← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الذين يطعنون في الصحابة وما يرمون إليه والله الذي لا إله غيره! أحلف بالله -وأنا بار راشد إن شاء الله- أن هؤلاء الذين يطعنون على الصحابة لو وجدوا سبيلاً إلى الطعن على النبي ﷺ لم يترددوا. لقد طعنوا على الله ، وسبوه على صفحات الجرائد. لما تكلموا عن النعجة (دوللي)، وكيف تم استخراج النعجة من الخلية الحية، قالوا بالنص -وناقل الكفر ليس بكافر ونعوذ بالله من الكفر-: هذا حدث أعظم من ميلاد المسيح!! أي أن العباد استطاعوا أن يفعلوا ما لم يفعله الله، فالله خلق المسيح بغير أب، هذه نعجة بلا أب ولا أم، وإنما هي من خلية هذا كفر أم لا؟! وهو موجود، ثم شنوا حملة على رجال الدين قبل أن يتكلموا فقالوا: وبعد عدة أيام سنسمع المتحجرين الذين يقولون: هذا حرام، ويحرمون الإبداع!! انظر كيف يُسب الله على صفحات الجرائد! فلو وجد هؤلاء الذين يطعنون في الصحابة سبيلاً إلى الطعن على النبي ﵊ صراحة ما ترددوا، ولقد غمزوه على صفحات الجرائد أيضاً، فقد كتبوا على صفحات الجرائد صفحة كاملة بعنوان: (هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟!) أهذا كلام يكتب عن النبي ﵊؟!! ونحن نعتذِر إلى الله حتى لا تلحق بنا المصائب ونُهلك جميعاً، معذرةً إلى الله فهاهو طوفان من الكفر موجود على صفحات الجرائد يا جماعة! علموا أولادكم الولاء لله ولرسوله وللصحابة أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 352

تولي الصحابة والتأسي بهم واجب شرعي الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام: هذا شأن المحب: إذا وجد من يفتري على حبيبه، وكان عاجزاً عن القصاص، فلا أقل من أن يجود بالدمع، هذا أقل برهان على الحب في حال العجز. نحن نبرأ إلى الله من الطعن في أوليائه الذين زكاهم ورفع منارهم، وأمرنا النبي ﷺ أن نتأسى بهم وأن نتولاهم. والله الذي لا إله غيره! أن أبا بكر وتمام العشرة أحب إلي من أبي ومن أمي ومن ولدي، وهكذا يجب أن يكون هؤلاء بالنسبة لنا جميعاً، كما قال النبي ﷺ وهو خارج من مكة: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلي، والله لولا أني أخرجت منك ما خرجت). ؛ فمكة هي أحب أرض الله إلينا وإن لم نكن من أهلها، لأنها أحب الأرض إلى الله، وما كان حبيباً إلى الله ينبغي أن يكون حبيباً إليك أيضاً، إذا كنت تحب الله وتعظمه، فقاعدة الولاء والبراء تقول: حبيب حبيبي حبيبي، وعدو حبيبي عدوي، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]، هذه قاعدة الولاء والبراء، علموا أولادكم حب الصحابة.

стр. 353

من مستلزمات حب النبي ﷺ حب الصحابة روى الإمام الترمذي في سننه -وحسنه- أن النبي ﵌ قال: (الله الله في أصحابي! -أي: اتقوا الله في أصحابي- لاتتخذوهم غرضاً) والغرض: هو مرمى السهام، أي لا تجعلوهم مرمى لسهامكم وطعونكم، فانظر إلى هؤلاء وإلى مخالفتهم للنبي ﵊! وكيف أنهم جعلوا الصحابة غرضاً وهو يقول لهم: اتقوا الله -أو نشدتكم الله في أصحابي (لا تتخذوهم غرضاً من أحبهم فبحبي أحبهم) هذا هو الشاهد (من أحبهم فبحبي أحبهم) أي: لا يحبهم إلا إذا كان محباً لي، وصدق الإمام مالك رحمة الله عليه لما قال: إن الذين يشتمون الصحابة إنما أرادوا رسول الله ﷺ ، أرادوا أن يقولوا: هو رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لقُيّضَ له أصحاب صالحون!

стр. 354

مقارنة بين موقف اليهود والنصارى وبين موقف الروافض تجاه أصحاب أنبيائهم إن النصارى واليهود أفضل من الروافض بخصلة، اليهودي والنصراني أفضل من الرافضي بخصلة، الروافض الشيعة -غلاة الشيعة والذين هم شيعة إيران- يستفتحون نهارهم بسب أبي بكر وعمر وابنتيهما، والخميني له دعاء في سب أبي بكر وعمر في الصلاة! فماذا يقول الذين باركوا ثورته، والذين نشروا فضائله ولا فضل له، وتجدهم يقولون: التقريب بين الشيعة والسنة؟! هؤلاء الروافض كما قال الشعبي عامر بن شراحيل ﵀: (اليهود والنصارى -وهذا كلام الشعبي - أفضل من الروافض بخصلة، قيل لليهود: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب موسى. وقيل للنصارى: من أفضل الناس؟ قالوا: أصحاب عيسى. وقيل للروافض: من شر الناس؟ قالوا: أصحاب محمد)!. رجل في مدينة قم -الشخصية الثانية أو الثالثة في الثورة الإيرانية- كتب تعليقاً على كتاب ابن الجزري الذي هو بعنوان: أسمى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، كتب في حواشي الكتاب أن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق ما عدا ستة، وأول المنافقين حسب زعمه - أبو بكر وعمر، ثم جاء بالحديث الذي في البخاري ومسلم حديث مقتل عمر، وأن الناس دخلوا عليه يهنئونه بالشهادة، ويبشرونه برضا النبي ﵊، ورضا أصحابه، وأدائه للأمانة، فقال عمر من جملة ما قال: ليتني خرجت منها كفافاً لا لي ولا علي، والله لو كان عندي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله يوم ألقاه. عمر يقول هذا الكلام مع عدله وقوته وحزمه في الدين، فهذا الكلام يجلله الورع، وإن المرء يستصغر نفسه حين يقرأه إذا علم سيرة عمر فيقوم هذا المخذول الخاسر الضال ويعلق على هذا الكلام ويقول: هذا كلام رجل يائس من النجاة، يعلم أنه من حطب النار! انظر إلى قول هذا الضال العاصي لله ولرسوله ﷺ ! إن الروافض شر من وطئ الحصا من كل طائفة ومن إنسان مدحوا النبي وخونوا أصحابه جدلان عند الله منتقضان (فمن أحبهم فبحبي أحبهم)، انشروا محاسن الصحابة في بيوتكم، وعلموا أولادكم أسماءهم، وتحدثوا عن بطولاتهم وتضحياتهم، ليس لكم مثلٌ إلا هؤلاء، وهم أحد ركائز الإيمان المنجي من الضلال، فالمنهج الحق في قوله ﷺ : (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي). لذلك كانت ركائز منهج أهل السنة والجماعة: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وهذا القيد الأخير هو الذي يميز منهج أهل السنة عن كل المناهج المبتدعة، كلهم يقولون: الكتاب والسنة ويقفون، ولذلك ضلوا لما أخذوا الكتاب والسنة بأفهامهم، إنما هذا القيد الثالث هو الذي يميز منهج أهل السنة والجماعة عن مناهج المبتدعة، وهو الأخذ بفهم السلف الصالح.

стр. 355

خطر القدح في رموز الإسلام قد ذكرت في مرة سابقة أن هناك حرباً سافرة فاجرة تبغي تحطيم الرءوس والرموز والعناوين، وأقول: سافرة؛ لأنها ظهرت بلا حياء على صفحات الجرائد والمجلات، وتنال من أعز جيل شهدته الدنيا وهم الصحابة، إنهم لم يصلوا إلى الصحابة دفعة واحدة، إنما غمزوا رسول الله ﷺ ، فلما رأوا أن الجماهير غافلة ولم تتحرك، وغبية لم تفهم؛ تطاولوا على الصحابة. فهذا يكتب كما ذكرت قبل قليل تحت عنوان: (هل النبي ﷺ مات بالزائدة الدودية؟!) لا زال هذا العنوان كلما تذكرته كأن أحداً يذبحني، مات بالزائدة الدودية؟! ينالون منه ﷺ ويغمزونه. وفاجرة أخرى تنال منه صراحة، وتقول لمعشوقها: وأنا بين أحضانك كأنني زرت قبر النبي عليه الصلاة السلام! تقول هذا القول ولا تحاكم، ولا يحاكم أحد، ولا يُسأل أحد! لقد أصبح النيل من الصحابة مسألة هينة، ثم إن هؤلاء ينالون من العلماء، فهذا كتاب منشور اسمه (علماء الإسلام والجنس) هكذا! لا حرمة لأحد عندهم؛ فقد تجرءوا على رسول الله ﷺ وصحابته، فمن عداهم من باب أولى، ويأتي الساقط مؤلف الكتاب برواية مكذوبة وراويها فاجر كذاب هو أبو الفرج الأصفهاني في كتاب: الأغاني، هذا رجل فاجر كذاب شعوبي يكره العرب، والذي يكره العرب يكره الإسلام؛ لأنهم حملته؛ وهم الذين بلغوه إلى الدنيا، ولقد أجمع كل من ترجم له أنه كان قذراً في شكله لا يغتسل، وكان بذيء اللسان، هتك عرض المحصنات المؤمنات الغافلات في هذا الكتاب، وأجرى على ألسنتهن من الكفر والعهر ما تتنزه عنه أحط امرأة على وجه الأرض. وهاهو ينقل أن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله - طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة- يجري على لسانها من الكلام الساقط البذيء ما لا تستطيع أي زوجة أن تقوله لزوجها في السر ما المقصود من هذا الكلام؟! ويذكر أبيات العشق الكاذبة على لسان سعيد بن المسيب، والشافعي، ومالك، وأن هؤلاء العلماء كانوا يتغزلون بالنساء! ويأتي هذا الكاتب بكل هذا الخبث ويجمعنه في كتاب بعنوان: (علماء الإسلام والجنس)!! يعني: أن هؤلاء لا حرمة لأحد عندهم، إذا جاز أن يتكلم عن العلماء بهذه الصورة فلا حرمة لأحد، أين علماؤنا يردون عنا هذا الخبث، ويرحمون الجماهير، ويبينون الكذب؟! إن جمعية الرفق بالحيوان لها كلمة، وتستطيع أن تمضي كلامها ورأيها، فأين هيئة كبار العلماء؟! صرنا كالأيتام على موائد اللئام، ونحن في وضعنا هذا حقيقون فعلاً بالأبيات التي قالها أحد شعراء بلعنبر، وافتتح بها أبو تمام ديوان: الحماسة، وهذا الشاعر كان له إبل فسُرقت وسطا عليها لص، فاستنهض قومه ليردوا عليه الإبل، لكن قومه ضعاف، فتوجع الرجل وقال: لو كنت من قبيلة مازن لردوا علي إبلي، وقال: لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تَسْتَبحْ إِبِلِي بَنُو اللَّقِيطَةِ مِنْ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانا إذًا لَقامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إِنْ ذُو لُوثَةٍ لانا قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى نَاجِذَيْهِ لَهُمْ طَارُوا إلَيْهِ زرافاتٍ وَوُحْدَانا لاَ يَسْأَلُونَ أخَاهُمْ حِينَ يَنْدُبُهُمْ فِي النَّائِبَاتِ عَلى ما قالَ بُرْهانَا لَكِنَّ قَوْمِي وَإنْ كانُوا ذَوِي عَدَدٍ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيءٍ وَإنْ هانَا يَجْزُونَ مِنْ ظلَمْ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً وَمنْ إسَاءَة أهْلِ السُّوءِ إِحْسَانَا كأَنَّ رَبَكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِهِ سِوَاهُمُ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانا ورع في غير محله، لو أنني كنت من هذه القبيلة القوية لانتقموا لي ولردوا علي إبلي! صرنا كالأيتام على موائد اللئام، وكل يوم نطالع هذا الطفح.

стр. 356

مكانة العلماء في الإسلام إن العلماء هم خط الدفاع الأول عن هذه الأمة، لو أصيب هذا الجهاز المناعي للأمة المسلمة لفتك بها أقل مرض، إن مريض (الإيدز) لو أصيب (بالأنفلونزا) يموت بسبب ضعف أو موت الجهاز المناعي، فإذا نحن قبضنا أيدينا وسكتنا والسهام توجه إلى هذا الجهاز المناعي، ونقف موقف المتفرج؛ فإن هذه الأمة ستضيع. لكن المحنة مؤجلة عند الجماهير الغافلة، لا تحس بحجم المحنة إلا إذا فقدت العالم، إذا فقدته أحست بالمحنة، لكنهم لا يشعرون به وهو بينهم، ولا يدفعون عنه وهو سر حياتهم! فهذا ابن حزم أحد العلماء المشهورين، وكان من أذكياء العالم، واستطاع أن ينشر مذهبه وحده في الأندلس، وكان عامة أهل الأندلس مالكية، وابن حزم ظاهري المذهب، فاستطاع -وهو بمفرده- أن يجعل الأندلس ظاهرية، فقامت عليه الحرب، وشُرد وأحرقت كتبه، فكان له أبيات يتوجع فيها، أن الناس لا تقدره حق قدره، وأنه لو ترك الأندلس وخرج إلى المشرق، لتوجع الناس وأحسوا بفقده، فقال في أبيات طويلة: أنا الشمس في جو العلوم منيرة ولكن عيبي أن مطلعي الغرب ولو أنني من جانب الشرق طالع لجد على ما ضاع من ذكري النحب ولي نحو أكناف العراق صبابة ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب فإن ينزل الرحمن رحلي بينهم فحينئذ يبدو التأسف والكرب هنالك يدروا أن للبعد قصة وأن كساد العلم آفته القرب يقول: لو أنني تحولت إلى المشرق حينئذ لتأسفوا وأحسوا بفقدي، ويقول: وما فساد العلم وكساده وآفته إلا بسبب قربه منهم.

стр. 357

الرد على تكفير الخوارج للصحابة (مسألة التحكيم) إن أول من ابتدع حرب تحطيم الرموز في هذه الأمة هم الخوارج، فهم الذين كفروا الصحابة وضللوهم، وقالوا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧]، فقال علي بن أبي طالب: كلمة حق يراد بها باطل. إن أولى الناس بإقامة حكم الله هم الذين شاهدوا نزول القرآن، وهم الذين قاتلوا على تنزيله وتأويله، وهم الذين فارقوا الأهل والأولاد والأموال في سبيله، هؤلاء هم أولى الناس بالحفاظ على القرآن وفهم القرآن، أما قولهم: إن الحكم إلا لله، فهذه دعوى كاذبة ظاهرها حق وباطنها الضلال المبين. لا حياة للناس بلا رأس، كالجسد لا يحيا بلا رأس، ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀! حيث قال: ستون سنة بإمام جائر أفضل من سنة بلا إمام، أي: لو أن إماماً ظالما جائراً فاجراً حكم الناس ستين سنة، كان أفضل من أن يظل الناس سنة واحدة بلا إمام؛ لأن هذا الرجل وإن كان فيه فساد، لكنه في النهاية رأس واحد، وسيمضي طغيانه وبغيه على الناس، وستستكين الجماهير الغفيرة له، ويخشون بأسه وسطوته وسلطانه، فلا يظلم بعضهم بعضاً لئلا يدخلوا تحت قانونه، إذا بقي الناس بلا رأس كل واحد رأساً. إلى هذا الحد يكون الرأس ضرورة، وإذا غاب هذا الرأس غاب الجسد، وكما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالماً -وفي الرواية الأخرى: حتى إذا لم يبقَ عالمٌ- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا).

стр. 358

مكانة الرسول ﷺ ومكانة أصحابه رأس المسلمين هو رسول الله ﷺ ، كان الاختلاف في عصره قليلاً جداً، وكان هذا الاختلاف ينتهي بمجرد العرض على النبي ﵊. لذلك قال أبو موسى الأشعري ﵁ -كما رواه الإمام مسلم وأحمد في مسنده: صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء! فخرج علينا رسول الله ﷺ وقال: ما أجلسكم؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، فقلنا: لو صلينا معك العشاء! قال: أصبتم -أو قال: أحسنتم- ثم نظر إلى السماء -وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء- ثم قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون). هذه حقيقة الرءوس، يقول ﵊: (أنا أمنة لأصحابي) فكل خلاف إليه يرد، والكل يسلِّم إذا جاء الخبر من النبي ﵊، وكانوا لا يخالفونه في دقيق ولا جليل، وكانوا يخافون مخالفته في أدنى شيء، فهم معظمون لأمره، مجتنبون لنهيه؛ لأنه لا أعز منه عندهم، ونحن يجب علينا أن نوالي ونعادي على حبه واتباعه.

стр. 359

نماذج من تعظيم الصحابة لأمر النبي ﷺ مر عبد الله بن المغفل ﵁ بقريب له يخذف بالحصى، فنهاه وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: (إنها لا تصيد صيداً ولا تنكأ عدواً، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين) حين ترمي حصاة أنت لا تكيد بها عدواً ولا تصيد صيداً، لكن إذا وقعت في عين رجل فقأتها، وإذا وقعت على سن رجل كسرتها، قال: فعاد فقال: (أحدثك أن رسول الله ﷺ نهى عنه ثم تخذف لا أكملك أبداً). بيوتنا مليئة بالمخالفات، أركان الإسلام في بعض بيوتنا غير موجودة، الولد لا يصلي، ومع ذلك الوالد لا يمكن أن يأكل حتى ينادي الولد ليأكل معه، مع أنه لا يصلي، ولا يسأله: لمَ لم تصل؟ فتراه يؤاكله ويشاربه كأن لم يكن هناك شيء. الصحابة لا نظير لهم في الاتباع، كما قال الشاطبي ﵀: كانوا إذا تلقوا الأوامر سارعوا إلى تنفيذها، ولا يسأل أحدهم: أهذا واجب أم مستحب؟ إنما إذا سمع الأمر بادر إلى الامتثال؛ لأنهم فقهوا القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، فنفى ربنا ﵎ الإيمان عن الذي يبلغه كلام النبي ﵊ ولا يحكِّمه، فهذا ليس بمؤمن، نفى الله عنه الإيمان. ونزلت هذه الآية في واقعة حدثت بين اثنين من المحبين للنبي ﵊، بين الزبير بن العوام ورجل من الأنصار، وكان لهما أرض، وكانت أرض الزبير أعلى من أرض الأنصاري، فأراد الزبير أن يسقي أرضه، فقال له الأنصاري: لا، حتى أسقي أرضي. قال له: أرضك في الأسفل، وأرضي في الأعلى، وأنا أولى بأن أسقي قبلك. فأبى، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال للزبير بن العوام: (اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك) هذا هو مقتضى العدل: أن يسقي الرجل التي أرضه في العالي؛ حتى يضمن وصول الماء إليها، (اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري للنبي ﷺ : أن كان ابن عمتك! -أنت حكمت له لأنه ابن عمتك- فتلون وجه النبي ﵊ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء -لا ترسله إليه- قال الزبير: فأحسب أن هذه الآية نزلت فينا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]). فقول النبي ﵊: (أنا أمنة لأصحابي) فإنه في حال وجوده ﵊ لم تظهر البدع ولم يظهر الكفر بعد الإسلام، فبمجرد أن مات أتى أصحابه ما يوعدون، وارتدت العرب، ودخل الصحابة بهذا الدين البكر في قتال عنيف، وقتل خلق من الصحابة في القتال مع مسيلمة الكذاب، ثم استتب الأمر، وما زال الصحابة يموتون والفتن تطل برأسها حتى قتل عمر ﵁، وانكسر الباب الذي لم يغلق حتى قيام الساعة، وقتل عثمان، وقتل علي بن أبي طالب، ثلاثة من الراشدين يقتلون! وادلهمت الخطوب والفتن، وأطلت الفتن برءوسها، وظهرت بدعة القدر في آخر عهد الصحابة، وما زالت البدع تأتي كالسيل المنهمر، فأتى الأمة ما يوعدون، أتى الأمة ما يوعدون بموت الصحابة ﵃، وكان البلاء -على الرغم من عظمه- خفيفاً، تعرفون لماذا؟ لكثرة العلماء الذين ردوا على هؤلاء المبتدعة، وكان لهم في نفوس العوام جلالة وكان لهم قدر، فإذا تكلم العالم الرباني استمعت له العوام، وأعطت قلبها له، لكن اشتدت علينا المحن حين جاءت جيوش المبتدعة ولم يكن عندنا فرسان يقاومون هؤلاء؛ فعظمت علينا المحنة من الجهتين: كثرة البدع، وقلة العلماء الرادين عليها. لذلك موت العالم ثلمة في جدار الإسلام، ووجود العالم ضرورة، لو أن طاعوناً فشا في بلد لا يوجد فيه طبيب لأحس الناس بفقد الطبيب، فنحن نهيب بالجماهير أن تجعل الإسلام قضية، ألا يجعلوا الإسلام وظيفة، شيء ورثوه عن آبائهم، ينبغي أن يكون الإسلام قضية يطرح في البيوت، وأن يناقش بين الرجل وامرأته وأولاده مثلما يناقش رغيف الخبز، فإن دين الله أعز. الحرب على الإسلام ورموزه في الجرائد على أشدها، وقلت لكم: إنهم طعنوا على الله في الشهر الماضي لما قالوا: إن آلة الاستنساخ أعظم من ميلاد المسيح، أي أن ما فعله البشر أعظم مما فعله الله ! وصار خلق الله عند هؤلاء الزنادقة المارقة أمراً عادياً جداً. فنقول لهم: قد أخذتم خلية صنعها الله ، فهل تقدرون على خلق الخلية؟! سلمنا أنكم فعلتم ذلك فمن أين أخذتم الخلية الحية؟! ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة ذو نعمة باهرة وقدرة مقتدرة أيها الإخوة الكرام: معرفة حياة الصحابة صارت ضرورة، ومن نعمة الله ﵎ أن جاء بجهاد الدفع، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]، وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه. قيل لـ عائشة ﵂: ألا تنظرين إلى الذين يسبون أبا بكر وعمر؟ قالت: وما يعجبكم من ذلك؟! قطع الله عنهم العمل فأحب أن لا يقطع عنهم الأجر، وما يعجبكم من ذلك؟! المواقف الجسام التي مرت على هؤلاء الصحابة تدلك على مدى عقلهم وحلمهم وعلمهم بالله ﵎، هل في هذه الأمة رجل يزن سعد بن معاذ؟! وسعد ليس بأفضل الصحابة، إنما هو من أفضلهم، رجل يوم مات اهتز له عرش الرحمن، فما قدر هذا الرجل؟! عبد لله يهتز العرش له يوم يموت!! السماوات والأرض بالنسبة للعرش كحلقة في فلاة! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يهتز هذا العرش لموت عبد! سبحان من لا يعلم مقدار خلقه إلا هو! إن هذه الأمة مليئة بالعظماء. قال النبي ﷺ : (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) المسلمون نجوا من هذا المقت، أما الصحابة فتفردوا بالرضوان، وكان لهم من المناقب ما لم يكن لصحابة نبي أبداً، فيأتي هؤلاء الأنذال ويتكلمون عليهم ويلمزونهم.

стр. 360

مكانة الأمة أيام الصحابة ومكانتها الآن الصحابة فتحوا الدنيا وصارت لهم دولة في عشر سنوات، وأنتم قد صار لكم قرن من الزمان لم تستطيعوا إرجاع قلامة ظفر من الخلافة الضائعة، المسلمون الآن مستضعفون، ولا قيمة لهم في ميزان الدنيا، بينما الرجل الأمريكي إذا جرح سهواً في أي زاوية في العالم تهتز له الدنيا. في بعض البلاد العربية حدثت واقعة وأنا هناك: رجل يمني معه جنسية أمريكية، وهذا الرجل اليمني خالف إشارة المرور، وكان هناك دورية شرطة فتتبعوه وقبضوا عليه، فقالوا له: من أين أنت؟ فكلمهم بالعربي: أنا من اليمن من حضرموت. فقالوا: هات الرخصة، وبدءوا يعاملونه بوقاحة وشدة، عندما عاملوه بوقاحة قام وتكلم معهم بالإنجليزية مباشرةً، وأخذ منهم الجواز الأول، وأعطاهم الجواز الأمريكي، واستمر يخاطبهم بالإنجليزية، وطلبوا منه أن يتكلم بالعربية كما كان، لكنه رفض. قام استدعى السفير الأمريكي بتلفونه السيار، وجاء السفير، واعتذر ضابط الدورية، مع أن هذا الرجل اليمني ينبغي أن يعاقب، وهم يعرفون أنه عربي يمني، لكن عندما أخرج الجنسية الأمريكية صار صاحب منعة وقوة. والمسلمون بالمئات يموتون في كل بلاد العالم، حتى إن أحط فرقة وهم عبدة البقر، قاموا وانتزعوا من المسلمين في الهند المسجد وحولوه إلى معبد، ولا صريخ ولا مغيث؛ لأنهم لا يزنون شيئاً على وجه الأرض في ميزان الدنيا، لذلك الرجل المسلم صاحب المهارات والقدرات العالية تراه يذهب إلى بلادهم، ويتمنى أن يصادقه أمريكي أو إنجليزي أو فرنسي أو ياباني، ويفتخر ويقول: أنا صديقي فلان، برغم أنه قد يكون أعلم من هؤلاء، لكنه رأى أنه ينتمي إلى أمة ضعيفة مما جعله لا يفتخر بها، والسبب الرئيس الدافع له على ذلك هو ضعف الإيمان بالله . لكن انظر إلى التاريخ البعيد إلى أيام المعتصم تلك الواقعة المشهورة وهي: أن رجلاً نصرانياً لطم امرأة مسلمة فقالت: وامعتصماه!! ورجل لا يربطه بالمرأة نسب، وإنما الرابط بينهما الدين، تأخذه النخوة التي استمدها من دينه ومن العز الذي كان المسلمون يعيشون فيه، فيقول: لأبلغن المعتصم، ويرحل إليه ليل نهار، حتى دخل على المعتصم وكوب الماء في يد المعتصم فقال: ما حاجتك؟ فحكى له ما حدث لتلك المرأة المسلمة من ذلك العلج النصراني، فوضع المعتصم كوب الماء على المنضدة ولم يشربه، وقال للساعي: احتفظ بهذا الماء حتى آتيك، كأنه ذاهب إلى مكان قريب. وجرد الجيش العرمرم، وغزا تلك البلدة وفتحها، وأوسعهم قتلاً وتشريداً من أجل امرأة مسلمة لطمها علج نصراني، والرجل الذي ذهب إلى المعتصم، رجل مجهول لا نعرف اسمه ولا نسبه، وكذلك لا نعرف المرأة التي قالت: وامعتصماه! لكنهما كانا ينتسبان إلى أمة قوية، إلى أمة عزيزة؛ لذلك عز جانبها؛ فعز أفرادها. إذاً ما هذا العقوق لجيل الصحابة؟! وكيف لا يكون للجماهير ردة فعل بأن تشجب وتستنكر تلك المطاعن؟! ففي سنة (١٩٧٧م) عندما ارتفع سعر الخبز من نصف قرش إلى قرش، والكيلو السكر من ستة عشر قرشاً إلى أربعين قرشاً اشتعلت القاهرة، وقاموا بتحريق المرافق العامة التي ينتفعون بها، حرقوها وفعلوا كل شيء من أجل رغيف خبز، بينما يطعن في صحابة رسول الله ولا نحرك ساكناً!! نحن نقول لكم: ينبغي أن يكون هناك ردة فعل عاجلة، اكتبوا واستنكروا هذا أقل ما للصحابة في أعناقنا، فهذا الدين لم يصل إلينا إلا على دمائهم وأشلائهم، فقد ضحوا بكل غال ونفيس حتى وصل إلينا هذا الدين.

стр. 361

دفع الأبناء لتعلم العلم الشرعي ينبغي أن يكون في كل بيت ولد ينذره أبوه لتعلم العلم الشرعي؛ فلو أن كل بيت أخرج لنا رجلاً واحداً لتغير حالنا إلى الأفضل، ولصارت لنا مكانة وهيبة. ربوا أولادكم لدحر أهل الباطل كما ربى الله ﵎ موسى لفرعون، وكان الله قادراً على أن يأخذ فرعون، لكن ليعلمنا الصبر، وهذه سنة الدفع، فقد صبر بنو إسرائيل على العذاب الأليم من فرعون حتى كبر موسى ﵇، ثم أغرق الله فرعون.

стр. 362

ذكرى للمؤمنين أيها الإخوة الكرام: جلس عون بن عبد الله بن عتبة مع عمر بن عبد العزيز ﵀، فقص عليه حكاية، قال فيها: بنى ملك مدينة، وصنع طعاماً ودعا الناس إليه، ثم بث في الناس عيونه وأوقفهم على الأبواب، فكلما دخل رجل ونظر إلى المدينة سألوه وهو خارج: هل رأيت عيباً؟ فيقول: لا، حتى جاء في أخريات الناس قوم أصحاب أكسية -أي: قوم من الزهاد، ومعنى أكسية: ملابس مرقعة- فطعموا، فلما خرجوا سألوهم: هل وجدتم عيباً؟ قالوا: وجدنا عيبين، فأخذوهم إلى الملك، فقال لهم الملك: هل وجدتم في مدينتي عيباً؟ قالوا: وجدنا عيبين: أما العيب الأول: فإنها تخرب، والعيب الثاني: أن بانيها يموت. فقال لهم الملك: وهل هناك دار لا تخرب ولا يموت بانيها؟ قالوا: نعم، الجنة، فقال: خذوني معكم، وانخلع من ملكه وسار معهم. فلما سمع عمر بن عبد العزيز ذلك، ارتعدت أركانه، ووقع الكلام منه موقعاً عظيماً، وهم أن يخلع نفسه من الخلافة، فعلم ابن عمه مسلمة أنه يريد أن يترك الخلافة، فجاء فناشده الله، قال: لو تركت الخلافة لاقتتلوا عليها ولوقع شر في الأمة. قال: ماذا أفعل حمِّلت ما لا أطيق؟ فجعل مسلمة يراجعه حتى سكن. إنها الجنة التي ينبغي أن يعمل لها العاملون، ينبغي أن نضحي في سبيل الله، حتى تكون من أهلها، إنها أنفاس معدودة، إنك يا عبد الله لا تدري أين ستكون غداً؛ ستكون غداً في عداد الموتى، ويجري على لسان الناس: فلان ﵀. هذه الجنة -أيها الكرام- ينبغي أن نعمل لها، فإن العبد لا يتحمل لفحة من عذاب الله، ماذا تقولون لربكم إن قال لكم: استأمنتكم على ديني، فماذا فعلتم؟ شيدتم مجدكم، وبنيتم لأنفسكم، وأسكنتم أحفادكم؟ فاليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي، وأقرب مني عبادي. الجنة لا عدل لها، فلأي شيء تعمل أيها الأخ الكريم؟ إن الله ﵎ بعث محمداً ﷺ بالحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد أعطاك المصباح، كن وفياً مع الصحابة، فالوفاء للصحابة ضرورة، وحبهم فريضة، إنه فرض عين على المسلم أن يحب هؤلاء الصحابة، وأن ينقل هذا الحب إلى أبنائه، هذا واجبنا.

стр. 363

فضح الله للمنافقين ولليهود إن الله ﵎ افتتح سورة البقرة بذكر أصناف الناس، فأطنب في ذكر المنافقين، وفضحهم في غير ما سورة من القرآن، فضحهم في سورة النساء، وسورة التوبة، وفضحهم في سورة محمد، وأنزل سورة باسمهم. فالمنافق خلقه وطبعه إثارة الشبهات، وقد أخذوا هذا من أعداء الإسلام كاليهود وغيرهم، ففي القديم جاء المشركون فنشروا الشبه وقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] وبعض المسلمين اليوم يقول هذه المقالة!! يقول: رجل معه مائة (جنيه) فاقترضها رجل بمائة وعشرة، فتقولون: هذا ربا ولو أن رجلاً اشترى بالمائة (جنيه) (فداناً) مثلاً، وباع (الفدان) بمائة وعشرة، ما الفرق؟! حصل على العشرة في كلا الحالين، عن طريق البيع والربا ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] فهذه شبهتهم. حرم الله الموقوذة والمتردية والنطيحة، الموقوذة: المضروبة على رأسها حتى ماتت، النطيحة: المنطوحة من غيرها حتى ماتت، المتردية: هي التي تردت من على قمة جبل فماتت، أما إذا ذبح المسلمون بهيمة فهي حلال. فجاء هؤلاء الملبسون فقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟! هذا الذي ذبحتموه حلال، وهذا الذي قتله الله حرام؟! ثم قالوا: فما قتل الله أولى أن يؤكل، فقال الله : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. في غزوة بني النضير عندما حاصر الرسول ﵊ اليهود، وأبوا أن يستسلموا، أمر بإحراق النخل، وأنت تعلم قدر النخل عند العرب، وأن النخلة لا تثمر إلا بعد سنين عدداً، ففقد نخلة يعتبر كفقد إنسان، فأمر النبي ﷺ بحرق النخل المثمر، فجاء اليهود بشبهة، وقالوا: أولم تقولوا: إنكم تصلحون في الأرض؟! ألم يندد الله بالفساد وقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، وهل حرق النخل المثمر من الصلاح أم من الفساد؟! فكان لهذه الشبهة في نفوس المسلمين وقع، فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] إن قامت فبإذن الله، وإن حرقناها فبإذن الله أيضاً، ما خرجنا عن إذنه ولا خالفنا أمره في الفعل والترك، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ فرد الشبهة عليهم. لكن من الذي يقوم بذلك؟ من الذي يبدد ظلمة الشبهات والريبة؟ إنهم العلماء، فعندما يعتدى على أعراض العلماء ويقال: (علماء الإسلام والجنس) بهذا العنوان القذر، والجماهير لا تتكلم، بل وتشتري الكتاب، وتنفد الطبعة الأولى، ويعدون أنفسهم لنشر طبعة ثانية، فستظهر بعد ذلك مصائب أكثر من ذلك، ويتسع الخرق على الراقع!

стр. 364

سكوتنا عن سب الصحابة غير جائز إن سكوتنا عن الباطل غير جائز، فهذا إنذار! هذا إنذار! نحن نعلم يقيناً أن النصر لنا، لا نمتري في ذلك طرفة عين ولا نستريب، لكن هذا جرس إنذار! قال تعالى حاكياً عن الساكتين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٦٤]، ينبغي أن نكون أوفياء لديننا، محبين لنبينا ﵊، ولصحابته الكرام رضوان الله عليهم. فهذا الحسن البصري ﵀ لما روى الحديث الذي فيه: (أن الجذع حن إلى النبي ﵊، قال: يا معشر المسلمين! خشبة تحن إلى النبي ﷺ ! فأنتم أولى بالحنين إليه من الخشبة؛ لأنه أرسله الله إليكم واحتفى بكم، وأنزل إليكم كتاباً فيه ذكركم، وفضلكم على العالمين، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أنكم إن توليتم استبدل الله قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم في الجحود والنكران وترك الأمانة.

стр. 365

حقيقة الاتباع لا تتم إلا بموالاة الصحابة ومحبة العلماء مذهب أهل السنة ومنهجهم في الإيمان بالله ورسوله هو اتباع السلف الصالح، والسلف الصالح هم الصحابة وتابعوهم بإحسان، هذا القيد ذكره الله ﵎ للاتِّباع، بدونه لا يكون المرء متبعاً، فلذلك أفتى الإمام مالك بأن من سب الصحابة ليس له في الفيء شيء، وقد أخذ هذه الفتوى من هذا القيد: (بإحسان) والذي يسبهم لم يتبعهم بإحسان، فالاتباع يشترط أن يكون بالإحسان، وإلا فليس هو من أتباعهم. روى ابن مردويه عن ابن عمر ﵄ أنه بلغه أن رجلاً سب عثمان ﵁، فقرأ عليهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر:٨]، قال له: أنت منهم؟ قال له: لا، فقرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩]، قال له: أنت منهم؟ قال له: لا، فقرأ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، قال: أنت منهم؟ قال: أرجو! قال: هيهات! أترجو أن تكون منهم وأنت تقول: اللهم العنهم، اللهم أدخلهم النار، اللهم اخذلهم؟! لن تكون منهم حتى تقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، فالذي لا يتبعهم بإحسان لا يترضى عنهم ولا يستغفر لهم؛ فليس من أتباعهم، الذين يطعنون في الصحابة لا تشملهم هذه الآيات حتى يحققوا هذا القيد، فإذا حققوا هذا القيد، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، ودخلوا في جملة المرضي عنهم. إن أول بدعة في الإسلام هي تحطيم الرءوس، ولا يزال هذا المعول يفعل فعله حتى بين شباب الصحوة، إن جريمة تحطيم الرأس من أعظم الجرائم! فإنك إذا تكلمت عن الأئمة المشهود لهم بالعدالة والصدق والعلم؛ كالشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ التويجري، وهؤلاء العلماء -ومن جرى مجراهم من أهل العلم- إذا جاز للواحد أن يطعن على واحد من هؤلاء، فليت شعري من يبقى لنا؟! سنصبح أمة بلا رءوس! نحن نعاني من قلة الرءوس الصالحة المحسنة، فهي أندر من الكبريت الأحمر، والله لو يُشترى العلم والفضل بالمال لبعنا كل غال ونفيس لشراء هذه الرءوس التي تحمل العلم والفضل؛ لأنه شرف لنا، يزيننا. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

стр. 366

والله غالب على أمره أثبت الله ﵎ في كتابه الكريم أنه غالب على أمره، وهذا شامل لكل قضية، فأمر الله سبحانه يغلب كل أمر؛ فيغلب دين الله على سائر الأديان، وينتصر عباد الله المتقون على من خالف أمر الله وعصاه، فبيده سبحانه مقاليد الأمور، وله جنود السماوات والأرض.

стр. 367

غلبة أمر الله في قضية يوسف إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. قال الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] الله غالبٌ على أمره، يعني: إرادته تغلب إرادة غيره، ومشيئته تغلب مشيئة غيره؛ لأن الله ﵎ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكل صفة في العبيد حاشا الأنبياء فهي صفة نقص، فإذا كان هناك رجلٌ ذكي ففي الكون من هو أذكى منه، وهو ناقص بالنسبة لغيره، فإرادته تناسب نقص صفته، وإرادة الله تناسب كمال صفته، فالله غالب على أمره، وهذا الذي حدث في حياة يوسف، كيف غلب أمره في قصة يوسف كلها؟ قال يعقوب ﵇: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف:٥] رؤياه وقد منعه أبوه، لكن غلب أمر الله فقص على إخوته فكادوا له، فرموه في الجب بقصد إقصائه عن وجه والده، وأرادوا أن يخلو لهم وجه أبيهم، فما تم لهم ما أرادوا؟ غلب أمر الله وضاق عليهم قلب أبيهم، ونحن نعلم أن حسن المعاملة، هذا معتمد على عمل القلب، فإذا دخل البغض على قلب رجل، لا يستطيع أن يتبسم في وجه من يبغضه، فكل الجوارح تخضع لعمل القلب، ثم دخل قصر العزيز وراودته المرأة، فلما رأت العزيز بادرت بالهجوم والاتهام، وأرادت أن تبرئ نفسها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] بقصد أن تبرأ من هذا الذنب، فغلب أمر الله وشهد شاهد من أهلها فاتهمت، ثم دخل السجن، وذَكَّر الساقي، فقال له: اذكرني عند ربك، فغلب أمر الله ونسي الساقي هذا ولم يذكر إلا بعد أمة من الزمان، ثم بعد مرة من الزمان تذكر يعقوب ﵇ يوسف، لما أبى أن يعطيهم المتاع إلا أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، فلما ذكروا أخا يوسف هاجت الذكرى عند يعقوب ﵇، وقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف:٨٤]، وهذا بعد مدة من الزمان، وأصروا على الذنب، لكن كان مبدؤهم أن يفعلوا الفعلة ثم يتوبوا، لكنهم فعلوا الفعل ولم يتوبوا، بل أصروا على الذنب، ونفوا عن أنفسهم الجناية، لكنهم عادوا فاعترفوا لما غلب أمر الله، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١] ﴿يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٧] فهذا اعتراف بالذنب بعد الإصرار على عدم الاعتراف.

стр. 368

غلبة أمر الله في شأن الحياة والموت قد يتمنى أحياناً ما فيه تلفه وهو لا يدري، ويغلب أمر الله على تدبير المدبرين، وعلى هذا جاء قوله ﷺ : (إذا جعل الله منية عبد بأرض جعل له إليها حاجة) أي: جعل له حاجة في هذه الأرض. وإذا علم العبد أنه يموت هناك ما ذهب، لكن الله غالب على أمره، كما روى أبو الشيخ في كتاب العظمة أن داود ﵇ قرَّب رجلاً من أهل مملكته، فلما مات داود ﵇ اصطفاه وسليمان وقربه إليه، وكان ملك الموت ﵇ يجالس الأنبياء عياناً، ودخل ذات مرة على سليمان ﵇ فنظر إلى الرجل ولحظه بطرف عينه، وانتبه الرجل لنظره إليه، وذهب ملك الموت، فسأل الرجل جليس سليمان ﵇ من هذا، فقال: ملك الموت، فقال: لا أجلس في أرض فيها ملك الموت، فقال: وماذا تريد؟ قال: مر الريح فلتذهب بي إلى أرض الهند، وكانت الريح مسخرة له كما قال الله : ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦] رخاء يعني: لا شديدة ولا رخوة، وبعد قليل جاء ملك الموت إلى سليمان ﵇ فقال له: لم لحظت الرجل، ولم نظرت إليه؟ قال: إن الله أمرني أن أقبض روحه في أرض الهند، فلما ذهبت إلى هناك وجدته هناك يرتعد في مكانه فاستلبت روحه. لو علم الرجل أنه يقبض هناك ما طلب هذا الطلب، لكن الله غالب على أمره، وتدبيره محكم وسابق على تدبير عباده، وإذا قرأت قول النبي ﷺ : (لا يرث القاتل) تبين لك هذا المعنى أيضاً، فالقاتل يقتل أخاه أو أباه أو عمه من أجل أن يرث، فلو علم أنه سيحرم الميراث ما قتل، فالله غالب على أمره، إشارة إلى القدر الأعلى المهيمن المسيطر على مصائر العباد.

стр. 369

غلبة أمر الله في قصة أصحاب الأخدود وهذا المعنى أيضاً يظهر بجلاء في قصة أصحاب الأخدود، وهي قصة رائعة، وفيها معان دفاقة كثيرة، إن الرجل لا يسود إلا إذا احترم رعيته، ومن عوامل الخذلان لأي حاكم في الدنيا أنه يحاصر الرعية، ولا يقيم لهم وزناً، ويجعلهم من الهمل، هذه من علامات الخذلان، لكن إذا عظمهم عظم في قلوبهم، وصاروا يحترمونه ولا يقدمون أحداً عليه، وانظر إلى عمر، ملك الدنيا، وما امتعض صحابي قط من تصرفاته، فتجده يضرب أبا هريرة ولا يغضب، ويضرب سعداً ولا يغضب، ويضرب أبا ذر ولا يغضب؛ لأنه كان يفعل ذلك لله ليس لحظ النفس، حتى لما عزل سعد بن أبي وقاص لم يغضب سعد؛ لأنه كان يعلم مقصد عمر. فبقدر ما يكون في قلبك من الإخلاص بقدر ما يميزك الله بين الناس. وقصة أصحاب الأخدود هي كما في صحيح مسلم من حديث صهيب ﵁ قال: قال ﵌: (كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: ائتني بغلام نجيب أعلمه السحر، فإني أخشى أن أموت وليس فيكم من يتعلمه، فجيء له بغلام نجيب). قارن هذه القصة واربطها بقوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١] لتعلم ونحن في مرحلة الاستضعاف أن النصر قريب لكن بشرط، (فكان هذا الغلام يخرج من بيته إلى بيت الساحر، وكان إذا مر مر بصومعة راهب، فعرج الغلام يوماً على صومعة الراهب فدخل، وسمع كلامه فأعجبه)، فعندما يسمع كلام الساحر، ثم يسمع كلام الله لا بد أن يجد فرقاً، (فصار يتأخر عند الراهب، فيتأخر في الرجوع إلى بيته إذا كان راجعاً، أو يتأخر في الذهاب إلى الساحر إذا كان ذاهباً، فكان هؤلاء يضربونه على التأخير، وهذا يضربه أيضاً على التأخير، فشكى ذلك إلى الراهب فقال له: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي، وإذا ضربك أهلك فقل: حبسني الساحر، ومضى زمن، حتى جاء يوم واعترض طريق الناس دابة، فقال الغلام: اليوم أعلم أأمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر، فأمسك حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة، ثم رماها بالحجر فقتلها. تحدث الناس عن الغلام وذاع صيته، فدخل على الراهب، فقال: أي بني إنك اليوم صرت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليّ) هذا ما أراده الراهب، ولكن حدث ما أراده الله، (وكان الغلام يشفي من سائر الأمراض، ويبرئ الأكمه والأبرص، وكان يجالس الملك رجل، كان قد عمي، فلما سمع بمهارة الغلام، جمع له هدايا عظيمة، وذهب وقال له: ما هناك لك أجمع -أي: كل هذه الهدايا لك- إن أنت شفيتني، فقال الغلام: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته وشفاك، فآمن به جليس الملك فرد الله عليه بصره، فدخل الجليس على الملك بلا عكاز وبلا مرشد، فقال الملك: بلغ من سحر الغلام أنه شفاك؟ قال: إنما شفاني الله تعالى، فقال له الملك: أولك رب غيري؟ فقال له الجليس: الله ربي وربك ورب العالمين، فما زال يعذبه حتى دل على الغلام. وجيء بالغلام فقال له الملك: أي بني بلغ من سحرك ما أرى؟ تبرئ الأكمه والأبرص وتداوي الناس من سائر الأدواء، فقال: إني لا أشفي أحداً، ولكن يشفي الله تعالى، فلا زال يعذبه حتى دل على الراهب) مع أن الراهب أوصى الغلام: إن ابتليت فلا تدل عليَّ، لكن غلب أمر الله ، ودل الغلام على الراهب (فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، قال: لا. فشقه بالمنشار نصفين، قال ﷺ : حتى سقط شقاه وهو صابر، وجيء بالجليس وقيل له: ارجع عن دينك، فقال: لا. فقتله).

стр. 370

غلبة أمر الله على أمريكا في قضية الرهائن كانت أمريكا تعلم كل ثقب إبرة في إيران، واحتجزت إيران الرهائن، ووضعت كرامة أمريكا في الأرض من مجموعة من الشباب، فماذا فعلت أمريكا في صحراء من الصحاري البعيدة؟ بَنت فيلاً مثل السفارة بكامل مواصفاتها، ووضعت أناساً في داخل هذا المبنى، ودربوا (الكوماندوز) على أن يدخلوا من النوافذ فيخطفوا الرهائن، مرة واثنين وثلاثة وأربعة وعشرة وعشرين، إلى أن أتقنوا هذه اللعبة تماماً، وتبجحت أمريكا بقولها، وأنها لا تغلب، وتستطيع أنها تخرج الكحل من العين لو أرادت، ودخلت الطائرات صحراء إيران على ارتفاع منخفض لئلا تكشفها (الرادارات) في إيران وهم يعرفون كيف تعمل وكيف يكتشفون الطائرات، فدخلت الطائرات، والإيرانيون كلهم غافلون، ودخلت طائرات أمريكا وربضت في صحراء إيران في غفلة عنهم، وجاءت ساعة الصفر لتطير الطائرات وينفذوا العملية ويأخذوا الرهائن، وتعود سمعة أمريكا الفتية العتية في العالم، وإذا بالطائرات وهي تطير يصطدم بعضها ببعض ويحصل انفجار عنيف، وعلى ضوء هذا الانفجار علم المسؤولون في إيران أن هناك طائرات أمريكية في الصحراء، وكان هذا أيضاً المسمار الذي دق في نعش الرئيس جيمي كارتر فشل في الانتخابات بسبب هذه العملية. أرادوا شيئاً لكن الله غالب على أمره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 371

الغدر من صفات الملوك وهكذا ليس لهؤلاء وفاء. إن الملوك بلاء حيثما حلوا فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تأمل من قوم إذا غضبوا جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا فإن نصحتهم خالوك تخدعهم وإن استصغروك كما يستصغر القل استغن بالله عن أبوابهم أبداً إن الوقوف على أبوابهم ذل إذا غضب ثار عليك، لا يرقب فيك إلا ولا ذمة، وإذا أعطاك مَنَّ، وكلمات الوفاء والإخلاص لا توجد في قواميس هؤلاء أبداً، بل إن الملك يفرق بين الولد ووالده، كما حدث في قطر، كان الملك سيعود إلى الولد، لكنه أخذه من أبيه بالقوة. كان هناك رجل يعمل مع المشير عبد الحكيم عامر، وكان هذا رجلاً منحرفاً، وكان رجل نساء، فكان إذا أراد أن يقضي ليلاً أو شهراً مع امرأة يذهب إلى باريس، وكان صلاح نصر رئيس المخابرات صديقاً حميماً للمشير، وكان يصوره وهو في هذه الأوضاع المشينة ويحتفظ بالصور حتى يستخدمها وقت الحاجة، وفي يوم من الأيام فقد صورة من الصور فخاف أن تصل إلى المشير فيكون فيها هلاكه، فبدأ يعمل تمشيطاً لكل الرجال الذين يعملون مع المشير، يقول الرجل: فدخلت في بيته يوماً من الأيام فأخذوه، وقالوا له: أين الصور؟ قال: والله ما أعرف شيئاً، فقالوا: أنت كذاب، وعلقوه وساموه سوء العذاب. وبعدما جلس في السجن أياماً طويلة إذا بالصور موجودة عند صلاح نصر، فأخرجوه وعفوا عنه ولم يعتذروا له، وهناك بعض العصاة لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، قال ﷺ : (عجب ربك من أقوام يدخلون الجنة بالسلاسل) وهذا كالأسرى الذين إذا غلب المسلمون على ديار الكفر استرقوهم وأتوا بهم إلى ديار المسلمين فيرون الإسلام فيسلمون، فهؤلاء لم يسلموا إلا بسبب الحرب، فيدخلون الجنة بالسلاسل.

стр. 372

قصة سنمار وغدر الملك به وللعرب مثل كبير يقول: (نال جزاء سنمار) ويضربون به المثل في الرجل الذي يفعل الإحسان ثم يلقى الإساءة، وقصة سنمار أن مهندساً كان اسمه سنمار، بنى قصراً مشيداً رائعاً لملك في ذاك الزمن، وبينما سنمار جالس في ليلة مقمرة مع الملك قال للملك مفتخراً بصنعته وبنائه: إن في قصرك لبنة لو جذبها رجل انهدم القصر كله، قال -أي: الملك- يعلم هذا أحد غيرك؟ قال له: لا. فقتله؛ ليموت السر الذي يحمله، وهو من صمم له القصر الذي يجلس فيه. فجليس الملك وصفي الملك وخليل الملك لم يتورع الملك عن قتله يوم خالفه، وكذلك الراهب، لكنه لم يقل للغلام: ارجع عن دينك حتى إذا قال: لا، قتله؛ لأنه بإمكانه أن يضع يده في يد عدوه لتحقيق مصلحته، فهؤلاء لا مبدأ عندهم إلا هواهم، فالغلام أثبت جدارة ومهارة، وهو صغير السن وأمامه المستقبل، والملك محتاج إلى مثله، (فأتى به وقال له: ارجع عن دينك، فقال له: لا، فدعا جنوده وقال: خذوه على قمة الجبل الفلاني فإن رجع وإلا فألقوه) ولم يقل: خذوه على قمة الجبل واقتلوه، لا، ولكن هناك مراجعات؛ لأنه يحتاج إليه، (فأخذوه على قمة الجبل وقالوا: ترجع؟ قال: رب اكفنيهم بما شئت، فارتجف بهم الجبل فسقطوا، ورجع هو إلى الملك) فغلب أمر الله، (فلما رآه الملك قال: ويحك أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء، فأمر جنوده، قال: خذوه في قرقور -وهو القارب- وامضوا به في البحر، فإن رجع وإلا لججوا به -أي: اقذفوه في لجة البحر في وسط الماء- فلما كانوا في البحر قالوا له: ترجع؟! فقال: رب اكفنيهم بما شئت، فانكفأ بهم القارب فغرقوا ورجع هو. فلما رآه الملك قال: ويحك أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله بما شاء)، هذه الآيات البينات كان من شأنها أن تجعل ذاك الجبار العنيد يتوب ويرعوي، ولكن (على قلوب أقفالها)، كلما ظهرت آية أخذته العزة بالإثم، وقبل أن يحاول قتله مرة ثالثة: (قال له الغلام: اعلم أنك لن تقتلني إلا أن تفعل ما آمرك به، تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على خشبة، وتأخذ سهماً من كنانتي -وهي جراب السهام- وتضع السهم في كبد القوس، وتقول: بسم الله رب الغلام بأعلى صوتك، فإنك إذا فعلت ذلك وقع السهم هاهنا -وأشار إلى صدغه- فقتلتني)، فظن الملك أن المشكلة انتهت إلى هذا الحد، ولكن كان هذا هو المسمار الأول الذي دق في نعشه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. (فجمع الناس في صعيد واحد -في ميدان عام- وصلب الغلام، وأخذ سهماً من بين السهام وصوبه إلى صدغ الغلام وقال: بسم الله رب الغلام، ورمى بالسهم إلى حيث أشار، فمات الغلام، فقال الناس جميعاً: آمنا بالله رب الغلام)، فقتل الراهب وقتل الجليس وقتل الغلام، لئلا يفشو الإيمان في المملكة ففشى، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. إنك تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت أو كل الناس بعض الوقت، لكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت، إن الناس يموجون بين الهدى والضلال، لكن يجبنون ويعرفون الدعي الذي يكذب ويعد الوعود الكاذبة، ويعرفون الكاذب، ولكن لا يستطيعون الكلام، فإذا جاءت الفرصة تكلموا وفعلوا، وهذا ما فعله الرعية، وهذا فعل العامة في كل زمان. لماذا آمنوا بالله رب الغلام؟ لأن رب الغلام هو الذي غلب، حاول الملك أن يقتل الغلام مرة من على الجبل، ومرة في البحر ولم يستطع، فلما قال: بسم الله رب الغلام؛ قتل الغلام، إذاً رب الغلام هو الأكبر وليس الملك، فاحتار الرجل، واستشار الذين حوله من بطانة السوء ماذا يفعل وقد آمن الناس جميعاً، فقالوا: والله وقع الذي كنت تحذر، فقال: وما العمل؟ قالوا: احفر الأخاديد على السكك، ثم ملأوا هذه الأخاديد بالنحاس المغلي، وعرض الناس على الكفر عرض الحصير عوداً عوداً، فيقال للرجل: تؤمن بالله رب الغلام، أو تؤمن بالملك؟ فإن قال: أؤمن بالله رب الغلام؛ قذفوه في الأخدود، وإن قال: آمنت بالملك؛ نجى، فذلك قوله ﵎: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:٤ - ٥] وفي بعض القراءات (ذات الوِقُود) أي: الاشتعال لشدة الحرارة. حتى جاء الدور على أم تحمل ولدها، فالأم خافت، وكأنها تراجعت، فسمعت ولدها يقول: يا أماه اصبري فإنك على الحق!! فتبين هذه القصة، كيف أن الله غلب على أمره، أراد الملوك أمراً وأراد الله أمراً، فكان ما أراد الله، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٧]، فكل مما يفعلونه من الإجراءات الاستثنائية، والأحكام العشوائية، واتهام الأبرياء بما ليس فيهم، وتنزيل أقصى العقوبات غير اللائقة لا قانوناً ولا وضعاً ولا عرفاً، كل هذا لا ينفع، فإن الله غالب على أمره، وخذ ما حدث في صحراء إيران أيام قضية احتجاز الرهائن، خذ منها عبرة في التاريخ الحديث.

стр. 373

البلاء في الله وغلبة أمر الله فيه الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. هذه الآية تشير إلى القدر، القدر الأعلى الذي لا يخرج من قبضته أحد، فإذا قدر عليك البلاء فاعلم أن الله غالب على أمره، وإذا استطعت ألا تبتلى إلا في الله فافعل، وذلك بأن تتبع الشرع، ولا تخالف.

стр. 374

ترك الجهاد تهلكة قال الله ﵎ في كتابه المجيد: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]، هذه الآية يفهمها كثير من الناس على خلاف ما نزلت له، فيفعل الشيء الذي لا يجوز له فعله بدعوى التخلف من الضرر، مع أن هذه الآية نزلت كما قال أبو أيوب الأنصاري: (قلنا: نجلس في أموالنا نصلحها وندع الجهاد في سبيل الله)، فالتهلكة هي ترك الجهاد، مع أن الجهاد مظنة الموت، لكن ترك الجهاد هو التهلكة، ومن استقرأ ما نحن فيه الآن علم ذلك، فلا يجوز لعبد أن يقول: أنا قد وضعت سيفي وهذه آخر المعارك، وله عدو في الأرض! هذا جنون وخبل، أن تضع سيفك وعدوك شاهر سيفه، وتقول: هذه آخر الحروب، وتقول: أنا لا أريد الدماء أن تسيل على الأرض، سبحان الله، فإذا فرضنا ذلك وأنك سئمت القتال فدخل عليك عدوك، وهجم عليك بغير اختيار منك، ماذا تفعل؟ أليست دماء أولادك ستراق في الدفاع، فطالما لك عدو لا تضع سيفك، ولا تضع سلاحك.

стр. 375

تسلط الشيطان على من ترك سلاح الذكر إن الشيطان يدخل على الذين يضعون أسلحتهم، مع أن الله أبان لنا عداوة الشيطان وكرر هذا المعنى كثيراً: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥] يعني بائن العداوة، وأعطاك سلاحاً تقهره به، وأعطاك الله سلاحاً أنت به أقوى، وهو ذكر الله ، فيكسل العبد ويلقي سلاحه وهو الذكر، فيدخل عليه الشيطان، مع أنه ليس هناك وقت يخلو من ذكر تقوله، علمنا النبي ﷺ أذكاراً، حتى: وأنت نائم -والنائم أخو الميت- علمك النبي ﷺ ذكراً تقوله قبل النوم، يقيك الشيطان إذا مت الموتة الصغرى، اقرأ أية الكرسي، واجعل آخر صلاتك من الليل وتراً، ونم على وضوء، ونم على شقك الأيمن وضع يدك تحت خدك الأيمن، علمنا ذلك النبي ﷺ ، وقل: (باسمك اللهم أحيا وباسمك أموت، اللهم بك وضعت جنبي وبك أرفعه، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً)، ثم يقرأ آية الكرسي، قال الشيطان لـ أبي هريرة (إنك إن قرأتها لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح) إذا قرأت آية الكرسي، وقف على رأسك ملك يحرسك حتى تفتح عينك وتبدأ بذكر آخر. فالغفلات يدخل منها الشيطان، فكيف تضع سلاحك وتترك ذكر الله وعدوك شاهر سلاحه، فالجهاد قائم ما دام هناك دين على وجه الأرض بخلاف دين الإسلام، ولا يجوز لك ترك الجهاد أبداً، وإذا جاهدت في سبيل الله غنمت، وجعل الله لك الرجال، والديار والأموال، فتأخذ الرجال تستغلهم، وتسيى النساء والولدان.

стр. 376

الرق عند المسلمين وعند الكفار وبكل أسف عندما يتكلم بعض أساتذة الشريعة عن الرق، يقول: والرق محرم دولياً، فعيرونا وقالوا: أنتم تسترقون الرجال الأحرار، وهم يسترقون الدول، عار علي استرقاق الأفراد وهم يسترقون دولاً بأكملها؟ من الذي عمّر أمريكا أول ما اكتُشفت؟ أليسوا هم الهنود الحمر؟ والزنوج الذين سرقوهم من أفريقيا وجعلوهم خدماً هناك، وهذا رق، من أبشع أنواع الرق، ولكن الرق عندنا شرف، الرسول ﵊ ما تركك تعلو على الرقيق، لكن قال (إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه معه)، فأنت تأكل طعاماً جاهزاً، وهو الذي يقف أمام النار، وقد تعب في صنع هذا الطعام، فلا تمنعه، وجعل الله ﵎ كفارة بعض الذنوب عتق الرقبة، وقال ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، من هؤلاء الثلاثة رجل له أمة فأعتقها ثم تزوجها) فهؤلاء يؤتون أجرهم مرتين؛ فإن لم يكن هذا ولا ذاك ولا الآخر يكفي أن هذا العبد دخل ديار المسلمين فأسلم فنجى من النيران، وهذا الصنف هو الذي قال فيه ﷺ : (عجب ربك من أقوام يدخلون الجنة بالسلاسل) فالرق عندنا شرف بينما هم يسترقون المسلمين، ويفعلون الأفاعيل، ثم الذي يغيظ ويفتت الكبد أنهم يعملون تمثال الحرية، فأول ما تدخل أمريكا ترى تمثال الحرية، في حين أن قوات الأمم المتحدة كانت تهتك أعراض المسلمين في البوسنة مع الصرب والكروات، لقد خسر العالم جداً بتخلف المسلمين عن ريادة العالم. إن النبي ﷺ أخبرنا أن امرأة بغياً دخلت الجنة في كلب، وهو الحيوان المهين، الذي ضرب به المثل في المهانة وعدم التحمل، وأنه لا صبر له، وهذه امرأة بغي تترزق بعرضها، ولا توصف المرأة بالبغاء إلا إذا صار حرفة ومهنة وخلة دائمة لها، يعني: امرأة زانية عريقة في الزنا، ملأت موقها ماء وسقت كلباً يلعق الثرى من العطش، فشكر الله لها فغفر لها، وفي المقابل: دخلت امرأة النار في هرة. لو ملك المسلمون فهل سيرمون البر والدقيق في المحيط وهم يعلمون أن ربع الكرة الأرضية يموت من الجوع؟! حفاظاً على سعر الدقيق والخبز!! هذه ليست إلا أخلاق الكافرين: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨].

стр. 377

التمكين بعد البلاء فإن استطعت ألا تبتلى إلا في الله فافعل؛ لأن هذا له ثمرة، حيث إن الله غالب على أمره، أنت لن تخرج من قبضة الله أبداً، وإذا ابتليت في الله فلك بشارة، قال ﷺ : (كذلك نحن معاشر الأنبياء نبتلى، ثم تكون العاقبة لنا) هذه هي البشارة، وإذا خيرت بين أن تعصي الله ، وأن يأتيك الرزق بالمعصية أو تبقى مستقيماً مع عدم توفر وظيفة، فاختر الطاعة ولا تتردد، إن قيل لك: إن الوظيفة الفلانية لن تأخذها إلا أن تحلق لحيتك، فلا تحلقها أبداً، وسيجعل الله لك مخرجاً، قد جعل الله لكثير من عباده مخارج ما خطرت على قلب واحد منهم، وأهلك أعداءه من محل الأمن وما خطر على قلب واحد منهم أن يهلك من هذا الباب، ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] فتجد الإنسان يضرب بيد من حديد ويحكم القبضة ويظن أن الأمر آل له، والله يقول: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٥] أدعهم في طغيانهم يعمهون ويستمرون، ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥]، وإذا كاد الله أحداً غلبه وأهلكه، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦]. كلما يحصل شد يحصل انفجار، وهم يعترفون بهذا، فالرسم البياني للصحوة الإسلامية الأثرية التي تنتسب إلى القرون الثلاثة المفضلة يبين أنها كل يوم تزداد، واتسع الخرق على الراقع، فالذي كان يضرب على قفاه إذا بكى يسكت، الآن لا يسكت، بل هو صاحب ساعد قوي يستطيع أن يضرب ولو كانت ضربته أقل تأثيراً من غيره، وابنك الذي كان يأخذ حاجته بالصراخ أمس كبر وصار له ساعد، صحيح أنك أقوى منه، ولو ضربته ضربة لقلعت له عيناً، ولكنه سيضربك ولو كانت ضربة لا تؤثر فيك، وهذا انتصار ومكسب، أن يمد يده ولو كانت ضعيفة، وهذا الذي يضربك الآن بيد رخوة غداً يشتد ساعده، وأنت بطبيعتك تكبر وتكبر، ثم يستدير القمر ويعود محاقاً بعدما كان بدراً، ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس:٦٨] فيشتد ساعد هذا ويضعف ساعدك، فإذا ضربك قلع لك عيناً، وإن ضربته فلن تؤثر فيه، فلا تهاجمه، وأعطه جزءاً من المشاركة تكفى شره بذلك، ولا يفعل هذا إلا عاقل، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 378

الاعتصام بالكتاب والسنة إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. قال الإمام البخاري ﵀: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن مسعر وغيره عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من اليهود لـ عمر: (يا أمير المؤمنين لو أنا نزلت علينا هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] لاتخذنا هذا اليوم عيداً، فقال عمر: (إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت يوم عرفة، في يوم جمعة). سمع سفيان مسعراً، ومسعر قيساً، وقيس طارقاً. هذا الحديث رواه الإمام البخاري ﵀ في أربعة مواضع من صحيحه، الموضع الأول في كتاب الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه، والموضع الثاني: في كتاب المغازي، في باب حجة الوداع، والموضع الثالث في تفسير سورة المائدة عند ذكر هذه الآية، والموضع الرابع: هو الذي نشرحه وهو أول حديث في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة. قلت قبل ذلك: إن الإمام البخاري ﵀ له فهم ثاقب ونظر حاد في ترجمته لأبواب صحيحه، فوضع هذا الحديث في كتاب الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه، علاقة الترجمة بحديث عمر الواردة فيه الآية: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] أن الآية دلت على تمام الإيمان، فالإيمان له زيادة ونقصان، فأعلى زيادة في الإيمان هي كمال الدين، وأن تتمه في نفسك، وبقدر ما يكون لله في قلبك يكون كمال الإيمان، فأراد الإمام البخاري أن يبين أن أوج الزيادة في كمال الدين. (قال رجل من اليهود) وهذا الرجل اسمه كعب الأحبار، وكعب الأحبار كان رجلاً من علماء اليهود وأسلم في خلافة عمر ﵁، فيحمل على أن كعباً قال هذا الكلام لـ عمر قبل أن يسلم، وهذا ظاهر من اللفظ: (قال رجل من اليهود لـ عمر)، وإذ ثبت أنه كعب فإذاً قال هذا الكلام لـ عمر قبل أن يسلم، وإما أن يكون أسلم ولكن نظر إلى أول حاله، كما في الحديث الصحيح أن زينب ﵂ حدث بينها وبين صفية بنت حيي خصومة، وضعف جمل صفية فقال النبي ﷺ لـ زينب: (أعطها الظهر لتركب، فقالت له: أنا أعطي هذه اليهودية!!) -وهي زوجة النبي ﵊ فكأن النظر بالنسبة إلى الحال الأول، وإن كان الوجه الأول أقوى، وهو أن كعباً سأل عمر ﵁ قبل أن يسلم قال: (يا أمير المؤمنين لو أنا نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا هذا اليوم عيداً، قال عمر -في رواية للبخاري أيضاً- أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]) فأراد عمر أن يرد عليه فقال له: نحن ما قصرنا في اتخاذ ذلك اليوم عيداً، بل هي نزلت في يوم عيد، كما رواه الترمذي من حديث ابن عباس أن رجلاً قال لـ عمر هذا الكلام فقال: (نزلت في يومي عيد)، يوم عرفة ويوم جمعة، ومناسبة هذا الحديث لكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة الإشارة إلى أن الله ﵎ أتم دينه وأكمله، فلم تعتصم بغير الكتاب والسنة؟ أتطلب الهدى خارج الكتاب والسنة؟ والله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] إذاً لا عذر لك في الخروج عن الكتاب والسنة.

стр. 379

يأس الكفار من المسلمين ومراوغتهم في حربهم وهذا الشطر من الآية مقدم على الآية التي وضعها الإمام البخاري وفيها بشارة، يعني: اليوم يئس الذين كفروا من دينكم بتمام الدين، فديننا تام، والذين كفروا يئسوا من النصر عليه، ولذلك تجدهم الآن فقهاء في حربنا، ويعملون بالمقالة القائلة: إن المجاهد يغير موقعه ولا يغير عقيدته، فإذا نظرت مثلاً لإسرائيل وعدد سكانها ثلاثة أو أربعة ملايين، وقهروا مائة وأربعين مليوناً؛ لأنهم يغيرون مواقعهم، فمن حوالي عشرين سنة كان لا يمكن أن نتصور في يوم من الأيام أن يكون بيننا وبين إسرائيل صلح، وهو يضع يده في يدك، ثم ينتصر بعد ذلك، فهم أربعة ملايين لكنهم أذكياء، مع أنهم في وسط دول مواجهة، ولو زحفت عليهم هذه الكتلة البشرية زحفاً لأكلوهم كلهم، لكن هؤلاء عندهم ترغيب وترهيب وتحرير مناطق النفوذ ومناطق القوى، وطريقة استخدام القوى. فـ إسحاق رابين يبني المستوطنات، ويطلق على المصلين النار وهم سجود دون أي اهتمام، وعندما دخلنا مرحلة جديدة وهي مرحلة السلام والاستسلام قالوا: نريد أن نثبت حسن النية، فإذاً نراوغ ونقول: إن السلام يقتضي أن يكون هناك احترام، يظهر هذا في الجامعات عندنا، وكذلك في الجامعات عندكم، وممكن نعمل اتصالات إلخ، ويفكرون الآن في شبكة كهرباء للوطن العربي كله، ومفتاحها يكون عند من؟ عند هذا اليهودي، والله أنزل آيات محكمات في الكتاب المجيد أن هؤلاء لا دين لهم ولا ولاء، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨] لو ظهر عليك لا يمكن أن يتركك، وهذا كلام الله ، فإذا اتبعنا القرآن والسنة واعتصمنا بهما، ييئس الذين كفروا من ديننا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣]؛ لأن فيهما الجلاء والتوضيح والبرهان.

стр. 380

الرد على المقلدة وهذه الآية أيضاً فيها رد على المقلدة الذين يدعون الكتاب والسنة ويأخذون بأقوال أئمتهم المخالفة للكتاب والسنة. وقد أطال صديق حسن خان في الرد عليهم حتى يكاد الواقف على كلامه يظن أنه ينفي القياس، من شدة رده على المقلدة، فوضع البخاري هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام، أراد به أن يقول: إذا تم الدين وكملت النعمة ولم يترك الله ﵎ دقيقاً ولا جليلاً إلا بينه لعباده، وكذلك الرسول ﵊ بيَّن القرآن، فلا معنى للخروج عن الكتاب والسنة واستيراد أحكام من الخارج.

стр. 381

بطلان الحكم بغير ما أنزل الله وليت الذين حكَّموا فينا القانون الوضعي أو القانون الفرنسي نظروا في هذه الآية، فنحن جميعاً محكومون بغير ما أنزل الله، إلا في قانون الأحوال الشخصية، والآن يبدلونه، بدلوه أولاً بأن جعلوا البيت للمرأة، وأن الرجل إذا أراد أن يتزوج لا بد من موافقة الزوجة الأولى، وهذا القرار كم من بيوت هدمت بسببه، وصارت المرأة هي الرجل، وصارت تهدد الرجل، فالرجل الأبي الذي تجري دماء الرجولة في عروقه لا يستطيع أن يعيش مع هذه المرأة فيطلقها، وأول ما يطلقها تأخذ منه البيت، ولذلك يصبر الرجل على الذل والمر لأجل البيت، وخربت بيوت، ثم جاء مؤتمر السكان وضرب ضربات قاتلة، وقام العلماء جميعاً -وطبعاً الدولة لا تحترم العلماء، ولا تحترم وجهة نظرهم- وقالوا: لا نحن غير ملزمين بقرار مؤتمر السكان، لماذا غير ملزمين وأنتم الدولة المضيفة؟ والدولة المضيفة المفروض أنها أول دولة تحترم توصيات المؤتمر المقام على أرضها، فقالوا: هذه القضية غير ممكنة الآن، لكن يمكن بعد ثلاثين سنة أن نبدأ في تنفيذ هذا القرار، ويصاغ على هيئة قانون. ثم جاء المؤتمر الذي أقيم في الصين في مسألة الزواج والطلاق، وقام العلماء قومة رجل واحد، فقانون الأحوال الشخصية فيه إعواز بسبب اعتماده على مذهب أبي حنيفة وحده، ومن المفروض أن المسألة لا تقتصر على مذهب واحد، فمثلاً في مذهب الأحناف إذا غاب الرجل بأن سافر لأجل أن يأتي بمال وغاب سنة أو سنتين أو أربع أو عشر أو عشرين سنة ليس للزوجة أن تطلب الطلاق، ولا أن ترفع أمرها للقاضي، فإن لم تجد حلاً تصبر، وأما في المذهب المالكي إذا يئسنا من رجوع الرجل بسبب غيابه جاز للمرأة أن تطلب الطلاق، إذ أنه إذا كان يعمل بالظن الغالب في الأحكام الشرعية أفلا يعمل بالظن الغالب في مثل هذه الأمور العادية؟ فتصبر المرأة وتظل معلقة مدى الحياة، فلماذا لا يدخلون مذهب مالك في هذه المسألة؟ خاصة أن مذهب الأحناف مخالف للدليل في بعض المسائل. ثم بأي عقل أيها الإخوة! الكرام في بلد الإسلام يقال: إن حالة الزنا تسقط إذا رضي الزوج، وهذا الحكم بمنتهى الجلاء واضح في كتاب الله ، وبأي عقل يقال: يجوز للمرأة أن تزني إذا رأت زوجها يزني، والجروح قصاص!! أيجوز هذا الكلام في ديار الإسلام وعندنا قرآن وسنة، والأحكام واضحة جداً وجلية؟ ويأتي رجل بلغ من الكبر عتياً، صاحب (عودة الروح)، (وعصا الحكيم) (وحمار الحكيم)، كان سنه ثلاثاً وثمانين سنة يوم أن قال هذا الكلام في الأهرام، عندما عاد من باريس واستقبلوه في المطار فسألوه: ماذا أعجبك في باريس؟ فلم يقل البيجو أو شيء من هذه الأشياء، وإنما قال لهم: أعجبني في باريس الزواج الجماعي، يعني: تبديل الزوجات، كل رجل يعطي زوجته للآخر، هذا الذي أعجب ابن ثلاث وثمانين سنة. والآن تعرفون فرج فودة الذي أهلكه الله وقلعه في ليلة مباركة، بدأت الآن تسن قوانين لضرب الإرهاب من كتب فرج فودة: بأيمانهم نوران: ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات وضرب شركات توظيف الأموال هذه تمت بفعل فاعل، هذه الشركات كانت مباركة عمل فيها ألوف العاطلين، وفتحت أبواب الرزق على آلاف الأسر، وكان الرجل الذي يذهب للعمل فيها يأخذ خمسائة وستمائة وسبعمائة إلى ألف جنيه، وأحدث هذا حالة ازدهار وانتعاش، وبدأت تحويلات المصريين في الخارج تأتي، حتى صار رأس مال واحد مثل أحمد الريان وإخوانه في نحو ثلاث سنوات ثلاثة مليارات وواحد من عشرة، فقالوا: هؤلاء سيتمكنون بالمال ويلعبون بكم كما يلعب اليهود برئيس أمريكا، فهم الذين يتحكمون بالرئيس في الترشيحات، والملاحظ أن كل الشركات كان عليها سمت الإسلام، وكان معهم مليارات، وبعضهم استعد لدفع الديون التي على البلد، فهذه الشركات ضربت بفعل فاعل، وألصقوا بهم التهم وقالوا: إنهم كانوا يضحكون على المودعين ويعطونهم أرباحاً من رأس المال، ولو أتيت بـ أبي جهل وأعطيته هذه الشركة لا يمكن أن يعطي المودعين من رأس المال، بدليل أنهم عندما ظهرت هذه الفرية قالوا: لو أن كل المساهمين أرادوا أن يأخذوا رءوس أموالهم ما عليهم إلا أن يأتوا، وكل هذا بسبب أننا نحكم بغير ما أنزل الله ﵎، وهو مهيمن ومسيطر وكامل. وليس هناك حكم لغيره إلا تجد له نص: إما خاص، وإما يندرج تحت عنوان. فإذاً: الاعتصام بالكتاب والسنة هو النجاة؛ لأن الله ضمن لنا هذا الكمال، وضمن لنا تمام النعمة إذا صدقنا الكتاب والسنة، إذاً: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣]. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 382

الرد على الرافضة في دعوى النص على علي ﵁ وفي هذه الآية أيضاً رد على الروافض الذين يقولون: إن إمامة علي ﵁ كانت بنص جلي في كتاب الله والصحابة كتموه، ويقولون: إن الله نص على إمامة علي بن أبي طالب بعد وفاة الرسول ﵊، فنقول: سلمنا معكم أن الصحابة بدلوا وغيروا، أغلبوا الله حتى غلب تبديلهم على نصه، وهو يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، المفروض أن الله غالب على أمره، ولو أنهم أرادوا تحريفاً فلا يستطيعون ذلك أبداً، إذ الله غالب على أمره فأكمل دينه وأتم نعمته، فكان المفروض أن هذا النص يظهر على تحريف المحرفين، أما إذا لم يظهر هذا النص على تحريف المحرفين فهذه الآية حجة على الروافض، حيث أن الله ﵎ لم يذكر نصاً جلياً في إمامة علي، بل النص الذي يكاد يكون جلياً بل هو جلي في إمامة أبي بكر الصديق ﵁، فالرسول ﵊ دخل مرة على عائشة ﵂ فوجدها تقول: (وارأساه! -يعني: عندها صداع- فقال لها: بل أنا وارأساه! ما ضرك لو مت قبلي فصليت عليك ودفنتك، فقالت عائشة: والله! إني لأرى أنك تحب موتي، ولو كان ذلك لما بت إلا معرساً ببعض نسائك) يعني سوف تنساني، وسوف تبيت ليلة جميلة مع أي امرأة من نسائك، وسوف تنسى عائشة تماماً: (فقال لها: ادع لي عبد الرحمن لأكتب كتاباً، لعل قائلاً يقول أو متمنياً يتمنى فينازع أبا بكر ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)، واستخلاف الرسول ﵊ لـ أبي بكر في الصلاة دليل واضح جداً، وقول الله : ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] دليل واضح جداً، وأيضاً قال الرسول ﵊ للمرأة التي قالت له: (إن جئت فلم أجدك فمن أسأل؟ قال أبا بكر)، والنصوص الجلية الظاهرة تنص على إمامة أبي بكر الصديق، وحتى لما تخلف علي بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر وأراد أبو بكر أن يذهب إليه قال له علي: (ائتنا العشية وحدك، فقال عمر: تذهب إليهم وحدك؟ والله لا يكون، لأذهبن معك) وعللت هذا عائشة في صحيح مسلم فقالت: (وكره علي محضر عمر)؛ لأن عمر شديد، ويمكن أن يوجه له كلاماً شديداً، كما قال عمر لـ سعد بن عبادة مع جلالة سعد وجلالة منصبه عندما بويع لـ أبي بكر قال قائل: (قتلتم سعداً) فقال عمر: (قتله الله!) فكره علي أن يحضر عمر، وأراد أن ينفرد بـ أبي بكر، فقال عمر: (لا تأتيهم وحدك)، فقال أبو بكر: (والله لآتينهم وحدي، ما عساهم أن يفعلوا بي؟!) فدخل أبو بكر على علي، فتشهد علي وتكلم وأثنى على أبي بكر وقال: (إنا عليك ما أعطاك الله ، لكنا رأينا أنك استبلغت بالأمر دوننا)، وجعل يتكلم عن قرابته ومنهم الرسول ﵊، حتى فاضت عينا أبي بكر لما ذكرت القرابة وقال: (والذي نفسي بيده لأن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إلي من أصل قرابتي) وجعل يتكلم ويقول: (إني لم آلو أن أفعل في هذا الأمر ما أمرنا به رسول الله ﷺ . فبايع علي أبا بكر الصديق، وكان إلى المسلمين أقرب منه إليهم قبل أن يبايع أبا بكر ﵁، فأين النص والدليل على إمامة علي بن أبي طالب وأن المسلمين أخفوها؟ فهذه الآية أيضاً حجة قاهرة على هؤلاء الروافض، إذ لو جاز للصحابة أن يبدلوا لما جاز أن يظهر تبديلهم على كلام الله القائل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقبل هذه الآية قال الله : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٣].

стр. 383

الرد على نفاة القياس فدلالة الحديث ظاهرة، وفي هذه الآية رد على بعض الطوائف، وإن كان هؤلاء الطوائف تمسكوا بها في الرد على مخالفيهم، والقرآن حمال ذو وجوه، فمثلاً الذين ينكرون القياس تمسكوا بهذه الآية، قالوا: إن الله أكمل دينه وأتم نعمته، وما ترك شيئاً إلا بينه، فلم تلجأون إلى القياس؟ والقياس هو: محض اجتهاد في تحقيق انطباق علة الأصل على الفرع، هذا هو القياس، فعندنا فرع نطلب له حكمه، فننظر في هذا الفرع أله علة؟ فإن وجدنا له علة، ننظر أهذه العلة بكاملها موجودة في أصل محكم، إن كان ذلك كذلك، واشتركا في علة الحكم أعطينا الفرع حكم الأصل. فمثلاً: الخمر علة التحريم فيه الإسكار، وهو وصف ثابت منضبط، فأي إنسان يسكر تظهر عليه علامات السكر، ولا يقال: إن أناساً يشربون الخمر ولا يسكرون، فعلى هذا يجوز الخمر، وقد رأيت هذا بعيني، لما سافرت إلى أسبانيا سنة (٧٦)، وعملت هناك صحفياً لجريدة مشهورة، وكان القصد منها أن أمارس اللغة، فكنت أجد أي فرد فأتكلم معه حتى أتقن كلامهم فأمسك بيدي دفتراً وقلماً وأعرض لأي رجل في الشارع وأقول له: أنا صحفي وأريد أن أسأل أسئلة عن أسبانيا حتى نعرف المسلمين بها، ومن ثم ندخل في الكلام، فرأيت في هذه الدولة عجباً، قابلت رجلاً عجوزاً شيخاً، فقلت له: أنا صحفي ومن مصر، وأريد أن أعرف أسبانيا أيام الطراز الإسلامي، وأسبانيا أيام فرانكو، وأسبانيا أيام خوان كارلوس وهو الموجود حالياً، فأول ما سألته عن الإسلام بصق الرجل ومضى، والأندلس هي جنوب أسبانيا وهي الصعيد، فكل بلد فيها صعيد، يعني وجه قبلي ووجه بحري، فالصعيد ليس عندنا فقط، فالمسلمون ما دخلوا إلا صعيد أسبانيا التي هي الأندلس، ووقفوا تقريباً على منتصف أسبانيا من الأسفل، وعندما تذهب إلى هناك ترى فعلاً الآثار الباقية واضح عليها جداً اللمسات الإسلامية، فأول ما قلت للرجل: إسلامي بصق، وحدث نفس الموقف مع رجل آخر، وبصق أيضاً، ومكثت أبحث عن المسجد لأصلي الجمعة قرابة أسبوعين، ولم أعثر عليه حتى وصف لي وصفاً دقيقاً، وكنت متوقعاً أن أجد مسجداً وحيداً في مدريد له منارة وقبة، وظاهر عليه سمت المساجد التي نعرفها، فبحثت في الشارع كله فلم أجد المسجد، فسألت رجلاً: يقولون إن مسجداً في هذا الشارع؟! فبصق وتركني، وظللت أبحث عن المسجد حوالي أربع ساعات إلى أن عرفت أنه في عمارة في أسفلها، تنزل له بسبع أو ثمان درجات، ودخلت فلم أجد مسلماً من جنس أسباني أبداً، وإنما كل الموجودين في المسجد كانوا من الجالية العربية، وكان أغلب هؤلاء من أهل الشام. فكنت أعمل صحفياً وأسأل الناس عن الأخبار، ومرة سألت رجلاً منهم يقال: إن هناك حي ليس للمسلمين فيه نصيب أبداً، ويقال والله أعلم: بني فيه مسجد، وهو حي من أعتى أحياء أسبانيا وهو حي الجامعة، فبينما كنت أمشي في يوم من الأيام لقيني رجل فعرف أني من مصر فقال كلمة أسبانية تعني: الأحرار، فهو لا يعرفنا إلا بالأحرار، وقال: لا بد أن أدعوك اليوم، وكان معي زميلي في الرحلة، فأخذنا إلى البيت وقال: هذا الخمر القديم أنا لا أنزله إلا للأحباب، وأنزل قارورة سوداء جداً، وصب منها كأساً، قدر عقلة الإصبع، فقلت له: الخمر عندنا حرام ولا يجوز، وأما صاحبي فكان عنده حب استطلاع فأخذها فقال الرجل: لماذا الخمر حرام؟ فقلت: لأنها تسكر، فرفع القارورة وقال: هه، وشرب منها، وأما صاحبي فشرب منها فاضطربت معدته وحصل لها ما حصل، بينما شرب الرجل وأتم معنا الجلسة وذهنه صافٍ وليس هناك إشكال. فلا تؤثر مثل هذه الصورة على الحكم، لأنه يقال: الشاذ لا يقاس عليه، وإنما يقاس على الأعم الأغلب، يعني مثلاً: النفاس أكثره أربعون يوماً، فلو نفست امرأة مثلاً ثلاثة أشهر فلا يجوز أن نربط حكم النفاس على الثلاثة أشهر لقلة من يستمر معها النفاس ثلاثة أشهر، لكن لما تدبروا في حال النساء وجدوا أن أغلب النساء لا يزدن على أربعين يوماً، فجاز لهم تعليق الحكم بالعادة الغالبة، فالوصف المنضبط في الخمر هو الإسكار، وعلامة الإسكار تظهر على كافة الناس حيث يخرج الإنسان من وقاره ويتكلم بكلام يخلط فيه. إذاً العلة في تحريم الخمر هي الإسكار، وهذه علة وصفها ثابت ومنضبط، فحيثما وجدنا هذه العلة في أي مشروب آخر فإنه يأخذ حكم الخمر؛ لأن علة الأصل -وهو الحكم السابق بتحريم الخمر في القرآن- تعدت إلى الفرع، وهي وصف ثابت منضبط لا يتغير، فمنكرو القياس قالوا: هذه الآية حجة لنا في نقد القياس؛ لأن القياس محض اجتهاد، وقد يخطئ الرجل في تنزيل العلة من الأصل على الفرع ويقول: هذا حكم الله فيخطئ، ولا يجوز لأحد أن يقول: هذا حكم الله بالاجتهاد، فرد عليهم الأئمة المثبتون للقياس بأدلة كثيرة، أتوا مثلاً ببعض الأحاديث التي استخدم فيها النبي ﷺ القياس، كما في الحديث الصحيح أن رجلاً أراد أن ينتفي من ولده، حيث التبس عليه أنه أبيض والولد أسود وأمه بيضاء، فذهب إلى النبي ﷺ يقول: هذا ليس ابني!! فقال النبي ﷺ : (أليس لك إبل؟ قال: بلى. قال: أليس فيها من أورق؟) يعني: أحياناً يأتي جمل لونه ليس كلون أمه: (قال: نعم. قال: ومم ذاك؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: وهذا لعله نزعه عرق) فمن الممكن أن يكون هذا الولد ينزع لجده، أو لجد جده، فيكون أخذ منه شيئاً من بعيد، فكما أن الجمل الأورق نزعه عرق فكذلك الولد نزعه عرق، فهل هذا إلا القياس؟ هذا هو القياس، حيث عدى العلة وهي اختلاف اللون من اختلاف الجمل عن لون أمه، إلى اختلاف لون الولد عن لون أمه وأبيه، أن هذا لعله نزعه عرق وهذا أيضاً لعله نزعه عرق، ثم نقول: إن الأحكام الشرعية تبنى على الظن الغالب، وليس معنى بناء الحكم على الظن الغالب أن نقول: هذا مراد الله، فهذا شيء وهذا شيء، وإلا فنقول لنفاة القياس: أنتم تفسرون الآية الواحدة بعدة تفسيرات، فهل تستطيع أن تجزم أن أي تفسير منها هو مراد الله؟ لا نستطيع الجزم، وهذا قرآن، فهل يبطل تفسير القرآن؛ ونقول: لا يجوز لنا أن نفسر القرآن وكلام الله ؛ لأنه قد يكون هذا التفسير ليس بمراد لله تعالى؟ لا، ولا نقول: هذا حكم الله، ولكن نقول: هذا هو حكم الشرع فيما ظهر لنا، وهذا سائغ. وإذا كانت الأحكام تبنى على الظن الغالب فلا يجوز التمسك بهذه الآية في نفي القياس؛ لأن القياس راجع إلى حكم الشريعة، ألم نقل قبل: إن القياس هو تعدية علة أصل إلى فرع، وهذا الأصل هو كلام الله ، فإذا حددت العلة ونقلتها بشروطها، فأنا في تعديتي العلة من الأصل إلى الفرع لم أخرج عن حكم الله، ولم أخرج عن كلام الله ، فالقياس في حقيقته راجع إلى كلام الله وإلى كلام رسوله ﷺ .

стр. 384

نصيحة وحوار الصحابة رضوان الله عليهم هم حملة هذا الدين العظيم، نصر الله بهم دينه ورسوله، وعلى أيديهم ارتفعت رايات الجهاد، وفتحت الأمصار، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، بذلوا الغالي والرخيص من أجل هذا الدين، فكانوا الأحق بأن يكونوا صحابة رسول رب العالمين، وأن يكونوا لمن خلفهم أسوة وقدوة، ولكن مع ذلك فقد حاول العلمانيون طمس عظمتهم من قلوب المسلمين بدعوى ظاهرة البطلان، وهي أنهم رجال ونحن رجال، فطعنوا بذلك في كثير من الأحاديث الصحيحة، ومن ثم طعنوا في دين الإسلام.

стр. 385

فضل الصحابة ﵃ ودورهم في نشر الدين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. روى الإمام البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح أن رجلاً قال للمقداد بن الأسود ﵁: (طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ . فغضب المقداد بن الأسود غضباً شديداً، فقال له -التابعي راوي الحديث-: لم تغضب؟ قال: وما يدريك يا ابن أخي إن رجالاً رأوا النبي ﷺ وأكبهم الله على وجوههم في النار). لقد غضب المقداد ﵁؛ لأن الرجل زكاه لمجرد أنه رأى النبي ﵊، فاحتج عليه المقداد بأن هناك رجالاً رأوا النبي ﵊ ومع ذلك أكبهم الله على وجوههم في النار. وروى الإمام البيهقي في دلائل النبوة أن رجلاً قال لـ حذيفة بن اليمان ﵁: (والله لو أدركنا رسول الله ﷺ ما تركناه يمشي على الأرض)، فكأن هذا الرجل ينسب التقصير إلى الصحابة في توقيره ﵊، فيقول: لو كنت أنا مكانكم ما تركته يمشي على الأرض، أي: لحملته على رأسي. فقال له حذيفة: يا ابن أخي! أكنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا -أي: في يوم الأحزاب- وقد حفر كل منا لنفسه حفرة يدفن نفسه فيها من البرد، فقال النبي ﷺ : (من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟ قال حذيفة: والله ما قام أحد)، مع أن الصحابة كانوا يتسابقون على أقل من ذلك، ومع ذلك من شدة البرد ما استطاع أن يقوم أحد. لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم لديهم جلد عجيب، فالذي يذهب إلى مكة الآن ليحج لا يكاد يطيق الحر مدة خمسة أو ستة أيام مثلاً، وهم قد كانت هذه حياتهم بصفة مستمرة، فقد كان عندهم جلد إلى هذا الحد العجيب، ومع ذلك لا يقوم أحد؛ فلك أن تتصور شدة البرد التي كانت موجودة آنذاك! قال: (والله ما قام أحد، فقال: من يأتيني بخبر القوم وهو معي في الجنة؟ قال: فما قام أحد ثلاث مرات، قال حذيفة: فتقاصرت خشية أن يدعوني، فقال لي: قم يا حذيفة! قال: فقمت، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله ﷺ بد، قال: فدعا لي، وقال: اذهب إلى القوم وائتني بخبرهم، ولا تذعرهم علينا، قال: فذهبت كأنني أمشي في حمام -ذهب إلى مكان تجمع قريش والأحزاب- قال: فكنت أسمع ضرب الحجارة بعضها ببعض من شدة الريح، والله ما تجاوزت معسكرهم -أي: أنه كان واقفاً قريباً من الأحزاب وهو لا يشعر بشيء من الريح، وكانت الحجارة تضرب بعضها بعضاً داخل المعسكر- قال: ورأيت ناراً عظيمة ورجلاً، فعلمت أنه أبو سفيان، وكانت هذه أول مرة أرى أبا سفيان فيها، قال: فهممت أن أخرج القوس وأضربه، حتى تذكرت قول النبي ﵊: ولا تذعرهم علينا، قال: فرجعت إلى النبي ﷺ كأني أمشي في حمام، فلما وصلت إليه عاد لي القُر -أي: البرد، يعني أنه عاد بارداً برداً شديداً يكاد يموت من البرد بعدما أدى المهمة- قال: فأعطاني النبي ﷺ بردة له فتدثرت بها ونمت حتى أصبحت، فجاءني فأيقظني فقال لي: قم يا نومان!). وهذا الحديث رواه أيضاً الإمام مسلم رحمه الله تعالى، فالصحابة رضوان الله عليهم ما وصلوا إلى هذه المرتبة إلا بخالص تضحيتهم لله ﵎، ولذلك قال عبد الله بن عمر وحذيفة بن اليمان وابن مسعود لبعض هؤلاء التابعين: والله لو عمِّر أحدكم عمر نوح ما ساوى ذلك مُقام رجل من أصحاب النبي ﷺ في الصف ساعة. لقد اصطفى الله ﵎ هذا الجيل لصحبة نبيه ﷺ ، كما قال ابن مسعود: (إن الله نظر في قلوب العالمين، فاصطفى قلب محمد ﷺ لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين، فاصطفى قلوب أصحابه له). هؤلاء الصحابة الكرام لو أنهم تخاذلوا وانطووا على أنفسهم لما وصلنا هذا الدين، فإنه لم يصلنا إلا على رقاب هؤلاء الصحابة الذين بلغوا هذا الدين ولم يخافوا في الله لومة لائم.

стр. 386

طعن العلمانيين في الصحابة ﵃ من خلال المسلسلات كذلك نجد في المسلسلات التي تنشر في التلفزيون وتتحدث عن المسلمين والسيرة شيئاً عجيباً! فقد كان هناك مسلسل قديم منذ حوالي خمس عشرة سنة اسمه: (على هامش السيرة) عرضوا فيه المنظر الآتي: أبو الدرداء يزور أخاه أبا ذر، فتخرج له امرأة أبي ذر، فتقول له: هو غير موجود، تفضل. تفضل!! كيف يتفضل الرجل وزوجها غير موجود في البيت؟!! هل كان نساء الصحابة كذلك؟! أليس هذا من القذف الذي ينبغي أن يجلد فيه هؤلاء جميعاً؟! ثم إنه سينطبع في أذهان الناس أن الممثل الذي يمثل أبا ذر كان أمس في مسلسل على الفراش مع امرأة فاجرة! فأنا -كناشئ جديد- أرى أن أبا ذر هو ذلك الرجل الذي كان يمشي مع تلك المرأة، أو كان نائماً معها في الفراش في الليلة الماضية في مسلسل ما، فتذهب صورة هذا الصحابي في نظري. كذلك عندما صوروا إبليس، صوروه بلحية سابغة إلى السرة، ولما صوروا مصعب بن عمير جعلوا له (سكسوكة) هكذا. ما الذي يمنع أن ينطبع في أذهان الشباب أن اللحية العظيمة هي لحية إبليس، فيقترن في ذهن هؤلاء أن اللحية العظيمة لإبليس، فبالتالي ينفرون من اللحية العظيمة. وقد حدث لي هذا الأمر: فقد كنت ذات مرة أركب دراجة عادية، وفي يوم شديد الريح وأنا أمشي تعرض لي أولاد صغار لا تتجاوز أعمارهم الست سنوات، فعندما رأوني صرخ بعضهم على بعض: الشيطان الشيطان! وهربوا. فمن أين عرف هذا الولد الصغير الشيطان؟ والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، لقد أخذوا هذا الأمر من المسلسلات، يكبر الولد وقد انطبع في قلبه ووجدانه أن اللحية من فعل الشياطين الأبالسة، فيكبر وهو يكره أهل اللحى. فهؤلاء يريدون تحطيم التأسي بالصحابة؛ لأن الأسوة لا تكون إلا بهم، والنص النظري المحض لا يؤثر تأثيره، فمثلاً عندما تقرأ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإن هذا لا يؤثر فيك كما إذا قرأت أنه في غزوة من الغزوات كان هناك رجل في الرمق الأخير وطلب ماءً، فسمع أخاه يريد ماء فقال: أعطه، والثاني سمع أخاه يطلب ماء فقال: أعطه وكانوا عشرة، ويأبى كل واحد وهو في النزع الأخير أن يشرب ماء وهو يسمع أخاه يقول: أريد ماءً، فيعطيه، حتى يصل إلى الأخير، فيقول: لا، فيرجع إليهم فيجدهم جميعاً قد ماتوا!! إن تأثير هذا الموقف أكثر من تأثير حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فالتأسي في الحقيقة لا يكون إلا بهذا الجيل. فهم جميعاً قاموا بقضهم وقضيضهم على هذا الجيل، حتى يبينوا أنه لا فضل لهم علينا لماذا؟ لأنهم رجال ونحن رجال!!

стр. 387

أهمية الاقتداء بالصحابة والسير على منهجهم فالواجب علينا أن نطالع سيرة هذا الجيل، ومن أمتع الكتب التي ذكرت سير السلف: سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين الذهبي. نحن نشبه الإسلام بمثلث حاد الزاوية، فلو وضعت نقطة وأخرجت منها ضلعين، النقطة هذه لا أبعاد فيها، حتى إذا سلمنا أن فيها مسافات فإنها لا تكاد تذكر، وهذه النقطة هي زمان النبي ﵊، فقد كان الكل فيه على قلب رجل واحد، والمسافات الصغيرة هي وجهات النظر التي تكون بين العباد؛ لاختلاف عقولهم ونحو ذلك، لكن في النهاية كانوا على قلب رجل واحد، وكلما بدأت بالنزول من هذه النقطة إلى أسفل، كلما زادت المسافة بين الضلعين، فالضلع الأول نعتبره الإسلام الصافي، والضلع الثاني هو تطبيق المسلمين لهذا الإسلام -واقع المسلمين- فكلما ابتعدنا عن هذه النقطة كلما زادت المسافة بين الضلعين إذاً: ما هو الحل؟ الحل أن نقترب دائماً من هذه النقطة، تقترب من زمن النبي ﵊. إذاً: المرء كلما بعد عن المصباح أوغل في الظلام، فالحل: أن تصعد إلى الأعلى، فإنه كلما صعدت إلى أعلى -إلى الجذور الأولى- واقتربت من هذه النقطة؛ كلما قل الخلاف بينك وبين إخوانك، وكلما تركت هذه النقطة وبعدت عنها؛ كلما زادت الهوة، كما هو حادث الآن. فنحن يجب علينا أن نصعد إلى أعلى، إلى النقطة التي تمثل زمان الرسول ﵊. أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يتأسون بهذا الجيل الفريد العظيم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 388

خواء روحي وتخاذل ديني لقد عجزنا عن أن نجعل قضية الإسلام كقضية رغيف الخبز!! فإنه لو صدر قرار برفع قيمة رغيف الخبز لوجدت أن كل المناقشات في البيوت عن رغيف الخبز: كيف نأكل وكيف نشرب؟ ولو ارتفع سعر الوقود لتكلم كل الناس عن الأسعار وكيف نعيش؟ فلو أن الإسلام صار كرغيف الخبز بالنسبة للمسلمين لما كان هذا حال المسلمين، لكن -وبكل أسف! - كل إنسان لا يشعر أن الإسلام قضيته العظمى، بدليل أنك تراه قد ينتهك حرمات الله بينه وبين نفسه، ومع ذلك لا يشعر بشيء من وخز الضمير.

стр. 389

طعن العلمانيين في الصحابة ﵃ حديث الذباب نموذجاً إننا نحن نحتاج إلى النظر في ذلك الجيل العظيم الذي يحاول العلمانيون الآن طمس عظمته بدعوى أنهم رجال ونحن رجال. كتب أحد الكتاب العلمانيين مقالة يقول في ضمنها: إن أبا هريرة ﵁ كان رجلاً يمشي على ملء بطنه مع النبي ﵊، وكان همه الأكل والشرب، وكان مزاحاً، ولو أن أحداً أعطاه مالاً أو أطعمه فإنه على استعداد أن يحدثه بأحاديث لم يقلها النبي ﵊!! ثم شرع الكاتب يأتي بأحاديث تخالف العقل عنده، وهي عند البخاري ومسلم مثلاً، ويقول: هذه لا يمكن أن يقولها النبي ﵊، كحديث: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، مع أن هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري أيضاً!! ويقول: إن العالم يعيرنا بهذا الحديث العالم الآن يطرد الذباب لمضرته، ونحن نقول: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) أي: أن في الحديث دعوة من الرسول ﵊ لاصطياد الذباب انظر إلى هذا الكلام! مع أن الحديث لم يقل: أسقط الذباب، لكنه قال: إسقاط الذباب وأسقطه، لكن قال: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء). هب أن رجلاً فقيراً معوزاً، وبعد طول جهد اشترى أكلاً أو شراباً معيناً، فسقط فيه ذباب، فهل يُمنع هذا الرجل بعد هذا الجهد أن يأكل هذا الطعام الذي يشتهيه؟ إذاً من الممكن أن يغمس الذباب ثم يأكل أكله أو يشرب شرابه بدون حرج. ثم إن النبي ﵊ ما ألزمك أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكنه ألزمك بغمس الذباب، فغمس الذباب واجب؛ لكن أكل الأكل ليس بواجب، فإنه لم يقل أحد قط: إنك لا بد أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكن النبي ﵊ قال: (فليغمسه) إذاً: غمس الذباب هو الواجب، وبعد ذلك اعمل في طعامك ما شئت، وإذا جاء بعدك رجل لم يعلم أن هناك ذباباً سقط فيأكل وهو مطمئن. والسر في غمس الذباب: أن النبي ﵊ قال -كما في سنن أبي داود في طريق من طرق الحديث-: (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)، أي: أن الذباب يسقط على الجناح الذي فيه الداء، فعندما تغمس الذباب، هذه القوة مع مقاومة السائل ينفجر بها الكيس الآخر الذي فيه الدواء، فينزل الدواء فيقضي على الداء، فكأنه ما سقط فيه شيء. فيقول هذا الكاتب: هذا عار علينا أن نقول للعالم: إننا نُسقط الذباب في الطعام؛ فإنهم سوف يستقذروننا ويتركون ديننا، والإسلام نظيف، والرسول ﵊ نظيف، وديننا دين النظافة إلى آخر ذلك الهراء. ثم يقول: هذا الكلام سيطبع في أذهان الناس أن هذا دليل على أن أبا هريرة رجل يكذب على الرسول ﵊، فأنا إذا علمت أن أبا هريرة بهذه المثابة فإنه يقل اقتدائي بهذا الرجل!!

стр. 390

الأسئلة
следующие страницы →