← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

معاداة موسى ﵇ للمجرمين الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. أيها الإخوة الكرام: ما أجمل الوفاء! لا يضيع الوفاء إلا لئيم، وصدق المتنبي إذ يقول: إن أنت أكرمت الكريم ملكتَه وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا لا تصلح صناعةُ خير مع لئيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] هذا هو الوفاء، والاعتراف بالجميل، وبالنعم: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] إذ قبلت توبتي، وهذه أجل النعم على الإطلاق أن يقبل الله توبة التائب، ويمحو حوبته، ويغفر ذنوبه. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] أقسم على نفسه، وقطع على نفسه عهداً في مقابل هذه النعمة الجسمية، وهي أنك أسقطت عني الذنب وغفرت لي، فلن أكون ظهيراً لمجرم عليك أبداً، لا أتولى الذين ظلموا من المجرمين والكافرين، وأكون على نقيضهم؛ إذ الكافر على ربه ظهير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥]. أيها الكرام! لماذا نهادن أهل المعاصي؟! لماذا نلقي إليهم بأيدي المودة وقد عصوا ربهم ﵎، وكانوا عليه ظهرياً؟! فلماذا إذاً نواليهم؟! أليس هذا من كفران النعم؟! هذا من كفران النعم أن توالي أهل البدع، وأن توالي أهل العصيان والظلمة. قال عبيد الله بن الوليد سألت عطاء بن أبي رباح فقلت له: (إن أخي يأكل بقلمه يكتب ويحسب، قال: من الرأس؟ قال: خالد بن عبد الله القسري، قال: ألم تسمع قول العبد الصالح: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]) فاستعظم أنه يكتب الخراج، أي: أن هذا الرجل محافظ على بيت المال إذا خَرَجَ مالٌ، كتب: خَرَجَ مالٌ، وإذا دَخَلَ مالٌ، كتب: دَخَلَ مالٌ، الرجل هذا غلطان؟! الرجل هذا يرتكب محرماً؟! وعطاء بن أبي رباح كان عبداً أسود منَّ الله عليه بالعلم، وكم من ضعيف متضعف أعزه الله بالعلم، كانوا إذا جاءوا عبد الله بن عمر بن الخطاب الصحابي الجليل الشهير العالم العامل إذا سألوه فيسألهم عن بلدهم، فيقول لهم: (أتستفتوني وعندكم عطاء بن أبي رباح) وهذه تزكية ما بعدها تزكية لمثل هذا العبد الضعيف. فهذا الكلام نعطيه لكل من ارتكب مظلمة في حق إنسان لإنسان، قال : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. يقول: ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. ويقول تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] أكثر الذين يرتكبون المظالم يقول: أنا ماذا أعمل؟ أنا عبدُ الآمر. نقول له: أشركت بالله بهذا القول، فهلا قلتَ: أنا عبدٌ مأمورٌ، فحينئذٍ نسأل من الذي يأمرك؟ وبم أمرك؟ ويقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨]. وهؤلاء الظلمة الذين يدخلون النار أفواجاً وأمماً: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤] تصوَّر! يُعذَّبون ويَختَصمون ويسبُّ بعضهم بعضاً، ولو أنهم لا يعذبون لكفى عذاباً أن تكون مع من تكره في مكان واحد لا تستطيع مفارقته، وصدقت العرب عندما كانت تقول: (رب مملول لا يُستطاع فراقه)، أشقى الناس من اقترن بإلف لا يستطيع فراقه، مكتوب عليه. رجل تجوز امرأةً ناشزاً، كافرةً بالنعم، جاحدةً للفضل، وعنده أولاد منها، أو عليه مائة ألف أو ثلاثون ألفاً، أو أنه إذا طلقها أخذت كل ما جمعه في حياته، فمضطر أن يعيش ذليلاً، مضطراً، يتجرع الذل ليلاً نهاراً، ضاعت بهجة حياته؛ لأنه عاجز عن الطلاق، فكيف إذا كانوا في مكان واحد ويلعن بعضهم بعضاً. أنا أذكر أنه لم تضق علينا زنزانة قط إلا بعدما جمعوا بيننا وبين جماعة التكفير وبين الفرماوية وبين الجماعات المختلفة، عندما كنا جميعاً أصحاب عقيدةٍ واحدة، ومنهجٍ واحد، وفي مكان واحد، كنا متآلفين متحابين متآخين، وما شعرنا أبداً بالحد على الإطلاق، بدءوا يشكلون الأفراد: (١٠) تكفير، (٥) فرماوية، (٤) من الاتجاه الفلاني العلاني، وبدءوا يتناحرون ويتناقشون ويشتم بعضهم بعضاً، هنا شعرنا بالسجن والحبس: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤] يُعذبون ويسب بعضُهم بعضاً ويلعن بعضُهم بعضاً. فمن تمام اعترافك بنعمة الله عليك أن لا تنحاز إلى من يكفر به سواءً كان كفر جحود أو كفر نعمة. لا يحل لك أن تعطي لأهل المعاصي الود، ولا أن تستضيف أحداً منهم، ولا تبسط لهم يد المودة؛ لأن الله سوى بين الفاعل وبين الراضي، قال : ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠] فهذا وعد قطعه موسى على نفسه كله وفاء: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص:١٧] بقبول توبتي؛ وغسل حوبتي؛ فلن أكون ظهيراً للمجرمين عليك. نسأل الله ﵎ أن يَجْتَبِيَنا إلى طاعته، وأن يغفرَ لنا ما فرطنا فيه، وأن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 177

عبدة الشيطان إن المتصفح لتاريخ الأمم السابقة مع أنبيائها يجد أن الذين عادوا الرسل وكذبوهم هم عبدة الشيطان وأتباعه شعروا بذلك أم لم يشعروا، وفي زماننا وجد من يصرحون بذلك، فيقولون: نحن نعبد الشيطان اتقاء غضبه وسخطه، ويختلقون له القصص والروايات من أنه مظلوم، وقد أراد أن يتوب فلم يقبل الله توبته، ورغم قلة هؤلاء إلا أنه لا يجوز السكوت عن باطلهم الذي أعلنوه وجاهروا به.

стр. 178

مذهب عبادة الشيطان قديم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فلا زال حديثنا موصولاً عن جيل التمكين وعن صفات هذا الجيل، ولا زلنا نقول: إن التفريط في إيجاد هذا الجيل لَجُرْمٌ عظيم تحاسب الأمة عليه كلها في الدنيا والآخرة، ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق، وما أنزل كتابه إلا بالحق، فلم هذا التفلت؟ إن هناك آصرة قوية وعلاقة متينة بين الطفولة والتمكين، وكما قلنا مراراً ونقول: إن الله ﵎ لما ذكر التمكين لبني إسرائيل ذكر رضاع موسى ﵇: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٥ - ٧]. أولادنا ماذا فعلنا معهم؟ أطعمناهم كسوناهم أدخلناهم أرقى المدارس والجامعات لكنهم صفر! تعرفون جيل آبائنا حلقة مفرغة لا قيمة لها في عمر الزمن، والسبب يطول شرحه لكن سأضع لكم شيئاً تقيسون عليه بقية الأشياء. عبدة الشيطان الآن هم تفريخ طبيعي لذلك الجيل. في سنة (١٩٠٠م) لما بدأت بذور العلمانية تظهر مع ضعف الدولة العثمانية، وبدأت تكون لهم صولة وجولة، وبدأ نور التدين يخفت، ظهرت طائفة من الكتاب يكتبون القصص والمقالات -وهؤلاء هم الذين شكلوا مسار الأمة- وقد كانت كل رواياتهم تنطق بالكفر والجبر -وهو نوع من الكفر- فالجبر: اتهام لله بالظلم، الله خلقني، قدر عليَّ المعصية لِمَ يدخلني النار؟ يعني: هو ظالم؛ لأنه لو كان عادلاً ما أدخلني النار بجرم ليس من يدي. فمذهب عبادة الشيطان مذهب قديم وليس مذهباً جديداً مستحدثاً، قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠] وقال إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] ما غاب هذا المذهب عن الأرض طرفة عين، كل المعاصي التي وقعت في الأرض على مذهب عبادة الشيطان، وكل مخالفة لله ورسوله على مذهب عبادة الشيطان، لكن الجديد أن يقول رجل: أنا أعبد الشيطان، هذا هو الجديد في الموضوع، كان الرجل يفعل المعصية عامداً ويقول: أنا جاهل أنا لا أدري أن الأمر بخلاف ذلك ويقول: أنا غلبني هواي المهم لا بد أن يعتذر، ولا يصرح أنه يعبد الشيطان، الجديد في المسألة التصريح. الذين يقولون: نعبد العجل العجل عبارة عن لحمة وجلد. والذين يقولون: نعبد الشمس الشمس منبع الأشعة. فالذين يعبدون الشيطان أي ميزة فيه؟ وليس معنى الكلام أنني أجوز عبادة البقر أو عبادة الشمس؛ لكن مذهب ليس فيه أي ميزة على الإطلاق، من الذين أشاعوه؟

стр. 179

القصص العابثة وعبادة الشيطان مذهب الشيطان كتبه رجل ليس له من اسمه نصيب (توفيق الحكيم) لا توفيق ولا حكمة، كتبه في رواية، ونشرت وطبعت عشرات المرات عنوانها: (الشهيد) الرواية هذه خلاصتها أن الشيطان أراد أن يتوب فذهب إلى أعلى سلطة دينية شيخ الأزهر، وقال له: أنا مخطئ واعترفت بخطئي، وأريد أن أتوب. قال له: تريد أن تتوب؟! لا. كيف تتوب؟! سيبطل القرآن بتوبتك، القرآن يلعن الشيطان، والمؤمنون يستعيذون بالله من الشيطان دائماً، فلو تبت فمن نستعيذ؟! لا. بقاؤك ضروري. قال الشيطان: وأنا أكون ضحية من أجل أن يستعيذوا مني فأدخل النار؟ أنا أريد أن أتوب. قال: فأفحم شيخ الأزهر ولم يجد جواباً، ولما لم يجد جواباً، قال: والله توجد سلطة أعلى مني، وهذا ليس من اختصاصي، أنا اختصاصي إعلاء مجد الأزهر، وأن أنشر الدين بين الناس، إنما مسألة قبول توبتك هذا لا أقبلها، ليس من اختصاصي. قال: إذن دلني. قال له: عليك بجبريل. فيصعد ويجد جبريل فيقول له: أريد أن أتوب! أنا مخطئ. فيقول له جبريل: كيف تتوب؟ كيف نقبل توبتك؟ إن السماوات والأرض قائمة على لعنتك، لا نقبل منك توبة، على أي حال هذا ليس من اختصاصي. قال: فلمن أذهب إذن؟! قال: اذهب لربك. فلما ذهب إلى الله لعنه وطرده. نزل إبليس من فوق وهو يصرخ بأعلى صوته ويقول: أنا شهيد! أنا شهيد! أنا شهيد! وبعد ذلك يقول الكاتب: وتجاوبت معه السماوات والأرض والأشجار والأحجار والرمال كلها قالت: أنا شهيد! أنا شهيد! معنى هذا الكلام أن السماوات والأرض والجبال تقر أن الشيطان مظلوم. إذاً: النتيجة أن الله ظلم إبليس. هذه هي القصة، وهذا رجل فارس من الفرسان الذين شكلوا عقائد وثقافات الجيل المنصرم، أن الشيطان مظلوم!

стр. 180

لماذا يعبدون الشيطان ؟ ولكن أبين لكم إلى أين تذهب هذه القافلة التي تعبد الشيطان، نعم هم شرذمة قليلون ليسوا شيئاً بجانب سواد الأمة الذي رجع إلى الله؛ لكن معظم النار من مستصغر الشرر، وكان العرب يقولون: (إذا كان عدوك نملة فلا تنم له) لا تنم لعدوك ولو كان نملة، فما جاءت الطامات الكبيرة إلا بهذا القول: إنهم شرذمة قليلون لا قيمة لهم، لا. نحن نندد بهذا إعلاءً لكلمة الله ، وإعذاراًَ إلى الله أننا أنكرنا عليهم وأننا تكلمنا. شاب من ضمن الشباب الذين يعبدون الشيطان قيل له: لماذا أنت تعبد الشيطان؟ قال: نحن نعبده لنتقي شره وغضبه. فكيف هان عليهم غضب الله؟! إذا كان الإنسان لا بد أن يعبد شيئاً ليتقي غضبه فلا، يعبد إلا الله؛ فإن الله إذا غضب لا يقوم لغضبه شيء، والشيطان برغم قوته ملَّكك الله أكتافه، هو أقوى منك وأنت أضعف؛ لكن ملكك الله أكتافه، ولكن به ﵎ إذا قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، لا يبقى أمامك أبداً، ولذلك كان شيطان الإنس أعتى من شيطان الجن في هذا الباب، شيطان الجن تتقيه بالاستعاذة، شيطان الإنس لو قرأت عليه القرآن كله ما يتحرك، فملكك الله شيطان الجن بالاستعاذة. وبعد ذلك يقول شاب منهم: إن الله لم يعطه فرصة للدفاع عن نفسه، لمجرد ما أبى قال له: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف:١٨] انظر! يتكلمون عن الله! يقولون: مجرد ما اعترض طرد. وربنا ذكر أن جنايات الشيطان ثلاث: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]. ولا يقال عن إنسان أبى إلا إذا كان باختيار، فإن الذي يفعل مجبوراً لا يقال أبى، ولذلك تسقط الواجبات كلها بالعجز. نحن نقاوم مذهب الشيطان بكتاب الله، فهو كله ضد مذهب الشيطان، وسنة النبي ﷺ ضد مذهب الشيطان. إن الذي أفزعنا هو هذا السكوت عن هذا المذهب، وأصحابه قد أعلنوه؛ وعمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: من أعلن عاقبناه، ومن أسر فهو إلى الله. إذاً: الإنسان العاصي إذا أظهر العصيان ارتكب جريمتين: جريمة المعصية، وجريمة إظهار المعصية. أما إذا أسر بالمعصية فهذا أمره إلى الله. الذين يتبعون الشيطان في الدنيا كثير؛ لكنهم يعتذرون ويبررون ويبرئون أنفسهم أن يكونوا تابعين للشيطان. نحن الآن مقبلون على مرحلة عصيبة بيننا وبين اليهود، كتبهم تنطق أنه قبل عام (٢٠٠٠م) ستكون هناك حرب عظيمة؛ لأن الدجال في اعتقادهم -والدجال هو إمام اليهود- سيظهر عام (٢٠٠٠م)؛ كما في تلمودهم وكتبهم التي كتبوها بهذا الشأن، فهم يسعون أن يجتمع اليهود جميعاً خلف إمامهم -وهو الدجال- وهم لذلك يعدون العدة، وتباشير الحرب قائمة. والقادة العسكريون في بلادنا كتبوا على صفحات الجرائد أنهم قبل عام (٢٠٠٠م) يتوقعون حرباً، ويقولون: نحن نتوقع بحسنا العسكري أنه ستكون هناك حرب قوية بيننا وبين اليهود قبل عام (٢٠٠٠م). فأين شبابنا الذين يدافعون عن دينهم؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمننا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 181

المعادون للأنبياء هم الطبقة الذين خرج منهم عبدة الشيطان الذين عادوا الأنبياء والدعاة إلى الله هم الطبقة الذين خرج من صلبهم عبدة الشيطان، المترفون الذين أهلكهم الترف والمال وغرقوا في الجهل إلى الوحل، هذا نسلهم، ما لهم أي ميزة، بل هم وبال على الأرض، هم الذين كذبوا الرسل وهم الذين عادوهم: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون:٣٣] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤] ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٦] وفي مسند الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ وأصل الحديث في الصحيحين لكن اللفظة التي أذكرها في المسند، في حديث الشفاعة: أن الناس يذهبون إلى الأنبياء ليشفعوا لهم، فلما جاءوا إلى نوح أحالهم إلى إبراهيم ﵇ قال: عليكم بإبراهيم خليل الرحمن، فجاءوه فذكر كذباته ومن ضمنها أنه أتى على جبار مترف فقال إبراهيم عن امرأته: إنها أختي. أتى على جبار مترف عاث في الأرض فساداً بسبب طغيان المال مع الجهل، فاستغنوا عن الله وعن رسوله، واستغنوا عن دينه ، وهذا نطق به الوحي المبين؛ قال ﵎: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق:٦] لماذا؟ ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٧] لا يطغى إنسان إلا مستغنياً، ومصداق ذلك هذه الآية أيضاً: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] لماذا يبغون مع بسط الرزق؟ لأنه لا يحتاج أحد إلى أحد. تخطئ علي لماذا أداريك؟ تسيء إليَّ لماذا أتحمل إساءتك؟ أنا غير محتاج لك، فبسْطُ الرزق على العباد يودي بهم إلى الطغيان، لذلك جعل الله هذا محتاجاً إلى ذاك، فأنا إنما ألاطفك لأنني أحتاج إلى رزقك وعونك؛ لذلك تحملت الإساءة.

стр. 182

العلماء جهاز الأمن والمناعة للأمة من الفتن إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. إن جهاز المناعة للأمة المسلمة هم العلماء، وهذا القول مؤيد بالوحي ومؤيد بفتاوى العلماء الكبار؛ أن الأمة لا تصلح إلا إذا صلح علماؤها. والشاعر يقول في البيت المشهور: يا رجال الدين يا ملح البلد مَن يُصْلِحُ الملحَ إذا الملحُ فَسَدْ

стр. 183

أهمية الاعتناء بتراجم العلماء وهناك محنة أخرى جسيمة بلينا بها؛ لكن الجماهير من الناس لا تشعر بها، هذه المحنة هي ضياع علوم التراجم. معروف أن العلم لا يؤخذ إلا من العدل، الإنسان العدل التقي لا يؤخذ العلم إلا منه؛ لأن الله ﵎ قال لنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] يعني: توقف في قبول خبر الفاسق. إذا كان العالم الذي يظل يعرف هؤلاء الناس، هل نتوقف في علمه؟ لا. لأن الأصل في العلماء العدالة؛ لكن إذا قلنا: إن ثمة عالماً فاسقاً إذاً: لا ينتفع الناس بعلمه لماذا؟ لأن الأصل في كلامه أننا نتوقف. إذاً: الأصل في قبول العلم العدالة، والعدالة هي: مَلَكَة تحمل صاحبها على ملازمة الدين مع البراءة من الفسق وخوارم المروءة، والمروءة ليس لها حد، فهي تختلف من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان. فمثلاً: ذكر أبو الطيب الوشا في كتابه (الظرف والظرفاء) أن من خوارم المروءة: الالتفات في الطريق. فهذا كان في الزمان القديم، أيام أبي الطيب الوشا في القرن الثالث الهجري، فكيف في هذا الزمان لو كنت في بلد مثل القاهرة إذا لم تلتفت ستروح في شربة ماء، لا بد أن تتلفت مثل السارق، لأنه ربما يعكس قائد السيارة الطريق فينهي حياتك في صدمة واحدة. لكن لو أكثرت الالتفات على أيام أبي الطيب الوشا يقبضون عليك مباشرة. لماذا؟ لأن عندهم لا يلتفت إلا السارق. وهذا شعبة بن الحجاج ﵀ إمام أهل البصرة ترك الرواية عن أحد العلماء الثقات، لأنه رآه يركب برذوناً يجري بلا سرج. فالمروءة كانت عندهم هكذا، لكن المروءة عندنا مختلفة، فكلمة خوارم المروءة تختلف من زمان إلى زمان، ومن عصر إلى عصر، فنحن ننظر مثلاً في عصرنا، ما الذي يخرم المروءة؟ نقول: يخرم المروءة مثلاً كذا وكذا إذاً: لا يجوز للعالم أن يرتكب هذه الخوارم. لماذا؟ حتى تصل كلمته إلى الناس بلا عقبات. لكن في هذا العصر يوجد كثير من العلماء، ولا أحد يدون تراجم هؤلاء العلماء ولا يذكر أخبارهم، ولا يذكر عنهم أي شيء. يأتي بعد مائة سنة مثلاً وهناك من له كتب ومؤلفات وهو كان في زمانه لا يسوى شيئاً لكن بعد ستمائة سنة صار شيخ الإسلام، فينقل عنه من بعده ويقول: وقال شيخ الإسلام فلان الفلاني. ونحن كلما اقتربنا من الساعة يقل العلم ويظهر الجهل كما قال النبي ﷺ : (من أشراط الساعة: أن يُرْفَع العلم، وأن يكثر الجهل، وأن يقل الرجال، وأن تزيد النساء، ويتبع الرجل خمسون امرأة) انظر إلى الفتنة العظيمة المدلهمة هذه! يُرْفَع العلم؟ (إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من صدور الرجال ولكن يقبض العلماء). ولما دفنوا حماد بن سلمة قال عبيد الله بن أبي عائشة: لقد دفنا اليوم علماً كثيراً، وكم أخذت الأرض من العلوم!.

стр. 184

حياة الأمة لا تصلح إلا بالعلماء العالم هو الذي يصلح حياة العوام، والعوام بغير عالم في محنة عظيمة جسيمة أعظم من عدم وجود طبيب في بلد يفشو فيها الوباء. العلماء هم البقية الباقية الذين يعرفون الناس برب الناس، لا أحد يعرف الله حق معرفته إلا العلماء كما قال ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:٢٨]. فهذا العالم هو الذي يعرف العوام بربهم، فعندما يكون هناك طعن في العلماء وإزراء بهم يقل قدر العالم عند الناس. والعجيب أن هناك رجلاً نشر كتاباً فيه إزراء بالعلماء جمع فيه كل الشواذ والطوام التي وقف عليها في قراءته ضمن هذا الكتاب، فمن الأشياء التي ذكرها أنه: ذَكَر عن الشاطبي ﵀ -وهذه الواقعة موجودة فعلاً في كتاب الموافقات للشاطبي - يقول: إنه كان هناك مفتٍ كبير في الأندلس، وكان صاحب مال كثير، وكان يحتال حتى لا يخرج الزكاة، وكان له أبناء، فقبل أن يحول الحول بيومين أو ثلاثة يجيء بأولاده ويقول: والله يا أبنائي أنا كبرت سني، والإنسان لا يعرف الحياة من الموت، وأنا قررت أوزع عليكم أموالي. والله يا أبانا فعلتَ خيراً -والعيال متفقون مع الوالد- عملتَ خيراً والله، وجزاك الله خيراً. ويأخذون الأموال، وبعد ما يحول الحول بشهر يزورونه ويقولون: يا أبانا! أنت ما زلت لم تمت إلى هذا الوقت، ونحن نؤمِّل طول عمرك، ونأمل سلامتك، ولا نقبل أبداً أن نستمتع بالفلوس وأنت حي، تفضل خذ مالك. فيرجعون المال إلى أبيهم ثانيةً بعد أن يحول الحول. الأندلس أو الأمة الإسلامية إذا كان فيها عالم أو اثنان أو ثلاثة يعمل مثل هذا الفعل، فأين بقية العلماء الصالحين الذين ما كانوا يداهنون ولا كانوا يبيعون دينهم أبداً بعرض من الدنيا. هذا الحسن البصري لما سئل عن قول الله ﵎: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:١٨٧] قال: الثمن القليل الدنيا بأسرها. الدنيا بأسرها لا تساوي آية هدى ولا نصف آية هدى ينزلها الله ﵎. فعندما يعرضون هذه النماذج السيئة ليس قصدهم إلا أن تقل مكانة العلماء في نفوس العوام، فإذا صدرت فتوى من عالم لا يعيرها الجماهير التفاتاً. وهناك مقال كتبه أحدهم يقول فيه: الرسول ﷺ مات بالزائدة الدودية! أنا أريد أن أعرف ما هو قيمة البحث في هذا؛ والعجيب أنك أول ما تأتي تنظر في الكتاب تجده بحثاً علمياً محضاً، نحن كلما نذكره نقول: ﵊، ونحن نوقره ونبجله أكثر منكم؛ لكن نحن ربما نتوصل إلى شيء يفيد العلم، فهؤلاء لم يجدوا إلا جثة الرسول ﵊ أن يشرحوها؛ وربما غداً يطلع مرض جديد، وبعده يطلع مرض جديد، ومع كل مرض يتكلمون عنه ﵊ كما لو كان إنساناً عادياً جداً. لابد من توقير الرسول ﵊ ومهابته، وإن أحد مس من جنابه الشريف ولم تعترض الأمة على ذلك فإن توقير الرسول ﷺ يزول شيئاً فشيئاً، فهذه المقالات بعد قرن تجني ثمارها يأتي أناس عندهم نفس طويل جداً. فيعرضوا حياة الرسول ﵊ بهذه السرعة على الجرائد والمجلات، فيبقى عندهم من السهل جداً أن يقولوا: إن الرسول ﵊ مات بالزائدة الدودية، وقد يستطيل الكلام إلى أكثر من ذلك، فتتكلم الأمة في رسول الله كلاماً لا توقره ولا تبجله فيه.

стр. 185

رعاية طلبة العلم إذاً: فإصابة هذا الكيان الخطير المهم هو إصابة للأمة كلها، لكن نقول: يا جماعة! اهتموا بالعلم وطلبته، يا من تؤدون الزكاة! أنفقوا على طلبة العلم، انظروا إلى أي طالب علم، فهو أفضل من الفقير؛ لأن طالب العلم فقير بطبيعة الحال، إما فقير أو مسكين، والفقير هو الذي لا يجد شيئاً، إذاً: أكثر طلبة العلم مساكين؛ لأن الرسول ﵊ لما ذكر المسكين قال: (هو الذي يجد ما لا يكفيه). والشيخ الألباني حفظه الله أفتى أن كل موظفي الدولة مساكين يستحقون أموال الزكاة، لماذا؟ لأنهم يجدون مالاً ولكن لا يكفيهم، وهذا الكلام نحن نقوله أيضاً، لأنه أحياناً يأتيني رجل يسألني فيقول: جاءني موظف له عشر سنوات وهو موظف هل يجوز أن أعطيه زكاة أم لا؟ ويستكثر عليه لأنه يجده في الصباح وهو لابس ومتأنق، وذاهب إلى الشغل فيقول لك: ها هو حالته ميسورة. لا، المسكين وصفه هو الذي يجد لكن لا يكفيه، فكل من يجد ما لا يكفيه في حدود المعروف يكون مسكيناً. إذاً: فطالب العلم الفقير عندما تفرغه وتنفق عليه وتقول له: الوقت الذي تعمل فيه فرغه لهذه الأمة. فما من رجل يهتدي على يد هذا الرجل إلا أنت قسيمه في الأجر، أفضل من أن تطعم فقيهاً له عمامة فقط، ولست عارفاً ماذا يعمل، فقد يكون هذا الرجل لا يصلي قد يكون عدواً لله ورسوله قد يحاد الله ورسوله!! إذاً: هذه مسئوليتنا جميعاً وليست مسئولية فرد أو اثنين، وهي: إيجاد العلماء. عندما يقرأ الواحد منا في الأسانيد، ويجد شخصاً يقول: حدثني أبي حدثني جدي، يشعر بغبطة أين هذا النمط الآن؟ هل يوجد شخص ما يقول: حدثني أبي، وينقل شيئاً من العلم الآن في جيلنا؟ هذه الظاهرة كانت منتشرة بكثرة عند السلف، حدثني أبي، حدثني جدي؛ لكن فقدت في هذا الجيل تماماً. لماذا؟ خلت البيوت من أهل العلم.

стр. 186

صلاح الآباء إن للآباء دوراً هاماً في تنشئة الأجيال، وأثراً عميقاً في نفوسهم، فكان لابد من تبصير الآباء بحقيقة رسالتهم التي ينبغي أن يسيروا عليها ويعلموها أولادهم؛ لأن الولد يتابع والده في حركاته وسكناته، فصلاح الأجيال منوط بصلاح الآباء، وإذا فسد الآباء فسد الأبناء (ولا يستقيم الظل والعود أعوج) وإن الناظر إلى حال البشرية على مر العصور يجد أن الكفر بالله تعالى والصد عن سبيله إنما كان باتباع سنن الآباء واقتفاء أثرهم، فكان من الواجب بيان أهمية صلاح الآباء وأثرهم على أولادهم.

стр. 187

أثر الآباء في تربية الأبناء إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٥ - ٧]. إن جيل التمكين يبدأ من الرضاعة، وأي أمة تريد أن تنتصر على عدوها ويُمَكَّن لدينها ومذهبها، إنما يبدأ ذلك من الرضاع. والآباء الذين يتولون تربية الأبناء، إذا لم يعرفوا حقيقة رسالتهم، فلا يمكن أن يخرج جيل التمكين. فلابد من صلاح الوالد أولاً؛ لأن للوالد أثراً عميقاً في نفس ولده.

стр. 188

اتباع سنن الآباء سبب في الصد عن سبيل الله إن شطر الكفر الموجود في الأرض سببه الآباء. أرسل الله أنبياءه إلى الأرض، فأرسل نوحاً ﵇ إلى قومه فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء، ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٤]، فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء. ثم أرسل الله إبراهيم ﵇ فصدوا عن سبيل الله أيضاً بسنة الآباء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٣]. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٦٩ - ٧٤]. ثم أرسل الله موسى إلى قومه فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء، قال موسى لقومه: ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٧٧ - ٧٨]. وأرسل الله صالحاً ﵇ إلى ثمود، ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوَّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود:٦٢]. وأرسل الله شعيباً إلى مدين، ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧]. وجاء نبينا ﷺ إلى قومه فصدوا عن سبيل الله بسنة الآباء أيضاً، ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢١ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود:١٠٩]. فسنة الآباء الصد عن سبيل الله ، اتخذوا سنة الآباء ذريعة؛ وذلك لأن للوالد تأثيراً عميقاً جداً في نفس الولد. قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠]. فلو كان الواحد منا يذكر الله جل وعلا أكثر من الوالد، فكانوا يأتون في المواسم فيقول القائل: أبي كان على السقاية، وأبي أنفق كذا، وأبي أطعم كذا، ولا يذكرون شيئاً من أمر الآخرة، فقال الله لهم ذلك: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:٢٠٠]، (أو) هنا بمعنى (بل)، جاءت لتحقيق الخبر وزيادة، يعني: اذكروا الله أكثر من ذكركم لآبائكم. وهذا كقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، يعني: بل هي أشد قسوة. وكقوله ﵎: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، يعني: بل يزيدون. وكقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء:٧٧]، يعني: بل أشد خشية. وكقول الله ﵎: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٩]، يعني: بل أدنى. وكقول الله ﵎: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أقرب﴾ [النحل:٧٧]، يعني: بل هو أقرب. وكقول النبي ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) يعني: بل عابر سبيل. فـ (أو) هنا جاءت لتحقيق الخبر وزيادة، يعني: اذكر الله أكثر من ذكرك لأبيك. فهذا يدل على أن ذكر الواحد منا لأبيه أمر عظيم، يقضي حياتَه في ذكر الوالد.

стр. 189

صلاح الآباء أول طريق إلى جيل التمكين لما كانت سنة الآباء كذلك، كان واجباً علينا أن نبصر الآباء الذين يبحثون عن جيل التمكين بحقيقة الرسالة التي ينبغي أن يبصِّروا الأولاد بها. ولا تظن أن ولدك أعمى! ولدُك ينظر إليك مثل الكاميرا المسجلة، قد تفعل الفعل ولا تنظر إليه ولا تأبه له، فيأخذ الولد منه الأسوة والقدوة، كما قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه ما ضيع أبا طالب إلا الآباء، ورفقة السوء، روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سعيد بن المسيب بن حزن عن أبيه المسيب، قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي ﷺ فدخل عليه وعنده عبد الله بن أمية وأبو جهل، فقال النبي ﷺ : يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أدفع لك بها عند الله -أُحاج لك بها- فقال أبو جهل: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب، أترغب عن ملة آبائك، فلا زالا يقولان له ذلك حتى كان آخر قوله: أنا على ملة عبد المطلب). عبد المطلب كان رجلاً شريفاً في قومه، والفخر بالأنساب أصله الاعتزاز بالآباء، وقد جاء الإسلام فأبطله، وأنت تلحظ في دنيا الناس! يُسَب الله بأقذع السباب، فيسمع السامع فيكتفي بأن يقول: أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم فقط، ولو أن هذا الساب سب والد ذلك السامع ما اقتصر على الاستغفار، بل لدخل معه في معركة، ولربما فقد حياته دفاعاً عن والده. لذلك قال الله : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٢٠٠] لما في نفس الولد من تعظيم الوالد، فـ عبد المطلب كان رجلاً شريفاً في قومه، وكان النبي ﷺ ينتسب إليه، بل كان يرتجز ويقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ولما كان يجيء الرجل من البادية مسلماً، فكان يسأل عن محمد بن عبد المطلب، فكان لـ عبد المطلب هذا الشرف، وهذه العراقة عند العرب، وكان العرب إذا احتقروا إنساناً نسبوه إلى جد غامض لا يُعَرف، كما قال أبو سفيان في الحديث الذي رواه البخاري في أوائل صحيحه عن ابن عباس -حديث هرقل - قال أبو سفيان لما دخل على هرقل وجعل يسأله عن الرسول ﵊ وماذا يقول، كان من جملة ما قال أبو سفيان بعد أن قال هرقل: (فماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده، ونترك ما كان يعبد آباؤنا -يعني أوردها على سبيل الاستنكار، أنحن نعبد الله وحده ونترك ما كان يعبد الآباء؟ أوردها أبو سفيان مستنكراً- فقال هرقل: لو كنتُ أعلم أني أخلص إليه -بلا مشاكل من قومي- لأتيته فغسلت موضع نعله، وإن صح ما تقول ليملكن موضع قدمي هاتين، فخرج أبو سفيان وهو يقول: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة)، من يقصد بابن أبي كبشة؟ يقصد الرسول ﵊ وأبو كبشة جد أمه الأبعد وهو غير معروف. فلما أحبَّ أن يسبه لم يقل: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن عبد المطلب؛ لأن النسبة لـ عبد المطلب شرف، وهو لا يريد أن يشرفه، هو يريد أن يسبه، فنسبه إلى جد غامض لا يُعْرَف. ولذلك الأنساب كانت لها قيمة عند العرب، وهذا كله طَبْعٌ على الافتخار بالآباء وتعظيم الآباء.

стр. 190

اتباع سنن الآباء سبب أول كفر على وجه الأرض روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبَدَ اللات والعزى، فقالت عائشة: يا رسول الله! قد كنت أظن أن الله لما أنزل ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣] قد كنت أظنه تاماً، -يعني لن يعود الكفر مرة أخرى-، فقال النبي ﷺ : يكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فتقبض روح كل مؤمن فيبقى على الأرض من لا خير فيه، ويعودون إلى دين آبائهم). وأول كفر حدث في الأرض كان سببه الآباء، قال الله ﵎: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [نوح:٢٣]، هؤلاء خمسة من صالحي قوم نوح ﵇، جاء الشيطان للآباء، فقال: هؤلاء الصالحون إذا ماتوا لم يعلم الأبناء بذلك، فما هو المانع أن تُصور صوراً لهم، فإذا سألك ولدك مَن هذا؟ قل: يا بني! هذا ود، هذا سواع، هذا يغوث. فيكون وجود الصنم مبرراً ومسوغاً لسؤال الولد إياه؛ فإذا لم يوجد ما يذكره بالماضين نسيهم، ولا تعرف الماضين إلا إذا رأيت أثراً. ولذلك تجد آثار الفراعنة، تلمح ويسمونهم: أجدادنا. ونحن نبرأ إلى الله من هذه النسبة، فليسوا جدودنا، لكن لماذا يلمعون هذه الآثار؟ إحياءً لتراث الفراعنة. لكن هب أنه لا يوجد هرم، ولا يوجد (أبو الهول)، ولا يوجد رمسيس فيطلع الناشئة من الجيل لا يعرفون من هو أبو الهول، لماذا؟ لأنه لا يوجد مقتضىً ليسأل عنه. فقال لهم: لما يجد الولد تمثالاً يقوم فيسأل: - ما هذا يا أبي؟ فتقول له: يا بني هذا فلان. فيقول الولد: من فلان؟ فتقول: فلان يا بني هذا كذا وكذا، وكان رجلاً صالحاً، يقوم الليل ويصوم النهار إلخ. فأدخل الشيطان عليهم الشبهة من هذا الباب، فصنع الآباء التماثيل وهم آمنون من عبادتها. فلما مات الآباء الذين كانوا يعرفون ذلك، جاء الأبناء الذين لا يعرفون الحامل للآباء على هذا التصوير، فقالوا: ما صوَّر آباؤنا هؤلاء إلا لأنهم كانوا يعبدونهم؛ فعكفوا على عبادتهم فكان هو أول كفر في الأرض. ما بين آدم ﵇ ونوح لا يوجد كفر. بدأ الكفر في قوم نوح، وهذا كله بسبب تعظيم الآباء.

стр. 191

النهي عن الحلف بالآباء روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، قال: (كانت قريش تعظم الآباء وتحلف بها، فقال النبي ﷺ : لا تحلفوا بآبائكم)، ومعلوم أن الحلف تعظيم المحلوف به، ففشت هذه العادة -الحلف بالآباء- لأنه تعظيم لهؤلاء. وسمع النبي ﷺ عمر بن الخطاب يقول: (وأبي، وأبي -يعني يحلف بأبيه، بـ (واو القسم) - قال: يا عمر! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، قال عمر: فما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً) انظر إلى عمر! ما حلف بأبيه لا ذاكراً في نفسه ولا ناقلاً عن غيره، كأن يقول: أنا كنت مع فلان فقال: وأبي، يعني: ما قالها من نفسه ولا نقلها عن غيره؛ لأن الله يبغض ذلك: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم). فهذا هو موقع الوالد وخطورته في حياة ولده. أنت أيها الوالد! نريد أن يخرج من صلبك جيل التمكين، فهل يستقيم الظل والعود أعوج؟! وهل فاقد الشيء يعطيه؟! فلابد أن تكون -أيها الوالد- عالماً لماذا خُلِقت حتى تورث ولدك هذه المعرفة؛ لذلك كان تبصير الآباء بحقيقة خَلْقهم ضرورة من آكد الضرورات لاستقامة الولد.

стр. 192

حديث: (افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة) صح عن النبي ﷺ أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما عليه اليوم أنا وأصحابي). أيها المبتلى الممتحن! -وأنت لا تدري- تعرف ما هي أعظم مصيبة تعترضك في حياتك؟! أعظم مصيبة ليست أن تمرض بمرض عضال، ولا ألاَّ تجد القوت، ولا ألاَّ ترزق الولد، ولا أن تضطهد في الدنيا، ولا أن تسجن، ولا أن تعذب. لا. فأعظم مصيبة تعترض الإنسان في حياته قطاع الطرق؛ قطاع الطريق إلى الله. فالطريق إلى الله فيه لصوص يسرقون قلبك ولبَّك، فلماذا تفرِّط؟ إن الذين ينشرون الشبهات كل يوم يسرقون لبَّك وقلبك. فهل تحققت وتمسكت بمذهب الصحابة الذي هو الباب الوحيد للنجاة. أمامك ثلاث وسبعون باباً مفتوحاً، والباب الوحيد الذي ينجيك ويوصلك إلى الله في وسط الثلاثة والسبعين باباً هو باب صحابة رسول الله ﷺ . فهل عرفت علامة الباب؟ إذا لم تعرف علامة الباب ربما دخلت من باب يوصلك إلى النار، وعلى كل باب من هذه الأبواب من يدعو إليه، ويزين مذهبه، ويقول: أنا على الحق، وسائرهم في النار. فهذه محنة من أعظم المحن. وإن بعض أهل البدع قد يأتيك من باب الجدل وبسطةٍ اللسان، فما يؤمِّنك أنك إذا أعطيت أذنك لهذا المبتدع شدَّكَ، فإذا دخلت من الباب ضعتَ؟! هذه هي المحنة حقاً؛ لأن أول خطوة لها تبعات فأخطر خطوة هي الأولى. فهل تحققتَ بمذهب القرن الأول: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). إن النبي ﵊ قال: (إنه ليس شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته). إذاً: علامة الباب الوحيد معروفة، وليست بمجهولة، ودورك أن تبحث عن علامة الباب الوحيد الذي يؤدي إلى الجنة، والبحث عنه أولى من طلب لقمة الخبز، بل أولى من سفرك إلى الخارج تبتغي العلاج أو الرزق، فحياتك في الدنيا والآخرة مرهونة بالاستقامة على هذا الطريق، ولا تصل ولا تلج الطريق إلا من هذا الباب.

стр. 193

التظاهر بالزهد والورع من أساليب المبتدعة في جذب الناس إن المبتدعة لهم طرائق قدداً في خطف قلبك، منها: الورع وترك الدنيا، فلا يزاحمون أهل الدنيا. هذه علامة لهم، يقضي النهار في الذكر والليل في القيام، كما هو حال الخوارج، وقال بعض من رآهم: (رأيت في جبهته مثل ركبة العنز) من الصلاة والسجود، فيخطف قلبك، وأنت رجل أول ما ترى هذا الطراز وهذه العبادة تقول: هذا ولي لله؛ لكن لا تتحقق بمذهبه، ولا تعرف منهجه، فيخطف قلبك بهذا السمت، وهذا المنظر. ففي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينما النبي ﷺ يقسم الغنائم، إذ جاء رجل قصير الثياب، عليه علامة الإخبات -والزهد والخشوع-، فجعل النبي ﷺ يحثو المال -كلما يأتيه أحد يعطيه- حثواً بغير عد، -المهم لما جاء الدور على هذا الرجل، كان المال قد انتهى-، واغتاظ وتغيَّر قلبه، وقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله؟ يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل، فإنك لم تعطني، وأعطيت الناس حثواً، فلو عددت لكان قد نالني شيء، اعدل فإنك لم تعدل، فقال له: ويحك! ومَن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا، لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل، فقال عمر -وفي الرواية الثانية: خالد - يا رسول الله! مرني بضرب عنقه، قال: دعه -هذا الخطاب موجه إلى عمر -، قال دعه، فإن له أصحاباً، وفي الرواية الثانية: فإنه يخرج من ضئضئ هذا -والضئضئ: الخصية كناية عن الأصل، يخرج من أصل هذا الرجل- أقوام يحقر أحدكم -يا عمر - صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) يخرج بمنتهى السرعة، أين الصلاح؟ وأين الصيام؟ وأين قراءة القرآن إذا لم يستخدم المرء هذه العبادات للثبات على الحق؟ ما قيمة الصلاة إذَاً؟ هذا الرجل مع صلاته التي يحتقر عمر بن الخطاب صلاته إذا نظر إليها، ترى كيف يصلي؟ فهذا معناه: أنه لا يأكل ولا يشرب، واقف طول النهار يصلي، فإذا كان مثل عمر يحتقر صلاته مع صلاة هذا الخارجي، ويحتقر صيامه، وعمر بن الخطاب معروف وكذلك عبادته وزهده، وهذا الخِطَاب إذا وجه إلى مثل عمر فهو موجه إلى من دون عمر من باب أولى.

стр. 194

أحب الأعمال إلى الله أدومها إن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا من العباد قال عبد الله بن عمرو بن العاص -كما روى ابن حبان في صحيحه-: (جمعت القرآن في زمان النبي ﷺ فكنت أقوم به كل ليلة). كل ليلة يقرأ القرآن كله. يقول ﵁: (جمعت القرآن على عهد النبي ﷺ فكنت أقوم به كل ليلة، فزوجني أبي امرأةً ذات حسب من قريش. -وعند الإمام أحمد من رواية مجاهد عن عبد الله بن عمرو -: قال: فلما أُدْخَلَتْ علي -العادة أن الرجل يقول فلما دخلت بها، هذه هي العادة؛ لكن انظر إلى هذا التعبير- (فلما دخلت علي) -يعني هو لا يريدها، وما كان يريد أن يتزوج أصلاً، ولكنهم أدخلوها عليه. هذا كله يبين لك شدة إقباله على العبادة-، فلما أُدخلَت علي جعلت لا أنحاز لها، ولا أنظر إليها -إطلاقاً، وذهب إلى غرفة -مثلاً- مجاورة، وظل يقوم الليل، هذا حبه وهواه، وقد صارت صلاته متعة، كما يستمتع العصاة بالمعاصي يستمتع أهل العبادة بالعبادة، بل هم أشد استمتاعاً بالقرب من الله ، لأن هذا يورث ذكاء القلب- فكان عمرو بن العاص يعلم أو استشعر أن ابنه سيفعل ذلك- فلما أصبح جاء يسأل زوجة ابنه: كيف الحال؟ قالت: عبد الله نعم العبد لربه، لكنه لم يعرف لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً، قال عبد الله: فجاء أبي فسبني وعزمني -أي لامني- وعضني بلسانه، وقال: أنكحتك امرأةً ذات حسب من قريش فعضلتها، وذهب يشكوه إلى النبي ﵊ فأرسل إليه النبي ﵊ قال: يا عبد الله! كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرأه كل ليلة. قال: اقرأ القرآن في أربعين. قال: أقدر. قال: في شهر. قال: أقدر. قال: في جمعة. قال: أقدر. قال: في ثلاثة أيام. قال: أقدر. قال له: لا تقرأ القرآن في أقل من ثلاث، فإنه من قرأه في أقل من ثلاث لم يفقهه. وقال له: كيف تصوم؟ قال: أصوم كل يوم. -فظل ينزل به- في الرواية: قال: فجعل يرقى بي، فقال: صم ثلاثة أيام. (فقال: أقدر، فقال له: صم يوماً وأفطر يوماً). إذاً: الواقع أن الرسول ﵊ ينزل؛ لكن عبد الله بن عمرو قال: (فجعل يرقى بي) أتعرف لماذا (يرقى بي)؟ لأن الله لا يمل حتى يمل العبد، فإذا صام كل يوم انقطع عزمه، فيكون قد نزل، تنزل عبادته إذا أدركه الفتور والملل؛ لكن إذا عَبَد الله عبادةً مقتصدة، فيُثْبِت عَمَلَه ويداوم عليه، هذا هو الرقي، فهو إنما ينزل به ليرقى عند الله ، فإن النبي ﷺ قال: (أحب العمل إلى الله أدومُه وإنْ قَل). تريد أن تتصدق؟ تصدَّق بجنيه واحد في الشهر؛ لكن ثَبِّتْه. تريد أن تكون محبوباً؟ صلِّ ركعتين فقط قيام ليل، وثبِّتها، لا تصلِّ (١٠٠) ركعة في ليلة وتظل تنزل عن ذلك حتى تترك ليس هذا محبوباً إلى الله تعالى. المحبوب أن تعمل العملَ ولو كان قليلاً، وتداوم عليه. ولذلك قال الرسول ﷺ : (أحب العمل إلى الله أدومُه وإنْ قَل). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 195

نماذج مشرقة من حياة الصحابة في الزهد والعبادة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال النبي ﷺ : (دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم) وقد أريتكم نموذجاً لـ عبد الله بن عمرو. خذ نموذجاً آخر لـ عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، قال: (كنت شاباً عزباً أبيت في المسجد على عهد رسول الله ﷺ ، فكان الناس يرون رؤىً فيقصونها على النبي ﷺ فيعبرها لهم) وهناك بعض الرؤى كانت بشارات مثل رؤيا عبد الله بن سلام أنه أمسك بحلقة في السماء، فقص على النبي ﵊ الرؤيا، فقال: (عبد الله مستمسك بالعروة الوثقى). وفي الرؤيا الأخرى لما رأى نفسه على قمة الفسطاط؛ فقال له: (أنت تموت على الإسلام)، بشارة من أعظم البشارات. فـ عبد الله بن عمر كان يسمع تعبير الرؤيا وكبده يتفتت، يتمنى أن يرى رؤيا هو أيضاً، حتى يحكيها فيقول له: أنت من أهل الجنة، فيستريح، فتكون بشارة قال: (فقلت لنفسي ليلة: لو كان فيك خيراً لرأيت رؤيا. قال: فنمت ليلة فرأيت رؤيا، رأيتُ مَلَكين يجراني إلى النار، وأنا أقول: أعوذ بالله من النار، فلما وقفت على شفيرها، إذا أناس معلقون من أرجلهم عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فجاء ملك فأخذني منهما وقال لي: لم تُرَع -أي: لم تخف- فاستيقظت فاستحيا أن يقصها على الرسول ﵊، وقصها على حفصة أخته -أم المؤمنين ﵂ فقصتها حفصة على النبي ﷺ -فجاءت البشرى- فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، بشارة مشروطة، قال الراوي: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً. هذا هو الجيل الفريد: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي)، هذا هو الجيل الناصع، غُرَّة في جبين الزمان، لا تجد مثلهم من لدن آدم ﵇ إلى آخر الزمان، لأنه جيل فريد. قال ابن مسعود ﵁: (نظر الله في قلوب العالمين فاختار قلب محمد ﷺ لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين فاختار قلوب أصحابه له). اختارهم الله له، لذلك فهو جيل يشرف والأسوة به ممكنة، بل واجبة. مثال آخر عن عبد الله بن عمر: أنه كان إذا رأى عبداً صالحاً -من عبيده- عليه أمارات الصلاح والنجابة، والإخبات والخشوع، أعتقه. يقول له: أنت حر، فإذا قال لعبدٍ من العبيد: أنت حر، فكأنه تصدق بثمن العبد، فأعتق عدداً من العبيد، فلما رأى العبيد هذا تظاهروا بالصلاح والزهد والخشوع، فجاء ابنه -ابن عبد الله - قال له: (يا أبتِ! إنهم يخدعونك، وهذا تفريط. أي: تَحَقَّقْ من المسألة؛ لأن هناك بعض العبيد يخادعون، فقال: يا بني! من خَدَعَنا في الله خُدِعْنا له. ولم يأسف عبد الله بن عمر على خروج المال حتى وإن كان في غير مظنته. إنه يعامل ربه، ولا يعامل الخلق. هذا هو الوجه المشرق الناصع للجيل الفريد الذي مكن الله له في عشر سنوات فقط، رأيتم رجالاً كوَّنوا دولة على وجه الأرض في عشر سنوات!! وما تكون السنون العشر في عمر الزمان؟! في عشر سنوات كانت لهم دولة. إذاً: الباب الوحيد له سمة وله علامة، ونحن نذكر علامات أبواب أصحاب البدع حتى لا تخطف قلبك، وهم على اثنين وسبعين باباً، وتبحث عن الباب الوحيد الذي ينجيك لتكون عارفاً بالعلامة؛ لأن صلاح ولدك لا يكون إلا بصلاحك؛ ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، والعلماء يقولون في المناظرات لَمَّا يكون الدليل غير مستقيم يكون الاستنباط غير مستقيم. يقولون: (لا يستقيم الظل والعود أعوج). العود الذي هو: الوالد؛ لأنه هو الأصل، والظل فرع عن العود، وهو أثر من آثار العود، والعلماء كانوا يقولون: ثبت العرش ثم انقش، تريد نقشاً حسناًَ؟ يعني واحدٌ شَغَّال في الزخرفة، إذا أحب أن يزخرف لوحة لا يضعها على سطح الماء ويزخرف، سطح الماء مُهْتَز، فلا يستطيع الزخرفة. إذاً: حتى يزخرف لابد أن يثبت العرش. يعني: يثبت مكان اللوح، فكأنهم يقولون بهذا المثال: إذا أردت أثراً جيداً فثبت الأصل. إذا: الأصل الوالد، والولد هو الأثر، فلا يكون مستقيماً إلا باستقامة الوالد.

стр. 196

الهدى والضلال بضاعتان في سوق الحياة اعلم أن الهدى هو خير ما احتاجه الرجال، وشر البضاعة الضلال، ولمحبة الناس للأشياء المحسوسة جعل الله المعاني محسوسة، فقال ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة:١٦]، فذكر لفظ الشراء في المسائل المعنوية لمحبة العباد للبيع والشراء، وتكرر هذا المعنى في كتاب الله كثيراً: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ [البقرة:١٧٥]، ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة:١٦]. إذاً: الهدى والضلال بضاعتان في سوق الحياة، فأنت إذا دخلت السوق انظر كيف تختار. واعلم أن الطريق الحق من (ما عليه اليوم أنا وأصحابي). إذاً: دراسة مذهب القرن الأول صار فرضاً وهو العلامة الوحيدة للباب الوحيد: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي). وهذا مترجم في قول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وإن كان لفظ: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي) أوسع في الدلالة من حديث الخلفاء الراشدين، لأن حديث (أنا وأصحابي) يشمل التأسي بالصحابة جميعاً. إذاً: معرفة مذهب القرن الأول صار ضرورة فلننظر: كيف كان اعتقادهم؟ كيف كان سلوكهم؟ كيف كان فقههم؟ هذه مسائل ضرورية إذا كنا نريد النجاة. يا ليت الأبواب مفتحة بغير دعاة يدعون إليها، لهان الخطب إذَاً؛ لكن في بعض فترات الحياة قد يكون داعي البدعة أشد لساناً وأبسط وأقوى حجة من داعي الحق. يعني: من عدة سنوات كان صوت العلمانيين قوياً جداً، أما اليوم فرءوس العلمانيين يتساقطون الآن ويموتون، أما في سنة (١٩٦٠م) وقبلها وبعدها، كان هذا العصر الذهبي لدعاة العلمانية، قمة الذروة بالنسبة لهم، أما الآن فبدءوا يتساقطون. لكن لماذا برز هؤلاء وظهروا؟ لضعف لسان أهل الحق في ذلك الزمان، مع قوة لسان أهل البدع. وأعظم بلية تبتلى بها الجماهير، أنه لا يوجد علماء يدلونهم على الطريق، كم من الذين ماتوا وهم يعتقدون أن العلمانية هي الدين الحق، ماتوا قبل أن يصل إليهم -أو يصلوا إلى- دعاة الهدى. فمحنة عدم وجود العالِم تعم الجماهير، إذ قد يموت الرجل ضالاً لا يعرف الهدى؛ لأنه لم ينتصب له رجل يقول: الطريق من هنا. إذاً: حاجة الجماهير إلى العالِم أعظم من حاجتهم إلى الطبيب، وأعظم من حاجتهم إلى لقمة الخبز. هذه الأبواب الثلاثة والسبعون، مرةًَ تجد على باب البدعة شخصاً ضعيفاً لا يستطيع أن يضبط الحجة، ومرةً تجده رجلاً قوياً، وباب الحق عليه رجل ضعيف، لا يضبط الحجة. فلو أن هذه الأبواب فارغة ليس عليها أحد لهان الخطب، فإذا تزامن أن يكون داعي البدعة في غاية القوة وحجتُه قوية، وقابَلَه ضعف علماء السنة فالخطب حينئذ يكون أشد. ومن السمت الذي يخطف به المبتدعةُ القلوبَ -كما قلتُ- التجافي عن دار الغرور، والسمت يسبق الكلام -كما قلنا قبل ذلك- سمت الإنسان وشكله يسبق لسانه، أحياناً ترى إنساناً فتعجبك هيئته، وترى عليه أمارات الصلاح ولما تسمع منه شيئاً، وقد يكون كما ظننت وقد يكون على خلاف ما ظنننت. وأنتم تعرفون طائفة السيخ الذين هم أذل الخلق، عباد العجول، الذين أخذوا المسجد وحولوه إلى معبد، ونحن ألف مليون لم تتقدم دولة باحتجاج رسمي إلى الهند: كيف حولتم المسجد إلى معبد؟ هؤلاء السيخ من علاماتهم طول اللحية وإعفائها، تلقى الواحد منهم لحيته ثلاث أو أربع قبضات، ويلبسون عمامةً، فلو رأيتَه وليس مكتوباً تحت صورته شيئاً ستقول: سبحان الله! كأنه واحد من الصحابة، شكله جميل وفيه رجولة. وهذا الرجل السيخي -إذا جازت النسبة- لو جاء ووقف أمام المسجد ورأيت عليه عمامة، ولفت نظرك لحية عظيمة، فلو وقف وجعل يفرك في يده، فإنك تظنه يسبح مثلاً، فصورته تخطف القلب، فتأتي فتقول -فأنت تريد أن تتعرف على هذا الإنسان-: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. العالِم من أين؟ لكن ما الذي جعلك تقبل عليه؟ شكله وسمته، قبل أن ينطق لسانه وتصور لو أنك ذهبت معه ووجدتما شخصاً يقود عجلاً فأول ما يرى العجل يخر راكعاً! ماذا يكون رد فعلك؟! صدمة لا توصف. ولذلك التربية تكون قبل التعليم؛ من أجل هذا نحن نوصي أنفسنا وإخواننا في الله ﵎ المتصدرين لتعليم الجماهير أن لا يتدنى ولا يتبسط مع الجماهير، والشيء المباح الذي قد يفعله في خلوته لا يفعله في جلوته، لماذا؟ لأن السمت والشكل يُعلِّم. قال بعض العلماء لابنه: (يا بني! اذهب إلى جعفر الصادق، وتعلم من سمته وشكله كما تتعلم من علمه)، فكان الواحد إذا ذهب يتعلم من شيخ ينظر إليه كيف يضحك! كيف يبكي! إذا نزل عليه خبر كالصاعقة ماذا يقول! إذا جاءه خبر مفرح، ماذا يقول! ينظر إلى علامات وجهه، ويتعلم منه. فالسمت سباق، وهذا السمت هو الذي غر الخليفة المنصور في رجل من رءوس البدعة، جمع بين الاعتزال والتجهم، أعوذ بالله من الضلال البعيد، وكان اسمه عمرو بن عبيد، فكان المنصور يخضع لفرط زهده وتجافيه عن الدنيا، فكان إذا رآه يقول: كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد فقد كان زاهداً في أموال السلاطين، وزاهداً في القرب من السلاطين، والمنصور يبعث إليه ولا يأتي، يهرب منه، فأعجبه هذا الزهد والسمت، فقد يكون على باب البدعة من هذه الأبواب عمرو بن عبيد، أو خليفة عمرو بن عبيد، رجل قوي اللسان، عنده حسن عرض للشبهات، والشبهة السقيمة في زمان الجهل تكون عملاقة، مثل الإنسان الغير كفء، في غياب الأكابر يصير عملاقاً، فكذلك الشبهة التافهة في زمان الجهل تكون دليلاً.

стр. 197

شبهة أبي العلاء المعري في قطع يد السارق يعني: مثلاً: الشبهة التي قالها الشاعر الزنديق -على رأي كافة الفقهاء ومنهم من يكفره، وهم يخالفون الأدباء في ذلك؛ لأن هذا الرجل عند الأدباء قمة- أبو العلاء المعري في عبارة صريحة، وذكروا له بعض الأشياء التي كفروه بها، فمن ضمنها شبهة ألقاها -ولو أن واحداً من العلمانيين هذه الأيام لقي هذه الشبهة، فسيقول: كفى! هذا الذي سيخدمنا. رغم أن الفقهاء أجابوا عنها بكلمة ونصف- قال: اليد إذا سرقت ربع دينار تقطع، والمقصود من الدينار دينار الذهب، فدعنا نقول مثلاً: لو افترضنا أن الدينار بعشرة جنيهات. أي: لو أن شخصاً سرق مائة وخمسين جنيهاً تقطع يده. إذا دخل الرجل مع آخر في عراك فأخذ أحدهما السكين وقطع يد الآخر، فإنه يغرم الدية، فكل إصبع ديتها عشر جمال، وسيدفع ألوفاً مؤلفة. أما أبو العلاء المعري فقد اصطاد هذه النقطة، وقال: يد بخمسين مئينٍ عسجد وُديَت ما بالها قطعت في ربع دينار أي: يد غالية. عندما يعتدي عليها أحدٌ تكون ديتها ألوفاً مؤلفة، وإذا سرقت مائةً وخمسين جنيهاً يقطعونها، ما هذا التناقض؟! يد بخمس مئين عسجدٍ وُدِيَتْ ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوتُ له وأن نعوذ بمولانا من النار أي: يريد أن يقول: هذا تناقض ولكن الله هكذا أنزلها فسلم بذلك، فرد عليه الفقهاء لما بلغتهم المقالة وطلبوه ليقتلوه فهرب، ومن ضمن ما رُد به عليه مقولة جميلة للقاضي عبد الوهاب المالكي، وكان من أعيان المالكية ومن فحول العلماء المحققين، قال: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. انظر: سطر أو نصف سطر، كلمة ونصف. وهذه الشبهة لو ألقيت اليوم لكتب عليها مقالات في الجرائد والمجلات، وتصير هذه الشبهة دليلاً من الأدلة وتصير عملاقةً في زمان الجهل.

стр. 198

شبهة امرأة تنكر حديث (إني رأيتكن أكثر أهل النار) وتطعن في حكم رجم الزاني ألقت امرأة شبهة ظلوا يتكلمون عليها ثلاثين يوماً!! انظر! -امرأة وليست رجلاً- والمعروف أن الرجل هو الذي يستطيع الإتيان بالشبه، أما النساء فشبههن على قدرهن، ونزَّلت كتيباً صغيراً: (هل النساء أكثر أهل النار؟) وكأنها تظن أن الجنة والنار داخلة ضمن صلاحيات المرأة، وأنها تتدخل في حرية المرأة. وهي معترضة على حديث البخاري ومسلم أن الرسول ﵊ لقي النساء في يوم عيد فوعظهن وقال: (يا معشر النساء! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة من وسط النساء. فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) يعني: تظل تلعن في زوجها وتشتم فيه، وتكفر بجميله، يطعمها ويسقيها ويحسن إليها، ومع ذلك أول ما تزعل منه تقول له: ما رأيت منك خيراً قط، وبذلك تدخل جهنم والعياذ بالله. فالمرأة كَبُر عليها قوله: (رأيتكن أكثر أهل النار) فقامت تعترض، تقول: أكثر أهل النار لماذا؟ هن قاعدات مع البصل والثوم في المطبخ، وتربية الأولاد. وتقول: من هم الذين صنعوا القنبلة الذرية؟! الرجال أم النساء؟ من هم الذين صنعوا الصواريخ عابرات القارات، يكون أحدهم جالساً يشرب فيضغط على زر، فيدمر مدينةً؟! أهم الرجال أم النساء؟ من هم الذين صنعوا أسلحة الدمار الشامل؟ من هم الذين ظلوا يخططون للحرب الشاملة الضروس في كل مكان في العالم؟ هم الرجال، إذاً: هم الذين يدخلون جهنم وليس نحن. هذا خلاصة اعتراض تلكم المرأة، وهي لكي تضع الصبغة العلمية على الكلام قالت أيضاً: لكي نبين أننا لا نتكلم من منطلق العاطفة، سنجيء بكلام علماء الحديث، فـ ابن الجوزي يقول: إن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، وهذا ليس معناه أن كل ما في صحيح البخاري يكون صحيحاً، فمن الممكن أن يكون في صحيح البخاري وهو موضوع وكذب، وأمارة الكذب في الحديث -حسب زعمها- أن الرسول ﷺ الرحيم الرءوف يجيء إليهن في يوم عيد ويقول لهن: أنتن في جهنم وبئس المصير، بدلاً من أن يفرحهن ينكد عليهن، ويقول لهن: أنتن أكثر أهل النار! فهل هذا يليق بذوقه ﵊؟! فتقول: المتن منكر، وإن كان السند من رواية: مالك عن نافع عن ابن عمر، لكن المتن منكر، لا يمكن أن نقبله! أيضاً تقول تلكم المرأة: رجم الزاني المحصن -هو حكم الله . وتقول: هل الحيوان أغلى على الله من المسلم الموحد؟ فالرسول ﵊ يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) أي: لا تجيء بسكين مثلوم وتظل تذبح الخروف، حرام عليك، بل لابد أن يكون السكين حاداً ماضياً لتنتهي من ذبحه بسرعة لماذا؟ لكي لا تعذب الحيوان. فتأتي هذه المرأة وتقول: هذا في الحيوان فكيف يرجم الزاني، ويظل يعذب ويتألم من الحجارة؟! إذ كان الحيوان يقول الرسول فيه: (فليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فلماذا تأخذون في تعذيب ابن آدم هذا؟! أتكون البهيمة العجماء أقرب إلى أن ترحم من الإنسان الموحد؟! ولكنه ورغم أنفها حكم لله -ولكن- في زمان الجهل تصير هذه الشبهة عملاقة، وتصير دليلاً. لماذا؟ لأن أصحاب الحق أضاعوا صوتهم وأقلامهم. لكن في زمان العلم كل الشبهات تتضاءل، بل الأحكام التي لا تقوم على فهم صحيح تتساقط أيضاً، مهما كان حجم قائلها. ونحن نجيب على هذا الاعتراض ونقول: إن الله شرع الأحكام للمصالح، ولذلك الإنسان إذا عرض له حكم لا يفهم له معنى يقول: الله له حكمة في ذلك، وأفعال الله لا تخلو من الحكمة أبداً، فكل فعل له حكمة سواء جلَّت عن أفهام العباد أو عرفوها. حسناً! الحيوان الأعجم -وربنا خلق حيواناً أعجم لك لتأكله- ما الحكمة في تعذيبه؟! ما هي الحكمة من تعذيب الحيوان، وأنت ستذبحه لتأكله؟! إذاً: لا حكمة على الإطلاق، فيتنزه حكم الله أن يثبت العذاب للحيوان الذي يذبح، إذ أنه يخلو تماماً من الحكمة. أما الزاني الذي يضرب بالحجارة! وربنا قال في الحد: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، مع أن الأصل الستر على المسلم، وعلى أصحاب العصيان، هذا هو الأصل في الشريعة: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وقال ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، قالوا: ومَن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: الذين عصوا الله فسترهم؛ فأصبحوا يهتكون ستر الله)، فيكون بهذا مستحقاً للتعذيب؛ لأنه كشف الستر، والذي كان من المفروض أنه يتركه مُغَطًّى. الأدلة متكاثرة على أن الأصل أن تستر على أصحاب العصيان، إلا إذا أنضاف إلى ذلك شيءٌ آخر يوجب عليك أن تظهر هذه المعصية. فإذا كان هذا هو الأصل وهو الستر، فربنا أمر بالفضيحة التي هي خلاف الأصل! لماذا؟ حتى إذا نظر الرجلُ ورأى الزاني يُجلد أو يرجم فهذه فضيحة ويقول: كنا نظنه مُتَّزِناًَ ومستقيماً، فظهر بخلاف ذلك فيسقط من أعين الناس، والذين يشهدون هذا العذاب يعتبرونه بهذه الفضيحة وهذا العقاب فيكون رادعاً لهم عن اقتراف المحرمات. قال الله : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].

стр. 199

الرخص لا تناط بالمعاصي حكْم علماء المسلمين في المرأة التي تحمل سفاحاً من الزنا أنه لا يحل لطبيب أن يجهضها؛ لأنها إذا حملت من سفاح ثم أجهضت، فإنها ستذهب مرة ثانية وتحمل من سفاح وتجهض؛ لكن إذا علمت المرأة أنها إذا حملت لا تستطيع الإجهاض تفكر ألف مرة قبل أن ترتكب هذا الفعل. ففضيحة المرأة الزانية جزءٌ أراده الشارع، ولا تقل: أنا أستر عليها، فإنه لا يجوز الستر هنا، كما قال الله : ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لا تنقل أحاديث الستر إلى أهل العصيان، ثم لا تقل: إن الإجهاض جائز أيضاً. لماذا؟ لأن العلماء يقولون: إن الرخص لا تُناط بالمعاصي، والأصل بقاء الحمل -الجنين- حتى تلد. إذاً: المرأة المتزوجة بعقد صحيح إذا حملت فقال أهل الطب: إن في حملها خطراً عليها، وعملوا بذلك تقريراً؛ تقف مقالة أهل الطب عند هذا الحد، ولا يجوز للطبيب أن يقول لها: أسقطي الحمل، فالطبيب يرفع التقرير إلى المفتي فقط، وليس شرطاً أن يكون مفتي الديار، بل إلى من له حق في الإفتاء، فالمفتي يقرأ هذا التقرير، ثم يقول: جائز شرعاً أن تُسْقِط، وإلا فلا يحل للطبيب أن يقول: جائز شرعاً أن تسقط. إذاً: الطبيب يعمل تقريراً ويرفعه للجهات المختصة صاحبة القرار، وهو الفقيه الذي يقول: جائز شرعاً أن تُسْقِط. فلما كانت المرأة حملت حملاً حلالاً جاز لها أن تستمتع بالرخصة؛ إذ الرخص لا تناط بالمعاصي؛ لأن الرخصة معناها توسعة وتسهيل، فكيف نسهل على أصحاب العصيان معاصيهم، يعني: لو أن شخصاً مثلاً مسافر لكي يذهب إلى المصيف، فيقول ماذا؟ هيا لنقصر الصلاة. فنقول له: لا. يا أخي! قصر الصلاة تكون في سفر المباح أو المشروع، وسفرك سفر معصية، فلا يحل لك أن تستمتع بالرخص، والرخصة هذه لعباد الله الطائعين؛ بينما أهل المعصية لا يستمتعون بالرخص. فالرخصة تناط بالطاعات ولا تناط بالمعاصي، وقد تفرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بهذا القاعدة وهي أنه لا يجوز للمسافر لزيارة قبر النبي ﷺ أن يقصُر الصلاة، وأفتى أن شد الرحل إلى القبر معصية، إنما السنة والمستحب أن تشد الرحل إلى المسجد وليس إلى القبر، كما هو نص الحديث، وقال للذين عارضوه وقاموا عليه: أمهلتُ كلَّ مَن خالَفَني سَنَةً أن يأتيَني بحرف عن الصحابة والتابعين يخالف ما أقول. وكان ﵀ إماماً متضلعاً كالبحر الهادر إذا تكلم. ومعاصرونا من المبتدعة شنعوا وقالوا: السلفيون يكرهون النبي ﷺ ، فإن قيل لهم لماذا؟ قالوا: لأن هؤلاء يقولون: لا تزوروا قبر النبي ﷺ . لا. والله، بل هذا كان مذهب القرون الفاضلة، كان الواحد منهم إذا أراد أن يشد الرحل شده إلى المسجد ومِن ثَمَّ يزور، فزيارة القبر متحققة بزيارة المسجد؛ لكن نيتُك الأولى لا تكون إلا لشد الرحل إلى المسجد؛ لقول النبي ﵊: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) ونفي الاستثناء من أقوى صيغ الحظر. إذاً: فضيحة المرأة الزانية بجلدها أو رجمها جزءٌ أراده الشارع. وبهذا ذَهَبَ قولُ تلك المرأة واعتراضُها كضرطة عير في فلاة، لا قيمة لها.

стр. 200

غياب العلماء الربانيين عن المجتمع سبب البدع والضلالات إن غيابَ العلماء الربانيين من أعظم المحن التي تبتلى بها الجماهير؛ لأنه بقدر غياب العالم يكون غياب علوم النبوة، وبقدر غياب علوم النبوة يكون الجهل الفاشي في الناس، فيَلْقَون الله لا يعرفون كثيراً مما أمروا به، ولا يعرفون كثيراً مما سن لهم رسول الله ﷺ . فهذه المحنة -محنة الأبواب الثلاثة والسبعين باباًَ، والموجودة أمامنا جميعاً- محنة عظيمة جسيمة، والخلاص منها طريق: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). إذاً: لابد من دراسة زمن النبوة، لنعرف كيف كانوا يفقهون ويختلفون؟ وكيف كانوا يتسامرون؟ ونحن نمثل مثالاً لذلك، وربما الكثير يعرفونه: فنقول: إن العلاقة بين الواقع والمثال مثل الهرم أو مثل المثلث حاد الزاوية. الواقع: الذي هو واقع المسلمين وتطبيقهم لدينهم. المثال: الذي هو النص: قرآناً وسنةً. الضلع الأول: الواقع. والضلع الثاني: المثال. طيب! النقطة التي هي رأس المثلث لا أبعاد فيها، ليس فيها طول ولا عرض، ولا مسافات، وإذا سلَّمنا أن لها مسافات فهي مسافات لا تكاد تذكر في عالم الأرقام. نبدأ نلاحظ المسافة بين الضلعين النازلين من النقطة، فنجد أنه كلما تنزل تزداد المسافة بُعداً بين الضلعين. فما هو المطلوب منك؟ الطلوع أم النزول؟ إذا نزلت سترى المنكر معروفاً والمعروف منكراً، وسترى الناس يدورون بين بدعة ورِدَّة. مثلاً: رجل لا يصلي، فلما تنصحه يقول لك: يا أخي! أنا رضي الله عني! يوجد من الناس من يزني، وفلان يسرق، وفلان يرتشي، وفلان يأكل الربا إلخ. أو أن تجد شخصاً يسبح -مثلاً- على المسبحة فتقول له: يا أخي! التسبيح بالأنامل أولى، والنبي ﵊ قال: (اعقدن التسبيح بالأنامل؛ فإنهن مسئولات مستنطقات)، فيقول لك: رضي الله عني، فالناس غافلون عن هذا وهم سادرون في غيهم؛ في الملاهي والمقاهي! مع أن المسبحة كانت منكرة عند السلف رضوان الله عليهم. كلما نزلت إلى تحت ترى تدنياً، فأصبح من هذا حالهم يتأسون بالشر، مع أنه لا أسوة في الشر، يعني: الموظف الذي اختلس مائة ألف، ومسكوه أمام المحكمة وحاكموه، يقول: وما هي المائة ألف هذه؟ هناك شخص أخذ أربعة ملايين. فانظر: المقارنة هل تقبل منه؟! لكن الصحابة لم يكونوا هكذا، والصحابة مثالهم عالٍ رفيع، وإنما يحصل نوع من التدني في الأسوة كلما نزلت إلى تحت. إذاً: حتى تنجو أنتَ وينجو أولادك اطلع إلى فوق، وماذا يعني تطلع إلى فوق؟ فلنضرب لهذا مثلاً: وهو المثلث فهذه النقطة التي في الأعلى هي زمان النبي ﷺ ، لا أبعاد فيها، ولا اختلافات.

стр. 201

فقه الخلاف في حياة الصحابة ثَمَّة اختلافات حدثت في زمن النبي ﷺ ولكنها اختلافات قريبة، وقد كانت عقول الصحابة كبيرة، وإيمانهم عالٍ، فكانوا يعذرون بعضَهم في الخلافات التي يسوغ فيها الاختلاف. فالنبي ﷺ لما قال: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) جماعة من الصحابة ﵃ نظروا إلى الخطاب، وقالوا: هناك مفهوم ومنطوق، فالمنطوق وهو ظاهر الكلام: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) إذاً: لا نصلي العصر إلا في بني قريظة، حتى ولو لم ندخل إلا بعد العشاء، وجماعة أخرى قالوا: لا. نحن عندنا الأصل: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣]، فلا يحل إخراج الصلاة عن وقتها، وإلا ضيعنا الآية، فالرسول ﵊ يقصد أننا نجد ونجتهد، وليس معناه أننا نؤخر الصلاة، وإنما المقصود المبادرة، وكلا الفَهمين سائغ على المنطوق والمفهوم. ولكنهم ﵃ -عندما اختلفوا- لم يتنازعوا ولم يكفر بعضهم بعضاً، ولم يتفرقوا. ثم مضت الغزوة ودخلوا بني قريظة، والذي صلى في الطريق صلى، والذي أجَّل الصلاة أجَّل. وبعد ذلك لما رجعوا إلى النبي ﷺ حَكَوا له الخلاف، قال الراوي: (فلم يعِبْ على أحد). ورُبَّ شخص يقول: معنى ذلك أن الحق يتعدد، أي: لا يكون طرف منهم قد أخطأ. ويقول آخر: لا يمكن أن يكون الحق شيئاً وضدَّه أبداً، فالذين صلوا إما محقون أو مخطئون، والذين تركوا الصلاة وأجَّلوها إما مخطئون وإما محقون، والحق لا يكون إلا واحداً، ولا يكون ضدين أبداً. فنقول: إن كَوْن الرسول ﵊ لم يعِبْ ليس معناه أن كليهما حق في نفس الأمر؛ لكن معناه أن المخطئ اجتهد، وأفرغ الوُسْع في طلب الحق، فكيف يُلامُ مَن أفرغ الوسع في طلب الحق، وقد قال النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد)، أَيُذَمُّ مَن أصاب أجراً؟! لا يَذُمُّ مَن أصاب أجراً واحداً؛ لأن الحق واحد فقط، فالذي أصاب الحق أصابه، والذي لم يصب الحق أصاب أجراً واحداً، فليس من اللائق أن يُعَنَّف مَن أصاب أجراً واحداً. فلذلك النبي ﷺ لم يعنِّف، وليس معنى هذا أن كلا القولين حق. وفي الصحيح: (انطلق نفر من أصحاب النبي ﷺ في سفرة سافروها؛ حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا قريباً منكم لعله أن يكون عندهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط: إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم. والله! إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: (الحمد لله رب العالمين) فكأنما نشط من عقال). وقد ورد الحديث برواية أخرى فيه: (إن سيد الحي سليم)، وسليم بمعنى لديغ، وهي في الأصل لا تعني اللدغ، ولكن العرب يقولون (سليم) تفاؤلاً بالسلامة. كما أن القافلة هي التي قَفَلَت أي: رجعت؛ أما التي غادرت لا يقال لها: قافلة، إنما يقال: قَفَل إذا رجع، فَهُم يقولون: خَرَجَت القافلة مع أنه في الأصل لا يقال قافلاً إلا لمن كان راجعاً، فسميت قافلة؛ رجاء رجوعها. والصحراء سميت مفازة تيمناً بالفوز منها؛ لأن الذي يضل فيها يموت. والرواية التي عند البخاري ومسلم لم توضح مَن الراقي؛ لكن وقع في سنن النسائي وأبي داود أن أبا سعيد قال: (فانطلقت إليه فجعلت أبصق وأقرأ: الحمد لله رب العالمين). فأخذ الصحابة رضوان الله عليهم القطيع من الغنم وانطلقوا إلى رسول الله ليسألوه أيحل لهم أم لا؟ -هذا هو الجيل الذي نريدكم أن تتأسوا به، فال يحركون ساكناً ولا يسكنون متحركاً إلا إذا كان مأذوناً لهم، هذا هو معنى العبودية: أنك قبل أن تفعل الشيء اسأل فيه؛ ما حكم الله ورسوله؟ هذا هو حق الإسلام عليك، حق الالتزام- قال: لا نفعل حتى نسأل رسول الله ﷺ . فجاءوا وجاءوا بالغنم، وحدثوا النبي بما جرى فقال النبي ﷺ له: (وما أدراك أنها رُقْية؟ -ما الذي عرَّفك؟ هو لا يعرف شيئاً عنها، وهذه كانت أول مرة له يرقي فيها- قال: يا رسول الله! شيءٌ أُلْقِي في روعي). من أجل هذا تجد أحياناً شخصاً يدعوك ويقول لك: تعال ارقِ، فتقول له: أنا ما جربت هذه المسألة، وما عملتها قبل هذا! يا أخي! قد يجعل ربُّنا على يدك الشفاء. فهذا أبو سعيد الخدري لم يكن يعرف شيئاً، ولم يجربها قبل هذا في عمره، ولما اختار الفاتحة اختارها هكذا من أجل شيء وقع في صدره. (قال: شيءٌ أُلْقِي في روعي، فالرسول ﵊ حتى يبين لهم أنها حلال قال: اضربوا لي معكم بسهم)، وما قال له: حلال. وسكت؛ لأن هذه أقوى من مجرد القول فالرسول ﵊ قد يتعفف عن الشيء الذي يكون حلالاً لأصحابه، لكن أنه يأكل هذا من أقوى أدلة الجواز والإباحة. فهذه الخلافات كانت موجودة. أعني مثلاً: لو أن هذا حصل في زماننا، فمن الممكن أن واحداً منهم يقول: انظروا إلى الأَثَرَة! انظروا إلى الأنانية! أنا كنتُ أظنه (أَخَاً في الله)، فظَهَرَ (فَخَّا ليس في الله)! فهذه أَثَرَةٌ وأنانية، وأخذ الغنم عنده، ولا يريد أن يعطينا منها. فيحصل الحقد. لكنهم قالوا: (ليس قبل أن نذهب إلى النبي ﷺ ليفتينا في المسألة). فهناك خلافات فرقت بين الإخوان أدنى من هذا مائة مرة، وإذا اختلف مع أخيه تجده لا يصلي في المسجد الذي يصلي فيه، ولا يقابله في الشارع وإذا لقيه تجده يجري؛ من أجل خلاف تافه حقير لا قيمة له ولا واقع. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 202

فضل العالم على العابد إن الإسلام يتعرض لهجمات شرسة من قبل أعداء الله، وذلك لقلة الذابين عنه، والمدافعين عن جنابه من العلماء والدعاة، فالواجب تهيئة الدعاة وكفالتهم حتى يتفرغوا لهذه المواجهة محتسبين هذا العمل لله، لأن العالم هو أقدر الناس على معرفة مكامن الداء، وبالتالي هو أعرف الناس بالحلول الناجعة لمعالجة أي قصور وخلل، فهو لا يكتفي بمعرفة الداء وتقرير الدواء فقط، بل وحتى يعطي لمريضه وسائل الوقاية من هذا المرض حتى لا ينتكس فيه، فالعالم لا يقنط العبد من ربه، بل يقرر له أن باب التوبة مفتوح لجميع العصاة على اختلاف ذنوبهم.

стр. 203

حاجة المسلمين إلى الدعوة وأهمية كفالة الدعاة إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن سنة الدفع تستلزم دافعاً، وقلت قبل ذلك مراراً: إننا في أَمَسِّ الحاجة إلى تبني الكوادر العلمية، وإلى النفقة عليها وتفريغها؛ لتذود عن دين الله ﵎، وتشبه هذه المسألة دولة مترامية الأطراف، وساحلها البحري أيضاً مترامي الأطراف ولا يوجد حرس حدود، أو بين كل جندي وآخر اثنان أو ثلاثة أو أربعة كيلو مترات، ألا يسهل اختراق مثل هذه الدولة وإدخال المخدرات فيها ببساطة؟! فلا نستطيع أن نذود عن حدودها إلا إذا كان لدينا حراس حدود. كذلك يقول العلماء: إن أخطر مرض أصاب الإنسان حتى العام الماضي هو مرض الإيدز، ومرض الإيدز إشكاله أنه يصيب جهاز المناعة، فيمكن أن يموت المرء من أقل ميكروب، وهذا سر خطورة هذا المرض، فجهاز المناعة في الأمة المسلمة هم العلماء، فينبغي تقوية هذا الجهاز وتكثيره، والحمد لله رب العالمين الدعوة انتشرت أكثر من ذي قبل عند جماهير المسلمين، وأنا أتمنى أن يستيقظ كثير من أصحاب الأموال، وأن يتبنوا طلاب العلم، أن يبحثوا عنهم أو يسألوا العلماء: من هم طلاب العلم، فيأخذ كل واحد واحداً أو اثنين أو ثلاثة، وأفضّل لصاحب المال أن يكفل واحداً فقط ويكفيه، أفضل من أن يكفل ثلاثة ولا يكفيهم. فلو فرضنا أن شخصاً يخرج زكاة ماله ثلاثمائة جنيه في الشهر مثلاً، نقول له: أعطِ هذا المبلغ كله لطالب واحد، واكفه مؤنة حياته، وقل: هذا لك بشرط أن يكون وقتك وقفاً لله، فكل ما تحتاجه في حياتك لا دخل لك فيه، لكن بقية وقتك وقف لله ، للذود عن دين الله، فنحن نحتاج عشرات الألوف في المساجد يعلمون الناس دينهم، ويتصدون لهذا الغزو الذي يهجم على الإسلام والمسلمين، فصوتي هذا لا يصل إلى أكثر من هذا المسجد أو إلى بضعة أشخاص آخرين عن طريق الأشرطة، أما هذا الجهاز المدمر -التلفاز- فينشر الدمار يومياً خلال الأربع والعشرين ساعة، والنبي ﷺ قال: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن).

стр. 204

التشكيك في حكم الرجم والرد عليه وهناك غيره أيضاً، أحدهم تكلم مرة عن حد الرجم ونشر غسيله القذر في جريدة الأخبار، يقول: إن الرجم باطل في دين الله ﵎، يقصد رجم الزاني المحصن في دين الله ، ودلل على ذلك بحديث رواه الشيخان في صحيحيهما عن النبي ﷺ قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتل أحدكم فليحسن القتلة، وإذا ذبح فليحسن الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته)، فمن تمام الإحسان المكتوب على كل شيء أن الله أمرك إذا ذبحت حيواناً أو طائراً أن تحد شفرتك، يعني لا تأتِ بسكينة غير حادة فتعذبه؛ لأن تعذيب المذبوح ليس من الإحسان، بل هو من الإساءة، فيقول: إذا كان الإسلام يحض على الإحسان في ذبح الحيوان الأعجم الأبكم أفيسمح بقتل مسلم عصى الله بزنا بالرجم، بأن تظل تضربه بالحجارة في رأسه حتى يموت؟!! فالزاني المحصن المتزوج إذا زنى بعد زواجه أو المرأة التي زنت بعد زواجها حكمهم الشرعي أن يحفر لهم حفرة في الأرض إلى السرة ويردم عليه، ثم يأتي كل مسلم بحجر ويرميه به في رأسه حتى يموت، هذا هو الحكم الشرعي، فهذا يقول: هل هناك دين في الدنيا يكرم الحيوان بأن يقول لك: حد الشفرة واذبح، وفي نفس الوقت يقول لك: عذب المسلم الموحد الذي زنا وعصى الله ؟ لماذا لا تذبحه بسكين حادة وتعامله معاملة الحيوان الأعجم؟ وهذا الكلام ينطلي على الناس، لكن ما هو وجه القبح فيه طالما أنه زخرفه هكذا من الخارج؟ وجه القبح فيه: أن الشيء إذا فعل لا لحكمة كان قبيحاً، فتخيل مثلاً: أن رجلاً جاء وبنى قصراً منيفاً بملايين الجنيهات، وبعدما بنى القصر قال للناس كلهم: ما رأيكم في هذا القصر الجميل؟ فقالوا له: ما شاء الله، لا نعرف قصراً مثله إلا في الجنة، فأحاطه بحزام ناسف وفجره، فهذا فعله قبيح لأنه خلا من الحكمة. فنسأل ما هي الحكمة في تعذيب الحيوان؟ هذا حيوان ستذبحه لتأكله فليس هناك حكمة في أن تأتي بسكينة غير حادة لأن الذبح بالسكين غير الحاد إساءة، لكنّ رجم المسلم الموحد الذي عصى الله بجريمة الزنا بعد إحصانه فيه حكمة، فربنا ذكر العقوبة الأخف وهي الجلد، فالشاب الذي لم يتزوج وزنا يجلد مائة جلدة، فقال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، مع أن الله تعالى أمر بالستر، وذم العاصي الذي يعصي الله خلف جداره ثم يخرج يقول: يا فلان ويا علان أنا فعلت كذا وكذا بالأمس فقال النبي ﷺ في حقه: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل وقد ستره الله ثم يصبح فيكشف ستر الله عليه)، وهناك أحاديث في الستر على المسلم كحديث (من ستر مسلماً في الدنيا ستره الله يوم القيامة)، والأصل أن نستر على أصحاب القبائح، وندعوهم إلى الله ولكن مع هذا لم يأمر الله هنا بالستر، ولكن أمر بالتشهير قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لأنه إذا رأى هذا الشخص يرجم بالحجارة يتفكر في حاله إذا كان مكانه، أنه سيفضح ويعذب، فتحصل بهذا العبرة. وضُعف العذاب على الزاني المحصن والزانية المحصنة، بينما خفف على البكر رغم أن كله زنا؛ لأن مصيبة المحصن والمحصنة كبيرة؛ لأنه من الممكن أن يزني بها وتلد ولا يعرف زوجها أن هذا ليس بابنه، لكن البنت إذا كانت بكراً وكلنا كان يعرف أنها بكر وفجأة انتثر بطنها ستسأل من أين هذا؟ وبالتالي يكتشف الزنا، فلما استطعنا كشف الزنا وكانت المسألة واضحة كانت العقوبة على الدون، لكن إذا كانت امرأة متزوجة وعندها أولاد وزني بها وحملت قيل: إنه من زوجها! فيربي الشخص هذا الولد وهو أجنبي، لذلك ضُعِّفت العقوبة، لأن العقوبات على حسب آثار المعاصي، فكلما كانت المعصية أثرها أكبر كانت العقوبة أشد، وهكذا. فعندما يكتب هذا الكلام، وحد الرجم مجمع عليه بين علماء المسلمين من أهل السنة والجماعة، فقد أجمعوا جميعاً على ثبوت الرجم. وقالوا: إنه كان في كتاب الله ثم نُسخ نسخَ تلاوة ورفعت الآية برمتها من كتاب الله وبقي الحكم. فأحد أنواع النسخ الذي يذكره علماء الأصول: هو نسخ التلاوة، وهو أن يرفع لفظ الآية كلها، وفي صحيح البخاري أنه كان هناك آية تقرأ في كتاب الله ، قرأها عمر بن الخطاب، وقال: كنا نقرأ فيما نقرأ (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) والبخاري روى هذا الحديث في كتاب الحدود من صحيحه، باب رجم الزاني المحصن، والآية الأخرى موجودة في مستدرك الحاكم (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) كانت آية في كتاب الله ونسخت، فكان قرآناً، ثم رفع القرآن وصار حكماً لازماً بالإجماع. فعندما يأتي شخص وينفي هذا الحكم الثابت بالإجماع بمثل هذه الترهات، نحتاج إلى جيش من الدعاة يبين للناس حقيقة الأمر.

стр. 205

وجوب حمل هم الدعوة على الدعاة فالحمل ثقيل جداً جداً، بينما تقاعس المسلمون عن هذا الحمل، وكل واحد يبحث عن مصالحه الشخصية، كل واحد أهم شيء عنده أن يأكل ويشرب ويلبس، والأمة هذه من يحمل همها؟ هذه مسألة مهمة لا بد من النظر إليها بعين الاعتبار، فتواجد وانتشار طلاب العلم وإن كان أكثر من الأول، ولكنه لا زال ضعيفاً جداً، لكن أول الغيث قطر، إن الجبال من الحصى. نحن نعلم أن الدعوة تحتاج إلى أكثر من هذا، وينبغي على أصحاب الأموال أن يحملوا هذا العبء ولا يتضجروا منه؛ لأن الحمل الذي يحمله الدعاة أكثر من حملكم، لا تظن أنك إذا أعطيته مائة جنيه أو مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة أن حملك ثقيل بهذا، لا، إن حمله أكثر منك، فهذا الرجل يطوف البلاد ويجوب الطرق، تأتي الساعة الواحدة والثانية ليلاً وهو يمشي في الطرقات من هذه البلد إلى هذه البلد، فلا تمن عليه أبداً في يوم من الأيام بهذا المال الذي تعطيه إياه، فإن الله غني حميد، وهو الذي يمن وحده على عباده. فأمثال هذا الكاتب ليس الخطورة في كذبه، لكن الخطورة في زخرفة الكذب، والرسول ﵊ قال في الحديث الذي ذكرته آنفاً: (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)، فعندما يقول لك: قال الله، ماذا ستقول؟ وأنت ليس عندك علم؟ والقرآن له قداسة في النفوس، فأنت لا تستطيع أن ترد الآية، وهناك أرضية في قلب كل إنسان على استعداد لتقبله حتى ولو كان هذا الإنسان مجرماً، وهذا منافق عليم اللسان، يستطيع أن يزخرف القول.

стр. 206

الحملة الشرسة على الإسلام ليست هذه الحملة فقط في هذا الجهاز وإنما في كل مكان، فعندما أمر على مدارس البنات في بلدنا هنا تذرف عيني دمعاً، لم نعد نرى الخمار، والحد الأدنى الذي هو النقاب نجد ثلاثمائة أو أربعمائة فتاة منتقبة من بين خمسمائة أو ستمائة، ثم يصدر قرار بمنع المنتقبات من دخول المدارس، لماذا هذا الحصار على العفة؟ والتبرج والخلاعة على شواطئ البحار مأذون بها، لماذا هكذا؟ متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم إذا دعى شخصاً آخر لوليمة، تجد الأم متبرجة والبنت متبرجة وكلهم يجلسون على نفس الطاولة، والطفل الصغير عندما يرى هذا الشيء وأن هناك مائدة على الطاولة وأمه لا تلبس الخمار، وجاره يعني جار أبيه المعزوم أيضاً يجلس بجانبها أو أمامها، وكلهم يأكلون على طاولة واحدة ينطبع في ذهن الولد الذي لا يعرف شيئاً أن هذا صحيح، بدليل فعل أبيه وأمه. والصحيح أنه لا يصلح أن يأكل الجيران مع بعضهم، وربما كان قبل ذلك بسنتين كانت هذه المرأة الجالسة على الطاولة محجبة، وبعدها بسنة خلعت الحجاب، وهذا ما حدث عرضاً خاطئاً، فنحن عندنا سرطانات في كل الأجهزة، من الذي يخط هذا الشيء؟ إنهم أناس بيدهم الرسمية، وبيدهم الإمكانات، وهم كثيرون، وعددهم فوق الحصر، فمن الذي يدفع أمثال هؤلاء؟ إنها الكوادر العلمية التي تحتضنها الجماهير، وتذود عن دين الله ، وأقول: لا تلقَ الله خائناً، أنا دللتك ولا زلت أقول: إن عدم تبني طلاب العلم والذود عن دين الله خيانة لهذه الأمة، قتل الخراصون أمثال ذاك الكاتب الكاذب الذي يقول: (رد اعتبار فرعون) هل القرآن يحاكم ويطالب برد اعتبار فرعون؟ كيف يكتب هذا العنوان؟ وكيف لا زال هذا الكاتب يكتب حتى هذه اللحظة في الجرائد، كيف يقول: رد اعتبار فرعون؟ وهل لفرعون اعتبار إذ أهدر الله قدره فلم يعد له قيمة؟ فهذه كلها هجمات على الإسلام، وهناك جرائد متخصصة في الهجوم على الدعاة إلى الله . وهذا عمل اليهود، أكاد أجزم أن الذين يفعلونها هم اليهود، ولا تخرج أبداً عن أيديهم على الإطلاق، وما هو المانع أن يفعل شخص فعلاً ثم يقوم بإرسال رسالة إلى وكالات الأنباء: نحن الموقعون أدناه الجماعة الإسلامية بمصر نعمل كذا وكذا وسنواصل النضال بل أي طفل يمكن أن يعمل هذا وليس من الصعب أن أرسل رسالة فاكس باسم الجماعة الفلانية أو باسم أي إمام، ثم تنزل حملات واعتقالات.

стр. 207

الرجل الذي قتل مائة نفس كنا وصلنا إلى أن الرجل القاتل ذهب إلى عالم، هكذا وصفه النبي ﷺ ، فقال في الأول: راهب، وفي الثاني قال: عالم، إشارة منه إلى أن الأول لم يكن عالماً، وإلا لو كان الأول عالماً لما كان وصف الآخر بالعلم له معنى، وهذا يشبه قول الرسول ﵊ لما جاءت غزوة تبوك وجاءه المنافقون والمعذرون من الأعراب يعتذرون عن تخلفهم عن غزوة تبوك وقالوا: استغفر لنا، قال لهم: (غفر الله لكم غفر الله لكم) ثم جاء كعب بن مالك وقال: (لقد أوتيت جدلاً، والله ما كان لي من عذر، ولا كنت أيسر مني في هذه الغزوة، ولم أجمع بين راحلتين إلا في هذه الغزوة)، فقال النبي ﵊: (أما هذا فقد صدق)، وهذا إشارة إلى كذب الأولين، ومع أنه قد فهمها النبي ﵊، إلا أنه استغفر لهم؛ لأنه يحكم على الظاهر، ولا يحق لأحد يأتي من بعده أن يتجرأ ويشق عن صدور الناس. فعندما يقول في الثاني: عالم، وأخلى الأول من صفة العلم دلّ على أن الأول جاهل.

стр. 208

باب التوبة مفتوح لجميع العصاة فلما انعقد قلبه على التوبة ولم يمهل ليعمل بالجوارح، اعتبر عمل القلب وأهدر عمل الجوارح، فهو الملك، (فملائكة الرحمة قالوا: إنه خرج تائباً إلى الله بقلبه، وملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيراً قط) وانتبه لهذا الكلام! من في الناس لم يعمل خيراً قط؟ من الممكن أن يكون فينا ناس -وما أبرئ نفسي- ذنوبهم تصل إلى عنان السماء، ولكنه عمل خيراً، لكن هذا الرجل لم يعمل خيراً قط، وقتل مائة نفس، ومع ذلك تيب عليه، فالحديث يحفز العاصي أن يتوب، ويرجع إلى الله، والمجتمع كله يستفيد من رجوع هذا العاصي. فملائكة العذاب تقول: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فقالوا: نحكم هذا الآتي، وقالوا له: الوضع كذا وكذا، والله قد علم هذا الملك كيف يقضي، فهذا الرجل خرج من أرضه وليس بينه وبينها سوى مترين وبقي له اثنان من الكيلو مترات حتى يصل إلى الأرض التي سيدخلها، ولمعالجة هذه المسألة قال النبي ﷺ : (فقال الله لهذه الأرض أن تقاربي، ولهذه أن تباعدي)، قال: (فوجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد، فغفر له فدخل الجنة). نستطيع أن نقول: أيها العاصي أقبل، ونحن الآن في بداية شعبان ورمضان على الأبواب، ورمضان موسم العصاة، فالعصاة يرجعون، فكم من عاص رجع في رمضان، وكم من ولي من أولياء الله كان بدايته في رمضان. الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 209

القلب هو أساس التوبة والعمل كان الرجل له رغبة في أن يتوب، وأراد أن يتوب، تقول الرواية: (فناء بصدره) وناء يعني: أن صدره تقدم للأمام قليلاً، وهذا دليل على الإقبال والمسارعة والمبادرة، فناء بصدره إلى هذه الأرض، يعني ما خرج إلا خطوات ومات، (فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فملائكة الرحمة تقول: إنه خرج تائباً إلى الله بقلبه) وانتبه إلى هذا الكلام، فهذا يدلنا على أن العبد لو عصى الله بجوارحه ثم عزم عزماً أكيداً على التوبة ولم يمهل حتى يعمل بالجوارح؛ أنه يقبل منه؛ لأن القلب ملك البدن، فكيف يُرَدُّ على الملك عمله وتؤاخذ الجوارح؟ وربنا يقول: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، فأخَّر ذكر الجنود، إذ ليس من المعقول أن أمسك بالجندي فأعاقبه وأعفي الملك وهو الذي أصدر القرار وهو الذي وضع القانون، إذاًَ اعتبار عمل القلب أولاً.

стр. 210

لابد للداعية من احتساب الأجر من الله تعالى أحد الجماعة الخطباء في الأوقاف قابلني مرة وهو غضبان، فقلت له: مالك؟ قال: والله يا أخي الواحد ليس له رغبة أن يتكلم، قلت له: لماذا؟ قال: أصرف نصف الراتب في المواصلات، فبماذا أخرج آخر الشهر؟! بعشرة جنيهات!! لا تستحق أن الواحد يتكلم كلمتين، فعندما يعتقد العالم نفسه موظفاً متى يبلغ الحق؟ فالحق يريد من الإنسان أن يحترق، الله قال للنبي ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، والآية فيها تقديم وتأخير من جهة المعنى، أي لعلك قاتل نفسك، أي: ستميت نفسك من الأسف عليهم، فنظمها: لعلك باخع نفسك أسفاً على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث. والدعوة لا تصل إلا بأن يكون الإنسان محتسباً، يدعو الناس إلى الله ، فالعالم ليس مجرد شخص يعطي حكم الله، ويظل واقفاً ويكتفي بأن يقول للناس: الطريق من هنا، لأن هناك أكثر من طريق في الأمام، فمن المحتمل أن يأخذ طريقاً خطأ، فينادي عليه: يمين، شمال، وراء، أمام، فبعد أن يراه سلك الطريق السليم يستريح، ويحس أنه عمل الذي عليه، هكذا فعل الراهب العالم، لم يقل له: نعم لك توبة ومن يحجب عنك باب التوبة فقط، لأن هذا تشخيص للمرض، لكن أين العلاج؟ فإن الطبيب عندما يقول للمريض: عندك المرض الفلاني ثم يصرفه، لا يكون قد عمل شيئاً يستحق أن يأخذ عليه أجرة حتى يعطي الدواء، لأن المريض لم يأت له إلا ليرفع عنه العلة بإذن الله، فكذلك المفتي، عندما يقول: لك توبة، وماذا بعد ذلك:؟ يذهب للنوم، لا، بل بعد تشخيص الداء ومعرفتنا أن له علاجاً، دله عليه، وهو الخروج من أرضه -لأنها أرض سوء- إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعبدون الله فيعبده معهم.

стр. 211

أثر البيئة المحيطة على الشخص فكانت الإشارة إلى أن الجماعة لها تأثير في سلوك الفرد، وأنه ينبغي لنا أن نلتمس المجتمعات التي يكثر فيها الالتزام وتقل فيها المعاصي؛ لأن هذا الرجل الذي قتل مائة نفس، ولم يقل له أحد توقف، من الممكن أن يقتل ثانية إذا استفزه أحد. عندما كنت آخر مرة في الكويت، قابلني شاب كان في جماعة التكفير، ثم سافر وخرج ليعمل في الخارج، وإخوانه يشتكون منه، فكنت موجوداً في آخر يوم فقال: نعمل جلسة مصرية، لا يحضرها إلا أهل مصر، فأتوا يتكلمون في شأن هذا الرجل الذي كان في جماعة التكفير، ثم ترك التكفير أنه بقيت عنده علة وهي أنه إذا أغضبه أحد يكفره، فهم دائماً يرضونه حتى ولو كان مخطئاً، فلما جاءوا طرحوا هذه المسألة والقضية ويقولون له: ارفق بإخوانك، فقال والله أنا عصبي بطبعي، وأول ما فتحت عيني على الدين فتحتها على التكفير، فترك عندي شيئاً يعسر علي جداً أن أتخلص منه، وبعدما أكفر أخي أدخل في نوبة بكاء، لأنني أعرف الحكم، يعني يعرف أن الذي يكفر مسلماً وهو غير صادق أن التكفير يعود إليه، فيقول: أنا أشعر أني كفرت نفسي، لكن ليس هذا بإرادتي، فانظر كيف أن الجماعة أثرت فيه أول ما بدأ يستقيم، وظل هذا الأثر يلازمه حتى الآن، لذلك هجران أهل المعاصي والبدع واجب، فإنك إذا وجدت شخصاً يلازم المعاصي أو البدع وتساهلت معه، فأقل ما في المسألة أنك لن يتمعّر وجهك ولن يتغير قلبك لله ، ولا تأمن أن تكون واحداً من هؤلاء المبتدعين فيما بعد. لذلك كان من الخطر على هذا القاتل أن يظل في أرضه، فهو رجل مجرم وسفاك للدماء فكيف يجلس في بلد لم يقل له فيها أحد: وحد الله، ولم يقل له أحد: قف عند حدك، بل كان حوله البطانة السيئة التي توقعه في الشر، ألا يقول المثل: إذا لم تقدر على عدوك صاحبه، الذي لا يستطيع على عدوه يصاحبه، فهذا الرجل شرير، وأي واحد يقول له كلمة يقتله مباشرة، إذاً: نصاحبه، يعني أول ما يحب أن يقتل، أقول له: وأنا أعرف لك فلان من أين يدخل وأين يخرج، وآتيك بكل تحركاته، وأستغله، وأستغله حتى لا يقتلني، فإذا رأوا أن هذا الرجل قد تاب يذهبون إليه قائلين: مالك مريض، ما لك ما عدت تقتل أحداً؟ أين رجولة الأمس فبعد هذا الكلام يمكن أن يغتاظ ويعود إلى القتل من جديد، وهذا ممكن.

стр. 212

وجوب تغيير المنكر على الجميع إذاً البطانة السيئة التي تريد استغلال هذا الشخص موجودة، وممكن أن تؤلبه، فعلاج هذا الرجل حتى يصل إلى الله بسلام أن يصل إلى أرض بها ناس أول ما يمكث بينهم ينزعون منه روح المعاصي، ولا يمكنونه منها، فالعاصي لا يستطيع أن يرفع رأسه في وسطهم أبداً، لأنهم يقيمون حدود الله ، ولا يسمحون لأحد أن يعصي الله ﵎، ونحن نقول هذا الكلام لأننا مبتلون به في بيوتنا وفي عماراتنا وفي الأحياء، ففي العمارة الواحدة يفتح أحدهم المسجل بأعلى صوت على نغمات ديسكو ورقص وطبل وأنت تقول: أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم، ولو ذهبت إلى الشرطة قالوا لك: هذه حرية شخصية، وهذه هي الأفراح والليالي الملاح، فيوضع المسرح في الشارع إلى أن يؤذن مؤذن الفجر، ومعروف أن الشياطين إذا سمعت الأذان تولت، وهم كذلك إذا سمعوا الأذان ولوا، فطوال الليل وهم بسماعات ومكبرات ومؤثرات صوتية، والمريض لا يستطيع أن ينام، ومع ذلك لو ذهبت لتبلغ عن هؤلاء لا يمكن أن يطيعوك أبداً، لكن لو عملت محاضرة وعملت مكبرات صوت، مباشرة سيقولون: هذا إزعاج وكذا وكذا، ويقولون لك: لماذا نزعج الناس، الذي يريدك سيأتيك إلى المسجد، وتعرضنا لهذا الكلام أكثر من مرة. فهذا جعل الناس يحجمون عن إنكار تشغيل المسجل بهذا العلو، ولا تجد أن أصحاب العمارة يقفون وقفة رجل واحد ويوقفون هذا العبث الموجود في العمارة، أيظنون أن المصيبة إذا نزلت سينجون منها؟ مع أن الزلزال إذا جاء فإنه سيضرب العمارة كلها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. إذاً: لا بد أن ننقي مجتمعاتنا من المعاصي والبدع، ونتكاتف؛ لأن المجموع له تأثير على الفرد، لهذا قال له: (اخرج من أرضك فإنها أرض سوء إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها قوماً يعملون الصالحات، فاعبد الله معهم).

стр. 213

خطر التكفير بغير دليل فأي واحد يقول لآخر: أنت كافر، بدون أن يكون عنده برهان من الله أوضح من الشمس في رابعة النهار عاد عليه الكفر، فلا تكفر إلا إذا أتى بفعل لا يحتمل غيره، والأدلة كلها تتظافر على تكفيره، وإلا فلا تكفر. مثلاً: شخص قطع المصحف ودعسه برجله، فهذا كافر بدون أي توقف، والذي يتوقف في تكفير هذا وهو يعلم أن له عقلاً، فهو كافر بالله العظيم، بخلاف ما لو كان مجنوناً فهذا لا يكفر، والذي يقول: إنه سيدخل الجنة ولو مات على النصرانية، كافر؛ لأنه عارض حكم الله في الشخص إذا مات على النصرانية، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر، وهذه القاعدة تنطبق على من كفره الله ورسوله أو من قام دليل قطعيٌ بكفره. من قال إن أبا لهب في الجنة، أو شك مقال: هو كافر أم لا؟ فهو كافر؛ لأنه عارض حكم الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وما عدا ذلك فالإحجام عن إلقاء كلمة الكفر هو الأسدُّ والأبرأ للذمة، إذاً لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولو كان كثير السيئات، فقد تطاله رحمة الله وعفو الله ، وقد يكون له حسنات تكفر سيئاته بها، كما لو نطق الشهادتين والروح تخرج فإنه يدخل الجنة وكل هذا وارد. فلا نقطع لأحد بجنة ولا نار، فهذا العالم بيّن أنه لا يملك هذا الأمر، قال: (نعم). وهذه الإجابة عن السؤال، ثم قال: (ومن يحجب عنك باب التوبة) يعني: لا أنا ولا أحد، فإن الله فتح باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ ثم نصحه، وهذا شأن المفتي العاقل الذي يعتقد أنه بالنسبة للناس كالأب، وليس اسمه أنه يؤدي وظيفة فقط.

стр. 214

عدم جواز الشهادة لأحد بجنة أو نار قال: (إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: نعم) وهكذا تم الجواب، لكنه بين له الجواب بنصيحة وبراءة، والبراءة أنه بين أنه لا يفتأت على الله ، أن العالم ليس من حقه أن يقول: فلانٌ مغفورٌ له وفلان في النار؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة كما ذكر الطحاوي في عقيدته، قال: (ولا نحكم على معين بجنة ولا نار) لا أستطيع أن أقول: فلان في الجنة، وفلان في النار؛ لأن هذا حكم الله يحكم به، لا دخل لنا فيه، ودخول هذه المنطقة خطير جداً على البشر، كما في حديث جندب بن عبد الله عندما قال رجل: (والله لا يغفر الله لفلان) فقال الله: (من ذا الذي يتألى علي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك)

стр. 215

يجوز التنقل بين المفتين بشرط عدم الهوى فنحن عندما نشعر بالغضاضة في صدورنا من الفتوى وليس الهوى هو المحرك، نلتمس مفتياً آخر، فإذا التمست المفتي الثاني والثالث وكانت نفس الفتوى فماذا تفعل؟ قالوا: إذا شعرت بحرج تلتمس مرجحاً، فإذا وافقهم الثالث فهذا هو الحكم ولا عبرة بما يحل في قلبك، لأنه قد يكون وسواساً، وقد يكون هوى، أو إذا لم تعجبك الفتوى وتريد فتوى خطية وأنا قلت: شرط أن تنتقل من هذا إلى هذا البراءة من الهوى. جاء إلي شخص مرة وقال لي: طلقت امرأتي مرتين، قلت لها في المرة الأولى: أنت طالق، وفي المرة الثانية قلت لها: أنت طالق، وفي المرة الثالثة قالت لي هي وصعدت على الكرسي: إن كنت رجلاً طلقني! فقلت لها: أنت طالق! فما رأيك يا شيخ في هذا؟ فقلت له: بغض النظر عما قالت لك فالمرأة بائنة بينونة كبرى، ولا يحل لك أن تعيش معها، فقال: أنا أحبها! فانظر حتى بعدما قال: صعدت على الكرسي، وقالت لي: لو كنت رجلاً، ومع هذا يقول: أحبها!!! لو كانت هذه آخر امرأة على وجه الأرض، فإن أي رجل تتدفق في عروقه دماء الرجولة لا يمكن أن يبقي هذه المرأة على الإطلاق، فيبكي ويقول: أقبل يدك!! وكأن المسألة في يدي أنا، فأقول: يا بني هذه ليست بيدي، ولكن اذهب إلى لجنة الفتوى، فقلت له: تعال لي بعدما ترجع وأخبرني كيف كانت الفتوى، فطبعاً لم يرجع، ولكن أتاني أخوه وقال: إنه ذهب إلى مسجد بجانبهم إلى شخص مقيم شعائر، وبكى هناك قليلاً وقال: الأولاد سيشردون، ولم أكن أقصد، فقرص أذنه وقال له: هات ثلاثين جنيهاً ولا تكررها، وارجع لها. فهذا الشخص يريد فتوى خطية، جاءني فلم تعجبه الفتوى، فذهب إلى لجنة الفتوى ولم تعجبه الفتوى، ثم ذهب إلى مفتٍ ثالث ولم تعجبه الفتوى، كل هذا لأن قلبه لم يسترح من الفتوى، فلا يجوز لهذا أن يعدد السؤال فشرط أن ينقل السؤال من مفتٍ إلى مفتٍ آخر أن يحيك في صدره شيء من فتوى الأول، وليس الهوى هو الذي يدفعه، يعني أن يكون خالياً من الهوى، فإن كانت الفتوى الثانية لا يزال يحيك في صدره شيء منها مع البراءة من الهوى يلتمس الثالث، فالثالث إما أن يرجح فتوى الأول أو فتوى الثاني فيصيرون اثنين على واحد، أو إذا وافق الاثنين وصاروا ثلاثة فلا يحل له أن يسأل الرابع. إذاً عندما قال: (دلوني على أعلم أهل الأرض) وانتقل من مفتٍ إلى مفتٍ آخر، هذا يشرع لنا في ديننا بالشرط الذي ذكرته، فلما ذهب إلى الراهب العالم قال له: (إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا). ففتوى هذا الرجل العالم جميلة فيها بهاء، وكذلك فتاوى الأئمة الكبار، مثل الأئمة الأربعة أو العلماء المجتهدين، وكذلك تعليلهم للفتاوى، تجد جمالاً ليس في مجرد الفتوى، بل هي فتوى وتعليم.
следующие страницы →