← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

خوف أصحاب النبي ﷺ وإعظامهم له خوف أصحاب النبي ﷺ عليه، وإعظامهم له، وإشفاقهم أن يصاب بمكروه؛ لأن أبا هريرة قال: (كنا قعوداً مع النبي ﷺ وأبو بكر وعمر) وذكر أبا بكر وعمر بالذات تنويهاً لشأنهما قال: (فقام عنا النبي ﷺ فاقتُطع دوننا وخشينا أن يصاب بأذى، وفزعنا فكنت أول من فزع) وإذا تأملت حياة هؤلاء الصحابة وجدتهم يعظمون النبي ﵊ غاية الإعظام، ولا يقدمون عليه أحداً كائناً من كان، حتى إن أبا سفيان قال لبعض المسلمين -وقد أسره في غزوه أحد-: (أتحب أن محمداً مكانك وأنت بين أهلك؟ قال: والله ما أحب أني بين أهلي ومحمداً ﷺ في مكانه يصاب بشوكة)، فضلاً عن أن يأتي إلى هنا. فكانوا يعظمونه غاية التعظيم، حتى إن عمرو بن العاص لما أدركه الموت وحكى لابنه عبد الله مراحله في الإيمان والكفر قال من جملة ما قال وهو يحكي عن حال كفره: (ولم يك شيء أحب إليَّ من أن أكون استمكنت من النبي ﷺ فقتلته، وإنني إن قتلته دخلت النار) فلما آمن قال: (ولو طلب مني أن أصفه ما استطعت أن أصفه، فإنني ما كنت أملأ عينيّ منه إجلالاً له) أي: من الحياء وشدة الإجلال ما كان يطيق أن يطيل النظر إلى النبي ﵊، فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبه. فهذه كانت سمة عامة، وهذه السمة هي أهم ما يفتقده المسلمون الآن، فمشكلتهم الآن أنهم لا يجلون النبي ﵊ الجلالة الواجبة، ولا يعظمونه الإعظام الواجب، إنما يردون أحاديثه، ولا يتأدبون في الخطاب معه. والله إن بعض الناس قال اليوم مقالة لو قالها في زمان الصحابة لقتل ردة، لا أقول: يقتل حداً، بل ردة، وهو الذي يسمع قوله ﵊: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) وهذا حديث رواه مسلم قال أبو ذر: يا رسول الله! فما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؛ لماذا الكلب الأسود بالذات؟ فقال النبي ﵊: الكلب الأسود شيطان) من الواضح هنا أن النبي ﵊ فرق ولم يسو بين الكلاب كلها، فيأتي هذا الراد غير المتأدب فيقول: (الكلاب كلها سواء لا فرق بين أصفر ولا أسود ولا أحمر)، والنبي ﵊ يفرق، وقد سأله أبو ذر: ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟! فقال له إجابة واضحة في التفرقة: (الكلب الأسود شيطان)، ويأتيك هذا فيقول: بل الكلاب كلها سواء! أهذا من إعظام قول النبي ﵊؟ ويسمع قوله ﷺ : (الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام)، وهذا حديث رواه الشيخان البخاري ومسلم، والحبة السوداء هي حبة البركة، فيأتي ويقول: كيف يقال: إن الحبة السوداء شفاء من كل داء؟ هل الرجل الذي عنده الكلى يأخذ الحبة السوداء؟ هل الرجل الذي عنده برودة يأخذ الحبة السوداء؟ هل الرجل الذي يعاني من القولون يأخذ الحبة السوداء؟ ويعترض على الحديث. فالنبي ﵊ يقول: (شفاء من كل داء) وهو يقول: ليست شفاء من كل داء!! وبلاؤنا فيه أنه له عمامة كبيرة، ورجل له قدم، هذه هي مصيبتنا، فما يأتيك من عدوك لا يضيرك، إنما ما يأتيك من أهل جلدتك ومن يتكلمون بلغتك هذه هي المصيبة. ولو كان سهماً واحداً لتقيته ولكنه سهم وثانٍ وثالث هذه هي المشكلة أنه لا يعظم قول النبي ﵊، ويزعم أن الأحاديث على غير ظاهرها، وأن الذين أخذوا بظاهرها جهلة، ولم يعلم أن الذين أخذوا بظاهرها هم الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين. هذا هو الفرق بيننا وبينهم، فكان شدة الحب الذي كان في قلوبهم للنبي ﵊ يدفعهم على اتباعه في كل شيء، حتى وصل الأمر بـ عبد الله بن عمر أنه كان يمشي مع أصحابه من التابعين يوماً، فرأى قبواً فدخل فيه، فقال التابعون لـ نافع وكان مولى لـ ابن عمر: أهو داخل يستريح؟ قال لا: وإنما رأى النبي ﷺ يتبول في هذا المكان فهو يحب أن يتبول فيه. ولما قال عبد الله بن عمر حديث النبي ﵊: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) قال ولده: (والله لنمنعهن يتخذنه دغلاً)، فرماه عبد الله بن عمر بحصيات كن معه ومنعه من الدخول عليه، فمات ابن عمر ولم يدخل ولده عليه؛ لأنه عارض الحديث برأيه، وإن كان ولده وحاشاه أن يعارض الحديث جحوداً وضرباً في نحر النص، لكنه تأول الحديث، فقال: إن كانت المرأة تدعي أو تريد أن تخرج إلى المسجد لتقضي أشياء أخرى تحت ستار الذهاب إليه لنمنعهن، فاستعظم عبد الله بن عمر أن يرد ولده كلام النبي ﵊، فحصبه ومنعه من الدخول عليه فشفقتهم وحبهم للنبي ﵊ كان أعظم ما يميزهم.

стр. 317

الإيمان قول وعمل واعتقاد هذا الحديث من حجج أهل الحق والسنة في الرد على الخوارج والمعتزلة والمرجئة، فالمرجئة هم الذين يقولون: إن الإيمان قول فقط، فلو قال رجل: لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يعمل شيئاً من مقتضيات الإيمان كان مؤمناً، ويحتجون بالأحاديث الكثيرة التي قال فيها النبي ﵊: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة) قالوا: فهذه الأحاديث إنما علقت دخول الجنة على قول من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فلم يذكر عملاً، فهؤلاء يدخلون الرجل الجنة بالقول فقط، وإن عمل جميع المعاصي!! وعلى النقيض من ذلك فإن الخوارج يخرجون الرجل من الجنة إلى النار إن فعل أية معصية. وأهل السنة وسط دائماً، فيستحيل أن يكون الإيمان المنجي صاحبة قول دون عمل، وإذا كان الأمر كذلك فالزاني يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وآكل الربا يقول ذلك، بل وقاتل النفس يقول ذلك، إذاً إن كان القول فقط هو الذي يدخل الجنة فلم يدخل بعض أهل التوحيد النار بالذنوب والمعاصي التي يرتكبونها؟! بل بلغ القول ببعض هؤلاء المرجئة وبكل أسف نشر هذا الكتاب حديثاً وهو كتاب جزء صغيراً سماه مؤلفه (دش الأفكار على المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم بالنار) وتستغرب منه أنه جعل فرعون من المقطوع لهم بالجنة، والقرآن الكريم في آياته الكثيرة يذم فرعون، هل يمكن أن يكون هناك رجل ينتسب إلى العلم من المسلمين يقول: إن فرعون في الجنة؟! قال: نعم. والقرآن دل على ذلك!! قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] يقول: ففرعون قال الكلمة: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] قالوا: فقد صرح بالكلمة والنبي ﷺ علق دخول الجنة على من تلفظ بالكلمة وإن لم يعمل عملاً، وانظر إلى هذا الفهم المعكوس، مع أن الله ﵎ عقب على مقالة فرعون، قال له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] والآية واضحة جداً وصريحة، بل إن هذه الكلمة التي خرجت من فرعون فيها علو وكبر، فلم يقل: آمنت أنه لا إله إلا الله، وإنما قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، أي: يأبى أيضاً أن يصرح بها حتى أثناء الغرق، فما قال: لا إله إلا الله، وإنما: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]. فالله يقول له: ﴿آلآنَ﴾ [يونس:٩١] أي: الآن وقد أدركك الغرق تشهد أن لا إله إلا الله؟! إن توبة اليائس لا قيمة لها، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﵊ قال: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) أي: ما لم تخرج نفسه وهو يعاني سكرات الموت، إذا آمن وروحه تخرج فلا قيمة لهذا الإيمان، بل هذا إيمان اليائس، إنما إن كان الرجل يؤمل أن يرجع إلى الدنيا أو يؤمل أن يبرأ من مرضه ولم تظهر عليه علامات الموت التي لا يحس بها إلا المحتضر وحده، فإذا آمن ورجع وتاب تقبل توبته؛ لأنه يؤمل أن يرجع، أما اليائس الذي لا يؤمل في الرجوع فما قيمة توبته. عندما فتشت في ترجمة هذا المؤلف وجدته صوفياً، فهذا ليس بغريب عليه، فقد وجد في هؤلاء الصوفية من قال مقولات أبشع من ذلك، كالقول بوحدة الوجود: وهي أن كل شيء تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وقائل هذا محيي الدين ابن عربي الذي كفره جماهير علماء المسلمين، وقد ساق الحافظ ابن حجر واقعة له في كتابه الفريد (إنباء الغمر بأنباء العمر) وهو كتاب سرد فيه حياة الأمة المسلمة في أيامه يوماً بيوم، حتى دون فيه غلاء الكتان والشعير والقمح، واحتجاج التجار وملاقاتهم مع الوالي، فسرد الشيء الكثير في هذا الكتاب، ويقول في هذا الكتاب: اختصمت أنا ورجل في شأن ابن عربي فقال لي: إنه ولي من أولياء الله، وقلت: إنه كافر! فقال الرجل: بل إنه ولي، قلت له: نتباهل، والمباهلة: أن يلعن الرجل نفسه إن كان من الكاذبين، قال الحافظ ابن حجر: فتباهلنا، فقلت: اللهم إن كان ابن عربي مؤمناً فالعني بلعنتك، وقال الرجل: اللهم إن كان ابن عربي كافراً فالعني بلعنتك، قال الحافظ ابن حجر: فما مرت عليه ثلاث ليال وكان قاعداً في ليلة مظلمة فمر شيء أملس من على قدمه فمات لوقته. فهذا الرجل الذي يقول: إن فرعون من المقطوع لهم بالجنة أداه إلى هذا القول القبيح المخالف للقرآن الكريم أنه يزعم أن الإيمان قول فقط، وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل البدع، يقولون: إن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، ولذلك فهذا القيد الذي ورد في حديث أبي هريرة: (من قابلته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة)، ما قيمة هذا القيد: (مستيقناً بها قلبه)؟ يستحيل لرجل يستيقن أن الله ﵎ وحده لا شريك له ثم يشرك به، ويستحيل على رجل يعتقد اعتقاداً جازماً أن الله ﵎ هو المشرّع وله الحكم والأمر ثم يحتكم إلى غيره، ويستحيل على رجل مس الإيمان قلبه أن يعصي الله ﵎ مستمرئاً للمعصية، هذا كله مستحيل؛ لذلك هذا الحديث رد على هؤلاء، وعلى أولئك الذين يكفرون جماهير المسلمين بالمعاصي. وفي هذا الحديث من الفوائد الشيء الكثير، فمنها أيضاً:

стр. 318

تزوجوا الودود الولود الأسرة هي اللبنة الأولى التي يتكون منها المجتمع، فإن صلحت صلح المجتمع، وإن فسدت فسد المجتمع، وقد وضع الرسول الكريم ﵊ أسساً وضوابط لرعاية هذه الأسرة التي تبدأ تكوينها بالزواج، فحث الرجل على اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين والخلق، ولا عليه أن يراعي بعد ذلك الجمال والحسب والمال فهو مباح وحث الإسلام ولي المرأة أن يتحرى في الخاطب: الدين والخلق. وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة، وحين تكون المرأة الصالحة ودوداً ولوداً فيكون قد اجتمع للزوج سعادة الدنيا، واستعان بها على نيل سعادة الآخرة.

стр. 319

أسس اختيار الزوجة الصالحة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن أجل غراس هو غراس الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح:١٧]، فهذا هو أجل غراس يغرسه الإنسان في حياته، ومعلوم أن الزرع لا يستغني عنه الإنسان في حياته، والزرع لا يطيب إلا بثلاثة أشياء: بخصوبة الأرض، وعذوبة الماء، ومهارة الأيدي العاملة، فخصوبة الأرض بالنسبة للإنسان هو أن يختار الرجل أم ولده، فإن النبي ﵌ قال: (تخيروا لنطفكم)، لا تضع نطفتك إلا في أرض صالحة، فإذا ضممنا هذا مع الثنتين الأخريين؛ فهذا هو الطريق إلى جيل التمكين. إن أجل غراس هو الإنسان، ولذلك قرن الله بين مراحل خلق الإنسان وبين الزرع؛ لتعتبر بما شاهدته على ما لم تشاهده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥]، هذا هو غراس الإنسان ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج:٥ - ٦]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩]. فهذا قران ما بين خلق الإنسان وما بين الزرع، فأنت أيها الرجل زرعت الزرع ولاحظت نموه، واشتريت الأرض الخصبة بأغلى الأثمان، ورغبت عن الأرض التي لا تخرج الزرع، هذا كله مشاهد، وأنت ترتكبه، فكيف عندما جاء أجل الغراس أهملت خصوبة الأرض؟! إن المقصود الأعظم من الزواج هو: الذرية، وكل شيءٍ يأتي بعد ذلك. روى ابن أبي الدنيا في كتاب العيال عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله من صلبي نسمة توحده)، فهذا هو المقصود الأعظم: بقاء النسل لاستمرار العبودية. تقوم البيوت في الأصل على عبودية الله ، ويدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] المرأة التي طُلّقت طلاقاً بائناً لا تحل لزوجها حتى تنكح رجلاً آخر، فإذا نكحت رجلاً آخر نكاحاً شرعياً كاملاً، ثم طلقها الرجل الآخر، وأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، قال ﵎: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] فهذا أولى من أن تقول المرأة: أرجع إلى زوجي الأول رعاية للأولاد لا، إذا كانت سترجع إلى زوجها الأول رعاية للأولاد ولا ترعى حدود الله فلا ترجع، فمراعاة حدود الله أولى وأهم من رعاية حقوق الأولاد. فأنت أيها الرجل: إذا رغبت في النساء فارغب بهذه النية، لأن النية تسبق الذرية، ولذلك وضع الله أصولاً لطلب المرأة.

стр. 320

أهمية اختيار زوجة ذات دين النبي ﷺ حث على اختيار ذات الدين، فقال: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، ولا مانع أن تضم صفة أو صفتين أو أكثر إلى الدين؛ لقوله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) فذات دين جميلة أفضل من ذات دين فقط، وذات دين جميلة وغنية أفضل من ذات دين جميلة فقط وهكذا. ثم نحن نذكر صفتين ذكرهما النبي ﷺ في حديث معقل بن يسار، الذي رواه النسائي وأبو داود، قال ﵊: (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)، (الودود الولود) وانظر إلى هذا الجمع! إن هناك ارتباطاً قوياً جداً بين الود وبين ولادة المرأة، إن الرجل قد يحب المرأة لأجل أولادها، ويحب الأولاد لأجل أمهم، والعلاقة بين الرجل والمرأة إذا أنجب منها الولد أقوى وأمتن من العلاقة بين رجل وامرأة لا ينجب منها، ولذلك جمعهما معاً (الودود الولود) الودود: كثيرة الود، محبة لزوجها، لا تنغصه ولا تكدره. وإنه ليطول عجبي أن تدفع المرأة زوجها دفعاً إلى العمل فترة وفترتين وثلاثاً، ويأتي الرجل في آخر اليوم يشتكي من مفاصله ظهره وصداعاً في رأسه، ومع ذلك لا ترضى المرأة! أي ود هذا، وأي وفاء؟! كيف تسعد المرأة بحياتها وهي ترى زوجها يعاني هذه المعاناة، ولا تعيش معه على ذات يده؟!!

стр. 321

الأخلاق المثالية للزوجة إن النبي ﵊ امتدح نساء قريش -كما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش: أحناه على ولد، وأرعاه على زوج في ذات يده) لذلك كن خير النساء. تريد أن تعرف المرأة الودود؛ اعتبر بحال خديجة ﵂، سيدة النساء، فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة، وذكرت بدء الوحي، وأن النبي ﷺ كان يتحنث في غار حراء، ولما جاءه الملك وقال له: اقرأ؟ قال: ما أنا بقارئ، وهزه هزاً عنيفاً، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى داره يرجف فؤاده، وقال: زملوني زملوني، وقال لـ خديجة: لقد خشيت على نفسي، قالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، وفي رواية وقعت في بعض روايات صحيح البخاري قالت: كلا، والله لا يحزُنك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتساعد الضعيف، وتعين على نوائب الحق، فانظر إلى كمال عقلها ولطفها، وحسن مواساتها لزوجها! أما كمال عقلها: فلأن الإنسان إذا أصابه الروع والفزع احتاج أن يذكره أحد بمآثره وصفاته. رجع النبي ﷺ وفؤاده يرجف مما رأى، وهو يقول: (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة -وأكدت ذلك بالقسم-: (كلا -والله- لا يخزيك الله أبداً) واستدلت على كريم شمائله وجميل نعوته أنه لا يُخزى: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل -أي: العالة يحمله حملاً- وتساعد الضعيف، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) فكيف تُخزى. أيها الرجال! أعينوا النساء على البر، إن الصدق هو أقصر طريق للإقناع، كن رجلاً في بيتك، لا تسقط من عين امرأتك بالكذب ولا بالخداع ولا بالمماراة، الصدق أقصر طريق للإقناع، إنك ترفع امرأتك رفعاً إذا كنت على هذا المستوى، إن صدق الرجل له أثر عظيم في استقامة المرأة، ما فسدت نساؤنا إلا بعد أن فسد رجالنا، ما نشزت امرأة في الغالب إلا كان الرجل سبباً في نشوزها؛ لم يقم عليها بحق القوامة. نظرت خديجة إلى النبي ﷺ فرأته رجلاً أميناً صادقاً وفياً، كان كثير الثناء عليها بعدما ماتت، حتى قالت عائشة ﵂ -كما رواه البخاري وغيره-: (ما غرت على امرأة قط غيرتي على خديجة) يقول الإمام الذهبي ﵀: وهذا أعجب شيء: أن تغار من امرأة ميتة، ولا تغار من نسوة يشركنها فيه ﷺ ! لا تغار من أم سلمة، ولا تغار من أم حبيبة ولا من حفصة ولا من زينب، وهذا من لطف الله بنبيه؛ حتى لا يتكدر عيشه، لا تغار من نظيرتها وتغار من خديجة؛ لكثرة ما كان يذكرها ويثني عليها، (كان يذبح الذبيحة فيقطعها أعضاء، ثم يرسل إلى صدائق خديجة -أي: صديقاتها- فقلت له يوماً: كأنه ليس في الدنيا امرأة إلا خديجة. فقال لي: إنها كانت وكانت، وكان لي منها الولد) أي: جعل يثني عليها ويذكر شمائلها. وذات مرة كما في صحيح البخاري استأذنت هالة بنت خويلد -أخت خديجة - وكان صوتها يشبه صوت خديجة، واستئذانها يشبه استئذان خديجة، وذلك بعد موت خديجة ﵂ بزمان، فلما سمع صوتها ارتاع لذلك -أي: يعني فزع، وهذا هو فزع الشوق واللهفة- وفي الرواية الأخرى: (قال: اللهم هالة!) أي: اللهم اجعلها هالة، قالت عائشة: فغرت، فمجرد الصوت يذكره بها، وطريقة الاستئذان تذكره بها، فقلت له: وما تفعل بعجوز حمراء الشدقين هلكت في الدهر أبدلك الله خيراً منها، تستنكر وكأنها تقول: ما هذا الكلام؟! وما هذا الثناء؟! وما هذا الذكر المستمر؟! أتذكر امرأة عجوزاً، وقولها: (حمراء الشدقين): كناية عن سقوط أسنانها، حيث لم يبق في فيها إلا حمرة اللثة، فهي تقول: فما تفعل بامرأة سقطت أسنانها عجوز (هلكت في الدهر، أبدلك الله خيراً منها؟!) تقصد نفسها، فقال لها النبي ﷺ وهذا خارج البخاري، قال: (لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كذبني الناس، وأعطتني إذ حرمني الناس، وواستني بمالها إذ منعني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء). فانظر إلى هذا الوفاء! كثير الثناء والذكر لها، وهي تستحق ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: خديجة ومريم وفاطمة وامرأة فرعون) أربع نساء في ملايين النساء منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لها الشرف أنها تأخذ أجر كل مؤمنة بعدها إلى يوم القيامة، لها الشرف في ذلك؛ لأنها أول من آمنت مطلقاً قبل أبي بكر الصديق؛ لأنها أول من علمت ببعثته ﷺ ، وبأنه نُبئ فآمنت به، فلها أجر كل مؤمن يأتي إلى يوم القيامة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) وهذه سنت سنة الإيمان، وقال ﷺ مؤكداً هذه القاعدة: (ما من نفس تقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل)، ابن آدم الأول الذي قتل أخاه يحمل كفلاً وتبعة كل رجل قتل ظلماً إلى قيام الساعة؛ لأنه أول من قتل واستن القاتلون به؛ فيحمل هذه التبعة. كذلك الذي يسن الخير، وينشر الدين والعلم والسنة في بلد ليس فيها شيءٌ من ذلك، له أجر الدعاة إلى هذا الدين إلى يوم القيامة، كذلك خديجة: آمنت بالنبي ﷺ إذ كذبه الناس. هي هذه الودود، صاحبة الدين المتين.

стр. 322

المرأة الودود جوهرة الحياة الودود: المحبة لزوجها، قال الله ﵎: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ثم ذكر، أمام هذه القوامة صنفي النساء: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] هذا هو الصنف الأول، أما الصنف الثاني فهن: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤]، فانظر بعدما ذكر القوامة قال: ((فَالصَّالِحَاتُ)): أي اللواتي لا يهدرن قوامة الرجل، ويطعن أزواجهن، ووصفهن بذلك، وقرن وصفهن بالفاء العاطفة التي تفيد الترتيب مع سرعة المبادرة، ((فَالصَّالِحَاتُ)) أي: اللاتي يمتثلن مباشرة إذا أمر الزوج بالمعروف وفي قدر الاستطاعة. ((فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ)) أي: طائعات لربهن، والمرأة التي تعصي ربها، يسهل عليها أن تعصي زوجها، كيف تطيع زوجها وقد نشزت على ربها؟ لذلك ذكر أول صفة فيها تستقيم بقية الصفات فيها بعد ذلك: ((قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ)). تلا النبي ﷺ هذه الآية، فسئل: من خير النساء يا رسول الله؟ قال: (التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك). قال تعالى: ((حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ)) أي: لغيبة أزواجهن، إذا غاب الزوج تحفظ ماله وتحفظ عرضه. وقوله: (إذا نظرت إليها سرتك) وليس المقصود به جمال الوجه، إنما المقصود به جمال الروح؛ لأن هناك نساء طبعهن التنكيد، لا يرى الرجل منهن إلا تكشيرة الوجه، الدائمة التي تنبي عن عدم الرضا. وقوله: (وإذا أقسمت عليها أبرتك) أي: لا تحنثك في يمينك أبداً، مهما كان الذي حلفت عليه شاقاً عليها هذه هي خير النساء التي يجمعها قوله ﷺ : (الودود) كثيرة الود، دائمة البٍشْر. وسئل النبي ﷺ مرة أخرى عن المرأة التي ينبغي أن يبحث عنها من هي؟ قال: (وامرأة تعين زوجها على أمر الآخرة)، هذه هي المرأة التي ينبغي أن يبحث الرجل عنها. وهناك من النساء من هي كالعدو اللدود، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ [التغابن:١٤] (عدواً لكم) المرأة التي ترهق زوجها وتتعبه، وتضطره أن يعمل وردية واثنتين وثلاثاً ليقضي حاجتها وحاجة الأولاد عدوة لزوجها، لأنها ضيعت عمر زوجها في طلب المال، ويمتحن الرجل أشد الامتحان، ويذل أعظم الذل، ويصيبه الكمد أنه بعد هذا المجهود الهائل لا تشكر المرأة سعيه وجهده، ولا ترى أن الرجل فعل لها شيئاً، وتجدها دائماً متذمرة شاكية، يموت الرجل من الكمد أمام هذا الصنف من النساء، ضيع عمره في طلب المال ثم هي لا تشكر. ليس معنى العداوة أن تحمل المرأة سلاحاً وتحارب، العداوة: أن تصدك عن الذكر والعبادة، وعن طلب الآخرة هذه هي العداوة الحقيقية. وتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ﴾ [التغابن:١٤] إذ قدّم الزوجة على الولد؛ لأن الزوجة التي يكون هذا شأنها ترضع أولادها هذه الخصلة الذميمة، فتكون دائمة التشكي، والولد كثير الحنين والتأثر بدموع أمه، الرجل يعمل في الخارج مثل الطاحونة، وهي تظل طوال النهار والليل تبكي وتشكو للولد من أبيه، وتقول له: أنا لم أر معه يوماً راحة، ما رأيت معه إلا الذل. ولولاك لطلبت الطلاق، أنا أعيش معه لأجلك أنت فقط. فالولد يرى أن الأم مضحية لأجله والرجل دوماً يذل الأم ويرعرع ويشب على ذلك، مثل هذه الأم لا تنجب ذرية صالحة، الذرية منها تكون في الكفران وجحود الجميل مثلها تماماً، إذ هي الأصل والولد الفرع، و (الحية لا تلد إلا حية). إذاً: أول شيء يحرص عليه المرء في المرأة أن تكون ذات دين، وهذه الخصلة هي التي قال النبي ﷺ : (فاظفر بذات الدين تربت يداك) ورعايتها لزوجها ودوام إرضائه والتودد له هو من معنى قوله ﷺ : (الودود). وخصلة أخرى تدخل تحت هذا النعت الجميل (الودود: كثيرة الود) ما رواه الإمام النسائي ﵀ من حديث ابن عباس، قال ﷺ : (خير نسائكم من أهل الجنة الودود الولود العئود -وهذه خصلة أخرى- التي إذا غضب منها زوجها أخذت بيده، وقالت له: لا أذوق غُمضاً حتى ترضى) ولك أن تقف متأملاً قوله ﵊: (لا أذوق غمضاً) والغمض: هو النوم، أي: لا أنام، ولا ألتذ بمنام إلا أن ترضى، هذه هي خير نسائنا من أهل الجنة جعلنا الله وإياكم وأزواجنا من أهلها ونفهم من كلمة (من أهل الجنة) أن المرأة إذا أحبها زوجها في الدنيا كانت زوجته في الآخرة. (العئود): أي التي يعود نفعها على زوجها، فإذا كانت غنية أنفقت على زوجها وعلى عيالها. ويدخل في قوله ﷺ : (العئود) المرأة المدبرة، التي لا تتلف متاع زوجها وماله، لأنها إذا أتلفت متاعه استبدله الزوج بمتاع آخر وبمال جديد؛ مما يزيد من معاناته ويعقبه الفقر، فهي إذا وفرت له ذلك كأنما أعطته مالاً، و (العئود) فرع من (الودود) فهذه الصفة من أجمل الصفات (الودود)! فالمرأة الودود تتودد إلى زوجها؛ لأنها تبتغي رضا ربها برضاه، حتى إن الزوج قد يظلمها وقد يضربها وقد يهينها، فتذهب إليه وهو المخطئ فتأخذ بيده وترضيه، وتقول له: لا أكتحل بغُمض حتى ترضى، فهي تتودد إليه وهي المظلومة فهذا الود له طعم ومذاق وجمال! مع أن هذا الود ممن يحتاج إلى رزقك، فكيف لو كان هذا المتودد إليك لا يحتاج إليك في قليل ولا كثير، ويظهر الفرق في مثل الصورتين التاليتين: رجل فقير يتودد لغني، الغني لا يكاد يقدر هذا الود، لماذا؟ يقول: هو يحتاجني، كأن يريد مالاً أو مساعدة. إما إذا جاء الغني وتودد إلى الفقير، فالفقير يسأل نفسه: هذا الرجل لِمَ يتودد إلي وهو لا يحتاجني؟! لا دافع لذلك إلا أنه إنسان نبيل، شريف، حسن الخلق هذا هو الفرق بين ود المستغني وود المحتاج. ولله المثل الأعلى، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:١٤]، لماذا يتودد إليك بنعمه ومغفرته زلاتك ومضاعفته لأجرك وحسناتك، وهو مستغن عنك، ولا يحتاج إليك، وأنت المحتاج إليه، ولفظ (ودود) على وزن (فعول) -صيغة مبالغة- أي: كثير الود؟! لأنه الرب الغفور الرحيم المتفضل، فهو يتودد إليك برغم معاصيك، وبرغم أنه لا يحتاج إليك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 323

الخصال التي تراعى في الزوجة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فأول شرط في البحث عن خصوبة الأرض: أن تكون الأرض صالحة لوضع النطفة، والصلاح للأرض (المرأة) هنا إنما يقصد به صلاح الدين، فإذا صلح دين المرأة زكت كل خصالها، وأما الصفات الأخرى التي ذكرها النبي ﵊ لو بحثت عنها لم تكن آثماً: المال والجمال والحسب. وهناك حديث ضعيف جداً أورده الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتاب الموضوعات -وبعض الناس يحتج بهذا الحديث- ويقول: (من تزوج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقراً) إلخ، فهذا الحديث من جهة السند لا يصح، إذ سنده ساقط، ومن جهة المتن يعارض حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الصحيح: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها) وهذا الحديث في الصحيحين، فهنا مباينة ومعارضة صريحة بين هذا الحديث الصحيح وبين ذاك الحديث الذي ذكرنا أن سنده ساقط. لكن الدين اجعله محور الارتكاز، ثم إن شئت أن تبحث عن المرأة اختر هذه الصفة الأخرى، وهي: أن تكون بكراً؛ لأن للبكارة تأثيراً عجيباً في استقرار الحياة، والمرأة عندما تتزوج تكون شديدة الوفاء لأول إنسان يدخل في حياتها. قال النبي ﷺ بعد أن ذكر ذات الدين: (تربت يداك) و (تربت يداك): معناها تعلقت يداك بالتراب، وهذا كناية عن البركة، فكل خير من التراب والطين. عبدة الشيطان لا يعرفون هذه الحقيقة، إبليس -عليه من الله اللعنة المتلاحقة إلى يوم القيامة- قاس قياساً منكوساً معكوساً وهو يحاج الله ﵎ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فالطين مصدر كل خير، والنار مصدر الدمار والخراب، فانظر إلى هذا الجاهل كيف قاس الشيء على نقيضه! إنما يقبل القياس إذا كان قياس النظير على النظير، لكن قياس الشيء على نقيضه لا يقبل أبداً إذ هو معكوس منكوس، والطين مصدر الخير والنماء والبركة، لذلك قال النبي ﷺ له: (فاظفر بذات الدين بورك لك) ولا مانع أن يراعي الرجل الثلاث الصفات الأخرى، لكن يجعل الدين محور الارتكاز، فذات دين جميلة أفضل، فإن الجمال يرد ما في نفس الرجل، وعند أن تكون ذات دين وحسب، فالحسب يدل على كرم المحفد، والحسب مطلوب، فعراقة الحسب لها أصل وتأثير في الفرع!

стр. 324

(إياكم وخضراء الدمن) هناك حديث موضوع كذب على النبي ﵊ وهو: (إياكم وخضراء الدمن، قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء) وهذا الحديث كذب على الرسول ﵊، لكن لو أجرينا هذا الكلام كحكمة وجدناه سديداً، (خضراء الدمن: المرأة الحسناء في المنبت السوء) كما لو كنت: تمشي على مستنقع، مغطياً أنفك من نتن هذا المستنقع، ومع ذلك يلفت نظرك زهرة جميلة اللون خرجت في هذا المستنقع، لا تراها في الأرض الخصبة الجيدة التي تسقى بالماء العذب، فهذه المرأة الحسناء في المنبت السوء؛ احذرها! وإن كان ظاهرها الالتزام؛ لأن طفولة هذه المرأة ضاعت، فيوم فتحت عينيها على الحياة وجدت أباها لا يصلي، ووجدت أمها لا تلتزم الحجاب، وربما وجدت أباها يشرب الخمر أو يعاقر النساء، وربما وجدت نتن الخيانة ينبعث من أمها، كل هذا انطبع في قلبها ورأته، وأشربت به في أهم فترات العمر وهي الطفولة، ثم تداركها الله بلطفه، فلما اختلطت بالفاضلات العفيفات بدأت تقلدهن، لكن على إثر، فعندما تتزوج فإنه يحصل في بيتها ما يحصل في البيوت عادة من الشجار والنزاع؛ فترجع المرأة إلى أصلها في الشجار، وقد تغضب وتترك بيت الزوجية إلى بيت أبيها، وأبوها لا يعين على البر والتقوى، وأمها كذلك، فتنشز عليه، وهم يزيدون من نشوزها، فلا تغتر -إذاً- بخضراء الدمن! وقد يعترض معترض فيقول: ما ذنب المرأة؟ ألا ننقذها مما هي فيه؟ فمثلاً: امرأة واحدة ملتزمة تراعي الله وفي بيت غير ملتزم، وهي ملتزمة في وسط هذا المجتمع ألا ننقذها؟ فنجيب عليه: نحن ابتداءً لم نقل بتحريم الزواج من هذا النوع من النساء لأنك إذا تزوجتها وصلحت هذه المرأة فذلك أمر نادر، والنادر لا يقاس عليه، وكلامنا هنا أغلبي، فلا يعترض على هذه القاعدة الأغلبية بمثال أو اثنين أو ثلاثة أنه كانت امرأة منبتها سوء ثم أصبحت من خير خلق الله، هذا استثناء، والشاذ لا يقاس عليه، إنما نقيس على الأعم الأغلب، فكذلك الأعم الأغلب بالنسبة للأبكار الاستقرار، فالمرأة الوفية البكر إذا صادفت رجلاً نبيلاً تأثرت به غاية التأثر، يحفر سيرته في مجرى حياتها. فراع الحسب، وراع أصالة المنبع وكرم المحفد؛ لأن هذا يعينك على الاستمرار في الحياة، ولذلك الرسول ﵊ ذكر الحسب وأقر، ولكنه حث على ذات الدين: (تنكح المرأة لجمالها ولحسبها ولمالها) لا مانع أن يتزوج الرجل المرأة لمالها، وليس على الرجل غضاضة أن يستفيد من مال امرأته، لكن أحياناً الرجل لا يأخذ المال من امرأته لعلة عنده، لكن إذا انتفت العلل لا غضاضة عليه أن يستفيد من مال امرأته كما استفاد ابن مسعود من مال امرأته، ومن قبله سيده وسيدنا ﷺ لما استفاد من مال خديجة. وعليه: فأنت إذا كنت لا تخشى من امرأتك المن والأذى اقبل رفدها.

стр. 325

التعرف على صفات الزوجة قبل الاختيار حسناً إذا كان الود بهذه المثابة، وله كل هذا الثقل في استقرار الحياة الزوجية، فكيف لي أن أعرف أن المرأة ودود، ولا يكتشف الود وجميل الخصال إلا بالعشرة؟ أقول لك: كما تعرف أن المرأة ولود تعرف أنها ودود من أين علمت أنها ولود؟ بالنظر إلى أمها وأختها وعمتها وخالتها، فيندر أن تكون الأم ولوداً والأخت والعمة والخالة وهي تكون عقيمة، يندر، قد تقع هذه الحالات لكن نادراً، ومعروف أن الشاذ النادر لا يقاس عليه، إنما يقاس على الأعم الأغلب، فأنت إذا أردت أن تتزوج فانظر، إذا وجدت أمها وأختها وخالتها وعمتها كذلك فإنك تستنتج أنها ولود. كذلك إذا رأيت أمها تحب أباها وتكرمه وترفعه؛ فاعلم أن ابنتها تكون مثلها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 326

المقصود الأعظم من العشرة الزوجية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فإن زواج الرجل من المرأة المقصود منه: هو إقامة العبودية لله ﵎، وقد ذكر ربنا طلاق المرأة طلاقاً بائناً، فقال ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] إذا طلقت المرأة طلاقاً بائناً، ثم رزقها الله زوجاً آخر، قال : ((فَإِنْ طَلَّقَهَا)) أي: الزوج الآخر، فأرادت أن تعود إلى زوجها الأول؛ فثمة شروط، قال ﵎: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] أما أن يكون الأولاد فقط فليس لهم دخل في الموضوع، حتى لو قلت: أنا أرجع للمرأة الأولى لأجل أنني خلفت منها خمسة أو ستة أولاد، ولأجل أن يتربى الأولاد بيننا! أولاد يتربون بين رجل وامرأة لا يتقيان الله ما قيمة هؤلاء الأولاد؟ لم يذكر الله تعالى في الآية من شرط إلا شيء واحد فقط وهو ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠] فإذا كان هذا في المرأة التي طلقت طلاقاً بائناً، فتزوجت ثم طلقت، ثم تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فمن باب أولى أن يقيما حدود الله قبل أن تطلق، هذا هو المقصود الأعظم من الزواج: (أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ). إذاً: الحياة الزوجية قائمة على هذا الشعار: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٣٠]، فالرجل عندما يتقدم لابنتك أو لأختك أو لموليتك -من لك عليها ولاية- لا تقل له: أشترط أن تعمل المرأة؛ لأن عمل المرأة جناية من أعظم الجنايات في حق الأسرة والأولاد، إذ أي قضية لابد من النظر إلى حكم الله فيها، لم أر أحداً حتى الآن -على مدار (٢٠) سنة- امرأته تعمل ناقشته في هذا الحكم وأتى لي بحجة، إلا أن تكون ضرورة كأن يكون الرجل مرض وأقعد ولا أحد يعينه ولا يعاونه؛ فتعمل المرأة. لكن ينبغي في هذه الظروف أن ننظر إلى عمل المرأة وطبيعة عملها. لذلك كله كان النظر إلى الكفاءة في الديانة مسألة في غاية الأهمية، وليس معنى ذلك أنك لا تنظر إلا إلى الدين فقط، راعِ الدين أولاً، ثم لك أن تراعي أي صفة من الصفات الأخرى، واجعل الدين مناط الأمر، فالمرأة التي لا تطيع ربها لا ينتظر منها أن ترضي زوجها. فإذا كان الدين هو الركن المشترك بين الرجل والمرأة؛ فإنه لا يجوز لولي المرأة إذا تقدم إليه رجل ليخطب ابنته أو أخته أن يتهاون في هذا الشرط، قال ﷺ في الحديث الذي حسنه الترمذي وغيره: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وقال الحسن ﵀: (من زوج ابنته إلى فاسق فقد قطع رحمها). فالرجل الصالح ملاك خصاله في خصلتين.

стр. 327

نصيحة لولي المرأة لاختيار الخاطب لابنته يا ولي الأمر! أرعني سمعك وقلبك: إذا تقدم رجل لابنتك فراعِ شيئين، ولا عليك أن تهمل باقي الصفات؛ فإنها فرع على هاتين، قالت المرأة لأبيها ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، القوة والأمانة، وكل صفة تأتي بعد ذلك فهي فرع على هاتين. القوي: أي الرجل الذي يقوم بما يجب عليه تجاه المرأة من النفقة عليها، ومن الدفاع عنها، ومن إعفافها، وهو معنى قول النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة) (الباءة): هي قوة الرجل، ويلتحق بذلك قوة العقل والتفكير السوي، فإن المرأة إذا تزوجت الأحمق فكأنه لا زوج لها، وأحمق الرجال من يعرض امرأته للنار، لا يصونها، يأخذها لحفلات الاختلاط، ويسمح لها بالعمل في وسط الرجال، ويعرضها للنار، والله ﵎ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]، فالذي يعرض امرأته للنار أحمق، ليس أميناً. لا يكون الزوج وفياً إلا إذا كان قوياً وأميناً، (قوياً) يقوم بكفايتها ولا يلجئها للعمل. لماذا تعمل المرأة؟ وتشارك زوجها في الحياة؟ قلنا: إن الله ﵎ جعل القوامة للرجل على المرأة لشيئين: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤] وهذا داخل فيه القوة ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، فحق على المرأة أن تعيش مع زوجها في رخائه وفي شدته، مرتبه (١٠٠) جنيه تعيش معه على الكفاف، ولا تطالبه فوق ذلك أبداً، الإطعام بالمعروف والعشرة بالمعروف، فهذه قوته وطاقته فتعيش معه على ذلك صابرة راضية طيبة النفس، إن انفرد عنها بطعام وشراب وكساء ومتعة؛ لها أن تعترض.

стр. 328

من الحقوق الزوجية جاء الصحابي معاوية بن حيدة رسول الله ﷺ وقال له: (ما حق زوج أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) فإذا انفرد الرجل عنها بشيءٍ من ذلك فلها الحق أن تعترض، أما إذا قام بما يجب عليه في حدود طاقته فلا يحل لها أن تعترض، فقوله ﵊: (من استطاع منكم الباءة -هي النفقة والقيام بحق الزوجة- فليتزوج، ومن لم يستطع -أي: لا أحل له أن يتزوج- فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)، فالمرأة عرفت أنه قوي لما سقى لهما، وقوته التي فاقت كل الحاضرين، فكيف عرفت أنه أمين؟! ذكر المفسرون أنه كان يمشي أمامها وهي توجهه بالحصى. ولكن هناك معنى أشمل من هذا، وهو أنه ﵊ لما سقى لهما تولى إلى الظل، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، أنا فقير، وأحتاج أن تنزل إلي أي شيء، فما سألهما أجراً، هذه أمانته، الذي يعمل العمل لله لا ينتظر عليه أجراً من الخلق، أما ما نراه من التفاني في طلب الأجر من بعض الناس فهو مضاد للإخلاص، فأنت -يا أخي الكريم- انظر في هذه المشكلة، والمرأة عليها أن تتقي الله ، وتعيش مع زوجها حسب استطاعته، لا تكلفه فوق طاقته، وإذا علم الله منها صدقاً وصبراً ورضاءً بمقدور الله أبدلها حالاً خيراً من حالها دنيا وأخرى. أحدهم يقول: اشترط عليّ ولي المرأة أن تعمل، وأنا لا أريد، فما هو الحكم؟ أقول له: هذا شرط فاسد، لا قيمة له، ولا يجب عليك أن تنفذه؛ لأن النبي ﷺ قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 329

فضل الصدقة وأثرها في الدعوة جاء في صحيح البخاري ومسلم قصة الرجل الذي سقت أرضه السحابة بأمر من الله ، وكان سبب هذه الكرامة أنه كان يعطي الفقراء والمساكين ثلث ما يخرج من هذه الأرض. فبذل الصدقات للمساكين لها أثر كبير في كسب قلوب الناس، وبهذا فهي تعد وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، وجاء في فضل الصدقة الكثير من الأحاديث الدالة على ذلك.

стр. 330

قصة صاحب الأرض التي أمرت السحابة أن تسقي أرضه إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌، قال: (بينما رجل يسير في أرض فلاة إذ سمع صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان. فتنحى ذلك السحاب في شرجة من شراج الحرة، فاستوعبت الماء كله، فذهب، فإذا رجل يساعد هذا الماء بمسحاة له حتى يأخذ طريقه إلى بستانه، فقال له: ما اسمك يا عبد الله؟ قال: ولم تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتاً في سحابة يقول: اسق أرض فلان باسمك. قال له: أما قد قلت ذلك فإني أنظر ما يخرج منها فأقسمه ثلاثة أثلاث، فآكل أنا وعيالي ثلثه، وأتصدق بثلثه، وأرد فيها ثلثه). هذه القصة -كما وردت في بعض الروايات- حدثت في بني إسرائيل، والإسرائيليات يقسمها العلماء إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قسم يحتج به، وتؤخذ منه الأحكام الشرعية، وهذا القسم هو الذي صح سنده إلى النبي ﵌، كقصة أصحاب الغار، وقصة الغلام مع الملك، وقصة الرجل الذي تسلف ألف دينار إلى آخر هذه القصص، فكلها صحيحة في نسبتها إلى النبي ﵌، فيأخذ منها العلماء الأحكام الشرعية والآداب المرعية، وهذا القسم يحتج به كله. القسم الثاني: ما صح سنده إلى قائله من بني إسرائيل، وهذا النوع هو الذي قال فيه النبي ﵌: (إذا حدثكم بنو إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) وهذا النوع يستشهد به العلماء من باب الاعتضاد، لا يحتجون به منفرداً، وإنما إذا كان موافقاً للأصول العامة احتجوا به، كالقصة التي رواها ابن الأعرابي في معجمه: أن عيسى ﵇ خرج مع رجلٍ، وكان معه ثلاثة أرغفة، فقال: رغيف لي، ورغيف لك. ثم أن عيسى ﵇ نام، فاستيقظ فلم يجد الرغيف الثالث - فقال لصاحبه: أين الرغيف الثالث؟ - قال: لا أدري. - فدعا غزالاً فذبحه وشواه وأكلاه، ولم يبقيا منه إلا العظام، فدعاه عيسى ﵇ فقام غزالاً بإذن الله، قال: سألتك بالذي أحيا هذا الغزال من الذي أكل الرغيف؟ - قال: لا أدري. فانطلق، فوجدا ثلاثة أجبل -جبال كبيرة- فحولها إلى ذهب - وقال: هذا لي، وهذا لك، والثالث لمن أكل الرغيف. - قال: أنا أكلته. - قال: لا خير في صحبتك وتركه. وعيسى ﵇ يضرب المثل للحواريين بتفاهة الدنيا، فهذا الرجل أراد أن ينقل هذه الجبال الثلاثة إلى بلده فوجد اثنين، فأراد أن يستعين بهما على نقل هذا الذهب الكثير، قال الرجلان: ولم نقسم هذه الأجبل على ثلاثة أسلاف؟! نحن نقتل هذا الرجل ونأخذ هذا الذهب كله، وأضمرا في نفسيهما أن يقتلاه، فأرسلاه إلى السوق ليأتي بطعام، فبينما هو يمشي إلى السوق قال: ولم نقسمه إلى ثلاثة أجزاء؟! أنا أضع لهم سماً في الطعام وأنفرد بالذهب، فجاء بالأكل وفيه السم، فما إن تلقياه حتى انهالا عليه ضرباً فقتلاه، ثم جلسا يأكلان فأكلا الطعام المحشو بالسم، فماتوا جمعياً وتركوا جبال الذهب. يضرب عيسى ﵇ المثل للحواريين بحقارة الدنيا أننا جميعاً نتقاتل من أجلها ثم نتركها كلها للذي يرث الأرض ومن عليها ﵎، وكل يخرج منها كما ولدته أمه. قال الله ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٦] وقال النبي ﵌: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء)، وقال النبي ﵌: (ضربت الدنيا لابن آدم مثلاً بطعامه، وإن قدحه وملحه فلينظر كيف يخرج). وهناك عشرات النصوص تدل على حقارة الدنيا، فلا مانع أن تحتج بمثل هذا النوع من الإسرائيليات لتعضد المعنى الصحيح في الآيات وفي الأحاديث الصحيحة. وكذلك ما رواه أبو الشيخ وغيره (أن ملك الموت ﵇ كان يجالس سليمان) هذا القدر ثبت في مسند الإمام أحمد بسندٍ قوي (أن ملك الموت كان يجلس مع الأنبياء بصورة آدمية، وكان يجلس مع سليمان ﵇ جليس له وصفي له، فدخل ملك الموت وما يعرفه الجليس، لكن لاحظ الجليس أن هذا الرجل الثالث يتفرس فيه وفي وجهه، لم يلبث كثيراً وانصرف، فقال الجليس لسليمان: من هذا الذي يتفرس في وجهي؟ قال: ذاك ملك الموت، فارتعب الرجل، وقال: لا أكون في أرض بها ملك الموت أين تريد؟ قال: مر الريح أن تأخذني إلى الهند. وأخذته الريح فعلاً إلى الهند. بعد قليل جاء ملك الموت ودخل على سليمان ﵇، قال له سليمان: لم كنت تتفرس في وجه جليسي؟ - قال: ذاك رجل أمرني الله أن أقبض روحه في أرض الهند، فلما وجدته عندك تعجبت، لكني لما ذهبت إلى الموعد المعلوم والمكان المعلوم وجدته هناك). هذه القصة يمكن أن تذكر -مثلاً- في مثل قوله ﵎: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٧٨] فنحن نستخدم هذا القسم من الإسرائيليات لتدعيم المعنى الذي نريد أن ننقله للعوام. القسم الثالث: وهو الذي لم يصح سنده إلى قائله من بني إسرائيل، فهذا النوع لا عليك أن تذكره. وهذا التقسيم مهم؛ لأنه قد انطبع في أذهان كثير من الناس أن معنى إسرائيليات أي: مكذوبات، وليس كذلك؛ للتقسيم الذي ذكرناه.

стр. 331

استحباب إخفاء الورع بقيت فائدة أخيرة، وهي فائدة طارئة، قوله: (أما قد قلت ذلك؛ فإني أنظر ما يخرج منها) فيفهم من هذا أنه يستحب أن تخفي ورعك؛ لأن هذا الرجل لولا أن ذاك سماه باسمه وهو لا يعرفه لما قال له ما الذي يصنعه، (ما اسمك يا عبد الله؟ قال: ولم تسألني عن اسمي. قال: إني سمعت صوتاً في السحابة الحديث، قال: أما قد قلت ذلك -أي: أما قد انكشف الأمر- فإني أنظر إليها وأفعل كذا وكذا) وهذا كان هدياً يتتبعه أسلافنا رضوان الله ﵎ عليهم. كان محمد بن واسع ﵀، وهو من أجل التابعين، صاحب القولة المعروفة: لو كان للذنوب رائحة ما استطاع أحدٌ أن يجالسني. يبكي طوال الليل، فإذا أصبح الصباح اكتحل حتى لا يظهر ذبول عينيه من البكاء، يخفي طاعته! وهذا الورع كان ملكة عند أولئك، ما كان تصنعاً، كما أنك تتمسك تلقائياً كانوا يتورعون أيضاً، كثير من الإخوة يقول: نحن نقرأ في كتب السلف وفي تراجمهم عن ورعهم الشديد، فأريد أن أصنع مثلهم فأعجز وأفشل، وأرجع بخفي حنين، فكيف السبيل إلى ذلك؟ فيقال: إن هؤلاء ما وصلوا إلى قمة الهرم إلا بعد أن اجتازوا مراحل: فعل الواجبات، ثم عرج على المستحبات، وانتهى عن المحرمات، وتجنب المكروهات. إذا فعل هذا وصل إلى الورع، كيف يتورع من يترك الواجبات؟ كيف يتورع من هو مصرّ على فعل المحرمات ومكثر من فعل المكروهات؟ لا يصبر، إن أراد أن يتورع يعلم من نفسه أنه كاذب؛ لذلك لا يستمر. يعزى لبعض العلماء -ويقولون أنه الإمام أبو حنيفة ﵀ سرقت شاة في زمانه، فأتى قصاباً أو رجلاً راعياً وقال: كم عمر الشاة -أقصى شيء تعيشه الشاة- قال له: خمس سنوات، فامتنع من أكل لحوم الشياه لمدة خمس سنوات مخافة أن يشتري من نفس الشاة المسروقة. يأتي بعض أولئك المقصرين فيقولون: هذا تنطع، نحن لم نؤمر بذلك! نقول: أنت في واد وهو في واد آخر، هو في قمة الهرم، وأنت أسفله، نحن نعلم أن ورع المتقين لا يثبت حكماً، لو صحت هذه النسبة للإمام أبي حنيفة لا نستطيع أن نأخذ منها فتوى؛ لأن ورع المتقين لا يثبت حكماً، لكن نحن الآن لسنا بصدد إصدار الأحكام الشرعية، نحن -كما قلنا- على قمة الهرم، فهذا الورع ما يستطيع الإنسان أن يصل إليه ويصير ملكة لديه إلا إن قطع هذه الوديان والمفاوز حتى يصل إلى هناك. في سير أعلام النبلاء: أن رجلاً سب وكيعاً - وكيع بن الجراح، الإمام العلم، شيخ الإمام أحمد - فماذا فعل وكيع؟ تركه، ودخل داره وعفّر وجهه بالتراب، ثم خرج إليه وقال: زد وكيعاً بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه. من يستطيع أن يفعل هذا؟ لا يرد عليه، لكن يرجع اللوم على نفسه: (زد وكيعاً بذنبه فلولاه ما سلطت عليه)! وكذلك في ترجمة الإمام العلم المصري عبد الله بن وهب ﵀ أنه قال: (نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً -يريد أن يؤدب نفسه، فانظر إلى هذا الورع، فقال: نذرت، حتى يجد الوفاء بالصوم، يعني نفسه لا تسول له أن يترك فكنت أغتاب وأصوم، فلما أجهدني الصوم -لأنه يغتاب- نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، قال: فمن حبي للدراهم تركت الغيبة) مشقة أنه في كل يوم يتصدق بعشرة دراهم أو عشرين درهماً. ما يضره أن يتعب نفسه الآثمة؛ لأن هذا يحمل على مزيد من الورع. ينسب إلى عمر بن الخطاب ﵁ أنه جمع أصحابه وصعد المنبر، وسكت ملياً ثم قال: (أما إني كنت أرعى غنم بني فلان على لقيمات، وبكى ونزل. قالوا: يا أمير المؤمنين! ما قلت شيئاً -يعني: الذي قلته نحن نعرفه، ما زدت شيئاً- ماذا أردت؟ قال: حدثتني نفسي أنني أمير المؤمنين، فأردت أن أذلها)! يذلها بأن يذكرها أدنى أحواله: أنه كان يرعى غنم بني فلان على لقيمات أو على دريهمات. لما جاء الطيب -صدقات أو زكوات- إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ الخليفة الخامس الراشد- ودخل، وطبيعة الحال أنه إذا كان هناك مكان به طيب أن تنتشر رائحة الطيب في المكان، فماذا فعل عمر؟ أول ما دخل أمسك بأنفه، قيل: يا أمير المؤمنين! هذه مجرد رائحة أنت ما أخذت منه شيئاً! فقال لهم: وهل ينتفع إلا بريحه؟! الطيب لا ينتفع إلا بريحه، فكأنه لم ير لنفسه حقاً أن يشم هذا الريح برغم أنه منتشر في المكان. أهل التقصير يرون أن هذا من التنطع، لكن هذا ملكة عند أولئك؛ لأنهم أهل الورع. كانوا يخفون ورعهم ويظهرون آثامهم، قال ابن جريج ﵀: طلبنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له. لو سألت أي طالب علم: لمن طلبت العلم؟ سيقول: لله، والله أعلم بحقيقة نيته. الإمام الذهبي يقول كلاماً معناه: ولو سألت أي فقيه: لمن تعلمت العلم؟ لبادر وقال: لله، ويبرر نفسه الحمقاء. وابن جريج ﵀ يقول: طلبنا العلم لغير الله، فأبى الله إلا أن يكون له. أي أنه عندما طلب العلم طلبه ليقال: محدث أو فقيه، لكن كان عنده إخلاص في الجملة، وعلم الله إخلاصه ذلك، فلما حصّل الأدلة الشرعية انتفع بها، فعاد العلم لله، مع كونه لما بدأ كان يريد أن يشار إليه بالبنان، فيقال: هذا فقيه أو هذا محدث، لكن مع تحصيل العلم، وتصحيح النية؛ أصبح مخلصاً لله ﵎. فهذه الجزئية في هذا الحديث: (أما قد قلت ذلك) فيها إشارة إلى أن هذا الرجل لو لم يقل له هذا الأمر لما صرح له بهذه القسمة العادلة التي نال بها مطراً أو ماءً خاصاً من السماء، ينادى فيها باسمه. وهذا أيضاً داخل في فائدة عظيمة جليلة، لكن الأمر يطول بها، وهي: كرامات الأولياء، ولعلنا نتعرض لمثل هذا المبحث في مرة أخرى إن شاء الله ﵎. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. نسأل الله أن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 332

زراعة الأرض واستثمارها القسم الثالث: وهو زراعة الأرض واستثمارها. قرأت مقالاً لبعض المستشرقين يحتج فيه بحديث في البخاري أن النبي ﵊ (رأى محراثاً في بيت فقال: ما دخل هذا بيت قومٍ إلا أدخله الله الذل) فقال: إن هذا يدل على أن الإسلام لا يحث على زراعة الأرض واستثمارها، هذا مع كون النبي ﵊ يقول: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، لا يقولن أحدكم: إن الساعة تقوم، اغرسها. وإنما كان هذا التنبيه؛ لأن ابن آدم مجبول على ألا يفعل شيئاً إلا بفائدة من ورائه، إذا رأى شيئاً لا يعود عليه بفائدة تركه. كان عندنا طبيب مشهور، لكنه ظل أكثر من ثلاثين عاماً يتمنى أن يرزق بولد أو بنت، وجاب الأرض شرقاً وغرباً، وأخفق في ذلك، وهو طبيب، وليس هناك أحد سيرث هذه الأموال، فكان قد اشترى عمارات وعقارات وبنى أكثر من عيادة، ولكن لما أيس من أن ينجب ولداً فجأة وجدوه يبيع كل ما يملك، وباع كل العيادات واقتصر على عيادة واحدة، فسألوه عن ذلك، قال: لمن أدع هذه الأموال؟! أنا أشقى وأتعب وأجمع ثم أتركها لمن؟ ليس لي ولد. لو كان رجلاً يحكمه الشرع لأنفق أمواله كلها على الفقراء والمساكين، هذه الأموال وهذه العقارات التي باعها أين تذهب الأموال الزائدة النقدية؟ وضعها في البنك، إذاً كان وجود هذه العقارات أرحم له، هذا الرجل كالمستجير من الرمضاء بالنار، وكمن شعر بأن الجو حار فدخل في فرن، مع أن العاقل لا يفعل ذلك، لكن هذا الرجل لا يحكمه الشرع، لذلك أخذ كل هذه الأموال ووضعها في البنك، وصار يأكل منها شيئاً فشيئاً حتى بددها، وما استفاد منها شيئاً لا في الدنيا ولا في الآخرة. الشاهد من هذا: أن الإنسان مجبول على أنه لا يصنع الشيء ويمضي فيه إلا إن حصلت له من ورائه فائدة، فالنبي ﵊ كأنه ينبه على هذا، فيقول: لا يقع في روعك أن الساعة تقوم ولا أحد يستفيد من هذا الغرس؛ فيحملك ذلك على ألا تغرسه لا، اغرسه (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها). وفي الحديث الصحيح الآخر: (ما من رجل يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طائرٌ أو إنسان أو حيوان إلا كان له به أجر) هل هناك حض أكثر من هذا على استثمار الأرض؟ نحن بطبيعة الحال لا نقول هذا الكلام لنقنع هذا المستشرق لا، فهؤلاء هويتهم معروفة، إنما هذا الكلام قد يجلي الغموض على بعض أبناء أولئك المستشرقين، الذين يأكلون ويشربون ويتغوطون عندنا، فيكتبون على صفحات الجرائد والكتب والمجلات أشياء تزكم الأنوف. أخرج أحدهم كتاباً مسلسلاً على مدار سنة أو أكثر، وسماه: (تبشير الأصحاب بتحريم النقاب) وكتب مؤهلاته العلمية على جلدة الكتاب من الخلف، فحل لنا لغزاً عظيماً إذ علمنا أنه طبيب بيطري متخصص في السموم، فعلمنا أن هذا من السم الذي نفثه. يقول في آخر الكتاب: (والمرأة المتبرجة أقرب إلى الله من المرأة المنتقبة، وإننا إذا استغفرنا للمتبرجة مرة، سنستغفر للمنتقبة مرتين؛ لأن المتبرجة تعلم أنها عاصية بتبرجها، أما المنتقبة فتظن أنها مطيعة بنقابها، والنقاب حرام، فهذه أبعد عن الصراط المستقيم من المرأة المتبرجة!) فهل يصح في عقل عاقل أن تستوي في الإثم امرأة تقف على شاطئ الإسكندرية بالمايوه وامرأة منتقبة؟! فلما قيل لهم: كيف تنشرون مثل هذا؟ قالوا: حرية رأي. إذاً اسمحوا لنا بالرد عليه. قالوا: اكتبوا. فكتب العشرات وأرسلوا إلى الجريدة، ولكنهم لم ينشروا شيئاً؛ وقالوا: ليست هناك مساحات خالية. وقد اشتكى شيخ الأزهر من الجرائد الرسمية بأنه يرسل الرد على بعض الناس فلا ينشر؛ لأن القائمين على أجهزة الإعلام معروف أن هويتهم علمانية، فيسمحون للمرأة على شواطئ الإسكندرية أن تخرج بالمايوه، وفي الجامعات أن تذهب متبرجة، ورغم ذلك يمنعون المنتقبات من دخول الجامعات؟ لماذا لم يعاملوهن معاملة أولئك؟ أنتم تقولون: إن المرأة عندما تقف على شاطئ الإسكندرية بالمايوه أو عارية أن هذه حرية أليس لأولئك حرية أيضاً؟!! الحرية إذن في الطعن على الإسلام والمسلمين فقط، هذه هي الحرية. فهؤلاء إذا ترجموا لنا كتب المستشرقين قالوا: هذه آداب، وهذه فنون، ننقل ما عند الناس؛ لأنهم ينقلون ما عندنا، تريدون منا أن نتحجر، ثم يقذفوننا بما في جعبتهم من الرجعية والتخلف والانحطاط، والرجوع إلى القرون الوسطى، والله يعلم أن هذا المتكلم لعله لا يعلم شيئاً عن القرون الوسطى، لكن هذه الكلمة إنما تقال في معرض التحجر. وهذا أحمد بهاء الدين يذهب إلى أمريكا للعلاج، ويرسل من هناك مقالاً يقول: (بينما العالم يتابع سفينة الفضاء الأمريكية التي أطلقت من أكثر من عشرة أعوام، وترسل الصور من على القمر، نجد عندنا من يتكلم عن فوائد البنوك هل هي حلال أم حرام؟ وهل النقاب واجب أم مستحب؟ وهل تغطية الوجه كذا! أفيقوا يا قوم!). حسناً ما علاقة العلماء بسفينة الفضاء؟! كان من الأحرى والأجدى أن يوجه مثل هذا التقريع إلى رجال الفضاء بمصر لماذا؟ لأن هذا تخصصهم، فيقول لهم: أنتم لا تعرفون إلا الهلال، وظهور الشمس، اخرجوا من هذا القمقم وتحركوا وانظروا، وخذوا تكنولوجيا العالم لكن -كما قلنا- الشيخ دائماً مهضوم، وكل بلية تنسب إليه، وكل حسنة وإن جاءت منه تنسب إلى غيره؛ لأنه -كما قلنا- ليست الدولة لهم. هناك مسرحية مشهورة وهي مسرحية: مدرسة المشاغبين، وفي هذه المسرحية في البداية أتوا بهيئة التدريس ينشدون النشيد الوطني للمدرسة، وكان من ضمن هيئة التدريس: مدرس الدين، وأتوا بهم وهم يغنون ويرقصون، وكان أفضل رجل رقص فيهم وحاز على قصب السبق مدرس الدين. لا يستطيعون أن يجعلوا قسيساً مكان هذا الرجل، لكن لأن الشيخ ممتهن، إذا تكلم الشيخ -مثلاً- في الإعجاز الفضائي، يقولون له: وما أدراك بالفضاء؟! ابق في الحلال والحرام، لا تتكلم في الفضاء. والمهندس أو الفلكي عندما يتكلم في الدين لا أحد يقول له: لماذا تتكلم في غير تخصصك؟ وإذا قيل له ذلك قال: الدين لله، وليس ملكاً لك. وهذه كلمة حق أريد بها باطل؛ لأن الدين لله من ناحية الاعتقاد، وليس من ناحية التصدر للفتيا، لم يقل أحد من أهل العلم قط أنه يباح لكل أحد أن يفتي، ما قالها أحد قط، فمسألة (الدين لله) أي: اعتقاداً لا يجبرك أحد، لكن (الدين لله) أي: الفتيا، يتجرأ عليها كل أحد، ما قال أحد من أهل العلم بهذا قط، ولا أنصاف المتعلمين يجرءون على قولها، إنما هو -كما قلنا- الجور على أهل الدين، فهم لا يعاملوننا بالعدل حتى ذراً للرماد في العيون. فيأتي هذا فيترجم هذه الأشياء التي فيها فظاعة وطعن على أحاديث النبي ﵊، ولا يجرؤ أحد على منع هذا من النشر -كما قلنا- لأنهم يقولون: حرية رأي. توفيق الحكيم روائي معروف، قال هذا القول عندما بلغ من العمر ثلاثة وثمانين عاماً، وقد قال النبي ﷺ : (قال الله: إذا بلغت عبدي ستين سنة فقد أعذرته)، وقد زار فرنسا ورجع، فاستضافوه في صحيفة الأهرام وسألوه: ما أفضل شيء أعجبك في فرنسا؟ فقال: الزواج الجماعي. في الأشهر الماضية يسألون وزير الثقافة على صفحات (جريدة الأهالي) لماذا لم تتزوج حتى الآن؟ يقول: حباً في النساء؛ لأن الرجل الذي يتزوج يقتصر على امرأة واحدة. ما معنى هذا الكلام؟ أي أن الذي لا يتزوج له النساء جميعاً، والذي يتزوج كصاحب المحل، له محل واحد، أما العامل فله ألف محل، يستطيع أن يترك هذا المحل ويذهب إلى ذاك. فقام الناس وقالوا له: إن هذا فسق وفجور، وإعلان للخنى، ولا يجرؤ أحد أن يمنعه أو يتكلم لماذا؟ يقولون: هذه حرية. فهذه المقالات التي يترجمونها فيها السم الزعاف الذي يقتل به أبناء المسلمين في بلادهم، مثل هذا المقال -كما قلنا- دخل من باب حرية الرأي، وفيه طعن على أحاديث النبي ﵊. فيقول هذا: إن الإسلام يدعو إلى الخمول والكسل، بدليل أن هذا الحديث يقول: إن الرجل الذي يمتلك آلة الحرث في بيته يذل، مع أنه عمي أو تعامى عن تبويب الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث، وقال: باب ما يخشى من الاشتغال بآلة الزرع -أي: عن ذكر الله ﵎ فيقول: إن هذا الرجل إذا استخدم المحراث في زراعة الأرض وتفانى فيها بحيث ألهته عن ذكر الله، فليس بعد دخول النار ذل، هذا يقضي عليه بالذل إن اشتغل به عن ذكر الله ﵎ هذا وجه من وجوه الحديث. الوجه الآخر: وهو أن الذي يعمل بآلة الزرع يتعرض للذل بسبب الجباية التي تفرض عليه، وعلى المحصول الذي يخرج من الأرض؛ فيتعرض للذل، وهذا كائن، فمثلاً يقولون: الفدان يُخرِج مثلاً طنين من الأرز -ألفي كيلو- ويجب أن يورد إجباراً إلى الجمعية الزراعية طناً ونصف، بسعر -مثلاً- مائتي جنيه، في حين أن هذا الطن في السوق السوداء بستمائة، إذاً: الفرق أربعمائة في الطن الواحد، هب أن الله منع الثمرة وغارت الأرض، ماذا يفعل هذا الرجل؟ يجب عليه أن يشتري طناً ونصف بسعر ستمائة حتى يوردها بسعر مائتين، إذاً يخسر، وإن تخلف عن السداد سجن أليس هذا من الذل؟ فكأن في هذا الحديث إشارة إلى ما يفرض على ذاك المزارع من الجبايات الظالمة التي تعرضه للذل: إما بتعريضه للسجن إذا لم يوف ما عليه، وإما بتعريضه للجوع هو وعياله. فهذا الذي يفهم عليه الحديث، ليس أن الإسلام يمنع من استثمار الأرض، كيف والنبي ﵊ يقول: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)؟ لذلك هذا الرجل يقول: (وأرد فيها ثلثه)؛ لأنه إن لم يرد ثلثه لا يتمكن من أداء الأمرين الأولين: الأمر الأول: وهو الإنفاق على الأولاد. والأمر الثاني: وهو أن يتصدق، وأن يحظى عند الله ﵎ بالخير العظيم. فهذا الثلث الذي يرده في باطن الأرض يعينه على إنجاز الأولين.

стр. 333

فضل الصدقة الفائدة الثانية: وهي الصدقة، وفيها أدلة كثيرة جداً على فضلها. من الأشياء التي افتقدها المسلمون اليوم: وجود بيت مال للمسلمين، أو على الأقل وجود بيوت تجمع هذا المال يكون عليها فقير، حتى يعرف كيف يصرف هذا المال، فتعجب عندنا في الجرائد عندما تقرأ أن فاعل خير تبرع بمائة ألف دولار لـ مصطفى أمين، هذا العلماني من الذي أدخله في الزكاة ومصارف الزكاة أو الصدقات؟! هؤلاء ينفقون على الفنانين والفنانات المتقاعدات، يقول: أدوا الرسالة على أتم وجه، ثم يضيعها هو، فينفقون من هذا المال على الفنانات، لا يصل هذا المال إلى مستحقيه، فهذا الرجل الذي أعطى هذا المال جاهل بمادته، والذي يتصرف بهذا المال أجهل منه. والسبب في حدوث مثل هذه الفوضى: أن المسلمين تخلفوا عن القيام بأدوارهم، والزجاجة الفارغة إذا لم يملأها شيء ملأها الهواء، فأنت إذا لم تشغل هذا الحيز شغله غيرك. كم خسر المسلمون بسبب الفوضى؛ لأن أموالهم ذهبت إلى غير مستحقيها، وكم من أصحاب المعاصي بدأ المعصية بسبب الحاجة، هناك بعض النساء الزانيات اللاتي تبن، لكن إحداهن تحكي أن سبب وقوعها في هذه الخطيئة ذهبت تطلب شيئاً فلم تجده، وسدت أبواب الخير في وجهها، فاضطرت -نحن لا نبرر شرعاً هذا الاضطرار- أن تسلك هذا الطريق، ووجدته طريقاً مليئاً بالأموال فسلكته. وهذا يدل عليه قصة أصحاب الغار: الرجل الذي جاءته ابنة عمه تطلب منه مالاً، فراودها عن نفسها فأبت، فألمت بها سنة -أي: مجاعة وحاجة- ثم إنها رجعت إليه مرة أخرى فمكنته من نفسها رجاء أن تأخذ المال، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته قالت: يا عبد الله! اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. ما الذي جعلها تأبى أولاً، وما الذي جعلها توافق ثانياً؟ نستطيع أن نستشف أن هذه المرأة أبت أن تفرط في عرضها؛ لأنها ظنت أنها إن يممت وجهها شطر أي رجل آخر فإنه يمكن أن يسد حاجتها، فكأنها مرت على الرجال تلتمس منهم هذا العون فلم تجد، وألمت بها سنة -أي: مجاعة شديدة- فاضطرت أن ترجع. لو أن هذه المرأة وجدت أول مرة من يسد حاجتها لم تكن لتفرط في عرضها؛ لذلك نحن نقول: نحتاج إلى فقيه يقوم على هذا المال؛ لأن بعض الناس يشحون بصدقاتهم وزكواتهم على بعض أصحاب المعاصي، يقول: أنا لا أعطي إلا الملتزم أفلا يسرك أن ينضم رجلٌُ جديد إلى ركب المؤمنين؟ في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﵌ قال: (قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج-يعني بالليل- فوجد امرأة فوضع في يديها الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على زانية. فقال الرجل: الحمد لله على زانية! لأتصدقنّ الليلة بصدقة -كأنما شعر أن صدقته لم تقع في الموضع الذي أراد، أنا أريد أن أتصدق على المستحق، فتقع صدقتي في يدي زانية! كأنه رأى أنها ما أجزأته؛ لذلك عاود الأمر مرة أخرى وقال: لأتصدقن الليلة بصدقة- فخرج فوجد رجلاً فوضع في يده الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على سارق. فقال: الحمد الله على سارق! لأتصدقن الليلة بصدقة -لأنها وقعت من وجهة نظره في غير الموقع الذي أراد- فخرج فرأى رجلاً فوضع في يده الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على غني -أي: غير محتاج- فجاءه من يقول له: أما صدقتك فقبلت، وأما الزانية فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يتوب، وأما الغني فلعله ينظر فيخرج الذي عنده) فهذا فضل الصدقة على أهل المعاصي: أما الزانية: فلعها تستعف وتحفظ فرجها إن وجدت من يكفلها. وأما السارق: فلعله يتوب عن هذه السرقة، بأن وجد من يعطيه هذا المال. وأما الغني: فلعله يغار ويخرج الذي عنده. لذلك يجب علينا أن نعامل أصحاب المعاصي كأنهم مرضى، وبذلك فهم يحتاجون إلى نوع خاص من المعاملة، فلا تشح بمالك على بعض أهل المعاصي، لكن هذه المسألة ليست على إطلاقها؛ فمن أملت فيه بإحسانك إليه أن يرجع وأن يتوب لا تتردد في ذلك، وإذا ظهر لك بعشرتك معه، وكثرة دعوتك له أن يراجع ربه ﵎ ويقلع عن هذا الإثم، أنه سيظل ماكثاً على ما هو عليه؛ حينئذٍ تتركه وتهجره. فالصدقة كما قال النبي ﵊: (كل امرئٍ في ظل صدقته يوم القيامة)، وفي الحديث الصحيح: (إن الله يقبل الصدقة بيمينه، ثم يربيها للعبد كما يربي أحدكم فلوه) وهناك بعض الناس يجدون جبالاً من الحسنات ما توقعوها قط؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف. يقول بعض الناس: أنا لا أخرج الصدقة حتى أرى من يستحقها. لا يا أخي! أخرجها، المهم أن تخرج منك، وسواء وقعت في موقعها الذي أردت، أو وقعت في غير موقعها هذا ليس من شأنك، وهذا يدل عليه قوله ﷺ للرجل في الحديث السابق: (أما صدقتك فقبلت)، المهم أن تخرج منك، لأن النفس مجبولة على الشح والمنع، ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. هذه كلها عبارة عن ذرائع يخفي بها المرء شحه، أن يقول: أنا أريد أن أضع الصدقة في مكانها. هذا في الحقيقة لو أنه ترك نفسه لعلم أن هذا جاء من جراء الشح. الصورة التي يفكر بها المرء لاسيما في باب الإنفاق مهمة جداً في دعوة العوام إلى الرجوع إلى حظيرة الإسلام، ولقد والله رأينا أناساً كثيرين يبذلون هذا لله ﵎ في الصدقة؛ فيعوضهم الله أفضل منه. قصة الطالب المشهور الذي كان يعمل مهندساً لصيانة المكائن في شركة الدخان، وما كان يعرف حكم الدخان، وكان هذا الرجل كثير الصدقة، ويتصدق من كسب يده، فكأنما خاف على هذه الصدقات أن تذهب وتبدد؛ لأنها لم تأت من كسب طيب، فأراد أن يستبدل مصدر كسبه بمصدر طيب، لكن ماذا يعمل وهو مهندس ولا يجيد إطلاقاً إلا هذه الصناعة، أول ما علم أن العمل في هذه الشركة لا يجوز ما ترك مباشرة، لأنه لابد أن ينفق على أولاده، فانتظر حتى اشترى له عربية -هذه التي يدفعها الرجل بيده- واشترى بعض الطماطم والبطاطس وكل هذه الأشياء، واقترض هذا المبلغ، وهو رجل مهندس -هذه القصة حدثت في أواخر الستينات، طبعاً في أواخر الستينات كانت الشهادة مهمة جداً، والآن ليس لها قيمة، وإن كانت شهادة جامعية عالية فإنها ليس لها قيمة، إنما كان لها قيمة عظيمة جداً في أواخر الستينات وأوائل السبعينات- وصار يدفعها في شوارع الجيزة، هذا الرجل الآن يعد من أكبر الأغنياء الموجودين بمصر. ويحكون عنه أشياء كثيرة في التصدق والبذل؛ لأن النبي ﵊ قال لزوجاته يوماً: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) فكان أزواج النبي ﵊ يقسن أيديهن، وكن يعتقدن أن التي يدها أطول هي التي تلحق بالنبي ﵊ وتكون أول من يموت بعد النبي ﵊، فلما ماتت زينب ﵂، وهي أول زوجاته لحوقاً به، وكانت قصيرة، وقصر الطول يتبعه قصر الأعضاء، فعلمن حقيقة الحديث، وأن الأمر ليس المقصود طول اليد، إنما طول اليد بالصدقة؛ لأن زينب ﵂ كانت كثيرة الصدقات، فكأن لها اليد الطولى، وهذا كقوله ﵊: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة). فمن ترك شيئاً لله ﵎ عوضه الله خيراً منه. فذلك الرجل تصدق بثلث ماله على الفقراء والمساكين الذين لهم حق في هذا المال.

стр. 334

فضل النفقة على العيال هذه القصة حدثت في زمن بني إسرائيل، ونخرج منها بثلاث فوائد عظام: الفائدة الأولى: فضل النفقة على العيال، والإثم في تضييعه. الفائدة الثانية: فضل الصدقة. والفائدة الثالثة: فضل عمارة الأرض كزراعتها. أما الفائدة الأولى: وهي فضل النفقة على العيال وإثم تضييعه. في الحديث القدسي الذي رواه البخاري مرفوعاً: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وقال الحديث: (وما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليّ مما افترضته عليه) إذاً فعلك لهذا الواجب هو أحبُّ شيءٍ تتقرب به إلى الله ، إن أردت أن تتقرب تقرب بما افترض عليك، أما النافلة فتقتضي زيادة الحب، (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه). لو أردنا أن نقرب هذا المعنى نذكر مثالاً -ولله المثل الأعلى- فنقول: لو كان لك خادم كلما أمرته بشيء امتثل، ولا يقول: لا، ولا يشكو عجزاً هذا -بلا شك- يكون محبوباً لديك، فإن علم هذا الخادم -بذكائه ومعاشرته لك- أنك تحب النظافة اليومية، وأنك تحب أن تقص الشجر، أو تقطف الورود ففعل هذا بغير أن تأمره، ألا تزداد له حباً؟ تزداد له حباً بطبيعة الحال. وكذلك الله ﵎ عندما تتقرب إليه بما فرضه عليك فهذا أحبُّ شيء إليه عزوجل، فإن زدت ذلك نافلة من عندك زاد حبه لك، صح عند النسائي وغيره، أن النبي ﵌ قال: (إن الله ليضحك إلى العبد يكون النوم أحب شيء إليه، ثم يقوم يتملق ربه بركعتين) كل أمنيته أن يصل إلى فراشه من شدة التعب، ولكن توضأ ووقف بين يدي الله يتملق -تأمل هذا اللفظ- يتملق ربه بركعتين، فالله ﵎ يضحك لمثل هذا العبد. النفقة على العيال واجبة، لذلك لا يجوز أن تخرج الزكاة للأصول أو للفروع، لا يجوز أن تعطي زكاة مالك لأبيك وأمك ولا لأولادك لماذا؟ لأن لهم نفقة واجبة عليك، وإذا قصر الرجل في هذا الواجب فقد أباح النبي ﵌ لـ هند بنت عتبة كما في حديث عائشة في الصحيحين، قالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ قال لها: خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف)، لو قصر رجل في هذا الواجب يؤخذ منه عنوة؛ لأنه واجب عليه، والنبي ﵊ لما أباح لها أن تأخذ حقها المفروض على زوجها أن يؤديه إليها، قال لها: (بالمعروف) هذه الكلمة مهمة جداً؛ لأنه لا يجوز للزوجة أن تتوسع في الأخذ من مال زوجها لتنفق على شهواتها، هذا ليس من المعروف، وهناك من يفسر كلمة (المعروف) بالعُرف، أي ما يتعارف الناس عليه في البيوت، وصار شيئاً ضرورياً في البيت، حتى وإن كانت الحاجة إليه ليست ماسة، قال: يجوز للزوجة أن تأخذ حتى تحقق هذا، أي العرف، وهو ما تعارفوا عليه، ولكن هذا ضعيف؛ لأنه قد يتعارف الناس في بيئة من البيئات على شيء من الترف تمضي حياة المرء بدونه، فلا يجوز إذن للزوجة أن تتوسع وأن تأخذ ما تشتهي، إنما (خذي ما يكفيك وبنيك بالمعروف) فيفهم من هذا: ما يقيم صلبها وصلب أولادها. أغرب شيء صادفته في رمضان الماضي: رجل لا يملك الكثير من المال، ويعمل في صنعة ما، فجمع أجره كله وذهب ليعتمر، وترك أهله دون أن يعطيهم شيئاً، وكان هذا في العشر الأواخر من رمضان، والعيد اقترب، والنفقات في رمضان بوجه عام تزداد، فهذا الرجل ما ترك شيئاً لأهله ولا لأولاده وذهب ليعتمر! فأخبروني -بالله عليكم- أهذا تصرف يرضاه الشارع الحكيم؟! الجواب لا؛ لأنه ذهب إلى سنة مستحبة له، وقد سبق له أن اعتمر، وسبق له أن حج، وضيع واجباً وراءه. كذلك حدث عندنا في أسوان أن رجلاً خرج أربعين يوماً وترك أهله؛ وهو صاحب محل، فمعنى أن يخرج أربعين يوماً أي أنه أغلق المحل، وأثناء ذلك مرض ولده فأرسلوا إليه: إن ولدك مريض. فقال الأب: أنا آسف! لن أقطع هذا الخروج. قاد ولده السيارة من بيته إلى المستشفى وهو مريض، ودخل المستشفى، وكانت أمه ترافقه، ومات بالمستشفى، فأرسلوا إليه إن ولدك مات، فقال: لا أقطع الخروج! ضيع أولاده وراءه، ما ترك لهم شيئاً من المال ينفقونه، لو سلمنا أن هذا الخروج مستحب -مع كونه بدعة كما صرح بذلك أهل العلم- وتعارض مع فرض، فلا شك عند المبتدئين من طلبة العلم أنه يقدم أقواهما عند التعارض، فيقدم هذا الفرض وهو الإنفاق على العيال، لكن كثيراً من أولئك يقودهم الجهل بالنصوص الشرعية إلى مثل هذه التصرفات. النفقة على العيال واجبة، وذلك الرجل صاحب البستان إنما نال كرامة السحاب المليء بالماء، ويقيض من ينادي في هذا السحاب أن اسق أرض فلان، فيسميه باسمه، لأنه عادل؛ فقد قسم ماله إلى ثلاثة أجزاء بالعدل: ثلث لأولاده، وثلث يتصدق به، وثلث يرده في باطن الأرض، حتى ينبت هذا الحب مرة أخرى فيتمكن من القيام بهذا الواجب، والقيام بحق الفقراء والمساكين من الصدقة. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النبي ﵌ قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)، وفي لفظ أبي داود (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) أي: حسبه هذا الإثم، إن كان يريد أن يستزيد من الآثام حسبه أن يضيع من يعول، فهذا مما يدل على إثم تضييع الأولاد، والفضل في النفقة عليهم، وأن هذا من أفضل القربات عند الله أن ينفذ الإنسان ما أمر به، ويكون واجباً عليه، أي فرضاً.

стр. 335

الأسئلة

стр. 336

حكم دفع الزكاة الواجبة دون النظر في حال من يأخذها السؤال هل بذل الصدقة دون النظر إلى من يأخذها ينطبق على الزكاة الواجبة، كزكاة الفطر أو زكاة المال؟ الجواب نعم، هذه الجزئية التي أنا ذكرتها في العصاة ألا يجوز أن يكون العاصي فقيراً أو مسكيناً، أو أحد الأصناف الثمانية الذين تجب لهم الزكاة؟ طبعاً، لكن نحن تحدثنا على هذه الجزئية فقط، وهي جزئية إعطاء العاصي؛ لأن هذا العاصي إذا أعطيته -كما قلنا- من الجائز أن ينضم إلى ركب المؤمنين، وهذه المسألة -كما قلنا- تحتاج إلى رجل فقيه يقدر الحال والله أعلم.

стр. 337

حكم الصدقة على قاطع الصلاة السؤال هل إذا غلب على ظن مخرج الصدقة أو الزكاة أن الفقير أو المسكين الذي يريد أن يعطيه الزكاة لا يصلي، فهل يجوز أن يدفع إليه الصدقة أو الزكاة؟ الجواب هنا يعمل بغلبة الظن، ومعروف أن الأحكام الشرعية يكفي فيها الظن الراجح، فإذا غلب على ظنك أن هذا الرجل إن أعطيته من زكاة مالك أو من صدقتك مالاً -وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن تكون على دراية به، كأن يكون من أهل البلد- أنه لا يرجع ولا يرعوي؛ فلا تعطه، إنما إذا غلب على ظنك أن هذا الرجل أسير الإحسان، وأنه يطيع، فهذا من الأفضل بلا شك أن تعطيه الصدقة. وقد جربنا -وهذه التجربة عشتها بنفسي- أنك عندما تحسن إلى الفقراء والمساكين، فإنك تستحوذ على قلوبهم، وهذا أفضل من مائة محاضرة، فالجائع لا يستفيد من الكلام لأنه يريد أن يأكل، ويفكر كيف يحصل على العشاء لأولاده، وعلى الغداء، وكيف يحصل على الكسوة لأولاده؟ فالإحسان تستطيع أن تدخل به العشرات في حظيرة الإيمان، ولو كان الكلام الكثير يهدي الناس، ما ظننا أن يكون على الأرض عاص، لأن المتكلمين كثيرون جداً جداً، والكلام كثير جداً جداً، لكن الفعل قليل، هذه مشكلة كبيرة، يعني مثلاً: الذين يذهبون إلى الحج كل عام، تكفيهم حجة واحدة وهي حجة الإسلام، وإن كان المال زائداً فزوج به شاباً، أو ابن به بيتاً لأحد الفقراء الذين تسقط بيوتهم، فقد جاء رجل يشتكي ويبكي أنه بعد ما سقط بيته وعد بشقة -طبعاً هذا كله خيال- وهو الآن يسكن في عشة من الصفيح مع ثلاث بنات أكبرهن تخطت العشرين من عمرها، وأصغرهن تخطت الخامسة عشرة، ينامون فيها جميعاً، والحمام مشترك مع عشرين عشة، منْ مِنَ الناس يرضى أن تقف ابنته على باب الحمام وهناك رجل أجنبي خارج من الحمام؟! يأتي هذا الرجل يبكي ويقول: هجم علينا بعض الشباب الوضيع ليلة أمس، وساوموني على أخذ ابنتي وإلا هدموا علي هذه العشة من الصفيح، أريد أن أحافظ على عرضي، ماذا أفعل؟ يأتي يشكي لعاجز عجزه، فيلتقي العاجزان يبكيان، ليس هناك حل. إذا كنت تبغي -أيها الرجل- الثواب لا مجرد أن تذهب إلى الأرض المقدسة تحج وترجع، تريد الثواب فانظر إلى هذه الأسرة المشردة وأعطها المال، أو أعن شاباً على الزواج. فلو أن هناك رجلاً مريضاً، وكان هو رب الأسرة الذي ينفق عليها، وأصيب -نسأل الله لنا ولكم العافية- بفشل كلوي، فمن الذي سينفق على زوجته وأولاده بعد أن أصيب بهذا المرض؟ وبعض الناس يذهب إلى المصيف شهراً، ينفق فيه عدة ألوف وجاره جائع بجانبه لا يعطيه شيئاً، لقد عجز المسلمون أن يأخذوا حكمة الصلوات الخمس، أنت الآن تصلي بجانب أخيك خمس مرات في اليوم، فتظل عدة سنوات لا تعرف اسمه ولا بيته، وإذا غاب لا تسأل عنه. بعض الناس عندنا صلى في المسجد نحو سبع سنوات، ثم انقطع فترة طويلة، فسأل الناس عنه فقيل: مات منذ ثلاث سنوات. قالوا: سبحان الله! كنا نظنه مسافراً. اعتاد أن يغيب أخوه ولا يسأل عنه، فإذا أطال في الغياب قال: لعله مسافر. لا تعامل صاحب المعصية بجفاء، بل تودد إليه وتحنن؛ لأن الإنسان يكون أسير الإحسان، فقد جربنا أن نعطي بعض الأموال البسيطة لهؤلاء الفقراء، فنادينا على المنابر: من كان عنده قميص، أو جلباب، أو أي ثياب يستغني عنها لصغرها عليه، أو لأنها قديمة فليأت بها، وجمعنا أطناناً فوزعناها على الفقراء، فأخذوها بعظيم البشاشة، ونادينا على المنابر: من كان عنده دواء -شفاه الله وبقي شيء من الدواء- فليأت به، فجمعنا كمية كبيرة، وتطوع بعض الإخوة الصيادلة لعمل جناح خاص ورتبت هذه الأدوية، فإذا مرض إنسان أتى فأخذ مثلاً ورقة مختومة فيعطى الدواء بالمجان. تصور أن الدعوة السلفية لها مائة عام، وكان بعض الآباء يصدون أولادهم عنا ويقولون: هذا سني، وهو معرض للاعتقال، ويقول لابنه: لا تذهب ولا تصل في المساجد السنية. ويأتي الولد يشتكي ويقول: ماذا أفعل؟ المساجد الأخرى ينقرون الصلاة، فماذا أفعل؟! فاستطعنا أن نكسب قلوب أولئك الآباء، وأصبح الأب يستحي على الأقل أن يمنع ولده أن يرافقك وأنت المحسن عليه المتصدق، حتى وإن لم يقتنع بذلك على الأقل تجعله على الحياد إن عجزت أن تضمه إلى صفك. ما علمنا هذه الحقيقة إلا بعد أن مارسناها، كنا نتأفف جداً من أي رجل يشرب السيجارة، وقد نخوض في طريق آخر، لكن تجمعنا الجلسات بأولئك، فكنا نترفق بهم غاية الترفق، فأحياناً يصرحون بألفاظ عجيبة، ومع ذلك نخفض لهم جناح الذل من الرحمة، حتى يصير في قلبه محبة لك، وقد انضم عشرات من العصاة لركب المؤمنين. هذه الدعوة المباركة لا تحتاج إلى جهد؛ لأنها تغزو القلوب، لكن تحتاج إلى حسن عرض. مررت مع أحدهم على رجل يتسول، وقد كشف عن ساقه المقطوعة، فقال رفيقي أول ما رآه: أعوذ بالله، أعوذ بالله، تتكسب بالحرام؟! الركبة عورة! طبعاً الرجل لأنه لا يريد أن يقع في مشاكل غطى ركبته، ثم مشينا قليلاً فنظرت خلفي فإذا به قد كشفها، إذاً ما الفائدة؟! تستطيع أن تنكر المنكر بأسلوب أفضل من هذا. فالحاصل: أن الظن الغالب يُعمل به، وإذا غلب على ظنك -بخبرتك- أن الرجل صاحب عناد وجدل ولا يرجع فتجنبه، وهناك عشرات في مقابله يتقبلون النصح ويظهر ذلك عليهم. لذلك نقول: إن الزكاة والصدقة تحتاج إلى رجل فقيه حتى يضعها في موضعها والله أعلم. نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 338

عقبات في طريق التمكين هناك الكثير من العقبات المانعة من التمكين لأهل الإسلام، من أعظمها: سوء إعداد جيل التمكين من قبل دعاة هذه الأمة وعلمائها وعدم اختيار الزوجة الصالحة عدم معرفة منهج النجاة في تربية الأبناء.

стр. 339

سوء اختيار الزوجة (المربية للأولاد) إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام! لماذا يتقاتل الناس، ولماذا تنشب الحروب في كل مكان؟ إن هذا القتال الدائر بين الناس اليوم قديم وليس في هذا العصر فحسب وإنما هو قديم من لدن آدم ﵇، والمقصود منه هو السعي إلى التمكين. إن هذا النظام العالمي الجديد، وهذه التكتلات الاقتصادية بين الدول، المقصود منها التمكين؛ فالتمكين هو الغاية المنشودة خلف كل صراع، وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن أولى الناس بالتمكين هم المسلمون. إن الله ﵎ لما ذكر التمكين في سورة القصص ذكر ميلاد موسى ﵇. إذاً: هناك رابطة قوية بين التمكين وبين صلاح الأولاد، بل لا يكون تمكين إلا بصلاح الأولاد؛ لكن قبل أن نتكلم على الولد نتكلم عن أصل الولد، نتكلم عن أمه وأبيه. الأم هي قاعدة البناء العريض؛ ولذلك كل المؤتمرات التي تعقد باسم البيئة والتنمية المقصود منها: إفساد المرأة، وقد اشتدت الضراوة على النقاب؛ لأن النقاب عاد بعد غياب استمر لخمسين عاماً فقط، فأصابهم بالدوار وخلط أوراقهم. إن المسرحية الغربية التي ألفوها سنة (١٩١٩) وحرقوا فيها النقاب احتجاجاً على وجود الإنجليز في مصر، وكان هذا في ميدان الإسماعيلية المتمثل في ميدان التحرير ويشير اسمه إلى تحرير المرأة وحرق النقاب، والذي ينبغي أن يعلم أن النقاب لم يختف بمجرد أن حرق في الميدان؛ لكنه ظل نحو عشر سنوات أو خمس عشرة سنة حتى تحلل الناس منه. أي أن غياب النقاب عن الساحة كان في حدود سنة (١٩٣٥) ثم رجع سنة (١٩٨٠) أي في حدود خمسين سنة؛ فهم لم يتصوروا أن تنهار مكاسبهم بهذه السرعة، وخمسين عاماً في أعمار الأمم لا تشكل شيئاً. فلما رجع الحجاب مرة أخرى ورأوا أن مكاسبهم بدأت تضيع اشتدت الحملة والضراوة، حتى أن المؤتمرات صارت تعقد بسفور، ولم يلجئوا إلى التلميح كما كانوا من قبل. إن وراء كل رجل عظيم أم -ولا أقول امرأة- بل خلف كل رجل عظيم أم. أيها المقحم عن الزواج! إن غاية المنى في الدنيا أن تظفر بالمرأة الصالحة، واسألوا الذين لم يوفقوا في حياتهم الزوجية هل تشعرون بنعيم؟ فكلمة إجماع عندهم (لا). لا يشعر بنعيم الولد ولا الصحة ولا الجاه ولا المال، بسبب فساد المرأة، والرجل التعيس في حياته يحسد كل الناس، ويظن أنهم سعداء وهو الوحيد الشقي، فالمرأة الفاسدة لا تشعر معها بطعم الحياة؛ وهذه المرأة لا يرجى من ورائها خير؟ إن الجيل التمكين، لابد أن يتلاءم فيه الرجل مع المرأة، وأن تعرف المرأة الغاية في خلقها وما هو دورها، وأن تقوم بواجبها حق القيام، وكذلك الأب، فهما أساس صلاح الأجيال. وإن الإسلام حفظ للمرأة كرامتها، فجعلها مطلوبة لا طالبة؛ فالرجل هو الذي يدخل ويتقدم ويخطب وليس المرأة، حفاظاً عليها وعلى كرامتها؛ فالمرأة لها قيمة ما دامت مطلوبة؛ فإذا صارت المرأة طالبة قلت قيمتها. ومع ذلك فقد أباح لها الإسلام أن تعرض نفسها على الرجل الصالح؛ لأنه غاية المنى بالنسبة لها -مع أن هذا في عرف الناس قبيح- الرجل الصالح، فيجوز للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح إذا ترجحت المصلحة وأمن الضرر، أما لو تزاحمت المضار فنختار أخف الضررين، وأخف الضررين هنا أن المرأة تتنازل وتبدو أنها هي التي تخطب الرجل، وصحيح أن قليلاً من كرامتها سيذهب لكن لا مانع؛ لأن تحصيل الرجل الصالح فيه من الفوائد ما لا يوازيه مثل هذا التمايز، مع أن هذا قبيح في عرف الحرائر. روى ثابت البناني ﵀ حديثاً عن أنس رواه البخاري في صحيحه يقول: (كنت جالساً عند أنس؛ فقال أنس ﵁: جاءت امرأة فعرضت نفسها على النبي ﷺ وقالت: يا رسول الله! وهبت نفسي لك، فقالت ابنة أنس: واسوأتاه! ما أقل حياءها، أتعرض الحرة نفسها؟! فقال أنس: هي خير منك، عرضت نفسها على النبي ﷺ . لقد استنبط الإمام البخاري ﵀ من هذا الحديث جواز أن تعرض أي امرأة نفسها، مع أن هذه المرأة وهبت نفسها، وهذا خاص بالنبي ﵊ ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]. إذاً: للنساء جميعاً أن يعرضنَ -لا يهبن- أنفسهن، لدلالة الآية، وامرأة العزيز عيرها نسوة مصر بسبب مراودتها ليوسف ﵇: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ [يوسف:٣٠] يا للعار ما أقل حياءها، هي التي تراود، الذي يراود هو الطالب لا المطلوب ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ [القمر:٣٧] هم الذين يطلبون. فلا بأس أن تعرض المرأة نفسها على الرجل الصالح فقد أُبيح لها ذلك، ثم على الصالحين أن يعرضوا بناتهم، والمثل عندنا يقول: (اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك). كذلك قال الرجل الصالح صاحب مدين: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧] وبعض العلماء يقول: أنه شعيب ﵇، لكن الظاهر أنه ليس شعيباً ﵇؛ لأن شعيباً كان بين موسى وإبراهيم ﵉، وشعيب قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٩] ولوط كان في زمان إبراهيم، وبين موسى وإبراهيم ﵉ مدة طويلة؛ فالراجح أنه ليس شعيب ﵇، لكنه رجل صالح، فهذا الرجل عرض ابنته على موسى ﵇ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧]. وانظر إلى قول الله : ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] فلو بدأت القراءة من قوله ﵎: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] لأعطاك معنى جميلاً ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥] إذا كانت جاءت تمشي على استحياء؛ فلا شك أن القول يكون على استحياء أكثر، فعرضت البنت العاقلة على أبيها أن يستأجره، قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. هي هذه مقومات الزوج الصالح، القوي الذي يستر امرأته، ولا يعرضها للعمل، ولا يضيرها، ولا تبتذل بين الرجال، وهو الذي، يدافع عن عرضه، ثم هو أمين عليها، لما ذهب إلى أبيها تزوجها بكلمة الله، واستحلها بعناية الله؛ فهو أمين عليها، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لا يظلمها، فتفرست فيه المرأة ذلك؛ لأنها رأت منه خصلتين كما يقول أهل التفسير: الخصلة الأولى: قوة جسدية لما سقى لهما، وكفاهما هذا الزحام فهذا دلالة قوته. والخصلة الثانية: أمانته حيث أنه مشى أمامها ولم يمش خلفها حتى لا يرمقها. وقد ذكر أهل التفسير أنها كانت تشير له عن طريق الحصى، إذا رمت الحصى يميناً انحرف يميناً، وأذا رمت شمالاً انحرف شمالاً؛ فعلمت أن هذا رجل نبيل؛ فتفرست فيه هاتين الصفتين؛ فقالت لأبيها ذلك: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. فهذا الرجل الصالح عرض ابنته ولم يكن هذا إغراءً عليه ولا على ابنته، بل كان شرفاً له، لأن الذي تزوج ابنته نبي الله موسى ﵇. وقد سنها لنا عمر بن الخطاب ﵁ ففي صحيح البخاري وغيره: (لما تأيّمت حفصة بنت عمر بسبب موت زوجها، طفق عمر يعرضها، فعرضها على عثمان قال: هل لك في حفصة بنت عمر؟ قال: أنظرني ثلاثاً، فبعد ثلاث قال: قد بدا لي أن لا أتزوج في يومي هذا. قال: فقابلت أبا بكر ﵁، فقلت له: هل لك في حفصة بنت عمر؟ فلم يرجع إلي بشيء فكنت عليه أوجد مني على عثمان، ثم لبثت ليالي فخطبها رسول الله ﷺ ، فأنكحتها إياه، فقابلني أبو بكر: فقال لي: لعلك وجدت علي إذ لم أرجع إليك بشيء! قلت: نعم. قال: والله إني سمعت رسول الله ﷺ يذكرها، وما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، ولو تركها لقبلتها). ولم يكن إبراءً بـ عمر لو تزوجها عثمان نعم الزوج، لو تزوجها أبو بكر نعم الزوج، ثم كل هذا في سبيل البحث عن الرجل الصالح. روى أبو نعيم في كتاب ال

стр. 340

الإسلام دار والصحابة الباب الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام! ليس ما ذكرته هو أول عقبة، فحياتك كلها عقبات، ألم نسمي مجموعة الأحكام الشرعية تكاليف؟ وأنت اسمك المكلف، ومعنى مكلف أي: يفعل الشيء بكلفة. والتكليف كله مشقة، فأمامك عقبات عظيمة، وأول العقبات أن تختار المرأة الصالحة؛ فالمرأة الصالحة رزق، مثل المال والولد، ثم حبك للمرأة رزق آخر لا دخل لك فيه وكما قلت لك: إن قلبك ليس بيدك. ولما أكثر النبي ﷺ من ذكر خديجة ﵂ غارت عائشة؛ فتكلمت بما تكلمت، فقال لها: (إني رزقت حبها). فحب الرجل للمرأة رزق، وحب المرأة للرجل رزق، وهو يستحق شكراً مستقلاً، فإذا رزقك الله زوجة صالحة فاسجد لله شكراً. وفي هذا الزمان حصلت فجوة في تاريخنا، ذهبت فيها الخلافة، وإن مغبة ضياع الخلافة فيه فساد جيل بأكمله، هذه الأمة جيلاً فاسداً، عاش تحت وطأت العلمانيين، والمتحللين من دينهم، ولا زلنا نعاني من هذه المحنة؛ وأصبح اختيار المرأة الصالحة يكلف الرجل بحثاً كثيراً؛ لكن ابحث عن صلاح بيئتها قبل صلاحها. هناك حديث موضوع لا يجوز أن ننسبه إلى النبي ﵊؛ لكن نحن نقوله ليس لأنه حديث؛ لكن لأنه كلام جميل: (إن أنضر الأزهار ينبت في الدمم). الدمم: المستنقعات، والوردة جميلة، تنبت في وسط المستنقع. المرأة التي ظاهرها الالتزام، وقد تربت في بيئة سيئة، لو تزوجها قد تنجيها من البيئة التي تعيش فيها، ولكن بعدما تتزوج قد تحصل مشاكل عادية بين الرجل والمرأة فتذهب المرأة إلى بيت أبيها، وهم لا يعينونها لصلاح بيتك، بل يفسدونها، ونحن عندنا نماذج من ذلك، إلا أن يتفضل الله على هذه المرأة فتكون أصيلة وأنت لا تدري؛ فإذا أردت أن تختار انظر إلى صلاح الأهل والبيئة، فلو اخترت امرأة يظهر عليها كل مظاهر الالتزام وأهلها صالحون فإنهم يصلحونها لك، وإذا غضبت أرجعوها. رضي الله عن أبي بكر، فقد كان نعم الحمو للزبير بن العوام، وكان الزبير رجلاً غليظاً وضراباً، إذا ضرب يضرب بقسوة، وكان متزوجاً بامرأتين؛ فكانت أسماء ﵂ تذهب وتشتكي لأبيها؛ فكان يرجعها ويقول لها: يا ابنتي! إن الزبير رجل صالح، صحيح أنه يضرب لكن أين بقية شمائله: دينه وأخلاقه ورعايته، ثم هو من المبشرين بالجنة، رجل من الصالحين، فترجع أسماء المرأة الصالحة البارة الوفية إلى زوجها، وقد تجد المرأة في زوجها خلقاً سيئاً لكن قد ترضى منه أخلاقاً كثيرة كذلك المرأة فقد تجد فيها خلقاً سيئاً، وترضى منها أخلاقاً أخرى جميلة وفي الحديث: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر). هذه كلها عوامل تساعدك على اختيار المرأة الصالحة، وليست هذه كما قلت أول العقبات، بل هناك عقبة كؤود، هي من أعظم العقبات التي تواجهك أيها الرجل الآن، وهي معرفة المنهج الذي تربي عليه أبناءك. ونحن أمامنا مناهج كثيرة، والرسول ﵊ قال: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة) فأنت أمامك ثلاثة وسبعون باباً مفتوحاً كل باب يمثل منهجاً مستقلاً. إذاً: قبل أن تخطو لابد أن تعلم إلى أين الطريق؟ إلى أين يؤدي؟ ولقد كفانا النبي ﵊ مئونة تحديد الطريق والمنهج فقال: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي). فهل التزمنا بمذهب القرن الأول؟ هل نعرف كيف عاش الصحابة فعلاً؟ كيف كانوا يعتقدون العقيدة؟ كيف كانوا يتعاملون؟ كيف كانوا يتفاوتون في فهم الأدلة والنصوص؟ إذاً: إذا أردت أن تبقي لهذه الأمة من نفسك ولداً صالحاً، يكون نواة لجيل التمكين، لابد أن تعلم ولدك الباب الوحيد الذي يدخل منه. هي هذه العقبة الكئود التي يجب أن تبحث عنها أكثر من بحثك عن عمل إضافي لتأكل وتشرب. هو معرفة منهج النجاة، هذا العلم فرض عين عليك، خاصة أننا في هذا العصر عصر تشويه جيل الصحابة، هذا التشويه قائم على قدم وساق، يكذبون أبا هريرة وينشرون كتباً لتكذيبه، في أكبر دار نشر رسمية، فقد ظهر كتاب أضواء على السنة المحمدية للهالك محمود أبو رية يكذب فيه أبا هريرة ويقول: إنه كان يفتري الكذب على رسول الله ﷺ . ويخرج رجل آخر جاهل يصدر كتاباً الأضواء القرآنية لاكتساح ما في البخاري من الإسرائيليات، يلعبون بالكتب ويعبثون بهذا التاريخ المجيد، الذي إذا انهار لا تقوم لنا قائمة. الآن المد الشيعي بدأت تظهر بوادره، والذي يعتمد أساساً على تحقير الصحابة، لماذا؟ لأن الصحابة هم الباب إلى الإسلام، هم الذين نقلوا لنا الدين كله أصولاً وفروعاً، فإذا جاز لك أن تكذب أبا هريرة! فهذا يعني أن كل حديث نقله أبو هريرة كذب، وكم من العلم سيضيع إذا كذبنا الناقل، والطعن في الصحابة المقصود به الطعن في الإسلام كله. كان الإمام النسائي رجلاً مجاهداً، فلما دخل دمشق كان المحبون لـ معاوية كثراً والمبغضون لـ علي كثراً، فالإمام النسائي قال: أحسن شيء أن أؤلف كتاباً في فضائل علي، فصنف كتاباً أسماه خصائص علي بن أبي طالب، أي: مناقبه، فصنفه قبل أن يصنف رسائل الشيخين في فضائل أبي بكر وعمر، فنسب إلى التشيع بسبب هذا الكتاب، مع أنه سني خالص؛ لكنه رأى من السياسة الشرعية أن نبدأ بتصنيف كتاب خصائص علي لكي يقرأه في وسط النواصب. فبعد أن قرأ الكتاب قام شخص وقال له: لم لا تحدثنا بفضائل معاوية؟ فقال: جاء حديث صحيح رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄ قال: (قال لي رسول الله ﷺ : ناد لي معاوية) وقد كان معاوية ﵁ كاتباً للوحي، ولا يكتب الوحي إلا أمين، فذهب ابن عباس فوجده يأكل، فقال له: حتى أكمل الأكل، وقعد ابن عباس يلعب مع الصبيان، فرآه النبي ﵊ وقال: ناد لي معاوية. فقال له ابن عباس: إنه قال: سيأكل ويأتي، فقال النبي ﷺ : (لا أشبع الله بطنه). والعلماء قد حملوا هذا على المدح، بدلالة حديث أم سليم عند مسلم أيضاً: (أن النبي ﷺ قال لـ أم سليم: أو ما تدرين ما شارطت عليه ربي. قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة وأجراً) ولا أشبع الله بطنك زكاة وأجر. قال: فسكت وسكت السائل؛ ولكن العوام قاموا عليه يضربونه فقتلوه، فمات الإمام النسائي شهيداً بسبب هذا الكتاب، فأراد أحدهم أن يستغل هذه المسألة فقال له: إن بعض الناس يتكلم في معاوية. فقال له الإمام: إن الإسلام دار والصحابة الباب فمن نقر على الباب أراد الدخول ومن أراد الصحابة الإسلام. هي دعوة ظاهرة ولا نجاة لك إلا من هذا الباب الذي هم الصحابة، فعليك بالتزام مذهب القرن الأول الذي صار فرض عين علينا جميعاً إذا كنا نريد النجاة.

стр. 341

النقاب آلام وآمال قد يشعر الإنسان -أحياناً- بإحباط شديد لما تتكاثر الأخبار السيئة في يوم واحد، ويظن أن ليس في الدنيا خير، مثل علماء الحديث كانوا أحياناً يجمعون غرائب الراوي ومناكيره في موضع واحد، فربما نظر الناظر ولا يدري بذلك إلى أحاديث هذا الراوي، فضعفه ظناً منه أن ذلك هو الغالب على حديثه. ومن المشاكل التي تعرض عليّ يومياً مشكلة واجهتها ولم أستطع لها حلاً، وانعقد الكلام على لساني، أخت اتصلت بي وتريد حلاً لمشكلتها، تقول: إنها انتقبت هي وأختها الصغرى، فما كان من الوالد إلا أن طرد الأم إلى بيت أبيها، وجعل رجوعها مرهوناً بخلع البنات للنقاب؛ فقالت الأم لأبنائها تحملوا قليلاً، فالمسألة كلها مناورات، ومع الأيام ستعود المياه إلى مجاريها، وفي فترة غياب الأم حدث للبنات أشياء شنيعة جداً. أولاً: أمرهن أبوهن بخلع النقاب. ثانياً: كان يأمرهن إذا جاء ضيف أن يظهرن شعورهن ويدخلن عليه. وقالت: لا أستطع أن أصف لك حجم الضرب الذي تحملناه، فما نزعنا النقاب إلا بعد ضرب شديد. وليس هذا فقط بل يأمرهن أن يجلسن بجانب الضيف، وإذا لم يمتثلن ينهال عليهن ضرباً ولو كان الضيف موجوداً تصور أن هناك آباء بهذا الحمق والحقد على الدين؟! وكنت لا أملك لها إلا أن ألقي على مسامعها نماذج من تضحيات الفاضلات من الصحابيات ومن الأمهات والمؤمنات، ومع ذلك كنت أحس أن الكلام يتعثر على لساني، فالمسألة أكبر من الكلام. إن الأمة مهزومة بأمثال هؤلاء، نحن عندنا من هذا الصنف الكثير، وأنا لا أبالغ، لكن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. مثلاً: لو ذهبت إلى صديق، وقلت له: هل الوباء الفلاني منتشر؟ يقول: نعم، منتشر كما ترى. لا. اسأل أهل التخصص هم الذين يخبرونك هل المرض منتشر أم لا. لعلكم لا تشعرون بهذه المحن، فالناس كل يوم يعيشون محناً ويريدون لها حلاً، ونحن لا نملك لهم أكثر من النصيحة، كل مشكلة لابد أن تترك على القلب ظلاً، وكثير من الملتزمين الذين مكن الله لهم قد دب اليأس إليهم من كثرة الفساد. والذي يجعلنا نستبشر هو رجوع النقاب، النقاب وقد صار علامة للالتزام، كذلك اللحيةلم يعد عليها ذلك الضغط القديم، وأصبح أصحاب اللحى يدخلون الجامعات والمؤسسات المرموقة والمواقع الحساسة، بل عشنا حتى رأينا اللحية في أمان، لقد كان الذي يريد أن يشتري شيئاً ليأكله يحلق لحيته، ويلبس البنطال، ويلبس (الحلق) ويلبس سلسلة! كنوع من التمويه، وأصبحنا نعرف حجم الدعوة في أي بلد بالنقاب فإذا دخلت أي بلد فاسأل عن النقاب، فإذا كان منتشراً جداً فاعلم أن الدعوة منتشرة، وإذا كان النقاب في أهل بيت، فاعلم أن في البيت أكثر من ملتزم، أبوها أو أخوها يأمرها، لكن قد يعفي الرجل لحيته والبيت كله لا يصلي، فرجوع هذا النقاب بهذه الكثرة الكاثرة، إنما الفضل فيه لله . وأما جهد الدعاة فهو قليل ولا يساوي كل هذا الخير الموجود، وما من يوم ينشق فجره إلا ونجد عدداً من الفتيات يلبسن النقاب. ونحن نقول للآباء الذين يرفضون أن تلبس بناتهم النقاب: إن الانحراف ثمنه غال جداً، والآن الخمار لم يعد علامة الحجاب، فقد تبلغ الفتاة سن الخامسة عشرة فتعلن الحجاب، لكن بعدما وضع النقاب ترى الخمار أدنى، وقد يخطب المرأة المختمرة الذي لا يصلي والذي يدخن، لكن المرأة المنتقبة لا يدخل عليها إلا شخص واحد فقط، يريدها من أهل الدين. إذاً: النقاب باب، والمرأة عندما تنتقب تتزوج بسرعة، ليس مثلما يفهم الناس، في عقلية الستينات كانت المرأة لازم أن يكون لديها دبلوم عالٍ أو (بكالريوس أو ليسانس)، لكن الدنيا تغيرت، والمفروض أن المعايير تتغير أيضاً. فلم يعد النقاب وسيلة من وسائل عرقلة مسيرة المرأة نحو الزواج. إذاً: النقاب سياج أمان، والمرأة المنتقبة تبقى ضامنة أن الذي يتقدم لها إنسان متدين، يريد هذا السمت، يريد امرأة منتقبة، وبالتالي صار النقاب عنوان لمجموعة من الفضائل، وليس مجرد قماش تستر المرأة به وجهها، لكنه عنوان امرأة ملتزمة، تصوم وتصلي، وتقوم على تربية أولادها. إذاً: النقاب سياج أمان للاختيار، فإذا خيرت بين امرأة ملتزمة بأمر الله ورسوله وبين امرأة تحمل الشهادة، فإياك أن تنحاز إلى صاحبة الشهادة، فإن أكثر النساء نعاسة ذوات الشهادات الجامعية، و (٩٠%) من المشاكل التي أراها يومياً هي في بيوت النساء العاملات.

стр. 342

عمل المرأة من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء إن المرأة عندما يكون معها شهادة أهلها يقولون: نحن لماذا حصلت على هذه الشهادات؟ لكي تقعد في البيت؟ لا. يقولون: يا أخي! الأعمار بيد الله، وافترض إن مت فمن أين تأكل هي؟ سبحان الله! لماذا أدخلته بين الأموات، لو أن كل رجل زوج ابنته لرجل هل سيبقى مخلداً؟ معروف أن الكل سيذهب، لكن هو يتخذ هذه ذريعة حتى أن المرأة تعمل. وإن سفر الأب إلى الخارج من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء، وكذلك عمل المرأة من أعظم المحن التي يبتلى بها الأبناء، فالمرأة تذهب إلى العمل وتترك الولد في حضانة، والحضانة هذه لا تعطيه الدفء، ولا تعطيه حب الأم، مع أن الحضانة مكلفة. فلا بد من وجود الأم في بيتها لتربي أولادها تربية صالحة وتساهم في إعداد جيل التمكين، والوالد يجب عليه أن يقدم عذره لله ، إذا كان قد فرط هو بسبب تفريط أبيه -هذه فرضية- فلا يفرط في ولده، فيجب على الأب تربية أولاده. إن محن الأبناء ما بين الأب والأم تتلخص في سفر الوالد، أو كثرة عمله وانشغاله عن ولده، وفي عمل المرأة وتركها لمنزلها، ونحن نقول: أدخلوا النساء البيوت مرة أخرى وأعطوهن الراتب وهن في البيوت، أو أعطوهن نصف الراتب، وخذوا النصف الآخر وأعطوه للشباب ليقوموا مقامهن. إن الرجل هو المسئول عن الإنفاق على البيت، فكيف توفر الفرصة لامرأة وتأخذ وظيفة رجل، إذاً: الرجل يعمل ماذا؟ ويصرف من أين؟ هو الذي في يده القوامة، وشطر القوامة أن ينفق على المرأة، والمرأة ليس عليها ذلك. وإذا كان العمل موفراً للمرأة ويحرم منه الرجل، فما هي النتيجة؟ تجد الرجل يدور، يريد أن ينفق فيبدأ بالانحراف فينضم لأي عصابة من العصابات، فهذا كله فيه فساد في المجتمع، لكن واقع المرأة يظهر أنها لا تؤدي ربع ما يؤديه الرجل، ما هو الشيء عند المرأة وليس عند الرجل، ما هو العمل المميز؟ حتى في مهنة الطباخة الرجال هم المتفوقون فيها، هل قد رأيت امرأة تطبخ في فندق، الذي يطبخ هو الرجل، وهو متفوق على المرأة، وما هو الشيء الذي عند المرأة ولا يحسنه الرجل؟ المرأة تحسن شيئاً واحداً لا يحسنه الرجل هو تربية الولد وتعظيم الوالد عند الولد، فالأب طوال النهار في العمل والولد يخاف من والده بسبب الأم المخلصة التي تعظم الوالد، سأقول لأبيك، سيضربك أبوك. أم مخلصة أمينة، كل يوم تنمي في نفسية الولد تعظيم الوالد ومحبته، لكن عندما تكون المرأة في العمل ولاؤها يقل لزوجها، لأنها تقضي مع زميلات العمل أكثر مما تقضي مع زوجها في البيت تقريباً ثمان ساعات وهي تقضي مع زوجها ربع هذه المدة، والرجل طوال النهار في العمل، وعندما يرجع يكون مرهقاً، ومتعباً، يريد أن يأكل وينام، فتقول له: هل هذه لوكندة؟ على الأقل قل كلمتين جميلتين. لا تحسبوا أني أخترع هذه الأشياء، هذه مشاكل تأتيني مكتوبة، ومصائب كبيرة. فما هو دور وعمل المرأة بعدما ضيعت رأس المال الحقيقي الذي هو الولد؟ فإذا كبر الولد يأتي الوالد ويشتكي ويقول: إن ولدي لا يزورني ولا يأتيني ويعقني، وأكبر مشكلة تعترض الرجل أن النتائج مؤجلة، فعندما يفقد قدرته على الحياة ويحتاج إلى أولاده يبدأ يرى العقوق. فأي مهمة يريدها الإنسان هي مثل البرج، لا يمكن أن يصل إلى أعلاه إلا إذا أتى من أسفل، لكل شيء أساس، فإذا أحسن التربية فلن يجد العقوق، وهكذا بنيان أي أمة في الدنيا، فمن كان عمره ستين سنة فإن ربع حياته قد ذهبت في الطفولة، ولكن لماذا طالت طفولة الإنسان؟ لأن الحمل الموضوع على كتفه جسيم وكبير، ونحن نحتاج إلى أساس قوي؛ لكي يتحمل كل هذا الضغط. إذاً: الطفولة التي ضيعناها بسبب فساد البيت لا ينبني عليها أبداً بناء، وبداية مرحلة التأسيس: اختيار الرجل واختيار المرأة، فهي الأساس في صلاح الولد. وإذا أتينا لعمل دراسة سهلة عن راتب المرأة العاملة، فإن متوسط راتب أغلب النساء العاملات مائة وخمسين (جنيه) أو مائتين (جنيه) ولنقل أنها ستصرف نصف مرتبها والنصف الباقي تدخره، إذاً: الباقي سيكون خمسة وسبعين (جنيه)، أي: لا يصل في السنة إلى ألف (جنيه). انظر إلى الألف جنيه هذه في مقابلها اثنا عشر شهراً خسارة محققة، قد يكون في حياة المرأة رجل آخر، هي عفيفة وتغض طرفها، لكن قلبها قد يبتلي ويتعلق بشخص آخر غير زوجها، ويكفي أنها قد رأت رجالاً غير زوجها.

стр. 343

التبرج والاختلاط واقع مر وصف ربنا نساء أهل الجنة فقال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] لا في الجنة فتنة ولا نظر، كل الجنة متعة، ومع ذلك لا تخرج، لماذا تخرج؟ ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] مقصورات على أزواجهن، إذاً المرأة الجالسة في البيت تتشبه بنساء أهل الجنة، والرسول ﵊ لما ذكر صنفاً من الناس لم يرهم قال: (نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) (أسنمة البخت المائلة) تأتي مسرحة شعرها، ومصففة شعرها فوق رأسها وعلى ناحية، فالعلماء منعوا من أن تصفف المرأة شعرها بهذه الصورة وقالوا: لأن هذا فيه تشبه بالمغضوب عليهم، وتشبه بأهل النار. والإسلام أعزنا وكل أمر يتشبه المسلم فيه مع ما هو أدنى منه يمنع منه، يقول لك لا تفترش كافتراش الكلب، ولا تنقر كنقر الديك، ولا تبرك كبروك البعير، ولا تحتفز احتفاز الثعلب، كل هذا لأنك كريم، فلا تتشبه بالدنايا،، وقد ثبت أن النبي ﷺ رأى رجلاً نائماً على بطنه، فقال له: قم إنها ضجعة أهل النار. أي: لا تتشبه بأهل النار. فالمرأة التي تصفف شعرها على رأي القائلين بالتحريم تتشبه بأهل النار. إذاً التشبه بأهل الجنة شرف، فالمرأة التي تجلس في بيتها شبيهة بأهل الجنة، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، وقال: (((وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [الصافات:٤٨]، أي: طرفها مقصور على زوجها لا ترى غيره. والاختلاط مشكلة من أكبر المشاكل، وللمحافظة على القلب وسلامته لا بد من إغلاق الحواس الخطيرة التي يدخل علينا منها الشيطان. انظر إلى المعاكسات التليفونية، هناك رجال ونساء اغتالهم الشيطان بالمكالمات، فبعض إخواننا الدعاة لا يردون على النساء أصلاً لهذا السبب، لأن هذا قد يؤلم القلب ويشغله، إنها مجرد فتوى أو حل مشكلة، لكن أنت لا تدري من على الطرف الآخر، كذلك في العمل تجد دائماً مديراً وسكرتيرة مثلاً، ولابد من عرض الشغل وتتأخر لكي تأخذ الشغل، وتبلغ الدياثة ببعض الناس أن الرجل الكوافير يدخل البيت مع المرأة إلى غرفة النوم وحدهم ليصفف شعرها، ووالله إن هذا موجود في بلادنا، وأن هذا الأمر عند بعض الناس شيء عادي، ولو كان الذي دخل رجل كريم كيوسف ﵇ لخفنا منه، أليس هو الذي قال لربنا: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣]، هو الكريم ابن الكريم ابن الكريم. إذاً: استقرار المرأة استقرار للبيت أجمع، واستقرار المرأة لا يكون إلا برجوعها إلى بيتها وأولادها. ونحن نقول للنساء: اتقين الله ولا تكلفن الرجل أكثر مما يطيق، فالمرأة الوفية تجوع مع زوجها إذا جاع، والرسول ﵊ لما سئل: ما حق زوج أحدنا علينا؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت). وأول خطوة في صلاح جيل التمكين صلاح الأولاد، لكي يختصر جيل التمكين المسافة، وحتى نكون أوفياء في حق أمتنا، علينا أن نبدأ بإصلاح البيوت، ولابد للنساء أن يقمن بدورهن في ذلك، وبعض الناس لا يذهب إلى البيت بل يظل قاعداً على المقهى طوال النهار، لأنه لا يوجد ترابط بين الرجل والمرأة. هل ممكن أن يخرج جيل التمكين من هذا الرجل والمرأة؟

стр. 344

جهل بعض الدعاة والعلماء في فتاويهم بواقع الأمة بعض الدعاة الذين يقولون: إن الوجه يجوز كشفه -بغض النظر عن الحكم والفقه في هذه المسألة- لم يفطنوا إلى مقصد هؤلاء العلمانيين الذين يريدون أن يصلوا إلى هدفهم، يقول لك: العالم الفلاني قال: إن وجه المرأة ليس بعورة، هم كانوا يسمعونه بالأمس ولا يستدلون به، لكن هذا العالم له صيت عند الجماهير فيخدعون الناس بالمكانة هذه، وبغض النظر عن الحكم الفقهي في المسألة، فإن هذه معركة كيان أمة، يريدون أن يذوبوه مرة أخرى، فلكي يستغلوا هذا، يحتجون بهؤلاء العلماء. ونحن نقول للدعاة وللعلماء لابد من معرفة واقع الأمة في هذه الفترة، كذلك أنا متعجب من الذين يتكلمون عن الغناء أن له ضوابط، فيا ترى أي ضوابط يقصدون؟ إذا كنت تعلم أن المستفتي لا يراعي الضوابط؛ فأغلق عليه الباب، هل معنى إذا كان الغناء عفيفاً وشريفاً أنه يجوز، هل هذا اليوم موجود؟ غير موجود، هل الجماهير تلتزم بهذه الضوابط؟ لا تلتزم بالضوابط؛ لذلك كان ابن الجوزي معذوراً لما حذر على أبي نعيم عندما ألف كتاب حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. لقد كتب حلية الأولياء عند شخص صوفي، فإذا بالصوفي يظن أن من المتصوفة: أبو بكر وعمر وأحمد بن حنبل وسعيد بن المسيب، فلا يجوز أن تقول: أحمد بن حنبل صوفي، إنما قل: أحمد زاهد، لو قلت صوفياً، أقول لك: ليس صوفياً، لماذا؟ مراعاة للاصطلاح. وهذه الأيام عندما يأتي شخص -بعدما تفشى الغناء بمذاهب شتى- يقول لك: الغناء جائز بضوابط، لو أنك تعلم أن الجماهير لا تلتزم بالشرع؛ إذاً: هل يجوز لك أن تذكر الفتوى بهذه الضوابط التي لا تلتزم بها الجماهير. فقه المفتي يقتضي عكس ذلك، أغلق عليه الباب، قال العلماء: لا تعطي الرخصة لرجل مستهين؛ لأنه سيتخذ الرخصة في غير مكانها، مثلاً: رجل جاء وقال: أنا أعمل في طلاء البيوت، ويدي تمتلئ بالطلاء، فيأتي يسألك هل يجوز أن أجمع بين الصلاتين جمع تقديم أو تأخير، فأنت عندما تسمع في أثناء كلامه بعض الكلمات تجعلك تحجم عن إعطاء الفتوى والرخصة، وإذا جاء شخص وقال: أنا في العمل ولا أستطيع أن أصلي كل صلاة في وقتها فهل لي أن أجمع؟ فقال له المفتي: اجمع بين الصلاتين، إذاً: هذا أعطاه رخصة، فهو إذا كان صاحب فوضى لا يلتزم لا يلتزم بهذه الفتوى ولا بالرخصة. ولا تقل: النقاب مستحب وإلا واجب -الآن- لأننا أصبحنا في مرحلة غريبة جداً، ولم يعد الكلام على الحكم هل واجب أم مستحب، الكلام أصبح على أصل النقاب، فعندما يأتي رجل ويقول: النقاب مستحب وصوت المرأة ليس بعورة، قد يأتي لك شخص ويقول لك: الشيخ فلان والشيخ علان قال: إن النقاب مستحب، وصوت المرأة ليس بعورة، ومما يؤكد أن القضية ليست مسألة حكم فقهي، وإنما يراد به إفساد المجتمع، تراه اليوم من حملات شرسة على الحجاب، وقضية تحرير المرأة. ويروون قصة أن شخصاً يستدرج النساء ويقطع أيدهن ويأخذ الذهب، فلماذا يقطع أيديهن؟! لماذا لا يأخذ الذهب دون أن ينشغل بقطع اليد؟! فهذا كذب، والكاذب لا بد أن يترك أثراً تستدل به على كذبه؛ ولو وقع ما يدعونه، لبلغنا بالتواتر، وأنا أؤكد لكم أنكم تتعاملون مع أهل مكر وخديعة ﴿يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩]. والرسول ﵊ قال (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود فيختبئ اليهودي خلف الحجر فينادي الحجر يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله) وهم يختفون خلف شجر الغرقد لأنه من شجر يهود إذا اختبأ خلفه لا ينادي. إذاً: لابد أن نرجع إلى ربنا؛ ليسخر الله لنا من يعيننا على مهمة إعداد جيل التمكين، ولا يكون هذا الجيل إلا من الرضاع ولا يكون ذلك، إلا إذا كانت الأم نبيلة وكان الرجل نبيلاً، فلا بد لكل رجل أن يرجع إلى بيته، ويعلم الغاية من خلقه، ويسأل نفسه ماذا قدم لأمته؟ هل ربى أولاده التربية الحسنة؟ أخي الحبيب: إنك لا تدري متى يأتيك الموت فالموت يأتي بغتة، والقبر صندوق العمل، فأعد للقاء ربك ، انصح الناس وإن كنت تعلم أنه لا فائدة، قلها كما قال القائلون من بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وسلم، والحمد لله رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. ربنا آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا وخطأنا وعمدنا وكل ذلك عندنا.

стр. 345

علموا أولادكم حب الصحابة إن الحديث عن أفضل أصحاب لأفضل نبي عرفته البشرية لأمر عظيم ومهم جداً؛ وما ذلك إلا لأن هؤلاء الأصحاب قد اختارهم الله واصطفاهم لأن يكونوا أنصاراً لدينه، وأصحاباً لنبيه ﷺ ، وقد أثنى الله عليهم في غير ما آية، وبشرهم بالجنة، وأثنى عليهم رسول الله ﷺ ، ونهى عن سبهم وانتقاصهم. وإن الواجب علينا نحوهم أن نقوم بنشر محاسنهم، وتبصير الناس بالدور الذي قاموا به في سبيل نشر دين الله، وإيصاله إلينا، والتضحيات العظيمة التي بذلوها من أجل إعزاز هذا الدين. ومن الحقوق التي لهم علينا الدفاع عنهم، ودحض الشبهات التي يلقيها المبطلون للنيل منهم، فهم عدولنا وهم شهودنا، والطعن فيهم طعن في ديننا؛ لأنهم نقلة هذا الدين وحملته.

стр. 346

منزلة الصحابة وخطر الطعن فيهم الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠] * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن حديثنا عن جيل التمكين حديث طويل، ولا تتم النصيحة إلا إذا جلينا أمر العقبات التي تعترض هذا الجيل. من أعظم العقبات التي ابتدعها أول طائفة مبتدعة في الإسلام وهم الخوارج، هي عقبة تحطيم الرأس، أناس بلا رأس لا قيمة لهم، ورأس المسلمين هم الصحابة، وأول بدعة في الإسلام -وهي بدعة الخوارج- قامت على تشويه سمعة الصحابة وتضليلهم، بل وتكفيرهم، وعدم الاكتراث بهم، هذه هي أول بدعة في الإسلام. وهذه البدعة تطل برأسها منذ عدة سنوات، لكنها اشتدت ضراوة وخسة ونذالة في هذه الأيام. في هذه الأيام وعلى صفحات الجرائد يتهمون الصحابة مثل عمر وعثمان وبقية الصحابة بأنهم كانوا مهتمين بالجنس، وأن مجالسهم كانت عن النساء! ثم يذكر هؤلاء الأنذال أن عمر وغيره من الصحابة كانوا يتعمدون مخالفة الأوامر الشرعية، ويقولون: إن الله حرم على الرجل أن يأتي امرأته في الحيض أو أن يأتي امرأته في دبرها، فيقول هؤلاء: إن عمر بعد هذا النهي فعل، ثم جاء إلى النبي ﷺ يعتذر، وقال: حولت رحلي هذه الليلة. قلت لكم: إنها زادت خسة هؤلاء، الصحابة يتكلم عنهم بهذا الكلام الفاسد على صفحات الجرائد؟! والمجرم الآثم الذي كتب هذا بيده يعود إلى بيته آمناً مطمئناً، غير مبال بشيء، أرأيت إلى الأغمار كيف يمزقون نسيج الأحرار؟! يُتهم صحابة رسول الله ﷺ بأنه لا هم لهم إلا النساء، أليس هذا من القذف الذي ينبغي أن يعاقب عليه فاعله؟! إذا حطمنا هذا الجيل فمن يبقى لنا؟ ١ نحن الآن نعيش على ذكرى هذا الجيل، وإذا استلهمنا الانتصارات واستلهمنا القوة فممن سنأخذها؟ سنأخذها من هذا الجيل، وليس هناك نقطة مضيئة في حياتنا إلا هذا الجيل. هذا جيل ليس له نظير أبداً من حين خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. نحن نقطع أنه لم يأت مثل هذا الجيل أبداً، ولم يرزق نبي أبداً بصحابة أوفياء أبرار أطهار مثل نبينا ﵊. فهم الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم، وبذلوا الغالي والنفيس، وبذلوا المهج لله ورسوله، يكون من عاقبتهم أن يذكروا بهذا الإفساد؟!!

стр. 347

نهي النبي ﷺ عن سب أصحابه إن النبي ﷺ -كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁ بلغه أن خالد بن الوليد تشاجر مع عبد الرحمن بن عوف فسبه خالد، فقال عليه الصلاة لـ خالد: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما بلغت ملء كف أحد الصحابة ولا نصفه هذا الكلام موجه لمن؟ ليس لنا، هذا موجه لـ خالد، وخالد صحابي، ويقول النبي ﵊ لـ خالد الصحابي: (لا تسبوا أصحابي). خالد ما صفته؟ هو صحابي أيضاً، لكن الصحابة درجات، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، لأن عبد الرحمن بن عوف من طلائع المهاجرين الأوائل الذين باعوا أنفسهم لله ، ونصر دين الله في وقت عز فيه النصير؛ في حين كان خالد كافراً، وكان يحارب الله ورسوله، إذا كان النبي ﷺ ينهى خالداً عن سب عبد الرحمن بن عوف، فمن باب أولى الذين أتوا من بعدهم فلا يجوز لهم أن يسبوا الصحابة لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي). وهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قوله ﵊: (لا تسبوا أصحابي! لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فيه نهي عام للكل.

стр. 348

مقارنة بين جيل الصحابة وبين جيلنا في الثبات على الدين تلقيت نبأً مفزعاً مروعاً، هذا النبأ عن سجين مصري، وأنا لن أتكلم هل هو ظالم أم مظلوم، جان أم مجني عليه؛ فهذا لا يهمنا. هذا السجين أرسل رسالة إلى سعادة السفير الأمريكي، وذكر فيها أنه متخصص في فن نادر وفي علم نادر، وأن أمه مريضة تحتاج إلى كلية، وليس معه ثمن الكلية، فجاء إلى هذا البلد ليحصل على الثمن، قال: وبينما أنا في الطريق، اعتقلوني وأودعوني السجن بلا تحقيق. ثم قال هذا السجين المصري: سعادة السفير! أريد أن أتنصر لكي يخلصني يسوع الرب مما أنا فيه، ولكي أشرح للعالم الأكذوبة العظيمة التي هي الإسلام! مدة سجنه إلى تاريخ كتابة الرسالة: خمسة وثلاثون يوماً فقط، لم يمض على سجنه إلا خمسة وثلاثون يوماً فقط، ويريد أن يتنصر، وهذا الرجل -كما يقول عن نفسه- متخصص في فن نادر، لكنه جاهل بجزئيات الإسلام، الأمية الدينية منتشرة في صفوف الدكاترة والأساتذة الكبار فضلاً عمن دونهم، خمسة وثلاثون يوماً فقط في السجن، ومن أجل أن يخرج منه يعرض عليهم الدخول في النصرانية مقابل الخروج. لو أن هذا الرجل لبث خمسة وثلاثين ثانية في سجِّين لم يتحمل، إنه يريد بتنصره أن يسجن نفسه سجناً مؤبداً، ويظن أنه بكفره وتنصره يستطيع أن يتحمل النار، هو بذلك يريد أن يفر من سجن في الدنيا، مع أنه يأكل فيه ويشرب وينام، هذا النمط له نظائر كثيرة. إذاً: من أولى بالذم؟ من أولى أن يتكلم عليه؟ أهؤلاء الذين باعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل؟ أم الصحابة الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله ، وضحوا من أجل إعزاز دين الله ؟! فهذا كعب بن مالك من أشراف الصحابة، ولكن هناك من هو أشرف وأعظم منه: كـ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وتمام العشرة، فهذا موقف كعب بن مالك من رسالة ملك غسان، لقد قام بإحراقها، وهذا يرضى بالكفر! إن أخطر شيءٍ يهدد العبد المعصية، وعلى رأس المعاصي جميعاً الكفر، قال الله : ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، لكن هناك سيئة واحدة تذهب كل الحسنات وهي الشرك. دخل إبليس النار لأنه خالف أمراً واحداً، وخرج آدم من الجنة لأنه عصى وخالف أمراً واحداً، وتقطع يد السارق في ثلاثة دراهم، ويرجم الرجل المحصن إذا توارت حشفته في فرج امرأة لا تحل له، فما يؤمنك أن تدخل النار بذنب واحد؟! ما يؤمنك لاسيما إن كان على رأس هذه الذنوب الشرك؟! هذا نمط ونموذج. وفي الجامعة مدرس يسب أبا هريرة، ويكتب على صفحات المجلات تكذيباً لـ أبي هريرة وطعناً عليه، وهذا الرجل، زال في منصبه، ويدرس الطلبة! تُكَذِّبُ الصحابة ونحن أحياء، وفينا عين تطرف! كل رجل يرجع إلى أهله وإلى أولاده، يغرس فيهم حب الصحابة، وأن الدفاع عن هذا الجيل فريضة؛ لأن حب الصحابه فريضة، واعلم أنك لست في مأمن، لست في مأمن. لقد قرأت في مذكرات الشيخ علي الطنطاوي أحد مشايخ سوريا: يقول في سنة ثمانية وأربعين حين دخلت إسرائيل القدس، ومررنا على التجار نجمع الأموال لشراء السلاح، قال: فذهبت إلى تاجر كبير، وعرضت عليه القضية، قلت له: نحتاج إلى مال فأبى، وقال: أنا مديون، أنا ما لي وما للسياسة، ما لي وما للسلاح. بعد سنتين أو ثلاث، قال الشيخ الطنطاوي: فكنت أوزع على اللاجئين في الخيام، فوقعت عيني على رجل لما رآني توارى، فلمحت وجهه، فكأني رأيته قبل ذلك، فذهبت خلفه، فلما رأيته عرفته، إنه ذلك التاجر الذي أبى أن يدفع المال لشراء السلاح، فلما واجهته بكى وقال لي: يا ليتني أعطيتك كل مالي، لقد صار هذا التاجر لاجئاً، خسر تجارته وصار لاجئاً، ماذا فعل بها؟ ماذا عمل؟ لا تتصوروا أنه إذا طعن في الصحابة وامتُهنوا، ومزقت أعراضهم؛ أنكم في مأمن، أليس هؤلاء هم الذين أثنى الله عليهم، ورضي الله عنهم ورضوا عنه؟ أليس هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]؟! وكل نداء في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) هم المخاطبون به أولاً، لأن الخطاب وجه إليهم ابتداءً.

стр. 349

نماذج من ثبات الصحابة على الدين إن النبي ﷺ -كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁ بلغه أن خالد بن الوليد تشاجر مع عبد الرحمن بن عوف فسبه خالد، فقال عليه الصلاة لـ خالد: (لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) لو أنفقت مثل أحد ذهباً ما بلغت ملء كف أحد الصحابة ولا نصفه هذا الكلام موجه لمن؟ ليس لنا، هذا موجه لـ خالد، وخالد صحابي، ويقول النبي ﵊ لـ خالد الصحابي: (لا تسبوا أصحابي). خالد ما صفته؟ هو صحابي أيضاً، لكن الصحابة درجات، قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، لأن عبد الرحمن بن عوف من طلائع المهاجرين الأوائل الذين باعوا أنفسهم لله ، ونصر دين الله في وقت عز فيه النصير؛ في حين كان خالد كافراً، وكان يحارب الله ورسوله، إذا كان النبي ﷺ ينهى خالداً عن سب عبد الرحمن بن عوف، فمن باب أولى الذين أتوا من بعدهم فلا يجوز لهم أن يسبوا الصحابة لقول النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي). وهذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن قوله ﵊: (لا تسبوا أصحابي! لا تسبوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فيه نهي عام للكل. عندما أطالع هذه المحن يحز في نفسي أن جيل الصحابة لا يجد من ينتصر له، مع أنهم نقطة الشرف الوحيدة في حياتنا، فتوليهم واجب، ونصرتهم ومحبتهم واجبة، ومع أنه يحز في نفس كل حر، لكن من المحن تأتي المنح، إن الله ﵎ ذكر في آيتين من كتابه المجيد معنى هذه المقولة: (من المحن تأتي المنح)، وكلتا الآيتين جاءتا في سياق الجهاد والحرب، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، هاتان الآيتان جاءتا في سياق الجهاد والدفع. ومعنى الآيتين: أنه إذا ظهر صاحب الباطل وأظهر باطله، فإن على أهل الحق أن يتصدوا لهذا المبطل وباطله ويدفعوه بالحق. ولولا طعن هؤلاء في الصحابة ما نشرنا فضائل الصحابة، ولا بالغنا في الدفاع عنهم، واستفرغنا كل جهد في تبرئة ساحتهم، فهذا فضل من الله ﵎ ليكون ذلك سبباً في الدفاع عنهم، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فهذا من الأسباب.

стр. 350

غرس حب الصحابة ونشر محاسنهم واجب شرعي عندما أطالع هذه المحن يحز في نفسي أن جيل الصحابة لا يجد من ينتصر له، مع أنهم نقطة الشرف الوحيدة في حياتنا، فتوليهم واجب، ونصرتهم ومحبتهم واجبة، ومع أنه يحز في نفس كل حر، لكن من المحن تأتي المنح، إن الله ﵎ ذكر في آيتين من كتابه المجيد معنى هذه المقولة: (من المحن تأتي المنح)، وكلتا الآيتين جاءتا في سياق الجهاد والحرب، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠]، هاتان الآيتان جاءتا في سياق الجهاد والدفع. ومعنى الآيتين: أنه إذا ظهر صاحب الباطل وأظهر باطله، فإن على أهل الحق أن يتصدوا لهذا المبطل وباطله ويدفعوه بالحق. ولولا طعن هؤلاء في الصحابة ما نشرنا فضائل الصحابة، ولا بالغنا في الدفاع عنهم، واستفرغنا كل جهد في تبرئة ساحتهم، فهذا فضل من الله ﵎ ليكون ذلك سبباً في الدفاع عنهم، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فهذا من الأسباب. يجب أن نقرأ فضائل الصحابة من كتب السنة، ونعلم أولادنا حب الصحابة، فحبهم واجب وفريضة أكيدة.

стр. 351

الذين يطعنون في الصحابة وما يرمون إليه والله الذي لا إله غيره! أحلف بالله -وأنا بار راشد إن شاء الله- أن هؤلاء الذين يطعنون على الصحابة لو وجدوا سبيلاً إلى الطعن على النبي ﷺ لم يترددوا. لقد طعنوا على الله ، وسبوه على صفحات الجرائد. لما تكلموا عن النعجة (دوللي)، وكيف تم استخراج النعجة من الخلية الحية، قالوا بالنص -وناقل الكفر ليس بكافر ونعوذ بالله من الكفر-: هذا حدث أعظم من ميلاد المسيح!! أي أن العباد استطاعوا أن يفعلوا ما لم يفعله الله، فالله خلق المسيح بغير أب، هذه نعجة بلا أب ولا أم، وإنما هي من خلية هذا كفر أم لا؟! وهو موجود، ثم شنوا حملة على رجال الدين قبل أن يتكلموا فقالوا: وبعد عدة أيام سنسمع المتحجرين الذين يقولون: هذا حرام، ويحرمون الإبداع!! انظر كيف يُسب الله على صفحات الجرائد! فلو وجد هؤلاء الذين يطعنون في الصحابة سبيلاً إلى الطعن على النبي ﵊ صراحة ما ترددوا، ولقد غمزوه على صفحات الجرائد أيضاً، فقد كتبوا على صفحات الجرائد صفحة كاملة بعنوان: (هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟!) أهذا كلام يكتب عن النبي ﵊؟!! ونحن نعتذِر إلى الله حتى لا تلحق بنا المصائب ونُهلك جميعاً، معذرةً إلى الله فهاهو طوفان من الكفر موجود على صفحات الجرائد يا جماعة! علموا أولادكم الولاء لله ولرسوله وللصحابة أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 352

تولي الصحابة والتأسي بهم واجب شرعي الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام: هذا شأن المحب: إذا وجد من يفتري على حبيبه، وكان عاجزاً عن القصاص، فلا أقل من أن يجود بالدمع، هذا أقل برهان على الحب في حال العجز. نحن نبرأ إلى الله من الطعن في أوليائه الذين زكاهم ورفع منارهم، وأمرنا النبي ﷺ أن نتأسى بهم وأن نتولاهم. والله الذي لا إله غيره! أن أبا بكر وتمام العشرة أحب إلي من أبي ومن أمي ومن ولدي، وهكذا يجب أن يكون هؤلاء بالنسبة لنا جميعاً، كما قال النبي ﷺ وهو خارج من مكة: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت). ؛ فمكة هي أحب أرض الله إلينا وإن لم نكن من أهلها، لأنها أحب الأرض إلى الله، وما كان حبيباً إلى الله ينبغي أن يكون حبيباً إليك أيضاً، إذا كنت تحب الله وتعظمه، فقاعدة الولاء والبراء تقول: حبيب حبيبي حبيبي، وعدو حبيبي عدوي، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، هذه قاعدة الولاء والبراء، علموا أولادكم حب الصحابة.

стр. 353

من مستلزمات حب النبي ﷺ حب الصحابة روى الإمام الترمذي في سننه -وحسنه- أن النبي ﵌ قال: (الله الله في أصحابي! -أي: اتقوا الله في أصحابي- لاتتخذوهم غرضاً) والغرض: هو مرمى السهام، أي لا تجعلوهم مرمى لسهامكم وطعونكم، فانظر إلى هؤلاء وإلى مخالفتهم للنبي ﵊! وكيف أنهم جعلوا الصحابة غرضاً وهو يقول لهم: اتقوا الله -أو نشدتكم الله في أصحابي (لا تتخذوهم غرضاً من أحبهم فبحبي أحبهم) هذا هو الشاهد (من أحبهم فبحبي أحبهم) أي: لا يحبهم إلا إذا كان محباً لي، وصدق الإمام مالك رحمة الله عليه لما قال: إن الذين يشتمون الصحابة إنما أرادوا رسول الله ﷺ ، أرادوا أن يقولوا: هو رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لقُيّضَ له أصحاب صالحون!

стр. 354

مقارنة بين موقف اليهود والنصارى وبين موقف الروافض تجاه أصحاب أنبيائهم إن النصارى واليهود أفضل من الروافض بخصلة، اليهودي والنصراني أفضل من الرافضي بخصلة، الروافض الشيعة -غلاة الشيعة والذين هم شيعة إيران- يستفتحون نهارهم بسب أبي بكر وعمر وابنتيهما، والخميني له دعاء في سب أبي بكر وعمر في الصلاة! فماذا يقول الذين باركوا ثورته، والذين نشروا فضائله ولا فضل له، وتجدهم يقولون: التقريب بين الشيعة والسنة؟! هؤلاء الروافض كما قال الشعبي عامر بن شراحيل ﵀: (اليهود والنصارى -وهذا كلام الشعبي - أفضل من الروافض بخصلة، قيل لليهود: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل للروافض: من شر الناس؟ قالوا: أصحاب محمد)!. رجل في مدينة قم -الشخصية الثانية أو الثالثة في الثورة الإيرانية- كتب تعليقاً على كتاب ابن الجزري الذي هو بعنوان: أسمى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، كتب في حواشي الكتاب أن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق ما عدا ستة، وأول المنافقين حسب زعمه - أبو بكر وعمر، ثم جاء بالحديث الذي في البخاري ومسلم حديث مقتل عمر، وأن الناس دخلوا عليه يهنئونه بالشهادة، ويبشرونه برضا النبي ﵊، ورضا أصحابه، وأدائه للأمانة، فقال عمر من جملة ما قال: ليتني خرجت منها كفافاً لا لي ولا علي، والله لو كان عندي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله يوم ألقاه. عمر يقول هذا الكلام مع عدله وقوته وحزمه في الدين، فهذا الكلام يجلله الورع، وإن المرء يستصغر نفسه حين يقرأه إذا علم سيرة عمر فيقوم هذا المخذول الخاسر الضال ويعلق على هذا الكلام ويقول: هذا كلام رجل يائس من النجاة، يعلم أنه من حطب النار! انظر إلى قول هذا الضال العاصي لله ولرسوله ﷺ ! إن الروافض شر من وطئ الحصا من كل طائفة ومن إنسان مدحوا النبي وخونوا أصحابه جدلان عند الله منتقضان (فمن أحبهم فبحبي أحبهم)، انشروا محاسن الصحابة في بيوتكم، وعلموا أولادكم أسماءهم، وتحدثوا عن بطولاتهم وتضحياتهم، ليس لكم مثلٌ إلا هؤلاء، وهم أحد ركائز الإيمان المنجي من الضلال، فالمنهج الحق في قوله ﷺ : (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي). لذلك كانت ركائز منهج أهل السنة والجماعة: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد الأخير هو الذي يميز منهج أهل السنة عن كل المناهج المبتدعة، كلهم يقولون: الكتاب والسنة ويقفون، ولذلك ضلوا لما أخذوا الكتاب والسنة بأفهامهم، إنما هذا القيد الثالث هو الذي يميز منهج أهل السنة والجماعة عن مناهج المبتدعة، وهو الأخذ بفهم السلف الصالح.

стр. 355

خطر القدح في رموز الإسلام قد ذكرت في مرة سابقة أن هناك حرباً سافرة فاجرة تبغي تحطيم الرءوس والرموز والعناوين، وأقول: سافرة؛ لأنها ظهرت بلا حياء على صفحات الجرائد والمجلات، وتنال من أعز جيل شهدته الدنيا وهم الصحابة، إنهم لم يصلوا إلى الصحابة دفعة واحدة، إنما غمزوا رسول الله ﷺ ، فلما رأوا أن الجماهير غافلة ولم تتحرك، وغبية لم تفهم؛ تطاولوا على الصحابة. فهذا يكتب كما ذكرت قبل قليل تحت عنوان: (هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟!) لا زال هذا العنوان كلما تذكرته كأن أحداً يذبحني، مات بالزائدة الدودية؟! ينالون منه ﷺ ويغمزونه. وفاجرة أخرى تنال منه صراحة، وتقول لمعشوقها: وأنا بين أحضانك كأنني زرت قبر النبي عليه الصلاة السلام! تقول هذا القول ولا تحاكم، ولا يحاكم أحد، ولا يُسأل أحد! لقد أصبح النيل من الصحابة مسألة هينة، ثم إن هؤلاء ينالون من العلماء، فهذا كتاب منشور اسمه (علماء الإسلام والجنس) هكذا! لا حرمة لأحد عندهم؛ فقد تجرءوا على رسول الله ﷺ وصحابته، فمن عداهم من باب أولى، ويأتي الساقط مؤلف الكتاب برواية مكذوبة وراويها فاجر كذاب هو أبو الفرج الأصفهاني في كتاب: الأغاني، هذا رجل فاجر كذاب شعوبي يكره العرب، والذي يكره العرب يكره الإسلام؛ لأنهم حملته؛ وهم الذين بلغوه إلى الدنيا، ولقد أجمع كل من ترجم له أنه كان قذراً في شكله لا يغتسل، وكان بذيء اللسان، هتك عرض المحصنات المؤمنات الغافلات في هذا الكتاب، وأجرى على ألسنتهن من الكفر والعهر ما تتنزه عنه أحط امرأة على وجه الأرض. وهاهو ينقل أن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله - طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة- يجري على لسانها من الكلام الساقط البذيء ما لا تستطيع أي زوجة أن تقوله لزوجها في السر ما المقصود من هذا الكلام؟! ويذكر أبيات العشق الكاذبة على لسان سعيد بن المسيب، والشافعي، ومالك، وأن هؤلاء العلماء كانوا يتغزلون بالنساء! ويأتي هذا الكاتب بكل هذا الخبث ويجمعنه في كتاب بعنوان: (علماء الإسلام والجنس)!! يعني: أن هؤلاء لا حرمة لأحد عندهم، إذا جاز أن يتكلم عن العلماء بهذه الصورة فلا حرمة لأحد، أين علماؤنا يردون عنا هذا الخبث، ويرحمون الجماهير، ويبينون الكذب؟! إن جمعية الرفق بالحيوان لها كلمة، وتستطيع أن تمضي كلامها ورأيها، فأين هيئة كبار العلماء؟! صرنا كالأيتام على موائد اللئام، ونحن في وضعنا هذا حقيقون فعلاً بالأبيات التي قالها أحد شعراء بلعنبر، وافتتح بها أبو تمام ديوان: الحماسة، وهذا الشاعر كان له إبل فسُرقت وسطا عليها لص، فاستنهض قومه ليردوا عليه الإبل، لكن قومه ضعاف، فتوجع الرجل وقال: لو كنت من قبيلة مازن لردوا علي إبلي، وقال: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لانا قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زرافاتٍ وَوُحْدَانا لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا ورع في غير محله، لو أنني كنت من هذه القبيلة القوية لانتقموا لي ولردوا علي إبلي! صرنا كالأيتام على موائد اللئام، وكل يوم نطالع هذا الطفح.
следующие страницы →