Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
الرد على شبهات زعيم الطرق الصوفية
стр. 1542
الرد على استحباب المبتدعة تسييد النبي ﷺ في الأذان والإقامة
يقول: (ومضى جمهور المحققين) هكذا، من هم جمهور المحققين؟ هو وأمثاله (على أنه يستحب أن يسيد النبي ﷺ في الأذان والإقامة والتشهد خلافاً لثالوث التكفير ابن تيمية: وابن القيم وابن عبد الوهاب) هكذا بالنص، يعني: وأنت ترفع الأذان تقول: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله؛ لأن تسييده أدب، وترك تسييده قلة أدب، ووضع صورته على عنوان المقال، صورة رجل حليق، كأنه يرى أنه من الأدب -وهذا على أصله الفاسد الذي قعده- أن يخالف.
إذا أمرك الرسول بأمر ورأيت الأدب في خلاف ما أمر، اسلك سبيل الأدب، مع أنه يدحض باطله أيضاً -وهم جهلة بالسنة وبالأصول- يدحضه قول النبي ﷺ في حديث أبي محذورة الصحيح الذي رواه النسائي وأبو داود وغيرهما (: الآذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة) فلو زدت (سيدنا) زاد عدد الأذان عن تسع عشرة كلمة، ومعلوم عند جماهير أهل الأصول أن الأرقام قطعية الدلالة، وليست ظنية؛ لأنه لا خلاف في مدلول الرقم.
فإذا سمعت قوله ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] لا تقل: هو يقصد تسعين جلدة، أو يقصد مائة وعشرين جلدة، أو يقصد ما تقوم به العقوبة قل أو كثر؛ لأن لفظ مائة عدد، ولا يختلف أحد من العباد في تأويله، وهذا يدل على أنه قطعي الدلالة، إذ لا يجوز الخلاف على مدلوله، بخلاف بعض الألفاظ التي تحتمل قولاً أو أكثر فتكون ظنية الدلالة، كقوله ﵎: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨] فالمساجد هنا ظنية الدلالة؛ لأن معنى مسجد واقع بين معنيين كلاهما تحتمله أصول اللغة، فمن قال أن معنى المساجد هي مواضع الصلاة، يكون معنى (وأن المساجد) هنا جمع مسجد، ومن قال بأن المساجد هي أعضاء السجود؛ يكون المعنى أن هذه الأعضاء لا تسجد لغير الله، وأن السجود لغير الله لا يجوز.
وعلى ذلك تكون الألفاظ ظنية الدلالة لا تقطع بقول فيها وتخطئ الآخر، بخلاف الأعداد إذ لا خلاف بين أحد على تأويل العدد، فيكون قطعي الدلالة، فإذا قال النبي ﷺ : (الأذان تسع عشرة كلمة) فلو قلت: (سيدنا) زاد العدد عن تسعة عشرة، وهذا لا يجوز؛ لأنه مخالف لمقطوع به دلالة، وليس في أذان بلال ولا في غيره، ولا استحب أحد من الذين تدور عليهم الفتيا بين المسلمين أن يقول الرجل: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، وإن كان هو سيد ولد آدم ولا فخر.
لكن ما علاقة هذا بذاك؟ يقول: (من أذن فسلك سبيل الأولين في الأذان؛ لا مانع، لكن لا يجوز له أن ينكر على من زاد سيدنا في الأذان لأنه سلك سلوك الأدب) هذه شبهة إبليسية، تعلمون من أين أخذها هذا الرجل؟ وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١] فما من شبهة وضعت في الأرض إلا أوحى بها إبليس.
стр. 1543
الشبهة الأولى: سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله
بعض المجلات التي هي على لسان حال بعض الطرق الصوفية كتب زعيم الطريقة الأولى مقالاً وافتتح به المجلة بعنوان (أيها القرنيون! هل فهمتم؟) والقرنيون نسبة إلى القرن، أي: أيها البهائم! أيها العجول! أيها الخرفان! هل فهمتم؟ ثم كتب عنواناً أصغر منه يقول فيه -فض الله فاه-: سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله ثم قال: (إن العلماء المحققين يقولون: إن سلوك الأدب راجح على امتثال أمر الله، وحجتهم في ذلك هو فعل الصديق الأكبر ﵁ لما كان يصلي بالمسلمين (فجاء النبي ﷺ فصفق الصحابة؛ فنظر أبو بكر فوجد النبي ﷺ فرجع، فأشار إليه النبي ﷺ أن اثبت فرجع؛ فصلى النبي ﷺ ، ثم قال له: يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ فهذا أبو بكر سلك سبيل الأدب وخالف الأمر.
هذه المقالة التي نتجوز في تسميتها شبهة؛ لأنها أضعف من ذلك، لكن هذه كفيلة بنقل جماهير كبيرة من العوام؛ لأن ظاهرها يدل على ما قال هذا المخذول، كأن الرجل عندما كتب ما علم أن في الزوايا خبايا، وأن في الناس بقايا، والله الذي لا إله غيره ما وقف أحد لأهل الحق إلا كسروا قرنه، فقرع من ندم سنه، ولا صافحهم أحد ولو كان من خطباء إياد إلا فضحوه، ولا قاتلهم مقاتل ولو كان من بقية قوم عاد إلا أكبوه على وجهه وبطحوه؛ لما لهم من الحجج البالغات، والأدلة النيرات، حق موجود مع أهله، والحق له قوة كامنة في ذاته كما قال ﵎: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] الحق قذيفة، قوته، في كونه حقاً، مهما صرح به ضعيف.
قد تجد أهل الباطل والضلال عندهم جميع الإمكانات التي ينشرون بها ضلالهم، وتجد أهل الحق ضعافاً لا يملكون شيئاً، ومع ذلك يصل الحق إلى الناس ولا يصل الباطل بالرغم من الإمكانات؛ لأن قوة الحق في كونه حقاً، (بل نقذف) كأن الحق قذيفة، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء:١٨] وأصل الدمغ: هو شد الرأس حتى الدماغ، فإذا وصل الشج حتى الدماغ مات المشجوج أو هلك أو فني أو تلف، فإذا ما سلط الحق على الباطل زهق الباطل كما قال ﵎: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] زاهق: أي تالف.
ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أرسل جيشه يقاتل، فجاءه الرسول بعد انقضاء النهار بالبشرى -بشرى الفتح- فقال له عمر: (متى بدأتم القتال؟ قال -مثلاً-: بدأناه في نحو الظهيرة.
ومتى فتح لكم؟ قال -مثلاً-: فتحنا بعد العشاء.
فبكى، وقال: باطل يقف أمام الحق هذه المدة! ما هذا إلا شيء أحدثته أو أحدثتموه) لأن الباطل زاهق، ليس له نفس؛ لأنه لا يملك مقومات الحياة، فكيف يقف باطل أمام حق نصف نهار، هذه عقوبة بشيء أحدثته أو أحدثتموه.
يقول الصوفي: (سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله).
هذه مقالة كافرة، يعني: أيها المريب إذا أمرك الله بأمر فرأيت الأدب على خلاف ما أمرك الله؛ خالف الأمر واسلك سبيل الأدب، أستغفر الله فإن ناقل الكفر ليس بكافر، كأن أمر الله خال من الأدب، كأن أمر النبي ﷺ ليس فيه أدب، ثم يحتج لهذه -ونحن نزهق باطله أيضاً- بفعل أبي بكر، ولكن نسوق الواقعتين لتروا الفرق بينهما، ولا يساوي بينهما إلا من طمس الله على بصيرته فأعماه.
الواقعة التي احتج بها رواها الشيخان من حديث سهل بن سعد: (أنه كان خلاف أو قتال في بني عمرو بن عوف، فذهب النبي ﵌ مع بعض أصحابه إليهم، فأذن بلال، فلما تأخر النبي ﷺ ذهب إلى أبي بكر وقال: أقيم الصلاة؟ قال: نعم.
فأقام الصلاة، وتقدم أبو بكر وكبر تكبيرة الإحرام، وجعل يقول دعاء الاستفتاح، وفي أثناء قوله لدعاء الاستفتاح جاء النبي ﷺ ، فصفق الصحابة، وكان أبو بكر ﵁ لا يلتفت في صلاته، فلما أكثروا من التصفيق؛ التفت، فإذا النبي ﷺ يخترق الصفوف إلى الأمام، فرفع يديه فحمد الله، ثم نكص -أي: رجع- فأشار إليه النبي ﷺ إشارة معناها: اثبت.
لكنه رجع، فصلى النبي ﷺ بالمسلمين، ثم قال له: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ .
هذه هي الواقعة، نحن نزهق باطل هذا الكاتب بواقعة أخرى لـ أبي بكر ﵁ رواها الشيخان أيضاً: (أن النبي ﵊ في مرض موته أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فكان يصلي لهم إماماً، فوجد النبي ﷺ ذات مرة -وهذا في أواخر عمره ﵊ وجد في نفسه خفة، فأمر العباس وآخر أن يحملاه، فحملاه ورجلاه تخطان على الأرض، وكان أبو بكر ﵁ قد صلى ركعة، ودخل النبي ﷺ في الركعة الثانية، فأراد أبو بكر أن يرجع، فقال له: اثبت؛ فثبت.
فصلى النبي ﷺ جالساً بجانب أبي بكر) ما يقولون في هذه؟ كان أبو بكر سيئ الأدب عندما قال له: اثبت، فثبت؟ لو جاز أن نقول: ناسخ ومنسوخ؛ لقلنا: إن هذه الرواية ناسخة للأولى، لأن هذه كانت في آخر حياة النبي ﷺ ، وثبت أبو بكر وصلى إماماً، لكن ليس في المسألة ناسخ ولا منسوخ؛ لكن ما الذي جعل أبا بكر في المرة الأولى يرجع، وجعله في المرة الثانية يثبت ولا يرجع؟ في المرة الأولى لم يكن صلى شيئاً من الصلاة، فاستساغ أن يرجع، لكن في المرة الثانية كان قد أتى بركعة، فلم ير لنفسه جواز أن يرجع، إذ أنه قضى شطر الصلاة، هناك فرق بين الحالتين، بين هذه وتلك.
ثم إن الصحابي قد يفعل الشيء على خلاف ما يأمره به، ربما يكون في الأمر شيء أو أمر أو نحو ذلك، وهذا قاله الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، قال: فلذلك لم يعنفه النبي ﷺ بأنه رجع ولم يمتثل الأمر.
كان أبو بكر يظن في ذلك الوقت -مثلاً- أنه لا يجوز لأحد أن يؤم النبي ﷺ فرأى أن يرجع، فلهذا الظن لم يعنفه النبي ﷺ ، أو ربما كانت الأحكام لم تكن قد استقرت أو استقر كثير منها، يرى أن يرجع، ولم يكن عنده علم بأنه يجب أن يثبت، أو يستحب أن يثبت أو نحو ذلك؛ لذلك لم يعنفه النبي ﷺ .
استمر الكاتب -وهو قد وضع هذه القاعدة ليتفلت من الإسلام كله؛ لأن الإسلام تكاليف، وأهل الزيغ والضلال لا يقدرون على تكاليف الإسلام، فيريد أن يفعل ما يمليه عليه هواه فيثبت هذه القاعدة- يقول: وعلى مقتضى القاعدة كذا.
نحن لم نسلم لك القاعدة أولاً، بل هدمناها، فلا تناقشني في الفرع فإن الأصل أعوج.
стр. 1544
كاتب عجوز يختم حياته بحوار مع الله بعنوان الشهيد إبليس
يعزون في بعض الكتب مناظرة لإبليس، رد عليها ابن القيم وغيره، أن إبليس قال: لم يعذبني ربي وأنا الذي وحدته؟ إن الملائكة أشركوا؛ لأنني أبيت أن أسجد إلا له -أمره أن يسجد لآدم، قال: أنا لا أسجد لآدم، أنا لا أسجد إلا لك- فأنا الذي وحدته، وهم سجدوا لآدم فأشركوا.
وإبليس أمر، فرأى أن الأدب في مخالفة الأمر، فكيف يعاقب؟ كأنه على مقتضى أصول هؤلاء إبليس بريء، وهذا ما يدندن به أصحاب الجبر، الذين ينسبون للقضاء والقدر كل الذنوب، زنا الله كتب علي ذلك، وكيف أفر مما كتب علي، وهذا مدندن حتى وصل إلى الأدباء الذين لا علاقة بينهم وبين دينهم.
كاتب عجوز كان قد ذهب إلى فرنسا وعمره آنذاك (٨٣) عاماً، فلما رجع -وهذا نشر في جريدة الأهرام وقتها- سئل: ما الذي لفت نظرك في فرنسا؟ قال: الزواج الجماعي.
يا عجوز! يا ابن الثمانين الزواج الجماعي! ما أعجبك (الميراج) أو (البيجوه) أو أعجبك التقدم، إنما أعجبك الزواج الجماعي! عشرة رجال بنسوتهم، كل رجل يطوف على امرأة، وكل امرأة تطوف على رجل هذا هو الذي أعجبك! ثم ختم حياته بحوار مع الله على صفحات صحيفة الأهرام، كتب قصة بعنوان (الشهيد) -يقصد إبليس- قال: أراد إبليس يوماً أن يتوب، فذهب إلى شيخ الأزهر وقال: أريد أن أتوب.
فقال له شيخ الأزهر: حسناً، هذا شيء جميل، ولكن قال: ولكن ماذا؟ فحك شيخ الأزهر في لحيته، ثم قال في نفسه: ولكن إذا تاب هذا مم يستعيذ المؤمنون؟ يقولون: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا يوجد شيطان! الآيات التي تسب الشيطان وتلعنه ماذا نفعل بها؟ إذاً توبة الشيطان يترتب عليها حذف بعض آيات القرآن الكريم لا.
قال له: هذا الأمر ليس من اختصاصي، هناك جهات عليا.
فقال له: قد أمرت أن آتي رجال الدين، وأنت أكبر رأس موجود.
قال له: الأمر ليس من اختصاصي، أنا اختصاصي إعلاء مجد الأزهر.
فخرج إبليس يائساً، وصعد إلى فوق، فقابل جبريل ﵇.
انظر إلى الكذب والافتراء والقبح عندما يصوغ كلاماً على لسان جبريل ﵇! فيقول جبريل: ما نستطيع؛ لأنك إذا تبت هذه الأساطير التي يرددها الناس ماذا نفعل بها؟ فوصف ما قاله الله في قرآنه بلعن الشيطان بأنه أساطير! فلما حاور جبريل ﵇ يئس من التوبة فنزل، وصرخ صرخةً وقال: إني شهيد.
فتجاوبت له المجرات والفلك والأشجار والبحار، ورددت صدى صوته، فكأن هذه الأجرام تعلم أن إبليس بريء.
فصور إبليس أنه بريء أراد أن يتوب فقالوا له: لا.
لقد لعناك، ومعنى أن ترجع في توبتك أن نرجع في لعننا لا.
فصور الله على أنه ظالم، وإبليس بريء أراد أن يتوب فأبوا أن يقبلوا توبته! كيف ينشر مثل هذا الكلام على مستوى المسلمين في بلدانهم وفي حياتهم، حتى على مستوى الأسرة؟! ما أخذوا هذه الشبهة إلا من إبليس (سلوك سبيل الأدب راجح على امتثال أمر الله) بل نقول كما قال العلماء المحققون: الامتثال هو الأدب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1545
شرح قاعدة: مذهب العامي مذهب مفتيه
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
ليس من الصواب أن يُسكت عن هؤلاء بدعوى أن هذا الكلام لا يستحق الرد، بعض الناس يقول: لا تشغلوا أنفسكم بالرد على مثل هذا؛ لأنه واضح البطلان، فلا ترد عليه.
ويقال: إن نفوس بني آدم متنوعة، فمنهم النفس التي تقبل مثل هذا السقوط، بل أشد من هذا السقوط، هناك نفوس ضعيفة جداً تتمنى مثل هذا القول حتى تعلق عليه أخطاءها، كما يقول قائلهم: (اجعلها في رقبة عالم واطلع سالماً).
مع أنه قد يعلم في قرارة نفسه أنه باطل.
جادلني رجل في فوائد البنوك بعدما أفتى المفتي بجوازها خلافاً لجميع علماء المسلمين، فهناك من هو متأرجح، وهو يعلم في قرارة نفسه أن وضع الأموال في البنوك حرام، لكن يقول: أريد أن أحتفظ بها؛ لأني لو أخرجتها سأنفقها، وأنا أعيش على عائداتها، فأنا مضطر أن أضعها في البنك.
وهو كاذب في دعوى الاضطرار، فلما وجد أن المفتي أفتى بذلك قال: الحمد لله، (مذهب العامي مذهب مفتيه) فأنا تبع لهذا المفتي.
هذا لا يقبل منه مثل هذا الاعتذار عند الله ، فمتى يكون مذهب العامي مذهب مفتيه؟ إذا لم يكن للعامي رأي سابق يركن إلى هواه فيه، فالرجل يسأل عن مسألة يريد أن يعرف الجواب لينفذه، فحينئذ مذهبه مذهب مفتيه؛ لذلك قال العلماء: لا يجوز للعامي أن يدور بالسؤال على أكثر من مفتي؛ لأن العامي لا يستطيع أن يرجح هذا حق أو هذا باطل، فمعنى أنه يدور بالسؤال على أكثر من مفتي -وهذا يقول له: حلال، وهذا يقول له: حرام ماذا يفعل العامي؟ يخرج من القولين جميعاً- لو كان عنده أكثر من قول سيتبع هواه في بعض الأقوال، لذلك قالوا: (مذهبه مذهب مفتيه) ولا يكرر السؤال على أكثر من مفتي إلا إذا حاك في صدره شيء تجنباً للهوى.
فبعض الناس ينتظر فتوى كهذه، وبعض الناس على أحر من الجمر ينتظر من يفتي بحل الزنا، يريد أن يتنفس، وهناك بعض الناس ينتظر حل السرقة، أو من يفتي بعدم جواز قطع يد السارق، وقد وجد من قال بذلك، فنفوس العباد متنوعة.
стр. 1546
قصص وخرافات صوفية
هناك الكثير من القصص الخرافية التي يدندن حولها الصوفية بجميع طرقها والتي يتبعها ألوف العوام، وينسبون فيها أشياء من خصائص الله لمشايخهم، والله العظيم أنا قرأت كتاباً لوكيل كلية أصول الدين، وهو شيخ طريقة صوفية يقول: إن جده كان يحيي الموتى وقال: من أراد أن يتأكد فليذهب إلى قسم شرطة كذا بمحافظة الشرقية في الورقة الفلانية في الملف الفلاني، شخص قُتل، ثم عجزوا أن يعرفوا من القاتل، فجاء جدي ﵁ فأحياه، فقال: قتلني فلان، ثم مات ما شاء الله! مكتوب في ملف للشرطة كأنه في الزبور قرآن نزل! نصدق نحن هؤلاء؟! لو أقسم على المصحف -وهو كلام الله وصفة من صفاته- أنه رأى ذلك لأقسمت بالله أنه كاذب، هذا شيء يقطع به.
وقد أقسم لي جماعة -وهم عند علماء الحديث يبلغون حد التواتر، أكثر من عشرة، لكن لا قيمة لاجتماعهم؛ لأن الناقل لابد له من الثقة والضبط، وهؤلاء لا نعرف عنهم شيئاً، لكنهم عشرة أو ثلاثون أو أربعون -يقولون: إن فلاناً أوصى أن يدفن في بلده، وكان يعيش في غير بلده، فلما مات اجتمع أهل الرأي من أهل بيته وقالوا: ليس هناك داع أن نتجشم نقل جثمانه إلى بلده، ندفنه هنا.
فخالفوا الأمر، فلما أرادوا أن يحملوا نعشه طار النعش، حتى إنهم جميعاً خلعوا أحذيتهم ليجروا خلفه، وذهب إلى قبر لم يكن فتحوه -هم فتحوه ليدفنوه هنا فحاولوا حمل النعش فتسمَّر في الأرض، وأبى هذا الميت أن يدفن إلا في هذا القبر، فلما لم يستطيعوا أن ينقلوه إلى آخر دفنوه في ذلك القبر، وأقسموا -جماعتهم- لي أنهم رأوه بعد العشاء يخرج من المقبرة في طبل وزمر يتجه إلى بلد أبيه نصدق هؤلاء وهم يقسمون بالله العظيم أنهم رأوا، ما أخبرهم أحد، ونحن نعلم أن الشياطين تلبس كثيراً، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قد تحمل الشياطين بعض نعش الموتى ليفتتن به بعض الناس كنوع من الفتنة).
ولكن نقول: ضعوا أي نعش لأي ولي تزعمون في سيارة، فإن طار بها فأنتم صادقون، لماذا لا يطير إلا على أكتافكم؟ حدثني أخي -وكان قديماً أحد الذين يروجون مثل هذه الخرافات- قال: مات فلان وهو رجل مدفون وله قبة، فقال ابنه الخليفة: لا يحمل في المحمل فلان لماذا؟ لأن فلاناً هذا إذا حمل فإن النعش له يمشي، والذين كانوا يحملونه طبخوها بالليل، فقالوا: يا إخواننا! نحن عندما نمشي سنقع، لازم نجري، هو الذي يأخذنا.
فأراد ذلك الرجل أن يثبت كذب هذه الدعوى، فحمل في محمل سابق، فكان يمشي هكذا، هم يشدونه وهو يرجع القهقرى.
فقال ابنه الخليفة: لا يحمل في المحمل فلان.
لأنهم طبخوها.
هناك من يصدق هذه الترهات، بالله عليكم أهذه أقوى أم التي سقتها وأتيت لها بدليل من البخاري؟ كل باطل تقدر على أن ترده، فما اجتمع الباطل وصار كتلةً إلا نقطة بنقطة، وما السيل إلا من اجتماع القطر، ولا تستهن بصغيرة إن الجبال من الحصا.
رجل أراد أن يفسر قول الله ﵎ بالتفسير العصري، فقال في قوله ﵎: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] قال: هذا للذي ينظر بشهوة، أما إذا نظر رجل إلى جمال امرأة ليقول: سبحان الخالق العظيم، فلا جناح عليه ما شاء الله! يتأمل في جمال امرأة! يا أعمى! ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] كيف عميت عن نفسك وأنت مثلها في الخلق حتى تقول: إذا نظر وقال: الله الله! فهذا يؤجر، فهذا لا يدخل في الآية، ولا نستبعد أن يكون هناك من ركنوا إلى هذه وقالوا: والله الرجل هذا عالم، مفسر، بخلاف أولئك الجامدين الذين يعنتوننا، كيف لا نستمتع بهذا الجمال؟ وما الفرق بين المرأة وبين زهرة في البستان؟ إذا كنتم تحرمون النظر إلى المرأة فحرموا النظر إلى الزهور انظروا إلى القياس الفاسد! كالذي قال: الموسيقى حلال كما أنك تستمتع بصوت العصافير والبلابل، وإذا جاءت الريح على الشجر سمعت موسيقى، وهذه ليست حرام، فهذه أيضاً ليست حرام.
هذا قياس إبليس إذ قاس الطين على النار، وما علم أن الطين مادة الحياة، وأن النار أصل كل خراب، الطين هو النماء، وهو الخضرة، وهو الإنسان، والنار خراب ودمار وحر، فكيف يقيس هذا على ذاك؟! نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، اللهم ثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم آت هذه الأمة أمراً رشداً، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 1547
نداء الغرباء
الاغتراب عن الأوطان من أصعب ما يعايشه المرء في حياته، فإنه يكاد يجد له صاحباً، ولا يركن إلى أنيس.
ورغم قسوة هذه الغربة إلا أن غربة الدين أشد قسوة، فما بالك برجل غريب بين أهله لا يكاد يجد منهم موافقاً، ولا في طلب الحق مرافقاً، فليت شعري أي غربة يعيشها الدين وأهله في هذا الزمان.
لكن على غريب الدين أن يتأسى بمن سبقوه في الغربة الأولى؛ ليتخذ من سبيلهم طريقاً ومنهجاً، ويجعل من سيرتهم معيناً ومنهلاً.
стр. 1548
غربة الدين في انطلاقته الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
صح عن النبي ﵌ من غير وجه، عن ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وبلال وجابر، وجماعة من الصحابة تجاوزت عدتهم خمسة عشر صحابياً، فهو من الأحاديث المتواترة، أنه ﵌ قال: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) ففي هذا الحديث إشارة واضحة إلى أن غربة المسلم تتجدد؛ لأن النبي ﷺ جاء على فترة من الرسل وانقطاع، وقد عمت الأرض الوثنية والشرك، فلما جاء يدعوهم إلى إله واحد قال بعضهم لبعض: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧].
أقوام تعودوا على تعدد الآلهة، وعلى تعدد الأنداد لرب العالمين، فلما جاء يدعوهم إلى إله واحد، وهو أرفق وأوفق قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] وكالوا له ولأصحابه العذاب والتهم التي هم براء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.
قام النبي ﵌ بمفرده مع بعض المؤمنين به، قال عمرو بن عبسة ﵁: (لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام، جئت النبي ﷺ فقلت: من أرسلك؟ قال: الله أرسلني.
قلت: أرسلك بماذا؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان.
قال: ومن معك؟ قال: حر وعبد) إشارة إلى أبي بكر وبلال، والنبي ﷺ الثالث، وعمرو بن عبسة هو الرابع، لذلك قال: (لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام).
وقال سعد بن أبي وقاص كما في البخاري: (لقد رأيتني وأنا ثلث الإسلام) وفي البخاري عن عمار بن ياسر قال: (لقد رأيتني مع النبي ﷺ وامرأة وخمسة أعبد وأبي بكر).
كان الإسلام يعاني من قلة الأتباع؛ لأن المجتمع الجاهلي الذي تسود فيه الوثنية لا يأذن لمثل هذه الدعوة أن تنتشر؛ لأن فيها دعوة إلى إزالة الفوارق، وأن يصير أبو جهل كعبده الذي يبيعه في الأسواق سلعة، (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) فكانوا يأنفون من ذلك، وكانوا إذا طافوا بالكعبة لا يأذنون للعبيد أن يطوفوا معهم، فكيف يقفون في صف واحد يدعون الله ﵎، وما منعهم من قبول الإسلام إلا الكبر.
بدأ الإسلام غريباً في أهل الجاهلية، والذي يتأمل غربة الأصحاب الأوائل يرى أن غربتنا في هذه الأزمان هي ذات الغربة، ولكن هناك فرق بين الغرباء، فالغرباء الأوائل كانوا يستعلون بإيمانهم؛ لذلك لم يبالوا بالعذاب، فلم يفتنهم، وكانوا يحتسبون العذاب في الله ﵎، بخلاف المتأخرين من الغرباء، فإن إيمانهم هش ضعيف، لذا فإنهم يفتتنون عندما ينزل بهم العذاب، وتسود وجوههم كما يسود المعدن غير الأصيل إذا تعرض للنار.
فالغربة مظاهرها واحدة، لكن شتان بين الغرباء.
إن النبي ﷺ لما سئل عن الغرباء قال: (هم الذين يُصلحون إذا فسد الناس) وضبطها بعضهم (هم الذين يَصلحون إذا فسد الناس).
كان أهل الإسلام بالنسبة لأهل الأديان غرباء، واليوم صار أهل السنة بالنسبة لأهل البدعة غرباء، لم يكن في مكة إلا كفر وإسلام، ولم يكن النفاق قد ظهر بعد، متى تعرف أن الإسلام صار له شوكة، وأنه ساد؟ إذا رأيت النفاق فاعلم أن للإسلام عزة، لكن إذا رأيت الكفر فاعلم أن الإسلام ضائع؛ لأن الكفر لا يظهر ولا يشرئب عنقه إلا في غياب الإسلام والسلطان الشرعي، فإذا عز الإسلام ظهر النفاق.
ولذلك لم يظهر النفاق في مكة، لم يكن ثم إلا كفر وإيمان، إنما ظهر النفاق في المدينة بعدما عز الإسلام وصارت له دولة؛ فلم يزل يعامل المنافق على الظاهر، والمنافق يريد أن يحفظ دمه، ويحفظ ماله، فيظهر الإسلام ويبطن الكفر، وليس لنا إلا الحكم بالظاهر.
أحد القضاة الذين أخذوا على أنفسهم أنهم لا يقضون في الحدود إلا بما شرع الله ورسوله، كان إذا جاءه زانٍ محصن حكم عليه بالرجم، وهذه سنة النبي ﵊، في كتاب الله ﵎، لكن آية الرجم نسخت، والنسخ -هو: رفع الحكم المتقدم- عند العلماء على نوعين: الأول: رفع النص مع بقاء الحكم، والثاني: بقاء النص مع رفع الحكم.
فمن النوع الأول: آية الرجم.
ثبت في مستدرك الحاكم -وأصله في صحيح البخاري - أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (كنا نقرأ فيما نقرأ من القرآن (إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة، بما حظيا من اللذة، نكالاً من الله والله عزيز حكيم) فهذه آية كانوا يقرءونها في القرآن الكريم، ثم رفعت الآية وبقي حكمها، وعلى هذا جميع أهل الإسلام، إلا من شذ من أهل البدعة، وأجمع جمهور الأصوليون على ذلك.
ومن النوع الثاني: يبقى النص ويرفع الحكم كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] فهذه الآية فيها إظهار لفائدة الخمر؛ لكنها لا تساوي شيئاً بجانب الضرر، فلا يجوز لأحد أن يحتج بهذه الآية ويقول: أنا سأشرب الخمر للفائدة التي فيها؛ لأنها نسخت بآية المائدة.
فهذا القاضي جاءه مرة رجل زان، وكان المحامي الذي يدافع عنه حتى يخرجه ويحقق له البراءة يتمنى أن يحكم في القضية هذا القاضي؛ لأنه يعلم أنه إذا حكمت المحكمة عليه بالرجم -ولا أحد يطبق عليه حد الرجم- فمعنى حكمه هذا أنه سيخرج من السجن، فإذا حكمت المحكمة على فلان بالرجم، أي: بالقتل، مع عدم وجود سلطان شرعي يقيم حد الله ﵎ ويحفظ حدوده، فإن هذا الحكم بالموت يساوي البراءة في هذه الأزمان؛ لأننا نعيش غربة ثانية للدين.
فلما أعلن القاضي حكمه، والذي يقضي عليه بالرجم.
ضجت القاعة بالتصفيق، وعانقوا المجرم الأثيم لماذا؟ لأنه لا يوجد من يطبق حد الرجم، ولو حكم عليه بالسجن لسجن؛ لكنه لا يريد أن يبدل حكم الله، وهو إذا حكم بحكم الله كان الحكم بمثابة البراءة لهذا المجرم.
يا للغربة! لا يوجد سلطان يحمي حدود الله في الأرض، من سب الله سجن ستة أشهر، ولم ينفذ هذا القانون ساعة، ولو سب الذات الملكية يسجن في الحال دون محاكمة.
стр. 1549
غربة الدين في هذا الزمان
غربة أهل الدين في هذه الأزمنة المتأخرة، مع عدم وجود النصير، ومع قلة الأتباع، ومع قلة الصبر؛ يجعل الغربة مضاعفة.
(الذين يُصلحون إذا فسد الناس) أو (الذين يَصلحون إذا فسد الناس) يدل على انتشار الفساد العريض، مع قلة الداعين إلى السنة، حتى يصير الواحد منهم أغرب من فرس دهماء في غلس، أرأيت إلى الفرس السوداء شديدة السواد إذا وقفت في ظلمة الليل البهيم أتستطيع أن تبصرها؟ ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور:٤٠].
إن الغرباء الأولين كانوا يستعلون بإيمانهم لذلك كانوا يستهونون العذاب، تخلل الإيمان ووصل إلى شغاف قلوبهم، وما تساوي الدنيا إذا خرجت روحك إلى النعيم، كأنها حبيسة في زجاجة، فإذا خرجت من عنقها خرجت إلى الفضاء الواسع، فمن الذي يرضى بالسجن؟ فالدنيا سجن المؤمن، إذا خرج منها إلى اللذة والنعيم المقيم كان ذلك أعز أمانيه، لذلك كان يتمنى أن يخرج من الدنيا، وكما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح (اعلموا أنكم لا تلاقون ربكم إلا إذا متم) إذاً فالموت عند هؤلاء أمنية؛ لأنه لا يستطيع أن يلقى الله إلا إذا مات، فإذا قتله المشركون قال كما قال الأولون: (فزت ورب الكعبة) ما كانوا يرتعدون للموت؛ لذلك كانوا يقدمون على نصر هذا الدين بعد تحقيقه في الواقع.
لماذا لا يشعر المسلمون الآن بلذة الدين؟ لأنه لا يراه حساً، لا يراه حقيقة واقعة، لا يمارسه، إنما هو نصوص نظرية نصوص صارت أثراً.
إن أصول الإسلام حبيسة في دور الكتب، فما طبع من الكتب في تفسير القرآن وتفسير كلام النبي ﷺ يغطي الأرض، فلو أنك بسطت الكتب المطبوعة في تفسير كلام الله وكلام رسوله لملأت الأرض بالكتب، وأقول: إن ما لم يطبع من الكتب يساوي ما طبع مرتين أو أكثر، وهي حبيسة الخزانات العامة أو الخاصة، وكأنها تحف في متحف، وهذا كلام الله ورسوله، تفسيره وبيان مراده، نصوص انعزل المسلمون عنها، لم يشعروا بحلاوتها؛ لأنهم لم ينقلوها إلى الواقع، بخلاف الغرباء الأولين، كان الواحد منهم إذا قرأ الآية لم يتجاوزها حتى يعمل بها، لذلك قل فيهم من كان يحفظ القرآن كله، فكان من يحفظ القرآن كله من الصحابة قلة قليلة.
ونحن فينا -بحمد الله- من يحفظ القرآن كله، ولكن أقلهم من يعمل به، يقرءونه ولا يدرون معانيه، وبعضهم يقرؤه ويحرف الكلم عن مواضعه، كالذي يأخذ في الربع أو في الثلاثة أرباع ألف جنيه فيقال له: لم هذا السعر الغالي؟! يقول: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٤١] فماذا نفعل في هؤلاء؟! إن هؤلاء يحتاجون إلى عمر، فمثل هذا يقول: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٤١] ولم ينزل الله الآية لذلك، فهو يحرف الكلم عن مواضعه، فضلاً عن الباطنية أعداء الدين، الذين يحرفون الكلام تحريفاً هشاً لا يقبله العقل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] يقولون: البقرة عائشة، وهل يوجد في أي قاموس من قواميس اللغة أن البقرة من معانيها عائشة؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] أبو بكر ﴿وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] عمر ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] عثمان ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] علي.
ما هذا الجهل؟! لم يقفوا عند عدم فهم كلام الله فحسب، بل حرفوه.
هذا أوان الغربة الثانية إن الغريب له استكانة مذنب وخضوع ذي دين وذل مريب يقف كأنه مذنب بلا ذنب، ويضع رأسه في الأرض، وحقه أن يعز، وحقه أن يرفع رأسه، لكن لضعف تربيته وتنشئته لا يستطيع أن يستعلي بالإيمان، بين قوم تسودهم بعض صفات الجاهلية، وليست الجاهلية فترة زمنية قبل الإسلام، إن الجاهلية مذهب وخلق، فتوجد بعض صفات أهل الجاهلية في أهل الإسلام، إن النبي ﷺ قال لـ أبي ذر (إنك امرؤ فيك جاهلية) وكان ذلك في أوج عز الإسلام، مما يدل على أن المرء قد يجتمع فيه جاهلية وإسلام، ويجتمع فيه كفر وإيمان، ونفاق وإسلام، فإن النبي ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) وباتفاق العلماء أن من يفعل ذلك ليس بكافر، بل هو مسلم.
ليس من يخلف وعده يكون منافقاً في الدرك الأسفل من النار لا، إنما هو مسلم فيه شعبة من النفاق، فهذا إسلام ونفاق اجتمعا في عبد واحد، والنبي ﷺ يقول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) وهناك العشرات من المسلمين بل الملايين يحلفون بالنبي والولي، ومن يحلف برأس أبيه، ومن يحلف بشرف فلان، وهذا كله شرك وكفر؛ لكنه كفر دون كفر ولا يخرج من الملة، فهذا كفر اجتمع مع إسلام في رجل واحد، فإن الجاهلية توجد في العبد المسلم؛ لأن الجاهلية خلق وليست فترة زمنية قبل الإسلام.
стр. 1550
غربة الدين في الوقت الحاضر متمثلة في غربة أهل السنة
إن غربة الإسلام غربة خاصة، والسني في هذه الأيام غريب في أهله، بل يقول بعض الأبناء -وكثيراً ما شكي إلينا ذلك، ونسأل في مناسبات متعددة-: - أبي حلف عليّ: إنك إذا صليت في مسجد سني فأمك طالق ماذا أفعل؟ - أبي حلف عليّ: إذا أطلقت لحيتك فأمك طالق، أو يخرجني من البيت ماذا أفعل؟ إن التطرف في الدين خير من التطرف في الدنيا، مع أن كلاهما مذموم، لكن الذي يتطرف في الدين أبعد عن الانحراف والفساد العريض من الذي يتطرف في الدنيا، فإذا خفت على ولدك أن يدمن (الهيروين) فدعه في أحضان أهل السنة والجماعة.
إن من الغربة أنك إذا صدعت بكلمة الحق أوخذت على ذلك، وقيل لك: عندنا أوامر ألا تتكلم في هذا الأمر، هذا على المستوى الخاص وعلى المستوى العام خذ مثلاً واحداً: وهو ما حدث في فرنسا في العام الماضي، فرنسا بلد المجون والدعارة التي اتسعت لكل شيء؛ للـ (ميني جيب) و (الميكروجيب) والعراة، لما لبست بنتان صغيرتان الحجاب قامت قيامة الفرنسيين، حتى اضطر رئيس الدولة وامرأته أن يتكلما في هذا الأمر شخصياً بنت تلبس الحجاب فتهتز دولة كفرنسا التي تعد بنت الكنيسة البكر، والداعية إلى النصرانية، تهتز كلها وهي دولة عظمى لحجاب فتاة؟! وقد اتسعت للـ (ميني جيب) و (الميكروجيب)، واضطر رئيس الدولة أن يدلي ببيان في ذلك.
إنهم رأوا أن هذا الحجاب ليس مجرد قماش يوضع على الرأس، إن هذا رمز، كما أن هذه اللحية رمز، أما الذين يهونون من الهدي الظاهر فيقولون: (ربنا رب القلوب)، نعم هو رب القلوب، ولكن هو الذي أمرك بإصلاح ظاهرك كما أمرك بإصلاح باطنك، فلم فرقت؟ إن صلاح الظاهر دليل على صلاح الباطن.
ليس الحجاب قماشاً يوضع على الرأس، إنه رمز، والبنت التي لبست الحجاب مغربية، ومما يندى له الجبين وتدمع له العين أن ملك المغرب نفسه أيضاً يتدخل ويأمر والد هذه البنت أن يمنعها من لبس الحجاب، رئيس دولة عظمى يتدخل!! ورئيس الدولة التي منها هذه البنت يتدخل أيضاً!! لماذا رؤساء الدول يتدخلون في هذه المسائل؟ ما عهدناهم يتدخلون! إن سلمان رشدي الأفاك الأثيم الكافر -لأن توبة الزنديق لا تقبل عند جميع العلماء- الذي سب رسول الله ﷺ ، واتهم أمهات المؤمنين بالدعارة، وأفتى الخميني بقتله، فأول ما أفتت إيران باستباحة دمه غضبت إنجلترا، وسحبت السفير من إيران، رغم أنه يعتبر رجلاً عادياً لماذا سحبتم السفير؟ قالوا: هذا رجل ألف كتاباً مثلما يؤلف الكثيرون.
أيسب رسول الإسلام، وتتهم نساؤه بالدعارة ولا صريخ؟! إن بابا روما لو سجن لقامت الدنيا.
في (مدرسة المشاغبين) أتوا برجل له عمامة ويلبس الجبة والقفطان وهو يرقص، ولا يجرءون على أن يضعوا مكانه قسيساً هذه غربة ما لها من دافع! ماذا يفعل المسلمون الضعاف أمام هذه الغربة على المستوى العام على مستوى الدول، وعلى المستوى الخاص؟! (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ) أيها الغرباء في الغربة الثانية! طوبى لكم، طوبى لكم وحسن مآب، طوبى للغرباء (الذين يصلحون إذا فسد الناس) لا تيئس من روح الله، ولا يحملنك كثرة المخالفين على اليأس من إيصال الحق إلى القلة، فإن النبي ﷺ وأتباعه كانوا يدعون الواحد بعد الواحد، لكن الواحد منهم كان يزن أمة ونحن غثاء كغثاء السيل، (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن.
قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت).
نسأل الله ﵎ أن يلطف بهؤلاء الغرباء، وأن يمدهم بروح منه، وأن يعزهم، وأن يعز الحق بهم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمرَ رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 1551
عدم تمكين المصلحين سبب في غربة الدين
إننا نعيش الآن غربة شديدة محكمة، والذي ضاعف منها ضعفنا أيها الغرباء، فنحن ضعاف لا نتحمل العذاب والفتن، لاسيما مع وجود الرءوس الجهلة الذين يفتون الناس بغير علم، ويسمع لهم، ويمكنون من أجهزة الإعلام.
ماذا يفعل المخلصون؟ إن أكثر خطيب الآن في مصر يحضر له الناس في خطبة الجمعة لا يتجاوز عددهم عشرة آلاف.
فهب أن نصيحته المخلصة وصلت إليهم، كم يكون قد استمع لها؟ عشرة آلاف رجل وامرأة.
أثبتت الإحصائيات الرسمية في أوائل الثمانينات أن العدد الثابت الذي يجلس لمشاهدة جهاز التلفزيون عشرة ملايين إنسان، ويزيد هذا العدد في المساء إلى ثلاثين أو أربعين مليوناً، لكن العدد الثابت عشرة ملايين إنسان، فإذا خرج عليهم جاهل يقول لهم: إن الموسيقى حلال؛ بدليل: أن الرياح إذا أتت على الشجر، واصطدمت بالفروع أصدرت أصواتاً تشبه العزف، وإن الطيور لتغرد، وإنك لتقرأ القرآن وقد أمرت بالتغني به، وهذا يدل على أن الموسيقى حلال وهذا يصادف هوى الجماهير التي تريد أن تثبت لنفسها أنها مسلمة من غير أن تخرج من أهوائها.
رجل يأكل الربا وإذا قلت له: لا يجوز لك أن تأكل الربا وعليك أن تترك كل هذه الملايين، عز عليه ذلك، فإذا قلت له: فوائد البنوك حلال، ولا شيء في ذلك، شعر ببرد الرضا؛ لأنه صار مسلماً موحداً مع وجود عدة ملايين تدخل في جيبه، ليس مستعداً أن يضحي بها؛ لذلك إذا قلت لصاحب الغناء: أرح أعصابك بموسيقى كلاسيكية، أو بموسيقى رومانسية، وأنت بذلك لست مخالفاً لدينك؛ شعر بالرضا، فإذا سمع بعضنا يقول له: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرى والحرير والخمر والمعازف) ولم يصادف ذلك هوى نفسه قال: أنا آخذ بفتوى الأول، فعندما تناقش أولئك: ما الذي دعاكم إلى إصدار مثل هذه الفتوى؟ قالوا لك: إن الفقه يتطور إن الفقه يتجدد.
فنعوذ بالله من أولئك الذين سماهم بعض الأذكياء بـ (المجددينات)! قال له سائله: وما المجددينات؟ وأي جمع هذا؟ ليس بجمع مذكر (مجددون)، ولا بجمع مؤنث (مجددات) أي جمع هذا؟! فأجابه إجابة أبدع من التسمية، وقال له: هذا (جمع مخنث سالم)، فأقسم له سائله أن اللغة العربية في أشد الحاجة لهذا الجمع، خصوصاً في هذه الأيام.
ماذا نفعل في أولئك (المجددينات) الذين قال النبي ﷺ فيهم: (يحدثونكم بما لا تعرفون وآباؤكم) لا نعرف هذا في آبائنا الأولين، غربة استحكمت على الغرباء مع ضعف إيمانهم وجهلهم، وكثرة الفتن عليهم، فلا شك أنهم يختلفون عن الغرباء الأولين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1552
استغلال منابر الإعلام في نشر الفتاوى المتضاربة مما يفقد العامة الثقة في العلماء
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
الذي يفرق بين الغرباء الأولين وبيننا في الغربة الثانية أن النبي ﷺ كان مصدر الضوء بالنسبة للغرباء.
لقد شكا كثير من العلماء من تولية منصب الإفتاء لرجل ليس ضليعاً في الفتوى؛ لأن الأمر -كما قال الأولون-: (إذا زل العالم زل بزلته عالَم)، فهذا المفتي لابد أن يكون عالماً متيناً، بمعنى أنه يجب عليه أن يغضب لله ورسوله، لكن يبقى يفتي الناس، ويرى المنكر ولا يتمعر وجهه؛ فهذا يفقد مصداقيته.
وعندما يفتي -مثلاً- بأن فوائد البنوك حلال، وتقوم الصحف الرسمية والمجلات بنشر هذا الرأي، وبتمجيد المفتي، حتى إن مجلة (أكتوبر) جعلته الرجل الأول في استفتاء عام (٨٩م) كلاعبي الكرة والممثلين، ولا يستغرب ذلك؛ لأن الجماهير العريضة كانت تنتظر فتوى تحليل الربا.
وفي نفس الوقت يفتي -وقد أصاب في ذلك- أنه لا يجوز أن تقام مسابقات ملكات الجمال؛ لأن هذا يعتبر عهراً رسمياً، امرأة تأتي ليقيسون أردافها ووسطها ونهديها بالمقاس، ويعرضون العورات على مرأى ومسمع من الناس، وفي الفنادق الكبرى، ولها تصريح رسمي، وعندما يقولون لهم: هذا لا يجوز؛ لأن هذا حرام، فلا يستمعون لهم، ولا يقيمون لهم وزناً.
يهللون للأولى ويتعامون عن الثانية إن المرء ليفقد ثقته في أمثال أولئك.
وجاء آخر وأول ما تولى منصب الإفتاء قال: إن اتحاد المطالع هو الراجح، وإذا رأينا الهلال في بلد مجاور لنا يشترك معنا في جزء من الليل يجب علينا أن نصوم.
وبعد ذلك جاء في رمضان الثاني وقال: اختلاف المطالع هو الأصل، ولا عبرة باتحاد المطالع، فإذا رئي في بلد يشترك معنا في جزء من الليل فلا يجب علينا أن نأخذ برؤيتهم، ونشر هذا القول في (الأهرام).
فجاء هذا العام وقال: إن اتحاد المطالع هو الأفضل، وهو الراجح، فإذا رُئي الهلال في بلد يشترك معنا في جزء من الليل يجب علينا أن نصوم.
فهل نبدل الفتاوى كما نبدل النعال؟! فهذا يدل على أنه لا يوجد تأصيل علمي؛ لأن المرء إذا اعتمد على اجتهاده في فتوى، فهو يفتي أولاً عن دليل راجح له بعد بحث طويل مقنع، فمثل هذا لا يتحول عن اجتهاده بسهولة، لاسيما والأدلة مبسوطة في مواضعها، فما الذي خفي عليه وعلمه حتى يبدل فتواه ثلاث مرات في سنتين؟! فما بالك بالذين يضلون الناس عن عمد أو عن جهل؟! مثال آخر: جماهير العلماء كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري وابن وهب وغيرهم من العلماء: أنه لا يجوز اجتماع قبر ومسجد في دين الإسلام، ولا يجوز بناء المساجد على القبور.
ومع ذلك يخرج علينا رجل مشبوه مجيباً على سؤال نصه: هل اتخاذ المساجد على القبور شرك؟ قال: ومن قال هذا؟ ليس بشرك.
وحتى يثبت عملياً أنه ليس بشرك عقد مجلسه الدائم في مسجد الحسين، فانظر إلى هذه الغربة التي يعيشها الحق وأهله! إذ يرى الذين يدخلون ويقبلون الأعتاب، ويسألون المدد من غير الله ﵎، ويرى شرطياً يقف حتى ينظم المرور من اليمين إلى الشمال، كما لو كانوا يطوفون بالبيت العتيق ولا ينكر، ولا تهتز له شعرة، وهذا دليل عند العوام والطغام أن القبر يجوز أن يجتمع مع المسجد، وأن دعاء الأموات ليس بشرك! فماذا يفعل الدعاة المصلحون؟ فهل يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم لوكان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثان وثالث تكسرت النصال على النصال، وضعفت أبدان الدعاة عن تحمل العذاب، وتحمل مخالفة الجماهير العريضة لهم؛ حتى صار الواحد منهم كالغريب في أهله.
стр. 1553
التقيد بالمنهج واقتفاء هدي النبي سبب لتمكين الصالحين وانتشار الدين
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: أشرنا إشارة عابرة إلى أن الغربة تنقسم إلى قسمين، وهي: غربة خاصة، وغربة عامة.
فأما بالنسبة للغربة الخاصة فهي: أن يكون الرجل غريباً في خاصة أهله أو غريباً في قومه، ذلك أن الجماهير العريضة إذا ابتعدت عن قبس الضياء أوغلت في الظلام، وهذا أمر حسي مشاهد، ننقله إلى الأمر المعنوي الآخر لو أن هناك مصباحاً، وله ضوء قوي، وكلما اقتربت من المصباح كلما شعرت ببهاء ضوئه ولمعانه، وكلما ابتعدت عن هذا المصباح شعرت أن الضوء يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى تدخل في ظلام حالك لا يخالطه نور، هذا هو المثل الحسي الذي نشعر به جميعاً ونراه.
الأمر المعنوي الذي يضرب له هذا المثل هو الهدى والضلال، فبقدر قربك من مصدر الضوء ﵌ بما أتانا من قرآن وسنة؛ بقدر ما يكون إحساسك بنور الإسلام وبهائه ولامع نوره، وبقدر بعدك عنه وانسلاخك منه؛ بقدر إيغالك في الظلام.
لا تظن أن ذلك الظلام الدامس الذي يشكو منه الغرباء في المرحلة الثانية يدوم، لن يدوم إن شاء الله مع مراجعة الضوء الأول.
إن ظلام الليل كلما اشتد آذن بمولد الفجر، ولذلك ترى أحلك فترات الليل سواداً وظلاماً هي التي تسبق نور الفجر، فإذا راجعت الضياء تخلصت من هذه الظلمات التي يعبر الله ﵎ عنها بلفظ الجمع في القرآن الكريم، ويعبر عن لفظ النور بالإفراد ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] لأن مصدر النور واحد، بخلاف مصادر الظلمات، فإنها متعددة: ظلمة الريبة، وظلمة الشك، وظلمة الكفر، وظلمة الأهواء، إلى آخر هذه الظلمات، فهي ظلمات تأتيك من أشياء متعددة.
وقد ورد في حديث ابن مسعود ﵁ عند أحمد وصححه الحاكم في المستدرك (أن النبي ﵌ خط خطاً طويلاً على الأرض، وخط خطوطاً صغيرة عن يمينه وشماله، ثم قال: هذا طريق الله -طريق واحد فقط- وهذه طرق الشياطين-ظلمات متعددة- على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) فأنت تعترضك مصادر كثيرة من الظلمات، إن فاتك مصدر نهشك الآخر، وإن فاتك الثاني أدركك الثالث، ولا عصمة لك من هذه المصادر إلا بأن تعتصم بالأمر الأول.
نحن نرى الآباء الآن لا يملكون التأثير على أولادهم جاءني سائل يقول: ابنتي لا تريد أن ترتدي الحجاب، وأنا لا أريد أن أضغط عليها، أريدها أن تلبس الحجاب عن اقتناع تقتنع بماذا أيها المسكين؟ تقتنع بفرض الله عليها، وليس لها خيار في أن تقبل أو أن ترد، إن كانت من الذين آمنوا، ومن الذين أسلموا لله؛ ليس لها خيار، وليس لك خيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فهو لا يريد إجبارها حتى تقتنع هب أنها لم تقتنع؟ أين يذهب حكم الله؟ إذا هي لم تقتنع بحكم الله تقتنع بمن؟ لقد خلعت نفسها من دينها بهذا القول وهي لا تدري.
ويقول آخر: أنا لا أريد أن ألزم ابني كي يصلي؛ لأني لو ألزمته عليه حتى يصلي فسيصلي أمامي ولن يصلي من ورائي، ولو كانت المسألة بالإقناع فإنه لن يتركها.
بمثل هذا القول عرَّضنا حقائق الدين الثابتة للضياع؛ لأننا أخضعناها للمناقشات.
الغرباء الأولون كانوا يعتصمون بتنفيذ أمر الله لتجاوز مرحلة الغربة؛ لذلك مكن الله لهم.
نسأل الله ألا يمكن للعصاة في بلادنا؛ لأنهم عباد شهواتهم، تصور لو أن رجلاً يصلي هل يمكن أن يصدر أمراً باعتقال المصلين في صلاة الفجر؟! وهل يمكن أن يصدر أمراً بإلقاء القنابل المسيلة للدموع في المساجد؟! لو أنه يعظم حرمات الله ويعظم شعائر الله لا، نعوذ بالله أن يتمكن أولئك، إننا نريد أن يتمكن المؤمنون، لذلك هؤلاء لن يمكنوا حتى يراجعوا الأمر الأول؛ ليكونوا بذلك خليقين بالخلافة، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] رأوا أن من استحقاقهم -وهم الملائكة- ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠] فرأوا أن استحقاق الخلافة تكون للمسبح والمقدس، وطالما ضاع التسبيح والتقديس لا تكون الخلافة.
لذلك يجب على المسلمين أن يراجعوا الأمر الأول، ولا يكن بأسهم بينهم على هذا النحو الذي نراه، إننا نرى جماعة يحاربون بعضهم في الخلاف الفرعي، ويمقتون بعضهم في الخلاف الفرعي أشد ما يمقتون اليهود والنصارى، والله العظيم! إن بعض المسلمين بسبب الخلاف في بعض المسائل الفرعية يكره أن يلقى أخاه، وإذا قابل النصراني قال له: صباح الخير، وبش في وجهه، وإذا رأى أخاه الذي اختلف معه في مسألة فرعية أخذ طريقاً آخر! وما ذاك إلا لضعف الولاء للإسلام والمسلمين؛ كل هذا فرع عن الإيغال في الظلمات؛ والبعد عن الأمر الأول.
ترى مفتياً من المفتين يستحسن البدع لما يرى في مقابلها من الكفر الصريح، لو سئل عن رجل يذكر الله -مثلاً- أو يعبده بطريقة مبتدعة، يقول لك: أليس هذا أفضل ممن يسهر في شارع الهرم؟ صاروا يقارنون أهل البدعة بأهل الكفر؛ فرأوا أن أهل البدعة على خير عظيم، وصارت الجماهير تمشي في ركاب أهل البدعة، وضاع أهل السنة.
ولا ننكر أن بعض الداعين إلى السنة جاهل بأساليب الدعوة وطرقها، فانظر -يرحمك الله- إلى البلاء يتكاثر حتى من الغرباء أنفسهم! بعض الداعين إلى السنة جاهل بأساليب الدعوة، لا يراعي حال المخاطب، نرى -مثلاً- رجلاً يسيد النبي ﷺ -وهو سيدنا، وسيد ولد آدم- في الأذان، وفي الإقامة والتشهد، (أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله) فإذا قيل له: لا يجوز لك أن تسيده في هذه المواضع.
قال: يكرهون النبي يكرهون النبي؟! وما سبب غربتنا إلا محبته، هذا هو بيت القصيد، لو أراد الغرباء الدنيا لحازوها أكثر من طلابها، لكن سبب غربتهم محبته؛ والدعاء إلى سنته.
وهل يبغض النبي ﵌ إلا كافر؟ واستدل بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الحديث المشهور بين الناس (من حج ولم يزرني فقد جفاني) كذب وموضوع، وبهت وافتراء على النبي ﷺ ؛ لأن الزيارة ليست من مناسك الحج، ولو حج رجل ولم يزر النبي ﷺ لعارض سفر أو مرض أو نحوه صح حجه بالاتفاق، قال: لأن الزيارة ليست فرضاً ولا ركناً ولا شرطاً في الحج، وجفوته ﵌ كفر فكيف يكفر من لا يفعل شيئاً مفروضاً عليه؟! فإذا قيل له: لا تقل سيدنا، قال: هؤلاء لا يحبون النبي؛ لأنهم وهابيون ونبزوهم بما يفتخر المرء به؛ لكن الأمر كما قال القائل الأول معاتباً معزياً لنفسه: إذا محاسني اللاتي أدل بها عدت عيوباً فقل لي كيف أعتذر إذا لمتني على التوحيد فقل لي كيف أعتذر؟ إذا اتهمتني أنني مستقيم كيف أعتذر؟! إن المنحرف إذا اتهم بانحرافه يعتذر بأنه سوف يراجع الطهارة ويراجع الصلاة، لكن إذا قيل للصالحين: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] ماذا يفعل آل لوط؟ وكيف يعتذرون؟ إذا محاسني اللاتي أدل بها عدت عيوباً فقل لي كيف أعتذر فالرجل الصالح عندما ينبز بأنه متبع لأمر النبي ﵊ فعليه أن يفخر بذلك ولا يبحث له عن أعذار يعتذر بها؛ لأنه في نهاية الأمر على الحق، وخصومه على الباطل، ودولة الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.
стр. 1554
الرحمن فاسأل به خبيراً
السمة الظاهرة للقرآن المكي أنه يخاطب القلب، ومحوره الأساسي تعريف الناس بربهم، وبنعمه عليهم، وأنه هو المستحق للعبادة دون غيره مما يعبدونه من أصنام وأوثان ومعبودات باطلة لا تملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
وسورة الفرقان نموذج للقرآن المكي، ففي كثير من آياتها تذكير للعباد بنعم ربهم عليهم، وأنهم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر والعرفان وإنما قابلوها بالجحود والنكران.
стр. 1555
من سمات القرآن المكي التذكير بالنعم
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
سورة الفرقان سورة مكية، وللقرآن المكي سمة ظاهرة، وهي: أنه يخاطب القلب، روى البخاري في صحيحه من حديث جبير بن مطعم ﵁، قال: (دخلت المدينة في فداء أسارى بدر -وكان جبير إذ ذاك كافراً- فوافى المدينة والنبي ﷺ يصلي صلاة المغرب، فذهب جبير إلى المسجد، فسمع النبي ﷺ يقرأ سورة الطور.
قال جبير: حتى إذا وصل إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧]، قال: كاد قلبي أن يطير) لما سمع هذه الآيات.
السمة الظاهرة للقرآن المكي أنه يخاطب القلب، يعرف الناس بالله ، وأنه المنعم والمتفضل، فهو أهل أن يعبد دون غيره.
كما قال ﵎ في سورة النمل، وهي سورة مكية أيضاً: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٥٩ - ٦٤] الذي فعل كل ذلك أولى أن يعبد ولا يعبد سواه.
دخل هشام بن عبد الملك المسجد النبوي فوجد سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ جالساً في المسجد.
فقال له: (ألك حاجة؟ وهشام أمير المؤمنين، وهو الذي يقول لـ سالم بن عبد الله بن عمر في المسجد النبوي: ألك حاجة؟) فقال سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: إني أستحيي أن أسأل غير الله وأنا في بيته، فلما خرج من المسجد تبعه هشام، وقال له: الآن خرجت من المسجد ألك حاجة؟ قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها، أفأسألها من لا يملكها؟! واعتز بالله ؛ فالذي يملك الدنيا والآخرة أولى أن يعبد.
стр. 1556
أواخر سورة الفرقان نموذج للتذكير بالنعم
في أواخر سورة الفرقان هذا النمط من تذكير العباد بالنعم، ثم ذكر ما يفعله العباد في مقابل هذه النعم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤].
هناك نمط من البشر الكلب أفضل منه؛ فهو لا يستحق الحياة، وهذه شهادة الله عليهم، وإذا جرح الله عبداً فلن تجد له معدلاً أبداً: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨].
إذا جرح الله عبداً وسخط عليه لا يرفعه أحد: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] أي: جعل هواه إلهاً، كلما أعجبه شيء فعله، لا يصدر إلا عن هوى نفسه، هذا هو الذي جعل إلهه هواه.
إن الله علمنا وأدبنا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات:١] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى تؤمروا، هذا هو معنى قوله: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله).
من فعل ما لم يؤمر به فقد تقدم بفعله بين يدي الله ورسوله، ومن امتثل أمراً غير أمر الله ، فقد تقدم بين يدي الله ورسوله.
والذين يتقدمون بين يدي الله ورسوله من المسلمين هم اليوم بالألوف المؤلفة يسمعون القول ولا يمتثلونه.
ربا البنوك أجمع العلماء على أنه حرام، وهكذا اتفقت كلمة المجامع العلمية على أنه حرام، وشذ رجل اتهموه بالجهل في أصول الشريعة، وقالوا: إنه لا يفقه شيئاً في الأصول! وكتبهم موجودة.
فقال: ربا البنوك حلال، فماذا كان رد فعل العامة تجاه هذه الفتوى؟ مذهب العامة أنه إذا قام رجل فقال قولاً يخالف المعهود عندهم يقولون له: أأنت أهدى أم كل هؤلاء؟ ويستدلون على الحق بالكثرة، وهذا ليس بدليل صحيح، فإن الله وصم الكثرة بالضلال، قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٥].
والحق مع القلة، قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، فلا تستدل على الحق بالكثرة، فإن الكثرة لم تكن مظهراً من مظاهر الحق أبداً، قال النبي ﷺ : (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء).
فيقولون للرجل المتفرد -ولو كان معه الحق-: أأنت على حق وكل هؤلاء على باطل؟! وأنا أدين هذا العامي بمذهبه في هذه المسألة، وأقول له: أكل المجامع العلمية على ضلال وهذا وحده على حق؟! أين مذهبك؟! مذهبك أن الحق مع الكثرة، فلماذا خالفت الكثرة هنا، واتبعت رأي الفرد الشاذ؟! إنه الهوى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] فلأن البنك يأتي له بفائدة ومكسب اتبع قول من يبيحه له.
فكلما هوي شيئاً اتخذه إلهاً، وعبده من دون الله ، قال الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
لقد اتهموا الحمار بالغباء، والحمار ذكي! لو أن الحمار مشى في طريق مرتين ألفه ولم يضل، فهذا الحمار المجني عليه أذكى من كثير من بني آدم، فإن ثلثي الكرة الأرضية يكفرون بالله العظيم.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤].
ثم شرع الله يعدد نعمه على العباد، ويعدد ما فعله لهم، ثم ذكر النتيجة المحزنة بعد إنهاء تعداد النعم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٥٤].
تأمل! (وهو الذي، وهو الذي، وهو الذي، وهو الذي) أربع مرات، ضمير الرفع المنفصل هو يأتي لتأكيد التفرد، أي: هو الذي فعل لا غيره، لم يشاركه أحد في كل هذه النعم، فهو الذي فعل كذا وكذا وكذا وكذا، ما هي النتيجة؟ قال : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] فهذا هو رد الجميل، وهذه هي النتيجة؟ بعد تعداد كل تلك النعم يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم! فهذا خطاب للقلب، وأي رجل عنده قلب يسمع هذا البيان، فإنه يرجع إلى الله ، ويخلع الأنداد من دون الله ؛ لأنه هو الذي تفرد بالعبادة، وهذه من طريقة القرآن الرائعة في إقامة الحجة على الناس.
أقام الحجة على أنه الإله المتفرد بالعبادة، بالنعم التي أنعم بها على العباد، فالذي أوجد، والذي خلق، والذي رزق أولى أن يعبد من دون غيره الذي لم يخلق شيئاً.
ثم تأمل: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] نوع من الكفران بالله سجله الله على العباد في هذه الآية: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٤٨ - ٥٠] ما هو هذا الذي صرفه الله بينهم؟ المطر، الماء، وليس القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان:٥٠]، أي: صرفنا الماء بينهم؛ لأن الضمير ينبغي أن يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الماء وليس للقرآن ذكر: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ﴾ [الفرقان:٤٨ - ٤٩] والمراد به الماء (مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان:٥٠].
стр. 1557
من مظاهر كفر العبد لنعم الله
ما هو وجه الكفران الذي عناه الله ؟ وجه الكفران ورد في الحديث القدسي الصحيح الذي رواه الشيخان أن الله قال: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهذا كافر بي مؤمن بالكواكب).
أنزل الله الماء، لكنهم يقولون لك: الرياح الشمالية العكسية الغربية هي التي دفعت الماء، ثم أبرق السحاب وأرعد ونزل الماء.
من الذي فعل كل ذلك؟ لا يذكرونه في كلامهم، لا يذكرونه في حديثهم، لا يقولون: أرسل الله الرياح وأرسل المطر وأرسل البرق، لا يقولون ذلك، إنما مطرنا بالرياح الشمالية الغربية العكسية، لا يذكرون الله، لماذا لا يذكرون الله وهو الذي فعل كل ذلك؟! (أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب)، سنة من السنوات كتب عنوان في الجريدة الرسمية: "بحيرة ناصر أنقذتنا من الجفاف" عنوان! " ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] لو أن الله استرد هذا الماء، من الذي يرد الماء إليكم؟! لماذا لا تنسبون الفضل إليه ﵎؟! هذا مظهر من مظاهر الجحود والكفران: أن تنسب الخير إلى غيره ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان:٥٠]، قال النبي ﷺ : (ما عام بأكثر مطراً من عام)، كمية الماء التي قدرها الله وتكفي العباد مقدرة، وتنزل كل سنة.
لكن أين يذهب الماء عندما يصاب العباد بجفاف؟! قال ﷺ : (ما عام بأكثر مطراً من عام، ولكن إذا عمل العباد بالمعاصي صرفه الله في البحر)، فكمية المطر هي هي، لكن لا تنزل عليهم، إنما تمطر على البحار، والعباد في أمس الحاجة إلى قطرة ماء: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٣٠].
﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] لولا إذ رأوا بأسنا استكانوا ورجعوا وأخبتوا واعترفوا بذنبهم! فإن الله يحب العبد المعترف بذنبه، قال النبي ﷺ : (قال الله : أذنب عبدي ذنباً فقال: يا رب! إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب به، غفرت لعبدي.
ثم أذنب عبدي ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً فاغفر لي.
فقال الله : علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب به، غفرت لعبدي.
ثم أذنب عبدي ذنباً فقال: رب! إني أذنبت ذنباً فاغفر لي.
فقال الله : علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب به، غفرت لعبدي فليفعل عبدي ما شاء).
فليفعل ما شاء ليس معناها: أن يرتكب المعاصي كما يشاء، لكن معناها: إذا عصيت الله فمتى رجعت تلقاك، لكن بشرط أن تلقاه لا تشرك به شيئاً، هذا هو الشرط الوحيد.
قال الله في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً، غفرت لك ما كان منك ولا أبالي).
لذلك أخطر سيئة هي الشرك، فهي سيئة تأكل كل الحسنات، ولا تبقي منها حسنة، رغم أن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] لكن هناك سيئة واحدة لا تبقي حسنة وهي الشرك، الذي لا يقبل الله من صاحبه صرفاً ولا عدلاً.
فيرسل الماء الذي به قوام حياة كل حي على وجه الأرض، ومع ذلك لا ينسبون هذا الخير إليه: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ [الفرقان:٥٠ - ٥٢]، جاهدهم به: أي بالقرآن.
стр. 1558
المنهج القرآني لإقامة الحجة على الكافرين
القرآن فيه مناظرات مع أهل الشرك والكفر، والقرآن فيه الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله ، القرآن يعلمك كيف تقيم الحجة على المعاند، فقال الله : ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢].
(لا تطع الكافرين) فهي لفتة عظيمة أن الكافرين لا يتركون لك القرآن، والمنافقين أيضاً لا يتركون لك القرآن، بل يثيرون على آياته الشبهات، واستخدمت كلمة "الجهاد" هنا من الجهد، وتعني: جهاد الدعوة.
لماذا صار جهاداً وجهداً؟ لأن هناك كفرة ومنافقين لا يتركون لك أدلة القرآن، يثيرون عليها الشبهات، فأنت مطالب أن تتحرك في أكثر من محور، تذود عن القرآن شبه الكافرين والمنافقين، والمحور الآخر: تقدم هدايات القرآن لمن يريد من المؤمنين؛ فأنت تعمل مرتين.
المشركون حاجوا المسلمين فلم يستطع المسلمون أن يردوا عليهم حتى أنزل الله الرد، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة:٣]، كل هذا حرام.
المنخنقة: التي تموت خنقاً.
والموقوذة: التي تضرب بآلة حادة على رأسها.
والمتردية: التي تسقط من قمة جبل أو من مكان عالٍ.
والنطيحة: التي نطحتها أختها فماتت.
حسناً ما هو الحلال بالنسبة لنا؟ الحلال: أن نذبح، فقال المشركون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟! فهم يقولون للمسلمين: ماذبحتموه أنتم فقتلتموه تجعلونه حلالاً وتأكلونه، أما التي ماتت -وهي التي قتلها الله فإنكم تحرمونها ولا تأكلونها؟! فإن المتردية والنطيحة والموقوذة كل ذلك الله هو الذي قتله؟! فعجز المسلمون عن الرد، فأنزل الله الرد على هؤلاء المشركين: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] هذه شبهة شيطانية يثيرها بين الحين والحين واحد من الكفرة أو المنافقين.
стр. 1559
إقامة الحجة على من يحرف القرآن من أصحاب التفسير الإشاري
بعض الناس يحرف آيات القرآن الكريم بدعوى التفسير، وكل هذا يحتاج إلى جهد الدعاة؛ ليدفعوا عن القرآن، وبعد أن يدفعوا عن القرآن عليهم أن يعلموا المؤمنين؛ ولذلك قال الله : ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ [الفرقان:٥٢] جهاد قتال، تعمل على محورين.
واحد من الذين يقولون: هناك تفسير إشاري للقرآن الكريم.
التفسير الإشاري هو تفسير ليس على ظاهر الكلام، وهم يسمونه (روح النص) فيفسر أحدهم آيات القرآن الكريم تفسيراً لا علاقة له بالكلام: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي واحد يسمع الآية هذه وهذه أعظم آيات القرآن آية الكرسي: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] ما معنى الآية هذه؟ أي: من الذي يشفع عند الله إلا بعد إذن الله له بالشفاعة؟!
و
الجواب
لا أحد: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم:٨٧] أبداً، إذا أذن الله له شفع، هذا معنى الآية.
يأتي هذا الرجل ويفسرها كالآتي: يقول: (من ذل ذي يشفَ عِ) كلام جديد! (من ذل) من الذل، و (ذي) اسم إشارة إلى النفس، ذي وهذا وهذه وهذي أسماء إشارة، فـ (ذي) اختصار اسم الإشارة هذي، وحذف الهاء، فكلمة (ذي) إشارة إلى النفس.
يعني: (من ذل نفسه يشف) من الشفاء.
(عِ): فعل أمر من وعى، أي: احفظ هذا الكلام، وهذا المعنى.
أي كلمة في الآية تدل عليه؟! أين لفظة (الذل) في الآية؟! لقد أدخل بعض الكلام على بعضه وعجنه، وخرج بعبارة جديدة! فهذا أشر من اليهود الذين كانوا يحرفون المعاني، أما هذا فيحرف لفظ القرآن ويسمي هذا التحريف تفسيراً.
فعلى المجاهد الداعية إلى الله أن يرد على هؤلاء، وهم بالألوف المؤلفة! ولو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثانٍ وثالثُ فلا جرم أن الله ذكر الجهاد بالدعوة في القرآن: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الفرقان:٥٢] ولا يستميلوا قلبك، ولا يخطفوا قلبك بالشبه ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢].
стр. 1560
تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ)
ثم قال الله بعد تعداد هذه النعم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ [الفرقان:٥٥] يعبدون ما لا ينفعهم: كلام سائب، رجل يعبد ما لا ينفعه! مجنون طبعاً، لكن رجل يعبد ما لا يضره، ومن الذي يرجو الضرر؟ يعبدون ما لا ينفعهم مجانين، (يعبدون ما لا يضرهم) من الذي يرجو من يضره؟! فما معنى (ولا يضرهم)؟ إن كل إنسان فيه داعية الألوهية، كل واحد فينا على استعداد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، كل واحد عنده هذا الاستعداد، واعتبر بحال فرعون (قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر).
لعل كثيراً منكم سمعوا خطاب ذلك المتكلم في ذلك الزمان لما قال: أنا لن أرحم، لا يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعباد! كيف ساغ له؟ وهو كان يعترف في أحاديثه المكتوبة والمسموعة أنه كان يشتغل في مطلع حياته حمالاً في المحطات، يرفع الشوال على ظهره، كيف آل به نهاية الأمر أن يقول: لا يبدل القول لدي، وما أنا بظلام للعباد؟! والذي لا يبدل القول لديه هو الله ، العليم بما تئول إليه عواقب الأمور، لكن أمثالنا يغير ويبدل لجهله بالعواقب.
عمل خطة معينة اكتشف أن هذه الخطة ضعيفة، لماذا؟ لأن لها سلبيات فيما بعد، فغير، لكن الله العليم، الذي لا تخفى عليه خافية لا يغير، إذا قال قولاً ثبته ولا يغيره؛ لأن علمه بلا حدود.
فكيف ساغ لهذا الرجل أن يقول ذلك وهو الذي قال: أنا كنت أشتغل حمالاً؟! اعتبر بهذا في العصر الحديث، وكل رجل منا عنده داعية الألوهية، فلابد لهذا الإنسان من رجل يوقف طغيانه، ويوقف زحفه، ويضره بأن يمرضه، يظل رهين الفراش، لأنه لو ترك حياً طليقاً لكفر.
إذاً إلحاق الضرر به نعمة، هو ضرر من وجه نظره، لكن إذا نظرت إلى عواقب الأمور ومآلها فهي النعمة بذاتها.
فأنا أحتاج إلى من ينفعني ويلحق بي الضرر لنفعي أيضاً، ولأن هناك بعض الناس لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، هناك أناس لا يرجعون إلى الله إلا بعد أن تقرعهم المصائب، الجماد أفضل منهم، قال الله للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] فلماذا لا يعود هؤلاء إلى الله إلا كرهاً؟ لماذا لا يعودون طوعاً؟ والله حقيق بأن يعبد، جدير بألا يعبد غيره ﵎.
ولذلك عاب الله عليهم أنهم يعبدون مالا ينفعهم، ومالا يوقف طغيانهم لنفعهم أيضاً.
ثم قال أيضاً: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] إذا رأى عدواً لله انضم إليه على الله، يظاهر كل عدو لله على الله وعلى أولياء الله : ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان:٥٥] أعاذنا الله وإياكم من الكفران به.
стр. 1561
تفسير قوله تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ)
ثم قال الله بعد ذلك: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] هذه الآية فيها لطائف لو قلت: (وتوكل على الحي وسبح بحمده) لا يتم المعنى الجميل إلا إذا ذكرت (الذي لا يموت)، مع أن الذي لا يموت هو الحي، الحي الذي لا يموت.
فلماذا أكدت الحياة بنفي الضد؟ أكدت الحياة بنفي الضد لأكثر من معنى: المعنى الأول: تأكيد المثبت وهو الحياة؛ حتى لا يظن أحد أن حياته يلحقها نقص فهي حياة تامة، الحي الذي لا يموت جاء تأكيد المثبت بنفي الضد، كما لو قلت: (رأيت بعيني) مع أن الرؤية لا تكون إلا بالعين، وتقول: سمعت بأذني.
والسمع والسماع لا يكون إلا بالأذن، وكما قال الله : ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] مع أن الإلهين لا يكونان ثلاثة ولا أربعة: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل:٥١] كل هذا جاء تأكيداً.
لو أن رجلاً سخياً كريماً -وليكن هذا الرجل أباك- كلما اشتهيت شيئاً أعطاك وأمدك، لا يخطر ببالك شيء مهما كان ثمنه غالياً إلا أعطاك وزيادة، فإن أعظم مصيبة تصيبك أليست هي موت هذا الرجل؟! لأنه إذا مات هذا الرجل فستحتاج، لن تجد أحداً في كرمه، لن تجد أحداً يسد فاقتك ولا فقرك؛ فموت هذا الرجل هي أعظم كارثة تصيب هذا الإنسان، فجاء قول الله (الذي لا يموت) لطمأنة قلبك، اطمئن، فإن الذي توكلت عليه لا يموت، بل سيرثك.
فممن تخاف؟! ولماذا تخاف من المستقبل؟! الجماعة الذين عندهم رعب دائم من المستقبل والغيب والمجهول، لماذا تخافون؟! ﴿الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] إن الله هو الحي الذي لا يموت، فلماذا تخاف؟! ولماذا يضطرب قلبك؟! ولذلك جاء هذا مصدراً بقوله : ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ [الفرقان:٥٨].
أكثر ما يذكر التوكل في الرزق، التوكل يذكر في كل منحى من مناحي الحياة، لكن أكثر ما يذكر التوكل في الرزق، وأكثر ما يشغل العباد الرزق، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾ [النحل:٧٣] يعيب الله عليهم ذلك.
والرسول ﵊ يقول: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، خماصاً: جائعة، ليس في حوصلتها حبة واحدة، هذا الطائر لا يدري من أين يلتقط الحب، لكنه يمر ويرى الحبة من فوق وينزل، ولذلك قال الهدهد: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل:٢٥]، الخبء: هذا الذي يعاينه الهدهد مخبوء في الأرض، يخرج الخبء، فهذا الطائر يغدو في الصباح لا له دكان، ولا له حرفة ولا وظيفة، فيرزقه الله .
(بطاناً) أي: ملأى بالطعام.
فيقول النبي ﵊: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير).
وفي مسألة الرزق لأنها أكثر شيء يشغل العباد، قال الله : ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] يعني: ليس في الأرض.
فلماذا ذكر أن الرزق في السماء؟ حتى لا تخشى من طغيان طاغية، إذ لو كان في الأرض لانتهبه منك، فقال لك: رزقك ورزقه في السماء، ليس هو في متناول يد واحد منكم ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] ثم أقسم الله بذاته العلية: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] جاءت المسألة في معرض التوكل، وحقيقة التوكل: اعتماد القلب على الله بغير البراءة من الأسباب، وهذه مسألة مهمة ضل فيها جِبلٌّ كثير.
стр. 1562
التوكل والأخذ بالأسباب
حقيقة التوكل: اعتماد القلب على الله بغير البراءة من الأسباب، أي: أنه ليس معنى التوكل التواكل، وترك السبب لا، الرسول ﵊ لما خرج من مكة إلى المدينة ماذا فعل؟ ألم يختبئ في الغار؟! لماذا اختبأ؟ كان يمكن أن يمشي، ويقول: أنا متوكل على الله، ولن يروني، ولن يستطيعوا إيصال الضر إلي، كان هذا ممكناً، ولكن لماذا اختبأ في الغار؟ هل هذا ينافي التوكل؟ لا ينافي التوكل، ولا ينافي اعتماد القلب على الله، انظر إلى اعتماد قلبه على الله وهو في الغار، حين قال له أبو بكر ﵁: (لو أن أحداً نظر تحت قدمه لرآنا -هنا ظهر التوكل- قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).
هذا هو التوكل، الذي هو اعتماد القلب على الله، لكن لا يمنع من أخذ السبب.
كما أنك تأكل لدفع الجوع، وهذا كله من الأسباب التي قدرها الله ، وأكلك لحفظ حياتك لا ينافي التوكل على الله ، بل العباد يعدون تارك الأسباب بدعوى التوكل مجنوناً.
فلو قال رجل: أنا لن أتزوج، ولو أراد الله أن يرزقني بالولد لرزقني بالولد، يقول الناس: مجنون! إذ كيف يرزق الولد بغير زوجة؟! لو قال: أنا لا آكل، ولو شاء الله لحفظ حياتي ولم يمتني بدون أكل؛ لعد العباد ذلك نقصاً.
ولو جلس رجل في بيته وانتظر أن ينزل الرزق من السماء؛ لقال الناس: مجنون.
إذاً التوكل ليس معناه نفض اليد من الأسباب، إنما معناه: اعتماد القلب على الله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] لتمام حياته وقيوميته.
ثم ختم الآية ختاماً في غاية العجب والروعة! ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] تأملوا في عجز الآية، إنها آية! ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] لماذا ذكر الذنب؟ هذا الآية تكررت مثيلاتها مرة واحدة في القرآن، في سورة الإسراء: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء:١٧]، فلماذا ذكر الذنب؟ ذُكر الذنب -والله أعلم- لسببين: السبب الأول: لأن العباد يجتهدون في إخفاء الذنب، يفعل أحدهم الذنب في الخفاء، فإذا كان يجتهد في إخفاء الذنب ويعلمه الله ؛ فهذا يدل على تمام حياته وقيوميته على عباده، تأكيد للحياة، أثر من آثار حياته ﵎ وأنه لا يموت ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ [الرعد:٣٣]، ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] تذكر القيومية مع الحياة، إذاً لما قام على كل نفس بما كسبت ذكر الذنب؛ لأن العباد يجتهدون في إخفاء الذنب بخلاف الطاعة، فإن العبد يظهرها أمام الناس، ويتبجح بها.
المعنى الثاني: (كفى به) كلمة (كفى) أول ما تسمعها تتذكر معنى الكثرة والإحاطة: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:٣١] ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الإسراء:٩٦] فيها معنى الإحاطة والكثرة.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان:٥٨] فالآية لها تعلق بالرزق، فالله يرزقك وقد ضمن للعباد أن لا يجيعهم.
فما هي النتيجة؟ ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] يدل على أن ذنوب العباد فاقت كل تصور مع إنعامه وتفضله، وأنه رغم ذنوبهم يقول: إلي! إلي! تعالوا! رغم ذنوبهم لا يتبرأ منهم، وهو أرحم بهم من الأم بولدها: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨] مع كثرة ذنوبهم يقول لهم: توكلوا علي؛ لأنهم لا يجدون له عدلاً ولا نظيراً.
стр. 1563
وقفات مهمة في أسماء الله وصفاته
قال الله : ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٨ - ٥٩] أي: لا تسل جاهلاً عن الله، إذا أردت أن تسأل عن الرحمن فاسأل خبيراً به.
وهذه الوقفة التي أردت أن أقفها في هذا الدرس، نحن فيما بيننا لا نذهب إلى طبيب جاهل ولا إلى عامل جاهل، وكلنا يبحث عن أمهر الأطباء وأمهر العمال، يقال: هذا خبير، هذا خبير بالمرض الفلاني، أو هذا خبير بالآلة الفلانية.
ويعد العباد أن من الخسارة أن يذهب إلى رجل جاهل، فكيف جئت على أتم المطالب وأهمها -وهي معرفة الله- ولم تسأل أعلم الناس بالله؟! ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] وانظر لفظة (الرحمن) ما أجملها في هذا الموضع! انظر سياق الآيات: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا * الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان:٥٨ - ٥٩] هي قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] استواءً حقيقياً بغير تشبيه ولا تمثيل كما يليق بجلاله ﵎، واستواؤه على العرش مدح له ، ربنا لما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] مدح نفسه بهذا الاستواء.
والعرش في السماء وليس في الأرض، وكما قال النبي ﷺ -وذكر الجنة- قال: (سقفها عرش الرحمن) سقف الجنة عرش الرحمن، إذاً الرحمن ﵎: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] ليحببك فيه.
لماذا أنت تسأل خبيراً بالله؟ حتى يحببك في الله !
стр. 1564
الرفق منهج رباني
إن الله يتحبب إلينا بآلائه ونعمه، يعدد نعمه لنحبه؛ ولنشعر بالتقصير في حقه.
افترض -ولله المثل الأعلى- أن عندك رجل ساكن في شقة مكونة من ثلاث غرف، وعندك ولد في الثانوية العامة أو ولد في امتحان شهادة، وأنت أفرغت له غرفة لوحده، وأنتم كلكم تكدستم في غرفتين، وأعلنت حالة الطوارئ، ممنوع الهمس! الولد يذاكر! ممنوع الصياح! الولد يذاكر! جعلت له ثلاجة لكي يأكل ويشرب المرطبات، وجعلت له مدفأة لكيلا يشعر بالبرد، هيأت له سريراً لوحده، كل هذا وأنت تقول له: يا بني! ذاكر وأنا أصرف عليك.
لكن الولد في نهاية السنة رسب، فماذا ستقول له؟ ستقول له: ألم أجعل لك غرفة لوحدك وتكدسنا في غرفتين؟! ألم أجعل لك ثلاجة؟! ألم أعطك الذي نفسك فيه: تأكل وتشرب؟! ولطالما ضربت إخوتك ورميتهم في الشارع؛ لكيلا يزعجوك؛ حتى تنام جيداً أليس هذا ما ستقوله؟! لماذا؟! لأن ذكر النعم في موضع التقصير أشد من ضرب السيف، لكن لمن هذا؟ للذي عنده دم، للذي عنده إحساس، يفضل أن يضرب بالسيف ولا يلام هذا اللوم ولا هذا التقريع.
فربنا يخاطب قلب الإنسان: عملت لك وعملت لك وعملت لك وعملت لك وعملت كذا وكذا وكذا ورزقتك وخلقتك ونجيتك ورفعت عنك الأمراض ودعوتني واستجبت لك لكن ما هي النتيجة؟! ولذلك تعداد النعم طريقة قرآنية فريدة تمس القلب، والرسول ﵊ قال: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) وهذه طريقة لو تدبرتها في التعامل مع العباد تجد أنها أنجع وأقوى من أي وسيلة أخرى.
مثلاً اليهود أكثر منا بالحيلة واللين بمائة مرة من الذي كانوا يصفونه بالشدة؟ فاليهودي الذي اسمه شامير كانت طريقته قائمة على الشدة: سنبني مستوطنات، والذي لا يعجبه سأطلع قلبه فكان يستنفر الناس، وظهر أطفال الحجارة وانتفاضة الحجارة، وذلك كرد فعل طبيعي للعنف.
فقال اليهود لبعضهم: هؤلاء المسلمون نفسهم طويل، وهم الذين يعرفون مصطلح الجهاد والفداء.
وهؤلاء اليهود جبناء، لم يأخذوا قوتهم إلا من ضعفنا، هم ليس لديهم قوة، ربنا هو الذي قال هذا، فهو ليس حكمنا، إنما هو حكم اللطيف الخبير، العالم بالسرائر، قال الله : ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
وفي نفس الوقت اليهودي يحب الحياة، يتمنى أن يعيش ولو ذليلاً مهاناً ولا يموت؛ قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] (حياة) هكذا من غير ألف ولام، من غير ألف ولام لماذا؟ نكرة من أجل أن يدل تنكيرها على الرداءة، أي حياة، أهم شيء أن يعيش! وصاحب الفداء والجهاد الموت محبب إليه، والمسلمون فقط دون غيرهم هم أصحاب الجهاد والفداء، وأصحاب النفس الطويل، لو تحداك بدينه لا يغلب؛ ولذلك كان رجوع الأمة لدينها أمر في غاية الأهمية، لا تهزم إذا رجعت إلى دينها، لماذا؟ لأن عندهم فداء، وعندهم نفس، وعندهم تضحية.
مثال: العرب المشركون في الجاهلية كان الواحد منهم يقول: إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب.
واحد يستنجد بك وأنت لا تعرفه، ويمكن أن يطعنك بخنجر أو يرميك برصاصة وأنت تعرف هذا جيداً، ومع ذلك إذا استنجد بك تجد روح الفداء عندك وتنزل: (إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب).
فالفداء والتضحية هذه لا تجدها إلا عند المسلمين فقط.
فقال اليهود: نحن سنظل نناوئهم، والصحوة الإسلامية مدها يعلو، والأطفال هؤلاء لن يستمروا بالضرب بالحجارة، رغم أنني رأيت منظراً لا أنساه أبداً: جنود من اليهود أمسكوا طفلاً وكسروا له عظم يديه الاثنين لكيلا ينتفع بيديه بعد ذلك، وكل من أمسكوه كسروا له عظم يديه وتركوه لكن هؤلاء المجاهدين استمروا يضربون بالحجارة سنوات طويلة! فقال اليهود: لا بد أن نغير الخطة، ما هي الخطة البديلة؟ لا نعمل مثل النجار الغشيم، يأتي على حائط صلب مثل هذا ومعه مسمار، ويضرب ضربة واحدة فإذا بالمسمار مكسور نصفين، أو رجع إلى عينه.
أنت عندما ترى حائطاً صلباً مثل هذا، وتريد أن تدق فيه مسماراً، تظل تدق وتدق برفق! فلو ضربته بالعنف لا يمشي معك، تأتيه بالرفق يمشي معك.
فقال اليهود: ولماذا نظل نحاربهم؟ نحن سنقول لهم: نحن أحبة، ونحن إخوان إلخ، وهيا بنا إذاً نتبادل الزراعة والصناعة والثقافة، ونحن مع ذلك نتلف لهم عقائدهم، ونؤكلهم أناناس وهو محقون بالهرمونات؛ فيحصل لهم فشل كبدي! وفشل كلوي! وسرطانات إلخ، وبهذا نكون انتهينا منهم، ونحن هكذا نظل أحبة ولا توجد مشاكل!
стр. 1565
الرفق في التعامل مع الخصوم
طريقة الرفق هذه طريقة خطيرة جداً، ولذلك ربنا شرعها لنا في مجال الدعوة مع الخصوم، قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] انظر إلى هذا الكلام! ﴿الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] يعني: بعد ما كان عدواً أصبح يحبك جداً، كل هذا بسبب ماذا؟ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
انظر إلى الحكمة لم يذكر فيها حسناً، والموعظة ذكر أنها حسنة، والجدال ذكر أنه أحسن؛ فهي ثلاث درجات وراء بعض: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] ربنا خاطب قريشاً ثلاث عشرة سنة بالقرآن المكي، وكله تذكير بالنعم.
فأحب من تدعوه وأشعره بالحب أولاً وحنن قلبه، وبعد ما تبذل جهدك في الترغيب، وتحنن قلبه، وتأتي له بكل وسيلة ولم يأت، فعندها ما بقي إلا الترهيب.
ولا تبتدئ بالترهيب، فإن الله ما ابتدأ به، إنما بدأ بالترغيب، ودائماً يقدم رحمته ﵎ على غضبه ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠].
وفي الحديث الصحيح: (إن الله كتب كتاباً فهو عنده: إن رحمتي تغلب غضبي).
وقال تعالى: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] فكل خير، وكل عدل نحن نبتدئ به.
стр. 1566
التعرف على صفات الله بالنظر والتفكر
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] فإذا أردت أن تصل إلى الله سل أخبر الناس بالله.
وأخبر الناس بالله هم الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
نفي الصفات أكبر جريمة يرتكبها إنسان في حق نفسه لماذا؟ لأنها تضيع عليه باب زيادة الإيمان، ومحبة الرحمن ﵎، ولذلك تجد معظم آيات القرآن تنتهي بصفة من صفات الله أو صفتين: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧] ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] دائماً تجد أغلب نهايات الآيات- صفات لله ﵎، فأنت حين تتأمل هذه الصفات مع سياق الآيات تقوي بذلك إيمانك مباشرة.
ولهذا الذي يدلك على الله لابد أن يكون أخبر الناس بالله، والذي لا معرفة عنده بالله يضلك؛ لأنه لا يعلم وأنت حين تتأمل صفة من صفات الله ، ولتكن صفة الرحمن التي نحن نقرؤها في كل صلاة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١ - ٣]، تتأمل صفة (الرحمن) هذه وترى أثرها في الكون؛ فإن إيمانك يزداد.
إيمانك يزداد إذا ربطت الأسماء الحسنى بالكون، فاربطها بمظاهر الكون يزدد إيمانك كلما نظرت أمامك أو خلفك لماذا؟ لأن كل شيء في الكون مربوط بصفة من صفات الله .
مثلاً: المطر حين ينزل من السماء، الرسول ﵊ -كما قالت عائشة -: (كان إذا رأى الغمام في السماء كرب له، وتغير وجهه، ولا يستقر على حال ويظل يدخل ويخرج، فتقول: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيث استبشروا، وأراك إذا رأيته كربت له -مع أنه إذا كان هناك مطر كان هناك خير، فلماذا أنت خائف كلما ترى هذا الخير- قال: يا عائشة! وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، إن قوماً قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٥] فقال الله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥] وما يؤمنني).
فما كان يستريح إلا إذا أمطرت ماءً.
يظل قلقاً؛ لأن هناك جماعة، ربنا قص علينا قصتهم في سورة الأحقاف، رأوا غماماً فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٥]، هذا سحاب وسينزل المطر، فكان هذا فيه الحجارة، والرجم والخسف.
فيظل رسول الله ﷺ قلقاً حتى ينزل المطر، ولذلك كلمة (مطر) في القرآن لا تستخدم إلا في التدمير، إنما الذي يستخدم في الرحمة (الغيث)، أي كلمة (مطر) تجدها في القرآن فهي تدل على العذاب: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ [الأعراف:٨٤] ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢]، فإذا وجدت كلمة (المطر) فهناك حتماً خسف وتدمير وعذاب.
بخلاف لفظة الغيث؛ لأن (الغيث) فيه معنى الغياث والغوث والنجدة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨] فكلمة (غيث) فيها غياث وفيها نجدة.
فحين تنظر إلى كلمة الرحمن وأثرها في الكون، وتربط كلمة الرحمن بمظاهر أنت رأيتها في حياتك ستنفعك لو وقعت في طامة أو في مصيبة.
قص عليَّ أحدهم قصة فقال: إن حماه وهو يسكن في القاهرة كان قادماً من محافظة الإسكندرية، لكنه وهو في الطريق -وهو عند كفر الدوار- زجاج السيارة سرطن، فجأة لم ير ما أمامه، فحاول عمل أي شيء، لكنه صدم طالبات مدارس، ومات رجل سنه فوق الستين، وأصيبت بنتان أو ثلاث في هذه الحادثة.
مباشرة أخذوه إلى القسم، وعملوا له محضراً وبعد ذلك اتصل بزوج ابنته -الذي يحكي لي هذه القصة- وذهب لكي يأتي به.
هو كان مستعجلاً آتياً من محافظة الإسكندرية وذاهباً إلى القاهرة؛ لأن لديه ميعاداً مهماً جداً في الصباح الباكر.
لكنه -طبعاً- لم يقدَّر له أن يذهب القاهرة، وزوج ابنته أتى به في بلده، وقعدوا، وفي صباح اليوم التالي ذهبوا إلى القاهرة، ودخلوا غرفة النوم ورأوا شيئاً عجيباً: العمارة التي يسكن فيها سقفها مكون من طبقتين، مفرغ من الداخل، وجدوا أن الطبقة السفلى التي لغرفة النوم كلها واقعة على السرير.
دعنا نفرض أن هذا الرجل لم يحصل له هذا الذي حصل، وواصل طريقه، وذهب ونام على السرير لوحده؛ ونزل عليه هذا السقف! لطف الله به أو لا؟! لطف به، لكن لا يلزم أنه كل مرة يريك شيئاً لكي تعرف أنه لطف بك بل لا بد أن يظل ظنك بالله ملازماً لك أبداً.
إذا وقعت ورطة فقل: الحمد لله، كان سيحصل لي أعظم منها.
وأنت إذا تذكرت هذه الحكاية وقد وقعت في بلاء فقل: رحمته كما شملت فلاناً فإنها تشملني، وحين تربط ما تراه في الكون بصفة من صفات الله ، وكلما وقعت في بلاء تستصحب صفة الرحمة، وتتذكر الحادث وتعرف أن ربنا لطف بك، حينئذٍ تزداد لله حباً.
شخص يقص عليَّ قصة يقول: كانوا يوزعون بطانيات في أيام الشتاء البارد، والساعة الثانية عشرة ليلاً، والسماء كأفواه القرب، مطر ورعد وبرق وريح، بعد ما ذهب ببطانية لامرأة مسكينة، رجع البيت فسمع غطيط نائم على الرصيف -واحد بيشخر على الرصيف- فاستلفت نظره أن واحداً ينام بهذا العمق في هذا الجو، فتتبع مصدر الصوت وإذا به يجد رجلاً متسولاً، وقد تدثر بملاءة مقطعة.
ملاءة مقطعة، وهو ملتحف بها ويشخر! وشخيره يعني أنه مستغرق في النوم، ولن تسمع غطيطاًَ إلا لواحد مستريح، فإن النوم مع الأرق والقلق لا يأتي الغطيط معه، إنما الغطيط يأتي لإنسان نائم مستريح.
وهناك شخص -مثلاً- له بيت يذهب إليه ويقول لهم قبل أن يصل: شغلوا الدفاية حتى أصل، وخذوا البطانية الأسباني والإيطالي وضعوها على بعضها، وأول ما يصل إلى البيت، يدخل فيها مباشرةً ويظل يرتعش خمس دقائق إلى ست إلى سبع حتى يدفئه الغطاء.
هل أنتم تعتقدون أن الغطاء هو الذي يسخن من تلقاء نفسه؟ لا، الإنسان الذي هو يدفئه، الغطاء من أين يأتي بالحرارة.
جسمك أنت هو الذي يشع حرارة فأنت الذي تدفئ الغطاء.
وما هي مهمة الغطاء؟ أنه يحجز عليك الحرارة حتى لا تتسرب، فتشعر أنت بحرارة جسمك أنت هذه مهمة الغطاء، فتظل إذاً ترتعش لمدة عشر دقائق حتى تدفئ نفسك بنفسك.
وهذا الرجل مغطى بملاءة مقطعة، وعلى الرصيف، وفي هذا الجو؛ ونائم! إذاً: هو رحمن أو لا.
إن رحمته وسعت عباده حتى الفقير المعوز؛ لأنه عبده وهو خلقه، فلا يعذبه، يرحمه.
فحين تذكر الرحمن، وتستحضر هذه الصفة معك، ويعرض لك بلاء في الدنيا تتذكر وتقول: مثلما أنجاه ورفع عنه ينجيني، فأنا عبده، فيحملك على اللجوء إليه والتعلق به ومحبته.
نوظف هذا الكون كله لزيادة الإيمان بالله .
مثلاً: تأمل في الأرض والنبات.
ونحن أيضاً نهدي هذا الكلام للنساء، اللاتي لم ينعم ربنا عليهن بنعمة الولد.
امرأة عقيم، تتمنى أن ترزق بولد، أو رجل يتمنى أن يرزق بولد ونفسه ربنا يرزقه بولد.
انظر قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] تأمل هذه الصورة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت:٣٩]! (خاشعة) أي: ذليلة، أرض جرداء، كذلك المرأة إذا لم تكن حاملاً أو يكن عندها قابلية للحمل تعتبر مثل الأرض البور، تلاقيها هكذا مكتئبة! وحزينة! ولا أمل لها في الدنيا؛ لأن الخشوع أحد علامات الذل، الخشوع أحد علامات الذل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] * ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:٢] الخشوع علامة ذل.
فأرض لم ينزل عليها الماء فهي بور، والناس يزهدون فيها، فيبقى فيها ذل وخشوع وإخبات: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [فصلت:٣٩] فالمرأة حين لا يكون لديها ولد، وحاولت مرة واثنتين وثلاثاً وأربعاً، وجاء الحمل، انظر إليها؟! تجدها اهتزت وربت، وتورد خداها، وشعرت أنها أهل للحياة، مثل الأرض بالضبط، والمرأة مثل الأرض تماماً.
وفي كتب الأدب يذكرون قصة المرأة التي كانت تنجب البنات والرجل يريد ولداً، فتزوج امرأة أخرى، وفي باله أن يرزق منها الولد، وهذا خطأ، فإن ماء الرجل يخلق الله منه الذكر والأنثى، المرأة ليس لها دخل في المسألة.
فهذه المرأة التي لم تنجب إلا البنات، ثم ذهب الرجل يتزوج عليها لكي ينجب الولد -أبو السباع يرثه ويخلد ذكره في الأرض- فالمرأة الأولى ترى زوجها وهو يدخل دوماً للمرأة الثانية، فجعلت تدهده بنتها وهي تقول: ما لـ أبي حمزة لا يأتينا غضبان أن لا نلد البنينا تالله ما ذلك في أيدينا إنما نحن كالأرض لزارعينا انظر إلى المرأة الذكية عرفت هذه القضية من زمان! ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيي الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩].
انظر إلى الإلزام القرآني! انظر المغزى! أصلاً هناك بعض الناس حين تدخل له مباشرةً ويفهمها يدافع عن رأيه ويعاند أول ما يفهمها يضيع عليك الذي أنت تريده، فلا بد أن تترفق به.
بعد ما ذكر الشيء المُشاهد الذي يراه الناس قال: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْييِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] قضية مرتبطة ببعض.
стр. 1567
من تطبيقات المنهج الدعوي (قصة واقعية)
ذات مرة ذهبنا إلى أحدهم لنأخذ منه أموال الزكاة ونوزعها على الفقراء، وقلنا له: يا عم متى نأتي لك؟ قال: يوم (١) في الشهر، فاستمر معنا شهراً واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة؛ لأنه رجل غني وكان يدفع أيضاً مبلغاً لا بأس به.
المهم بعد سبعة أو ثمانية شهور بدأ كأنه يمل، من ماذا؟ من النقد الذي يخرجه، فكلما أذهب ويراني أحس أنه متضجر قليلاً، أقول: ربما كان غاضباً من أمر ما زبون أتعبه أو أي شيء.
المهم أحسست أنه متضجر، كلما يراني يعرف أنني قادم لآخذ مالاً، وأنا ما أضع المال في جيبي.
نحن نريحه ونظل نطوف على الفقراء في عز الليل لكيلا يراك الناس، ونسهر ونذهب نؤدي عنك، وأنت جالس في أتم راحة ونحن نتعب بغير جزاء ولا شكور، ولا تعطينا أجرنا حتى في المسألة، ولا حتى (والعاملين عليها).
فأحسست أنه متبرم.
وبعد ذلك في الشهر الحادي عشر أو الثاني عشر -قال لي: آسف جداً جداً، المبلغ لا يكفي، هل يمكن أن تمر عليَّ بعد أسبوع؟! طالما ابتدأنا بهذه المسألة قلنا: نقطع منه الرجاء.
ولكن قلت: أنا في نفسي حاجة تؤلمني، لا بد أن أعملها قبل أن أمشي، فأتيت في الشهر الذي بعده، وأول ما دخلت قلت له: أنا لم آت أريد مالاً، أنا أتيت لكي أشغل المال عندك.
فطفق يقول: أبداً والله، أبداً، هذه خطوة عزيزة كريمة، العصير يا ولد! جلست وقلت له: أنت تشغل الألف بكم؟ قل لي: بخمسة عشر جنيهاً في الشهر لصاحب المال، وخمسة عشر لي، يعني الربح يطلع ثلاثين.
قلت له: حسناً أنا لو أعطيتك أموال يتامى، وأنت تعرف حال اليتامى هل يمكن تشغل لهم الألف بخمسين؟ قال: بخمسين كيف؟! هذا مستحيل.
قلت له: أنا كنت أطمع أن تقول لي: مائة! قال: كيف يا عم الشيخ، أنا لو أتاجر في المخدرات لن أكسبها.
قلت له: حسناً لو كان هناك واحد يعطيك الألف بمائة؟ قال: يدي على كتفك! قلت له: حسناً لو الألف بسبعمائة؟!! قال لي: يا عم الشيخ لا تتمسخر علينا! قلت له: لا والله لا أتمسخر عليك، عندي واحد يشغل الألف بسبعمائة.
فقال لي: قل لي: من؟! قلت له: الله، يعطي الألف بسبعمائة.
لم يكن الرجل يتوقع ذلك أبداً، فانكسف جداً، وبقي كله أحمر.
قلت له: يا أخي الكريم! وابتدأت أكلمه بالذي في نفسي قلت له: الشهر الفلاني كشرت في وجهي وكلحت، وأنا رجل لا أستفيد من ورائك شيئاً، ولا أضع (مليماً) في جيبي، فلماذا تفعل ذلك وهذا حق الله في المال؟! الله لا يريد منك شيئاً، ربنا حين يرضى على أحد يعطيه من غير حساب، هذه الأرقام عندنا نحن، لكن ربنا حين يعطي يقول: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢].
صاحب هذه الخزائن كلها لا ينفع معه رقم أبداً، الرقم يصبح عيباً، الرقم مهما زاد يبقى عيباً، في الدنيا يقول لك: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] وفي الآخرة يقول لك: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤] لا ينتهي.
فهناك بعض الناس -وأنت ماض إلى الله تدعو الناس- يحتاج أن تلف عليه، تلزمه بالقضية إلزاماً بدون ما تحسسه أنك ستصل لهذه النتيجة، حتى لا يفسد عليك دليلك، وهذا نوع من الجهاد.
стр. 1568
من فضائل أم سليم
هذه أم سليم ﵂ علمتنا هذا الأصل في الحديث المشهور كان لها ولد مريض، ثم ذهب أبو طلحة للتجارة، فمات الولد فقالت أم سليم: (لا أحد يخبره حتى أكون أنا أول من يخبره).
لم تمزق ثوبها! ولا خمشت وجهها! ولا ناحت على ابنها! والبيت طبيعي جداً، دخل أبو طلحة البيت وجد كل مظاهر الحياة السعيدة! أول ما دخل -وكان معه جماعة من الضيوف- سأل عن الولد: ما أخبار الولد؟ قالت له: استراح ما عاد يشتكي.
طبعاً الولد مات وهي صادقة، قالت: ما عاد يشتكي.
قال لها: الحمد لله، جهزي لنا العشاء، أكلوا وشربوا والضيوف خرجوا، وهي امرأة ذكية، تنظفت وتعطرت، فدخل الغرفة معها، فكان منه ما يكون بين الرجل وأهله، وبعد ذلك جلست تتحدث معه، قالت له: يا أبا طلحة أرأيت لو أن رجلاً أخذ عارية من جاره -استلف منه معونة، استلف منه فأساً، استلف منه سيارة، استلف منه أي شيء- وبعد ذلك قال له الرجل صاحب العارية: هات حقي، أكان له أن يمنعها إياه؟! هل يمكن أن يقول له: لن أعطيها لك؟ قال لها: لا! قالت له: فاحتسب ولدك.
فهي لفت عليه وألزمته، جعلته يجيب على نفسه بلسانه، ولذلك أول ما قالت له: احتسب ولدك، لم يتكلم لماذا؟ لأنها ألجمته، انظر كيف لفت عليه لماذا؟ لأنها لو دخلت وقالت له: الولد مات.
لقال لها: ماذا يا امرأة؟! وربما يبكي ولو كان البكاء يرجع عزيزاً ما كان أحد أوقف البكاء! لكن نفذ قضاء الله، وقضاء الله لا يقابل إلا بالتسليم والرضا.
فهي امرأة ذكية، ألزمته الجواب وجعلته هو الذي يجاوب بلسانه، ولذلك لما رأى الحجة ركبته، ولم يعرف يتكلم، غضب منها، وقال لها ماذا؟ قال: تركتني حتى تلطخت بك ثم نعيت لي ولدي؟! لماذا لم تقولي لي لكي تأباه نفسي؟! وذهب يشكوها للرسول ﵊، وقال له: عملتْ في وصنعتْ يشكو هذه السيدة الكاملة.
فالرسول ﵊ قال: (هل كان منك ما يكون من الرجل إلى أهله؟ قال: نعم.
فقال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما)، قال الراوي: فلقد رأيت عشرة من أولاد أبي طلحة كلهم يقرأ القرآن.
ربنا أخلف عليه أو لا؟ لقد أخلف عليه.
فهناك بعض الناس ينبغي ألا تدخل عليه مباشرة، تقعد تلف عليه؛ خصوصاً ذاك الذي يغتر بذكائه، فلا تحرق دليلك معي، أول ما تأتي إليه يقول لك: أنا أعرف أنك ستقول لي كذا.
إذاً المفروض أن تلف على هذا النوع.
القرآن كان يلزم المشركين هذا الإلزام، مثل هذه الآية التي نحن فيها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت:٣٩].
ما رأيك في المنظر هذا؟! أنا أراه أمامي: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْييِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] تنكره لماذا إذاً البعث؟ ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] إذاً ألزمهم بما يرونه، وذلك بأن لف في إقامة البرهان.
ولهذا ربنا حين يقول: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] أي: لا يدل على الرحمن ، ويحبب الله إلى الناس إلا خبير بالله .
نسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من العالمين به، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1569
الإخلاص [١]
لقد نسب ربنا الصيام إلى نفسه؛ لأن الصيام عبادة خالصة لله تبتعد عنها شبهة الرياء، لذلك لم يعين على الصيام أجراً محدداً، بل جعل الجزاء موكلاً إليه، وفي هذا دلالة على مقام الإخلاص وعظيم منزلته، فإنه في العبادات شرط تحبط بدونه، وهو أمر يعرفه المرء من نفسه، ويمكن تحقيقه خلافاً لما زعمه الصوفية الذين جعلوا مناله عسيراً، وتوهموا الرغبة في الثواب والخوف من العقاب من عقبات وموانع تحقق الإخلاص.
стр. 1570
الإخلاص والصوم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، عن الله ﵎ أنه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) ولقد علمنا علماً أكيداً أن الصوم أيضاً لابن آدم، كالصلاة والزكاة والحج وسائر أعمال البر، كلها لابن آدم، كما أن الصلاة أعظم من الصيام، ومع ذلك استثنى الله هذه الشعيرة، فقال: (الصوم لي وأنا أجزي به).
فلماذا خص الصوم دون سائر أعمال البر؟ إن الصيام تحقيق لمقام الإحسان، وهو أيضاً تحقيق لمقام الإخلاص، فإن المرء قد يرائي في كل أعمال البر، لكن لا يستطيع المراءاة في الصوم أبداً.
ألم تر إلى نفسك وأنت وحدك في بيتك، لا أحد معك، وقد أغلقت عليك باب الغرفة، وفي الغرفة ماء بارد، ويكاد يقتلك العطش، ومع ذلك لا تستطيع أن تفطر أبداً؟ هذا هو تحقيق لمقام الإحسان! إن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإحسان فأجابه ﷺ وقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) هذا هو تحقيق مقام الإحسان، فإن الصائم لا يستطيع أن يرائي أبداً بصيامه، بل يستطيع أن ينال مراده وهو وحده، بخلاف بقية أعمال البر.
إن طائفة من الناس قال النبي ﷺ فيهم: (ولا يشهدون الفجر والعشاء) وقال: (أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء) مع أن للفجر والعشاء شأناً عظيماً! قال ﷺ : (من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل) وكان عبد الله بن عمر إذا فاتته صلاة العشاء جماعة قام الليل كله؛ ليعوض الأجر الذي فاته بشهود الجماعة وقال ﷺ : (من صلى الصبح في جماعة فكأنه قام نصف الليل)، وفي رواية أخرى: (فكأنما قام الليل كله) وفي صلاة الصبح قال النبي ﷺ : (تشهده ملائكة الليل والنهار).
ومع هذا الأجر الجزيل يقول النبي ﵊: (أثقل صلاتين على المنافقين الفجر والعشاء، ولو أن أحدهم يعلم أنه يأخذ مرماتين حسنتين لأتاهما حبواً).
لو تم إلحاق جمعية لتوزيع السكر والأرز وما شابه ذلك بالمسجد، فإن هذا المنافق يحبو على بطنه حتى لا تفوته هذه العطية المجانية، ويضيع ما هو أعظم، فهو بهذا قد راءى في أعظم الأركان العملية وهي الصلاة.
وكذلك يمكن للمرء أن يرائي في الزكاة أو في الحج، بل إن بعض من يذهب إلى الحج إذا رجع منه ولم تناده بلقب: (يا حاج) يغضب.
وهكذا تكون المراءاة في سائر أعمال البر إلا في الصيام، لذلك قال الله : (هو لي، وأنا أجزي به) ولم يعين على الصيام أجراً؛ لأنه إذا وقع الجزاء على كريم فلا تسأل عن العد، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] ولم يعين له أجراً؛ لأن هذا الوعد بهذه الكيفية أعظم أثراً من تعيين الأجر.
ولما أراد إخوة يوسف ﵇ أن يتخلصوا من الورطة التي وقعوا فيها، وقد اتهموا بسرقة صواع الملك، ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ *
الجواب
=٦٠٠١٦٧٠> قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٤ - ٧٥] فأبهموا الجزاء، كأنهم قالوا: كل ما يخطر ببالكم من الجزاء هو حقيق به، فكان إبهام الجزاء أعظم في تقدير الجزاء من تعيينه.
ولأن هذه الشعيرة فيها تحقيق مقام الإخلاص، قال الله: (هي لي) فلا يستطيع أن يجزي على الإخلاص إلا الله، والإخلاص في العبادات شرط وفرض تحبط العبادات بدونه.
стр. 1571
إخلاص المشركين في دعائهم عند الشدائد
إن الإخلاص لا يستغني عنه كافر ولا مؤمن.
لا يستغني الكافر عن الإخلاص، قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣].
قوله: (مخلصين له الدين): أي: أنهم لا يكذبون في إخلاصهم إذا وقعوا في ورطة.
وقال ﵎: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقال ﵎: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢].
هذا حال المشركين، لا يخلصون إلا إذا وقعوا في ورطة.
وفي سنن الترمذي -وقواه بعض أهل العلم- أن النبي ﷺ قال لـ حصين -والد عمران -: (كم تعبد إلهاً؟ قال: أعبد سبعة، ستة في الأرض وواحداً في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبك ورهبك؟ قال: الذي في السماء).
ويوضح ذلك أيضاً ما رواه الإمام النسائي وأبو داود وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ لما فتح مكة أمن الناس جميعاً غير أربعة رجال وامرأتين، فقال: (اقتلوهم ولو وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة: عبد الله بن خطل، ومقيت بن فضالة، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أبي سرح) أما مقيت بن فضالة فأدركوه في السوق فقتلوه، وأما عبد الله بن خطل فذهب وتعلق بأستار الكعبة فأنزلوه وقتلوه، وأما عكرمة بن أبي جهل، ففر وركب البحر، وأما عبد الله بن أبي سرح فاختبأ عند أخيه من الرضاعة عثمان بن عفان.
ولما هرب عكرمة ركب إلى البحر، فبينما السفينة في لجة البحر إذ جاءتها ريح عاصف، وصارت السفينة كالريشة في مهب الريح -وجل الذين يركبون السفينة كانوا كفرة- فلما أزفت السفينة على الغرق قال لهم ربان السفينة: أيها الناس! أخلصوا في الدعاء، واعلموا أن آلهتكم لن تنفعكم هنا، فلما سمع عكرمة ذلك قال: (والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره، لله عليَّ إن أنجاني لآتين محمداً، فلأجدنه عفواً كريماً) ونجا الرجل، ووفى، وجاء رسول الله ﷺ ، فبسط يده بالإسلام فقبل منه، ثم دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة العامة، فجاء كل الناس مسلماً، فجاء عثمان بن عفان ﵁ بأخيه من الرضاعة، وقد أهدر النبي ﷺ دمه، فجاء خلفه يمشي والنبي لا يراه، حتى إذا وقف عثمان أمام النبي ﵊ وخلفه عبد الله بن أبي سرح، قال عثمان: يا رسول الله! بايع عبد الله، فلما رآه سكت، ما بايعه، قال: يا رسول الله! بايع عبد الله.
فأبى وسكت، قال: بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث مرات، ثم التفت إلى أصحابه يقول: (أليس منكم رجل رشيد إذ رآني كففت يدي عن بيعة هذا أن يقوم إليه فيضرب عنقه؟! فقالوا: يا رسول الله! وما أعلمنا ما في نفسك؟ (أي: وما يدرينا ما في نفسك؟) هلا أومأت بعينيك! فقال ﵊: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين).
الشاهد في الحديث هو قول عكرمة: (لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره).
стр. 1572
الإخلاص يعظم العمل
الإخلاص هو سر وضعه الله في القلب، لا يعلمه إلا الله، فهو الذي يجزي به دون غيره، فلذا كان الإخلاص بهذه المنزلة العالية.
ثم هو يختصر لنا العبادات، فقد جاء عن بعض سلفنا -وينسب هذا القول إلى بلال بن رباح ﵁ قال: (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل) إذاً: الإخلاص مختصر طريق الجنة، ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨] توضع النعم في كفة والأعمال في كفة.
وقد علمنا علماً أكيداً أيضاً أن أعبد رجل على وجه الأرض وهو الرسول ﵊ -قال لنا: (إنه لن يدخل أحدكم منكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا) فايئس، من هذا الباب، مهما فعلت، فلا تظن في يوم من الأيام أنك توفي نعم الله عليك، فهذا أعبد رجل، ما رأت البشرية ماشياً على الأرض بقدميه أعبد منه ﷺ يقول هذه المقالة.
بل أخبرك ما هو مثل ذلك أو أعلى من ذلك: ثبت بأسانيد صحيحة أن الملائكة يوم ينفخ في الصور، تقول: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، والملك إنما خلق ليعبد، لا يلهو ولا يلعب، خلق ليعبد، البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يدخلونه إلى يوم القيامة، سبعون ألف ملك كل يوم! الذي يدخل مرة لا يدخل إلى يوم القيامة من كثرة الملائكة، كلهم يعبدون الله، لا يعرفون الأهواء ولا الشهوات، فإذا قامت فإنهم يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [الأنعام:٩١] فمتى توفي؟! إلهامك الشكر على النعم نعمة تحتاج إلى شكر، فشكرك يحتاج إلى شكر، فمتى تؤدي الشكر؟! هدايتك نعمة من أجل النعم تستحق الشكر، فمتى تشكر على الشكر؟ ايئس من هذا الباب.
فإن أهمك أن تنجو غداً فعليك بالإخلاص: (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل).
وهناك حديث رواه الحاكم في المستدرك لا أورده محتجاً به لضعفه؛ إنما أورده لتوضيح المقام فقط، فقد ذكر أن رجلاً كان يعبد الله في جزيرة، فأنبت الله له قحط رمان من الصخر، وأخرج له مثل الإصبع ماءً عذباً، فكان يأكل من الرمان، ويشرب من الماء العذب ويصلي، ليس له إلا ذلك، فسأل الله تعالى أن يقبض روحه وهو ساجد، فلبى له رغبته، وقُبض وهو ساجد، وكان عمر هذا الرجل في العبادة ستمائة عام، فلما قبض قال الله : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: بل بعملي.
فقال الله له: اعلم أيها العبد أنه لا يظلم عندي اليوم أحد، انصبوا له الميزان، فنصبوا الميزان، ووضعوا نعمة البصر في كفة، وضعوا عبادة ستمائة سنة في كفة فطاشت العبادة، ورجحت نعمة البصر.
أين بقية النعم؟! ما جاء دورها! عبادة ستمائة عام ما وفت بنعمة البصر! قال: خذوه إلى النار، فلما جروه إلى النار جعل يصرخ ويقول: يا رب! بل برحمتك، أدخل الجنة برحمتك! قال: أرجِعُوه، فلما أرجَعُوه، قال: عبدي! من خلقك ولم تك شيئاً؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرج لك قحط رمان من الصخر؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من أخرج لك الماء العذب من الماء المالح؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: من قواك على عبادة ستمائة عام؟! برحمتي أم بعملك؟! قال: برحمتك يا رب! قال: فادخل الجنة برحمتي يا عبدي، كنت نعم العبد! من ذا الذي يوفي؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤].
وإنما بدأ بنعمة البصر لأنها من أجل النعم على العبد؛ قال الله في الحديث الإلهي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، لم أجد له جزاءً إلا الجنة) إنما سماها حبيبة؛ لأنه لا يحب الدنيا إلا بها، وعند الأعمى يستوي الثوب الغالي مع الأسمال البالية ويستوي الدر الثمين مع الخرز المهين؛ فالدنيا إنما تحب بالبصر، لذلك قال: (حبيبتيه) وفي اللفظ الآخر فقال الله ﵎ في الحديث الإلهي: (إذا ابتليت عبدي بكريمتيه) سماها كريمة؛ لأن العبد الذي يحتاج إلى الناس ذليل، ولا يستطيع أن يعبر الشارع إلا إذا نادى، فهي تكرمه، ولا تحوجه إلى أحد، فلعظم البلاء بها قال له ذلك.
إذاً: الذي ينجينا من هذا المأزق: الإخلاص (أخلص دينك لله يكفك العمل القليل).
стр. 1573
تحقيق الإخلاص بين يسر الدين وتنطع الصوفية
إن تحقيق الإخلاص سهل، لكن علماء السلوك من الصوفية صعبوه، حتى أن من يقرأ كلامهم عن الإخلاص ييئس أن يكون مخلصاً يوماً من الأيام! وديننا هو دين الحنيفية السمحة، فكيف يعجز المرء عن تحقيق الشرط الذي لا يقبل العمل إلا به؟! لقد عسر علماء الصوفية الإخلاص.
نقل السهروردي في عوارف المعارف عن بعض رءوسهم أنه قال: إذا شهدت في إخلاصك الإخلاص فإن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص! يعني: إذا عملت لله ، وكنت بقلبك تشعر أن هذا العمل لله حبط الإخلاص، فإخلاصك هذا إذن يحتاج إلى إخلاص.
مع أن الإخلاص شيء يشعر به المرء من نفسه، فهو يعلم متى يكون مقبلاً على الله ليس لأحد في عمله شيء، لكن هذا الصوفي يشكك حتى في البدهيات! ونقلوا عن رويم بن أحمد -وهو أحد رءوسهم كما في تاريخ بغداد للخطيب - قال: (إخلاص المريدين رياء الموحدين) يريد أن يقول: إن أجل عبادة المريدين لعب عيال عند المقربين! والدين أيسر بكثير من ذلك، وإن أدنى رجل في الأرض لو أخلص قبل منه ذلك، وأعلى رجل في الأرض لو أشرك رد عليه، قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين (أي: له أسمال بالية، إذا رأيته سقط من عينيك وازدريته) مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) سبحان من لا يعرف أقدار خلقه إلا هو! تزدريه عينك، ويسقط من نظرك، ولو أقسم على الله أن يقلب بلداً قلبها، لكرامته عليه.
أدنى رجل لو أخلص لله قبل الله منه، وأعظم رجل لو أشرك رد عليه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥].
وذكر الله في سورة الأنعام ثمانية عشر نبياً وزكاهم وأثنى عليهم، ثم ذيل هذه التزكية بقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] لا محاباة، الرجل الكبير إذا أشرك بالله أو لم يخلص رد عليه، فكيف يقول: (إخلاص المريدين رياء الموحدين)؟! مهما كان قصده بالعبارة، أو كما يقول الآخر: (حسنات الأبرار سيئات المقربين) متى تنوب السيئة عن الحسنة؟ وهكذا عسر أولئك الصوفية سبيل الإخلاص: (إذا شهدت في إخلاصك الإخلاص فإن إخلاصك يحتاج إلى إخلاص).
تعرفون بم نرد هذه الدعوى؟ نردها بحديث رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﵌ قال: (خرج ثلاثة ممن كانوا قبلكم فآواهم المبيت إلى غار، فلما دخلوا باب الغار نزلت صخرة من الجبل فسدت عليهم الباب، فقال بعضهم لبعض: عفا الأثر، ونزل الحجر، ولا حيلة لكم إلا بالله -وأنا أسرد القصة أذكر زيادات أخرى قد رويت خارج الصحيحين- ولا ينجيكم إلا صالح أعمالكم، فادعوا الله بها.
فقال الأول: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أُرح عليهما، فلما رجعت وجدتهما قد ناما، فكرهت أن أوقظهما، فوقفت بجانبهما والإناء على يدي، وأنا واقف والصبية يتضاغون تحت قدمي، وأنا أكره أن يشرب قبلهما أحد، حتى برق الفجر فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأصابتها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءتني تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ثم جاءتني تطلب مالاً فراودتها عن نفسها فرضيت، فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت لها المال، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك، ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجراء استأجرتهم على فرق من أرز، فأبى واحد منهم أن يأخذ أجره وتركه، فثمرته له -يعني: نماه له- فجاءني يطلب أجره، فقلت له: كل الذي ترى هو لك.
فقال: يا عبد الله! أعطني حقي ولا تستهزئ بي.
فقلت له: لا أستهزئ بك.
فساق النعم كلها أمامه ولم يترك منها شيئاً، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون).
قد علم هؤلاء صالح أعمالهم، فإنهم لن يكذبوا على الله وهم مضطرون، بل لو كانوا كفرة لأخلصوا، والظاهر أنهم كانوا من المؤمنين؛ لذلك ساق النبي ﷺ لنا خبرهم مساق المدح لفعلهم، فالمؤمن يعرف من نفسه إذا كان قد أخلص أم لا، وقد قال بعض السلف: إني فعلت ذنباً منذ أربعين سنة أنتظر عقوبته.
كيف لا يعرف المرء صالح عمله من فاسده إلا إذا كان مجنوناً لا يعقل، فتحقيق الإخلاص سهل، والله لا يصعب عليك ما جعله شرطاً في قبول العمل، لو كان الإخلاص صعباً كما يقول الصوفية لما استطاع أحد أن يخلص.
نسأل الله ﵎ أن يخلص نياتنا، وأن يتقبل منا سائر أعمالنا أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1574
عقبات في طريق الإخلاص
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إذا كان الإخلاص بهذه المثابة، فإن في طريق الإخلاص عقبات، ولا تستطيع أن تصل إلى أمر إلا بشيئين: بالقوة الدافعة وبضعف المانع، فإذا ازدادت القوة وضعف المانع وصلت، أما إذا زاد المانع وضعفت المنة، فعندها لا يكاد المرء يصل.
في طريق الإخلاص عقبات: عقبات حقيقية، وعقبات موهومة يظنها الناس من العقبات، لكن ليست كذلك، وأخطر النوعين: العقبات الموهومة، أما العقبات الحقيقية فكل الناس يعرفها، لكن لا يعرف كيف يتخلص منها، لذلك سنركز على العقبات الموهومة، التي تنزل منزلة الشبه.
стр. 1575
عقبة الشبهات
إن جميع الأشياء لا تخلو من أحد ثلاثة أحكام، قال النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات) فالأمر لا يخرج عن أن يكون حلالاً محضاً، أو حراماً محضاً، أو مشتبهاً: أما الحلال البين المحض فكل الناس يعرفه.
وأما الحرام المحض فكل الناس يعرفه، وإن تذرع أحدهم أنه لا يعرفه، قال الله : ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة:١٤ - ١٥]، يقول: أنا ما كنت أعرف أنه حرام، لكنه في قرارة نفسه يعرف أنه حرام، فهو يدعي كذباً أنه لا يعرف، فلو لقي الله لفضحه، لأنه يعلم.
إذا كان الحرام لا يلتبس على الحيوانات فهل يلتبس على الذي نزل الله عليه الكتاب ليعمل به؟! فإن القط لو خطف قطعة اللحم من أمامك لا يمكن أن يأكلها بجانبك، بل يخطفها ويهرب، لكن لو أعطيته أنت القطعة أكلها بجانبك، فهو يعرف الحلال من الحرام.
إذاً: الإنسان الذي ركب الله فيه آلة العقل، وجعلها مناط التكليف لا يمكن أن يكون جاهلاً بالحرام المحض (١٠٠%).
لكن المشكلة في الشبهات؛ فهن (لا يعلمهن كثير من الناس) إذاً: لا يعلم حقيقة الشبهة إلا أقل الناس.
الشُبهة أو الشَبهة هي شيء يتجاذبه طرفان: من وجه تجدها حلالاً، ومن وجه آخر تجدها حراماً، فتسأل نفسك: هل تلتحق بالحلال أم بالحرام؟ رجل يقول: أنا أضع أموالي في حساب جار في البنك، الحساب الجاري ليس عليه فائدة، إذاًَ: أنا بهذا نجوت من الربا؛ لكنه وضع أمواله في بنك، وهذا هو الذي عكر عليه الموضوع، وجعله يسأل أي مفتٍ يلقاه، ولو كان يعتقد أنه حلال (١٠٠%) ما سأل أحداً، ما سأل إلا لأنه خائف، وعنده شك، ولو أنه أخذ المال وأعطاه لأحد التجار، ليضارب به فلن يذهب إلى مفت ليسأله: قل لي إذا أنا شغلت مالي عند أحد فهل هذا حلال أو حرام؟ ولا أحد يسأل هذا السؤال.
إنما حين وضع المال في البنك، والعلماء تكلموا عن الربا في البنوك، وبعد أن وضع المال، قال لك: لا آخذ رباً، لكن بقيت مسألة البنك، فيأتي العالم، هل علي جناح؟ نقول: نعم؛ لأن أدنى ما في هذه قول الله : ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] أنت تعطي البنك سيولة يصرف نفسه.
أرأيت إلى رجل مرابٍ في بلد، ورجل عنده مال، فيذهب للمرابي يقول له: خذ عندك المائة ألف هذه إلى أن أرجع.
فهل سيترك هذا المرابي المائة ألف أو يستغلها؟ ويقرض الناس منها بالربا؟ فهذا تعاون على الإثم والعدوان، وإن لم تأخذ من هذا المال فائدة.
فهذا السائل يسأل عن هذا الأمر؛ لأن لهذا الأمر وجهين: وجه حلال ووجه حرام.
فلذلك مفتي الشبهات: هو الورع؛ وهو مفتي من لا مفتي له، فإذا عرض لك عارض في عمل ما، ولم تجد مفتياً، فإن الحل هو في قوله ﷺ : (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) فالورع هو المفتي الجاهز الذي هو ملازم لك، لا يفارقك سفراً ولا حضراً، فإن لم تجد مفتياً، وأنت تريد تسأل عن أمر: أحلال هو أم حرام؟ فإن الورع يفتيك بترك هذا الأمر الذي اشتبه عليك (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن حام حول الحمى كاد أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى).
أي دولة في الدنيا لها حدود آمنة، لو حاول أي شخص أن يعتدي عليها يبذل أهل الدولة النفس والمال في سبيل الدفاع، ورئيس البلد يقول: هذه سيادة بلد، فكيف تخترقون الحدود؟ وتبقى مشكلة: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه)، فإذا دخل رجل على محارم الله، فكيف لا ينتقم وهو ملك الملوك؟! كيف لا ينتقم من الذي دخل الحمى؟! كيف تؤمن نفسك؟ هذا الحلال البين: منطقة، والشبهة، وبعدها الحرام، إذا بقيت في الحلال طول عمرك كيف تصل إلى الحرام، وبينك وبينه منطقة الشبهة، إذاً: بينك وبين الحرام منطقة آمنة هي منطقة الشبهة، لكن لو قفزت من المنطقة الحلال ونزلت في الشبهة اقتربت من الحرام، الذي سوغ لك أن تنتقل من الحلال إلى الشبهة سيجرك إلى الحرام، وطالما دخلت هذه الأرض المحايدة المنزوعة السلاح، فإنك لا تأمن أن تتقدم خطوة كل يوم حتى تصل إلى الجدار الفاصل ما بين الشبهة والحرام، ومن ثم تقع في الحرام.
فإذا أردت أن تبقى دائماً بعيداً عن الحرام فلا تغادر منطقة الحلال أبداً، لا تنزل في منطقة الشبهة، وتورع عن كل شبهة (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه).
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 1576
الإخلاص [٢]
الإسلام دين السماحة واليسر، يتعامل مع الإنسان كما هو، غير متجاهل لفطرته ولا متنكر لغرائزه، لذلك لم يضع للإخلاص في العبادة شروطاً خارجة عن نطاق قدرته، بل إنه جعل الاستجابة لنداء هذه الفطرة وفق المنهج المرضي من عند الله شرطاً للاستقامة واتباع السنة، ووسم المتنطعين بتحريم ما أحل الله من الطيبات بميسم الخروج عن سنة النبي ﷺ ، وانقطاع ما بينهم وبينه من الإيمان بدينه واتباع شرعته.
стр. 1577
طلب الجنة والخوف من النار لا ينافي ابتغاء وجه الله
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
العقبات الموهومة التي يظنها بعض الناس عائقة لهم عن بلوغ منزلة الإخلاص هي أعظم بكثير -لمحل الاشتباه- من العقبات الحقيقية، وأقول: هي أعظم بكثير لمحل الاشتباه، فمن العقبات الموهومة: النعيم الأخروي والجزاء.
يظن بعض الناس أن من عمل ليدخل الجنة، فإنه لم يخلص في عمله، وهذا متواتر معروف عند علماء السلوك من الصوفية، أنك إذا قصدت بعملك أن تدخل الجنة، فإن هذا قادح عندهم في الإخلاص، حتى ينسب إلى رابعة العدوية المقالة الشهيرة، قالت: (مثل العابد للجنة أو النار كمثل أجير السوء).
أي: لا يعمل لله، إنما يعمل للجنة أو يعمل للنار، وينسب إليها أنها كانت تقول: (إن كنت عبدتك طمعاً في جنتك؛ فاحرمني من جنتك، وإن كنت عبدتك خوفاً من نارك؛ فاحرقني بنارك، وإن كنت عبدتك طمعاً في وجهك؛ فلا تحرمني من وجهك) وأنشدت شعراً تذكر فيه هذا المعنى: كلهم يعبدون من خوف نار ويظنون النجاة حظاً جزيلا أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا بنعيم ويشربوا سلسبيلا ليس لي في الجنان والنار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلا ويلتبس هذا المعنى على بعض طلاب الإخلاص.
كيف يكون طلب الجنة والاستعاذة من النار من عبادة أجراء السوء، وها هم الأنبياء يدعون ربهم ﵎ أن يدخلهم في جنته، وسيدهم ﷺ كان أكثر الناس طلباً للجنة واستعاذة من النار؟! في سنن أبي داود أن رجلاً أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ قال له: (أما إني في صلاتي أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ) تتكلمون كلاماً كثيراً، وتسألون الله أشياء كثيرة، وأنا لا أحسن هذه الدندنة، أنا لا أقول غير شيء واحد: اللهم ارزقني الجنة وأعوذ بك من النار، أما دندنتك: الكلام الكثير الذي تقوله أنت ومعاذ فأنا لا أحسنه، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال عليه والصلاة والسلام: (حولها ندندن) لا نسأل الله إلا الجنة، ولا نعوذ به إلا من النار، مهما تنوعت العبارات وطالت وقصرت، لكن حول هذا المعنى ندندن.
أما الصوفية فإنهم يظنون أن هذا قادح في الإخلاص! وقد فهموا الجنة فهماً خاطئاً، إنهم يظنون الجنة رماناً وفاكهة ومتعة، ونسوا أعظم ما فيها، وهو رؤية الله ﵎.
رابعة تقول: (أنا لا أبتغي بحبي بديلاً)، وهي لن ترى الله إلا إذا دخلت الجنة، وأعلى ما في نعيم الجنة أن يُرى الله ﵎؛ كما في الحديث الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى منادٍ: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ قالوا: يا ربنا! وكيف لا نرضى وقد جنبتنا السعير، وثقلت موازيننا؟! قال: فيكشف لهم الحجاب، فيرون الله ، فما أعطوا شيئاً خيراً لهم من رؤية الله ﵎.
ولما تلا الإمام الشافعي ﵀ قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قال: (لو لم يكن من عقوبة إلا الحجاب لكان كافياً، فلما حجب أقواماً بالمعصية عرفنا أن أقواماً يرونه بالطاعة) فاستدل بالآية على رؤية الله ﵎؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للجهمية والمعتزلة الذين ينكرون هذه النعمة العظيمة.
فطلب هذا النعيم الأخروي يظنه الصوفية معارضاً للإخلاص، وغفلوا وهم علماء السلوك عن طبيعة الإنسان.
إن الإنسان لا يعمل إلا إذا أجر، لو نصبت له أجراً عمل، لو قلت له: اعمل ولا أجر لك؛ فترت همته؛ لذلك نصب الله الجنة والنار في باب الترغيب والترهيب، وأنتم ترون أن الدول التي تتعامل بالقطاع العام فاشلة؟ لأن الموظف يأخذ راتبه عمل أو لم يعمل، إنما القطاع الخاص قطاع ناجح؛ لأنه ربط الإنتاج بالأجر، يقول لك مثلاً: قطعة بدرهم، إذاً: أنت عملت قطعة في خمس دقائق، ستقول لنفسك: لم أقعدُ فارغاً، لم لا أعمل؟ وكل قطعة بدرهم؟! أما إذا قيل لك: سواء عملت قطعة واحدة أو عملت ألف قطعة، فليس لك إلا عشرة دراهم في الشهر، فإن المنة تضعف، وهذا شيء لا يمتري عليه اثنان.
فكيف يزيل هؤلاء الصوفية مسائل الترغيب ومسائل الترهيب وبعد ذلك يقولون: اطلب وجه الله؟! إن الله خلق الإنسان يرغب ويرهب بفطرته وهم يضادون فطرة الله وخلقه، جاء إلى الرسول ﷺ رجل في غزوة أحد -وكان يأكل التمرات- فقال: (يا رسول الله! ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة) فالرجل يأكل التمرات ثم تذكر الجنة ونعيم الجنة، وهذا الكدر والنكد الذي يعيش فيه الإنسان مهما كان ملكاً مطاعاً متوجاً، فالدنيا كلها نكد، إنما الجنة دار النقاء الخالص، فسقفها عرش الرحمن، وحصباؤها اللؤلؤ، وطينتها المسك، وما من شجرة إلا ساقها من ذهب، وكذلك النساء، والرسول عليه والصلاة والسلام يقول: (لو خرج ظفر امرأة من الحور العين للدنيا لأضاءت ما بين المشرق والمغرب! وإن الرجل ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة)، تلبس سبعين حلة، لكن ساقها مثل الزجاجة، فلذلك يرى مخ ساقها من وراء تلك الحلل، من الحسن والجمال، وقد ذكر الله لنساء أهل الجنة صفتين، قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] (مقصورة)، والمرأة المنتقبة في زماننا متشبهة بنساء أهل الجنة لماذا؟ لأنها لما غطت نفسها قصرت حسنها على زوجها، فلا يراها إلا زوجها، حور مقصورات في الخيام، لا يخرجن من الخيام، ولو أنهن خرجن فإنهن كما وصفهن ربهن: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، تقصر طرفها على زوجها، لا تمد عينيها إلا إلى زوجها فقط.
إذاً: المرأة المتعففة تتشبه بنساء أهل الجنة.
وأنتم تعلمون أن التشبه بالمغضوب عليهم ممنوع، فإن الرسول ﵊ قال: (صنفان من أهل النار لم أُرهما قط نساء كاسيات عاريات -لابسة ملابس شفافة، فهي كاسية لكنها عارية في الحقيقة- رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) فحين تصفف شعرها تصففه فوق رأسها وتميله إلى ناحية اليمين أو الشمال، فالعلماء قالوا: إن تصفيف الشعر بهذه الصورة وإن لم يكن ممنوعاً لذاته، لكن لأن فيه تشبهاً بالمغضوبات عليهن، فإن المرأة المسلمة لا تفعله، فالتشبه بالمغضوب عليهم أو بالكافرين ممنوع على أي وجه، والتشبه بأهل الصلاح مطلوب فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح فانظر نساء أهل الجنة متعة، كلها الجنة متعة.
وروى الإمام البزار ﵀ حديثاً عن النبي ﵊: (إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديه مشوياً) هذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء، لكن أنا خطر لي عليه قصة لطيفة جداً، رواها أبو علي الأبار في معجم أصحاب الصفدي، يقول: بينما نحن نسمع هذا الحديث من شيخ من الشيوخ، ورجل كان أتى بابنه كان سنه حوالي أربع سنوات أو خمس، قال: ما أشك أنه دون السادسة، فهو قاعد مع والده في الجلسة، والشيخ ظل يقول: حدثني فلان عن فلان عن فلان ووصل بالتالي للبزار، وذكر سند البزار وللحديث، ثم ذكر متن الحديث: (إن من أهل الجنة من يشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديه مشوياً) فالولد الصغير قال: على قرصه، قال: فضحكنا جميعاً، وتعجبنا من فطنة الولد؛ إذ أنه علم مع صغر سنه أن الإدام يحتاج إلى خبز.
وفي الجنة لا يحوجك ربك إلى
السؤال
أنا أريد أن آكل رماناً، أريد أن آكل تفاحاً بل بمجرد ما تشتهي شيئاً تراه أمامك، فالسؤال علامة الذل، ولذلك النبي ﷺ لما ذهب إليه بعض الصحابة قالوا: أوصنا، قال: (لا تسألوا الناس شيئاً)، فكان سوط أحدهم يقع منه -يسقط من يده- وهو راكب فرسه، فلا يقول: يا فلان ناولني، بل ينزل هو بنفسه ويأخذه، لأن السؤال ذل، يدل على حاجة، فلا أحد يسأل إلا وهو محتاج؛ شخص تاه عن العنوان يسأل عن العنوان شخص يريد شيئاً يحتاجه يسأل عنه.
فحتى لا يحوجك في دار الخلود والنعيم المقيم، وحتى يزول عنك الذل الذي كان في الدنيا وانتهت الحاجة إلى الخلق، كان من تمام المتعة أنك ما اشتهيت شيئاً إلا وجدته أمامك، فهل يوجد عاقل يضحي بالجنة لشهوة ساعة؟!! إنه لمغبون من ترك الجنة وما فيها لشهوة ساعة! في الدنيا: رغيف الخبز حتى تأكله لا بد أن يمر بمراحل عدة: تحرث الأرض، تحط البذر، تروي، تنزع كل الأعشاب الضارة بالزرع، تظل تتعاهده، يكبر، تحصده، تجمعه وتحمله للأجران، تدرسه، تفصل التبن عن الحب، ومن ثم تأخذه بعد هذا فتطحنه لتجعله دقيقاً، ثم تعجنه، ثم تخبزه، ثم تأكله هذا رغيف خبز، ولكنه مر بكل هذه المراحل! مصداقاً لقول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] فكيف تقبل فيها الحرام وهي ساعة؟! ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
فالرسول ﵊ حين سأله هذا الصحابي: (ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة.
فرمى تمرات كن معه ثم قال: إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات)، هل سأنتظر في الدنيا دقيقتين، أو خمس دقائق لأ
стр. 1578
التنعم بالمباحات لا ينافي الإخلاص
من العقبات الموهومة ما يظنه بعض طلاب الإخلاص من أن التنعم بالمباحات عقبة في طريق الإخلاص، فالرسول ﵊ بين لنا أن طلب المباحات المشروعة لا يعرقل العبد، بالعكس، لو نظر العبد إلى ما أباحه الله له وجد أن هذا يسهل عليه طريق الوصول؛ فكل شيء حرمه الله جعل في مقابله عوضاً حلالاً، حتى لا يقع العبد في الحرام، قال الرسول ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة.
قالوا: يا رسول الله! أيأتي الرجل منا شهوته وله صدقة؟ -هذا شيء أستمتع به، إذاً تكفيه المتعة، لكن فلماذا يأخذ أجراً فوق المتعة؟! - قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قولوا: نعم.
فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) فهو لما حرم عليه الزنا أباح له الزواج وملك اليمين والتسري، هذا كله عوض مباح، فهذا المباح الأصل فيه أنه أبيح لك لتصل إلى الله بسرعة وبأمان بلا مشاق ولا متاعب.
وقد روى مسلم في صحيحه أن حنظلة لقي أبا بكر الصديق ﵁ في الطريق فقال له: نافق حنظلة! ما الأخبار؟ ما الحكاية؟ قال له: (نكون عند النبي صلى الله عليه سلم فيذكرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي عين -يتكلم عن الجنة حتى كأنك تراها، والنار حتى كأنك تراها- فإذا تركناه ورجعنا إلى ديارنا وعافسنا النساء والضيعات، نسينا كثيراً مما يقول) يتهم نفسه بالنفاق يقول: أنا للتو قبل خمس دقائق كنت أبكي، وقلبي منفطر، وبعدها آتي آخذ الولد وأضمه إلى صدري، وألعب معه وأرقصه، ومن ثم أدخل على المرأة أمزح معها ماذا يعني هذا؟! ما هذا النفاق؟! المفترض ما دمت حزيناً أن أظل حزيناً هكذا دائماً، لكي أدوم على الإخلاص، لكني أحزن وبعد خمس دقائق أضحك! فظن أن هذا من النفاق، فقال: نافق حنظلة! فقال له أبو بكر الصديق: ما الحكاية؟ وبعد أن أخبره حنظلة بهذا الكلام قال له أبو بكر: والله وإني لأجد ذلك.
يعني أنا أيضاً أعاني من نفس الموضوع، أيضاً أسمع من رسول الله ﷺ عن النار ويتفطر قلبي، وأسمع عن الجنة يشتاق قلبي، وبعد ذلك بمجرد خمس دقائق أجلس فيها مع النساء أنسى الموضوع كله.
فذهبا إلى النبي ﷺ ، أول ما حنظلة وصل قال: نافق حنظلة رفع الراية: نافق حنظلة، أول ما وصل رفع الراية: نافق حنظلة! ما الحكاية؟ قال له: يا رسول الله نكون عندك فتذكرنا الجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا تركناك رجعنا إلى النساء والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً مما تقول.
قال النبي ﷺ : (لو تكونون -أو: لو تدومون- كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرق، ولكن يا حنظلة: ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة).
الناس فهموا (ساعة وساعة) الساعة والساعة فهماً خاطئاً، فاحتجوا على باطلهم قائلين: ساعة لقلبك وساعة لربك! حسناً! أين ساعة قلبك؟ - أربع وعشرون ساعة! - وأين ساعة ربك؟! إن الله غفور رحيم! أهذا كلام يعقل؟! يظل أحدهم يضحك أربعاً وعشرين ساعة! ولكي يسلوا الناس عملوا برامج الخواجة ديجي وأبو لمعة، وهو شخص حياته كلها قائمة على الفشر.
تصور حياته كلها قائمة على الفشر! والناس يضحكون! طول النهار يضحكون، فأين ساعة الله؟! إنها غير موجودة! فالنبي ﵊ كأنه يقول لـ حنظلة: إنك لا تستطيع أن تصل إلى الله إلا إذا أخذت المباح، هذا هو معنى قوله: (ساعة وساعة) يعني: ساعة لنفسك تتمتع فيها بالمباحات التي أباحها الله لك، وساعة للصلاة والذكر.
وهذا النبي ﵊ يقول: (كل لهو باطل إلا ملاعبة الرجل لامرأته وفرسه وولده).
والآن تسمع من يقول لك: ما رأيك في لعبة الأتاري والألعاب التي على الكمبيوتر؟! رصاصة وبرتقالة وعلى الذي يلعب أن يصطاد البرتقالة بالرصاصة، ومن ثم يظل يلف ساعة لكي يصطاد البرتقال كله! هل ستعلم ولدك هذا الكلام؟! تضيع عمره؟! وبعد هذا يا ويله إذا فات الوقت المحدد وبقي هناك برتقالة لم تنزل؛ يرجع له البرتقال مرة أخرى؛ لكي يظل يضرب طول النهار، إذا طاف ثلاث دورات أو أربع، وما استطاع أن يصطاد البرتقال كله يبكي على نفسه.
يقال له: يا أحول، صار أحول، أحول ما يعرف يصيب الهدف.
ويشغلون الأولاد بهذه المسائل ويضيعون أعمار الأولاد بهذه الأشياء.
أصلاً: كل لهو باطل إلا هذه الثلاثة التي ذكرها رسول الله ﷺ .
إن الرجل يلاعب امرأته لماذا؟ لأن المرأة شريكة الرجل، فلا يكن معها جاداً دائماً ولن يستطيع ذلك.
هذا عمر بن الخطاب ﵁ -الذي هو أبو الجد كله- يقول: (ينبغي للرجل أن يكون كالطفل في أهله، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً) لا يظل طفلاً دائماً.
(ينبغي على الرجل أن يكون كالطفل في أهله) أي: يضحك ويلعب.
عرضت علي مشكلة في الشهر الماضي: شخص في نزاع مع امرأته، وهو للتو ملتزم جديد، والملتزم الجديد عنده شوق لكل شيء، نفسه يعمل كل حاجة، أول ما يقرأ حديثاً يريد أن ينفذ هذا الحديث، لديه حرارة! لكن هذه الحرارة هذه تضيع عليه الحكمة في التعامل مع الخلق ومع النصوص؛ من شدة الحماس المهم: وقع سوء تفاهم بينه وبين امرأته فقالت المرأة بعد ساعة من المشكلة: سأذهب أصالحه.
فذهبت وأخذت تطبطب عليه.
قال لها: عندك دليل؟! دليل ماذا؟! قال: عندك دليل على هذه الطبطبة؟! وهل هذه تحتاج إلى دليل يا بني؟!! أنت ماذا تريد؟! أحل لكم الطبطاب، أو الطبطبة أو)! فهو حين يقول لها: "عندك دليل؟ " يسد نفسها ويكسر خاطرها، كانت ناوية هي تعمل المسلسل! لكنه بهذه العملية أقفل عليها الباب، يعني كانت ناوية بعد الطبطبة تقول له الكلام الذي يقال في مثل هذا الباب، لكنه أقفل عليها وضيع عليها بقية الموضوع.
أنت رجل تتعب من أجل أهلك، فأحي إحسانك لأهلك بالمعروف، بالكلمة الطيبة الجميلة، بالكلمة الحسنة.
أنت الآن تصرف عليها وتنفق عليها، وتكسوها وتكسو أولادها، كثير من الناس يضيع هذا المعروف كله بالكلمة السيئة، دائماً مكشر، لا يكاد يرضى.
مثلاً: في شهر رمضان -والناس توسع على نفسها في شهر رمضان- يصعد أحدهم السلم ومعه عشرة أكياس أو خمسة عشرة كيساً: برتقال وفاكهة وأكل وكسوة، لكنه بمجرد أن يصل إلى الباب يدق بخشونة: افتحوا الباب -يغضب طبعاً- وحين يحط الأكياس: على الله يثمر فيكم! كلوا.
"على الله يثمر فيكم! " أنت قد صرفت ألف درهم مثلا، لكنك بهذه الكلمة ضيعت الألف درهم تماماً، أو حين تقول لهم: اطفحوا! راح الألف درهم.
لكن أنا لا أريدك أن تدخل بأي فاكهة ولا بأي كسوة، ادخل بلا شيء (لورا ويد لقدام)، وأول ما تدخل قل: السلام عليكم، أنا والله مقصر في حقكم، ونفسي أعمل لكم، وآتي لكم بلبن العصفور وتكلم هذا الكلام: الله يتولى جزاءكم، أنا لا أستطيع أن أجزيكم، أسأل الله أن يغفر لكم، أسأل الله أن يحسن خاتمتكم! أول ما يقول الرجل ذلك تقول له: تكفينا دخلتك علينا، أنت بالدنيا، سلامتك عندنا بالدنيا! فلوس؟! ما هذا الذي تقوله؟! وبذلك يحيي الرجل المعروف، ومن ثم يدفئ البيت بالكلام الجميل الطيب، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].
فأن تقعد وتتكلم وتتسامر وتسامر مع امرأتك هو هذا من اللهو المباح: (اللهو كله باطل إلا ملاعبة الرجل لامرأته) فهذا من اللهو المباح، إذاً أنت تلهو وفي نفس الوقت مباح لك ذلك لماذا؟ لكي تستمر عجلة الحياة.
كذلك ملاعبة الولد، وملاعبة الفرس، الذي أنت تجاهد به في سبيل الله .
فهكذا كل لهو باطل إلا هذه الأنواع الثلاثة لماذا؟ لأنها تعينك على الجد والسير إلى الله ، فالحياة التي لا تكون هكذا جافة.
وفي الصحيحين من حديث أنس أنه جاء ثلاثة إلى أبيات النبي ﷺ يسألون عن العبادة، فلما وجدوا النبي ﷺ يلاعب النساء، ويضحك مع النساء، وكان له مع زوجاته مواقف جميلة، بالذات مع عائشة ﵂، كان له مواقف كثيرة جداً مع عائشة، وكان يتلطف معها.
الحقيقة هم راحوا لـ عائشة، وعائشة هي التي بلغت النبي ﷺ قول هؤلاء الثلاثة، دخلوا: ما هي الأخبار؟ كيف النبي ﷺ يتعامل؟ قالت: (يكون كأحدكم في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، فإذا أقيمت الصلاة قام للصلاة) مثلكم تماماً، ومن ثم تذكر أيضاً شيئاً من اللهو، وأن النبي صلى الله عليه سلم كان يلهو معها، وكان يباسطها، ويقول: (والله إني لأعرف غضبك من رضاك! قالت: كيف يا رسول الله؟ قال: إذا كنت علي غضبي تقولين: لا ورب إبراهيم! وإذا كنت عني راضية تقولين: لا ورب محمد! قالت: والله -يا رسول الله- ما أهجر إلا اسمك).
وهناك شيء آخر أيضاً! أنا أكاد أقطع أن هذا الشيء الذي سأذكره لا يفعله منا أحد.
في مسند الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (بينما نحن في غزوة إذ قال النبي ﷺ للرجال: تقدموا -يريد أن يمشي مع عائشة لوحده- فقال لها: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقته، قالت: فتركني- مرت مدة: شهر أو شهران سنة أو سنتان- حتى إذا حملت اللحم (تعني أنها أصبحت بدينة) قال لي: تعالي أسابقك، قالت: فسابقني فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك) واحدة بواحدة (هذه بتلك).
لكن: من الذي يعمل هذا؟! يقول لك أحدهم: أتركها تركب وتدلي رجليها؟! وأنا أجري معها، لو فعلت ذلك فلن أستطيع أن أكلمها بعد ذلك، وأنا سيد البيت، فلماذا
стр. 1579
الطريق من هنا [١، ٢]
بين لنا النبي ﷺ شرائع هذا الدين ومعالمه بكل وضوح وجلاء، وأخبر أن الأمة ستفترق من بعده ﷺ إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا الفرقة التي على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فعلم يقيناً لكل طالب للحق والنجاة أن اتباعه ﷺ والاقتداء بصحابته الكرام واجب، وأنه الطريق المستقيم، والغاية المنشودة.
стр. 1580
الاقتداء بالسلف الصالح والسير على طريقهم سبيل النجاة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمدٍ على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
درسنا هذا بعنوان: (الطريق من هنا).
إن الهدى هو خير ما يحتاجه الرجال، وشر بضاعة المرء الضلال، فالعبد المفلح الذي وقع ميثاق العبودية في عالم الأرواح ينبغي عليه أن يراجع نفسه: هل هو سائرٌ إلى الله بسلام أم أضلته شياطين الإنس والجن؟ ميثاق العبودية الذي وقعه كل واحد منا في عالم الأرواح مذكورٌ في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، فقال الله ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ومع أن هذا الميثاق لا يذكره أحد منا فكان من رحمة الله : أن أرسل الرسل ليذكروا العباد بهذا الميثاق.
فهناك عقدٌ وقعته أنت وهو عقد العبودية، وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما عليه اليوم أنا وأصحابي).
إذاً: يا طالب النجاة! عليك بمذهب القرن الأول، فنجاتك أن تتمذهب بمذهب القرن الأول: (كلها في النار إلا واحدة، من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي)، لأبين لك عظم المحنة التي تعيشها، وربما لا يشعر كثير منا بحجم المحنة.
أصور لك هذه الفرق بأبواب: أمامك ثلاثة وسبعون باباً كلها مفتحة، وبابٌ واحد فقط هو باب السلامة، وبقية الأبواب إلى النار، وليس ذلك فحسب بل على كل باب من يدعو إليه، وعلى بعض الأبواب من يأخذ لبك ويسرق قلبك بحكم بيانه وعرضه وسمته! فإذا لم تكن متحققاً بمذهب القرن الأول ربما انطلى عليك عرض أحد هؤلاء الدعاة، وهذا الباب أول خطوة تخطوها فيه تقودك إلى النار، فهي محنة من أعظم المحن، وإذا زل المرء في الخطوة الأولى كان لها ما بعدها.
следующие страницы →