Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الإخلاص [٢]
الإسلام دين السماحة واليسر، يتعامل مع الإنسان كما هو، غير متجاهل لفطرته ولا متنكر لغرائزه، لذلك لم يضع للإخلاص في العبادة شروطاً خارجة عن نطاق قدرته، بل إنه جعل الاستجابة لنداء هذه الفطرة وفق المنهج المرضي من عند الله شرطاً للاستقامة واتباع السنة، ووسم المتنطعين بتحريم ما أحل الله من الطيبات بميسم الخروج عن سنة النبي ﷺ ، وانقطاع ما بينهم وبينه من الإيمان بدينه واتباع شرعته.
стр. 1577
طلب الجنة والخوف من النار لا ينافي ابتغاء وجه الله
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
العقبات الموهومة التي يظنها بعض الناس عائقة لهم عن بلوغ منزلة الإخلاص هي أعظم بكثير -لمحل الاشتباه- من العقبات الحقيقية، وأقول: هي أعظم بكثير لمحل الاشتباه، فمن العقبات الموهومة: النعيم الأخروي والجزاء.
يظن بعض الناس أن من عمل ليدخل الجنة، فإنه لم يخلص في عمله، وهذا متواتر معروف عند علماء السلوك من الصوفية، أنك إذا قصدت بعملك أن تدخل الجنة، فإن هذا قادح عندهم في الإخلاص، حتى ينسب إلى رابعة العدوية المقالة الشهيرة، قالت: (مثل العابد للجنة أو النار كمثل أجير السوء).
أي: لا يعمل لله، إنما يعمل للجنة أو يعمل للنار، وينسب إليها أنها كانت تقول: (إن كنت عبدتك طمعاً في جنتك؛ فاحرمني من جنتك، وإن كنت عبدتك خوفاً من نارك؛ فاحرقني بنارك، وإن كنت عبدتك طمعاً في وجهك؛ فلا تحرمني من وجهك) وأنشدت شعراً تذكر فيه هذا المعنى: كلهم يعبدون من خوف نار ويظنون النجاة حظاً جزيلا أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا بنعيم ويشربوا سلسبيلا ليس لي في الجنان والنار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلا ويلتبس هذا المعنى على بعض طلاب الإخلاص.
كيف يكون طلب الجنة والاستعاذة من النار من عبادة أجراء السوء، وها هم الأنبياء يدعون ربهم ﵎ أن يدخلهم في جنته، وسيدهم ﷺ كان أكثر الناس طلباً للجنة واستعاذة من النار؟! في سنن أبي داود أن رجلاً أعرابياً جاء إلى النبي ﷺ قال له: (أما إني في صلاتي أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ) تتكلمون كلاماً كثيراً، وتسألون الله أشياء كثيرة، وأنا لا أحسن هذه الدندنة، أنا لا أقول غير شيء واحد: اللهم ارزقني الجنة وأعوذ بك من النار، أما دندنتك: الكلام الكثير الذي تقوله أنت ومعاذ فأنا لا أحسنه، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال عليه والصلاة والسلام: (حولها ندندن) لا نسأل الله إلا الجنة، ولا نعوذ به إلا من النار، مهما تنوعت العبارات وطالت وقصرت، لكن حول هذا المعنى ندندن.
أما الصوفية فإنهم يظنون أن هذا قادح في الإخلاص! وقد فهموا الجنة فهماً خاطئاً، إنهم يظنون الجنة رماناً وفاكهة ومتعة، ونسوا أعظم ما فيها، وهو رؤية الله ﵎.
رابعة تقول: (أنا لا أبتغي بحبي بديلاً)، وهي لن ترى الله إلا إذا دخلت الجنة، وأعلى ما في نعيم الجنة أن يُرى الله ﵎؛ كما في الحديث الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى منادٍ: يا أهل الجنة! هل رضيتم؟ قالوا: يا ربنا! وكيف لا نرضى وقد جنبتنا السعير، وثقلت موازيننا؟! قال: فيكشف لهم الحجاب، فيرون الله ، فما أعطوا شيئاً خيراً لهم من رؤية الله ﵎.
ولما تلا الإمام الشافعي ﵀ قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] قال: (لو لم يكن من عقوبة إلا الحجاب لكان كافياً، فلما حجب أقواماً بالمعصية عرفنا أن أقواماً يرونه بالطاعة) فاستدل بالآية على رؤية الله ﵎؛ كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للجهمية والمعتزلة الذين ينكرون هذه النعمة العظيمة.
فطلب هذا النعيم الأخروي يظنه الصوفية معارضاً للإخلاص، وغفلوا وهم علماء السلوك عن طبيعة الإنسان.
إن الإنسان لا يعمل إلا إذا أجر، لو نصبت له أجراً عمل، لو قلت له: اعمل ولا أجر لك؛ فترت همته؛ لذلك نصب الله الجنة والنار في باب الترغيب والترهيب، وأنتم ترون أن الدول التي تتعامل بالقطاع العام فاشلة؟ لأن الموظف يأخذ راتبه عمل أو لم يعمل، إنما القطاع الخاص قطاع ناجح؛ لأنه ربط الإنتاج بالأجر، يقول لك مثلاً: قطعة بدرهم، إذاً: أنت عملت قطعة في خمس دقائق، ستقول لنفسك: لم أقعدُ فارغاً، لم لا أعمل؟ وكل قطعة بدرهم؟! أما إذا قيل لك: سواء عملت قطعة واحدة أو عملت ألف قطعة، فليس لك إلا عشرة دراهم في الشهر، فإن المنة تضعف، وهذا شيء لا يمتري عليه اثنان.
فكيف يزيل هؤلاء الصوفية مسائل الترغيب ومسائل الترهيب وبعد ذلك يقولون: اطلب وجه الله؟! إن الله خلق الإنسان يرغب ويرهب بفطرته وهم يضادون فطرة الله وخلقه، جاء إلى الرسول ﷺ رجل في غزوة أحد -وكان يأكل التمرات- فقال: (يا رسول الله! ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة) فالرجل يأكل التمرات ثم تذكر الجنة ونعيم الجنة، وهذا الكدر والنكد الذي يعيش فيه الإنسان مهما كان ملكاً مطاعاً متوجاً، فالدنيا كلها نكد، إنما الجنة دار النقاء الخالص، فسقفها عرش الرحمن، وحصباؤها اللؤلؤ، وطينتها المسك، وما من شجرة إلا ساقها من ذهب، وكذلك النساء، والرسول عليه والصلاة والسلام يقول: (لو خرج ظفر امرأة من الحور العين للدنيا لأضاءت ما بين المشرق والمغرب! وإن الرجل ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة)، تلبس سبعين حلة، لكن ساقها مثل الزجاجة، فلذلك يرى مخ ساقها من وراء تلك الحلل، من الحسن والجمال، وقد ذكر الله لنساء أهل الجنة صفتين، قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] (مقصورة)، والمرأة المنتقبة في زماننا متشبهة بنساء أهل الجنة لماذا؟ لأنها لما غطت نفسها قصرت حسنها على زوجها، فلا يراها إلا زوجها، حور مقصورات في الخيام، لا يخرجن من الخيام، ولو أنهن خرجن فإنهن كما وصفهن ربهن: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]، تقصر طرفها على زوجها، لا تمد عينيها إلا إلى زوجها فقط.
إذاً: المرأة المتعففة تتشبه بنساء أهل الجنة.
وأنتم تعلمون أن التشبه بالمغضوب عليهم ممنوع، فإن الرسول ﵊ قال: (صنفان من أهل النار لم أُرهما قط نساء كاسيات عاريات -لابسة ملابس شفافة، فهي كاسية لكنها عارية في الحقيقة- رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) فحين تصفف شعرها تصففه فوق رأسها وتميله إلى ناحية اليمين أو الشمال، فالعلماء قالوا: إن تصفيف الشعر بهذه الصورة وإن لم يكن ممنوعاً لذاته، لكن لأن فيه تشبهاً بالمغضوبات عليهن، فإن المرأة المسلمة لا تفعله، فالتشبه بالمغضوب عليهم أو بالكافرين ممنوع على أي وجه، والتشبه بأهل الصلاح مطلوب فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح فانظر نساء أهل الجنة متعة، كلها الجنة متعة.
وروى الإمام البزار ﵀ حديثاً عن النبي ﵊: (إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديه مشوياً) هذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء، لكن أنا خطر لي عليه قصة لطيفة جداً، رواها أبو علي الأبار في معجم أصحاب الصفدي، يقول: بينما نحن نسمع هذا الحديث من شيخ من الشيوخ، ورجل كان أتى بابنه كان سنه حوالي أربع سنوات أو خمس، قال: ما أشك أنه دون السادسة، فهو قاعد مع والده في الجلسة، والشيخ ظل يقول: حدثني فلان عن فلان عن فلان ووصل بالتالي للبزار، وذكر سند البزار وللحديث، ثم ذكر متن الحديث: (إن من أهل الجنة من يشتهي الطير في الجنة فيخر بين يديه مشوياً) فالولد الصغير قال: على قرصه، قال: فضحكنا جميعاً، وتعجبنا من فطنة الولد؛ إذ أنه علم مع صغر سنه أن الإدام يحتاج إلى خبز.
وفي الجنة لا يحوجك ربك إلى
السؤال
أنا أريد أن آكل رماناً، أريد أن آكل تفاحاً بل بمجرد ما تشتهي شيئاً تراه أمامك، فالسؤال علامة الذل، ولذلك النبي ﷺ لما ذهب إليه بعض الصحابة قالوا: أوصنا، قال: (لا تسألوا الناس شيئاً)، فكان سوط أحدهم يقع منه -يسقط من يده- وهو راكب فرسه، فلا يقول: يا فلان ناولني، بل ينزل هو بنفسه ويأخذه، لأن السؤال ذل، يدل على حاجة، فلا أحد يسأل إلا وهو محتاج؛ شخص تاه عن العنوان يسأل عن العنوان شخص يريد شيئاً يحتاجه يسأل عنه.
فحتى لا يحوجك في دار الخلود والنعيم المقيم، وحتى يزول عنك الذل الذي كان في الدنيا وانتهت الحاجة إلى الخلق، كان من تمام المتعة أنك ما اشتهيت شيئاً إلا وجدته أمامك، فهل يوجد عاقل يضحي بالجنة لشهوة ساعة؟!! إنه لمغبون من ترك الجنة وما فيها لشهوة ساعة! في الدنيا: رغيف الخبز حتى تأكله لا بد أن يمر بمراحل عدة: تحرث الأرض، تحط البذر، تروي، تنزع كل الأعشاب الضارة بالزرع، تظل تتعاهده، يكبر، تحصده، تجمعه وتحمله للأجران، تدرسه، تفصل التبن عن الحب، ومن ثم تأخذه بعد هذا فتطحنه لتجعله دقيقاً، ثم تعجنه، ثم تخبزه، ثم تأكله هذا رغيف خبز، ولكنه مر بكل هذه المراحل! مصداقاً لقول الله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] فكيف تقبل فيها الحرام وهي ساعة؟! ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥].
فالرسول ﵊ حين سأله هذا الصحابي: (ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة.
فرمى تمرات كن معه ثم قال: إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات)، هل سأنتظر في الدنيا دقيقتين، أو خمس دقائق لأ
стр. 1578
التنعم بالمباحات لا ينافي الإخلاص
من العقبات الموهومة ما يظنه بعض طلاب الإخلاص من أن التنعم بالمباحات عقبة في طريق الإخلاص، فالرسول ﵊ بين لنا أن طلب المباحات المشروعة لا يعرقل العبد، بالعكس، لو نظر العبد إلى ما أباحه الله له وجد أن هذا يسهل عليه طريق الوصول؛ فكل شيء حرمه الله جعل في مقابله عوضاً حلالاً، حتى لا يقع العبد في الحرام، قال الرسول ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة.
قالوا: يا رسول الله! أيأتي الرجل منا شهوته وله صدقة؟ -هذا شيء أستمتع به، إذاً تكفيه المتعة، لكن فلماذا يأخذ أجراً فوق المتعة؟! - قال: أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قولوا: نعم.
فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر) فهو لما حرم عليه الزنا أباح له الزواج وملك اليمين والتسري، هذا كله عوض مباح، فهذا المباح الأصل فيه أنه أبيح لك لتصل إلى الله بسرعة وبأمان بلا مشاق ولا متاعب.
وقد روى مسلم في صحيحه أن حنظلة لقي أبا بكر الصديق ﵁ في الطريق فقال له: نافق حنظلة! ما الأخبار؟ ما الحكاية؟ قال له: (نكون عند النبي صلى الله عليه سلم فيذكرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي عين -يتكلم عن الجنة حتى كأنك تراها، والنار حتى كأنك تراها- فإذا تركناه ورجعنا إلى ديارنا وعافسنا النساء والضيعات، نسينا كثيراً مما يقول) يتهم نفسه بالنفاق يقول: أنا للتو قبل خمس دقائق كنت أبكي، وقلبي منفطر، وبعدها آتي آخذ الولد وأضمه إلى صدري، وألعب معه وأرقصه، ومن ثم أدخل على المرأة أمزح معها ماذا يعني هذا؟! ما هذا النفاق؟! المفترض ما دمت حزيناً أن أظل حزيناً هكذا دائماً، لكي أدوم على الإخلاص، لكني أحزن وبعد خمس دقائق أضحك! فظن أن هذا من النفاق، فقال: نافق حنظلة! فقال له أبو بكر الصديق: ما الحكاية؟ وبعد أن أخبره حنظلة بهذا الكلام قال له أبو بكر: والله وإني لأجد ذلك.
يعني أنا أيضاً أعاني من نفس الموضوع، أيضاً أسمع من رسول الله ﷺ عن النار ويتفطر قلبي، وأسمع عن الجنة يشتاق قلبي، وبعد ذلك بمجرد خمس دقائق أجلس فيها مع النساء أنسى الموضوع كله.
فذهبا إلى النبي ﷺ ، أول ما حنظلة وصل قال: نافق حنظلة رفع الراية: نافق حنظلة، أول ما وصل رفع الراية: نافق حنظلة! ما الحكاية؟ قال له: يا رسول الله نكون عندك فتذكرنا الجنة والنار كأنا رأي عين، فإذا تركناك رجعنا إلى النساء والأولاد والضيعات ونسينا كثيراً مما تقول.
قال النبي ﷺ : (لو تكونون -أو: لو تدومون- كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطرق، ولكن يا حنظلة: ساعة وساعة، ساعة وساعة، ساعة وساعة).
الناس فهموا (ساعة وساعة) الساعة والساعة فهماً خاطئاً، فاحتجوا على باطلهم قائلين: ساعة لقلبك وساعة لربك! حسناً! أين ساعة قلبك؟ - أربع وعشرون ساعة! - وأين ساعة ربك؟! إن الله غفور رحيم! أهذا كلام يعقل؟! يظل أحدهم يضحك أربعاً وعشرين ساعة! ولكي يسلوا الناس عملوا برامج الخواجة ديجي وأبو لمعة، وهو شخص حياته كلها قائمة على الفشر.
تصور حياته كلها قائمة على الفشر! والناس يضحكون! طول النهار يضحكون، فأين ساعة الله؟! إنها غير موجودة! فالنبي ﵊ كأنه يقول لـ حنظلة: إنك لا تستطيع أن تصل إلى الله إلا إذا أخذت المباح، هذا هو معنى قوله: (ساعة وساعة) يعني: ساعة لنفسك تتمتع فيها بالمباحات التي أباحها الله لك، وساعة للصلاة والذكر.
وهذا النبي ﵊ يقول: (كل لهو باطل إلا ملاعبة الرجل لامرأته وفرسه وولده).
والآن تسمع من يقول لك: ما رأيك في لعبة الأتاري والألعاب التي على الكمبيوتر؟! رصاصة وبرتقالة وعلى الذي يلعب أن يصطاد البرتقالة بالرصاصة، ومن ثم يظل يلف ساعة لكي يصطاد البرتقال كله! هل ستعلم ولدك هذا الكلام؟! تضيع عمره؟! وبعد هذا يا ويله إذا فات الوقت المحدد وبقي هناك برتقالة لم تنزل؛ يرجع له البرتقال مرة أخرى؛ لكي يظل يضرب طول النهار، إذا طاف ثلاث دورات أو أربع، وما استطاع أن يصطاد البرتقال كله يبكي على نفسه.
يقال له: يا أحول، صار أحول، أحول ما يعرف يصيب الهدف.
ويشغلون الأولاد بهذه المسائل ويضيعون أعمار الأولاد بهذه الأشياء.
أصلاً: كل لهو باطل إلا هذه الثلاثة التي ذكرها رسول الله ﷺ .
إن الرجل يلاعب امرأته لماذا؟ لأن المرأة شريكة الرجل، فلا يكن معها جاداً دائماً ولن يستطيع ذلك.
هذا عمر بن الخطاب ﵁ -الذي هو أبو الجد كله- يقول: (ينبغي للرجل أن يكون كالطفل في أهله، فإذا التمسوا ما عنده وجدوه رجلاً) لا يظل طفلاً دائماً.
(ينبغي على الرجل أن يكون كالطفل في أهله) أي: يضحك ويلعب.
عرضت علي مشكلة في الشهر الماضي: شخص في نزاع مع امرأته، وهو للتو ملتزم جديد، والملتزم الجديد عنده شوق لكل شيء، نفسه يعمل كل حاجة، أول ما يقرأ حديثاً يريد أن ينفذ هذا الحديث، لديه حرارة! لكن هذه الحرارة هذه تضيع عليه الحكمة في التعامل مع الخلق ومع النصوص؛ من شدة الحماس المهم: وقع سوء تفاهم بينه وبين امرأته فقالت المرأة بعد ساعة من المشكلة: سأذهب أصالحه.
فذهبت وأخذت تطبطب عليه.
قال لها: عندك دليل؟! دليل ماذا؟! قال: عندك دليل على هذه الطبطبة؟! وهل هذه تحتاج إلى دليل يا بني؟!! أنت ماذا تريد؟! أحل لكم الطبطاب، أو الطبطبة أو)! فهو حين يقول لها: "عندك دليل؟ " يسد نفسها ويكسر خاطرها، كانت ناوية هي تعمل المسلسل! لكنه بهذه العملية أقفل عليها الباب، يعني كانت ناوية بعد الطبطبة تقول له الكلام الذي يقال في مثل هذا الباب، لكنه أقفل عليها وضيع عليها بقية الموضوع.
أنت رجل تتعب من أجل أهلك، فأحي إحسانك لأهلك بالمعروف، بالكلمة الطيبة الجميلة، بالكلمة الحسنة.
أنت الآن تصرف عليها وتنفق عليها، وتكسوها وتكسو أولادها، كثير من الناس يضيع هذا المعروف كله بالكلمة السيئة، دائماً مكشر، لا يكاد يرضى.
مثلاً: في شهر رمضان -والناس توسع على نفسها في شهر رمضان- يصعد أحدهم السلم ومعه عشرة أكياس أو خمسة عشرة كيساً: برتقال وفاكهة وأكل وكسوة، لكنه بمجرد أن يصل إلى الباب يدق بخشونة: افتحوا الباب -يغضب طبعاً- وحين يحط الأكياس: على الله يثمر فيكم! كلوا.
"على الله يثمر فيكم! " أنت قد صرفت ألف درهم مثلا، لكنك بهذه الكلمة ضيعت الألف درهم تماماً، أو حين تقول لهم: اطفحوا! راح الألف درهم.
لكن أنا لا أريدك أن تدخل بأي فاكهة ولا بأي كسوة، ادخل بلا شيء (لورا ويد لقدام)، وأول ما تدخل قل: السلام عليكم، أنا والله مقصر في حقكم، ونفسي أعمل لكم، وآتي لكم بلبن العصفور وتكلم هذا الكلام: الله يتولى جزاءكم، أنا لا أستطيع أن أجزيكم، أسأل الله أن يغفر لكم، أسأل الله أن يحسن خاتمتكم! أول ما يقول الرجل ذلك تقول له: تكفينا دخلتك علينا، أنت بالدنيا، سلامتك عندنا بالدنيا! فلوس؟! ما هذا الذي تقوله؟! وبذلك يحيي الرجل المعروف، ومن ثم يدفئ البيت بالكلام الجميل الطيب، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤].
فأن تقعد وتتكلم وتتسامر وتسامر مع امرأتك هو هذا من اللهو المباح: (اللهو كله باطل إلا ملاعبة الرجل لامرأته) فهذا من اللهو المباح، إذاً أنت تلهو وفي نفس الوقت مباح لك ذلك لماذا؟ لكي تستمر عجلة الحياة.
كذلك ملاعبة الولد، وملاعبة الفرس، الذي أنت تجاهد به في سبيل الله .
فهكذا كل لهو باطل إلا هذه الأنواع الثلاثة لماذا؟ لأنها تعينك على الجد والسير إلى الله ، فالحياة التي لا تكون هكذا جافة.
وفي الصحيحين من حديث أنس أنه جاء ثلاثة إلى أبيات النبي ﷺ يسألون عن العبادة، فلما وجدوا النبي ﷺ يلاعب النساء، ويضحك مع النساء، وكان له مع زوجاته مواقف جميلة، بالذات مع عائشة ﵂، كان له مواقف كثيرة جداً مع عائشة، وكان يتلطف معها.
الحقيقة هم راحوا لـ عائشة، وعائشة هي التي بلغت النبي ﷺ قول هؤلاء الثلاثة، دخلوا: ما هي الأخبار؟ كيف النبي ﷺ يتعامل؟ قالت: (يكون كأحدكم في مهنة أهله، يخصف نعله، ويخيط ثوبه، فإذا أقيمت الصلاة قام للصلاة) مثلكم تماماً، ومن ثم تذكر أيضاً شيئاً من اللهو، وأن النبي صلى الله عليه سلم كان يلهو معها، وكان يباسطها، ويقول: (والله إني لأعرف غضبك من رضاك! قالت: كيف يا رسول الله؟ قال: إذا كنت علي غضبي تقولين: لا ورب إبراهيم! وإذا كنت عني راضية تقولين: لا ورب محمد! قالت: والله -يا رسول الله- ما أهجر إلا اسمك).
وهناك شيء آخر أيضاً! أنا أكاد أقطع أن هذا الشيء الذي سأذكره لا يفعله منا أحد.
في مسند الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (بينما نحن في غزوة إذ قال النبي ﷺ للرجال: تقدموا -يريد أن يمشي مع عائشة لوحده- فقال لها: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقته، قالت: فتركني- مرت مدة: شهر أو شهران سنة أو سنتان- حتى إذا حملت اللحم (تعني أنها أصبحت بدينة) قال لي: تعالي أسابقك، قالت: فسابقني فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك) واحدة بواحدة (هذه بتلك).
لكن: من الذي يعمل هذا؟! يقول لك أحدهم: أتركها تركب وتدلي رجليها؟! وأنا أجري معها، لو فعلت ذلك فلن أستطيع أن أكلمها بعد ذلك، وأنا سيد البيت، فلماذا
стр. 1579
الطريق من هنا [١، ٢]
بين لنا النبي ﷺ شرائع هذا الدين ومعالمه بكل وضوح وجلاء، وأخبر أن الأمة ستفترق من بعده ﷺ إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا الفرقة التي على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، فعلم يقيناً لكل طالب للحق والنجاة أن اتباعه ﷺ والاقتداء بصحابته الكرام واجب، وأنه الطريق المستقيم، والغاية المنشودة.
стр. 1580
الاقتداء بالسلف الصالح والسير على طريقهم سبيل النجاة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمدٍ على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
درسنا هذا بعنوان: (الطريق من هنا).
إن الهدى هو خير ما يحتاجه الرجال، وشر بضاعة المرء الضلال، فالعبد المفلح الذي وقع ميثاق العبودية في عالم الأرواح ينبغي عليه أن يراجع نفسه: هل هو سائرٌ إلى الله بسلام أم أضلته شياطين الإنس والجن؟ ميثاق العبودية الذي وقعه كل واحد منا في عالم الأرواح مذكورٌ في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، فقال الله ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] ومع أن هذا الميثاق لا يذكره أحد منا فكان من رحمة الله : أن أرسل الرسل ليذكروا العباد بهذا الميثاق.
فهناك عقدٌ وقعته أنت وهو عقد العبودية، وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما عليه اليوم أنا وأصحابي).
إذاً: يا طالب النجاة! عليك بمذهب القرن الأول، فنجاتك أن تتمذهب بمذهب القرن الأول: (كلها في النار إلا واحدة، من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي)، لأبين لك عظم المحنة التي تعيشها، وربما لا يشعر كثير منا بحجم المحنة.
أصور لك هذه الفرق بأبواب: أمامك ثلاثة وسبعون باباً كلها مفتحة، وبابٌ واحد فقط هو باب السلامة، وبقية الأبواب إلى النار، وليس ذلك فحسب بل على كل باب من يدعو إليه، وعلى بعض الأبواب من يأخذ لبك ويسرق قلبك بحكم بيانه وعرضه وسمته! فإذا لم تكن متحققاً بمذهب القرن الأول ربما انطلى عليك عرض أحد هؤلاء الدعاة، وهذا الباب أول خطوة تخطوها فيه تقودك إلى النار، فهي محنة من أعظم المحن، وإذا زل المرء في الخطوة الأولى كان لها ما بعدها.
стр. 1581
أساليب أهل الضلال في الدعوة إلى ضلالهم
إن أهل البدع والضلال يخطفون القلوب، ولهم في ذلك وسائل هي كالشباك ينصبونها للناس، نذكر بعض هذه الأساليب تحذيراً منهم:
стр. 1582
من أساليب أهل الضلال: الغلو في العبادة
ومن الشباك التي ينصبها أهل البدع للناس: الغلو في العبادة، فعندما تأتي رجلاً عابداً زاهداً ضارعاً ثم يقول لك شيئاً يقع في روعك -وأنت خال من دعوة الحق- أن هذا الرجل محق.
ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ كان يقسم غنائم حنين فجاء رجل وقال: (يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل!!) أو قال في اللفظ الآخر: (هذه قسمةٌ ما أريد بها وجه الله، فقال النبي ﷺ : ويحك ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟! لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل)، هكذا هو الضبط الأشهر، فالفتح للمخاطب: (لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل)، والضبط الثاني: (لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل)، فعلى الضبط الثاني المعنى واضح، أي: أنا إن لم أعدل خسرت، بسبب عدم العدل، لكن على الضبط الأول يكون المعنى: لقد خبت أنت أيها القائل وخسرت، فما ذنب القائل؟ إذا جاز للنبي ﷺ ألا يعدل فما هي جناية الرجل الذي لم يكن له في الأمر شيء؟ قال العلماء: المعنى: لقد خبتَ وخسرتَ بسوء ظنك في نبيك؛ أي: متى ظننت أن نبيك لا يعدل وهو مرسلٌ من قبل الله فهذا الظن هو الذي أرداك.
فأراد خالد أن يقتله، فقال النبي ﷺ له: (دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية).
فهذا الكلام موجه لـ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، والعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وابن مسعود، فهو موجه إلى هؤلاء الفطاحل، فمثلاً: خذ واحداً منهم وليكن عبد الله بن عمرو بن العاص وهو أحد العبَّاد وليس أفضلهم، فهو ليس أفضل من أبي بكر ولا عمر بن الخطاب ولا أفضل من بقية الأربعة ولا بقية العشرة، بل العشرة أفضل، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ كان عابداً إلى درجة أنه جاء في مسند الإمام أحمد من حديث مجاهد عنه في قصته الطويلة وهي أن أباه زوجه امرأة ذات حسبٍ من قريش، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رجلاً يقوم الليل، ويقرأ القرآن كله كل ليلة، كما في صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو قال: (جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ فكنت أقوم به كل ليلة).
ولما دخل بها أحب عمرو بن العاص أن يطمئن على العروسين، فهو يقول في مسند أحمد: (زوجني أبي امرأة ذات حسب من قريش فلما أدخلوها عليّ -وانظر إلى التعبير!! فالعادة أن يقول الرجل: فلما دخلت بها، فكلمة (أدخلوها علي) توحي لك بأنهم أدخلوها غصباً- قمت أصلي) فظلَّ يصلي طوال الليل، وعمرو بن العاص يعرف أن ابنه من الممكن أن يعمل هذا، ففي الصباح ذهب إلى زوجة ابنه يسأل عن الأخبار؟ فالمرأة مؤدبة بالطبع وصاحبة دين وخلق فقالت كلاماً جميلاً: (عبد الله نعم العبد لربه، لكنه لم يفتش لنا كنفاً، ولم يعرف لنا فراشاً، قال: فأقبل علي أبي فشتمني وعضني بلسانه، وقال لي: أنكحتك امرأة ذات حسبٍ من قريش فأعضلتها، وشكاه إلى النبي ﷺ .
فجاء النبي ﷺ فاستجوبه، وقال يا عبد الله: هل تقرأ القرآن كل ليلة؟ هل تصوم كل يوم؟ وبدأ يخفف عنه: اقرأ القرآن في أربعين، اقرأ القرآن في شهر حتى وصل إلى ثلاث، وقال: (لا تقرأ القرآن في أقل من ثلاث فإنه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه)، وكذلك الصيام حتى وصل إلى صيام داود، فكان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
فـ عبد الله بن عمرو أحد العباد لكنه ليس أشهر عباد الصحابة، فهناك من هو أفضل منه.
والحجاج بن يوسف الثقفي لما وقعت الحرب بينه وبين عبد الله بن الزبير كان الحجاج يخطب على المنبر ويقول: عبد الله يعني ابن الزبير شر أمة محمد! فماذا كان يعمل عبد الله بن الزبير الذي كان يقول عنه الحجاج إنه شر هذه الأمة؟ كان صواماً قواماً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلما ظفر به الحجاج قتله وصلبه، وكان لا يستطيع أي مار أن يقف ثانية أمام الجسد المصلوب إلا عبد الله بن عمر بن الخطاب وقال: السلام عليك يا أبا بكر أشهد أنك كنت صواماً قواماً، والله لأمة أنت شرها خير أمة، وهذا رد على الحجاج، فإذا كان شرها صواماً قواماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر فكيف بأفاضلها؟ لما كانت الحرب سجالاً بين علماء الرأي في العراق وعلماء الحديث في المدينة أيام أبي حنيفة ومالك كان أحد قضاة الرأي يتكلم على المحدثين ويقول: مساكين أهل الحديث لا يعرفون شيئاً في الفقه! فقال أحد المحدثين: وكانت بي علة فحبوت إليه وقلت له: اختلف أصحاب النبي ﷺ في الجراحات: فأي شيءٍ قال علي؟ وأي شيء قال ابن مسعود؟ وأي شيءٍ قال زيد بن ثابت؟ فسكت ولم يعرف شيئاً، ثم قال له: أنا أخف أصحاب الحديث سألتك عن مسألة لم تحسنها، فكيف ترميني بما لا تحسنه؟ فلا تقف أمام فحولهم.
فانظر كيف كانت عبادة عبد الله بن عمرو بن العاص، فعندما يرى عبد الله بن عمرو بن العاص واحداً من أتباع ذي الخويصرة التميمي يقول في نفسه: وهل أنا أصلي؟!! هل أنا أصوم؟!! أي صلاة وصيام هذا؟! إذاً إلى أين سيصل؟ فعندما يحتقر عبد الله بن عمرو صلاته إلى صلاة هذا الخارجي، فماذا يفعل هذا الخارجي؟ فإذا كان النبي ﷺ يقول هذا الكلام لعباد الصحابة: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم) فتخيل أنت عبادة هؤلاء الخوارج! هذا معناه أن عبادتهم فوق الوصف.
إذاً: ليس من صفات أهل البدع أن يكون فاسقاً منحلاً، فهؤلاء عباد من الطراز الأول.
سيقول شخص: أنت هكذا أشكلت علينا بهذا جداً، لأني أرى من أهل السنة من هم عباد فأخشى أن يكون هذا مثلهم، فتكون مشكلة.
إذاً: ما هو الفارق بين أهل البدعة وأهل السنة، وهم يشتركون في العبادة والجد فيها، وفي قراءة القرآن وفي طلب العلم حتى القعر؟ فنقول: إن الفرق هو سلامة المنهج والوقوف على السنة.
قيل للشافعي ﵀: (إن الليث بن سعد يقول: لو رأيت الرجل يمشي على الماء وهو يخالف السنة فاعلم أنه ضال.
قال الشافعي: قصّر الليث ﵀، بل لو رأيتهم يطيرون في الهواء وهم مخالفون للسنة فاعلم أنهم ضلاَّل)، وهل هناك رجلٌ يعظم السنة ولا يعظم حملتها؟! لا بد أن يعظم الذي نقل إليه الدليل إذ لو زاد الطعن في الصحابة لزاد الطعن في المنقول إلينا من خلالهم.
стр. 1583
من أساليب أهل الضلال: التنقص من الصحابة والتقليل من شأنهم
إن أول ما يضربه أهل البدع في جسد الأمة المسلمة هم الصحابة، فيحقّرونهم، ويقلّلون من شأنهم.
فمثلاً: عمرو بن عبيد قال له رجل: ما تقول في حديث التحفتين في الصلاة، قال: عمن؟ قال له: عن جابر بن سمرة، قال: ما تفعل بـ جابر بن سمرة؟! قبّح الله جابر بن سمرة!! نقول: بل قبح الله عمرو ورضي عن جابر بن سمرة.
فأهل البدع يحقرون الصحابة ولا يعتبرونهم مثالاً، وإنما يقولون: هم رجال ونحن رجال، ولذلك كان أول شيء وقعت فيه جماعة التكفير هو قولهم في الصحابة: هم رجالٌ ونحن رجال.
ذات مرة في سنة (٨١) في سجن (أبي زعبل) كان قادة السجن يضعون أصحاب كل مذهب أو معتقد في زنزانة، مثلاً: السلفيون مع بعض في مكان واحد، والتبليغ كذلك، والتكفير كذلك، فجاءت أوامر بتصوير كل المساجين من الأمام والخلف والجنب فصدر من الفرماوي -وهو رئيس فرقة الفرماوية وكان سِنُّه تقريباً يوم رأيته يدل على أنه قد تجاوز التسعين- قوله: التصوير حرام.
وكان يوجد في زنزانته قرابة أربعة وعشرين من أتباعه، فتجمعوا جميعاً في زنزانة واحدة وأصروا على عدم التصوير، فضربوهم بالقنابل المسيلة للدموع فأبوا، وعجز الحراس عن فتح الزنزانة، وعندما ضربوهم بالغاز المسيل للدموع سدوا الباب بالبطانيات، وكان الفرماوي رجلاً كبيراً مصاب بضعف في الجهاز التنفسي، فرفعوه إلى نافذة الزنزانة حتى يشم الهواء.
ومن أجل أن يجبروهم على تسليم أنفسهم وتصويرهم منعوا عنهم الطعام، وكان الفرماوية في الدور الثاني، وتوجد زنزانة فوقهم في الدور الثالث، فاجتمع من فيها فقالوا: لا يمكن أن نتركهم هكذا بلا طعام، وأتوا بفكرة أن يدخلوا لهم الطعام من النافذة الخارجية للزنزانة، فأتوا بخبز وحلاوة وربطوها في بطانية وأنزلوها من الخارج، فبينما كان الرجل - الفرماوي - يشم الهواء وجد الخبز والحلاوة نازلاً من السماء، وبما أن جماعته لا يعرفون من أين الخبز والحلاوة قالوا مباشرة: هذه كرامة، وليس بعدها كرامة، وازدادت قناعة الناس بالرجل وآمنوا به أكثر، وأصروا على عدم التصوير، وقضوا على ذلك ثلاثة أو أربعة أيام يأكلون ويشربون ولا توجد مشاكل.
فلما نقلوا هذه الجماعة من سجن (أبي زعبل) قال حراس السجن: ما دام أن كل جماعة ستتكاتف مع بعضها فلا بد أن نمزقهم ونفرقهم، فوضعوا في كل زنزانة اثنين من جماعة التكفير مع اثنين من السرق، مع اثنين من السلفيين، وأربعة من الإخوان وهكذا، فلا يمكن أن يتحدوا وكان هذا هو التقسيم الجديد الذي قسم به السجن فيما بعد.
فكنا نقوم بالرياضة في الصبح.
جماعة الفرماوية من مذهبهم أن الأخذ بالأسباب كفر، فلو مرض شخص فذهب إلى الطبيب فهو كافر -هذا هو مذهبهم- فكان واحد من الاثنين من جماعة الفرماوية اسمه: حمزة، فقلت له: يا حمزة ماذا تعمل؟ فقال لي: أعمل خياطاً، فقلت له: (بلدي أو إفرنجي؟) وكنت أستدرجه لأقول له إن هذا أخذ بالأسباب وإلا فلماذا تعمل، فقال: أنا خياط (بلدي)، وهذا الثوب الذي ألبسه أنا الذي فصلته، فقلت له: يا حمزة! ألا ترى أن هذا من الأخذ بالأسباب؟! فقال لي: ألا ترى ما ألبس؟ أنا ألبس ثوباً أخضر، قلت: وما معنى هذا؟ فقال: نحن على ثوبين، الذي يلبس الثوب الأبيض هو الواصل ولا يعمل أبداً، والذي يلبس الثوب الأخضر هو (المرمطون) الذي يصرف على صاحب الثوب الأبيض!! وقال أحد جماعة التكفير: نحن نرى أننا على الحق، وقد أمرنا الله أن نبلغ عباده دين الله، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فسبحان الله شيء عجيب حقاً! فمنطلقهم أنهم مكلفون بدعوة الناس إلى دين الله ، ونحن في نظرهم كفار، وسيبدءون بدعوتنا.
وكانت تحصل بيننا مناقشات كثيرة، حتى وصلنا إلى الصحابة، وما هو قدر الصحابة عندهم؟ وهل عمل الصحابي أو قوله حجة أم لا؟ ومتى يصير حجة ومتى لا يصير؟ وقول الصحابي في القرآن من باب المرفوع أم من باب الرأي؟ وبدأنا نتطرق إلى هذه المواضيع، فكان جوابهم: إن الصحابة مطالبون بالقرآن والسنة مثلنا فلا ميزة لهم علينا في ذلك، فهم مطالبون ونحن مطالبون، وليس فضلاً لهم أنهم سبقونا، كما أن الرجل الكبير لا يسبق الرجل الصغير، فكونك قبلي هذا ليس فضلاً لك، فهم وجدوا في عهد النبي ﷺ ، ونحن لو كنا موجودين في عهد النبي ﷺ لكنا مثلهم سواء بسواء، إذاًَ فما الذي فضلهم؟! فهم رجال ونحن رجال، وهذه المناقشة الحارة كانت على إثر تحقيق قول ابن عباس: (كفر دون كفر)، فقالوا: لا نسلم.
فقلت له: ابن عباس توفر له فيها ما لم يتوفر لك، فقال: وما هو؟ فقلت: دعوة النبي ﷺ له: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل)، فدعك من قضية: (هم رجال ونحن رجال) فهذا رجل معه دعوة، وأنت رجل معك دعوى، فقال: وما أدراك أن الله استجاب دعاء نبيه؟! فأنكرنا عليه ذلك حتى أن أصحابه من أهل التكفير أنكروا عليه أيضاً، وهذا المجادل هو الآن من الداعين إلى مذهب السلف، بعد أن خرج من التكفير بحادثة مؤلمة، فهناك بعض الناس لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
فحينما نقلوهم إلى سجن (القناطر) وناقشوهم في كراسة شكري والتي تعتبر القرآن الثاني لجماعة التكفير، فقال الذي يناقشهم: كان المفروض على شكري أن يكتب هذه العبارة بالطريقة الفلانية لأنهم ينتقدونها علينا، فهذه العبارة أرى أنها تعدل لمصلحة الدعوة، فانبرى أحدهم وقال: أتعدل على شكري؟ فقال له: شكري ليس بمعصوم، فقال له: ليس بمعصوم ولكنك لا تعدل عليه، فحصلت مشادة وأمسك به أربعة عشر شخصاً وقتلوه ضرباً!! وقبل ذلك بزمن خرج شخص وفضح دعاة التكفير وقال: إنهم يخطفون البنات! وذكر كيف يتزوجون! ونذر وانتدب نفسه لفضح هذه الجماعة بعدما يخرج من السجن، فوفى بنذره وانتقل إلى رحمة الله ، والمقصود أنه انتقل إلى رحمة الله بتعديل منهجه.
إن أول درجة في سلم الفوضى التي يعيش فيها أهل البدع والضلال هي احتقار الصحابة، ويقنعون الجماهير بأن الصحابة مجرد رجال، يقولون لك: هم رجال ونحن رجال، ويستخدمون المقولة -التي قالها بعض أهل الحق- في الباطل، ووضعوها في غير موضعها فكانت قبيحة، وهذه هي طبيعة الكلام الحق لو وضعته في غير موضعه لصار قبيحاً، فمثلاً قولهم: (لا أحد معصوم إلا الرسل)، هذه مقولة صحيحة، فلو أن رجلاً سرق وجاء أمام القاضي، فقال له القاضي: أسرقت؟ فقال له: يا سيادة القاضي وهل هناك أحدٌ معصوم؟!! إنه لص، أي: هذه غلطة ومن الذي لا يغلط؟! وانظر إلى العبارة، فنحن قلنا الآن إنها عبارة جميلة ومتفق عليها لكن لما وضعت في غير موضعها صارت اتهاماً له، فنقول له: أسرقت؟ فيقول: وهل هناك أحد معصوم؟! وهذا معناه أنه سرق، فكذلك كل كلامٍ حسنٍ يوضع في غير موضعه يكون قبيحاً، كما قال المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى يعني: من رميته بوردة لا ترمه بالسيف، الكلام اللين في موضعه جميل، والكلام الغليظ في موضعه جميل، والكلام اللين في موضعه حكمة، والكلام الغليظ في موضعه حكمة، فهم أتوا على الكلمة التي تقول: (إن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال يعرفون بالحق)، وهذا كلامٌ جميل، ولكن (الرجال هم وثائق الحق)، فلو جاز أن تطعن على الواسطة جاز لك أن تطعن على الحق الذي يحملوه ويبلغوه، فهم الأدلاء على الحق، فلا بد من الاعتدال في فهم هذه الكلمة، فليس معنى أن الحق لا يعرف بالرجال أن ترمي الرجال.
فمن الذي يبلغ الحق؟! فلو جاز لك أن تطعن عليهم لكان ذلك طعناً على الحق الذي يحملوه ويبلغوه، فالرجال هم وسائط الحق، والطعن عليهم يستلزم الطعن في الحق نفسه.
كما ظهرت الدعوى القبيحة التي تقدح في أبي هريرة والتي يتكلمون فيها على الصحابة الأكابر، يقولون: إن أبا هريرة إذا أعطيته (سنتدوتش) يعطيك حديثاً مكذوباً على النبي ﷺ ، فـ أحمد منصور هذا الرجل الساقط الذي يتكلم على أبي هريرة كما لو كان لصاً أو قاطع طريق، وهذا الكلام منشور على صفحات المجلات أمثال مجلة (روزاليوسف).
وقد كتب هذا الساقط مقالة عن أبي هريرة وعن الصحابة، وأن الصحابة كانوا رمماً!! إلا واحد أو اثنين أو ثلاثة، ويقول عن أبي هريرة أنه اعترف بلسانه وقال: (كنت أمشي مع رسول الله ﷺ على ملء بطني) وقال: هو الذي يعترف، كان يمشي وكل همه أن يأكل، مع أن هذه الكلمة جاءت في حديث طويل وكان أبو هريرة يدافع عن نفسه، فـ عائشة ﵂ اعترضت عليه في حديث نقله فنسي كلمةً أو دخل في نصف الكلام، وأن للكلام تتمة، فهو يدافع عن الحديث الذي سمعه، فقال: (يا أم! إنه كان يشغلك عن رسول الله ﷺ المشط والمرآة، أما أنا فكنت رجلاً ملصقاً أمشي معه على ملء بطني).
أي: لا أتركه أبداً.
فأي طعن على أبي هريرة بهذا والنبي ﷺ يقول: يفتح لكم فيقال: (أفيكم من رأى النبي ﷺ أفيكم من رأى من رأى رسول الله؟ أفيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله؟ فيفتح لهم) ونظر النبي ﷺ نظرة في النجوم، فقال: (النجوم أمنةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)، إذاً: الصحابة بوابة الأمان لهذه الأمة، وهؤلاء المبتدعة أتوا على هذا الباب وأرادوا كسره، فاتخذوا لذلك عدداً من الأساليب سواءً كانت صريحة أو غير صريحة، فالمسلسلات التي تتحدث عن الصحابة من هذا القبيل، وقد كان هناك مسلسل اسمه (على هامش السير) ويأتي لك ببداية ظهور الإسلام ويصور لك الصحابة، ويأتي لك بفتوى أنه لا يجوز إظهار العشرة المبشرين بالجنة ولكن يجوز أن يصور ما دون ذلك، وأين الدليل على
стр. 1584
من أساليب أهل الضلال: التجافي عن الدنيا والزهد فيها
فتجدهم أئمة زهاداً، والكثير من الناس يحب هذا الصنف ويعجب به، ومن أكثر ما يشوه صورة الداعية إلى الحق أن يكون رجلاً مادياً؛ ولذلك جاءت الرسل لتقول لأقوامهم: (ما نسألكم عليه أجراً)، حتى لا يظن ظان أن هؤلاء منتفعون، فقالوا: نحن نبذل الهدى مجاناً فخذوه بغير نوال، وكثير من الناس يستدلون على صدق الدجالين والسحرة بأنهم لا يأخذون مالاً ويعالجون الناس بلا مقابل.
إذاً: أخذ نوالٍ على الحق من أعظم المضرات؛ لذلك ينبغي على الدعاة إلى الله أن يتعففوا عما في أيدي الناس ويرفضوها رفضاً قاطعاً، وهناك من الناس من يعطي باسم الهدية، ويعطي الداعية لينظر أيأخذ هذه الهدية أم لا، ويقول له: الرسول ﷺ قبل الهدية، وهذا بابٌ شائع ربما يلتبس على بعض الناس، أن يقبل الهدية ويكون هذا شركاً ومصيدة أراد بعض الناس امتحانه بها.
ومما يروى في زهد أهل البدع أن رأساً من رءوس الضلال اسمه: عمرو بن عبيد -كان رأساً في التجهم والاعتزال- كان زاهداً جداً، حتى إن الخليفة المنصور كان إذا رآه يقول: كلكم طالب صيد كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد سلب لب الخليفة بتركه للدنيا وزهده فيها، (كلكم طالب صيد) أي رجل يدخل على الخليفة فهو يريد المال.
فـ أبو دلامة الشاعر مثلاً كان يلازم الخليفة بصفةٍ دائمة، لأنه رجلٌ نفعي يريد المال.
فخرج مرة هو والخليفة المهدي ورئيس الوزراء علي بن سليمان للصيد كما ذكره الخطيب البغدادي في كتاب: تاريخ بغداد، فاصطاد المهدي ضبياً، وضرب علي بن سليمان بالسهم فاصطاد كلباً، فقال له الخليفة: قل لنا في هذا المعنى شيئاً، فأنشد على البديهة يقول: قد رمى المهدي ضبياً شق بالسهم فؤاده وعلي بن سليمان رمى كلباً فصاده فهنيئاً لهما كل امرئٍ يأكل زاده فأعطاه الخليفة ثلاثين ألف درهماً، كل بيت بعشرة آلاف درهم، فلما رجعوا من الرحلة قال له: يا أبا دلامة! قال: لبيك! قال: اهج أحدنا -وكانوا ثلاثة، الأمير ورئيس الوزراء وأبو دلامة نفسه- فوجد أن أخف الأضرار كلها أن يكون هو المهجو، فهو لا يستطيع أن يهجو الخلفية المهدي، ولا رئيس الوزراء؛ فأنشد على البديهة يقول: ألا أبلغ لديك أبا دلامة فلست من الكرام ولا كرامة إذا لبس العمامة صار قرداً وخنزيراً إذا وضع العمامة فأعطاه عشرين ألف درهماً، فخرج أبو دلامة من هذه الرحلة بخمسين ألف درهم.
لقد كان أصحاب الأمراء يرجون النوال؛ ولذلك شدد سفيان الثوري وقال: إذا رأيت العالم يذهب إلى الأمير فاعلم أنه لص.
وقال: إذا دعاك الأمير لتقرأ عليه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فلا تذهب.
وكان يقول: إنك لن تأخذ من دنياهم شيئاً إلا أخذوا من دينك ما هو أفضل، فيريد أن يعطيك مالاً ثم يرتكب مخالفة وأنت في مجلسه فتستحيي أن تقول له: هذا لا يجوز؟!! ولذلك كان ابن أبي ذئب أقوم بالحق من مالك في حضرة السلطان، كما قال الإمام أحمد بن حنبل، فهذه شهادة أحمد لما سئل عن مالك وابن أبي ذئب، قال: ابن أبي ذئب قوامٌ بالحق قوال، دخل على أبي جعفر المنصور وقال له: إن الظلم فاش ببابك وأبو جعفر رجل ظالم، لا أحد يستطيع أن يراجعه، لكن ابن أبي ذئب كان قوالاً بالحق في حضرة السلطان، وهذه المسألة مختلف فيها بين علماء السلف، وضابط المسألة: مراعاة المصلحة، فمن علماء السلف من قال: لو كان لي دعوةٌ صالحة لادخرتها للسلطان؛ لأن صلاح الناس بصلاحه، ومنهم من كان يقول: لا تذهب إليه؛ حتى لا يفتن في دينه ويداهنه في أمور لا تجوز حياءً منه، وهذا هو مذهب زهاد أهل السنة، لكن أهل البدع يظهرون الزهد ليتمكنوا من قلوب الناس، كما كان حال عمرو بن عبيد فقد كان المنصور يقول: (كلكم طالب صيد) يعني: كل واحد يقترب مني يريد شيئاً، (كلكم يمشي رويد): ورويد معناها: يمشي على مهل، مثل الصياد، فأي إنسان يصطاد لا تجده يمشي بسرعة وإنما يتلفت وينظر، يبحث عن فريسة.
(غير عمرو بن عبيد) فهذا الرجل سلب لب المنصور بتجافيه عن دار الغرور.
стр. 1585
من أساليب أهل الضلال: التخشع عند سماع المواعظ
إن لأهل البدع شباكاً ينصبونها لجذب الناس إليهم، مثل: البكاء عند سماع القرآن، أو عند سماع الموعظة، فنجد الواحد منهم يبكي ويرتجف، ومثل: طلب العلم والتبحر فيه، وليس عن أذهانكم ببعيد أن أول حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه هو حديث عمر بن الخطاب ﵁ في الإيمان والإحسان والإسلام، وفي مطلع الحديث يقول: عن يحيى بن يعمر، قال: انطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين -أو معتمرين- فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ نخبره عما أحدثه معبد الجهني في القدر، قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد أو خارجاً فاكتنفناه، وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي -وفي رواية أخرى- لأنني كنت أبسط منه لساناً، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم -أي: جعل يعدد من صفاتهم: قوامون صوامون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر- غير أنهم يقولون -بعد كل هذا المدح والثناء- لا قدر وأن الأمر أنف.
أي: أن الله لا يعلم بالفعل إلا إذا وقع، فنفوا علم الله المتقدم على أفعال العباد.
وفي كتاب الصلاة لـ محمد بن نصر المروزي من طريق آخر، قال: فقابلت عبد الله بن عمر وكان إذا لقيني سلمت عليه صافحني وسألني عن أهلي، فقلت له: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا أناس وذكر نحو الكلام الذي في الرواية الأولى، قال: فلما سمع ابن عمر ذلك؛ أرخى يده من يدي، ثم قال لي: (إذا لقيت أولئك فقل لهم: عبد الله بن عمر بريء منكم وأنتم برآء منه، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً -وفي رواية- مثل أحد ذهباً ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر).
فليتعلم الذين يسعون إلى التقارب مع الشيعة من عبد الله بن عمر، وليعلموا أن خلاف الأصول لا يندمل أبداً ولا يحتمل، فقد أخالفك في مسألة فرعية، لكن إن خالفتك في مسألة أصلية فمن المستحيل أن نلتقي، إذ لا يستقيم الظل والعود أعوج، فالقائلون من الشيعة الإثني عشرية: أن القرآن الموجود هو ثلث القرآن والثلثان مع محمد بن الحسن العسكري في السرداب، والذين يصرحون أن الصحابة ماتوا جميعاً على النفاق ما عدا سبعة، والذين يلعنون أبا بكر، وعمر، وعائشة، وحفصة في صلاتهم، ثم يأتي رجل ويقول: نريد أن نتقارب مع الشيعة! فعلى الرجل أن يتعلم من فعل عبد الله بن عمر وقوله، فهؤلاء يقرءون القرآن ويتقفرون -وفي رواية: يتقعرون-.
وتقعر في العلم.
أي: وصل إلى قعر العلم، وهم يقومون الليل ويصلون ويفعلون ويفعلون فلم يغتر بهذا عبد الله بن عمر بل تبرأ منهم، والبراءة من المسلم لا تجوز، فلا يحل لك أن تتبرأ من مسلم، ولكنه تبرأ منهم، فكأنما حكم عليهم بالخروج من الملة، وإن لم يحكم عليهم بالخروج من الملة فقد ارتكبوا شيئاً عظيماً جسيماً، والزجر بالهجر مشروع كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، فلم يغتر عبد الله بن عمر بالسمت ولم يقل: هؤلاء فيهم خير ونترفق بهم وغير ذلك من هذا الكلام، وإنما قال: (والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً أو مثل أحد ذهباً ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر) وفي هذا الكلام دلالة على أنه يذهب إلى كفرهم، وقد اتفق العلماء جميعاً على تكفير من يقول بهذا، والحمد لله فقد انقرض القائلون بأن علم الله لم يتقدم أفعال المكلفين.
فاعلم أن على كل باب من الثلاثة والسبعين باباً رجل عنده حسن عرض ينادي عليك، تعال فاسمع مني!! فإذا لم تتبع مذهب القرن الأول فلا آمن عليك أن تلج باباً من هذه الأبواب، على حد قول القائل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا فرجل خالٍ من مذهب القرن الأول لا يُؤمَن عليه إذا سمع شبهة وعُرضت عليه بشكل جميلٍ أن يعتقد أن هذا هو الحق؛ لذلك كانت دراسة مذهب القرن الأول من آكد الضرورات التي ينبغي على كل مسلمٍ يبحث عن النجاة أن يتحقق بها.
ونمثل لمذهب القرن الأول مع القرون التي جاءت بعد ذلك بمثلث ثم ضع نقطة في أعلى المثلث، واسحب ضلعاً إلى أسفله ثم اسحب الضلع الآخر، فالنقطة في أعلى المثلث هي القرن الأول، وليس في النقطة أبعاد، ولا يختلف منطلق هذه النقطة عن غيرها، وليس هناك طول وعرض، ولو سلمنا بوجود الطول والعرض فلا يكاد يذكر، فالضلع الأول هو الإسلام، والضلع الثاني: هم المسلمون، وكلما نزلت وبعدت عن النقطة الأم التي هي رأس المثلث كلما زادت المسافة بين الضلعين؛ فكل قرن يمر تجد الخلاف فيه أعظم من القرن الذي سبقه، وإذا نزلت بصفة مستمرة فلا يزال البعد يزيد ما بين المثال الذي هو الإسلام -قرآناً وسنة- وما بين المسلمين.
فإذا أردت أن تقلل المسافة بين المثال وبين الواقع فاصعد إلى الأعلى، فنزولك إذاً إلى تحت مشكلة من أعظم المشاكل، وصعودك إلى الأعلى هو الأمان، ولله در علماء الحديث الذين يقولون: (النزول شؤم)، فعليك بمذهب القرن الأول وهم الصحابة.
стр. 1586
نماذج من سير الصحابة والتابعين
وإليك سرد لبعض مواقف وأخلاق السلف ومتابعتهم للنبي ﷺ ، وفي أخوتهم، وعزمهم، وجميع شئون حياتهم.
стр. 1587
التأسي والتسلي
ما هي المتعة؟ المتعة سلطان أو مال، ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧] هذه علاقات الأقران في ذلك الزمان الغابر، فعندما تقرأ سير هؤلاء ترتقي بمستواك، فلو كان بينك وبين أخيك خصومة فبادر بحلها، لأن رائدك وأسوتك ميمون بن مهران مثلاً أو الحسن البصري، والله جعل التأسي والتسلي خلقاً في بني آدم، وهذا هو الذي يسهّل عليك طلب الأسوة، وهذا ظاهر من قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] وقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) وأيضاً هو ظاهرٌ في قول الله : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] ونحن في أمثالنا نقول: (من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته).
وقد ترجمت الخنساء هذا في قولها: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فلو كان في كل بيت حزن وعويل فإنك لا تحزن كثيراً على ميتك! بخلاف ما لو كنت أنت الوحيد المصاب، فعندما ترى المصيبة عند الكل تخف عليك المصيبة، هذا هو معنى: (خلق التسلي والتأسي).
فربنا ﵎ في هذه الآية يخبرنا أن الأمر في الآخرة بخلاف الدنيا، ولكن إياك أن تقول: إذا دخلت النار فسنكون كلنا مع بعض وسوف نتحدث ونخوض في الكلام، لا: ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]، يعني: اشتراككم في العذاب لا ينفعكم، ولا يخفف عليكم المصيبة، فكل واحد سيُحاسب بمفرده، وكل إنسان يشعر بعذابه وحده.
فخلق التسلي والتأسي موجود في الدنيا، والإنسان مستعد فطرياً وخلقةً له، وهذا أيضاً ظاهر في قول عائشة في حديث الإفك لمَّا قالت بعدما بلغها الكلام: (فظللت ثلاثة أيام بلياليهن أبكي حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها، فدخلت تبكي معي) فعندما تبكي معها يخف عليها الأمر، فالمريض يعذب عندما يمرض ولا يعوده أحد، لكن لو كان هناك مريض مصاب بأشد الأمراض وكان هناك من يدخل ويخرج عليه باستمرار فيمر عليه اليوم بسرعة ولا يشعر بالألم.
ولذلك الليل أكثر ألماً من النهار بالنسبة للمريض، بالرغم من أن الألم واحد، لكنه في النهار مشغول، ويجد من يدخل ويتحدث معه.
عندما تقرأ في سير الماضين والعلماء تهذب خلقك، فمثلاً: ما المانع من فضح نفسك على الملأ، ولا يعني هذا أن تذكر ذنوبك وتجاهر بها، لكن اذكر أنك رجل خطاء، كما كان يقول محمد بن واسع ﵀ وهو أحد رياحين التابعين، وأحد الرواة عن أنس، كان يقول: (لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسني) كان من العباد.
وكذلك الأعمش عندما روى حديث ابن مسعود: (أن رجلاً بات فلم يصلِّ حتى أصبح، فقال ﵊: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)، وبعد أن روى الأعمش الحديث قال: (أتعرفون لماذا عمشت؟ من كثرة بول الشيطان عليَّ) وعيسى بن يونس راوي الحديث عن الأعمش يعلق على كلام الأعمش فيقول: (وكان الأعمش صاحب ليل وتهجد).
وهذا نوع من كسر حظ النفس، أن يغمط الإنسان حظ نفسه إجمالاً.
عبد الله بن وهب الإمام المصري العلم الكبير كان يقول كما ذكر الذهبي في ترجمته في السير: (نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فأجهدني الصوم، فنذرت أني كلما اغتبت إنساناً أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة)، فلا ضير أن يعترف على نفسه هذا الاعتراف، وهذا نوع من تهذيب النفس وغمطها، ولا تزال تنبل إذا تأسيت بهؤلاء، وفعل التابعين ليس بحجة، وإنما ذلك في قول أو فعل الصحابي، ومع ذلك المسألة أبعد من هذا التقعيد الأصولي: حجة أو ليس بحجة، فنحن في باب الأدب نختلف عنه في باب العلم.
والإمام أحمد ﵀ أصابته علة، فدخل أحد أصحابه عليه فوجده يئن ويقول: آه آه! فقال صاحبه: حدثني فلان عن فلان أن مجاهداً كان يكره الأنين، فكف الإمام عن الأنين، هذا هو باب الأدب، فلا يأتي شخص أقول له: لا تئن، فيقول: وما الدليل؟ فأقول له: ما روي عن مجاهد فيقول: ليس هذا بحجة!! فباب الأدب مختلف عن التقعيد العلمي، فـ مجاهد حجة عند الإمام أحمد في الأدب، بل هو شيخه، لأنك كلما علوت زاد النُبل والفضل، فكان شيوخه حجة عنده في الأدب، فقد يخالفه في الفتوى ولكن لا يخالفه في الأدب، بل ظل الإمام أحمد يدعو للشافعي أربعين سنة في صلاته، فسمع ابنه عبد الله أباه يدعو للشافعي ويذكره كثيراً، فقال: يا أبت! سمعتك تدعو كثيراً للشافعي، فمن هو الشافعي؟ رغم أنه يعرف الشافعي، ولكنه يسأل عن الخفي في سيرة هذا الرجل التي جعلت الإمام أحمد يُكبِره كل هذا الإكبار، فقال: (يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فهل بعدهما للناس من عِوض؟!) هذه هي نظرته لشيخه.
فباب الأدب مختلف عن باب العلم، فقد أخالف شيخي في العلم، كأن يقع في وهم وأسدده، لكن في الأدب هو شيخي وأنا تحته، من الممكن في العلم أن أكون فوقه، لكن في الأدب لا، فهو شيخك وتعلمت الفضائل منه، فعليك أن تحفظ هذا الجميل ما حييت، هذا هو النبل، فالتلاميذ النجباء رزق، وإذا أحب الله شيخاً سخر له تلاميذ نجباء، وإلا هل مالك أفضل من الليث بن سعد في الفقه؟ وأنا لا أقول شهادة من عندي لأن المسألة أخطر من أن يدخل الإنسان بين هذين الكبشين النطاحين الكبيرين، وإنما أقول شهادة الإمام الشافعي، قال: (الليث أفقه من مالك) لكن أصحابه لم يقوموا بمذهبه.
إذاً: رزق الله مالكاً بأصحاب ولم يرزق الليث، فالذين نشروا اسم مالك في الآفاق وصيروه في مشارق الأرض ومغاربها هم أصحابه، كذلك أصحاب أحمد والشافعي وأبو حنيفة.
فالمسألة ليست مسألة علم فقط، وإلا فعندنا من الأئمة من كان لهم مذاهب فقهية وكانوا يجرون في مضمار هؤلاء الأربعة المشاهير، كان بعضهم أجل من بعض الأئمة الأربعة، مثل سفيان الثوري، كان إماماً جليلاً ضخماً، وإسحاق بن راهويه وهو من أقران أحمد، والأوزاعي وهو من أقران مالك، وكان يقول مالك: (ما زال أهل الشام بخير ما بقي فيهم الأوزاعي)، ولما قابل سفيان الثوري الأوزاعي في السوق أخذ سفيان الثوري بلجام بغلة الأوزاعي وهو يفل الأوزاعي من الزحام ويقول: أوسعوا لبغلة الشيخ، فهل يفعل ذلك أحد من الأقران؟ وكان سفيان الثوري أكبر سناً من الأوزاعي.
فعندما تقرأ سير هؤلاء وتعيش معهم فتجدهم على منوال القرن الأول، ورجال القرن الأول هم الأساس، ثم في كل قرن تنتقي منه من كان على نفس نهج القرن الأول، وما بدأ المسلمون يتفرقون إلا بعد ظهور البدع في أواخر عهد الصحابة، مثل بدعة القدر، أو قبل ذلك بدعة الخوارج، وكبدعة الشيعة، فكلما ظهرت البدع كلما أخذت تفرق جمع المسلمين، ويصبح العدد الذي كان تبعاً لمنهج واحد تبعاً لعدة مناهج.
стр. 1588
صدق الصحابة في النصح للمسلمين
ورد في معجم الطبراني أن جرير بن عبد الله البجلي أرسل غلامه ليشتري فرساً، والتجارة شطارة -كما يقال- فكلما ساومت صاحب البضاعة ورخّصت السعر كنت (شاطراً)، فغلام جرير كان هكذا، ذهب إلى السوق فوجد فرساً أعجبه، فأخذ يساوم صاحبه حتى وصل إلى ثلاثمائة درهم، وكان الفرس يستحق أكثر من ذلك، لكن الغلام (فطن)، فاتفقوا على السعر وذهب الرجل والغلام بالفرس إلى جرير، فقال له جرير: بكم اشتريت الفرس؟ قال: بثلاثمائة درهم، فقال جرير لصاحب الفرس: يا صاحب الفرس! فرسك يساوي خمسمائة، فاستاء الغلام جداً من هذه الكلمة، فقال الرجل: رضيت!، قال: يساوي ثمانمائة درهم، فقال له: رضيت!، وأعطاه الثمانمائة درهم وأخذ الفرس، فقال الغلام: ما هذا؟ فقال جرير: (يا بني! إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم!).
فهل هذا المثل موجود في غير الصحابة -إلا من رحم الله وقليل ما هم-؟ لا يمكن له أن يفض البيعة بخمسمائة درهم! فأي وقت هذا، هناك رجل يفض عقده مع الله وهو عقد العبودية مثل منعم كارلس كان مسلماً فكفر لكي يصبح رئيس جمهورية، لأن من شروط رئيس الجمهورية أن يكون نصرانياً، فكفر ونقض العقد والبيعة؛ حتى يصبح رئيساً.
كان الصحابة رجالاً، ولو كان الأمر بيدي لقطعتُ لسان من يقول: الصحابة رجال ونحن رجال، وهو يعني: التسوية، ولا تساوي، فهذا جيل لن يتكرر أبداً، قال له: (بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم)، فمن الغبن أن أفض هذه البيعة بخمسمائة درهم، فحين تنظر إلى هذه النماذج ترى نماذج عالية يتأسى بها فعلاً، فالجيل الأول كله مكاسب، وإذا اخترت في الأجيال التي تأتي بعد ذلك اختر من كان على منهج هؤلاء، فيلزمك حينئذٍ أن تبحث عن العلماء الربانيين في القرون التي جاءت بعد عصر الصحابة، وستجد عدداً وفيراً.
стр. 1589
شكر النعمة والإحسان إلى الجار
أنتم تعرفون كثيراً من المشاهير لكنني أنبه على بعض الأئمة الكبار الجبال الذين لا تعرفهم العامة، ولعل أكثر المسلمين لا يعرفون رجلاً اسمه: محمد بن ميمون: ويكنى بـ أبي حمزة السكري، وهو أحد الرواة عن الأعمش، وإنما قيل له: السكري لحلاوة كلامه، كان يقول: ما مرض جارٌ لي إلا قوّمت نفقته في مرضه وتصدقت بها؛ لأن الله عافاني مما ابتلاه به.
والتداوي جائز وليس بواجب، فلو مرض رجلٌ وترك التداوي جاز له ذلك، ولا يجب إلا إذا أضيف ما يرجح الوجوب، فقد ترك أبو بكر ﵁ التداوي، فلو فرضنا أن العلة أصابت محمد بن ميمون وأنفق ثلاثة أو أربعة أو عشرة آلاف جنيه وعاد صحيحاً، فهو يقول: هب أني مكان الذي اعتل فسأنفق مثل هذا القدر من المال ولكن أتصدق به شكراً لله لأنه عافاني مما ابتلاه به.
وبلغ محمد بن ميمون أن جاراً له أراد بيع داره، وكان الرجل سيبيع الدار بأربعة آلاف درهم، وقيمة الدار ألفا درهم فقط، فقال له: ألفان ثمن الدار، وألفان جوار أبي حمزة، فبلغ ذلك أبا حمزة، فأرسل إليه أربعة آلاف وقال: لا تبع الدار وابق في دارك!، هذه هي مكارم الأخلاق، عندما تنظر إلى هذه النماذج المشرقة فسوف ترتفع عن سير هؤلاء الذين تعاشرهم من أهل هذا الزمان، فهؤلاء نعمة وشرف، فكيف لو عكفت على مطالعة سير هؤلاء، ولا ترى الدنيا إلا من خلالهم؟ فهناك من هو أجل بألف درجة من أمثال هؤلاء، فقد كان السلف رءوساً في العلم والعمل.
стр. 1590
طلب النصيحة من أهل العلم
روى أبو علي القشيري في تاريخ الرقة في ترجمة ميمون بن مهران، وكان كاتباً لـ عمر بن عبد العزيز، قال ميمون بن مهران لابنه عمرو: انطلق بنا إلى دار الحسن البصري، قال ابنه -راوي القصة-: فانطلقت بالشيخ -يعني أباه- أقوده إلى الحسن، قال: وبينما نحن ذاهبون إلى دار الحسن اعترضنا جدول ماء -يعني قناة- ولم يستطع الشيخ أن يعبرها، فجعل الولد نفسه قنطرة فعبر والده على ظهره إلى الجانب الآخر، ثم قام وأخذ والده وانطلق حتى أتى بيت الحسن، وطرقوا الباب فخرجت الجارية وقالت: من؟ قال: ميمون بن مهران، فقالت له الجارية: يا شقي! ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء؟ فبكى ميمون وعلا بكاؤه، فلما سمع الحسن بكاءه خرج إليه، فسلم عليه واعتنقه، فقال ميمون: يا أبا سعيد! شعرت أن في قلبي غلظة فاستلن لي، فقل لي شيئاً يرققه، خرج ميمون من بيته لأنه يشعر أن في قلبه غلظة، فمن منّا يتحرك لهذا المنطلق؟! لو أتاك طبيب وقال لك: عندك تصلب في الشرايين ولا بد أن تأتيني كل شهر، وتسافر إلى (لندن، وباريس، وفيننا) لسافرت!! من أجل أن تعيش بعض السنين، وكم أكلت الأرض من عافية الناس؟ ومع ذلك تجد بعض الناس يعمل لنفسه استشارياً لأمراض القلب وضغط الدم، وإذا حصل له أي تغير أو ألم بسيط سارع في الاتصال بمستشاره لإخباره بما حصل، ويقول: حصل لي كذا وكذا فكل رجل فينا يحتاج إلى استشاري أمراض القلب وضغط الهم! وليس ضغط الدم!! وعندما تشعر بقسوة تذهب إلى هذا الاستشاري كما ذهب ميمون إلى الحسن رحمة الله عليهم.
ثم قال ميمون: يا أبا سعيد! أصوم له -أي لهذه القسوة في القلب-؟ فقال الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧]، فأغشي على ميمون، أي: أغمي عليه، وجعل الحسن البصري يتفقد رِجله كما تتفقد رِجل الشاة المذبوحة يظن أنه قد مات، ثم تركه ودخل الدار، فأفاق ميمون، فقالت لهم الجارية: اخرجوا فقد أزعجتم الشيخ!! ويفهم من ذلك أن الآية زلزلت الحسن أيضاً فدخل يبكي هو الآخر؛ لأن الآية أثرت فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٧].
فخرج ميمون وابنه عمرو، وفي عودتهم قال عمرو لأبيه: يا أبت! هذا الحسن؟! قال: نعم.
قال: ظننته أكبر من ذلك! يعني: ما الذي قاله؟ قرأ آيتين أو ثلاثاً من سورة الشعراء، أنا أحفظها، فضرب صدر ولده وقال: يا بني! لقد قرأ آية لو تدبرتها بقلبك لتصدع قلبك، ولكنه لؤم فيه، وهذه الآية لا تغادر سمعك إلا وتجرح قلبك.
стр. 1591
أدب الخلاف عند السلف
لقد كان الرعيل الأول من صحابة رسول الله ﷺ يختلفون، لكن القرن الأول الخلاف فيهم قليل، وأدب الخلاف فيهم رفيع، بخلاف القرون التي جاءت بعد ذلك، فالخلاف فيها شديد والأدب فيها يقل، فإذا نظرت إلى الصحابة وهم يختلفون مع بعضهم، كخلاف أبي هريرة مع ابن عباس في الوضوء مما مسه النار، كما في سنن الترمذي أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (توضئوا مما مست النار)، -وكان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ فكان الرجل إذا أكل طعاماً مطهياً يلزمه أن يتوضأ، فكان من مبطلات الوضوء أكل أي شيء مسته النار سواء أكان شراباً ساخناً أو أكلاً- فـ أبو هريرة ﵁ لما قال هذا الحديث اعترض عليه ابن عباس، وقال: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعامٍ أجده في كتاب الله حلالاً؟ يا أبا هريرة! أفلا نتوضأ من الحميم؟ يعني: هل يلزمني إذا توضأت بماء ساخن أن أتوضأ بماء بارد مرة أخرى؟ فـ ابن عباس ليس معه حديث، وإنما هو جدل عقلي -اجتهاد- أبو هريرة معه حديث يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار) فلم يأت ابن عباس بحديث فيه نسخ الوضوء مما مست النار، لكنه جادل أبا هريرة حسب اجتهاده، فقبض أبو هريرة ﵁ على حصا ثم قال لـ ابن عباس: (أشهد عدد هذا الحصا أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضئوا مما مست النار، يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال).
فما علمنا في خبر من الأخبار أن أبا هريرة اجتنب أو هجر ابن عباس أو أن ابن عباس اجتنب أبا هريرة؛ بل كانوا كما قال النبي ﷺ : (وكونوا عباد الله إخواناً)، وكما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، يختلفون مع بعضهم، لكنهم كانوا يعلمون الخلاف السائغ المقبول من الخلاف المردود غير المعتبر.
فعندما ترى إلى هذه الصور المشرقة في حياة الصحابة، وتقلد هؤلاء الأكابر الفضلاء، يزول كثير من العنف والجفاء الذي نراه في علاقات الناس مع بعضهم البعض.
стр. 1592
الاقتداء بالسلف الصالح في تمام المتابعة
إن الحل في هذه المحنة الكبيرة والداهية الدهياء هي البحث عن الباب الوحيد الذي من خلاله تنجو وهو مذهب القرن الأول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) هذا الجيل الفريد نشر بكل أمانة كل شيء رآه بعينه أو سمعه بأذنه، فإذا قرأت عن الأنبياء من أولي العزم مثل موسى ﵇، هل عرفت اسم امرأته؟ وهل عرفت كيف كانت تصلي؟ هل عرفت ماذا كانت تعمل في البيت؟ وكيف كانت تربي الأولاد؟ وعندما تغضب أو ترضى، ماذا تفعل؟ لا نعرف هذه التفاصيل إطلاقاً عن أي نبي من الأنبياء، وإنما نعرف اسمه ودعوته، والرسول ﵊ هو الوحيد الذي نقل عنه كل شيء، وهذا ببركة أصحابه، وكما قلنا إن التلاميذ رزق للشيوخ، فكذلك الصحابة رزق للنبي، كما قال ابن مسعود: (نظر الله في قلوب العالمين فاختار قلب محمد ﷺ لرسالته، ونظر في قلوب العالمين فاختار قلوب أصحابه له).
فهؤلاء كانوا مثل: (الكاميرات المسجلة) فيخرج من بيته مثلاً وهو يقول: لأرمقن صلاة النبي ﷺ اليوم، وهو يصلي معه كل يوم، لكن في هذه المرة خرج ليعرف كيف يصلي! فينظر إلى رجله، وينظر كيف يشير مثلاً أو يحرك إصبعه، وكيف يرفع يديه في تكبيرة الإحرام؛ فينظر إلى الإصبع هل هو بمقابل الأذن وينقل نقلاً دقيقاً، ثم إذا جاء مقتضى لهذا الكلام يصف صلاة النبي ﷺ كما رأى.
يقول أحد الصحابة وهو جابر بن سمرة: خرجت إلى النبي ﷺ في ليلة، وكان البدر مكتملاً، فوالله إن وجه النبي ﷺ كان في عيني أجمل من البدر.
وقال: في عيني، وهذه طبيعة المحب، يرى من يحب في غاية البهاء والجمال، حتى وإن كان في عين الآخرين ليس كذلك، لكنه هنا ينقل إليك هذا الشعور.
ثم يأتي أناس من جماعة التكفير ويقولون لك: لو كنا في تلك الأيام لكنا مكانهم، فهذه الدعوى رد عليها حذيفة، ورد عليها المقداد بن الأسود، فقد جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري في مطلع الكتاب في باب: الولد قرة العين.
أن رجلاً جاء إلى المقداد بن الأسود وقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ ، فغضب المقداد غضباً شديداً، قال: فتعجبت -لم يقل الرجل شيئاً يغضب عليه المقداد، لم يقل سوى: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ قال: فقلت للمقداد: ما قال الرجل شيئاً يغضبك! فقال: (وما يدريه أنه لو كان لكان كأقوام أدركوه فأكبهم الله على وجوههم في النار)، فهل أنت ضامن إن كنت موجوداً أن تكون أبا لهب أو غيره، فقد رآه رجال بأعينهم وكفروا به، فالذي يقول: لو كنا موجودين لكنا أمثال هؤلاء، هذا بطر وقلة علم وأدب، وهذا هو الذي يفتات على الله .
فما أدراك؟ فربما كان هذا المتكلم من أكفر الكافرين؟ فما أدراه أنه لو كان موجوداً لكان من أولياء الله؟!! وحصل هذا مع حذيفة بن اليمان حيث كان جالساً مع بعض التابعين فقال له رجل: والله لو أدركنا رسول الله ﷺ لحملناه على الرءوس ما تركناه يمشي على الأرض.
فما معنى هذا الكلام؟ يعني: كأن الصحابة فرَّطوا وتركوه يمشي على الأرض، هذا هو مفهوم كلام الرجل، فـ حذيفة رد عليه، لأن هذا غمط للصحابة، فقال له: يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟ ثم حكى له حكاية واحدة فقط، قال: لو رأيتنا في يوم الأحزاب وكل رجل منا حفر لنفسه حفرة في الأرض -من البرد- فالصحابة كان عندهم جَلَد.
بينما ذات مرة أحدهم حج يوم حادثة النفق وتلك الزحمة التي حصلت هناك وقتل فيها أناس كثيرون، وكان يومها الحر شديد، فهذا أول ما لقيني قال لي: هل الحج مرة واحدة أم أكثر؟ وكان يكلمني بحماس، فقلت له: مرة واحدة، فقال: أشهدك أن هذه المرة هي الأولى والأخيرة!! فقلت له: لماذا تقطع على نفسك؟ قال: إن دماغي كاد يغلي من الحر! فما رأيك في الصحابة الذين كانوا يعيشون في هذا الجو، وكان عندهم جلد، فلو أرسلت لعنانك التفكير وتخيلت أي ظروف تخطر على بالك، فالصحابة كانوا يعيشون في هذه الظروف أو أشد، ونصروا الله ورسوله في هذه الظروف، فلو حصلت غزوة تبوك فلا أدري ماذا كان سيفعل هذا الرجل؟! سيرجع على عقبه أم لا؛ لأنها كانت في حر شديد وفي مشقة طويلة.
فالصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم جلد، فمن شدة البرد وقلة الغطاء يريد الواحد منهم أن يدفئ نفسه فيحفر حفرة ويدفن نفسه بداخلها، ويظهر منه نصفه الذي فوق، وعندما أراد النبي ﷺ أن يبعث عيناً على قريش، فقال: (من يأتيني بخبر القوم ويكون معي في الجنة) فهذا حافز يجعل الصحابة يقفزون من الحفر، لأنه يقول: (معي في الجنة)، ولكن لم يقم أحد!! وقد قالها ثلاثاً، وكان حذيفة قد أحس فدخل في الحفرة قليلاً خوفاً من أن يقع عليه الأمر لصعوبته.
فقال النبي ﷺ له: (قم يا حذيفة! قال حذيفة: ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد) -وهذه القصة موجودة في صحيح مسلم لكن هذه الرواية عند الطبراني وغيره- قال: (فقال يا حذيفة! ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علينا)، يعني: لا تحدث أي بلبلة فيهجمون علينا، قال: ثم دعا لي فمشيت كأنني في حمّام، أي: زال عنه ما كان يجد من البرد، فذهب إليهم ورأى ناراً عظيمة، ورأى رجلاً جالساً، فعلم أنه أبو سفيان وكانت تلك أول مرة يرى فيها أبا سفيان، قال حذيفة: فهممت أن أخرج سهماً وأضعه في القوس وأضربه، ولكني تذكرت وصية النبي ﷺ أنه قال: (لا تذعرهم علينا).
فدخل حذيفة خيمة أبي سفيان وأراد أبو سفيان أن يؤمن نفسه، فقال: أخشى أن يكون بينكم من غيركم فليعرف كل منكم صاحبه، فقال حذيفة للذي بجانبه: من أنت؟ وانظر هنا إلى الذكاء، فلم ينتظر حتى يقول له الذي بجانبه: من أنت؟ ولكن حذيفة بادره ب
السؤال
من أنت؟ فأخبره باسمه والآخر، وتخلص من هذا الموقف، وسجل لنا شيئاً عجيباً جداً، فالله أرسل على الأحزاب في هذه الغزوة ريحاً شديدة، قال: فكانت حجارة الجبل يضرب بعضها بعضاً من الريح، قال: والله ما تجاوز الريح معسكرهم، أي: حين خرج من المعسكر كانت الأمور هادئة جداً، والريح داخل المعسكر فقط، فكان حذيفة بن اليمان يحكي هذا الموقف للذي يقول: (لو كنا موجودين لما تركناه يمشي على الأرض)، فهل تستطيع أن تقوم بموقف مثل هذا؟ وهذا موقف من مئات المواقف التي مررنا بها، فأعطاه مثلاً على أنه لا يستطيع.
وكان ابن عمر يقول وثبت هذا عن حذيفة أيضاً: (لمقام أحدهم في الصف أفضل من عمل أحدكم ستين سنة)، فلا بد من تعظيم الصحابة بالنظر في أخلاقهم وسيرهم، وفي العمل الذي نقلوه إلينا، لنصل إلى الباب الوحيد في وسط ثلاث وسبعين باباً، إذ لو زلت قدم أحدنا في غير هذا الباب الوحيد لشقي.
أليس جديراً بنا أن نعطي هذا الباب عناية أكثر، وأن نعطيه أولوية عن رجاله ومذهبه، لأن حياتك في الدار الآخرة كلها موقوفة على أول خطوة تخطوها، فهذه خطوة لها ما بعدها، وكما يقال: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، لكن تصحيح الخطوة الأولى أهم من كل الخطوات الأخرى، لأنها تبع لهذه الخطوة.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، وأن يجعل ما سمعناه وقلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1593
لا حسد إلا في اثنتين
من علامات محبة الله لعبده أن يرزقه مالاً وعلماً، فإنه بالعلم يستطيع أن يوجه هذا المال في وجوهه ويصرفه في مصارفه، فالمال بيد الجاهل نقمة ووبال، وهو بيد العالم نعمة ورحمة للعباد.
كما أن من منافع العلم أن الله يعطي الأجر لحامله عند انعقاد نيته على عمل معين، ولو لم يتمكن من إتيانه، فنعم المال الصالح بيد الرجل الصالح.
стр. 1594
الحسد المحمود والحسد المذموم
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﵌ قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس).
فهذا الحديث يرشدنا إلى فضل العلم وفضل المال، وهو نص باهر في التدليل على فضل العلم؛ ولذلك قال ﵊: (لا حسد إلا في اثنتين) فإما أن يحمل الحسد هنا على الحسد الحقيقي فيقال: إن كان يجوز الحسد فإنما يجوز في حالتين، وهذا أحد المعاني.
والمعنى الثاني والذي عليه أكثر العلماء: أن الحسد هنا بمعنى الغبطة، ومن هؤلاء العلماء الإمام البخاري ﵀، حيث بوب على هذا الحديث في صحيحة في كتاب العلم فقال: (باب الاغتباط في العلم والحكمة).
والفرق بين الغبطة وبين الحسد: أن الغبطة: أن تتمنى مثل ما لغيرك من الخير، من غير أن يزول هذا الخير عن غيرك.
بخلاف الحسد: وهو تمني زوال النعمة عن الغير.
فإذا كان الحسد بمعنى الغبطة فيشير إليه قوله ﵎: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، هذا هو التنافس المحمود الذي هو بمعنى الغبطة.
فإن كان في المعاصي أو كان بالمعنى الذي لا يجوز فهو يندرج تحت قوله ﷺ : (لا تنافسوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً)، فهنا لا تنافسوا، أي: في الحسد المذموم، وهو أن تتمنى أن يزيل الله النعمة عن أخيك وأن يؤتيكها، بخلاف الغبطة والتي هي أن تتمنى مثل ما لغيرك من الخير.
стр. 1595
إنفاق المال في وجوه الخير لا يتأتى إلا بالعلم
يقول النبي ﵊: (لا حسد إلا في اثنتين) فهذا يفيد أنه لا يحسد المرء إلا على حالتين فقط: (رجل آتاه الله الحكمة -وفي رواية- آتاه الله القرآن -وفي رواية- آتاه الله العلم -وكلها بمعنى واحد- فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) (سلطه) أي: سلطه الله على إهلاك المال، انظر التفاني في بذل المال يصل إلى حد أن صاحب المال يسلط على هذا المال فيهلكه.
ثم ذكر قيداً آخر مهماً: (في الحق)، حتى يخرج عن حيز المبذرين؛ لأن إهلاك المال أو إتلافه وإنفاقه بشراهة في غير الحق مذمة، ولذلك كان هذا القيد مهماً، وكل القيود التي تدخل على هذه الإطلاقات يجب اعتبارها؛ فالنبي ﵊ يقول: (فسلطه على هلكته في الحق) فتخلص هذا الرجل من شح نفسه، فلم ينفق ماله ديناراً ديناراً إنما تسلط عليه، فتستشعر من لفظة (سلط) هذه التي وردت في الحديث أن الرجل عنده نهمٌ شديدٌ في الإنفاق، واستخدم أيضاً الإهلاك بديلاً عن الإنفاق ليدلك على مدى الشراهة في إنفاق المال.
ولكن القاعدة التي يرتكز عليها من أراد أن يفلح في إنفاقه للمال لابد أن يكون عنده علم، وهذا واضح جداً في قوله ﵌ في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ عند الترمذي وابن ماجة وأحمد قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه ويعلم أن لله فيه حقاً، فهذا بأعلى المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاًً، فيقول: لو أن عندي مثل ما عند فلان لفعلت مثل ما فعل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط به لا يرعى لله فيه حقاً ولا يؤدي ما عليه، ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يتمنى أن يكون مثله، فهما في الوزر سواء).
ما الذي فرَّق بين المنزلتين؟ العلم، فالرجل الأول: آتاه الله مالاً وعلماً فهذا بأعلى المنازل.
والرجل الثاني: آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهذا في ثاني المنازل.
أما الثالث: فرجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط.
والذي دونه يتمنى أن يكون كالثالث فهما في الوزر سواء، فالذي فرق بين هؤلاء الرجال هو العلم وليس المال.
لأن الرجل العالم إذا رزقه الله تعالى المال علم أين يضع هذا المال، بخلاف الجاهل إذا آتاه الله المال يخبط ليس عنده نور، ما فلا يضعه فيما يريده الله، فلو فرضنا أنه صرفه في شيء مباح فقد يكون هناك مصرف أولى من هذا المصرف الذي وضع فيه المال.
فمثلاً: عرض عليه رجل يحتاج إلى أكل وإلا مات، ومسجد يحتاج فرشاً، فتراه لجهله يتبرع أو يخرج المال للمسجد ويترك أخاه يموت من الجوع، فأنا أضرب الآن المثل بطاعتين يتقرب إلى الله بهما: تنظيف المساجد، وإطعام الطعام، أيهما أعظم عند الله؟ بطبيعة الحال فإن الحفاظ على حياة المسلم أولى وأحب إلى الله، لكنه لأنه جاهل ظن أنه لو وضع ماله في أي مكان استوى كل ذلك، فالعلم هو الذي يميز في هذه المسائل، إنك لا تستطيع أن تبذل مالك لجميع الناس فتوخى به أهل الحق، ومصادر الحق.
فالذي آتاه الله ﵎ المال بجانب العلم كركيزة رئيسية هذا هو السعيد، وهذا هو الذي تَبوَّأ أعلى المنازل، والرجل الثاني الذي آتاه الله ﵎ العلم دون المال، فيقول: لو أن عندي مثل ما عند فلان لفعلت مثل ما فعل فهما في الأجر سواء.
ففائدة العلم هنا أنه صحح له النية، وتعلم من هذا العلم كيف يعقد النية؛ لذلك أصاب الأجر بغير أن يكون عنده مال، إنما الآخر جاهل؛ لأن الركيزة الأساسية التي يجب أن يرتكز عليها غير موجودة وهي العلم، فلا يستطيع أن يعقد النية، بخلاف العالم فيعقد النية فيأخذ الأجر، حتى بغير أن يتمكن من الإنفاق الذي غبط صاحبه لأجله.
стр. 1596
حصول الأجر بانعقاد النية ولو لم يصاحبها عمل
ويرد هنا سؤال وهو: كيف نوفق بين هذا الحديث، وبين قوله ﵌ في الحديث القدسي الذي رواه البخاري من حديث ابن عباس: (إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة، فإن عملها فاكتبوها عشراً، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة، فإن عملها فاكتبوها سيئة واحدة)، فالرجل الرابع لم يؤته الله مالاً ولا علماً، لكنه تمنى أن يكون بمنزلة الثالث فهما في الوزر سواء برغم أنه لم يعمل شيئاً، مجرد لكنه هَمَّ ولم يفعل، وتمنى أن يكون له مثل مال هذا الرجل فهما في الوزر سواء، إذاً كيف يستقيم هذا مع قوله ﵎ في الحديث القدسي: (وإذا هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة له) كيف هذا؟ هنا مسألة مهمة جداً وهي التي تخرجنا من هذا الإشكال وهي: أن عقد القلب عمل، فالبعض يتصور أن الفعل لا يكون إلا بالجوارح كما في قوله ﵌: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به).
فدل على أن العمل يكون باللسان أو بالجوارح، ولذلك يغفر الله ﵎ للعبد الهواجس التي تدور في صدره، كما في صحيح البخاري ومسلم أو في صحيح مسلم (أنهم قالوا: يا رسول الله! إن الرجل يدور في صدره الكلمة لئن يخر من السماء أحب إليه من أن يتلفظ بها) أي: أشياء تتعلق بذات الله ﵎، وفي الصحيحين: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: هذا الله خلق الخلق! فمن خلق الله؟!) أي: خلق الله كذا كذا وخلق السماوات وخلق الأرض وخلق الإنسان فيلقي الشيطان اللعين في نفوسهم -بعد هذا- فمن خلق الله؟! فبعض الناس قد يتردد في صدره أشياء لو تلفظ بها لأن يخر من السماء على أم رأسه أهون عليه من أن يتكلم بها، فقالوا هذا للنبي ﵊ فقال: (أوقد وجدتموه، ذاك صريح الإيمان) أي أن هذا يدل على الإيمان؛ لأن الذي حجزك أن تتلفظ بهذا اللفظ إنما هو الإيمان، وفي بعض طرق هذا الحديث قال النبي ﵊: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) فأنت لم تتكلم به إنما رد كيده إلى الوسوسة.
فمثل هذه الهواجس التي قد تتوارد في صدر العبد بقتل إنسان أو بفعل فاحشة أو نحو ذلك -مجرد أنها تدور فقط في الصدر- من رحمة الله ﵎ أنه تجاوز لهذه الأمة عنها، فلا يؤاخذ العبد بها إلا إذا تكلم بها أو فعل إما بلسان أو بجارحة.
فبعض الناس يتصور أن العمل لا يكون إلا باللسان أو بالجوارح، ونسي أن عقد القلب عمل، بمعنى أنه إذا انعقد القلب على شيء صار كالعمل.
فأنتم ترون الكفر محله القلب، هل العبد لا يؤاخذ على الكفر؟ إنه لم يتكلم به ولم يفعل شيئاً بمقتضى هذا الكفر لكن انعقد قلبه عليه، فهل يقال: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به، المقصود بالعمل يعني عمل الجوارح؟ لا.
فليس هذا هو المقصود.
وفي هذا الحديث قوله: (ما لم تعمل به) دخل فيه عقد القلب؛ لأن الرياء والسمعة والعجب وهذه الصفات محلها القلب وقد لا يظهر مقتضاها على الجوارح أو اللسان.
لذلك لا نرى تعارضاً لهذا التفسير ما بين قوله: (فهما في الوزر سواء) في هذا الحديث ولا بين: (وإذا هم بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة) لأن هذا الحديث (ومن هم بسيئة فلم يعملها) دل على أنه يستطيع أن يعملها، والعبد قد يترك السيئة إما لخشية الله ﵎، وقد ورد هذا صريحاً في بعض طرق الحديث عند أحمد قال: (وإذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة، فإنه تركها من أجلي) فدل على أنه تمكن من فعل السيئة ولكن تذكر الله ﵎ فخشيه ونزع عنها.
كقصة أصحاب الغار والرجل الذي قعد من المرأة مقعد الرجل من زوجته، وهمَّ بها، لكنها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام وهو قادر على أن يفعل ذلك، فهذا تكتب له حسنة كاملة.
فأنت تلاحظ هنا: (إذا هم عبدي بحسنة فلم يعملها؛ فاكتبوها حسنة كاملة، وإذا هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة كاملة) رأيت المقارنة بين الفعلين: هذا همَّ بسيئة وذاك همَّ بحسنة، فهذا أخذ حسنة كاملة، وذاك أخذ حسنة كاملة، لأن الأول: الدافع له حسن، هم بحسنة، فالدافع الذي دفعه محمود فيجازى بجنس المحمود وإن لم يفعله، والثاني: الدافع الذي دفعه وهو دافع السيئة دافع شيطاني، لكن المانع الذي منعه مانع محمود متعلق بالخشية؛ لذلك قال الله : (فاكتبوها له حسنة كاملة)، هذا الوجه الأول في ترك السيئة.
الوجه الثاني: لو أنه ترك السيئة؛ لأنه لم يقدر عليها، فهذا لا يكتب له شيء، ولا يكتب عليه شيء.
وبذلك نقول: الذي يدع السيئة لله ﵎ هذا يأخذ حسنة كاملة، كالذي يهم بالحسنة ولا يفعلها، فإن لم يفعلها لأنه لم يمكن من فعلها؛ فلا يكتب له شيء ولا يكتب عليه شيء؛ لأن الله تباك وتعالى لا يجازي العبد إلا بعد اقترافه السيئة.
وانظر إلى البديع في قوله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى:٤٠] جزاء سيئة سيئة، مع أنه قد يتبادر إلى الذهن أن جزاء السيئة عقوبة، لكن الجزاء يكون من جنس العمل، جزاء سيئة سيئة، أي: إذا وقعت منه السيئة فجزاؤه سيئة السيئة التي اقترفها.
أما الذي تمنى في حديث أبي كبشة الأنماري: (ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله لا يتقي الله ﵎ فيه، ولا يؤدي الحق الذي عليه) ورجلٌ رابع لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فتمنى أن يكون له مثل هذا الذي يخبط فهما في الوزر سواء؛ لأن قلبه انعقد، والإرادة الجازمة إذا صادفت انعقاد القلب صارت كالعمل الفعلي، لذلك فالنبي ﵊ قال: (هما في الوزر سواء) كما قال في سابقيه: (فهما في الأجر سواء)، وهذا من سماحة الشريعة.
ففي أحاديث كثيرة يحصل العبد بنيته مثل ما يحصله صاحب العلم أو صاحب المال، كقوله ﷺ في الصحيحين: (إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب الله له من العمل ما كان يعمله مقيماً صحيحاً) وهذا من أجمل الأحاديث ومن أكثرها بشرى.
فلو كنت مثلاً: تقوم الليل أو تصوم التطوع فمرضت ولم تستطع أن تفعل هذه الطاعات أو تصل رحمك أو تمشي في فعل الخيرات كل طاعة كنت تفعلها وأنت صحيح وأنت في الحضر فعرض لك عارض إما مرض أو سفر يعطيك الله ﵎ من الأجر كما لو كنت تفعله.
إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر ما كان يعمله صحيحاً مقيماً، وهذا من تمام رحمة الله ﵎ لهذه الأمة ومضاعفة الثواب لها، برغم أنها لم تعمل، لكن هذا الحديث منوط بالذي يعمل، فلو أن رجلاً لم يكن من دأبه الحرص على هذه الطاعات ومرض، لا يكتب له أجر الذي كان يقوم ويصوم ثم يمرض؛ لأن الأول متكاسل فلا يؤجر في حال العجز عن كسله في حال القدرة، بخلاف الذي منعه مرض، وكان في حال القدرة يفعل، ففي حال العجز الله ﵎ أكرم، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن الله ليحفظ عبده المؤمن) قالها لما أراد المشركون أن يقطعوا رأس عاصم بن ثابت الأنصاري الذي قتلوه في وقعة القراء المشهورة.
فـ عاصم لما قالوا له: انزل على العهد والميثاق؛ قال: إنه لا ذمة لكافر، وأبى أن يسلم لهم، وأبى أن يضع يده في يد مشرك فقتلوه، فلما أرادوا أن يقطعوا رأسه ويأخذوه كبرهان أنهم ثأروا؛ لأن هذه الواقعة كانت بعد موقعة بدر، وقد قتل صناديد المشركين ورءوسهم، فأرادوا أن يأخذوا رأس عاصم بن ثابت الأنصاري برهاناً على الثأر والانتقام، فلما أبى أن يضع يده في أيديهم وقتلوه أرادوا أن يفصلوا رأسه عن بدنه، فأرسل الله عليه الدبر -الذي هو النحل- فقالوا: نأتي بالليل؛ لأنه بالليل ينصرف النحل إلى بيوته، فقال بعض الذين رأوا عاصم بن ثابت: فلقد رأيت جثته ترتفع بين السماء والأرض، فعلق عمر بن الخطاب ﵁ على هذا فقال: (إن الله ليحفظ عبده المؤمن)؛ لأن عاصم بن ثابت الأنصاري أبى أن يضع يده في يد مشرك، وهو حي.
فالله ﵎ لم يمكن المشركين أن يفعلوا به وهو ميت ما أبى أن يفعلوه معه وهو حي إكراماً له.
فالله ﵎ إكراماً منه ولطفاً يعطي العبد وهو مريض أو مسافر ما كان يداوم عليه وهو صحيح في الحضر.
وهناك عشرات الأحاديث التي تدل على أن المرء بالنية يستطيع أن يحصِّل الأجر كما قال ﵊: (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا) برغم أن الغازي المجاهد في سبيل الله ﵎ الذي يرى بارقة السيوف على رأسه لا يستوي مع القاعد، لكن القاعد حصَّل نفس الأجر، لماذا؟ لأن هذا الذي تخلف عن الغزو يقيناً له عذر، لعله من أولي الضرر مثلاً، فالذي حبسه هو العذر، كما قال ﵊: (ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً -قال هذا لأصحابه وهم يغزون في سبيل الله- إلا كان أقوام في المدينة يأخذون مثل أجوركم، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم، وهم بالمدينة، حبسهم العذر).
فهذا بنيته وبتطلعه إلى فعل هذا الخير يأخذ مثل أجر من فعله، والنبي ﵊ يقول في حديث أبي كبشة الأنماري عن هؤلاء الأربعة على الاثنين الأولين: (فهما في الأجر سواء) وعلى الاثنين الآخرين: (فهما في الوزر سواء) كلمه سواء: هذه تدل على المساواة، والفارق بين هذين الاثنين وبين الآخرين هو العلم.
стр. 1597
ضرورة المبادرة إلى طلب العلم قبل الاشتغال بغيره
يقول عمر بن الخطاب ﵁ فيما رواه عنه ابن أبي شيبة والدارمي وغيرهما بسندٍ صحيح: (تفقهوا قبل أن تسودوا) وهذا الأثر ذكره البخاري بغير إسناد في صحيحه كمقدمة لحديث ابن مسعود: (لا حسد إلا في اثنتين) فقال أبو عبد الله البخاري: وبعد أن تسودوا.
ما هي الحكمة من ذكر البخاري ﵀ لهذه الجملة؟ حتى يبين أن قول عمر بن الخطاب ﵁ لا مفهوم له، ما هو معنى: لا مفهوم له؟ أي: حتى لا يتصور أحد أن عمر بن الخطاب ﵁ يقول: تفقهوا قبل أن تسودوا، أي: قَصَرَ الفقه على ما قبل السيادة، حتى لا يتوهم أحد أنه إذا صار سيداً لا يتفقه.
وهذا ما يقول فيه العلماء في دلالة المفهوم: أنه خرج مخرج الغالب، فإذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ما معنى هذا؟ ليتضح المقصود نضرب مثلاً بقوله : ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فهل يفهم أنه يجوز أن نأكل الربا ضعفاً واحداً؟ لا.
وإن كان هناك من الناس من فهم هذا وصرح به ممن يدعون العلم، وصرح به على صفحات الصحف قال: إن الربا الذي نهى الله عنه هو الربا المركب، إنما الربا البسيط لم ينه عنه بدليل قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فلم ينه الله أن يأكل المرء في الربا ضعفاً واحداً، إنما الذي نهى الله عنه في الربا المركب أضعافاً مضاعفة.
فالعلماء يقولون: هذا خرج مخرج الغالب للوصف الذي كانت قريش تتعامل به، وهذا يشبه لو أنني قلت لك: إياك أن تفسق في الحرم! فهل يجوز لك إذا خرجت خارج الحرم أن تفسق؟
الجواب
لا.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] أيجوز في غير الحج الرفث والفسوق والجدال؟ إنما خرجت هذه الآية لشيء غالب على تصرفاتهم، كما لو قلت لك: لا تقتل أخاك بالسكين، فهل يجوز أن تقتله بعصا أو بحجرٍ أو بصخرة؟ فالله ﵎ عندما قال: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] يشير إلى ما كانت قريش تفعله حقيقة: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ليس معنى هذا أنه أباح لهم أن يأكلوا الربا ضعفاً أو نصف ضعف، إنما نبه على شيء غالب كانوا يفعلونه.
فإذا خرج الكلام مخرج الغالب على فعلهم فلا نستطيع أن نقول له: مفهوم، كذلك قول الله ﵎: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]، فهب أنهن لم يردن تحصناً؛ أيجوز أن نتركهن إن أردن البغاء؟ لا يجوز طبعاً، فهذه الآية كما يقول الحافظ ابن كثير: خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣].
فالذي يخرج مخرج الغالب لا يكون له مفهوم، من أجل ذلك خشي الإمام البخاري أن يتصور بعض الناس أن مقصود عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: (تفقهوا قبل أن تسودوا) أن يفهم منه أنه بعد أن يسود لا يتفقه؛ لذلك قال: وبعد أن تسودوا، حتى يبين أنها ليس لها هذا المفهوم الذي قد يتبادر إلى البعض.
فالإمام البخاري قدم بأثر عمر ﵁ لحديث ابن مسعود: (لا حسد إلا في اثنتين) للدلالة على أن من ثمرات العلم السيادة؛ لذلك قال: تفقه قبل أن تصير سيداً؛ لأنك إذا صرت سيداً فغير ممكن أن تقعد في صفوف المتعلمين.
لذلك قال الإمام الشافعي: إذا تصدر الحدث فاته علم كثير والحدث: الصغير الذي لم يجمع العلم، إذا تصدر وصار رئيساً فقد فاته علم كثير؛ لأن هذه الصدارة وهذه السيادة تمنعه كبراً أن يقعد في صفوف المتعلمين فيتعلم، فالإمام البخاري من وجهة نظر ابن المنير السكندري في كتابه العظيم (المتواري على تراجم أبواب البخاري) يربط ما بين الحديث وما بين الترجمة التي كتبها؛ لأنه أحياناً يكون في العلاقة بين الترجمة وبين الحديث خفاء وغموض.
كجواز التمندل أي: أن تنشف أعضاء الوضوء بعد الوضوء، فالإمام البخاري أراد أن يحتج لجواز هذا الفعل بحديث ميمونة ﵂ أن النبي ﵌: (توضأ فدفعت إليه المنديل فرده) فالعلاقة هنا خفية؛ لأن الحديث واضح في أن الرسول ﵊ رد المنديل لم يأخذه منها فلم يتنشف، فكيف يحتج البخاري على جواز التنشيف بحديث ظاهره عدم التنشيف، فهنا نجد خفاءً وغموضاً ما بين الترجمة التي كتبها البخاري وما بين الحديث الذي احتج به.
فالعلماء يعملون أفكارهم، في وجه العلاقة بين هذه الترجمة وبين الحديث؟ فيقول مثلاً الإمام ابن بطال ﵀ أحد شراح البخاري يقول: في هذا دليل على جواز التنشيف كما أراده البخاري؛ لأن النبي ﵌ لو كان من عادته عدم التنشيف لما دفعت إليه المنديل، فانظر إلى الذكاء، فكونها دفعت إليه المنديل دل على أنه يتنشف لكن الأفضل عدم التنشف، فدل على أن الأغلب من فعله ﵌ أنه لا يتنشف بعد الوضوء، لكن في الحديث جواز التنشيف.
فالأئمة ينظرون في ترجمة الإمام البخاري على الباب وينظرون ما العلاقة بين ما استنبطه الإمام البخاري وبين حديث الباب، فكتب ابن المنير السكندري هذا الكتاب الرائع والذي نقله الحافظ ابن حجر برمته في فتح الباري، وأحياناً كان بعض الأئمة يعترضون على ابن المنير في بعض استنباطاته، كما اعترضوا عليه في حديث ابن مسعود الذي نحن بصدده.
فـ ابن المنير السكندري يرى أن الإمام البخاري وضع أثر عمر بن الخطاب قبل حديث ابن مسعود: (لا حسد إلا في اثنتين) فيقول: لأن السيادة من أثر العلم، فإذا رأى الناس رجلاً سيداً حسدوه، وإنما ساد في الناس بالعلم إذاً لا حسد إلا في العلم، هذا ما استنبطه ابن المنير السكندري.
فالحافظ ابن حجر قال: كذا قال، وهذه العبارة يذكرها العلماء من باب الاعتراض، لكنه اعتراض مهذب، دون أن يهجم عليه بغير أدب، أو يقول: هذا خطأ وهذا جهل وهذا ضلال وهذا، فإذا قال العالم هذه العبارة -كذا قال- عُلم أنه معترض على ما قد قيل، وهو اصطلاح موجود عند أهل العلم، لكنه اصطلاح رقيق إما أن يكون غير موافق على قوله بجملته أو على بعض قوله.
فالحافظ ابن حجر لم يرتض ما استظهره ابن المنير السكندري واستظهر شيئاً آخر وقال: إنما أراد أن المال إنما يحسد صاحبه، عندما يصير الرجل سيداً بالعلم والمال معاً، فالحافظ ابن حجر قال: إنما يصير سيداً بالعلم والمال معاً، ثم يرتكز على العلم.
واستدل بحديث أبي كبشة الأنماري الذي ذكرت: رجل آتاه الله مالاً وعلماً هذا بأعلى المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهذا بثاني المنازل، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط.
إذاً: المال وحده لا يؤدي إلى السيادة ما لم يقترن معه العلم، وهذا فهم رائع من الحافظ ابن حجر، دله عليه حديث أبي كبشة الأنماري فكيف يستطيع هذا الرجل صاحب المال أن يسلط ماله على هلكته في الحق إلا إذا كان عالماً، على الأقل بموضع الإنفاق.
لا نقول: يجب أن يكون عالماً بكل شيء، بل أن يكون عالماً بالموضع الذي ينفق فيه ماله، فلا يحسد صاحب المال إلا إذا سبقه علمه، بدلالة حديث أبي كبشة الأنماري؛ لأن الذي يؤتيه الله المال فقط بغير علم قال ﵊: (فهو يخبط) والرجل الثاني آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهذا بثاني المنازل يعني في الفضل، فدل على أن العلم يجب أن يكون ركيزة.
فصاحب المال لا يحسد إلا إذا انضم العلم أيضاً إلى المال، وهذا فهم رائع جداً من الحافظ ابن حجر جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان في الصحيحين، لما خطب على المنبر وقال: (أيها الناس! أين علماؤكم؟! فإني سمعت النبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين).
وبدلالة مفهوم المخالفة: ومن لم يرد به خيراً لا يفقه في الدين، وهذا مفهوم صحيح؛ لأن الرجل إذا علم علوم الأرض كلها وجهل العلم الذي يوصله إلى الله ﵎ يكون من أخسر الخلق.
стр. 1598
آفة العلم عدم الاستفادة منه في عمل الآخرة
أما هؤلاء الذين صعدوا إلى القمر وصنعوا المركبات الفضائية واكتشفوا الجاذبية الأرضية واكتشفوا المصباح الكهربائي والتلفون والتلكس وهذه الأشياء كلها، الواحد منهم لو مات على كفره لا يساوي عند الله جناح بعوضة، يُذكر في الأرض كلها وهو من أهل النار، إذا مدحه جميع الخلق وكان من أهل النار ما يفيده مدح هؤلاء؛ لذلك فالعلم الذي يوصلك إلى الله ﵎ هو العلم، لو قابلت وجه ربك ﵎ وأنت تعلم الطريق إليه وصححت هذا الطريق بالعلم، وجهلت كل مناحي الحياة ما خسرت شيئاً، ولذلك النبي ﵊ قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين).
فمن هداية العلم أنك تبصر موضع قدمك؛ لذلك كان عذاب الذي يؤتيه الله العلم فيصير به كالجاهل يخبط عذاباً أليماً؛ لأنه لم يستعمل أجل نعم الله على الخلق، كما قال القائل: كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل عيباً أن يتبرأ منه من هو فيه.
لو مدحت أي إنسان بأنه عالم وفقيه ينتشي ويغتبط، بخلاف ما إذا وصفته بالجهل، فإنه لا يقبل مع أنه جاهل، لكنه لا يقبل، فكفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس منه أهله وكفى بالجهل ذلاً وعيباً أن يتنصل منه من هو فيه.
فالذي يعطيه الله ﵎ هذه الآلة وهذه النعمة ولا يستعملها يعذب عذاباً أليماً، كما في البخاري: (يؤتى بالعالم يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه من دبره -يعني: أمعاءه- فيدور حولها كحمار الرحى، فيقول له أهل النار: يا فلان! أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ -في الدنيا-، قال: نعم، كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).
فمن يعطيه الله أجل النعم؛ -وهو العلم- ولا يستعمله في حقه فهذا عقابه (تندلق أقتابه من دبره، فيدور حولها كحمار الرحى، فيقول له أهل النار: يا فلان! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).
لذلك قال الله : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] كبر مقتاً: أي هذا من أعظم المقت عند الله ﵎، كما قال ﵎: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، وفي الحديث الحسن المرفوع: (مثل الذي يأمر الناس بالمعروف ولا يأتمر به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه) وهذا من أجمل التشبيهات وأقواها.
فالذي يقدم المعروف ولا يتأسى به كمثل الشمعة أو السراج يضيء للناس الطريق لكنه يحرق نفسه وهو لا يدري، فالذي يؤتيه الله ﵎ العلم ثم يرزقه العمل بهذا العلم هو الذي يستحق الحسد، وهذا قيد مهم، ورد فيه قوله ﵌: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس) أي: يعمل بها، وفي نفس الوقت يعلمها الناس.
стр. 1599
العلم شجرة والعمل ثمرة
إن الذي يستحق الحسد ليس هو الذي يتكلم فقط بل الذي يقرن إلى القول العمل، فهذا شرط، وإلا فالذي يتكلم بغير أن يعمل هذا لا يحسد، يحسد على ماذا؟ وقد رأينا أنه تندلق أقتابه من دبره، فهو متعرض لمقت الله : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٣] فعلى أي شيء يحسد؟ إنما يحسد الذي يصبر على العمل، والذي يريد أن يجرب نفسه هل هو من الصابرين أم لا، فلينظر هل هو يصبر على طاعة الله ، فهذه أول منازل الصابرين، الذي يصبر على الطاعة كما قال الحسن البصري ﵀، الذي قال فيه بعض العلماء كلامه يشبه كلام الأنبياء من حلاوته وطلاوته، يقول: (يا ابن آدم تركك للمعصية أهون من طلب التوبة) انظر الكلام الجميل، إذا كنت تبحث عن الأهون، لماذا؟ لأنك عند طلبك للتوبة لا تدري أيتجاوز الله عنك أم يأخذك بهذه السيئة، فأنت محتار هل قَبِلَ الله توبتك أم ردها عليك، في حين أنك لو تجنبت المعصية لم تدخل في هذه الحسبة.
يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧] * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨] * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٥٩] * ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت عائشة: (يا رسول الله! أهذا في الزاني يزني والسارق يسرق: أي: يفعل الفعل وهو خائف من الله؛ لأن مرده إلى الله (أنهم إلى الله راجعون) أي لأنهم سيرجعون إلى الله، قال: لا يا ابنة الصديق، هؤلاء أقوام يصلون ويزكون ويتصدقون، ويخشون أن لا يتقبل منهم) فإذا كان العبد الصالح وهو يقدم الإحسان ويفعل المعروف وجل وخائف أن ترد عليه طاعته، فما بالك بالذي ارتكب المعصية، ما يدري هل يأخذه الله ﵎ بهذه المعصية أم يتوب عليه، يضل دائماً قلقاً، لذلك فإن تَرْك المعصية أخف من طلب التوبة.
فالذي يقرن العمل بالقول هذا هو الذي يحسد عليه صاحبه، وهذا القيد مهم؛ لأن في بعض الأحاديث لم يرد (يقضي بها)؛ لذلك كان العلماء يحضون الذي يريد أن يستخرج معنى من المعاني أن يجمع جميع طرق الحديث وجميع ألفاظ الحديث، فيضم بعضها إلى بعض ثم يخرج بالمعنى المتكامل، وإلا ففي بعض الأحاديث ترى التنبيه على جزئية، وفي الحديث الآخر يكون التنبيه على جزئية ثانية، فإذا ضممت الحديثين إلى بعض اكتمل لك المعنى.
فالذي يستحق الحسد هو الذي يعمل بما يعلم، ومن أزكى الثمرات التي تعود على صاحب العلم الذي يستحق الحسد، أن يكون عالماً بموضع قدمه، فلا يضخم ما ليس بضخم، ولا يصغر ما هو ضخم، وهذه الحقيقة من أهم العوامل التي أدت إلى انقسام المسلمين في الفهم، فترى بعضهم يتعامل مع الفروع كما لو كان يتعامل مع الأصول الجسيمة، فإذا رأى أحداً يحرك إصبعه يصل به الحال إلى ما لا يخطر ببال، وهذا حدث في أفغانستان؛ لأن أغلب الأفغان أحناف في الفروع، وهناك فتوى عند الأحناف أن هذه الحركة تبطل الصلاة، فواحد صلى وحرك إصبعه، فبعد أن انتهى من الصلاة قام الذي يصلي بجانبه يقول له: السلام عليكم وكسر له إصبعه.
وكأنه لا ندري ما معنى السلام عليكم، لأن السلام يعني أن لا تمسه بسوء هذه معنى السلام عليكم، ولكن صار التسليم تسليماً أجوف، بحيث أنه يخرج من الصلاة بغير أن يفقه معنى السلام عليكم.
كما أن كثيراً من المسلمين لا يفقهون معنى الله أكبر إذا نادى بها المؤذن، فإن معنى هذه الكلمة العظيمة (الله أكبر) أي: أكبر مما في يديك، إن كنت تعمل فالله أكبر من عملك، إن كنت تكتب فالله أكبر من كتابتك، إن كنت تفعل أي شيء فالله أكبر من ذلك الشيء، فيجب عليك أن تتوجه إلى الأكبر.
لذلك كان بعض الصحابة إذا سمع (الله أكبر) وهو يطرق الحديد، فإنه يرمي بالمطرقة وهفي في الهواء ولا ينزل بها على حديدته، مع أنه لا بد أن ينزلها، لكن هناك فرق بين أن ينزل فيطرق بها وهذا من جنس عمله، أو أن يرمي بها عندما يسمع الآذان.
كذلك اجتماع المسلمين في الصلوات الخمس ما استفادوا بهذا الاجتماع شيئاً، وفي هذا المعسكر ربما نقعد أسبوعاً ونصلي الصلوات الخمس في جماعة، وأنا أؤكد أنه بعد الانصراف منه يوجد بعض الإخوة لا يعرف بعضاً لا اسماً ولا مسمىً، وتجد الواحد بجانب أخيه في المسجد منذ خمس سنوات، ومع ذلك لا يعرف اسمه ولا يعرف بيته، وإذا غاب سنة لا يسأل عنه.
يوجد عندنا في مسجد الجامعة الشرعية رجل كان يصلي بل من أوتاد المسجد كما يقولون، وغاب فترة ثلاثة شهور أو أربعة، فجرى حديث مع بعض رواد المسجد فقال أحدهم: فلان الله يرحمه فقال له آخر: أوقد مات؟ قال له: نعم مات، ولا حول ولا قوه إلا بالله، فقال له: والله ما أعرف، وقد يكون صلى بجانبه أربع سنوات، ثم هو لا يعرف عنه إذا غاب ولماذا غاب؟ الصحابة لم يكونوا كذلك؛ وهذا هو الفرق في ثمرة العلم، ليس الفقيه هو الذي يجمع الفقه النظري، إنما الفقيه فقيه النفس، كما قال ﵊: (رب مبلغ أوعى من فقيه)؛ لأن الفقه فقه النفس، ففي وقتنا الحاضر يظل الرجل بجانب أخيه تلتصق قدمه بقدمه وكتفه بكتفه في الصلوات الخمس وإذا غاب لا ينزعج أنه غاب، ولا يشعر أنه افتقد شيئاً، بخلاف الصحابة الذين كانوا إذا غاب أحدهم يسألون: لم غاب فلان؟ لأن هذا السؤال فرع عن المحبة القلبية الحقيقية، والتي هي أيضاً فرع عن العلم النافع، فإذا غاب أحدهم يسأل عنه إخوانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، ويقولون في الأمثال إذا الواحد انزعج فإنما يقول: أخ، وذلك لقرب الأخ منه، لكن لأننا لم نحقق هذا العلم على المستوى الواقعي ليس له ظل حقيقي، فصار هذا العلم وجوده كعدمه.
لما اختلف عبادة بن الصامت ﵁ مع معاوية بن أبي سفيان -وكان هو الأمير- في مسألة الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد، فـ معاوية ﵁ لم يكن بلغه الحديث فكان يقول: لا بأس، فنبهه عبادة بن الصامت أن هناك حديثاً بخلاف ما يقول، فلأمر ما أو لفهم ما خالف معاوية ﵁ ظاهر الحديث وقال: لا أرى بأساً، فقال عبادة: أقول: قال النبي ﵌ وتقول: لا أرى بأساً، لا ساكنتك في أرض، وأخذ عياله ومتاعه وركب وخرج من الشام إلى المدينة المنورة.
انظر حساسية الصحابة من مخالفة النبي ﵊، يترك الدار والوطن غيرة لله، فذهب يصلي الفجر فرآه عمر بن الخطاب ﵁ في المدينة، وعمر آنذاك يعرف من في المدينة فرداً فرداً.
فبمجرد ما رأى عبادة قال: ما جاء بك يا أبا محمد، فهو يعلم أين خرج عبادة وغيره من الصحابة رغم أنهم كانوا بالألوف، قال أبو زرعة الرازي: حج مع النبي ﵌ مائه ألف في حجة الوداع، فمن تفرق في الأمصار كان عمر بن الخطاب ﵁ يعرفه، فإذا جاء أحدهم علم أن هذا قادم من سفر.
قال عبادة لـ عمر بن الخطاب: قد كان بيني وبين معاوية كيت وكيت.
فقال عمر: (قبح الله أرضاً لست فيها وأمثالك يا أبا محمد، ارجع إلى معاوية فأحمله على هذا فإنه الأمر) أي: ما قلته هو الصواب، ورجع عبادة بن الصامت.
ويؤثر أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ افتقد رجلاً فذهب فسأل عنه، فقالوا: هو مريض، فذهب إليه، فلما قرع الباب قال: من؟ قال: عمر بن الخطاب، فقفز الرجل وفتح له الباب.
فقال له: عجبت لك يناديك الله ﵎ من فوق سبع سماوات (الله أكبر) فلا تجيبه، ويناديك عمر بن الخطاب فتجيبه.
ما يفوته أن يلفت نظره برفق إلى هذا المعنى، وإنما ورثوا مثل هذا عن النبي ﵊ معلم الإنسانية الخير، فإنه كما في الصحيحين افتقد ثابت بن قيس الأنصاري، قال: أين ثابت؟ فقال جارٌ له: ليس بمريض، يعني لفت نظره أن ثابتاً غير موجود، فأرسل من ينظر هل هو مريض أم لا، فلما ذهب إليه وجده في الدار يبكي، فلما سأله عن ذلك وكان رفيع الصوت، أي: إذا تكلم كان صوته عالياً، فكان يرفع صوته بطبيعته عندما يتكلم، فلما نزل قول الله : ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢] فظن أن عمله حبط لمجرد أنه كان يرفع صوته عند النبي ﵊، فاعتقد في نفسه أنه من أهل النار وأن عمله قد حبط، فقعد في داره يبكي.
فلما رجع الرسول قال: (يا رسول الله! إنه في بيته يبكي، ويقول: إنه من أهل النار؛ لأنه كان يرفع صوته بين يديك، قال: لا، بل هو من أهل الجنة)، قال أنس راوي الحديث: فكان يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة.
فمثل هذه الثمرة لا يستحق المرء أن يقطفها إلا إن كان فقيه النفس، وفقه النفس لا يحصله المرء إلا بعد أن يصل إلى العلم، وأعظم الثمار هي الثمار العملية، وآخر شيء في المسألة كلها أنك تقطف الثمرة.
فهذا هو الذي يستحق الحسد، لا الذي يجمع العلم من أطرافه، وإذا تكلم لا يستطيع أحد أن يجادله؛ لما أوتي من البيان والجدل، ليس هذا بعالم، فمثل هذا الطراز تسجر به نار الجحيم.
ذكر الذهبي في الميزان في ترجمة بعض العلماء ولا أحب ذكر اسم هذا العالم ستراً عليه، وهذا من أضلع العلماء في علم أصول الفقه، و
стр. 1600
البدعة وأثرها في تأسيس محنة المسلمين
الفتن والمصائب التي ألمت بالمسلمين هي بسبب بعد الأمة الإسلامية عن كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، وتبنيها منهج أهل البدع والخرافات مقابل المنهج السوي الذي لا يعتريه زيادة ولا نقصان؛ فقد نهج أهل البدع إلى تحكيم العقل وجعله قاضياً على الكتاب والسنة، فأدى ذلك إلى الطعن في آيات القرآن، والرد على أحاديث النبي ﵊ فماذا بقي لنا بعد هذا؟!
стр. 1601
محاربة النبي ﷺ للبدع قولاً وعملاً
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
أيها الكرام! تعلمون أن الله خصص اتباع نبيه ﵌، فقال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
وقال ﵎: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
والاتباع دليل على الحب، لقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١].
وأعظم مناقض للاتباع هو الابتداع.
ولذلك قاومه الرسول ﵊ في حياته قولاً وعملاً.
فأما قولاً: فقد كان ﷺ يخطب في أصحابه كخطبة الحاجة، ويحذرهم من محدثات الأمور، ولما جاء نفرٌ إلى أبياته ﷺ يسألون عن عبادته، وبعدما تقالوها، ووجدوا أن النبي ﵊ لا يصنع كبير شيءٍ، قال أحدهم: (أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء؛ فبلغ ذلك النبي ﷺ فأنكر ذلك وقال: من رغب عن سنتي فليس مني).
فالبدعة سببها الجهل، وكلما اقتربت من السلف الأول ابتعدت عن البدعة، وأنت تنظر إلى جميع المبتدعة ترى علمَهم بالسلف قليل، ولكن لهم سمتٌ عام وهو الجد في العبادة، ولذلك ينتفع بهم كثير من الذين لا يعلمون السنة، وأقرب مثلٍ أبدأ به حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، وهو حديث الإسلام والإيمان والإحسان.
وفي هذا الحديث: قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: خرجت أنا ويحيى بن يعمر حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ يحدثنا بما أحدثه معبد الجهني في القدر! فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفناه، فقلت: أبا عبد الرحمن! لقد ظهر قِبَلنا أناسٌ يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم- يعني أفاض في صفاتهم وفي مزاياهم- ولكنهم يقولون: إن الأمر أُنُف وأن لا قدر.
وعند ابن مندة في كتاب الإيمان: قال حميد بن عبد الرحمن الحميري: فقابلني عبد الله بن عمر وكان يعرفني، فسلم عليّ وسألني عن أهلي، فقلت له: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قِبَلنا ناسٌ يتقفرون العلم ويقرءون القرآن ويقولون: أن لا قدر، قال: فأرخى يده من يدي، وقال: (إذا لقيت هؤلاء فقل لهم: عبد الله بن عمر بريء منكم وأنتم بُرَآء منه، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لئن جاء أحدكم بأحُدٍ ذهباً، فلا يُقْبَل منه حتى يؤمن بالقدر).
فأنت تنظر أيها الأخ الكريم! يقرءون القرآن ويتقفرون العلم، ومع ذلك لم ينتفعوا بهذا العلم في درء البدعة والتمسك بالسنة.
لم يغتر عبد الله بن عمر بما ذُكِرَ من أوصاف؛ لأن الرسول ﵊ حذر منهم، كما في حديث الصحيحين: لما جاء ذو الخويصرة فقال للنبي ﷺ : (اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، قال: ويحك، ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا، خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل)، هكذا الرواية في الصحيحين وهي الأشهر، (خبتَ وخسرتَ)، و (خبتُ وخسرتُ) ظاهرة المعنى، لكن خبتَ وخسرتَ قد يستشكل على بعضهم هذا الفتح، ويقول: إذا جاز على النبي ﷺ ألا يعدل، فأي خيبة وخسران تعود على الرجل.
قال العلماء: (خبتَ وخسرتَ إن لم أعدل) معناها: أنك خبتَ وخسرتَ إذ ظننتَ أن نبيك لا يعدل.
وسوء الظن بالنبي كُفر، فخيبته وخسرانه لسوء ظنه في نبيه.
فأراد خالد بن الوليد أن يقتله، فقال ﵊: (دعوه، إنه يخرج من ضئضئ هذا أقوامٌ، يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتُهم لأقتلنهم قتل عاد).
الرسول ﵊ يقول هذا الكلام للعُبَّاد، يقوله: لـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ويقوله لـ عبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر، وابن مسعود وأبي عبيدة، هؤلاء السادة، تصوَّر عندما يحقر أبو بكر الصديق صلاته وقيامه في مقابل صلاة هؤلاء! إذاً: لك أن تتخيل كيف تكون صلاتهم؟! وكيف يكون صيامهم؟! وأعطيك مثلاً لبعض أكابر الصحابة وهو عبد الله بن عمرو بن العاص -كما في الصحيحين ومسند الإمام أحمد - قال: (زوجني أبي امرأةً ذات حسب من قريش، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص من المجدين في العبادة، فـ عمرو بن العاص يعلم حال ابنه، فخشي أن يكون قام الليل في ليلة عرسه وترك امرأته، وفعلاً كما توقع، قال: فذهب يسأل امرأتي -أي زوجة ابنه-: ما حال عبد الله معك؟ قالت: عبد الله نِعْم العبد لربه، غير أنه لم يعرف لنا فراشاً، ولم يفتش لنا كنفاً، قال عبد الله: فجاءني أبي فعزمني، وأنبني بلسانه، وقال: زوجتك امرأةً ذات حسب من قريشٍ فأعظلتها؟ قال عبد الله: وذلك لما كان لي من الشَّرَهِ في العبادة) عنده شَرَهٌ كبير للصلاة وللصيام.
وفي صحيح ابن حبان قال عبد الله بن عمرو: (جمعت القرآن على عهد النبي ﷺ ، فكنت أقوم به كل ليلة، فشكى عمرو بن العاص ابنه إلى النبي ﵊، فأرسل إليه، فقال: يا عبد الله! كيف تقرأ القرآن؟ قال: يا رسول الله! أقرؤه كل ليلة.
قال: كيف تصوم؟ قال: أصوم الدهر.
فجعل ينزل به إلى التيسير.
فقال له: صمْ يوماً وأفطرْ يوماً.
قال: أقدر.
قال له: اقرأ القرآن في أربعين.
قال: أقدر.
قال له: اقرأ القرآن في شهر.
قال: أقدر.
فلا زال النبي ﷺ يتدرج به).
فهذا من الشَّرَه في العبادة! فتصور عندما يقال لـ عبد الله بن عمرو بن العاص الذي يقرأ القرآن كل ليلة: إنك لا تقرأ! وهل هذه قراءة؟ لا تجتهد فهناك رجل من الخوارج هو أجد منك في العبادة والصوم، فالرسول ﵊ يقول هذا الكلام لهؤلاء الصحابة العُبَّاد: (يأتي أقوامٌ يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم).
فعندما تتأمل فهم الخوارج للقرآن تضرب بكفيك عجباً!
стр. 1602
بعض المفاهيم السيئة للقرآن عند المبتدعة
стр. 1603
مبتدع يزعم أن الله أرسل رسلاً إلى الصراصير والنمل والحشرات
إن الإنسان كلما ابتعد عن هدي القرون الثلاثة الأولى، أتى بضلالات، فثمَّ رجل مبتدع نشر مقالاً: فزعم أن الله أرسل إلى الصراصير رسولاً، وإلى النمل رسولاً، وإلى الحشرات رسولاً، كل طائفة لها رسول، ويقول: إن الله أخبرنا بذلك في القرآن، حسناً! أين هذا في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] فالنسور أمة، والصراصير أمة، والنمل أمة، والنحل أمة، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
انظر إلى الكلام: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] يعني: ما من أمةٍ إلا أرسلنا فيها نذيراً.
فهذا يدل على أنه ما من أمة من الأمم التي خلقها الله إلا أرسل فيها رسولاً.
والعلماء يقولون: إن نزع الكلام من السياق جريمة في حق المعنى.
стр. 1604
مبتدع يزعم أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان
هذا رجل قال: إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨]، وقال في كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦]! سبحان الله! ضع كل جملة في سياقها يظهر لك المعنى، أما بالنسبة لكيد الشيطان، فإن الله قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦]، فكيد الشيطان هنا في مقابل كيد الله فهو ضعيف فعلاً؛ لأنه في مقابل كيد الله ؛ لكن النساء في قصة يوسف ﵇ ذكر كيدهن في مقابل كيد الرجال، ونَعَمْ، فإن الرجال لا يستطيعون أن يجاروا النساء أبداً في هذا الكيد.
فما الذي أوصل كيد المرأة أن يكون أعظم من كيد الشيطان؟! هناك أناسٌ لا ينظرون إلى المعنى ولا إلى السياق ولا السباق ولا اللحاق، والكلام لا بد له من سياق وسباق ولحاق.
وهكذا عندما يبتعد الإنسان عن منهل السلف الصالح يقع في البدعة.
ولذلك كانت أدلة أهل البدع مخالفة أدلة أهل السنة، فأنت تنظر إلى حال أهل البدع يجدون ويجتهدون في العبادة، ولذلك تجد أن أتباع المبتدع كثيرون، بسبب أنهم ينظرون إلى هيئته، يسمع القرآن يبكي وإذا صلى يطيل الصلاة وتجده زاهداً! انظر إلى حال عمرو بن عبيد رأس المعتزلة القدرية، كان المأمون يعجب من زهده ورغبته عن الدنيا، فكان إذا رآه قال: كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد فكل واحد منكم يمشي رويداً، يريد أن يصطاد، فهو يمشي على مهله، وينظر يمنة ويسرة لعله يجد فريسة، فهو يقول: كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد غير عمرو بن عبيد وكان شديد الزهد، ومع ذلك لم ينفعه هذا الزهد.
فأنت تنظر إلى الخوارج الذين يصلُّون حتى يحقر الصحابةُ صلاتَهم إلى صلاتِهم، وصيامَهم إلى صيامِهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، ومع ذلك فإن أسرع الناس خروجاً من الدين هؤلاء.
إذاً: ما نفعهم قراءةُ القرآن في الثبات على الهدى، ولا كثرةُ الصلاة في الثبات على الهدى، ولا كثرةُ الصيام في الثبات على الهدى.
فالمبتدع التزامه هش جداً، وبالتالي كانت محنة طلب السنة والثبات عليها من أعظم المحن، وحتى لا يُظَنُّ أنني مبالغ في هذه الكلمة، فقد قال النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة).
إذاً: أنت أيها المسلم أمامك ثلاثةٌ وسبعون باباً، وهذه الأبواب اختلط بعضها ببعض، أنت قد تجد أحياناً باب الهدى لا منادي له، لغربة علماء السنة، وتجد على أبواب كثيرة من يدعو وينادي إليها، وعندما يأتي شخص جاهل خالي الذهن لا يدري أين باب الهدى في هذه الأبواب الثلاثة والسبعين، ولو سألت أي رجل: على أي باب؛ لقال لك: هذا هو باب الهدى ادخل، وأنت لا تدري، ادخل.
فتصور محنتك أيها المسلم في أي بابٍ تدخل.
وتجد أنه على كل باب شيطان يدعو إليه، فكلهم يحسنون البدعة، ويلبسونها لباس السنة، وكما قلت: الدعاة إلى البدعة زهاد وعُبَّاد.
فيغتر الإنسان بمنظرهم وكم أهلكت هذه الصورة من رجالٍ، حتى بعض الأذكياء ممن كنتُ أعرفهم وقع في شر طريقتهم وقع في الطريقة البرهانية، حتى إنه قال لي يوماً: إن الشيخ البرهاني في السودان يعلم ماذا أصنع الآن! وهو مقتنع تماماً بما يقول.
стр. 1605
أهل البدع يخالفون أهل السنة في منهج الاستدلال
أيها الكرام! ينبغي أن نعرف أن طريق النبي ﷺ طريق واحد فقط، وهي من أيسر الطرق، لكن لا بد من تصحيحٍ لمعنى الكتاب والسنة، هذا أول سبيل لوقوفك على طريق الحق.
أهل البدعة يباينوننا في منهج الاستدلال، بل يقدمون العقل على النقل، ويجعلونه قاضياً، بحيث أنه إذا لم يفهم النص يرده، وشخص واحد من هؤلاء أصدر كتاباً يزعم فيه أن أربعين حديثاً من أحاديث البخاري ومسلم كلها تباين العقل، ويذكر على ذلك أمثلة، وأنا أقولها حتى أبين لكم الفرق في الاستدلال بين أهل السنة وأهل البدعة.
стр. 1606
طعن أهل البدع في حديث: (أمرت أن أقاتل الناس)
وهو أيضاً يقول: إن قول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله).
يقول: هذا مكذوب! لماذا مكذوب؟ يقول: لأن الإسلام دين اقتناع، ونحن ندل على ذلك بعقولنا جميعاً بأن الدين لم ينتصر بالسيف إنما انتصر بالحجة، فكيف نقول للناس: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)؟! افرض أنهم لا يريدون أن يقولوها، لمَ تقاتلهم وقد قال الله : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وقال الله : ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩]، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]؟ فلِمَ نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ولا ندعهم وحريتهم؟! ولذلك يقول: هذا الحديث معارض للقرآن الكريم -والقرآن هو حجة المسلمين- فلذلك نرد الحديث.
لا والله، نحن نقول: إن آيات القرآن يرد عليها نفس الاعتراض، إذا كان الاعتراض بهذه الصورة فلا يسلم منها حتى آيات القرآن الكريم، مع أن معنى الحديث تؤيده آيات من القرآن الكريم.
(أمرت أن أقاتل الناس): الناس رجلان: - مؤمنٌ.
- وكافر.
فالمؤمن غير داخل تحت الحديث.
يبقى الكافر وهو قسمان: - قسمٌ مداهن على استعداد أن يدفع الجزية، فلا يقاومنا، فهذا لا إشكال فيه.
- قسم لا يريد أن يدفع الجزية، ولا يريد أن أنشر ديني.
فهذا هو الذي عناه الحديث، ومما يدل على ذلك قوله : ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، قاتلوهم حتى يعطوا الجزية، إذا أعطوا الجزية فلا نقاتلهم، وإذا لم يعطوا الجزية نقاتلهم.
إذاً: الصنف الذي عناه الحديث: الذين لا يعطون الجزية ومع ذلك يقفون حجر عثرة في طريق المسلمين.
فالحديث موافق للآية؛ لكنه نظر بجهله إلى لفظ (الناس) فقال ما قال.
ولفظ (الناس) هنا لفظٌ عام يفيد الخصوص، كقول الله ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧].
والناس هنا: هم خصوص المسلمين، ومما يدل على ذلك ما رواه النسائي وأبو داود قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل المشركين حتى يقولوا: لا إله إلا الله).
انظر! لا تعارض أبداً بين حديث صحيح وبين آيةٍ في كتاب الله ، إذ لا يتعارض البيان مع المبيَّن، الرسول ﵊ كلامُه بمنزلة البيان للقرآن، فكيف يتعارض معه؟!
стр. 1607
طعن أهل البدع في حديث موسى مع ملك الموت
فذكر حديث موسى ﵇ مع ملك الموت، فهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه، وصححه كذلك الإمام مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (أرسل ملك الموت على موسى ﵇ فقال له: أجب ربك، فصكَّه ففقأ عينه، فصعد إلى الله وقال: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله عليه بصره، فقال: ارجع إلى عبدي، فقل له: آلحياةَ تريد؟! ضَعْ يدك على متن ثورٍ، فلك بكل شعرةٍ مسَّتها يداك سنة.
فقال موسى: أي رب! ثم ماذا؟ قال: الموت! قال: فالآن).
فيقول: إن عباد الله الصالحين لا يكرهون الموت، فكيف بنبي من أولي العزم؟! يقول: إن هذه مجرد دعوى.
يدل على ضد هذا حديثان: هو يقول: إن عباد الله الصالحين يحبون الموت.
نحن نقول: لا.
يدل على هذا الحديث الإلهي حديث: (مَن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، في هذا الحديث (وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته).
فهذا دليل على أن عباد الله المؤمنين يكرهون الموت.
والحديث الآخر حديث عائشة ﵂ في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (من أحب لقاء الله أحب لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة: يا رسول الله! كلنا يكره الموت).
هكذا (كلنا)، وعند العلماء: الجملة الكلية الموجزة من أقوى الجمل في إفادة العموم؛ لأن لفظ (كل) تفيد العموم، فهي قالت: (كلنا يكره الموت) فلو كان عباد الله المؤمنون لا يكرهون الموت لقال: (لا يا عائشة! ليس كل الناس يكره الموت) أما وقد أقرها ﵊ على ذكر هذه الكلية، فهذا يدل على أن عباد الله يكرهون الموت، ولا عيب في ذاك؟ كما أن الخوف الجِبِلي لا عيب فيه، وقد تكرر ذكر الخوف على لسان موسى كثيراً: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٤].
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧].
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١].
فهذا الخوف الجبلي لا حرج فيه، ولا يعاتب به نبي ولا ولي ولا مؤمن.
فمن أين أوتي هذا الإنسان؟! أوتي من جهله ببقية النصوص الأخرى، وكما قال القائل: (ليتك كمن لا يعلم لقل الخلاف) لكن كلامه يحسب عند المتأخرين قولاً.
كم من أناسٍ لم يكن لهم في العلم أصلاً، ولكن كتبوا وبيَّنوا وتكلموا، فصار قولهم معدوداً في الخلاف لدى المتأخرين الذين جاءوا بعدهم بأزمانٍ متطاولة.
فيقول: إن هذا الحديث يباين العقل السوي، الذي لا يختلف حكمه من رجلٍ إلى رجلٍ على وجه الأرض.
وهذا كذب! لأنه لو كان العقل السوي ضابطاً ما اختلف الخلق؛ لكن تباينت أفهام الخلق لتباين عقولهم، فليس هناك حكم للعقل السوي حتى نقيس عقل المؤمن وعقل الكافر معاً؛ لكن هذا الرجل مشربه على خلاف مشرب أهل السنة وعلى خلاف تلقيهم للعلم.
стр. 1608
العلمانيون والمنهجية الحيادية
أيها الإخوة الكرام! العلمانيون لهم ضوابط خاصة يذكرونها دائماً، ويُلْبسونها لباس المنهجية، ولباس الحياد العلمي، فالحياد العلمي دائماً في كل كتاباتهم يقولون: لا بد من اتباع المنهجية والحياد والإنصاف.
ما معنى الحياد عندهم؟ معناه: هو ترك الانتماء إلى السلف، وينبغي أن يكونوا في نظري أناساً عاديين لا فضيلة ولا ميزة لهم، لأنك لو اعتقدت أن لهم فضيلة فستنحاز إليهم، وهذا الانحياز سيفقدك المنهجية، فلذلك هم ينادون دائماً بالحياد العلمي، والحياد العلمي هو الذي جعل رجل مصر الدكتور طه حسين يقول: إن القرآن الكريم ينبغي أن نعامله ككتاب أدبي، ليس لأنه من عند الله! ولذلك أوردوا بعض الاعتراضات اللغوية عليه بجهلهم.
فلو أن الإنسان اعتقد أن هذا القرآن كلام الله سينحاز له إذا فقد المنهجية، ولذلك استحق أن يطرد من جملة العلماء، بل طُرد من الجامعة شر طردة، وذهب ليأخذ الدكتوراه في اللغة العربية من باريس، ومن عجبٍ أيها الإخوة الكرام أن هذا الرجل لما رجع من باريس وأرادوا أن يكرموه، واستقبله السلطان فؤاد الأول فعملوا مهرجان في مسجد من مساجد القاهرة، وجاء السلطان فؤاد، وجاء له رجلاً بخطيب بارع آنذاك، فهذا الخطيب أراد أن يمجد الملك، ويمجد صاحب طه حسين في نفس الوقت، فقال كلمةً كفَّره بها وكيل الجامع الأزهر آنذاك الشيخ محمد شاكر ﵀، قال: جاءه الأعمى فما عَبَسَ ولا تولى.
فهذا تعريض لجانب المصطفى ﷺ ، تعريض أن الملك فؤاد الأول أفضل من الرسول ﵊؛ لأن الرسول عبس وتولى عندما جاءه الأعمى؛ لكن هذا قال: ما عبس ولا تولى، بل بعثه إلى باريس، فأخذ الدكتوراه وأتى، فالشيخ محمد شاكر لما سمع هذه الكلمة ما تحملها، فبعد الجمعة قال: (أيها الناس! أعيدوا الصلاة فإن الخطيب كَفَر).
دعنا من حكم الشيخ محمد شاكر لا نناقشه، لكن هو قال: إن الخطيب كفر.
وذهب إلى قصر عابدين، وأرسل رسالة إلى الملك فؤاد الأول: أن يعيد الصلاة؛ لأن الخطيب كفر.
يقول الشيخ أحمد شاكر ﵀ -وهو ابن الشيخ محمد شاكر هذا البطل المغوار الذي جهر بهذا الحكم-: وقامت بين الوالد -بين أبيه- وبين هذا الرجل مرافعات، والعلمانيون أغروا الخطيب أن يقدم بلاغاً، ويرفع قضية على الشيخ محمد شاكر، والشيخ محمد شاكر قال: أنا أطلب نخبةً من المستشرقين -لا أقول: من علماء الأزهر حتى لا يقال: انحازوا إليه- الذين لا يدينون بدين الإسلام، ولا يوالون الرسول ﵊، لأسألهم سؤالاً واحداً: أهذا الذي قاله الخطيب تعريض بالرسول ﵊ أم لا؟ قال: فلما عَلِم ذاك الخطيب أن القضية ستمتد وسيخسر فيها؛ أسقط حقه فيها.
يقول الشيخ أحمد شاكر: وكنت أعرف ذلك الخطيب، فدخلت مسجداً من المساجد فرأيت هذا الخطيب الشهير فرَّاشاً يتلقى نعال المصلين، قال: فانزويت عنه، فسبحان الله! من كان عدواً لله ورسوله فإنه لا يُعَزُّ أبداً.
إن الأصل أن نقف على الألفاظ، (فاضربوا) تشمل الرجال والنساء، ولا نقول بغير ذلك إلا بدليل.
قلت: الرسول ﵊ قال: (إذا حملتم الميت فأسرعوا) ما رأيك؟ النساء يحملن الجنازة؟ (فأسرعوا) مثل (اضربوا)، كله شيء واحد، فيدخل الرجال والنساء معاً.
قال: لا.
قلت له: لم؟ قال: لأننا ما رأينا نساءً يحملن النعش.
قلت: هذا عين جوابي، هذا هو السنة العملية التي قضت بأن النساء لا يحملن نعش الميت، كذلك السنة العملية هي التي قضت أيضاً أنه لا يضرب إلا الرجل.
فأهل البدع يخالفوننا في منهج الاستدلال، ويخالفوننا في الأدلة ذاتها.
стр. 1609
لزوم تقليص البدع ومقاومة أهلها
أيها الإخوة الكرام! لا بد من تقليص البدعة ومقاومة أهلها، لأن للبدعة أثراً سيئاً جداً في تأسيس محنة المسلمين، وما سقوط بغداد عنكم ببعيد، تعرفون أن بغداد سقطت بسبب ابن العلقمي الرجل الرافضي، فهو الذي أغرى ملك التتار بدخول بغداد، وأوهم الخليفة العباسي أن الرجل لا يريد بغداد، وإنما يريد أن يتزوج ابنته، وجعل يفتل له الحبل على الغارب -كما يقول الشوكاني - حتى دعا ملك التتار حاكم بغداد والحاشية جميعاً لكي يكتبوا الكتاب ويعقدوا العقد، فاجتهدوا في جلب كل مَن له شوكة وسلطان بدعوى حضور العقد، وعندما ذهبوا إلى هناك قتلهم ملك التتار جميعاً عن بكرة أبيهم، ودخلوا بغداد واستباحوها وقتلوا ألوفاً مؤلفة، وعندما تقرأ حوادث بغداد في تاريخ ابن خلكان تجد أن ابن خلكان يقول: يا ليتني كنت نسياً منسياً ولم أدوِّن هذا الخبر! لأنه ليس هناك محنةٌ أبداً تشبه هذه المحنة العظيمة التي كان بسببها ابن العلقمي الرافضي.
فلذلك أهل البدع لا يستقرون في مكان حتى يكون أول من يحاربهم أهل السنة.
أيها الإخوة الكرام! معرفة السنة واتباع النبي ﵊ هي أول شوكة في ظهر المبتدعة، ونحن حياتنا كلها بدع، البدع في الأصول والعقائد، والبدع في الفروع، وتجد البدع في العبادات، ففي كثير من مساجد المسلمين في التراويح يقرءون بعد كل ركعتين: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثلاث مرات، وهناك مساجد أخرى، يقول لك: بعد الركعتين أبو بكر، بعد الأربع الركعات: عمر، بعد الست ركعات عثمان، بعد الثمان ركعات: علي، المهم أنها جاءت بالضبط، هكذا فوزعوا الأربعة الخلفاء على الثمان ركعات.
فعندما تقول: يا جماعة! ما هذا الذي تفعلونه؟ يقال لك: نحن نقرأ القرآن و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ثلث القرآن.
فإذا قلت: هذا بدعة.
يقال لك: قراءة القرآن بدعة؟! أنا لا أقول لك: إن قراءة القرآن بدعة، إنما قراءة القرآن في هذا المكان هو البدعة.
ولله در عبد الله بن عمر عندما عطس رجلٌ فقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، فقال له عبد الله بن عمر: وأنا أقول: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله -أنا أيضاً أصلي مثلك- لكن ما هكذا عَلَّمنا رسول الله، إنما علمنا أن نقول: الحمد لله، أو الحمد لله على كل حال.
فانظر إلى فطنة عبد الله بن عمر! حتى لا يقول الرجل: ابن عمر هذا ينكر الصلاة على النبي ﷺ ! قال: أنا أقول مثلك: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ولكن ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ .
فأنكر عليه.
فأنت تنظر إلى هذا تستغرب.
ومرةً كنت ألقي درساً في كتاب رياض الصالحين، وكان يحضر معنا ابن أكبر رجل في البلد، وكان أبوه يعده للخلافة في نشر البدع، المهم فجلس معنا نحو ثلاثة أشهر، ومع سماعه للأحاديث والأصول وللكلام النبوي يبدو أن مزاجه اعتدل، فذهب يجادل أباه في بعض المسائل، وكنا قبل رمضان بقليل، فهو يحضر معنا للتراويح وإذا هو يقول لأبيه في المسجد: لا داعي لـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] لأن هذا بدعة، فيقول: يا بني! من أين جئت بهذا الكلام؟ قال: هناك أدلة تدل على هذا.
وجاء الرجل إلى المسجد وبعد المحاضرة، قام وقال: أنتم تكرهون النبي ﷺ ، وأنتم تكرهون القرآن! - يا والد! ما لك؟! - فقال: كيف تقول: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] بدعة؟ - أنا قلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] بدعة؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] توحيد.
- فلماذا قلتَ لي أنها بدعة.
- قلتُ له: أنا قلت: قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] بين التراويح بدعة.
- قال لي: يعني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] التي هي ثلث القرآن نعتبرها من البدع؟ - قلت له: لا.
أنا أسألك سؤالاً، ثم أسألك سؤالاً -وأي رجل مبتدع أسأله هذين السؤالين-: هل النبي ﷺ كتم شيئاً من الوحي؟ - قال: لا.
- السؤال الثاني: هل النبي ﷺ قصر في البلاغ؟ - قال: لا.
- السؤال الثالث: هل ما تفعله فَعَلَه النبي ﷺ ؟ فهذا يجيب عليه بجوابين: إما أن يقول: لا.
وهذا كافٍ في الرد عليه؛ لأن النبي ﵊ ما ترك شيئاً إطلاقاً من الخير إلا دلنا عليه: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] إذاً: كل الذي يفعله ما لم يفعله النبي ﵊ كأنما قال: أنا أفعل شراً.
وإما أن يقول: نعم.
فتسأله الدليل، ولا دليل.
- قلت: هل النبي ﷺ كان يقرأ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص:١] بين التراويح؟ - قال: لا.
اختصر عليَّ المسافة، فلو قال: نعم.
لما عرفت أن أعمل معه شيئاً أبداً، وقد يكون قد ضيع عليَّ الأسئلة التي أنا عملتها، ولكنه قال: لا.
- قلت له: طيب! إذاً: أنت تفعل شيئاً ما فعله النبي ﷺ .
فالرجل وكأنه لم يأخذ باله من الإجابة، فلما قلتُ هذا الكلام سكت طويلاً ثم قال: يعني: أنا منذ ستين سنة وأنا مغفل؟! قلت: سبحان الله! وماذا يضر أن يظل المرء أكثر من ستين سنة مغفلاً غافلاً عن الحق ثم يهديه الله ؟! إن ابن الجوزي -وهو العالم في علم الحديث- ذكر حديثاً موضوعاً ثم قال: ظللتُ أعمل بهذا الحديث ثلاثين سنة، لإحسان ظني بالرواة، فلما نضج في علم الحديث، وبدأ يسلك مسالك النقد اكتشف أنه ظل ثلاثين سنة يعمل بحديث موضوع.
стр. 1610
البدعة الإضافية أكبر محنة على المسلمين
فالبدع يا إخواننا كثيرةٌ جداً وتحتاج إلى جيوش جرارة تقف في وجوه أهلها، لاسيما البدعة الإضافية التي هي أكبر محنة الآن؛ بسبب أن لها وجهين: - وجه يطل على الشرع.
- ووجه آخر يطل على البدعة.
مثل: الخط الذي يكون في المساجد، حيث يُعْمَلُ لصقٌ أو يُعْمَلُ خطٌّ من أجل الصفوف.
فهذا بدعة.
- لماذا خططتم الخط على الأرض؟ - قيل: لنسوي الصف.
- تسوية الصفوف هذه مسئولية من؟ - مسئولية الإمام.
- إذاً: ما خُطَّ الخط على الأرض إلا بعد ما ترك الأئمة مهمتهم.
- السؤال الأول: هل وضع الخط أو شده كان مقدوراً للنبي ﷺ أم غير مقدور؟ - كان مقدوراً.
- هل كان له داعٍ؟ - نعم.
كان له داعٍِ، وهو تسوية الصف.
- السؤال الثالث: هل فعله؟ - ما فعله.
وهذا قاعدة ذهبية في معرفة الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة.
فشد الخيط على الأرض جاء بسبب إهمال الأئمة.
ففي صحيح البخاري من حديث عمرو بن ميمون قال في يوم مقتل عمر بن الخطاب ﵁: (فكان بيني وبينه ابن عباس: فسوى الصفوف حتى إذا لم يجد خللاً تقدم فكبر).
والرسول ﵊ كان يسوي الصف، ويرسل من يسوي الصفوف، فإذا وجد الصفوف متساوية أقام فصلى.
لكن نحن الآن كأئمة، يقول أحدنا للمصلين: استووا استووا وهو واقف ووجهه إلى القبلة، لأن هذا من مهمات الإمام؛ ولكن هذا تقصير، فبسبب تقصير الأئمة والمسلمين ظهرت هذه البدعة.
ومدة ظهور هذه البدعة حوالي عشر سنوات فقط، وقبل ثلاث عشرة سنة ما كان أحد يرى هذا الخط على الأرض، يعني: أن هذه البدعة جديدة جداً، وكما قلنا سببها: إهمال الأئمة، حتى الصف الأول الذي من المفروض أن يكون أفضل صف في المسجد ترى الفضلاء يتخلفون عنه، والرسول ﵊ قال: (لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله ، حتى إنك ترى أصحاب الصف الأول هم من لا يحسن نظام الصلاة، مع أن الصف الأول هو الخط الأساسي للإمام، والنبي ﵊ كان يقول: (لِيَلِيَنِي منكم أولو الأحلام والنهى)، لماذا؟ حتى إذا حدث للإمام شيء في الصلاة، فيكون الذي وراءه فاهماً لنظام الصلاة، فإذا أحدث الإمام مثلاً، أو تذكر أنه غير متوضئ فأول ما يشد شخصاً من الصف الأول يكون هذا المشدود عالماً لماذا شده، لا أن يعمل كما قال ابن الجوزي في كتابه: أخبار الحمقى والمغفلين، من الأئمة قال: أحدث إمامٌ فشد واحداً من ورائه، فكان صاحبنا المشدود لا ينطق ولا يتكلم ولا يعمل أي شيء، فلما يئسوا منه أخذوه وأدخلوا غيره، فقيل له بعد الصلاة: لم وقفت ولم تتكلم؟ قال: أنا ظننت أن الإمام يقول: احفظ مكاني حتى أجيء.
كأنه طابور جمعية! وهذا يذكرني أيام الجمعيات الاستهلاكية والاقتصادية: وقف شخص أمام محل ليربط -أعزكم الله- رباط جزمته، وبينما هو واقف وجده شخصٌ يربط، فظنه واقفاً أمام جمعية فوقف وراءه، وما إن انتهى الأول من رباط جزمته ونظر وراءه حتى رأى عشرة أو خمسة عشر شخصاً يقفون طابوراً، فقال: يبدو أن هذا المكان يُوَزَّعُ منه شيء، فما دمت الأول في الصف لماذا أبرح مكاني؟! وظل واقفاً، وظل مَن خلفه واقفون هم أيضاً، وقالوا: قد يكون هناك توزيع شيء.
فهذا الذي يقول: احفظ مكاني حتى أجيء موجود في الصف الأول.
وحصلت عندنا حكاية عجيبة جداً أن من الأشياء الغير لائقة أن الناس يعزمون على الإمامة، إذا غاب الإمام الأصل يقولون: لتتقدمنَّ يا فلان لا والله أنت مَن يتقدم، لا.
والله لن يتقدم إلا أنت أليس هذا ما يفعلون؟! فقد عَمِلَها ناسٌ مع شيخ القبيلة، وهو لا يعرف أي شيء، ولا يعرف أنه سيُقدَّم للإمامة، وهو لم يكن محضِّراً؛ ولكنه كان يعرف أن الأئمة يقولون كلمتين أو ثلاث في البداية: استووا يرحمكم الله سدوا الفُرَج ولكن الرجل نسي هذا الكلام نهائياً، فوقف ينظر إلى أول الصف وآخره، وأخذ يفرك في يده، وقال لهم: جاهزون يا رجال؟! هذه حصلت، وليست فكاهة.
فتصوَّر عندما يكون هذا الرجل هو وفدٌ إلى الله ؛ فنحن لا بد أن نختار دائماً الخيار: (اجعلوا أئمتكم خياركم) لأنهم وفدُنا إلى الله .
أيها الإخوة الكرام! الرأس -إذا لم يكن حكيماً- يشِين أو يزِين.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز إمارة المؤمنين وجاء مجموعةٌ من الناس العرب يهنئوه، أدخلوا شاباً صغيراً صاحب البضع والثلاثين سنة يهنئه، فقال: يا غلام! أما وجدوا من هو أسن منك؟ قال: يا أمير المؤمنين لو كانت المسألة بالسن، لكان غيرك أولى بالخلافة.
يا أمير المؤمنين: تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهلُ وإن كبير القوم لا علم عنده صغيرٌ إذا التفت عليه المحافل فقال: أفلح قومٌ ولوك أمرهم يا غلام.
فالمقصود: أن هذا الإهمال الذي حدث من المسلمين هو الذي أوجد هذه البدع.
العلماء يقولون: كل حكمٍ كان له مقتضىً على عهد النبي ﷺ ولم يفعله فلا يجوز لنا أن نفعله، مثل: شد الخط: كان مقدوراً له أن يفعل؟ نعم.
كان هناك مقتضى للفعل؟ نعم.
وهو تسوية الصف.
هل فعل؟ لا.
إذاً: لا يجوز أن نفعل، إذ لو كان خيراً لفعله.
وهذا أيضاً مثل الاحتفال بالمولد النبوي، والرسول ﵊ مات عن ثلاث وستين سنة فقد أمضى حياته المباركة مع كل الصحابة، ومع ذلك فلم يحصل مرةً واحدة أن جمع أصحابه في يوم مولده، وخطب فيهم خطبة، أبداً.
هل جمعهم في يوم مولده كان مقدوراً له أم لا؟ - كان مقدوراً.
- هل هناك مقتضىً للجمع؟ نعم.
وهو العظة.
هل جمعهم؟
الجواب
لا.
إذاً: هذه بدعة.
فأنت تعرف أن هذا قيد في الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة.
ما هي المصلحة المرسلة؟ هي: شيءٌ فيه مصلحة، وليس هناك نهي خاصٌ عنه، ولم يكن له مقتضى على عهد النبي ﷺ .
نحن عندما نقف عند إشارة المرور، أو شرطي المرور: هل كان مقدوراً للنبي ﷺ أن يفعله؟ لا.
هل كان هناك مقتضىً للفعل؟ لا.
هل تحقق لنا مصلحة؟ نعم.
هل هناك نهي عنها؟ لا.
إذاًَ: هذه مصلحة مرسلة.
فهذا هو الفرق بين المصلحة المرسلة والبدعة الإضافية.
وسميت إضافية لأنها تضاف إلى الشرع بدليل عام، مثل أذان المؤذن الذي يقول: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله! أنت لماذا تذكر السيادة؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فطالما أنه سيد ولد آدم ولا فخر، فأنا لا زلت أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، فأكون بهذا قد مجدت الرسول ﵊ وعظمته.
ولذلك سميت بدعة إضافية، بمعنى: أنها تضاف للشرع بدليل عام، بخلاف البدعة الحقيقية التي لا أصل لها مثل صلاة الرغائب في رجب، ومثل صلاة حفظ القرآن الكريم، فهذه كلها من البدع الحقيقية التي لا أصل لها في الشرع.
أيها الإخوة الكرام: الكلام عن البدعة وعن أهلها كلامٌ يطول؛ ولكن أردت أن ألمح تلميحاً سريعاً إلى المحنة التي يعيش فيها المسلمون الآن، ومحنةُ طلب الهدى في هذا الزمان أعظم من محنة عدم وجود رغيف الخبز، وكما صورتُ لكم أن المحنة تتمثل في ثلاثة وسبعين باباً، والأمرُّ خو ذهنه فعلاً من معرفة الباب الوحيد الذي يؤدي إلى الحق، الأمر الذي به تختلط عليه كل هذه الأبواب فلا يدريها، فيلج من باب لا سيما وعلى كل باب شيطان يدعو إليه.
فنسأل الله ﵎ أن يعافينا وإياكم من البدع، ومن أهلها، وأن يجعلنا من أعلام السنة وشبانها والحمد لله رب العالمين.
стр. 1611
الأسئلة
стр. 1612
حكم إلقاء موعظة بين التراويح
السؤال
ما حكم من يقوم بإلقاء خطبة قصيرةٍ لمدة خمس دقائق يومياً بعد أربع ركعات من التراويح؟
الجواب
أظن أن هذا جائز؛ لأن هذا تذكير، فالذي يقول مثلاً: إن هذا بدعة يلزمه أن يقول: إن المجلس الذي نجلسه الآن بدعة، ويلزمه أن يقول: إن كتابة الأسئلة في أوراق بدعة، ويلزمه أن يقول: إن اجتماع الطلبة على الشيخ الحويني لتدريس الحديث مرة، وتدريس الفقه مرة، هذا كله بدعة.
والأصل أن هذا كله من باب طلب العلم.
والله أعلم.
стр. 1613
جواز تنوع صيغ التشهد في الصلاة
السؤال
ما هي الصورة الصحيحة للتشهد؟
الجواب
المعروف أن التشهد له أكثر من صيغة، وكل هذه الصيغ التي يقرؤها المسلمون هي صيغٌ صحيحة، لكن ذكر العلماء: أن أصح صيغة هي التي في حديث ابن مسعود.
стр. 1614
حكم التسوك في نهار رمضان بسواك له نكهة الليمون
السؤال
ما حكم التسوك في نهار رمضان بسواك له نكهةٌ غير نكهته الأصلية؟
الجواب
تعني: طعم السواك؟ السائل: بعضُ الناس يضيف عليه نكهةَ الليمون! الشيخ: إذا أضاف مثلاً على السواك ليموناً أو نحو ذلك فلا بأس؛ لكن لا يخالط لعابَه، لا سيما وأنه قد ينزل من السواك بعض فتات أشياء لها طعم.
والله أعلم.
стр. 1615
حكم الذبح والتوسعة على الأهل في مواسم أهل البدع
السؤال
ابتليت بعائلةٍ شيعيةٍ، وأنا سلفي ولله الحمد والمنة، ولكنني أعيش معهم في البيت ولا زلت طالباً في المدرسة، ولا أستطيع الاستقلال عنهم، وفي مواسمهم يجبرونني على تناول أكلاتهم وذبائحهم التي ذُبِحت لأجل هذه المواسم، فهل يجوز لي الاستمرار في الأكل أو الكف عن ذلك؟ وبماذا تنصحني من خلال معرفة الشيعة؟
الجواب
طالما أنهم لا يجبرونه على هذه البدعة التي يفعلونها فلا بأس من معاشرتهم.
وأما بالنسبة للأكلات التي يأكلونها في المواسم فهذه جائزة، حتى إنها موجودة في بيوت كثير من المسلمين، يعني مثلاً: ليلة النصف من شعبان يُذبح لها، ومثلاً في يوم السابع والعشرين من رجب يُذبح له، وهكذا في بقية المواسم، فهم لا يتعبدون الله بهذا الأكل، إنما هو نوعٌ من التوسعة، ولا يدخل في نطاق البدع.
السائل: وإذا ذبحوا للحسن أو للحسين؟ الشيخ: لا.
إذا ذبحوا للحسن أو للحسين فهذا معروفٌ حكمُه، هذا أصلاً أنا لم أنبه عليه؛ لكن إذا ذبحوا لمجرد أن موسماً معيناً حلَّ أو نحو ذلك، فهذا جائز أن يأكل المرء منه.
السائل: ولكنهم يذبحون للحسن والحسين في هذه المواسم! الشيخ: إذا كانوا يذبحون في هذه المواسم للحسن والحسين فهذا في حكم الميتة.
السائل: المولد النبوي يذبحون فيه! الشيخ: نعم.
يذبحون، فكل مولدٍ للنبي ﷺ أيضاً يذبحون فيه ابتهاجاً ونحو ذلك.
هناك فرق -أيها الإخوة- ما بين شخص يذبح لأجل فلان، فهذا ميتة، لا يحل أكله، وبين رجل يبتهج بالمناسبة، فمن ضمن الابتهاج أنه يوسع على نفسه في الأكل والشرب، فهذا لا بأس به.
والله أعلم.
следующие страницы →