Полный текст (1 719 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
الأسئلة
стр. 1612
حكم إلقاء موعظة بين التراويح
السؤال
ما حكم من يقوم بإلقاء خطبة قصيرةٍ لمدة خمس دقائق يومياً بعد أربع ركعات من التراويح؟
الجواب
أظن أن هذا جائز؛ لأن هذا تذكير، فالذي يقول مثلاً: إن هذا بدعة يلزمه أن يقول: إن المجلس الذي نجلسه الآن بدعة، ويلزمه أن يقول: إن كتابة الأسئلة في أوراق بدعة، ويلزمه أن يقول: إن اجتماع الطلبة على الشيخ الحويني لتدريس الحديث مرة، وتدريس الفقه مرة، هذا كله بدعة.
والأصل أن هذا كله من باب طلب العلم.
والله أعلم.
стр. 1613
جواز تنوع صيغ التشهد في الصلاة
السؤال
ما هي الصورة الصحيحة للتشهد؟
الجواب
المعروف أن التشهد له أكثر من صيغة، وكل هذه الصيغ التي يقرؤها المسلمون هي صيغٌ صحيحة، لكن ذكر العلماء: أن أصح صيغة هي التي في حديث ابن مسعود.
стр. 1614
حكم التسوك في نهار رمضان بسواك له نكهة الليمون
السؤال
ما حكم التسوك في نهار رمضان بسواك له نكهةٌ غير نكهته الأصلية؟
الجواب
تعني: طعم السواك؟ السائل: بعضُ الناس يضيف عليه نكهةَ الليمون! الشيخ: إذا أضاف مثلاً على السواك ليموناً أو نحو ذلك فلا بأس؛ لكن لا يخالط لعابَه، لا سيما وأنه قد ينزل من السواك بعض فتات أشياء لها طعم.
والله أعلم.
стр. 1615
حكم الذبح والتوسعة على الأهل في مواسم أهل البدع
السؤال
ابتليت بعائلةٍ شيعيةٍ، وأنا سلفي ولله الحمد والمنة، ولكنني أعيش معهم في البيت ولا زلت طالباً في المدرسة، ولا أستطيع الاستقلال عنهم، وفي مواسمهم يجبرونني على تناول أكلاتهم وذبائحهم التي ذُبِحت لأجل هذه المواسم، فهل يجوز لي الاستمرار في الأكل أو الكف عن ذلك؟ وبماذا تنصحني من خلال معرفة الشيعة؟
الجواب
طالما أنهم لا يجبرونه على هذه البدعة التي يفعلونها فلا بأس من معاشرتهم.
وأما بالنسبة للأكلات التي يأكلونها في المواسم فهذه جائزة، حتى إنها موجودة في بيوت كثير من المسلمين، يعني مثلاً: ليلة النصف من شعبان يُذبح لها، ومثلاً في يوم السابع والعشرين من رجب يُذبح له، وهكذا في بقية المواسم، فهم لا يتعبدون الله بهذا الأكل، إنما هو نوعٌ من التوسعة، ولا يدخل في نطاق البدع.
السائل: وإذا ذبحوا للحسن أو للحسين؟ الشيخ: لا.
إذا ذبحوا للحسن أو للحسين فهذا معروفٌ حكمُه، هذا أصلاً أنا لم أنبه عليه؛ لكن إذا ذبحوا لمجرد أن موسماً معيناً حلَّ أو نحو ذلك، فهذا جائز أن يأكل المرء منه.
السائل: ولكنهم يذبحون للحسن والحسين في هذه المواسم! الشيخ: إذا كانوا يذبحون في هذه المواسم للحسن والحسين فهذا في حكم الميتة.
السائل: المولد النبوي يذبحون فيه! الشيخ: نعم.
يذبحون، فكل مولدٍ للنبي ﷺ أيضاً يذبحون فيه ابتهاجاً ونحو ذلك.
هناك فرق -أيها الإخوة- ما بين شخص يذبح لأجل فلان، فهذا ميتة، لا يحل أكله، وبين رجل يبتهج بالمناسبة، فمن ضمن الابتهاج أنه يوسع على نفسه في الأكل والشرب، فهذا لا بأس به.
والله أعلم.
стр. 1616
الفرق بين الترجمة للمبتدع والتحذير منه
السؤال
لقد ظهر قِبَلنا أناسٌ يتصدرون العلم ويقرءون القرآن، ولكنهم يقولون: يجب على أهل السنة إذا حذروا من صاحب بدعة وذكروه بما فيه، أن يذكروا ما له من الحسنات ومن جميل الأخلاق حتى لا يظلموا هذا المبتدع وينصفوه، واستدلوا على ذلك بفعل الذهبي ﵀، فما قول أهل الحديث والتاريخ؟
الجواب
نقول أيها الإخوة الكرام: هناك فرقٌ بين أن تترجم للمبتدع، أو أن تحذر منه.
إذا كنا في باب الترجمة فإننا نذكر ما له وما عليه، ونترجم ترجمة محضة.
لكن إذا أنا سُئِلتُ عن رجلٍ في بدعته فأنا لا أذكر محاسنه، فمثلاً: إذا اقترض رجلٌ منك مالاً فأكله، ليس فيه إلا هذا العيب؛ لكنه مُصَلِّ ورجلٌ صوَّام وقوَّام، ورجل حسنُ الأخلاق، ويساعد الملهوف، ورجل كريم؛ لكن الإشكال عنده أنه إذا اقترض منك مالاً فانْسَهُ.
فإذا جاءني رجلٌ يقول لي: والله إن فلان الفلاني يريد قرضاً! فهل أقول له: هو ورعٌ زاهدٌ عابدٌ، وأذكر له هذه المسائل؟! هذا الكلام ليس له أي معنى ولا أي قيمة، إنما قال لي: هذا الرجل يريد أن يقترض مني مالاً أفأعطيه؟ فأقول له: إياك أن تعطيه! فهناك فرقٌ بين الترجمة: أن نترجم لفلانٍ من الناس فنذكر محاسنه ومساوئه كما هو عليه أهل السنة وأهل الحديث.
وعندما تقرأ للإمام أبي عبد الله الذهبي في كتاب: سير أعلام النبلاء مثلاًَ، تجد أن الذهبي في الترجمة يعطي الرجل حقه من الفضائل التي فيه، وإذا كانت هناك بدعة تبرأ وحذَّر منها.
والله أعلم.
стр. 1617
وجوب التحذير من أهل البدع
السؤال
هل صحيح أن التكلم في أهل البدع يقسِّي القلب؟
الجواب
لا.
التكلم في أهل البدع واجب؛ لكنه يحتاج إلى ذكاء، فهناك بعض الناس لا يراعون مصلحة الكلام في أهل البدع، وأئمةِ السنة مثل الإمام أحمد والإمام مالك وهؤلاء الثلة، كانوا يوجبون الكلام في أهل البدع، ويحذرون من أهل البدع.
ولكن المسألة أن واقع الإمام أحمد يختلف عن واقعنا.
فـ شعبة بن الحجاج ﵀ قال لـ يزيد الرقاشي: لو حدثتَ بهذه الأحاديث لأستعدِيَن السلطان عليك.
سأذهب إلى السلطان وأقول له: إن ثَمَّ رجلاً يروي حديثاً موضوعاً، فيسجنك.
فكان بدلاً من الإمام أحمد ألف أحمد، وبدلاً من مالك ألف مالك.
فالبيئة تختلف، فهناك في بعض الأماكن بيئةٌ المبتدعةُ لهم فيها ظهور، ولهم صولة كبيرة، ولو وقف هذا الرجل السني في مقابل هؤلاء وجابههم قطعوا لسانه، وضيعوا حلقته، وأخذوا منه مسجده، فهل هذه حكمة أن يقف في مقابلهم، فيأخذون منه المسجد ويمنعونه من الكلام، ويحظرون عليه؟! هذا ليس من الحكمة، بل الصواب: أن يستمر هذا الرجل ويحاول بلطف وذكاء أن يطيل عمر دعوته، لا سيما إذا كان فرداً واحداً، وكان له تأثير وكان مباركاً.
وأنا أريد أن أقول شيئاً: الداعية الممارِس يختلف عن قارئ الكتب.
قارئ الكتب هذا إنسان في وادٍ آخر؛ لكن الداعية الممارس رجلٌ لَمَس الواقع وعرف كيف ينزل الإسلام على الواقع.
والمسألة كلها مربوطة بالمصلحة والمفسدة، وهذا النبي ﷺ مع أنه صارت له دولة في المدينة، وكان قادراً على الفعل قال لـ عائشة ﵂: (لولا أن قومك حديثو عهد بالكفر؛ لهدمت البيت وبنيته على قواعد إبراهيم) لكنه لما خشي أن يقول الناس: إن هدم البيت يخالف تعظيمه، ويقع هذا في روع آحاد الناس تَركه على ما هو عليه، حتى جاء ابن الزبير فاستشار الناس في هدم الكعبة، فأشار عليه ابن عباس ألا يهدمها، قال: دع الناس ودع أحجاراً أسلموا عليها، فقال ابن الزبير: إنهم قَصُرَت بهم النفقة، وأنا أجد النفقة، وإنهم كانوا يخافون أن يفتتن الناس وقد حدث الأمان، فإني مستخير ربي ثلاثاً، واستخار الله ثلاثاً وقرر هدم الكعبة.
فبدأ يهدم الكعبة، فقلع ثلاثة أحجار أو أربعة من فوق الكعبة، وإذا بالناس كلهم قد فزعوا وقالوا: ستنزل صاعقة الآن من السماء عليه، وجعلوا ينظرون والرجل يقلع الحجر ويرميه، فوجدوا أنه لم ينزل دمار ولم تنزل صاعقة، فقويت قلوب الناس على ذلك، وتتابعوا جميعاً على هدم الكعبة حتى وصلوا إلى قواعد إبراهيم فإذا هي أحجارٌ مثل سنام البعير.
فمسألة مراعاة المصلحة والمفسدة في التحذير من البدعة مهم، ليس هذا -أيها الإخوة- تهوين من شأن البدعة، بل يجب إنكار البدع؛ ولكن هذا الوجوب يختلف من مكانٍ إلى مكان، ويختلف من رجلٍ إلى رجلٍ ونحو ذلك؛ لكن الكلام في أهل البدع واجب، بل سئل الإمام أحمد ﵀ عن رجلٍ يصلي ورجلٍ ينكر على أهل البدع أيهما أفضل؟ قال: الذي يصلي إنما يصلي لنفسه، والذي يجاهد أهل البدع، فإنما ينفع المسلمين.
стр. 1618
الأمثال في الكتاب والسنة [٢]
أمرنا الله أن ندعوه أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، وضرب رسول الله ﷺ مثلاً لهذا الصراط المستقيم يبين لنا به خصائصه وطبيعة السير فيه ومنهجه، ويحذرنا من شياطين الجن والإنس الذين يجتالون العباد عن هذا الصراط المستقيم، ويأخذون بهم ذات اليمين وذات الشمال في طرق الغواية والضلال، ويزخرفون لهم المعصية، ويزينون لهم الكفر والبدعة.
стр. 1619
خصائص الصراط المستقيم
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أمرنا الله أن ندعوه أن يهدينا إلى الصراط المستقيم، ولا يكون مستقيماً إلا إذا كان أقصر الطرق، ولا يكون مستقيماً إلا إذا قربك من المقصود، ولا يكون مستقيماً إلا إذا وسع كل السالكين فيه... كل هذه من خصائص الصراط المستقيم.
وفي هذا ردٌ على الذين يقولون: إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس البشر! فنقول لهم: كذبتم؛ لأن الطريق إلى الله واحد، وما ذُكِرَ السبيل ولا الصراط المستقيم إلا مفرداً؛ إنما طرق الذين ضلوا تذكر بالجمع، كما قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فليس هناك طريق إلى الله إلا خلف النبي ﵊ فقط، لو سلكوا إليه كل طريق، واستفتحوا كل بابٍ فهو موصد، إلا أن يأتوا خلف النبي ﵊، وقد قال النبي ﷺ : (وخير الهدي هدي محمد) ﵊.
إذاً: الطريق إلى الله واحد لا يتعدد.
إن الصوفية الذين لهم عدة طرق، ويبتكرون عدة مناهج يظنون أنها توصل العبد إلى الله، كذبوا على عباد الله، وضلوا الوصول إلى الله، الطريق واحد فقط ليس له ثان، وهو الذي أمرنا أن ندعو به.
стр. 1620
السالكون للصراط المستقيم أقل عدداً وأعظم قدراً
إن هذا الصراط المستقيم عزيز سالكه؛ ولذلك لو سلكته وتلفتَّ حولك، فلن تجد فيه إلا الواحد بعد الواحد، والنفس تستوحش من قلة الناس، وتأنس بالكثرة، فإذا سلك هذا الطريق رجلٌ لم يتحقق بالعلم والإيمان، ونظر فلم يجد أحداً حوله فقد يستوحش، وقد يصده ذلك عن المضي قُدُماً إلى آخر الطريق؛ فلذلك قال من قال من السلف: (عليك بطريق الحق وإن كنت وحدك، ولا تستوحش بقلة السالكين، ولا تسلك طرق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين).
الذين يسلكون الصراط المستقيم هم الأعلون قدراً وإن كانوا الأقلين عدداً، الذين يسلكون هذا الطريق هم الأعظمون قدراً وإن كانوا الأقلين عدداً.
من الذين سلكوا هذا الطريق؟ إنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩].
وأنت قد لا تكون واحداً من هؤلاء؛ لكنك رفيق، (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، لست على قدرهم لا في العلم ولا في الإيمان؛ لكن طالما كنت رفيقاً فلن تشقى بهم، لن تشقى معهم، والنبي ﷺ يقول: (المرء مع من أحب)، قال أنس بن مالك -راوي هذا الحديث في الصحيحين-: (فما فرحنا بعد الإسلام كفرحنا بهذا الحديث، ثم قال: وأنا أحب أبا بكر وعمر وإن لم أعمل بأعمالهم) فهو يرجو أن يكون معهم في المنزلة بحبه لا بعمله.
فالطريق المستقيم إذا مشيت فيه ولم تجد أحداً، فعليك أن تتذكر هؤلاء الرفقاء: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ حتى تعطي نفسك عزماً جديداً.
ولله در الإمام أحمد! كان يقول: (عليك بهدي -أو بسنن- من مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).
رفيقك السابق مات وترك آثاراً صالحةً لم تمح، لا بارتداد ولا بترك التزام ولا بتفسخ مات وهو ملتزم.
إذاً: أنت حين تعرف أن رفيقك السابق مضى إلى الله على هذا الطريق فإن هذا يعطيك عزماً جديداً على أن تمضي قدماً على هذا الطريق.
стр. 1621
الصراط المستقيم والطرق الأخرى
قال الله : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧].
سورة الفاتحة هي أم القرآن، (أم القرآن) بمعنى أن: كل المعاني التي وردت في القرآن هي في هذه السورة وإذا قلت: القرآن من أول البقرة إلى سورة الناس كلام كثير، وسورة الفاتحة سبع آيات؛ فكيف تشتمل على كل المعاني؟! فإن أئمة العلم يجيبون ويقولون: إن أم القرآن، ذكرت المعاني مجملة، والقرآن فصل معانيها.
لكن ذكر الصراط وضحهُ الله وبينه مباشرة في هذه السورة (الفاتحة)، بينه مباشرةً في سياق السورة، نحن للتو في بداية المصحف: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، فربنا عرفك أن الناس جميعاً لا يسلكون إلا ثلاث طرق لا رابع لها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
(اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) هو الطريق الأول.
(صراط الذين غضب الله عليهم) هو الطريق الثاني.
(صراط الضالين) هو الطريق الثالث.
والناس أمام الحق قسمان: عالم به، وجاهل.
والعالمون بالحق قسمان: عالمٌ عامل، وعالم جاحد، علم فعمل، أو علم فجحد: علم فعمل: هم هؤلاء ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
علم فجحد هم هؤلاء ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
والقسم الثاني: الجاهلون، وهم الضالون.
إذاً الطرق ثلاث.
لكن أول طريق -وهو الصراط المستقيم- ميزه الله بميزة لم تذكر في الطريقين الآخرين، وهي ميزة الإضافة إلى نفسه ﵎، وأنت تعلم أن المضاف إلى عظيم يكون عظيماً؛ ولذلك نقول: الكعبة بيت الله، وشرع الله لنا أن نقول: ورب البيت، فأخذ البيت عظمة بإضافته إلى الرب، وأخذت النار عظمة وشدة بإضافتها إلى الرب: (نار الله).
وأنت ترى في الدنيا: أي أرض فضاء، أحدهم يقول: أنا أريد أن أضع يدي على هذه الأرض وأبني بيتاً تقول له: إياك! لأن هذه أرض العمدة! فتأخذ الأرض قيمة ومهابة بإضافتها إلى العمدة، الذي هو رجل معه الشوكة والسلطان.
لكن لو كانت أرض إنسان صعلوك وجاء هذا ليبني تقول له: لا تبن، يقول لك: يا أخي هذه أرض فلان! فأخذت الأرض حقارة بإضافتها إلى هذا الإنسان الذي لا يملك حولاً ولا طولاً، وأخذت الأرض قيمة ومهابة وعظمة حين أضيفت إلى رجلٍ له شوكةٌ وسلطان.
فإضافة الطريق إلى الله فيه شرف، وإهمال الإضافة في الطريق الثاني والثالث فيه تحقير وإهانة هذا أولاً.
ثانياً: أن النعمة من باب الإحسان، والانتقام والغضب من باب العدل، فنسب الله نفسه إلى الأكمل والأحسن: (إن رحمتي تغلب غضبي).
ولذلك أنت تجد هذا واضحاً في قوله تعالى على لسان الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠] مع أن كل شيء في الأرض بقدر الله، فالشر مقدور له ﵎ وإن كان ليس إليه، أي: لا ينسب إليه.
وقد قال إبراهيم ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، ولم يقل: (والذي أمرضني) مع أن المرض من الله، لكنه -تأدباً مع الله- نسب المرض إلى نفسه كأنه هو الذي أمرض نفسه، فهو حين ذكر النعم والإحسان نسبه إلى الله، وحين ذكر العيب نسبه لنفسه.
والعبد الصالح (الخضر) حين أقام الجدار قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، ولما خرق السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أنه قال بعد هذا ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعني: هو الذي قال لي: اخرق السفينة، ومع ذلك قال: أنا الذي أردت أن أعيبها، فنسب الفضل والخير إلى الله ، ونسب العيب إلى نفسه.
يقول الله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] لأن هذا داخل في باب الإحسان، والإحسان من كمال أفعال الله ، والغضب والانتقام من العدل، فنسب نفسه إلى أكمل الأمرين: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧].
стр. 1622
الثناء قبل الدعاء
إن قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] دعاء؛ فلكي يكون دعاؤك مستجاباً: اقرأ الآيات التي قبلها في سورة الفاتحة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:٢ - ٥].
وهذا يوضحه حديث أبي هريرة - الذي رواه مسلم في صحيحه، وانفرد به عن البخاري - عن النبي ﷺ قال: (قال الله : إني قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين -الصلاة هي الفاتحة- ولعبدي ما سأل؛ فإن قال: (الحمد لله رب العالمين)، قال الله: حمدني عبدي.
(الرحمن الرحيم)، قال الله: أثنى عليّ عبدي.
(مالك يوم الدين)، قال الله: مجدني عبدي.
(إياك نعبد وإياك نستعين) قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ولا الضالين) قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل).
(حمدني عبدي، أثنى عليّ عبدي، مجدني عبدي) كل هذا ثناء.
إذاً قبل أن تدعو ينبغي أن تثني على الله بما هو أهله.
وأي إنسان يدخل على ملك من الملوك يخاطبه أولاً بقوله: يا أيها الملك المعظم الكريم، الذي عم كرمه الجميع وفعلت وفعلتَ، ويثني عليك الناس إلخ، فهو بهذا فخمه وعظمه من أجل نفسه.
فمن الغيب في حقه ألا يعطيك شيئاً، وثناؤك عليه كتبت يغريه على العطاء.
لكن إذا دخلت وقلت له: عمالك في الأرض مفسدون، وكذا وكذا، وتعمل كذا، وأنت نائم على آذانك، ونريد العدل ونريد الحقوق، وجئتك في رفع مظلمة، وفعل عاملك كذا وكذا، ولابد أن تفعل إلخ، يقول: خذوه إلى الحبس لماذا؟ لأنه لم يسلك الطريق الصحيح.
(قمن أن يستجاب لك إذا أثنيت)؛ لذلك قبل أن تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، أثن على ربك: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:٢ - ٣].
وانظر إلى كلمة (الرحمن الرحيم) هذه، رحمته تقتضي أنه لا يترك عباده هملاً لا يدلهم على ما ينفعهم، وإن رحمته بإرسال الرسل أعظم -كما قال بعض العلماء- من الرحمة الشاملة العامة التي هي مثل كلأ الدواب وطعام البهائم إلخ.
فأنت تقدمُ بين يدي دعائك ثناءً على الله، كما في الحديث الصحيح عند الترمذي: (أن النبي ﷺ سمع رجلاً يدعو، ويقول: اللهم إني أسألك بأنك الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي ما سأل به أحدٌ إلا أجيب)، فهذا كله ثناء على الله ، قدمه هذا الرجل بين يدي دعائه.
стр. 1623
النبي ﷺ يوضح الصراط بمثل مضروب
إن الصراط المستقيم هو غاية المطلوب من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وإنما بعث الله الرسل وأنزل الكتب ليسلك الناس هذا الصراط المستقيم.
هذا الصراط كيف شكله ووصفه؟ الرسول ﵊ وضح لنا في حديثه شكل الصراط، فقال: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً) تخيل الطريق: هذا الصراط المستقيم، سنقول: الصراط المستقيم بعرض هذا المسجد، وهذا طوله.
(وعلى جنبي الصراط سوران): هذا الجدار سور، وهذا الجدار سور.
(وفي السور أبواب): هذه الشبابيك سنعتبرها أبواباً.
(وعلى الأبواب ستورٌ مرخاة): كالستائر التي توضع على الشبابيك، فعلى كل باب ستار.
فربما يقول إنسان: لماذا ستائر؟! لماذا لم يقفل نهائياً؟! نقول: هذا من تمام البلاء؛ لأن الواحد لو حاول فتحها بيده فسيفتحها، وذلك: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] إذا أغلقت بقفل يجوز أن الضعيف المجرم لا يستطيع أن يفتحه، فيصده ضعفه أن يلجه، والحياة هذه هي حياة اختبار، والله يعطي لكل إنسان الحرية ويقول له: اعمل.
فإذاً: كلمة (ستور مرخاة) دلالة على أن الإنسان يمكن له أن يلج المحارم ببساطة وسهولة، ما يصده عن ذلك إلا دينه وتقواه، وهذا من التشبيه الجميل: (على الأبواب ستورٌ مرخاة).
الناس يمشون على طول الصراط، فهل يعرفون ما هذه الأبواب؟ نقول: نعم، لقد أوقف داع على أول الصراط -وليس في وسطه، لئلا تكون لأحد حجة، فيقول: أنا لم أدر، ولم يقل لي أحد- يقول هذا الدعي: (يا أيها الإنسان -ويشير إلى كل باب من هذه الأبواب- هذا من محارم الله، لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه).
كما ذكر رسول الله ﷺ : (ويحك! لا تفتحه، فإنك إن فتحته تلجه).
(وفوق الصراط داعٍ آخر) كان الداعي الأول في أول الصراط، وهناك داعٍ آخر في أعلى الصراط، فوقه لا في آخره.
و (فوق) هذه لها معنى جميل غاية في الجمال، (فوق الصراط داعٍ آخر) الكلام مجمل؛ فقام الرسول ﵊ يضرب مثلاً لكي يوضح المسألة فقال: (الصراط هو الإسلام)، ألسنا نقول: المثل كله بيان، من باب المبيَّن.
(الصراط: هو الإسلام، والسوران: حدود الله) فهذه حدود الله كلها.
(والأبواب: محارم الله) ولو فتحت الباب وذهبت خلف السور ستذهب إلى أين؟ انظر إلى المشكلة! أنت لو فتحت من هنا فستنزل مباشرةً.
انظر (والأبواب: محارم الله) أنت تعلم أن هذا فيه تفسير لحديث النعمان بن بشير: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمورٌ مشتبهات).
هذا المسجد أليس ثلاث مناطق: هذا الحلال، وهذا الحرام، وهنا الشبهة.
وهي ثلاث مناطق: هذه المنطقة الأولى، وهذه المنطقة المنزوعة السلاح، وهذه المنطقة الثالثة.
لو أن أحداً قعد في هذه المنطقة لا يعدوها أبداً، فهل من الممكن أن يصل إلى الحرام؟! مستحيل، كيف يصل؟! أما إذا قفز من فوق السور، ودخل إلى هنا -في منطقة الشبهة- فإنه يمكن أن يدخل الحرام؛ بأن يظل ينط وينط حتى يتجاوز السور فيدخل الحرام.
إذاً: أنت كي تظل في الحلال، ولا تصل إلى الحرام في حياتك كلها، لابد أن تبتعد عن الشبهات: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه).
إنسان عطشان يكاد يموت من العطش، وجد خمارة، فدخل إليها، وشرب ماء وخرج، ورأيناه، سنقول عليه: خمورجي، وسنقول: انظروا إلى هذا الرجل الفاسد الفاسق الذي كان للتو يشرب خمراً؛ مع أننا لم نره، لكن هذه شبهة؛ فلم دخل فيها؟! فأنت إذا ابتعدت عن الشبهة، فمن المستحيل أن تقع في الحرام، وستستفيد شيئاً آخر، وهو أن عرضك يظل موفوراً كريماً لا يثلم.
إذاً: حديث النعمان بن بشير فيه توضيح لهذه الجزئية.
هذان السوران: حدود الله، وهذه الأبواب: محارم الله، فمن يدخل من الباب ينفذ إلى خارج السور، ومن وقع في الشبهة، فقد يظل ينحرف حتى يقع في الحرام.
(والداعي على أول الصراط: كتاب الله -فيه كل شيء- والداعي فوق الصراط: هو داعي الله في نفس كل مسلم) الوازع الضمير التقوى في قلبك.
وانظر إلى عظمة هذا الداعي! ولذلك كان من فوق لماذا؟ لأن نداءه علوي يتنزل على القلب، وكل ما يصدر عن العبد إنما هو انفعال لهذا القلب.
الوازع هذا هو التقوى، وقد يقرأ الإنسان آيةً من كتاب الله فلا تؤثر فيه؛ لكن إذا كان عنده وازع من ضمير استفاد بكتاب الله.
لا يستفيد بكتاب الله إلا الأخيار أصحاب القلوب الطاهرة، وكأن القلب هذا مظلة والقرآن تحتها، لا يستفيد المرء بالقرآن إلا إذا كان صاحب قلبٍ نقي.
стр. 1624
الصراط المستقيم هو الإسلام
الصراط: هو الإسلام.
إذاً: أي إنسان يسلك طريقاً غير الإسلام، فإنه قد سلك غير الطريق المستقيم.
يدخل المرء في الإسلام إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت.
بعض الناس يظن أنه لو قال الشهادة فقط يكون تم إسلامه، نعم تم إسلامه بمعنى أنه سيحفظ ماله ويحفظ دمه في الدنيا فقط، لكننا نتكلم الآن عن الإسلام الذي يوصل إلى الله.
فأهل البدع لم يسلموا لله.
ولا يفهم إنسان أنني حين أقول: إنه ليس مسلماً، أنه كفر لا، أنا قلت: إنه لم يسلم الإسلام هو الموصل إلى الله.
هو قد أسلم، وصان دمه وماله في الدنيا، لكن أهل البدع عن الصراط ناكبون لماذا؟ لأننا قلنا: الطريق إلى الله طريقٌ واحد فقط.
стр. 1625
مناقضة البدع للصراط المستقيم
الإسلام: معناه الالتزام بأوامر الله ، وألا تسكن متحركاً ولا تحرك ساكناً إلا إذا كان مأذوناً لك فيه.
ولله در سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وشيخ الفقهاء، وسيد الزهاد والورعين في عصره كان ﵀ يقول: (إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل).
إن أحببت أن تحك رأسك فحبذا لو كان معك دليل الحك، يا ليتك تحك جسمك بدليل.
والآن تجد من يعقد الصفقة بدون دليل، ويضع ماله في البنك بدون دليل، ويرتكب الموبقات بدون دليل، فإذا وقعت الواقعة قال: يا أيها المفتي! النجدة! شخص أتى يقول لي: اشتغلت في المكان الفلاني، وحصّلت أموال اختلاسات -ثلاثين أو أربعين ألف جنيه- بدأت أشتغل، كنت أعمل سبع عشرة ساعة في اليوم، جمعت هذا المال إلى أن أصبح كالهرم، اشتريت بيتاً، واشتريت أرضاً، وأكلت أنا وأولادي إلخ، وفي يومٍ من الأيام اشتكى بعلةٍ، فذهب إلى الطبيب، فإذا هو مريض بداء عضال فلما رأى خاتمته اقتربت، هرع إلى العلماء الذين اتخذهم وراءه ظهرياً طيلة عمره، يقول: أنا اقتربت من الموت، انظر لي حلاً! تقول له: ليس عندي حل، فيقول لك: (أبوس رجليك! شف لي حلاً!) لن أخرج من هنا حتى تأتيني بحل.
- أنت يا أخي ستتعبني معك.
- لماذا؟ - أأنا آخذ نارها وأنت تأخذ حلاوتها؟! لا، هو يريد حلاً الآن الآن! تقول له: اخرج من البيت.
يقول لك: هل أقعد على الرصيف؟! حسناً: اترك الأملاك وتب.
يقول لك: ماذا أفعل؟! أنا تورطت وكتبت هذه الأملاك بأسماء أولادي في الشهر العقاري، وسجلت البيت، ولو قلت لأولادي: تعالوا نرجع في البيع الآن، فلن يوافقوني ماذا أعمل؟! انظر أين السبب فهاهو سفيان الثوري ﵀ يقول لك شيئاً ما قد تضحك منه: (إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل).
يا أخي: أنت حين تكون تاجراً كبيراً، فإنك تتخذ لك مستشاراً قانونياً براتب شهري تستشيره، وتتخذ محامياً من أجل أن يسلك لك السكك شخص رفع لك قضية وشخص زور لك البضاعة وكل هؤلاء تدفع لهم مالاً، وحين يقسو قلبك، فإنك لم تفكر أن تستشير عالماً مجاناً: ترفع سماعة التلفون، تقول: أنا والله قسا قلبي وضاقت مذاهبي، فماذا أفعل؟ لا يخطر على باله أن يفعلها، مع أن سؤال العالم مجان! من تمام الصراط المستقيم: ألا تبتدع، أصحاب البدع ناكبون عن الصراط المستقيم؛ لأن الطريق إلى الله واحد، وهو خلف النبي ﵊: (خير الهدي هدي محمدٍ ﷺ .
стр. 1626
معنى الإسلام
الإسلام: هو الاستسلام، ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] * ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة:١٣١]، هذا هو الالتزام.
لأن هناك جماعة من إخواننا يظنون أن إعفاء اللحية اسمه التزام لا، هذا من الالتزام.
يقول أحدهم: أنا من يوم ما التزمت يقصد: من يوم ما التحيت.
وليس مقصودي التصغير من شأن اللحية لا، اللحية واجبة، وحلقها حرام؛ لكن ليست هي كل الالتزام، إنما هي من الالتزام، إنما الالتزام معناه: ألا تحيد عن أوامر الله وألا تدخل في نواهيه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]، وقال ﵎ للنبي ﷺ ومن معه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢].
стр. 1627
الأولاد وتنشئتهم على الإسلام
ومن أجل هذا نحن نوصي الآباء دائماً: أن يهتموا بأولادهم من وقت وضع النطفة؛ فمن كان يريد ولداً صالحاً فليسم على نطفته.
تربية الولد لا تبدأ بعد أن يطر شاربه ويصير ثخيناً يفتله ويبرمه بل تبتدئ التربية من وقت وضع النطفة، وكلما ضربت الجذور إلى أسفل كانت الصلابة أقوى.
مثلما يقول العلماء: التعلم في الصغر كالنقش على الحجر.
النقش على الحجر لا يذهب ولا يزول؛ بسبب أن الابتداء مبكر.
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلينُ إذا قومته الخشب الغصن الصغير هذا إذا أردت أن تعدله يعتدل، وأنت ترى الشجرة التي أنت زرعتها أمام بيتك، وهي لا تزال عوداً، وإذا طلعت مائلة، تقوم أنت فتشدها وتربطها بحبل لكي تطلع مستقيمة، لكن دعها إلى أن تثخن وتغلظ، ثم ائت بجرار زراعي وجنزير وشدها، وسيقال لك: هل أنت تريد أن تخلعها أو ماذا؟ تقول: أنا أريد فقط أن أعدلها؛ فيضحكون عليك لماذا يضحكون؟ لأنه لا يمكن أن تعتدل الشجرة أبداً! تركها حتى صارت ثخينة جداً ويريد أن يعدلها؟! لا يمكن ذلك: إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب إذاً: إذا أردت أن تكون الصفة أثبت، فلابد أن تبتدئ من الصغر.
وأذكر مرة أن بعض علماء العربية سئل عن مسألة دقيقة جداً في العربية -والسائل أيضاً من العلماء- فظن السائل أن الشيخ سيقول له كلمة واحدة فحسب، وإذا بهذا العالم ينفتح، ما انتهى من الكلام، وقعد يجول يميناً وشمالاً، والسائل منبهر.
أنت تعلم أن الكافيجي أحد مشايخ السيوطي، يقول عنه السيوطي: ما دخلت عليه مرة إلا استفدت منه سمي الكافيجي لأنه كان يحفظ كافية ابن الحاجب، فمرة دخل السيوطي عليه فقال له: أعرب: زيدٌ قائم.
فـ السيوطي قال: يا أستاذ أنت رجعتنا إلى أيام الكتاتيب (زيد قائم)؟! هذه أي طفل صغير يعربها، قال له: فيها مائة وسبعة عشر وجهاً! فقال: لا أقوم حتى تمليها عليّ.
فهذا العالم -مثل الكافيجي - انفتح ولم ينته من الكلام، فتعجب منه السائل وقال له: قل لي كيف حصلت هذا العلم! هكذا العلماء لطاف ظراف خفاف، إجابتهم حلوة تحتاج إلى إنسان ذكي، إنما الغبي هو الذي لا يفهم شيئاً أبداً.
أنت حصلت هذا العلم من أين؟ قل لي كيف ومن أين أتيت به بالضبط.
فقال له: تعلقت ليلى وهي بعد صغيرةٌ ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا صغيران لم نكبر ولم تكبر البهم هل فهمتم؟ إذالم تفهموا فهذه مشكلة كبيرة! فإن إجابته من أعذب الإجابات.
(تعلقتُ ليلى): أي أحببتها، وأخذت علقة قلبي أنت تعلم حين يكون الواحد جائعاً جداً جداً، يقول: أنا عليقة قلبي ستسقط فهذه العليقة هي التي تحمل القلب في الصدر.
(تعلقت ليلى وهي بعد صغيرةٌ): أحببتها وهي صغيرة جداً.
(ولم يبد للأتراب من ثديها حجم): يريد أنه لم يكن لها ثدي.
(صغيرين): تعلقتها ونحن صغيران.
(نرعى البهم): البهم: صغار الماعز والضأن والوحوش والبهائم.
وفي حديث أنس يقول: (كنا نأوي -أي: نشفق- على النبي ﷺ إذا سجد باعد ما بين منكبيه، حتى لو أن بهمة أرادت أن تمر من تحته لمرت).
إياك أن تقول: البهمة هي هنا الجاموسة الكبيرة!! فإن (البهمة) هنا هي صغار الوحوش وصغار الحيوانات، كعنزة صغيرة لو أرادت أن تمشي من تحت يده لمرت.
(صغيرين): أي كنا نأخذ راحتنا، لكن أنا أول ما بلغت وهي بلغت حجبوها عني، إذاً يا ليتنا نرجع صغيرين مرة أخرى هذا معنى البيتين.
ويقصد العالم -حين تمثل بهما- أنه درس العربية وهو صغيرٌ جداً، ولهذا انطلق في الجواب عن هذه الجزئية الصغيرة، وتعلق بالعربية مثلما تعلق هذا الرجل بـ ليلى لما كانت صغيرة.
إذاً دائماً الإنسان حين يتعلم وهو صغير يصل إلى دقائق العلم.
وأنت حين تكون غواصاً شابّاً؛ تستطيع أن تصل بقوتك وفتوتك إلى قاع البحر؛ لكن حين يريد شخص آخر -وهو عجوز- أن يصل إلى قاع البحر، فسيغرق، وسيقول: أنقذوني! لا حول له ولا قوة ولا طول! إذاً: نفهم من هذا أن التعلم -سواء كان تعلم الإيمان أو تعلم العلم- إنما ينبغي أن يكون في مرحلة البداية من حياة الإنسان.
إذاً: الاستقامة على الطريق تستلزم إيماناً وعلماً، فابنك حين يفتح عينيه على الصراط المستقيم -الذي هو الإسلام- ويفهم معنى كلمة (إسلام)؛ فسيصل.
стр. 1628
المحرمات وكيفية اجتنابها
قوله: (والسوران: حدود الله): حين يكون لك قطعة أرض فإنك تسورها.
وحدود الله فيها راحة إذا حدد لك الله ما يريده منك -أمر ونهي- كانت المسألة واضحة المعالم، ليست مبهمة، بل لا تعرف ما أنت مأمور به أو منهي عنه.
والحدود هذه فيها أبواب.
لماذا كانت هذه الأبواب لم تكن هي أبواب الحلال؟ لماذا هي أبواب الحرام؟ كان من الممكن أن يقول لك: الناحية اليمين أبواب الحلال، والناحية الشمال أبواب الحرام، ما معنى أن يكون السور ما فيه إلا أبواب الحرام فقط؟ قال الشاعر: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه الحرام قليل أم لا؟ قليل؛ لأنه معدود هذه الأبواب تستطيع أن تعدها أم لا؟ تستطيع أن تعدها، إنما كل أبواب الحلال في الطريق، والحرام: عشرون أو ثلاثون باباً، مائة باب، خمسمائة باب، أما الحلال فإنه لا يعد، لا تستطيع أن تعده، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤].
إذاً من تمام رحمة الله: أنه جعل أبواب الحلال غير معدودة.
إذاً وسع عليك الحلال أم لا؟ لكن طالما قال لك: وفي السور أبواب، تستطيع أن تعدها، وكل ما حصره العد قليل وإن استكثرته، كل ما حصر بالعدد قليل وإن استكثرته، ولذلك ربنا يقول: (بغير حساب) لأن كل شيء يأتي عليه العد فهو قليل وإن استكثرته، ولهذا يقول الشاعر: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه لأنها إذا دخلت في نطاق العد كانت قليلة: من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط لا يوجد.
إذاً: حين يقول لنا: (وفيهما أبواب) فقد دلنا على أن الحرام قليل.
إذا أراد الله أن يعاقب أحداً فإنه يحرم عليه الحرام -كمثل غيره- ويأخذ جزءاً من الحلال فيحرمه عليه.
إذاً: ضيق عليه باب الحلال، كما قال في حق اليهود: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء:١٦٠ - ١٦١].
حرمت عليهم أشياء، ولما ظلموا حرم عليهم أشياء كانت حلالاً قبل ذلك قلنا: الحلال كثير، هل من أحد يستطيع أن يقول لي: أين الحلال في هذا الطريق الطويل؟ لا أحد يعرف ذلك؛ لكن هذه الأبواب معروفة.
إذاً: بالغ في تعريفنا بالحرام حتى لا نلجه، قلله أولاً، ثم عرفه ثانياً، لكيلا يأتي أحد فيقول: أنا لا أعرف الحرام.
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩] لا يقف عبدٌ أمام الله خصماً له إلا خصمه، وأقام عليه الحجة؛ ولهذا بين الحرام زيادة بيان، والحلال -لأنه كثير جداً- لم يفصل لنا أفراده.
وأنتم تعلمون أن هذا الكلام عند علماء الحديث يشبه العدالة والجرح: أي راوٍ من الرواة حين ينقل حديثاً، ننظر في حاله أهو عدلٌ أم مجروح.
(مجروح) ليس معناها أن واحداً أخرج مشرطاً وقطع جلده! لا، (مجروح): أي: طعن فيه العلماء، قالوا: فاسق، رقيق الدين، زنديق، سيئ الحفظ، مُنْكَر الحديث هذه كلها جرح معنوي، وإنما قيل: (جرح) تشبيهاً بالجرح الحسي.
العدالة: هي صفات الكمال وجميل الخصال التي تكون في الإنسان، نقول مثلاً: دَيِّن، خيّر، ورع، تقي، حافظ وهذا اسمه تعديل، والقدح اسمه جرح.
علماء الحديث قالوا: لا يشترط ذكر أسباب العدالة؛ لاتساع الأمر؛ فليس عليك -إذا قلت: إن تذكر فلاناً عدل- أن تقول: زاهد، ورع، تقي، يأكل الحلال، يترفع عن الشبهات، لا يضرب أباه، لا يضرب أمه، لا يضرب إخوته، لا يؤذي جاره فالموضوع طويل عريض، سنظل نقول: يعمل، لا يعمل لن ننتهي في يوم، ولهذا لا يشترط ذكر أسباب العدالة لأنها طويلة جداً، لكن لا يجرح المرء إلا بسبب.
جرحته؛ قل لي لماذا؛ لأن أسباب الجرح محصورة، يمكن أن يأتي عليها العد.
فسنعتبر الحلال مثل باب العدالة، ونعتبر الحرام مثل باب الجرح.
فمعنى أن الأبواب في السور دلنا على أنها قليلة وظاهرة، وأنت تعلم أنه حين يكون الحرام في السور، فمعنى ذلك أنه قريب المنال انظر إلى الفتنة! نحن قلنا: إننا سنفترض المسجد هذا هو الإسلام، وهذا السور الأول وهذا السور الثاني، ربما تمشي هنا بجنب السور في نفس الوقت لكنك في الصراط المستقيم، فهذا هو الصراط المستقيم، تمشي هنا أو تمشي هنا أو هنا أو هنا كله صراط.
سنفترض وأنت على الصراط المستقيم أنك بجانب السور، فأنت إذن قريب ويمكن أن تقع؛ ولهذا قال: والداعي الذي فوق: الوازع، فأنت قريب من الباب، فيقوم يشدك من قفاك هكذا، ويسحبك إلى فوق: لا تدخل.
هل عرفت لماذا هو فوق؟ لأن الذي يمشي في الصراط يمكن أن يكون قريباً من الباب وأن يدخله.
стр. 1629
الحذر من زخرف المعصية
كون أبواب الحرام في السور يعني أنها قريبة المنال.
ولأجل هذا ينادي الداعي من فوق: (يا أيها الإنسان! لا تفتح الباب؛ فإنك إن فتحته ولجته).
إذا فتحت الباب فستدخل فيه مباشرةً.
لكن: هل يمكن أن يفتح الباب وينظر ويرجع؟ نقول: لا ينجو من هذا إلا الأفذاذ الأفراد؛ لأن الحرام له بريق يخطف الأبصار، كل شيء من الحرام تجده جميلاً جداً، تستلذ به، حتى القط حين يخطف اللحمة ويهرب، فإنه يقعد يقلبها ويأكلها مستمتعاً بها، يخطفها ويهرب أولاً، ثم يقعد يقلبها، ويحس أنها ظفر.
فكل حرام له بريق فلذلك: لو فتحت الباب فربما كان قلبك ضعيفاً فتدخل مباشرة، إياك أن تفتح الباب، حاول ألا تفتح الباب، كما قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات)، كل شيء يوصلك إلى المهلكة تجده جميلاً.
مثل: موبيليا دمياط يأتون بخشب أبيض وينحتونه، ويجعلون له قشرة جميلة رائعة، بعد شهرين تجد أن الكرسي يعوج؛ لأن أصل الخشب كان -وهو طري- مليئاً بالماء، فلما يبس الخشب اعوج، غرفة النوم -الدولاب- تجده ذا قشرة جميلة، الغرفة بخمسة آلاف، وبعد حين ترى أن الدولاب بعيد عن الحائط قليلاً، فأنت تحب أن تزحزحه قليلاً أنت وامرأتك، فتجده قد اعوج فتبحث عن سبب ذلك فتجد أن الدولاب عبارة عن الخشب الذي يصنعون منه صناديق الطلاء، خشب خفيف عبارة عن ورقة صغيرة جداً، وشكله جميل.
الحرام مثل هذا بالضبط، جميل، رائع، تنظر إليه يعجبك، ولذلك لا نأمن عليك إذا فتحت الباب، فربما تدخل، والحل: ألا تفتح الباب، إنك إن تفتحه تلجه، إن تفتح الباب تلجه مباشرة، ولاسيما لأن هناك شياطين، عامل مساعد يعينك على الدخول (إنك إن تفتحه تلجه).
стр. 1630
الحذر من الشياطين
والصراط المستقيم هذا عليه شياطين، ونضرب مثلين: المثل الأول: إنسان خارج من بيته وسمع النداء في المسجد، خرج لكي يصلي الجمعة -أو الظهر أو العصر أو المغرب- قابله آخر من شياطين الإنس: يا سني! خذني على جناحك! فيلتفت إليه ويقول له: تشتمني؟! فيدخل معه في شجار.
ولنفرض أن شيطان الإنس قوي، وظلوا في الشجار ربع ساعة ففاتت عليه الصلاة، فهذا خرج لا يقصد إلا الذهاب إلى الجامع، فظهر له هذا الإنسان وتحرش به، هو أيضاً دخل معه في الشجار، وكل منهم ضرب الآخر ضربة مشينة؛ وضيع عليه الصلاة ولو كان الرجل المصلي صاحب عضلات، فقام وضربه وقهره، ثم تركه وأخذ يجري، فلربما التحق بالصلاة في الركعة الرابعة، إذاً فوت عليه تكبيرة الإحرام، والصف الأول، وإدراك ثواب الجماعة من أولها.
إذاً: يعرض للإنسان وهو ذاهب إلى الله شياطين مثل هؤلاء، لكن إذا قال له الشيطان: يا سني، أو يا ابن ستين في سبعين، فتلا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥]، أو: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، الله يسامحك يا عم، ومضى، إذاً هذا أفضل أو لا؟ إذاً وأنت ماش على الصراط المستقيم الكل سيناديك: يا فلان! تعال، أنا أريدك في مسألة مهمة جداً، أنا منتظر لك من الصبح إياك أن تلتفت إليه وأنت ماض، امض قدماً، إنك متى التفت إلى المعوقين لا تصل، وإذا وصلت كنت في أخريات الناس وفي آخر الركب، وهذه مشكلة من جهة الأجر والقرب من الله ﵎.
стр. 1631
التأني في السير
المثل الثاني: يقول علماء الحيوان: الظبي أسرع عدواً من الكلب، ومع ذلك إذا التفت الظبي إلى الكلب خف سعيه فأدركه الكلب، مع أنه أسرع.
قصة الأرنب والسلحفاة: قالت السلحفاة للأرنب: هناك خص -أو كرنب- ما رأيك نذهب إليه ونأكل؟ قال لها: اذهبي أنت، ستصلين إن شاء الله السنة القادمة، إنما أنا بقفزتين مني سأصل مباشرة.
قعد الأرنب يلعب ولم يسر مع السلحفاة، والسلحفاة جادةٌ في سيرها على بطئه وضعفه، حتى صلت وأكلت وشبعت، الأرنب انتبه، أول ما انتبه قفز وقفز وقفز، راح فوجد السلحفاة أكلت كل الكرنب، قال لها: كيف وصلت قبلي، برغم أنني أتيت أعدوا؟! فانظر! هذه وصلت بسعي بطيء بطيء، والمثل يقول لك: (ببطء ولكن بثقة)، (من تأنى نال ما تمنى).
وهناك بعض الناس كان يقول لسائقه: امش بالراحة لكي نصل مبكراً، امش على مهلك لكي نصل مبكر، لأنه لو مشى بسرعة فسيدخل المستشفى -مثلاً- أو يصل إلى الدار الآخرة، إذاً امش على مهلك، فارق السرعة لن يتجاوز ربع ساعة، بدلاً من أن نقع في حادث وندخل في سين وجيم، وندخل المستشفى في الجبس! امش على مهلك، ولو مشيت على مهلك فسوف تصل مبكراً.
مثل ذلك الرجل الذي يقول: من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول تمشي على مهلك ولكن دائماً الأول، فكيف ذلك الإخلاص، أقل عمل تعمله بإخلاص تسبق به الجماعة الذين يذرعون الأرض جيئة وذهاباً.
وهذا البيت الشعري جميل جداً، حين قرأته أول مرة، ظللت حوالي نصف ساعة أتأمل فيه: (وإن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكماً -أو لحكمة-).
стр. 1632
القرآن الكريم هو دليل السير في الطريق إلى الله
الداعي على أول الصراط -الذي هو كتاب الله لماذا على أول الصراط؟ حتى تتم حجة الله على الناس، لن تخطو خطوةً واحدة في الصراط إلا بعد وصول البلاغ، ولهذا قال: (على أول الصراط).
لماذا القرآن لم يكن هو الداعي الذي فوق؟ نقول: يا أخي! الناس يتفاوتون في الإيمان، كلما علا إيمانه وعظم صعد إلى فوق.
والذي هو جاهل ولا يعرف أي شيء ويريد أن يتعلم، فإنه على الأرض، حيث يجد القرآن على أول الصراط، إن أردت منه أخذت، فكلما أخذت منه ارتقيت ارتقيت ارتقيت، حتى تصل إلى أن تكون فوق، والذي فوق يبصر أكثر من الذي تحت، فهو أبصر بالحرام، وأبصر بمواضع الشبهات، وأبصر بأعدائه؛ لأنه فوق.
إذاً: كلما ترقى الإنسان زادت حجة الله عليه؛ لأنه -وهو في أول الطريق- لزمته الحجة، ثم تعرف على أوامر الله ونواهيه أكثر فأكثر، فلا يمضي قدماً واحداً إلا وعنده من الله أمرٌ أو نهي.
بهذا تمت حجة الله عليه أم لا؟ تمت حجة الله عليه.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل ما قلناه وما سمعناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميلٍ كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1633
أصحاب الأخدود [١، ٢]
قصة الغلام والملك فيها الكثير من الفوائد والعبر التي يحتاج إليها كل مسلم، وبالذات الدعاة إلى الله في أثناء سيرهم إلى الله ، فمنها يتعلمون الصبر على ما يبتلون به من أنواع الابتلاءات المختلفة، والتي قد تصل إلى بذل النفس، كما حصل مع جليس الملك والراهب عندما رفضوا أن يتنازلوا عن دينهم.
стр. 1634
حديث الغلام والملك
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
روى الإمام مسلم وغيره عن صهيب ﵁، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: ائتني بغلامٍ أعلمه السحر.
فجاءوه بغلامٍ نجيب يعلمه السحر، فكان الغلام إذا سلك إلى الساحر مر بصومعة راهب، فمال إليه يوماً فسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا ذهب إلى الساحر متأخراً ضربه، وإذا رجع إلى أهله ضربوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا ضربك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر.
وفي أحد الأيام خرجت دابة عظيمة حبست الناس، فأرسل الساحر الغلام إليها ليقتلها، فأمسك الغلام بحجر، وقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر! ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة.
ورماها بحجرٍ فقتلها.
فرجع الغلام إلى الراهبِ -وقد انتشرت الواقعة- فدخل عليه فقال له الراهب: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.
وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، وكان جليس الملك قد عمي، فلما سمع أن الغلام يشفي الناس من سائر الأدواء ذهب إليه بهدايا عظيمة، وقال له: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني! فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك.
فآمن جليس الملك بالله ؛ فرد الله عليه بصره.
فدخل الجليس الأعمى -سابقاً- على الملك بلا قائد يقوده وقد رجع إليه بصره، فقال الملك له: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربّي.
قال: أولك ربّ غيري؟ قال: الله ربي وربك ورب العالمين.
فما زال يعذبه حتى دل على الغلام، فلما جاء الغلام، قال له الملك: أي بني! قد صار من أمرك ما أرى: تبرئ الأكمه والأبرص، وتداوي الناس من سائر الأدواء! فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى.
فما زال يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك؟ فقال: لا.
فجيء بالمنشار فوضع في مفرق رأسه ونشروه نصفين حتى سقط شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك؟ فأبى؛ فوضع المنشار في مفرق رأسه ونشروه حتى سقط شقاه.
وجيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك؟ قال: لا.
فنادى الملك جماعةً من جنوده، وقال: خذوه إلى قمة أعلى جبل، فإن رجع وإلا فألقوه من على الجبل، فأخذوه، فلما كانوا على قمة الجبل قال الغلام: رب! اكفنيهم بما شئت.
فارتجف بهم الجبل فسقطوا ورجع هو.
فلما رآه الملك قال: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء.
فأرسل طائفةً أخرى من جنوده، وقال لهم: خذوه في قرقور -القرقور: نوعٌ من السفن- وتوسطوا به لجة البحر، فإن رجع وإلا لججوا به أي: أغرقوه.
فلما توسطوا به البحر، قال الغلام: رب! اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا ورجع هو.
فلما رآه الملك قال: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء.
ثم قال الغلام للملك: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تفعل ما آمرك به.
فقال له: وما ذاك؟ قال: أن تجمع الناس في صعيدٍ واحد وتصلبني على هذه الخشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.
فجمع الملك الناس في صعيدٍ واحد، وأخذ سهماً من كنانة الغلام من بين السهام، وصوب السهم إلى صدره، فصاح: باسم الله رب الغلام.
فخرج السهم حيث أشار الغلام، فوقع في صدغه فمات.
فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام.
فقال رفقاء السوء للملك: قد وقع -والله- ما كنت تحذر، كنت تخشى أن يؤمن الناس فآمنوا.
قال: فماذا نفعل؟ قالوا: خدّ الأخاديد على أفواه السكك، -أضرم فيها النار- ثم اعرض الناس على هذه النار، فمن آمن برب الغلام فاطرحه فيها، فجيء بالناس، وعرضوا على هذه النيران، فمن آمن برب الغلام ألقوه فيها، حتى جاء الدور على أم كانت ترضع ولدها، فأول ما فعلوا أخذوا الولد فقذفوه في النار، ثم كأن الأم تقاعست أو خافت، فسمعت صوت ولدها من الأخدود يقول لها: يا أماه! اصبري فإنك على الحق).
стр. 1635
البلاء سنة من سنن الله
الابتلاء سنة الأولين والآخرين، لا ينجو منه كافرٌ ولا مؤمن، ويصدق ذلك قول النبي ﵊، وكان قد رسم مربعاً على الأرض، ثم مد من داخل المربع خطاً طويلاً تجاوز المربع، وحول هذا الخط -داخل المربع- رسم خطوطاً قصيرة على جانبي هذا الخط الطويل، ثم قال ﵊ -وأشار إلى المربع-: (هذا أجل ابن آدم محيط به -لا يفلت أبداً، احتواء من كل الجهات- ثم أشار إلى الخط الطويل الذي خرج من المربع وقال: وهذا أمله -أمله يحتاج إلى أضعاف عمره- ثم أشار إلى الخطوط القصيرة حول هذا المربع فقال: وهذه الأعراض هي المصائب التي تحيط بالعبد في حياته، إذا نجا من عرض نهشه الآخر) معنى هذا الكلام أنه لابد من الابتلاء.
فالذي يفر من الله ورسوله خشية أن يبتلى، نقول له: ستبتلى، ولكن بشكل آخر، إما بامرأةٍ ناشز، أو بولدٍ يضيع، أو بمالٍ وضيع، أو بمصنع يحترق، أو بظالم يظلمك.
أهل الدنيا ليسوا بمأمنٍ من البلاء، بل هم أكثر الناس بلاءً، فلماذا تفر من الله ورسوله، فالابتلاء من أجل الله ودينه فيه شرفٌ لك، وهذه سنةُ الأنبياء والمرسلين.
وهذا الحديث يبين لنا الفتنة التي تلم بالعبد في العقيدة.
فهذا الغلام الذي أيقظ مملكةً بأكملها، ما ظن أنه سيناط به هذا التكليف العظيم.
كذلك نقول لك: لا تحتقر نفسك، إنك لا تدري ما يُكتب لك بأمنيتك، سل أي عالم كبير جليل هل كنت في أي مرحلةٍ من حياتك تظن أنك ستصل إلى هذه المكانة؟ سيقول لك: لا.
سواءً كان الإمام البخاري، أو الإمام أحمد، أو الإمام الشافعي.
ولذلك فإن مواليد العلماء فيها خلاف، لكن وفياتهم لا؛ لأنه يوم ولد كان كملايين المواليد، لا يعرفون، هل سيكون أحدهم عالماً أم قاطع طريق، ولكن عندما يموت يسجل تاريخ وفاته؛ لأنه لم يمت إلا وقد ملأ الدنيا علماً.
فأنت لا تدري ما يكتب لك من أمنيتك، فلا تحتقر نفسك، لعل الله يغير الأمة بك وأنت لا تدري، المهم: أن تفعل كما أمرك الله وأوصى رسوله ﷺ حين قال: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢].
هذا الغلام الذي حول الله به هذه المملكة، غلام صغير، والساحر كان في ذلك الزمان كالمخابرات في هذا الزمان، وكان الملك يستخدمه في تسيير دفة الأمور بلا أسباب، فعندما تقع مشكلة كان يستخدم الساحر، مثلما فعل الملك مع الغلام عندما خرجت دابةٌ عظيمة اعترضت الناس.
قال الساحر عندما كبر: أخشى أن أموت وليس فيكم من يتعلم السحر، فائتوني بغلام نجيب.
فبحثوا له عن هذا الغلام وجاءوا به، فكان يعلمه السحر، وبينما كان الغلام ذاهباً إلى الساحر مر بصومعة الراهب، وكان الرهبان إذ ذاك على الإسلام كما ورد في رواية الترمذي، وهذه القصة تدلك على أنها حدثت بعد عيسى ﵇؛ لأن هذه الرهبانية إنما ابتدعها النصارى.
стр. 1636
الكذب الجائز
لما رأى الغلام الراهب مال إليه؛ لأنه سمع كلامه فأعجبه، وكلام الراهب إنما هو من الوحي، وقيل له: هذا وحي؛ لأنه يمس القلب، فصار الغلام يطيل الجلوس عند الراهب، فإذا جاء إلى الساحر متأخراً ضربه، والساحر يريد أن يستوفي وقت التعليم، وإذا تأخر الولد في الرجوع إلى أهله ضربوه، فيُضرب هنا وهناك، فشكا ذلك إلى الراهب الذي صار محل سره، فقال له الراهب: إذا ضربك الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر.
هذا النوع من الكذب جائز، قال ﷺ -كما في حديث أسماء بنت يزيد بن السكن ﵂: (ثلاث من الكذبِ لا أعدهن كذباً: كذب الرجل على امرأته، وكذب الرجل يصلح بين المتخاصمين، وكذب الرجل في الحرب).
هذه الثلاثة الأنواع جائزة وبعضها واجب، مثل: كذب الرجل في الحرب؛ فإنه يأثم إذا صدق، قالوا له مثلاً: أين مطاراتكم؟ أين مواقعكم؟ فإذا قال الحقيقة أثم.
стр. 1637
الكذب للإصلاح بين الناس
النوع الثاني من الكذب: كذب الرجل ليصلح بين المتخاصمين.
فلو اختصم رجلان، فذهبت إلى أحدهما وقلت له: كنت عند فلان فذكر فضائلك ومحاسنك.
وقال: فلان -جزاه الله خيراً- لا أنسى جميله علي ونحو ذلك، وذهبت إلى الآخر فقلت له نفس الكلام، فهذا مستحب، وتؤجر عليه إن فعلته.
стр. 1638
الكذب في الحرب
والنوع الثالث: كذب الرجل في الحرب.
وهو النوع الذي أوصى الراهب الغلام به؛ لأنه في حرب مع الملك كما سمعتم.
فهذه الأنواع الثلاثة من الكذب جائزة.
стр. 1639
الكذب على الزوجة
كذب الرجل على امرأته: يعني فيما لا يجب الوفاء به، مثل: أن يأخذ مهرها أو يأخذ مالها ثم يقول: سنفعل مشروعاً، ثم سآتي لك بالأرباح، وهو يكذب لكي يأخذ المال! فهذا لا يجوز، ولا يحل له أن يكذب عليها ليذهب بحقها، ولكن الكذب المنصوص عليه في الحديث إنما هو فيما لا يجب الوفاء به؛ مثل إظهار المودة والمحبة القلبية ونحو ذلك.
والمفروض على الرجل ألا يخبر امرأته أن الكذب عليها جائز، لكي يستطيع أن يتصرف، لكن إذا قال لها ذلك، فقد فوت على نفسه خيراً كثيراً، فكلما بدأ بالكذب عليها قالت له: إنك تأخذ أجراً على هذا الكذب، فلم يستفد من رخصة النبي ﷺ .
الكذب على المرأة فيما يتعلق بالمحبة والمودة جائز، كأن يظهر لها أنه يحبها وأنه يعزها، وأنها في سويداء القلب، فهذا مستحب لماذا؟ لأن الحياة تصلح بذلك، فهذا هو الكذب الذي عناه النبي ﵊ في هذا الحديث.
стр. 1640
ظهور الحق بقتل الدابة
وفي إحدى الأيام خرجت دابة -في رواية الترمذي أنها كانت أسداً- فحبست الناس، فأرسل الساحر الغلام ليقتل هذه الدابة، فأخذ الغلام حجراً وقال: اليوم أعلم أمر الراهبِ أحب إلى الله أم أمر الساحر! ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة.
فقدم أمر الراهب على الساحر، وهذا يدل على الحب الذي كان يكنه للراهب؛ لأنه كان يمكن أن يقول: اللهم إن كان أمر الساحر أشر وأبغض إليك فاقتل هذه الدابة، لذلك قدم الراهب في الذكر؛ لأنه الأحب إليه، أراد أن يرى آية حتى يستريح، فأظهر الله هذا الآية.
ولذلك نحن نقول: كل آية أنجاك الله بها من مصيبة خذها مثالاً وقس عليها، وحسّن ظنك بربك، فإذا أنجاك من ورطة ثم وقعت في ورطةٍ أخرى، فقل: كما أنجاني في الأولى ينجيني في هذه؛ لأن هذا أدعى لاستقرارك على طريق الحق.
كان هناك رجل قد سجن، وهذا الرجل كنا جميعاً نظن أنه صار في عداد المحكوم عليهم بالإعدام، وسجن سجناً مخصوصاً، وجعلوا عليه عميداً مخصوصاً يمنع دخول أي شيء إليه، وكان هذا الرجل أحد الدعاة الكبار، فيشاء الله أن يكون هذا العميد المختار يحب هذا الداعية جداً، فكان كل يوم يترك له دجاجة مشوية: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
فهذا الغلام يريد أن يرى آية من الآيات حتى تثبت إيمانه، وأن هذا الرجل على الحق فلا يحيد.
فلما رمى هذا الأسد بالحجر قتله، فظهر له بجلاء أن الراهب على الحق.
стр. 1641
دعاء الغلام لجليس الملك وشفاؤه بإذن الله
بدأ صيت الغلام ينتشر ويعرفه الناس، وكان يبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من شر الأدواء، فسمع به جليسٌ للملك، وكان من أصدقائه وأحبابه، لكنه عمي، فلما سمع أن الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من العمى؛ جمع له هدايا عظيمة، وفي هذا دليل على ما ورد في بعض الآثار، ولكن فيه نزاع والراجح ضعفه، والذي قال فيه: (إن الهدية تسل سخيمة الصدر).
فهذا الرجل جاء بهدايا عظيمة، وقال للغلام: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، أي: إن رددت علي بصري فجميع الهدايا لك.
فبدأ الغلام يدعو إلى الله ، قال: إني لا أشفي أحداً ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك.
هنا وقفة مهمة، وأولى الناس بالالتفات إليها الدعاة إلى الله : راقب كلام الغلام! ولاحظ دقته في التعبير! قال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به -لم يقل: شفيتك- دعوته فشفاك.
فهذا رجلٌ أمين على دعوته، لا يسعى لمجد شخصي، ولا يأكل بدينه دنيا.
فالغلام عليه الدعاء فقط، وبعد ذلك ليس له أي دخل في الموضوع، وهذا من الأمانة في سبيل الدعوة، فإنك إذا لاحظت أو رأيت أن أناساً غلو فيك ينبغي أن تردهم؛ حتى لا ينسبوا إليك ما لا يجوز لك، فإن النصارى كفروا بسبب الغلو، وكل غلو نهايته إلى الكفر، ولذلك الرسول ﵊ كان يرفض هذا الغلو.
ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁، قال: (بينما رسول الله ﷺ يخطب الجمعة، إذ جاءه رجلٌ أعرابي فوقف على الباب، فقال: يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، فادع الله أن يسقينا؟ قال: فرفع النبي ﷺ أصبعه السبابة إلى السماء وهو على المنبر) وهذا هو الذي يجوز للخطيب، فلا يجوز له أن يرفع كلتا يديه؛ إنما يرفع أصبعه بالتوحيد.
أما رفع اليدين، فقد روى مسلم في صحيحه عن عمارة بن رؤيبة ﵁، أنه رأى أحد خلفاء بني أمية على المنبر يرفع يديه على المنبر ويدعو فقال: (قبح الله هاتين اليدين، ما كان النبي ﷺ يرفع يديه أبداً، إنما كان يشير).
فأنت إذا كنت تخطب على المنبر وتريد أن تدعو، فعليك أن تشير بأصبعك السبابة فقط.
قال أنس ﵁: (فرفع النبي ﷺ أصبعه السبابة إلى السماء، وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.
قال أنس: وكانت السماء مثل الزجاجة -صافية- فما إن دعا حتى تكاثر الغمام، وما نزل ﷺ من على المنبر إلا والمطر يتحدر من على لحيته، وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة).
وفي الجمعة التالية والرسول ﵊ يخطب، جاءه الأعرابي فوقف على الباب، وقال: (يا رسول الله! هلك الزرع والضرع، فادع الله أن يحبس عنا الماء.
فتبسم النبي ﷺ وقال: أشهد أني عبد الله ورسوله، -هذا الشاهد من الحديث: (أشهد أني عبد)، ليس لي دخل في الموضوع، أنا لم أصنع شيئاً- اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الضراب والآكام ومنابت الشجر) فكان حول المدينة مطر وفوقها شمس.
وعندما كسفت الشمس في موت إبراهيم ابن النبي ﵊ قالوا: كُسفت الشمس لموت إبراهيم؛ فأزعجه ذلك؛ لأنه أمينٌ على الوحي ولأنه بُعث ليعلم الناس دين الله ويعلقهم برب العالمين فعندها أمر أن ينادى: الصلاة جامعة.
واجتمع الناس فقال لهم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن إذا رأيتم ذلك فعليكم بالصلاة).
والداعية إلى الله همه أن يربط الناس بالله لا بشخصه؛ فلذلك لابد أن يكون دقيقاً في ألفاظه، يذكر ما يفعله وينخلع مما لا يقدر عليه.
قال جليس الملك: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني.
قال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى؛ فإن آمنت به دعوته فشفاك -إذاً عمله الدعاء فقط-.
أما الباقي فكله لله ﵎، كما قال إبراهيم ﵇ وهو يعرف رب العالمين للناس، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨١].
فذكر ضمير الرفع المنفصل: (هو) في ثلاثة مواضع، وأخلى الموضع الرابع منه: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١] لم يقل: (هو)، والقضية المرتبطة التي يشترك فيها العبد مع الرب ﵎ ذكر فيها ضمير الرفع هو: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] لأنك ربما قلت: كنت ضالاً جاهلاً، وكنت غير ملتزم فهداني فلان.
والهداية يشترك فيها العبد والرب ﵎، مع التباين بين هداية العبد وإرشاده، وهداية الرب التي هي استقامة على طريق الإسلام فعلاً.
فلما التبس الأمر بين العبد وربه قال: (هو) أي: لا غيره، هو لا غيره الذي يشفيني، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩] من الجائز أن يقول الإنسان: كنت سأموت لولا أن فلاناً أطعمني وسقاني.
نحن نقول: إن الله ﵎ يخلق فيك الشبع بسبب الطعام، لا أن كل طعام يشبع، فلربما أن الإنسان يأكل ولا يشبع، ويشرب ويحتاج إلى تناول الماء، فلو كان امتلاء المعدة النعمة بالماء والطعام دافعاً للجوع لما جاع آكل ولما ظمئ شارب، وهذا ليس معناه نفي الأسباب نفسها لا، الله هو الذي يخلق الري في الشراب، ويخلق الشبع في الطعام.
يقول: إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩] هو الذي يشبعني، كما في الصحيحين: (أن رجلاً كافراً جاء النبي ﷺ فقال: اسقني يا محمد.
فحلب له لبن شاه، فشرب، ثم قال: اسقني، حتى شرب سبع مرات، ثم أسلم بعد ذلك، وجاء في إحدى المرات فقال: اسقني يا رسول الله؟ فحلب له لبن شاة، فشربها وحمد الله، فقال ﷺ : (المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
فلما التبس هذا الأمر أكده إبراهيم ﵇ بضمير الرفع، وأن الذي يشبع هو الله، ليس مجرد أنك تناولت الطعام؛ ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
(وما رميت -أي: وما أصبت- إذ رميت -لما أرسلت السهم- ولكن الله رمى).
ثم قال إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] انظر إلى الأدب! نسب المرض لنفسه؛ وأنه هو الذي أمرض نفسه، وكان مقتضى الكلام أن يقول: (وإذا أمرضني فهو يشفين)؛ لكن تأدباً لم ينسب المرض إلى الله، كما قال العبد الصالح: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، فنسب هذا إلى نفسه، ولما ذكر التفضل قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
نحن نتعلم طريقة عرض الأنبياء للدعوة إلى الله في كتاب الله ، لتعريف الناس بصفات الله ﵎، فنتعلم الدقة في سلامة الألفاظ.
مرةً سمعت خطيباً يقول: وقد بلَّغنا رسول الله ﷺ على لسان رب العالمين!! هل الله له لسان؟! هل يجوز أن يقول الإنسان هذا في جنب الله ﵎؟! صفات الله إنما تتلقى بالسمع، وليس بالاجتهاد، لا يحل لك أن تأتي بصفةٍ لم تجدها في القرآن ولا السنة وتنسبها إلى الله ؛ لأن بعض الصفات قد تكون عندنا -معاشر المخلوقين- صفة كمال، لكن هي عند الله صفة نقص.
شخص وضع مذكرة عرض للقرآن الكريم، ثم لما وصف السموات والأرض، ووصف خلق السموات قال: إن الله هو المهندس الأعظم!! هل يليق هذا الكلام؟ أين هو من قول الله : ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١١٧]، انظر الفرق! بديع: ابتدعهما على غير مثال سابق.
صفات الله لا يجتهد فيها إنما تتلقى بالسمع، فما لم يأت به القرآن، ولم يتكلم به النبي ﵊، فلا يحل لنا أن ننسبه إلى الله ﵎، وكان إبراهيم ﵇ دقيقاً في كلامه حين قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
كثير من الناس يقول: كنت سأموت لولا أن الطبيب الفلاني شفاني.
وبعض المرضى إذا قال للطبيب: هل يوجد أمل؟ فقال له: نعم، يوجد أمل، اعتمد كلامه وكأنه كلام رب العالمين، وإذا قال له: إنك ستموت، أو ليس هناك أمل، فإنه يستعد للموت.
أحد إخواننا ذهب إلى الطبيب فأخطأ الطبيب في التشخيص وقال له: أنت مصاب بالقلب.
فخرج يمشي ورجلاه ترتعدان، حتى أنه ما استطاع أن ينزل من السلم، انظر صعد ضد الجاذبية وكان في قمة النشاط، والآن هو ينزل فما استطاع حتى أسندوه.
ثم ذهب إلى طبيب متخصص فقال له: من الذي أعطاك هذا التشخيص؟ قال: الدكتور فلان.
قال: ما رأيك أن قلبك أقوى من قلبه! يقول: والله نزلت أجري على السلم.
كثير من الناس يظن أن الطبيب هو الذي رفع العلة، ويقولون: هذا الطبيب ماهر، وهذا الطبيب ممتاز، وقد ذهبت إلى كثير من الأطباء فما وجدت طبيباً كهذا.
حسناً: لما هذا الطبيب يموت بنفس العلة التي يداوي الناس منها، فما تفسيرك لهذا الموضوع؟! أكيد الخلط، فلما وقع هذا الخلط أراد إبراهيم ﵇ أن يبين أن الذي يرفع الداء هو الله، فلذلك أثبته بهذا الضمير: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠].
ولما جاءت القضية الرابعة التي لا خلاف بين الناس فيها، ولا تحتاج إلا تأكيد، وهي قضية الموت والإحياء؛ لأن هذه مسألة لا يجادل فيها أحد، ولذلك ما أكدها، هكذا فليكن الدعاة إلى الله ﵎.
لما عرض الغلام المسأ
стр. 1642
انعدام صفة الوفاء والإخلاص عند كثير من الناس
لما رد الله على جليس الملك بصره دخل على الملك وما كان أحد يقوده، فهال الملك ما يرى، فقال له: من رد عليك بصرك؟ قال له: ربّي.
فقال: أولك رب غيري؟ قال: نعم، الله ربي وربك ورب العالمين، فأمر بتعذيبه.
صفات الوفاء والإخلاص وحفظ الجميل ليست عند هؤلاء، خلت قواميس هؤلاء من مفردات الوفاء، هذا صاحبك وحبيبك وتقعدون مع بعض! ومع ذلك فمع أول مخاصمة وأول نشوز عذبه! أنا قرأت قصة عجيبة في كتاب "الطريق إلى المنصة" يقول: كان هناك تاجر موبيليا شهير، وكان مرافقاً للمشير عبد الحكيم عامر، وكان هذا المشير عندما يريد أن يقضي ليلة من الليالي مع امرأة، كان يذهب ويأتي به ويجعله في غرفة بجانبه! وكان هذا يصور المشير دون أن يعلم بذلك، لكي يستخدم الصور عند الضرورة، فصور المشير عدة صور وهو في هذه الأوضاع المخلة، فضاعت صورة من الصور، فقالوا: لا يوجد غير فلان الذي يمكن أن يأخذها، فذهبوا فأتوا إليه الساعة الثالثة ليلاً وأخذوه، قالوا له: أين الصورة؟ قال: أي صورة؟! أنا لا أعرف شيئاً.
فقالوا له: ستعترف رغماً عن أنفك.
فعذبوه، وكان آنذاك موجوداً في السجن مع الإخوان المسلمين.
المهم أنهم حبسوه مع هؤلاء، وكان يتحدث معهم عن بعض الأشياء التي رآها، قال: رأيت بعيني منظراً عجيباً لا أنساه، يقول: رأيتهم أخذوا رجلاً وقيدوا يديه ورجليه، ثم ربطوه بسلسلة طويلة إلى فرس وعلى الفرس فارس، وكان هذا الفارس يجري بالفرس بأقصى سرعة.
المهم، قال: بعد ما يقرب من خمس دقائق فكوا رباطه والرجل كله دم، فقلت لهم: الحمد لله، أنا تبت ورجعت إلى الله.
فكان هذا سبب التزامه؛ لأن بعض الناس لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
стр. 1643
وصية الراهب للغلام
انظر إلى الملك كيف يقطع الأرحام! ولا يبقي وداً بين والد وولد، ولا بين رجل وأخيه.
قال الملك لجليسه بعد ذلك: هل لك ربٌ غيري؟ قال: الله ربي وربك ورب العالمين.
قال: فما زال يعذبهُ حتى دل على الغلام.
هناك كلمة قالها الراهب للغلام عندما قتل الدابة، وصار له صيت، قال له: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ.
استفدنا من هذه الوصية هذه ثلاثة أشياء: الشيء الأول: تواضع الأستاذ، يقول: أي بني! إنك اليوم صرت أفضل مني.
حسناً: فما هو فضل الغلام على الراهب؟! فضل الغلام أنه صغير السن، ومع ذلك قام بالدعوة إلى الله ، لكن الراهب ما استطاع أن يقوم بذلك، فهذا يدلنا على أن فضل العلم في نشره، وكلما نشرت العلم كلما يصير لك خصم؛ لأنه لا يستفاد من العطر إلا بريحه، لو أن إنساناً لديه زجاجة عطر ووضعها في جيبه لا يستفيد هو ولا غيره بها؛ لأنه لا يستفاد من العطر إلا إذا فاح، مثل العلم.
مرة عمر بن عبد العزيز ﵁ بينما هو يتفقد الزكوات دخل إلى حجرة العطور، فأول ما دخل حجرة العطور أمسك أنفه، فقالوا له: إنما هو ريح -هواء-.
فقال لهم: وهل ينتفع به إلا بريحه، وهذا عطر المسلمين، لله دره ﵁! الفائدة الثانية: قال: (وإنك ستبتلى).
فهذا يدلك على أن الذي يدعو إلى الله لابد أن يبتلى بأي بلاء دق أو جل، ولذلك قال ورقة بن نوفل للنبي ﵊ لما رجع من غار حراء ليتني فيها جذع إذ يخرجك قومك.
فقال: أومخرجي هم؟ قال: ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي.
سنة لا تتغير (ما جاء رجلٌ بمثل ما جئت به إلا عودي).
إذاً: العداء لدعوة الرسل جزءٌ لا يتجزأ منها: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
فلا تطمع أن ينفك أعداء الله عنك.
الفائدة الثالثة: فإذا ابتليت فلا تدل علي.
وفي هذا دليل على أنه لا يجوز للعبد أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، لكن إذا كان الأمر لا ينفك عن أذاه ولا مناص إلا من هذا البلاء ليبلغ الدعوة فعليه أن يفعل.
مثل المشقة: بعض الناس يفهمون المشقة والأجر والرابط بينهما خطأً، مثلاً: رجل معه مال وأراد أن يحج وله القدرة على ركوب الطائرة ولكنه قال: أركب السيارة؛ لأن المشقة فيها أكثر، فهل يؤجر على هذا؟ لا لماذا؟ لأن ديننا نفى المشقة، والله قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨].
متى تؤجر على المشقة؟ إذا كان العمل لا ينفك عن المشقة، لا حيلة لك، عندما لا تملك المال الكافي لركوب الطائرة فتذهب بالسيارة فتتعب في سفرك، هذه هي المشقة التي قصدها الرسول ﵊ عندما قال لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك).
كذلك لا يجوز للمسلم أن يقصد البلاء قصداً، إنما يتحاشاه، كما قال النبي ﷺ : (لا تتمنوا لقاء العدو)، مع أن لقاء العدو هو الجهاد، والجهاد هو ذروة سنام الإسلام، ولو مات المرء في الجهاد كان شهيداً، برغم أن الجهاد يوفر لك كل هذه المزايا، إلا أن النبي ﵊ قال: (لا تتمنوا لقاء العدو)، لماذا؟ لأنك لا تدري إذا لقيت العدو أتثبت أم تفر؟ والفرار من الزحف إثمه كبير جداً، وقد يدرك المرء جراحة من الجراحات فيقتل نفسه كما فعل بعض الناس، قتل نفسه بسبب الألم الذي ما تحمله، فأنت لا تدري ما يفعل الله بك، فلا تتمنى البلاء، هذا هو معنى الكلام.
فهذا الراهب العالم يؤدب الغلام، قال: إن ابتليت فلا تدل عليَّ.
ليست من الشجاعة أن تقول: أنا في المكان الفلاني، وليس من العيب أن تهرب.
سفيان الثوري ﵀ مات هارباً في بيت تلميذه عبد الرحمن بن مهدي وكان يحيى بن سعيد القطان حاضراً وكلاهما من شيوخ الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فكان سفيان يحتضر ورأسه في حجر عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد القطان عند رجليه، وقد بكى بكاءً شديداً قبل موته فقال له عبد الرحمن: ممّ تبكي؟ أتخاف من ذنوبك؟ فتناول الثوري ﵀ حفنة من على الأرض، وقال: لذنوبي أهون عليَّ من هذه، إنما أخشى سوء الخاتمة.
وقال له يحيى بن سعيد القطان: لم تبكي؟ ألست تقدم على الذي كنت تعبده؟! لماذا تبكي وأنت قادم إلى الذي كنت تعبده، وأنت هارب من أجله وطفت الدنيا تجمع حديث النبي ﵊، وتبلغ كلام الله ؟ هذا الذي نصرت له وصبرت له أنت قادم عليه، من حقك أن تفرح.
فلما قال له ذلك: سكن.
فلا يحل لإنسان أن يقصد البلاء قصداً، ولذلك قال له: إن ابتليت فلا تدل عليّ.
стр. 1644
إخبار الغلام بمكان الراهب
عذب الملك الغلام حتى اعترف بمكان الراهب، قال أحدهم: كيف لم يحفظ الغلام وصيةَ شيخه، وقد قال له: إن ابتليت فلا تدل عليّ.
فكيف دل عليه؟! نقول: العزائم عند البلاء تنفسخ، والرسول ﵊ عندما قال: (لا تتمنوا لقاء العدو)؛ لأن العزائم تنفسخ وأنت لا تدري أتثبت أم لا؟ وكان هناك رجل زاهد اسمه سمنون وكان يقول: يا رب! ابتلني وستراني صابراً.
فابتلاه فحبس فيه البول فلم يتحمل، وجعل يدعو الله أن يصرف عنه البول؛ فلما صرف الله عنه ذلك كان يطوف على صبيان الكتاتيب ويقول لهم: استغفروا الله لعمكم الكذاب.
الإنسان يسأل الله العافية؛ لأنه لا يدري أيصبر أم لا.
فالغلام لما عُذّبَ عذاباً أليماً ما تحمل، لذلك لا يلام، لا يقال له: كيف خالفت وصية الشيخ؟ فهذه المواضع لا يثبت فيها إلا من ثبته الله.
وأنت عندما تقرأ محنة الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وكيف أن الله رفعه إلى مراقي النجوم بعد هذه الشدة؛ لأن الناس معادن، فقد تجد رجلاً يدخل الفتنة فيخرج منها أكثر لمعاناً وأشد بريقاً، وآخر يدخل الفتنة فلا يصبر، فالذهب لو أنك أخرجته من باطن الأرض وعرضته في الأسواق لا يساوي شيئاً، حتى تدخله النار فيصير ذهباً، وكل المعادن الأخرى التي تعرض للنار تحترق إلا الذهب، أما الذهب فإنه يزداد لمعاناً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن داود ﵇ كان أفضل بعد الابتلاء منه قبل الابتلاء.
فأنت لا تدري إذا ابتليت هل تثبت أم لا.
قال الإمام أحمد بن حنبل: جلدوني في يوم الإثنين ثلاثمائة جلدة حتى أغشي عليّ، ولم أدر ما صنع بي، وكان الأمير يقول: يا أحمد! قل: إن القرآن مخلوق.
فقال: يا أمير المؤمنين! ائتني من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ شيئاً أقول به.
فأمر الجلاد أن يضربه ضرباً مبرحاً، فجلده ثلاثمائة جلدة حتى أغشي عليه.
قال الإمام أحمد -قبل أن يقدم على الجلد- جاءني رجل لا أعرفه، فقال: يا أبا عبد الله! انظر.
قال: فنظرت خلفي، فإذا أمم معهم المحابر والأقلام سيكتبون فقال: اتقِ الله في هؤلاء، سيكتبون ما تقول، إذا زل العالِم زل بزلته عالَم) فصبر على الحق المر لأجل هدف عظيم.
عندما قال الراهب للغلام: (إن ابتليت فلا تدل عليّ) إنما قال ذلك تجنباً للبلاء.
وعندما جيء بالراهب قالوا له: ارجع عن دينك.
قال: لا.
فنشروه بالمنشار نصفين حتى سقط شقاه، كما قال الرسول ﵊: (سقط شقاه).
ربما يقول أحدهم: كيف تحمل الرجل نشر الجمجمة، ونشر هذا الجسم وهو حي؟! قال الرسول ﵊ في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرص)؛ لأن الله يدافع عن أوليائه، فإذا ابتلى أحدهم صبَّره فله الحمد في الأولى والآخرة، فهذا الصبر على الابتلاء المر فيه ذكرى وسمعة وسيرة، ها نحن حتى الآن نتكلم في سيرة الراهب، ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف نسبه، ولا نعرف إلى أي قبيلةٍ ينتمي، ومع ذلك نحن نحكي حكايته لله وفي الله.
стр. 1645
سبب تأجيل الملك قتل الغلام
لماذا لم يأمر الملك بقتل الغلام وشقه نصفين؟ لأنه لو رجع عن قوله فإن المشكلة ستحل، ولكن لو أنه قتله فمن أين له بغلام مثله؟ فدخل في المساومات.
стр. 1646
محاولة قتل الغلام بإغراقه في البحر
وعندما رجع الغلام إلى الملك قال له: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء.
كان هذا كاف ليرجع الملك ويرعوي، ولكنه دعا فوجاً آخر من جنوده وقال: خذوه في قرقور.
فالماء معروف أنه لا ينجو منه أحد، بخلاف الجبل؛ لأنه قد يسقط من أعلى الجبل فلا يموت.
حدث أن شخصاً في القاهرة الكبرى سقط من الدور العاشر، وبعد أن سقط من ذلك الارتفاع الكبير قام وكأنه لم يسقط، وعندما قام يمشي إذا بسيارة مسرعة ترتطم به فيسقط ميتاً، انظر كيف مات؟ قال الملك بعد أن أمر بأخذه إلى البحر: فإن آمن وإلا لججوا به.
يعني: أرموه في لجة البحر؛ لأنه لن يستطيع أن يعوم، وسيكون طعاماً للسمك.
البحر مرعب دائماً، والذي يركب السيارة لا يخاف مثل ما يخاف من الباخرة لماذا؟ لأنه عندما ينظر من شباك الباخرة ينظر إلى البحر الذي لا يدرك آخره بصره، فيحصل له الرعب.
والعرب كانوا يخافون من البحر وقد كانوا يضربون به المثل في أشعارهم، يقال: أن رجلاً أتى أبا العباس المبرد ﵀، وكان إماماً في النحو واللغة، فقال: أريد أن أقرأ عليك كتاب سيبويه في النحو، فقال له أبو العباس: أي بني! هل ركبت البحر؟ تريد أن تفهم كتاب سيبويه، ماذا تظن سيبويه هذا؟! هل تظن أنك ستذهب تفتح الكتاب وتقرأ فتفهم! إن كتاب سيبويه من أصعب الكتب منالاً، ولذلك سماه: "الكتاب"، لم يقل: كتاب النحو، ولا علم النحو، ولا أي شيء من هذا، بل قال: "الكتاب".
إنما قال له: (أي بني! هل ركبت البحر؟) استعظاماً للكتاب! وسيبويه ﵀ مات وعمره اثنان وثلاثون سنة، فالأمة هذه مليئة بالعظماء.
المهم: الملك عندما أحب أن يعرضه لتهديد أشد من هذا - أن يرمى من الجبل- قال: لججوا به البحر، فلما وصلوا البحر قالوا له: آمن وإلا رميناك في البحر، فلم يؤمن لهم، وقال: رب اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا.
حسناً: كيف عاد الغلام؟! ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]، رجع في معية الله، فالغلام عندما أخلص دينه لله، ترك مسألة الأمن لربه ﵎ فأمّنه، والمسألة كلها معلقة بهذا القلب.
مرة وأنا مسافر في إحدى السفريات، وكان هناك رجل بجانبي في الطائرة، ويبدو على هذا الرجل أن يسافر بالطائرة لأول مرة.
المهم: الطائرة بدأت في مغادرة المطار، فبدأ هذا الرجل يرتجف من شدة الخوف، فلما طارت الطائرة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا أحد سيخلصه، وقد وقع الفأس في الرأس، وصرنا في قبضة الملك.
المهم: بعد أن تناولنا الطعام، أردت أن أتعرف على هذا الرجل، فقلت له: يا أخي! أنا سمعتك تقول كذا وكذا لماذا؟ قال: أما ترى ما نحن فيه؟! نحن بين السماء والأرض.
قلت له: نعم، نحن بين السماء والأرض فعلاً، لكن أنا سمعت منك كلمةً جميلة، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: نعم، وهل بيدنا شيء؟ قلت له: وإذا مشيت على الأرض بقدميك هل بيدك شيء أيضاً.
يعني: هل تظن عندما تمشي على الأرض برجليك أنك ملكت أمرك؟ ولما كنت مثل الشعرة بين السماء والأرض لم تعد تملك أمرك؟! وهناك أناس يعاملون الله بهذه الطريقة، سبحان الله! ولذلك نحن في هذا الدرس العظيم أعظم شيء نأخذه: أن من كان في معية الله يجد الله معه، وإن ابتلي وأهين وشرد.
فلما رأى الملك الغلام قال: ويحك! أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء.
ثم قال الغلام للملك: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تعقل ما آمرك به.
فقال: وما ذاك؟ قال: أن تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على خشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني.
فالرجل ظن أن المشكلة انتهت ولكنها ابتدأت، جمع الناس في صعيدٍ واحد، وفعل ما أوصاه به الغلام، فصلبه، ووضع السهم في كبد القوس، ثم قال: باسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم حيث أشار الغلام، فلما وقع السهم في صدغه مات.
فقال الناس جميعاً: (آمنا بالله رب الغلام).
لماذا؟ لأن رب الغلام قادر، الملك حاول أن يميته أكثر من مرة وعجز، إذاً نحن مع القوي، والعوام مذهبهم، أن من يغلب يذهبون معه، يقولون: نحن مع القوي الذي يعطينا لقمة العيش والأمان؛ فلما ضربه ومات قالوا: آمنا بالله رب الغلام.
стр. 1647
محاولة قتل الغلام بقذفه من الجبل
فقال لجنوده: خذوه إلى قمة أعلى جبل، فإن تاب وإلا اقذفوه من أعلى الجبل.
المساومة إلى آخر الطريق، (إن تاب وإلا) يعني: المفروض أن يحاولوا معه أن يرجع عن دينه ويساوموه، لماذا؟ لأن الملك يحتاج إليه، فالساحر شارف على الموت، فالملك إنما قتل الراهب وجليسه؛ لأنه لا يستفيد منهما؛ بخلاف الغلام.
وعندما وصلوا إلى قمة الجبل، قال: رب اكفنيهم بما شئت.
وذكرت هنا كلمةٍ لـ ابن الجوزي ﵀، يقول فيها: (رب لا تعذبني حتى لا يقولوا عذب من دل عليه).
قال: رب اكفنيهم بما شئت -صدق رجائه بالله أتى بالثمرة- فتحرك بهم الجبل فسقطوا، وثبت الله قدميه.
كلما صدق رجاؤك بالله أتى بثمرة، فأخلص دينك لله يكفيك العمل القليل، الله ينظر إلى قلبك، ويؤاخذك على ما كسب قلبك، فإذا انفعلت الجوارح بعد ذلك بعمل القلب يحاسب العبد: إن كان خيراً فخير، وإن شراً فشر؛ لكن القلب هو الأصل.
وانظر إلى مثال آخر يظهر فيه صدق الرجاء أكثر، وهي قصة جريج العابد، والقصة صحيحة: أن النبي ﵊، قال: تحدث بنو إسرائيل عن عبادة جريج، وهذا الرجل كان عابداً، اعتزل الناس وبنى له صومعة في خارج البلد، وحتى يجتنب الناس لم يصنع لهذه الصومعة سلماً، وكان يصعد إليها بالحبل ويسحب الحبل؛ لكي لا يأتي عليه أي مخلوق فيقطع عليه خلوته.
وكانت له أم تشتاق إليه، فجاءت في يوم فقالت: يا جريج! أجبني، ووضعت يدها على حاجبها -قال أبو هريرة: فكأني أرى النبي ﷺ يضع يده على حاجبه- فصادفته وهو يصلي، فقال: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي -يعني أقطع صلاتي وأجيب أمي أم أكمل صلاتي وأتركها؟ - فاختار صلاته.
فانصرفت الأم، وفي اليوم الثاني جاءته وقالت له: يا جريج! أجبني، يا جريج! أجبني.
قال: يا رب أمي وصلاتي، أمي وصلاتي.
فاختار صلاته، فتركته وانصرفت، وفي اليوم الثالث جاءته وقالت: يا جريج أجبني، يا جريج أجبني فلم يجبها، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات.
وأصبح الناس يتكلمون ويتعجبون من فعل جريج! ويقولون: ما هذا الصبر على الصلاة واعتزال الناس! حتى إنه لا ينظر إلى النساء ولا يرغب بزواج فقالت امرأة: أنا أستطيع أن أفتنه.
فقالوا: أحقاً تستطيعين؟ فقالت: نعم.
فقالوا لها: افعلي ذلك.
فذهبت للصومعة تريد أن تصعد إليه، فوجدت أن جريجاً أخذ الحبل معه، ولا أحد يستطيع أن يصعد إليه، فمكنت راعي الغنم الذي كان يأوي إلى ظل الصومعة من نفسها، فحملت، وكانت حين تسأل تقول: هذا ابن جريج، والناس يقولون: هل يعقل أن جريجاً فعل هذه الفاحشة؟! حسناً: اصبري حتى تضعيه ونحن سنريه، فوضعت المرأة، فذهبوا إلى الصومعة وبدءوا في هدمها، وإذا بـ جريج يحس بالضرب في الصومعة، فينظر فإذا هم يهدون صومعته، قال لهم: على رسلكم.
فقالوا: انزل يا فاجر، فمد الحبل ونزل، فأمسكوا به وضربوه وكتفوه، وقالوا: ويحك يا جريج! كنا نظنك أعبدنا! فعلت وفعلت! وأخذوه لحاكم القرية -ذكر في شرح القصة أن المرأة الزانية بنت حاكم القرية-.
المهم: أخذوه، والكل يتفرج، والمومسات هنا وهناك، فضحك، فقالوا: لماذا تضحك؟ وهل هذا موقف يضحك المرء فيه؟! قال: أدركتني دعوة أمي.
فأخذوه إلى حاكم القرية، فقال له: ما هذا يا جريج؟! كيف فعلت ذلك، لنقيمن عليك الحد.
وترك المرأة! كيف يقيم الحد عليه ويترك المرأة؟ لأنهم يهود، وهذه أخلاقهم.
فضحهم الله في القرآن من أوله إلى آخره، ولكن الأمة الإسلامية عميت، كيف عميت عن الأوصاف الموجودة لليهود في القرآن؟! القرآن عربي مبين، واضح كالشمس، لا يحتاج إلى ترجمة، كل يوم تظهر صفاتهم التي ذكرها الله في القرآن، والدعاة إلى الله ما غيروا رأيهم في اليهود أبداً؛ لأنهم يجدونها مبينة في القرآن.
فلما أرادوا أن يقيموا عليه الحد، قال لهم: حسناً، أتوضأ وأصلي ركعتين، فلما أكمل صلاته قال: أين الغلام؟ فجيء به، فوضع أصبعه في بطن الغلام وهو مولود فقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: الراعي فلان، حينئذٍ أكبوا عليه يقبلون يديه ورجليه، وقالوا: اعذرنا يا جريج، نبني لك صومعتك لبنة من فضة ولبنة من ذهب! قال: لا، أعيدوها طيناً كما كانت.
فالغلام عندما نطق كانت هذه معجزة من المعجزات التي يؤيد الله بها عباده.
جاء في الصحيحين أن الرسول ﵊ قال: (بينما أمٌ ترضع ولدها)، وبينما الولد يرضع، مر رجل له شارة عظيمة، رجل يركب حصاناً، وحوله عشرون رجلاً من الإمام والخلف، فقالت الأم: اللهم اجعل ابني مثله.
فترك الغلام ثدي أمه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ورجع يرضع مرة أخرى! قال: أبو هريرة: (فكأنني أنظر إلى إصبع النبي ﷺ في فمه يمثل رضاع الولد) كل هذا لكي يقرب الصورة.
ثم مرت فتاة يعذبونها ويضربونها إمام لأنها سرقت أو زنت فقالت الأم: اللهم لا تجعل ابني مثلها.
فترك ثدي أمه وقال: اللهم اجعلني مثلها.
فقالت له أمه: مه! -ما هذا الطفل؟! - كلما قلت شيئاً قال عكسه، فقيل: إن هذا جبارٌ وتلك أمة مؤمنة.
بقدر ما يكون لله من التعظيم في قلبك بقدر ما تؤيد بالدلالات والآيات، المهم أن تخلص دينك وقلبك لربك، والله شكور، الذي يخلص له ذرة يجدها عنده، فلا يضيعها عليه؛ لأنه قضى أن الحسنات يذهبن السيئات، إلا سيئات الشرك والعياذ بالله فإنها تذهب بكل الحسنات، ولذلك الرسول ﵊ يقول -بعدما ذكر شفاعة المؤمنين والملائكة-: (يبقى أرحم الراحمين، فيقول الله : أخرجوا من النار من ذكرني يوماً)؛ لأنه شكور، لا يضيع شيئاً استودعته عنده أبداً، فلماذا تفر منه؟! هو شكور، إذا رق قلبك لله رأيت من الآيات البينات ما لم تجر به العادات.
قال الغلام: رب اكفنيهم بما شئت، فارتج بهم الجبل، فسقطوا ورجع هو، فالله يستخدمه، وإلا كان من الممكن أن يهرب ويذهب إلى أي مكان آخر، لكن رجع للملك، ونسأل الله أن يستخدمنا في طاعته.
стр. 1648
بيان أن كل ابتلاء بعده نصر
لو أن الملك ترك الغلام يدعو إلى الله والراهب يدعو إلى الله والجليس يدعو إلى الله هل يمكن أن يجعلوا هذه الجماهير كلها تؤمن؟ أبداً، لكن انظر إلى الله كيف يستدرج! ولو تركهم لعلهم لا يصلون أبداً إلى هذا العدد؛ لذلك لحسن ظنك بالله قل: من المحن تأتي المنح، إذا ابتليت فاعلم أن وراء الابتلاء نصر.
عندما قامت الحرب بين البوسنة والكروات والصرب؛ قلت في خطبة من الخطب: إن هذا الذي يحصل على أرض البوسنة من فضل الله ورحمته رغم هذا المنظر المؤلم المفجع، وهذا القتل الذريع الجماعي إلا أنه منة من الله.
فجاء جماعة وقالوا: كيف تقول مثل هذا؟ أنت تفرح بقتل المسلمين! قلنا: لا يا جماعة، المسألة ليست كذلك، لكن تعالوا ندرسها دراسة بسيطة: البوسنة هذه جزء من يوغسلافيا السابقة، والتي ظل أهلها سبعين عاماً تحت الحكم الشيوعي، أي: أن الرجل الذي عمره سبعون سنة فيهم رضع الشيوعية تماماً، لم ير الإسلام ولا دعاة الإسلام؛ لأنهم قتلوهم.
إذاً تصور أن البوسنة أخذت استقلالها، وأصبحت دولة إسلامية، ونحن أحببنا أن نرسل دعاة إلى البوسنة لكي يدعوهم إلى الله، وذهبت كتائب من الدعاة إلى البوسنيين هل كانوا سيعودون بنتيجة؟ ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، يقولون له: ما هذا يا أخي؟! أنت جئت لتزرع التفرقة العنصرية؟! بعضهم تزوجوا من بعض فالولاء والبراء بين النصرانية والإسلام انمحى تماماً، لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ولا يعرفون شيئاً عن النصرانية، حصل لهم مسخ على مدى التاريخ.
ولهذا أنت تحتاج إلى جماعة من الدعاة يسمعونهم أن هؤلاء طالما ليسوا على ملتكم فهم أعداءٌ لكم، ومع ذلك لن يقتنعوا، فالله اختصر لنا الطريق لكي يغزو الإسلام أوروبا.
هم صنعوا هذه المجزرة العظيمة خشية أن يغزو الإسلام أوروبا من البوسنة، وقتل في هذه المجازر معظم الذين رضعوا الشيوعية.
فمن الذي بقي؟ الأولاد الذين استيقظوا على هول المحنة، فهي التي أنقذتهم وعندما يقرأ القرآن: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كما كفروا﴾ [النساء:٨٩] صدق الله! رآها بعينيه.
دمعت عيني عندما قرأت قصة المرأة المسلمة التي نقلتها وكالات الأنباء، ومفادها وغداً نصرانياً ابن ثلاث وعشرين سنة زنى بها، وعمرها ستون سنة فهي تبكي وتقول: أنا التي أرضعته! أنا التي أرضعته! فهذا الذي جرى على أرض البوسنة نعمة، وإن كان ظاهرها المحنة، فالجيل الموجود صار عنده ولاء وبراء، بدأ يأخذ الإسلام من منابعه.
وعندما ذهب العرب ليجاهدوا في البوسنة كانوا إذا رأوهم يقولون: هؤلاء أولاد الصحابة.
كانوا يعظمونهم غاية التعظيم، لأنهم يعتقدون أن هؤلاء هم أولاد الصحابة.
لو أن العرب ذهبوا إلى البوسنة ولم تحصل هذه المجزرة هل سيقولون: أنتم أولاد الصحابة؟! أنت إذا نظرت إلى الظاهر لا تأخذ به، واعلم أن الله ﵎ يخرج الحي من الميت، فعندما قال الجماهير: آمنا بالله رب الغلام، صدم الملك! مفاجأة ما توقعها! وقيل له: وقع والله ما كنت تحذر! حسناً: ماذا أفعل؟ حفر الأخاديد على أفواه السكك -والأخاديد: هي الحفر العظيمة- وأضرم فيها النيران، وبدأ يعرض الناس على هذه الأخاديد، فمن آمن برب الغلام قذفه فيها، نسأل الله العافية! حتى جاء دور الأم مع رضيعها، فكلما همت أن تقذف نفسها في النار ذكرت ولدها الصغير فرحمته وتقاعست فأنطقه الله فقال: يا أماه! اصبري فإنك على الحق.
وفي الرواية الأخرى ولكن سندها ضعيف: قال لها: قعي ولا تقاعسي.
(قعي): يعني احبسي نفسك ولا تتأخري، كجنة إبراهيم ﵇: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
خلاصة هذه القصة: أنك إذا بذلت نفسك لله لا يضيعك حتى في الدنيا فلم الفرار؟! وهذه من القصص الصحيحة التي قصها علينا رسول الله ﷺ ، وسورة البروج كلها إنما نزلت في أصحاب الأخدود: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥]، وفي قراءة أخرى ذكرها المفسرون: (النار ذاتِ الوُقُودِ)، الوُقُود: شدة الاتقاد والاشتعال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨] سبحان الله! تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها إنسان يقول لآخر: يا ابن الأصول.
وهل هذه الكلمة تغضب؟ قديماً -ومازال حتى الآن- إذا أراد شخص أن يسخر من شخص ملتح، يقول له: يا سني! فيغضب، لماذا تغضب؟! هو ينسبك إلى السنة! وكشخص يقول لآخر: يا ابن الأصول! فعندما يقول لك: يا سني.
هذا شرف لك، من أنه نسبك إلى السنة.
وهذا الحجاج بن يوسف الثقفي لما حصلت الحرب بينه وبين عبد الله بن الزبير، وأنتم تعلمون أن أم عبد الله بن الزبير هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وكانت قد عميت، وكانت تلقب بـ ذات النطاقين، فـ الحجاج بن يوسف كان يقول له: يا ابن ذات النطاقين يعيرها فقال: عبد الله بن الزبير: تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها لو أنك تعلم لماذا سميت ذات النطاقين لعرفت عظم هذه التسمية، إنما لقبت بذلك؛ لأنها قطعت نطاقها من أجل رسول الله ﷺ ، وكانت حاملاً، وكانت تصعد الجبل لتحمل الطعام والشراب إلى رسول الله وأبيها في الغار.
فلماذا تعير بها؟! فأنت إذا ابتليت في الله ﵎ فاصبر، وهذا هو أعظم الدروس المستفادة، بل هو محور الارتكاز للثبات على السنة: أن من ابتلي في الله فصبر رفعه الله في الدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 1649
الأسئلة
стр. 1650
حكم زيارة النساء للقبور
السؤال
ما حكم ذهاب المرأة لزيارة القبور؟ وهل يجوز للمرأة الذهاب إلى العزاء في بيت أختها المصابة؟ وقد ذكرت أن مالك بن أنس هو إمام أهل السنة والحديث، فهل هو مالك أم أحمد؟
الجواب
كلهم أئمة، ولذلك أنا أردفت هذا الكلام بقولي: هذا رأي عبد الرحمن بن مهدي، وإلا فـ سفيان الثوري إمامٌ في الحديث والسنة، والأوزاعي إمامٌ في الحديث والسنة، ومالك وأحمد والشافعي وإسحاق بن راهويه وكذلك سفيان بن عيينة كلهم أئمة، وهناك كثير من العلماء أئمة في الحديث والسنة؛ لكن هؤلاء أظهرهم.
أما بالنسبة لزيارة المرأة للقبور، فهو جائز إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية، وليس هناك دليل ينهض على منع المرأة من زيارة القبور.
فحديث: (لو بلغت معهم الكدى) هو حديث منكر، والحديث الآخر: (لعن الله زوارات القبور) يمكن توجيهه مع الأحاديث الأخرى، من قوله: (زوارات) أي: الكثيرات الزيارة.
وإلا فقد ثبتت الأدلة القاطعة بجواز أن تزور المرأة المقابر، منها هذا الحديث، (ماذا أقول يا رسول الله إذا مررت بالقبور؟)، وكذلك في قول النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)، وأصل الخطاب موضوع للرجال والنساء معاً، ولا يجوز التفريق إلا بدليل.
ومن جملة هذا الحديث (وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي).
فربما قال إنسان: قد يكون الأمر بزيارة القبور بعد النهي عنها خاصاً بالرجال.
نقول له: لا؛ لأن ادخار لحوم الأضاحي للرجال والنساء معاً، وقد جاء الأمران في سياق واحد.
وأيضاً الحديث الذي في الصحيحين (أن النبي ﷺ مر على امرأةٍ تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري) إلى آخر هذه الأحاديث، لكن إذا التزمت المرأة بالآداب الشرعية فلا بأس بالزيارة عند ذلك.
والله أعلم.
أما مسألة الاجتماع للعزاء -الاجتماع في أوائل المصاب- فأقول: لا يجتمعن في كل يوم لئلا يجددن المصاب، لكن المرأة تذهب إلى أختها لتعزيها في مصابها، فهذا من السنة.
следующие страницы →