Полный текст (1 719 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أثر البيئة المحيطة على الشخص
فكانت الإشارة إلى أن الجماعة لها تأثير في سلوك الفرد، وأنه ينبغي لنا أن نلتمس المجتمعات التي يكثر فيها الالتزام وتقل فيها المعاصي؛ لأن هذا الرجل الذي قتل مائة نفس، ولم يقل له أحد توقف، من الممكن أن يقتل ثانية إذا استفزه أحد.
عندما كنت آخر مرة في الكويت، قابلني شاب كان في جماعة التكفير، ثم سافر وخرج ليعمل في الخارج، وإخوانه يشتكون منه، فكنت موجوداً في آخر يوم فقال: نعمل جلسة مصرية، لا يحضرها إلا أهل مصر، فأتوا يتكلمون في شأن هذا الرجل الذي كان في جماعة التكفير، ثم ترك التكفير أنه بقيت عنده علة وهي أنه إذا أغضبه أحد يكفره، فهم دائماً يرضونه حتى ولو كان مخطئاً، فلما جاءوا طرحوا هذه المسألة والقضية ويقولون له: ارفق بإخوانك، فقال والله أنا عصبي بطبعي، وأول ما فتحت عيني على الدين فتحتها على التكفير، فترك عندي شيئاً يعسر علي جداً أن أتخلص منه، وبعدما أكفر أخي أدخل في نوبة بكاء، لأنني أعرف الحكم، يعني يعرف أن الذي يكفر مسلماً وهو غير صادق أن التكفير يعود إليه، فيقول: أنا أشعر أني كفرت نفسي، لكن ليس هذا بإرادتي، فانظر كيف أن الجماعة أثرت فيه أول ما بدأ يستقيم، وظل هذا الأثر يلازمه حتى الآن، لذلك هجران أهل المعاصي والبدع واجب، فإنك إذا وجدت شخصاً يلازم المعاصي أو البدع وتساهلت معه، فأقل ما في المسألة أنك لن يتمعّر وجهك ولن يتغير قلبك لله ، ولا تأمن أن تكون واحداً من هؤلاء المبتدعين فيما بعد.
لذلك كان من الخطر على هذا القاتل أن يظل في أرضه، فهو رجل مجرم وسفاك للدماء فكيف يجلس في بلد لم يقل له فيها أحد: وحد الله، ولم يقل له أحد: قف عند حدك، بل كان حوله البطانة السيئة التي توقعه في الشر، ألا يقول المثل: إذا لم تقدر على عدوك صاحبه، الذي لا يستطيع على عدوه يصاحبه، فهذا الرجل شرير، وأي واحد يقول له كلمة يقتله مباشرة، إذاً: نصاحبه، يعني أول ما يحب أن يقتل، أقول له: وأنا أعرف لك فلان من أين يدخل وأين يخرج، وآتيك بكل تحركاته، وأستغله، وأستغله حتى لا يقتلني، فإذا رأوا أن هذا الرجل قد تاب يذهبون إليه قائلين: مالك مريض، ما لك ما عدت تقتل أحداً؟ أين رجولة الأمس فبعد هذا الكلام يمكن أن يغتاظ ويعود إلى القتل من جديد، وهذا ممكن.
стр. 212
وجوب تغيير المنكر على الجميع
إذاً البطانة السيئة التي تريد استغلال هذا الشخص موجودة، وممكن أن تؤلبه، فعلاج هذا الرجل حتى يصل إلى الله بسلام أن يصل إلى أرض بها ناس أول ما يمكث بينهم ينزعون منه روح المعاصي، ولا يمكنونه منها، فالعاصي لا يستطيع أن يرفع رأسه في وسطهم أبداً، لأنهم يقيمون حدود الله ، ولا يسمحون لأحد أن يعصي الله ﵎، ونحن نقول هذا الكلام لأننا مبتلون به في بيوتنا وفي عماراتنا وفي الأحياء، ففي العمارة الواحدة يفتح أحدهم المسجل بأعلى صوت على نغمات ديسكو ورقص وطبل وأنت تقول: أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم، ولو ذهبت إلى الشرطة قالوا لك: هذه حرية شخصية، وهذه هي الأفراح والليالي الملاح، فيوضع المسرح في الشارع إلى أن يؤذن مؤذن الفجر، ومعروف أن الشياطين إذا سمعت الأذان تولت، وهم كذلك إذا سمعوا الأذان ولوا، فطوال الليل وهم بسماعات ومكبرات ومؤثرات صوتية، والمريض لا يستطيع أن ينام، ومع ذلك لو ذهبت لتبلغ عن هؤلاء لا يمكن أن يطيعوك أبداً، لكن لو عملت محاضرة وعملت مكبرات صوت، مباشرة سيقولون: هذا إزعاج وكذا وكذا، ويقولون لك: لماذا نزعج الناس، الذي يريدك سيأتيك إلى المسجد، وتعرضنا لهذا الكلام أكثر من مرة.
فهذا جعل الناس يحجمون عن إنكار تشغيل المسجل بهذا العلو، ولا تجد أن أصحاب العمارة يقفون وقفة رجل واحد ويوقفون هذا العبث الموجود في العمارة، أيظنون أن المصيبة إذا نزلت سينجون منها؟ مع أن الزلزال إذا جاء فإنه سيضرب العمارة كلها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
إذاً: لا بد أن ننقي مجتمعاتنا من المعاصي والبدع، ونتكاتف؛ لأن المجموع له تأثير على الفرد، لهذا قال له: (اخرج من أرضك فإنها أرض سوء إلى أرض كذا وكذا؛ فإن فيها قوماً يعملون الصالحات، فاعبد الله معهم).
стр. 213
خطر التكفير بغير دليل
فأي واحد يقول لآخر: أنت كافر، بدون أن يكون عنده برهان من الله أوضح من الشمس في رابعة النهار عاد عليه الكفر، فلا تكفر إلا إذا أتى بفعل لا يحتمل غيره، والأدلة كلها تتظافر على تكفيره، وإلا فلا تكفر.
مثلاً: شخص قطع المصحف ودعسه برجله، فهذا كافر بدون أي توقف، والذي يتوقف في تكفير هذا وهو يعلم أن له عقلاً، فهو كافر بالله العظيم، بخلاف ما لو كان مجنوناً فهذا لا يكفر، والذي يقول: إنه سيدخل الجنة ولو مات على النصرانية، كافر؛ لأنه عارض حكم الله في الشخص إذا مات على النصرانية، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر، وهذه القاعدة تنطبق على من كفره الله ورسوله أو من قام دليل قطعيٌ بكفره.
من قال إن أبا لهب في الجنة، أو شك مقال: هو كافر أم لا؟ فهو كافر؛ لأنه عارض حكم الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وما عدا ذلك فالإحجام عن إلقاء كلمة الكفر هو الأسدُّ والأبرأ للذمة، إذاً لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولو كان كثير السيئات، فقد تطاله رحمة الله وعفو الله ، وقد يكون له حسنات تكفر سيئاته بها، كما لو نطق الشهادتين والروح تخرج فإنه يدخل الجنة وكل هذا وارد.
فلا نقطع لأحد بجنة ولا نار، فهذا العالم بيّن أنه لا يملك هذا الأمر، قال: (نعم).
وهذه الإجابة عن السؤال، ثم قال: (ومن يحجب عنك باب التوبة) يعني: لا أنا ولا أحد، فإن الله فتح باب التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ ثم نصحه، وهذا شأن المفتي العاقل الذي يعتقد أنه بالنسبة للناس كالأب، وليس اسمه أنه يؤدي وظيفة فقط.
стр. 214
عدم جواز الشهادة لأحد بجنة أو نار
قال: (إني قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟ قال: نعم) وهكذا تم الجواب، لكنه بين له الجواب بنصيحة وبراءة، والبراءة أنه بين أنه لا يفتأت على الله ، أن العالم ليس من حقه أن يقول: فلانٌ مغفورٌ له وفلان في النار؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة كما ذكر الطحاوي في عقيدته، قال: (ولا نحكم على معين بجنة ولا نار) لا أستطيع أن أقول: فلان في الجنة، وفلان في النار؛ لأن هذا حكم الله يحكم به، لا دخل لنا فيه، ودخول هذه المنطقة خطير جداً على البشر، كما في حديث جندب بن عبد الله عندما قال رجل: (والله لا يغفر الله لفلان) فقال الله: (من ذا الذي يتألى علي؟ قد غفرت له وأحبطت عملك)
стр. 215
يجوز التنقل بين المفتين بشرط عدم الهوى
فنحن عندما نشعر بالغضاضة في صدورنا من الفتوى وليس الهوى هو المحرك، نلتمس مفتياً آخر، فإذا التمست المفتي الثاني والثالث وكانت نفس الفتوى فماذا تفعل؟ قالوا: إذا شعرت بحرج تلتمس مرجحاً، فإذا وافقهم الثالث فهذا هو الحكم ولا عبرة بما يحل في قلبك، لأنه قد يكون وسواساً، وقد يكون هوى، أو إذا لم تعجبك الفتوى وتريد فتوى خطية وأنا قلت: شرط أن تنتقل من هذا إلى هذا البراءة من الهوى.
جاء إلي شخص مرة وقال لي: طلقت امرأتي مرتين، قلت لها في المرة الأولى: أنت طالق، وفي المرة الثانية قلت لها: أنت طالق، وفي المرة الثالثة قالت لي هي وصعدت على الكرسي: إن كنت رجلاً طلقني! فقلت لها: أنت طالق! فما رأيك يا شيخ في هذا؟ فقلت له: بغض النظر عما قالت لك فالمرأة بائنة بينونة كبرى، ولا يحل لك أن تعيش معها، فقال: أنا أحبها! فانظر حتى بعدما قال: صعدت على الكرسي، وقالت لي: لو كنت رجلاً، ومع هذا يقول: أحبها!!! لو كانت هذه آخر امرأة على وجه الأرض، فإن أي رجل تتدفق في عروقه دماء الرجولة لا يمكن أن يبقي هذه المرأة على الإطلاق، فيبكي ويقول: أقبل يدك!! وكأن المسألة في يدي أنا، فأقول: يا بني هذه ليست بيدي، ولكن اذهب إلى لجنة الفتوى، فقلت له: تعال لي بعدما ترجع وأخبرني كيف كانت الفتوى، فطبعاً لم يرجع، ولكن أتاني أخوه وقال: إنه ذهب إلى مسجد بجانبهم إلى شخص مقيم شعائر، وبكى هناك قليلاً وقال: الأولاد سيشردون، ولم أكن أقصد، فقرص أذنه وقال له: هات ثلاثين جنيهاً ولا تكررها، وارجع لها.
فهذا الشخص يريد فتوى خطية، جاءني فلم تعجبه الفتوى، فذهب إلى لجنة الفتوى ولم تعجبه الفتوى، ثم ذهب إلى مفتٍ ثالث ولم تعجبه الفتوى، كل هذا لأن قلبه لم يسترح من الفتوى، فلا يجوز لهذا أن يعدد السؤال فشرط أن ينقل السؤال من مفتٍ إلى مفتٍ آخر أن يحيك في صدره شيء من فتوى الأول، وليس الهوى هو الذي يدفعه، يعني أن يكون خالياً من الهوى، فإن كانت الفتوى الثانية لا يزال يحيك في صدره شيء منها مع البراءة من الهوى يلتمس الثالث، فالثالث إما أن يرجح فتوى الأول أو فتوى الثاني فيصيرون اثنين على واحد، أو إذا وافق الاثنين وصاروا ثلاثة فلا يحل له أن يسأل الرابع.
إذاً عندما قال: (دلوني على أعلم أهل الأرض) وانتقل من مفتٍ إلى مفتٍ آخر، هذا يشرع لنا في ديننا بالشرط الذي ذكرته، فلما ذهب إلى الراهب العالم قال له: (إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم.
ومن يحجب عنك باب التوبة، اخرج إلى أرض كذا وكذا).
ففتوى هذا الرجل العالم جميلة فيها بهاء، وكذلك فتاوى الأئمة الكبار، مثل الأئمة الأربعة أو العلماء المجتهدين، وكذلك تعليلهم للفتاوى، تجد جمالاً ليس في مجرد الفتوى، بل هي فتوى وتعليم.
стр. 216
فضل الصدقة
إن للصدقة فضلاً عظيماً وأهمية كبيرة في حياة المسلم، فلقد حث الإسلام على الصدقة، ورغب فيها، وذم البخل والشح، وقد أقسم النبي ﷺ أنه ما نقص مال من صدقة، فالصدقة تنمي المال وتباركه وتزكيه.
وللصدقة فوائد عظيمة، وحسبك أنها تطفئ غضب الرب ، وعندما فرطنا في هذا الأمر العظيم انحرف كثير من الناس عن طريق الإيمان، نتيجة للعوز والفاقة؛ لأنهم لم يجدوا من يعطيهم ويتصدق عليهم.
стр. 217
فضل الصدقة والحث عليها
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (بينما رجلٌ يمشي في أرض فلاة إذ سمع صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان.
فأفرغ السحاب ماءه في شرجة من شراج ذلك الوادي، فذهب ذلك الرجل الذي كان يمشي إلى المكان الذي أفرغ السحاب ماءه فيه، فرأى رجلاً معه مسحاة يُمهد مجرى للماء حتى يذهب إلى بستانه أو إلى أرضه، حتى استوعب الماء كله، فذهب إليه وقال: السلام عليك يا فلان -باسمه الذي سمعه في السحاب- فقال: وعليك السلام، من أين عرفت اسمي؟ قال: إني سمعتُ صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان، فأفرغ السحاب ماءه عندك فماذا تصنع؟ قال: أما قد قلت لي ذلك فإني أنتظر ما يخرج من الأرض فأقسمه إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ أتصدق به، وقسمٌ آكله أنا وعيالي، وقسمٌ أرده في بطنها) -أي: بذراً في باطن الأرض حتى يخرج مرةً أخرى-.
هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قصها علينا النبي ﵊ من قصص الأقدمين، وهو يشتمل على ثلاث فوائد، وكل فائدة تشتمل أيضاً على فوائد: الفائدة الأولى: فضل الصدقة.
الفائدة الثانية: فضل النفقة على العيال.
الفائدة الثالثة: الأخذ بالأسباب وعمارة الأرض.
أما الفائدة الأولى فقد قال الرجل: (فإني أتصدق بثلثها).
وقد وردت في فضل الصدقة أحاديث كثيرة نقتصر على بعضها.
وأصل الصدقة مأخوذة من الصدق، ولهذا يلزم المتصدق أن يكون صادقاً، فإن كان كذلك فإن النبي ﵌ قال: (إن الله يقبل الصدقة بيمينه، ثم يربيها للعبد كما يربي أحدكم فلوه)، والفلو: هو المهر، فكما أنك تربي فرسك فيكبر على عينك -ولله المثل الأعلى- فإن الله يأخذ الصدقة بيمينه فيربيها للعبد حتى تصير كأمثال الجبال! وهناك كثير من العباد يفاجئون بمثل هذه الحسنات التي ما كانوا يتوقعونها، يتصدق بصدقة وهو مخلص فيها ثم نسيها، فيفاجأ هذا الرجل بجبال من الحسنات من أين هذه الجبال؟! إنها من الصدقة التي وضعها يوماً ما في يد مسكينٍ أو فقيرٍ أو معول ونسيها: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥]، في كتابٍ عند الله ﵎.
стр. 218
لا تحقرن من المعروف شيئاً
(لا تحقرن من المعروف شيئاً)، تصدق وإن كان المال قليلاً وأخرج ما عندك، فالله ﵎ يربيها لك، وقد كان عبد الله بن عمر ﵄ يتصدق على من يقابله بالسكر، كان يحمل قطعة سكر في جيبه ويتصدق بها، فسُئِلَ عن ذلك فقال: قال الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وأنا أحب السكر.
وكان عمر بن الخطاب ﵁ يتصدق بحبات العنب، فَيُسأل: وما تغني حبة عنب، فإنها لا تشبع ولا تروي ظمأ ظامئ؟ فيقول: (إن فيها مثاقيل كثيرة، قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧]) والذرة لا ترى بالعين المجردة، فلو فعلت مثقال ذرة خيراً لوجدته، فما بالك بحبة عنب! فإن فيها مثاقيل كثيرة.
ويروى أن السيدة عائشة ﵂ كانت تعطر الدنانير والدراهم قبل أن تتصدق بها، فتسأل عن ذلك؟ فتقول: إنني أضعها في يد الله ﵎ قبل أن تصل إلى يد المسكين.
стр. 219
لا تنفق إلا مما تحب
لقد أدبنا الله ﵎ أدباً آخر، فقال تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فإذا كان لديك تمر، أو أي شيء تريد أن تتصدق به، فإياك أن تتصدق بالرديء منه، مثلاً: بعض الناس لديه قميص ثمنه تسعون جنيهاً، ثم وهو يكويه كانت المكواة حارة فخرقته، فجاءني وقال: خذ هذا وتصدق به على مسكين، مع أنه لو لم يحرق هذا القميص لما خطر على باله أن يتصدق به، إذاً ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فإنك لو كنت في مكان ذلك المسكين وجاءك رجلٌ بمثل هذا الرديء لما أخذته إلا على إغماض، لأنه رديء، قال تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧].
فلا يجوز للمرء أن يعمد إلى الشيء الرديء ثم يتصدق به، إنما يتصدق بأجود ما عنده لماذا؟ لأنه يضع هذه الصدقة في يد الله ﵎ قبل أن تصل إلى يد المسكين.
стр. 220
فائدة التصدق على أهل المعاصي
وهناك أمر آخر، وهو: أن مهمتك أن تخرج الصدقة من عندك، وليست مهمتك أن تصل الصدقة إلى موضعها المرجو، فأنت مثلاً تنظر إلى بعض الجيران وهم يدخنون مثلاً، أو لا يهتمون بالأحكام الشرعية، وبعضهم يقصر في الصلاة، ولكنه فقير، فتقول: هذا الرجل لا يستحق الصدقة، سوف أعطيها لرجل ملتزم أفضل منه.
قولك هذا صحيح، ونحن لا ننازعك فيه، ولكن نلفت نظرك إلى شيءٍ هام، وهو: أنك إن أعطيت بعض أهل المعاصي مثل هذه الصدقات فقد يرق قلبه، بالذات -مثلاً- الإخوة الملتحين، فإن كثيراً منهم متهم بغير جريرة، فبعض الناس يأخذ عنه فكرة أنه متشدد، ومتزمت، وأنه يكفر المجتمع، وهذا كله كذب؛ بسبب الدعاية المغرضة لأجهزة الإعلام الكاذبة الفاجرة، التي نسأل الله ﵎ أن يعامل القائمين عليها بعدله.
فهؤلاء أسهموا بدورٍ فعالٍ جداً في تشويه صورة هؤلاء، وللإنصاف نقول: إن بعض هؤلاء الملتحين يسيئون إلى الإسلام ببعض الأحكام التي يتبنونها بحسن نية ولكن بجهل، وبعضهم يغلظ في النصيحة إغلاظاً شديداً حتى في غير موضعها؛ فيسبب نفرة في القلوب.
وهناك عوارض كثيرة مجتمعة ليس المجال الآن مجال معالجتها وإفرادها بالذكر، ولكن نقول: إن هناك بعض العوام يخافون من الرجل الملتزم، فأنت إذا أعطيت ذلك الرجل هذه الصدقة فلعل قلبه يرق.
وهناك قصة أخرى معروفة في الإسكندرية: فقد كان هناك رجل يؤذي السنيين -أو الانتساب إلى السنة شرف؛ وقد رأيت بعض الناس وشخص يناديه: يا سني، فاعتبرها سبة، والتفت إليه وكاد أن يقتله! فالانتساب إلى السنة شرف عظيم، بغض النظر عن هل يقولها سخريةً أو يقولها بجد- فكان يكرههم كثيراً، وبعد مدة حدث عنده حادث ولادة، فحصل لامرأته نزيف حاد واحتاجوا إلى دم، ولا يوجد دم في المستشفى، وهو قد تعرض لأهل السنة بالأذى كثيراً، حتى صار معروفاً لديهم من شدة ما يؤذيهم بلسانه، فقال له بعض الناس: لن يعطيك الدم إلا السنيون، فأنصحك بالذهاب إلى المسجد.
ونحن لا نرى التبرع بالدم إلا في مساجدهم، ولن تجده في مساجد الأوقاف؛ لأنهم يريدون إذناً رسمياً من وزير الأوقاف حتى يطلبوا التبرع بالدم في مساجدهم.
فقال الرجل: لو تكلمت لسخروا مني؛ لأنني أتعرض لهم بالأذى.
فقال له: اذهب.
فذهب الرجل على استحياء، وكان ذلك في صلاة الفجر، فقام وقال: إن امرأتي جاء لها نزيف حاد، فهل يعطيني أحد دماً لننقذها؟ فقام كل من كان في المسجد وذهبوا يتسابقون فماذا كانت النتيجة؟ لقد أصبح هذا الرجل من أشد المتعصبين الآن لهؤلاء! انظر إلى الإحسان! ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، فإياك أن تتصور أنك تقدم معروفاً ولا تلقاه قد تقابل ببعض الجحود، لكن لابد أن ترى هذه الثمرة يوماً ما، ولو أن هذا الرجل ذهب وقال: أريد دماً.
فقالوا له: بعد هذا السب وهذا الأذى تريد دماً؟! فكيف سيكون حال الرجل؟ سيتحول إلى مقاتل شرس ضد هؤلاء.
إننا نفتقر إلى هذه النماذج للدعوة، فانظر إلى الإحسان إلى أهل المعاصي كيف يحول قلوبهم بإذن الله، فلا تقل: لن أعطي لأحد من أهل المعاصي، بل إن المهتدين أولى أنا معك، لكن ألا يسرك أن تضم إلى ركب المؤمنين رجلاً آخر؟! هب أنك أعطيت هذا الرجل وظل على عناده، وأعطيته وظل على عناده، فلا تيأس، وانظر إلى حال نفسك: فقد كنت يوماً ما من المخرفين عن طريق الإيمان، فكم من رجالٍ هم الآن صفوة الرجال كانوا من ألد أعداء هذه الدعوة.
وانظر إلى جيل الصحابة حين كانوا كفرة في الجاهلية كـ عمر بن الخطاب مثلاً، كيف حول الله قلوبهم بعد ذلك! ولا تتعجل النتائج، واتل قول الله : ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، ألم تكن من قبل كهذا الرجل فمن الله عليك وهداك إلى الإيمان؟! روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل يخفي صدقته، فوجد امرأة في الطريق فأعطاها الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدِّق الليلة على زانية! فبلغ الرجل هذا القول، فقال: الحمد لله على زانية -كأنه رأى أنه لا أجر له طالما أنها لم تقع في موقعها الصحيح، وكان يريد أن تقع في يد مسكينٍ فقير حتى يؤجر، واستاء الرجل وأحس أن صدقته لم تقبل- لأتصدقن الليلة بصدقة -سأتصدق مرةً أخرى لعلها تقع في يد من يستحقها- فوجد رجلاً في الظلام فوضع الصدقة في يده، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة -فرأى أن الصدقة لم تقبل ولم تقع في موقعها في المرة الثانية، فأراد أن يتصدق في المرة الثالثة عساها أن تقع في يد من يستحقها- فخرج فرأى رجلاً في الظلام فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني -ليس محتاجاً للصدقة، إذاً للمرة الثالثة لم تقع الصدقة في موقعها الذي يريده- فجاءه ملكٌ في صورة رجل فقال له: أما صدقتك فقبلت، أما الزانية فلعلها تتوب، وأما السارق فلعله يستعف، وأما الغني فلعله ينظر فيخرج الذي عنده)، انظر إلى فائدة التصدق على أهل المعاصي! وكم من النساء انحرفت بسبب أنها ذهبت إلى بعض الرجال ليقرضها فلم تجد، فتتاجر بعرضها، ونحن نحفظ عشرات القصص في ذلك، وكثيرٌ منكم عنده في جعبته الكثير! إن بداية الانحراف لكثير من النساء سببه أنها لم تجد أحداً يعطيها، فتاجرت بعرضها، وتمرست على ذلك، ومع ذلك تسمعها تقول: أتمنى أن أتوب.
فالمتاجرة بالعرض شيء سخيف جداً، وبشع للغاية، والمرأة البغي لا تشعر بأي متعة في هذا أي متعة تستمتعها المرأة؟! تتمنى أن تتوب، لكن من يكفلها؟! فالصدقة والزكاة طهرة للعبد، قال تعالى:: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، وقد قاتل أبو بكر الصديق الذين منعوا الزكاة، وسموهم بالمرتدين لأنهم منعوها.
إن ضياع بيت مال المسلمين سبب في وجود كل هؤلاء المجرمين في المجتمع، ولو أن أي رجل عاطل لا يجد عملاً يعطى جزءاً من المال -ولو قرضاً- من بيت المال، ليستعين به في حياته؛ فلن يسلك طريق الإجرام أبداً.
فهذه المرأة أو هذا الرجل الذي يسرق لعله ما بدأ طريق الإجرام إلا بسبب أنه لم يجد يداً حانية تعطيه.
فانظر إلى قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انحدرت عليهم الصخرة، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكانت من أحب الناس إليّ، فألمت بها سنة -أي: مجاعة وحاجة- فجاءت تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ولكن اشتد عليها الكرب، فرجعت إليه تضحي بعرضها في سبيل أن تؤكل أولادها -هذا مثل واقع، امتنعت في السابق رجاء أن تجد يداً رحيمة، ولكنها لم تجد، فماذا تفعل؟ تموت هي وأولادها؟ لا، فتذهب تضحي بعرضها لهذا الرجل وتأخذ منه مالاً- قال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه -إلا بالزواج الشرعي- فقمت عنها وهي أحب الناس إلي.
فهذا الحديث الصحيح يدل على أن كثيراً من أهل المعاصي لم يبدءوا في هذا الإجرام إلا بسبب عدم وجود اليد الحانية.
فإياك أن تحتقر أهل المعاصي، لا تشدد عليهم، وارحمهم، وأنت إنما تفعل ذلك رجاء وجه الله ﵎، وهذا الحديث حجة في هذا الباب: فيجوز أن تعطي الزكاة -فضلاً عن الصدقة- لأهل المعاصي، وكم يحصل الإنسان من الأجر إذا سلك طريق الصدقة مع أنها لا تضره! فإذا جاء إليك السائل فلا ترده، وأعطه من مال الله الذي أعطاك، فإن بعض الناس قد يرد السائل وتجده في المقابل قد ينفق (مائة جنيه) في وجبة غداء، ويعزم جماعة ويقول: هذا من كرم الضيافة، وهذا من أدب الإسلام مع أنه بخل أن يخرج عشرة قروش! هذه طبيعة في بني آدم؛ ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
إن استطعت أن تتقي شح نفسك التي بين جنبيك (فأولئك هم المفلحون).
стр. 221
ما نقص مال من صدقة
لقد كان النبي ﵊ يعلم الشح الذي يحمل بني آدم على منع الصدقة، برغم أنهم لو تصدقوا لكان خيراً لهم، ولذلك أقسم النبي ﵊ -مع أنه قلما يقسم في الأحاديث- فقال كما رواه الترمذي وغيره: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة)، فإذا كان معك مائة جنيه، فتصدقت منها بعشرة جنيهات، فلا تظن أنه بقي معك تسعون جنيهاً؛ لأن مالك لم ينقص بل ازداد، ولكن العبد يريد أن يرى كل شيءٍ بعينه، وينسى أن صحته أغلى من ذلك، بدليل أنه لو أصابك مرض لأنفقت أموالك في العلاج.
فكونك صحيحاً هذا مال وكون ولدك صحيحاً مال وكونك في عافية هذا مال تصفو أملاكك كما هي هذا مال بيتك كما هو هذا مال وقس على ذلك، ولكن الناس لا يحسون إلا بالنعمة الظاهرة؛ ولذلك قلما يحمد الله ﵎ من ينظر هذه النظرة.
فالنبي ﵊ يقسم على هذا ويقول: ما نقص مالٌ من صدقة)، والله أقسم كذلك، ومن المعلوم أن العباد في شك من الأشياء المقسم عليها؛ ولذلك فإن الخطاب الشاذ في الشيء يحتاج إلى نوع تأكيد، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] ما هو؟ ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣].
لأن كثيراً من العباد لا يتصورون أن رزقهم في السماء، ولماذا جعل الرزق في السماء؟ حتى تطمئن أنه لن يستطيع مخلوقٌ أن يقطع رزقك: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]، فإن كنت لا تصدق أن رزقك في السماء: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) أي: إن هذا الكلام حق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ).
أأنت تتكلم؟! فإن كنت لا تشك في أنك تتكلم الآن فإياك أن تشك أن رزقك في السماء.
وقد كان بعض السلف إذا تلا هذه الآية بكى، وقال: من أغضب الجليل حتى حلف على هذا، ونحن نصدقه بلا حلف.
فالأشياء التي يلتبس على العباد معناها تؤّكد، كقول إبراهيم ﵇ لما أراد أن يعدد مناقب إلهه وإلهنا العظيم ﵎، في مقابل هؤلاء الكفرة الذين يعظمون الأحجار، قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٧ - ٧٨]، تأمل في النظرة! ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٩ - ٨١].
وقد جيء في الآيات الثلاث الأول بضمير الرفع المنفصل (هو) ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠] (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) ولم يقل: (فهو يحيين) إنما قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فلماذا جيء بضمير الرفع المنفصل على سبيل التأسيس في الثلاث الأول دون الرابعة؟ لأن الثلاث الأول فيها لبس عند العباد: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، فكثير من الناس الذين تداركتهم عناية الله ﵎، يقول: لقد كنت ضالاً فهداني فلان.
فيخطئ بعض الناس فيجعل ما لله ﵎ للعبد، مع أن الذي هداه في الحقيقة هو الله ، وما هذا إلا سبب، فلما التبس على العباد معنى الهداية ومن الذي هدى العبد أم الرب ﵎؟ فنحتاج أن نؤكد بضمير الرفع المنفصل أن الذي يهدي هو الله فقط؛ ولذلك أُكّد هذا المعنى بضمير الرفع الذي لا محل له من الإعراب: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨].
﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩]، يقول بعض الناس: فلان أطعمني وسقاني.
وهذا منتشر كثيراً، فأراد إبراهيم ﵇ أن يؤكد أن الذي يطعم ويسقي هو الله ﵎ لا غيره، وهذا موجود -كما قلت- في كلام العباد، فأكد بضمير الرفع المنفصل: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩].
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] لأن كثيراً من الناس ينسبون الشفاء للطبيب، ولا ينسبونه إلى الله ﵎ صحيح أنهم يعتقدون أن الله هو الشافي؛ ولكن الكلام الذي يخرج من أفواههم: إن الطبيب هو الذي أزال العلة.
وتأمل الأدب في قوله ﵇: (وَإِذَا مَرِضْتُ)، فقد في الأول: (الَّذِي خَلَقَنِي)، (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي)، ولم يقل: والذي أمرضني، أو وإذا أمرضني فهو يشفين وإنما نسب المرض لنفسه، كقول الخضر ﵇ لما خرق السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، مع أنه قال في نهاية المطاف: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]، فأنا مأمورٌ بهذا من قبل رب العالمين، لكن عندما جاء ذكر العيب نسبه إلى نفسه تأدُباً، ولما جاء ذكر الرحمة في قصة الجدار قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢]، فنسبها إلى الله ﵎.
فكل هذه المعاني قد تلتبس على العبد، ولذلك أُكدت بهذا الضمير الذي يفيد أن الفاعل هو الله ، لكن عندما أتى إلى الصفة الأخيرة لم يحتج إلى هذا الضمير؛ لأنه لا يختلف اثنان في الأرض أن الذي يخلق ويميت هو الله ، ولذلك قال: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٨١]، فلا يشك أحد أن الذي يميت ويحيي هو الله ﵎؛ ولذلك لم يحتج إلى ضمير الرفع.
إذاً: المسائل التي فيها بعض اللبس تؤكد، لكن لا يلتفت إلى هذه المؤكدات إلا قليل من الناس.
فالنبي ﵊ يقول: (ما نقص مالٌ من صدقة)؛ لأنك عندما تتصدق -مثلاً- بجنيه، فالحسنة بعشر أمثالها، ويزيد الله ﵎ تفضلاً منه إلى سبعمائة ضعف، فكم سيكون لك من جبال الحسنات عند الله !! فهل نقص مالك؟ لم ينقص.
وقد ورد في بعض الأحاديث أن الصدقة تدفع الضر عن العبد، وكل هذا مكتوب ومقدر عند الله ﵎.
стр. 222
وجوب النفقة على الأهل
لقد أرسل الله ﵎ لهذا الرجل الصالح سحابة أفرغت ماءها في بستانه؛ وما ذلك إلا لأنه قائمٌ بالقسط والعدل، فقد قال: (أما ثلثها فأتصدق به، والثلث الآخر آكله أنا وعيالي)، وفي هذا وجوب النفقة على الأهل، قال ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، وفي رواية: (أن يضيع من يعول)، وفي مسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) وكلمة (كفى إثماً) تدل على عظم هذا الإثم، أي: يكفيه من الإثم أن يضيع زوجته وأولاده، أن يضيع من يقوت، فلا يجوز أن تحبس النفقة عن الأولاد لأن الأولاد ليست لهم زكاة لماذا منعك الشارع أن تعطي الزكاة لأولادك أو لأبيك وأمك؟ فلا يجوز أن تعطي الزكاة للأصول ولا للفروع، فوالدك لا يجوز لك أن تعطي له الزكاة؛ لأن له نفقةً واجبة عليك، وكذلك أولادك لهم عليك نفقةٌ واجبة، فلا يجوز أن تضيع أولاك، بل إنك تتعبد الله ﵎ بإطعام أولادك.
إن كثيراً من الناس يبخل على أهله وأولاده، ولا أدري الذي يبخل على أهله وأولاده سيكرم من؟ فإذا كان أخص الناس به يعانون من المجاعة وهو حاتم الطائي خارج بيته!! هناك رجلٌ يدخن أكثر من مائة سيجارة في اليوم الواحد، وكان يأخذ الدقيق من بيته فيبيعه ويشتري به شاياً وسكراً، ويأخذ الرز ويبيعه، والزوجة تخرج وتعمل في البيوت، وتتكفف الناس إن باطن الأرض أولى بهذا الرجل من ظاهرها، وحين مات ولده والله لم يوجد في بيته ثمن الكفن!! فانظر إلى أين وصلت التعاسة؟! فكفى بهذا الرجل إثماً أن يضيع من يعول، فضلاً عن الموبقات التي يرتكبها.
فأنت بإنفاقك على أولادك تتعبد الله ﵎ بذلك، وقد رخص النبي ﷺ للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بغير إذنه إذا كان بخيلاً، ولا ينفق على البيت.
ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂، قالت: (جاءت هند بنت عتبة -امرأة أبي سفيان ﵂ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، فهل علي جناحٌ أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فقال ﷺ : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، فانظر إلى هذا الحكم (إن أبا سفيان رجلٌ شحيح) أي: لا يقوم بالنفقة الواجبة، فهل علي جناحٌ أو إثم أو حرج أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ فلم يقل لها: لا، إن هذه خيانة لأن أبا سفيان قصر في الواجب الذي عليه، بل قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، وكلمة (بالمعروف) حتى لا تتمادى الزوجة وتأخذ أكثر من حاجتها، ولو أخذت أكثر من حاجتها فإنها تعتبر خائنة آثمة؛ لأن النبي ﵊ قال لها: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)، والمرأة ربما تجد لها سبباً فتقول: أنا أتمسك بظاهر الحديث (خذي ما يكفيك)، وأنا لا يكفيني مرتبه ولا مرتب عشرة مثله، أنا محتاجة دائماً، والحديث يقول: (ما يكفيك).
إن بعض الأزواج -هداهم الله- يترك بيته وأهله بدون نفقة ويخرج، فتقول له المرأة: إلى أين أنت ذاهبٌ وتتركنا؟ وماذا أبقيت لنا؟ - فيقول لها: أبقيت لكم الله ورسوله.
- فتقول: نريد مالاً.
- فيقول لها: يا امرأة! هذا قول أبو بكر الصديق حين أعطى كل ماله للنبي ﷺ ، فقال له: (ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله).
إن هذه كلمة حقٍ لا يراد بها الحق، لا أقول: يراد بها باطل؛ إنما أقول: لا يراد بها الحق، فقد وضعت في غير موضعها.
فإن هذا الرجل لا يذهب بماله إلى شيء واجب ولا مستحب ولا مباح، بل قد يكون شيئاً محرماً، أما أبو بكر الصديق فإلى أين لما أخذ ماله؟ أليس لتأسيس اللبنة الأولى من هذا الدين؟ فأين هذا الإنفاق من ذاك؟ إن الفرق كبير بين إنفاق أبي بكر وإنفاق هذا الرجل.
إن هذا يتركهم ويذهب، يجلس في المسجد يأكل ويشرب ويطبخ ويرجع، مع أن الله ﵎ قال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]، وقال النبي ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته)، فليت هؤلاء أول ما يتجهون بالدعوة يتوجهون إلى بيوتهم، وإلى أولادهم، وإلى زوجاتهم، لكنه يدعو في الخارج ويترك أهل بيته يفعلون ما يشاءون، ويظن أن هذه قربة، إنها ليست قربة (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، ويتركهم أكثر من أربعين يوماً، وقد تكون له رحلة ستة أشهر -مثلاً- إلى بريطانيا أو إلى غيرها، ويدخل البلاد ويدعو إلى الله ادع في بلدك إن كنت من الصادقين، لكنه يقول: انظر إلى الآثار المترتبة على الدعوة هناك، عشرات الذين يؤمنون ويسلمون، فيقال: إن هذا ليس من خصائص المسلمين وحدهم، فإن النبي ﷺ يقول في الحديث الذي رواه البخاري وغيره: (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فلا تتصور أن المؤمنين فقط هم الذين يسعون لنصرة هذا الدين، بل إن بعض الفجار مرغمون ومسخرون لنصرته.
فقد يأتي عالم مثلاً ويكتب كتاباً علمياً يهز العالم، ثم تجد له أصلاً في الكتاب والسنة! فكثير من الناس يؤمنون بسبب هذا الحديث أو بسبب تلك الآية، فنصر الله ﵎ وهذا الدين بهذا الرجل الفاجر.
فالشاهد: أنه لا يجوز للمسلم أن يضيع من يقوت، بل عليه أن يتقرب إلى الله ﵎ بالنفقة على الأولاد والزوجة.
وهذا الرجل الصالح: كان ينفق الثلث الثاني على أولاده.
стр. 223
الإسلام يحث على استثمار وزراعة الأرض
بقي الثلث الأخير: قال: (وأرد فيها ثلثه)، أي: في الأرض.
وهذا دليل على أن الإسلام يحث على استثمار الأرض، ويحث على استيعاب الطاقات والاستفادة من الجهود المبعثرة، بخلاف بعض الناس الذي يظنون أن الإسلام دين الكسل والتواكل، وهذه فرية بلا مرية، لكن -بكل أسف! - وجد من بيننا من يلوك هذا الكلام، وهم من العلمانيين ذوي الوجوه القبيحة الذين يحاربون الله ورسوله.
والشيء العجيب: أنهم يحتجون علينا بالأحاديث، وهم لا يحتجون بها، وإنما يرددونها حتى يزعموا أنها مكذوبة، برغم أنها في صحيح البخاري، فماذا يريد هؤلاء؟ يريدون أن يقولوا: إن صحيح البخاري فيه أحاديث موضوعة، لكي يزيل هيبة هذا الكتاب من نفوس المسلمين؛ لأنه يعلم أن المسلمين يبجلون صحيح البخاري، برغم أنهم لا يعرفون من هو البخاري ولا حتى اسم البخاري.
وهذا بسبب كلام العلماء عن ثقة هذا الكتاب وثقله ومكانته ومكانة صاحبه ﵀.
فيأتي أحدهم ويقول إن: البخاري ليس معصوماً، وهو بشر، وهذا حديث موضوع في البخاري ثم يذكر حديث: (أن النبي ﵊ دخل داراً فوجد فيها محراثاً -والمحراث: ما يحرث به الأرض- فأشار إليه ﷺ وقال: ما دخل هذا بيت رجلٍ إلا أدخل الله الذل عليه)، أي: أن هذا المحراث لا يدخل بيت رجل إلا ودخل الذل معه، فيقول: معنى هذا أن الناس لا يحرثون الأرض، ولكيلا يذلوا لا يقتنون المحراث ويحرثون الأرض، أي: لا يزرعون، فقالوا: إذاً هذا الحديث مكذوب باطل، وهذا البخاري الذي تتشدقون بصحته وو إلخ.
مع أنهم لو ردوه إلى أهل العلم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهكذا يعمل الجهل في أهله، ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف.
إن هذا الحديث صحيح، ولا مرية في صحته؛ بل نحن نقسم على صحته، قال إمام الحرمين: (لو حلف رجلٌ بالطلاق أن كل ما في البخاري صحيح ما ألزمته الطلاق؛ لصحة كل أحاديث الكتاب).
هذا اعتداد بصحة الكتاب.
إذاً ما وجه هذا الحديث؟ لقد حمله العلماء على وجهين: الوجه الأول: إذا انشغل الرجل بالزرع عن طاعة الله أذله الله؛ لأن المحراث هذا يكون سبب الذل، وهل هناك ذل أشد من أن يدخل الإنسان الأرض؟ إذاً الذي يعمل بهذا المحراث ويزرع وينسى الله ﵎ وينسى التكاليف الشرعية، فيكون المحراث هذا سبباً لذله.
الوجه الثاني -وهو المشاهد الآن تماماً-: أن هذا المحراث سبب في ذل الفلاحين الآن لماذا؟ لأن عليهم جباية، وضرائب، وتحصيلاً إجبارياً على المحاصيل أليس هذا من الذل؟ إذاً: المحراث هو سبب الذل، بسبب الجبايات التي تثقل كواهل الناس.
فيكون هذا المحراث سبباً للذل الواقع على كاهل هذا الإنسان، إذاً فما يدخل هذا المحراث بيت رجل إلا أدخل الله الذل معه.
فهذا الحديث له وجه جميل ومحمل رائق، فهل يقال: إنه مكذوب؟! وقد علمنا أن هذه الأحاديث لا تحثنا على الكسل، والنبي ﷺ قد قال في حديث آخر: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، فلو أن أحداً يزرع نخلة وقامت الساعة فإياه أن يقول: لن أزرعها، ولمن أزرعها؟ فالقيامة قد قامت؟! وهل هناك حث أكثر من قوله ﷺ (ما من عبدٍ يزرع زرعاً أو يغرسُ غرساً، فيأكل منه إنسان أو حيوان أو طائرٌ إلا كان له به أجر)، هل هناك أكثر من هذا في الحث على زراعة الأرض واستثمارها؟ إلخ، وهناك أحاديث كثيرة في ذلك.
ولكن الإسلام محاصر من جهتين: الجهة الأولى: جهل أبنائه فيهدمونه من الداخل.
والجهة الثانية: كيد أعدائه من الخارج، فالإسلام ما بين كيد الخارج وعجز الداخل.
فصار المسلمون بذلك من أسوأ الأمم على هذه الحياة الآن!
стр. 224
العمل بالأسباب من دين الإسلام
إن بعض المسلمين يتعبد بترك العمل، ويزعمون أن العمل من الشرك، وفيهم من يزعم أن من ذهب إلى الطبيب فهو كافر وهذه كلمة خطيرة جداً أن يكفر أحد المسلمين ما لم يقم دليل قاطع وبرهانٌ ساطع على كُفره وهل الأخذ بالأسباب كفر؟ إن هؤلاء الجهلة يكفرون النبي ﷺ من حيث لا يشعرون؛ لأن النبي ﵊ أخذ بالأسباب، وقال: (تداووا عباد الله، فإن الله ما جعل داءً إلا جعل له دواءً).
والنبي ﷺ أليس هو سيد المتوكلين؟ أليس هو غرة في جبين المؤمنين؟ أليس هو سيد ولد آدم ولا فخر؟ فلم اختبأ في الغار لما أراد أن يهاجر؟ هل كان خائفاً من المشركين؟ إن بعض الناس من قصار النظر يزعمون أن عمر بن الخطاب كان أشجع من النبي ﷺ في الهجرة، يقول: لأن عمر خرج وقال: إني مهاجر، فمن أراد أن ييتم ولده وترمل امرأته فليتبعني خلف هذا الوادي.
فما تبعه أحد؛ لأنهم خائفون منه، فـ عمر ﵁ هاجر علناً والنبي ﷺ هاجر مستتراً! وأبو بكر لما رأى رجلاً ينظر أسفل الغار قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال النبي ﷺ : (يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟).
والسبب في أن النبي ﵊ اختبأ في الغار، بينما هاجر عمر ﵁ علانية: أن فعل النبي ﷺ تشريع، وفعل عمر ليس تشريعاً.
فالنبي ﵊ إذاً يقول لك: اختبئ من عدوك إن خفت منه؛ لأن فعله حجة، ونحن نأخذ التشريع من أقواله وأفعاله وتقريره ﷺ ، وقد كان يرسل عبد الله بن أبي بكر الصديق وعامر بن فهيرة إلى المشركين ليأتوهم بالأخبار، وهذا فيه مشروعية التجسس على الأعداء والتخفي منهم، وإلا فإن النبي ﷺ كما وصفه أنس ﵁، وورد عن علي بن أبي طالب أيضاً قال: (كنا إذا حمي الوطيس -وكانت الحرب على قدمٍ وساق، والرقاب تطير- احتمينا بالنبي ﷺ ، يختبئون وراءه وذلك لشجاعته ﷺ وثباته وثبات جنانه وقلبه.
فهذا ليس خوفاً؛ إنما لأن فعله ﵊ تشريع.
فكيف يقول بعض الناس: إن موقف عمر أشجع، والنبي ﷺ خرج من بين ظهرانيهم وهم وقوف على البيت مدججون بالسلاح، وخرج من بين ظهرانيهم ثابت القلب، رابط الجأش؟! إذاً النبي ﵊ أخذ بالأسباب المتاحة.
ويزعم هؤلاء الجهلة -الذين يزعمون أن التوكل شرك- أن النبي ﵊ وصف السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب بأوصاف تدل على خلع الأسباب، وذلك في الحديث الذي رواه مسلم عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فماذا صنعت؟ قلت: استرقيت، قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، فقال: وما حدثكم الشعبي قلت: حدثنا عن بريدة بن حصيب الأسلمي أن النبي ﷺ قال: (لا رقية إلا من عين أو حمة، فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: عرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة).
فهؤلاء الجهلة قالوا: قوله: (يسترقون) هذا ضد التوكل، ولكن هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.
إذاً: فمن استرقى أو اكتوى أو تطير فهو غير متوكل.
وهذا الحديث مفهومه بخلاف ذلك، فهو صفة لهؤلاء الناس، وليس معناه: أن من لم يفعل ذلك يكون من السبعين ألفاً، فإنهم سبعون ألفاً قدرهم الله ، ومن صفاتهم: أنهم لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون؛ كقول النبي ﷺ : (أريت نساءً كاسيات عاريات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يرحن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) ففهم بعض الناس من هذا الحديث: أن المرأة إذا أرادت أن تسرح شعرها وتعمل هكذا مثل سنام الجمل، أنه لا يجوز؛ اعتماداً على هذا الحديث، وهذا خطأ، فإن هذا الحديث وصفٌ لنساءٍ لا يرحن ريح الجنة؛ لا أن من تفعل هكذا لا تجد ريح الجنة، هذا منطق مكذوب، وهذه فتوى خاطئة امرأة مؤمنة رجلت شعرها هكذا إذاً تدخل في هذا الحديث؟ لا، فهن صنف من النساء هذه صفاتهن.
وكقوله ﷺ في الحديث الصحيح: (يكون أقوامٌ -في آخر الزمان- يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة).
فقوله: (يخضبون بالسواد) ليس معناه: أن الذي يخضب بالسواد لا يجد ريح الجنة، فالحديث واضح، أن هؤلاء أقوام كتب الله عليهم أنهم لا يجدون ريح الجنة، وهذه من صفاتهم، لا أن من وجدت فيه هذه الصفة يكون من هؤلاء الناس، وإلا فـ سعد بن أبي وقاص -وهو من العشرة المبشرين بالجنة- كان يخضب بالسواد، وعقبة بن عامر روي عنه بسند لا بأسه به عند الطبراني في الكبير أنه كان يخضب بالسواد، وكانت لحيته بيضاء، وكان رجلاً شاعراً يقول: أخضب أعلاها وتأبى أصولها فلا يقال: إن هذا لا يشم رائحة الجنة.
إذاً: هذا الحديث -حديث السبعين ألفاً الذي يدخلون الجنة بغير حساب- وإن كان بعض العلماء أخذ منه المعنى المتبادر، ولكن المعنى الذي ذكرته هو أقرب المعاني عندي لهذا الحديث: أنه صفة لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب.
الحاصل: أن الإسلام كره الكسل، وحض أتباعه على استثمار الأرض، وعلى الأخذ بكل جديد جيد فيها، وإلا فمعروف أن الدين لا يرتقي إلا بقبضة قوية من المال والعتاد؛ لأن الحق إذا لم يكن معه قوة يداس بالأقدام، فلا بد أن يكون للحق قوة تدفعه.
فهذا الرجل الصالح الذي ذكر اسمه في هذه السحابة يقول: (وأرد فيها ثلثه) يستثمر الأرض ويزرعها؛ لأنك لا تستطيع أن تتصدق وأنت فقير، وكلما كنت غنياً وتصدقت كان لك فضل، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، ونسأل الله أن يبارك لنا في علمنا وأن ينفعنا به، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير.
стр. 225
الأسئلة
стр. 226
معنى قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ
السؤال
بعض الصوفية يقولون أن بعض مشايخهم هو الإمام المجدد، ويستدل بقوله ﵎: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، فما المقصود بالإمام الذي ورد في الآية؟ وما الرد عليهم؟
الجواب
المقصود المتبادر من هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١]، أن الإمام هو النبي، أي: نبي هؤلاء الناس.
ولفظ الآية يحتمل أكثر من هذا المعنى، فلو أن رجلاً ضالاً أضل الناس وسن سنةً سيئة، فسوف يدعى هذا الرجل ويدعى الذين أضلهم ويحتجون أمام الله ﵎، وهناك عشرات المناظرات في القرآن الكريم بين الكبراء وبين المستضعفين، فإذا كان هؤلاء يحتجون أن شيخهم هو الإمام المجدد، فلكل قوم شيخ، فلماذا حصروا الآية على شيخهم فقط إذا كانت المسألة مجزأة هكذا؟ والحقيقة أن هؤلاء المشايخ ليسوا مجددين، ونسأل الله ﵎ العفو والعافية من تجديدهم، ويصدق عليهم قول الأديب الراحل سامي الجيلاني -وقد كان متخصصاً في كتب الأطفال-.
فيما نقل عنه الشيخ أحمد شاكر محدث مصر ﵀، قال: ونعوذ بالله من هؤلاء (المجددينات)، وهذا ليس بجمع، إنما يقال: (المجددين)، فقال: نعوذ بالله من هؤلاء (المجددينات).
فقال له سائله: وما (المجددينات؟) قال: هذا جمع مخنث سالم! فقال وصدق؛ فإن أغلب الذين يزعمون التجديد من هذا النوع.
وقد التقينا بأحد هؤلاء وهو فرماوي فؤاد المضل، وقد بلغ التسعين سنة، التقينا به في سجن طره، وكان يزعم أنه يوحى إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١].
فهؤلاء (المجددينات) إنما يجددون البدع، فهذا يدعى يوم القيامة وعليه وزر تجديد هذه البدع والخرافات والضلالات المضافة لتوحيد الخالق، إلا من عصمه الله ﵎، والسعيد من اتبع الكتاب والسنة.
стр. 227
شبهات حول نقاب المرأة
السؤال
بعض الناس يسخرون من المرأة المنتقبة، ويقولون: إن المرأة المتبرجة أقرب إلى الله من المنتقبة؟
الجواب
لم يقل هذا الرأي إلا رجلٌ مرذول، وهو الدكتور إسماعيل مقطور المبتدع الضال في كتابه (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب) يقول: إن المرأة المتبرجة -هكذا يقول- أقرب إلى الله من المرأة المنتقبة!! لماذا يا دكتور؟ يقول: لأن النقاب حرام، والمرأة تنتقب بدعوى التقرب إلى الله، بينما المتبرجة تعلم أنها على حرام، فيمكن أن تتوب من هذا الحرام يوماً ما، ولكن المرأة التي تعتقد أن النقاب فرض تتقرب إلى الله به فهل هذه ستتوب؟ كيف وهي تظن أنها بالانتقاب هذا تتقرب إلى الله؟! لذلك المرأة المتبرجة أقرب إلى الله من المرأة المنتقبة!! انظر إلى هذا الضلال المبين! ويطبعون كتبه رغماً عن الأزهر النائم، ونسأل الله ألا يكون قد مات؛ وكل الخرافات تنشر، ويسب هذا الدين بدعوى حرية الرأي وإذا تكلمت يقولون: لماذا تحجر على آراء الناس؟ هل تزعم أنك أنت على الإيمان وهم على الكفر؟ لا، أنا لا أزعم هذا.
إذاً: دع الناس يتكلمون، وكل شيءٍ يبيحونه بدعوى حرية الرأي، مع أن شيخ الأزهر اشتكى على صفحات الجرائد الرسمية أنه يرسل للرد على بعض أهل البدع في الجرائد ولا ينشرونه، فانظر كيف يتصرفون مع شيخ الأزهر! فسخرية الفاسق لا تعدل شيئاً: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، فإن كنت تعتقد أنك على الحق فلماذا تكون خفيف الوزن؟ كلما ألصق بعض الناس شبهة ذهبت يميناً وشمالاً، بل كن كالجبل الأشم.
وهذا يذكرني بذبابة نزلت فوق نخلة -انظر: الذبابة لا وزن لها، أما النخلة فإنها راسخة- فقالت الذبابة للنخلة: أيتها النخلة استمسكي، فإني طائرةٌ عنك، فقالت لها النخلة: وهل أحسست بك نازلةً حتى أحس بك طائرة؟! يعني: نزلت وصعدت والنخلة لم تشعر بشيء أبداً، فهؤلاء لا يزنون شيئاً في الحقيقة.
المهم أن تعتقد أنك على الحق المبين، كونك أنت الذي تتأرجح.
انظر في نفسك! ستجد أنك غير متأكد من الحق الذي تحمله؟ بدليل أن أي شبهة تهزك، فاستوثق من الحق الذي معك.
стр. 228
مراتب الخوف
إن سؤال الناس منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع، فالمشروع هو ما كان فيما يقدر عليه الناس، من إغاثة ملهوف، وقضاء حاجة لمحتاج، والممنوع هو سؤال الناس ما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا محرم شرعاً.
وكذلك الخوف فمنه ما هو جائز، ومنه ما هو غير جائز، فالجائز هو الخوف الجِبِلِّي؛ كالخوف من سبع، أو من حاكم ظالم، أو من عدو، فهذا الخوف لا يؤاخذ صاحبه به، أما الخوف غير الجائز فهو الخوف من مخلوق مع اعتقاد أن بيده الضر والنفع، والإحياء والإماتة، وغير ذلك مما لا يكون إلا لله .
стр. 229
حكم سؤال المخلوقين
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الله : ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٥ - ١٦].
اعلم أيها المسترشد أن الأصل في السؤال الحرمة، وإنما أبيح السؤال للحاجة: والاستغاثة من السؤال، ومع ذلك فهي شرعت للحاجة.
في الحديث الصحيح عن ثوبان ﵁، قال: جئت النبي ﵌ فسمعته يقول: (من يتكفل لي بواحدةٍ أتكفل له بالجنة، فبادر وقال: أنا يا رسول الله، قال له: لا تسأل الناس شيئاً، قال الراوي: فكان ثوبان إذا سقط سوطه لا يقول لأحدٍ: ناولنيه).
وفي هذا الحديث نموذج لفهم الصحابة وتلقيهم للكلام: (لا تسأل الناس شيئاً) لم يستفصل ولم يقل له: ما الذي أسأل؟ وما الذي لا أسأل، مع أنه لا يوجد إنسان على وجه الأرض يستغني عن السؤال أياً كان، مثال ذلك: رجلٌ غريب دخل بلداً لا يعرفه، فسأل: أين العنوان؟ فهذا من جملة السؤال، ومع ذلك فالصحابي لم يستفصل، هذا كان شأن الصحابة.
ولذلك يقول الشاطبي ﵀: إن الأصل في الأدلة العموم، كان الواحد منهم إذا سمع الكلام أخذه على عمومه بلا استفصال: (لا تسأل الناس شيئاً).
فعمم ثوبان ﵁ معنى السؤال؛ حتى إن سوطه إذا سقط من يده وهو على الدابة لا يقول لأحدٍ: ناولنيه، وأئمة الحديث: إنما أوردوا هذا الحديث في أبواب الزكاة: أي لا تسألوا الناس أموالهم؛ لكن ثوبان أجراه على العموم.
فالأصل في السؤال الحرمة؛ إنما شرع السؤال للحاجة.
стр. 230
أنواع السؤال وحكم كل نوع
والسؤال على نوعين: النوع الأول: لا يَقْدر على إجابته إلا الله.
والنوع الثاني: ما يقدر عليه العباد.
فالنوع الأول: محرمٌ كله، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ لـ ابن عباس في وصيةٍ جامعة: (يا غلام: إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).
إذا سألت سؤالاً لا يقدر على كشفه إلا الله فلا تسأل فيه غير الله: وإلا فقد قال ربنا ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
فهناك مواضع يسأل المرء فيها، ويستغيث ويستجير، وهناك مواضع لا يحل له أن يفعل ذلك، قال : ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، فهذا النوع محرم لا يحل لأحدٍ أن يدعو غير الله.
أما الاستغاثة فيما يقدر عليه الناس فهذه جائزة، ومنها: حديث أنس الذي رواه الشيخان في صحيحيهما قال: (بينما النبي ﵌ يخطب على المنبر إذ جاءه رجلٌ أعرابي فوقف على الباب فقال: يا رسول الله: هلك الزرع والضرع ونفقت الماشية فادعُ الله أن يسقينا، قال: أنس وكانت السماء مثل الزجاجة ما فيها قزعة -أي ليس فيها سحابةٌ واحدة- فرفع النبي ﷺ إصبعه إلى السماء) ولا يجوز للخطيب أن يرفع كلتا يديه على المنبر إذا دعا لحديث مسلم الذي رواه عن عمارة بن رويبة ﵁: أنه رأى أحد خلفاء بني أمية يرفع كلتا يديه على المنبر: فقال: (قبح الله هاتين اليدين، ما كان النبي ﷺ يفعل ذلك، إنما كان يشير بالسبابة)، هذه السبابة، إنما قيل لها سبابة؛ لأنهم إذا سبوا الرجلَ كانوا يشيرون إليه بها؛ لذلك سميت سبابة، وكانت العرب إذا شتم الواحد منهم الآخر كان يشير إليه بأصبعه وهو يسب، فهذه الإصبع سميت سبابة لذلك، فكان النبي ﷺ يرفعها إشارةً إلى التوحيد، (فرفع إصبعه السبابة إلى السماء، وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا).
وفي رواية أخرى قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.
قال أنس: فنزل النبي ﷺ والمطر يتحدر من على لحيته، قال: وخرجنا إلى بيوتنا نخوض في الماء، وظللنا لا نرى الشمس جمعة أو قال: سبتاً) أي: أسبوعاً.
فسؤال المطر -إنزال المطر- لا يقدر عليه إلا الله، فلا يحل لأحدٍ أن يسأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا هو.
والنوع الثاني منه مثلاً: حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره بعيرٌ له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره فرسٌ له حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك.
لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره شاةٌ لها ثغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: قد أبلغتك لا أملك لك من الله شيئاً).
ففي هذه الآية: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص:١٥]، دليل على وجوب نصرة المظلوم، وأن من ظُلم فطلب الإغاثة، فيجب على الإنسان أن يغيثه بقدر استطاعته؛ لأن هذا أيضاً خاضع للاستطاعة والقدرة.
فلما وكزه موسى ﵇ فقضى عليه: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]، وليس في هذا دليلٌ على تبرؤ العبد من الفعل، ليس في هذا نفيٌ للأسباب، كما ذهب إليه بعض المبتدعة، قال: هذا من عمل الشيطان، فنفى كسب العبد وهذا لا يجوز.
فمثلاً: لو أن رجلاً زرع (حشيشاً) مثلاً أو (أفيون) فقُبض عليه، فقال: أنا ما زرعت، إن الله قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤]، إن الله هو الذي زرع.
فلا يُقبل منه هذا القول أبداً! لماذا؟ لأنه نفى كسب نفسه.
إنما قال موسى ﵇: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]: إشارة إلى أنه الذي يأمر بالفحشاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، وقال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨].
ومثله قول النبي ﵌: (ما من نفسٍ تُقْتَل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ منها؛ لأنه أول من سن القتل)، فما من نفسٍ تقتل ظلماً إلا حمل ابن آدم الأول جزءاًَ من هذه التبعة، مع أنه لم يباشر القتل بنفسه، لكنه هو الذي سن القتل.
ومثله وأوضح منه قول النبي ﵊: (من سن في الإسلام سنةً حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنةً سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة).
ومثله أيضاً: قول عمر بن الخطاب ﵁: (يوشك أن يأتي على الناس زمان فيقول أحدهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضةٍ أنزلها الله: ألا -وهذا هو الشاهد- إن رسول الله ﷺ رجم، ورجم أبو بكر ورجمتُ) مع أننا لا نعلم في خبرٍ من الأخبار قط: أن النبي ﷺ باشر الرجم بنفسه، لم يباشر الرجم بنفسه ولا أبو بكر ولا عمر، ومع ذلك يقول: رجم رسول الله، ورجم أبو بكر، كما لو قال الرئيس مثلاً: أنا الذي قاتلتُ وأنا الذي انتصرتُ، مع أنه ما باشر القتال بنفسه؛ لكن أمر بذلك، فيُعْزى ذلك للرأس الآمر الحاض على ذلك، ولذلك: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥]؛ لا أنه نفى كسب نفسه في المسألة، وإلا لِمَ استغفر إذَنْ؟! إذا كان هذا من عمل الشيطان وهو لم يعمل شيئاً فلِمَ استغفر؟! ولِمَ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]؟ ما قال ذلك إلا لأنه باشر، فليس في قوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص:١٥] نفيٌ للأسباب.
ثم وصف الشيطان بوصفين يتكرران في سائر القرآن: ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥] أي: عمله الإضلال، وعداوته بينة: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٦ - ١٧].
وهذا من حق المنعم، أن لا تكون ظهيراً للمجرمين عليك.
يا لَضيعة الوفاء عند اللئام! يأكلون من خيره وينيبون إلى غيره! وهذا ليس من الوفاء.
فهذا موسى ﵇ يحكي الله عنه: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]، أي: بسبب نعمتك عليّ لا أتولى الذين ظلموا.
стр. 231
إثبات وقوع الخوف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
стр. 232
خوف داود ﵇
كذلك داوُد ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ﴾ [ص:٢١ - ٢٢] داوُد ﵇ في محرابه وحده، الباب مغلق، والنافذة مغلقة، فجأة يجد واحداً يقفز عليه من السقف، من الذي لا يخاف! هذا خوف جبلي وطبيعي لا يؤاخذ المرء به ولا يقدح في إيمانه.
стр. 233
الخوف يحمل صاحبه على التصرف بعنف
وقد يحمل هذا الخوفُ المرءَ على أن يتصرف بعنف، كما حدث لموسى ﵇ أيضاً كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: عن النبي ﵊ قال: (بينما موسى ﵇ جالسٌ في داره إذ قال له ملك الموت: أجب ربك، ففقأ عينه، فصعد ملك الموت إلى الله، وقال: يا رب: إنك أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فرد الله عليه بصره؛ ثم قال له: اذهب إلى عبدي فقل له: ضع يدك على متن ثورٍ فلك بكل شعرةٍ مستها يداك سنة، فقال موسى: أي رب ثم ماذا؟ قال: الموت.
قال: فالآن).
فموسى ﵇ في دارهِ الباب مغلق والنافذة مغلقة، فجأة وجد رجلاً في البيت، من أين دخل هذا الرجل، وهذا الرجل دخل صائلاً، والصائل هو الذي يهجم على الناس في البيوت أو يهجم على الناس عموماً، فموسى وجد رجلاً يصول عليه، ويقول له: أجب ربك، أجب ربك، معناها: سلم روحك: يعني يريد أن يقتله: فما كان من موسى ﵇ إلا أن دفع هذا الصائل، ودفع الصائل مشروع حتى لو أدى الأمر إلى قتل الصائل، فهو جائز لقوله ﵊: (من قتل دون أهله وماله فهو شهيد).
فما كان من موسى ﵇ إلا أن فقأ عينه، وهذا حد الذي ينظر في بيوت الناس بغير إذن فضلاً عن أن يدخل بقدميه، للحديث الذي رواه الشيخان: (أن النبي صلى عليه وسلم رأى رجلاً ينظر إليه وهو في بعض حجر نسائه وبيده مشقص -المقص أو آلة حادة-، فقال ﵊: لو أدركتك لطعنتُ بها في عينيك ولا دية لك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) فإذا دخل البصر فلا إذن، إذا جاء رجل ونظر إليك من النافذة وبعد ذ لك طرق النافذة ما معنى هذا الكلام؟! إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فموسى ﵇ فعل مع هذا الرجل الحد الشرعي أنه فقأ عينه.
وكان ملك الموت ﵇ نزل بصورةٍ لم يعهدها موسى قبل ذلك ولم يعرفها، لذلك فقأ عينه، فلما رد الله بصره إليه، ونزل إلى موسى في الصورة التي يعرفها موسى لم يفقأ عينه هذه المرة، ولكن قال: (ربّ، ثم ماذا؟ قال: الموت.
قال: فالآن).
فشيء طبيعي أن يفزع داود ﵇ لما تسور عليه رجلان المحراب فزع منهما، قالا: لا تخف، فهذا خوفٌ جِبِلي لا إشكال فيه، وهكذا.
إنما قلت هذا وأطلت فيه قليلاً لأن من الناس من ظن أن مطلق الخوف يقدح في التوحيد، واحتج بآيات منها قوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، قال: فالخوف من غير الله يقدح في التوحيد، فنقول: هذا الإطلاق خطأ، بل الخوف الجبلي الذي يلازم المرء، كالخوف من المرض، والخوف من القتل، والخوف من الأذى، والخوف من الحاكم الظالم فهذا شيء جبلي لا يؤاخذ المرء به، لا سيما إذا كان هذا الذي يخاف منه هو في العادة قبيح، فخاف المرء أن يلابسه فهذا أيضاً لا شيء فيه.
стр. 234
خوف النبي ﷺ
والنبي ﵊ قال له ربنا ﵎ كما في قصةِ زيد بن حارثة ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧].
فهل يُقدح في النبي ﷺ بسبب ذلك؟ هذا خوفٌ طبيعي: رجلٌ تطلق زوجة ابنه بالتبني ويتزوجها: هذا لم يفعله أحدٌ من العرب، ولا في أيام الجاهلية، فكيف يفعله النبيل الذي يقبس الناس النبل منه، فاستعظم هذا بينه وبين نفسه، وقال في نفسه: ماذا يقول الناس إذا طُلِّقتْ زوجة ابنه فتزوجها، فيقول له ربه ﵎: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧].
فالخوف من الله له رسم، والخوف الجبلي لا يدخل فيه بحال كما سنذكر شيئاً من ذلك إن شاء الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 235
خوف زكريا ﵇
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناءُ الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقبل أن أتكلم عن هذه الجزئية الأخيرة: أنبه أيضاً على نموذج آخر من الخوف وقع بعض المفسرين في خطأ تأويله، وهو خوف زكريا ﵇، قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٢ - ٦].
فهذا نوعٌ من الخوف، وهو خوفٌ على الديانة وليس خوفاً على المال، كما قال ﷺ : (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)؛ لأن هذا يضل العالمين، فخوف زكريا ﵇ خوفٌ على الدِّين.
قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٦] كان زكريا ﵇ يقوم على خدمة الهيكل، ولم يكن له عقب، فخاف إذا مات ألا يكون من نسله من يقوم على عبادة الله وخدمة الهيكل؛ لذلك تمنى على الله أن يرزقه ولداً ليرث هذه المهنة.
: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥]، لم يخف على المال؛ لأن الميت إذا مات وخلف الدنيا وراءه يستوي عنده كل شيء، احذر أن تكون متصوراً أنك إذا مت وأكل الناس حقوق الورثة أنك تشعر بذلك أو تتألم؟ لا.
لا سيما إذا علمت قوله ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) وكانت الحكمة أن أهل أي نبي لا يرثون النبي حتى لا يشغب أهل الدنيا، ويقولون: ورَّثوا الدنيا لأبنائهم فقطع الله هذه العلاقة، وهذا يشبه قول النبي ﷺ : (لا يرث المسلم الكافر) رجل أبوه نصراني معه ملايين: أسلم الولد ومات أبوه في الغد يحرم الله عليه أن يرث (مِلِّيماً) من هذه التركة، حتى يكون إسلامه لله خالصاً؛ لذلك قطع العلائق بين أهل الشرك وأهل التوحيد حتى يخلص جناب التوحيد من هذه الشوائب.
فلما قال زكريا ﵇: ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم:٦]، والأنبياء لم يورثوا مالاً، إنما ورثوا العلم.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، هذا الذي يورثه الأنبياء، كلمة التوحيد.
فالذي قال من أهل العلم: إن زكريا ﵇ قصد المال، وقال: إن حديث النبي ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء لا نورث)، عام يراد الخصوص هذا خطأ في التأويل؛ إنما خاف زكريا ﵇ أن لا يقوم أحد بخدمة الهيكل.
стр. 236
خوف موسى ﵇
اعلم أنه لما قتل موسى ﵇ الرجل القبطي وصفه ربنا ﵎ فقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:١٨].
قلت قبل ذلك مجمَلاً: إن موسى ﵇ هو أكثر الأنبياء ترَدَّد على لسانه ذِكرُ الخوف، ولقد استمر هذا الخوف معه في مراحل حياته، فتأمل: - لما قَتَل: أصبح خائفاً يترقب.
- فلما علموا أنه القاتل وأتمروا على قتله: ﴿جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢٠ - ٢١].
- ومضى خائفاً طيلة الطريق إلى أن ورد مدين، فلما نزل على العبد الصالح وقص عليه القصص قال له: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥].
- فلما قضى الحجج التي هي أبعد الأجلين ورجع، فبينما هو راجع مع امرأته إذ رأى ناراً، فذهب ليقبس من النار شعلةً يستدفئ بها، حينئذٍ ناداه ربه ﵎ وقال له: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:١٠]، ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١].
فباشر الخوف أيضاً.
- ولما أمره ربه ﵎ أن يذهب إلى فرعون وأمره هو وأخاه، وإنما طلب موسى النصرة من الله بأخيه فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٤].
- فأمره الله وأخاه أن يذهبا إلى فرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٤ - ٤٦].
- ولما جاء إلى فرعون وحصلت بينهم مناظرة وجاء وقت المعجزة، وألقي السحرة حبالهم وعصيهم، فلما رأى موسى من شدة سحرهم أن الحبال تسعى قال يصف حال موسى ﵇: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ [طه:٦٧ - ٦٨].
стр. 237
خوف إبراهيم ﵇
وقد وقع هذا الخوف من جماعة من الأنبياء، منهم مثلاً إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٦٩ - ٧٠] لما رأى أيدهم لا تصل إليه نكرهم، لماذا؟ لأنه خاف منهم.
أيُّ رجل كريم: إذا نزل عليه ضيفٌ فلم يأكل طعامه اغتم، وهذا يكون في العادة، كما لو ألقيت السلام على رجل فأبى أن يرد عليك السلام فلك الحق أن تخاف؛ لأن رد السلام معناه إعطاء الأمان، فإذا لم يرد عليك السلام فاعلم أنه قد نوى غدراً، فإذا أبى الضيف أن يأكل فكأنما خاف من طعامك، ولذلك كان من شعار الكرماء: أنهم يبادرون إلى الأكل من الطعام قبل أن يأكل الضيف، فإذا رأى الضيفُ صاحبَ الطعام أكل فإنه يطمئن ويعلم أنه ليس فيه سم وليس فيه غدر إلخ.
فلما رأى أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ نكرهم، ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] ثم يستمر سياق الآيات: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود:٧١ - ٧٤] تأمل هنا! ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٤]، ﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود:٧٠] هذا سبب له خوفاً ورعباً.
فلما علم أنهم ملائكة الله، وأنهم جاءوا إلى قوم لوط قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود:٧١]، قال بعض المفسرين: إن معنى ضحكت: أي حاضت، وهذا صحيح من جهة اللغة في كلام العرب يقال: ضحكت الأرنب: أي حاضت، وهذا له وجهٌ، حاضت لأنها كانت امرأة آيسة من الحمل، والحيضُ علامة الحمل، وعلامة أن المرأة لا تزال صالحةً للحمل، فإذا انقطع حيضها يئست: وامرأته قائمةٌ فحاضت: وهذا الحيض يدل على أنها لا تزال صالحة للحمل أصلحها الله.
لكن أقول: إن السياق يأباها لقوله ﵎ بعد ذلك: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود:٧٣]، فهو ضحك تعجب، وينبغي أن يُحمل اللفظ على معناه الذي وضع له، ولا ينقل إلا بقرينة صارفة، ولا قرينة هنا، فيحمل الضحك عل حقيقته في الآية.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود:٧٤] هذا الخوف الذي تقدم بعد ذلك يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود:٧٤].
اعلم أن المرء لا يجادل في الخير إلا إذا كان ذا نفسٍ طيبة، وكان عنده من الهدوء والسلام النفسي ما يحمله على تطويل النفَس في الجدال، وجرِّب لو أن رجلاً نشزت عليه امرأته وعذبته العذاب الأليم، وفضحته وهو لا يستطيع أن يتركها لعلةٍ من العلل: رضي بالذل المقيم لعلةٍِ؛ إما لأن عليه مؤخر صداق عالٍ ولا يستطيع أن يدفعه، وإما لأن أهل المرأة أقوياء فسيناله الأذى، وإما لأن له منها أولاداً فلا يستطيع أن يتركها، لأي علة من العلل أقام على الذل، فإذا جاءه جاءٍ يشتكي إليه امرأته قائلاً: يا فلان إني جئت أستشيرك في امرأتي هي كذا وكذا وكذا وكذا، وأريد أن أطلق، يقول: له: يا أخي! فلتطلق، لماذا ساكت وصابر حتى الآن؟ لماذا لا تطلق؟ طلق، لماذا أرشده إلى الطلاق؛ لأنه اكتوى بهذا الذل الذي يكتوي به من جاء يستشيره، تأمل في الآية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود:٧٤] انتهى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ [هود:٧٤] لم يجادل قبل ذلك وهو في الروع، لماذا؟ لأنه ليس لديه الاستعداد لمثل هذا الجدال بسبب الخوف، لكن بعد ذهاب الخوف فإنك ترى المرء يأمر بالبر والإحسان إذا كان عنده من السلام النفسي ما يجعله يتحمل هذه التوسعة.
فهذا الخوف من إبراهيم ﵇ خوفٌ جبلي لا شيء فيه على الإطلاق.
стр. 238
خوف يعقوب ﵇
كذلك خاف يعقوب: ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٣].
في بعض الإسرائيليات التي في كتب التفسير: إن الله قال ليعقوب: (خفت الذئب على ابنك ولم تنظر إلي لأحرمنك منه أربعين سنة)!! هذه الإسرائيليات كلها لا خطام لها ولا زمام، إذاً الخوف الطبيعي الجبلي لا يؤاخذ المرء به: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف:١٣].
стр. 239
الخوف من الله مكانته وثمرته
ثم نرجع إلى ما كنا فيه: اعلم أن الخوف من الله من المقامات العلية التي لا يقدر عليها إلا أفراد الرجال؛ أما الفجرة، فلا يخافون، قال تعالى عن بعض هؤلاء الفجرة: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٦٠]؛ لأن المفروض إذا كان الخوف واقعاً ممن يقدر على إيقاع العقوبة به فينبغي أن يخاف وإلا فهو جريء: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، وهذا أدعى لإيقاع العقوبة بهم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣].
يعني لو أنه عند نزول المصيبة ونزول العقوبة تضرع وتذلل وكف عن المعاصي لكان خيراً له، ويقول: أنا تبت وأنبت، ارفع عني! لا.
بل إن العقوبة تنزل وهو فاتح لصدره.
فلذلك حقت عليه العقوبة وألا يرفعها الله عنه، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] وكان ينبغي أن يستكين ويتضرع في موضع البلاء.
فالخوف من الله من المقامات العلية، وهو سببٌ لدخول الجنة، كما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁، قال: (كان رجلٌ ممن كان قبلكم) وقد ورد في حديث عقبة بن عامر وأظن أيضاً في حديث ابن مسعود: (أن الرجل كان يعمل نباشاً للقبور)، تُدفن الجثة، فينبش القبر ويأخذ الكفن، ويترك الميت عارياً، (كان رجلٌ ممن كان قبلكم أسرف على نفسه -والإسراف هو الإكثار من الذنوب- فلما أدركته الوفاة جمع أولاده فقال: أي بني كيف كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أبٍ قال -وهذا في بعض الروايات-: فلا أعطيكم شيئاً من مالي إلا إذا نفذتم وصيتي، قالوا: وما هي؟ قال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم دقوني ثم ذروني في يومٍ شديد الريح، -وفي رواية قال:- اجعلوا نصفاً في البحر ونصفاً في البر، قالوا: لم يا أبانا؟ قال: إن الله لو قدر عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات ونفذوا وصيته، أمر الله البحر أن يرد ما أخذ وأمر البر أن يرد ما أخذ، ثم قال له: كن، فاستوى بشراً، قال: عبدي ما حملك على ما صنعت؟ قال: رب مخافتك، قال الله: أما وقد خفتني فقد غفرت لك).
مع أنه لما فعل ذلك أراد أن يعجِّز الله! وبالغ في التعجيز بأن قال: (أحرقوني ثم اسحقوني ثم دقوني ثم ذروني في يومٍ عاصف) كل هذا يظن أن الله لا يقدر على جمع جزئياته إذا تناثرت، فظن أنه يريد أن يعجز القدرة، إلا أنه في حال غلبة الخوف فقد اتزانه وتفكيره، فظن أنه بذلك يفر من ربه، فعلم الله صدق خوفه وإن كان أحمقاً في تصرفه، فلما علم صدق مخافته منه قال: (أما وقد خفتني فقد غفرت لك)
стр. 240
مقام الله معناه وخصائصه
وقد تكرر ذكر مقام الله في القرآن ثلاث مرات: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم:١٤].
وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
فمقام الله: يعني قيامه ومراقبته للناس، كقوله ﵎: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]، أي يراقبها: و ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فقوله ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤]، أي خاف قيامي عليه ومراقبتي له: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم:١٤].
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، إذاً: هذه مراقبة.
ثم اعلم أن هناك خصيصة في الخوف وهي الخشية.
والخشية أخف من الخوف؛ لأن الخشية عبارة عن خوف بعلم، هذه هي الخشية، ولذلك فهي أخف من مجرد الخوف؛ لذلك اختصت الخشية بالعلماء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
فالخشية: إنما هي خوف بعلم، بخلاف مطلق الخوف، فإن مطلق الخوف قد يحمل المرءَ على أن يرتكب الخطأ.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
стр. 241
حديث عمر بن الخطاب في مراتب الدين
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
قال الإمام مسلم ﵀ حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر، وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري -وهذا حديثه- حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر في البصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﵌ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاستلقفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب).
стр. 242
ترجمة ليحيى بن يعمر
وقبل أن أشرح الحديث أذكر ترجمة عن يحيى بن يعمر لأنني ما عرفت به، يحيى بن يعمر تابعي أدرك ابن عمر وابن عباس -والرواية هنا عن ابن عمر - وهو أول من نقط المصحف، وكان المصحف قبل ذلك يكتب بدون نقط، فهو الذي وضع النقاط على المصحف بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان رجلاً فصيحاً يستظهر كتاب الله .
ويذكر أبو سعيد الشيرازي في كتاب أخبار النحويين البصريين أن الحجاج بن يوسف -وأنتم تعرفون أن الحجاج بن يوسف كان رجلاً غاية في البلاغة ووحشي الألفاظ وغريبها- مرة قال لـ يحيى بن يعمر: (هل وقفت لي على لحنٍ قط؟ فقال له: إن الأمير لا يلحن)، وهي إجابة لطيفة ذكية، فلم يقل له: أنت لا تلحن، ولكن قال له: إن الأمير لا يلحن، أمير الأمراء المحترم المؤدب لا يلحن، لماذا؟ لأنه كان من العيب أن يخطئ الأمير في الكلام.
وليس كأمراء آخر الزمان لا يقيمون لفظاً، لماذا؟ لأنهم لم يتأدبوا، ولكن وصلوا إلى الكراسي قفزة، بينما في القديم كان يربى الولد على سياسة الملك، فأولاد عبد الملك بن مروان كلهم: الوليد وهشام وسليمان كان يأتي لهم بكبار علماء اللغة ليعلموهم اللغة، وعلماء الحديث ليعلموهم الحديث، وعلماء الفقه ليعلموهم الفقه، ويشب الولد من صغره على الآداب، فإذا جلس في مجلس لا يجلس (كالأطرش في الزفة).
وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان هو الذي يقضي بين أهل العلم إذا اختلفوا، وكان الأمراء قديماً علماء وأدباء، وكان عندهم دراسة وفطنة، ففي إحدى المرات قال المأمون لشخص: (ما تأمر من السواك؟ -يعني: إذا أحببت أن تقول لرجل أن يستاك فما تقول له؟ - قال: استك يا أمير المؤمنين! قال: بئس ما قلت! فقال لآخر: وأنت ما تقول؟ قال: سُك يا أمير المؤمنين! قال: أحسنت) مع أن قول الأول غير مدفوع عن الصواب من جهة في اللغة، لكن هذا الرجل عنده ذوق، فكانوا يورثون الأدب والفطنة والكلام للأولاد.
ومرة دخل غلام على هارون الرشيد -وكان هارون يلبس خاتماً جميلاً- فقال للولد الصغير: (هل رأيت أجمل من هذا الخاتم؟ قال: نعم الإصبع التي فيه)، ولم يكن متوقعاً أن يجيب بهذه الإجابة الخطيرة، لأنه لو قال له: نعم هناك أحسن منه، فهذا غلط وعيب، وهذا الكلام لا يقال لأمير المؤمنين لأنه أحسن من يلبس، فلو قال له: نعم، الرجل الفلاني أو غيره، فهذا خطأ، ويكون هذا الولد ما تربى، وإنما قال له على البداهة: الإصبع التي فيه!! فكانوا يربونهم على الأدب وإقامة الكلام.
فقال الحجاج لـ يحيى بن يعمر: (هل لحنت قط؟ قال إن الأمير لا يلحن، قال: عزمت عليك -وكانوا يعظمون عزائم الأمراء، فإذا قال الأمير: عزمت عليك فكأنه حلف بالله- فقال له: نعم، غلطة! قال: في أي؟ قال: في كتاب الله، فقال الحجاج: ذلك أشنع، وأين في كتاب الله؟ فقال: أنت تقرأ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ [التوبة:٢٤] بضم الباء في كلمة (أحبُ) والصواب (أحب)، فكان الحجاج يقرؤها هكذا، فقال له الحجاج: لا جرم! لا تسمعني ألحن أبداً، ونفاه إلى خراسان، حتى يلحن الحجاج براحته، لأنه قال له: لن تسمعني ألحن أبداً، يعني: في عمرك لن تسمع مني كلمة خطأ بعد هذا اليوم، فكونه ينفيه أسهل من أن يصلح من نفسه.
فـ يحيى بن يعمر كان رجلاً يستظهر كتاب الله، وكان رجلاً عربياً سليقة، وهو أول من نقط المصاحف، فلما نفاه إلى خراسان وقعت معركة بين يزيد بن المهلب قائد الحجاج بن يوسف الثقفي وبين مجموعة، فبعث يزيد بن المهلب للحجاج تقريراً من أرض المعركة فقال له: فعلنا بعدونا كذا وكذا وظفرنا عليهم، وانتصرنا عليهم، ونحن في عرعرة الجبل وهم في حضيضه، فقال الحجاج: ما هي عرعرة؟! ما بال ابن المهلب وهذا الكلام؟ فقالو له: إن يحيى بن يعمر هناك، قال: إذاً، يعني: لا يأتي بهذا الكلام الخطير إلا رجل مثل يحيى بن يعمر، لكن يزيد بن المهلب من أين له عرعرة هذه.
وهذا يذكرني بـ أبي زيد الأنصاري أحد علماء النحو الكبار، وكان أنحى هؤلاء الثلاثة، فكان أنحى من الأصمعي وأنحى من أبي عبيدة، وهذا حكم أبي سعيد الشيرازي، يقول: إن أبا زيد الأنصاري لقي أعرابياً يوماً فقال له: ما المتكفف؟ قال: المتأدب.
قال: وما المتأدب؟ فغضب الأعرابي غضباً شديداً وقال: المحنبطي يا أحمق! و (المحنبطي) واضحة المعنى مثل الشمس، ولذلك قال له: يا أحمق! لأنه من المستحيل ألا تفهم (المحنبطبي) فهذه مصيبة، مع أنه كان فيه ذكاء بالنسبة لصغره، والمحنبطي: هو المنتفخ البطن، ويوصف الرجل القصير عالي البطن بأنه محنبطي.
فـ يحيى بن يعمر ﵀ كان أول من نقط المصاحف، ثم كان ممن شارك في تقسيم المصحف إلى أرباع وأحزاب وأجزاء وكان ذلك بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي.
стр. 243
من فوائد حديث عمر بن الخطاب
стр. 244
لزوم لطالب لهيئة المتعلم بين يدي شيخه
فهذا الرجل جاء وارتكب مخالفات: أول مخالفة: أنه ألصق ركبتيه بركبتي النبي ﷺ ، والثانية: أنه وضع يده على فخذي النبي ﵊، وورد في بعض الروايات: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذي نفسه)، ولو عمل هكذا لتأدب بآداب أهل العلم، فلو أعملنا الرواية الأولى يكون قد بالغ في تعمية أمر نفسه على الصحابة، لأنه جعل نفسه أعرابياً ويريد أن يفهمهم كلهم أنه أعرابي، وأنى له أن يكون أعرابياً وهو شديد بياض الثياب وشديد سواد الشعر؟ المسألة واضحة تماماً، لكن أحب أن يعمل نفسه أعرابياً حتى يعمي أمره على الصحابة، وهذا على الرواية الأولى.
وعلى الرواية الثانية: أنه وضع يديه على ركبتي نفسه وهذه هيئة المتعلم، إذاً هو لزم أدب طلاب العلم، ونحن نقول لإخواننا الطلبة ونحن منهم: لا يجوز لك أن تخلع (زي) التلميذ ما دمت تطلب العلم، ولا تزال تطلب العلم إن كان فيك خير إلى أن تموت، فإذا اقتنع المرء بالذي طلبه فقد بدأ في النقصان، إذاً مسألة أن تتأدب مع من تأخذ عنه العلم هذا يفيدك أكثر مما يفيد شيخك، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.
والإمام أحمد بن حنبل مع جلالته كان يجلس تحت قدمي عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ولا شك أن الإمام أحمد أجل وأحفظ وأفضل من عبد الرزاق، فـ عبد الرزاق بن همام الصنعاني إمام أهل اليمن، وهو الذي أعطى اليمن الحظوة هو ومعمر بن راشد أبو عروة رحمة الله على الجميع، فكان الإمام عبد الرزاق وابن معين يجلان الإمام أحمد، وكان ابن معين من أصحابه، فكان عبد الرزاق بن همام الصنعاني يميزهما، وفي المجلس كان عبد الرزاق يقول لـ أحمد: اجلس بجانبي، فيأبى ويجلس تحت قدميه ويقول: (هكذا أمرنا أن نفعل مع شيوخنا)، ولم ينزل مقدار أحمد ولا قدره لما تواضع لشيخه، برغم أنه أفضل من شيخه: قد يبلغ الضالع شأو الضليع ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع وهذا كلام الشوكاني عندما قال له مشايخه: اشرح منتقى الأخبار لـ أبي البركات ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية ذرية بعضها من بعض، كان أبو البركات شيخ الحنابلة، وابنه عبد الحليم كان شيخ الحنابلة، وابنه أحمد الذي هو ابن تيمية الإمام الكبير كان شيخاً للإسلام، فـ أبو البركات له كتاب اسمه منتقى الأخبار من كلام سيد الأخيار ﵊، فشرحه الشوكاني في كتاب: نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، فيقول الشوكاني: إن مشايخه ألحوا عليه -ويغيظني كثيراً أن واحداً ما زال قزماً يأخذ هذه الكلمة الكبيرة ويقول: فلما كثر إلحاح إخواني عليَّ وبرغم كثرة مشاغلي، حتى أني لا أجد الوقت الذي أحك فيه رأسي، لكن قلت: أمري إلى الله وشرحت الكتاب الفلاني، ويكون الحديث غير ذلك، لكن الكتاب ينبي عن صاحبه-، فعندما تقرأ نيل الأوطار ستعرف أن مشايخه قالوا له افعل كذا وكذا وجعلت أقدم رجلاً وأؤخر أخرى ثم تمثلت قول الشاعر: قد يبلغ الضالع شأو الضليع ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع يعني: أنا وإن كنت ذا عرج أمشي خلف الصف، فإن سبقت فكم لرب الورى من فرج، وإن تخلفت فما على أعرج من حرج، فأنا فعلاً أعرج وأمشي خلفهم، فإذا سبقتهم فكم لرب الورى من فرج، وإن تخلفت عنهم فليس على الأعرج حرج، وهذا معنى كلام الشوكاني، فيقول: قد يبلغ الضالع شأو الضليع يعني: إن كنت ضالعاً وما زلت تلميذاً فقد يمن الله علي فأبلغ شأو الضليع والكبير، فإن لم يكن كذلك فلتكن الأخرى.
ويعد في جملة العاقلين المتعاقل الرفيع.
مع أنه ليس بعاقل، يعني: هو متعاقل ورفيع أيضاً، فإذا قلنا: يا جماعة من العقلاء؟! قالوا: فلان، فيعدون في جملة العقلاء، فهو يقول: أنا وإن لم أصب الأولى فدخولي في جملة أهل العلم يجعلني منهم، ولو على سبيل المجاز.
فلو أعملنا هذه الرواية: (وضع يديه على فخذي نفسه) فيكون قد تأدب بأدب طلاب العلم، إذاً يجب أن يلزم الطالب الأدب إلى أن يرفعه شيخه، فإذا رفعه شيخه فلا بأس أن يطيع من باب الأدب أيضاً، مثل ما كان يفعله الفضل بن دكين أبو نعيم ﵀ مع الإمام أحمد بن حنبل ومع الإمام يحيى بن معين، فذكر ابن حبان وغيره: أن الفضل بن دكين كان إذا جلس للتحديث يجلس على دكاة -والدكاة المكان المرتفع- ويجلس أحمد بن حنبل عن يمينه ويحيى بن معين عن شماله، فذات مرة أراد يحيى بن معين أن يختبر حفظ شيخه الفضل بن دكين، فكتب أحاديث في ورقة وخلطها بأحاديث غير الفضل، وهو يعرف أحاديث كل راوٍ، فأتى بعدد من الأحاديث في ورقة وخلط أحاديث الفضل بأحاديث رواة آخرين، ثم قال لـ أحمد بن منصور الرمادي: إذا خف المجلس فناول أبا نعيم هذه الورقة وسله: هل هذا من حديثك؟ فقال أحمد بن حنبل لـ يحيى بن معين: يا أبا زكريا! الرجل حافظ لا تفعل! فقال: لابد، يعني: لازم أعمل فيه هذا المقلب، وكان يحيى بن معين جريئاً، ولذلك كانوا يخافون منه، ولما مات تقدم رجل جنازته وقال: هذه جنازة الذاب الكذب عن رسول الله ﷺ ، فكان عنده جرأة، فقال: لابد، فبعد أن خف المجلس قام أحمد بن منصور الرمادي وأعطاه الورقة، فنظر فيها الفضل وارتفعت عينه، ودارت حدقته، إذاً كشف الملعوب، ما دام عمل هكذا فقد اكتشف الملعوب، ثم سكت ساعة -ولست أعني بالساعة ستين دقيقة، وإنما فترة زمنية- ثم قال لـ أحمد بن منصور الرمادي: أما أنت فلا تجرؤ على أن تفعل ذلك، وأما هذا -يعني ابن حبنل - فآكد من أن يفعل هذا، وليس هذا إلا من عمل هذا -يعني ابن معين -، قال: ثم أخرج رجله ورفسه فألقاه من على الدرج، وقال: عليَّ تعمد!! فقام يحيى بن معين وقبل جبهته وقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، مثلك يحدث، إنما أردت أن أجربك، فانصرف أبو نعيم مغضباً فقال له أحمد: قلت لك!! فقال يحيى: والله لرفسته أحب إليَّ من رحلتي.
وهذا هو ضرب الشيوخ الذي هو مثل أكل الزبيب، لماذا؟ لأنه ظفر بحفظ الفضل، وخرج من هذه العملية كلها بمكسب كبير، وهو أن يسجل شهادته للفضل بن دكين بأنه حافظ ضابط.
стр. 245
غالب الأوصاف المذكورة في الأحاديث تعطي حكماً شرعياً
قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ﵁ قال: (بينما نحن عند رسول الله ﵌ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر) والعلماء يقولون: إن الأوصاف المذكورة في الكلام يتعلق بها حكم، يعني مثلاً لو أن شخصاً أحب أن يتزوج امرأة فيسمع الذي يعقد يقول لوليها: قل: زوجتك ابنتي البكر البالغة العاقلة الرشيدة فلانة الفلانية على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى الصداق المسمى بيننا، فبعض الناس يتصور أنها مجرد ديباجة محسوبة هكذا وانتهى الأمر، فنقول له: لا.
هذه الديباجة كلها أوصاف لو اختل واحد منها فسد العقد، يعني: (زوجتك ابنتي) فلو زوجه ابنة أخيه فسد العقد، ولو زوجه ابنة جاره فسد العقد، و (ابنتي فلانة)، فلو زوجه أختها فسد العقد، ولهذا يجب تعيين اسم البنت التي ستتزوجها، فلا يصح أن تقول له: زوجتك ابنتي.
وعندك عشر بنات مثلاً فتعطيه بنتاً عرجاء أو عوراء ثم يقول لك: أنت لم تعين!! لكن لو قلت: زوجتك إحدى ابنتي مثلما قال الرجل الصالح: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧] لم يتم التعيين، فمن الممكن أن يزوجه أي واحدة منهما، فكذلك إذا أنت قلت: زوجتك ابنتي ولم تعين اسماً، فمن الممكن أن تعطيه أي واحدة، لكن لو قلت: فلانة وأعطيته أختها انفسخ العقد مباشرة ويأخذ المهر كله، حتى ولو دخل بها.
(زوجتك ابنتي فلانة البكر) فلو كانت ثيباً انفسخ العقد، (البالغة): فإذا كانت لم تحض انفسخ العقد، (العاقلة) فإذا كانت مجنونة انفسخ العقد، (الرشيدة) كل هذه أوصاف، (على كتاب الله وسنة رسوله) فلو عقدوا على ملة وسنة موسى مثلاً أو على مذهب أي أحد انفسخ العقد أيضاً، فهذه كلها عبارة عن أوصاف، وليست ديباجة محسوبة لتزيين الكلام.
стр. 246
أهمية التأدب والوقار بين يدي العلماء وأهل الفضل
وهنا يقول عمر بن الخطاب ﵁: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) الوصف الذي هنا كلمة (شديد) كررها عمر بن الخطاب مرتين، وهناك وصف آخر أيضاً وهو: (بياض، وسواد) فعندما يقول لك: (شديد بياض، شديد سواد) إذاً لفت نظر عمر بن الخطاب شيء مهم جداً، وهو الذي دعاهم جميعاً إلى استغراب الموقف كله، وهو أن هذا الرجل آتٍ من بيته، وإلا لو جاء من مسافة بعيدة لاتسخت ثيابه، ولتغير لون شعره، فبدلاً من أن يكون شديد السواد صار رمادياً مثلاً من التراب، وهذا يعني: أن الرجل اغتسل وخرج من بيته إلى الرسول ﵊ مباشرة، فلا يوجد بينه وبين الرسول سوى مسافة قصيرة، هذا معنى: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر، فمن أين أتى هذا؟!! فلو كان رجلاً مدنياً من أهل الحضر لعرفناه، وانظر إلى كلمة: (لا يعرفه منا أحد) وطأ لها بذكر النكرة في مطلع الكلام، وذكر النكرة في الإثبات تفيد الإطلاق.
(إذ طلع علينا رجل) فهو يوطد بكلمة (رجل) التي هي نكرة بقوله: لا يعرفه منا أحد؛ لأنهم كلهم كانوا يعرفون بعضهم في المدينة، وسمعت بعض أهل العلم من علماء المملكة يقول: إن المدينة على عهد النبي ﷺ كانت هي التي تحت المسجد النبوي الآن، ما عدا أهل العوالي، هذه هي المدينة كلها: عبارة عن أبيات محصورة معروفة، كل الصحابة يعرف بعضهم البعض، فعندما يأتي رجل لا يظهر عليه أثر السفر، ونظيف، ولا نعرفه، فهذا مما يدعو للعجب، والغريب أنه جاء في سمت جفاة الأعراب، فالصحابة ﵃ كانوا يوقرون النبي ﵊ إلى الغاية القصوى، وإذا رأوا رجلاً يخالف مقتضى الأدب في حضرته ﵊ كانوا يزجرونه ويؤدبونه، والصحابة الذين عاشوا معه ﵊ تأدبوا بأدب القرآن: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] قال أنس: (فكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية يسأل)، وإنما ذكر العاقل، لأن الأحمق أو المجنون سوف يتكلم بأي كلام فيضيع عليهم الأسئلة، ويضيع عليهم الإجابة، فلا يستفيدون شيئاً، لكن لو كان رجلاً عاقلاً رزيناً أسئلته تمس الحاجة فإنهم يستفيدون منه.
فهذا الرجل جاء إلى النبي ﵊ مباشرة، وهذا أيضاً من الملفت للنظر؛ لأن الآتي من البادية ما كان يميز النبي ﷺ من أصحابه، وإنما كان يسأل عنه، لماذا؟ لأنه كان يجلس وسط أصحابه، كما في حديث عند البخاري وغيره أن رجلاً وهو ضمام بن ثعلبة جاء يسأل عن النبي ﷺ فقال: (أيكم محمد؟ -لا يعرفه- فقالوا: هو ذلك الرجل الأبيض المتكئ)، فلم يكن يعرفه، فلما رأى الصحابة ذلك قالوا للنبي ﷺ : (هلّا صنعنا لك منبراً؟!) حتى يجلس عليه إذا جاءته الوفود، بدلاً من أن يسألوا عنه، فيعرفوا أنه هو الجالس على المنبر، قال: (إن شئتم، فصنعوا له منبراً من يومه) فهذا جاء غريباً عن الناس وعرف النبي ﵊، ودخل مباشرة وقال: (حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه وقال: يا محمد) وهذه ليست طريقة أناس تأدبوا بأدب القرآن، فدخل مباشرة ووضع ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ، ووضع يده على فخذيه، يعني: على فخذي النبي ﷺ ، وهذا وإن كان يجوز بين الأقران لكن لا يليق ولا يجوز مع أهل الفضل.
وحديث المسور بن مخرمة في الصحيحين فيه أن عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى النبي ﷺ في الحديبية قال: فجاء إلى النبي ﵊ فلما علم المغيرة بن شعبة أن عمه عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى النبي ﷺ ذهب -وهذه الرواية خارج الصحيحين- فتلثم وأتى بسيفه ووقف على رأس النبي ﵊، فكلما تكلم عروة بن مسعود -مس لحية النبي ﷺ بيديه- فيضربه المغيرة على يده بنعل سيفه ويقول له: أخر يدك!! فينظر ولا يعرف من الواقف، لماذا؟ لأنه ملثم، فينسى نفسه مرة أخرى ويتكلم كلمتين أو ثلاثة ويمس لحية النبي ﷺ ، وهذا يضربه على يده ويقول له: أخر يدك! فينظر إليه فلا يعرفه حتى إذا كررها أكثر من مرة قال للنبي ﷺ : من هذا الذي أزعجني سائر اليوم؟ وقال له: سائر اليوم يعني: لم يقل هذا الوقت، فما كانوا يحتملون المكروه، أو كقول أبي لهب للنبي ﷺ : تباً لك سائر اليوم!! يعني: يدعو عليه من أول اليوم إلى آخره، فتبسم النبي ﵊ وقال: (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة) فقال: (أي غُدَر! -أي: أيها الغادر- لا زلت أسعى في غدرتك، وهل غسلت سوأتك إلا أنا بالأمس؟!!) وكان المغيرة قد صحب ثلاثة عشر رجلاً من أهل الجاهلية، فشربوا الخمر فسكروا، فقام عليهم فذبحهم جميعاً وأخذ أموالهم، وهرب إلى النبي ﷺ وأسلم، وأعطاه المال بعدما حكى له الحكاية: أنهم سكروا وذبحتهم، وجئتك مباشرة أعلن إسلامي، فقال ﵊: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء إنه أخذ غدراً) فهو سيد الأوفياء ﵊.
وفي الصحيح أن حذيفة بن اليمان لم يشهد بدراً، لأنه كان قد خرج مع أبيه فراراً من قريش إلى المدينة، فأمسكهم كفار قريش، وسألوهم عن وجهتهم؟ فقالوا: متوجهون إلى المدينة! فقالوا: لا ندعكم حتى تعطونا الميثاق أنكم لا تقاتلونا معهم، فأعطوهم ميثاقاً، وذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: عملوا فينا كذا وكذا وقالوا لنا: العهد والميثاق ألا تقاتلونا، وانظر هنا إلى ما قاله ﷺ لهم: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)، فلذلك لم يقاتل حذيفة بن اليمان في بدر، ليس لأنه لم يكن موجوداً، ولكن لأن النبي ﵊ قال: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) وهذه هي السياسة، وليس معناها أن تكون كل يوم بوجه، فالسياسة التي لا دين لها لا يعرفها النبي ﷺ ، ولم يعلّمها أصحابه؛ لأنها ليست هي السياسية الشرعية: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم).
فالقصد أن عروة بن مسعود الثقفي لما كان يضع يده على لحية النبي ﷺ فهذا وإن جاز أن يكون بين الأقران لكن لا يجوز أن يكون مع أهل الوقار، ويستقبح معهم، ويستقبح مع كبار السن، يعني مثلاً: رجل مثلي إذا أراد أن يدعو شيخاً كبيراً فلا يعامله معاملة المثل حتى وإن كان فوقه في العلم، لابد أن يحترم سنه وشيبته، هكذا علمنا رسول الله ﷺ .
ويحكي لي أخونا الشيخ الحبيب أبو الفرج محمد بن إسماعيل حفظه الله يقول: مرة دخلت مع شاب عمره (١٧) عاماً لا يزال حديث عهد بالتزام، وكان يصحبه يتعلم منه، فدخلوا بقالة، فوجد الشاب رجلاً بلغ الستين من عمره يدخن (سيجارة)، فمباشرة ذهب هذا الشاب إلى هذا الرجل ووضع يده على كتفه، وقال له: ما اسمك؟ فأخبره باسمه، ثم قال له: ما هذا الذي في يدك يا فلان؟ ألم تعلم أنها حرام؟! ارمها تحت رجلك! يقول الشيخ محمد: فاستحييت، ليس لأنه أدركه الحياء لأن الولد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لكن طريقة الأمر والنهي نفسها كانت طريقة سيئة، فمثل هذا الولد عناه النبي ﷺ بقوله: (إن منكم منفرين).
فإذا وجدت رجلاً كبيراً على معصية فتلطف به أولاً ولا تزجره ولا تجترئ، فإذا رآك تحترم سنه استحى أكثر، فمسألة التوقير مسألة مطلوبة، وهناك حديث تكلم فيه بعض أهل العلم وحسنه آخرون، وهو حديث: (أنزلوا الناس منازلهم)، فالراجح ضعف هذا الحديث، لكن معناه صحيح حتى وإن لم ننسبه إلى النبي ﵊.
стр. 247
الأفضل للمفتي أن يجيب على المسألة مع ذكر الدليل
يقول عبد الله بن عمر ﵁: (حدثني أبي عمر بن الخطاب) وفي هذا دليل على أن المرء من أهل العلم لو سئل في مسألة فالأفضل والأوقع أن يذكر دليل المسألة؛ لأن عبد الله بن عمر كان من الممكن أن يكتفي بالمسألة، فيقول له: لا.
هذا القول خطأ، أو غير ذلك، لكن بادر عبد الله بن عمر إلى ذكر الدليل بغير شرح منه؛ لأن الدليل واضح، وهذا من محاسن الفتيا، على خلاف من قال: إن ذكر الدليل فيه تشويش على العامة، وهذا ما عظم الدليل حق تعظيمه، ولا قدر الدليل حق قدره، فذكر الدليل من محاسن الفتيا، حتى وإن كان العامي يسأل عن موقع الحجة من الدليل، لكن ذكر الدليل يعطي قناعة للمستمع.
إذا سئلت عن مسألة فقلت: قال الله فيها كذا وكذا، وقال النبي ﷺ كذا وكذا استعظم المستفتي أن يخالف هذه الأدلة إلى رأيه، بخلاف ما إذا قلت له رأيك المجرد حتى وإن كان مدعوماً بالدليل، فإن قال قائل: فلماذا نرى الأئمة المجتهدين لا يذكرون دليلاً في الفتوى؟! يعني: الأئمة المجتهدون في الفقه كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسفيان الثوري والأوزاعي وهؤلاء العلماء، فعادة عندما نقرأ كلامهم في الكتب لا نراهم يعنون كثيراً بذكر الأدلة؟ فنقول: إن المسألة تخرج على حسب حاجة المستفتي، ونحن لم نشترط كلما سئلت عن مسألة أن تعدد عليها الأدلة، لكن كلما أتيح لك أن تذكر الدليل فبادر، فإن الأئمة كانوا يصدرون الفتاوى المجملة تبعاً لحاجة السائل، فالسائل عادة لا يريد دليلاً بل يريد الحكم في المسألة، فإذا اعترض عليه معترض بدليل يأتي له بأدلة، أو يؤول له دليله، ونحن لا يرد علينا هذا الكلام لأننا ما اشترطنا على المفتي أن يذكر دليل المسألة لكل سائل، ولكن كلما أمكنه أن يأتي بالدليل كان أوقع في نفس المستفتي، والغالب على فتاوى الصحابة أنهم كانوا يذكرون الأدلة، كما في حديث ابن عمر، لما قالوا له الشبهة رد عليهم بحديث.
стр. 248
العواصم من القواصم
لقد كان الله يعلم نبيه ﵊ كل يوم ويأمره أن يعلم أصحابه مما علمه، وقد ثبت قوله ﷺ : (إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا) وفي قوله: (مما علمني يومي هذا) إشارة وتنبيه للمرء إذا أراد أن يستوفي حكماً ما أن يأخذ بجميع النصوص ليدرأ التعارض الظاهر.
стр. 249
شرح حديث عياض بن حمار: (خطبنا رسول الله)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
درسنا بعنوان: (العواصم من القواصم).
وسنتعرض فيه لشرح حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، وأحمد في المسند من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فكان مما قال فيها: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، قلت: رب! إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة.
قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال.
قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبَرَ له الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والشنظير: هو الفحاش).
стр. 250
القرآن سلاح ضد الشيطان
وبهذه النكتة ننهي الكلام عن هذا الجزء من الحديث، وهو قوله: (تقرؤه نائماً ويقظاناً): ورد في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بتمر الصدقة -جعله حارساً على تمر الصدقة- فبينما أنا جالس في هجيع من الليل، إذ رأيت رجلاً يحمل تمراً في حجره، فأمسكته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
فشكا حاجة عياله، وأقسم أنه لن يعود، فتركته، فلما أصبحت قال النبي ﷺ : (ما فعل صاحبك البارحة يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله! شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود.
قال: كذبك وسيعود.
فلما كانت الليلة الثانية جاء يحثو التمر، فأمسكته -وتكرر نفس الفعل، فلما أصبحت سألني النبي ﷺ فقلت: شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود.
قال: كذبك وسيعود.
وفي الليلة الثالثة جاء ليحثو التمر، فأمسكته وقلت: أما هذه المرة فلن أدعك، ولأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
فقال: ألا أعلمك شيئاً ينفعك وتتركني.
قلت: وما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك إذا قرأتها لم يزل عليك من الله حافظاً حتى تصبح).
أي: وأنت مستيقظ تذكر الله ، وهو سلاحك ضد الشيطان، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي أوله: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات إلى أن قال: قال يحيى لبني إسرائيل: وآمركم بذكر الله، وإن مثل ذلك -أي: مثل من يذكر الله- كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى مغارة حصينة فاحترز بها منهم، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله)، فمعك سلاح، وأنت قادر على أن تهزم شيطان الجن في أول جولة، فإنه أول ما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يولي الأدبار، أما شيطان الإنس فلو قرأت عليه القرآن كله يقول لك: إنا هاهنا قاعدون، فأنت تغلب شيطان الجن من أول جولة، وهو مهزوم دائماً؛ لأنك إذا استعذت بالله منه، فر وهرب.
فإذا كنت مستيقظاً تذكر ربك وتستغفره، وكلما رأيت شيئاً في هذا الكون ذكرت الله، فلن يقترب منك الشيطان، لكن حين تنام وتلقي سلاحك، فإن عدوك سوف يغتالك؛ لأنك قد ألقيت سلاحك؛ ولذلك فإن الرسول ﵊ علمنا عندما نأتي لننام أن نقول: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك)، ما أجمل هذه الجملة! لا يمكن أن تعطي ظهرك لإنسان خائن أبداً، وحين تقول: وألجأت ظهري إليك، كأنك تقول: يا رب! لن أوتى وقد ألجأت ظهري إليك أبداً.
يا رب! أنا سأنام، وقد ألقيت سلاحي، فأنت الذي ستتولى حفظي، وأنا حينما كنت مستيقظاً فإنني أذكرك ولا أفتر عن ذكرك، فقد ألجأت ظهري إليك فاحمني.
وقبلها يقول: (وجهت وجهي إليك)؛ لأنه قد ينام ولن يقوم، فقد يموت، فوجهه ذاهب إلى الآخرة: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠]، وهذا ترجمة للحديث الآخر: (اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، إن أمسكت روحي فهي إليك، وإن أرسلت روحي مرة أخرى فاحمني حتى لا يغتالني عدوي.
فأنت ستقرأ القرآن قبل أن تنام؛ فيكون من عاقبة القراءة أن الله ﵎ يوقف ملكاً يحرسك إلى أن تستيقظ فتقرؤه نائماً؛ أي: حال نومك، وأنت عندما تنام وتقرأ القرآن تكون قد احترزت من عدوك من الجن.
نسأل الله ﵎ أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همنا وغمنا وحزننا، ونسأل الله ﵎ أن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →