Полный текст (1 719 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ضم العقبين حال السجود
إذا أردت أن تسجد مرة أخرى يمكن أن ترفع يدك أحياناً وليس دائماً، وتسجد مثلما سجدت في السجدة الأولى.
كذلك على الإنسان أن يضم عقبيه حال السجود؛ لأن بعض الناس يفرج بين رجليه أثناء السجود لا، هو إذا أراد أن يسجد يضم عقبيه هكذا، وأصابع رجليه تكون متجهة للقبلة في حال السجود كذلك، لكن يرص عقبيه كما جاء في الحديث بيان ذلك.
стр. 282
صفة السجود وهيئته
ثم في أثناء السجود ينصب فخذه، ولا يلصق حتى يجعل موضع السجود قريب جداً من موضع ركبتيه، كذلك ولا يجعل موضع السجود بعيد جداً بحيث يفرد جسمه، إنما ينصب فخذيه.
وقلنا: يضم أصابعه ويوجهها إلى القبلة، ويمكن في السجود جبهته وأنفه، ولا بد أن يمس الأنف الأرض، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵊: (لا صلاة لمن لم يمس أنفه الأرض) فالأنف والجبهة يسجدان ولابد من تمكينهما.
ثم يرفع فيطمئن حتى يرجع كل عظم إلى مكانه، وله أن يرفع يديه إلى حذو منكبيه لكن ليس دائماً.
стр. 283
كيفية الجلسة ما بين السجدتين
في حالة الجلوس بين السجدتين هناك جلستان: جلسة الإقعاء، وجلسة الافتراش، الإقعاء: أن يقعد على أمشاط رجليه، بشرط أن يضم رجليه، ولا يباعد بينهما ويجعل إليته فوق القدمين والاقعاء المنهي عنه: أن يقعد الإنسان على أمشاط قدميه ويباعد بين رجليه، ويجعل إليته بين الرجلين هذا اسمه إقعاء الكلب، وهذا هو المنهي عنه، لكن الإقعاء المرخص به بين السجدتين أنك تضم قدميك وتقعد على أمشاط رجليك، وتجعل إليتك على قدميك.
ابن القيم ﵀ كأنه لم يقف على هذا الحديث فأنكر هذا الإقعاء بين السجدتين، والحديث ثابت في صحيح مسلم من حديث طاوس قال: قلت لـ ابن عباس: (الإقعاء بين السجدتين إنا لنراه جفاء بالرجل -أي: لا يليق بالرجل أن يفعل هكذا- فقال له ابن عباس: سنة نبيك ﷺ .
فإما أن تقعي وإما أن تفترش، الافتراش: أن تفترش رجلك اليسرى، وتجعل إليتك عليها، وتنصب اليمنى.
стр. 284
كيفية النزول إلى السجود
ثم يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى مكانه، ثم يكبر، ولا يرفع يديه بالتكبير إذا أراد أن يسجد، فإذا سجد نصب قدميه.
هناك بعض الإخوة يكاد أن ينام على بطنه وهو يسجد، وهذا غير صحيح، والصواب أن تنصب قدمك اليمنى، وأن تنصب فخذك على الأرض، وتجافي في السجود بين يديك، الإنسان وهو يسجد يجتهد في أن يباعد ما بين يديه عن كتفيه وعن رأسه، والكلام هذا إذا كان هناك مجال كأن يصلي ولديه فراغ، أما أن يكونوا كلهم ملتصقين ببعض ويضايق الناس فغير لائق؛ وفي أول ما كنا قرأنا صفة صلاة النبي ﷺ للألباني كان بعض إخواننا يحاول أن يطبق هذا في صلاة الجمعة، فكانت هذه مشكلة كبيرة جداً، هذا الكلام على حسب المتاح، أحياناً أنت ما تستطيع أن تأخذ راحتك في السجود، وربما ضممت أطرافك على بطنك، وهذا منهي عنه، هناك بعض الناس عندما يسجد يسجد وهو واضع يديه هكذا، وهذا خطأ، إنما الصواب التفريج، وكان النبي ﷺ يبالغ في هذا التفريج، حتى لو أرادت عنزة صغيرة أن تمر من تحت يده لمرت، ويقول أنس ﵁: (كنا نأوي -أي نشفق- على النبي ﵊ من كثرة ما كان يجافي بين جنبيه) ﵊.
الأصابع هذه تضم وتوجه إلى القبلة في أثناء السجود.
أما نزولك من الوقوف إلى السجود فيكون على اليدين وليس على الركبتين؛ لقوله ﵊ في حديث أبي هريرة في الصحيح: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) نص صريح جداً، ولو لم يرد هذا التفصيل لعلمنا من طريقة بروك الجمل أن وضع اليد أولاً يكون هو المخالف لوضع الجمل، لو أن الرسول ﵊ قال: (لا يبرك أحدكم كما يبرك البعير)، كما ورد في بعض ألفاظ الحديث: (يعمد أحدكم فيبرك كما يبرك الجمل الشارد) وهذا أظنه موقوف على أبي هريرة، فلم يذكر كيف يبرك الجمل الشارد.
لكن نحن المفترض فينا كعرب أهل بادية وإبل أن نعرف كيف يبرك البعير، فالبعير إذا برك إنما يبرك على ركبتيه، وأنتم تعلمون أن كل ذي أربع: الطرفان الأماميان يسميان يدان، والخلفيان رجلان.
فهو يمشي على أربعة، فعندما يأتي إنسان يقول: إن البعير أول ما يضع من جسده يضع يديه على الأرض فهو مخطئ، لماذا؟ لأن وضع يديه -يمشي عليهما- موضوعتان خلقةً، لكن إنما أول شيء يصل منه إلى الأرض ركبتاه؛ لذلك لا يكون أول شيءٍ يصل إلى الأرض من المصلي ركبتيه، فلو نزل الإنسان بركبتيه فهذا هو الذي يشبه به البعير، وليس الذي ينزل بيديه.
ولعل ابن القيم ﵀ هو الذي بسط المسألة بسطاً وافياً للمخالفين الذين يقولون: إنه ينبغي أن تكون الركبة أول ما يصل من المصلي إلى الأرض؛ لأن ابن القيم ﵀ لما استشعر ذلك نسى أن تكون ركبة البعير في يده؛ لأن التسليم أن ركبة البعير في يده يفصل المسألة، فقال ابن القيم ﵀: وقولكم ركبة البعير في يديه قول لا يعرفه أهل اللغة.
فحينئذ الفصل إنما يتم بالرجوع إلى أهل اللغة، فلما رجعنا إلى معاجم أهل اللغة وجدناهم يجمعون في مادة (ركب) على أن ركبة كل ذي أربع في يديه، وعرقوباه في رجليه، إذاً الذي في الرجلين الخلفيتين اسمه (عرقوب) والذي في الأماميتان اسمه (ركبة) ومما يدل على ذلك حديثان: الحديث الأول: في صحيح مسلم رواه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزل قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] فجاء الصحابة (فبركوا على الركب)، وقالوا: هذه التي لا نستطيع) هذا نص صريح واضح أن البروك لا يكون إلا على الركبة.
الحديث الآخر -وهو أصرح من هذا- وهو في صحيح البخاري ومسند أحمد حديث سراقة بن مالك الذي تبع النبي ﵊ عندما خرج إلى المدينة مهاجراً، فلما أبصره أبو بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! هذا سراقة بن مالك يتبعنا.
قال سراقة: فدعا علي النبي ﷺ ؛ فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين).
كلام صريح جداً (فساخت) -أي: غطست في الأرض (يدا فرسي) هما الرجلين الأماميتين لمقدمة فرسه- (حتى بلغتا الركبتين) فإذاً الركبة إنما تكون في اليد، فإذا أراد البعير أن يبرك برك على يديه.
فالصواب: هو النزول على اليدين؛ لأن لدينا نص صريح يقول: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وعلى التسليم أن هذا النص لم يرد فمعرفة كيف يبرك البعير يرشح أن الصواب النزول على اليدين؛ لأن النزول على الركبتين هو هذا المشابهة للبعير.
стр. 285
رفع اليدين عند الركوع
بعد دعاء الاستفتاح يبدأ الإنسان يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ ما تيسر له من القرآن الكريم.
بعد ذلك إذا أراد أن يركع يرفع يديه، وقد ورد هذا في حديث ابن عمر في الصحيحين (أن النبي ﵊ كان يرفع في أول الصلاة، ويرفع إذا أراد أن يركع، ويرفع إذا قام من الركوع، ويرفع بعد الركعتين) والتكبيرات التي تأتي بعد ذلك يسميها العلماء التكبيرات الانتقالية، أي: أنك تنتقل من ركن إلى آخر، وهذا الرفع سنة، وعليه جماهير العلماء ما عدا الأحناف فيقولون: إن الرفع إنما يكون في أول موضع فقط، أما في بقية الصلاة لا يكون فيها رفع -أقصد الرفع للتكبير- وحديث ابن عمر حجة عليهم، وهم احتجوا بحديث ابن مسعود ﵁: (كان النبي ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود) رواه أبو داود وغيره، (ثم لا يعود): أي إلى الرفع.
ولكن العلماء أجابوا على هذا بجوابين: الجواب الأول: أن الحديث منكر كما قاله أحمد وابن معين وغيرهما من العلماء، فإذا هذا لا حجة فيه.
الجواب الثاني: على التسليم أن الحديث صحيح فهو ناف، وحديث ابن عمر مثبِت، والمثبِت مقدم على النافي عند التعارض، فالعلماء قالوا: إذا ورد حديثان أحدهما نفى شيئاً والآخر أثبته، ولم نستطع الجمع بين الحديثين، وكان لا بد من ترجيح أحدهما على الآخر؛ ففي هذه الحالة نرجح الذي أثبت على الذي نفى لماذا؟ لأن مع المثبِت زيادة علم، أي إنسان في الدنيا ممكن يقول: لا أعلم؛ لأن نفي العلم أيسر ما يكون، ولذلك ليس بعالم الذي إذا سئل عن مسألة يقول: لا أعلم فيها دليلاً، فكلمة (لا أعلم) هذه ما المشكل فيها؟ ما هو الجهد الذي أنت بذلته عندما قلت: لا أعلم؟ إنما الذي يقول: أنا أعلم كذا وكذا، إذاً هذا قطعاً هو اطلع ووقف على ما لم يقف عليه النافي.
لذلك نحن نقول: إن المثبِت مقدم على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم، كما لو سئلت: ما تقول في فلان، أهو مماطل -يعني إذا أخذ المال لا يرده-؟ تقول: لا أعلم عن ذلك شيئاً.
فقال لك رجل: نعم، هو مماطل.
إذاً أيهما اطلع على هذا الرجل؟ الذي أثبت عليه المماطلة.
إذاً الصواب: الرفع في التكبيرات الانتقالية، فإذا أردت أن تركع ترفع يديك مثلما رفعتهما في تكبيرة الإحرام، ترفع اليد وتنشر الأصابع، وتكون بحذاء الأذن إما من فوق وإما من تحت.
стр. 286
صفة الركوع
أثناء الركوع يكون جسمك مع رجليك بزاوية قائمة، بعض الناس يبالغ في انخفاض رأسه، وبعض الناس لا يكاد يركع، تجده وهو راكع يكون شبه القائم، وآخر يبالغ حتى يكاد يكون رأسه بين رجليه لا، لا هذا ولا ذاك، بل الأوضاع الصحيحة للركوع أن جسمك يكون مع القدمين كزاوية قائمة، وقد ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﵊ كان إذا ركع لو وضعت على ظهره قطرة ماء ما تحركت، ولا يتم هذا الوضع إلا إذا نشرت ساعدك وقبضت على ركبتيك، تعرف أن الذي ينحني أكثر من اللازم تجد أن يديه مكسورة أثناء الركوع، لكن هو إذا أراد أن يركع ركوعاً صحيحاً، فإذا قبض على الركبتين لابد أن يكون الساعد مفروداً، والسنة أن يقبض الإنسان هكذا على ركبتيه وينشر ساعده.
стр. 287
صفة القيام من الركوع ورفع اليدين
بعدما يركع ويقوم قائلاً: (سمع الله لمن حمده) ثم يقيم صلبه حتى يرجع كل عظم إلى مكانه، ويرفع يديه أيضاً إلى جهة القبلة.
стр. 288
حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع
هل بعد رفع اليد يقبض باليمنى على اليسرى أيضاً أو يرسلها؟ الذي نعرفه أن أكثر العلماء على الإرسال، وقال بالقبض قلة منهم، وهو القول السائد الآن عند مشايخنا في السعودية، مثل الشيخ ابن باز والشيخ محمد الصالح وسائر علماء السعودية -حفظهم الله ﵎ يقولون بالقبض.
والحقيقة: أن هذا القبض فيه إثبات هيئة؛ لأن كونك تقبض باليمنى على اليسرى هذا إثبات لهيئة، وإثبات الهيئة يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يصح في إثبات الهيئة دليل عام يتطرقه الاحتمال، وهو حديث وائل بن حجر: (أن النبي ﵊ كان إذا قام في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى) فيقال: إن القيام الأول قيام، والقيام من الركوع قيام، فالحديث يشمل عموم القيامين، فلذلك نحن نقبض في القيامين.
فنقول: إن هذا عموم صرفه الاحتمال؛ لأن كلمة (القيام) إذا وردت في الأحاديث فالمقصود بها القيام الأول؛ لأن القيام الثاني جزء من الركوع، وليس قياماً مستقلاً كالقيام الأول، وكذلك النبي ﵊ فيما روي عنه (أنه كان يركع ثم يرفع من الركوع حتى يرجع كل عظم إلى مكانه) الهاء هنا إنما تعود على العظم وليس على الوضع، أي مكانه الطبيعي الذي خلقه الله عليه.
فإذا تأملنا كل أحاديث صفة صلاة النبي ﵊ نجد أن الصحابة ذكروا ما هو أخفى من القبض وأدق، فكيف يغفلون جملة واحدة عن ذكر هذا القبض بعد الركوع ولو مرة واحدة؟! وأنت عندما تقرأ صفة الصلاة تجد فيها تفصيلاً دقيقاً جداً لكل حركة، كانوا ينقلون كل شيء، حتى أنه مرة ﵊ كان يقرأ في سورة المؤمنون، فجاء ذكر موسى وهارون فسعل سعلة فركع، فنقلوا أنه سعل فركع، وفي السجود ينقل لك أن أطراف الأصابع تكون تجاه القبلة، وفي تكبيرة الإحرام يقول لك: نشر أصابعه، وفي السجود يقول لك: ضم أصابعه، كل هذا التفصيل الدقيق لانفراج الأصابع وضم الأصابع ينقل في أكثر من حديث، ولا يقال في حديث من الأحاديث أبداً فقال: سمع الله لمن حمده ثم وضع اليمنى على اليسرى! فهذا دليل على أن هذا الوضع ليس وضعاً صحيحاً ولم يثبت، والهيئة لا يدخل فيها الاجتهاد، فلا بد فيها من ذكر دليل مستقل؛ نحن فصلنا هذا الكلام مرة أخرى بأبسط من ذلك.
فالصواب: أن الإنسان لو قال: (سمع الله لمن حمده) ورفع يديه أن يرسل يديه ولا يقبض بهما.
فإن رأيت أحداً يقبض لا تشتد عليه؛ لأن هناك بعض الناس كانوا يشددون في هذه المسألة من الجانبين، لكن العلماء -كالشيخ ابن باز ﵀ يقولون: لا ينبغي الإنكار في هذه المسألة، طالما أنه متبن لهذه المسألة، لأنها ليست ركناً في الصلاة ولا شرطاً لهذا فيترفق، لكن الراجح في المسألة -كما قلنا- هو الإرسال.
стр. 289
دعاء الاستفتاح وموضعه الصحيح
بعد أن يستقبل العبد القبلة ويكبر ويقبض يبدأ بذكر دعاء الاستفتاح، وموضعه يكون بعد التكبير وقبل قراءة الفاتحة، يقول: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين) بعض العلماء يقول: لا تقل: (وأنا أول) وإنما قل: و (أنا من المسلمين)، وهذا القول غير صحيح؛ لأن الرواية وردت بذلك، والنبي ﷺ قال: (وأنا أول المسلمين)، وإنما يشتبه على القائل أن كلمة (وأنا أول المسلمين) أن القائل ليس أول المسلمين بطبيعة الحال، بل سبقه مسلمون.
فيقال: نفس الكلام بالنسبة للنبي ﵊ عندما قال: (وأنا أول المسلمين) لم يكن هو أول مسلم، إنما سبقه كل الأنبياء وكانوا مسلمين، المقصود بقوله: (وأنا أول المسلمين) المبادرة إلى أن تكون في أوائل الذين يسلمون لله ﵎، فلا منافاة، (وأنا أول المسلمين) ليس معناه أنه ليس هناك مسلم قبلك.
أو تقول الدعاء الآخر وهو: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم غسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد.
стр. 290
كيفية رفع اليدين عند الشروع في الصلاة
عندما يقف العبد بين يدي الله ينشر راحتيه في اتجاه القبلة -والنشر: أي تفريج الأصابع- ويجعل أصابعه بحذاء أذنيه: إما بحذاء الأذن من أسفل أو بحذاء الأذن من أعلى، فإما أن ترفعها قليلاً، وإما أن تنزلها قليلاً، لكن تجعل الراحة في اتجاه القبلة، وكذلك تجعل أصابع قدميك باتجاه القبلة أيضاً.
стр. 291
وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة
بعد أن ينشر العبد راحتيه باتجاه القبلة يقبض أو يضع؟ وضعان فقط لليد.
العبد إذا قبض فالقبض صفته: أن الإنسان يقبض على الرّسْغ -والرسغ: هو المفصل الذي بين الراحة وبين الساعد- ثم يضعهما على صدره، ولم يثبت أي وضع إلا على الصدر.
أما حديث علي بن أبي طالب (أن الرسول ﵊ كان يضع يده اليمنى على اليسرى تحت السرة) فإنه ضعيف، ومعلوم عند العلماء أنه لا يعمل بالحديث الضعيف في الأحكام الشرعية، فلم يثبت إلا الوضع على الصدر، يعني: بمثابة شبر، إذا وضعت هكذا أو وضعت هكذا أو وضعت هكذا كله جائز طالما أنه على الصدر.
لكن العادة أن الإنسان لا يتكلف في الوضع، فالوضع الطبيعي الذي ليس فيه تكلف أن الإنسان يضع يده في الوسط، وبالتالي يكون وضع اليد اليمنى على اليسرى على الصدر، إما أن يقبض على الرسغ وإما أن يبسط يده اليمنى على اليسرى الرسغ والساعد، وبعض المسلمين قد يسيء فيضع يديه وضعاً غير صحيح، فيمسك يده، فهذا نوع من الزيادة، وهذا الوضع لم يرد فيه حديث أبداً.
وأنا رأيت بعض الناس كان يصلي هكذا هذا خطأ، فيكون الفهم الصحيح للحديث: أن يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرُّسْغ والساعد، هذا هو الوضع.
стр. 292
أهمية الإخلاص لله تعالى في الصلاة
أول شيء يفعله العبد في إقامة الصلاة: الإخلاص، ولذلك الرسول ﵊ كان يقول دعاء الاستفتاح ويذكر أكثر من دعاء؛ لأن الاستفتاح في بداية الصلاة معناه أن يعلن استسلامه لله ﵎ وخضوعه، وعبوديته لله ، فيا عجباً لعبد يعلن أنه عبد لله ﵎ خمس مرات في اليوم وهو ليس كذلك في حياته في كلامه في مطعمه في مشربه.
﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام:٧٩] انظر كلمة: (وجهت وجهي)! إذا وجه العبد وجهه؛ نصب الله وجهه في وجه العبد -كما في الحديث الصحيح- لذلك يمنع المصلي أن يلتفت، فإذا التفت العبد التفت الله عنه، ولا يزال الله ﵎ مقبلاً على العبد ما كان مقبلاً عليه في صلاته، وذلك بألا يزوي وجهه عن القبلة، وقد ورد في بعض الآثار المتكلم فيها أن العبد إذا صرف وجهه يقول الله ﵎ له: (إلى خير مني؟!) فالتفات العبد يدل على عدم الصدق في توجيه الوجه لله .
وهناك معنى آخر في الآية: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي﴾ أي: جعلت حياتي ووجهي، كما يقال: الوجه كذا: أي الطريق، ما وجهتك؟ يقول: في المكان الفلاني أو إلى الجهة الفلانية، إذاً (وجهت وجهي): أي جعلت حياتي ومسلكي وطريقي ووجهتي لله ﵎، توضحه الآية التي بعدها والتي قالها النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] هذه الآية توضح هذا التفسير: أن الوجه الذي هو الوجهة، أي: كل ما يصدر عني فهو لله رب العالمين؛ لأنني وجهت وجهي إليه، نصبت نفسي على الطريق إليه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾.
نحن ذكرنا قبل ذلك أنه قدم الخاص، ثم ذكر العام بعد الخاص؛ لأن (محياي) داخل فيها كل شيء حتى الصلاة، والذبح الذي هو النسك، وبعض العلماء يقول: إن النسك هنا معناه الحج، وقالوا: إن الذبح المقصود بالآية هو ذبح الحج الذي هو الهدي، فذكر الصلاة والحج خصوصاً؛ لأن الصلاة هي الفارقة بين المسلم وبين الكافر، كما في حديث جابر وحديث بريدة وحديث ثوبان (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وكذلك الحج كما قال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٧] ولأن الحج له خاصية وردت في قوله ﵊ في حديث عمرو بن العاص عندما أسلم وجاء إلى النبي ﵊ وقال: (يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك.
قال: فبسط يده فقبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟ فقال: أردت أن أشترط.
فقال: تشترط بماذا؟ فقال: أشترط أن يغفر لي.
قال: يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها؟) فهذه خاصية عظيمة جداً في الحج، وقوله ﵊: (من حج فلم يفسق ولم يرفث؛ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) وهذا لا يعلم إلا للحج.
مسألة أن العبد يرجع من الحج ليس عليه ذنب ألبتة لا يعلم إلا في الحج، ولذلك الرسول ﵊ جعل الحج مقابل الإسلام في هدم ما كان من العبد من ذنوب قبل ذلك ما لم يتعلق به حقوق العباد، فلذلك الله ﵎ قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] يقبح بالعبد أن يقول هذا ثم يخرج فيشرك بالله ﵎، وأفظع من هذا أن يشرك بالله ﵎ في ذات الصلاة، كأن يصلي للناس، أي: ما جاء ليصلي إلا ليقال: مصل.
وهذه قصة ذكرت في مذكرات أحد السفراء يقول: إن رئيس بلده ذهب يزور البلد التي كان هو سفيراً فيها، ثم بعد ذلك ذهب الرئيس إلى كنيسة هذا البلد ومعه رئيسها -وهي بلد نصرانية- ليتفرج، فيقول: إن رئيس هذا البلد النصراني دخل الكنيسة، وقام يكلم الناس أنني مثل عمر، وأن عمر دخل الكنيسة إلخ، وتماماً يريد أن يصير كعمر وأنه سيصلي، فوجد هذا السفير أن الرئيس سيصلي، فظن أنه سيتوضأ ثم يصلي، ولكنه مباشرة دخل في الصلاة وصلى بغير وضوء! العجيب أنه لم يستح من ذكر هذه المسألة، وهذا الشخص له كتاب نشره في الأسواق يتبجح فيه يقول: إنه ذهب إلى ولاية من الولايات الأمريكية، وبدعوة من عالم للكتب، فيقول: إني ذهبت لحضور الجلسة هذه، فوجدت السفير واقفاً على الباب ومضطرباً فقلت له: ما لك؟ قال: النجدة! قلت: لماذا؟ قال: فتنة طائفية! المسلمون يجلسون على كراسي لوحدهم، والنصارى يجلسون على كراسي لوحدهم.
فقلت له: لا عليك لا عليك قال له: بلباقتك وبذكائك حل لي المشكلة هذه، أتينا لنجلس جلسة محبة ووئام إلخ.
قال: فقمت مباشرة ذاهباً إلى صفوف النصارى -وهذا شيء طبيعي جداً عند رجل لا يصلي ولا يفعل شيئاً- فما أكاد أن أمر على إنسان إلا يقول لي: يا فلان! تعال بجانبي، هذا كرسي خال! ويجلسه على الكرسي، ويقول: ما مضت إلا لحظات حتى راعني أن قام رجل يؤذن للمغرب.
يقول: راعني! أي: أفزعني أن قام رجل يؤذن للمغرب، الكلام هذا منشور في كتابه، ولم يستح أنه ينشر هذا في كتابه! يقول: فانتظرنا حتى أنهى الأذان، وقال: وإذا بهم جميعاً يقومون إلى الصلاة، قال: فشعرت باستحياء وخجل قال: فجاءني رجل فقال لي: ألا تصلي؟ قلت له: ليس الآن.
فقال لي: يعني ماذا؟ قلت له: ليس الآن، نحن في مجلس محبة ووئام ومجلس أخوة.
فقال لي: يعني: ما أنت فيه أهم من الصلاة؟ قلت له: نعم، ما نحن فيه أهم من الصلاة.
لا يستحي أن ينشر هذا، عندما يقوم رجل يصلي لغير الله ﵎ -فلو قام هكذا كما قام ذلك السفير- هذا أشرك حتى في الصلاة؛ لأنه ما صلى لله ﵎، إنما صلى لذاك الرئيس، حتى لا يقال: هذا مخالف للأوامر، المفروض الرئيس يجعله يصلي، فكل شيء بالأمر.
فأفضع شيء أن تشرك بالله وأنت تصلي، وأنت تعبده، كل هذه الأعمال إنما يجب فيها الإخلاص لله ﵎ ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، و (ما) و (إلا) قلنا قبل ذلك: إن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، فإذاً لا يجوز إلا أن تخلص العبادة لله ﵎.
стр. 293
الأسئلة
стр. 294
حكم الالتفات بالصدر عند التسليم
السؤال
هل يصح الالتفات بالصدر حال السلام من الصلاة؟
الجواب
لا، الصدر يبقى ثابتاً، الإنسان لا يقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويلتفت بصدره لا، إنما الالتفات يكون بالرأس فقط وليس بكل الجسد.
стр. 295
الحركة تابعة للكلام عند التسليم
السؤال
إذا التفت جهة اليمين قبل السلام ثم سلم؟
الجواب
لا، هذا فيه تكلف، الإنسان إذا قال: (السلام عليكم ورحمة الله) الحركة تكون تابعة للكلام، يعني قل: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله.
لكن هو يقول: السلام عليكم ورحمة الله ويفعل هكذا هل تنفع هذه؟! وما الذي جبره على هذا!
стр. 296
المرأة والرجل سواء في هيئات الصلاة
السؤال
هل المرأة مثل الرجل في هيئات الصلاة؟
الجواب
الرجل والمرأة على السواء، طبعاً هناك بعض الناس يقول: إن المرأة إذا سجدت تضم أطرافها بعضها البعض لأن المرأة عورة، وهذا لا أصل له؛ لأن كل أحاديث صفة الصلاة المرأة والرجل فيها على السواء، لا خلاف إطلاقاً بين الرجل والمرأة في هيئة الصلاة أبداً، إنما الخلاف بين الرجل والمرأة في مسألة اللباس، وأنها عندما تصلي لابد أن تلبس جوارب أو ستاراً لقدميها، لابد من ذلك، لا يجوز للمرأة أن تصلي وهي كاشفة لقدميها.
стр. 297
حكم صلاة المرأة بدون خمار
السؤال
هل إذا صلت المرأة لابد لها من خمار؟
الجواب
نعم، تصلي بخمار، والنبي ﷺ قال: (المرأة كلها عورة) هذا حديث في الترمذي وهو صحيح، والعلماء الذين استثنوا، إنما استثنوا الوجه والكفين، إذاً القدمان ليستا داخلتين في الموضوع، فالقدمان تبقى على عموم الحديث الأول.
إذاً قدم المرأة عورة، وليس عورة في الصلاة فقط بل عورة دائمة، لا يجوز للمرأة أبداً أن تخرج وقدمها مكشوف أبداً، ولا فرق بين أن يظهر قدم المرأة وبين أن يظهر شعرها أو نحرها أو صدرها أو أي شيء، كله داخل في حدود العورة.
مداخلة: وهل قوله ﷺ : (لا صلاة إلا بخمار) نفي لصحة الصلاة أم أنه نفي لكمالها؟ الجواب: نعم، (لا صلاة) فمعروف أن النفي إن انصب على الجنس ينفيه كلية، فيكون لا صلاة صحيحة، ما نستطيع أن نقول: لا صلاة كاملة إلا إذا وجد صارف يصرف مثل هذا النفي.
مداخلة: وإذا كانت المرأة جاهلة؟ الجواب: لا، إلا إذا كان عمداً.
стр. 298
حكم صلاة المرأة بلباس غير الخمار
السؤال
لو صلت المرأة بأي شيء غير الخمار؟
الجواب
لا يجوز أن تصلي المرأة بخمار، لقوله ﵊: (لا صلاة لحائض إلا بخمار) (لا) و (إلا) نحن قلنا: إن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، إذاً لا يجوز للمرأة أن تصلي إلا بخمار، أن تدلي بفوطة على رأسها فهذا لا ينفع، كل هذه الأشياء لا تصلح.
стр. 299
حكم السترة في الصلاة
السؤال
ما حكم السترة في الصلاة؟
الجواب
بالنسبة للسترة في الصلاة مما فاتني -فأنا أرجو أن أستدرك ما فاتني- فينبغي للإنسان أن يتخذ السترة في الصلاة حتى لا تقطع صلاته إما من الإنس أو من الجن؛ لأن الرجل قال للنبي ﷺ لما أمره باتخاذ السترة (قال: إنني أصلي وحدي.
قال: إنك لا تدري من يمر أمامك).
فيكون مسافة ما بين قدم الرجل وما بين موضع السترة ثلاثة أذرع -في حدود متر وربع- أي: يكون بين موضع قدمك وبين موضع سجودك نحو ثلاثة أذرع، ويكون بين موضع سجودك والسترة مثل مؤْخِرة الرحل، وأنتم تعلمون أن الجمل عندما تحمل عليه العدة التي مثل (البردعة) الخاصة بالحمار، أليس هناك أربع خشبات: اثنتان في الخلف، واثنتان في المقدمة يعلق عليها أشياءه، الخشبة هذه طولها حوالي (٢٠سم)، هذا هو مؤخرة الرحل، فيكون ما بين سجودك وما بين السترة حوالي (٢٠سم) مثل مؤخرة الرحل، وما بين موضع قدمك وما بين السترة ثلاثة أذرع -التي هي تقريباً- مكان سجودك، يعني: مكان جسمك.
стр. 300
مقدار السترة في الصلاة
السؤال
ما هو مقدار السترة؟
الجواب
بالنسبة للسترة يكون شيئاً مرتفعاً عن الأرض، أما حديث الخط فهو ضعيف، والصواب أن السترة تكون شيئاً مرتفعاً أمامك، وفي بعض الأحاديث أن مقدارها مثل مؤخرة الرحل أيضاً، فتكون السترة مرتفعة بنحو حوالي (٢٠سم) على الأرض، أو يكون شيئاً بارزاً على الأرض.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 301
تمام القدوة بحسن الأسوة
التأسي فطرة من فطر الله تعالى التي فطر عليها الناس، ولهذا تجد أكثر الناس يتأسون ببعضهم ويحاولون تقليد غيرهم، وخير من يُتأسى به رسول الله ﷺ في تعامله مع الناس، وفي كرمه ووفائه، وسعة صدره، وقد قسم العلماء أعمال النبي إلى جبلِّية وشرعية، واختلفوا في حكم التأسي برسول الله ﷺ في الأعمال الجبلية هل هو واجب أم مستحب؟
стр. 302
بيان أن التأسي فطرة من فطر الله تعالى
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
إن الله ﵎ لما خلق الناس ركز في فطرهم التأسي، وقد ذكر ربنا ﵎ في أكثر من آية في كتابه هذا المعنى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال في حق النبي ﷺ بعدما ذكر ثمانية عشر نبياً في سياق واحد، قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وقال ﵎ لما ذكر القصص: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَاب﴾ [يوسف:١١١]؛ وإنما ذلك لما ركزه الله ﵎ في فطر الناس من التأسي.
وقد ورد مثل هذا المعنى في كثير من الأحاديث الصحيحة؛ منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث كعب بن مالك ﵁، فساق خبره في تخلفه عن غزوة تبوك، فكان مما ذكره في مسألة الأسوة، ذكر موضعين: الموضع الأول: أنه ذكر تخلفه عن الناس، وأنه في كل مرة يعزم على أن يلحق بهم فيصده النظر في أرضه وفي ثماره عن مواصلة السير خلف الغزاة، قال: (فياليتني فعلت -أي: يا ليتني لما عزمت على أن ألحق بهم فعلت- قال: وكان يحزنني أني لا أجد لي أسوة إلا منافقاً مغموصاً عليه، أو رجل ممن عذر الله الذي كان يحزنه بعدما خرج الناس إلى الغزوة أنه لا يجد في المدينة إلا مغموصاً عليه في النفاق ممن تخلف عن النبي ﷺ ، أو رجلاً ممن عذر الله .
ثم ذكر خبره وأن النبي ﷺ بعدما قدم من تبوك، وجاءه المعذرون من الأعراب، والمنافقون يعتذرون عن تخلفهم عنه في غزوة تبوك، قال: (فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله.
قال: فلما رآني تبسَّم تبسم المغضب وقال لي: ما خلفك؟ فقلت: يا رسول الله! لو كنت عند أحد من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر، لقد أوتيت جدلاً، ولكنني إذا حدثتك حديثاً تجد به علي إني لأرجو فيه عقبى الله، ما كان لي من عذر، وما جمعت قط بين راحلتين إلا في هذه الغزوة.
فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق.
قال: فتبعني رجال من بني سلمة، وجعلوا يؤنبونني، وقالوا: والله ما نعلم أنك أذنبت ذنباً قبل ذلك، ولقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك.
قال: فما زالوا يؤنبونني حتى هممت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي أحد غيري هذا الذي لقيت؟ قالوا: نعم.
فقال: من هم؟ قالوا: هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع.
قال: فذكروا لي رجلين صالحين ممن شهدا بدراً لي فيهم أسوة).
فانظر إلى الموضع الأول الذي أحزنه: أن يكون أسوته منافقاً.
وانظر إلى الموضع الثاني بعدما هم أن يكذب نفسه، ويرجع إلى النبي ﷺ فيقول: يا رسول الله أنا مخطئ! بعدما هم أن يكذب نفسه الذي ثبته وجعله رابط الجأش؛ أن رجلين فاضلين ممن شهد بدراً لقيا ما لقيه، فقوى ذلك قلبه.
стр. 303
التأسي برسول الله ﷺ
وفي الصحيحين من حديث عمرو بن دينار قال: (سألنا ابن عمر عن رجل طاف في عمرته ولم يسع بين الصفا والمروة، ما يحل له من امرأته؟ فقال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت، ثم صلى ركعتين خلف المقام، ثم طاف بالصفا والمروة، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فأعطى الحكم بذكر الآية.
قال عمرو بن دينار: فسألنا جابر بن عبد الله ﵁، فقال: (لا تحل له امرأته حتى يسعى بين الصفا والمروة).
فـ جابر ذكر الحكم مباشرة، أما ابن عمر فذكر الآية لأنها أعم، قال: إن النبي ﷺ ما طاف فقط، إنما طاف وسعى، فرأيه يلتقي مع فتوى جابر ﵄، لكنه ألمح إلى عموم الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وأيضاً في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄، وذكر مناظرة هرقل مع أبي سفيان في شأن النبي ﷺ ، فكان مما سأله هرقل لـ أبي سفيان عن النبي ﵊: - قال: هل قال أحد منكم هذا القول قط قبل ذلك؟ - فقال: لا.
- قال: فهل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟ - قال: لا.
- فقال هرقل مجيباً: لقد سألتك: هل قال أحد هذا القول قبله قط؟ فذكرت أن لا، قال: فلو كان أحد قاله قبله لقلت: رجل يتأسى بمن قبله.
ثم سألتك: هل من آبائه من ملَك أو مِن ملِك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملِك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه.
فاستدل أن النبي ﷺ صادق في خبره الذي نقله عن الله ، واستدل على أنه لم يسبقه أحد إلى هذا القول قبله لعلة التأسي، وأن الناس يتأسى بعضهم ببعض.
وسئل سفيان الثوري والإمام أحمد رحمهما الله عن التأسي فقالا: (عليك بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة).
كل هذا يدلنا على أن التأسي خلُق خلَق الله الناس عليه، فانظر بمن تتأسى، أبالذي استخرج الله من قلبه مضغة الشيطان فليس للشيطان في قلبه حظ؛ وهو النبي ﷺ ، أم بمن دونه؟! ولقد صدق الشاعر وهو يذكر همم الناس، فقال: تركت وصالكم شرفاً وعزاً لخسة سائر الشركاء فيه ولا ترد الأسود حياض ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه من شرف الأسد وشرف همته: أنه إذا وجد الكلب يشرب من بئر فإنه يعافه، ولا يشرب منه.
همة المرء على قدر همه، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لكن من الذي يتأسى برسول الله ﷺ ؟ لا يتأسى به إلا رجلان، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] والصنف الثاني ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
لماذا جعل أكثر الناس هدي النبي ﷺ خلفهم ظهرياً؟ لو أن النبي ﷺ كان حياً بيننا اليوم، فقابل في الطريق رجلاً يحلق لحيته، أو رجلاً مسبلاً إزاره، أو رجلاً يلبس الذهب فقال له: اعف لحيتك، أو قال له: ارفع إزارك، أو قال له: اطرح عنك هذا الذهب ماذا كان يفعل؟ الذي أعتقده أن كل سامع لهذا الكلام سيقول: لا شك أنه سيعفي لحيته، ولا شك أنه سيرفع إزاره، ولا شك أنه سيخلع الذهب فهذا كلام جميل! لكن هل له واقع؟ إن الذين جعلوا هدي النبي ﷺ خلف ظهورهم لا يرجون الله ولا اليوم الآخر، ولو عشت معهم لرأيتهم من أقل الناس ذكراً لله ، تجلس في مجلس أحدهم ثلاث ساعات أو أربع لا يذكر الله مرة، إنما يذكر الدولار مائة مرة، ويذكر العقار، ويذكر الأرض، وتُذكر الآمال العراض والدنيا، فإذا نبه منبه على أي أمر تنبيهاً شرعياً تكلموا جميعاً في دين الله بلا هدْي ولا كتاب منير، أطول الناس ألسنة في الكلام في دين الله أجهلهم بهذه الشريعة وأبعدهم من الذكر، لا يقوي القلب على التأسي برسول الله ﷺ إلا أن ترجو الله واليوم الآخر، كما كان الصحابة يفعلون.
روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ بسند حسن، عن بريدة ﵁ قال: (دخل النبي ﷺ بيتاً فغاص بالناس -امتلأ- فجاء جرير بن عبد الله فلم يجد مكاناً فجلس خارج الدار، فأبصره النبي ﷺ ، فلف ثيابه وقذف بها إليه أن اجلس عليها، فأخذها جرير فوضعها على وجهه وقبلها).
نظرة الحب والتأسي عند هذا الجيل كانت عالية، وكانوا يجعلون رسول الله ﷺ على الرأس والعين، وفي سويداء القلب؛ لذلك هان عليهم اتباعه والتأسي به، حتى إنهم كانوا يتبعونه فيما يستطيعونه، وكان الواحد منهم يخرج من بيته يقول: لأرمقن صلاة النبي ﷺ سائر اليوم.
ويجلس يومه كله ينظر إليه وهو يصلي، وينقل حركاته كلها، حتى إنهم لما كانوا يصلون خلفه في صلاة الظهر كانوا يعلمون قراءته باضطراب لحيته! بل وأبعد من ذلك: كانوا يسمعون للقراءة في صدره أزيزاً كأزيز المرجل، أي أن صدره له صوت وهو يقرأ؛ من شدة ما يلقى رسول الله ﷺ من المعاني التي في كتاب الله ، ثم ينقلون هذا، حتى إنه ﷺ كان يصلي العشاء بهم مرة، فجاء ذكر موسى وهارون فسعل سعلة ثم ركع فسجلوها ودونوها أنه سعل عند ذكر موسى وهارون وركع.
فنقلوا لنا كل شيء في حياته ﷺ لماذا؟ لأنهم كانوا يرجون الله واليوم الآخر، وكانوا أكثر الناس ذكراً لرسول الله ﷺ .
стр. 304
وفاؤه ﵊
إذا نظرت إلى وفائه ﵊ ما رأيته غدر قط، وما ينبغي له ﵊، حتى مع أعدائه إذا قال وفّى، في صحيح مسلم أن حذيفة بن اليمان قال: (ما شهدت أنا وأبي وقعة بدر -مع أنهم كانوا حاضرين، لكن ما قاتلوا- قال: لقينا كفار قريش فقالوا: إلى أين؟ قلنا: إلى المدينة.
قالوا: إنكم ستقاتلوننا -أي مع النبي ﷺ فأعطونا العهد والميثاق ألا تقاتلونا ونحن نخلي بينكم وبين وجهتكم، فأعطوهم العهد والميثاق، ثم جاءا إلى النبي ﷺ فقصا عليه ذلك، فقال ﵊: نوفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) هو أوفى الناس، لا يغدر وما ينبغي له! وكما روى النسائي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة، وأذن للناس في البيعة العامة، أمَّن الناس جميعاً إلا أربعة رجال وامرأتين، فقال: اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة)، وكان الخائف إذا أراد أن يفر من مَن يريد أن يقتص منه أو يقتله ذهب إلى الكعبة فتعلق بأستارها، فحينئذ يأمن؛ لأن العرب كانوا يعظمون البيت، فقال ﷺ : لا تجروا على سالف ما كنتم ترون أو تفعلون، إذا جاء الجاني فتعلق بأستار الكعبة لا تتركوه (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) وهؤلاء هم: عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أبي سرح، فلقي الناس مقيس بن صبابة في السوق فقتلوه، ووجدوا عبد الله بن خطل معلقاً بأستار الكعبة فقتلوه، فأما عكرمة بن أبي جهل ففر راكباً البحر هارباً، فهبت ريح عاصف كادت الأمواج أن تحطم السفينة، فقال صاحب السفينة: أخلصوا الدعاء؛ فإن آلهتكم لن تنفعكم هنا.
فقال عكرمة: (لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص فلا ينجيني في البر غيره، لله علي إن أنجاني لآتين محمداً ﷺ فلأجدنه عفواً كريماً) فلما نجا جاء رسول الله ﷺ فأسلم فقبل منه، ولما دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة العامة جاء عثمان بن عفان بـ عبد الله بن أبي سرح فقال: (يا رسول الله! بايع عبد الله، فسكت، حتى قالها ثلاثاً، ورسول الله ﷺ يأبى كل ذلك أن يبايعه، ثم بايعه بعد ذلك، والتفت إلى أصحابه فقال: أليس منكم رجل رشيد! إذ رآني كففت يدي عن بيعة هذا أن يقوم إليه فيضرب عنقه.
فقالوا: يا رسول الله! هلا أعلمتنا بما في نفسك -وفي اللفظ الآخر قالوا: هلا أومأت إلينا بعينك- فقال ﷺ : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) وسماها خائنة؛ لأنها إنما تكون من خلف ظهر صاحبها، لذلك سماها خائنة، فكل رجل يغمز لآخر في غفلة صاحبه فهو خائن، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فما غدر قط ﷺ لكنه قد ينتقم بعدما يعذر مرة ومرة ومرة، ثم بعد ذلك إذا استيقن من لؤم الرجل أو الخصم أخذه على حين غرة؛ لأن الحرب خدعة، وهذا لا ينافي ما قلت من أنه ﷺ ما غدر قط، فلو أخذ رجلاً غيلة أو أمر أن يؤخذ غيلة فقد أفضى إليه مراراً، كـ عمر بن أبي عزة مثلاً، كان شاعراً، وكان يهجو النبي ﷺ ، وكان يشبب بنساء المسلمين، فظفر به فهم أن يقتله، فطلب العفو وقال: يا محمد! كن خير آخذ ولا أعود، فتركه فعاد، فظفر ﷺ به فقال له: هذه لا أعود، فتركه، فأغراه المشركون فشبب بنساء المسلمين، وهجا رسول الله ﷺ ، فظفر به رسول الله ﷺ ، فطلب العفو منه فقال: (لا، والله لا أدعك تمشي في طرقات مكة تقول: ضحكت على محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وأمر به فقتل).
صَفحْنا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ وَقُلْنا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الأَيَّامُ أنْ يرْجعْنَ قَوْمًا كَالَّذِي كَانُوا فلَمَّا صَرَّحَ الشَّر فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيانُ وَلَمْ يَبَقَ سِوَى العُدْوَانِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا مَشَيْنا مِشْيَةَ اللَّيْثِ غَدَا واللَّيْثُ غَضْبَانُ بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ وَتَخْضِيعُ وإقْرَانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ غَذَا وَالزِّقُّ مَلآنُ وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ من أعذب ما قالته الشعراء هذا الذي قاله قريط بن أنيف، أبيات نحتاج إليها اليوم لاسيما في هذا الضعف الذي يعيشه المسلمون وهم يتكايسون، ليس عندهم فطنة، لكنهم يتكايسون، يرون عدوهم يلعب بهم، ومع ذلك يطلبون وده، وكلما زاد في إهانتهم زادوا طلباً لوده ولرضاه وصفحه، وما كان هكذا السلف الأول قوله: وَبَعْضُ الْحِلْمِ عِنْدَ الْجَهْلِ لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ شخص يجهل عليك، كل يوم يضربك فتقول له: الله يسامحك، يضربك مرة أخرى.
فتقول: الله يسامحك، يعتدي على عرضك فتقول: الله يسامحك لا.
(وَبَعْضُ الْحِلْمِ عند الجهل): يعني هذا ليس أوان الحلم ولا مكانه عندما يجهل عليك شخص ويشتمك ويضربك (لِلذِّلَّةِ إذْعَانُ): هذا إذعان واستسلام، ليس حلماً ولا له علاقة بالحلم.
وَفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِينَ لاَ يُنْجِيكَ إِحْسَانُ أعطيته الإحسان مرة واثنتين وثلاثاً، ولم تجد إلا الغدر ما بقي إلا الانتقام.
وعلى هذا تحمل كل الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، كمقتل كعب بن الأشرف، فقد كان رجلاً شاعراً وكان يهودياً، وكان يؤذي الله ورسوله، فلما فاض الكيل وبلغ السيل الزبا، وتجاوز الرجل كل الحدود، فقال ﷺ لأصحابه: (من لـ كعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله)، وهذه كانت كافية ليعلن المسلمون النفير العام (إنه آذى الله ورسوله).
في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف، وهذا الحديث أذكره ليبكي الحر على نفسه، الحر الذي لا يجد طريقاً إلى إعادة شرفه مرة أخرى، أقل ما يفعله أن يبكي على نفسه.
روى الشيخان من حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر إذ جاءني غلامان: واحد عن يميني، والآخر عن شمالي، فقال لي أحدهما -وأسر لي حتى لا يسمع صاحبه-: أي عم! أتعرف أبا جهل؟ قلت: وماذا تريد منه يا بن أخي؟ فقال: بلغني أنه يسب رسول الله.
والله! لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
قال: فعجبت من مقالته، ثم أسر لي صاحبه فقال لي مثل مقالته، قال: فبينا أنا كذلك إذ رأيت أبا جهل يزول في الناس - يعني: يذهب ويأتي مضطرباً- فقلت: هذا صاحبكما، قال: فانقضا عليه ضرباً بالسيف فقتلاه، وكلٌ يقول: أنا الذي قتلته، وتنازعا -كل واحد يقول: أنا الذي قتلته، لأن قتل عدو رسول الله شرف، فكل منهما يريد أن يسبق إلى هذا الشرف- حتى جاءا إلى رسول الله ﷺ يحتكمان إليه فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: لا، فقال: أرني، ثم قال تطييباً لخاطرهما: كلاكما قتله) غلامان! حتى أن عبد الرحمن بن عوف قال: (وجدت نفسي بين غلامين تمنيت لو كنت بين أضلع منهما) كأنه يقول: كنت أتمنى أن يكون على يميني شخص ضليع وعلى يساري كذلك، لكن على يميني غلام صغير وعلى شمالي غلام صغير.
قال: (بلغني أنه يسب رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده -يعني: لا يفارق شخصي شخصه، حتى يموت الأعجل منا).
ورسول الله ﷺ عندما يقول: (من لـ كعب بن الأشرف؟ فإنه آذى الله ورسوله) انتدب له محمد بن مسلمة وأبو نائلة - محمد بن مسلمة ابن أخته، وأبو نائلة أخوه من الرضاعة- فقالا: (يا رسول الله! هل تأذن أن نقول له شيئاً -يعني أن نخدعه بالكلام-؟ فأذن ﷺ ، فجاء إليه محمد بن مسلمة فقال: جئتك أستلف منك وسقاً أو وسقين من شعير، فإن هذا الرجل قد عنانا، فقال كعب مبتسماً: وأيضاً والله لتملنه -يعني: أنتم لم تروا شيئاً بعد- فقالا: إننا لا نريد أن نتركه حتى نرى عاقبة أمره، وجئنا نستسلف منك.
قال: ارهنوني نساءكم فقالا له: نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟!) (فقال: ارهنوني أبناءكم.
فقالوا: هذا عار علينا، يسب الولد يوماً فيقال: رهن بوسق من شعير! ولم يتركوا له خياراً يعرضه، بل هم من عرضوا عليه قالوا: ولكن نعطيك اللأمة).
اللأمة: هي درع الحديد الذي يلبسه المقاتل ليقي نفسه ضربات السيف، وهذا عرض ذكي، لأنهم أجمعوا قتله، لكن عندما يأتون بالأسلحة والرجل لم يتفق معهم على الأسلحة، سيشعر أنهم يريدون أن يغدروا به.
(قالوا: بل نأتيك باللأمة، فاتفقوا، حتى كان اليوم المعلوم بينهم، فجاءا في نصف الليل فناداه أبو نائلة فقال: يا كعب! انزل، وكان كعب حديث عهد بعرس، فقالت له امرأته: إلى أين في هذه الساعة؟ قال: إنما هو رضيعي أبو نائلة، وابن أختي محمد بن مسلمة.
فقالت المرأة له: إني أسمع صوتاً يقطر منه الدم.
قال: إنما هو أخي أبو نائلة، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب -عار عليّ أن يناديني أحد ولا أنزل، ولو أن اثنين تعاركا وقال أحدهما: أغيثوني، وأنا لا أعرفهما لكان ينبغي علي أن أنزل لنجدته نخوة العرب! - فنزل وهو ينفح عطراً، فقال محمد بن مسلمة: ما رأيت كاليوم عطراً، أتأذن لي أن أشم رأسك، فشم رأسه
стр. 305
هديه ﵊ في الأكل
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
مثلاً: في مأكله ﵊، فإنه ما عاب طعاماً قط، يا لحلمه وصفحه! ولا يخلو طعام من عيب، فما عاب طعاماً قرب له قط، إن اشتهاه أكله، وإن عافته نفسه تركه، وهذا من فقهه ﵊، فإن الناس تتفاوت أذواقهم، رب طعام تعافه نفسك يكون مشتهى عند رجل آخر، فلماذا تعكر على هذا الآخر؟ ربما يخطئ في هذا بعض الآباء، فعندما يقدم له الطعام يبدأ في إعابته فيقول: الأرز فيه كذا، والطبيخ بائت أهذا أكل؟ أهذا شرب؟ لا، أنا لا آكل طبيخاً بائتاً.
مع أن أولاده كانوا سيأكلونه، وليس لهم هذه الملاحظة التي له، فهلا كتمها؟ لماذا يعكر على هذا الذي كان سيقبل على الطعام بشهية، لماذا يعكر عليه شهيته ويعكر عليه مراده؟ وهذا من فقهه ﵊؛ لأن المرء لا يجري على وتيرة واحدة في حياته، يعني قد يغتني في بعض دهره ويفتقر في البعض الآخر، ولا يكون سواء، يومه ليس كغده، وأمسه ليس كغده، والأيام دول، فالرسول ﵊ ما كان يعيب طعاماً قط.
فأنت حين تدخل البيت ولم يعجبك الطعام اطلب طعاماً آخر، لكن لا تعب هذا الطعام، ولو أن بعض أولادك جهر بعيب الطعام أظهر له مزاياه، حتى وإن كنت لا ترى ميزة، حتى تعين ولدك على بطنه.
كثير من الناس تركوا الالتزام وأكلوا الحرام بسبب البطن، وبعض الناس يخرج من وردية ويدخل وردية، عندما تسأله يقول لك: آكل عيشاً، وكثير من الناس أنفق عمره على تحصيل شهواته، فأعن ابنك على بطنه، وعلمه ألا يعيب شيئاً، فربما كان حظه أقل من حظك في الدنيا، فإذا عاش في هذا المستوى ربما ارتشى، وربما أكل الحرام حتى لا يهبط عن المستوى الذي عاش فيه مع أبيه.
فإذاً: ترك النبي ﷺ العيب في الطعام له أكثر من فائدة.
وكان ﷺ إذا جلس للطعام جلس جلسة العبد، ما ترك العبودية في موضع ولا مكان حتى وهو يأكل، فكان يقول وهو جالس القرفصاء يأكل: (أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد) ويصرح بهذا ويجهر به، لكن جلسة البطر والكبر ما فعلها قط ﷺ ، وما ينبغي له ﵊.
وكان ﷺ يوصي الرجل إذا جاءه خادمه بطعام أن يجلسه ليأكل معه، وعلل ﷺ ذلك قائلاً: (إنه كفاك حره وناره) يعني هو الذي وقف يطبخ لك، وهو الذي أصابه لفح النار، وهو الذي تصبب عرقاً، وأنت جالس دائماً، وجالس في التكييف، فأشركه معك في الأكل اذكر جميله حيث تلقى هو لفح النار، أنت تفعل هذا مع امرأتك التي كفتك حر النار، وكفتك هذا التعب، وجئت فوجدت الطعام معداً مهيئاً فتشكرها عليه، وتثني عليها، لاسيما إذا رأيت أو آنست منها إخلاصاً في العمل وفي بذل الجهد، فكما أنها كفتك هذا الحر وهذه النار، فأنت بدورك تسدي لها الشكر، كما أمرنا رسول الله ﷺ عرفاناً لهذا الخادم أنه يجلس فيأكل، وقد علل ذلك بما سمعتم.
стр. 306
حلمه ﵊ وسعة صدره
نوصي المسلمين بقراءة الكتب التي صنفت في شمائله ﷺ ؛ ككتاب: أخلاق النبي لـ أبي الشيخ، وكتاب: الشمائل للإمام الترمذي صاحب السنن، فإنهم ذكروا طرفاً من حياته ﷺ ، فيذكرون مثلاً من حلمه وسعة صدره ﵊، ما أخرجه مسلم في صحيحه: (أن امرأة في المدينة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله! لي إليك حاجة.
فقال لها: نعم، وانتحى بها ووقف معها حتى قضت حاجتها)، وفي الحديث الآخر (أن امرأة -كهذه أو هي- كانت تأخذ بيد النبي ﷺ فتطوف به المدينة فلا يمتنع عليها)، وكان إذا صافح رجلاً لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، وكان إذا أعطى أذنه رجلاً لا ينزعها منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع، يعني: إذا أعطاه أذنه يسمع له فإنه ﷺ لا يبتعد حتى ينهي الرجل مقالته.
وهناك شيء شبيه بهذا، وهو الهاتف، مثلاً: رجل طلب آخر، وبعد أن انتهت المكالمة قال الرجل المطلوب للذي اتصل به: السلام عليكم، وهذا ليس على الهدي، إنما ينبغي أن يسلم الذي طلب، لماذا؟ لأنه قد يكون له حاجة، فاتركه حتى يبلغ حاجته، وإذا أردت أنت أن تنهي المكالمة فاسأله: هل لك حاجة أم لا؟ لاسيما أن الطالب هو الذي يدفع أجرة الاتصال؛ فلماذا أنت مستعجل؟ لا تنه المكالمة حتى ينهيها هو، فإن هذا من أدب النبي ﷺ ، فإنه كان إذا صافح رجلاً لا ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع، أو حتى يكون هو الذي يتنحى.
وفي كرمه ﷺ كانوا يروون حديث جابر -وهو في الصحيحين- (أن النبي ﷺ ما سُئل شيئاً قط فقال: لا) أبداً.
وأنت تنظر أيضاً إلى سعة صدره وحلمه ﵊ في حديث أنس المتفق عليه، قال: (خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي قط لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي قط لشيء تركته: لم تركته؟) عشر سنين من حياته ﵊، لا يعاتبه، لأن كثرة العتاب تفسد الود، فلا تكثر من معاتبة صاحبك؛ فتقل حشمتك وتهون عليه، ولا تكاد تجد صاحباً يصافيك مائة بالمائة أبداً.
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه انظر إلى هذا الكلام كأنه مشتق من مشكاة النبوة! إذا كنت تريد ماء سلسبيلاً ليس فيه تراب ولا غبار ولا رمل إذاً مت من العطش، بل لابد أن تشرب الماء بالقذى؛ لأن الماء الذي ليس فيه شيء من ذلك لا تشربه إلا في الجنة، والذي هو السلسبيل، كذلك صاحبك إذا أردت صاحباً يوافقك مائة بالمائة إذاً عِش بلا صاحب، وإذا أردت زوجة لا تخالفك في قليل ولا كثير؛ إذاً الق الله عزباً ولا تتزوج، لأن النبي ﷺ قال: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة) يعني: مستحيل، لو أن الرجل له مائة طريقة فالمرأة لها ألفان وهكذا، فيكون بينك وبينها بون شاسع في التقلب، وفي تعدد الطرق والمذاهب.
إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة، يعني: لا بد أن تغضب منها يوماً حتى وإن كانت أوفى الناس، وإن كانت أفضل الناس.
إذاً ليس هناك إنسان يصافيك مائة بالمائة إلا أن يكون كمثل أبي بكر للنبي ﷺ ، فإنه هو الذي صافاه مائة بالمائة، وهو الذي وافقه مائة بالمائة، وهو الذي كان يحبه مائة بالمائة، ولا أعلم قط لـ أبي بكر الصديق ﵁ موقفاً واحداً خالف فيه النبي ﷺ أو اعترض عليه، بخلاف من جاء بعد أبي بكر بدءاً من عمر ﵁، فإن عمر ﵁ كان يبدي رأيه بصراحة، أما أبو بكر فما كان كذلك؛ لشدة تعلقه بالنبي ﷺ .
إن عمر جاء النبي ﷺ في صلح الحديبية معترضاً فقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: بلى.
قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قال: ألم تخبرنا أنا نأتي البيت؟ قال: فهل قلت لك إنك تطوف به العام؟ قال: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به)، ولم يرفع هذا الكلام الحرج من صدر عمر، فانطلق إلى أبي بكر ﵁ يعدد له نفس هذه الاعتراضات، (قال: يا أبا بكر! ألسنا على الحق؟ قال: بلى.
أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قال: أليس رسول الله حقاً؟ قال: بلى.
قال: ألم يخبرنا أنا نأتي البيت؟ قال: أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به) فشابه قول أبي بكر قول النبي ﷺ بالحرف؟ وقال له: (يا أيها الرجل! الزم غرزه، فإنه رسول الله وليس يخالفه).
وقد قالها رسول الله ﷺ لـ عمر قبل أبي بكر: (إني رسول الله ولست أعصيه) هذا هو الصاحب الذي وافق صاحبه مائة بالمائة، ولا أعلم أحداً وافق الرسول ﷺ مائة بالمائة حتى في المستحبات وفي رأيه، إلا أبا بكر الصديق.
إن أبا بكر وافق النبي ﷺ في اجتهاده في أسرى بدر، ولم يعترض ولم يعارضه بخلاف عمر، وإن كان نزل القرآن موافقاً لرأي عمر، لكن أبا بكر وافق رسول الله ﷺ ، حتى لما وقعت حادثة الإفك وجاءت عائشة ﵂ إلى أبويها، وظلت شهراً تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها فجاء النبي ﷺ بعد شهر كامل لا يتكلم، ولا يبرئ عائشة فجلس، فحمد الله وأثنى عليه، قالت عائشة: وكانت أول مرة يجلس فيها منذ كان ما كان، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، فإن العبد إذا أذنب فاعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه)، فشعرت عائشة أن في هذا الكلام اتهاماً لها، فقالت لأبيها: (أجب رسول الله ﷺ .
فقال: والله يا ابنتي ما أدري ما أقول.
فقالت لأمها: أجيبي رسول الله ﷺ .
فقالت: والله يا بنتي ما أدري ما أقول.
قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أحفظ كثيراً من القرآن: إنني لو قلت: إنني فعلت والله يعلم أنني ما فعلت لتصدقنني، ولو قلت: إنني لم أفعل، والله يعلم أني لم أفعل لا تصدقوني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] قالت: ثم تحولت، فوالله ما خرج أحد من البيت حتى أنزل الله براءتي).
فها هو أبو بكر ﵁ لما وجد أن رسول الله ﷺ سكت ولم يتكلم، ولم يفصل مع حاجته إلى الفصل في هذا، ومع حاجته أن يبرئ امرأته مما رماها به الواشون، وقف حيث وقف رسول الله ﷺ .
فصاحبك مقارف ذنباً ومجانبه؛ فأقل من العتاب، كما كان يفعل رسول الله ﷺ ، فقد كان أقل الناس معاتبة، ولو عاتب لشعرت بقطرات الحنو والدفء في كلامه! روى البخاري في كتاب المرضى، وكذلك مسلم من حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: (أردفني رسول الله ﷺ خلفه على حمار، وذهبنا نعود سعد بن عبادة -وذلك قبل وقعة بدر- فلما مررنا على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك قبل أن يسلم، فقال عبد الله بن أبي -إشارة إلى التراب الذي أثارته رجل البغلة- قال: لقد غبر علينا، ثم قال لرسول الله ﷺ : أيها الرجل! إن الذي تقول لحسن إن كان صدقاً، فلا تأت مجالسنا، فمن أراد أن يسمع كلامك فليذهب إليك، لكن لا تأتنا فإنا لا نحب ذلك.
فقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله! والله إننا لنحب أن تأتي مجالسنا، وقال آخر لـ عبد الله بن أبي ابن سلول: والله لرائحة بغلة رسول الله ﷺ أطيب منك، وثاروا جميعاً حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ راكب البغلة يسكنهم حتى سكنوا، فذهب النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة فدخل عليه وهو مريض، فقال لـ سعد: يا سعد! ألم تسمع ما قال أبو الحباب؟! - أبو الحباب هو: عبد الله بن أبي ابن سلول، فانظر إليه كيف كناه، والكنية إنما تكون للتشريف، مع أن عبد الله بن أبي ابن سلول سبه منذ قليل- فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله! اعف عنه واصفح، فإن كان يطمع أن يكون رأساً على أهل هذه البحيرة، فلما آتاك الله ما آتاك من النبوة شرق لذلك -وفي رواية: فأنزل الله قوله ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة:١٠٩]).
فانظر إليه ﷺ ما أحلمه! لذلك خطف قلوب الناس، وأذعن له الكبير والصغير، والموافق والمخالف، إذ لم يأخذوا عليه شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، حتى إن هذا الذي شرق بما آتاه الله رسوله، يقول: إن الذي تقول لحسن لو كان صدقاً.
فأذعن لحسن كلامه ﵊، فيا ليتنا ونحن نبلغ دعوة الله إلى الناس أن نكون كرسول الله ﷺ فنتأسى به.
إن الله قال له مع شرف منصبه، وأن لا شرف في الدنيا أعلى من منصبه ﵊، قال له: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، مع حاجتهم إليك وإلى الإيمان بك، وأن المرء منهم لو كفر بك لا يلج الجنة أبداً، فإنك لو كنت فظاً غليظ القلب
стр. 307
حكم التأسي برسول الله ﷺ
آداب رسول الله ﷺ كثيرة: أدب منامه، ومأكله ومشربه، وأدب تعامله مع جيرانه ومع أزواجه وأعدائه، لم يترك العلماء باباً من هذه الأبواب إلا ووضعوا فيه حديثاً أو حديثين، أو واقعة أو أكثر تدلل على خلق رسول الله ﷺ ، لو أردت أن تتأسى بأي صفة تخطر لك على بال وجدت رسول الله إماماً فيها، فأتم برسول الله ﷺ ، فإن أصل الائتمام به واجب، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤]، فالأصل في طاعة أي رسول أنها واجبة على قومه، ولا تصرف الأدلة الجزئية أو الوقائع التفصيلية من الوجوب إلى الاستحباب إلا بدليل، وإلا فأصل التأسي واجب.
والعلماء لما ذكروا التأسي بالنبي ﵊ اختلفوا: هل التأسي به واجب على الإطلاق، أم مستحب على الإطلاق؟ والصواب أن المسألة فيها تفصيل: بعض أفعال النبي ﷺ كان يفعلها فعلاً جبلياً، كطريقة مشيه ﵊، فكان إذا مشى كأنما تحدر من صبب، يمشي بقوة وفتوة ﵊، وكان يمشي محلول الأزرار، وكان يمشي وفي يده عصا كل هذه تدل على المشروعية أو على الجواز أو على الاستحباب؛ لأن مثلها ارتفع إلى درجة الاستحباب والمشروعية بدليل من خارج، ولذلك العلماء يفرقون بين الأفعال الجبلية والأفعال التي قصد بها المشروعية.
فالشعر مثلاً أوصى به النبي ﵊، فلا يعامل الشعر معاملة حمل العصا ولا فك الأزرار، لا، الشعر أعلى، يعني استحبابه أوضح؛ لأن النبي ﷺ مع تركه لشعره حتى كان يضرب إلى منكبيه، كان يقول: (من كان له شعر فليكرمه) هذا حض منه على إكرام الشعر، ولم يكتف بمجرد الإطلاق لشعره فقط، حتى حض على إكرامه، وقال ﷺ : (إذا أخذت فخذ منه كله أو دعه كله).
ولكن العلماء يقولون: حتى الأفعال الجبلية التي كان يفعلها ﷺ بغير قصد أن يُتأسى به يأخذ المسلم عليها أجراً إن قصد الموافقة؛ لأن الموافقة هي دليل الحب، فمثلاً شخص يمشي حاملاً في يديه عصى، لأن الرسول ﵊ كان يحمل العصا، لكن بشرط ألا تكون عصا المارشال، التي كان يأخذها شخص ويذهب عند الهرم، وأراد أن يكون الهرم الرابع، العصا هذه تدخل النار، لأن الذي يحملها كله كبر، لكن أن تحمل العصا بقصد التأسي برسول الله ﷺ فإنه يكتب لك بها الأجر.
فالأفعال الجبلية كلها إذا قصدت بها مطلق التأسي انتقلت من المباح إلى المستحب مباشرة، ولا يفعل هذا إلا محب، لا يبلغك عن رسول الله ﷺ شيءٌ إلا وينبغي أن تبادر إلى إثباته ولو مرة في حياتك، وهذا هو عنوان الحب.
نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يجعل رسول الله لنا إماماً، اللهم اجعل رسول الله لنا إماماً، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
стр. 308
الطريق إلى الجنة
الطرق الموصلة إلى الجنة كثيرة ومتنوعة؛ وهذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، فقد يسر الله لعباده هذه الطرق وعددها لهم لأن النفوس تختلف، والأبدان تتفاوت في القوة والضعف، فكل يطرق الباب الذي يستطيع طرقه، ويعلم أن هذه الطريق صحيحة وموصلة إلى الجنة بإذن الله ، وإن الطريق الجامعة لكل شعب الإيمان هي أن يشهد العبد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه، وهذه الشهادة لابد للعبد من الإتيان بها حتى ينجو من عذاب الله، ويصل إلى جنته.
стр. 309
فوائد من حديث: (من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنا قعوداً مع النبي ﵌ ومعنا أبو بكر وعمر، فقام النبي ﵌ واقتُطع دوننا، وخشينا أن يصيبه أذى، ففزعنا فكنت أول من فزع، فخرجت أبحث عنه حتى أتيت على حائط للأنصار فوجدت في أسفل الحائط ربيعاً -أي: جدولاً- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب ودخلت، فإذا النبي ﵌ مسند ظهره للحائط، قال: أبو هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله! اقتُطعت دوننا، وخشينا أن يصيبك أذى، قال: اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، قال: فلقيت عمر قال: ما هذا يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله ﵌، قال لي: من لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، قال أبو هريرة: فضربني عمر بين ثديي فوقعت لاستي -أي: وقع على استه- قال: فأجهشت بكاءً، ورجعت إلى النبي ﷺ وركبني عمر -أي: انطلق على أثره بلا مهلة- فلما رآني رسول الله ﷺ قال: مالك يا أبا هريرة؟ قلت: هذا عمر قلت له: إن رسول الله ﷺ قال لي: من لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة؛ فضربني فوقعت لاستي، فقال النبي ﷺ : لم يا عمر؟ قال: يا رسول الله! خلِّ الناس يعملوا، قال: خلّهم يا عمر).
стр. 310
جواز نزول رأي الفاضل إلى رأي المفضول
قال أبو هريرة: (وركبني عمر -يعني: انطلق وراءه بلا مهلة- فلما رآه النبي ﵊ قال: مالك يا أبا هريرة؟ قلت هذا عمر قلت له: إن النبي ﷺ قال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة؛ فضربني فوقعت لاستي -وكان عمر قد دخل- قال: لم يا عمر؟ قال: يا رسول الله! خل الناس يعملون)؛ لأنهم إن سمعوا هذه الكلمة تكاسلوا في العبادة، وظن بعضهم أن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وأغنته عن كثير العمل، فخل الناس يعملون واكتم عنهم هذه البشارة، فقال النبي ﷺ : (خلهم يا عمر).
وهنا فائدتان: الفائدة الأولى: جواز نزول رأي الفاضل على رأي المفضول؛ لأن النبي ﷺ نزل إلى رأي عمر، وقد نزل النبي ﵊ إلى رأي عمر كثيراً، إن عمر ﵁ وهو أمير المؤمنين قال على المنبر يوماً: (وقد كنت أجرؤكم على النبي ﷺ ، وتعجب عمر من جرأته، وكيف كان يتجرأ؛ حتى أن النبي ﵊ عندما أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ابن سلول صلاة الجنازة وقف عمر أمام الجنازة وأراد أن يمنع النبي ﵊ من الصلاة عليه، حتى قال له النبي ﵊: (خلِّ عني يا عمر) فكان ﵁ جريئاً عليه ﷺ .
فكان عمر يتعجب من هذه الجرأة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ في غزوة تبوك أنه قلت أزواد القوم، فهموا أن ينحروا بعض الإبل، فأذن لهم النبي ﷺ بنحر بعض الإبل يأكلونها ويشربون الماء الذي في أجوافها ويدهنون بها، فذهب عمر إلى النبي ﷺ وقال: (إننا إن ذبحنا الإبل قل الظهر، ولكن اجمع ما في أزواد القوم ثم سم الله عليها)، فنزل النبي ﷺ على رأي عمر فجاء صاحب البر ببره، وصاحب التمر بتمره، وجاء هذا بكف من ذرة وهذا بكف من شعير، وهذا بكسرة، فسمى النبي ﷺ الله تعالى عليه، فحملوا كثيراً في أزوادهم وفضلت فضلة.
стр. 311
جواز كتم العلم عمن يظن ضرره إذا بلغه
الفائدة الثانية: جواز كتم العلم عن من يظن ضرره إذا بلغه هذا العلم؛ لأنه قال: (خلِّ الناس يعملون) لئلا يغتر رجل بظاهر هذا الحديث فيترك العمل اتكالاً على القول، فيجوز أن تكتم مثل هذه البشارات عمن تظن أنه إذا علم بها اغتر وقل عمله وجده، فـ معاذ بن جبل قال له النبي ﷺ : (يا معاذ! قال: لبيك رسول الله وسعديك! قال له: يا معاذ! -وهو رديفه على الحمار يعني: يركب خلفه- يا معاذ! قال: لبيك رسول الله وسعديك، ثلاثاً -كل هذا ليستجلب انتباه معاذ - قال: لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً)، لما جاءت المنية معاذاً أخبر بهذا الحديث خشية أن يقع في إثم كتمان العلم، وإلا فـ معاذ قال للنبي ﷺ : (أفلا أبشر الناس؟ فقال ﵊: إذاً يتكلوا) أي: يتكلوا على مجرد القول فيتركون العمل.
فهذه من الفوائد المنثورة في حديث أبي هريرة ونسأل الله أن يتقبل منا ما قلناه وما سمعناه بقبول حسن، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، رب آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 312
جواز الدخول إلى بيت الغير أو ملكه للضرورة
قال أبو هريرة: (فكنت أول من فزع فرأيت حائطاً لبني النجار) والحائط هو البستان الذي عليه سور- فبحث أبو هريرة عن مدخل لهذا لحائط، فلم يجد غير ربيع في أصل الجدار، والربيع هو الجدول، كأنها كانت قناة ماء تمر بأسفل الجدار على هيئة القبو، لذلك قال أبو هريرة: (فاحتفزت كما يحتفز الثعلب)، أي: أنه ضم أطرافه بعضها ببعض حتى يتمكن من الدخول من هذا الجدول، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلم أن يدخل بيت غيره أو ملك غيره بغير إذنه لضرورة؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لك أن تدخل بيت غيرك أو ملك غيرك إلا بإذن، وفي صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﵊ رأى رجلاً ينظر من نافذة حجرته وكان بيده آلة حادة، فقال له: (لو رأيتك وأنت تنظر لطعنت بها في عينك ولا دية لك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، فإذا دخل البصر فلا أذن) لم جعل الاستئذان؟ حتى لا يقع بصرك على عورات الناس، فإذا دخل البصر فما قيمة الإذن، ما قيمة أن تنظر وتتسمع كلام الناس ثم تدق الباب؟! إنما جعل الاستئذان من أجل ألا يسبق بصرك إلى عورات الناس، ولذلك قال: (لو رأيتك لطعنت بها في عينك ولا دية لك) أي: لو رأيت رجلاً ينظر في بيتك بغير إذنك فطعنته في عينه فذهبت فلا دية له، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، هذا هو الأصل، لكن هب أنك سمعت صراخاً في بيت الجار واستغاثة، أو رأيت حريقاً أو أي شيء ضار، فالاستئذان لا يسع في هذا، ولكن ادخل، وهذا خروج عن الأصل للضرورة ودليله هذا الحديث، أن النبي ﵊ لم ينكر على أبي هريرة، فلم يقل له: كيف تدخل ملك الناس بغير إذن، هل استأذنت؟! فلما لم يقل النبي ﵊ ذلك دل على جوازه، فإنه ﷺ لا يسكت عن الخطأ: (قال: أبو هريرة؟ -على سبيل الاستفهام وتقديره: أنت أبو هريرة - قال: نعم يا رسول الله! قال: ما جاء بك؟ قال: اقتُطعت دوننا وخشينا أن تصاب بأذى، وهؤلاء أصحابي على أثري -أي: يبحثون عنك معي- فقال له النبي ﵊: اذهب بنعليَّ هاتين، فمن لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 313
جواز إعطاء الأمارة للغير
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال النبي ﷺ لـ أبي هريرة: (اذهب بنعليّ هاتين فمن لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) وفي هذا دليل على جواز إعطاء الأمارة، فلو قلت لفلان: اذهب إلى فلان فقل له بأمارة كذا وكذا أعطني كذا جاز، ونعل النبي ﷺ كانت معروفة للصحابة جميعاً؛ لذلك أراد أن يهدئ من روع هؤلاء، فقال: (خذ نعلي هاتين -كدليل على أنك قابلتني (أمارة) - فمن لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة).
стр. 314
لزوم التكنية عن الأسماء القبيحة
فأخذ أبو هريرة النعل وانطلق فكان أول من قابل عمر قال: ما هذا يا أبا هريرة؟ قال: هاتان نعلا رسول الله ﷺ ، قال لي: (من لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فضربه عمر قال: فضربني بين ثديي فوقعت لاستي) والاست اسم من أسماء الدبر، وفي هذا دليل على التكنية عن الأسماء القبيحة، وأن التصريح بها لا ينبغي، وقد أدبنا الله ﵎ هذا الأدب، قال ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] والرفث: الجماع، لكنه عبر بالكناية أو بكلمة تومي إلى هذا المعنى بغير تصريح، وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] وإفضاء الرجل إلى المرأة كناية أيضاً عن الجماع، لكن يُلجأ إلى هذا التصريح لمصلحة راجحة كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور:٢] لأنه لا يجمل أن تعبر بالكناية في موضع الحد بل لا بد من التصريح.
стр. 315
جواز التغليظ في نصيحة من لا يجد عليك في قلبه
قال: (فضربني فوقعت لاستي، فأجهشت بكاءً) وأخذ بعض العلماء جواز التغليظ في النصيحة لمن يظن به ألا يتغير، أي: يجوز لك أن تغلظ في النصيحة لبعض من تظن أنهم لا يتغيرون عليك ولا يجدون عليك إذا أغلظت عليهم في النصيحة، فهذا عمر ضربه بمجامع يده، حتى قال أبو هريرة: (فأجهشت بكاءً)، ورجع إلى النبي ﷺ دامع العينين.
стр. 316
خوف أصحاب النبي ﷺ وإعظامهم له
خوف أصحاب النبي ﷺ عليه، وإعظامهم له، وإشفاقهم أن يصاب بمكروه؛ لأن أبا هريرة قال: (كنا قعوداً مع النبي ﷺ وأبو بكر وعمر) وذكر أبا بكر وعمر بالذات تنويهاً لشأنهما قال: (فقام عنا النبي ﷺ فاقتُطع دوننا وخشينا أن يصاب بأذى، وفزعنا فكنت أول من فزع) وإذا تأملت حياة هؤلاء الصحابة وجدتهم يعظمون النبي ﵊ غاية الإعظام، ولا يقدمون عليه أحداً كائناً من كان، حتى إن أبا سفيان قال لبعض المسلمين -وقد أسره في غزوه أحد-: (أتحب أن محمداً مكانك وأنت بين أهلك؟ قال: والله ما أحب أني بين أهلي ومحمداً ﷺ في مكانه يصاب بشوكة)، فضلاً عن أن يأتي إلى هنا.
فكانوا يعظمونه غاية التعظيم، حتى إن عمرو بن العاص لما أدركه الموت وحكى لابنه عبد الله مراحله في الإيمان والكفر قال من جملة ما قال وهو يحكي عن حال كفره: (ولم يك شيء أحب إليَّ من أن أكون استمكنت من النبي ﷺ فقتلته، وإنني إن قتلته دخلت النار) فلما آمن قال: (ولو طلب مني أن أصفه ما استطعت أن أصفه، فإنني ما كنت أملأ عينيّ منه إجلالاً له) أي: من الحياء وشدة الإجلال ما كان يطيق أن يطيل النظر إلى النبي ﵊، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه.
فهذه كانت سمة عامة، وهذه السمة هي أهم ما يفتقده المسلمون الآن، فمشكلتهم الآن أنهم لا يجلون النبي ﵊ الجلالة الواجبة، ولا يعظمونه الإعظام الواجب، إنما يردون أحاديثه، ولا يتأدبون في الخطاب معه.
والله إن بعض الناس قال اليوم مقالة لو قالها في زمان الصحابة لقتل ردة، لا أقول: يقتل حداً، بل ردة، وهو الذي يسمع قوله ﵊: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) وهذا حديث رواه مسلم قال أبو ذر: يا رسول الله! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؛ لماذا الكلب الأسود بالذات؟ فقال النبي ﵊: الكلب الأسود شيطان) من الواضح هنا أن النبي ﵊ فرق ولم يسو بين الكلاب كلها، فيأتي هذا الراد غير المتأدب فيقول: (الكلاب كلها سواء لا فرق بين أصفر ولا أسود ولا أحمر)، والنبي ﵊ يفرق، وقد سأله أبو ذر: ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟! فقال له إجابة واضحة في التفرقة: (الكلب الأسود شيطان)، ويأتيك هذا فيقول: بل الكلاب كلها سواء! أهذا من إعظام قول النبي ﵊؟ ويسمع قوله ﷺ : (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، وهذا حديث رواه الشيخان البخاري ومسلم، والحبة السوداء هي حبة البركة، فيأتي ويقول: كيف يقال: إن الحبة السوداء شفاء من كل داء؟ هل الرجل الذي عنده الكلى يأخذ الحبة السوداء؟ هل الرجل الذي عنده برودة يأخذ الحبة السوداء؟ هل الرجل الذي يعاني من القولون يأخذ الحبة السوداء؟ ويعترض على الحديث.
فالنبي ﵊ يقول: (شفاء من كل داء) وهو يقول: ليست شفاء من كل داء!! وبلاؤنا فيه أنه له عمامة كبيرة، ورجل له قدم، هذه هي مصيبتنا، فما يأتيك من عدوك لا يضيرك، إنما ما يأتيك من أهل جلدتك ومن يتكلمون بلغتك هذه هي المصيبة.
ولو كان سهماً واحداً لتقيته ولكنه سهم وثانٍ وثالث هذه هي المشكلة أنه لا يعظم قول النبي ﵊، ويزعم أن الأحاديث على غير ظاهرها، وأن الذين أخذوا بظاهرها جهلة، ولم يعلم أن الذين أخذوا بظاهرها هم الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين.
هذا هو الفرق بيننا وبينهم، فكان شدة الحب الذي كان في قلوبهم للنبي ﵊ يدفعهم على اتباعه في كل شيء، حتى وصل الأمر بـ عبد الله بن عمر أنه كان يمشي مع أصحابه من التابعين يوماً، فرأى قبواً فدخل فيه، فقال التابعون لـ نافع وكان مولى لـ ابن عمر: أهو داخل يستريح؟ قال لا: وإنما رأى النبي ﷺ يتبول في هذا المكان فهو يحب أن يتبول فيه.
ولما قال عبد الله بن عمر حديث النبي ﵊: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) قال ولده: (والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً)، فرماه عبد الله بن عمر بحصيات كن معه ومنعه من الدخول عليه، فمات ابن عمر ولم يدخل ولده عليه؛ لأنه عارض الحديث برأيه، وإن كان ولده وحاشاه أن يعارض الحديث جحوداً وضرباً في نحر النص، لكنه تأول الحديث، فقال: إن كانت المرأة تدعي أو تريد أن تخرج إلى المسجد لتقضي أشياء أخرى تحت ستار الذهاب إليه لنمنعهن، فاستعظم عبد الله بن عمر أن يرد ولده كلام النبي ﵊، فحصبه ومنعه من الدخول عليه فشفقتهم وحبهم للنبي ﵊ كان أعظم ما يميزهم.
стр. 317
الإيمان قول وعمل واعتقاد
هذا الحديث من حجج أهل الحق والسنة في الرد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة، فالمرجئة هم الذين يقولون: إن الإيمان قول فقط، فلو قال رجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يعمل شيئاً من مقتضيات الإيمان كان مؤمناً، ويحتجون بالأحاديث الكثيرة التي قال فيها النبي ﵊: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) قالوا: فهذه الأحاديث إنما علقت دخول الجنة على قول من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فلم يذكر عملاً، فهؤلاء يدخلون الرجل الجنة بالقول فقط، وإن عمل جميع المعاصي!! وعلى النقيض من ذلك فإن الخوارج يخرجون الرجل من الجنة إلى النار إن فعل أية معصية.
وأهل السنة وسط دائماً، فيستحيل أن يكون الإيمان المنجي صاحبة قول دون عمل، وإذا كان الأمر كذلك فالزاني يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وآكل الربا يقول ذلك، بل وقاتل النفس يقول ذلك، إذاً إن كان القول فقط هو الذي يدخل الجنة فلم يدخل بعض أهل التوحيد النار بالذنوب والمعاصي التي يرتكبونها؟! بل بلغ القول ببعض هؤلاء المرجئة وبكل أسف نشر هذا الكتاب حديثاً وهو كتاب جزء صغيراً سماه مؤلفه (دش الأفكار على المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم بالنار) وتستغرب منه أنه جعل فرعون من المقطوع لهم بالجنة، والقرآن الكريم في آياته الكثيرة يذم فرعون، هل يمكن أن يكون هناك رجل ينتسب إلى العلم من المسلمين يقول: إن فرعون في الجنة؟! قال: نعم.
والقرآن دل على ذلك!! قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] يقول: ففرعون قال الكلمة: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] قالوا: فقد صرح بالكلمة والنبي ﷺ علق دخول الجنة على من تلفظ بالكلمة وإن لم يعمل عملاً، وانظر إلى هذا الفهم المعكوس، مع أن الله ﵎ عقب على مقالة فرعون، قال له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] والآية واضحة جداً وصريحة، بل إن هذه الكلمة التي خرجت من فرعون فيها علو وكبر، فلم يقل: آمنت أنه لا إله إلا الله، وإنما قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، أي: يأبى أيضاً أن يصرح بها حتى أثناء الغرق، فما قال: لا إله إلا الله، وإنما: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠].
فالله يقول له: ﴿آلآنَ﴾ [يونس:٩١] أي: الآن وقد أدركك الغرق تشهد أن لا إله إلا الله؟! إن توبة اليائس لا قيمة لها، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﵊ قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي: ما لم تخرج نفسه وهو يعاني سكرات الموت، إذا آمن وروحه تخرج فلا قيمة لهذا الإيمان، بل هذا إيمان اليائس، إنما إن كان الرجل يؤمل أن يرجع إلى الدنيا أو يؤمل أن يبرأ من مرضه ولم تظهر عليه علامات الموت التي لا يحس بها إلا المحتضر وحده، فإذا آمن ورجع وتاب تقبل توبته؛ لأنه يؤمل أن يرجع، أما اليائس الذي لا يؤمل في الرجوع فما قيمة توبته.
عندما فتشت في ترجمة هذا المؤلف وجدته صوفياً، فهذا ليس بغريب عليه، فقد وجد في هؤلاء الصوفية من قال مقولات أبشع من ذلك، كالقول بوحدة الوجود: وهي أن كل شيء تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وقائل هذا محيي الدين ابن عربي الذي كفره جماهير علماء المسلمين، وقد ساق الحافظ ابن حجر واقعة له في كتابه الفريد (إنباء الغمر بأنباء العمر) وهو كتاب سرد فيه حياة الأمة المسلمة في أيامه يوماً بيوم، حتى دون فيه غلاء الكتان والشعير والقمح، واحتجاج التجار وملاقاتهم مع الوالي، فسرد الشيء الكثير في هذا الكتاب، ويقول في هذا الكتاب: اختصمت أنا ورجل في شأن ابن عربي فقال لي: إنه ولي من أولياء الله، وقلت: إنه كافر! فقال الرجل: بل إنه ولي، قلت له: نتباهل، والمباهلة: أن يلعن الرجل نفسه إن كان من الكاذبين، قال الحافظ ابن حجر: فتباهلنا، فقلت: اللهم إن كان ابن عربي مؤمناً فالعني بلعنتك، وقال الرجل: اللهم إن كان ابن عربي كافراً فالعني بلعنتك، قال الحافظ ابن حجر: فما مرت عليه ثلاث ليال وكان قاعداً في ليلة مظلمة فمر شيء أملس من على قدمه فمات لوقته.
فهذا الرجل الذي يقول: إن فرعون من المقطوع لهم بالجنة أداه إلى هذا القول القبيح المخالف للقرآن الكريم أنه يزعم أن الإيمان قول فقط، وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل البدع، يقولون: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، ولذلك فهذا القيد الذي ورد في حديث أبي هريرة: (من قابلته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)، ما قيمة هذا القيد: (مستيقناً بها قلبه)؟ يستحيل لرجل يستيقن أن الله ﵎ وحده لا شريك له ثم يشرك به، ويستحيل على رجل يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله ﵎ هو المشرّع وله الحكم والأمر ثم يحتكم إلى غيره، ويستحيل على رجل مس الإيمان قلبه أن يعصي الله ﵎ مستمرئاً للمعصية، هذا كله مستحيل؛ لذلك هذا الحديث رد على هؤلاء، وعلى أولئك الذين يكفرون جماهير المسلمين بالمعاصي.
وفي هذا الحديث من الفوائد الشيء الكثير، فمنها أيضاً:
стр. 318
تزوجوا الودود الولود
الأسرة هي اللبنة الأولى التي يتكون منها المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع، وإن فسدت فسد المجتمع، وقد وضع الرسول الكريم ﵊ أسساً وضوابط لرعاية هذه الأسرة التي تبدأ تكوينها بالزواج، فحث الرجل على اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين والخلق، ولا عليه أن يراعي بعد ذلك الجمال والحسب والمال فهو مباح وحث الإسلام ولي المرأة أن يتحرى في الخاطب: الدين والخلق.
وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة، وحين تكون المرأة الصالحة ودوداً ولوداً فيكون قد اجتمع للزوج سعادة الدنيا، واستعان بها على نيل سعادة الآخرة.
стр. 319
أسس اختيار الزوجة الصالحة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن أجل غراس هو غراس الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧]، فهذا هو أجل غراس يغرسه الإنسان في حياته، ومعلوم أن الزرع لا يستغني عنه الإنسان في حياته، والزرع لا يطيب إلا بثلاثة أشياء: بخصوبة الأرض، وعذوبة الماء، ومهارة الأيدي العاملة، فخصوبة الأرض بالنسبة للإنسان هو أن يختار الرجل أم ولده، فإن النبي ﵌ قال: (تخيروا لنطفكم)، لا تضع نطفتك إلا في أرض صالحة، فإذا ضممنا هذا مع الثنتين الأخريين؛ فهذا هو الطريق إلى جيل التمكين.
إن أجل غراس هو الإنسان، ولذلك قرن الله بين مراحل خلق الإنسان وبين الزرع؛ لتعتبر بما شاهدته على ما لم تشاهده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥]، هذا هو غراس الإنسان ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩].
فهذا قران ما بين خلق الإنسان وما بين الزرع، فأنت أيها الرجل زرعت الزرع ولاحظت نموه، واشتريت الأرض الخصبة بأغلى الأثمان، ورغبت عن الأرض التي لا تخرج الزرع، هذا كله مشاهد، وأنت ترتكبه، فكيف عندما جاء أجل الغراس أهملت خصوبة الأرض؟! إن المقصود الأعظم من الزواج هو: الذرية، وكل شيءٍ يأتي بعد ذلك.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب العيال عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده)، فهذا هو المقصود الأعظم: بقاء النسل لاستمرار العبودية.
تقوم البيوت في الأصل على عبودية الله ، ويدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] المرأة التي طُلّقت طلاقاً بائناً لا تحل لزوجها حتى تنكح رجلاً آخر، فإذا نكحت رجلاً آخر نكاحاً شرعياً كاملاً، ثم طلقها الرجل الآخر، وأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، قال ﵎: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] فهذا أولى من أن تقول المرأة: أرجع إلى زوجي الأول رعاية للأولاد لا، إذا كانت سترجع إلى زوجها الأول رعاية للأولاد ولا ترعى حدود الله فلا ترجع، فمراعاة حدود الله أولى وأهم من رعاية حقوق الأولاد.
فأنت أيها الرجل: إذا رغبت في النساء فارغب بهذه النية، لأن النية تسبق الذرية، ولذلك وضع الله أصولاً لطلب المرأة.
стр. 320
أهمية اختيار زوجة ذات دين
النبي ﷺ حث على اختيار ذات الدين، فقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، ولا مانع أن تضم صفة أو صفتين أو أكثر إلى الدين؛ لقوله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) فذات دين جميلة أفضل من ذات دين فقط، وذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دين جميلة فقط وهكذا.
ثم نحن نذكر صفتين ذكرهما النبي ﷺ في حديث معقل بن يسار، الذي رواه النسائي وأبو داود، قال ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)، (الودود الولود) وانظر إلى هذا الجمع! إن هناك ارتباطاً قوياً جداً بين الود وبين ولادة المرأة، إن الرجل قد يحب المرأة لأجل أولادها، ويحب الأولاد لأجل أمهم، والعلاقة بين الرجل والمرأة إذا أنجب منها الولد أقوى وأمتن من العلاقة بين رجل وامرأة لا ينجب منها، ولذلك جمعهما معاً (الودود الولود) الودود: كثيرة الود، محبة لزوجها، لا تنغصه ولا تكدره.
وإنه ليطول عجبي أن تدفع المرأة زوجها دفعاً إلى العمل فترة وفترتين وثلاثاً، ويأتي الرجل في آخر اليوم يشتكي من مفاصله ظهره وصداعاً في رأسه، ومع ذلك لا ترضى المرأة! أي ود هذا، وأي وفاء؟! كيف تسعد المرأة بحياتها وهي ترى زوجها يعاني هذه المعاناة، ولا تعيش معه على ذات يده؟!!
следующие страницы →