله إلى كل سماء، وكان الأنبياء يسألون عن اسمه أيضاً؟
الجواب
أما مسألة أن النبي ﵊ صلى بهم: فهذا ثابت في الخبر.
وأما مسألة الصلاة بهم وكيف كانت الصلاة فلم يرد في الأحاديث، أو على حد علمي لا أعلم حديثاً من هذه الأحاديث كيف كانت صلاته ﷺ بالأنبياء.
أما لماذا كان يسأل؟ فإن النبي ﷺ لم يكن يسأل بنفسه، وإنما جبريل كان يخبره، ولم يكن ليتقدم بين يدي جبريل ﵇ بشيء، فهذه أول رحلة له ﷺ وهو لا يعرف شيئاً، فكان يسكت حتى يعلمه جبريل ﵊، وهذا من أدبه ﷺ ، وليس معنى أنه عُرِّف بهم أنه لا يعرفهم، أعني: أحياناً قد تعرف إنساناً ما ويأتي إنسانٌ فيقول لك: هذا فلان الفلاني، فتقول: نعم.
أعرفه، فليس معنى أن فلاناً عرَّفك به أنك لا تعرفه، ولَمْ يرد في الأحاديث أن النبي ﵊ لم يكن يعرفهم؛ لكن هذا داخل في أدبه ﷺ .
والله أعلم.
стр. 1470
فضل حفظ القرآن وحقيقته
السؤال
أريد أن أعرف فضل حفظ القرآن مع أن الصحابة معظمهم كان لا يحفظ القرآن، ومع العلم أني حفظت جزءاً من القرآن؛ لكن الشيطان يسيطر عليَّ حتى لا أحفظ، أريد أن أعرف فضل الحفظ؟
الجواب
أحاديث فضل الحفظ ليس فيها معنى الحفظ المجرد، بل فضل الحفظ مع العمل كما في الحديث: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأْ وارقَ ورتلْ كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) هذا الحديث لا يشمل مَن حَفِظ القرآن وأكل به، أو لعب به، أو اشترى به ثمناً قليلاً بداهةً.
فكل الأحاديث في فضل الحفظ: إنما هي في الحفظ مع العمل، وليست في الحفظ المجرد، ولذلك تدرك فضل الصحابة بهذا البيان.
صحيحٌ أنه لم يكن أغلبهم يحفظ القرآن؛ لكن كانوا يقفون عند حدود ما أنزل الله ، كما روى أبو عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، وابن مسعود قالا: كنا إذا حفظنا عشر آيات لم نتجاوزهن حتى نعمل بهن، فحفظنا العلم والعمل جميعاً.
إذاً: الصحابة كان كل شغلهم أنهم يتعبدون، ويحولون هذا القرآن إلى واقع عملي، إذا وردت: (اتقوا الله) فإنهم يقفون عند الآية ليحققوا التقوى.
إذاً: فضيلة الحفظ ليست في الحفظ المجرد العاري عن العمل، ولهذا صدق ابن عمر وصدق حذيفة لما قالا: (لمقام أحدهم في الصف ساعة خير من عمل أحدكم في الدنيا كلها).
стр. 1471
حكم قراءة كتب أهل البدع
السؤال
ما تقولون في كتاب: عرائس المجالس، للثعلبي؟
الجواب
كتاب: عرائس المجالس، لا يحل مطالعته، وكذلك كتاب: مكاشفة القلوب، للغزالي أبي حامد لا يحل مطالعته، وكذلك كتاب: إحياء علوم الدين، لا تطالعوه، لماذا؟ لأن فيه خبثاً كثيراً في باب السلوك والتصوف، وخروجاً عن الجادة، وعن مذهب السلف، وفي العقيدة أيضاً فيه خروج عن مذهب السلف، وهو في الفقه ليس له ميزة على بقية الكتب الأخرى، وكثير من العلماء حذروا من مطالعة كتاب: إحياء علوم الدين إلا للعالِم بما فيه.
والحقيقة أن أبا حامد الغزالي نَدِم على كثير من هذه الأقوال التي أنفق عمرَه فيها، ومات وصحيح البخاري على صدره، وكان يقول: أنا قليل البضاعة في الحديث، يعني: أن بضاعته ضعيفة في الحديث.
وأظن لو أن الله مد في عمره لرجع عن كثير مما قال، واعتقد ما يعتقده أهل السنة في مثل هذه المعاني المهمة.
стр. 1472
حال حديث: من أحب أن ينظر إلى قصور الجنة
السؤال
ما صحة حديث: (من أحب أن ينظر إلى قصور الجنة، فلينظر إلى بيت المقدس، فإنه من قصور الجنة).
الجواب
هذا حديث ضعيف.
стр. 1473
ضابط الاحتجاج بالمصالح المرسلة
السؤال
احتج بعض الناس بالمصالح المرسلة بالنسبة لوضع علامات في المسجد، ليسوي المصلون صفوفَهم، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذه الفتوى قلتها قبل ذلك مطولة، وذكرتُ أدلتها؛ ولكن لا مانع أن أذكرها بشيء من الاختصار ما أعتقده في هذه الفتوى: وأن مد الخطوط على الأرض كما هو في كثير من المساجد لتسوية الصف، هو في اعتقادي بدعة.
المصالح المرسلة من شروط الاحتجاج بها: أن لا يرد نص في الكتاب أو في السنة للدلالة على الفعل، ويشترط أن يكون له مقتضى على عهد النبي ﷺ ثم بإمكانه أن يفعل.
فنحن نقول: لماذا نضع الخط على الأرض؟ الجواب: لنصف الصفوف.
السؤال: صف الصفوف مسئولية مَن؟ مسئولية الإمام.
فالإمام قبل أن يصلي ينبغي عليه أن يصف الصفوف، أو يرسل من يصف الصفوف له، مثلما كان النبي ﷺ ، وكذلك كان يفعل عمر بن الخطاب كما في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في مطعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: فأرسل رجلاً فصف الصفوف حتى إذا لم يرَ خللاً كبر، فقال: الله أكبر، فما هو إلا ريثما أن قرأ حتى قال: طعنني الكلب أو قال كلمة نحو ذلك، ثم ساق حديث طعنه ﵁.
فصَفُّ الصفوف مسئولية الإمام.
السؤال: هل كان بوسع النبي ﷺ أن يشد خطاً على الأرض، أم أن هذا صعب بالنسبة له؟ سهلٌ بالنسبة له أن يشد خيطاً على الأرض.
هل هذا الخط كان له داعٍ على عهد النبي ﷺ ؟ نعم.
كان له داعٍ، وهو تسوية الصف.
لَمَّا كان له داعٍ وكان باستطاعته أن يفعل ذلك ولم يفعل، دل ذلك على أنه لا يجوز لك أن تفعل، إذ لو كان مشروعاً لفعل.
إذاً! هذه البدعة كم لها مِن السنين؟ كم سنة عمرها؟ أقصى مدة: خمس عشرة سنة، يعني: أنها بدعة جديدة ليس لها أثر في كتب الفقهاء، ولم يفتِ بها أحد من الفقهاء المتبوعين، بل هي بدعة حديثة.
هذه البدعة كان من آثارها السيئة: أن الإمام يعطي قفاه للمصلين ويقول وقفاه لهم ووجهه إلى القبلة: استووا يرحمكم الله، فضيَّع واجبه الذي كان من المفروض أن يفعله، فهذه البدعة ما نجمت ولا ظهرت إلا بسبب تقصير الأئمة في القيام بواجبهم.
إنما لو صح أن نقول: هذه من المصالح المرسلة: إذا لم يكن لها مقتضىً على عهد النبي ﷺ ، ولم يَرِد نص بمنعها، ثم إن المصالح المرسلة تحقق لنا مصلحة، مثل: تغريم الصُّنَّاع، ومثل: إشارة المرور، كما هو معلوم أن الصُّنَّاع يغلب عليهم الإهمال، فتذهب لتعطيه سيارتك ليفكها، فيضيِّع عليك نصف السيارة، فتشتري قطع الغيار كلها من جديد.
فكان ينبغي أن يُغَرَّم الصانع هذا كله، وهذا مشروع، وحقق الشاطبي أنه مشروع، وأفتى به علي بن أبي طالب وغيره، واعتبر أن هذه من باب المصالح المرسلة، لِمَا غلب على هؤلاء الصُّنَّاع من الإهمال.
فتضمينُهم هذا يعتبر هو المراد في الشريعة، وحزمٌ ضد فوضى هؤلاء.
وكذلك مثل إشارة المرور، هل ثَمَّ نهي عنها؟ هل كان بإمكان الرسول ﵊ أن يعملها قبل هذا؟ لم يكن هناك مقتضى، وليس هناك نهي عنها، وهي تحقق مصلحة للمسلمين، فهذه تكون داخلة في باب المصالح المرسلة.
لكن الخط لا يدخل في هذا بسبيل، لاسيما أننا نشد الخط لعبادة؛ لأن تسوية الصف داخل في باب العبادة.
والله أعلم.
стр. 1474
حاجة الدعاة إلى طلب العلم الشرعي
الأنبياء ﵈ لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فهو أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون.
ولقد ضرب علماؤنا الأولون أروع الأمثلة في طلبهم للعلم، وعلو همتهم، وذكائهم، وحرصهم على أوقاتهم، وتواضعهم عند الطلب، ورحلتهم إليه، وغربتهم للحصول عليه، وثنيهم الركب عند المشايخ، بل وفناء أعمارهم في سبيل تعلم العلم وتعليمه؛ فلذلك يجدر بناء الاقتداء بهم وشحذ الهمم في سبيل هذا العلم.
стр. 1475
فضل العلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
فإن أعظم شيء يورث -باتفاق أهل الأرض- هو العلم؛ فإن النبي ﷺ قال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم).
والمقصود بالعلم: هو العلم الشرعي الذي يقرب العبد من ربه ﵎.
والإمام البخاري ﵀ لما ذكر كتاب العلم في صحيحه بدأ بذكر فضل العلم، فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) ثم ذكر قوله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فقدم العلم أولاً، إذ لا يتأتى قبول العمل إلا إذا كان على علم؛ فإن العبد لا يعلم الذي يحبه الله ويرضاه إلا عن طريق الرسل، فلذلك حض النبي ﵌ على طلب العلم، فقال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وفي بعض الأحاديث المرفوعة، قال ﵊: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، وهذا من أعظم الشرف لطالب العلم، وفي بعض الأحاديث المرفوعة أيضاً، قال ﵊: (وإن الحيتان في البحر لتستغفر لمعلم الناس الخير).
فتحصيل العلم من أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، والذي يبحث عن العلم -لاسيما العلم الذي يقرب من الله ﵎ رجلٌ عالي الهمة لا يرضى بالدون.
следующие страницы →