Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
حكم قراءة كتب أهل البدع
السؤال
ما تقولون في كتاب: عرائس المجالس، للثعلبي؟
الجواب
كتاب: عرائس المجالس، لا يحل مطالعته، وكذلك كتاب: مكاشفة القلوب، للغزالي أبي حامد لا يحل مطالعته، وكذلك كتاب: إحياء علوم الدين، لا تطالعوه، لماذا؟ لأن فيه خبثاً كثيراً في باب السلوك والتصوف، وخروجاً عن الجادة، وعن مذهب السلف، وفي العقيدة أيضاً فيه خروج عن مذهب السلف، وهو في الفقه ليس له ميزة على بقية الكتب الأخرى، وكثير من العلماء حذروا من مطالعة كتاب: إحياء علوم الدين إلا للعالِم بما فيه.
والحقيقة أن أبا حامد الغزالي نَدِم على كثير من هذه الأقوال التي أنفق عمرَه فيها، ومات وصحيح البخاري على صدره، وكان يقول: أنا قليل البضاعة في الحديث، يعني: أن بضاعته ضعيفة في الحديث.
وأظن لو أن الله مد في عمره لرجع عن كثير مما قال، واعتقد ما يعتقده أهل السنة في مثل هذه المعاني المهمة.
стр. 1472
حال حديث: من أحب أن ينظر إلى قصور الجنة
السؤال
ما صحة حديث: (من أحب أن ينظر إلى قصور الجنة، فلينظر إلى بيت المقدس، فإنه من قصور الجنة).
الجواب
هذا حديث ضعيف.
стр. 1473
ضابط الاحتجاج بالمصالح المرسلة
السؤال
احتج بعض الناس بالمصالح المرسلة بالنسبة لوضع علامات في المسجد، ليسوي المصلون صفوفَهم، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذه الفتوى قلتها قبل ذلك مطولة، وذكرتُ أدلتها؛ ولكن لا مانع أن أذكرها بشيء من الاختصار ما أعتقده في هذه الفتوى: وأن مد الخطوط على الأرض كما هو في كثير من المساجد لتسوية الصف، هو في اعتقادي بدعة.
المصالح المرسلة من شروط الاحتجاج بها: أن لا يرد نص في الكتاب أو في السنة للدلالة على الفعل، ويشترط أن يكون له مقتضى على عهد النبي ﷺ ثم بإمكانه أن يفعل.
فنحن نقول: لماذا نضع الخط على الأرض؟ الجواب: لنصف الصفوف.
السؤال: صف الصفوف مسئولية مَن؟ مسئولية الإمام.
فالإمام قبل أن يصلي ينبغي عليه أن يصف الصفوف، أو يرسل من يصف الصفوف له، مثلما كان النبي ﷺ ، وكذلك كان يفعل عمر بن الخطاب كما في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في مطعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: فأرسل رجلاً فصف الصفوف حتى إذا لم يرَ خللاً كبر، فقال: الله أكبر، فما هو إلا ريثما أن قرأ حتى قال: طعنني الكلب أو قال كلمة نحو ذلك، ثم ساق حديث طعنه ﵁.
فصَفُّ الصفوف مسئولية الإمام.
السؤال: هل كان بوسع النبي ﷺ أن يشد خطاً على الأرض، أم أن هذا صعب بالنسبة له؟ سهلٌ بالنسبة له أن يشد خيطاً على الأرض.
هل هذا الخط كان له داعٍ على عهد النبي ﷺ ؟ نعم.
كان له داعٍ، وهو تسوية الصف.
لَمَّا كان له داعٍ وكان باستطاعته أن يفعل ذلك ولم يفعل، دل ذلك على أنه لا يجوز لك أن تفعل، إذ لو كان مشروعاً لفعل.
إذاً! هذه البدعة كم لها مِن السنين؟ كم سنة عمرها؟ أقصى مدة: خمس عشرة سنة، يعني: أنها بدعة جديدة ليس لها أثر في كتب الفقهاء، ولم يفتِ بها أحد من الفقهاء المتبوعين، بل هي بدعة حديثة.
هذه البدعة كان من آثارها السيئة: أن الإمام يعطي قفاه للمصلين ويقول وقفاه لهم ووجهه إلى القبلة: استووا يرحمكم الله، فضيَّع واجبه الذي كان من المفروض أن يفعله، فهذه البدعة ما نجمت ولا ظهرت إلا بسبب تقصير الأئمة في القيام بواجبهم.
إنما لو صح أن نقول: هذه من المصالح المرسلة: إذا لم يكن لها مقتضىً على عهد النبي ﷺ ، ولم يَرِد نص بمنعها، ثم إن المصالح المرسلة تحقق لنا مصلحة، مثل: تغريم الصُّنَّاع، ومثل: إشارة المرور، كما هو معلوم أن الصُّنَّاع يغلب عليهم الإهمال، فتذهب لتعطيه سيارتك ليفكها، فيضيِّع عليك نصف السيارة، فتشتري قطع الغيار كلها من جديد.
فكان ينبغي أن يُغَرَّم الصانع هذا كله، وهذا مشروع، وحقق الشاطبي أنه مشروع، وأفتى به علي بن أبي طالب وغيره، واعتبر أن هذه من باب المصالح المرسلة، لِمَا غلب على هؤلاء الصُّنَّاع من الإهمال.
فتضمينُهم هذا يعتبر هو المراد في الشريعة، وحزمٌ ضد فوضى هؤلاء.
وكذلك مثل إشارة المرور، هل ثَمَّ نهي عنها؟ هل كان بإمكان الرسول ﵊ أن يعملها قبل هذا؟ لم يكن هناك مقتضى، وليس هناك نهي عنها، وهي تحقق مصلحة للمسلمين، فهذه تكون داخلة في باب المصالح المرسلة.
لكن الخط لا يدخل في هذا بسبيل، لاسيما أننا نشد الخط لعبادة؛ لأن تسوية الصف داخل في باب العبادة.
والله أعلم.
стр. 1474
حاجة الدعاة إلى طلب العلم الشرعي
الأنبياء ﵈ لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فهو أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون.
ولقد ضرب علماؤنا الأولون أروع الأمثلة في طلبهم للعلم، وعلو همتهم، وذكائهم، وحرصهم على أوقاتهم، وتواضعهم عند الطلب، ورحلتهم إليه، وغربتهم للحصول عليه، وثنيهم الركب عند المشايخ، بل وفناء أعمارهم في سبيل تعلم العلم وتعليمه؛ فلذلك يجدر بناء الاقتداء بهم وشحذ الهمم في سبيل هذا العلم.
стр. 1475
فضل العلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
فإن أعظم شيء يورث -باتفاق أهل الأرض- هو العلم؛ فإن النبي ﷺ قال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم).
والمقصود بالعلم: هو العلم الشرعي الذي يقرب العبد من ربه ﵎.
والإمام البخاري ﵀ لما ذكر كتاب العلم في صحيحه بدأ بذكر فضل العلم، فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) ثم ذكر قوله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فقدم العلم أولاً، إذ لا يتأتى قبول العمل إلا إذا كان على علم؛ فإن العبد لا يعلم الذي يحبه الله ويرضاه إلا عن طريق الرسل، فلذلك حض النبي ﵌ على طلب العلم، فقال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وفي بعض الأحاديث المرفوعة، قال ﵊: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، وهذا من أعظم الشرف لطالب العلم، وفي بعض الأحاديث المرفوعة أيضاً، قال ﵊: (وإن الحيتان في البحر لتستغفر لمعلم الناس الخير).
فتحصيل العلم من أفضل ما يتنافس فيه المتنافسون، والذي يبحث عن العلم -لاسيما العلم الذي يقرب من الله ﵎ رجلٌ عالي الهمة لا يرضى بالدون.
стр. 1476
صفات يجب أن يتحلى بها طالب العلم
إن طلب العلم لا يتأتى إلا إذا توفر في طالب العلم صفات جمعها الإمام الشافعي بقوله: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقين أستاذ وطول زمان فهذه الستة الشروط إذا وضعها طالب العلم نصب عينيه وصل إلى مراده، ويكون الخلل في طلبه بقدر الخلل في تركه لصفة من هذه الصفات.
وكل إنسان يريد أن يطلب العلم، وكثير منهم لا يصل إلى ذلك؛ لأنه لا يعرف الطرق التي تؤدي إليه، كما قال ابن مسعود ﵁ في قصة الذين أنكر عليهم التسبيح بالحصى، لما قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما نريد إلا الخير.
قال: (وكم من مريدٍ للخير لا يبلغه).
لأنه لم يسلك السبيل التي أمر الله بها.
стр. 1477
طول الزمان في أخذ العلم
(وتلقين أستاذٍ وطول زمان) فطول الزمان مهم، والإنسان يتعجب من بعض الذين لهم في العلم شهرين أو ثلاثة، ثم يقول لك: أنا علمت هذا بالاستقراء كم طلبت العلم؟! سنتين ثلاث عشر عشرين؟! أي استقراء عند المتأخرين الذين لو سرق السارق فهارس كتبهم لتوقفوا؟ الاستقراء يحتاج إلى طول الوقت في طلب العلم.
لذلك أريد أن أنبه الآن على قضية انتشرت انتشار النار في الهشيم، ولها علاقة بطول الزمان: هناك جماعة خرجوا وقالوا: لا يُحتج بالحديث الحسن لغيره، وعلماؤنا المتقدمون ما كانوا يحتجون به.
أقول: هذه القضية النقاش فيها قديم ومعروف، ولكن أخطر شيء على هذه القضية هو دخول الصغار فيها، ونحن نعرف أن الحديث الحسن لغيره فيه كلام عند العلماء في مسألة الاحتجاج به وترك الاحتجاج به، ولكن أن يأتي صغير ليس له فهم المحدثين، ولم يمارس هذا العلم، وليس له من الذكاء كمان كان للمتقدمين، ويقول: لا يحتج بالحديث الحسن لغيره؟ لو قرأت كتب المصطلح كلها، وحفظتها عن ظهر قلب؛ لا تصير محدثاً؛ لأن علم الحديث علم صعب، كما قال الذهبي: علم صرف، لا يسلم قياده لأحد، يحتاج إلى عمر طويل، ولابد من الذوق والملكة، وهذه لا تكون إلا بطول العمر، وانظر إلى العلماء في آخر أيامهم، وانظر إليهم في أوائل أيامهم ترى أن هناك فرقاً حتى في تنزيل الفتوى على مقتضى حال المخاطب، وما استفاد هذا إلا بطول العمر والزمان.
فهذه بعض الإشارات للصفات التي ينبغي لطالب العلم أن يتحلى بها.
أخي لن تنالَ العلمَ إِلا بستةٍ سأنبيكَ عن تفصيلِها ببيانِ ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ وتلقينُ أستاذٍ وطولُ زمانِ نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1478
الأخذ عن المشايخ وعدم الاقتصار على الكتب
(وتلقين أستاذ) مسألة الطلب، والأخذ عن المشايخ مهمة جداً؛ لأن الاقتصار على الأخذ من الكتب ضرره أكثر من نفعه، والأخذ من المشايخ يعطيك ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: أنه يقصر لك العمر.
الفائدة الثانية: أنه يسدد لك الفهم.
الفائدة الثالثة: أنه يعطيك الأدب.
(يقصر لك العمر) الكتاب يمكنك أن تقرأه في شهر، والشيخ قد يلخصه لك في درس واحد أو في درسين، فالإمام القرافي في بداية كتابه (الفروق) أول فرق بدأ به: الفرق بين الشاهد والراوي، قال: وإنما ابتدأت بهذا الفرق لأنني ظللت ثمان سنوات أسأل عنه كل من ألقاه من أهل العلم، فما شفاني أحد.
كان له عشرات المشايخ، حتى وقف على كتاب (البرهان للجويني) فوجد فيه العبارة التي يريدها.
فتقصير العمر بأن الشيخ يلخص لك الكتب.
(تسديد الفهم): كانوا قديماً يكتبون، وكان الناسخ من العلماء، أما الآن فنسأل الله ﵎ السلامة، فتجار الحشيش أصبحوا أصحاب المطابع، وبسبب ذلك يخرج الكتاب وهو مليء بالتصحيفات، وقل أن تجد صفحة إلا وفيها عشرات التصحيفات، والتصحيف أكبر جناية على العلوم، كانوا يقولون: (لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي).
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ قصةً عجيبة: ذكر أن رجلاً كان يحفظ القرآن وحده، ولم يتلقاه عن شيخ، وأنتم تعلمون أن الخط قديماً كان ليس فيه إعجام، أي: النقط لم تكن موجودة.
فهذا الرجل ليس له مشايخ في القرآن فكان يحفظ لوحده، ومن ضمن ما حفظ سورة الفاتحة، وحفظ منها آية خطأ، وهو إمام ويقرأ بالناس، فزارهم ذات يومٍ عالمٍ، فاستضافه الإمام وقال له: عندي بعض الأسئلة في القرآن، قال: في أي سورة؟ وظن أنه سيقول له: في البقرة، فقال: في الفاتحة (إياك نعبد وإياك تسعين أو ستين؟) و (نستعين) إذا كانت غير منقوطة فيمكن أن تكون (تسعين) أو (ستين) ثم رد على نفسه بسرعة قبل أن يرد الرجل عليه وقال: على كل حال أنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط! ومثال آخر: وهذا الموقف حدث في السنوات الماضية، رجل كان يقرأ: ((إلهكم التكاثر)) قال له الشيخ: يا ابني ((ألهاكم)) قال: بل ((إلهكم)) وهي مكتوبة في المصحف ((ألهكم))، قال له: ((ألهاكم)) قال له: أنحن في البخاري؟ هذا قرآن!! هذا رجل يقرأ من المصحف.
وقد سمعت رفيقاً لي في الجامعة يقرأ: (وقيل يا نوح اهبط بسلم) هي (بسلام)، والذي غره أنها (بسلم) لأنه لا يعلم أن الألف الصغيرة هذه تقرأ! وهذا إنسان في الجامعة، غداً سيتخرج أستاذ ولا يعرف كيف يقرأ القرآن الكريم!! إذا كان هذا وقع في القرآن الكريم وقد نقل بالتواتر بنقل الكافة عن الكافة ولا خفاء فيه، فما بالك بكتب الحديث، فلو درس الحديث لكانت جناية على العلم وأهله، وكيف إذا أخذ طالب العلم العلم من الكتب التي دخلها تصحيف كثير؟! مرة بعض المحدثين كانوا ينسخون وكانوا في منتهى الدقة في النسخ، وكان لـ ابن عباس صاحبان: أحدهم: كنيته أبو جمرة، والآخر: كنيته أبو حمزة.
فلو أخذنا النقطة من (الزاي) والنقطة من (الجيم) فلن تستطيع أن تفرق بينهما، فكانوا إذا رووا حديثاً عن أبي حمزة يكتبون فوقه (حور عين) لكي يبين لك: أن هذه (ح) وليست (ج)، وكل هذا حتى لا يقع التصحيف.
وذات مرة أحد الولاة أرسل للأمير، وقال له: إن المخنثين كثروا في البلد فما الحل؟ فقال الأمير لكاتبه: اكتب له: (احص من عندك من المخنثين).
فكتب الكاتب: (اخص من عندك من المخنثين)؛ فدعاهم فخصاهم، وانظر ماذا فعلت هذه النقطة!! وتعلمون أن من القراء السبعة أصحاب القراءات المتواترة حمزة الزيات - حمزة بن حبيب - ولقب (الزيات) التصق به بسبب حكاية تقال عنه أنه قرأ القرآن وحده، فكان يقرأ ((ألم)) ((ذلك الكتاب لا زيت فيه))! فقال له أبوه: قم واطلب العلم على الشيوخ.
فبدأ بطلب العلم من ذلك الوقت؛ فلقبوه (بـ الزيات).
ووقع هذا قديما مع حرص علماء الحديث على ضبط الكتب، ومع ذلك كان يقع التصحيف، فما بالك الآن؟! تجد مطبعة كبيرة وليس عندها مصحح، وصاحبها على استعداد أن ينفق الملايين في نص الكتاب وتجده يبخل أن يعطي راتباً عالياً لمصحح؛ فلذلك المصححون هربوا من المطابع، فكم من الجناية ستدخل على طالب العلم لو اقتصر على قراءة العلم من الصحف! منذ -حوالي- خمس عشرة سنة كان هناك مسألة من المسائل التي لا يكون المرء سلفياً إلا إذا خاض فيها، وهي: مسألة النزول للسجود هل يكون على الركبتين أو على اليدين، وتذهب إلى أي مكان وتجد كل الشباب يستفتون فيها، فجمعني المجلس مرة برجل، يقول: إن النزول على الركبتين هو الصحيح، وقال لي: إن الحاكم روى في المستدرك عن ابن عمر حديثاً، وقال: إنه يميل إلى قول ابن عمر.
قلت: أنا أعرف أن الحاكم يرى تقديم اليدين على الركبتين، وينقل هذا عن كثير من الصحابة والتابعين.
قال: لا.
قلت له: حسناً هات المستدرك.
فأتى بالمستدرك فأخذنا نقرأ وبعد أن أتى بحديث ابن عمر أنه كان ينزل بيديه قبل ركبتيه، قال الحاكم: والقلب إليه أميل.
فقال: انظر، هو يقول: الحديث مقلوب.
وانظر إلى فهمه للكلام! فـ الحاكم يقول: أنا قلبي يميل إلى تقديم اليدين على الركبتين.
لكنه فهمها؛ لأنه متعصب لرأي معين ويريد أن ينتصر له، والصواب: أن يبدأ بركبتيه قبل يديه.
إذاً: الأخذ عن الشيوخ يسدد لك الفهم، ويقصر لك العمر، ويرزقك الأدب.
وأفضل ما ينتفع به طالب العلم: هو الأدب، أما الذي يقرأ من الصحف فهو من أجرأ الناس على العلماء، وما تجرأ هؤلاء الذين يتكلمون على العلماء ويشتمونهم ولا يعرفون قدرهم؛ لأنهم لم يجالسوا العلماء.
وقد كان العلماء قديماً لهم خطة في تأديب التلاميذ، وكانوا يقسون عليهم قسوة لا يكاد يتحملها أحد، وأخص بالذكر من هؤلاء؛ لأنه يكفينا مؤنة ضبط المثال الإمام الأعمش، أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش.
فقد روى الخطيب البغدادي في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن أصحاب الحديث كانوا يهجمون على الأعمش؛ لأنه إمام ثقة، والرواية عنه شرف، فأراد أن يؤدبهم وأن يطردهم من البيت؛ فاشترى له كلباً، أول ما يسمع صوت الأقدام اقتربت من البيت يطلق عليهم الكلب، وكان ممن يذهب إليه شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري فيجرون أمام الكلب! والكلب يظل يجري وراءهم حتى يخرجهم إلى مسافة بعيدة ويرجع.
وهكذا، حتى كان ذات يوم اقتربوا من البيت وهم على حذر أن يخرج الكلب، فاقتربوا ولم يخرج الكلب، فهجموا عليه ودخلوا الدار، فلما رآهم بكى.
قالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أي: مات الكلب.
وجاءه رجلٌ غريب وقال: يا أبا محمد اكتريت هذه الدابة بدينار، ودفعت للرجل نصف دينار، وأريد أن تحدثني حديثاً.
قال له: اكترِ بالنصف الآخر وارجع.
وأبى أن يحدثه.
وذات مرة كان يمشي في جنازة، وكانت الجنازة لا ترفع فيها الأصوات، وكان الأعمش كفيفاً، فأخذ أحد التلاميذ بيده وقال: آخذ بيدك يا أبا محمد، فأخذه وظل ينحرف به ولم يحس الأعمش بالأمر، وظل ينحرف به إلى أن بعد عن الجنازة، والأعمش ساكت مستأمن للرجل، فقال له الرجل: أتدري أين أنت يا أبا محمد؟ قال له: لا.
قال: أنت في جبانة كذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً، فلما علم الأعمش أنه لا فائدة قال: اكتب حدثني فلان، حدثني فلان حتى ملأ الألواح، فلما رجع به وكان الأعمش متغيظاً منه، والطالب يعلم ماذا سيفعل به الأعمش إذا دخل البلد، قابله رفيق له فأعطاه الألواح، ومضى حتى أوصله إلى الدار، وقال: وصلت إلى الدار يا أبا محمد.
فأمسك بعنقه وقال: خذوا الألواح منه.
قال: قد مضت الألواح يا أبا محمد.
قال: كل ما حدثتك فهو كذب -حتى لا ينتفع به- فانظر إلى التلميذ المؤدب ماذا أجاب: أنت أعلم بالله من أن تكذب! وقد ورث هذه الخصلة في الشدة أبو بكر بن عياش.
فذات مرة قال له أصحابه: حدثنا بحديث.
قال: ولا بحديث.
قالوا: حدثنا بنصف حديث.
فقال لهم: اختاروا السند أو المتن.
فقالوا له: أنت عندنا إسناد.
قال لهم: كان إبراهيم يدحرج الدلو.
قال الخطيب البغدادي: فانظر إليه ظن عليهم أن يحدثهم بما ينفعهم.
وماذا يعني أن إبراهيم كان يدحرج الدلو؟ ماذا يستفيدون منه؟ أبى عليهم.
فهل كان هؤلاء العلماء يمنعون العلم عن أهله؟ لا.
فـ الأعمش أحاديثه تملأ دواوين الإسلام.
بل هذه الطريقة كانت تكسر الشموخ الذي عند طلاب العلم، وبعض طلبة العلم يأتي حلقة الشيخ وقد استحضر نسبه وجاهه وماله، وهذا لا يصلح أن يطلب العلم، ولابد أن يكون عليه سمت طلبة العلم وإلا فإنه لن يفلح.
والإمام الشافعي ﵀ باتفاق العلماء كان أعلم وأعلى كعباً من محمد بن الحسن الشيباني، ويكفي أن الشافعي ﵀ مجتهد مطلق، ومحمد بن الحسن ﵀ مجتهد منتسب إلى المذهب، فلما أراد الشافعي أن يحصل علم أهل العراق ذهب يتتلمذ على محمد بن الحسن، ولم يذهب الشافعي إليه وقد وضع في ذهنه أنه الشافعي وأنه أعلم من محمد بن الحسن، وإنما ذهب إليه في سمت التلميذ.
فكان يجلس في الحلقة يسمع فتاوى محمد بن الحسن ولا تعجبه، ويرى أن الدليل على خلافها، ولكن يمنعه أدبه أن يواجه الأستاذ بما يكره أمام التلاميذ، فكان محمد بن الحسن
стр. 1479
الغربة والرحلة في طلب العلم
(ذكاءٌ وحرصٌ وافتقارٌ وغربةٌ) الغربة هنا لها معنيان: المعنى الأول ووهو المشهور: هو الرحلة لطلب العلم، أن تغترب وتترك أهلك ودارك لتطلب العلم.
وهذه الرحلة من مفاخر العلماء، لاسيما علماء الحديث؛ لأننا لا نعلم من اشتهر بها أكثر من علماء الحديث، ولهم في الرحلة أشياء عجيبة! أنت الآن بين يديك مكتبة ضخمة جداً ولا تعرف منها إلا القليل، وصحيح البخاري -مثلاً- به قرابة ألفين وخمسمائة حديث وتزيد قليلاً بدون المكرر.
فكم عانى البخاري في سبيل جمع هذه الأحاديث؟! وكم رحل وكم تعب في تصنيف هذا الكتاب! والواحد منا قد يجلس في ليلة يؤلف رسالة، ويجمع صفحة من هنا وصفحة من هناك، ثم يقول لك: راجعته في مجلسين وأخرج رسالة.
والإمام البخاري، الذي كان يحفظ ثلاثمائة ألف حديث صنف صحيحه في سبع عشرة سنة، ومرة دخل بغداد، وكان أهل بغداد ينتقصون الأفاضل، فقال رجل من أهل بغداد: إن البخاري لا يحسن أن يصلي.
فسمعه رجل وأخبر الإمام البخاري وقال: إن رجلاً يقول: إنك لا تحسن أن تصلي.
فقال البخاري: لو شئت لسردت لك عشرة آلاف حديث في الصلاة قبل أن أقوم من مجلسي هذا.
عشرة آلاف حديث في الصلاة يسردها كما يقرأ أحدنا ((قل هو الله أحد)) ومع ذلك صنف كتابه في سبع عشرة سنة، وجمعه من كل الأمصار.
الإمام شعبة بن الحجاج ﵀ له قصة لطيفة جداً في الرحلة إلى طلب العلم، ذكرها الإمام ابن حبان في مقدمة كتابه: (المجروحين)، وذكرها أيضاً الخطيب البغدادي في كتابه (الكفاية) عن أبي الحارث نصر بن حماد، قال: كنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثني إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، قال: أبو الحارث الوراق: فخرج شعبة من الدار فلطمني ودخل.
فجلست أبكي، قال: وبعد قليل خرج شعبة، وكان مع عبد الله بن إدريس.
-ولو أن الشيخ الآن فعل هذا بتلميذه فلطمه فإن التلميذ سيرد الكف مباشرةً- فلما خرج شعبة وجده يبكي، فقال: مازال يبكي؟ فقال عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل.
قال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث، ثم استقبل شعبة الحديث يسوقه وهذا حديث واحد من ألف ألف حديث كان يحفظها شعبة، وشعبة أمير المؤمنين في الحديث! قال: إني سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، هل سمعته من عبد الله بن عطاء؟ وأبا إسحاق السبيعي كان يدلس؛ وكان شعبة شديد النكير على المدلسين، حتى إنه كان يقول: لئن أزني أحب إلي من أن أدلس.
ولا يتبادر إلى الذهن أنه لو خُيِّر بين التدليس والزنا أنه سيقدم الزنا لا.
فهذا على سبيل المبالغة في التنفير من التدليس، كقول النبي ﷺ للنعمان بن بشير: (أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور)، فلو ذهب إلى أبي بكر الصديق مثلاً، هل يجوز له أن يشهد؟ لا.
وكقوله ﵎: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠] مع قوله ﵎: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] والمقصود أنه كان شديد الإنكار على المدلسين.
وكان يقول: لئن أشرب من بول حمارٍ حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس.
وأبو إسحاق من المدلسين، فسأله شعبة هذا
السؤال
سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ فغضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب، وهذا من أكبر الدلائل على أنه دلس، فقال: مسعر بن كدام -وكان جالساً مع أبي إسحاق السبيعي - قال: يا شعبة! عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة.
وكان شعبة؟ يسكن في البصرة.
قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، قال: فدخلت مكة فأتيت عبد الله بن عطاء؛ فإذا رجلٌ شاب، فقلت له: حديث عقبة بن عامر في الوضوء، سمعته منه؟ قال: لا.
حدثني سعد بن إبراهيم -وهو مدني- قال: شعبة فذهبت إلى مالك بن أنس -الإمام مالك - قلت له: حج سعد بن إبراهيم؟ قال: لم يحج هذا العام.
-إذاً هذا سيكلفه رحلة إلى المدينة- قال: فقضيت نسكي وتحللت وانحدرت إلى المدينة، فدخلت على سعد بن إبراهيم، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
من عندكم خرج -أي: من البصرة- قال له: من حدثك؟ فقال له: زياد بن مخراق.
قال شعبة: حديثٌ مرة مكي، ومرة مدني، ومرة بصري! دمّر عليه، لا أصل له.
قال شعبة: فانحدرت إلى البصرة وأنا كثير الشعر، وسخ الثياب، فلما دخلت على زياد بن مخراق، قلت له: حديث الوضوء، فقال: ليس من حاجتك، فقلت لا بد، فقال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك ثم تأتي.
قال: فذهبت إلى الحمام فاغتسلت وغسلت ثيابي وجئته، فقلت: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
حدثني شهر بن حوشب، وشهر بن حوشب رواه: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر.
كم رجلاً سقط من الإسناد؟ سقط سعد بن إبراهيم، وزياد بن مخراق، وشهر بن حوشب، وأبو ريحانة، أربعة سقطوا من الإسناد، وهذا حتى تعلم خطورة التدليس.
قال شعبة: حديث صعد ثم نزل، دمّر عليه، لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إلي من أهلي ومالي.
ونحن الآن قد يكون هناك عالم في الكويت -مثلاً- وأنت تريد مسألة، فيدركك الكسل، ولا ترحل إليه، فهل أحدنا عنده الهمة التي كانت عند شعبة لما سمع حديثاً فيه فضل عظيم: (من توضأ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية) فرحل كل هذه الرحلة في سبيل التأكد من هذا الحديث!! ولكن لا يفوتني أن أقول: إن هذا الحديث صح عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب في صحيح مسلم.
قال ابن الجوزي: إنما البكاء على خساسة الهمم، ليس البكاء على الفقر، فالفقر أبداً لا يفوت صاحب الهمة العالية.
والإمام أبو حاتم الرازي -الذي قلامة ظفره تساوي عشرات المنتسبين إلى العلم اليوم- أراد أن يخرج من الري إلى بعض البلدان ليجمع الحديث، ولم يكن معه نفقة فأجّر نفسه عند بعض القوافل، وجد قافلة ذاهبة إلى البلد التي يريد، فأجر نفسه عندها، يغسل لهم الصحون ويقوم عليهم حارساً في الليل، ويقيد لهم الدواب، وهو أبو حاتم الرازي، الذي يبدأ بذكره إذا ذكر علماء الحديث وعلماء الجرح والتعديل، وما أنف من ذلك؛ لأنه سيوصله إلى محبوبه، والإنسان في سبيل الوصول إلى محبوبه يرضى بالذل، ويتجرع الهوان.
الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كان فقيراً والدنيا تحت قدميه، ومرة أرسل إليه المتوكل بأموال فردها ولم يقبلها، فأرسلها المتوكل إلى ابنه صالح، فلما قبلها صالح أغلق الإمام أحمد الباب الذي بينه وبين ابنه صالح، ولم يكن في بيته دقيق، فذهب إلى صاحبٍ له كان يثق به، فاستعار منه دقيقاً، وقال لامرأته: اخبزيه.
وبعد وقت قريب جاءت بالخبز ساخناً، فقال: بهذه السرعة! فقالت له: كان فرن صالح موقداً، فخبزت فيه.
فأبى أن يأكل الخبز؛ لأنه خبز في فرن صالح الذي قبل جوائز الأمراء، مع أن قبول الجوائز ليست ممنوعة، فـ ابن عمر كان إذا جاءه مال قبله، وقال: أنا لا أسألهم من دنياهم شيئاً ولا أرد رزق الله.
ولما ذهب الإمام أحمد إلى عبد الرزاق بن همام في اليمن نفدت النفقة، فقالوا له: خذ هذه الأموال وأرجعها لنا في بغداد، فأبى ذلك وأجر نفسه عند القبائل، فالفقر ما كان يحول دون تحصيل العلم أبداً، وإنما البكاء على خساسة الهمم، ونحن عندنا الآن مراجع لم يحلم بها كبار العلماء.
فالشيخ أحمد شاكر ﵀ -وهو لا يخفى عليكم- في حواشيه على المحلى لـ ابن حزم كان يتمنى أن يرى بعينيه مصنف عبد الرزاق، أو مصنف ابن أبي شيبة، ويقول: أين هي؟ وقد كانت بين يدي صغار الطلبة أنذاك.
ولا حول ولا قوة إلا بالله! ومصنف عبد الرزاق الصنعاني، ومصنف ابن أبي شيبة قلما تخلو مكتبة طالب العلم منهما الآن، وكذلك موارد الظمآن في زوائد ابن حبان، ما رآه الشيخ أحمد شاكر.
إذاً: الغربة ضرورية لطالب العلم؛ لأن الرجل ما كان يعظم في نفوسهم إلا إذا اغترب ورحل؛ لأنه يأخذ ما عند علماء الأمصار من العلم ويضمه إلى علمه، فيعظم في نفوس الطلبة.
وبسبب هذه المسألة نشأ تدليس اسمه (تدليس البلدان والأماكن) بسبب التبجح في ذكر الرحلة، فمثلاً هنا في هذا البلد -أي: في مصر- ربما تجد شارعاً يسمى بشارع دمشق فأقوم أنا وآتي بالشيخ وأجلسه في هذا الشارع: فيحدثني.
فأقول: حدثني فلان بدمشق.
فأنت أول ما تسمع (دمشق) تظن أني تركت البلد ورحلت وأنا أسافر وإنما هو في شارع دمشق، أو حي اسمه بغداد، فتقول: حدثني فلان
стр. 1480
الحرص على الأوقات وعدم تضييعها
(ذكاءٌ وحرصٌ) من أعظم ما يحرص عليه طالب العلم هو الوقت، فالوقت هو العمر، وطالب العلم لا يعرف المجالس التي تضاع فيها الأوقات بغير فائدة ولا يعرف الجدال العقيم، فهذا تضييع للوقت.
ومن علامة حسن التحصيل: الحرص على الوقت، وكان علماؤنا -رحمة الله عليهم- من أحرص الناس على أوقاتهم، وأذكر لكم مثالاً على ذلك: ابن عقيل الحنبلي مؤلف كتاب: (الفنون) وهذا الكتاب في ثمانمائة مجلد، طبع منه مجلدان، ابن رجب الحنبلي في ذيل الطبقات يقول: حدثني رجل أنه رأى منه المجلد كذا بعد الأربعمائة.
وابن عقيل هذا كان رجلٌ كالرجال.
أي: له حياته الخاصة، وله زوج وأولاد، وكان عالماً في البلد، فكان يدرس الطلاب، ويقضي بين الناس إلخ، ومع ذلك صنف كتاباً يقع في ثمانمائة مجلد، وهذا الكتاب من الكتب المفقودة!! كيف تسنى له أن يكتب كتاباً في ثمانمائة مجلد؟ يقول: إنني أقصر بجهدي أوقات أكلي، حتى إنني أختار أكل الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ.
انظر كيف كان يلاحظ أن هناك تفاوتاً في المضغ، ويقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعةً من عمري، حتى إذا كلَّ لساني عن مناظرة، وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أقوم إلا وقد خطر لي ما أسطره.
فكان رجلاً لا يضيع وقته حتى في وقت راحته.
يقول ابن الجوزي في كلام ما معناه: إن كثيراً من الناس يأتي ليضيع الوقت بحجة أنه مشتاق، ويأتي فيقعد وليس له كلام.
فيقول: ودفع الناس فيه إيغار للصدر -لا يستطيع أن يقول للناس: لا تأتوا.
إذاً: ماذا يفعل؟ - قال: فأعددت لذلك الوقت حزم الدفاتر، وبري الأقلام.
فإذا جاء الناس ينظرون إليه وهو مشغول؛ لأن حزم الدفاتر وبري الأقلام وقطع الورق أمر ضروري، يقول: إنما تركتها لأعملها في حال وجودهم، ويستثمر وقته إذا خلا بنفسه.
والإمام الثقة أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، يقول: دخلنا مصر أنا ورفقة لي، فظللنا سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً، فكنا في نهارنا ندور على الشيوخ، وفي ليلنا ننسخ، قال: فذهبنا إلى درس بعض المشايخ فوجدناه مريضاً، فقلنا: نأكل.
قال: فاشترينا سمكة فلما ذهبنا بها إلى البيت حان موعد درس شيخ آخر فتركناها وانطلقنا، قال: ولم نستطع أن نشويها فأكلناها نيئة.
وهذا الإمام العلم الكبير عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: كنت أقرأ على أبي وهو قائم، وهو نائم، وهو يمشي، وهو في الخلاء.
وقال بعض العلماء: أبصرت الخطيب البغدادي يطالع جزءاً وهو يمشي في الطريق، وكذلك الدارقطني كان كذلك، فما كانوا يضيعون شيئاً من أوقاتهم؛ لأن الوقت هو العمر، ولذلك كان العالم منهم عالم بحق.
فإذا تكلم في فنٍ من الفنون تجده بحراً.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذا الرجل الذي يبهر العقول، تقرأ سيرته فلا تمل، قد كان حريصاً جداً على وقته، وقد بارك الله له في وقته، حتى قال ابن القيم في الوابل الصيب: لقد رأيت منه شيئاً عجيباً، كان يكتب في ليلة ما ينسخه الناسخ في جمعة! مع أن الكتابة والتأليف تحتاج إلى استحضار ذهن وترتيب أدلة، وشطب وكتابة، وتقديم وتأخير، أما شيخ الإسلام فقد كان كالسيل الهادر إذا كتب أو ألف، ولم يكن كأحدنا: يبدأ يظلم الغرفة، ثم يستوحي، ويأكل قبلها، ويتناول الشاي وهذه الأشياء تضيع نصف الوقت في الإعداد لهذا الذي سيكتبه.
فهذا الإمام العلم كان أصحاب المذاهب يأتون عنده ليستفيدوا في مذاهبهم ما لا يعلمونه واقرأ المناظرة التي كانت بينه وبين ابن المرحل في الحمد والشكر؛ ستستغرب جداً! إذا رأيت طالب علم يضيع أوقاته مع هذا وذاك وفي مجالس لا فائدة منها فاعلم أنه لن يفلح أبداً، حتى يضرب على نفسه حصاراً في مرحلة الطلب.
ولا تنشغل في مرحلة الطلب بتحضير الدروس والمحاضرات، فإن العمر -إن شاء الله- طويل، وأهم شيء أن تغتنم أيام الطلب، ثم ستظل تدعو إلى أن تموت، فلا تضيع وقت الطلب في الدعوة أو في التدريس أو في المناظرات حتى تحكم أمرك.
стр. 1481
الافتقار وعدم الاستغناء عن الغير
(ذكاء وحرصٌ وافتقار) الافتقار معناه: أنك مهما حصّلت من العلم فلا تظن نفسك على شيء، بل تظن أنك محتاج بصفة دائمة إلى غيرك، وأول ما تشعر بالاستغناء عن الغير تكون قد خسرت كثيراً، ولذلك ترى تكبر الناس بعضهم على بعض، واستهانة بعضهم ببعض بالجهل والبغي والعدوان؛ كل هذا بسبب أنهم لم يجربوا هذه الصفة (الافتقار).
وقد كان المشايخ يذعنون لتلاميذهم، قال يونس بن عبد الأعلى ﵀: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة فاختلفنا، فجاءني إلى بيتي وطرق بابي ودخل، فأمسك بيدي وقال: يا أبا محمد! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟.
وهذا الكلام نهديه إلى العشرات الذين تعج بهم الساحة الإسلامية الآن: (يا أبا محمد! ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟!) أي: لا نكون إخوة إلا إذا اتفقنا (١٠٠%)؟! ومنذُ متى اتفق الناس؟! فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ قادة الناس، ومعادن العلم، وأولى الناس بكل فضيلة اختلفوا، وعندما تنظر في اختلافهم تجده اختلافاً رفيعاً، فالذين إذا اختلفوا تفرقوا يدل ذلك على أنه لم يجمعهم أصل جامع، وإلا فقد تفرقني عنك مسألة وتجمعني بك ألف مسألة!.
تعال أيها المختلف معي، وابسط مسائلك جميعاً، وانظر كم مسألة أنا متفق معك فيها، تجدني متفق معك في أكثر المسائل وأغلبها ولا أختلف معك إلا في الشيء القليل.
إذاً: فلماذا نختلف؟! الإمام الترمذي روى في سننه أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (توضئوا مما مست النار) فاعترض عليه ابن عباس، وقال: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعامٍ أجده في كتاب الله حلالاً؟! يا أبا هريرة! أفلا نتوضأ من الحميم -أي: الماء الساخن-؟ أي: إذا اغتسلت بماءٍ ساخن، فهل يلزمني أن أغتسل بعدها بماءٍ بارد! إذاً: فما فائدة تسخين الماء؟! فقبض أبو هريرة ﵁ كفه بعد أن ملأها حصى وقال: (أشهد عدد هذا الحصى أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار.
يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال).
وما علمنا أن أبا هريرة خاصم ابن عباس، مع أن هناك مسائل أخرى اختلفوا فيها، وكذلك عندما منع عمر بن الخطاب أبا هريرة من التحديث لم يحقد عليه.
فأولئك كانت تجمعهم أخوة الإيمان، وكل شيء يأتي بعد ذلك فأخوة الإيمان أقوى.
لذلك افتقار طالب العلم مسألة مهمة جداً، أن يشعر دائماً أنه لم يصل إلى شيء، وأن يذعن لغيره، وهذا الإمام البخاري، وهو الإمام العلم الكبير، حدث عن تلميذه الإمام الترمذي، حتى إن الترمذي عندما كان يروي هذا الحديث كان يقول: أخذه عني محمد بن إسماعيل كنوع من التبجح والتفاخر أن أستاذه أخذ عنه.
وما أجمل ما قاله سفيان الثوري ﵀: لا ينبل الرجل -أي: لا يكون نبيلاً- حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه؛ لأن الكتابة عن الإنسان الذي هو تحتك بدرجة العلم أو الفضل نوع من النبل.
والافتقار مهم جداً لطالب العلم، وأساسه التواضع وعدم الاعتداد بالنفس.
стр. 1482
الذكاء وأهميته في طلب العلم
أول هذه الصفات: الذكاء.
وهذا شيءٌ بدهي؛ لأن العلم لا يسلم قياده لبليد، والعلم واسع جداً، وليس له قرار وليس له قعر، والشيء الذي يموت الإنسان وهو مدين به الجهل، فقد يموت وهو أغنى الناس، وقد يموت وهو أعظم الناس سلطاناً، ولكن كل إنسان يموت وهو مدين بجهله، فلا يمكن لإنسان أن يصل إلى قعر العلم.
الإمام ابن جرير الطبري -الإمام المفكر الكبير صاحب التاريخ المشهور- له مذهب -وإن كان هذا المذهب قد اندثر- وكان يطلق عليه: المذهب الجريري، وهذا اطراد أنه لم يكن شافعياً، لم ينتسب إلى الشافعي، وإنما كان صاحب مذهب مستقل، بلغ من محفوظاته أنه كان يحفظ الألوف المؤلفة من الأحاديث والمتون، حتى قال لأصحابه يوماً: تنشطون لكتابة التفسير؟ فقالوا: في كم ورقة يكون؟ قال لهم: في ثلاثين ألف ورقة.
قالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار.
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماتت الهمم، فأملاه في ثلاثة آلاف ورقة.
ثم قال لهم: تنشطون لكتابة التاريخ من لدن آدم ﵇ إلى الآن؟ قالوا: في كم ورقة يكون؟ فقال نحواً مما قال في التفسير.
فقالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار.
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ماتت الهمم.
فأملاه في نحو قدر التفسير.
هذا الإمام -مع سعة علمه- لما دخل عليه بعض أصحابه وهو يحتضر، تذكر مسألة في الفرائض، فدعا بصحاف ودواة وقلم ليكتب هذه المسألة، فقال له صاحبه: أفي هذه الحال -أي: وهو يعالج الموت-؟ قال: أموت وأنا عالم بها خير من أن أموت وأنا جاهلٌ بها، وهذا الإمام دونك البحر فاغترف، ومع ذلك يموت وهو يستزيد من العلم.
والإمام مالك رحمه الله تعالى -مع خبرته وسعة علمه، وإطباق الجميع على توثيقه والثناء على سعة علمه- سمعه عبد الله بن وهب -كما في سنن البيهقي- يقول: بأنه ليس على الناس أن يخللوا البراجم في الوضوء -البراجم: هي ما بين الأصابع- قال ابن وهب: فلما خف المجلس -وهذا من أدبه- قال: فقلت له: كيف تفتي بذلك وعندنا فيه سنة؟ قال: وما ذاك؟ فقلت: حدثني عمرو بن الحارث وابن لهيعة وساق سنده إلى المستورد بن شداد (أن النبي ﵌: كان يخلل ما بين الأصابع) فقال مالك ﵀: هذا حديث حسن، وما سمعت به إلا الساعة.
قال ابن وهب: فسمعته بعد ذلك إذا سئل عن تخليل الأصابع يفتي بذلك الحديث.
فهذا الحديث ما عرفه الإمام مالك.
إذاً: العلم ليس له قعر، فلا يمكن أن يناله البليد، ومن علامة ذكاء الإنسان أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره.
وإني أستغرب عندما يأتي طالب العلم إلى رجل ويقول له: أخبرني بكتاب أبدأ به في الفقه؟ فيقول له: عليك بالمحلى لـ ابن حزم، أو يقول: عليك بنيل الأوطار للشوكاني، أو سبل السلام! وهذه الكتب إنما تعنى بذكر الخلاف، وهذا لا زال مبتدئاً ولا يعرف الراجح من المرجوح حتى تدخله في الخلاف، وعليك أن تصف له كتاباً مختصراً يبدأ بالمسائل المتفق عليها، أما أن يبدأ هذا الرجل الطلب في الكتب التي تعنى بذكر الاختلاف فهو لابد أن يصير إلى حالٍ من هذه الحالات الثلاث: إما أن يسوء ظنه بالعلماء، ويقول في نفسه: لو كان العلماء على حق لما اختلفوا والدليل واحد.
أو أن يتخير من الأقوال ما يعجبه، فيكون بهذا أعمل هواه.
أو يخرج من الكل.
حتى قيل في قوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]، قيل: (الرباني) هو الذي يعلم بصغير العلم قبل كبيره.
وهذا قول لم يذكر قائله الإمام البخاري، وقول ابن عباس: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]: أي كونوا فقهاء حكماء.
قال الإمام البخاري: وقيل: (الرباني): هو الذي يبدأ بتعليم صغار العلم قبل كباره.
وصدق من قال: (غذاء الكبار سم الصغار) أي: لو أن رضيعاً أعطيته قطعة من اللحم فإنه سيموت، وكذلك المبتدئ في العلم لو أعطيته مسألة كبيرة وضخمة فإنها تؤذيه.
ولذلك يكون من ذكاء طالب العلم أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، وأن يبدأ بما يجب عليه عيناً، من معرفة التوحيد حتى يتجنب الشرك، ومن معرفة تصحيح عبادته، ونحو ذلك.
ولكنك قد تجد الرجل لا يستطيع أن يجود كتاب الله ، وأول ما يبدأ يبدأ بمصطلح الحديث أو بأصول الفقه! إذاً: هذا الرجل ليس بذكي، وهذا يهدر كثيراً من وقته، وأول شيء يجب على طالب العلم أن يمتاز به هو الذكاء.
стр. 1483
طبقات الناس الأربع
جاء مدح العلم وأهله في الكتاب والسنة وذلك تحفيزاً وتشجيعاً للسير في طريق طلب العلم، والانضمام إلى ركب العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، ومن بين تلك الأحاديث التي مدحت العلم وأهله حديث: إنما الدنيا لأربعة نفر، فكان صاحب العلم والمال في صدارة الأصناف الأربعة، وبأرفع منزلة، ويليه صاحب العلم فقط، وكان صاحب المال فقط بأخبث المنازل، ويليه الذي ليس عنده مال ولا علم.
стр. 1484
الصنف الأول: صاحب العلم والمال
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
أيها الإخوة الكرام! جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁، عن النبي ﵌ أنه قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: فرجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويعرف لله فيه حقه؛ فهذا بأفضل.
ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته؛ فهما في الأجر سواء.
ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله، لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمه؛ فهذا بأخبث المنازل.
ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته؛ فهما في الوزر سواء).
هذا الحديث قسم الناس إلى طبقات أربع، لا يخرج رجل على الإطلاق من واحدة منها، هناك طبقة أساسية وأخرى تابعة، فالناس في الحقيقة طبقتان رئيسيتان: الطبقة الأولى: هي أفضل المنازل، والطبقة الثانية: هي أخبث المنازل، والرجل الثاني والرابع كلاهما تابع.
بأفضل المنازل على الإطلاق، فهو رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فما الذي رفع الرجل الأول؟ إنه العلم، والرجل الثالث: بأخب المنازل لقد آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فما الذي انحط بهذا الرجل؟ إنه الجهل.
إذاً الممدوح في هذا الحديث هو العلم وليس المال، لذلك كان الرجل العالم الثاني الفقير بأفضل المنازل أيضاً، وهذا يدلك على أن صاحب المال غير ممدوح إلا إذا انضاف إلى هذا المال علم.
لا يشترط أن يكون الغني عالماً، ولو كان عالماً فبها ونعمت، ولو لم يكن عالماً فليتعلق بعالم.
إن المال وحده لا يمدح صاحبه بمجرده، قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الحكمة -وفي رواية: القرآن، وفي رواية: العلم- فهو يقضي بها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) إذاً الرجل الثاني: (رجل آتاه الله مالاً) قال الحافظ ابن حجر ﵀: وإنما ذكر صاحب المال بعد صاحب العلم؛ لأن المال لا يمدح إلا بعلم؛ ولأن الرسول ﵊ لما ذكر صاحب العلم لم يذكر معه شيئاً، قال: (رجل آتاه الله علماً) ولما ذكر صاحب المال قال: (ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) فذكر هذا القيد (في الحق)؛ لأن العبد إذا سلط ماله على هلكته في الباطل كان مذموماً، من أين للرجل الجاهل الغني أن يعلم أن هذا حق أو باطل إلا بعلم؟! فإما أن يكون عالماً أو يتعلق بعالم.
إذاً الممدوح الأعظم في هذا الحديث هو العلم، ولله در علي بن أبي طالب ﵁ لما قال: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه).
لو رميت أي إنسان بالجهل احمر وجه من الغيظ حتى لو كان كذلك، عيره بأي شيء إلا الجهل، هذا مما يدلك على أن العلم ممدوح.
ومن شرف العلم أن يخلد ذكر صاحبه عبر القرون، أين الأغنياء أيام الإمام مالك وأيام الإمام أحمد وأيام الإمام البخاري؟ هل لهم ذكر؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨]؟ إنما نحن الآن نذكر هؤلاء الأئمة أكثر من آبائنا وأمهاتنا، وكلما ذكرناهم ترضينا عنهم، هذه بركة العلم، لذلك قدمه الرسول ﵊.
والعلم ممدوح في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ، قال الله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، وقال ﵎: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، قال البخاري ﵀: قدم العلم على كلمه التوحيد؛ لأن الله لا يعرف إلا بالعلم.
والعلم بحر لا ساحل له، يرده الناس فكل يأخذ على قدر ما طاقته، كل إنسان معه إناء يغترف من البحر على قدر الإناء الذي معه، هناك إنسان يرد على القرآن فلا يكاد يأخذ منه شيئاً، وهناك رجل يرد فيغترف منه الكثير، لذلك هناك فرق بين الذي يقرأ القرآن وهو عالم به والذي يقرأه هذاً.
مثلاً: من أوسع أبواب زيادة الإيمان، باب أسماء الله وصفاته، كلما تدبرت هذا الباب كلما ارتقى إيمانك مع كل مرة تتدبر فيها، مثلاً اقرأ قوله -وهذه الآية أولى الناس بها هم النساء-: ﴿تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].
الخشوع هو الذل سواءً كان في أهل النار، كما قال الله : ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات:٩]، أو في المؤمنين المخبتين قال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] خاشعون: أي ذليلون.
وقال تعالى: ﴿تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت:٣٩] وكذلك المرأة التي لا تحمل تراها خاشعة ذليلة منكسرة؛ لأن مهنتها الأولى في الحياة أن تلد، تحمل وتضع، هذا بعد عبادة الله ، إذا لم ترزق المرأة بالحمل فإنها تكون في غاية الذل والخشوع، كالأرض تماماً: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت:٣٩] فإذا أنزلنا عليها الماء -أي: حملت- اهتزت وربت، ترى البشرى على وجهها، وتحس هذه المرأة وتشعر بطعم الحياة، مثل الأرض تماماً.
وهذا مثل المرأة التي قالت لزوجها: مالِ أبي حمزة لا يأتينا غضبان ألا نلد البنينا تالله ما ذاك بأيدينا إنما نحن كالأرض لزارعينا نخرج ما قد يغرس فينا فالمرأة كالأرض تماماً ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] وترى هذا المعنى جلياً واضحاً في أول سورة الحج، أي: الربط ما بين الأرض والمرأة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥] هي هذه المرأة والحمل ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦].
فإذا قرأت المرأة هذه الآيات وتدبرتها على هذا النحو؛ ازداد إيمانها ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] أحياها بعد أن كانت تحتضر كل يوم، فأحياها الله ، وأحيا أملها، وجدد رغبتها في الحياة لما حملت ووضعت.
فلما نقرأ القرآن على هذا النحو، تقرأه بقلب شاهد خاشع، فإننا سنخرج بمعان جديدة، وآلة ذلك: العلم؛ لذلك العلم ممدوح في ذاته، فأول رجل ممدوح على وجه الأرض بعد النبيين، وهو هذا الرجل الذي آتاه الله علماً ومالاً.
أول بركات العلم أنه يحيي قلبك ويسددك.
الرجل الثاني: الذي آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، وقد وصل إلى هذه المنزلة الرفيعة بالعلم.
لذلك أحسن اختيار من يتأسى به، فهذه من بركة العلم، إما الرجل الرابع الجاهل الذي لم يحصل الدنيا ولا الآخرة، لا علم ولا مال، لما أراد أن يقلد بسبب جهله اختار أسوء رجل، فمثله كمثل الرجل الذي ورد ذكره في الحديث الضعيف الذي رواه أبو الشيخ في كتاب الأمثال، وأنا أذكره ليس كحديث: (مثل الذي يسمع الحكمة فيأخذ شر ما فيها، كمثل رجل أتى راعي غنم، فقال: يا راعي الغنم! أعطني شاة ناوية -أي: سمينة- فلما رآه الراعي طماعاً، اختار له، فقال له: لا، أريد الأخرى.
قال: دونك الغنم، اختر ما شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم).
لما وكله إلى اختيار نفسه اختار الكلب، استسمنه فاختاره؛ لأنه وكله إلى اختياره هو.
فهذا الرجل الرابع لما أراد أن ينظر إلى من يتأسى اختار أشر رجل، أما صاحب العلم فقد اختار أفضل رجل؛ لذلك ما ضره أن يكون فقيراً؛ فقد رفعه الله بالعلم حتى صار بنيته مع صاحب العلم والمال.
الرجل العالم إذا آتاه الله المال وضع المال في موضعه، الرسول ﵊ يقول: (آتاه الله علماً ومالاً فهو يتقي الله فيه: يصل به رحمه، ويرعى لله فيه حقه؛ فهذا بأفضل المنازل) فانظر كيف رتبها، قال: (يصل به رحم
стр. 1485
الصنف الثاني: صاحب العلم فقط
قال في الحديث: (ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو صادق النية -هكذا عند الترمذي - يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله؛ فهو ونيته).
(هو ونيته) ترجمة هاتين الكلمتين في حديث النبي ﵊: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فالنية عبادة مستقلة لا تفتقر إلى غيرها، وكل العبادات تفتقر إلى النية، وانظر إلى الرجل الثاني كيف وصل إلى مرتبة الأول! لتعلم جلالة النية وخطورتها.
إنما ضيعنا على أنفسنا كثيراً من العبادات والأعمال المباحات بعدم عقد النية، انظر إلى ما يقول الحديث: (إنما الأعمال بالنيات -يعني: لا عمل إلا بنية- وإنما لكل امرئ ما نوى -ثم ذكر النيتين- فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله) التكرار علامة التعظيم والإكبار؛ هذه هي طبيعة التكرار.
والتكرار إما أن يكون للتأسيس أو التوكيد، فهذا تعظيم وتفخيم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله -لم يقل: فهجرته إليهما، إنما قال:- فهجرته إلى الله ورسوله) كقول الله ﵎: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٧٤] * ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥] هذا أعظم من تعيين العقوبة، لو قالوا: جزاؤه من وجد في رحله أن يجلد؛ لكان أقل، إنما: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥] يعني الذي يخطر على بالكم افعلوه، إذاً هذا أبلغ للعقوبة من أن يعين عقوبة.
وكذلك قول الله : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] هذا أعظم من تعيين الأجر كأن يقول: له الجنة، له الفردوس الأعلى، له كذا وكذا لا، طالما وقع أجره على الله، فتخيل أنت كيف يكون الأجر! فهنا تعظيم الهجرة إلى الله ورسوله، بخلاف الشطر الثاني: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها) ما قال: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، إنما أضمر وأجمل، والإجمال تحقير.
وتأمل هنا: (فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة) والمرأة من الدنيا، فكان كافياً أن يقول: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه، فأفرد ذكر المرأة للاهتمام بها والإشعار بفتنتها وخطورتها.
ألم يقل النبي ﵊: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) (أضر: أفعل تفضيل، أعظم فتنة يبتلى بها الرجل المرأة، تجد الرجل الضخم يصير صغيراً جداً أمام المرأة! ربنا قال هكذا، قال يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣] من الصبوة، أي: يصير كالصبي، وكم من أملاك الناس انتقلت إلى النساء في لحظات إقبال الرجل على شهوته، فبينما هو في أوج شهوته تقول له: وقّع، فيوقع على كل شيء، ويعمل أي شيء، وينفذ كل طلباتها، والرسول ﵊ قال: (يا معشر النساء! ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم منكن!).
إذا رأيت الرجل خارج البيت وجلست معه تقول: هذا الرجل لو أن عقله وزع على أمة من المجانين لصاروا عقلاء، لكن هذا العقل الكبير يتوارى أمام المرأة! لذلك كانت فتنة النساء فتنة عظيمة ولا يعصمك منها إلا الله.
يوسف ﵇ نبي عريق النسب، النبي ﵊ سئل عن يوسف فقال: (هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) من مثله؟! فلو جاز لإنسان أن يعصم من الدنايا لعراقة نسبه لعصم يوسف ﵇، ومع ذلك قال لله : ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣] إنها فتنة عظيمة! لذلك كل المؤتمرات التي تعقد باسم التنمية والبيئة المقصود بها النساء: مؤتمر السكان، مؤتمر الغذاء، مؤتمر الكساء، أي مؤتمر تجد المرأة لها نصف جدول الأعمال في ذلك المؤتمر.
مؤتمر السكان كان المقصود به إفساد المرأة، لأنهم خرجوا من المؤتمر بثلاثة أشياء: الشيء الأول: الدعوة إلى الاختلاط في الدراسة.
بعض المدارس هنا في القاهرة كانت تفصل بين الجنسين، والآن بدأت تفتح باب الاختلاط بدعوى أن الميزانية انتهت.
لذلك نجد الاختلاط من الابتدائي إلى الجامعة، الوالد بجانب البنت، وهذا الاختلاط يكون نتيجته ظهور الفواحش.
إن الزنا لا يكون إلا برضا المرأة، تسعمائة وتسعة وتسعين امرأة من الألف تجد المرأة هي المسئولة عن الزنا، وامرأة واحدة من الألف تغتصب، ولذلك ربنا لما ذكر الزناة قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور:٢].
ممكن البنت تكون متربية في بيئة نظيفة، فحتى مع هذا الاختلاط لا يصل الولد إليها، فقالوا: لابد إذاً من عامل مساعد حتى تتم الفاحشة، ما هو العامل المساعد؟ تجريم الختان!! ظهر التقرير الرسمي في الصحف أنها عادة جاهلية لا تمت إلى الإسلام بصلة، كأنهم يخاطبون الصم البكم العمي، افتح أي كتاب فقه صغيراً أو كبيراً ففيه الحديث عن سنن الفطرة، تجد الختان مذكوراً، افتح أبواب الطهارات والغسل تجد حديث النبي ﷺ : (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) وما زال إلى الآن في الأزهر ومناهجه تدرس الختان، كيف تأتي وتقول: عادة جاهلية؟!! هذا الرجل يتهم خمسة عشر قرناً بمن فيه من المسلمين بارتكاب العادة الجاهلية! إذاً: ما هي الأدلة؟ قال: بنات الرسول ﵊ لم يختتن.
فهل عندك دليل أنهن لم يختتن؟ لا لم يرد دليل.
إذاً لم يختتن كيف؟!.
أنت يا رجل تدعي دعوى، أين الدليل على أن بنات النبي ﷺ لم يختتن؟ يعني بنت أبي جهل تختتن وابنة الرسول لا تختتن.
وآخر يقول لي: وأنت ما أدراك أن بنت أبي جهل اختتنت؟ أقول لك: إن الختان كان عادة فاشية في العرب، هذا هو الأصل في البيئة العربية، فهل اليهود يختتنون والمسلمون لا يختتنون؟! كان العرب يختتنون، وكان العرب عندهم إذا أراد أحدهم أن يسب الآخر يقول له: يا ابن القلفاء.
والقلفاء: هي المرأة التي لم تختتن.
والمرأة إذا لم تختتن تكون كثيرة الحنين للرجال، فكأنه لما شتمه قال: يا ابن المرأة الكثيرة الحنين إلى الرجال، أي: غير عفيفة.
فإذا كان هذا الخلق فاشياً عند العرب فلماذا بنات الرسول ﵊ هن اللاتي يستثنين دون نساء العرب؟ انظر كيف يتهم الرسول!! ويهون عليهم أن يرموا بناته بمحاربة الاختتان، من أجل أن يصل إلى قضية! أراد أن يبني قصراً فهدم مصراً! والراجح في المسألة: وجوب اختتان المرأة وليس استحباب ختان المرأة، ولا يوجد دليل صارف عن الوجوب إلا حديث منكر في مسند الإمام أحمد، ويتضح من لفظ الحديث وسياقه أن عليه صنعة الفقهاء، كأنه فتوى، والرجل المجرب لحديث الرسول ﵊ يقول: هذا ليس من كلام الرسول ﵊، والحديث يقول (الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء) هل هذا شكله حديث؟! وسند الحديث ضعيف، وهو منكر.
وآخر يقول: إذاً ما دعواك على وجوب الختان، وأن المرأة إذا لم تختتن فهي آثمة؟ الدليل قول الله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣].
حسناً! ما هو وجه الاستدلال في الآية؟ نقول: إن هذه الآية لما يضم لها قول النبي ﵊ في صحيح البخاري: (اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم) (على قولين: قالوا: إنه اسم المكان الذي اختتن فيه.
لكن الراجح أنه اسم الآلة التي قطع بها الجلدة التي تواري الحشفة.
إذاً اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم، وقد أمرنا أن نتبع ملة إبراهيم وجوباً، إذاً يجب علينا أن نختتن.
لكن يأتي آخر ويقول لك: الكلام هذا للرجال، ما الذي جعلك تدخل النساء فيه؟ نقول: إن كل الأدلة الشرعية إذا قيلت؛ فإنه يقصد بها الرجال والنساء معاً، حتى يأتي دليل على تخصيص فئة دون فئة، هذا هو الأصل في الأدلة (مثل قوله ﵊: صلوا كما رأيتموني أصلي) للرجال والنساء، (: خذوا عني مناسككم) للرجال والنساء، (: من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) للرجال والنساء، كل دليل من القرآن والسنة فالأصل فيه قصد الرجال والنساء إلا أن يأتي دليل يخصص الرجال عن النساء.
فهل ورد دليل يخصص الرجال عن النساء في هذا؟ أبداً، لم يرد دليل صارف، إذاً بقي الأمر على الوجوب، وهذه فتوى الشافعي، بل جماهير الشافعية على أن الختان واجب.
فلما يأتي آتٍ فيقول: لا يوجد الختان في دين الله.
ينبغي أن يعاقب؛ لأن إخرج الحق من الدين مثل إدخال الباطل فيه.
والرسول ﵊ لما قال: (إذا التقى الختانان) قال الإمام أحمد: لما قرأت هذا الحديث استدليت به على مشروعية ختان المرأة، أي: إذا التقى فرج الرجل مع فرج المرأة، هذا اختتن وهذا اختتن فقيل: الختانان.
ثم إن الختان من سنن الفطرة، وسنن الفطرة هي القدر الثابت في كل الشرائع الذي لا يتبدل، ولهذا كانت اللحية على قول من صحح الحديث من سنن الفطرة.
فقال: إذاً نحن لما نجرم الختان، فهذا يكون عاملاً مساعداً لتهيج المرأة حتى لو كانت عفيفة، فتطلب رجلاً، هذا ثانياً.
ثالثاً: حسناً إذا هيجناهم ووقعوا في
стр. 1486
الصنف الثالث: صاحب المال فقط
الرجل الثالث -الذي آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً- شيخ هذه الطائفة قارون، آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، وكل أغنياء الأرض الآن رأس مالهم كله هي الفكة التي كانت مع قارون: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] رجل غني جداً.
قارون يضرب به المثل في الغنى، والله ﵎ قد سجل قصته في آخر سورة القصص، قال : ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] * ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧] انظر إلى النصائح الجميلة! قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧].
هنا نكتة لطيفة: كلمة: (ما)، في (فيما)، كان قارون معه مالاً، فقالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] أي: ما معك سخره للدار الآخرة.
فـ (ما) هنا يقول العلماء: إنها من صيغ العموم، لكن المقصود بهذا العموم المال دون سواه؛ لأن الذي جاء به السياق هو المال، مع أن اللفظ جاء عاماً شاملاً لكل شيء.
والعلماء يقولون: قد يكون الكلام على جهة العموم ومعناه على جهة الخصوص، كيف؟ مثلاً لفظة: (الناس) عموم، يدخل ضمنها اليهود والنصارى والمسلمين والمجوس وكل الناس، قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، أي: كل الناس، وقد أكد ذلك بمؤكدين: كلمة (الناس) فيها الألف واللام إذا دخلت على النكرة تفيد العموم، وكلمة (جميعاً) في آخر الآية أفادت العموم أيضاً، فالمقصود بالناس هنا كل الخلق.
ونقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ [الحج:٢٧] الناس هنا هم المسلمون فقط، مع أن هؤلاء ناس وهؤلاء فهذا لفظ عام لكن معناه الخصوص.
إذاً: ما الذي يجعلنا نعرف أن (ما) في هذه الآية تفيد الخصوص؟ قلنا: السياق؛ لأن السياق من المقيدات، أنت مثلاً لو جاءك ضيف: وقلت له: تفضل، أنت عزيز علي وكريم، تفضل، وعزمته على العشاء.
ماذا تفهم: هل أنا أهين أم أكرم؟ أُكرم.
لكن عندما نقرأ قول الله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] إهانة أو إكرام؟ إهانة، دل على ذلك سياق الآيات.
كذلك نحن نقول: السكوت علامة الرضا، كما قال النبي ﵊: (تستأذن البكر.
قالوا: يا رسول الله! إن البكر تستحيي) يعني إذا قلت لها: يا ابنتي! جاء فلان الفلاني يريد أن يتقدم إليك ويخطبك، فإنها تستحيي وتخفض رأسها ولا تتكلم، إذاً سكوتها هذا علامة رضا، كما قال الرسول ﵊: (إذنها صماتها).
لكن جاء عن ابن عباس في صحيح البخاري في حديث طويل جاء فيه: (أن النبي ﷺ طلق نساءه، فبلغ عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ طلق حفصة، فقال: فلبست ثيابي وأتيت النبي ﷺ في الغداة، والرسول ﷺ في مشربة -المشربة: مثل الحجرة عالية قليلاً- ولها باب.
فدخل الرسول ﷺ الغرفة ووكل بالغرفة رباح -غلام الرسول- وقال له: اجلس على باب الغرفة حتى لا يدخل أحد، قال عمر بن الخطاب: فجئت فاستأذنت رباحاً.
فقلت له: ائذن لـ عمر.
فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت.
قال عمر: فجلست بجانب المنبر).
ففهم عمر أن السكوت هنا ليس علامة رضا فلم يدخل، لأن السياق يفهم أن الرسول غضبان؛ لأن النبي ﷺ طلق نساءه على حسب الإشاعة الشائعة التي ظهرت.
قال: (ذكرتك له فصمت، فجلست بجانب المنبر، قال: غلبني ما أجد، ثم قلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج قال: ذكرتك له فصمت، فجلست، ذكرتك له فصمت ثلات مرات، قال عمر: فلما هممت بالانصراف ووصلت إلى الباب؛ ناداني الغلام فقال: قد أذن لك).
إذاً نحن نعرف أن السكوت علامة للرضا أو للغضب من خلال السياق.
كذلك قصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوه تبوك قال: (كان النبي ﷺ إذا سر -تبسم- استنار وجهه كأنه قطعة قمر، ولما رجع الرسول ﵊ من تبوك، جاء المعذرون من الأعراب الذين تخلفوا عن غزوه تبوك يعتذرون، والرسول ﷺ يقبل منهم.
قال كعب بن مالك: (فدخلت عليه فلما رآني تبسم تبسم المغضب)) ابتسم ابتسامة صامتة، ابتسامة غضب.
فالعلماء يقولون: إن السياق من المقيدات.
إذاً كلام قوم موسى مع قارون هو بخصوص المال، و (ما) هنا وإن كان ظاهرها العموم لكن المراد بها المال، أي: ابتغ في مالك الدار الآخرة.
﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] وهنا درس للدعاة إلى الله : أن يراعي مقتضى الحال.
عندما تقول لغني: اخرج من كل مالك، دعه وراء ظهرك وتعال ورائي، هذه ليست طريقة دعوة؛ لأنه لن يخرج، لكن إذا قلت له: استمتع بالمباح، كل واشرب على مزاجك، طالما أنه حلال فلا بأس.
لكن هناك من العلماء من قال في تفسير: ((ولا تنس نصيبك من الدنيا)) أنه الكفن، وهذا التفسير فيه قسوة في الدعوة، والأصح أن نجري اللفظ على ظاهره: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: تمتع بالمباحات ما شئت، دون إسراف، ولا تجرده من المال كله.
﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] انظر إلى التذكير! يا إخوان! الغنى الطارئ يسوء به الخلق، لذلك تجد الطبيب الذي أبوه طبيب يعامل زملاءه معاملة رقيقة، وطالما أنه أستاذ في الجامعة، أول ما يرى زميله يقول: تعال، تفضل أنت زميلي، ويظهر له التودد والتلطف، هناك فرق بين معاملة هذا الطبيب الذي هو طبيب وأبوه طبيب وجده طبيب وبين الطبيب الذي هو الوحيد في أسرته طبيباً.
كذلك الإنسان العريق في الغنى تجد في غناه طعماً، بخلاف الإنسان الذي طرأ عليه الغنى مثل قارون، يكون لئيماً خسيساً، لا يتذكر نعمة الله عليه.
ولا أدل على ذلك من القصة الشهيرة التي رواها مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (كان ثلاثة ممن كانوا قبلكم أراد الله أن يبتليهم: أقرع وأبرص وأعمى في بني إسرائيل، فأرسل إليهم ملكاً، جاء للأبرص وقال له: ما تشتهي؟ قال: أشتهي لوناً حسناً وجلداً حسناً، وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله.
قال له: أي المال تحب؟ قال له: الغنم.
أعطاه الغنم وقال له: بارك الله لك فيه.
ذهب للأقرع: ما تشتهي؟ قال: شعراً حسناً، وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله.
قال له: أي المال تحب؟ قال له: البقر.
قال له: خذ البقر، بارك الله لك فيها.
ذهب للأعمى: ما تشتهي؟ قال: أن يرد الله علي بصري، وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله.
قال له: أي المال تحب؟ قال: الإبل.
قال: هذه ناقة عشراء، بارك الله لك فيها.
قال النبي ﷺ : فكان للأول وادي من الأغنام، وللثاني وادي من الأبقار، وللثالث وادي من الإبل) والوادي بمنتهى مد البصر.
ثم جاءت ساعة الامتحان، فجاءهم نفس الملك، لكن أتى الأبرص بصورة رجل أبرص، لكي يحنن قلبه، عندما يراه يقول: سبحان الله! أنا كان شكلي هكذا، الحمد لله الذي جملني، فيتذكر.
ربنا من لطفه يعطيه مقتضى يتذكر به البلاء فيشكر؛ لأن هناك من الناس من ينسى، فيذكره.
فلما جاء في صورة الأبرص، قال له: (أنا عابر سبيل انقطعت بي الحبال، ولا حيلة لي إلا بالله ثم بك، فهل تعطيني -ما قال له: نصف الغنم أو ثلثها أو ثلاثة أرباعها- غنمة واحدة فقط، أتبلغ بها في سفري، حيث أنني عابر سبيل انقطعت بي الحبال، وليس لدي أي حيلة؟ قال له الرجل (اللئيم): الحقوق كثيرة.
(وهناك أناس يعاملون الله بهذه المعاملة، يكون تاجراً كبيراً ويقول لك: والله هذه السنة أنا خسران، وتجده قد بنى عمارة وبدَّل السيارة.
المعلوم أن التاجر الخسران يبيع، لا يسدد ولا يشتري.
هذا التاجر يحسب من الألف مثلاً يكسب خمسين جنيهاً، إذا خسر عشرين يعتبر نفسه خسران، هو يحسبها هكذا، ويقول لك: والله هذه السنة أنا خسران.
إن الله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وهل الله يريد منك شيئاً؟! أنت ملكه! ولقد جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: (يد الله ملأى لا يغيضها شيء، سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء) انظر كم أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لما قرأت هذا الحديث اقشعر جلدي، ثم طلعت في دماغي فكرة: الشارع الذي أسكن فيه به حوالي خمسين بيتاً، فقلت: أنظر الخمسين بيتاً هذه كم تساوي مليوناً، وطبعاً افترضت تفصيل الشقق عندهم مثل شقتي، هناك طبعاً أناس تفصيلهم مختلف، مثلاً واحد هنا يملك (فيلا) في ميدان لبنان مكونة من شقتين فوق بعض، في عمارة بها سبع عشرة غرفة، يريد أن يبيعها بمليون وسبعمائة ألف، يقول لي الشخص الذي كان يستقبل مكالمات المشترين: أحدهم اتصل بي، يقول لي: الفيلا بكم؟ قلت له: بمليون وسبعمائة ألف.
قال: الظاهر أن تفصيلها غير جيد.
انظر يا أخي! هذه الدنيا كيف تمشي، سبحان الله! فأنا قلت: سأحسب تكلفة هذه المباني بعد أن حصرت البيوت، المهم عملت حسبة كانت نتيجة الخمسين بيتاً نحو خمسة وستين مليوناً، باع
стр. 1487
الصنف الرابع: الذي ليس لديه مال ولا علم
الصنف الرابع: (ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً) وهو هذا الذي: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
هذا الرجل ليس لديه مال ولا علم، لذلك أساء اختيار من يتأسى به، وأول ما أحب أن يختار اختار كلب الغنم الذي ذكرنا قصته من قبل.
العالم لأنه عالم أول ما أراد أن يتأسى اختار أفضل رجل على وجه الأرض: رجل آتاه الله مالاً وعلماً.
أما هذا الرجل الذي ما عنده علم فقد اختار أسوأ رجل على وجه الأرض، الذي هو: رجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فقال الرسول ﵊: (فهذا بأخبث المنازل).
الإنسان العامي ليس له مذهب، مذهبه مصلحته، ولذلك ممكن يبدل مذهبه كل يوم.
العامي رجل سياسي، والسياسي لا دين له، والذين قالوا هذه العبارة هم السياسيون أنفسهم، قالوا: إن السياسة ليس لها مبادئ، ولا دين لها، ممكن يتخذ القرار الآن ويتراجع عنه غداً؛ لأن الوضع يستلزم هذا.
العوام سياسيون، يقول لك: خذه بالسياسة.
العوام هم الذين خذلوا علي بن أبي طالب رغم أنهم كانوا مثل الرمل كثرة.
ولما سأل الحسين ﵁ رجلاً عن أهل العراق: (ما أخبار أهل العراق؟ قال: قلوبهم معك وسيوفهم عليك) هو يذبحك ومع ذلك يترحم عليك.
مذهب العوام بالكيلو، وليس بالحصر، هل تعلم ما معنى بالكيلو؟ يأتي رجل مثلاً يقول للناس: إن السنة كذا وكذا.
فيقول له: يعني كل هؤلاء لا يفهمون وأنت الذي تفهم.
مذهب العوام كلما وجد أن العدد أكثر كلما كان هذا دلالة على أنه حق، مع أن الله قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ [الأنعام:١١٦].
العامي يجد ويجتهد في طلب شهوته وهواه، فإذا لم يحصل رجع إلى العكس، أحدهم سافر إلى الخارج، فقيل له: ماذا تعمل يا أخي هناك؟! يقول لك: أغسل الصحون.
حسناً: أنت عندما كنت تأكل في طبق الفول، وأبوك أو أمك يقول لك: ضعه في المطبخ.
كنت تقول: هذا ليس عملي.
فلماذا تذهب هناك تغسل أطباق الخنازير وكئوس الخمر؟! لماذا؟ لقد خرج ليجمع المال فرجع بخفي حنين.
هل تعرف قصة خفي حنين؟ كان لدى حنين جمل سمين، وكان هناك لص ذكي، مثل قصة الخروف التي حصلت في القاهرة، حيث محاكم القاهرة الكبرى التي فيها العجائب! شخص سمع خروفاً يصيح على عمارة، فصعد العمارة وأخذ الخروف ووضعه على كتفيه ونزل، قابل شخصاً على السلم، فخاف أن يكون صاحب الخروف، فماذا قال اللص؟ قال له: إنتم بتعرفوا أكل اللحم؟ تريدون شراء فروق بستين جنيهاً؟! فالرجل قال له: خير، لماذا زعلان؟ ما الموضوع؟ قال: يطلعوني إلى الدور الخامس وينظرون إلى الخروف، ثم يقولون لي: هذا جلد على عظم، ويعطونني فيه ستين جنيهاً! قال له: يا أخي لا تغضب، هات الخروف وخذ ستين جنيهاً.
قال: حلال عليك.
أخذ اللص ستين جنيهاً وصعد الرجل بالخروف، الجيران كان لديهم خروف، والرجل من فرحته نزل ليشتري البرسيم ليأكل الخروف، وصاحب الخروف الأصلي أيضاً صاعد يطعم الخروف.
قال له: إيه يا عم؟! متشكرين جداً، والله ما كنت أعرف أنك تعز الخروف، اشتريت له برسيماً على حسابك؟ قال له: لا، هذا خروفي.
خروفك! كيف خروفك؟ أنا الآن اشتريته.
وتشاجرا مع بعض، واللص أخذ القيمة وهرب بها! وهذا مثل لص حنين، رأى الناقة جميلة فقال: أنا أريد أن أسرق هذه الناقة، لكن كيف أسرقها وصاحبها راكب عليها؟ فقام ووضع فردة حذاء على شجرة في الطريق، وبعد نحو نصف كيلو متراً قام ووضع الفردة الثانية على فرع شجرة أخرى، فـ حنين كان يمشي فوجد الفردة الأولى، قال: يا سلام! لو كان لها أخت! وتركها.
وهذا مثل الرجل المغترب الذي نزل إلى القاهرة، ولم يجد أي فندق ينام فيه، فوجد (لوكندة) للنوم، فقرأها لو كَنده للنوم -أي: لو كان هذا للنوم- هو قرأها هكذا وهذا كان يقول: لو أن أختها موجودة! المهم مشى نصف كيلو متراً فوجد أختها، قال: أنا سأربط الناقة وأذهب لكي آتي بالفردة الأولى.
وكان اللص له بالمرصاد، أول ما ترك حنين الناقة؛ قام اللص وركب الناقة وهرب.
رجع حنين بفردة الحذاء الأخرى أين الناقة؟ لم يجدها.
فلما رجع إلى قومه قالوا: يا حنين! بم رجعت؟ قال: بالخفين.
إذاً (رجع بخفي حنين) مثل يضرب للذي يرجع بالخيبة والخسران.
فهذا سافر إلى الخارج وغسل الأطباق ورجع بدون مال، أول ما يعود، يقال له: يا فلان أين المال؟ يقول: والله يا أخي المال ليس كل شيء، يعني هؤلاء الذين لديهم المال ماذا صنعوا به؟! إذاً لماذا لم تقل هذا الكلام قبل أن تخرج؟ إذاً العامي على استعداد أن يرجع إلى الصفر إذا كان سيريح نفسه، أو إذا كان هذا يرضيه، فهذا هو مذهب العوام.
وانظر إلى الجماعة الذين يقولون: نحن أكبر جماعة في العالم، نحن اليوم انضم إلينا خمسة آلاف، أربعة آلاف، ثلاثة آلاف.
هذا الكلام لا قيمه له ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: ليس كل المؤمنين رجال.
يقول العلماء: هذا على مذهب العوام الطغام، ومن سار سيرتهم من أشباه الأنعام.
العوام لا مذهب لهم، أخفقوا في الاختيار لمن يقلدونه ويتأسون به؛ لذلك نالوا الخزي والخسران بدون شيء.
فالرجل الرابع لا معه دنيا ولا معه آخره، لذلك كان بأردأ المنازل وأخبثها.
إن على كل شخص منا أن يسأل نفسه وليكن أميناً في
الجواب
من أي الأصناف أنا؟ الإمام البخاري كان اسمه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، نحن كلنا نعرف البخاري، لكن لا نعرف والده.
كان أبوه -رحمة الله عليه- تاجراً غنياً، لما حضرته الوفاة دعا ابنه الإمام البخاري، وقال له: يا بني! لقد تركت لك ألف ألف درهم، ما أعلم درهماً فيه شبهة.
يستحيل أن يقترب من الحرام.
كيف تأتى لمثل هذا الرجل ألا يقع في كل ماله درهم فيه شبهة؟! إن ذلك بسبب الاتصال بالعلماء، كان يمشي معهم دائماً.
الإمام البخاري لما ترجم لوالده، وأحب أن يذكر منقبة من مناقبه، ومعروف أن الإنسان إذا أوجز يذكر أفضل ما يجد، لو قلت لك: صف لي أباك في كلمة واحدة؟ فإنك ستذكر أفضل ما تتخيله في أبيك.
فالإمام البخاري لما ترجم لوالده ترجمه ترجمة موجزة في سطر؛ لقد بحث عن أجل عمل عمله فقال: رأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه فقط.
إذا قيل العمران: أبو بكر وعمر، الشيخان: البخاري ومسلم، الحمادان: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، السفيانان: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري.
قالوا في ترجمة حماد: لو قيل له: القيامة غداً؛ ما قدر أن يزيد في عمله شيئاً، انظر إلى الجلالة! أنا أذكر وأنا طفل صغير أنهم كانوا يقولون: القيامة ستقوم يوم الأحد، لا أنسى هذا اليوم أبداً، في هذا اليوم كان كل الناس في المسجد تبكي.
المهم: هذا المنظر لا أنساه أبداً، وحماد لو قيل له: القيامة غداً لا يقدر أن يزيد في عمله شيئاً، هذا يستحق أن يُرى أم لا؟ لكن انظر اتصاله بأهل العلم، يأخذ الفتوى مجاناً.
فلماذا قصرت في طلب الفتوى ودخلت في البيوع المحرمة والبيوع التي فيها شبهة؟! أنت رجل صاحب مال، ليس عندك وقت تتعلم، إذاً اتصل بعالم، اجعله مستشاراً لك، لا تقدم رجلاً ولا تؤخر أخرى، فأنت إذا قلت له: ما حكم الله في ذلك؟ هو إذا أخطأ؛ فلا جناح عليك.
إذاً نحن يا إخواننا! ننظر بعد هذا الحديث من أي الأصناف الأربعة نحن؟! إذاً الصنف الثالث والرابع نعوذ بالله وإياكم أن نكون منهما، إذاً ما بقي إلا الصنف الأول والثاني، وإنما صار الصنف الأول والثاني ممدوحين بالعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 1488
آداب طالب العلم [١ - ٢]
العلم هو ميراث الأنبياء، لذلك كان طلبه والاشتغال به من أعظم أنواع العبادة وكفى به شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو واقع فيه لذلك كان بد على طالب العلم أن يتحلى بآدابه، وأن يجتنب كل ما يقدح فيه حال طلبه للعلم.
стр. 1489
فضل العلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أيها الإخوة الكرام! درسنا في أمور تتعلق بطلب العلم، وهي نبذٌ مختصرة، وإلا فالأمر طويل جداً، لكن السعيد ينفعه القليل، والمكابر لا ينفعه الكثير.
أذكر بين يدي هذه المحاضرة أبياتاً أشرحها، وهذان البيتان نظمهما أحد العلماء نصيحة لطالب العلم؛ فقال: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ وطول زمان هذه الستة الأمور هي عماد طالب العلم، ومن أهدر واحدة منها كان الخلل في بنيانه بقدر ما أهدر، وهي مراتب متفاوتة بعضها أعلى من بعض، ولا يستقيم بنيان طالب العلم إلا بها جميعاً.
والعلم كما قال علي بن أبي طالب ﵁: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه).
فإنك إذا قلت لرجل جاهل: يا جاهل! احمرّ أنفه من الغيظ؛ لأن الجهل عار وشنار، فالكل يتبرأ منه، ولو قلت له: يا عالم، لاغتبط؛ لأن العلم شرف؛ وكم من ضعيف متضعِّف أعزه الله بالعلم! كان الأعمش ﵀ يقول: (والله لو كنت بقالاً لاستقذرتموني)؛ لأنه كان عنده عمش في عينيه، فلو كان بقالاً لاستقذره الناس، فرفعه الله بالعلم، وكان طلبة العلم يتهافتون عليه مع الإهانة الكبيرة التي كان يتعمد أن يفعلها بهم.
فالمقصود: أن العلم يرفع صاحبه، وهذا شيءٌ ذاتيٌ في العلم، وأشرف العلم هو: معرفة الله ورسوله، ومعرفة ما افترضه الله على العباد، وهو العلم الشرعي.
стр. 1490
صفات وآداب طالب العلم
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ وطول زمان
стр. 1491
طول الزمان
قوله: (وطول زمان)، وهذا إشارة إلى أن المرء إذا طال عمره في العلم كان أقوى في الفتوى، فما أعجب اعتراض بعض طلاب العلم على المشايخ وهو ليس له في طلب العلم إلا سنة واحدة! نسأل الله السلامة! عمره سنة واحده في طلب العلم ومع ذلك ما ترك أحداً إلا وقال: أخطأ فلان وفلان وأنا أعرف طالباً في الجامعة كتب كتاباً يحكم فيه بين المتنازعين في الحديث، عالمان من العلماء الكبار متنازعان في تصحيح حديث.
قال: فلما رأيت الشيخين الجليلين اختلفا أحببت أن أفصل بينهما.
أهذا من الأدب؟ طالب يفصل النزاع بين البخاري ومسلم إن طول العمر يكسب الملكة في الاستنباط، وهي لا توجد في الكتب ولا تدرس، بل تحتاج إلى عمق وممارسة.
مثلاً: مسألة الجمع بين الصلاتين في الحضر، ورد فيها هذا حديث صحيح وهو من حديث ابن عباس في الصحيحين: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر جمعاً في الحضر من غير سفر ولا مطر، فسئل ابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لئلا يحرج أمته)، مع أن الأصل أن الصلاة تقام في وقتها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، لكن هذا الجمع في الحضر يحتاج إليه بعض الناس، كدكتور سيعمل عملية تستمر ست ساعات، وفتح بطن المريض قبل الظهر بساعة، فسيأخذ ست ساعات، بمعنى أن الظهر سيضيع عليه، فلو قلنا له: اترك المريض واذهب إلى الصلاة؛ لن يرجع إلا وقد مات المريض.
لكن نقول له: لك رخصة في جمع التأخير، فاعمل العملية وأخر الظهر إلى وقت العصر لماذا؟ لأن هذا فيه حرج، فترك المريض وبطنه مفتوحة حرج شديد.
كذلك مثلاً: إذا كان المريض أباً أو أماً أو أخاً، وهناك ضرورة ملحة لأن تقف بجانبه، فيجوز لك أن تترك صلاة الجماعة، وتجمع بين الصلوات، لكن إذا أتى رجل وقال: هل يمكن لي أن أجمع بين الصلاتين، وليس عنده عذر، وأجزت له؛ فسوف يتخذ هذا الحديث ذريعةً لإهماله، ويجمع الظهر مع العصر، ويقول: إن الرسول ﵊ كان يجمع بين الظهر والعصر.
فالواجب عليك لمثل هذا الصنف من الناس ألا تعطيه الفتوى بالجواز.
وهذا مثال آخر يبين أن الملكة لا تأتي إلا بالممارسة: أبو حاتم الرازي ﵀، مر عليه حديث رواه الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن زيد بن عبد الله، فقال أبو حاتم: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش.
لقد أصبح يسمع الحديث فيعرف راويه، كما يتذوق أحدنا في بيته الأكل فيميز بين الجيد والرديء، فأصبحت هذه الأحاديث عند أبي أبي حاتم من كثرة الدربة والممارسة لها علامة خاصة، فأول ما يسمع بحديث للأعمش يقول: هكذا أحاديث الأعمش رجل له ملكة، وهنا قال: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش، هذا يشبه أحاديث عمرو بن الحصين - وعمرو بن الحصين متروك، كذبه بعض العلماء- قال أبو حاتم: ثم رحلت إلى بلد كذا وكذا وإذا بي أجد الحديث عن الأعمش عن عمرو بن الحصين عن أبي سفيان عن جابر، قد دلسه الأعمش فأسقط عمرو بن الحصين.
ما الذي عَّرف أبا حاتم أنه من حديث عمرو بن الحصين؟! لأن أحاديث عمرو بن الحصين لها مذاق خاص عند أبي حاتم الرازي.
وهذا يحصل بالدربة، ولممارسة، وبكثرة النظر.
(وطول زمان) إشارة إلى أن العلم لا يذلل لصاحبه إلا بطول الزمان.
وكم من مسائل كنت أتشبث بها وأظنها هي عين الصواب، فتبين لي فيما بعد أنها عين الخطأ.
стр. 1492
صور من تأديب العلماء لطلابهم
فـ الأعمش -سليمان بن مهران- ﵀، كان يقول: (لو كنت بقالاً لاستقذرتموني)، وهو أشهر من أذل علماء الحديث، كان كلما يأتي إليه طالب ويقول له: حدثني حديثاً، يأبى عليه.
وفي ذات مرة خرج في جنازة، فعلم أحد طلاب الحديث بخروجه، فتبعه وأخذ بيده وقال له: أصحبك يا أبا محمد! وهم يمشون في الجنازة، فأخذ الطالب ينحرف به عن الطريق حتى وصل به إلى مكان خالٍ من الناس.
فقال: يا أبا محمد! أتدري أين أنت؟ قال له: لا.
قال: أنت في جبانة كذا وكذا، ووالله لا أردك إلى البلد حتى تملأ ألواحي حديثاً.
فحدثه حتى ملأ الواحة، وعاد به إلى البلد، وفي الطريق أعطى هذا الطالب الألواح لزميل له، ومضى مع الشيخ ليرده إلى البلد، فلما سمع الأعمش الأصوات عرف أنه في البلد، فأمسك الطالب وجعل يصرخ: أخذ مني الألواح، فقال له الطالب: لقد أعطيتها فلاناً، فقال الأعمش: كل ما حدثتك كذب، فقال: أنت أعلم بالله من أن تكذب.
فإذا أتى طالب العلم إلى حلقة العلم وهو رافع أنفه لأنه فلان ابن فلان؛ فإنه لا يصلح لطلب العلم، ولأجل ذلك كان الشيخ يقسو عليه ويكسر داعي الكبر فيه.
ولله در مجاهد بن جبر حين قال: (لا يتعلم اثنان: مستحٍ ومتكبر)، فالمستحي يحمله الحياء أن يظهر بمظهر طلاب العلم، والمستكبر: يرى أن هذا العمل لا يناسبه، فهو ابن فلان أو ابن علان، ولذلك لا يتعلم إلا من كُسر فيه داعي الكبر.
وجاء رجل إلى الأعمش، فقال: يا أبا محمد! حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ الأعمش بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال: هذا إسناده.
وجاء رجل من الغرباء إلى حلقة الأعمش، وكان الأعمش لا يحب أن يجلس أمامه أحد، فجاء والمجلس ممتلئ ولا يوجد مكان إلا بجانب الأعمش، فقعد بجانبه، فكان الأعمش يقول: حدثنا فلان، ويبصق عليه، فصبر الطالب على هذا البصاق حتى انتهى المجلس.
ومما يروى في شدة الأعمش مع تلاميذه: أنه عندما أكثروا عليه، وكل يوم يأتون إلى منزله، اشترى كلباً، وكان الكلب عندما يسمع أقدام المحدثين يلحق بهم، فيهربون، وفي ذات مرة كان هناك ثلاثة تلاميذ وهم: أبو إسحاق السبيعي، وشعبة، وسفيان الثوري، فذهبوا إلى بيت الأعمش، وكانوا كلما أتوا إليه خرج عليهم الكلب، فيفرون ويرجعون مرة أخرى، فذات يوم اقتربوا من البيت بحذر خشية أن يخرج عليهم الكلب، وكانوا كلما اقتربوا لا يسمعون حسيساً للكلب، حتى وصلوا الدار ولم يخرج الكلب، فدخلوا على الأعمش، فلما أحس بهم بكى، فقالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟!! قال: لقد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أي: الكلب.
وهل كان الأعمش شحيحاً بحديثه؟ لا.
بل كان الأعمش من أكثر الناس حديثاً، وحديثه منتشر ومبثوث في الكتب.
لكن لم هذه الشدة؟ لتأديب طلبة العلم، وقد ورث عنه هذه الشدة تلميذه: أبو بكر بن عياش، فقد كان شديداً، فجاءه تلاميذه يوماً فقالوا: يا أبا بكر! حدثنا بحديث، فقال: ولا بنصف حديث، فقالوا له: رضينا منك بنصف حديث، فقال: اختاروا السند أو المتن؟ والسند: هو سلسلة الرجال، وسمي سنداً لأن كل راوٍ يسند ما سمعه إلى شيخه، وهذا يسنده إلى شيخه وهكذا، فقيل: مسند، أو قيل: سند، والمتن: هو الكلام نفسه، فقال لهم: اختاروا السند أو المتن؟ فقالوا: يا أبا بكر! أنت عندنا إسناد، فأعطنا المتن، فقال: (كان إبراهيم يدحرج الدلو).
فقال الخطيب البغدادي: انظر إليه! شح عنهم بما ينفعهم.
ومع ذلك كانوا يتهافتون عليه.
والإمام يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل (أكبر موسوعة للرواة) أتى إليه رجل مستعجل، وقال له: حدثني بحديث أذكرك به.
فقال له: (اذكرني إذ طلبت مني فلم أفعل).
أي: إذا كنت تريد أي شيء للذكرى، فاذكر رفضي تحديثك، وأبى أن يحدثه.
وعلماء الحديث كانوا يفعلون هذا تأديباً لطالب العلم.
وهذا أبو يوسف كان معه حلقة تضم بعض طلبة العلم، وذلك في حياة أبي حنيفة، فبعث أبو حنيفة أحد تلامذته وأمره أن يسأل أبا يوسف بها، فحضر حلقته وبدأ يسأل، فسأل السؤال الأول فأجاب أبو يوسف، فقال السائل: أخطأت، وكذا في السؤال الثاني والثالث.
فقال أبو يوسف: والله ليس هذا من قولك، هذا من قول أبي حنيفة، ومعنى ذلك أنه وصلت أبا يوسف الرسالة التي أرسلها أبو حنيفة، فكأنه قال له: لست شيخاً، ولا تصلح أن تكون شيخاً الآن، فرجع أبو يوسف فلزم مجلس أبي حنيفة إلى أن مات.
وكذلك ما يروى عن الإمام الشافعي أنه عندما ذهب يتعلم ويأخذ العلم عن محمد بن الحسن الشيباني -والإمام الشافعي أرفع قدراً في العلم وأتبع للآثار من محمد بن الحسن، مع جلالة الكل رحمة الله عليهم- فذهب الشافعي إلى محمد بن الحسن الشيباني وجلس في مجلسه كالتلميذ، وكان لا يعجبه بعض ما يفتي به محمد بن الحسن، فكان لا يواجه محمد بن الحسن في المجلس، ويقول له: أنت أخطأت، لكن كان الشافعي بعدما يقوم محمد بن الحسن من المجلس يقوم ويناظر بعض طلابه فيظفر عليهم، ولا يستطيعون الإجابة، فلما أكثر الشافعي عليهم شكوه إلى محمد بن الحسن، وقالوا له: عندما تقوم من هنا يأتي والشافعي فيلزمنا بإلزامات لا نستطيع أن نرد عليه، فلما جاء محمد بن الحسن وجلس في المجلس قال للشافعي: بلغني أنك تجادل أصحابي وتناظرهم، فهلا ناظرتني، فقال له الشافعي: إني أجلك عن المناظرة.
أي: لأنك شيخي، وأنت أرفع من أن يناظرك مثلي.
فقال له محمد بن الحسن: لابد أن تناظر.
فناظره الشافعي فظفر عليه، فرجع محمد بن الحسن إلى كثير من أقوال الشافعي، رحمة الله عليهم أجمعين.
وقد استعمل الشافعي هذا الأدب وهو عند مالك، فقال: (كنت أقرأ الموطأ على مالك فأصفح الورق صفحاً رقيقاً لئلا يسمعه مالك).
وهذا الأدب ورثه تلاميذ الشافعي، فهذا الربيع بن سليمان المرادي راوي كتب الشافعي، يقول: والله ما جرئت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ.
وأنا والله لقد انتفعت بهذا غاية النفع، عندما رحلت إلى الشيخ الألباني ﵀ سنة (١٤٠٦هـ) ووجدت أن الأدب هو الذي يجعل للتلميذ منزلة في قلب الشيخ.
وكان الزهري الإمام العالم محمد بن مسلم يقول: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً حينما كان يماري ابن عباس)، وذلك أن أبا سلمة كان كلما أتى ابن عباس يدخل معه في جدال، وكان ابن عباس يحجب عنه علمه ولا يفيده.
وأبو سلمة كان إذا علم علماً ظهر به.
وقد سمعته عائشة ﵂ يحدث بحديث: (الماء من الماء)، وهذا كان في أول الإسلام.
(الماء الأول) هو الغسل -ماء الاغتسال- و (الماء الثاني) ماء المني.
والمعنى: أ، الرجل إذا أمنى اغتسل، فقد كان هذا الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ، فصار الاغتسال بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، كما قال ﵊: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وعند مسلم: (وإن لم ينزل)، على خلاف بين العلماء، فعندما سمع أبو سلمة حديث: (الماء من الماء) من بعض الصحابة؛ كان دائماً يردده، وفي ذات مرة كانت عائشة تسمعه، فقالت: (يا أبا سلمة! أتدري ما مثلك؟ إن مثلك كمثل الفرّوج يسمع الديك يصيح فيصيح) أي: لست بعالم، فهي تريد أن تقول: أنت لم تتحقق مما تقول، إنما سمعت رجلاً يصيح فصحت، إني سمعت النبي ﷺ يقول: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) أي: لقد قلت قولاً لم تتحققه.
وأبو سلمة هذا بخلاف ابن جريج، فقد قال ابن جريج: (لقد استخرجت علم عطاء بالرفق).
فقد لازمه عشرين سنة، فأخذ عنه كل علمه بالرفق.
وابن حبان -صاحب الصحيح- تلميذ ابن خزيمة -صاحب الصحيح أيضاً- كان يرحل بعد ابن خزيمة في كل سفر، ويكتب عنه كل شيء، وذات مرة كان ابن حبان يسأله حتى تضجر منه ابن خزيمة، فقال له: تنح عني، فقام ابن حبان وأمسك القلم وكتب: تنح عني.
وقال: لا أدع كلمةً للشيخ إلا كتبتها، فقد أستفيد منها يوماً ما.
وأنا عندما ذهبت إلى الشيخ الألباني كنت آتيه فيتعذر بضيق وقته، فقلت له: أعطني خمس دقائق، لأنني ما رحلت إليه إلا لكي أسمع منه.
فقلت في نفسي: إذا كنت خرجت من بلدي لطلب العلم فسيصلح الله أمري، وإذا كنت خرجت رياءً فجزاءً وفاقاً لي سأرجع خائباً، فجئنا في فجر اليوم التالي، فقال لي: سأعطيك عشر دقائق كل يوم، ومنَّ الله عليَّ، حتى أصبحت هذه العشر الدقائق ساعة، فكنا يوم نخرج معه بالسيارة، ونسأله أسئلة وهو يجيب عنها.
стр. 1493
طلب العلم على أيدي المشايخ
قال: (وتلقين أستاذ) أي: الأخذ على المشايخ، وعدم الأخذ من الكتب، وكانوا يقولون: لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي.
لأنك عندما تأخذ العلم من الصحف أو من الكتب فقد يخطئ الناسخ في نقطة واحدة فيتغير معنى الكلام، وعلماء الحديث لهم كتب في ذلك حصدوا بها الكتب المصحفة، مثل كتب التصحيف والغلط في الكتاب.
فإن: القرآن الكريم الذي نقلته الأجيال عن الأجيال، بأعلى درجات التواتر، نجد من يخطئ في قراءته.
ولنذكر لذلك بعض الأمثلة: كان هناك رجل في الكلية يسمعني وأنا أتكلم وأقول: لا يوجد حفظة، وهناك أناس لا يستطيعون قراءة القرآن فظن أنني أبالغ، فقال: إن كل الناس يقرءون القرآن، فقلت له: اقرأ، فقام وأخذ المصحف، وفتح على سورة هود، فقرأ قوله تعالى: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ [هود:٤٨]، فقال: (بسلَّم)، مع أن هذا هو رسم المصحف، لكنه ظنها (بسلَّ) وهي (بسلام)! وهناك إمام قام يؤم الناس فقرأ سورة التكاثر فقال: (إلهكم التكاثر)، -أي: ربكم- فقالوا له: إنما هي (ألهكم)! وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ في أخبار الحمقاء والمغفلين: أن رجلاً عالماً دخل قرية من القرى، فاستضافه إمام هذه القرية وقال له: عندي بعض إشكالات في القرآن أريد أن أستشيرك فيها -وهو إمام الجماعة- فقال له العالم: تحدث، فقال: قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك ستين أم تسعين؟) وكانوا في الزمان الأول لا يعجمون الحروف -أي: لا يضعون عليها النقاط- فقد استحدثت هذه النقاط فيما بعد، فكانوا يكتبون بلا إعجام، فكلمة (نستعين) لو أهملت فقد تقرأ (تسعين)، فقال الإمام للعالم: وإياك تسعين أم ستين؟ ثم قال: وعلى أي حال فأنا أقرؤها (تسعين) أخذاً بالاحتياط!! فهذا يحصل في كتاب الله ، فكيف بكتب الحديث؟! ومن طريف ما يذكر في سبب تسمية الإمام حمزة بن حبيب (بـ الزيات) -وهو أحد القراء السبعة - قالوا: إن هذا اللقب التصق به لأنه كان يقرأ في أول سورة البقرة فقرأ: (الم، ذلك الكتاب لا زيت فيه) فقال له أبوه: قم واطلب العلم على أيدي الشيوخ، فسمي منذ ذلك بـ الزيات من أجل قراءته: (لا زيت فيه).
وآخر من طلبة الحديث قرأ قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] فقال: (فضرب بينهم بسنور له ناب).
فإذا كان التصحيف وقع في القرآن الكريم مع جلالته وعظمته وكثرة الحافظين له، فما بالك بكتب الحديث الذي لا يكاد يضبطها إلا أفذاذ أفراد بعد أفراد، فعلماء الحديث قد استحدثوا ضوابط في ضبط الكلام.
مثلاً: عن ابن عباس يروي راويان، واحد كنيته أبو (حمزة) والثاني كنيته أبو (جمرة).
فكانوا يكتبون فوق أبي حمزة: (حور عين)، حتى تعرف أنها حاء وليست جيماً، وعلماء الحديث ابتكروا أساليب لحفظ الكتب لم تتفتق أذهان البشرية عنها.
وفي ذات مرة بعث أمير المؤمنين إلى أحد الولاة فقال له: إن المخنثين أفسدوا البلد فأحصهم أي: عدهم، وأجر عليهم التعزير.
وقال للكاتب: اكتب إليه: أحصِ من عندك من المخنثين، فوضع الكاتب نقطة فوقها فصارت (اخصِ من عندك من المخنثين) فدعاهم الوالي فخصاهم، وهذا كله بسبب نقطة واحدة.
وفي أيامنا هذه تعسرت القراءة الصحيحة لعدم وجود الضابطين المدققين، فتجد طالب العلم بعد ضياع المدققين يقرأ في الكتب، ويخطئ في فهم كثير من الأشياء.
فكان لابد من الدراسة على أيدي المشايخ، فقد أصبحت ضرورة أكثر من أي عهدٍ مضى؛ لأن الطالب لا يميز الصحيح من التصحيف.
стр. 1494
فوائد الأخذ عن المشايخ
والأخذ عن الشيوخ له ثلاثة فوائد: يقصر لك العمر، ويسدد لك الفهم، ويرزقك الأدب.
الفائدة الأولى: يقصر لك العمر: فإنك تأتي على مسألةٍ ما فتسأله فيها؛ كالقراءة خلف الإمام -مثلاً- فيلخص لك هذا المبحث الذي وصل البحث فيه إلى مجلد أو مجلدين في بضع كلمات.
ولو جلست تبحث في هذا الموضوع لمكثت عدة أشهر، لكن الشيخ يختصر لك الزمان.
الفائدة الثانية: يسدد لك الفهم: كمسالة النزول بعد الركوع: هل يبدأ بالركبتين أم باليدين؟ فقد تناقشت أنا وأحد الإخوة فيها، فكان يقول: يبدأ بالركبتين، وأنا أقول: باليدين، وكان ممن قال بذلك: الإمام الحاكم النيسابوري.
فقلت لصحابي: من قال بقولك؟ فذكر عدداً من العلماء حتى ذكر الحاكم، فقلت له: وأنا أقول بقول الحاكم، والحاكم يرى صحة أحاديث النزول باليدين، فقال لي: إن الحاكم قال: (إن أحاديث النزول باليدين مقلوبة)، والحديث المقلوب مثاله أن يروي الراوي حديث: (ورجل تصدق بيمينه حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) هكذا: (ورجل تصدق بشماله حتى لا تعلم يمينه ما أنفقت شماله)، فيقلب الحديث، ويسمى هذا الحديث مقلوباً.
فقلت له: أين ذكر الحاكم هذا الكلام؟ قال: في المستدرك.
فقلت: هات المستدرك.
فاتضح أن الحاكم بعدما روى أحاديث النزول بالدين، قال: وفي هذا آثارٌ عن الصحابة والتابعين، والقلب إليه أميل.
ففهم أن قول الحاكم:) والقلب إليه أميل) أي أنه مقلوب.
فقلت له: هذا قلب الحاكم أي: نفسه، فـ الحاكم يقول: وقلبي يميل إلى ما أثر عن الصحابة والتابعين.
وهذا مثال على أن الطالب عندما يقرأ لوحده في الكتب يخطئ في فهم كثير من المسائل.
وأذكر مثالاً آخر: رجل صنف رسالة، وهو ممن يذهب مذهب الخوارج، فقال حديث:: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) هذا الحديث إنما هو في أهل الصلاة والزكاة.
وأهل الكبائر: أي: أهل كبائر الأعمال، فقوله ﵎: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] قال: (وإنها لكبيرة) يعني: شفاعته لأهل الكبائر.
مع أن العلماء يقولون: إن هذا الحديث في أهل كبائر الذنوب.
فهذا ما تبنى هذا الرأي إلا لأنه لم يقرأ إلا من الكتب؛ فكان لابد من الأخذ عن المشايخ.
- الفائدة الثالثة: الأدب: ومن أهم ما يزرقه طالب العلم من أخذه عن المشايخ: الأدب.
وعلماء الحديث كانوا يقسون على تلاميذتهم ليؤدبوهم وليكسروا الغرور فيهم.
стр. 1495
الغربة في طلب العلم
قال: والغربة على نوعين، وولا ينبل طالب العلم إلا إذا حقق النوعين معاً: النوع الأول: أن يكون غريباً في وسط الناس، له اهتمامات غير اهتمامات الخلق هم يبحثون عن الضياع وعن المتع وعن الدنيا، وهو يباينهم تماماً، كما في الأبيات التي تنسب للشافعي: سهري لتنقيح العلوم ألذ لي من وصل غانية وطيب عناق وألذ من نقر الفتاة لدفها نقري لألقي الرمل عن أوراقي يا من يحاول بالمنايا رتبتي كم بين مستقل وأخرواقي أبيت سهران الدجى وتبيته نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي والإمام الخطابي ﵀ له بيتان من الشعر فيهما يتوجع فيهما ويذكر هذا النوع من الغربة فيقول: وما غُرْبَةُ الإنسان في شقة النَّوَى ولكنَّهَا والله في عَدَمِ الشكْلِ وإنى غريبٌ بين بُسْت وأهلها وإن كان فيها أُسْرَتِي وبها أهْلي يقول: ليست الغربة أن تغترب عن بلدك، لكنها في عدم الشكل: أي: ألا يكون لك شكل.
أنت من أهل السنة وكل الموجودين مبتدعة أنت غريب أنت طالب علم نافع وكل الذين حولك من أرباب الدنيا فأنت غريب، لا يوجد لك شكل، ولا يوجد مثلك.
و (بست) وهي اسم المدينة التي كان منها أبو سليمان.
هذا هو النوع الأول من الغربة.
النوع الثاني: وهو أنبل وأعظم، وهو الذي يسميه العلماء: الرحلة في طلب العلم، أن يغترب المرء عن بلده وأولاده لطلب العلم، وعلماء الحديث أعظم الناس منة على هذه الأمة بهذه الرحلة، فأكثر الناس رحلة هم علماء الحديث، فكم من ليالٍ افترشوا فيها الغبراء والتحفوا السماء! وفارقوا الأهل والأوطان والديار في سبيل تحرير لفظة واحدة أنت لا تقيم لها الآن وزناً!!
стр. 1496
نماذج من رحلة أصحاب الحديث
ذكر ابن حبان في مقدمة كتاب المجروحين من طريق أبي الحارث الوراق، وهو متروك، لكن القصة وردت من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة، وذكرها كذلك الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية، وكذلك أبو موسى المديني.
يقول أبو الحارث الوراق: جلسنا بباب شعبة نتذاكر السنة، فقلت: حدثنا إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر الجهني: أن النبي ﷺ قال: (من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية)، فعندما انتهى من الحديث كان شعبة خارجاً من الدار، فلطمه، وكان مع شعبة عبد الله بن إدريس، فقعد أبو الحارث الوراق نصر بن حماد يبكي، فقال: عبد الله بن إدريس: إنك لطمت الرجل، فقال: إنه مجنون، إنه لا يدري ما يحدث.
لقد سألت أبا إسحاق عن هذا الحديث -وسرد شعبة قصته مع هذا الحديث، وكان شعبة يحفظ ألوفاً مؤلفة من الأحاديث، فلو كانت عشرة آلاف فقط لعلمت مدى ما بذله شعبة في طلب الحديث وفي تصحيحه - قال: سألت أبا إسحاق السبيعي عن هذا الحديث، فقلت له: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ وشعبة سأل أبا إسحاق هذا السؤال لأن أبا إسحاق كان يدلس تدليس الإسناد، فخشي أن يكون أبو إسحاق قد دلس فيه.
والتدليس معناه: عمل شيء بالخفاء، ويعرفه العلماء فيقولون: هو أن يروي الراوي عن شيخه الذي سمع منه ما لم يسمع منه، مثلاً: أنا في عصر الإمام أحمد وأقول: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أنس، فأنت عندما تريد أن تحدث بهذا الحديث فتقول: حدثنا فلان، قال حدثنا سفيان عن الزهري عن أنس.
فإذا حصل لك شيء وسافرت، وحدثت بعشرة أحاديث في حال غيابك، وعندما عدت من سفرك أخبرك بها بعض إخوانك ممن حضر المجلس، فإذا حدثت بهذه الأحاديث العشرة عني مباشرة فستكون قد دخلت الدائرة الحمراء، فإما أن تكون كذاباً أو تكون مدلساً، فيجب عليك إذا أردت أن تحدث بهذه الأحاديث العشرة أن تقول: حدثنا فلان -أي زميلك- عن فلان -أي أنا- عن ابن عيينة عن الزهري عن أنس وبهذا تكون قد نزلت درجة في السند، والعلو هو أن تقلل عدد الوسائط بينك وبين النبي ﷺ .
وهذا يسمى: تدليس الإسناد وهو أكثر أنواع التدليس دوراناً في الأسانيد، والذي يدلس يحدث بلفظ (عن)؛ لأن (عن) لفظة تحتمل السماع وعدمه، وهذا معنى قول المحدثين: (وقد عنعنه) أي: رواه بلفظ (عن).
المهم: أن أبا إسحاق السبيعي كان ممن يدلس تدليس الإسناد، وشعبة كان يكره التدليس جداً، وكان يقول: التدليس أخو الكذب.
وكان يقول: لأن أشرب من بول حمار حتى أروي ظمئي أحب إلي من أن أدلس.
وكان يقول: لأن أزني أحب إلي من أدلس.
فلما سأل شعبة أبا إسحاق السبيعي وقال له: هل سمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ غضب أبو إسحاق وأبى أن يجيب، وكان يجلس مع أبي إسحاق السبيعي مسعر بن كدام، وهو أحد الأئمة الثقات الكبار الحفاظ، وكان أبو حاتم الرازي يقول عنه: مسعر المصحف، أي: أنه يحفظ الحديث كما يحفظ المصحف.
فقال مسعر: يا شعبة! إن عبد الله بن عطاء حيٌ بمكة.
وهم حينئذ في البصرة، قال شعبة: فخرجت من سنتي إلى الحج ما أريد إلا الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء فسألته: هل سمعت حديث الوضوء من عقبة بن عامر؟ فقال: لا.
إنما حدثنيه سعد بن إبراهيم.
وهو مدني، فلقيت مالكاً في الحج، فقلت له: حج سعد بن إبراهيم؟ قال: ما حج العام، قال: فقضيت نسكي وتحللت وتحركت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
ولكن حدثني زياد بن مخراق، من البصرة، فانحدرت إلى زياد وأنا كثير الشعر وسخ الثياب، فقلت: حديث الوضوء أسمعته من عقبة بن عامر؟ قال: ليس من حاجتك، فقلت: لابد، فقال: لا أحدثك حتى تذهب إلى الحمام فتغتسل وتغسل ثيابك وتأتيني، قال: فذهبت إلى الحمام فغسلت ثيابي وأتيت، فقلت له: حديث الوضوء سمعته من عقبة بن عامر؟ قال: لا.
حدثني شهر بن حوشب، فقلت له: شهر عمن؟ قال: عن أبي ريحانة عن عقبة بن عامر.
هذا هو التدليس! فقد أصبح بين أبي إسحاق السبيعي وبين عقبة بن عامر أربعة رجال، فقال شعبة: حديثٌ صعد ثم نزل لا أصل له، والله لو صح هذا الحديث لكان أحب إليّ من أهلي ومالي.
لله در علماء الحديث والجرح والتعديل! ولا أستطيع أن أجد عبارة توفي حق علماء الحديث.
كان الإمام أبو زكريا يحيى بن معين يحدث يوماً، وعندما وصل في سند الحديث إلى الأعمش رأى أحد تلاميذه أخذ غفوة، فتابع ابن معين الحديث وأملى عشرة أحاديث، حتى وصل إلى الحديث العاشر وفي سنده ذكر الأعمش، فاستيقظ ذلك التلميذ وظن أنه لم يفته شيء من الحديث، فتابع كتابته من الأعمش، فاختلط عليه حديث في حديث آخر، وفاتته عشرة أحاديث، فعندما جاء هذا التلميذ يحدث قال له ابن معين: كذبت.
هذا الحديث ليس هذا سنده؛ لأنك كنت نائماً، وإذا لم تكن مصدقاً لما أقول فانظر إلى أصحابك فليس عندهم هذا الحديث عن الأعمش.
ومما يروى في ذلك: أن أبا نعيم الفضل بن دكين -وهو من الأئمة الحفاظ- كان من طريقته إذا جلس للتحديث: أن يقعد على كرسي يدور، وكان يجلس الإمام أحمد بن حنبل عن يمينه ويجلس يحيى بن معين عن يساره، فدفع يحيى بن معين مرة الفضول وقال: أريد أن أختبر الفضل هل هو حافظ ثبت أم لا؟ فقام يحيى بن معين فأتي بورقة وكتب فيها خمسين حديثاً، أربعون حديثاً من أحاديث الفضل وعشرة أحاديث ليست من أحاديثه.
فإذا قرأ: الفضل ﵀ هذه الأحاديث ولم يميز بين حديثه وحديث غيره، فدرجة الحافظ لا تنطبق عليه، أي: فهو (سيئ الحفظ).
فعرض يحيى بن معين الفكرة هذه على أحمد بن حنبل، فقال له أحمد: لا تفعل، فإن الرجل ضابط حافظ، فقال له: لا بد أن أعملها، وأخذ يحيى بن معين الورقة وأعطاها لأحد العلماء واسمه أحمد بن منصور الرمادي، وكان أحمد بن منصور يجلس مع الطلبة، فلما خف المجلس قليلاً قام أحمد بن منصور الرمادي وأعطى الورقة للفضل، فنظر فيها الفضل وجعلت عيناه تدوران، ثم قال لـ أحمد بن منصور الرمادي بعد أن أعطاه الورقة، (أما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل هذا؛ وليس هذا إلا من عمل هذا)، قال: ثم أخرج رجله ورفس يحيى بن معين فألقاه على الأرض، وقال: تعمل هذا عليَّ؟ قال: فقام يحيى وقبل جبينه، وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، ووالله لرفستك أحب إليَّ من رحلتي.
أي: لو لم يخرج من هذه الرحلة إلا بهذه الرفسة لكان قد حصّل شيئاً كثيراً.
وشعبة بن الحجاج كان أشد رجل يعادي المدلسين، وكان يقول: (لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس).
وهذا الكلام خرج مخرج الزجر والتنفير، لأنه لو عرض عليه الزنا والتدليس فلن يزني.
وقول الله : ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:٤٠]، مع قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] وأنت عندما تقول لابنك محذراً: العب، أنت حر! فهل معنى هذا أنك أبحت له اللعب؟ لا.
والرسول ﵊ لما جاء إليه النعمان بن بشير وأراد أن يخص أحد أولاده بعطية، فقال له الرسول ﵊: (أشهد على هذا غيري)، فلو ذهب إلى أبي بكر فهل ستنفعه تلك الشهادة؟ لا.
إذاً هذا خرج مخرج الزجر.
فهو يقول: (لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس).
فـ شعبة يعلم أن أبا إسحاق يدلس، فقال له: أسمعت هذا الحديث من عبد الله بن عطاء؟ فغضب أبو إسحاق.
ومن غضبه تعرف أنه دلس، فقد أسقط أربعة من السند وكان يجالس أبا إسحاق السبيعي.
مسعر بن كدام فقال: (يا شعبة! عبد الله بن عطاء حي بمكة.
أي: إذا أردت التأكد فارحل إليه.
قال شعبة: فخرجت من بلدي إلى الحج لا أريد إلا الحديث.
خرج شعبة إلى الحج يريد أن يلقى عبد الله بن عطاء من أجل أن يسأله، هل سمع الحديث من عقبة بن عامر أم لا؟ قال شعبة: فدخلت على عبد الله بن عطاء في مكة فإذا هو رجلٌ شاب، وقلت له: حديث الوضوء هل سمعته من عقبة
стр. 1497
الافتقار والتواضع
قال:) وافتقار) الافتقار إذا أخطأه طالب العلم لم ينتفع بعلمه، والافتقار: هو التواضع وخفض الجناح للأقران فضلاً عن العلماء، فالعلم يهدي إلى التواضع، وكلما تبحر الإنسان في العلم؛ كلما أدرك فداحة ما كان فيه قبل ذلك من الجهل، لما يرى رجوع العلماء عن مسائل أبرموها، ويعتقد أنه ليس أفضل منهم، بل لقد كانوا أذكى منه، وكان لهم مئات المسائل، وربما لم يكن له إلا شيخ واحد أو أكثر، لكنه لا يصل إلى عشر معشار هؤلاء، ومع ذلك أخطئوا في مسائل، فيرحم نفسه ويرحم الآخرين.
وقد قرأت لبعض الذين صنفوا رسائل وطاولوا فيها جبال الحفظ والفقه بجهل عظيم، فلو كانت هيئة كبار العلماء لها قوة؛ لما انتشر كل هذا الفساد، وخير دليل على ذلك: نقابة الأطباء عندما أعلن وهو دكتور أحمد وهو دكتور الجهاز الهضمي، وهو رجل مشهود له بالكفاءة في جراحة الجهاز الهضمي على مستوى العالم -أعلن أنه اكتشف علاجاً للإيدز وبدأ يجربه على بعض المرضى؛ قامت الدنيا ولم تقعد كيف تجربه قبل أن يدخل المجالس الطبية العالمية، ويصرح لك به، أأرواح الناس لعبة؟! ومع نباهة الرجل ومع جلالة منصبه في الطب أوقفوه عن ممارسة المهنة.
وهؤلاء الذين يلعبون بالدين بهذه الرسائل التي يؤلفونها، وينقضون ديننا عروة عروة باسم المنهجية العلمية والحياد العلمي، ولا أحد يقول لهم: لماذا تكتبون هذا؟ لا حساب؛ لأن الهيئة في غاية الضعف، لا تملك لساناً ولا يداً، فهناك من كتبوا باسم المنهجية العلمية ويردون على كبار العلماء وكبار الحفاظ ويتهمونهم بالجهل، وهذا كله من باب الكبر وعدم الاعتراف بالجميل والله الذي لا إله غيره، لو وُجد واحد من هؤلاء الذين يكتبون الآن في الزمن الأول لما صلح أحدهم أن يصب الماء على الشيخ ليتوضأ، فضلاً عن أن يؤصل في مسألة علمية! لقد لبسوا لبوس العلماء فضللوا العوام الذين لا يفرقون بين العالم وبين شبيه العالم! وهناك قصة طريفة في مسألة الخلط بسبب اللباس، ذكرها أهل الأدب، ومنهم: أبو الفرج الأصفهاني في ترجمة أحد الشعراء الصعاليك في الجاهلية وهو ثابت بن جابر، وله لقب مشهور به: تأبط شراً، قيل: أنه وجد الغول في الصحراء مثل الخروف، فوضعه تحت إبطه ودخل على أهله، فلما رأوه وعرفوا أنه الغول، قالوا: يا ثابت تأبطت شراً، فألقى به، فلقب تأبط شراً، وهو أحد أشهر ثلاثة شعراء صعاليك، وهم ثلاثة شعراء: ثابت بن جابر، والشنفرى، صاحب اللامية الرائقة التي منها هذا البيت الجميل: وفي الأرضِ منأىً للكريمِ عن الأذى وفيها لمن خاف القِلَى متحول والشاعر الثالث: عروة بن الورد هؤلاء هم أشهر الشعراء الصعاليك.
فـ ثابت بن جابر - تأبط شراً - قابله ثقفي أحمق، فقال له: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت ذميم وضئيل؟ فقال: أذكر لعدوي أنني تأبط شراً فينخلع قلبه، فآخذ منه أريد، قال: أبهذا فقط؟ قال له: فقط.
فقال له: هل تبيعني اسمك؟ قال: بم؟ قال: بهذه الحُلة الجيدة -وكانت لديه حلة جديدة- وبكنيتي -وكان يكنى بأبي وهب فقال له: موافق، فقال الثقفي: لك حلتي ولك كنيتي، فقال له: وأنت تأبط شراً، فذهب الرجل مسروراً، فكتب تأبط شراً ثلاثة أبيات وبعثها لامرأة الثقفي الأحمق؛ قال فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه تسم اسمي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس كبأسي وسورتي وأين له في كل فادحة قلبي أخذ اسمي لكن هل أخذ جراءة قلبي؟ هل أخذ بأسي وصبري وجلدي على الأحداث؟ لم يأخذ هذا كله، إنما أخذ الاسم فقط.
فطالب العلم إذا دخل العلم بلا افتقار لم ينتفع، فلا بد أن يفتقر ويخفض الجناح لأقرانه، ويعلم أن الله لم يختصه بالفضل، وأن هناك من هم أذكى منه وأقدر منه، وأكثر قبولاً عند الناس منه.
ومسألة القبول هي من الله ، فإذا رضي الله عن العبد جعل له قبولاً عند الخلق، فإذا مضى بهذا التواضع انتفع كثيراً بعلمه، وانتفع به، إنما إذا اعتقد أنه هو العالم المحقق المحرر، فإنه لا يكاد ينتفع، ولا يجعل الله له لسان الصدق الذي يبحث عنه كل طالب علم.
стр. 1498
الاهتمام بتدريس كتب الأدلة
إذاً فهذا الحديث عندما ندرسه نأخذ منه فقهاً، ونأخذ منه علماً وأدباً، ولذلك ننصح الذين يتصدون لتدريس الفقه بتدريس كتب الأدلة، فإذا رأى الشيخ أن من المصلحة تدريس متن فقهي، ساغ له ذلك بشرط أن يرسخ تعظيم الدليل عند الطلاب، وأنهم إذا ظهرت لهم الحجة فلا يقدمون عليها قول أحد كائناً من كان، وليكن هذا في حدود الأدب، فمثلاً: أحد الإخوة أعطاني رقعة لا أدري هل هي حاشية على كتاب ما أم ماذا؟ يقول المحشِّي: قال الحافظ في التقريب في ترجمة سعيد بن منصور: (وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به)، فعلق المحشي قائلاً: (وهذا خطأ شديد كثيراً ما يقع فيه الحافظ ابن حجر).
! أما (كثيراً ما يقع فيه) فليس هذا أدباً مع الحافظ، لكنه يقع في بعضه، وهذا لا يكاد يسلم منه الإنسان، فلو جمع عشرون خطأً للحافظ ابن حجر لما كانت كثيرة.
فالشيخ إذا رأى تدريس متن فقهي ساغ له ذلك، ولكن بشرط أن يرسخ تعظيم الدليل عند التلاميذ، وأن يعلمهم أن يتعصبوا للنبي ﷺ أشد من تعصبهم لأي إمام؛ لأن الأئمة الكبار أرشدونا إلى ذلك، وعباراتهم في تبرئة أنفسهم أحياءً وأمواتاً موجودة في الكتب، وهذا المعنى قد نظمه أحد العلماء المتأخرين نظماً رائعاً جداً، فقال في أرجوزة له طويلة -وسأذكر وجه الشاهد منها في أن العلماء رسخوا عند تلاميذهم تعظيم كلام الرسول ﵊؛ لأنه أولى أن يُتعصب له من قول الإمام- فقال ﵀: وقول أعلام الهدى لا يعمل بقولنا بدون نص يقبل فيه دليل الأخذ بالحديث وذاك في القديم والحديث قال أبو حنيفة الإمام لا ينبغي لمن له إسلام أخذٌ بأقوالي حتى تعرضا على الحديث والكتاب المرتضى ومالك إمام دار الهجرة قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتمو قولي مخالفاً لما رويتمو من الحديث فاضربوا الجدارا بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا ما قلته بل أصل ذاك فاطلبوا فانظر مقالة الهداة الأربعة واعمل بها فإن فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصب والمنصفون يكتفون بالنبي وبعد ذلك ذكر أبياتاً في التقليد، وذكر القصة الخرافية الموجودة في بعض كتب المتأخرين من الأحناف أن عيسى بن مريم حنفي المذهب، وهذه القصة الخرافية تقول: إن عيسى ﵇ عندما ينزل إلى الأرض وقد دُرس القرآن ودرست السنة، والناس سوف يسألونه أسئلة وهو يريد أن يجيبهم، لكنه لا يعرف شيئاً، فيقول: يا رب! أريد أن أجيب على أسئلة الناس، فيقول الله له: اذهب إلى نهر جيحون وستجد يداً مرفوعة من الأرض وبجوارها صندوق، فافتحه وستجد الفقه كله في ذلك الصندوق، فيقصد عيسى بن مريم نهر جيحون، فيجد يداً مرفوعة، وبجوارها صندوق، فيفتحه فيجد فقه أبي حنيفة، ويحمد الله أنه وصل إلى فقه أبي حنيفة، ويبدأ يقضي به بين الناس.
والعجيب أن الراجز صاحب هذه الأبيات التي ذكرت بعضها، هو حنفي المذهب، يقول: واعجب لما قالوا من التعصب أن المسيح حنفي المذهب وهذا كله من مسائل التقليد التي جاءت في القرون المتأخرة.
إذاً: نقول: إن الشيخ إذا درس متناً فقهياً، أو درس كتاباً من كتب الأدلة، لابد أن يرسخ تعظيم الدليل عند تلاميذه، وإذا رد على عالم أخطأ فلابد أن يتأدب مع هذا العالم؛ لأن هذا العالم أراد الحق فأخطأ، وهذا المنتقد له أيضاً أخطاء، فلو عاملناه بنفس المعاملة لخطأناه، والعلماء الكبار الفحول كان لهم من الذكاء والدربة والممارسة أضعاف أضعاف هذا المتأخر.
ولعلنا نذكر نبذاً يسيرة، وهذا الاستطراد الطويل أردت به أن أبين تعظيم الدليل؛ لأن تدريس الأدلة من أعظم مميزاته: أنه يرسخ ملكة الاستنباط، ويجعل الطالب يأخذ من الدليل الواحد عشرة أو خمسة عشر حكماً فقهياًَ، فإذا جاءت مسألة من مسائل النوازل استطاع الفقيه أن يستخرج هذه الأحكام؛ لأنه مدرب على الدليل، بخلاف الذي يحفظ متناً فقهياً فقط، فإنه لا توجد عنده هذه الملكة، فإن هذه الملكة لا تكون إلا لرجل اهتم بدراسة الأدلة، لكن في حدود ما ذكرت من الأدب والتماس العذر.
ولا أنصح طالب العلم المبتدئ بقراءة كتاب: (المحلى) لـ ابن حزم، فإنه من أضر الكتب على طالب العلم المبتدئ، مع ما فيه من الفوائد والمسائل الفقهية؛ لأنه كتاب يحتاج إلى شخص ينقي فكر ابن حزم، ويأخذ من ابن حزم قوة اتباعه للدليل ثم يعطيه لطالب العلم خالصاً من الشوائب.
стр. 1499
الحرص واستغلال الأوقات في الطلب
قال: (وحرص): الحرص هو الوقت، فهو رأس مال طالب العلم.
وبكل أسف تجد كثيراً من طلبة العلم يقضون الليالي الطويلة في المكتبة من بعد صلاة العشاء إلى أذان الفجر، ولو سألته: ماذا حصلت؟ لما استطاع أن يجيب عليك؛ لأنه يقرأ ورقتين في المحلى ثم يغلقه، وورقتين من كتاب المغني ويغلقه وهكذا؛ صحيح أنه يقرأ كل يوم، لكنه ما حصل شيئاً مذكوراً، وقد يقضي عشر ساعات أو خمس ساعات في نقاش عن مسألة واحدة.
فمثلاً: قبل خمس عشرة سنة كانت هناك مسألة مشهورة بين طلاب العلم، وكانت هذه المسألة تعتبر جواز المرور إلى العلم، فالذي لا يعرفها يعتبر جاهلاً، وهي مسألة نزول المصلي بعد القيام من الركوع إلى السجود، بماذا ينزل أولاً إلى الأرض بيديه أم بركبتيه؟ وقد دفعني ذلك إلى تضييع شهر كامل أبحث عن كلام العلماء، وعن التصحيح والتضعيف، حتى أخرجت رسالة في هذه المسألة.
فالوقت هو العمر، وانظر إلى العلماء الذين حصلوا كيف كانوا، فهذا ابن عقيل الحنبلي له كتاب يقع في ثمانمائة مجلد، وقد كان ابن عقيل رجلاً متزوجاً، ولديه أولاد، وهو يريد أن يوفر لهم لقمة العيش، وحاجياتهم وحاجيات زوجته، وكذلك كان يتصدر للإفتاء، ومع ذلك صنف كتباً كثيرة، وهذا الكتاب واحد منها، واسمه: كتاب الفنون.
وقد طبع منه مجلدان.
فكيف استطاع ابن عقيل أن يكتب كل هذه الكتب؟ يقول: إنني أقصر بجهدي أوقات أكلي، حتى أختار سفّ الكعك وتحسِّيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ فالرجل يراعي ويراقب الوقت الذي ما بين مضغ الخبز وسفَّ الكعك، يريد أن يستفيد من هذا الوقت لقد كان يضيع على نفسه متعة الطعام.
والخطيب البغدادي كان يمشي وهو يطالع جزءاً.
يقول: ابن أبي حاتم كنت أقرأ على أبي وهو جالس، وأقرأ عليه وهو قائم، وأقرأ عليه وهو يمشي، وأقرأ عليه وهو في الخلاء.
ويقول: دخلنا مصر فظللنا سبعة أشهر ما ذقنا فيها مرقاً، فذهبنا ثلة في نهارنا ندور على الشيوخ، فذهبنا إلى بيت بعض الشيوخ فقالوا: إنه مريض، فقلنا: فرصة لنأكل، فدخلنا السوق فاشترينا سمكة، فلما وصلنا إلى البيت حان موعد درس شيخ آخر، فتركناها، وانصرفنا، ومكثنا ندور على الشيوخ ثلاثة أيام حتى خشينا أن تفسد، فأكلناها نيئة!! لم يتفرغوا لشوائها.
стр. 1500
من صفات طالب العلم: ألا يبدأ بالمناظرات والجدل
إن طالب العلم النبيه لا يبدأ بالمناظرات في بداية حياته العلمية، فلا تناظر مناظرة مكابر مجادل، لكن ناظر مناظرة مستفيد.
قال أبو حاتم الرازي: كنت مع أبي زرعة ومحمد بن مسلم وكنا جماعة، فقلت لهم: من أغرب عليَّ حديثاً لـ مالك أعطيته كذا وكذا، والحديث الغروب الغريب الشاذ وكان علماء الحديث يحفظونه للمذاكرة، فيقول: كم تحفظ حديثاً غريباً لـ مالك؟ فيقول الآخر: أحفظ ثلاثين حديثاً، وهو يعتقد أنه أحفظ رجل فيهم، فيفاجأ أن صاحبه هذا يحفظ مائة حديث، فيشعر باحتقار لنفسه.
هذه هي المناظرة الجميلة.
وأبو نعيم الفضل بن دكين -أحد الآخذين عن الإمام الكبير العلم مسعر بن كدام - قال وهم في جنازة مسعر: (اليوم تفدون إلي وتأخذون مني حديث مسعر،) فجاءه محمد بن بشر، فقال: كم تحفظ عن مسعر؟ قال أبو نعيم فقلت: أحفظ كذا وكذا، فقال لي: أتحفظ كذا؟ قلت: لا.
وكذا؟ قلت: لا.
قال: وكذا؟ قلت: لا، قال: حتى جاءني بسبعين حديثاً ما سمعتها قط، فقمت مستخزياً.
فلا تحتقر أحداً؛ لأنك لا تدري فقد يكون غيرك أعلم منك وأورع منك؛ بل لو ظننت أنك أقل خلق الله لكان خيراً لك فلا توجه الاتهامات، فسبحان من لا يعلم أقدار خلقه إلا هو! إن الله وزّع الفضل على الخلق، ولم يجعل العلم محتكراً في أقوام؛ بل جعله مشتركاً مقسوماً بين عباده، يفتح للآخر ما أغلقه عن المتقدم، ويحييه بقول تالٍ يعتمد على ماضٍ، والتالي ليس كالماضي في العلم، بل السلف أعظم علماً جملةً وتفصيلاً، وليس معنى أنني انتقدت الإمام البخاري في جزئية أنني فقته، وإذا فقته في جزئية، فقد فاقني في مائة ألف، وليس معنى أن الخضر ادخر الله له ثلاث مسائل أنه أفضل من موسى لا والله فليس بأفضل منه، بل قد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل، ولا يقتضي هذا أن يكون المفضول أعظم من الفاضل؛ لأن الفاضل له أشياء كثيرة جداً يفوق المفضول فيها.
فالإمام أبو حاتم الرازي يقول: من أغرب علي حديثاً لـ مالك فله كذا وكذا.
قال: فاجتهدوا أن يردوا علي فلم يستطيعوا، ثم عقب أبو حاتم قائلاً: ووالله ما أردت إلا أن أستفيد.
أي: هو تحداهم لكي يخرج ما عندهم؛ لأنه يريد أن يستفيد.
ورحم الله ابن حبان حين قال: قال الشافعي ثلاث كلمات لم يتفوه بها أحد قبله: (وددت أن هذا العلم ينتشر ولا ينسب إلي) تجريداً للإخلاص، وقال: (ما ناظرت أحداً على الغلبة، بل ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه).
لأن المقصود تحرير الحق، ولا يهم أن يجري على لساني أو يجري على لسانك، المهم أن يظهر الحق.
فكون الإنسان يذهب ليناظر وهو حريص على أن يَغلب، لن يستفيد بحق أبداً، وهذا الفعل ضد الحرص النافع.
стр. 1501
الذكاء والمنهجية في طلب العلم
أول صفات طالب العلم: الذكاء، وهو معرفة نوعية ما يدرس، فليس من الذكاء أن يبدأ طالب العلم بمسائل الخلاف، فمسائل الخلاف تحتاج إلى ترجيح، وهو بَعْدُ ليس له ريش، فكيف يحلق في سماء المجتهدين؟! ليس من ذكاء طالب العلم أن يبدأ حياته العلمية بدراسة كتب الفقه المقارن التي تعنى بذكر المسائل المختلف فيها مع الترجيح؛ لأن طالب العلم إذا بدأ هذه البداية فسيكون أسيراً لصاحب الكتاب الذي درسه.
فلو بدأ الطالب بدراسة كتاب: نيل الأوطار للشوكاني، أو بدأ بدراسة كتاب: سبل السلام للصنعاني، فـ الصنعاني والشوكاني -رحمة الله عليهما- وازنا بين الأدلة ورجحا؛ أما أنا كمبتدئ في طلب العلم فلا أدري أصاحب الكتاب أصاب في هذا الترجيح أم أخطأ؟ فهو قد يخطئ في الترجيح، فإذا وازن بين الأدلة وعرض المسائل وانتهى إلى حكم بالحل أو الحرمة أو بالتفصيل، وأنا ليس عندي ملكة أفهم بها إذا كان مصيباً أو مخطئاً، فحينئذ أصبح مقلداً لصاحب الكتاب، مع أنني ما درست الفقه المقارن إلا لأفر من التقليد، ثم وقعت فيه عندما اخترت الكتاب بغير بينة.
ومن كان له خبرة بكتب الخلاف يجد أن مصنف الكتاب لا يُسْهب في عرض أدلة المخالفين مثلما يسهب في عرض حجته التي رجحها، وأنا أقول هذا الكلام بعد دراسة عشرين عاماً، وما عرفت ذلك إلا في أواخر هذه السنوات، حينما درست بعض المسائل المختلف فيها، فوجدت أن السمت العام للذين يرجحون أنهم لا يُعنون بعرض أدلة المخالفين مثلما يُعنون بعرض أدلتهم، فإنهم يذكرون أدلة المخالفين على سبيل الإجمال، ثم يذكرون أدلتهم على سبيل التفصيل، فيقع الطالب أسيراً لاجتهاده؛ لأنه عرض حجته واجتهد في عرضها، وقد يكون الحق في خلافها.
فلو بدأ طالب العلم بدراسة كتب الفقه المقارن؛ فإنه سيقع في تقليد صاحب الكتاب أراد أن يفر من التقليد فوقع فيه.
ولذلك كان أفضل العلم ما تتلقاه عن شيخ يعتني بتدريس الأدلة، مع الاستفادة من كتب العلماء الذين صنفوا في المذاهب الفقهية؛ لأن كتب المذاهب الفقهية فيها ثراء وفيها خير عظيم، ومن الظلم البيِّن إحراقها وإهمالها على اعتبار أنها كتب مذاهب، فكتب المذاهب قد بينت كثيراً من معاني أحاديث الأحكام واجتهد مؤلفوها في الجمع بينها، ولذلك نقول: الفرق بين تدريس الأدلة وبين تدريس كتب المذاهب فرق جوهري.
فلو درست كتاباً في المذهب فإنك تستطيع أن تعلم الحكم الفقهي في كل واقعة وفي كل نازلة وفي كل جزئية، أما كتب الفقه المقارن فإنها لا توجد عند طالب العلم ملكة الاستنباط، ولا أخذ الأحكام الجزئية من الأدلة الشرعية، بخلاف ما لو درس الأدلة.
стр. 1502
إجابة المفتي بأكثر من سؤال المستفتي
ولو وجدت عالماً يدرّس كتب الأدلة، سواء كانت كتباً متقدمة مثل الكتب الستة وما جرى مجراها، أو الكتب التي عنيت بجمع هذه الكتب مع حذف الأسانيد، مثل منتقى الأخبار للجد ابن تيمية، أو بلوغ المرام للحافظ ابن حجر، فإنك تجده يشرح الحديث ويستخرج منه عشرين حكماً في عدة أحكام مختلفة.
مثال ذلك: أول حديث في بلوغ المرام حديث أبي هريرة: (أن ناساً سألوا النبي ﷺ عن ماء البحر يُتوضأ به؟ فقال ﵊: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، فقد ورد هذا الحديث في أبواب المياه، لكننا نستطيع أن نستخرج منه بعض الأحكام الأخرى التي لا تتعلق بالمياه، مثل: باب الصيد والذبائح؛ لقوله ﵊: (الحل ميتته)، ويدخل هذا الحديث في أدب المفتي والمستفتي، ويستفاد منه جواب الحكيم، وهو أن يجيب المفتي بأكثر من سؤال السائل؛ لأن مصلحة المستفتي لا تتم إلا بهذه الزيادة.
فقد جاء بعض الصحابة رضوان الله عليهم وقالوا: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فسيكون
الجواب
نعم.
توضئوا.
وهذا جواب كاف، لكن هل أجاب الرسول ﵊ هكذا؟ لا.
بل قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، مع أنهم لم يسألوا عن ميتة البحر، فلماذا زادهم هذه الزيادة في الجواب؟ عندما تقرأ في كتب أدب الفتوى والمفتي والمستفتي تجد هذا الكلام: (ولا ينبغي للمفتي أن يوسع الجواب على سؤال المستفتي لئلا يشوش عليه).
والظاهر أن قولهم هذا فيه تعارض مع هذا الحديث، فإن الحديث فيه زيادة على السؤال، لكن الذي يحل الإشكال هو في تتبع طرق الحديث، فقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أن هؤلاء الذين سألوا كانوا يصطادون اللؤلؤ، فقد يغيبون أيام في البحر، وقد ينفد زادهم، وقد يستشكلون ميتة البحر إذا أعملوا كتاب الله ، ولماذا نستبعد هذا وقد استشكلت ميتة البحر على واحد من العشرة المبشرين بالجنة، وأحد فقهاء الصحابة وهو أبو عبيدة بن الجراح، والذين كانوا يركبون البحر معه؟ فقد قالوا: أنها ميتة، وهذا الحديث رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: (أرسلنا النبي ﷺ في غزاة -وهي غزوة سيف البحر، أو غزوة جيش الخبط- وأمّر علينا أبا عبيدة بن الجراح، وأعطانا جراب تمر، قال: فكان أبو عبيدة يعطينا تمرتين تمرتين، فلما أوشك التمر أن ينفد كان يعطينا التمرة فنمصها ونشرب عليها الماء، حتى نفد التمر، فكنا نأكل من ورق الشجر اليابس، قال: ثم رمى لنا البحر بدابة عظيمة يقال لها العنبر، وجلس منا ثلاثة عشر رجلاً في عينه، وكنا نأخذ الدهن من عينه بالقلال، وأتى أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فأقامه، وجاء بأطول جمل، وركب عليه أطول رجل، فمر من تحته، فقال أبو عبيدة بن الجراح: ميتة لا تأكلوه -لم يكن مع أبي عبيدة إلا ظاهر كتاب الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، ولم يكن لديه دليل الخصوص، وهذا هو الواجب، فإذا وصلك دليل عام فلا تتوقف وتقول: سأبحث عن الخاص فربما خصص؛ لأن الأصل في الأدلة العموم، كما حرره الإمام الشاطبي في الموافقات، فإذا بلغك حديث عام أو دليل عام ولا تعرف له مخصصاً فلا تتوقف في الأخذ بالدليل العام؛ لاحتمال أن يكون ليس له مخصص، فتكون قد أهدرت العمل بالعام ولم تظفر بالخاص.
ثم قال: ولكننا جيش رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، ونحن مضطرون فكلوا)، فعمل بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]، فإذا كان مثل أبي عبيدة يستشكل ميتة البحر؛ أفلا يستشكلها أعرابي لا نعرف محله من العلم؟ فالرسول ﵊ بثاقب نظره -وهو سيد المفتين- نظر إلى هذا الرجل فرآه استشكل شيئاً لعله لا يُستشكل، فإذا استُشكل هذا الشيء اليسير عليه، فمن باب أولى أن يستشكل الشيء الأعظم منه، فلذلك أفاده بهذا الجواب مع أنه لم يسأله عنه، وهذا ما يسميه العلماء: جواب الحكيم.
ولنأخذ مثالاً آخر: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين، وهو حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وقال: (دلوني على أعلم أهل الأرض، فدلوه على راهب)، كلمة (راهب) إذا أطلقت يستشف منها العبادة أكثر من العلم، وهناك استشكال من أعظم أبواب الضرر، وهو الخلط بين العالم وبين الشبيه بالعالم، فإن كثيراً من العوام إذا رأوا رجلاً ذا لحية عظيمة بادروا إلى سؤاله، وربما يكون جاهلاً لا يعرف شيئاً قط، لكنه فعل ما افترضه النبي ﷺ عليه أن أطلق لحيته.
وهناك رجل خباز من بلدنا، لا يعلم شيئاً إطلاقاً، فسافر إلى بلد آخر، فدخل المسجد ليصلي الجمعة، وكان الخطيب في ذلك اليوم غائباً، فنظر الناس إلى من في المسجد فلم يجدوا إلا هذا الرجل صاحب السمت الجميل واللحية الطويلة، فقالوا: هذا خطيبنا اليوم، فطلبوا منه أن يخطب بهم، فصعد المنبر وضل يفرك يديه ويقول: اتقوا الله اتقوا الله وتلعثم كثيراً، وهو يتصبب عرقاً، وبعد أن انتهى من الصلاة قرر قراراً، ويا ترى ما هو هذا القرار؟ هل قرر أن يتعلم؟ لا.
بل قرر أن يحلق لحيته؛ حتى لا يقع في مثل هذه الورطة مرة أخرى!! فبدلاً من أن يقرر أن يتعلم، أو يحفظ خطبة واحدة في حياته يلقيها إذا وقع في مثل هذا الموقف، قرر أن يحلق لحيته!! فالناس يخلطون ويظنون أن كل صاحب لحية عالم صحيح أن اللحية فرض، ولا يجوز لمسلم أن يحلقها أبداً، وهذا بإجماع العلماء، ولم يخالف في هذا إلا الخالفون من المتأخرين الذين لا يخرقون إجماعاً ولا ينعقد بهم إجماع، والأئمة الأربعة على حرمة حلق اللحية، لكن اللحية ليست دليل العلم.
فعندما سأل هذا الرجل عن أعلم أهل الأرض قالوا له: اذهب إلى فلان الذي لا يفارق صومعته، والرجل عابد وليس عنده علم، ولو استشكل شيئاً من المباح فإنه يتركه؛ لأنه رجل ورع.
والأصل: أن تتورّع في نفسك ما شئت، لكن لا تنقل ورعك في الفتوى، فالفتوى إما أن يكون الأمر جائزاً أو غير جائز، وبعد أن تقول له: هذا جائز؛ قل له: وإن تورعت فهو أفضل، ولذلك فلا بد أن يكون المفتي عاقلاً ذكياً، مدركاً، صاحب فطنة، حتى يستطيع أن ينزل الفتوى على مقتضى حال المستفتي.
فذهب هذا الرجل إلى الراهب فقال له: إنه قتلت مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: قتلت مائة نفس وتريد أن تتوب؟! لا توبة لك، أنت في جهنم وبئس المصير.
وهذا العابد رجل جاهل؛ لأنه أمام رجل كان يذبح ضحاياه وليس في قلبه رحمة، ومع ذلك يجيبه بهذا الجواب، فعندما يكون الرجل بهذه المثابة يذبح ضحاياه، كان الأولى أن يقول له: تعال غداً حتى أبحث عن الجواب، حتى ينجو بنفسه؛ لأن الرجل سفاح ولا يتورع، فقد قتل تسعة وتسعين، فعندما أكمل به المائة فليس هناك أي غرابة، لاسيما وأنه قد أغلق عليه باب الأمل، فسيواصل إجرامه.
إذاً الراهب لم يكن ذكياً حين قال: ليس لك توبة، ولذلك قتله، فراح ضحية لسانه، ثم منَّ الله عليه بنفس السؤال وقال: دلوني على أعلم أهل الأرض.
فدلوه على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحجب عنك باب التوبة؟.
الشاهد في الحديث قوله: (قال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم)، إلى هنا هذا جواب كافٍ، لكنه لا تتم توبته إلا بالزيادة التي لم يسأل عنها، وأخبره بها المفتي (قال: نعم.
ومن يحجب عنك باب التوبة؟) هذه الزيادة الأولى، والزيادة الأخرى: (اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوماً يعملون الصالحات فاعبد الله معهم)، فهو لم يسأله عن الخروج من بلده، إنما سأله سؤالاً واحداً فقط وهو: هل لي من توبة؟ ودائماً الذي يعصي الله في أرض فإن العلماء ينصحونه أن يفارق هذه الأرض؛ لأنه إذا رأى مسرح الجريمة فربما يعتريه الشوق للرجوع إليها، وبالذات الذي ابتلي بداء عشق النساء، فإن العلماء ينصحونه أن يفارق تلك الأرض؛ لأنها مليئة بالذكريات مع عشيقته.
وهذا مثل ما كان يفعل قيس مجنون ليلى، كان إذا دخل القرية بعدما رحلت منها ليلى، يمشي مثل المجنون، ويقبل جدران القرية كلها، وهو يقول: أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا فمثل هذا إذا أراد أن يبرأ من داء العشق فلابد أن يفارق أرض العصيان؛ لأن الإنسان عنده حنين دائماً إلى الأرض التي شهدت ملاعب صباه.
فالعالم نصح ذلك العاصي نصيحة ذهبية؛ لأن العاصي لو بقي في أرض العصيان ربما يرجع إلى المعصية، ولذلك قال له: اخرج إلى أرض كذا وكذا فإن فيها قوماً يعملون الصالحات.
ومعنى هذا: أنه لا يوجد فيهم من يجاهر بالعصيان.
إذاً: هذا الرجل لن يستطيع أن يمارس المعصية فيهم، لذا كان من تمام النصيحة أن يأمره بالخروج، مع أن السائل لم يسأله عن هذا الأمر، وهذا هو ما يسمونه بـ (جواب الحكيم)، وهو أن يراعي المفتي مصلحة المستفتي.
ومنه أيضاً: (أن امرأة رفعت صبياً في الحج وقال: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم.
ولك أجر)، ولم تسأل المرأة: ألي أجر أم لا؟ وكان يكفي في الجواب أن يقول: نعم.
لكن النبي ﷺ لما يعلمه من محبة الناس لتحصيل الأجر ذكر ذلك ليكون حافزاً لها، وهكذا
стр. 1503
الكلام إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له
وأختم هذا الدرس بفائدة ذكرها العلماء، يقولون: إن الكلام إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
والكلام هذا موجه لأحد الجهلاء العابثين الذي نشر كتاباً بعنوان: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب).
وقد تكلم عن مفهوم المخالفة في هذا الكتاب ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى:.
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]؛ فمفهوم المخالفة: ولو جاءكم عدلٌ فلا تتبينوا، المفهوم عكس الكلام.
إذاً: ضبط الكلام الذي هو مفهوم المخالفة، فأول الحديث يقول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين)، قال العلماء: فيه دلالة على أن المرأة غير المحرمة تنتقب وتلبس القفازين؛ لأن الكلام إذا ورد مقيداً ثبت الحكم للمقيد وانتفى عما عداه، فإذا قلت: لا تنتقب المرأة المحرمة، فقد قيدت الحكم بإحرامها، إذاً عكس الإحرام أن تنتقب، فقال مؤلف هذا الكتاب: إن مفهوم المخالفة ليس بحجة، وإذا قلتم أن مفهوم المخالفة حجة، فأنا ألزمكم بأكل الربا، قال: إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فعلى قولكم يجوز أن يؤكل مرة واحدة، هذا مفهوم المخالفة -حسب زعمه-: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، مفهوم المخالفة كلوا ضعفاً واحداً، فنقول: لو أننا قلنا بمفهوم المخالفة مثلكم لأحللنا الربا.
وهذا رجل جاهل؛ لأن العلماء يقولون: إذا خرج الكلام مخرج الغالب فلا مفهوم له، ليس له مفهوم ولا يعتبر به، فلما كان العرب يضاعفون أكل الربا قال الله لهم: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فليس في ذلك حل لأكل الربا ضعفاً واحداً؛ إذ أن الكلام تنزل على الغالب من فعلهم، وإلا فأنا ألزم هذا الجاهل بإلزام لا انفكاك له منه، وهو: أن الله حرم على الرجل أن يتزوج ابنة امرأته التي هي ربيبته، قال الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣]، فنقول: الربيبة في الحجر، أي: التي ربيتها في حجرك، فربنا يقول: لا تتزوج الربيبة التي ربيتها في حجرك، فهل يجوز أن تتزوج الربيبة التي لم تربها في حجرك؟ لا يجوز إذاً: هذا الكلام خرج مخرج الغالب؛ لأن المرأة إذا كان لها ابنة صغيرة وتزوجت، فإنها تأخذها إلى بيت زوجها، هذا هو الغالب من فعل النساء، وليس الغالب أن تترك المرأة بنتها الصغيرة تتربى عند زوجها الأول، بل الغالب من فعل النساء أن المرأة تصطحب ابنتها الصغيرة لتتربى عندها في حجر زوجها الجديد، فلما خرج الكلام مخرج الغالب دل على أن مفهومه هدر، ولا يعتبربه.
ومثله: قول النبي ﷺ : (لا تصوم امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر وزوجها شاهد إلا بإذنه)، فلو كان زوجها غائباً وقال لها: لا تصومي، فلا يجوز لها الصوم.
فما معنى: (وزوجها شاهد)؟ قالوا: قيد الامتناع بالحضور، فهذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الرجل لا يحتاج إلى زوجته إلا وهو شاهد معها، فعندما غاب عنها لا يحتاج إليها عادة، فخرج الكلام مخرج الغالب، وإلا فلو سافر وقال لها: لا تصومي، فلا يجوز لها أن تصوم، فلما خرج الكلام مخرج الغالب دل على أن مفهوم المخالفة خبر لا يعتبر به.
وهذا الفهم لا يحصله الإنسان إلا بعد وقت في البحث، وبجميع الأمثلة؛ حتى يكون عنده تطور في القواعد، وملكة في الاستنباط، ولذلك فطول الزمان جزء مهمٌ في تنمية الملكة التي تكون عند العالم المتبحر، ولا تكون عند طالب العلم المبتدئ.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
стр. 1504
الأمثال في الكتاب والسنة [١]
كثيرة هي الأمثال التي ضربها الله ورسوله في الكتاب والسنة، مما يوحي بأهمية تلك الأمثال في بيان ما يلتبس على الأذهان وإقامة الحجج والبراهين.
وجل تلك الأمثال إنما تناقش أصول العقيدة وتجليها فينتفع بها المؤمنون، ويعقلها العالمون، وأما غلاظ القلوب وأغبياء العقول فيزدادون جهلاً.
стр. 1505
الحكمة من ضرب الأمثال
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠] * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فالمثل إذا ضُرِبَ فالمقصود به: تبين فكرةٍ مجملة قد تلتبس على الأذهان.
إذاً: المثل من باب المبيّنَ، فالذي يعجز عن فهم المثل ينبغي أن يبكي على نفسه؛ لأن المبيّنَ إذا لم يُفهم فلن يُتعقل شيء: فليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل إنما يتلبس على المرء ما أُجمِل، فإقامة الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام:٧٢] كلام مجمل، فلو سألت: كيف أقيم الصلاة؟ فأنا لا أدري كيفية إقامتها، كان معك الحق في هذا السؤال.
لكن لو قلت لامرئ: الصبح ركعتان، والظهر والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات، فإذا لم يفهم عدد الركعات؛ فإنه ينبغي له أن يبكي على نفسه -إذا سأل: كيف ذلك؟ - بعد هذا البيان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] مجمل، فإذا سأل امرؤ: كيف نحج؟ قلتُ له: افعل كذا وكذا، وقف هنا، وادع هنا ولا تقف هنا؛ فإذا سأل: كيف ذلك؟ فينبغي له أن يبكي على نفسه.
فالأمثال إنما تُضرب لتقريب الفكرة، والله ﵎ قال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، وقال ﵎: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
ونقل ابن كثير ﵀ في تفسيره عن بعض السلف أنه قال: إذا لم أفهم المثل في كتاب الله بكيت على نفسي.
أما غلاظ الأكباد والعقول، فلا يفهمون المثل وإن كان واضحاً جلياً، كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [البقرة:٢٦] يقولون: ماذا أراد بضرب هذا المثل؟ فالذين كفروا هم الذين لا يفهمون الأمثال وإن كانت واضحةً جلية.
وقد أكثر الله في كتابه من ضرب المثل، وكان قصده تعالى من ذلك أن يفهم خلقه كلامه.
стр. 1506
أمثال قرآنية
سوف نقف مع بعض الأمثال في القرآن:
стр. 1507
ضرب المثل بالرجل الذي فيه شركاء متشاكسون
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ثم نختتم الأمثال من القرآن بذكر رجلٍ هو أشقى رجل على وجه الأرض.
قال تعالى في سورة الزمر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هذا الطرف الأول للمثل.
الطرف الثاني: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].
((رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)) أشقى رجل على وجه الأرض هو هذا الإنسان، عبدٌ فيه شركاء متشاكسون، أي أن كل واحد منهم يعاند الآخر، ينتظر أن يأمر الآخر بأمرٍ حتى يأمر بضده، وهؤلاء المتشاكسون لهم عبدٌ واحد، إذا صادف العبد رجلاً منهم جره واستخدمه.
فلنفترض مثلاً عشرة من المتشاكسين يكره بعضهم بعضاً، وكلما أمرَ أحدهم بأمر، أمر الآخر بضده، كنوع من العناد والمشاكسة، عناد، فقال الأول -مثلاً- لهذا العبد: اذهب إلى الجهة الفلانية وائتني بكذا، واعلم أنك إذا لم تطع أمري عاقبتك.
فبينما هذا العبد الشقي ذاهبٌ إلى الجهة التي أمره أن يذهب إليها السيد الأول إذ قابله في الطريق المالك الثاني: - إلى أين يا غلام؟ - أمرني فلانٌ أن أذهب إلى جهة المشرق لآتي بكذا.
- لا، اذهب إلى المغرب وائتني بكذا.
ذهب إلى المغرب طبعاً لم يقض حاجة الأول.
- يا غلام! لم لم تطع أمري؟! - والله يا لقد أمرني فلان.
-أنا ما لي وماله! تعال هنا.
ويوقع به العقوبة، فبينما هو متوجه إلى المغرب قابله المالك الثالث: - إلى أين؟ - إلى كذا.
- لا، تعال اذهب إلى الجهة الفلانية.
- فيسأله الثاني: لم لم تفعل؟ - جرني الثالث.
- وأنا ما لي! تعال! فيعاقبه، فلا هو محمودٌ عندهم جميعاً ولا يقضي لهم شيئاً جميعاً، وإذا استجار بواحدٍ منهم قال له: وهل فعلت لي شيئاً حتى تستجير بي؟! أمرتك فلم تمتثل، فمهما يقدم من عذرٍ لا يقبل منه! تعلمون على وجه الأرض أشقى من هذا العبد! فالذين يعبدون آلهةً متكاثرة أمثال هذا الإنسان.
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] ليس له إلا مالك واحدٌ وآمر واحد، إذا أمره ابتدر أمره، ونفذ ما يريد، فيعرف له ذلك ويكافئه، وإذا اعتذر عذره.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء: ((ورجلاً سالماً لرجل)) فمن المستريح؟ أنه هذا الرجل السالم.
حسناً: يا جماعة! يا معاشر العقلاء! هذان الاثنان هل يستويان مثلاً؟ فلما كان المثل واضحاً غاية الوضوح ومع ذلك ضل عنه الذين كفروا؛ قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].
стр. 1508
ضرب المثل ببيت العنكبوت
مثلٌ آخر: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١ - ٤٣].
المثل هنا: مضروب ببيت العنكبوت، وأوهن البيوت هو بيت العنكبوت، وآية ذلك لو أن ابنك الرضيع الذي يحبو على الأرض صادف بيت عنكبوت، وجمعه بيده لكان قادراً على ذلك! طفل رضيع يجمع بيوت العناكب في يده، فالذي يحتمي بإلهٍ دون الله كالذي يحتمي ببيت العنكبوت.
قال ابن نوح ﵇ له لما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] جبل عالٍ سامق شامخ، أين الموج الذي يصل إلى الجبل؟! ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣] الجبل مخلوق وانظر! ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر:١٢]، انظر إلى الإحاطة والقدرة: ((فتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر)) ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض) إنما قال: ((وفجرنا الأرض)) صارت كلها عيوناً؛ لأن جملة (وفجرنا عيون الأرض) فيها إشعار أن هناك بعض مناطق الأرض لم يخرج منها ماء، إنما ((وفجرنا الأرض)) أي: صارت الأرض كلها عيوناً تخرج الماء.
ماءٌ من فوق، وماء من تحت، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢]، ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣].
فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله إذا جاء ضرٌّ لا يدفعون عنكم شيئاً، فلماذا عبدتموهم مع وهاء بنيانهم؟! وقال بعض علماء العصر: إن بيت العنكبوت بيتٌ واه ضعيف؛ لأن أنثى العنكبوت تقتل الذكر بعد التلقيح، قالوا: فكأن البيت الذي لا يحكمه رجلٌ وتحكمه امرأة من أوهى البيوت هذه محنة جسيمة عظيمة كبيرة! أوهى البيوت بيتٌ تحكمه امرأة، ويمشي بتدبير امرأة! ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
ثم قال : ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1509
ضرب المثل بخلق الذباب
مثلٌ آخر: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤].
فانظر إلى هذا التعقيب! (قويٌ عزيز) بعد إثبات عجزهم أن يخلقوا أخس حشرة موجودة، سمي الذباب ذباباً؛ لأنه كلما ذبّ آب، كلما دفعته رجع إليك، فضرب الله المثل بهذا الذباب الخسيس.
ولذلك استنكف المشركون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فقالوا: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب لنا المثل بالذباب والعنكبوت؟! فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] (فما فوقها): كالذباب والعنكبوت فهذا مثل يفهمه العقلاء.
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)): وأداة النداء من معانيها أو من فوائدها: التنبيه والإيقاظ، (يا) فأنت تعطي أذنك كل النداء، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) لما سمعوا النداء أصاخوا بآذانههم، ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] ودائماً تضرب الأمثال في التوحيد، وليس في الأحكام الشرعية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] وأصل الخلق الإيجاد من العدم؛ لكن إذا بنيت على موجود لا يقال: خلقت؛ لأن هناك مغالطة حصلت في هذا العصر في مسألة الاستنساخ.
أول ما استنسخوا النعجة (دوللي) قالوا: لقد استطاعوا أن يخلقوا نعجة! وكذبوا؛ لأنهم أتوا بخلية من كائنٍ حي، والخلية هي من خلق الله ، فبنوا عليها فأين الخلق؟ لكنهم لبسوا على ضعاف العقول، وما أكثرهم! حتى قال قائلهم -وكفر بهذه المقالة-: إن ميلاد النعجة (دوللي) أعظم من ميلاد المسيح! فزعموا أن العباد فعلوا ما لم يفعله ربهم! ومع ذلك أفتى علماؤهم وأذكياؤهم: أن الاستنساخ تدمير للبشرية؛ لأن المستنسخ له نفس مواصفات الخلية، فلو أخذوا -مثلاً- خليةً من إنسان عمره -مثلاً- أربعون سنة، عنده مرض السكر والضغط والسل -أو أي مرض من هذه الأمراض- واستطاعوا أن ينموا إنساناً من هذه الخلية، فسوف يكون عمر هذا الولد الرضيع أربعين سنة، وسوف يكون وهو رضيع مريض بالسل والضغط وبكل الأمراض التي في الخلية، فتصور أن طفلاً رضيعاً به كل هذه الأمراض، وحين يصل إلى عمر عشر سنين سوف يمشي على عكاز! إذاً فنيت البشرية، أين طاقات الشباب وأين السواعد التي تبني الحضارات لما يكون ابن عشر سنين عنده كل هذه الأمراض؟! فالاستنساخ تهديد للبشرية كلها، فهل يستطيعون أن يخلقوا الخلية؟! هذا هو المذكور في هذا المثل ((لن يخلقوا ذباباً)) لا خلية الذباب ولا الذباب، ((ولو اجتمعوا له))، لا يوصف أحدٌ بأنه إله إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره على غيره ولا يغلب، فإذا غُلِب لم يكن إلهاً، وإذا أمر فلم يمض أمره لم يكن إلهاً.
فلو سلمنا جدلاً أن آلهتكم -أيها المشركين- كلها اجتمعت بطاقاتها ومواهبها وقدراتها جميعاً لا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً، وليس هذا فقط، بل هناك مسألة أحط من ذلك لا يستطيعونها أيضاً ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وكأنه قال: لا يستطيعون، وأنا سأدلل لكم على أنهم أحقر من أن يخلقوا بأن أذكر شيئاً تافهاً لا يستطيعونه أيضاً.
((وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)) لا نكلفكم أكثر من طاقاتكم، ولن نقول: اخلقوا، عرفنا أنكم عجزة؛ لكن هذا ذبابٌ مخلوقٌ لله، وقع في إناء أحدكم وأخذ رشفةً من الشراب الذي يشربه، هل يستطيع أن يرجع هذا الشراب الذي أخذه الذباب من إنائه؟! هذه مرحلة أحط وأدنى من الأولى، ومع ذلك لا يستطيعونها ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] المطلوب: هو الذباب الضعيف، والطالب: هو هذا الكافر الذي ملأ الأرض فساداً، وقال بعضهم: (أنا ربكم الأعلى)؛ لكنه عاجز عن استنقاذ شيء من الذباب: (ضعف الطالب والمطلوب).
فإذا كان هؤلاء الذين تعبدونهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهم لا يستوون مع الله، فلماذا فعلتم هذا، وساويتم بين الله وبين الآلهة التي لا تستطيع أن تخلق ذباباً؟ يا حسرتاه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] إذ سووا بينه وبين الذي لا يخلق ذباباً! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤].
стр. 1510
ضرب المثل بالرجل الأبكم الذي هو كَلّ على مولاه
ثم ضرب مثلاً آخر عجيباً، أشد وضوحاً من الأول فقال : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل:٧٦] انظر إلى وضوح هذا المثل أكثر من الأول! ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل:٧٦] أربعة أوصاف لهذا العبد المخذول: أبكم لا يتكلم، والكلام نعمة؛ ولذلك شنّ علماء المسلمين الغارة على الجهمية حين زعموا أن الله لا يتكلم، فقال مفتريهم عند تفسير قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، قال: إن الله لا يتكلم.
صفة الكلام صفة كمال، وعدمها صفة نقص عند المخلوقين، فكيفَ بالخالق ؟! فقال أهل السنة: هو متكلمٌ كان ولم يزل متكلماً؛ لأن عدم الكلام نقص.
فهذا رجلٌ أبكم، عاجز لا يقدر على شيءٍ، ومن تمام عجزه أنه كلٌّ على مولاه.
نحن نعبد الله لأسباب كثيرة: منها أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومنها: أن يوصل النفع إلي، ويدفع الضر عني، فأنا إذا احتجت أقول: يا رب.
إذاً: أنا الذي أحتاج، وإلهي هو الذي يمدني.
تصور العكس: أن إلهك الذي تعبده يحتاج إليك! هذا الرجل كلٌٌّ على مولاه، المفروض أن مولاه اشتراه لينتفع به، لكن مولاه هو الذي يخدمه، وهو الذي يشتغل له، فهذا العبد كلٌّ على مولاه.
ولو قال له مولاه: مللت منك وليس منك أي فائدة: اذهب إلى الجهة الفلانية، ائتني بفلان، أو احضر لي كذا وكذا: (أينما يوجهه لا يأت بخير) إذا بعثه في معروف يأتي بمصيبة، لا ينطق، ولا يقدر على شيء، وأنا الذي أنفق عليه، فإذا أردت أن أستخدمه مرة جاءني بمصيبة! الطرف الأول من المثل.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦]، أجيبوني أيها العقلاء! هل يستوون؟ مثل في غاية الوضوح.
وهذان المثلان ضربهما الله لنفسه مع الآلهة من دونه.
هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل؟ لا يأمرُ إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره، ولا يأمرُ إلا إذا كان متكلماً، إذاً يأمر هي ضد (أبكم لا يقدر على شيء) أبكم: يعني لا يتكلم، في مقابله يأمر، لأنه لا يأمر إلا إذا كان متكلماً، ثم لن يأمر إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره، فهذا في مقابل: ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأن ذاك العبد الأبكم جاهل لا يعرف الخير من الضر.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان عالماً بالفرق بين العدل والجور، فهذا في مقابل: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾.
لكن هذه الكلمة المجملة ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦] كانت كلها صفات في مقابل صفات النقص الأولى.
следующие страницы →