← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أمثال قرآنية سوف نقف مع بعض الأمثال في القرآن:

стр. 1507

ضرب المثل بالرجل الذي فيه شركاء متشاكسون الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم نختتم الأمثال من القرآن بذكر رجلٍ هو أشقى رجل على وجه الأرض. قال تعالى في سورة الزمر: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ هذا الطرف الأول للمثل. الطرف الثاني: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩]. ((رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)) أشقى رجل على وجه الأرض هو هذا الإنسان، عبدٌ فيه شركاء متشاكسون، أي أن كل واحد منهم يعاند الآخر، ينتظر أن يأمر الآخر بأمرٍ حتى يأمر بضده، وهؤلاء المتشاكسون لهم عبدٌ واحد، إذا صادف العبد رجلاً منهم جره واستخدمه. فلنفترض مثلاً عشرة من المتشاكسين يكره بعضهم بعضاً، وكلما أمرَ أحدهم بأمر، أمر الآخر بضده، كنوع من العناد والمشاكسة، عناد، فقال الأول -مثلاً- لهذا العبد: اذهب إلى الجهة الفلانية وائتني بكذا، واعلم أنك إذا لم تطع أمري عاقبتك. فبينما هذا العبد الشقي ذاهبٌ إلى الجهة التي أمره أن يذهب إليها السيد الأول إذ قابله في الطريق المالك الثاني: - إلى أين يا غلام؟ - أمرني فلانٌ أن أذهب إلى جهة المشرق لآتي بكذا. - لا، اذهب إلى المغرب وائتني بكذا. ذهب إلى المغرب طبعاً لم يقض حاجة الأول. - يا غلام! لم لم تطع أمري؟! - والله يا لقد أمرني فلان. -أنا ما لي وماله! تعال هنا. ويوقع به العقوبة، فبينما هو متوجه إلى المغرب قابله المالك الثالث: - إلى أين؟ - إلى كذا. - لا، تعال اذهب إلى الجهة الفلانية. - فيسأله الثاني: لم لم تفعل؟ - جرني الثالث. - وأنا ما لي! تعال! فيعاقبه، فلا هو محمودٌ عندهم جميعاً ولا يقضي لهم شيئاً جميعاً، وإذا استجار بواحدٍ منهم قال له: وهل فعلت لي شيئاً حتى تستجير بي؟! أمرتك فلم تمتثل، فمهما يقدم من عذرٍ لا يقبل منه! تعلمون على وجه الأرض أشقى من هذا العبد! فالذين يعبدون آلهةً متكاثرة أمثال هذا الإنسان. ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] ليس له إلا مالك واحدٌ وآمر واحد، إذا أمره ابتدر أمره، ونفذ ما يريد، فيعرف له ذلك ويكافئه، وإذا اعتذر عذره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء: ((ورجلاً سالماً لرجل)) فمن المستريح؟ أنه هذا الرجل السالم. حسناً: يا جماعة! يا معاشر العقلاء! هذان الاثنان هل يستويان مثلاً؟ فلما كان المثل واضحاً غاية الوضوح ومع ذلك ضل عنه الذين كفروا؛ قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].

стр. 1508

ضرب المثل ببيت العنكبوت مثلٌ آخر: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١ - ٤٣]. المثل هنا: مضروب ببيت العنكبوت، وأوهن البيوت هو بيت العنكبوت، وآية ذلك لو أن ابنك الرضيع الذي يحبو على الأرض صادف بيت عنكبوت، وجمعه بيده لكان قادراً على ذلك! طفل رضيع يجمع بيوت العناكب في يده، فالذي يحتمي بإلهٍ دون الله كالذي يحتمي ببيت العنكبوت. قال ابن نوح ﵇ له لما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] جبل عالٍ سامق شامخ، أين الموج الذي يصل إلى الجبل؟! ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣] الجبل مخلوق وانظر! ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر:١٢]، انظر إلى الإحاطة والقدرة: ((فتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمر)) ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض) إنما قال: ((وفجرنا الأرض)) صارت كلها عيوناً؛ لأن جملة (وفجرنا عيون الأرض) فيها إشعار أن هناك بعض مناطق الأرض لم يخرج منها ماء، إنما ((وفجرنا الأرض)) أي: صارت الأرض كلها عيوناً تخرج الماء. ماءٌ من فوق، وماء من تحت، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢]، ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٤٣]. فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله إذا جاء ضرٌّ لا يدفعون عنكم شيئاً، فلماذا عبدتموهم مع وهاء بنيانهم؟! وقال بعض علماء العصر: إن بيت العنكبوت بيتٌ واه ضعيف؛ لأن أنثى العنكبوت تقتل الذكر بعد التلقيح، قالوا: فكأن البيت الذي لا يحكمه رجلٌ وتحكمه امرأة من أوهى البيوت هذه محنة جسيمة عظيمة كبيرة! أوهى البيوت بيتٌ تحكمه امرأة، ويمشي بتدبير امرأة! ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]. ثم قال : ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1509

ضرب المثل بخلق الذباب مثلٌ آخر: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]. فانظر إلى هذا التعقيب! (قويٌ عزيز) بعد إثبات عجزهم أن يخلقوا أخس حشرة موجودة، سمي الذباب ذباباً؛ لأنه كلما ذبّ آب، كلما دفعته رجع إليك، فضرب الله المثل بهذا الذباب الخسيس. ولذلك استنكف المشركون من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، فقالوا: أما يستحيي رب محمدٍ أن يضرب لنا المثل بالذباب والعنكبوت؟! فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] (فما فوقها): كالذباب والعنكبوت فهذا مثل يفهمه العقلاء. ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)): وأداة النداء من معانيها أو من فوائدها: التنبيه والإيقاظ، (يا) فأنت تعطي أذنك كل النداء، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) لما سمعوا النداء أصاخوا بآذانههم، ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] ودائماً تضرب الأمثال في التوحيد، وليس في الأحكام الشرعية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣] وأصل الخلق الإيجاد من العدم؛ لكن إذا بنيت على موجود لا يقال: خلقت؛ لأن هناك مغالطة حصلت في هذا العصر في مسألة الاستنساخ. أول ما استنسخوا النعجة (دوللي) قالوا: لقد استطاعوا أن يخلقوا نعجة! وكذبوا؛ لأنهم أتوا بخلية من كائنٍ حي، والخلية هي من خلق الله ، فبنوا عليها فأين الخلق؟ لكنهم لبسوا على ضعاف العقول، وما أكثرهم! حتى قال قائلهم -وكفر بهذه المقالة-: إن ميلاد النعجة (دوللي) أعظم من ميلاد المسيح! فزعموا أن العباد فعلوا ما لم يفعله ربهم! ومع ذلك أفتى علماؤهم وأذكياؤهم: أن الاستنساخ تدمير للبشرية؛ لأن المستنسخ له نفس مواصفات الخلية، فلو أخذوا -مثلاً- خليةً من إنسان عمره -مثلاً- أربعون سنة، عنده مرض السكر والضغط والسل -أو أي مرض من هذه الأمراض- واستطاعوا أن ينموا إنساناً من هذه الخلية، فسوف يكون عمر هذا الولد الرضيع أربعين سنة، وسوف يكون وهو رضيع مريض بالسل والضغط وبكل الأمراض التي في الخلية، فتصور أن طفلاً رضيعاً به كل هذه الأمراض، وحين يصل إلى عمر عشر سنين سوف يمشي على عكاز! إذاً فنيت البشرية، أين طاقات الشباب وأين السواعد التي تبني الحضارات لما يكون ابن عشر سنين عنده كل هذه الأمراض؟! فالاستنساخ تهديد للبشرية كلها، فهل يستطيعون أن يخلقوا الخلية؟! هذا هو المذكور في هذا المثل ((لن يخلقوا ذباباً)) لا خلية الذباب ولا الذباب، ((ولو اجتمعوا له))، لا يوصف أحدٌ بأنه إله إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره على غيره ولا يغلب، فإذا غُلِب لم يكن إلهاً، وإذا أمر فلم يمض أمره لم يكن إلهاً. فلو سلمنا جدلاً أن آلهتكم -أيها المشركين- كلها اجتمعت بطاقاتها ومواهبها وقدراتها جميعاً لا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً، وليس هذا فقط، بل هناك مسألة أحط من ذلك لا يستطيعونها أيضاً ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وكأنه قال: لا يستطيعون، وأنا سأدلل لكم على أنهم أحقر من أن يخلقوا بأن أذكر شيئاً تافهاً لا يستطيعونه أيضاً. ((وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)) لا نكلفكم أكثر من طاقاتكم، ولن نقول: اخلقوا، عرفنا أنكم عجزة؛ لكن هذا ذبابٌ مخلوقٌ لله، وقع في إناء أحدكم وأخذ رشفةً من الشراب الذي يشربه، هل يستطيع أن يرجع هذا الشراب الذي أخذه الذباب من إنائه؟! هذه مرحلة أحط وأدنى من الأولى، ومع ذلك لا يستطيعونها ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] المطلوب: هو الذباب الضعيف، والطالب: هو هذا الكافر الذي ملأ الأرض فساداً، وقال بعضهم: (أنا ربكم الأعلى)؛ لكنه عاجز عن استنقاذ شيء من الذباب: (ضعف الطالب والمطلوب). فإذا كان هؤلاء الذين تعبدونهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك، فهم لا يستوون مع الله، فلماذا فعلتم هذا، وساويتم بين الله وبين الآلهة التي لا تستطيع أن تخلق ذباباً؟ يا حسرتاه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] إذ سووا بينه وبين الذي لا يخلق ذباباً! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٧٤].

стр. 1510

ضرب المثل بالرجل الأبكم الذي هو كَلّ على مولاه ثم ضرب مثلاً آخر عجيباً، أشد وضوحاً من الأول فقال : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل:٧٦] انظر إلى وضوح هذا المثل أكثر من الأول! ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل:٧٦] أربعة أوصاف لهذا العبد المخذول: أبكم لا يتكلم، والكلام نعمة؛ ولذلك شنّ علماء المسلمين الغارة على الجهمية حين زعموا أن الله لا يتكلم، فقال مفتريهم عند تفسير قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]، قال: إن الله لا يتكلم. صفة الكلام صفة كمال، وعدمها صفة نقص عند المخلوقين، فكيفَ بالخالق ؟! فقال أهل السنة: هو متكلمٌ كان ولم يزل متكلماً؛ لأن عدم الكلام نقص. فهذا رجلٌ أبكم، عاجز لا يقدر على شيءٍ، ومن تمام عجزه أنه كلٌّ على مولاه. نحن نعبد الله لأسباب كثيرة: منها أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومنها: أن يوصل النفع إلي، ويدفع الضر عني، فأنا إذا احتجت أقول: يا رب. إذاً: أنا الذي أحتاج، وإلهي هو الذي يمدني. تصور العكس: أن إلهك الذي تعبده يحتاج إليك! هذا الرجل كلٌٌّ على مولاه، المفروض أن مولاه اشتراه لينتفع به، لكن مولاه هو الذي يخدمه، وهو الذي يشتغل له، فهذا العبد كلٌّ على مولاه. ولو قال له مولاه: مللت منك وليس منك أي فائدة: اذهب إلى الجهة الفلانية، ائتني بفلان، أو احضر لي كذا وكذا: (أينما يوجهه لا يأت بخير) إذا بعثه في معروف يأتي بمصيبة، لا ينطق، ولا يقدر على شيء، وأنا الذي أنفق عليه، فإذا أردت أن أستخدمه مرة جاءني بمصيبة! الطرف الأول من المثل. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦]، أجيبوني أيها العقلاء! هل يستوون؟ مثل في غاية الوضوح. وهذان المثلان ضربهما الله لنفسه مع الآلهة من دونه. هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل؟ لا يأمرُ إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره، ولا يأمرُ إلا إذا كان متكلماً، إذاً يأمر هي ضد (أبكم لا يقدر على شيء) أبكم: يعني لا يتكلم، في مقابله يأمر، لأنه لا يأمر إلا إذا كان متكلماً، ثم لن يأمر إلا إذا كان قادراً على إمضاء أمره، فهذا في مقابل: ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأن ذاك العبد الأبكم جاهل لا يعرف الخير من الضر. ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ولا يأمر بالعدل إلا إذا كان عالماً بالفرق بين العدل والجور، فهذا في مقابل: ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾. لكن هذه الكلمة المجملة ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦] كانت كلها صفات في مقابل صفات النقص الأولى.

стр. 1511

ضرب المثل بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء في سورة النحل قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٣ - ٧٤]، ثم ضرب مثلين؛ ليبين أنهم لا يعلمون؛ وأن واقعهم ينادي أنهم لا يعلمون حتى وإن ادعوا أنهم يعلمون، واقعهم ينادي بجهلهم، فهذا الجاهل الغبي كيف يضرب المثل لربه؟! وانظر إلى ترفق الله بالعبد، وصبره على ضرب المثل له، وبسطه للعبارة! وهذا كله ينبئ بسعة حلمه على عبيده، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النحل:٧٥] أي: لا يستوون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل:٧٥ - ٧٦] أربع صفات: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦]. تأمل هذا المثل ما أجمله وما أعجبه وأقواه في إقامة الحجة! مفتتح الآيات ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل:٧٣] الشيء العجيب كلمة (شيئاً) هذه! ما موقعها؟ مع أنها لو حذفت استقام السياق: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ولا يستطيعون) الكلام مستقيم، لكن جاءت كلمة: (شَيْئًا)، هكذا منصوبة كأنها بدل، قال بعض النحاة: إنها بدل من (رزقاً)؛ أي أنك تستطيع أن تضع البدل مكان المبدل منه وتصح العبارة، كأن تقول: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم شيئاً) والرزق داخل في الكلام، لكن جاءت (رزقاً) ثم قال: (شيئًا). الرزق شيء، فكأن تقديم الرزق على الشيء من باب تقديم الخاص على العام، وهو عند علماء الأصول يفيد الاهتمام؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] فالصلاة والنسك أخص، والمحيا أعم، لو قلت: (إن محياي لله) دخل فيه الصلاة والنسك وكل شيء، لكن تقديم الصلاة والنسك فيه دلالة على الاهتمام بالصلاة والنسك، كما قال ﷺ : (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، مع أن المرأة من الدنيا، فكان يمكن حذف المرأة ويقال: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) والمرأة من الدنيا، لكنه أفرد المرأة بالذكر بعد الدنيا إشعاراً بفتنتها وخطورتها. فبدأ الله بذكر أن الآلهة من دونه لا يملكون للعباد رزقاً، وهذه قضية خطيرة وحيوية في حياة الناس. كم الذين داهنوا أعداء الله ، بل كانوا عوناً لهم بدعوى أكل العيش! كم الذين ارتكبوا المحرمات ولا يزالون يقول لك: أكل عيش! ماذا أفعل؟! المرتب الأولاد الأكل الشرب... فارتكبوا المحرمات بدعوى الأكل والشرب والرزق! فالله ذكر هذه القضية الخطيرة الحيوية في حياة الخلق، بدأ بها: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾ [النحل:٧٣]. حسناً: هذا لا يملك لك رزقاً لماذا تعبده؟ واقعك في الدنيا يكشف أنك اتبعت كل جبارٍ عنيد من أجل الرزق ولقمة العيش، فلماذا خالفت هنا؟! ثم ضرب الله مثلاً فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل:٧٥]، وهذا واقع في حياة العرب، كان عندهم عبيد، وكانوا يعلمون أن العبد المملوك لا يقدر على شيء أبداً، لذلك من العلماء من لم يجز شهادة العبيد لماذا؟ قال: لأن العبد في ملك سيده، فقد يُدعى العبد للشهادة، فيقول له سيده: لا تذهب، فهو مسلوب الإرادة، ولا بد له أن يطيع سيده؛ فتضيع الشهادات وتضيع الحقوق؛ لذلك قال: هذا عبدٌ مملوك لا تناط به الشهادة، ولا يملك حل شيءٍ ولا ربطه. فيا أيها العرب: عندكم عبيد، وأنتم تعلمون أنهم لا يملكون شيئاً، فنضرب المثل لكم بما تعلمون. وقال: (مملوكاً) حتى يظهر المعنى؛ لأنه لو قال: ((وضرب الله مثلاً عبداً)) فقد تتصور أن المراد مطلق العبودية، التي تشمل الحر والمملوك؛ لكنه أراد أن يخرج الحر من ضرب المثل، وأن المثل مضروبٌ للملوك. كلمة (عبد مملوك) معناها: أنه لا يقدر على شيء، لكنه أبان عن عجزه الكامل ودفع كل تأويلٍ يتأول به فقال: ((لا يقدر على شيء)) من باب التأكيد والبيان، كما قال تعالى في مفتتح هذا الربع في سورة النحل: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١]، مع أنه مستقرٌّ عند جميع الناس أن الإلهين لا يكونان ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة، إلهان: مثنى، فهما اثنان، إنما جاء هذا للتأكيد، كما لو قلت: أنا رأيتك بعيني، مع أنك لا ترى إلا بعينيك، أو تقول: أنا سمعتك بأذني، مع أنك لا تسمع إلا بأذنيك. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:٧٥] هذا هو الشطر الأول من المثل، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾: أي وضرب الله بالرجل الحر المثل، وتأمل كلمة (منّا) هذه التي تفيد الإمداد الشخصي، ملك من الملوك يمد رجلاً يقول: أنا الذي أعطيتك. إمداد شخصي. فالله يقول: أنا الذي أمده، وأنا الذي أرزقه، وفيه عناية بهذا العبد. ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾: رجلٌ حر، ينفق ماله سراً وجهراً، يميناً وشمالاً، وعنده رافد ومعين لا ينضب، وهو: أن ملك الملوك -تبارك اسمه- هو الذي يمده، فهو رجل لا يخشى الفقر ولا الفاقة، فهو ينفق ببذخ وسخاء بالله عليكم هل يستوون؟! انظر إلى وضوح المثل فهو واضح جداً جداً؛ ولذلك قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٥]، حمد الله نفسه أنهم لا يستوون في عقل أي عاقل، وحمد الله نفسه أن الذين كفروا لا يعلمون، إذ لو علموا لشغبوا على الذين آمنوا؛ فليظل هؤلاء في جهلهم يرتكسون. وهكذا يحمد الله نفسه أنه لا يوصل الخير إلى الذين ظلموا، قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥] فحمد نفسه بعد إهلاك الذين ظلموا؛ لأن في إهلاكهم نجاة للذين آمنوا. وفي غيابهم أيضاً نجاةٌ لحجج الذين آمنوا، قال النبي ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم منافقٌ عليم اللسان يجادل بالقرآن)؛ لأنه يضل الناس، منافق له لسانٌ عذب يستطيع أن يقيم الحجج ويزين الكلام، فمع نفاقه لا يخلو كلامه من آيةٍ وحديث. فمع حسن العرض وتزيين الكلام بالآية والحديث يظن الناس أنه من الحق؛ فيفتتنوا، فهذا أخوف ما يخاف رسول الله ﷺ على الأمة: (منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن). فإضلال الذين كفروا عن موضع الحجة نعمة؛ لذلك حمد الله نفسه عليها: (هل يستوون)؟ أي إنسان عنده مسكة من عقل يقول: لا يستوون، فقال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 1512

ضرب المثل بالصراط المستقيم أخرج الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه على الصحيحين من حديث النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبوابٌ مفتحةٌ، وعليها ستورٌ مرخاة، وعلى رأس الصراط داعٍ، يقول: هلم -عباد الله- إلى الصراط ولا تتعوجوا، وفوق الصراط داع، كلما أراد الإنسان أن يفتح باباً قال: ويحك! لا تفتحه؛ فإنك إن فتحته تلجه. فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله ، والأبواب: محارم الله تعالى، والداعي على الصراط: كتاب الله ، والداعي من فوق الصراط: هو داعي الله في نفس كل مسلم). وهذا حديث صحيح، وهو من أجمل الأحاديث وأعذبها، وهو كثير الفوائد! والمقصود من ضرب المثل: تبيين الفكرة المجملة؛ لأن العمل بالشيء فرعٌ عن تصوره، فإذا تصورت الشيء عملته.

стр. 1513

الصراط: معناه وأساليب وروده في القرآن الصراط هو الطريق، وكلما جاء الصراط في كتاب الله مفرداً غير مقيدٍ بوصف؛ فإنما يقصد به الصراط المستقيم، والمستقيم وصفٌ للصراط لكن لو قلت: لفظة (الصراط) بلا وصف لا مستقيم ولا أعوج، إذا جاء الصراط مفرداً غير موصوف في كتاب الله فيقصد به الصراط المستقيم، وهذا يدلك على أن لفظة (الصراط) تحمل في معناها لفظة الاستقامة، كما قال : ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤]، ناكب: أي منحرف، ولم يقل: (عن الصراط المستقيم) والسياق أعلمنا أن الصراط هنا هو الصراط المستقيم؛ فالذين لا يؤمنون بالآخرة لا يمكن أن يمشوا على الصراط المستقيم. وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف:٨٦]، الصراط هنا المقصود به الصراط الحسي أو المعنوي أو كليهما معاً، ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ لا تقعدوا في كل طريق ((تُوعِدُونَ)) أي: تهددون الذين آمنوا؛ إذ سلكوا الصراط إلى الله ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، فكلمة (وتبغونها عوجاً) دليل على أن الصراط الذين يصدون عنه مستقيم؛ لذلك أرادوا أن يجروا الذين آمنوا إلى غيره من الطرق المعوجة. وكلما اعوج الطريق طال، وأنت إذا رسمت بين أي نقطتين خطّاً معوجاً، فالمسافة بين النقطتين إذا كان بينهما خط مستقيم مثلاً عشرة أمتار، لكنها على الخط المعوج صارت عشرين متراً. ولذلك لما وصفوا الخط المستقيم قالوا: هو الخط الفاصل بين أقرب نقطتين، هو هذا المستقيم. إذاً كلما استقام الطريق، قصر وقرب في إيصال سالكه إلى المقصود. ولذلك أمرنا الله أن نقرأ في اليوم سبع عشرة مرة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] لماذا؟ لأن الصراط المستقيم هو أقصر طريق موصل إلى المقصود، كلما كان الطريق معوجاً كلما طال على سالكه، لذلك قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. الصراط: وصف بالاستقامة في آيات كثيرة جداً: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون:٧٣]. ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٥]. آيات كثيرة فيها ذكر الصراط المستقيم، أو ما يقوم مقام الاستقامة، كقول تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] فـ (السوي) هنا: بمعنى المستقيم أيضاً. وفي سورة (ص) في الآيات التي تذكر تسور الخصمين على داود: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢١ - ٢٢]، فكلمة (سواء) هنا هي مثل السوي في قوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ وهي مثل كلمة (المستقيم) في قوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].

стр. 1514

أوصاف الصراط المستقيم إن الله ﵎ أمرنا أن ندعوه، فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] والصراط المستقيم له أوصاف وميزات: منها: أنه مستقيم. فتصور رجلاً أعمى لا يبصر، ووضعت قدميه على هذا الصراط، وقلت له: يا بني! امش، لا تنحرف. رغم أنه أعمى فسيصل فهذا هو الحق ليس به خفاءٌ فدعني من بنيات الطريق (بنيات الطريق) هي الطريق المعوجة، والبصير يتوه في الطريق المعوج، والأعمى لو صففت قدميه على طريق مستقيم لمضى وهو أعمى ووصل فكيف إذا كان مبصراً؟! فلا يضير أن يكون الطريق طويلاً ما دام مستقيماً. وفي الحديث الذي رواه أحمد وغيره -وهو حديث صحيحٌ أيضاً- عن ابن مسعود ﵁ قال: (خط لنا رسول الله ﷺ على الأرض خطاً طويلاً، وخط حوله خطوطاً قصاراً، ثم قال: هذا صراط الله) طويل، لكنه مستقيم، من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة هو صراط واحد، قد فنيت فيه الأمم، ومات فيه ألوف النبلاء، بل ملايين النبلاء، ولا يزال في الطريق بقية، لا تسقط الراية منه، إنما يسلم بعضهم الراية لبعض، راية التوحيد. قال: (هذا صراط الله، وهذه صرط الشياطين، على كل صراط شيطان يدعو إليه، ثم تلا قوله ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]). أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها، مولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 1515

تحت كل محنة بشرى [١] من المحن تأتي المنح، وتحت كل مصيبة خير لصاحبها ولا أدل على ذلك من قصة أم موسى ﵇، فقد ابتلاها الله تعالى بأن أمرها أن تلقي ولدها في اليم، ثم انقلبت محنتها منحة وخيراً، ومثلها قصة الإفك؛ فقد كانت محنة ومصيبة في البداية على عائشة ﵂، ولكن الله تعالى جعل من بعدها خيراً كثيراً لها وللمسلمين، وغيرها من القصص.

стр. 1516

فوائد من قصة موسى ﵇ إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧].

стр. 1517

لا تستبعد جلاء المصيبة والمحنة أما أم موسى فإنها أمة من إماء الله ، شرفها الله ﵎ ورفع قدرها وأعلى كعبها مرتين: المرة الأولى: يوم ولدت موسى فاصطفاه الله ، والمرة الثانية: يوم أوحى إليها وربط على قلبها، واختصها من بين نساء العالمين بذلك. ففي قوله ﵎: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] كان مقتضى الأمر أن يقول: (إذا خفت عليه فأخفيه) أي: فأحرزيه بصندوق في مكان آمن، لكن أن يقال لها: إذا خفت عليه فألقيه إلى المجهول! وألقيه في البحر، وهي لا تدري أين يقذفه الموج، ولا من الذي يستلمه بيديه، فأي أمن في هذا؟! فمن أعظم الفوائد التي تستفاد من هذا الموضع: أنك لا تستصعب جلاء المصيبة، ومهما جاءك من محنة ظاهرها الألم الشديد، فأمِّل في الله خيراً أن يكون تحتها الخير العميم، وهكذا كل مصيبة يحتسبها العبد لا بد أن يجد تحتها خيراً.

стр. 1518

عدم استحقار الناس أول الفوائد في هذه الآية: في قول الله ﵎: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ والوحي إعلام بخفاء؛ وهو من الله إلى العبد شرف للعبد. فإياك أن تحقر أحداً، فإنك لا تعلم منازل الناس عند الله، قال النبي ﵌: (رب أشعث أغبر ذي طمرين -يعني: يلبس أسمالاً بالية- مدفوع بالأبواب - إذا فتحت بابك فرأيته أغلقت دونه الباب؛ لأنك استقذرته؛ ولم يملأ عينك- لو أقسم على الله لأبره)، والذهب أنفس المعادن، ومع ذلك فعندما تستخرجه من باطن الأرض، تستحقره بعينك وتمتهنه، ولا تراه يساوي شيئاً حتى يدخل النار. وكثير من العباد مثل الذهب، يداري أصله طمراه وثيابه، وبذاذة هيئته، فلا تحقرن عبداً.

стр. 1519

قصة أنس بن النضر وإقسامه على الله وهذا الحديث قيل في صحابي جليل لا يعرفه جماهير المسلمين، وهو أنس بن النضر، أحد الأوائل الذين قتلوا يوم أحد مع عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله. حدثت مشاجرة بين أخته الربيع بنت النضر وبين جارة لها، فاعتدت الربيع على جارتها فكسرت ثنيتها -والثنية مقدم الأسنان- فأراد الناس أن يقتصوا من الربيع، فأبى أنس، فذهبوا إلى النبي ﷺ يطلبون القصاص، فأبى أنس، وقال للنبي ﵊: (يا رسول الله! أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر أبداً). فقال النبي ﷺ : (يا أنس! كتاب الله القصاص). وهو يقول: (لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية الربيع أبداً) ولا زال النبي ﷺ يقول له: (يا أنس! كتاب الله القصاص). وهو يأبى، حتى قبل الناس الدية، وتنازلوا عن القصاص، فحينئذ قال النبي ﷺ : (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) فـ أنس كان يقول: (لا والذي بعثك بالحق لا تكسر) ويقسم بالله، حتى وفى الله ذمته، وقبل الناس الدية. أما أم موسى؟ فإنها أمة من إماء الله ، شرفها الله ﵎ ورفع قدرها وأعلى كعبها مرتين: المرة الأولى: يوم ولدت موسى فاصطفاه الله ، والمرة الثانية: يوم أوحى لها وربط على قلبها، واختصها من بين نساء العالمين بذلك. ففي قوله ﵎: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص:٧] كان مقتضى الأمر أن يقول: (إذا خفت عليه فأخفيه) أي: فأحرزيه بصندوق في مكان آمن، لكن أن يقال لها: إذا خفت عليه فألقيه إلى المجهول! وألقيه في البحر، وهي لا تدري أين يقذفه الموج، ولا من الذي يستلمه بيديه فأي أمن في هذا؟ فمن أعظم الفوائد التي تستفاد من هذا الموضع: أنك لا تستصعب جلاء المصيبة، ومهما جاءك من محنة ظاهرها الألم الشديد، فأمِّل في الله خيراً أن يكون تحتها الخير العميم، وهكذا كل مصيبة يحتسبها العبد لا بد أن يجد تحتها خيراً.

стр. 1520

عبر وعظات من قصة الإفك إن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون في وجود النبي ﷺ إلى أن مات: هي مصيبة الإفك، هذه الحادثة التي هي أعظم المصائب التي أصابت ديار المسلمين، والتي نزل في شأنها مطلع سورة النور، وقد قصتها علينا صاحبة القصة عائشة ﵂، كما رواه البخاري ومسلم، وهي كلها محن، ومع ذلك قال الله لنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]. وعندما نسوق القصة سيُعلم كيف يخرج الخير من الشر، وما هو ضابطه قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرجت معه، فصار السهم على عائشة ﵂ فخرجت في تلك الغزوة -وهي غزوة المريسيع، أو غزوة بني المصطلق- فلما قضوا غزوتهم ورجعوا قافلين إلى المدينة، أرادت عائشة ﵂ أن تقضي حاجتها، وكانت تركب الجمل داخل الهودج -والهودج: هو الغرفة التي كانت تزف فيه العروس قديماً أيام الحياء، فقد كانت توضع المرأة في هذا الصندوق الخشبي، ويوضع على ظهر بعير وتزف، فهذا هو الهودج-. فأرادت السيدة عائشة وهي راكبة في هذا الهودج، أن تقضي حاجتها، فأمرت الذين يرحلون بالبعير أن يسرعوا أمام الجيش، لتقضي حاجتها، حتى إذا جاء الجيش مشوا جميعاً، فاستحثوا الذين يرحلون البعير وتقدمت، وأنزلوا هذا الهودج على الأرض وأعطوها أقفيتهم حتى تنزل، فنزلت وأوغلت في الصحراء، حتى قضت حاجتها ورجعت، وبينما هي راجعة تحسست صدرها فإذا عقد لها قد انفرط، فرجعت من نفسها؛ لأنها كانت جارية حديثة السن، ليس لها خبرة، وكان من المفترض أن تقول للذين يرحلون بها: لقد انقطع عقدي، فانتظروني. لكن لحداثة سنها تصرفت من عند نفسها. فرجعت إلى مكان قضاء حاجتها تبحث عن عقدها، وبعد مدة قدرها الرجال الذين يصحبونها بمدة قضاء الحاجة فظنوا أنها قد جاءت ودخلت في الهودج، فحملوا الهودج يظنونها فيه، ووضعوه على البعير واستحثوه فنفر، ومضوا.

стр. 1521

العالم لا يترخص في موضع الفتنة لأجل هذا نهى العلماء أن يترخص العالم في موضع الفتنة؛ لأنه إذا ترخص في موضع الفتنة ظن العوام أن الرخصة هي الحكم الشرعي، يقول العلماء: إن العالم في زمان الفتنة ينبغي أن يأخذ بالعزيمة ولا يترخص. فهذه المحنة الجسيمة التي ابتلي بها المسلمون جميعاً، وابتلي النبي ﷺ بنفسه بها، انجلت عن هذا الخير العميم، وكشف الله بها المنافقين للناس!

стр. 1522

ضرب رءوس المجتمع ضرب للمجتمع ومن الفوائد العظيمة التي تستقى من حديث الإفك: أن ضرب الرأس هو أعظم مصيبة يصاب بها المجتمع. فالرأس مع بقية المجتمع مثل السهم، فإن الرأس المدبب في مقدمة السهم إذا كسر، لا يستفاد ببقية السهم في الاختراق، فحفاظ المجتمع على رأس السهم ضرورة، ولو ضاع رأس السهم لضاع الكل خلفه، وليست هناك لنا أي مصلحة في تدمير رءوس المسلمين، بل أعداؤنا يرون في تدمير الرءوس خفة مئونة. إذا أسيء الظن بالرأس فسدت المبادئ والقيم، ولذلك فأعداؤنا يحرصون على تشويه سمعة علمائنا، وعلماؤنا هم رءوسنا، بهم نمضي، وبغيرهم نحن ضائعون، وتعرف قيمة المجتمع بكثرة علمائه الذين يدلون على الله، لا بكثرة أطبائه ولا مهندسيه ولا فدائييه، إنما المجتمع يقاس بكثرة علمائه أو بقلتهم، بعزهم وشرفهم أو بمهانتهم. فهذا المنافق صوب السهم إلى عائشة ﵂ ليتهم النبي ﷺ فيها، وهكذا لو أن رجلاً رأساً أشيع عنه أنه زانٍ، أو أنه مرابٍ، أو أنه فاجر، فإنه إذا صعد على المنبر وأمر الناس بتقوى الله لا يكون لكلامه رصيد، فنكون قد ضيعنا كل هذا المجتمع بفساد واحد، وصدق من قال: إذا زل العالمِ زل بزلته عالَم.

стр. 1523

نزول براءة عائشة ﵂ قالت: (وتحولت، فوالله ما قام أحد من البيت ولا قام أحد من المجلس إلا وقد أنزل الله براءتي، تقول: ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بكلمة، إنما كنت أظن أن الله سيري نبيه رؤيا يبرئني بها، فلما نزل الوحي قامت أمي فجاءتني فقالت: قومي إليه واحمديه -اشكري الرسول ﵊ فقالت عائشة: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، الذي أنزل براءتي). وكان النبي ﷺ إذا سُر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، فجاء مستبشراً يضحك وهو يقول: (يا عائشة! أبشري فإن الله برأك).

стр. 1524

موقف أبي بكر من مسطح بن أثاثة ثم أقسم أبو بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح بن أثاثة، وقد كان فقيراً ينفق عليه أبو بكر، فنهاه الله ﵎ عن ذلك فقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فقال أبو بكر: (بلى، أحب أن يغفر لي، والله لا أنزعها منه أبداً)، وفرق الله بين المنافقين والمؤمنين، وكان ذلك بالإفك كما قال الله : ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١].

стр. 1525

حدوث الفتنة بين الأوس والخزرج في المسجد حينئذ قام سعد وقال: (والله لا تقدر ولا تستطيع)، مع أن عبارة سعد بن معاذ لطيفة، وفيها تحرز لطيف. فلما قال سعد بن عبادة ذلك، قام له أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ - فقال: (والله إنك لمنافق وتجادل عن المنافقين)، فقاموا لبعضهم في المسجد، وثار الحيان: الأوس والخزرج، والرسول ﵊ واقف على المنبر، وأخرجوا السلاح، ووقفوا لبعض ورسول الله ﷺ يخفضهم بيديه، فلا زال يهدئهم ويخفضهم حتى سكتوا

стр. 1526

عار الزنا أعظم من عار الكفر إنها محنة لم يمر المسلمون بمثلها قط زوجة نبيهم تتهم بالزنا! وهو عار، حتى إن الكفر برغم أنه أفدح المصائب كلها، إلا أنه ليس فيه من العار ما في الزنا! كان والد إبراهيم ﵇ كافراً، ولم يعير إبراهيم بأبيه، وكان ابن نوح وامرأته كلاهما كافر، ولم يعير نوح أبداً بكفر ابنه ولا بكفر امرأته، وكانت امرأة لوط أيضاً كافرة، ولم يعير بها لوط ﵇، فالزنا فيه من العار ما ليس في الكفر، ولذلك يقول ابن عباس ﵁: (لم تزن امرأة نبي قط)، قال ذلك في قول الله : ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم:١٠]، قال: ليست الخيانة خيانة عرض. فتتهم زوجة النبي ﷺ بالزنا وهم أحياء!! فنزل النبي ﷺ من على المنبر وعائشة تبكي ليلها ونهارها، وأعظم شيء فت في عضدها هو أن النبي ﷺ لم يبرئها، بل هو متردد، وقد استلبث الوحي شهراً كاملاً لا ينزل؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، فكان ﵊ يدخل البيت، ويقول: (كيف تيكم؟) ثم يخرج.

стр. 1527

اشتداد الأمر على عائشة حتى جاء النبي ﷺ يوماً بعد شهر كامل، فجلس على طرف سريره، وكانت أول مرة يجلس فيها، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه). فحز ذلك جداً في نفسها، وكانت تنتظر أن يبرئها لتاريخها معه، ولا يتوقف في شأنها، بل يقول هي بريئة، لكن رسول الله ﷺ ما كان يتكلم عن هوى نفسه، وهوى نفسه أن تكون امرأته بريئة، بل ينتظر الوحي حتى ينزل، فلا يتقدم بين يدي ربه، ولذلك سكت ولم يتكلم، قالت عائشة: (فلما قال ذاك قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة). فذهب هذا النهر الفياض على مدار ثلاثة أيام، لم تجد قطرة دمع واحدة في عينها. ومن أصعب الأشياء: الانتظار، فإن الإنسان المحكوم عليه بالإعدام، وهو ينتظر الحكم، لا يأكل ولا يشرب، وجسمه ينحل؛ إذ أن أصعب شيء في حياة الإنسان انتظار نتيجة لا يدري ما هي! لكن لو عرف أنه ميت أو حي فإنه يستريح، وهكذا لو مات ابن رجل ودفنه بيده خير له من أن يضيع ويبحث عنه في المستشفيات وفي أقسام الشرطة، وفي بلاد الله، وهو لا يدري أحي ابنه أم ميت؟ بل إنه يقول: لو مات لكان خيراً لي، ولاسترحت؛ لأن الانتظار سيء للغاية. فقد كانت عائشة ﵂ تبكي باستمرار وهي لا تدري ما الذي يكون، والنبي ﷺ لم يبدئها، بل قال لها تلك الكلمة التي زادت من ألمها وحزنها، حتى قالت: (قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، وقلت: إنني إذا قلت لكم: إنني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقونني، وإذا قلت لكم: إنني فعلت -والله يعلم أني بريئة- لتصدقنني بذلك، فوالله ما أجد لكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]. وجاء في بعض الروايات أنها قالت: (وتاه عني اسمه)، وأبو يوسف هو يعقوب ﵇، لكنها بحثت عن اسم يعقوب في ذهنها فلم تجده من الهم، والهم يضيع الملكات، ويضيع الذكاء والبديهة.

стр. 1528

استخدام العبارات اللطيفة ومراعاة مشاعر الآخرين حينئذ قام سعد بن معاذ سيد الأوس، الذي اهتز له عرش الرحمن يوم مات، فقال: (يا رسول الله! أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك). انظر إلى التحرز الجميل، ويا ليت إخواننا يتأدبون بهذا الأدب! قبل أن يأتي الإسلام كانت هناك حروب طاحنة بين الأوس والخزرج، فمن الله عليهم بالإسلام، وصاروا إخوة متحابين، لكن بقيت بقايا في النفوس، فـ سعد بن معاذ تحرز لنفسه وراعى التاريخ القديم -تاريخ العداوات والحروب- فأخرج هذه الجملة الدقيقة، قال: إن كان من الأوس ضربت عنقه، ولم يستثن ولم يتحرز؛ لأنه سيدهم، وإن كان من إخواننا من الخزرج، فقدم لفظ (الأخوة) ولم يقل: ضربت عنقه؛ لأنه خاف من حدوث فتنة، وبرغم لطافة العبارة فقد حدث الذي خاف منه. فلم ترض هذه الكلمة سعد بن عبادة زعيم الخزرج؛ لأن أراد أن ينال شرف الدفاع عن الرسول ﵊، فـ سعد بن معاذ تكلم عن الأوس، فيريد هو أن يتكلم عن الخزرج ويقول أيضاً: إن كان من الخزرج ضربت عنقه، فساءه أن سعد بن معاذ يتكلم عن الخزرج وهو حي.

стр. 1529

استشارة النبي ﷺ أصحابه في شأن عائشة ﵁ قالت: (وطفق رسول الله ﷺ يستشير أصحابه في شأني، فسأل أسامة بن زيد فأخبره بالذي يجد في نفسه له من الود، قال: يا رسول الله هم أهلك، لا نعلم إلا خيراً. أما علي بن أبي طالب فقال: (يا رسول الله! النساء غيرها كثير -لماذا تعني نفسك؟ طلق وتزوج، والنساء غيرها كثير، فلا تتعب نفسك- وإن تسأل الجارية تصدقك. فأرسل إلى بريرة فقال: (أي بريرة، هل رابك شيءٌ من عائشة؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق، غير أنها كانت جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله)). هذا هو عيبها، تعجن العجين وتتركه بلا غطاء، فكان يأتي الدجاج ويأكل العجين. فلما سمع رسول الله ﷺ ذلك صعد المنبر وجمع الصحابة، وقال: (أيها الناس! من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما أعلم عن أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما أعلم عنه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي).

стр. 1530

خوض المنافقين وبعض المؤمنين في الإفك وكان الذي تولى كبره هو المنافق الأعظم عبد الله بن أبي ابن سلول، ومجمل ما أشاعه: أن صفواناً وقع على عائشة، فاتهمت العفيفة الشريفة الغافلة في عرضها، وهي لا تدري، وهذا المنافق يتكلم، واستجاب لكلامه بعض المسلمين الأخيار كـ حسان بن ثابت، فقد تكلم، وتكلمت أيضاً حمنة بنت جحش، أخت زينب أم المؤمنين ﵂.

стр. 1531

معرفة عائشة بحديث الإفك ورجعت عائشة إلى بيتها مريضة، واشتكت من مرضها شهراً كاملاً، وهي ولا تعلم بالخبر، والمدينة تغلي، حتى خرجت ليلة مع أم مسطح قبل المناصع -وهو مكان يقضون فيه حاجتهم- وكانت العرب إذ ذاك تستنكف أن تتخذ الكنف في البيوت -أي: دورة المياه- إنما عندهم الصحراء، فأيما رجل أو امرأة أراد أن يقضي حاجته فإنه يذهب إلى الصحراء. فـ عائشة ﵂ خرجت مع أم مسطح لتقضي حاجتها، وكانت قريبة لها في الرحم، فقضوا حاجتهم، ثم وهم راجعون عثرت أم مسطح في مرطها، أي: تعثرت في ثوبها، فقالت: (تعس مسطح!). تدعو على ابنها، وهذه كلمة كانت تخرج وتجري على لسان العرب، لا يقصد بها الدعاء، مثل قول النبي ﵊ لـ معاذ: (ثكلتك أمك يا معاذ!) أي: فقدتك، ومثل هذا في قصة الرجل الذي أصابته الشجة في رأسه واحتلم، فسأل أصحاب النبي ﷺ : (هل تجدون لي رخصة أن أتيمم من الجنابة؟) لأنه إذا اغتسل دخل الماء في رأسه فربما يموت، فقالوا: (لا نجد لك رخصة) فاغتسل فمات، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (قتلوه قتلهم الله)، فليس المقصود بهذا حقيقة الدعاء بالقتل، وإنما همو يجري مجرى التوبيخ. فقالت أم مسطح: (تعس مسطح!) فقالت عائشة: (فأنكرت عليها ذلك، وقلت لها: بئس ما قلت! أتسبين رجلاً شهد بدراً؟! فقالت: أي هنتاه! أولا تدرين ما يقول؟ قالت: وما يقول؟ فقصت عليها حديث الإفك، وما يخوض الناس فيه. قالت: فازددت مرضاً على مرضي، وظللت ليلتي أبكي، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، فلما أصبحت استأذنت من رسول الله ﷺ أن آتي أبوي، وذلك لأستوثق من الخبر، قالت: فجئت فدخلت على أمي - أم رومان - فقلت: أي أماه! ما الذي يتحدث الناس فيه؟ قالت: هوني عليك يا بنيتي، فوالله لقلما وجدت امرأة وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقالت عائشة: سبحان الله! أوقد تحدث الناس بذلك؟! قالت: فبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، قالت: ويريبني أني لا أجد اللطف الذي كنت أجده من رسول الله ﷺ حين أشتكي). فلا يريبها شيء إلا أن النبي ﵊ يكون شديد اللطف معها إذا مرضت، وهي الآن مريضة ثلاثين يوماً، شهر كامل، ومع ذلك فإن الرسول ﵊ لا يقول لها غير كلمتين اثنتين فقط، طوال ثلاثين يوماً، يدخل وهي مريضة طريحة الفراش، وحولها أمها وبعض النساء وأبو بكر الصديق، فيدخل فيسلم، ثم يقول: (كيف تيكم؟) (تيكم): اسم إشارة، أي: كيف هذه؟ كيف حالها؟ هذا فقط هو ما كان يقوله طيلة شهر، وهي تستغرب أين اللطف المعتاد؟! ولا تجد سبباً، حتى وجدته بعد شهر كامل.

стр. 1532

النوم في الفزع نعمة والنوم في مواطن الفزع نعمة؛ لأن الخائف لا ينام بل يصاب بأرق، فإذا نام في موضع الخوف فالله هو الذي أمنه، كما قال : ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال:١١] وكيف ينام رجل يستعد للحرب وعدوه في مقابله؟ لكن هذا أمن من الله تعالى.

стр. 1533

عثور صفوان على عائشة ﵃ فنامت حتى ينقضي عليها الليل، قالت: (وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني في أخريات الجيش). صفوان بن المعطل السلمي الصحابي كان يتأخر بطبعه، وفي بعض الروايات أنه كان نئوماً، وكان إذا نام لا يستيقظ إلا بصعوبة، حتى يأخذ راحته في النوم. فهو عندما استراح الجيش نام، فتركوه نائماً ومضوا، وكان إذا أفاق من نومه بحث في المعسكر إذا خلف أحد شيئاً، أو نسي أحد شيئاً، فيصيب الإداوة أو يصيب القدح، ثم يذهب فيعرفه لهم، فجاء صفوان متأخراً كعادته، وكان يعرف عائشة؛ إذ كان يراها قبل الحجاب، قالت: (فلما رآني استرجع -قال: إنا لله وإنا إليه راجعون- فاستيقظت لاسترجاعه، فخمرت وجهي بجلبابي، فوالله ما كلمني كلمة، سوى أنه أناخ بعيره فركبت عليه فاستنفره فمضى خلف الجيش، حتى أدركناهم موغلين في حر الظهيرة)، وخاض الناس في حديث الإفك.

стр. 1534

التماس العذر للمسلم تقول عائشة ﵂: (وكانت النساء إذ ذاك خفافاً لم يحملن اللحم، إنما كان يكفيهن العلقة من الطعام). وهذا أدب ينبغي أن نتعلمه، فـ عائشة ﵂ تلتمس لهم العذر الذي جعلهم يحملون الهودج ولا ينتظرونها، تقول: (كانت النساء خفافاً) أي: خفاف الوزن، لم يثقلهن اللحم، فظن الناس -لخفة النساء آنذاك- أنها في الهودج، لذلك فهي تلتمس العذر لهم ولا تلومهم، ولم تقل لهم: لماذا لم تنتظروا؟ وتلقي عليهم الملام. فمضوا وظفرت هي بعقدها، قالت: (وجئت ديارهم فلم أجد بها داعياً ولا مجيباً، فظللت مكاني، وعلمت أنهم إذا فقدوني رجعوا إلي)، وهي في صحراء شاسعة مترامية الأطراف وحدها، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه على امرأة حديثة السن وحدها في صحراء مقفرة قاحلة، قالت: (فألقى الله علي النوم فنمت).

стр. 1535

محنة أخرى لعائشة ﵂ وأيضاً فقد كانت عائشة ﵂ سبباً في خير آخر نحن حتى الآن نستمتع به، لكن ما جاء هذا الخير إلا ببلاء حدث لها ﵂، ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة -والعلماء يقولون هي غزوة ذات الرقاع، وغزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة بني المصطلق، فقد حدثت الحادثة بعد حديث الإفك- تقول: (كنا في غزاة مع النبي ﷺ فانقطع عقد لي، وبرك عليه الجمل، فقلت: يا رسول الله! انقطع عقدي، فحبس الناس علي يبحثون عن العقد، فحان وقت الصلاة وليس معهم ماء، ونام رسول الله ﷺ على فخذ عائشة -وقيل: في حجرها- وجاء الصحابة إلى أبي بكر يقولون: ألا ترى ما فعلت عائشة؟! حبستنا ورسول الله ﷺ ولسنا على ماء! قالت عائشة ﵂: فجاء أبو بكر فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وقال: حبست الناس وفعلت وفعلت، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي)، لأنها لا تريد أن تزعجه حتى يتم نومه.

стр. 1536

أدب الزوجة مع زوجها الكلام هذا نوجهه للزوجات الفاضلات المزعجات، التي لا تترك الزوج ينام، ودائماً تزعجه وتؤذيه، ولا ترعى له حقوق، فـ عائشة تقول: (ما يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي) وانظر إلى شدة موجدة عائشة على أبيها، فلم تقل: فجاء أبي وقال ما شاء الله أن يقول؛ بل قالت: (فجاء أبو بكر)؛ لأن لفظ الأبوة يشعر بالحنو، وهو قد جعل يؤنبها ويعاتبها، فلم يَحْنُ في هذا الموقف، فسمته باسمه، كما قال النبي ﷺ لما سرقت المرأة المخزومية متاعاً، وجاء أسامة بن زيد يستشفع، قال: (يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله؟! والله لو أن فاطمة بنت محمد)، لم يقل: لو أن فاطمة ابنتي؛ لأن لفظ البنوة يشعر بالحنو، وهذا حد من حدود الله لا يجوز فيه المجاملة، فقال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فلم يقل: ابنتي، حتى لا تدركه الرحمة والحنو عليها بمقتضى البنوة.

стр. 1537

نزول رخصة التيمم تقول: (فجاء أبو بكر فعاتبني وقال ما شاء الله له أن يقول، وقال: حبست الناس وفعلت وفعلت، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على فخذي، فنام رسول الله ﷺ حتى أصبح والناس على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! واستنفروا الجمل فوجدوا العقد تحته)، فبسبب هذه المحنة نزلت رخصة من أعظم الرخص، وهي التيمم، وهو بدل عن الماء في الطهارة.

стр. 1538

صفة التيمم والتيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وليس هناك مسح للساعد، والحديث الذي ورد في ذلك حديث منكر عند أهل الحديث، إنما التيمم ضربة واحدة، تضرب على الأرض، ثم تفرك يديك، ثم تمسح وجهك لا أكثر من ذلك. ومن نعمة الله علينا أن هذا التيمم أيضاً يرفع الجنابة، كما في الصحيحين أن عمار بن ياسر وعمر بن الخطاب ﵄ كانا في سفر فأجنبا، فأما عمار فقال: فتمرغت في التراب كما تتمرغ الدابة في الأرض، يريد أن يصل التراب إلى كل جسمه، أما عمر بن الخطاب فلم يعرف الحكم فلم يصلِّ، ورجعا إلى النبي ﷺ فقال: (كان يكفيكما ضربة للوجه والكفين)، وهذه الضربة ترفع الجنابة وتثبت الوضوء، وليس كما يفعل بعض الناس حيث يتيمم لرفع الجنابة ثم يتيمم للوضوء. ففي الحديث الذي ذكرته لم يذكر النبي ﵊ إلا ضربة واحدة للوجه والكفين؛ ترفع بها الجنابة ويثبت الوضوء. إنها رخصة عظيمة، لكنها ما جاءت إلا بعد محنة. وإذا كانت المحن تأتي منها المنح، فمن المحن مصائب لا تنجلي عن خير، فما هو الفرقان بين المصيبة التي تنجلي عن خير والتي تنجلي عن شر؟ إذا وقعت بك مصيبة فأردت أن تنجلي عن خير فعليك بأمرين: الأمر الأول: أن تسلم لله فيما قضى، وتعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا تتسخط. الأمر الثاني: أن تحسن ظنك بالله، وأن الله لا يقدر لك إلا الخير. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1539

كتاب ضد الإسلام أصيب المسلمون بذلة وصغار وضعف في الإيمان، وموت غيرة في القلوب مما أدى إلى تصدر أهل الكفر والنفاق من بني جلدتنا في ميادين التعبير والانتقاد، والرد والجواب، فكان أول ما بدءوا بانتقاده والطعن فيه هو ديننا الحنيف، وأئمتنا وقادتنا الذين سطر التاريخ ذكرهم، ولم يكتفوا بذلك حتى طعنوا في نبي الأمة، وخالق الكون ، ومما يزيد الطين بلة سكوت أهل الحق عن أهل الباطل، وعدم الغيرة لحرمات الله ؛ لذا يجب تحذير الناس من أمثال هؤلاء الزنادقة وكشف فضائحهم وعوارهم في الصحف والمجلات وعلى المنابر وفي الندوات؛ وإلا أصابنا الله بالويل والعذاب.

стр. 1540

سيطرة أهل الباطل وطعنهم في الدين في ظل ضعف المسلمين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن إحدى القواعد التي يعلمها المتصفح للتاريخ أن قوة المسلمين وضعفهم تقاس بقوة النفاق أو الكفر، فحيثما رأيت الكفر يعلو؛ فاعلم أن المسلمين ضعاف، وحيثما رأيت النفاق هو الغالب فاعلم أن دولة المسلمين هي الأقوى. لقد كانت الدور في مكة تعج بالكافرين مع قلة المؤمنين آنذاك، فلما صار للمسلمين دولة في المدينة ظهر النفاق لأول مرة، ولم يكن قبل ذلك إلا الكفر المحض، رجل لا يستطيع أن يكفر في ظل دولة قوية، فاضطر أن ينافق ليحفظ ماله ودمه؛ لأنه لو جهر بالكفر إما أن يقتل وإما أن تضرب عليه الجزية، لو كان من أهل الكتابين وظل على كفره تضرب عليه الجزية والصغار والذلة، فظهر المنافقون في المدينة لما صار للمسلمين دولة، بخلاف مكة لم يكن إلا الكفر المحض في مقابل الإسلام الضعيف. وأنت إذا اعتبرت هذه القاعدة -وهي ثابتة في كل الأزمان- حتى تصل بتصفحك إلى زماننا ترى أن الكفر هو الغالب؛ لضعف المسلمين وهوانهم على غيرهم، وما هانوا على غيرهم إلا بعد أن هانوا على أنفسهم، نبينا ﷺ يشتم مرتين علناً، وليس له في الأرض نصيب، ليست هناك دولة في الأرض تتبنى هذا الرسول، كتاب: آيات شيطانية، ما تحرك إلا الخميني الرافضي، ومعروف ماذا فعلت بريطانيا، سحبت السفير، وقطعت العلاقات بمجرد التهديد بقتل مواطن، يزعمون أنه مواطن، والدولة يجب أن تدافع عن مواطنيها، مع أننا نعلم أنه منذ قامت هذه الثورة في إيران، وقد قتلوا من الإنجليز وفجروا في داخل بريطانيا كثيراً، ومات أناس كثيرون وما فكروا في قطع العلاقات، كأن الذين ماتوا في الانفجارات ليسوا مواطنين. ما صار سلمان رشدي مواطناً إلا بعد أن سب نبي الإسلام! ومنذ شهرين في جريدة العربي في لندن أيضاً يخرج رجل يصف النبي ﷺ -قطع الله لسانه، وشلت يده- بأنه سيد الحمقى، وأجرى هذا الحكم على بعض أصحابه كـ أبي ذر، وعلى سبطه الحسين، يوصف رسولنا ﵊ بهذا وليست هناك دولة تقطع العلاقات الدبلوماسية ذراً للرماد في العيون وانتصاراً لهذا النبي، كأنه ليس هناك أحد على دينه في الأرض! ومما يدل على ضعف هوان المسلمين أن الكاتب يكتب اسمه بمنتهى الصراحة؛ لأنه يعلم أنه لن يعاقب. قديماً كان الذي يريد أن يشتم حاكماً أو يشتم طريقةً، أو يسب مذهباً كان يكتب اسماً مستعاراً، كما تعلمون في بعض الكتب كغاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الألوسي -وهو من أنفع الكتب- كتب اسمه على الكتاب أول مرة باسم مستعار؛ لأن السلطان عبد الحميد آنذاك كان يقرب الصوفية، ومنهم النبهاني المغضوب عليه، فلو أنه كتب اسمه لقتل، ولو أن المطبعة التي طبعت الكتاب كتبت اسمها لأغلقت، فاضطر أن يكتب على لوحة الكتاب اسماً مستعاراً حتى لا يقع تحت طائلة العقاب، لكن هذا يكتب اسمه صريحاً، والجريدة معروفة، ومقر الجريدة معروف، وعنوانها. ثم يكتب هذه المقالة التي هي عظيمة ولا يتحرك المسلمون! ولا تكتب الجرائد الرسمية استنكاراً بالعناوين الكبيرة! هوان وضعف! يجعل الحر ذليلاً يتجرع الذل، أمرّ شيء على نفس الحر هو أن يظلم ولا يستطيع أن ينتصر، كما أنه أمر شيء أن يظلم رجل وهو بريء، ولا يستطيع أن يثبت أنه بريء، ومن كان بريئاً فظلم؛ سلوه عن المرارة التي يجدها في حلقه. ولكن لا عليكم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠] نزلت هذه الآية بعد ثمان سنوات من الهجرة، لما ظهرت بوادر من بعض المسلمين بالتخاذل عن نصرة النبي ﷺ ، فبكتهم الله ﵎، قال: إن لم تنصروه في هذا الموضع ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة:٤٠] ما نحتاج إليكم، ولم يكن واحد منكم موجوداً آنذاك وانتصر وهو ثاني اثنين، هذا إن لم تنصروه، فنحن نعلم أن ضعف المسلمين بسبب الكفر الذي مد عنقه ويده، وهو مطمئن أنه لن يقطع له عنق، ولن تبتر له يد. هذا على المستوى العام الدولي، أما على مستوى المسلمين في خاصة أنفسهم فيوجد كُتَّاب الفتنة، ودعاة الضلال، الذين يوهنون عرى هذه الأمة، وكثير منهم لا أقول: منفسخ، لكن صلته بدينه ضعيفة، أي شبهة تنقله عن الحق الذي كان يعتقده؟! وصدق علي بن أبي طالب ﵁ إذ قال في وصيته النافعة لـ كميل بن زياد: (ورجل تابع لأهل الحق ليس له بصيرة في إحيائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض). هناك من الناس من يمشي مع كتيبة أهل الحق، لكن لا يعلمون هذا الحق علم اليقين، ولم تتذوقه قلوبهم، فإذا قابلت الواحد منهم أية شبهة ترك كتيبة أهل الحق وزاغ، لذلك كان واجب العلماء الربانيين أن يذودوا عن حمى الإسلام لأجل هؤلاء العوام، وأن يحوطوهم ويدفعوا شبه أهل الضلال والزيغ؛ حفظاً للذين يمشون مع أهل الحق لكن لا بصيرة لهم بهذا الحق، فيزيغ عن طريق الحق لأية شبهة مهما كانت سقيمة.

стр. 1541

الرد على شبهات زعيم الطرق الصوفية

стр. 1542

الرد على استحباب المبتدعة تسييد النبي ﷺ في الأذان والإقامة يقول: (ومضى جمهور المحققين) هكذا، من هم جمهور المحققين؟ هو وأمثاله (على أنه يستحب أن يسيد النبي ﷺ في الأذان والإقامة والتشهد خلافاً لثالوث التكفير ابن تيمية: وابن القيم وابن عبد الوهاب) هكذا بالنص، يعني: وأنت ترفع الأذان تقول: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله؛ لأن تسييده أدب، وترك تسييده قلة أدب، ووضع صورته على عنوان المقال، صورة رجل حليق، كأنه يرى أنه من الأدب -وهذا على أصله الفاسد الذي قعده- أن يخالف. إذا أمرك الرسول بأمر ورأيت الأدب في خلاف ما أمر، اسلك سبيل الأدب، مع أنه يدحض باطله أيضاً -وهم جهلة بالسنة وبالأصول- يدحضه قول النبي ﷺ في حديث أبي محذورة الصحيح الذي رواه النسائي وأبو داود وغيرهما (: الآذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة) فلو زدت (سيدنا) زاد عدد الأذان عن تسع عشرة كلمة، ومعلوم عند جماهير أهل الأصول أن الأرقام قطعية الدلالة، وليست ظنية؛ لأنه لا خلاف في مدلول الرقم. فإذا سمعت قوله ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] لا تقل: هو يقصد تسعين جلدة، أو يقصد مائة وعشرين جلدة، أو يقصد ما تقوم به العقوبة قل أو كثر؛ لأن لفظ مائة عدد، ولا يختلف أحد من العباد في تأويله، وهذا يدل على أنه قطعي الدلالة، إذ لا يجوز الخلاف على مدلوله، بخلاف بعض الألفاظ التي تحتمل قولاً أو أكثر فتكون ظنية الدلالة، كقوله ﵎: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] فالمساجد هنا ظنية الدلالة؛ لأن معنى مسجد واقع بين معنيين كلاهما تحتمله أصول اللغة، فمن قال أن معنى المساجد هي مواضع الصلاة، يكون معنى (وأن المساجد) هنا جمع مسجد، ومن قال بأن المساجد هي أعضاء السجود؛ يكون المعنى أن هذه الأعضاء لا تسجد لغير الله، وأن السجود لغير الله لا يجوز. وعلى ذلك تكون الألفاظ ظنية الدلالة لا تقطع بقول فيها وتخطئ الآخر، بخلاف الأعداد إذ لا خلاف بين أحد على تأويل العدد، فيكون قطعي الدلالة، فإذا قال النبي ﷺ : (الأذان تسع عشرة كلمة) فلو قلت: (سيدنا) زاد العدد عن تسعة عشرة، وهذا لا يجوز؛ لأنه مخالف لمقطوع به دلالة، وليس في أذان بلال ولا في غيره، ولا استحب أحد من الذين تدور عليهم الفتيا بين المسلمين أن يقول الرجل: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وإن كان هو سيد ولد آدم ولا فخر. لكن ما علاقة هذا بذاك؟ يقول: (من أذن فسلك سبيل الأولين في الأذان؛ لا مانع، لكن لا يجوز له أن ينكر على من زاد سيدنا في الأذان لأنه سلك سلوك الأدب) هذه شبهة إبليسية، تعلمون من أين أخذها هذا الرجل؟ وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١] فما من شبهة وضعت في الأرض إلا أوحى بها إبليس.

стр. 1543

الشبهة الأولى: سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله بعض المجلات التي هي على لسان حال بعض الطرق الصوفية كتب زعيم الطريقة الأولى مقالاً وافتتح به المجلة بعنوان (أيها القرنيون! هل فهمتم؟) والقرنيون نسبة إلى القرن، أي: أيها البهائم! أيها العجول! أيها الخرفان! هل فهمتم؟ ثم كتب عنواناً أصغر منه يقول فيه -فض الله فاه-: سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله ثم قال: (إن العلماء المحققين يقولون: إن سلوك الأدب راجح على امتثال أمر الله، وحجتهم في ذلك هو فعل الصديق الأكبر ﵁ لما كان يصلي بالمسلمين (فجاء النبي ﷺ فصفق الصحابة؛ فنظر أبو بكر فوجد النبي ﷺ فرجع، فأشار إليه النبي ﷺ أن اثبت فرجع؛ فصلى النبي ﷺ ، ثم قال له: يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ فهذا أبو بكر سلك سبيل الأدب وخالف الأمر. هذه المقالة التي نتجوز في تسميتها شبهة؛ لأنها أضعف من ذلك، لكن هذه كفيلة بنقل جماهير كبيرة من العوام؛ لأن ظاهرها يدل على ما قال هذا المخذول، كأن الرجل عندما كتب ما علم أن في الزوايا خبايا، وأن في الناس بقايا، والله الذي لا إله غيره ما وقف أحد لأهل الحق إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا صافحهم أحد ولو كان من خطباء إياد إلا فضحوه، ولا قاتلهم مقاتل ولو كان من بقية قوم عاد إلا أكبوه على وجهه وبطحوه؛ لما لهم من الحجج البالغات، والأدلة النيرات، حق موجود مع أهله، والحق له قوة كامنة في ذاته كما قال ﵎: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] الحق قذيفة، قوته، في كونه حقاً، مهما صرح به ضعيف. قد تجد أهل الباطل والضلال عندهم جميع الإمكانات التي ينشرون بها ضلالهم، وتجد أهل الحق ضعافاً لا يملكون شيئاً، ومع ذلك يصل الحق إلى الناس ولا يصل الباطل بالرغم من الإمكانات؛ لأن قوة الحق في كونه حقاً، (بل نقذف) كأن الحق قذيفة، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] وأصل الدمغ: هو شد الرأس حتى الدماغ، فإذا وصل الشج حتى الدماغ مات المشجوج أو هلك أو فني أو تلف، فإذا ما سلط الحق على الباطل زهق الباطل كما قال ﵎: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] زاهق: أي تالف. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أرسل جيشه يقاتل، فجاءه الرسول بعد انقضاء النهار بالبشرى -بشرى الفتح- فقال له عمر: (متى بدأتم القتال؟ قال -مثلاً-: بدأناه في نحو الظهيرة. ومتى فتح لكم؟ قال -مثلاً-: فتحنا بعد العشاء. فبكى، وقال: باطل يقف أمام الحق هذه المدة! ما هذا إلا شيء أحدثته أو أحدثتموه) لأن الباطل زاهق، ليس له نفس؛ لأنه لا يملك مقومات الحياة، فكيف يقف باطل أمام حق نصف نهار، هذه عقوبة بشيء أحدثته أو أحدثتموه. يقول الصوفي: (سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله). هذه مقالة كافرة، يعني: أيها المريب إذا أمرك الله بأمر فرأيت الأدب على خلاف ما أمرك الله؛ خالف الأمر واسلك سبيل الأدب، أستغفر الله فإن ناقل الكفر ليس بكافر، كأن أمر الله خال من الأدب، كأن أمر النبي ﷺ ليس فيه أدب، ثم يحتج لهذه -ونحن نزهق باطله أيضاً- بفعل أبي بكر، ولكن نسوق الواقعتين لتروا الفرق بينهما، ولا يساوي بينهما إلا من طمس الله على بصيرته فأعماه. الواقعة التي احتج بها رواها الشيخان من حديث سهل بن سعد: (أنه كان خلاف أو قتال في بني عمرو بن عوف، فذهب النبي ﵌ مع بعض أصحابه إليهم، فأذن بلال، فلما تأخر النبي ﷺ ذهب إلى أبي بكر وقال: أقيم الصلاة؟ قال: نعم. فأقام الصلاة، وتقدم أبو بكر وكبر تكبيرة الإحرام، وجعل يقول دعاء الاستفتاح، وفي أثناء قوله لدعاء الاستفتاح جاء النبي ﷺ ، فصفق الصحابة، وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا من التصفيق؛ التفت، فإذا النبي ﷺ يخترق الصفوف إلى الأمام، فرفع يديه فحمد الله، ثم نكص -أي: رجع- فأشار إليه النبي ﷺ إشارة معناها: اثبت. لكنه رجع، فصلى النبي ﷺ بالمسلمين، ثم قال له: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ . هذه هي الواقعة، نحن نزهق باطل هذا الكاتب بواقعة أخرى لـ أبي بكر ﵁ رواها الشيخان أيضاً: (أن النبي ﵊ في مرض موته أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فكان يصلي لهم إماماً، فوجد النبي ﷺ ذات مرة -وهذا في أواخر عمره ﵊ وجد في نفسه خفة، فأمر العباس وآخر أن يحملاه، فحملاه ورجلاه تخطان على الأرض، وكان أبو بكر ﵁ قد صلى ركعة، ودخل النبي ﷺ في الركعة الثانية، فأراد أبو بكر أن يرجع، فقال له: اثبت؛ فثبت. فصلى النبي ﷺ جالساً بجانب أبي بكر) ما يقولون في هذه؟ كان أبو بكر سيئ الأدب عندما قال له: اثبت، فثبت؟ لو جاز أن نقول: ناسخ ومنسوخ؛ لقلنا: إن هذه الرواية ناسخة للأولى، لأن هذه كانت في آخر حياة النبي ﷺ ، وثبت أبو بكر وصلى إماماً، لكن ليس في المسألة ناسخ ولا منسوخ؛ لكن ما الذي جعل أبا بكر في المرة الأولى يرجع، وجعله في المرة الثانية يثبت ولا يرجع؟ في المرة الأولى لم يكن صلى شيئاً من الصلاة، فاستساغ أن يرجع، لكن في المرة الثانية كان قد أتى بركعة، فلم ير لنفسه جواز أن يرجع، إذ أنه قضى شطر الصلاة، هناك فرق بين الحالتين، بين هذه وتلك. ثم إن الصحابي قد يفعل الشيء على خلاف ما يأمره به، ربما يكون في الأمر شيء أو أمر أو نحو ذلك، وهذا قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، قال: فلذلك لم يعنفه النبي ﷺ بأنه رجع ولم يمتثل الأمر. كان أبو بكر يظن في ذلك الوقت -مثلاً- أنه لا يجوز لأحد أن يؤم النبي ﷺ فرأى أن يرجع، فلهذا الظن لم يعنفه النبي ﷺ ، أو ربما كانت الأحكام لم تكن قد استقرت أو استقر كثير منها، يرى أن يرجع، ولم يكن عنده علم بأنه يجب أن يثبت، أو يستحب أن يثبت أو نحو ذلك؛ لذلك لم يعنفه النبي ﷺ . استمر الكاتب -وهو قد وضع هذه القاعدة ليتفلت من الإسلام كله؛ لأن الإسلام تكاليف، وأهل الزيغ والضلال لا يقدرون على تكاليف الإسلام، فيريد أن يفعل ما يمليه عليه هواه فيثبت هذه القاعدة- يقول: وعلى مقتضى القاعدة كذا. نحن لم نسلم لك القاعدة أولاً، بل هدمناها، فلا تناقشني في الفرع فإن الأصل أعوج.

стр. 1544

كاتب عجوز يختم حياته بحوار مع الله بعنوان الشهيد إبليس يعزون في بعض الكتب مناظرة لإبليس، رد عليها ابن القيم وغيره، أن إبليس قال: لم يعذبني ربي وأنا الذي وحدته؟ إن الملائكة أشركوا؛ لأنني أبيت أن أسجد إلا له -أمره أن يسجد لآدم، قال: أنا لا أسجد لآدم، أنا لا أسجد إلا لك- فأنا الذي وحدته، وهم سجدوا لآدم فأشركوا. وإبليس أمر، فرأى أن الأدب في مخالفة الأمر، فكيف يعاقب؟ كأنه على مقتضى أصول هؤلاء إبليس بريء، وهذا ما يدندن به أصحاب الجبر، الذين ينسبون للقضاء والقدر كل الذنوب، زنا الله كتب علي ذلك، وكيف أفر مما كتب علي، وهذا مدندن حتى وصل إلى الأدباء الذين لا علاقة بينهم وبين دينهم. كاتب عجوز كان قد ذهب إلى فرنسا وعمره آنذاك (٨٣) عاماً، فلما رجع -وهذا نشر في جريدة الأهرام وقتها- سئل: ما الذي لفت نظرك في فرنسا؟ قال: الزواج الجماعي. يا عجوز! يا ابن الثمانين الزواج الجماعي! ما أعجبك (الميراج) أو (البيجوه) أو أعجبك التقدم، إنما أعجبك الزواج الجماعي! عشرة رجال بنسوتهم، كل رجل يطوف على امرأة، وكل امرأة تطوف على رجل هذا هو الذي أعجبك! ثم ختم حياته بحوار مع الله على صفحات صحيفة الأهرام، كتب قصة بعنوان (الشهيد) -يقصد إبليس- قال: أراد إبليس يوماً أن يتوب، فذهب إلى شيخ الأزهر وقال: أريد أن أتوب. فقال له شيخ الأزهر: حسناً، هذا شيء جميل، ولكن قال: ولكن ماذا؟ فحك شيخ الأزهر في لحيته، ثم قال في نفسه: ولكن إذا تاب هذا مم يستعيذ المؤمنون؟ يقولون: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يوجد شيطان! الآيات التي تسب الشيطان وتلعنه ماذا نفعل بها؟ إذاً توبة الشيطان يترتب عليها حذف بعض آيات القرآن الكريم لا. قال له: هذا الأمر ليس من اختصاصي، هناك جهات عليا. فقال له: قد أمرت أن آتي رجال الدين، وأنت أكبر رأس موجود. قال له: الأمر ليس من اختصاصي، أنا اختصاصي إعلاء مجد الأزهر. فخرج إبليس يائساً، وصعد إلى فوق، فقابل جبريل ﵇. انظر إلى الكذب والافتراء والقبح عندما يصوغ كلاماً على لسان جبريل ﵇! فيقول جبريل: ما نستطيع؛ لأنك إذا تبت هذه الأساطير التي يرددها الناس ماذا نفعل بها؟ فوصف ما قاله الله في قرآنه بلعن الشيطان بأنه أساطير! فلما حاور جبريل ﵇ يئس من التوبة فنزل، وصرخ صرخةً وقال: إني شهيد. فتجاوبت له المجرات والفلك والأشجار والبحار، ورددت صدى صوته، فكأن هذه الأجرام تعلم أن إبليس بريء. فصور إبليس أنه بريء أراد أن يتوب فقالوا له: لا. لقد لعناك، ومعنى أن ترجع في توبتك أن نرجع في لعننا لا. فصور الله على أنه ظالم، وإبليس بريء أراد أن يتوب فأبوا أن يقبلوا توبته! كيف ينشر مثل هذا الكلام على مستوى المسلمين في بلدانهم وفي حياتهم، حتى على مستوى الأسرة؟! ما أخذوا هذه الشبهة إلا من إبليس (سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله) بل نقول كما قال العلماء المحققون: الامتثال هو الأدب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1545

شرح قاعدة: مذهب العامي مذهب مفتيه الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ليس من الصواب أن يُسكت عن هؤلاء بدعوى أن هذا الكلام لا يستحق الرد، بعض الناس يقول: لا تشغلوا أنفسكم بالرد على مثل هذا؛ لأنه واضح البطلان، فلا ترد عليه. ويقال: إن نفوس بني آدم متنوعة، فمنهم النفس التي تقبل مثل هذا السقوط، بل أشد من هذا السقوط، هناك نفوس ضعيفة جداً تتمنى مثل هذا القول حتى تعلق عليه أخطاءها، كما يقول قائلهم: (اجعلها في رقبة عالم واطلع سالماً). مع أنه قد يعلم في قرارة نفسه أنه باطل. جادلني رجل في فوائد البنوك بعدما أفتى المفتي بجوازها خلافاً لجميع علماء المسلمين، فهناك من هو متأرجح، وهو يعلم في قرارة نفسه أن وضع الأموال في البنوك حرام، لكن يقول: أريد أن أحتفظ بها؛ لأني لو أخرجتها سأنفقها، وأنا أعيش على عائداتها، فأنا مضطر أن أضعها في البنك. وهو كاذب في دعوى الاضطرار، فلما وجد أن المفتي أفتى بذلك قال: الحمد لله، (مذهب العامي مذهب مفتيه) فأنا تبع لهذا المفتي. هذا لا يقبل منه مثل هذا الاعتذار عند الله ، فمتى يكون مذهب العامي مذهب مفتيه؟ إذا لم يكن للعامي رأي سابق يركن إلى هواه فيه، فالرجل يسأل عن مسألة يريد أن يعرف الجواب لينفذه، فحينئذ مذهبه مذهب مفتيه؛ لذلك قال العلماء: لا يجوز للعامي أن يدور بالسؤال على أكثر من مفتي؛ لأن العامي لا يستطيع أن يرجح هذا حق أو هذا باطل، فمعنى أنه يدور بالسؤال على أكثر من مفتي -وهذا يقول له: حلال، وهذا يقول له: حرام ماذا يفعل العامي؟ يخرج من القولين جميعاً- لو كان عنده أكثر من قول سيتبع هواه في بعض الأقوال، لذلك قالوا: (مذهبه مذهب مفتيه) ولا يكرر السؤال على أكثر من مفتي إلا إذا حاك في صدره شيء تجنباً للهوى. فبعض الناس ينتظر فتوى كهذه، وبعض الناس على أحر من الجمر ينتظر من يفتي بحل الزنا، يريد أن يتنفس، وهناك بعض الناس ينتظر حل السرقة، أو من يفتي بعدم جواز قطع يد السارق، وقد وجد من قال بذلك، فنفوس العباد متنوعة.
следующие страницы →