Полный текст (1 719 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
أهمية التأدب والوقار بين يدي العلماء وأهل الفضل
وهنا يقول عمر بن الخطاب ﵁: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) الوصف الذي هنا كلمة (شديد) كررها عمر بن الخطاب مرتين، وهناك وصف آخر أيضاً وهو: (بياض، وسواد) فعندما يقول لك: (شديد بياض، شديد سواد) إذاً لفت نظر عمر بن الخطاب شيء مهم جداً، وهو الذي دعاهم جميعاً إلى استغراب الموقف كله، وهو أن هذا الرجل آتٍ من بيته، وإلا لو جاء من مسافة بعيدة لاتسخت ثيابه، ولتغير لون شعره، فبدلاً من أن يكون شديد السواد صار رمادياً مثلاً من التراب، وهذا يعني: أن الرجل اغتسل وخرج من بيته إلى الرسول ﵊ مباشرة، فلا يوجد بينه وبين الرسول سوى مسافة قصيرة، هذا معنى: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، ولا يرى عليه أثر السفر، فمن أين أتى هذا؟!! فلو كان رجلاً مدنياً من أهل الحضر لعرفناه، وانظر إلى كلمة: (لا يعرفه منا أحد) وطأ لها بذكر النكرة في مطلع الكلام، وذكر النكرة في الإثبات تفيد الإطلاق.
(إذ طلع علينا رجل) فهو يوطد بكلمة (رجل) التي هي نكرة بقوله: لا يعرفه منا أحد؛ لأنهم كلهم كانوا يعرفون بعضهم في المدينة، وسمعت بعض أهل العلم من علماء المملكة يقول: إن المدينة على عهد النبي ﷺ كانت هي التي تحت المسجد النبوي الآن، ما عدا أهل العوالي، هذه هي المدينة كلها: عبارة عن أبيات محصورة معروفة، كل الصحابة يعرف بعضهم البعض، فعندما يأتي رجل لا يظهر عليه أثر السفر، ونظيف، ولا نعرفه، فهذا مما يدعو للعجب، والغريب أنه جاء في سمت جفاة الأعراب، فالصحابة ﵃ كانوا يوقرون النبي ﵊ إلى الغاية القصوى، وإذا رأوا رجلاً يخالف مقتضى الأدب في حضرته ﵊ كانوا يزجرونه ويؤدبونه، والصحابة الذين عاشوا معه ﵊ تأدبوا بأدب القرآن: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] قال أنس: (فكان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من البادية يسأل)، وإنما ذكر العاقل، لأن الأحمق أو المجنون سوف يتكلم بأي كلام فيضيع عليهم الأسئلة، ويضيع عليهم الإجابة، فلا يستفيدون شيئاً، لكن لو كان رجلاً عاقلاً رزيناً أسئلته تمس الحاجة فإنهم يستفيدون منه.
فهذا الرجل جاء إلى النبي ﵊ مباشرة، وهذا أيضاً من الملفت للنظر؛ لأن الآتي من البادية ما كان يميز النبي ﷺ من أصحابه، وإنما كان يسأل عنه، لماذا؟ لأنه كان يجلس وسط أصحابه، كما في حديث عند البخاري وغيره أن رجلاً وهو ضمام بن ثعلبة جاء يسأل عن النبي ﷺ فقال: (أيكم محمد؟ -لا يعرفه- فقالوا: هو ذلك الرجل الأبيض المتكئ)، فلم يكن يعرفه، فلما رأى الصحابة ذلك قالوا للنبي ﷺ : (هلّا صنعنا لك منبراً؟!) حتى يجلس عليه إذا جاءته الوفود، بدلاً من أن يسألوا عنه، فيعرفوا أنه هو الجالس على المنبر، قال: (إن شئتم، فصنعوا له منبراً من يومه) فهذا جاء غريباً عن الناس وعرف النبي ﵊، ودخل مباشرة وقال: (حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه وقال: يا محمد) وهذه ليست طريقة أناس تأدبوا بأدب القرآن، فدخل مباشرة ووضع ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ ، ووضع يده على فخذيه، يعني: على فخذي النبي ﷺ ، وهذا وإن كان يجوز بين الأقران لكن لا يليق ولا يجوز مع أهل الفضل.
وحديث المسور بن مخرمة في الصحيحين فيه أن عروة بن مسعود الثقفي لما جاء إلى النبي ﷺ في الحديبية قال: فجاء إلى النبي ﵊ فلما علم المغيرة بن شعبة أن عمه عروة بن مسعود الثقفي جاء إلى النبي ﷺ ذهب -وهذه الرواية خارج الصحيحين- فتلثم وأتى بسيفه ووقف على رأس النبي ﵊، فكلما تكلم عروة بن مسعود -مس لحية النبي ﷺ بيديه- فيضربه المغيرة على يده بنعل سيفه ويقول له: أخر يدك!! فينظر ولا يعرف من الواقف، لماذا؟ لأنه ملثم، فينسى نفسه مرة أخرى ويتكلم كلمتين أو ثلاثة ويمس لحية النبي ﷺ ، وهذا يضربه على يده ويقول له: أخر يدك! فينظر إليه فلا يعرفه حتى إذا كررها أكثر من مرة قال للنبي ﷺ : من هذا الذي أزعجني سائر اليوم؟ وقال له: سائر اليوم يعني: لم يقل هذا الوقت، فما كانوا يحتملون المكروه، أو كقول أبي لهب للنبي ﷺ : تباً لك سائر اليوم!! يعني: يدعو عليه من أول اليوم إلى آخره، فتبسم النبي ﵊ وقال: (هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة) فقال: (أي غُدَر! -أي: أيها الغادر- لا زلت أسعى في غدرتك، وهل غسلت سوأتك إلا أنا بالأمس؟!!) وكان المغيرة قد صحب ثلاثة عشر رجلاً من أهل الجاهلية، فشربوا الخمر فسكروا، فقام عليهم فذبحهم جميعاً وأخذ أموالهم، وهرب إلى النبي ﷺ وأسلم، وأعطاه المال بعدما حكى له الحكاية: أنهم سكروا وذبحتهم، وجئتك مباشرة أعلن إسلامي، فقال ﵊: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء إنه أخذ غدراً) فهو سيد الأوفياء ﵊.
وفي الصحيح أن حذيفة بن اليمان لم يشهد بدراً، لأنه كان قد خرج مع أبيه فراراً من قريش إلى المدينة، فأمسكهم كفار قريش، وسألوهم عن وجهتهم؟ فقالوا: متوجهون إلى المدينة! فقالوا: لا ندعكم حتى تعطونا الميثاق أنكم لا تقاتلونا معهم، فأعطوهم ميثاقاً، وذهبوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: عملوا فينا كذا وكذا وقالوا لنا: العهد والميثاق ألا تقاتلونا، وانظر هنا إلى ما قاله ﷺ لهم: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم)، فلذلك لم يقاتل حذيفة بن اليمان في بدر، ليس لأنه لم يكن موجوداً، ولكن لأن النبي ﵊ قال: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) وهذه هي السياسة، وليس معناها أن تكون كل يوم بوجه، فالسياسة التي لا دين لها لا يعرفها النبي ﷺ ، ولم يعلّمها أصحابه؛ لأنها ليست هي السياسية الشرعية: (وفوا لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم).
فالقصد أن عروة بن مسعود الثقفي لما كان يضع يده على لحية النبي ﷺ فهذا وإن جاز أن يكون بين الأقران لكن لا يجوز أن يكون مع أهل الوقار، ويستقبح معهم، ويستقبح مع كبار السن، يعني مثلاً: رجل مثلي إذا أراد أن يدعو شيخاً كبيراً فلا يعامله معاملة المثل حتى وإن كان فوقه في العلم، لابد أن يحترم سنه وشيبته، هكذا علمنا رسول الله ﷺ .
ويحكي لي أخونا الشيخ الحبيب أبو الفرج محمد بن إسماعيل حفظه الله يقول: مرة دخلت مع شاب عمره (١٧) عاماً لا يزال حديث عهد بالتزام، وكان يصحبه يتعلم منه، فدخلوا بقالة، فوجد الشاب رجلاً بلغ الستين من عمره يدخن (سيجارة)، فمباشرة ذهب هذا الشاب إلى هذا الرجل ووضع يده على كتفه، وقال له: ما اسمك؟ فأخبره باسمه، ثم قال له: ما هذا الذي في يدك يا فلان؟ ألم تعلم أنها حرام؟! ارمها تحت رجلك! يقول الشيخ محمد: فاستحييت، ليس لأنه أدركه الحياء لأن الولد أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، لكن طريقة الأمر والنهي نفسها كانت طريقة سيئة، فمثل هذا الولد عناه النبي ﷺ بقوله: (إن منكم منفرين).
فإذا وجدت رجلاً كبيراً على معصية فتلطف به أولاً ولا تزجره ولا تجترئ، فإذا رآك تحترم سنه استحى أكثر، فمسألة التوقير مسألة مطلوبة، وهناك حديث تكلم فيه بعض أهل العلم وحسنه آخرون، وهو حديث: (أنزلوا الناس منازلهم)، فالراجح ضعف هذا الحديث، لكن معناه صحيح حتى وإن لم ننسبه إلى النبي ﵊.
стр. 247
الأفضل للمفتي أن يجيب على المسألة مع ذكر الدليل
يقول عبد الله بن عمر ﵁: (حدثني أبي عمر بن الخطاب) وفي هذا دليل على أن المرء من أهل العلم لو سئل في مسألة فالأفضل والأوقع أن يذكر دليل المسألة؛ لأن عبد الله بن عمر كان من الممكن أن يكتفي بالمسألة، فيقول له: لا.
هذا القول خطأ، أو غير ذلك، لكن بادر عبد الله بن عمر إلى ذكر الدليل بغير شرح منه؛ لأن الدليل واضح، وهذا من محاسن الفتيا، على خلاف من قال: إن ذكر الدليل فيه تشويش على العامة، وهذا ما عظم الدليل حق تعظيمه، ولا قدر الدليل حق قدره، فذكر الدليل من محاسن الفتيا، حتى وإن كان العامي يسأل عن موقع الحجة من الدليل، لكن ذكر الدليل يعطي قناعة للمستمع.
إذا سئلت عن مسألة فقلت: قال الله فيها كذا وكذا، وقال النبي ﷺ كذا وكذا استعظم المستفتي أن يخالف هذه الأدلة إلى رأيه، بخلاف ما إذا قلت له رأيك المجرد حتى وإن كان مدعوماً بالدليل، فإن قال قائل: فلماذا نرى الأئمة المجتهدين لا يذكرون دليلاً في الفتوى؟! يعني: الأئمة المجتهدون في الفقه كـ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وسفيان الثوري والأوزاعي وهؤلاء العلماء، فعادة عندما نقرأ كلامهم في الكتب لا نراهم يعنون كثيراً بذكر الأدلة؟ فنقول: إن المسألة تخرج على حسب حاجة المستفتي، ونحن لم نشترط كلما سئلت عن مسألة أن تعدد عليها الأدلة، لكن كلما أتيح لك أن تذكر الدليل فبادر، فإن الأئمة كانوا يصدرون الفتاوى المجملة تبعاً لحاجة السائل، فالسائل عادة لا يريد دليلاً بل يريد الحكم في المسألة، فإذا اعترض عليه معترض بدليل يأتي له بأدلة، أو يؤول له دليله، ونحن لا يرد علينا هذا الكلام لأننا ما اشترطنا على المفتي أن يذكر دليل المسألة لكل سائل، ولكن كلما أمكنه أن يأتي بالدليل كان أوقع في نفس المستفتي، والغالب على فتاوى الصحابة أنهم كانوا يذكرون الأدلة، كما في حديث ابن عمر، لما قالوا له الشبهة رد عليهم بحديث.
стр. 248
العواصم من القواصم
لقد كان الله يعلم نبيه ﵊ كل يوم ويأمره أن يعلم أصحابه مما علمه، وقد ثبت قوله ﷺ : (إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا) وفي قوله: (مما علمني يومي هذا) إشارة وتنبيه للمرء إذا أراد أن يستوفي حكماً ما أن يأخذ بجميع النصوص ليدرأ التعارض الظاهر.
стр. 249
شرح حديث عياض بن حمار: (خطبنا رسول الله)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين؛ إنك حميد مجيد.
درسنا بعنوان: (العواصم من القواصم).
وسنتعرض فيه لشرح حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، والنسائي في سننه، وأحمد في المسند من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ خطبة فكان مما قال فيها: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، قلت: رب! إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة.
قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال.
قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبَرَ له الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل والشنظير: هو الفحاش).
стр. 250
القرآن سلاح ضد الشيطان
وبهذه النكتة ننهي الكلام عن هذا الجزء من الحديث، وهو قوله: (تقرؤه نائماً ويقظاناً): ورد في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (وكلني رسول الله ﷺ بتمر الصدقة -جعله حارساً على تمر الصدقة- فبينما أنا جالس في هجيع من الليل، إذ رأيت رجلاً يحمل تمراً في حجره، فأمسكته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
فشكا حاجة عياله، وأقسم أنه لن يعود، فتركته، فلما أصبحت قال النبي ﷺ : (ما فعل صاحبك البارحة يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله! شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود.
قال: كذبك وسيعود.
فلما كانت الليلة الثانية جاء يحثو التمر، فأمسكته -وتكرر نفس الفعل، فلما أصبحت سألني النبي ﷺ فقلت: شكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود.
قال: كذبك وسيعود.
وفي الليلة الثالثة جاء ليحثو التمر، فأمسكته وقلت: أما هذه المرة فلن أدعك، ولأرفعنك إلى رسول الله ﷺ .
فقال: ألا أعلمك شيئاً ينفعك وتتركني.
قلت: وما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك إذا قرأتها لم يزل عليك من الله حافظاً حتى تصبح).
أي: وأنت مستيقظ تذكر الله ، وهو سلاحك ضد الشيطان، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي أوله: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات إلى أن قال: قال يحيى لبني إسرائيل: وآمركم بذكر الله، وإن مثل ذلك -أي: مثل من يذكر الله- كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى مغارة حصينة فاحترز بها منهم، فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله)، فمعك سلاح، وأنت قادر على أن تهزم شيطان الجن في أول جولة، فإنه أول ما تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يولي الأدبار، أما شيطان الإنس فلو قرأت عليه القرآن كله يقول لك: إنا هاهنا قاعدون، فأنت تغلب شيطان الجن من أول جولة، وهو مهزوم دائماً؛ لأنك إذا استعذت بالله منه، فر وهرب.
فإذا كنت مستيقظاً تذكر ربك وتستغفره، وكلما رأيت شيئاً في هذا الكون ذكرت الله، فلن يقترب منك الشيطان، لكن حين تنام وتلقي سلاحك، فإن عدوك سوف يغتالك؛ لأنك قد ألقيت سلاحك؛ ولذلك فإن الرسول ﵊ علمنا عندما نأتي لننام أن نقول: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك)، ما أجمل هذه الجملة! لا يمكن أن تعطي ظهرك لإنسان خائن أبداً، وحين تقول: وألجأت ظهري إليك، كأنك تقول: يا رب! لن أوتى وقد ألجأت ظهري إليك أبداً.
يا رب! أنا سأنام، وقد ألقيت سلاحي، فأنت الذي ستتولى حفظي، وأنا حينما كنت مستيقظاً فإنني أذكرك ولا أفتر عن ذكرك، فقد ألجأت ظهري إليك فاحمني.
وقبلها يقول: (وجهت وجهي إليك)؛ لأنه قد ينام ولن يقوم، فقد يموت، فوجهه ذاهب إلى الآخرة: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠]، وهذا ترجمة للحديث الآخر: (اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، إن أمسكت روحي فهي إليك، وإن أرسلت روحي مرة أخرى فاحمني حتى لا يغتالني عدوي.
فأنت ستقرأ القرآن قبل أن تنام؛ فيكون من عاقبة القراءة أن الله ﵎ يوقف ملكاً يحرسك إلى أن تستيقظ فتقرؤه نائماً؛ أي: حال نومك، وأنت عندما تنام وتقرأ القرآن تكون قد احترزت من عدوك من الجن.
نسأل الله ﵎ أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور أبصارنا، وجلاء همنا وغمنا وحزننا، ونسأل الله ﵎ أن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 251
القرآنيون وبيان انحرافهم
نحن -أهل السنة- نفهم القرآن ليس كما يزعم المنتسبون إليه ممن يسمون الأشياء بغير مسمياتها.
يقولون: نحن القرآنيون.
وهم ينكرون السنة! يسمون الأشياء بغير اسمها، ومن المعلوم -مثلاً- أن أكثر الناس خيانة هو أمين الصندوق، ومع ذلك فإنه يسمى أمين الصندوق، والمثل يقول: (حاميها حراميها)، فقد تجد رجلاً -مثلاً- مبتدعا، ً وبدعته كفرية، ومع ذلك لقبه (محيي الدين)!! ومثل هذه يوضحه أحد الشعراء وهو يتوجع على ذهاب بلاد الأندلس، وقد ذهبت منا بإهمال الولاة والانغماس في الملذات والشهوات، وكان كل واحد من هؤلاء الأمراء يسمى (عضد الدين، ركن الدين، محيي الدين، ناصر الدين) وهم الذين ضيعوا الدين، فهذا الشاعر لما رأى هذه الألقاب الكبيرة ليست في مكانها أنشد قائلاً: ومما يزهدني في أرض أندلس أسماء معتصم فيها ومعتضد أسماء مملكة في غير موضعها كالهر يأتي انتفاخاً صورة الأسد فهؤلاء القرآنيون يقولون: نعمل بالقرآن فقط.
فإذا سألتهم عن السنة قالوا: ليست من القرآن.
وكذبوا؛ فإن فالذكر قرآن وسنة بإجماع أهل العلم، والمرء إذا أهمل السنة فلا بد أن يكذب على الله، ولو أخذ بالقرآن وحده فهو كاذب على الله ولا بد؛ لأننا إذا تركنا السنة جانباً سنحل ما حرم الله.
فمثلاً: مسألة: هل يجوز لأحد أن يتزوج خالة امرأته أو عمة امرأته ويجمع بينهن؟ بالنص والإجماع: لا يجوز.
فهل وردت هذه المسألة في آية المحرمات؟ لم ترد أليس ربنا بعدما ذكر المحرمات قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] وهذا كلام صريح.
إذاً: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها بالنص والإجماع، فأين هي في القرآن؟ قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩] (فصل) أي: ذكر كل الجزئيات، فهل تجدون في القرآن تحريم لحوم الحمر الإنسية؟ الذين يقولون: نحن قرآنيون، وتركوا السنة بحجة أن الرواة غير معصومين، نقول لهم: هل يجوز أكل لحم الحمار؟ سيقولون: لا يجوز.
فأين تحريمه من القرآن؟ مع أن الآية واضحة ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩]، وهذا التفصيل غير وارد في القرآن، فأين هو؟ إذاً: هو في السنة، ولذلك قال العلماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، قالوا: الذكر: قرآن وسنة.
وأما حديث: (يا معاذ! بم تحكم؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد.
قال: فبسنة رسول الله ﷺ .
قال: فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي ولا آلو)، فإنه حديث منكر عند أهل العلم بالحديث، البخاري، والترمذي والعقيلي وعند الدارقطني، وطائفة يصل عددهم إلى العشرة ذكرهم الشيخ الألباني ﵀ في سلسلة الأحاديث الضعيفة.
وحتى لو صح هذا الحديث فلابد من فهم القرآن فهماً مستقيماً، فالقرآن مع السنة على مراتب: المرتبة الأولى: القرآن والسنة مع بعض.
المرتبة الثانية: ما انفردت به السنة من تأسيس الأحكام.
المرتبة الثالثة: ما لم يرد في السنة وثبت بالاجتهاد.
إذاً: هناك نص من القرآن يؤخذ مع السنة، فلا يصح أن ينفصل أحدهما عن الآخر؛ لأن السنة من تمام القرآن، وهي المبينة للقرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]، مثل الآية التي نتكلم فيها: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، إلا أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها، هذا تخصيص، فإذاً جاء القرآن مبيناً، والتخصيص من جملة البيان، وكقوله تعالى:: ﴿إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾ [البقرة:١٧٣]، (الميتة) اسم جنس محلى بالألف واللام يفيد العموم، و (الدم) اسم جنس محلى بالألف واللام يفيد العموم، ولنفترض أنك لا تعرف شيئاً عن هذا الاشتمال أبداً، وقرأت هذه الآية: ﴿إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة:١٧٣]، فستفهم أن كل أجناس الميتة يدخل ضمن هذه الآية.
لأن: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) أي شيء يموت.
إذاً: أنت لا تستطيع أن تأخذ بالقرآن فقط هنا، ولابد أن تأخذ معه بالحديث؛ لأن الحديث بيان للقرآن؛ فصار الحديث من تمام القرآن وهذا هو النوع الأول، الذي هو النوع المبيِّن لكلام الله الذي لا يستطيع أن ينتفع به المرء إلا ببيان السنة.
النوع الثاني: الذي يمكن أن يتنزل عليه الكلام، أي: لم تجده في القرآن، فبسنة رسول الله ﷺ ، كالأحكام التي أثبتها النبي ﷺ ولا توجد بلفظها في القرآن، وإن كانت بفحواها في القرآن، يقول الإمام الشافعي ﵀: (ما من حُكم حكم به رسول الله ﷺ إلا وهو في القرآن) لابد، وليس لازماً أن يكون بنص، أو أن تأتي آية مخصوصة في هذه االمسألة.
ومن الأمثلة على ذلك: ما رواه البخاري وغيره: أن امرأة سمعت ابن مسعود ﵁ يذكر حديث: (لعن الله الواشمة والمستوشمة، والفالجة والمتفلجة، والواصلة والمستوصلة).
فقالت: يا ابن مسعود! أتقول: لعن الله؟ قال: وما لي ألا ألعن من لعن الله، وهو في كتاب الله؟! فذهبت تلك المرأة إلى البيت وأخذت المصحف وقرأته من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، حتى تقف على آية لعن الله الواصلة والمستوصلة، فما وجدته، فذهبت إلى ابن مسعود وقالت: (يا ابن مسعود! لقد قرأت القرآن ما بين دفتيه -من الجلدة للجلدة- ولم أجد فيه ما تقول.
فقال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه.
قالت: قرأته.
قال: أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فهذا مما آتانا رسول الله ﷺ .
إذاً: الإمام الشافعي أثبت هذا الكلام على مثل هذه الأحاديث، فما من حكم للنبي ﷺ إلا ويرجع للقرآن نصاً، أو لآيات إيجاب طاعة الرسول ﷺ ، فنحن حين نأتي لنفهم قوله: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، لا نتصور أن الكتاب مقصود به القرآن فقط، بل القرآن وبيانه؛ إذ لا يُنتفع بالمجمل عادةً إلا إذا جاء البيان، ولأن الإشكال إنما يقع في باب الإجمال، فإذا كان النص مجملاً بلا بيان فقد تفهم شيئاً والآخر يفهم شيئاً آخر، فإذا بين زال الاختلاف.
(
стр. 252
قوله: (وأنزلت عليك كتاباً)
إذا كان الله وضعك في هذا البلاء وهذه المعركة، فقد جعل لك سلاحاً فقال: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، هو هذا سلاحه: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظاناً) (، فهو منهج حياة، وما معنى قوله: (لا يغسله الماء)؟ فلو كتب القرآن وغسل بماء فإن الحبر يذهب، فما معنى (لا يغسله الماء؟) إن إزالة النجاسات تكون بالماء خصوصاً دون سائر المائعات شرعاً وعرفاً.
فلو وقعت النجاسة في ثوب وتريد أن تزيلها، فلو غسلتها بحليب أو بزيت أو بسمن فإنها لا تذهب، فالنجاسة لا تذهب إلا بالماء شرعاً وعرفاً.
وكذلك القرآن، فمعنى: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، أي: مثلما أن الماء يغسل النجاسات فالقرآن كذلك، لكن النجاسة التي يغسلها القرآن نجاسة الشرك ونجاسة الذنب، وكلمة (لا يغسله الماء) أي: لا يستطيع أحد أن يزيد فيه حرفاً ولا كلمة، ولو فعل ذلك فسترى آلاف الصبية من سائر الدنيا يردون عليه.
يذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان: أن رجلاً نصرانياً ورد على أمير المؤمنين المأمون، فلما علم أنه نصراني دعاه إلى الإسلام، فقال له: أسلم وسأعطيك كذا وكذا فقال: هو ديني ودين آبائي، لا أتركه أبداً.
وانفض المجلس، فلما كانت السنة التي بعدها جاء هذا الرجل مسلماً فقيهاً، ودخل وعليه ملابس العلماء، فلما رآه المأمون شبه عليه، فقال: ألست فلاناً؟! قال: بلى.
فقال له: ما خبرك؟ قال: بعدما فارقت مجلسك عمدت إلى التوراة وكتبت ثلاث نسخ فأخرت وقدمت، وزدت فيها وأنقصت، وأعطيتها للأحبار فقبلوها وأجزلوا لي العطاء، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ بخط جميل، وزدت فيه وأنقصت، وأعطيتها للرهبان، فقبلوها وأجزلوا لي العطاء، قال: وكتبت ثلاث نسخ من المصحف -القرآن- وزدت فيه وأنقصت فردوه علي؛ فعلمت أن هذا الدين حق، فأسلمت.
فلا يستطيع أحد أن يغير فيه ولو حرفاً واحداً، وهذا مسيلمة الكذاب -حتى كلمة (الكذاب) صارت مرتبطة باسمه دائماً، لما أراد أن يؤلف قرآناً ضحك منه الناس، ويقال: أن عنده سورة الضفدعة، والتي قال فيها: (نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريش قوم يعتدون) انظر إلى هذا الكلام! وعلى شبكة الإنترنت تجد الكثير من هذا، فهل يظن هؤلاء الأوغاد أنهم يستطيعون أن يمسوا جناب القرآن؟! خابوا وخسروا فربنا يقول:: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]، (عزيز) أي: منيع، والإنسان العزيز هو الذي لا يستطيع أن يقرب منه؛ لأنه عزيز، كما قال قريط بن أنيف أبياته في قبيلة مازن، وأنهم قوم لا يستطيع أحد قط أن يعتدي على رجل ينتسب إليهم أبداً، فهذا الرجل كان معه جملان أو ثلاثة، فمر شخص قاطع طريق فأخذها وذهب، فحزن لهذا جداً، فذهب يستنفر جماعته وقبيلته فلم يقم معه أحد، فكلهم جبناء؛ فأنشد أبياتاً في غاية الروعة، وهذه الأبيات هي التي افتتح بها أبو تمام ديوان الحماسة، يقول: لَوْ كُنْتِ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا قوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا أي: لا يهربون، بل يفرحون باللقاء.
لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا لا يطلبون دليلاً على دعواه.
ولَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا إذاً: قبيلة مازن متصفة بالعزة، ولا أحد يستطيع أنه يصل إليها هذا هو معنى العزة.
فالقرآن منيع ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]، بل بلغ من عزة هذا الكتاب أن يفارق صدر من أهمله، فالذي يتركه ولا يقرؤه لا يظل في صدره أبداً؛ لأنه عزيز.
فمثلاً: شخص يزورك وأنت تقطب في وجه، وتؤخر عنه الغداء، وتغضب عليه.
فلا يمكن -إن كان عزيزاً- أن يزورك مرة أخرى، بل لو أحس أن شيئاً من الإهمال -ولو كان يسيراً- يصدر منك، فلن يدخل بيتك أبداً، وأي إنسان عزيز فإن هذا هو تصرفه.
والقرآن هكذا، إذا ما قمت وقعدت، وسهرت، وسألت الناس: كيف أحفظ القرآن وأحافظ عليه؟ فإنه يتركك ويذهب؛ لأنه عزيز الجانب.
ولقد جعل الله القرآن مهيمناً، كما قال سفيان بن عيينة: (عهد الله إلى اليهود بحفظ التوراة فحرفوها، وعهد للنصارى بحفظ الإنجيل فحرفوه، فلم يعهد بالقرآن للمسلمين، إنما تولى ﵎ حفظه بنفسه).
فالسلاح الشديد القوي، النفيس الماضي في معركتك مع كل الفئات هو القرآن.
стр. 253
قوله: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)
ثم قال: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)، هذا واضح أنه من كلام رب العالمين؛ لأن الحديث فيه كلام ينسب إلى الله ﵎، وكلام ينسب إلى النبي ﷺ ، ويفهم من هذا أن الأصل الإباحة؛ لأنه قال: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال).
стр. 254
قوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم)
ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم)؛ لأن لفظة (كلهم) هنا للعموم؛ لأن لفظة (الكل) من أقوى صيغ العموم، وقوله: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم) وهذا واضح في آية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، وكما في الأحاديث الصحيحة: أن الله كقول النبي ﷺ : (إن الله لما خلق آدم مسح ظهره بيده، فاستخرج من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، وأودع فيهم عقولاً، وخاطبهم في عالم الغيب: ألست بربكم؟ فقالوا جميعاً: بلى.
شهدنا، فقال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢]-أي: لئلا تقولوا، كي لا تقولوا- ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]) أي: أنا أشهدك الآن حتى لا تدعي أنك كنت غافلاً عن هذا يوم القيامة.
ولأن العباد لا يذكرون هذا الميثاق أرسل الله الرسل تذكر بهذا الميثاق، وجعل الثواب والعقاب منوطاً بوصول البلاغ رحمة من الله ﵎ بعباده.
فيقول ربنا : (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) مع أن (كل مال نحلته عبداً حلال)، فلماذا يحرمونه؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣] لكنهم حرموا ما أحل الله لهم، مع أن الأصل: (كل مال نحلته عبداً لي فهو حلال)، فبين لنا ربنا ﵎ أن الشياطين اجتالت هؤلاء الناس عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحل الله، وأحلت لهم ما حرم الله عليهم، وبدءوا يضعون قوانين لهذا الباطل.
ولن أنسى أبداً الواقعة التي نشرت منذ سنوات: أن مستشاراً في آخر عمره أراد أن يتوب من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها في حياته، وأنه كان يحكم بغير ما أنزل الله، وأنه لابد أن يحكم بما أنزل الله، فجاءت له حالة زنا، فالمحامي ظل يؤخر في القضية حتى تقع في دائرة هذا المستشار؛ لأن هذا المستشار إذا جاءه إنسان محصن -متزوج- وزنى، فسيحكم عليه بالرجم، ويقول: حكمت المحكمة برجم فلان وفلانة.
ومن المعلوم في هذه الأيام أنه لا يوجد جهة تنفيذ، فلا أحد يرجم، فالرجم -عندهم- معناه: البراءة، فلو حكم عليه بالسجن أو أي حكم آخر فسيقع عليه الحكم، لكن أن يحكم عليه بالرجم فلا يوجد من ينفذ الرجم، فستكون براءة مباشرة، ولذلك فالمحامي ظل يؤخر القضية لكي تقع في دائرة هذا المستشار حتى يقول: حكمت المحكمة عليه بالرجم، ووقع ما تمناه المحامي، ووقعت المسألة في دائرة هذا المستشار، وحكمت المحكمة عليه قتلاً بالرجم، فضجت القاعة بالتصفيق، وخرج الزاني براءة.
فكيف يمحى مثل هذا الحكم ويحل محله حكم آخر: وهو أن البنت حرة التصرف في عرضها، وأن المسألة هذه مسألة مزاج، فلو أن الزوج دخل فوجد امرأته مع رجل أجنبي، وتصافوا مع بعض، تسقط الدعوى! مع أن إقامة الحد حق لله تعالى لا لأحد سواه، حتى لو تنازل الزوج، فإذا وصلت للحاكم صار إقامة الحد حق لله ، كما في حديث صفوان بن أمية في سنن النسائي وغيره.
: (أنه كان نائماً ووضع عباءته تحت رأسه، فجاء سارق واستلها من تحت رأسه من غير أن يدري، وأوشك أن يفر بها، فقام صفوان وراءه فأمسكه وقبض عليه، فذهب إلى النبي ﷺ وقال له: إن هذا الرجل استل هذه البردة من تحت رأسي، وأنا نائم.
فأمر النبي ﷺ بقطع يده فتفاجأ صفوان ﵁ بالحكم، أتقطع يده لأجل ثلاثين درهم؟! فقال صفوان: يا رسول الله! وهبتها له.
-لكي لا تقطع يده- فقال له النبي ﷺ : هلا قبل أن تأتيني) أي: لِمَ لم تقل هذا الكلام بينك وبينه؟! أما وقد طالما جئت فقد انتهى الأمر، ولم يعد إقامة الحد حقاً لأحد، وإنما صار حقاً لله ، فلا يجوز إسقاطه أبداً.
فعندما يأتي الزوج ويقول: أنا راضٍ عن امرأتي، وقد عفوت عنها.
ويسقط الحد، مع أن الله لم يسقطه.
يقول النبي صلى الله في هذا الحديث:: (فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)، قوله ﵎ في هذا الحديث الإلهي (وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) إشارة إلى كل حكم وضعي يخالف الشريعة، فما أنزل الله سلطاناً بهذه الأحكام أبداً.
стр. 255
قوله: (وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك)
ثم قال في الحديث: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).
ذهب طائفة من علماء العربية وطائفة من علماء الأصول إلى أن (إنما) من صيغ الحصر، وهي تساوي (لا) و (إلا) في الاستثناء، مثل: لا إله إلا الله، فهنا نفيت كل الآلهة عدا الله ﵎، فصارت الإلهية محصورة برب العالمين ﵎، هذا هو معنى نفي الاستثناء.
نقول: (إنما) تفيد الحصر على رأي طائفة كما ذكرت فقوله: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) فكأن غاية البعثة -بعثة النبي ﷺ وقوع هذا الابتلاء وهذا الاصطدام بين أهل الحق وأهل الباطل، ولو تأملت حكمة الله الباهرة في وضع هذا الابتلاء لعلمت أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وهو ناصرهم وإن كانوا قلة ما داموا معتصمين بأمره.
وسنة الدفع جاءت في القرآن في موضعين، وفي الموضعين جميعاً قتال: الموضع الأول: في سورة البقرة في قصة طالوت وجالوت، وفي آخرها: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١]، إذاً: بقاء الأصل أننا في عداء مستمر، وهذه سنة كونية لا بد أن تقع، ولو كان هناك أناس في الدنيا أهل لأن يزيلوا الخلاف لكان الصحابة أولى بذلك لكنهم ما استطاعوا، فظهرت الخوارج والشيعة، وبدعة القدر ظهرت في آخر عهد الصحابة، ومع ذلك عجز الصحابة عن أن يجعلوا الشيعة يتركون آراءهم، وهم الصحابة، الذين لديهم الحجة، ومعهم الأدلة، ومعهم الصحبة أيضاً، ومع ذلك عجزوا عن أن يزيلوا الخلاف.
فهذا الاختلاف مهم جداً حتى تبقى الأرض: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١].
والموضع الثاني: في سورة الحج بعد قوله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، فتأمل هذه السنة! إن الذين ينكرون أشياء من السنة، ويطعنون في صحيح البخاري في الجرائد والمجلات، ويرمون الصحابة بالكذب نقول لهم: تعالوا نأخذ جزئية إنكار الشفاعة، والتي تورط فيها الدكتور مصطفى محمود، فإنه أولاً أنكر الشفاعة العظمى، وبعد ذلك أنكر حجية السنة، ومن حكمة الله أنها تمت هكذا؛ لأنه لو أنكر السنة أولاً لما أنك عليه، لكنه فضح نفسه بإنكار الشفاعة العظمى، ثم لما جاء ينكر السنة انكشف، ومثله كمثل الذي سرق كشافاً واختبأ في حارة مظلمة! إن الذي يتعرض للرسول ﷺ لا يسلم أبداً؛ لأن الله هو الذي يدافع عن رسوله، ففي سورة التحريم لم يسلم الله نبيه ﷺ لملعقة عسل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤] سيحال بينكم وبين ما تريدون: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم:٤]، فالذين يسبونه ﷺ ويتعرضون له، سيحال بينهم وبين ما يريدون؛ لأن الله هو الذي يدافع عن نبيه.
وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهو يتكلم عن حرمة الرسول وارتفاع جنابه ﵊، قال: حدثني كثير من الفقهاء الذين كانوا يغزون الروم بأنهم كانوا يحاصرون الحصن شهراً وشهرين أو ثلاثة أشهر، والروم في الداخل معتصمين ومعهم الزاد، فنكاد نيأس من فتح هذا الحصن، فيقعون في عرض النبي ﵊ فيسبونه؛ فيفتح الحصن بعد يوم أو يومين، فقال هؤلاء العلماء: فكنا نتباشر بسب النبي ﵊ مع امتلاء قلوبنا غيظاً مما نسمع.
فأول ما يقعون في الرسول ﷺ ويسبونه، نعرف أن الفتح قادم مباشرة، فالله هو الذي يدفع عن نبيه، فتعالوا نرى سنة الدفع: من قديم الزمان ونحن نقول للناس: الأحاديث الموضوعة والمكذوبة وعلة الحديث إلخ، وما أحد يستمع، بل يقولون: هذا كله كلام أكاذيب، وكلام مصطلح حديث إلخ، فكان من لطف الله -وهذه سنة الدفع- أن قيض الدكتور لينكر المقام المحمود -الشفاعة العظمة- حتى تصير السنة قضية، وهذا هو الذي نريده، نحن نريد أن يكون الكلام في السنة كلام كتب، نحن نريد أن تكون السنة قضية تشغل الناس كلهم، ويفكرون كيف ننصر الدين؟ وكيف ننصر رسوله؟ وهذا -بحمد الله أصبح جلياً واضحاً بعد هذه المحنة، فكثير من الناس رجعوا إلى دين الله ، واستجابوا -مثلاً- لتفريغ طلاب العلم، وأناس تبرعوا في منتهى الحمية، وما كنا نتصور أن يكون رد فعل الجماهير مشرفاً إلى هذا الحد!! فكان من تمام سنة الدفع أن يشتموا الصحابة حتى نذكر فضائل الصحابة، والناس يعرفون من هؤلاء الصحابة وأن ينكروا السنة حتى نعرِّف الناس كيف صنف البخاري كتابه، وأن الجماعة الذين يتكلمون في البخاري لا يصلحون أبداً لأن يزيلوا الأذى عن البخاري، لا ينفع، لكي يكف عن البخاري الذي يقول لك: إن في البخاري أحاديث مكذوبة والبخاري عبارة عن أحاديث موضوعة والبخاري أحاديثه إسرائيليات، وأضف إلى ذلك قوله: وسيحاسب الله البخاري أشد الحساب! فهذا من جملة البلاء ولكنها نعمة من الله، فإذا نظرت إلى أثرها علمت أن الله ﵎ لطيف، وأنه أرجع بهذه المحنة فئات من الشاردين عن هذا الدين أرجعهم إلى حظيرة الإسلام مرة أخرى، وصار لهم انتماء، فالمسألة (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) هذه مسألة أصلية؛ ولذلك أناط الله البلاء بأوليائه، فلماذا جعل أولياءه هم الذين يبتلون ويشردون لماذا؟ أليس الله ﵎ قادراً على أن ينصرهم بـ (كن)، وأن يمكن لهم؟ أليسو هم أولى الناس أن يسعدوا في الدنيا؛ لأنهم عباد الله المتقين الأخيار؟!! إن هذه الدنيا يتمتع بها الخواجة، ويتمتع بها الكافر والفاجر، وأما أهل الإيمان وأهل الدين فهم الذين يحرمون الدنيا فما هي حكمة الله في ذلك؟ حكمة الله في ذلك: أن القلب لا يحيا إلا في المحن، فهو يستمد مادة حياته من المحن، هكذا خلقه الله ، فالجوارح تستمد مادة حياتها من الراحة والدعة، أما القلب فيستمد حياته من العوارض والمحن، ولأجل هذا جعل الله تعالى البلاء من نصيب أوليائه ليلقوه بقلوب ثابتة.
وأنت في البلاء كالسابح ضد التيار، والذي يسبح ضد التيار معنى ذلك: أنه سيخرج بشيئين: قوة القلب، وقوة العضلة.
ولذلك فما من محنة تمر على المرء إلا ويخرج منها أزكى، وأقوى مما كان، والمسألة تشبَّه بالكرة المطاطة، فكلما ضربت الكرة المطاطة في الأرض بعنف كلما صعدت إلى الأعلى أكثر.
فجعل الله البلاء من نصيب أوليائه لأجل هذا؛ لأن العبد في الآخرة إنما يوزن بقلبه، كما يقول ابن القيم ﵀: (يأتي الرجل السمين البدين ولا يزن عند الله جناح بعوضة)، برغم أنه بدين الجسم، لكن الله لا يزن الناس بالأجسام، إنما يزن الناس بالقلوب، كما في حديث ابن مسعود أنه كان ضعيفاً نحيلاً فصعد يوماً على شجرة، فضحك الصحابة من دقة ساقيه، فقال رسول الله ﷺ : (مم تضحكون؟ قالوا: من دقة ساقيه، قال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)؛ لأنه لا يوزن بجسمه عند الله ﵎.
إذاً: البلاء قرين الدعوة وقرين الالتزام، فإذا سعيت إلى ربك فأنت مبتلى ولا بد، فلا بد أن تهيئ نفسك للبلاء والحديث واضح: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك).
стр. 256
الجهل هو سبب الهجوم على السنة النبوية
إن سبب هذه الهجمة التترية الخطيرة على السنة هو أن الناس جهال؛ فلم يجثوا بركبهم يوماً ما بين أيدي العلماء، ولم يقرءوا كتاباً من أوله إلى آخره قط، ولذلك يهاجمون السنة هذه الهجمة التترية، ولابد أن يقف المسلمون لها، ولكن كيف يقف المسلمون لها؟ أن يفرغوا طلاب العلم، لطلب العلم والمنافحة عن الكتاب والسنة، فإذا كنت تاجراً -والله لم يوفقك لطلب العلم- فأنت تخرج من مالك الزكاة، وأغلب طلاب العلم فقراء يستحقون الزكاة، وحتى لو كان مستوراً في الأكل والشرب، فالمراجع التي يحتاج إليها للتحضير والقراءة بالألوف المؤلفة، فهو محتاج على أي حال، فأد الزكاة إليهم.
وإذا كنت تحب دينك ولا تريد أن تلقى الله خائناً، فانشغل بأمر دينك، والدفاع عنه، لا سيما في زمان الغربة.
وقد يقول قائل: ماذا نعمل؟ نقول: انظر إلى طالب علم وأنت تخرج الزكاة، وقل له: أنا سأكفلك -ولا تقل له: سأعطيك زكاة مالي، فإنه لا داعي أن تخوض في هذه المسألة- وفرغ وقتك للذب عن دين الله .
فتصير بمالك فارساً من الفرسان؛ لأن أزمتنا أن الحدود مفتوحة، وأي دولة حدودها مفتوحة من السهل جداً أن تدخل إليها كل المحرمات، ولن يرد ذلك إلا حراس الحدود، ولكن أين هم؟! فالنبي ﵊ حين يقول: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا)، ثم ذكر أن أهل الجنة ثلاثة وأهل النار خمسة، حتى لا يأتي شخص يحصر أهل الجنة في ثلاثة وأهل النار في خمسة فإن هذا مما علم رب العالمين رسوله ﷺ في هذا اليوم، وكان كل يوم يعلمه، وفي هذا اليوم علمه رب العالمين ﵎ طائفة من أهل الجنة وطائفة من أهل النار.
стр. 257
عدالة الصحابة والرد على من طعن فيهم بحجة أنهم غير معصومين
والجهلة الذين تسوروا منابر الكلام، والكتابة في الصحف، دخلوا في هذا الباب الواسع الذي آخره الكفر، وعارضوا أحاديث رسول الله ﷺ ، وكما جعل هذا الرجل اليمين جنة جعلوا الرواة جنة؛ لأنه لا يستطيع أن يُكذِّب الرسول ﵊، ولا يستطيع أن يرد كلامه، فيكذب الصحابي.
بل يقول: الرسول ﷺ حاشا لله أن يكذب لكن الصحابة بشر غير معصومين.
وإذا كان مؤدباً فإنه يكذب الرواة، وإذا كان حقيراً ليس عنده حياء ولا أدب اتهم الصحابة كـ أبي هريرة ﵁ وغيره، واتهام أبي هريرة ﵁ أمر قديم يقول لك: إن أبا هريرة أسلم في عام خيبر، وهو يروي ألاف الأحاديث، وأبو بكر الصديق أول من أسلم، ومسند الإمام أحمد بن حنبل الذي يعتبر أوسع مسند في الإسلام ليس فيه لـ أبي بكر إلا قرابة اثنين وثمانين حديثاً، و: أبو بكر الصديق ما ترك النبي ﷺ من يوم أسلم في ليل أو نهار، وكان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (خرجت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر)، وكان أبو بكر ﵁ لا يفارقه إلا إذا دخل غرفة نومه، فكيف يروي هذا اثنين وثمانين حديثاً وأبو هريرة الذي أسلم متأخراً يروي آلاف الأحاديث؟! فإن عدد أحاديث أبي هريرة تقارب خمسة آلاف حديث.
فبدءوا يطعنون في أبي هريرة، وكل حديث يرويه راو لا يتفق مع أصولهم يقولون: الرواة غير معصومين.
أي: أنه من الممكن أن يخطئوا.
وهل الصحابي معصوم أم لا؟ الصحابي غير معصوم.
إذاً: غير المعصوم يغلط.
هذه كلها مقدمات بدهية لا يعارضها عاقل.
فإذا كان غير معصوم، فما هو الغريب في أنه يغلط؟! نحن نقول: ليس غريباً أن يغلط، لكن لابد أن يثبت غلطه، فنحن لا نناقش العصمة، ولا نقول بعصمتهم أبداً، فهم قد يخطئون، لكن لابد أن تحقق أنه غلط في هذه المسألة بعينها وتحرر موضع الغلط وتبينه.
стр. 258
الرد العقلي على من طعن في الصحابة بحجة أنهم غير معصومين
وهذا كقولنا: - أليس الله على كل شيء قدير؟ - نعم.
الله على كل شيءٍ قدير.
- وهل هو قادر -مثلاً- على أن يخلق رجلاً بمائة ألف رأس أم غير قادر؟ - نعم.
هو قادر.
- وهل هو قادر على أن يجعل في كل رأس مائة ألف فم؟ - نعم.
قادر.
- وهل هو قادر على أن يجعل في كل فم مائة ألف لسان؟ - نعم.
قادر.
- وهل هو قادر على أن يجعل كل لسان يتكلم بمائة ألف لغة؟ - نعم.
قادر.
- لكن هل حصل هذا؟! - لم يحصل.
فهو قادر على كل شيء، لكن مثل هذا لم يحصل، وهذا هو الموضوع.
فنحن لا ننازع الآن في مسألة: أن الصحابي يغلط أو لا يغلط، فهو ليس بمعصوم، لكن نحن نناقش ونقول: هل أخطأ الصحابي في هذا الموضع أم لا؟ هذه هي المسألة.
إن العقل خياله واسع، ويتخيل كل شيء، لكن هل ما يتخيله العقل موجود في الواقع أم لا؟ لو فتحنا باب التجويزات العقلية لضاعت الدنيا قبل الدين، ودائماً تضرب الأمثال بمثل هذا.
مثلاً: نحن نقول: هل هناك امرأة في الدنيا الآن -في دنيا الناس الآن- معصومة من الزنا، مهما كانت عفيفة وشريفة؟ توجد امرأة معصومة، لأنك لو قلت: بل هناك امرأة معصومة، فنقول لك: هات دليل العصمة، ودليل العصمة لابد أن يكون شيئاً مقطوعاً به: أن المرأة الفلانية معصومة من الزنا، أي: أنه مستحيل أن تزني.
إذاً: نقول: لا يوجد امرأة معصومة من الزنا.
افترض أنت -يا أيها المعترض، الذي تزعم أنك تفكر بعقلك- أن لديك خمسة أولاد، فهل تستطيع أن تثبت لي أن هذا الولد هو ابنك؟ ألا يمكن أن تكون هذه المرأة أخطأت مرة وأتت بهذا الولد من شخص آخر أم أن هذا مستحيل؟ عقلاً: ممكن، فأنا أقول: إنه لا يوجد امرأة معصومة من الزنا، فمن الجائز أن المرأة تغلط غلطة فتكون غلطة العمر، وما غلطت غيرها، ولكن هذه الغلطة أتت بولد.
فأنت الآن تنسب الأولاد بمنتهى التبجح وراحة القلب لماذا وامرأتك ليست معصومة من الزنا؟! امرأة ولدت ولداً لثمانية أشهر، فقالوا: لابد أن تضعه شهراً في الحضانة، فأدخلته المستشفى، وهناك في المستشفى مائة ولد، ولم تعرف شكله ولا أي صفة له.
وبعد شهر جاءت لتأخذ ولدها، فذهبت الممرضة وأتت بولد غير ابنك، فهل من الممكن أن تغلط أم لا يمكن؟ أم أنها معصومة من الغلط؟ قد تغلط؛ بدليل أنها إذا أحضرت لك ولداً ليس ولدك، وقالت: خذ ابنك.
فإنك تأخذه منها ولا تشك إطلاقاً أن الولد هذا ربما لا يكون ابنك أبداً، بل بالعكس؛ لو جاء إنسان فيما بعد وقال لك: إن هذا الولد ليس ابنك؛ لربما قتلته مباشرة، فكيف يتكلم هذا الكلام ويطعن في الأنساب إلخ؟ مع أن العقل يجوز أن هذه المسائل كلها تقع.
ومع ذلك تقف سداً منيعاً دون هذه المسائل بالذات! وأحدهم ينكر أحاديث الشفاعة، وكتب مقالاً بعنوان (وما هم بخارجين من النار)، وبعدما كتبه دخل المستشفى ليعمل العملية، وكان قد كتب في المقال أنه ذاهب ليعمل عملية، وقال له الدكتور: كذا، وكذا، إلخ، أليس الدكتور هذا ربما يغلط؟ فقد يقول: لابد من عملية جراحية.
ثم يظهر أنه غلطان، والمسألة بسيطة جداً.
فهل قال للدكتور: إنك لست معصوماً وقد تغلط، فاجمع لي دكاترة المستشفى كلهم حتى يتخذوا قراراً بأنني أحتاج إلى عملية أم لا؟! لماذا لم يفعل هذا؟! ونحن لو اعترضناه وقلنا له: كيف تسلم أعضاء جسمك للدكتور الذي ربما يغلط؟!! إنهم ينسون أحياناً الفوط وغيرها في بطن المريض، فكيف تسلم نفسك لواحد قد يغلط ويفتح بطنك، لماذا سلمت له بمنتهى الطمأنينة؟ لأنه من وجهة نظرك رجل متخصص ومحترم، له ثلاثون سنة في المهنة، ولا يخطئ إلخ، فلماذا رواة الحديث فقط هم الذين تخونهم وكلما سمعت شيئاً عنهم تقول: إنهم غير معصومين، بينما تأتي إلى كل شخص في مجاله وتعتبر كلمته نهائية؟! وقد قرأت ملخصاً لكتاب نشر باللغة الإنجليزية بعنوان: (غزو الفضاء أكذوبة) مؤلفه رائد فضاء مكسيكي يعمل في محطة الفضاء الأمريكية يقول: إن حكاية وصولنا إلى القمر أكذوبة كبرى، وخدعة أمريكية مثل السينما بالضبط، ولقد آن لي أن أعترف بهذا.
وذكر حقائق خطيرة.
فنحن لو تكلمنا ستجد من يقول: هل تفهم شيئاً في الفضاء؟ افترض أن هذا عميل للموساد أو لغيره وكتب هذا الكتاب، وأنت لا تعرفه، وقد أكون أنا وأنت لا نعرف شيئاً عن الفضاء، ومع ذلك تجد الواحد منا ينافح أشد المنافحة أنهم صعدوا إلى الفضاء.
والرجل قد ذكر حقائق الله أعلم بها، ويقول: إن الوصول إلى القمر من المستحيل، فإن هناك مساحة بيننا وبين القمر درجة الحرارة فيها تبلغ أربعة ألف درجة مئوية، ومن المستحيل أن إنساناً يستطيع أن يقترب منها؛ لأنه يذوب ويصير ماء مباشرة، ومما قال: ولم أنس أنهم لما دعوا الجمهور لكي يروا الصاروخ وهو يدفع مركبة الفضاء، فصعدنا وموهنا لهم كما في السينما، ونزلنا من الباب الثاني على الاستراحة، والجماهير لا تعلم أن هذه المركبة سقطت في المحيط.
فلما يظهر شخص مثل هذا ويتكلم، فقد يقول البعض: هذا الكلام صحيح؛ لأن هذا الرجل متخصص، وله أكثر من أربعين أو خمسين سنة يعمل معهم.
إذاً: مسألة القول بأن الصحابي معصوم أو غير معصوم، هذه مسألة خارجة عن النقاش، ومن المسلم به أنه غير معصوم، لكن لابد أن نأتي على الجزئيات: فهل هو أخطأ في هذا أم لا؟ فلا بد من تحقق أنه أخطأ أو لم يخطئ، ولا بد من الرجوع إلى القواعد التي وضعها أهل كل علم.
فيأتي الواحد منهم فيأخذ حديثاً واحداً ولا ينظر إلى الأحاديث الأخرى في الباب، ويخرج لنا برأي عجيب لم يقل به أحد من العلماء؛ بسبب أنه أخذ حديثاً واحداً وترك بقية الأحاديث في الباب، فإن العلماء أكثروا من قول: (مطلق، ومقيد)، و (خاص وعام)، و (مجمل ومبين)، و (ناسخ ومنسوخ)، فالإنسان لابد أن يراعي هذه الأشياء، وإلا وقع عنده تناقض بين الأدلة.
والرجل الذي كتب قديماً أن القرآن لم يحدد يوم عرفة، أخطأ؛ لأنه لم يأخذ بجميع الأحاديث، فقال: لماذا نضيق على المسلمين ونجعل يوم عرفة يوم التاسع من ذي الحجة؟ إن ربنا يقول في القرآن: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢]، والله يقول:: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، فإذا كان الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وأكد أن هذه هي أشهر الحج، فبدلاً من أن نذهب عند الجمرات ونزدحم ونقتل بعضنا، وكذا في طواف الإفاضة، لماذا لا نبسط المسألة: فنجعل جنوب شرق آسيا يحجون من واحد إلى عشرة شوال، وبعد ذلك أصحاب حوض البحر المتوسط مثلاً من اليوم الثالث عشر إلى الثامن عشر، وهكذا قسم الأيام والشهور، -شهور الحج- على المناطق، وجاء بهذا القول.
فجاء آخر ونسج على منواله، وقال: ما المانع أن نعمل سكة متحركة حول الكعبة بدلاً من أن يتزاحم الناس، فيركب الذي يريد الطواف على السكة وخلال دقيقة ونصف تنهي سبعة أشواط ما المانع من ذلك؟ هل هناك دليل يقول بعدم جواز ذلك؟ وقد كُتبت مقالة في الأسبوع الماضي مفادها: أن في البخاري حديثاً مكذوباً بل أحاديث كثيرة، ولابد للناس الذين يفهمون أن ينقحوها حتى يحفظوا للناس العقائد!! وما هو الحديث المكذوب؟ قال: حديث: (أن النبي ﷺ كان ينام في حجر أم حرام)، وقال: كيف يكون هذا الكلام؟ وكيف يدخل الرسول ﷺ على امرأة أجنبية؟ وكيف يضع رأسه في حجرها؟ وهذا كله بناء على سؤال امرأة من الزوار -السواح- عن هذا الحديث، وأن فيه مشكلة، وكيف يضع النبي ﷺ رأسه في حجر امرأة؟ فقال لها هذا العالم: أم حرام كانت خالته ﷺ من الرضاعة، وحل الإشكال.
لكن صاحب المقال أبى أن يسلم أنها خالته من الرضاعة، والمفروض أن يحضر نسب المرأة ونسب النبي ﷺ وينظر أكانت أختها هي التي أرضعته أم لا؟ ويبحث في المسألة.
لكنه يقول: إن الله ذكر في القرآن المحرمات في سورة النساء، وبعد أن عدد المحرمات، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، ولم يذكر في المحرمات: (وخالاتكم من الرضاعة)، فقالوا: ماذا كان سيحصل لو أن الله زاد هاتين الكلمتين؟! فنقول: إن النبي ﷺ قال: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).
ثم من أين يتطرق إلى الحديث وهو بأصح الأسانيد؟ وعندما نقول: إن الحديث موضوع.
لابد أن نذكر جهة وضعه.
ومن قال: أنه موضوع.
فمن وضعه وكذبه؟ لابد أن يجتهد ويقول: فلان هو السبب، أما أن يقال: حديث موضوع، وأي إنسان في الدنيا يستطيع أن يدعي هذه الدعوى بلا برهان.
وابن عبد البر -الإمام العلم المفرد- لما ذكر هذا الحديث تكلم بكلام أهل العلم، وقال: (إن بعض الناس قال: إن هذه خالته من الرضاعة، وبعض الناس قال بغير ذلك، ثم قال: وسواء كان هذا أو هذا فرسول الله ﷺ لا يفعل ما حرم الله)، وذهب الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إلى أن دعوى الخصوصية في الحديث قوية، وأن هذا الحديث يحمل على أنه من خصوصيات رسول الله ﷺ ، ولأنه كان يملك إربه ﷺ ، ثم إنه لا تعرف الخيانة إليه سبيلاً.
وسأذكر موقفاً حتى نعلم خلق الرسول ﵊: ورد في الصحيحين أنه ﷺ حدَّث وهو جالس مع بعض أصحابه وفيهم عمر فقال: (دخلت الجنة البارحة -يعني في المنام- فرأيت قصراً وعليه جارية تتوضأ، فقلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لـ عمر.
قال: فلما ذكرت غيرتك يا عمر وليت مدبراً، فبكى عمر وقال: يا رسول الله! أعليك أغار؟!).
فانظر إليه وإلى وفائه لأصحابه، حتى وهو نائم! دخل الجنة فلما رأى جارية عمر، وهو يعرف أن عمر بن الخطاب يغار؛ أعرض، وقال: (وليت مدبراً) فبكى عمر
стр. 259
قوله: (ألا إن الله أمرني أن أعلمكم)
هذا جزء من خطبته ﷺ التي حفظها لنا الإمام مسلم في صحيحه وبقية من ذكرتهم، وابتدأها النبي ﷺ بقوله: (ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا)، هذه التوطئة لها دلالة؛ لأن النبي ﷺ قال في نهاية الحديث: (وأهل الجنة ثلاثة وأهل النار خمسة).
فهل أهل الجنة محصورون في هؤلاء الثلاثة، أو أهل النار محصورون في هؤلاء الخمسة؟ لا.
لكن هذه الأصناف علمها رب العالمين لنبيه في يومه هذا، وليس المقصود أنهم هؤلاء بالحرف بطبيعة الحال، فإن الذين يدخلون الجنة كثيرون جداً، وكذلك الذين يدخلون النار أيضاً هم أصناف كثيرة جداً.
فقوله ﷺ : (مما علمني في يومي هذا): يبين لنا أن المرء إذا أراد أن يستوفي حكماً ما؛ فلا بد عليه أن ينظر إلى أطراف الموضوع كله، مثلاً: الرسول ﵊ قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) وكل الناس يقولونها، فمن أخذ بهذا الحديث وحده حكم على الله بأنه قال شيئاً لم يقله رب العزة ﵎؛ لأن القول في ذاته لا قيمة له ما لم يصحبه عمل، إلا أن يكون هناك نص يبين أن مجرد القول له فائدة، فلا بد أن نرجع في النهاية إلى النصوص.
وفي خصوص هذه الكلمة (من قال: لا إله إلا الله)، هذه تنفعه يوماً من الدهر، كما في الأحاديث الصحيحة: (من قال: لا إله إلا الله؛ نفعته يوماً من دهره)، حتى لو دخل النار وعذِّب وقضى فيها أحقاباً، فإنه ينتفع بها، لكن الإيمان المنجي لا يكفي فيه النطق بالكلمة.
لأجل هذا لا بد -لكي نفهم هذا الحديث- أن نأخذ الأحاديث الأخرى حتى نخرج بالحكم الشرعي الصحيح، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء.
وكذلك في باب الوعيد: يقول النبي ﷺ في حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم، قال: (من حلف على يمين صبر ليقتطع بها حق امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان) وفي رواية: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: يا رسول الله! وإن شيئاً يسيراً -حلف على شيء تافه-؟ قال: وإن قضيباً من أراك)، يعني: ولو عود سواك، فلو سرق هذا السواك أو ما يشابهه في القيمة فحلف عليه أنه لم يأخذه؛ أدخله الله النار وحرم عليه الجنة.
إذاً: لو أن رجلاً أخذ قضيباً من أراك وحلف عليه فإن عمله هذا ذنب؛ لكن الخوارج يكفرون الناس بالمعاصي ويحكمون عليهم بدخول النار والخلود فيها بهذا الحديث؛ لأن الحديث صريح بعدم خروجه من النار -حسب زعمهم- يقول النبي ﷺ : (حرم الله عليه الجنة وأدخله النار)، فإذا أخذ هذا الحديث وحده دخل في دائرة تكفير الناس وانضم لقول الخوارج، مع أن هذه معصية، ومعروف أن المعاصي يتاب منها، والكفر أعظم من المعصية، ولو تاب المرء من الكفر تاب الله عليه.
فلا يصح أن نأخذ الحكم النهائي من نص واحد.
وهذا الحديث عظّم أكل حقوق الناس، ومن يتخذ اليمين جنة يتحصن بها ليأكل حقوق الناس فإنه ينتظره هذا الجزاء، فأنت حين تأخذ هذا الحديث مع بقية الأحاديث والآيات، وأن كل وعيد في القرآن يقع ما لم يتب المرء، وكل وعيد في القرآن يتخلف بالتوبة، كما وعد الله ﵎ في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني ﵀ أن النبي ﷺ قال: (إذا وعد الله عبداً فإنه منجزٌ له ما وعد، وإذا أوعد فهو بالخيار: إما أن يعذبه، وإما أن يغفر له) وهذا هو مقتضى الكرم، ففي الوعد لا يخلف أبداً، وفي الوعيد قد يخلف؛ لأن الخلف في الوعيد كرم، والخلف في الوعد لؤم.
فربنا ﵎ أوفى الأوفياء، إذا أراد فإنه يوفي، وإذا أوعد -أي: هدد- فقد يتخلف وعيده ﵎.
فالقصد: أن الإنسان إذا أراد أن يحيط بقضية فلا بد أن يجمع لها أطراف النصوص.
стр. 260
قصة كعب بن مالك
الهجر من الأحكام المشروعة في هذا الدين، ففيه تطبيق لمبدأ الولاء والبراء، وفي مشروعيته ردع للعاصي والمبتدع، ومن شرع لنا هجرهم حتى يعودوا إلى جادة الصواب ويتركوا ما بسببه هجروا.
وفي قصة كعب بن مالك وصاحبيه الدروس الكافية التي نعرف منها صور هذا الهجر وكيفيته وبعض أحكامه، وكيف امتثل الصحابة ﵃ أمر نبيهم ﷺ .
стр. 261
الهجر بين المشروع والممنوع
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
يقول النبي ﷺ : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) فهذا الحديث صحيح الدلالة في عدم جواز هجر المسلم أخاه فوق ثلاث.
وقد جاء في حديث كعب بن مالك: (أن المسلمين هجروهم خمسين ليلة) والتوفيق بين حديث كعب وبين هذا الحديث: أن الهجر إذا كان لسبب شرعي يجوز أن يستمر إلى مدة طويلة أما إذا كان الخصام على شيء دنيوي فلا يجوز أن يتجاوز ثلاثة أيام.
هذا هو التوفيق بين الحديثين، والتفصيل القادم سيوضح المسألة أكثر.
قلنا: إن الهجر إذا كان لسبب شرعي فيجوز أن يطول، كما فعل النبي ﷺ مع كعب ورفيقيه؛ لأنهم تخلفوا عن الجهاد، والجهاد آنذاك كان فرض عين لا يحل لمسلم أن يتخلف عنه، ولا يسقط إلا بعذر، كما هو شأن سائر الواجبات، فلا تسقط الواجبات إلا بعذر مانع.
ويجب على كل من يستطيع الجهاد أن ينفر مع رسول الله ﷺ ، فهم ارتكبوا شيئاً محرماً، والرسول ﷺ إمعاناً منه في تأديبهم هجرهم خمسين ليلة.
وأيضاً السيدة زينب ﵂ كان معها أكثر من راحلة فعطب بعير صفية ﵂، فقال النبي ﷺ لـ زينب: (أعطيها بعيراً من عندك تركبه، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية! فهجرها أربعين ليلة) وهذا هجر فوق ثلاثة أيام.
فالهجر للدين يستمر إلى أن يقلع المهجور عن الشيء الذي من أجله هجرته.
فلا يلتبس في الأمر، والهجر بسبب الدنيا ثلاثة أيام فقط.
ويحمل أيضاً قوله ﷺ : (من هجر أخاه سنة فكأنما سفك دمه) على الهجر الدنيوي، وليس الهجر الشرعي، أي: إذا كان لا يحل له أن يزيد عن ثلاثة أيام فزاد إلى سنة على شيء دنيوي تافه اختلف مع أخيه فيه، فكأنما سفك دمه، وهذا تعظيم للهجر بغير مسوغ.
стр. 262
الفرق بين هجر أهل البدع وهجر أهل المعاصي
إذاً: هجر أهل المعاصي مشروع، وهجر أهل البدع آكد في الشرع من هجر أهل المعاصي؛ لأن المبتدع شر من العاصي، وأهل المعاصي أفضل من المبتدعة، والأفضلية هذه لا يتصور منها مشروعية الفعل، لا.
وهذا يشبه قول الدارقطني في أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، لما سئل عنه وعن بقية أصحابه قال: (أعور بين عميان) فهذا ذم، ولكن عن طريق المدح، فالمقصود: إن كلاهما شر ولكن هذا أخف في الشر، وهذا هو المقصود.
لماذا؟ لأن أي إنسان يرتكب المعصية يعلم أنها معصية، ومهما كابر وأظهر أن هذه ليست معصية، فهو من قرارة نفسه يعلم أنها معصية، كيف لا، وقد فطر على التمييز بين الحلال والحرام! وقد ذكر بعض العلماء -وهو يتكلم عن هذه المسألة ويشرح حديث الرسول ﷺ : (الحلال بين والحرام بين) - أنه مهما ادعى إنسان أنه لا يدري فهو كاذب؛ لأن الرسول قال: (بين) ومتى يعذر الإنسان؟ إذا دخلت المسألة في الشبهات، والتبست عليه ولا يدرى أهي حلال أم حرام، كما في المثل المشهور الذي تعرفونه: وهو أنك إذا وضعت للقط قطعة لحم أكلها بجوارك، أما إذا خطفها فإنه يفر.
فلماذا يفر إذا خطفها؟ لأنه يعلم أنه خاطف سارق، إذاً: أي إنسان مهما كابر فهو يعلم أنه على معصية، بخلاف المبتدع، فإنه يرى أنه على صواب، ويرى أن البدعة هذه هي من الدين، وأنه يتقرب إلى الله بها، فعندما تقول له: اترك ما أنت عليه من البدعة، يقول لك: لن أترك ديني، ويأبى.
لذلك قال علماؤنا كـ سفيان الثوري وغيره: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها.
كان هناك ولد حاضراً في درس فسمع الفتوى ما هو حكم الشرع فيما يفعله بعض المسلمين بين التراويح من قراءة (قل هو الله أحد) ثلاث مرات؟ فقلت: هذه بدعة، وأتيت بالأدلة على أنها بدعة، فهو ذهب وبلغ ذلك لأبيه -والرجل رأس البدعة في بلده، وهو الذي يتزعم هذا- فلم يتمالك نفسه وجاء في موعد الدرس القادم، وقال: أنت أفتيت ابني بكذا وكذا؟ قلت: نعم، قال: قراءة القرآن بدعة؟ ما الذي جرى؟ هل: ارتكبت حراماً؟ فقلت له: وهذا الكلام الذي سأقوله، لو أنك حفظته وألقيته على أي مبتدع لألزمته الحجة بكلامه هو، إما أن الرسول ﷺ فاته شيء من الخير، وإما أنه ﷺ قصر في البلاغ، هذا بعد أن تستنطقه على ما يفعل، وتقول له: أعندك دليل صحيح يفيد أن النبي ﷺ فعل ذلك؟ إما أن يقول: نعم، وحينئذ يقال له: إن كنت مدعياً فالدليل، أو ناقلاً فالصحة.
نريد دليلاً صحيحاً، وهو: لا يستطيع أن يأتي به أبداً، وإما أن يقول: لا، فلو قال: لا فحينئذ تقول له: إذا كان النبي ﷺ لم يفعل ذلك الشيء فإما من اثنتين: إما أن يكون خيراً فات الرسول ﷺ ، وهو يقول لك: حاشا رسول الله من ذلك! أو أنه قصر في البلاغ، وهذه لا يقولها أبداً.
ثم بعد ذلك تسأله هل الذي أنت تفعله الآن خير أم شر؟ فإذا قال: خير، فقد أقر بأن النبي ﷺ فاته هذا الخير، وإذا قال: شر فحسبه شهادة على نفسه أنه يفعل الشر، وإذا قال: لا أدري، فهناك جواب آخر، تقريعي وهو: كيف تفعل شيئاً وتتقرب به إلى الله، وليس عندك عن صاحب الشرع منه برهان؟!! فلن يستطيع حينئذ الرد؛ لأن الرسول ﷺ نهانا أن نعبد الله إلا ببرهان، ولذلك قال العلماء في القاعدة المتفق عليها بينهم: (الأصل في العبادات المنع حتى يرد دليل بالإذن، والأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد دليل في التحريم)؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩] والعبادات على العكس؛ لأنك لا تدري مالذي يحب الله وما الذي يكرهه، وربما تتقرب إلى الله بما يبغضه وأنت لا تدري، وقد قال الله ﵎ لطائفة من الصحابة: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] فأنت لا تدري ما الذي يحبه ربك أو الذي يبغضه، ونافذتك على معرفة هذا هو الوحي.
فلا تتقدم بين يدي الله ورسوله بفعل شيء أو بقول شيء إلا ببرهان.
فلما جاء هذا الرجل فقال: لماذا قراءة (قل هو الله أحد) بدعة؟ وهي تعدل ثلث القرآن، فكيف آثم بقراءتها ثلث القرآن؟! فقلت له: ما رأيك إذا عطست أنت الآن فقلت: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؟ ما رأيك؟ قال: لا.
قلت: لماذا؟ قال: لأن الرسول ﷺ قال: (إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله)، أو (الحمد لله على كل حال)، فقلت: والصلاة على الرسول ﷺ مستحبة؟ وقد قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] فما المانع أن تفعل شيئاً مستحباً؟ فقال: لأن الرسول ﷺ لم يقلها، قلت: هذا عين الجواب، وأنا أمهلك شهرين حتى تأتيني بدليل ولو ضعيف في هذه الجزئية، فقال الرجل، وهنا الشاهد: (أنا لي ستون سنة مغفلاً)، وهذه هي المشكلة، فاستصعب أن يسلِّم بأنه مغفل، ولو أنه سلم أنه جاهل لأجر؛ والرسول ﷺ قال: (يا عائشة! إن كنت أذنبت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه فتاب تاب الله عليه) لا بد أن تعترف، وما المانع؟ فكل إنسان فينا جاهل في جزئية أو أكثر، ونحن جميعاً نموت ونحن مدينون بالجهل، وما هناك إنسان قط مات وقد عرف كل شيء في الشرع، فضلاً عن الدنيا، فلماذا الحرج؟!! إن الصحابة كانوا يعترفون ويقولون: (كنا ضلالاً فما عرفنا الهدى من الضلالة حتى جاءنا الرسول ﷺ ، فالرجل لم يسلم بذلك وهذه هي مشكلة المبتدع، لا يسلِّم لظهور الحق بجلاء، لذلك قتل الجعد بن درهم على بدعته الشنعاء وصبر على القتل ولم يرجع، لما قال: إن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، وهذا مضاد لصريح القرآن، وقد جيء به واستتيب، فلم يرجع، فحبسوه حتى جاء عيد الأضحى، وخطب الوالي آنذاك خالد بن عبد الله القسري وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم؛ لأنه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، ونزل فذبحه في أصل المنبر، وشكر علماء المسلمين ذلك له، أنه ذبح هذا الضال.
وإذا كان الله رخص للإنسان أن يقول كلمة الكفر لينجو بحياته، فقال ﵎: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل:١٠٦] فالذي عليه اللعنة والغضب، هو الذي شرح صدره بالكفر، ولكن إذا رأيت أنك ستقتل فتكلم بكلمة الكفر طالما أن قلبك مستقر ومطمئن بالإيمان، فإذا كان الإنسان رخص له أن يستنقذ حياته من القتل بأن يتكلم بكلمة الكفر، فكيف بهذا المبتدع لم ينقذ حياته، وكان يمكن أن يقول: أنا تبت إلى الله؟ وربما من الداخل يبطن الكفر الصريح، ويستنقذ حياته بإظهار الإسلام، فيصير دمه وماله وعرضه مصوناً بإظهار كلمة الإسلام، والجعد لما رأى أنه سيقتل يقيناً، لماذا لم يقل أنا تبت؟ لأنه يعتقد أن البدعة دينه، وقد ناظره علماء المسلمين الثقات الجهابذة الكبار، ومع ذلك لم يرجع، بينما العاصي يمكن أن يرجع ويتوب.
مرة كنت أخطب الجمعة في القاهرة، وتكلمت عن الرجم، وأن الرجم ورد في السنة، وهناك آية في نزلت القرآن قبل ذلك ثم نسخت ورفعت، كما هو معروف من الأحاديث الصحيحة، وذكرت أن حد الزاني المحصن أنه يرجم بالحجارة، ويحفر له حفرة في الأرض حتى لا يفر ثم يرجم حتى الموت، فهذا هو حد الزاني المحصن الذي تزوج ثم زنى بعدما تزوج.
وبعد الخطبة والدرس بينما أنا خارج من المسجد وجدت رجلاً كبير السن عمره يقارب السبعين عاماً وكان يرتعد، فقلت: هذا الرجل كبير وأعصابه تعبانة فبالتالي هو يرتعد، وكان كذلك، فانتحى بي جانباً وسألني، قال: أنا رجل عشت عمري وأنا أزني، وأول مرة أسمع هذا الكلام، وعندما سمعته كنت أريد أن أخرج من المسجد، لأنك تقول بأنه يرجم، قال: فذهبت إلى البيت، ولكني لم أستطع الجلوس، ولا الأكل ولا الشرب، فرجعت مرة أخرى ماشياً، فقال: هل لي من توبة؟ فالمعصية معروفة لأي عبد في الدنيا أنها معصية، لذا يستحيل أن تكون حلالاً عنده، ولا يستطيع أن يكابر بخلاف البدعة.
стр. 263
من أنواع الهجر
فإذا كان أهل المعاصي يشرع لك أن تهجرهم فمن باب أولى أهل البدع، لكن الهجر تكتنفه الأحكام الشرعية الخمسة، الوجوب، الاستحباب، الإباحة، الكراهة، التحريم.
стр. 264
الهجر المحرم
نقول: إن كل نصوص الشرع جاءت بتحصيل أكبر قدر من المصالح، وتقليل المفاسد ما أمكن، فإذا افترضنا أن هناك رجلاً مبتدعاً في بلد ما، وهذا الرجل له سلطان ومسموع الكلمة، وأنت مع عدد قليل من أهل السنة في هذا البلد، فإذا جهرت بتبديعه نفاكم أو أعدمكم أو أنزل بكم سوء العذاب إلى آخره، حينئذ لا تتكلم عليه، ولا تنبه علناً على سوء بدعته، وحصل مقصودك من جانب آخر.
إذاً الهجر الذي قد يحرم هو الهجر الذي يترتب عليه ضرر جسيم أو ضرر على غالب الظن يكون أعظم بكثير من المصلحة اللازمة للتحذير من بدعة هذا المبتدع.
стр. 265
الهجر القلبي
لكن أدلك على نوع من الهجر لا يكون فيه ذلك الضرر، وتحصَّل مقصود الشارع بالهجر، وهو هجر القلب، فلا تتولاه، ولا تنبسط له، ولا تعنه على شيء واعتزله، فهذا الهجر لا يكلفك شيئاً، ويكون واجباً، ولو أننا هجرنا أهل البدع هجراً قلبياً وكذلك أهل المعاصي لقلَّ العصاة وقلَّ المبتدعة وذلوا.
ونحن بكل أسف لا نهجرهم هجر القلب، مع أنه لا خطورة من هجر القلب، وإبراهيم ﵇ هجر قومه وهو يمشي بين ظهرانيهم قال: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] فتبرأ منهم وهو بين ظهرانيهم، وليس بالضرورة أن تخرج منهم، وإن خرجت فنعمَّا فعلت، ولكن إن لم تستطع أن تخرج يبقى هجر القلب، الذي هو الولاء والبراء، فتتولى المؤمنين وتتبرأ من الفاجرين الكافرين المبتدعين الظالمين.
стр. 266
الإشارة والهجر
الصحابة رضوان الله عليهم عندما نهاهم الرسول ﷺ عن الكلام مع كعب وصاحبيه انتهوا جميعاً، فإن قال قائل: في نفس حديث كعب بن مالك، لما جاء نبطي من أهل الشام يقول: (أين كعب بن مالك؟ قال: فطفقوا يشيرون إليَّ) والإشارة هنا بمنزلة الكلام، فكيف ساغ لهم أن يشيروا إليه وقد نهى رسول الله ﷺ عن كلامهم؟! فيقال: نعم إن الإشارة بمنزلة الكلام لكنها ليست كلاماً، وقال ﷺ : (الخالة بمنزلة الأم) فهل يستوي عقوقك لأمك مع عقوقك لخالتك؟ لا يستويان.
وأنا أريد أن أجلي هذه الشبهة؛ لأنه قد يخطر ببال إنسان أن يقول: إذا كانت الإشارة بمنزلة الكلام، فكيف أشاروا إليه؟ وقد تقول: الإشارة يتحصل منها ما يتحصل من الكلام، وهو الإفهام، لأن المطلوب من الكلام هو الإفهام.
فأقول: يوضح ما ذكرته أنها وإن كانت بمنزلة الكلام لكنها ليست كلاماً، أنك لو دخلت المسجد فوجدت رجلاً يصلي، فيستحب لك -إذا كانت هذه السنة معروفة في البلد، ولن تقابل بالإنكار- أن تسلم على المصلي، وتقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وهو يرد السلام عليك إشارة بصفحة اليد.
فهل يستويان؟ لا؛ لأن الرسول ﷺ عندما كان الصحابة يسلمون عليه بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] منع من الكلام في الصلاة، وكان يرفع يده ويشير إشارة، وقد كان الصحابة يتكلمون في الصلاة، قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ومشهور حديث ابن مسعود عندما هاجر إلى الحبشة، وقبل أن يهاجر كانوا يتكلمون في الصلاة، فبعدما هاجر نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فلما رجع سلم على النبي ﷺ وهو يصلي، فلم يرد عليه، قال ابن مسعود: (فركبني غم! فلما قضى الرسول ﷺ صلاته قال: يا ابن مسعود! إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة)، فالكلام الممنوع هو الذي يكون بحرف وصوت، ولا يسمى كلاماً إلا إذا كان بحرف وصوت؛ لأنه قد يكون بصوت دون حرف، فكيف إذا لم يكن بحرف ولا بصوت الذي هو الإشارة؟! فلو كانت الإشارة كلاماً لبطلت صلاة الذي يشير في أثناء الصلاة إذاً: فالصحابة لما أشاروا على كعب بن مالك، لم يخالفوا أمر الرسول ﷺ ، وسنتعرض أيضاً لقول أبي قتادة عندما قال لـ كعب: (الله ورسوله أعلم) حين نأتي على موضعه.
الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أسرع الناس مبادرة إلى تنفيذ أمر الرسول ﷺ ، فلما نهى عن كلام هؤلاء الثلاثة امتثل الكل ولم يخالف أحد، ولا يتصور أحدكم أن انتهاء الصحابة كان بسبب خوفهم أن ينزل وحي فقط، حاشاهم! أن يكون الوحي أحد الأسباب الحاملة لهم على أن يلتزموا بشدة، ولكنهم كانوا إذا سمعوا قول قول النبي ﷺ يتبادرونه جميعاً.
стр. 267
كعب بن مالك وما لاقى في أيام هجره
قال كعب بن مالك: (أما صاحباي وهما مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي - فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم، فكنت أمشي في الأسواق، وأخالط المسلمين، فلا يكلمني أحد) فلو قال لمسلم: السلام عليكم، فهل يجوز له أن يرد السلام، ورد السلام واجب؟
الجواب
لا.
لأن كل حقوق كعب بن مالك سقطت بالهجر، فعلى المسلم الذي يهجر العاصي أو المبتدع أنه إذا سلَّم عليه أن لا يرد السلام عليه؛ لأن حقوق العاصي أو المبتدع تسقط حتى يفيء إلى الله ﵎ من العصيان أو البدعة، على الشروط التي ذكرناها قبل ذلك.
قال: (فكنت أمشي في الأسواق، ولا يكلمني أحد، حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين أتيت حائط أبي قتادة؛ وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فتسورته -أي: تسلقته- فرأيته، فسلمت عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام) فـ كعب يؤكد ذلك بالقسم؛ لأن الحادثة لم يشهدها أحد، فيقول: (فوالله ما رد عليَّ السلام)؛ تأكيداً لالتزام أبي قتادة، فلما لم يرد ﵇ قال: (يا أبا قتادة! ألا تعلم أني أحب الله ورسوله؟! فسكت -فنشده الله ﵎ أنشدك بالله ألا تعلم أني أحب الله ورسوله؟! فسكت، فرجع في الثالثة فنشده الله ﵎ فقال أبو قتادة: الله ورسوله أعلم) حسناً، هل هذا كلام؟ أم لا؟ نعم هذا كلام، هل خالف أبو قتادة؟ الجواب: لا.
متى يكون الكلام معتبراً في الشرع وعليه الإثم؟! وأنا لا أنازع الآن أنه من جهة اللغة والاصطلاح؛ ولكن هل هو الكلام الذي منع منه المسلمون؟ لا، فالكلام الذي منعوا منه هو أن يتم تبادل ما بين أبي قتادة وما بين كعب في الحديث وأبو قتادة لما قال: (الله ورسوله أعلم) لم يقصد الرد عليه، ولا التكلم معه، وإنما علَّق محبة كعب بن مالك على علم الله ورسوله، بالرغم من أن أبا قتادة قد يكون يعلم في قرارة نفسه ومن تصرفات كعب أنه محب لله ورسوله، ولكن بعد الموقف الذي حدث لا يدري ما يحكم الله ﵎ في شأن كعب! لذلك لا يكون ذلك بمنزلة الكلام الذي نهي المسلمون عنه.
قال كعب: (ففاضت عيناي -أي: بكى، عندما سمع هذا الجواب- وتوليت حتى تسورت الجدار).
(قال: فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ -النبطي هو الفلاح، وسمي نبطي؛ لأنه يستنبط الماء من باطن الأرض- قال: فطفق المسلمون يشيرون إليّ، فجاء بكتاب من ملك غسان -ملك غسان هو جبلة بن الأيهم - قال: ففتحته فإذا فيه، أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك قال كعب: فقلت: وهذا أيضاً من البلاء! فتيممت بها التنور فسجرته بها) وهذا يدل على صلابة إيمان كعب، وأنه هو لما عرض عليه أن يكفر بالله ورسوله نظير أن يتوج مرة أخرى في الدنيا أبى.
حسناً: ما رأيك أنه يوجد الآن من ينتسبون إلى الإسلام يكفرون بغير عرض؟! أي: يكفر ويترك دينه ولم يحصل شيئاً من الدنيا يساوي عند أهل الدنيا ما فقده هذا الإنسان! كمن يذهبون إلى بلاد الكفر ويقدمون الخمور ولحم الخنزير في المطاعم بدعوى أنهم محتاجون إلى المال، مع أن العمل موجود هنا، ولكنه يأنف أن يعملها في بلده، ثم يعملها خارج بلده، ولو ذهب الرجل ليعمل عملاً مباحاً خارج بلده فلن نحول بينه وبين المباح، ولكن أن يقدم دينه قرباناً من أجل أن يحصل على المال، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا هم المثل لذلك، نحن نقول: (من أراد البحر استقل السواقي)، فانظر إلى الصحابة وإلى جلدهم وصبرهم في ذات الله ﵎، وتركهم لحظوظ أنفسهم.
فكانت هذه النقطة المشرفة في حياة كعب، فهو لما عرض عليه الكفر أبى وصبر في ذات الله ﵎، وقال: (هذا أيضاً من البلاء)، ثم إنه لم يمزق الرسالة، وكان تمزيقها يكفي، لكنه أحرقها: (فتيممت بها التنور فسجرته بها).
: (حتى إذا مرت أربعون ليلة) وقبل أن أصل لهذه النقطة قال كعب: (وكنت أدخل المسجد فأصلي، ورسول الله ﷺ جالس، فكنت أُسارقه النظر) أي: وهو يصلي والرسول ﷺ جالس فينظر إليه بطرف عينه نظرة خفيفة.
يقول كعب: (فكنت إذا نظرت إليه أعرض عني، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ)، لاحظ رأفة الرسول ﵊ وشفقته بـ كعب.
بعض الناس فهم خطأً من قول كعب: (أسارقه النظر) وأن كعباً التفت في الصلاة، فأقول: ليس معنى مسارقة النظر أنك تلتفت؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن الالتفات في الصلاة، وقال: (إن الله ﵎ ينصب وجهه في وجه العبد، فإذا التفت العبد التفت الله عنه، وإذا أقبل على الله ﵎ أقبل الله عليه) ومعنى مسارقة النظر أي: خطف النظر، ليس معناها أنه يلتفت فهذا لا يقتضي.
قال: (حتى إذا مرت أربعون ليلة أرسل رسول الله ﷺ إليَّ أن اعتزل امرأتك، قلت: أطلِّقها؟) فهل فهم كعب أن كلمة (اعتزل) تعني أنه يطلق؟ لا، ليس بالضرورة أن كلمة اعتزل تعني ذلك، فكيف فهم كعب منها الطلاق؟ لأنها كانت قديماً تعتبر طلاقاً، ولذلك في حديث ابن عباس في الصحيحين، وفي أوله: (حججت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فلما قضى حاجته أتيته بماء فتوضأ، فقلت له: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]) الحديث) فيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يتناوب النزول على الرسول ﷺ هو وجار له من الأنصار، فإذا نزل عمر بن الخطاب يأتي صاحبه بخبر الوحي وغيره، وإذا نزل صاحبه فعل مثل ذلك.
ففي يوم من الأيام كان الدور على الأنصاري، فجاء الأنصاري إلى بيت عمر عشاءً وطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: (أثم هو؟ -أي: أهو موجود؟ - قال عمر: فخرجت إليه فزعاً، قلت: أجاء غسان)؟ وملك غسان كان يريد أن يغزو المدينة، فالصحابة كانوا مستعدين للدفاع عن المدينة، فالطرق الشديد هذا معناه أن مصيبة كبيرة حدثت، فقال له: (أجاء غسان؟ قال: بل ما هو أهول من ذلك وأعظم، طلق النبي ﷺ نساءه) والرسول ﵊ لم يطلق، بل اعتزل فقط، ودخل في المشربة واعتزلهن تسعة وعشرين يوماً، فكلمة (اعتزل) كانت تعتبر طلاقاً في عرفهم، ككلمة: (الحقي بأهلك) فتبادر إلى كعب أن الاعتزال يساوي الطلاق، لذلك قال: (أفأطلقها؟) ولو قيل له: نعم لطلقها، ولما تردد لحظة في طلاقها.
قال له: (لا، ولكن لا تقربها).
стр. 268
هلال بن أمية واستئذان امرأته النبي ﷺ في خدمته
وقد جاءت امرأة هلال بن أمية -وهلال رجل عجوز شيخ كبير- إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن هلالاً شيخ ضائع -ضائع أي: وهى عظمه- فهل تأذن لي أن أخدمه؟ قال: نعم، ولكن لا يقربك، قالت: والله يا رسول الله! ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا).
هنا يظهر أنموذج المرأة الصالحة، تقول: (هل تأذن لي أن أخدمه)؛ لأن العشرة الطويلة التي كانت بين هذا الرجل وهذه المرأة لا بد أن يكون لها رصيد، وقصص الغدر التي تحدث الآن بين الناس، عندما تقابلها بقصص الوفاء التي كانت في جيل الصحابة تندهش! ولكن يزول عجبك إذا عرفت الفرق.
فالمرأة لما كانت تذل لزوجها وتصبر على الإهانة، كانت محتسبة، وتعلم أنها تؤجر، وأنا أرجو أن نقف قليلاً عند هذه المسألة لنبصِّر إخواننا وأخواتنا المتزوجين، حتى يقفوا عند حدود الشرع، فما يحدث الآن بين كثير من المسلمين والمسلمات في بيوتهم يدل على أن هؤلاء لا يعرفون شيئاً من الشرع يقفون عند حدوده، وليس المقصود جهل النص بل إنهم يعرفون النص لكنهم ليسوا وقافين عند حدوده.
فامرأة هلال بن أمية عندما قالت هذا دل على أنها وفية مع زوجها مع أن هناك قصة ولا أدري هل هي المرأة المقصودة بها، أم لا؟ فإن كانت هي المقصودة بها يكون تم الذي أريد.
وهي: أن هلال بن أمية الواقفي ﵁ جاء مرة وقال: (يا رسول الله! رأيت رجلاً مع امرأتي، فقال: يا هلال! أربعة شهود وإلا حد في ظهرك)، وذلك قبل أن تنزل آيات الملاعنة بين الرجل والمرأة وهلال ليس عنده أربعة شهود، وإنما رأى ذلك فأتى فأخبر الرسول ﵊ فقال له: (أربعة شهود أو حد في ظهرك، فلما سمع سعد بن عبادة هذا قال: أدعه معها وألتمس أربعة شهداء، والله لا أعطيه إلا السيف غير مصفِح، فقال ﵊: انظروا ما يقول سيدكم)؛ فنزلت الآيات في الملاعنة، فلو ثبت أن هذه المرأة ظلت مع هلال بن أمية الواقفي، رغم الذي حدث فانظر إلى وفائها، فكيف إذا كانت المرأة عفيفة طاهرة تحفظ زوجها، لكن يدركها ما يدرك بنات آدم من الاعوجاج والنشوز، قال النبي ﷺ للنساء جميعاً: (يا معشر النساء! تصدّقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن، فقالت امرأة: نكفر بالله؟ قال: لا، تكفرن العشير والإحسان -العشير: أي الزوج- ولو أحسن الرجل إلى إحداكن الدهر، ثم رأت منه شيئاً لقالت: ما رأيت منك خيراً قط) فالمرأة هكذا، في لحظات الغضب تنسى الإحسان كله، فإذا كنت تعرف أن هذا من الاعوجاج الذي جبلت عليه بنات آدم فأحسن إلى المرأة لأنها خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه، فأنت إذا علمت هذه الحقيقة واحتسبت ما يحدث من المرأة من نشوز فإن ذلك لن يضيع عند الله ﵎، فالمرأة كذلك يجب أن تتقي الله في زوجها.
الرسول ﷺ قال لهن: (لعل إحداكن تطول أيمتها في بيت أبيها، فإذا رزقها الله بزوج صالح يتقي الله فيه) أي: يطول انتظارها للزوج الصالح في بيت أبيها، فإذا رزقها الله الزوج الصالح بعد ذلك تبدأ تنشز عليه وتعصه.
فامرأة هلال بن أمية الواقفي أرادت أن تخدم زوجها ولا تعتزله وتتركه، فاشترط عليها النبي ﷺ بأن لا يقربها، فقالت: (والله ما به من حاجة إلى شيء) فهو يبكي أربعين يوماً لغضب الرسول ﵊؛ لأنه يخشى أن يحبط عمله.
قال: (فقال لي بعض من أهلي: ألا تستأذن رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال أن تخدمه أيضاً) لاحظ الذين لا يتركون الناس في حالهم، فعندما قال الصدق ظلوا وراءه حتى قال: (هممت أن أرجع فأكذب نفسي)، وهم نفس الجماعة الذين قالوا له: (ألا تستأذن رسول الله ﷺ في امرأتك أيضاً).
مداخلة: ألا يكون هلال بن أمية من المعذورين لكبر سنه؟
الجواب
لا؛ لأن الجهاد كان فرض عين ولا يعذر من يتخلف عن الجهاد إلا من لا يستطيع أن يجاهد، وليس بالضرورة أن كل المجاهدين يقاتلون لا، فقد يكون في الساقة، يسقي ويخدم ويداوي الجريح، والمهم أنه لم يكن به مرض أو علة تمنعه من الخروج والنفير في سبيل الله ، لذلك لم يكن ممن عذر الله، وإلا لو كان ممن عذر الله لما حصل له ما حصل، وسياق الحديث يدل على أنه خرج من هؤلاء الذين عذرهم الله ﵎.
مداخلة: هل معنى ذلك أنه كان مريضاً؟ الجواب: لا، ونحن ما نقول إنه مريض وعندما قالت امرأته: (شيخ ضائع) فلا تعني أنه مريض، لا، ومعنى ضائع: رجل كبير، وقد يكون الرجل كبير السن ولكنه صحيح، فقال كعب لما قيل له: (ألا تستأذن رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال أن تخدمه؟ فقال والله لا أستأذنه، وماذا أقول له وأنا رجل شاب) يعني: لا يملك إربه كما يملك الشيخ الكبير إربه، قال كعب: (فمرت علينا خمسون ليلة، وبينا أنا أصلي على ظهر بيت من بيوتنا) واستدل بهذا بعض الناس على عدم وجوب صلاة الجماعة، بدليل: أن كعب بن مالك لم يشهد الجماعة في المسجد، وكان يصلي على ظهر بيته، ولا حجة لهم في هذا، والمسألة أمرها يطول.
стр. 269
كعب وفرحته بتوبة الله عليه
قال: (فبينا أنا أصلي الفجر على ظهر بيت من بيوتنا؛ إذ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته) أوفى أي: اقترب من جبل سلع، (يا كعب بن مالك! أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعلمت أنه جاء فرج) في هذا دليل على مشروعية سجود الشكر، وأن الإنسان إذا جاءه خبر سار، أو رأى ما يسره أن يخر ساجداً لله ﵎، وهذا الموضع دليل على هذا الحكم.
وأيضاً في واقعة أخرى عن علي بن أبي طالب ﵁، لما قتل ذا الثدية، فلما قتل قال علي بن أبي طالب: (التمسوه فوالله ما كذبت ولا كُذِّبت، فالتمسوه فوجدوه مقتولاً بين القتلى، فخر ساجداً شكراً لله ﵎.
قال: (فعلمت أنه جاء فرج) وفي بعض الروايات الأخرى قال: (فأرسلت لي أم سلمة من يهنئني، وكانت بي بارة) أي: أن أم سلمة كانت تبر كعب بن مالك، فأول ما عرفت بنزول الوحي أرسلت رجلاً إلى كعب بن مالك يبشره، ولكن هذا الصارخ على جبل سلع كان أول من وصل إلى كعب، وفي هذا دليل على استحباب المبادرة والمسارعة إلى تبشير المسلم فهذا يدل على الحب، كوننا نتسابق أن نبشره، هذا يدل على أن هناك نوعاً من المحبة والمودة بيننا.
(قال: فجاءني الرجل، وكان الصوت أسرع من الفرس) فهذا الرجل لشدة فرحته صوته كان أسرع من الفرس، وهذا يدل على مدى شفقة المسلمين وحبهم لبعضهم، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] أي: لا يتتبعون عثرات بعض، ويعذروا بعضهم، ويلتمسون لإخوانهم العذر، كما قال الحسن البصري ﵀: (إذا جاءك عن أخيك ما تكرهه فقل: له عذر) جزماً وقطعاً معه عذر، (فإن لم تجد له عذراً فقل: لعل له عذراً) وأجل محاكمة أخيك إلى أن تلتقي به، ولكن مجرد أن تلقاه لا تتهمه أيضاً، ولا تبادر بالاتهام، لكن قل: بلغني عنك كذا وكذا وأنا استبعدته، فهل ذلك صحيح؟ فقد يقول لك: نعم هذا صحيح، وأنا تورطت فسامحني، أو يقول لك: أنا لم أقل.
المهم أنه سيجلِّي لك الأمر فأنت بعد أن يحصل عندك نوع من المواجهة بينك وبينه تقيِّم خطأه، وتقول بينك وبين نفسك: كلامه مقنع أو غير مقنع، ثم تبدأ تقيِّم جرمه، ولكن أذكرك دائماً بقول من قال من سلفنا: (إن من النبل أن يكون عفوك أوسع من ذنب أخيك)، وهذا النبل إنما يحرزه كرام الناس، يقول: الشاعر: والعذر عند كرام الناس مقبول.
سوء الظن تكسب به سيئات، وحسن الظن تكسب به حسنات، وسوء الظن إما أن يكون في محله أو في غير محله، وحسن الظن إما أن يكون في محله أو في غير محله، فإن أسأت الظن فكان في محله لم يكن لك ولا عليك، فإن لم يكن في محله أثمت، حسن الظن إن كان في محله أُجرت، وإن لم يكن في محله ازددت أجراً، فسوء الظن يدور ما بين عدم الأجر والإثم، وحسن الظن يدور ما بين الأجر وزيادته، فتعبّد الله بحسن ظنك بأخيك؛ لأن هذا نابع من المحبة الصادقة، وأولى الناس أن تجد له عذراً أخوك الذي تحبه ويحبك، وقد كان بين الصحابة قصص كثيرة جداً في هذا الباب، بعضها يستجلب دمعك ولو لم يكن في محجريك قطرة من الدمع، للصورة الباهرة التي كانت بين الصحابة رضوان الله عليهم.
قال كعب: (فجاءني الرجل فهنأني، فخلعت عليه ثوبيَّ، والله ما أملك غيرهما يومئذ) وفي هذا دليل على استحباب إعطاء البشير، عندما يأتي يبشرك ببشرى شيئاً لهذه البشرى، وكعب بن مالك أعطاه كل ما يملك من الثياب آنذاك، وكانوا يلبسون إزاراً ورداءً، وهذا معنى ثوبيه، وليس معناه أنه خلع الذي عليه ودخل وأحضر الذي في الداخل، لا، فالصحابة كانوا فقراء، وكان الواحد منهم يلبس إزاراً وقد لا يكون عنده رداء، قال: (واستعرت ثوبين).
وهذا يدل على أنه ليس في البيت أي ثياب أخرى.
стр. 270
النبي ﷺ وفرحه بتوبة كعب
قال كعب: (ثم جئت النبي ﷺ والمسلمون حوله، فقال لي: وهو يبرق وجهه من السرور) هنا أيضاً يلتحق بنفس المعنى الأول، وكعب عبر عن الرسول ﷺ بتعبيرين، قال: (يبرق وجهه من السرور) فشعر كعب أنه مسرورٌ له أكثر منه، فازداد له حباً، وفي الوصف الثاني في نفس الحديث قال كعب: (وكان النبي ﷺ إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر) وهذا شيء يُحسد عليه الصحابة كونهم عايشوا النبي ﷺ ورأوه بالأعين، وفي الأدب المفرد قال رجل للمقداد بن الأسود: (طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ .
وأحد الصحابة -وأظنه جابر بن سمرة - قال: (كنت مع النبي ﷺ في ليلة أضحيان) أي: القمر كان بدراً ليلة أربعة عشر أو خمسة عشر من الليالي القمرية قال: (فجعلت أنظر إلى البدر تارة وإلى وجه النبي ﷺ تارة، والله! لكان في عيني أجمل من البدر) المحب هكذا يرى كل شيء فيمن يحب جميلاً، ولا يرى في المحبوب سيئة أبداً.
جاء رجل إلى الحسن البصري وكلمه بكلام لم يتوقعه الحسن، كأنه طعن في الحسن - الحسن كلامه يشبه كلام الأنبياء، ويقال في بعض الأخبار: أنه رضع من أم سلمة ﵂ فعاتب الناس الرجل، فقال الحسن (لله دره إنه أحسن إليَّ إذ لم يذكر أكثر من ذلك).
فقال له: أنت لم تقل شيئاً، والذي تركت ذكره تفضلاً أعظم من الذي ذكرته، فأرجع المسألة إلى إحسان، لذلك إذا أردت أن تأسر إنساناً أحسن إليه، ولا تبادله السيئة بالسيئة أبداً، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
قال كعب: (فقال لي رسول الله ﷺ : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، فقلت: يا رسول الله! أمن عند الله، أم من عندك؟ قال: بل من عند الله)، وقد يستشكل هنا ويقال ما الفرق؟ وهل الرسول ﵊ يأتي بشيءٍ من عنده؟ وهو لا ينطق عن الهوى، فما الداعي للسؤال؟ ولماذا فرّق؟ قبل أن أجيب أذكر واقعة شبيهة بهذا ففي حادثة الإفك لما تكلم المرجفون في المدينة على عائشة ﵂ واتهموها أنها أتت الفاحشة مع صفوان بن المعطل السلمي، وخاضوا في عرضها، والنبي ﵊ جفاها قليلاً، وهي كانت مستشعرة بجفاء الرسول ﵊، لكنها لا تدري ما السبب، بالذات وكان الرسول ﵊ يزداد حنانه لها عندما تكون مريضة، فهي مرضت في حادثة الإفك، والناس كلهم يعرفون الخبر وهي لا تعرف شيئاً، حتى علمت عائشة ﵂ بعد مضي فترة من الزمن من أم مسطح، قالت: (فازددت مرضاً على مرضي) وبعد أن علمت فهمت لماذا الرسول ﵊ لم يكن بذاك كما عهدته، فكان يدخل عليها وأمها عندها وأبوها أبو بكر الصديق عندها ويسلم ويقول: (كيف تيكم؟) تيكم: اسم إشارة، أي كيف حال هذه؟ وعائشة لم تعتد على هذا الكلام، وقبل أن تنزل براءتها مباشرة جاء الرسول ﵊ إليها وهذه أول مرة يجلس عندها من حين خاض الناس في حديث الإفك، جلس على طرف السرير وأبو بكر جالس وأم رومان أمها زوجة أبي بكر الصديق جالسة، فتشهد الرسول ﷺ ، وقال: (أما بعد -وأما بعد هذه فصل الخطاب كما يقال- يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه) ما معنى هذه الكلمة؟ فيها كأنه اتهام ضمني لـ عائشة أنها فعلت الذنب، لما يقول لها: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري) بمجرد أن الرسول ﵊ قال هذه الكلمة، قالت: (فقلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة -جفت الدموع تماماً- ثم قالت: وكنت جارية لا أقرأ كثيراً من القرآن -لا تحفظ كثيراً- والله لو قلت لكم: إني فعلت والله يعلم أني ما فعلت لتصدقنني، ولو قلت لكم: إنني ما فعلت والله يعلم أنني ما فعلت لا تصدقونني، والله ما أجد لي معكم مثلاً إلا قول أبي يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، قالت عائشة: وتاه عني اسم يعقوب -من الحزن، ولم أستطع استحضاره، قالت: ثم تحوّلت فنزلت البراءة من السماء مباشرة -فـ أم رومان أول ما نزلت البراءة ذهبت إلى عائشة وقالت لها: قومي إليه فاحمديه) وفي بعض الروايات قالت: (يا رسول الله! أمنك، أم من الله؟ قال: بل من الله -نفس كلام كعب - فقامت أم رومان فقالت لها: قومي إليه فاحمديه، قالت: والله لا أحمده ولا أحمد إلا الله إلى آخر الحديث، وهو حديث طويل وجيد.
فهنا كعب بن مالك يقول للرسول ﵊: (أمن الله، أم من عندك؟) مع أنه يستوي عند كعب وعند غير كعب أن يكون الرسول ﵊ هو القائل حتى يكون من عند الله، لقوله ﵎: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا﴾ [النجم:٣ - ٤] إن: نافية ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا﴾ [النجم:٤] أي: ما هو إلا ﴿وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]، فالصحابي حين يقول هذا فهو نوع من تأكيد القول وليس للشك أو التفريق، ونوع من تأكيد البشارة، ولو قال النبي ﵊ له: أبشر وعفا عنه، لعلم كعب بن مالك أنه معفو عنه، فما كانوا يرتابون في ذلك، ولكن إذا قال: مني مثلاً، فقد يردفه كعب بسؤالٍ آخر، وهل الله راض؟ إذاً فهو لما قال: (أمن عند الله أم من عندك؟) ليس شكاً أبداً، إنما يقصد لكي يستقر قلبه تماماً، ويعلم أن الله ﵎ راضٍ عنه.
فلما سمع كعب بن مالك هذا (قال: يا رسول الله! إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله) انظر الاستعداد الموجود عند الصحابة، فهو يريد أن ينخلع من ماله كله، شكراً لله ﵎؛ لأنه تفضل عليه بالتوبة، فقال ﵊: (أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك) يوضح هذا قوله ﵊ لـ سعد بن أبي وقاص: (إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
والحديث فيه فوائد أخرى، لكن الوقت ذهب.
فنسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بالعلم، وأن يوفقنا إلى العمل بما سمعنا، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 271
حكم التهنئة وفضل المبادرة إليها
الثالثة قوله: (فقام إلي فصافحني وهنأني) كلمة (وهنأني) دليل على مشروعية التهنئة بما يسر المسلم، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، ولهم في ذلك آثار معروفة ذكرها السيوطي في رسالة له لطيفة اسمها (بلوغ الأماني بوصول التهاني)، ذكر فيها الآثار التي فيها صحيح وضعيف -ولا أصل له عن الصحابة ﵃ يوم كانوا يهنئون بعضهم في الأعياد وفي المناسبات التي تسر المسلم.
مداخلة: هل هناك صيغة معينة للتهنئة؟ الشيخ: ليس هناك صيغة معينة في التهنئة، بل ما تعارف عليه أهل البلد، إلا أن يكون هناك في الكلمة معنى غير مشروع، وفي هذه المسألة تذكرت سؤالاً وجه لبعض علمائنا في الحجاز، فقد سئل شيخنا هذا: هل يجوز أن يقول الرجل لأخيه عندما يذهب لتعزيته: البقية في حياتك؟ قال: نعم، لا أرى من ذلك مانعاً.
ويبدو أن الشيخ لم يتصور المعنى، فمعنى البقية في حياتك، ماذا؟ أي: أنه مات ناقص العمر، فالذي ذهب من عمره ينضم إلى عمرك إن شاء الله.
هذا معناها أي: هو يسأل الله ﵎ أن يضم إلى عمر هذا الإنسان ما فات من عمر الميت، وهذا معنى لا يجوز وهو مضاد لصريح الكتاب والسنة، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
مداخلة: هل يجوز تهنئة غير المسلم في العيد؟ الشيخ: لا، لا يجوز تهنئة غير المسلم في العيد، ولا يجوز تعزية غير المسلم في الحزن.
قال: (ولست أنساها لـ طلحة) وهذا يدل على أن القلوب جبلت على حب الإحسان، وكون كعب بن مالك يحمل هذا الجميل لـ طلحة بن عبيد الله، يدلك على أن المسارعة في التهنئة تحفر في القلب أثراً، والله ﵎ يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] إشارة إلى أن الإحسان يأسر العبد الذي حسنت إليه، ولذلك قال من قال: (ليس هناك حِملٌ أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك)، كلام كالذهب.
(ليس هناك حملٌ أثقل من البر) فالإنسان عندما يكون فضل له عليك فأحياناً يخطئ عليك وأنت تقول: لولا أنه عمل معي كذا وكذا لكنت رددت عليه، فلذلك أنت تحفظ الجميل، فلا تستطيع أن ترد عليه؛ لأن الرجل أسرك بالجميل، وهذا شيء فطر عليه الإنسان.
ففي حديث المسور بن مخرمة الحديث الطويل في صلح الحديبية الذي أخرجه الشيخان: أن عروة بن مسعود الثقفي وكان كافراً فذهب إلى قريش وقال لهم: دعوني آت محمداً ﷺ ، فأعرض عليه ما تقولون، فجاء عروة بن مسعود الثقفي والصحابة حول النبي ﵊ فقال: (يا محمد! إنها واحدة من اثنتين، إما أن تغلبهم -أي: إذا دخلت في حرب بينك وبين قريش وغلبتهم- فهل سمعت رجلاً اجتاح قومه قبلك -يعني أسمعت أن أحداً فعل في قومه ذلك؟ - وإن كانت الأخرى -أي: أنهم يغلبوك- فوالله ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك).
فعندما قال هذه الكلمة: (سمع من يقول له: أنحن نفر وندعه، امصص ببظر اللات) فهذه كلمة شديدة جداً، فعاب آلهتهم أنها أنثى، ثم طعن في موضع العورة أيضاً، فقال عروة بن مسعود: (من هذا الذي يتكلم؟ فتبسم الرسول ﷺ وقال: إنه ابن أبي قحافة) يعني: أبا بكر الصديق، واسمه عبد الله بن أبي قحافة، فقال له عروة بن مسعود لـ أبي بكر: (لولا أن لك عليَّ يد لأجبتك) فهذا يدل على أن كل الناس مسلمهم وكافرهم فطروا على محبة الإحسان، حتى الكلاب، كما قال الشاعر: يمشي الفقير وكل شيء ضده والناس تغلق دونه أبوابها حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى حنَّت إليه وحركت أذنابها وإذا رأت يوماً فقيراً ماشياً نبحت عليه وكشرت أنيابها فالكلب إذا رأى المحسن إليه تراه يهز ذيله، وهذا شيء كما قلت يفطر عليه المخلوق.
(من برك فقد أوثقك) طالما أنه دائماً يحسن إليك، ولم يصلك منه إساءة (ومن جفاك فقد أطلقك)، أي: لو أن شخصاً يشتمك دائماً، فافعل فيه ما تريد، فلن يلومك أحد، لماذا؟ لأنه ليس له عليك يد.
فلذلك التهنئة في الأعياد، والتعزية في الأحزان، مهمة جداً، ولها وقع السحر في النفس، فالشخص عندما يرى أنك مسرور له أكثر منه لا ينساها لك، وحين يرى أنك حزين أكثر منه أيضاً لا ينساها لك، لذلك لما قام طلحة مسروراً وصافح كعب بن مالك قال كعب: (لست أنساها لـ طلحة).
стр. 272
حكم المصافحة والمعانقة
المسألة الثانية: المصافحة، ومنها قوله ﵊: (إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت ذنوبهما كما يتحات ورق الشجر) فالمصافحة لها فضيلة، وأول من أتى بالمصافحة هم الأشعريون وهم أبو موسى الأشعري وقومه الذين جاءوا من اليمن.
ولكن العناق لا يشرع، هذا الذي كنت سأتكلم عليه والحقيقة هذا البحث قد تكلمت عليه كثيراً، أن الذي يشرع إذا التقيت بأخيك أن تصافحه فقط، إنما الضم بالأحضان والحاجات هذه كل هذا لا يكون إلا في موضع سنذكره.
وقد سئل النبي ﷺ كما في سنن الترمذي: (إذا لقي المسلم أخاه أيقبله؟ قال: لا، أيلتزمه؟ قال: لا، أينحني له؟ قال: لا، أيصافحه؟ قال: نعم)، فلمّا يُسأل النبي ﷺ : (أيلتزمه؟ ويقول: لا)، فكيف بالمسلم بعد هذا أن يخالف فمن يقابله يأخذه بالأحضان والنبي ﵊ نهى عن ذلك!! ولكن إذا قابلت أخاك بعد سفر يمكن لك أن تلتزمه، وقد ورد في ذلك قصة رواها الإمام البخاري في صحيحه معلقة، لكنه وصلها في الأدب المفرد، وهي في مسند الإمام أحمد وغيره أن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: (بلغني أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ عنده حديث عن رسول الله ﷺ ليس عندي، قال: فابتعت بعيراً -اشترى جملاً- وركبته شهراً) حتى دخل البلد ووصل إلى بيت هذا الصحابي، وهذا الصحابي هو عبد الله بن أنيس ﵁.
قال: (فلما ذهبت إلى داره خرج لي الخادم، قلت: عبد الله بن أنيس -في البيت- قال: من أنت؟) وفي بعض الروايات: قال: (فدخل ثم خرج، قال له: من أنت؟ قال: فقلت له: جابر، فقال: ابن عبد الله؟) وقد افترقوا بعد موت الرسول ﷺ في الأمصار يعلمون الناس العلم والقرآن، (قال: فخرج إليَّ فالتزمني واعتنقني، قال: ما جاء بك؟) ثم ذكر بقية الحديث إذاً: يشرع للإنسان إذا قابل أخاه بعد سفر أنه يأخذه ويلتزمه، وإذا لم يكن هناك سفر ولا غياب طويل فالأصل أن المسلم إذا قابل أخاه يصافحه فقط.
فلذلك اقتصر طلحة بن عبيد الله على المصافحة، مع أن الموضع هذا من المواضع التي يحصل فيها العناق، بمفهومنا نحن، فهذا رجل تاب الله عليه.
والرسول ﵊ قال: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك) أي: أفضل حتى من يوم الإسلام، فهذا إذا كانت المسألة بالعقل والاستحسان لكان أولى المواضع أنه يقبله.
مداخلة: هل الالتزام يختص بالرجل والمرأة سواء؟
الجواب
نعم، الأحكام الشرعية يستوي فيها الكل، يعني: فإذا ذكرنا حكماً شرعياً فيستوي فيه الكل، يعني والأصل في أحكام الشرع كذلك، إلا أن يقوم دليل يبين أن النساء لهن كذا والرجال لهم كذا، أما إذا لم يكن هناك دليل فالأصل أن الحكم يشمل كل مسلم، وكلمة (مسلم) اسم جنس، أي: يدخل تحته مسلمة أيضاً.
стр. 273
حكم القيام للداخل
(قال: وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس أفواجاً أفواجاً يهنئونني بتوبة الله عليَّ، حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جلس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله فصافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ من المهاجرين غيره، ولست أنساها لـ طلحة) ثلاث مسائل في قوله: (فقام إلي طلحة فصافحني وهنأني): الأولى: قوله (فقام إليَّ) فهل يشرع القيام للداخل؟ القيام للداخل منه ما هو مشروع ومنه ما هو محرم، فالمحرم هو الذي يدخل تحت قوله ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً)، وفي الرواية الأخرى: (من سرّه أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) فالرسول ﵊ علّق عقاب هذا الرجل على محبته وسروره لقيام القادم له وهذا الحكم فيه مشكل؛ لأن المحبة والسرور مسألة قلبية، فمن أين لي أن أعلم أن هذا الإنسان يحب أو يسر بذلك؟ فهذا الحب والسرور محجوبٌ عني، وإذا علِّق الحكم بمثل هذا لا تستطيع أن تصل فيه إلى نتيجة.
فيقال: الجواب عن ذلك: أن الشارع إذا علّق العقوبة على أمرٍ قلبي، فمثل هذا ينصب عليه قرينة في الخارج تدلل على ذلك الذي حُجب في القلب، فأنت حينئذٍ تبني الحكم على القرينة التي في الخارج، وليس على قلب هذا الإنسان، والتفصيل الذي يوضح ذلك: (من سرّه) فلو أن شخصاً دخل وأنت لم تقم له فغضب فغضبه هذا ظاهر أم خفي؟ ظاهر فهذه هي القرينة التي بينت، وهذا الرجل لو كان القيام وعدمه يستوي عنده، أكان يغضب إذا لم تقم؟ لا، إذاً غضب هذا الإنسان لأنني لم أقم دلني على أنه ممن يحب أن يتمثل الناس له قياماً، فإذا نُصِب غضبه كقرينة خارجية حينئذ أستطيع أن أحكم عليه بهذا الذي ظهر منه على ما بطن من أمره، لذلك نحن ننصح إخواننا من المدرسين أن يمنعوا التلاميذ من القيام لهم إذا دخلوا الفصول، فهذه عادة جاهلية ليس فيها أي احترام، فالذي يقول: إن قيام التلميذ هذا دليل الاحترام ليس عنده فقه عن الشرع، ولا وسائل الاحترام، فالاحترام ما كان يوماً في القيام، ولما يعاقب الأستاذ التلميذ الذي لم يقم؛ فهذا ممن ينطبق عليهم الحديث: (من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، فلولا أن جلوس هذا التلميذ ساء هذا الأستاذ لم يعاقبه، وفي كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري، وصححه الإمام الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: (ما كان في الدنيا شخص أحب إلى الصحابة رؤية من رسول الله ﷺ ، وما كانوا يقومون له، لما كانوا يعرفونه من الكراهة في وجهه).
بعض الناس احتج بالحديث الذي في الصحيح: أن الرسول ﵊ قال: (قوموا إلى سيدكم) ويرويه بعضهم بالمعنى رواية ليس لها أصل: (قوموا لسيدكم).
ويستدل على جواز القيام!! فنقول: إن هذه الرواية لا أصل لها لا في الصحيح ولا في غير الصحيح، إنما الرواية الصحيحة: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه).
وهذا الحديث له قصة، وهي: أن سعد بن معاذ ﵁ جُرح في غزوة الأحزاب وكان جرحه ينزف دماً، فحملوه على الناقة، فلما وصلوا إلى الرسول ﵊ قال للأوس: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)؛ لأنه لا يستطيع النزول، فقد أصيب في أكحله، فهم يعينونه على النزول، إذاً الحديث ليس فيه دليل على جواز القيام، وقد يقولون: إن الرسول ﵊ قام لـ زيد بن حارثة كما عند الترمذي وحسّنه: (أن زيد بن حارثة استأذن على النبي ﷺ في المدينة، فقام إليه يجر إزاره) نقول: إن القيام للداخل القادم من سفرٍ يشرع، وقد يكون القيام أيضاً لحالة أخرى، وهو أن تستقبل ضيفك فتجلسه، كما صح أن النبي ﵊: (كان إذا دخلت عليه فاطمة قام إليها فأجلسها مكانه).
إذاً: القيام المنهي عنه هو القيام على سبيل الإعظام والتكريم، ومما أذكره في هذا المقام ما رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة الإمام العلم المفرد علي بن الجعد، قال علي أرسل المأمون إلى تجار الجوهر في بغداد) المأمون هو أمير المؤمنين ويريد أن يشتري ذهباً، بمعنى أنه لن يشتري له شيئاً هيناً، (فأرسل للتجار وناظرهم) أي: على السعر، وبعد أن ناظرهم قام وقضى حاجته، ورجع فدخل المجلس فقاموا جميعاً إلا علي بن الجعد -وعلي بن الجعد إمام كبير من تلاميذ شعبة بن الحجاج، ومن مشايخ البخاري وغيره- لم يقم؛ لأنه من أهل العلم، ويعرف أن القيام لا يجوز، فلما قاموا جميعاً وهو لم يقم، غضب المأمون وناداه فقال: ما حمل الشيخ على ألا يقوم كما قام الناس؟ قال: أجللت أمير المؤمنين لحديث عندي عن رسول الله ﷺ ، قال: وما ذاك؟ قال: حدثني المبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن -أي: البصري - يقول: قال رسول الله ﷺ : (من أحب أن يتمثل الرجال له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) قال: فأطرق المأمون ساعة في الأرض ثم قال: ما ينبغي لنا أن نشتري إلا من هذا الشيخ قال: فاشترى مني في ذلك اليوم بثلاثين ألف دينار، فصدق في علي بن الجعد قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
فتعظيمك لأمر النبي ﵊ يعطي لك الهيبة في قلب مخالفك فضلاً عن موافقك، فلا تتصور أنك إذا عظّمت الله ورسوله أنك تُحتقر، أبداً والله، فالمخالف يعظِّمك، ولكنه لا يظهر هذا التعظيم، لماذا؟ لأنه يريد أن يعاندك نكاية فيك، الذي يقول الحق له وعليه يجعل الله ﵎ له من المهابة في قلوب الناس ما لا يجعله للذي يرضي الناس بسخط الله.
стр. 274
كيف تصلي
إن الصلاة هي عماد الدين، أمر الله جل وعلا عباده بإقامة الصلاة، ومفهوم الإقامة في الشرع هو أن يؤدي العبد الصلاة كما أمر الله في أوقاتها مع الجماعة، وأن يخلص فيها لله ، وأن يصلي بالهيئات والكيفيات التي كان يصلي بها النبي ﷺ ، إذ لا يجوز للعبد أن يقلد في صلاته أحداً غير رسول الله ﷺ .
стр. 275
معنى إقامة الصلاة في الشرع
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
قال الإمام مسلم ﵀: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر (ح) وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري وهذا حديثه، حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﵌ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم -وذكر من شأنهم- وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه).
نتكلم اليوم مع أعظم الأركان العملية وهي الصلاة، والأمر بالصلاة في كتاب الله ، وفي كلام النبي ﷺ ليس أمراً مجرداً، بل هو أمر له وصف، فإن الله إذا أمرنا في القرآن بأن نصلي قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٧٨] فكلمة (أن تقيم الصلاة) ليس معناها أن تصلي، بل إقامة الصلاة قدر زائد على مجرد الصلاة، وهي الصلاة التي عناها رسول الله ﷺ في الحديث لما قيل له: (إن فلاناً يصلي ويسرق! قال: ستنهاه صلاته يوماً) أي: إن العبد إذا أقام الصلاة نهته، وهذه الإقامة هي المعنية بقول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فالصلاة المحلاة بالألف واللام تفيد العهد أنها صلاة بعينها، أمر الله بها، والتي لو أقمتها كما أمر الله بها؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وليس مجرد أي صلاة، فإننا نرى رجالاً يصلون ويرابون ويسرقون ويزنون، فهؤلاء ما أقاموا الصلاة.
وإذا أردت أن تقيم الصلاة فامتثل قول النبي ﷺ لـ مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فإذاً نحن ملتزمون بصلاة النبي ﵊، إذا أردنا أن نقيم الصلاة يجب أن نلتزم بها، فهل جماهير المسلمين اليوم يعرفون كيف كان يصلي النبي ﵊؟
الجواب
لا؛ لأننا ورثنا الصلاة، وما تعلمناها.
سل الذين يرسلون أيديهم في الصلاة ولا يضعونها على صدورهم كما هي السنة: آلنبي ﷺ أرسل يديه ولو مرة في حياته وهو القائل: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ومثل: (خذوا عني مناسككم) سواء بسواء؟ ما حجة أولئك في ترك أيديهم والنبي ﷺ قال: (أمرنا معاشر الأنبياء أن نعجل فطرنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) فكأنها سنة الأنبياء أن تضع اليمنى على اليسرى، لكن لما غلب التقليد على المتأخرين صاروا يتعاملون مع المذاهب الفقهية كأنها أديان متباينة، فعلامة المالكي أن يرسل يديه، وعلامة الشافعي أن يضع يديه على صدره، وجهل بعضهم فقال: إن ركعتي الشفع في المذهب الشافعي فقط؛ لأنها تواطئ اسمه.
وهذا شخص من جماعة الخروج -الذين يخرجون في سبيل الله- سألته مرة فقلت له: ما دليل الخروج؟ قال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] يعني فالذين لم يخرجوا جميعاً كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل: اقعدوا مع القاعدين، أي: لم ينج من هذا الذنب إلا هؤلاء الثلة الذين خرجوا، والباقون غضب الله عليهم وثبطهم؟! وهذا يذكرني عندما جاءت معاهدة السلام قيل لهم: ما الدليل؟ قالوا: (إن الله هو السلام)، (ادخلوها بسلام)، (تحية الإسلام السلام)، كلما وجدوا لفظاً يواطئ المعنى الذي يريدون استشهدوا به، بغض النظر عن السياق الذي ورد فيه اللفظ؛ حتى صاروا أضحوكة للعقلاء: أمور يضحك السفهاء منها ويبكي من عواقبها اللبيب فهؤلاء يقولون: ركعتي الشفع خاصة بـ الشافعي! ونقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] إذاً هذه قراءة مالك، فـ مالك يقرأ بها؛ لأن (مالك) وافقت اسم مالك! هذا كله بسبب أن الذين قلدوا المذاهب الفقهية اعتبروها كأنها دين مستقل، فالذين يرسلون أيديهم في الصلاة ما صلوا كما أمرهم النبي ﵊، فلو قلت لواحد: اركع، وأرني كيف يكون ظهرك إذا ركعت؟ لو قلت له: اسجد، وأرني أنفك هل يمس الأرض أم لا؟ ربما تجده يرفع أنفه من على الأرض وهكذا، فإذا سمعت قول الله : ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٧٨] لا بد أن ترجع إلى السنة لتعلم كيف كان النبي ﷺ يصلي.
والأصل في تعليم النبي ﵊ أنه يشمل الرجال والنساء معاً، فإن هذا النداء في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٥٣] يشمل الرجال والنساء معاً، وهذا الأمر (صلوا كما رأيتموني أصلي) يشمل الرجال والنساء معاً، فمن العجب أن بعض المذاهب الفقهية تقول: إذا سجد الرجل فليجاف يديه عن جنبيه وليبالغ، إلا المرأة فإنها تنجمع لأنها عورة! فنسألهم: هذا القول من أن المرأة يدخل بعضها في بعض إذا أرادت أن تسجد، ما دليله؟ وهل النبي ﵊ فرق فأمر النساء أن ينجمعن، وأمر الرجال أن يجافوا أيديهم عن جنوبهم؟ الجواب: لا، لا تجد على هذا أثارة من علم، بل الرجال والنساء معاً على السواء في المجافاة.
стр. 276
هيئات الصلاة الصحيحة
إذا أردنا أن نذكر صفة صلاة النبي ﷺ على التفصيل كما صلاها ﵊، فلم أجد كتاباً أفضل ولا أجود من كتاب شيخنا الإمام المحدث الكبير أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني ﵀، كتاب (صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها) وهذا الكتاب من الكتب المباركة -وهذا الحقيقة- الكتاب له عندي معزة خاصة جداً؛ لأن هذا الكتاب هو الذي فتح عيني على علم الحديث، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة.
في عام (١٣٩٥هـ) تقريباً مررت بعدما انتهيت من صلاة الجمعة في مسجد الشيخ عبد الحميد كشك ﵀ -مسجد عين الحياة- فمضيت أتجول عند باعة الكتب، وأنظر إلى ما يعرضونه من الكتب، فوقعت عيني على هذا الكتاب، فتناولته وقلبت صفحاته، وأعجبني طريقة تصنيفه، وأحسست بجزالة لم أعهدها في كل ما قرأت، ولفت انتباهي حاشية الكتاب -الحاشية التي خرج فيها الشيخ الألباني القسم الأعلى من الكتاب- فمثلاً يقول: (ويجافي يديه عن جنبيه) ثم يقول: أخرجه السراج، والبغدادي، وابن بشران أسماء لم تكن معهودة؛ فانبهرت بهذا الكتاب ولكن لم أستطع شراءه آنذاك لأنه كان باهض الثمن، كان بثلاثين قرشاً، فتركته وواصلت البحث، فوجدت جزءاً لطيفاً بعنوان (تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ للشيخ الألباني) أيضاً، فاشتريته وكان إذ ذاك بخمسة قروش، ومن إعجابي بالكتاب وانبهاري به قرأته وأنا ماشٍ من المسجد إلى مسكني في الطريق، مع خطورة هذا المسلك على من يمشي في شوارع القاهرة.
فلما قرأت الكتاب وجدته يدق بقوة ما ورثته من الصلاة عن آبائي، إذ وجدت أن كثيراً من هيئتها لا يمت إلى السنة بصلة؛ فندمت ندامة الكسعي حيث أنني لم أشتر الأصل، والكسعي رجل عربي يضرب به المثل في الندامة، وحكوا من خبره: أنه كان رجلاً رامياً ماهراً، فمرت به ظباء بالليل، وكان له قوس وكان شديد الاعتداد بها، فرمى الظباء بهذا القوس في الليل، فظن أنه أخطأ الظباء؛ فكسر قوسه، فلما أصبح وجد سهمه أصاب الظباء؛ فندم على كسر القوس، ويقال: إنه قطع إصبعه من الندم.
حسناً: كتاب صفة صلاة النبي ﷺ من أسهل الكتب، ويجب على المسلمين أن يقرءوا هذا الكتاب حتى يقيموا الصلاة، فالإنسان عندما يقف بين يدي الله ﵎ يقبح به أن يصلي على غير ما أُمر، وقد قصد القربى والزلفى إلى الله ، وإن مثل الذي يعبد الله ﵎ بما لم يشرعه ولا رسوله ﵊ كمثل الذي عبد الله ﵎ بلا شيء، مثل المخترع.
стр. 277
الإشارة بالسبابة أثناء التشهد
وفي التشهد الأوسط يفترش فيجلس على رجله اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، وينظر إلى موضع سجوده، ويحرك السبابة في أثناء قراءته للتشهد حتى ينتهي أو حتى يقوم، وقد ورد في هذا حديث زائدة بن قدامة، وهذه الزيادة ليست شاذة بل هي زيادة صحيحة -زيادة التحريك- والتحريك: أن تجعل يدك بشكل واحد وخمسين، وتضعها على ركبتك، وتنصب هذا الإصبع إلى القبلة وتحرك.
والبعض الآخر -بالرغم أننا نبهنا كثيراً على هذا- يحرك إصبعه بمزاجه لا، التحريك هذا غير صحيح؛ لأن هذا فيه صرف الإصبع عن القبلة، والحديث فيه أن النبي ﷺ حرك، لكن في نفس الوقت لم يلفت إصبعه عن القبلة، وبعضهم يقول لك: يعمل حلقة طوال الصلاة في التحريك، وهذا هو الذي فهمه، والتحليق إنما هو خاص بالأصبع الوسطى والإبهام والسبابة التحريك فقط، فالواحد لو حرك إصبعه يحركه هكذا باتجاه القبلة.
أما الذين يقولون: إن التحريك يكون في النفي والإثبات فهذا لا أصل له، يعني: يظل واضعاً يده على ركبته، أول ما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، يرفع إصبعه في الإثبات ثم يضعها ثانية هذا لا أصل له، بعض الناس يحرك يديه الاثنتين، وكان سعد بن أبي وقاص يفعلها، فقال له النبي ﷺ : (أحد أحد!) لأنك توحد فلا تحرك بالثنتين، إنما حرك بواحدة.
وبعض الناس إذا أراد أن يسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويشير بيديه هكذا، يحرك يديه كأنه يقول: تم لا، الإنسان إذا أراد أن يسلم لا يحرك يديه، إنما تكون يداه ثابتتين على رجليه ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده، تلتفت لفتة حتى تحس أن بياض خدك يراه الذي خلفك، وتقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
стр. 278
الخروج من الصلاة بتسليمة أو تسليمتين
يجوز الخروج من الصلاة بتسليمة واحدة، بعض العلماء يقول: بتسليمة واحدة، يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويخرج، فيكون خرج من الصلاة، والتي هي التسليمة اليمنى وهي فرض، والأعمش ﵀ عندما كان يحدث بهذا الحديث فسأله رجل: أرأيت لو كان عن يساري رجل ثقيل؟ قال: يكفيك تسليمة واحدة، فبعض الناس ظن أن الأعمش قالها على سبيل المزاح لا، الأحكام الشرعية ما فيها مزاح، إنما ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﵊ كان يسلم تسليمة واحدة ويخرج من الصلاة بها.
وبعض العلماء قال: يلتفت إلى اليمين وإلى اليسار أيضاً لكن بتسليمة واحدة، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هكذا، لكن يلتفت إلى الجهتين، والظاهر أن الوضع الأول هو الأساس؛ لأن كلمة يسلم تسليمة واحدة لا يفهم منها أنه كان يوجه ناظريه إلى الجهتين، إنما يسلم على اليمين ويسلم على اليسار، ثم قال: وربما اقتصر على واحدة، فلا يتصور حينئذ بعد قوله: (يقتصر على واحدة) أنه التفت اللفتتين.
стр. 279
صفة القيام إلى الركعة الثالثة
القيام من السجود إلى الركعة الثانية كيف يكون؟ هل على قبضة اليد أو على راحتها؟ فنقول: كافة العلماء يرون أنه على راحة اليد، والشيخ الألباني ﵀ يرى أن الاعتماد يكون أيضاً على قبضة اليد كما لو كنت تعجن، وذكر في ذلك حديثاً وصححه -وأصاب في تصحيحه- في كتاب: تمام المنة في التعليق على فقه السنة، فمن فعل اقتداءً بهذا الإمام فنحن لا ننكر عليه، وإن كنت أقول دائماً: في مواطن الخلاف خذ بالأحوط، يعني: أنت إذا قمت على راحة اليد لا تلام لا من قبل الشيخ الألباني، ولا من قبل المخالفين له؛ لأنك إذا قمت على راحة اليد فعلت المتفق عليه بين الكل.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 280
جلسة الاستراحة
فإذا أراد أن يقوم جلس جلسة الاستراحة إذا كان في وتر من صلاته، وذلك بعد الركعة الأولى والثالثة؛ لأن بعد الركعة الثانية والرابعة تشهد وهو جالس، فالنبي ﵊ كان إذا كان في وتر من صلاته لا يقوم حتى يستوي قاعداً، أي: لا يقوم مباشرةً، إنما يقوم فيقعد لحظة صغيرة جداً ثم يقوم، هذه اسمها جلسة الاستراحة عند العلماء، واستحبها مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
هذا إذا أراد أن يقوم، فإذا كان جالساً جلسة استراحة يفترش ولا يقعي، الإقعاء خاص بين السجدتين فقط، فإذا أراد أن يجلس جلسة الاستراحة يفترش ويقوم للركعة الثانية وهو مفترش، ويفعل في كل صلاة مثلما فعل في الركعة الأولى.
وإذا قام من التشهد الأوسط يرفع يديه، وموضع الرفع في ثلاثة مواضع: إما أن ترفع وأنت جالس قبل أن تقوم، وإما أن ترفع بعدما تقوم، وإما أن ترفع حال القيام، وأنا رأيت الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ يرفع يديه بعد التشهد الأوسط إذا أراد أن يقوم وهو جالس.
стр. 281
ضم العقبين حال السجود
إذا أردت أن تسجد مرة أخرى يمكن أن ترفع يدك أحياناً وليس دائماً، وتسجد مثلما سجدت في السجدة الأولى.
كذلك على الإنسان أن يضم عقبيه حال السجود؛ لأن بعض الناس يفرج بين رجليه أثناء السجود لا، هو إذا أراد أن يسجد يضم عقبيه هكذا، وأصابع رجليه تكون متجهة للقبلة في حال السجود كذلك، لكن يرص عقبيه كما جاء في الحديث بيان ذلك.
стр. 282
صفة السجود وهيئته
ثم في أثناء السجود ينصب فخذه، ولا يلصق حتى يجعل موضع السجود قريب جداً من موضع ركبتيه، كذلك ولا يجعل موضع السجود بعيد جداً بحيث يفرد جسمه، إنما ينصب فخذيه.
وقلنا: يضم أصابعه ويوجهها إلى القبلة، ويمكن في السجود جبهته وأنفه، ولا بد أن يمس الأنف الأرض، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵊: (لا صلاة لمن لم يمس أنفه الأرض) فالأنف والجبهة يسجدان ولابد من تمكينهما.
ثم يرفع فيطمئن حتى يرجع كل عظم إلى مكانه، وله أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه لكن ليس دائماً.
стр. 283
كيفية الجلسة ما بين السجدتين
في حالة الجلوس بين السجدتين هناك جلستان: جلسة الإقعاء، وجلسة الافتراش، الإقعاء: أن يقعد على أمشاط رجليه، بشرط أن يضم رجليه، ولا يباعد بينهما ويجعل إليته فوق القدمين والاقعاء المنهي عنه: أن يقعد الإنسان على أمشاط قدميه ويباعد بين رجليه، ويجعل إليته بين الرجلين هذا اسمه إقعاء الكلب، وهذا هو المنهي عنه، لكن الإقعاء المرخص به بين السجدتين أنك تضم قدميك وتقعد على أمشاط رجليك، وتجعل إليتك على قدميك.
ابن القيم ﵀ كأنه لم يقف على هذا الحديث فأنكر هذا الإقعاء بين السجدتين، والحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث طاوس قال: قلت لـ ابن عباس: (الإقعاء بين السجدتين إنا لنراه جفاء بالرجل -أي: لا يليق بالرجل أن يفعل هكذا- فقال له ابن عباس: سنة نبيك ﷺ .
فإما أن تقعي وإما أن تفترش، الافتراش: أن تفترش رجلك اليسرى، وتجعل إليتك عليها، وتنصب اليمنى.
стр. 284
كيفية النزول إلى السجود
ثم يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى مكانه، ثم يكبر، ولا يرفع يديه بالتكبير إذا أراد أن يسجد، فإذا سجد نصب قدميه.
هناك بعض الإخوة يكاد أن ينام على بطنه وهو يسجد، وهذا غير صحيح، والصواب أن تنصب قدمك اليمنى، وأن تنصب فخذك على الأرض، وتجافي في السجود بين يديك، الإنسان وهو يسجد يجتهد في أن يباعد ما بين يديه عن كتفيه وعن رأسه، والكلام هذا إذا كان هناك مجال كأن يصلي ولديه فراغ، أما أن يكونوا كلهم ملتصقين ببعض ويضايق الناس فغير لائق؛ وفي أول ما كنا قرأنا صفة صلاة النبي ﷺ للألباني كان بعض إخواننا يحاول أن يطبق هذا في صلاة الجمعة، فكانت هذه مشكلة كبيرة جداً، هذا الكلام على حسب المتاح، أحياناً أنت ما تستطيع أن تأخذ راحتك في السجود، وربما ضممت أطرافك على بطنك، وهذا منهي عنه، هناك بعض الناس عندما يسجد يسجد وهو واضع يديه هكذا، وهذا خطأ، إنما الصواب التفريج، وكان النبي ﷺ يبالغ في هذا التفريج، حتى لو أرادت عنزة صغيرة أن تمر من تحت يده لمرت، ويقول أنس ﵁: (كنا نأوي -أي نشفق- على النبي ﵊ من كثرة ما كان يجافي بين جنبيه) ﵊.
الأصابع هذه تضم وتوجه إلى القبلة في أثناء السجود.
أما نزولك من الوقوف إلى السجود فيكون على اليدين وليس على الركبتين؛ لقوله ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) نص صريح جداً، ولو لم يرد هذا التفصيل لعلمنا من طريقة بروك الجمل أن وضع اليد أولاً يكون هو المخالف لوضع الجمل، لو أن الرسول ﵊ قال: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير)، كما ورد في بعض ألفاظ الحديث: (يعمد أحدكم فيبرك كما يبرك الجمل الشارد) وهذا أظنه موقوف على أبي هريرة، فلم يذكر كيف يبرك الجمل الشارد.
لكن نحن المفترض فينا كعرب أهل بادية وإبل أن نعرف كيف يبرك البعير، فالبعير إذا برك إنما يبرك على ركبتيه، وأنتم تعلمون أن كل ذي أربع: الطرفان الأماميان يسميان يدان، والخلفيان رجلان.
فهو يمشي على أربعة، فعندما يأتي إنسان يقول: إن البعير أول ما يضع من جسده يضع يديه على الأرض فهو مخطئ، لماذا؟ لأن وضع يديه -يمشي عليهما- موضوعتان خلقةً، لكن إنما أول شيء يصل منه إلى الأرض ركبتاه؛ لذلك لا يكون أول شيءٍ يصل إلى الأرض من المصلي ركبتيه، فلو نزل الإنسان بركبتيه فهذا هو الذي يشبه به البعير، وليس الذي ينزل بيديه.
ولعل ابن القيم ﵀ هو الذي بسط المسألة بسطاً وافياً للمخالفين الذين يقولون: إنه ينبغي أن تكون الركبة أول ما يصل من المصلي إلى الأرض؛ لأن ابن القيم ﵀ لما استشعر ذلك نسى أن تكون ركبة البعير في يده؛ لأن التسليم أن ركبة البعير في يده يفصل المسألة، فقال ابن القيم ﵀: وقولكم ركبة البعير في يديه قول لا يعرفه أهل اللغة.
فحينئذ الفصل إنما يتم بالرجوع إلى أهل اللغة، فلما رجعنا إلى معاجم أهل اللغة وجدناهم يجمعون في مادة (ركب) على أن ركبة كل ذي أربع في يديه، وعرقوباه في رجليه، إذاً الذي في الرجلين الخلفيتين اسمه (عرقوب) والذي في الأماميتان اسمه (ركبة) ومما يدل على ذلك حديثان: الحديث الأول: في صحيح مسلم رواه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزل قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] فجاء الصحابة (فبركوا على الركب)، وقالوا: هذه التي لا نستطيع) هذا نص صريح واضح أن البروك لا يكون إلا على الركبة.
الحديث الآخر -وهو أصرح من هذا- وهو في صحيح البخاري ومسند أحمد حديث سراقة بن مالك الذي تبع النبي ﵊ عندما خرج إلى المدينة مهاجراً، فلما أبصره أبو بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! هذا سراقة بن مالك يتبعنا.
قال سراقة: فدعا علي النبي ﷺ ؛ فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين).
كلام صريح جداً (فساخت) -أي: غطست في الأرض (يدا فرسي) هما الرجلين الأماميتين لمقدمة فرسه- (حتى بلغتا الركبتين) فإذاً الركبة إنما تكون في اليد، فإذا أراد البعير أن يبرك برك على يديه.
فالصواب: هو النزول على اليدين؛ لأن لدينا نص صريح يقول: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وعلى التسليم أن هذا النص لم يرد فمعرفة كيف يبرك البعير يرشح أن الصواب النزول على اليدين؛ لأن النزول على الركبتين هو هذا المشابهة للبعير.
стр. 285
رفع اليدين عند الركوع
بعد دعاء الاستفتاح يبدأ الإنسان يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم.
بعد ذلك إذا أراد أن يركع يرفع يديه، وقد ورد هذا في حديث ابن عمر في الصحيحين (أن النبي ﵊ كان يرفع في أول الصلاة، ويرفع إذا أراد أن يركع، ويرفع إذا قام من الركوع، ويرفع بعد الركعتين) والتكبيرات التي تأتي بعد ذلك يسميها العلماء التكبيرات الانتقالية، أي: أنك تنتقل من ركن إلى آخر، وهذا الرفع سنة، وعليه جماهير العلماء ما عدا الأحناف فيقولون: إن الرفع إنما يكون في أول موضع فقط، أما في بقية الصلاة لا يكون فيها رفع -أقصد الرفع للتكبير- وحديث ابن عمر حجة عليهم، وهم احتجوا بحديث ابن مسعود ﵁: (كان النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود) رواه أبو داود وغيره، (ثم لا يعود): أي إلى الرفع.
ولكن العلماء أجابوا على هذا بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث منكر كما قاله أحمد وابن معين وغيرهما من العلماء، فإذا هذا لا حجة فيه.
الجواب الثاني: على التسليم أن الحديث صحيح فهو ناف، وحديث ابن عمر مثبِت، والمثبِت مقدم على النافي عند التعارض، فالعلماء قالوا: إذا ورد حديثان أحدهما نفى شيئاً والآخر أثبته، ولم نستطع الجمع بين الحديثين، وكان لا بد من ترجيح أحدهما على الآخر؛ ففي هذه الحالة نرجح الذي أثبت على الذي نفى لماذا؟ لأن مع المثبِت زيادة علم، أي إنسان في الدنيا ممكن يقول: لا أعلم؛ لأن نفي العلم أيسر ما يكون، ولذلك ليس بعالم الذي إذا سئل عن مسألة يقول: لا أعلم فيها دليلاً، فكلمة (لا أعلم) هذه ما المشكل فيها؟ ما هو الجهد الذي أنت بذلته عندما قلت: لا أعلم؟ إنما الذي يقول: أنا أعلم كذا وكذا، إذاً هذا قطعاً هو اطلع ووقف على ما لم يقف عليه النافي.
لذلك نحن نقول: إن المثبِت مقدم على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم، كما لو سئلت: ما تقول في فلان، أهو مماطل -يعني إذا أخذ المال لا يرده-؟ تقول: لا أعلم عن ذلك شيئاً.
فقال لك رجل: نعم، هو مماطل.
إذاً أيهما اطلع على هذا الرجل؟ الذي أثبت عليه المماطلة.
إذاً الصواب: الرفع في التكبيرات الانتقالية، فإذا أردت أن تركع ترفع يديك مثلما رفعتهما في تكبيرة الإحرام، ترفع اليد وتنشر الأصابع، وتكون بحذاء الأذن إما من فوق وإما من تحت.
следующие страницы →