← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

طعن العلمانيين في الصحابة ﵃ من خلال المسلسلات كذلك نجد في المسلسلات التي تنشر في التلفزيون وتتحدث عن المسلمين والسيرة شيئاً عجيباً! فقد كان هناك مسلسل قديم منذ حوالي خمس عشرة سنة اسمه: (على هامش السيرة) عرضوا فيه المنظر الآتي: أبو الدرداء يزور أخاه أبا ذر، فتخرج له امرأة أبي ذر، فتقول له: هو غير موجود، تفضل. تفضل!! كيف يتفضل الرجل وزوجها غير موجود في البيت؟!! هل كان نساء الصحابة كذلك؟! أليس هذا من القذف الذي ينبغي أن يجلد فيه هؤلاء جميعاً؟! ثم إنه سينطبع في أذهان الناس أن الممثل الذي يمثل أبا ذر كان أمس في مسلسل على الفراش مع امرأة فاجرة! فأنا -كناشئ جديد- أرى أن أبا ذر هو ذلك الرجل الذي كان يمشي مع تلك المرأة، أو كان نائماً معها في الفراش في الليلة الماضية في مسلسل ما، فتذهب صورة هذا الصحابي في نظري. كذلك عندما صوروا إبليس، صوروه بلحية سابغة إلى السرة، ولما صوروا مصعب بن عمير جعلوا له (سكسوكة) هكذا. ما الذي يمنع أن ينطبع في أذهان الشباب أن اللحية العظيمة هي لحية إبليس، فيقترن في ذهن هؤلاء أن اللحية العظيمة لإبليس، فبالتالي ينفرون من اللحية العظيمة. وقد حدث لي هذا الأمر: فقد كنت ذات مرة أركب دراجة عادية، وفي يوم شديد الريح وأنا أمشي تعرض لي أولاد صغار لا تتجاوز أعمارهم الست سنوات، فعندما رأوني صرخ بعضهم على بعض: الشيطان الشيطان! وهربوا. فمن أين عرف هذا الولد الصغير الشيطان؟ والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]، لقد أخذوا هذا الأمر من المسلسلات، يكبر الولد وقد انطبع في قلبه ووجدانه أن اللحية من فعل الشياطين الأبالسة، فيكبر وهو يكره أهل اللحى. فهؤلاء يريدون تحطيم التأسي بالصحابة؛ لأن الأسوة لا تكون إلا بهم، والنص النظري المحض لا يؤثر تأثيره، فمثلاً عندما تقرأ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فإن هذا لا يؤثر فيك كما إذا قرأت أنه في غزوة من الغزوات كان هناك رجل في الرمق الأخير وطلب ماءً، فسمع أخاه يريد ماء فقال: أعطه، والثاني سمع أخاه يطلب ماء فقال: أعطه وكانوا عشرة، ويأبى كل واحد وهو في النزع الأخير أن يشرب ماء وهو يسمع أخاه يقول: أريد ماءً، فيعطيه، حتى يصل إلى الأخير، فيقول: لا، فيرجع إليهم فيجدهم جميعاً قد ماتوا!! إن تأثير هذا الموقف أكثر من تأثير حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فالتأسي في الحقيقة لا يكون إلا بهذا الجيل. فهم جميعاً قاموا بقضهم وقضيضهم على هذا الجيل، حتى يبينوا أنه لا فضل لهم علينا لماذا؟ لأنهم رجال ونحن رجال!!

стр. 387

أهمية الاقتداء بالصحابة والسير على منهجهم فالواجب علينا أن نطالع سيرة هذا الجيل، ومن أمتع الكتب التي ذكرت سير السلف: سير أعلام النبلاء، للحافظ شمس الدين الذهبي. نحن نشبه الإسلام بمثلث حاد الزاوية، فلو وضعت نقطة وأخرجت منها ضلعين، النقطة هذه لا أبعاد فيها، حتى إذا سلمنا أن فيها مسافات فإنها لا تكاد تذكر، وهذه النقطة هي زمان النبي ﵊، فقد كان الكل فيه على قلب رجل واحد، والمسافات الصغيرة هي وجهات النظر التي تكون بين العباد؛ لاختلاف عقولهم ونحو ذلك، لكن في النهاية كانوا على قلب رجل واحد، وكلما بدأت بالنزول من هذه النقطة إلى أسفل، كلما زادت المسافة بين الضلعين، فالضلع الأول نعتبره الإسلام الصافي، والضلع الثاني هو تطبيق المسلمين لهذا الإسلام -واقع المسلمين- فكلما ابتعدنا عن هذه النقطة كلما زادت المسافة بين الضلعين إذاً: ما هو الحل؟ الحل أن نقترب دائماً من هذه النقطة، تقترب من زمن النبي ﵊. إذاً: المرء كلما بعد عن المصباح أوغل في الظلام، فالحل: أن تصعد إلى الأعلى، فإنه كلما صعدت إلى أعلى -إلى الجذور الأولى- واقتربت من هذه النقطة؛ كلما قل الخلاف بينك وبين إخوانك، وكلما تركت هذه النقطة وبعدت عنها؛ كلما زادت الهوة، كما هو حادث الآن. فنحن يجب علينا أن نصعد إلى أعلى، إلى النقطة التي تمثل زمان الرسول ﵊. أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يتأسون بهذا الجيل الفريد العظيم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 388

خواء روحي وتخاذل ديني لقد عجزنا عن أن نجعل قضية الإسلام كقضية رغيف الخبز!! فإنه لو صدر قرار برفع قيمة رغيف الخبز لوجدت أن كل المناقشات في البيوت عن رغيف الخبز: كيف نأكل وكيف نشرب؟ ولو ارتفع سعر الوقود لتكلم كل الناس عن الأسعار وكيف نعيش؟ فلو أن الإسلام صار كرغيف الخبز بالنسبة للمسلمين لما كان هذا حال المسلمين، لكن -وبكل أسف! - كل إنسان لا يشعر أن الإسلام قضيته العظمى، بدليل أنك تراه قد ينتهك حرمات الله بينه وبين نفسه، ومع ذلك لا يشعر بشيء من وخز الضمير.

стр. 389

طعن العلمانيين في الصحابة ﵃ حديث الذباب نموذجاً إننا نحن نحتاج إلى النظر في ذلك الجيل العظيم الذي يحاول العلمانيون الآن طمس عظمته بدعوى أنهم رجال ونحن رجال. كتب أحد الكتاب العلمانيين مقالة يقول في ضمنها: إن أبا هريرة ﵁ كان رجلاً يمشي على ملء بطنه مع النبي ﵊، وكان همه الأكل والشرب، وكان مزاحاً، ولو أن أحداً أعطاه مالاً أو أطعمه فإنه على استعداد أن يحدثه بأحاديث لم يقلها النبي ﵊!! ثم شرع الكاتب يأتي بأحاديث تخالف العقل عنده، وهي عند البخاري ومسلم مثلاً، ويقول: هذه لا يمكن أن يقولها النبي ﵊، كحديث: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، مع أن هذا الحديث رواه أبو سعيد الخدري أيضاً!! ويقول: إن العالم يعيرنا بهذا الحديث العالم الآن يطرد الذباب لمضرته، ونحن نقول: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) أي: أن في الحديث دعوة من الرسول ﵊ لاصطياد الذباب انظر إلى هذا الكلام! مع أن الحديث لم يقل: أسقط الذباب، لكنه قال: إسقاط الذباب وأسقطه، لكن قال: (إذا سقط الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء). هب أن رجلاً فقيراً معوزاً، وبعد طول جهد اشترى أكلاً أو شراباً معيناً، فسقط فيه ذباب، فهل يُمنع هذا الرجل بعد هذا الجهد أن يأكل هذا الطعام الذي يشتهيه؟ إذاً من الممكن أن يغمس الذباب ثم يأكل أكله أو يشرب شرابه بدون حرج. ثم إن النبي ﵊ ما ألزمك أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكنه ألزمك بغمس الذباب، فغمس الذباب واجب؛ لكن أكل الأكل ليس بواجب، فإنه لم يقل أحد قط: إنك لا بد أن تأكل الأكل الذي سقط فيه الذباب، لكن النبي ﵊ قال: (فليغمسه) إذاً: غمس الذباب هو الواجب، وبعد ذلك اعمل في طعامك ما شئت، وإذا جاء بعدك رجل لم يعلم أن هناك ذباباً سقط فيأكل وهو مطمئن. والسر في غمس الذباب: أن النبي ﵊ قال -كما في سنن أبي داود في طريق من طرق الحديث-: (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء)، أي: أن الذباب يسقط على الجناح الذي فيه الداء، فعندما تغمس الذباب، هذه القوة مع مقاومة السائل ينفجر بها الكيس الآخر الذي فيه الدواء، فينزل الدواء فيقضي على الداء، فكأنه ما سقط فيه شيء. فيقول هذا الكاتب: هذا عار علينا أن نقول للعالم: إننا نُسقط الذباب في الطعام؛ فإنهم سوف يستقذروننا ويتركون ديننا، والإسلام نظيف، والرسول ﵊ نظيف، وديننا دين النظافة إلى آخر ذلك الهراء. ثم يقول: هذا الكلام سيطبع في أذهان الناس أن هذا دليل على أن أبا هريرة رجل يكذب على الرسول ﵊، فأنا إذا علمت أن أبا هريرة بهذه المثابة فإنه يقل اقتدائي بهذا الرجل!!

стр. 390

الأسئلة

стр. 391

الموقف من أحداث الفتنة بين علماء السعودية السؤال ما موقفكم مما حدث في السعودية من فتنة بين علماء المدينة وبين المشايخ الأربعة الذين منهم: الدكتور ناصر العمر والشيخ سلمان؟ الجواب هذه الفتنة أنا ما زلت حريصاً على أن أتجنبها بالكلية؛ لأنك لن تحمد حتى إذا قلت كلمة الحق، وقد قلت مرة لطلبة العلم في جدة: أنا أرى أن تتجنبوا هؤلاء وهؤلاء، عليكم بالعلم؛ لأن كلامك غير مؤثر، فطالب العلم مثلاً لما يقول: أنا مع فلان أو ضد فلان هل حل الإشكال؟ لم يحل الإشكال؛ لأنهم ليسوا رءوساً، إنما هم طلبة. فخرج بعضهم يقول لبعض: إنني أميِّع المسائل والقضايا. والذي أظنه من سماعي للجانبين أن هناك هوى عند الجانبين، وأنا أظن أنه لو وجد الإخلاص عند هؤلاء لاجتمعوا؛ لأن نقاط الخلاف لا تستدعي مثل هذا العداء الشديد بينهم، إنها مسائل عادية، لكنهم لا يحملون كلام بعضهم على الخير أبداً، فهؤلاء عندهم خير وهؤلاء عندهم خير. فمثلاً: فقه الواقع أمر ضروري، فلو تجاهلناه بالكلية لضعنا، لكن على الجانب الآخر هناك من يضخم هذه المسألة، فقد سمعت شريطين للشيخ سفر اسمهما: الوعد الحق والوعد المفترى، يقول مثلاً: الأعداء لهم خمسون صحيفة ومجلة، وأربعمائة محطة تلفزيونية، ومائتان وخمسون إذاعة، وأربعون قمر تجسس على منطقة الشرق الأوسط، وعندهم وعندهم! أنا عندما أقول هذا الكلام لأمة ضعيفة لا تملك رغيف الخبز، فإنها سوف تصاب بالإحباط، فهذا الكلام يقال لأناس ربُّوا تربية حقيقية، أكشف لهم فيه عدوهم بهذا الكلام حتى يأخذوا أهبة الاستعداد، لكن أن أقول هذا الكلام لضعاف لا يملكون رغيف الخبز، فتكون النتيجة أن يصابوا بإحباط شديد. وأنا أرى أن الشباب هم الذين أفسدوا بين المشايخ؛ فإن المشايخ عادة لا يلتقي بعضهم مع بعض إلا لماماً، والشباب لا يكفون عن الكلام. والخلاصة: أن هذه الفتنة ليس عندي اطلاع كبير عليها؛ لأنني متجنب لها نسأل الله أن يقينا شرها.

стр. 392

حكم دخول الإسلاميين في البرلمانات السؤال ما رأيكم في دخول الإسلاميين في البرلمانات والمشاركة في الواقع السياسي؟ الجواب هذه المسألة تختلف من بلد إلى بلد، فمثلاً: عندنا في مصر دخول البرلمان لا قيمة له، بل دخول البرلمان يعتبر مضيعة للوقت، فعندما دخل الإخوان المسلمون البرلمان، بعضهم دخل ضمن حزب العمل، وبعضهم دخل ضمن أي حزب من الأحزاب، ومعروف أن في النظام الديمقراطي أن الحكم للأغلبية، فالحزب الحاكم حريص -بطبيعة الحال- على أن يكون له أغلب الأصوات في البرلمانات، وأي مشروع يذهب أدراج الرياح إذا لم يوافق عليه الأغلبية، فنقول: لو كان هناك تسعة وتسعون عالماً، وهناك مائة رجل جهال لا يفهمون أي شيء، فإن هؤلاء المائة يكسبون. فلذلك هم لم يحققوا أي شيء تقريباً، بالإضافة إلى أنه ملزم في بدء الدخول أنه يقول: باسم الشعب، باسم الدستور، باسم الأمة، باسم كذا ألا أخالف وألا وألا وعندما سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن مسألة الدخول في البرلمان وقيل له: إننا نغير ونعمل، ولنا سلطان ولنا كذا قال: لا بأس بالدخول، ثم قيل له: ولكن سيقول: باسم الأمة، باسم الدستور قال: لا يجوز له أن يدخل؛ لأنه لا يجوز أن يشارك في مباح بارتكاب شرك وحرام. فلذلك أنا أعتقد أن هذه المسألة تختلف من بلد إلى آخر. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 393

حكم القيام لاستقبال الضيوف السؤال ما حكم قيام الناس كلهم لاستقبال الضيوف؟ الجواب الذي يستقبل الضيف في الغالب هو صاحب الدار، لكن لو قام بعض الناس للاستقبال أيضاً فلا بأس به إن شاء الله.

стр. 394

حقيقة غضب من لم يقم له الناس السؤال ما هي حقيقة غضب من لم يقم له الناس؟ الجواب الذي يغضب لأن فلاناً لم يقم له، لا يعلق المسألة بسفر أو أنه لم يرني منذ مدة؛ بل هو يحب أن يتمثل له الناس قياماً. ثم إن طلحة بن عبيد الله لما قام لـ كعب، فقال كعب: لست أنساها لـ طلحة؛ لأنه أثر فيه، لكن الصحابة لم يرتكبوا شيئاً من المخالفات عندما لم يقوموا له، فإذا علمنا أن الرجل يغضب إذا لم يقم له الناس؛ فاعلم أن هذا من الكبر الكامن في النفوس.

стр. 395

توجيه حديث: (قوموا إلى سيدكم) السؤال هل يجوز الاستدلال بحديث: (قوموا إلى سيدكم) على القيام للآخرين؟ هذا الحديث له مناسبة: وهي أن سعد بن معاذ كان مجروحاً، وكان راكباً على الدابة، فقال النبي ﵊: (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)، فكان القيام هنا لإنزاله وليس لاستقباله وتعظيمه، فلذلك لا حجة فيه.

стр. 396

حكم السلام مع المصافحة السؤال ما حكم إلقاء السلام ثم المصافحة بعد ذلك؟ الجواب المصافحة لها فضيلة، لكن لو دخل وسلم السلام العام فإنه يجزئ، أما قول: السلام عليكم، مع كل مصافحة، فإن الذي يظهر هو إلقاء السلام على الكل ثم تتم المصافحة بعد ذلك.

стр. 397

كيفية تحريك الأصبع في التشهد السؤال كيف تحرك الأصبع في التشهد؟ الجواب توضع الأصبع بحيث تكون شبيهة بـ (٥١) ثم تحرك، وليس في الحديث رفع وخفض، إنما في الحديث تحريك، فيتم التحريك مع عدم انفكاك الإصبع عن القبلة.

стр. 398

كيفية الصعود إلى الركعة الثالثة بعد التشهد الأوسط السؤال كيف يقوم من أراد الصعود إلى الركعة الثالثة؟ الجواب بعض العلماء يرى أن الإنسان يعتمد على يديه إذا أراد أن يقوم، لكن خروجاً من الخلاف يقوم على راحة اليد؛ لأن هذه لا خلاف فيها بين العلماء. أما بالنسبة لرفع اليدين هل يكون والمصلي جالس أو قائم؟ فهناك ثلاثة أوضاع لرفع اليدين: إما أن يرفع وهو قاعد، أو يرفع مع القيام، أو يرفع بعد القيام. فهو مخير في هذه الثلاثة الأوضاع.

стр. 399

وقت إدراك تكبيرة الإحرام السؤال متى يدرك المأموم تكبيرة الإحرام مع الإمام؟ الجواب يدرك تكبيرة الإحرام إذا لم يبدأ الإمام في قراءة الفاتحة؛ لأنه إذا كبر تكبيرة الإحرام -وهي ركن- ثم بدأ يقرأ الفاتحة، فيكون قد انتقل من ركن إلى ركن آخر، فإذا جاء المأموم فكبر تكبيرة الإحرام والإمام يقرأ الفاتحة أو يقرأ السورة، فلا يقال: إنه أدرك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لا يدرك تكبيرة الإحرام إلا من جاء والإمام لم ينتقل إلى وضع آخر، أما إذا انتقل إلى وضع آخر -ركن أو هيئة- فهذا لم يدرك تكبيرة الإحرام.

стр. 400

الخطوات العملية المعينة على التمسك بهدي سلف الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم السؤال ما هي الخطوات العملية التي ينبغي للمسلم أن يسلكها حتى يسير على نفس منهج أصحاب النبي ﵊؟ الجواب كان وكيع بن الجراح يقول: يا أهل الحديث! أدوا زكاة الحديث، اعملوا عن كل مائتي حديث بخمسة. وقد كان الإمام أحمد ﵀ إذا روى حديثاً عن النبي ﵊ يعمل به، حتى إنه روى حديثاً أن النبي ﵊ احتجم وأعطى الحجام أجرة، فدعا الحجام فحجمه وأعطاه أجرة، ثم قال الإمام: ما كان بي من حاجة إلى الحجامة، لكن أردت أن أعمل بالحديث. فمن سمع حديث النبي ﷺ فعليه أن ينفذه حتى ولو كان بخلاف هواه، وهذه المسألة تحتاج إلى تدريب وممارسة. وقد كان عبد الله بن وهب -الإمام المصري المعروف من تلاميذ الإمام مالك - يقول: (نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً، فكنت أغتاب وأصوم، فلما أجهدني الصوم نذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أتصدق بدرهم، فمن حبي للدراهم تركت الغيبة)، والأصل أن المسلم لا يتوسع في مسألة النذر؛ لأن الأشياء المستحبة أو المباحة تصير فرضاً بالنذر، فلو نذر الإنسان أن يصوم الإثنين والخميس، صار في حقه بمنزلة رمضان؛ لذلك لا يستحب للإنسان أن يكبل نفسه بالنذر، وليكن في سعة. لكن أحياناً قد يكون الإنسان متفلتاً، فهذا لا بأس أن يكبل نفسه بالنذر كنوع من الأدب، لكن لا يتوسع، فيقول مثلاً: نذرت لله أن أقرأ جزءاً من القرآن كل يوم، لكن يستحب له في النذر أن يستثني، فيقول: نذرت لله أن أقرأ جزءاً من القرآن كل يوم إلا إن عجزت، فإن عجز فلا يلزمه أن يكفر عن نذره. فالإنسان كأسلوب من أساليب التربية ينذر أنه إذا سمع حديثاً نفذه بقدر استطاعته ولا يتجاوزه، وإذا كان له أولاد فإنه يحاول أن يربيهم على هذا المنهج ويختبرهم. أحد الإخوة أراد أن يعلم ابنه الصغير أن أمر النبي ﵊ هو الأمر الأول، وأنه لا يجوز أن يقدم على أمره أحداً، فجلس معه ليلة، ثم قال له: إن الرسول ﵊ هو الذي يجب أن يطاع، وإذا أمرتك بأمر وأمر الرسول بأمر آخر، فيجب أن تخالفني وتطيع الرسول ﵊. وعند ذلك طُرق الباب، فقال له أبوه: قل له أنني في الخارج. فالولد لأنه صغير ولا يفقه هذه المسألة قال له: أبي ليس هنا. فنهر الأب ولده وقال له: أليس هذا من الكذب؟ قال: نعم، من الكذب. قال: ألم ينه الرسول ﵊ عن الكذب؟ قال: نعم. قال: إذاً ما هو الواجب عليك في هذه المسألة: أن تخالفني كما اتفقنا أو تطيع أمري؟ قال: بل أخالفك. والولد كانت هيبة أبيه عنده كبيرة، فعندما يقول له: قل كذا -كذباً- فكان يطيع أباه، فيكذب، فيقول له أبوه: أليس كذا أليس كذا؟ حتى ترسخ في ذهن الولد مع مرور الأيام أنه لا يجوز مخالفة الرسول ﵊. فانظر كم أخذ الولد من الوقت حتى تربى على هذا الأمر! فزرع السلوك يحتاج إلى فترة من العمر، وهو كالرياضة تماماً. فتنفيذ النصوص يحتاج إلى ممارسة وإلى سمع وطاعة. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدينون بمخالفة الهوى؛ ففي غزوة تبوك تخلف أبو خيثمة ﵁ عن النبي ﵊، وأبو خيثمة هو الذي تصدق بصاع من تمر فلمزه المنافقون كان أبو خيثمة متزوجاً بامرأتين، فلما دخل بيته وجد كل امرأة قد رشت الماء وجهزت الأكل والماء البارد، فتذكر الرسول ﵊، فقال: بخ بخ! أنا بين زوجتين حسناوين، وماء بارد، وظل ظليل، ورسول الله ﷺ في الريح والشمس، والله لا أدخل على أي واحدة منكما، جهزا لي الفرس، فجهز نفسه وانطلق إلى النبي ﵊. هذا الرجل عندما وجد نفسه في نعيم، وحبيبه رسول الله في الريح والشمس، لم يتحمل؛ لأنه شديد الحب للرسول ﵊، لذلك لم يدخل العريش ولم يشرب الماء، وانطلق خلف النبي ﵊. إن المهمة في غاية الصعوبة؛ لأن المعين على الخير قليل جداً في هذا الزمان، وقد كان الصحابة رغم شدة ما كانوا يعانونه لكن كانوا جميعاً متكاتفين على شيء واحد، فنحن في زمان الغربة الثانية نعاني أشد مما عاناه أسلافنا في الغربة الأولى، فقد كانوا في الغربة الأولى عندهم من الإيمان ما يلوذون به في حال الكرب لقد كان بلال ﵁ يلوذ بإيمانه إذا شدوا عليه في العذاب، لكن نحن الآن ليس عندنا من الإيمان ما عندهم، وعلينا من الضغط نحو ما كان عليهم، ونحن نقول هذا الكلام حتى نبين وعورة الطريق، فإن العبد إذا علم أن الطريق وعر استعد له، أما إذا كان يظن أن الطريق ممهد إلى آخره فاعترضته عقبة؛ فإنه قد يصاب بإحباط. ولذلك فإن بعض المسلمين الذين ينتسبون إلى الالتزام أول ما يصاب بمصيبة يسقط مباشرة؛ لأنه لم يتوقع أنه سيصاب بهذه المصيبة؛ لكنه لو علم أن هذا الطريق كله عقبات، وأنه لا بد أن يُبتلى فابتلي، فيكون قد وطن نفسه لذلك، فإن المفاجأة تضعف عزم القلب، كما قال ﵊ -كما في صحيح مسلم والحديث في البخاري بأخصر من لفظ مسلم -: (والله! لله أفرح بتوبة عبده العاصي من أحدكم بأرض فلاة كان معه راحلته وعليها طعامه وشرابه، فظلت منه، فلما يئس استظل بظل شجرة ونام، فاستيقظ من نومه وإذا به يجد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. قال ﵊: أخطأ من شدة الفرح). ومما يدل على ذلك أيضاً: قوله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، ولو افترضنا أن هناك إنساناً يأخذ مرتباً جيداً، فإن هذا المرتب لا يُشعر الإنسان بسعادة؛ لأنه أول كل شهر يعرف أنه سيأخذ المرتب الفلاني، لكن لو أنه ذهب ليأخذ المرتب فقالوا له: ومع المرتب نصف شهر مكافأة. فستكون فرحته بالمكافأة أعظم من فرحته بمرتب الشهر؛ لأنه لم يتوقعه، ولذلك يقول الله :) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)؛ لأن فرحة المؤمن بالرزق من حيث لا يحتسب أعظم من فرحته بالرزق الذي يتوقعه. وكذلك على الجانب الآخر لو حصلت مشاجرة بين رجل وجاره فلطمه مثلاً، فإن هذا لا يؤثر فيه مثلما لو حدثت مشاجرة بين الرجل وابنه فلطمه ابنه، فإن هذه تكون أقسى بكثير جداً؛ لأنه لم يتوقعها. فأي شيء لا يتوقعه الإنسان يفت عزم القلب، سواء كان بالخير أو كان بالشر، فلذلك الإنسان الذي يمشي على هذا الطريق يجب أن يتوقع البلاء حتى لا يُصدم. نقول هذا الكلام تنبيهاً على أن الطريق مليء بالعقبات مع عدم وجود المساعد على الخير؛ بل هناك من يحاول إبعادك عن هذا الالتزام، فأنت تتوقع مثل هذه الغربة، وتعلم أنه لا معين لك على الخير؛ فتستعين بالله ﵎ في تنفيذ كل حديث يبلغك عن النبي ﵊، حتى تصبح بعد فترة -إن شاء الله- من المتمرسين على العمل.

стр. 401

حكم القيام لمن دخل مجلساً السؤال ما حكم القيام لمن دخل مجلساً؟ الجواب لا يشرع قيام الجالسين للداخل إلا إذا قصد به الاستقبال، أما أن يقوم مجرد قيام فأكثر العلماء على تحريم ذلك وللإمام النووي ﵀ رسالة في جواز القيام لأهل الفضل، وقد رد عليه كثير من العلماء فيها، فهو يرى جواز القيام لأهل الفضل من باب إنزال الناس منازلهم، لكن نحن عندنا أحاديث صريحة في نهي النبي ﵊ عن القيام، منها: حديث أنس في الصحيح قال: (ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهيته لذلك). فلذلك نوصي إخواننا في الله أن يظلوا على حالهم، أي: لا يقوموا إلا إذا قصدوا الاستقبال، أما أن يكون قياماً مجرداً فهذا مما يُنهى عنه. وقد جاء في تاريخ بغداد للخطيب في ترجمة الإمام الثقة علي بن الجعد: قال علي بن الجعد: دعا أمير المؤمنين المأمون تجار الذهب وناظرهم؛ لأنه كان يريد أن يشتري -يريد أن يرى الأرخص سعراً- قال: فخرج المأمون لقضاء حاجته ثم رجع، فقاموا جميعاً ولم أقم، فلما رأى المأمون ذلك غضب، وقال: أيها الشيخ! ما حملك على ألا تقوم كما قام أصحابك؟ قلت: أجللت أمير المؤمنين لحديث مأثور عن رسول الله ﷺ يمنعنا من القيام. قال: وما ذاك؟ فقلت: حدثني المبارك بن فضالة، عن الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قال: (من سره أن يتمثل الرجال له قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار)، قال: فأبطأ المأمون ساعة، ثم قال: ما ينبغي أن نشتري إلا من هذا الشيخ، قال: فاشترى مني في ذلك اليوم بثلاثين ألف دينار. يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. والبركة دائماً في تنفيذ كلام الرسول ﵊. وهناك شبهة يذكرها البعض في هذا البحث، وهي في قوله ﵊ -كما في حديث معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود وغيره-: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار) قالوا: قوله: (من سره) والسرور أمر قلبي، فكيف يتأتى تنفيذ هذا الحديث وهو متعلق بأمر قلبي؟ والجواب: أن الحكم إذا كان متعلقاً بأمر قلبي فلا بد أن توجد قرينة في الخارج حتى يعلق بها الحكم، والقرينة هنا هي: غضب الرجل إذا لم يقم له الناس، فإذا كان السرور أمراً قلبياً لا نستطيع معرفته، فنحن نعلق الحكم بغضب الرجل، وهذه قرينة ظاهرة يمكن أن يعلق الحكم بها. إذاً: لو أن الرجل غضب إذا لم يُقم له؛ فهذا ممن ينطبق عليه قوله ﵊: (من سره أن يتمثل له الناس قياماً؛ فليتبوأ مقعده من النار)، وتكون القرينة الخارجية التي عُلق بها الحكم هي الغضب الذي ظهر على وجه هذا الرجل؛ إذ أنه لو كان القيام والقعود عنده سواءً لما غضب أبداً، إذاً غضبه دليل على أنه ممن يُسر بذلك. وكذلك سائر الأحاديث التي يكون فيها الحكم متعلقاً بأعمال القلب، ولا سبيل إلى معرفتها، فلا بد من البحث عن قرينة خارجية نعلق بها الحكم، ويكون لها ارتباط بعمل القلب. لكن لو أن الناس قاموا لاستقباله، فهذا جائز؛ بدليل أن فاطمة ﵂ دخلت على النبي ﷺ ، فقام لاستقبالها وأجلسها في مكانه، وكذلك حديث زيد بن ثابت لما قدم على النبي ﵊ فقام فاستقبله والتزمه -أي: اعتنقه-. ومن المسائل التي ينبغي التنبيه عليها أيضاً: مسألة العناق، فإن العناق لا يكون إلا لمن أتى من سفر، أما إذا كنا من أهل الحضر، ونحن نلتقي ولو على فترات متباعدة، فإنه لا يشرع هذا العناق الذي يكون عادةً بين الإخوة؛ لأن النبي ﵊ سئل -كما في سنن الترمذي-: (إذا قابل الرجل أخاه أيقبله؟ قال: لا. أيلتزمه -يعني يعتنقه-؟ قال: لا. أينحني له؟ قال: لا. أيصافحه؟ قال: نعم). فلا يشرع في هذا كله إلا المصافحة، أما العناق والالتزام فلا يكون إلا للقادم من سفر، كما جاء في حديث زيد بن ثابت الذي حسنه الإمام الترمذي: (أن الرسول ﵊ لما جاء زيد المدينة قام إليه واعتنقه)، وحديث جابر بن عبد الله الأنصاري الذي رواه الإمام أحمد وغيره، لما بلغه أن عبد الله بن أنيس عنده حديث لم يسمعه من النبي ﵊، فابتاع جابر بعيراً وسار عليه شهراً، حتى وصل إليه، فقال للغلام: قل له: جابر. فقال عبد الله بن أنيس: ابن عبد الله؟! فقال له: نعم، قال: فخرج فاعتنقني -أو قال: فالتزمني- وقال: ما جاء بك؟ قلت: حديث بلغني عنك إلى آخر الحديث. فهذا الصحابي الجليل عانق أخاه بعد القدوم من سفر، أما ما يحدث بين الإخوة من التقبيل -وبالذات قبلة الخد- فهذا أمر عجيب جداً! إنما التقبيل الذي ورد في الأحاديث هو التقبيل في الجبهة، أي: ما بين العينين، هذا هو الذي يشرع دون غيره.

стр. 402

ابن تيمية إن الناظر في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وما وهبه الله من العلم، والحجج والبراهين في دحض شبه أهل الأديان السماوية وأهل البدع من أهل الملة ليجد أن كل من أتى من العلماء بعده عيال عليه. فهم يستمدون من علمه، ويلتمسون من سمته وهديه وأدبه وحسن مناظرته لأهل البدع، ولا يجدون ردوداً أقوى من ردود ابن تيمية ﵀، كما ضرب أروع الأمثلة لأهل الابتلاء ممن سجنوا وعذبوا فقد سطر لهم عناوين السعادة، وعبارات الشهادة، وألفاظ السيادة في الدنيا والآخرة، فرحمه الله من مجدد لمجد الإسلام رحمة واسعة.

стр. 403

الرضا بقضاء الله وقدره إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. فمن أعظم الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو: رضاه بقضاء الله ، أكثر الناس يصبر على القضاء، لكن أقلهم يرضى، لذلك قال العلماء: الصبر على القضاء واجب، والرضا به مستحب، وكان من دعاء النبي ﵌: (وأسألك الرضا بعد القضاء) وأنه لا يرضى عن الشيء الذي يكرهه إلا الأفذاذ من الناس، أين هذا النوع في الناس؟ يبتلى بضد ما يكره فيبتهل إلى الله شكراً، تستوي عنده النعمة ويستوي عنده الضر، أقل الناس هم الذين يصبرون على البلاء. الذي ينظر إلى حياة شيخ الإسلام ﵀ تراه كان يرضى بالحبس إذا خير ولا يهاجر في الله ﵎، موقفه مع غازان موقف مشرف، موقف العالم الثبت، لما قدَّم غازان للعلماء طعاماً أكلوا وأبى شيخ الإسلام ﵀ أن يأكل، فقال له غازان: لِمَ لم تأكل؟ قال: وكيف آكل وهذا مما نهبتموه من أموال الناس، وطبختموه على ما قطعتموه من شجر الناس؟! لذلك نحن الآن نتكلم عنه: أين خصومه؟ أكاد أقطع أنه لا يوجد فيكم إلا القليل ممن يعلم خصوم ابن تيمية، من يعرف ابن الزملكاني أو ابن الوكيل، أو نصر المنبجي أو تقي الدين السبكي؟ ربما تعرفون أبا حيان النحوي صاحب البحر المحيط، وتاج الدين السبكي عبد الوهاب بن تقي الدين، وابن مخلوف ذاك الشيطان -كما يصفه الشوكاني - رجل مصاص للدماء، ومن عيوب المذهب المالكي التوسع في القتل تعزيراً، يعني: يجوز للسلطان أن يعزر، وتعزيره يصل إلى القتل، فيتوسعون في إهدار الدماء تعزيراً، وكان ابن مخلوف يتوسع في هذا جداً. كل هؤلاء كانوا علماء ولهم مصنفات، ولكن أين ذكرهم الآن؟ شيخ الإسلام ﵀ من وقت ما ظهرت إمامته سنة (٦٩٨هـ) عند أول محنة، في العقيدة الحموية الكبرى، وهو مثار جدل عريض إلى هذه الساعة، وهو صاحب فضلٍ على كل الحركات الإسلامية المعاصرة الآن، والكل يأخذ من كتبه وإنما يأخذ من بحر. فهذا هو الذكر الحسن الذي لا يجعله الله إلا لمخلص، الذي يقرأ سيرة شيخ الإسلام يشعر بالرضا في تصرفاته، ما نقم، آخر مرة أخذوه في قلعة دمشق فقال قولته التي صارت مثلاً يتمثل به الدعاة المضطهدون، قال: (ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما حللت فهي معي -جنته وبستانه: الكتاب والسنة، هي معه أينما حل- إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني من بلدي فسياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة) هو على أي وجهٍ راضٍ، ويرى أنه يؤدي واجبه، وفي أي وجهةٍ يوجهونه يذهب إلى الله ﵎، قتلوه شهادة، حبسوه خلوة، نفوه عن بلده سياحة. فقد وظف كل حياته لله ﵎، ترى فيه قوله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] كل حياته له، لذلك ما ضره التشريد، وما ثناه عن رأيه يوماً ما، والله ﵎ حما هذا الدين بهؤلاء العلماء، ولو داهن العلماء في كل جيلٍ ما وصل إلينا العلم والدين. إن الكتب التي صنفت في بيان معاني القرآن والسنة لو وضعت إلى جنب بعض لغطت الكرة الأرضية؛ كل هذا لبيان معاني الكتاب والسنة أي دينٍ أعظم من ديننا؟! وهل هناك أتباع دينٍ خدموا دينهم كأتباع ديننا من العلماء؟ أبداً. المطبوع الآن من الكتب لا يساوي ثلث الذي لم يطبع، ناهيك عن الذي وضعه التتار في نهر دجلة والفرات، وأرادوا أن يعبروا النهر فردموه بالكتب، فجعلوا الكتب قنطرة حتى اسود ماء الفرات ثلاثة أيام، ما استطاع أحد أن يشرب شربة ماء من الفرات، الجزئية الواحدة يصنفونها جزئيات، وكل جزئية فيها كتب، وذلك لوضع ضوابط لفهم الكتاب والسنة، وكان من أعظم من أبلى البلاء الحسن في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قال الذهبي ﵀: مصنفاته خمسمائة مجلد تفنى الأعمار في كتابتها فقط، فضلاً عن تصنيفها وتأليفها. أين وجدوا الوقت للتصنيف، والوقت للدعوة، والوقت للمناظرات، والوقت لقضاء حاجات العوام؟ تأسف الفقراء جداً لموت شيخ الإسلام في دمشق؛ لأنه كان ينفعهم ويعينهم، وكان كثير الجلوس إليهم، وقال مترجموه: قلما وجد في مجلس الأغنياء أو مجالس السلطان. يقول: (ماذا يفعل أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما حللت فهي معي) يشعر بالرضا، ويزيد على الشعور عندما أغلقوا عليه باب القلعة، ودخل ونظر إلى سورها العالي، ثم قال: (والله لقد أنعموا عليَّ بنعمةٍ ما أستطيع أن أوفيهم شكرها، ثم تلا قوله ﵎: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد:١٣] ما كان أسرع انتزاعه للآية الدالة على المعاني! يقول الإمام الذهبي ﵀ في ترجمته: كان عجباً في انتزاع الآيات، حتى كأنما وضع القرآن بين عينيه، وكان الكبراء يقلبون أيديهم ورءوسهم دهشةً لما يأتي به من المعاني. وهنا احتجاجه بهذه الآية احتجاج حقيقي لا يعرفه إلا كل سجين في الله، وأقول: (في الله) أنه لا يشعر بهذه إلا المبتلون في الله : ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد:١٣] الذي هو سور السجن، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ [الحديد:١٣]. إياك أن تتصور أن الذي سجن في الله معذب أو متعب، هو أنعم قلباً منك، ربما أنت وليه محتار، تبحث عن تصريح زيارة، وتبحث عن مال لتجهيز أكل، وتبحث عن مواصلة لتذهب إلى السجن، فهو عذاب بالنسبة للذي في الخارج، لا يكاد يذهب إلا ويهيئ نفسه من جديد للزيارة القادمة، لكنه يراجع ورده، أو يحفظ الذي لم يحفظه، أو يتلو في الكتاب، أو يقرأ في السنة فهي رحمات.

стр. 404

ابن تيمية وقولته المشهورة في قلعة دمشق

стр. 405

الحويني ومعايشته لكرامات الدعاة المسجونين الذي عاين السجن في الله ﵎ يرى الكرامات، والله لقد رأيت بعينيَّ أشياء أحكي لكم بعضها:

стр. 406

رجل يسحب بالفرس وهو يقرأ القرآن الذين عاينوا السجن قديماً في الستينيات لهم مواقف أشد مرارة، يأتي أحد النواب المصريين في كتابٍ له اسمه الطريق إلى المنصة يقول: وهذا الرجل كان الذراع الأيمن للمشير عبد الحكيم عامر، إذا أراد المشير أن ينام مع امرأة يذهب إلى باريس فيأتي له بغرفة النوم -يعني: رجل من أوليائه- وكان صلاح نصر آنذاك يصور المشير عارياً مع المرأة، وهو صديقه الحميم، لعله يحتاج إليها في يوم من الأيام لا يوجد في قواميس هؤلاء معنى للوفاء ولا للصداقة. المهم: فقد صلاح نصر الصور: أين ذهبت؟ صار خائفاً أن ينكشف أمره. فسام كل الذين من حوله من أصفيائه وأوليائه سوء العذاب بحثاً عن هذه الصور. يقول الرجل: وفي الساعة الثالثة من الليل هجموا على البيت، فأخذوني وقالوا: أين الصور؟ قلت: أي صور؟! والله ما أعلم شيئاً. قالوا: لا، أخرج الصور. قال: وعلقوني كالذبيحة، وعشت أياماً لا شمس لها ولا قمر، لا يسمع عنها الزمان! ودخل مع الإخوان آنذاك، قال: رأيت بعيني منظراً لا أنساه، رجل عمره يزيد على الستين! عجوز! أخذوه وربطوا يديه ورجليه، ثم ربطوه في ذيل الفرس، وعاد الفرس هارباً، فيستحثون الفرس على الجري فيجري والرجل يجرجر على الأرض، ظل في دوران مدة نصف ساعة، فلما انتهى هذا الشوط من التعذيب أصبح الرجل كأنه نصب أحمر من كثرة الدماء. قال راوي القصة: المدهش أن الرجل جاء ينطق بالشهادة ويقول: الحمد لله، أنهيت وردي! كيف لهذا الرجل أن يقرأ وهو يعذب؟ من الذي ثبت فيه العقل، أو ثبت فيه قوة القلب؟! إياك أن تتصور أن حياة المبتلى في الله حياة ضنك لا والله! إن النبي ﵌ قال: (إن الشهيد لا يشعر بوقع القتل إلا كما يشعر أحدكم بالقرصة) عندما تطير عنقه لا يشعر بشيء، وهو أول القربات، قرصة واحدة وانتهى الأمر. وهذا مشاهد، أحياناً الإنسان وهو يعمل عملاً فيه مكسب بدني ممكن تقطع يده أو عنقه وهو لا يدري إلا بعد ذلك، الصبر على القضاء واجب، لكن الرضا به مستحب، ولا يرضى إلا المؤمنون حقاً.

стр. 407

رجل عنده قرحة فأذهبها الله عنه في سنة (١٩٨١م) كان هناك رجل عنده قرحة شديدة في المعدة، وكان يهيئ نفسه لعملية جراحية لقص جزء من المعدة؛ لأن الأكل كان عبارة عن شيء من العذاب بالنسبة له، فلما دخل وكان معه بعض أكياس للحموضة لا يستطيع أن يأكل إلا بها، وقد أخذوا ماله وأخرجوه، فلما كان الكيس الأخير لا أنسى منظره أبداً وهو يمر على إخوانه ويسألهم أن يدعوا الله له في السجود أن يرفق به في الأكلة القادمة؛ لأنه إذا أكل كأن ناراً تشتعل في معدته. فطعام السجن وخبزه كلها حموضة: فول! وعدس! وجاءت الوجبة التي يخاف منها، فأكل نزراً يسيراً وقام جائعاً، ولم يشعر بتعب، وفي العشاء أكل لكنه كان جائعاً؛ فأكل وزاد في أكله، وظل ساهراً ينتظر الألم لعله يأتي فجأة! لكنه لم يجد ألماً، وفي اليوم الثاني أَكَل أكلاً عادياً ولم يشعر بشيء، فظل سنة وأربعة أشهر يأكل، حتى فتحت الزيارات فسأله أهله: أتحتاج إلى دواء؟ قال لهم: رفع الله المرض! وأكل كل شيء. أين ذهب المرض؟ إن الله ﵎ لا يترك عباده المتقين يتخطفون في الأرض، لا بد أن تظهر الآيات إن الله لا يترك عبده إذا غُلب يظهر له المعجزة. الشيطان الرجيم يبدل نظر المرء بالنسبة للمرأة -وهو مخلوق- قال ﷺ : (إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان) ما معنى صورة شيطان؟ هل المرأة تتحول إلى شيطان؟ لا، إنما وصلت القدرة للشياطين أنها تزين هذه المرأة القبيحة للرجل، فيراها أجمل النساء، حتى إذا واقعها رآها على حقيقتها. فالله ﵎ رفع عن هذا الرجل المرض، فلما صار بإمكانه أن يأتي بالدواء رجع إليه، مصداقاً لقوله ﵌: (إن المعونة على قدر المئونة) المعونة تكون على قدر المشقة.

стр. 408

قشر البرتقال وحلاوته في السجن مثال آخر عايشته بنفسي، قال لنا أحد العلماء: لماذا تقشرون البرتقال؟ هذا تبذير! فقلت له: وكيف تأكل القشرة يا مولانا؟ قال: نحن في سجن، والقشر هذا يشغل حيزاً في المعدة، فلا ينبغي أن نضيعه، فأكل البرتقال مباشرة، وأنا أنظر للرجل متعجباً! قال لي: جرِّب. قلت: لا أستطيع. قال: جرِّب. فأكلتها بقشرها، والله الذي لا إله غيره كأن القشرة أشد حلاوةً من البرتقال! وظللت على هذا أربعة أشهر، فلما خرجت قلت لبعض إخوتي: نحن نتصرف تصرفاً فيه رعونة: لماذا نقشر البرتقال، إن قشرته جميلة؟ فقالوا لي: هل جرى لعقلك شيء؟ قلت: والله كان القشر أعظم حلاوة من البرتقال! أعطني برتقالة، فقضمت قضمة واحدة ثم تركتها، ما استطعت أن أبلعها.

стр. 409

العلماء ومسئولية الدعوة إلى الله ومقارعة أهل الزيغ والفساد ينبغي ألا يفرط المرء في دينه بمجرد أن يعايش شيئاً من الإرهاص في الدنيا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] وهذا من الحمق، وقلة الصبر، وضعف القلب كيف يجعل إيذاء الناس كعذاب الله؟! ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:٢٥ - ٢٦]، فكيف تسوي بين هذا وبين عذاب الناس؟ لكن القوة قوة القلب، والضعف ضعف القلب. الدعاة إلى الله ﵎ إذا فرطوا ظهر كل خبث في الأرض، إن كل البدع الموجودة الآن بسبب سكوت العلماء، ماذا يطلبون؟ ماذا يريدون؟ يريدون مالاً؟ ضعف الأزهر يوم صار شيخه بالتعيين من قبل الحكومة، وكان قديماً قوياً؛ لأن الذي كان يعين شيخ الأزهر وينتخبه هم العلماء، وذهبت الأوقاف لما ذهبت أوقافها، واستذل العلماء بلقمة عيش؛ فصار أحدهم لا يستطيع أن يجهر بكلمة الحق. وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها لذلك إذا وجدت العلماء عندهم جرأة على إقامة الحق؛ تختفي الخفافيش، لكن إذا رأيتهم يهاجرون، تنتهك أعراض الأمة وهم سكوت، وتعتلي القلة القليلة على الكثرة الكاثرة، ولا يظهر على الساحة إلا من يقول بالسماحة، والإسلام دين السماحة، كأن الإنسان عاجز عن تأديب المخالفين، هو يقول: الإسلام دين السماحة ولا يظهر إلا هذا، حتى ظهر الأمر في المرجئة بأقبح وجهٍ في هذا العصر. الآن خطباء المساجد منعوا أن يتكلموا عن النار وعذابها وحيَّاتها وعقاربها، يقول لك: يا أخي! الرسول ﷺ يقول: (بشروا ولا تنفروا) فإذا ذكرت رجلاً عاصياً بعذاب الله نفرته، أي تنفيرٍ في هذا؟ إذاً: رب العزة نفر الناس من الدين! عندما ذكر عذاب النار ولهيبها وشدة اضطرامها! النبي ﵊ نفر الناس من الدين، عندما قال لهم -وقد سمع الصحابة صوتاً، أي: ارتطام حجر بالأرض-: (هذا حجر ألقي من أعلى النار منذ ألف عام، فما وصل إلى قعرها إلا الآن). وعندما يتكلم النبي ﵊ عن الغسلين والزقوم كان ينفر الناس من الدين! نفترض أننا نتكلم عن الجنة، وأن كل الناس سوف يدخلون الجنة، ولن يدخل النار أحد -حتى النصارى، وجد في المسلمين من يكتب كتاباً أن اليهود والنصارى في الجنة، وأنهم من المؤمنين، وجد هذا وطبع ونشر، وقبل أن ينشر في كتاب نشر على صفحات صحيفة الأخبار سنة (٧٦) م-. فإذا وصل الحال إلى هذا التردي، ولا يميز الذين آمنوا من الذين كفروا، ولا بد أن يستخفي الذين آمنوا إذا حصلت شبهة مع الذين كفروا! فمتى يقام لله ﵎ دين في الأرض؟ لا يمكن أن يمكن لنا ديننا، إن الله ﵎ لا يحابي أحداً، لسنا أعز عليه من اليهود والنصارى إذا كنا مثلهم: ليس بين الله وبين أحدٍ من عباده نسب إلا التقوى والعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ﴾ [النور:٥٥] ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] (أقاموا الصلاة) فإذا كان لا يصلي في الأرض كيف يُمكن له؟ لذلك كان قيام شيخ الإسلام ابن تيمية -والمخلصون من أصحابه- كان له أكبر الأثر في دخول خفافيش أهل البدع في جحورها، وما طائفة الرفاعية عنا ببعيد؛ الرفاعية الذين يتعاملون مع الثعابين، ويأكلون الزجاج، ويدخلون النار في أفواههم، ويدخل السيخ في بطن أحدهم فيخرج من ظهره. أغلب الناس بسطاء ينخدع بهذا ويظن أنه من علامة الولاية، وهذا من الخطأ المتفشي عند العوام: أنهم يجعلون الولاية مجرد الخارقة، وهناك فرق بين الأشياء الخارقة وبين الكرامات، فشيخ الإسلام ابن تيمية عندما رأى مثل هذا الأمر وهاله ذلك، والناس من أتباعهم كل يوم يكفرون، وقف لهم، وبين عورهم، وأنهم مخالفون للكتاب والسنة عقيدةً وفقهاً؛ ولأن الرجل كنا نحسب فيه الإخلاص كان كلامه عليه نور وفيه حرارة؛ فأثر هذا فيهم. وشكوه إلى السلطان وقالوا: ابن تيمية يتكلم في الأولياء، فقال شيخ الإسلام: ما هم بأولياء إنما هم مبتدعة، فجمعهم السلطان بعد مظاهرة منهم، وحصلت مناظرة بين شيخ الطريقة وبين شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الظفر لشيخ الإسلام ابن تيمية كالعادة في كل مناظراته -وكان في المناظرة كما يقول الذهبي: كأنه ليث حرب، ونار تحرق في المناظرة، قوي الحجة-. قال السلطان: ولكنهم لا يفعلون ذلك إلا بتغيير، أي: الرجل يأكل النار، ويضع السيخ في بطنه ويخرج من ظهره، ويأكل الزجاج، وهم بشر مثلنا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنا وهم ندخل هذه النار، بشرط أن نغسل أجسامنا بماء الخل، فإنهم يدهنون أجسامهم بدهن الضفدع وذكر أشياء هم يفعلونها، قال: سأغسل جسمي بالخل، وهم كذلك يغسلون أجسامهم بالخل، وندخل جميعاً النار، فمن احترق فعليه لعنة الله، وجعل يشد الرجل ويقول له: قم بنا ندخل النار، فمن احترق فعليه لعنة الله. فلما رأى السلطان جرأة شيخ الإسلام والرجل الصوفي مرتعداً، والحق أصبح واضحاً أبطل هذه الطريقة، ورفع منار دعوة شيخ الإسلام ﵀، فلما سئل شيخ الإسلام بعد ذلك عن دخول النار، وأنه لا يجوز لعبد أن يدخل النار مختاراً، وكيف لو قام الرجل ودخلها؟ فقال شيخ الإسلام ﵀: كنت أعلم أنني لو دخلتها لوجدتها كنار إبراهيم ﵇ لقوة رجائه في الله، فقوة الرجاء في الله وصدق اليقين يحرك الحجر. وما قصة جريج عنا ببعيد: لما خرج عن قومه وهجرهم، وبنى له صومعة خارج البلد يتعبد فيها، وقد انقطع عن الناس، ولم يجعل للصومعة سلماً حتى لا يصعد إليه أحد فكان إذا أراد أن ينزل نزل بحبل وتركه حتى يقضي حاجته ثم يتسلق بالحبل، وبعدها يشد الحبل، حتى لا يخالط أحداً. فكانت أمه كل عدة أيام تذهب إليه وتنادي عليه، تريد أن تراه، فوافته يوماً وهو يصلي، فجعلت تقول: يا جريج! أجبني -ووضع النبي ﷺ يده على حاجبه يمثل أم جريج عند دعائها لولدها- فصادف أن كان جريج يصلي، وسمع دعاء أمه، فقال في نفسه: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي؟ يعني: أجيب أمي أو أكمل صلاتي، فاختار صلاته على دعوة أمه، ورجعت الأم مشتاقة لولدها لم تره. ولما جاءت في اليوم الثاني ونادت: يا جريج! أجبني. صادفته وهو يصلي، فقال: رب! أمي وصلاتي، أمي وصلاتي؟ فاختار صلاته على دعوة أمه. وفي اليوم الثالث جاءت أيضاً فنادت: يا جريج! أجبني. فصادفته وهو يصلي: فاختار صلاته؛ فدعت عليه: ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات اللواتي فر منهن، فر من فتنة النساء، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه اللواتي فر منهن. تحدث الناس -وإذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه- عن عبادة جريج ما أعجبه! كيف له صبر أن ينقطع عن الناس؟ وكيف له صبر أن يتعبد كل هذه العبادة؟! فقالت امرأة بغي: إن شئتم لأفتننه لكم، قالوا لها: قد شئنا. فذهبت المرأة وتعرضت لـ جريج فلم يلتفت إليها، فمكنت منها راعي غنم كان يأوي إلى ظل الصومعة ليرعى غنمه، فحملت المرأة وصارت تمشي، وأصبح جميع الناس يعلمون أن هذه المرأة حامل من جريج، وقالت: فتنته لكم، وهذا الولد منه. تركوا المرأة لما ولدت، وهنا جاءت فرصة اليهود، وأدركتهم الغيرة على الشرع والدين، كل شخص أخذ الفأس وذهبوا إلى جريج، وهم الذين قالوا للبغي: إن شئت فتنته. العابد جريج يصلي وإذا به يفاجأ بأصوات تكسير! فقطع صلاته ونظر، فإذا بهم يكسرون الصومعة من تحته، سيهدمونها عليه، قال: ما الخطب؟ قالوا: انزل يا فاجر! أحبلت المرأة؟! كنا نظنك أعبدنا. فدلى الحبل ونزل، فأوسعوه لكماً وضرباً: يا فاجر! يا داعر! نسأل الله ﵎ أن يستر علينا خطيئاتنا يوم القيامة، فإن منا من يظهر النسك ويوم القيامة يكون فاجراً يتفرج عليه عباد الله، كما قال ﷺ : (يؤتى بالعالم يوم القيامة فيقذف في النار، فيدور حول أمعائه -لأنها تندلق من دبره- ويدور حولها كما يدور الحمار في الرحى، فيقول أهل النار: يا فلان! أو لم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) شيء فظيع! كل الناس وقعوا في صفين يتفرجون على جريج، ومن اللواتي وقفن على قارعة الطريق المومسات، فلما رآهن جريج -وقد كتفوه ليقيموا عليه الحد، فهذه النخبة اليهودية تدعي الورع اليهودي الكاذب- تبسم. فاندهش الناس؛ لأن هذا ليس وقت تبسم، هذا وقت إرهاص واضطراب. فقالوا له: مم تضحك؟ قال: أدركتني دعوة أمي -ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات- وذهبوا به إلى ملك القرية، وقد ورد في بعض طرق الحديث أن المرأة الزانية هي بنت الملك، فيا للعجب! يعني: ابنته زانية وتركها، ويريد أن يقيم على الزاني -بزعمهم- الحد! هلا أقمت الحد على المرأة أيضاً؟ ويحك يا جريج! كنا نظنك أعبدنا فأحبلت المرأة! قال: دعوني أصلي ركعتين -كل إنسان إذا اضطر ليس له إلا الله- صلى ركعتين، ثم قال: أين الغلام؟ جيء بالغلام الرضيع وهو ابن يومين أو ثلاثة، فأخذه فنخسه في جنبه بإصبعه، وقال: من أبوك يا غلام؟! فقال الغلام: الراعي. ونطق وهو ابن يومين أو ثلاثة! هل جرت العادة أن ينطق الطفل وهو ابن يومين أو ثلاثة من لدن آدم ﵇ إلى زمان جريج؟ لا ما جرت العادة بذلك، لكن صدق رجاؤه في الله فأنطق الغلام، وليس الذي عاين الخبر كالذي سمعه. لذلك يقول

стр. 410

الناس تجاه البلاء معادن الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. الناس أمام البلاء معادن، منهم من يدخل البلاء فيخرج وهو أكثر صلابة وقوة، ومنهم من إذا دخل احترق، والفرق بين هذا وذاك: ما عند هذا من اليقين والصدق، وخلو ذاك من هذا اليقين والصدق. فهذا خباب بن الأرت ﵁ -وهو ممن ابتلي في الله أشد البلاء- كان جالساً مع عمر بن الخطاب ﵁ -وعمر أمير المؤمنين- فقال عمر: ما هناك أحدٌ أحق بهذا المجلس من بلال -أي: ليس هناك أحد أحق أن يكون خليفة المؤمنين لبلائه في الله ﵎ من بلال -. فكشف خباب عن ظهره، وقال: انظر يا أمير المؤمنين! فبهت عمر لما رأى ظهر خباب وقال: ما هذا؟ قال: أشعلوا لي ناراً عظيمة وساوموني على ترك دين محمد ﷺ فما أطفأ النار إلا ودك ظهري. ابتلي في الله أشد البلاء وصبر، وكانت العاقبة له، كما كانت لسائر المؤمنين، هؤلاء لا يجعلون عذاب الله كعذاب الناس أبداً. ويقول خباب ﵁: (جئت إلى النبي ﷺ وهو متوسد ببردةٍ في ظل الكعبة. فقلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ فاحمر وجهه ﵊، وكان متكئاً فجلس، وقال: قد كان من كان قبلكم يؤتى بالرجل، فتحفر له حفرة، وينشر بالمنشار نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعصبة ولا يرده ذلك عن دينه). أي إنسان مهما بلغت درجة إيمانه يحتاج إلى مثل هذا التسلي، الرسل -وأعظمهم نبينا ﵊ أنزل الله قصص الأولين عليه ليسليه رغم قوة إيمانه، ولما حدثت موقعة بدر ودعا النبي ﷺ ، وبالغ في رفع يديه حتى سقط برده من على منكبيه، وهو يقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فيقول أبو بكر ﵁ -وقد أمسك بكتفه ﵊: يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، إنه منجز لك ما وعدك) يستصرخ يريد النصر وهو رسول الله ﷺ ! فأي إنسان مهما بلغ إيمانه يحتاج إلى التسلي، يحتاج إلى ضرب المثل له ليعلم أنه ليس على طريق البلاء وحده. وها هو الإمام مالك يجلده أمير المدينة بأمر من أبي جعفر المنصور بسبب فتوى يفتيها ورأي يتبناه، ويموت أبو حنيفة في الحبس، ويحبس الإمام أحمد سنتين، وجلد في يوم الإثنين وهو صائم حتى أغمي عليه ثلاث مرات، ويقولون له: أفطر. فيأبى أن يفطر، والمجلود يحتاج إلى شربة ماء، وقُيد الإمام الشافعي وجلد بالجريد وهو مقيد، تهون عليك نفسك فلا تغتر، وتقول: لا. أنا إمام متبوع، أو أنا رجل له ذكر، أو أنا رجل فاهم، ولكن إنما أنا منتسب إلى العلم بسبب تقول هذا، فتهون عليك نفسك، ولذلك نهاية التسلي الاغتباط، الذي يتسلى فيستحضر ما جرى للمؤمنين قبله يغتبط، وهو الرضا بالقضاء. إذاً: سبيل الرضا بالقضاء استحضار قصص السالفين من الأنبياء والمرسلين، وسائر أوليائهم وأتباعهم، إذا تذكرت ذلك اغتبطت وشعرت ببرد الرضا، ومن هنا كان النبي ﷺ يدعو بهذه الدعوة: (أسألك الرضا بعد القضاء). إن عائشة ﵂ وهي من هي إيماناً وثقة وزهداً وقرباً، لما حدثت حادثة الإفك، فقالت: (فظللت يوماً وليلة أبكي حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، قالت: فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فدخلت فأذنت لها، فدخلت تبكي معي). هذا هو التسلي، عندما يمرض الإنسان وينقطع الناس عنه يشعر بالذل، هذا هو الذل، لا يسأل عنه أحد، أين خدماتي؟ أين عمري أهديته لفلان وعلان، أين أين؟ ماذا كنت تفعل لله؟ لذلك يشعر المرء بذل إذا انقطع العوَّاد، لكن إذا تتابع الناس عليه لا يشعر بالذل، ولذلك قالت الخنساء لما مات أخوها صخر: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي إنها تراعي أن كل إنسان يبكي فهو يشاطرها المصيبة، فتهون مصيبتها عليها. كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) بالصبر: لأن هذا البلاء لا ينفك عن الدعاء إلى الله ، مصداقاً لقول ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : (ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي)، إذاً: العداء ملازم لدعوة الأنبياء، فيحتاج إلى الصبر على الناس والصبر على العذاب، واليقين: أن الله لن يخذلنا ((وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) [القصص:٨٣] هذا هو الذي يوصلك، وهذا كان الظاهر جداً في حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ﵎. نسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا والحمد لله رب العالمين.

стр. 411

أدب الحوار عند ابن تيمية إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. من الدروس المستفادة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: معرفة أدب الحوار. فإن شيخ الإسلام ﵀ بعدما ظهر عليه النضوج صارت حياته كلها معارك في كل الجهات، ولا شك أن هذه المعارك تخرج المرء عن حلمه أحياناً لصلابة المعارض، فأحياناً لا تستطيع أن تتحمل طريقة جدال الإنسان الذي أمامك، فتغضب عليه فتخرج منك عبارات نابية، وهذا لا يصدر عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، يقول في بعض المناظرات لخصومه: أنا أعلم كل بدعةٍ في الإسلام وأول من ابتدعها؛ وذلك لعنايته الفائقة؛ لأن هذا يحتاج إليه في الرد، فهناك بدع قد لا تحتمل الصبر عليها، ومع ذلك تجد أن التزامه بالحوار العلمي الهادئ شيء عجيب. كان معه مرة غلام يتحدثون حول التكفير، ثم تطرق الكلام على تكفير الحاجب، وجاء الدور في الاستدلال بقول ابن عباس الصحيح عنه (كفرٌ دون كفر). فقال هذا الغلام: ابن عباس رجل وأنا رجل، أي: نحن الآن في ميدان البحث العلمي الحر، فـ ابن عباس كما أنه رجل فأنا رجل، وكما أنه مخاطب بأدلة الشريعة فأنا أيضاً مخاطب بأدلة الشريعة، وأنا رجل لي اجتهادي ورأيي، فلا تحتج لي بقول ابن عباس. وهذا أصل من أصول هذه الجماعة: أن قول الصحابي ليس بحجة؛ لأن قول الصحابي إذا كان ليس بحجة فلم يبق إلا الكتاب والسنة، لكن بفهم من إذاً ندخل على الكتاب والسنة؟ بفهمي وبفهمك وفهم (س) و (ص) و (ل) و (ع) و (ض) و (خ) بفهم كل هؤلاء ندخل على الكتاب والسنة، ولو اختلفت أنا وأنت و (س) و (ص) و (ل) و (ع) أليس ينبغي أن يكون هناك حاكمٌ نرجع إليه عند الاختلاف؟ سيقول لي: الله والرسول ﷺ ، نحن لسنا مختلفين في هذا، لكن أنا معي حديث وأنت معك حديث، وأنا احتججت بآية من القرآن، وأنت احتججت بآية، فمن الذي يفصل في المسألة؟ فتركوا فهم الصحابي هذا الأصل الذي انبثقت ثلاثة أرباع البدع بسبب إهماله وتركه، وإنما تركوا عمل الصحابة أو فهمهم لأدلة الكتاب والسنة عمداً. فيقول إذاً: أنا متعبد بالكتاب والسنة، وهو متعبد كذلك أي: نعم، والأمي الجاهل متعبد أيضاً، فكم رجل جاهل أمي أحسن منه في الاستدلال! ذهب مرة ثلاثة منهم يسألون عن زميلهم، وزميلهم يعرف قرية من قرى دمياط، فدخلوا وسألههم أبوه: تفضلوا، حتى يأتي، فدخلوا، فقدم لهم أكلاً، وبعدما أكلوا كسروا الأطباق وكسروا الملاعق، فدخل الرجل فرأى أمامه كأنه أمام هناك معركة حربية، وأشلاء المعركة موجودة، والأثاث مكسر كله، ما هذا يا جماعة؟ قالوا له: هذه الحاجات لم تكن موجودة في عصر النبي ﷺ . فكان أذكى وأفضل منهم في الاستدلال، فعندما يأتي هو ويقول: إن ابن عباس رجل وأنا رجل، فقال بعض أصحابي في رد لطيف عليهم: طيب، خليك رجل وهو رجل، لكن تميز ابن عباس عنك أن الرسول ﵊ قال: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل) فأنت من دعا لك؟! هذا معه دعوة الرسول ﵊، وأنت ماذا معك؟ فيقوم هذا الغلام يماري ويقول لك: وما أدراك أن دعوة الرسول استجيبت؟ فأنكر عليه إخوته هذا الكلام، فعندما تجد شخصاً يقول مثل هذا الكلام ممكن تفقد أعصابك وأنت تكلمه، فشيخ الإسلام ابن تيمية كان يناظره أناس بأقوال لا يقولها الشيطان الرجيم، وكان يرد عليهم وهو واسع الصدر حليم، مع الحدة التي كانت تعتريه لكن في الله، حتى إن الذهبي ﵀ قال: لو لان لخصومه لكان كلمة إجماع، فخصومه معترفون أنه بحر لا ساحل له، هو يغرف من البحر وهم يغرفون من السواحل انظر إلى التعبير! ومن خصومه: ابن الزملكاني نفسه، أول ما رأى ابن تيمية أنشد ثلاثة أبيات على البديهة لترفع ابن تيمية إلى مصاف العلم والمجتهدين، وقال ابن الزملكاني -الذي هو عدوه اللدود-: اكتملت في ابن تيمية كل آلات الاجتهاد على وزنها. وأبو حيان النحوي صاحب البحر المحيط في التفسير والنحو كان في النحو واللغة أشهر من نار على علم، كان يتمنى أن يرى ابن تيمية، فلما رأى ابن تيمية أنشد أبيات شعر وترحيب بـ ابن تيمية أيضاً على البديهة، وظل ابن تيمية هو الإمام الأوحد؛ حتى حصلت مناقشة بين ابن تيمية وبين أبي حيان في النحو. فلما حصل خلاف في جزئية من النحو، قال أبو حيان: قال بها سيبويه. أي: كيف ترد على سيبويه؟! وسيبويه أشهر إمام نحو بصري، وكان هناك مدرستان: مدرسة بالكوفة على رأسها في ذلك الوقت الكوفي علي بن حزم صاحب القراءات السبع، وكان سيبويه في البصرة. فلما قال له: قال بها سيبويه! قال له: ما كان سيبويه نبي النحو -يعني: سيبويه ليس معصوماً من الخطأ- ولقد أخطأ في ثمانين موضعاً في كتابه أنت لا تعرفها، فكان ذلك سبباً في وقوع الوحشة بينهما، فكان أبو حيان يذكره بكل سوء في كل مجلس بعدما كان البارحة يمدحه ويثني عليه، وهكذا حسد المعاصرة داء من أعظم الأدواء المانعة لوصول الحق، كل شخص يريد أن يكون هو الإمام، ويريد أن يأتي الحق عن طريقه؛ حتى يقال ويشار إليه بالبنان، هو الذي قرر المسألة، وأبرز الحق، وهذا كله مناف للإخلاص وتجريده لله سبحانه. ولذلك صدق الإمام الشافعي ﵀ لما قال: ما ناظرت أحداً على الغلبة -لم أناظره لكي أغلبه- وما ناظرت أحداً فوددت أن يهزم، بل رجوت أن يظهر الله الحق على لسانه. هذا هو شأن العلماء، المهم: ظهور الحق للناس، أما أن يظهر على يد فلان أو علان فهذه مسألة جزئية لا ينبغي للعالم المخلص أن ينتظرها، لأنها جزء من حظ النفس، وهو حظ الشيطان من العلقة الموجودة في قلب ابن آدم. فشيخ الإسلام ابن تيمية كان الكل معترف بجلالته، وكان يأخذ كلام أهل البدع من كتبهم، وهذا أقوى في إقامة الحجة. وهذا ابن حزم كان على الأشاعرة نار تحرق وبحر يغرق، كان يصلي الأشاعرة بالنار، لكنهم دخلوا عليه؛ لأنه أخذ فكر الأشاعرة من أناس ينقلون عن الأشاعرة، لم يأخذ فكر الأشاعرة من كتبهم -من أهل الفكر نفسه- فالناقل يخطئ، فإذا أخذت قول الناقل وحاججته قال لك: أنا لا أقول بهذا، أخرج من كتبنا هذا القول، فيعجز المناظر أن يخرج هذا القدر من كتب الخصوم. لذلك كان ينبغي لأي رجلٍ يريد أن يتصدى لعقيدة المنحرف، ويريد أن يتعرف على الفكر لا بد أن يأتي بكتب لأهل الفكر نفسه، لا يأخذ المسألة بواسطة، فإن الواسطة قد يكون متحاملاً، ويشوه الفكرة، فالوسيط يريد أن يقول: يا جماعة! الأشاعرة يقولون كذا وكذا وكذا هل تصدقون؟! وهو يبالغ بقصد التنفير من فكر الأشاعرة، فحمله هذا على الغلط عليهم، فيدخل الداخل منهم عليه بمطالبة الإثبات أن هذا من عقائدهم. حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية لما أراد أن يناظر النصارى قرأ أناجيلهم، وأتقنها أكثر من الرهبان، بل تلميذه ابن كثير ﵀ صاحب التفسير المشهور تأثر به جداً؛ لأن ابن تيمية كان إماماً فحلاً كبيراً، وابن كثير كان لا يزال صغيراً، ولد ابن كثير سنة (٧٠١هـ)، وابن تيمية توفي سنة (٧٢٨هـ)، لما مات ابن تيمية كان عمر ابن كثير (٢٧) سنة، كان لا يزال صغيراً، لم يتضلع بعد، وابن تيمية كان إماماً في الدنيا، ملأ الدنيا بعلمه، كان شيئاً طبيعياً أن ينبهر هذا الشاب الصغير بذاك الإمام الفحل الكبير، فتبنى بعض مسائل ابن تيمية. فالذي أريد أن أقول: إن هذا الشاب الصغير بلغ من تطلعه أنه كان عارفاً بالإنجيل أكثر من النصارى، قال ابن كثير: فناظرت أحد النصارى. قال: فكلمته فوجدته كالحمار، لا يعلم من دينه شيئاً. وشيخ الإسلام له كتاب مذهل اسمه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، يقع في أربعة مجلدات، فقرأ في الأناجيل بحيث أنه تضلع في النصرانية. فخذ الفكر من كتب أهله -لكن بشرط- أن تتضلع في كتب أهل السنة أولاً قبل أن تدخل إلى كتب المبتدعة، فأنا رأيت طالباً من طلبة الثانوية أتى يقول لي: أريد أن تدلني على كتاب، لأن معنا زميلاً نصرانياً في الفصل، وأريد أن أبين له فساد دين النصرانية. فقلت له: هل تعرف كتاب الله ؟ قال: نعم. قلت له: (الرحمن على العرش استولى) قال: لا. (استوى)، قلت له: حسناً، (استولى) أي: (علا) هذا تأويل المعتزلة، هل هذا التأويل صحيح؟ قال: لا أعرف، قلت له: أنت لا تعرف إلهك الذي تعبده، فكيف ترد على النصارى؟ فالرجل ليس له درع واق كيف يحارب؟! رجل ليس عنده طوق نجاة كيف ينزل في البحر؟! لذلك شرط العلماء للرد على المخالف أن تكون على بصيرة من دينك، حتى إذا وقعت على موقف منه كان هناك ما يعصمك، وأصل الدليل في هذه المسألة هو ما صح: (أن النبي ﷺ رأى في يد

стр. 412

الأخذ بالأسباب إن الناظر إلى حياة المسلمين يجد وللأسف الشديد أنهم في انحطاط وذل وفقر مستمر، وكل هذا يرجع إلى عدة أسباب منها: أن الناس اعتمدوا على الأسباب وتوكلوا عليها، ونسوا الله المسبب فلم ينسبوا له أي فعل لا مقالاً ولا حالاً، وفي مقابل هؤلاء عمدت طائفة كبيرة من الأمة إلى ترك بذل الأسباب الجالبة لنصرة هذا الدين، والأسباب الجالبة للرزق والحياة وتواكلوا على ربهم دون أي فعل من قبلهم، وطائفة ثالثة أعرضت عن مقتضى الأخذ بالأسباب التي تجلب الراحة والسعادة في الدنيا والآخرة وإلى الله المشتكى.

стр. 413

ترك الالتفات إلى الأسباب إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثبت عن النبي ﵌ أنه قال: (إن أمتي أمة مرحومة) وهذا قول حق، ولأن هذه الأمة مرحومة فقد بقيت تعيش إلى اليوم؛ لأن من خصائص الإسلام التي فطن إليها أعداؤنا أكثر منا أن هذا الدين يستحيل أن يموت؛ إنما يمرض ويضعف جداً لكن لا يموت. الدلائل على أن هذه الأمة مرحومة كثيرة؛ من هذه الدلائل: كثرة الناطقين بالحكمة فيها والعاملين بها، ذاكم هم أسلافنا رضوان الله عليهم الذين يتأسف بعض الناس من مجرد سماع وصفهم، إذا قلت له: (قال السلف) امتعض وظنك تدعو إلى جماعة، والواقع غير ذلك، سلفك هم رأس مالك، بغيرهم تساوي الصفر، إذا سمعتهم يتكلمون ولم تعلم من المتكلم قلت: هذا نبي يتكلم، كلام حكمة! والأقوال التي أقف عندها اليوم هي لبعض هؤلاء السلف العظماء، وقد تكلم بهذا القول أكثر من عالم قالوا: (إن التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية نقص في العقل، والإعراض عن مقتضى الأسباب قدح في الشرع). فهذا من عيون الكلام؛ لأنه جمع الدين كله أعلاه وأدناه. وهذا كلام حق مأخوذ من مشكاة النبوة، فإن التفات القلب إلى الأسباب يضيع عبودية العبد؛ لذلك كان النبي ﵌ واسطة بين العبد وربه في كل شيء إلا في الدعاء، والالتجاء إلى الله والتضرع بين يديه. وكل أسئلة القرآن الكريم ثبتت الواسطة فيها: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٩] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ﴾ [البقرة:٢٢٢] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٧] ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٥]) قل) هذه هي الواسطة، أي: قل يا محمد كذا وكذا، إلا في الدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ولم تثبت الواسطة هنا، لم يقل: فقل إني قريب، كما هي العادة في السؤال، لماذا؟ لأنه لو كان هناك واسطة بين العبد وربه لاستعبدت الواسطة هذا العبد، أرأيت إن كان هناك أمير عدل لا يظلم، لكن له نائب لئيم خبيث، كلما رفعت شكايتك إلى الأمير حجبها النائب فلم تصل إلى الأمير، فماذا عساك أن تصنع؟ لابد أن تتزلف إلى هذا الخبيث حتى يوصل شكايتك، فإذا تذللت لهذا الخبيث واستعبدك ذهب الأمر كله، فلو أن هناك واسطة بين العبد وربه ﵎ لذل العبد إلى الواسطة حتى يشفع له عند مولاه، وليس هذا هو مقتضى العبودية، فمقتضاها: تمام الذل مع كمال الحب، فهذان جناحان لا يمكن أن يكون العبد عبداً إلا بهما: كمال الحب مع تمام الذل، فهذه هي العبودية. فإذا أرقت ماء وجهك لهذه الواسطة ماذا بقي لربك إذاً؟ لذلك ألغيت الواسطة، فهي سبب من الأسباب التي يتوصل الإنسان بها إلى مراده، فإذا التفت قلبك إلى هذا السبب كان قدحاً في توحيدك، لذلك تجد أن هذه الوسائط فيما يتعلق باتصال العبد بربه ملغاة كلها، بل إن أي شيء يشوبه اشتراك بين العبد وربه فهو ملغى أيضاً.

стр. 414

إبراهيم ﵇ والتفاته إلى مسبب الأسباب وما أنصف ما دعا به إبراهيم ﵇ قومه وهو يعرِّف صفة إلهه العظيم -الذي يعبده لأول مرة- لهؤلاء، وكانت مفاصلة بينه وبينهم، قال ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧] فكأنه سئل: وما رب العالمين؟ قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨١]. كلام الأنبياء موزون، ليست هناك لفظة زائدة؛ لأنهم معلمون: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] تأمل سياق الآيات؛ لتعلم أن أي نوع اشتراك بين العبد وربه كان يلغى بالبيان: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]. يقول علماء اللغة: إن ضمير الرفع المنفصل الذي لا محل له من الأعراب يأتي لتأكيد الكلام، (هو) ضمير رفع منفصل جاء لتأكيد الكلام، كرر في الثلاث الآيات الأولى، ولم يذكر في الرابعة؛ لأن في الآيات الثلاث الأولى شوب اشتراك بين العبد وربه، الهداية: لفظة يشترك فيها العبد مع الرب ﵎، لكن الهداية من العبد بيان وإرشاد، ومن الله هداية على الحقيقة، لذلك أثبتها للنبي ﷺ مرة ونفاها مرة، فقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. الهداية الأولى التي أثبتها له هداية بيان ودلالة، والهداية التي نفاها عنه هداية أثر، فالأثر لا يكون إلا من الله، السبب والفعل منك والتأثير من الله، لذلك ليس بالضرورة أن يؤتي السبب الأثر؛ فالعبد قد يأخذ الدواء ويموت مع أنه أخذه ليشفى من مرضه لكنه مات به، فلو كان لابد أن يشفى كل إنسان بهذا الدواء لشُفي الكل. الطعام أنت تأكله لتزيل علة الجوع، ومع ذلك أحياناً تأكل ولا تشبع، فلو كان الطعام لابد بالضرورة أن يدفع الجوع لشبع الإنسان بعد الأكل، وأحياناً تشرب فما تزداد بعد الشرب إلا رغبة في الشرب حتى تكاد بطنك أن تنفجر وأنت ما زلت ظامئاً، فلو كان امتلاء المعدة بالماء يدفع الظمأ لدُفع الظمأ بذلك. الهداية من العبد بيان، ومن الرب ﵎ تأثير، فلما كان ذلك موضع اشتراك بين العبد وربه -كأن يقول العبد: كنت ضالاً فهداني فلان- فقال إبراهيم ﵇: لا. الهداية الحقة إلى التوحيد لا تكون إلا من الله، ولذلك أثبتها بهذا الضمير، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨] لا غيره، هذا معنى الكلام. ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩] من الجائز أن تقول: كنت سأموت من الجوع لولا فلان أطعمني وسقاني، فكأنه قال له: إن فلاناً ما زاد على أن أعطاك سبب دفع الجوع فقط، أما الشبع والري فهما من الله، ومما يؤكد هذا الكلام ما ثبت في الصحيحين: (أن رجلاً كافراً جاء إلى النبي ﷺ وقال: اسقني يا محمد! فحلب له سبع شياه والرجل يشرب، ثم شبع، فأسلم الرجل، فجاء في اليوم الثاني فقال: اسقني يا رسول الله! فدعا بشاة فحلبت له فشرب وأبقى فضلة وحمد الله، فقال ﵊: المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) أي أن الكافر قد يأكل أكل سبعة ولا يشبع، وأقول: (قد يأكل) وحرف التحقيق إذا دخل على الفعل المضارع أفاد الشك حتى لا يأتيني رجل يقول: هناك من الكافرين من يأكل عشر ما يأكل المؤمنون، فيعترض على الحديث بهذه القضية!! لا. ومن علمائنا من حملها على أنها واقعة عين مخصوصة بهذا الرجل. لكن المقصود أن دفع الجوع وإثبات الري من الله ﵎، فلما حدث التباس في مسألة الأكل والشرب أكدها إبراهيم ﵇ بهذا الضمير، أي: هو الذي يطعمك لا غيره، سواء بالسبب أو بالأثر، فإن ما في الأرض ملكه، ولو شاء لأمسك الأمطار فهلك كل من على الأرض، ففي حقيقة الأمر كل ما ملكت يداك هو ملكه وأنت ملكه، فالسبب والأثر ملكه. قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] من الجائز أن يقول العبد: كنت على شفا الموت لولا الطبيب الفلاني الماهر الذي شفاني، فكأنه قال له: لا؛ لأن الطبيب هذا يموت بنفس العلة التي يداوي منها، وما ألطف ما نبه النبي ﷺ على هذا الأمر عندما قال: (لا عدوى ولا طيرة فقال رجل: يا رسول الله! فما بال الجمل الأجرب يعدي السليم؟ -هل هذا نفي لوجود العدوى إذا كان ذلك كذلك؟ فكيف والحس والواقع يقول: إن الجمل الأجرب يعدي السليم- فقال له: فمن أعدى الأول؟) أول جمل جربان على وجه الأرض من أعداه؟ يريد أن يقول: إن العدوى لا تنتقل بذاتها، إن الله هو الذي ينقلها بدليل: (من أعدى الأول؟) فليس بالضرورة إذا كان هناك مرض معدٍ إذا لامست صاحبه تصاب بنفس المرض، لا يقول هذا أبداً ذو علم لا في الطب ولا في الشرع، لكن اقترابه من مصدر العدوى مظنة العدوى وليس بالضرورة أن يحمل العدوى. فلا عدوى هنا تنتقل بذاتها، إنما ينقلها الله ﵎، فهذا سبب لكن الأثر من الله ﵎، فهو الذي ينقله وهو الذي يحجبه إذا أراد. قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [الشعراء:٨٠] تأمل اللطف في الكلام، لم يقل: وإذا أمرضني، بل نسب المرض إلى نفسه تأدباً من أن ينسب الشر إلى الله، كما قال الخضر: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] ولما ذكر السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فنسب إثبات العيب لنفسه وإرادة الخير إلى الله ﵎ تأدباً.

стр. 415

وجوب الفصل بين الأسباب المشتركة بين العبد وربه إذا كان هناك قضايا مشتركة بين العبد وبين الله ﵎ يجب أن تفصل حتى لا يقدح في توحيد العبد، قال ابن عباس: (من قال: لولا الكلب لسرق اللص الدار فقد أشرك) لأن الكلب سبب، لكن من الذي منع اللص؟ قال ﵎: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦] فالذي أخذ بناصية هذا اللص هو الله وليس الكلب، فإذا قال العبد: (لولا الكلب لسرق اللص الدار فقد أشرك) هي نفس القضايا التي نبه عليها الخليل ﵇، من قال: (لولا فلان لدخلت النار، ولولا فلان أطعمني لمت من الجوع، ولولا فلان شفاني لمت من المرض) كل هذا فيه شرك. إذاً القلب إذا التفت إلى الأسباب كان ذلك إعراض عن رب الأسباب، وأنت ترى هذا في ضعاف الإيمان، فمثلاً: شخص مرضاً خطيراً، فذهبوا به إلى الطبيب، وتجد الكل واقف على باب الغرفة ينتظر أن يرى الطبيب ماذا سيقول؟ وتجده يسأل: هناك أمل يا دكتور؟ لو قال: ليس هناك أمل، لخر ساكتاً! قوله: (ليس هناك أمل) هذه الكلمة ليست لأحد على وجه الأرض، ولذلك تجد أصحاب العقائد الراسخة يتحركون بها، أحياناً يمرض لك إنسان مرضاً خطيراً، فتجد كل الأطباء يجمعون أنه لا أمل، ويقولون لك: يا بُني! وفر مالك، لا فائدة! ومع ذلك تخرج من عندهم لتبيع آخر ما تملك وتنفقه على هذا المريض، لماذا؟ لأنه راسخ في ذهنك أن الكلمة الأخيرة ليست لأحد غير الله، تقول: الله على كل شيء قدير، ولو كنت تعلم من قرارة نفسك أن الطب هو صاحب الكلمة الأخيرة لكففت عن الإنفاق، لكنك ما أنفقت مالك إلا لتجري وراء أمل راسخ عندك وهو: (إن الله على كل شيء قدير)، هذه عقيدة راسخة، لكن أحياناً يتصرف المرء بضدها جهلاً أو ضعف إيمان.

стр. 416

التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد لما مرض أبو بكر الصديق سيد الموحدين بعد النبي ﷺ في هذه الأمة الذي ملئ إلى مشاشه إيماناً وحكمة ﵁، دخلوا عليه وهو مريض فقالوا له: ألا نأتي لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني -كلام واضح جداً- قالوا: ألا ننظر لك في دواء؟ قال: إن الطبيب قال: إني أفعل ما أشاء، ليس هذا من أبي بكر الصديق دفعاً للعلاج وإلا فهو قد عُولج، لكن أراد أن ينبه إلى المعنى الذي نبه إليه إبراهيم الخليل ﵇، وهو أن التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، وطالما أن العبد متعلق بالله ﵎ لا يرجو غيره إذاً هو في عافية وستر، كل شيء يكون عليه يحمد الله ﵎ له وبه، فما من محنة تكون على غيره إلا كانت في حقه منحة، ولذلك الله ﵎ لما أراد أن يعطي الجائزة للمتقين -والتقوى أصلها اعتماد القلب على الله، كما قال ﵊: (التقوى هاهنا وأشار بيده إلى قلبه) - قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، هكذا بالجزم: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]. ننظر في (يتقِ ويجعل) أفعال مضارعة تفيد التجدد والاستمرار، أي: كلما أحدثت تجديداً في تقواك كان في مقابله فرج، وإن اختلف الناس في تعريف الفرج، فبعض الناس يرى الفرج النعمة المطلقة، لكن ليس كذلك، بل أحياناً يكون الفرج في النقمة التي لا يراها العباد إلا نقمة بحتة، فمثلاً: انسحاب القائد في الوقت المناسب من أعظم أبواب النصر، مع أن الانسحاب عند بعضهم يعد من الهزيمة؛ لأن الانتصار عندهم أنك تكسب أرضاً. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] انظر إلى الكلمة التي بعد هذه مباشرة: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] انظر إلى الكلام الجميل: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] فتكون فرحته طاغية؛ لأنه لم يحتسب. أنت موظف كبير تأخذ ألف (جنيه) في الشهر، معروف كل شهر أنك تذهب إلى الخزينة لتقبض الألف، فهل أحسست بالفرح؟ لا؛ لأنك متوقع أنك كل شهر ستأخذ الألف (جنيه)، لكن جاءك خمسون (جنيهاً) علاوة أو أي شيء وأنت لا تحتسبها، فإن فرحتها في قلبك أعظم من الألف (جنيه)، لماذا؟ لأنك لم تحتسب، وكل شيء لا تحتسبه تكون الصدمة به قوية، إما فرح وإما ترح. أنت تتوقع أن يضربك جارك على وجهك، لكن لا تتوقع أن يضربك ابنك على وجهك؛ لذلك لطمة ولدك لك تكون أعظم ألف مرة من ضرب كل الناس لك؛ لأنك ما توقعت، فالصدمة التي أخذتها بمجرد الضرب أعظم من الضرب نفسه. لذلك لو وضعت عصابة -مثلاً- على عيني إنسان وأخذت تعذبه، فإنه لا يدري من أين يأتيه الضرب، من الأمام أو من الخلف أو من الجنب، أو من فوق أو من تحت لا يدري، فالرعب الذي يصيبه بعدم درايته أعظم من العذاب نفسه، لماذا؟ لأنه لا يحتسب ذلك العذاب، لذلك قال الله ﵎: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] حتى يتمم له فرحته بالتقوى، ليس رزقاً عادياً وراتباً، إنما من حيث لا يحتسب ولا يتوقع، مكافأة من الله لهذا العبد التقي. إذاً: يجب أن لا يلتفت ملك البدن إلى الأعراض -وملك البدن: هو القلب- ومن أعظم دلالات العجز أنك أيها الإنسان لا تملك قلبك، تملك أن ترفع يدك، تملك أن تمشي برجلك، لكن لا تملك أن تحب، ولا تملك أن تبغض، ولا أن تؤمن ولا أن تكفر، منتهى العجز، قلبك الذي يضخ وقوام حياتك به أنت لا تملكه؛ لذلك كان من دعاء النبي ﵊: (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك) لأنه لا يملكه، وكان يقول ﵊: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء)، وكان أكثر يمينه يقول: (لا ومقلب القلوب). وفي الحديث الصحيح عندما تجيء الفتن كأمواج البحار قال ﵊: (يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً) فلو كان قلبك بيدك ما كفرت طرفة عين، لكن ليس بيدك، إعلاناً بعجزك التام، إن أعظم ما في بدنك لا تملكه، هذا سر الإخلاص فيك؛ لذلك حتى تضمن ألا يدخل هذا الشرك إلى قلبك لا تلتفت إلى الأسباب من حيث هي أسباب، ولكن التفت إلى رب الأسباب.

стр. 417

محو الأسباب بالكلية نقص في العقل التفات القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ومحو الأسباب بالكلية نقص في العقل. هناك فرقة وكل يوم نرى منها العجب؛ وهي فرقة الفرماوية، والتي رأينا شيخها الفاني الهالك الضال عن نحو خمسة وتسعين سنة، هذا الرجل الكافر بالأسباب، يعتقد أنه إذا ذهب المريض إلى الطبيب فهو كافر!! يا أيها الأحمق! لم تأكل إذا جعت؟ لم تلبس؟ ومن الذي حاك لك ثيابك؟ أنزلت من السماء كثياب بني إسرائيل معلقة على الشجر؟! ألم يحكها حائك؟ والذي يحيك الثياب هو واحد منهم، لكن أجلوا تكفيره حتى توجد الولاية في قلبه، هذا الضال المضل كان وجماعته كل سنة يحرقون صحيح البخاري، لماذا؟ قالوا: لأن البخاري شيوعي! أليس من الاتحاد السوفيتي؟! أليس من بخارى؟! والله ما ندري الآن ماذا يقولون بعدما انهار الاتحاد السوفيتي؟! وانظر إلى هذا الجاهل وهو يقول: كل الأحاديث المنسوبة لـ عائشة وحفصة وأمهات المؤمنين كذب، لماذا؟ قال: لأن صوت المرأة عورة!! هل المرأة ولدت لتكون خرساء؟ لماذا خلق الله فيها الكلام؟ من قال: إن صوت المرأة عورة؟ صوت المرأة ليس بعورة، ولا أظن أنه يختلف في هذا أحد له مساس بالشرع، لكن الخضوع بالقول هو العورة، والخضوع بالقول شيء زائد عن مجرد الصوت، كامرأة يكون صوتها عادياً فتحاول أن ترققه، هذا القدر الزائد على الصوت هو الممنوع، لكن الصوت العادي ليس بعورة، والأحاديث والأقوال متواترة أن الصحابة والتابعين كانوا يدخلون على أمهات المؤمنين ويسألونهن من وراء حجاب. ثم إن ربنا لما قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] فإذا كانت خلف الحجاب، وأنا لا أراها، وهي لا تتكلم، كيف أفهمها؟ فلابد أن يكون هناك صوت حتى أفهم المرأة التي لا أراها. ذات مرة جاء أمر بتصوير كل المساجين، والفرماوية يرون أن التصوير حرام -وهو كذلك لا نختلف معهم في هذا، التصوير كله حرام إلا ما دعت إليه الضرورة، ونحن لا نملك من أمرنا شيئاً- لكن صدر الأمر إليهم وكانوا بضعة وثلاثين رجلاً فقالوا: ممنوع التصوير، وقد يقتلون دون شيخهم حتى لا يُصور، عندهم فداء لهذا الشيخ لا تتخيله، فاجتمعوا كلهم في زنزانة واحدة، والرجل عمره فوق التسعين، وعنده ضيق في الجهاز التنفسي يتنفس بصعوبة، فاجتمعوا جميعاً وصنعوا حاجزاً بشرياً خلف الباب، فأتوا وقالوا لهم: افتحوا الباب، قالوا: أبداً! لا يمكن أن نتصور، حرام! فرموا عليهم قنابل مسيلة للدموع وهم أبداً! لا يمكن أن يفتحوا، فلما امتلأت الغرفة بالدخان! وكاد الشيخ أن يختنق! قاموا ورفعوه إلى الشباك حتى وضع أنفه في الخارج ليتنفس. فباءت كثير من المحاولات بالفشل، ثم قاموا معهم بآخر محاولة وهي الحصار الاقتصادي، فمنعوا عنهم الطعام، وتركوا شخصاً يقف على الباب حتى لا يتعاطف أي إنسان معهم، ولكن أصحاب الزنزانة التي في الدور العلوي فكروا! وقالوا: كيف نتركهم يموتون؟! هذا لا يعقل! فأخذوا حبلاً وربطوا فيه خبزاً وحلاوة وأنزلوه من الشباك من الخارج. وانظر هنا إلى هذا الضال المضل! جعل يكبر: الله أكبر، ليلة عيسى، خبز وحلاوة! فاغتروا بهذا الشيخ حين وجدوه يضع يده في الهواء ويأتي بخبز، ثم يضع يده ثانية ويأتي بحلاوة، إذاً الرجل كلامه جد، فازدادت عقيدتهم في هذا الرجل، وهو كافر بالأسباب قليل العقل، لكن كما قال الشاعر: لكل ساقطة في الأرض لاقطة وكل نافقة يوماً لها سوق استفادت إدارة السجن من هذا الدرس فمزقوا الجماعات عندما نقلوهم إلى سجن آخر، فلا توجد جماعة بكاملها في زنزانة، إنما متفرقون، من كل جماعة خمسة حتى يحصل نوع من التفكك، فقدر أن يكون معنا اثنان من الفرماوية، وهم يقدسون لونين: اللون الأبيض، واللون الأخضر، اللون الأبيض لا يلبسه إلا ولي واصل، واللون الأخضر هو المهزلة الذي يعمل لأجل أن يأكل الذي يلبس القميص الأبيض، فصاحب اللون الأخضر رفعوا عنه كلمة الكفر مؤقتاً حتى توجد الولاية في قلبه ثم يصعد للدرجة التي تعلوها. فكان معنا رجل ممن يلبسون الثياب الخضراء، يناقش طوال النهار والليل أن الأخذ بالأسباب كفر، فكان إذا قام جماعة التكفير يلعبون رياضة الصبح يقوم فيلعب معهم، أليس هذا من الأخذ بالأسباب؟! وكان إذا لعب رياضة فإن العرق يتصبب منه مباشرة، فيأتي وقت الراحة وزملاؤه يمرون ليسلموا عليه، فيغطي نفسه ببطانية، لماذا؟ لأنه لو رأوه وقد عرق يسألونه: ما بالك؟ فإذا علموا أنه يلعب كفروه مباشرة، فكان يغطي نفسه ببطانية ويبرز عينيه فقط، فيقولون: مالك؟ فيقول: عندي برد! برد في عز الحر؟! واستحلفني أن لا أقول لهم شيئاً. شيء ضد العقل! لو قال رجل: إني أريد الولد بغير زواج، لاتهمه الكل بالجنون، ولو قال: إني أريد أن أشبع ولا أضع في فمي لقمة، يُتهم بالخبل، فمحو الأسباب بالكلية نقص في العقل لا شك، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع. نسأل الله ﵎ أن يجعلنا من أهل الوسطية، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 418

الإعراض عن الأخذ بمقتضى الأسباب قدح في الشرع الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الإعراض عن الأخذ بمقتضى الأسباب قدح في الشرع؛ لأن كل شيء ندبك الشرع إليه لا يكون إلا بسبب منك، وكل شيء ندبك الشرع إليه وأمرك به وجوباً أو استحباباً لابد من إحداث سبب له، فإذا تسنى لك أن تعرض عن السبب فقد أعرضت عن كل الأوامر والنواهي، ولذلك أباح الله الميتة مع أنها محرمة، لماذا؟ حتى لا تموت، لذلك قال سفيان الثوري أخذاً بمفهوم الآية: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] والقاعدة الفقهية معروفة: (الضرورات تبيح المحذورات) قال سفيان الثوري أخذاً من هذا: من جاع فلم يأكل حتى مات دخل النار؛ لأن الله ﵎ ما أباح له الذي حرمه إلا ليحفظ حياته، وليس لها معنى إلا ذلك، فكونه يتلف حياة نفسه ويعرض عن الذي أعطاه الله إياه فهو معرض عن رخصة الله ﵎ له، معرض عن أمره، يموت وهو كافر.

стр. 419

جباية الزكاة وترك الضرائب والمكوس من الأخذ بالأسباب الضرائب هل هي حلال الآن في الوضع الحالي، أسأل الله مخلصاً أن يوصلها من يسمعها إلى أولياء الأمور،؟ الجواب لا. هي حرام في الوضع الحالي، وأرجو أن نضع تحت كلمة (الوضع الحالي) خطوطاً كثيرة خطاً، لماذا؟ لأن التفصيل سيبينها بعد ذلك، وطالما أننا نتكلم باسم الإسلام إذاً لابد علينا أن نأتي بآية أو حديث. نحن نعلم أن دم المرء وماله وعرضه كله معصوم، لا يحل شيء منه إلا بشيء يفيد الحل، فما الذي يحل من مال العبد وجوباً رغم أنفه؟ الزكاة. هناك رجل أخرج زكاة ماله، هل لأحد أن يجبره على دفع شيء غير الزكاة؟ الجواب: لا. الشرع يقول: لا يحل جبر المرء على دفع شيء إلا الزكاة. شخص يدفع زكاته، هل تجبره على صدقة؟ لا. هل تجبره على ضريبة؟ لا. سيقولون لك: معنى ذلك أنك ستغلق مكتب الضرائب، وهناك رواتب كثيرة جداً، ومصالح سوف تتعطل، فهذا من الضرر الذي قال النبي ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) وجاءت الشريعة بدفع المضار وجلب المنافع، وهكذا دواليك. فنقول له: هل جبيت الزكاة أولاً، ثم وجدت أن أموال الزكاة لا تفي؟ الجواب: لا. إنه لم يكلف خاطره بجباية الزكاة من أحد؛ لذلك لا يجوز أن توضع الضريبة مكان الزكاة أبداً، لأن الزكاة أصبحت غير واجبة، والإنسان فيها مخير، والضرائب إذا لم يدفعها يدخل السجن، أي كلام هذا؟! الذي نعرفه من الآيات والأحاديث أن الشخص إذا لم يدفع الزكاة فإنه يقتل ولا يسجن، أبو بكر الصديق ﵁ لما حارب المرتدين من أجل ماذا حاربهم؟ هل كفروا بجميع شرائع الدين؟ لا. بل كانوا يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكانوا يصلون، وقالوا: سنحج، لكن فهموا أن الزكاة كانت تؤدى إلى النبي ﷺ في حياته، فلما مات ارتفعت، وتأولوا -تأويلاً باطلاً- قوله ﵎: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة:١٠٣] أي: خذ يا محمد، فهذه خاصة بالنبي ﷺ ، وطالما مات فلن ندفع الزكاة. قال الله للنبي ﷺ : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] وتوفي النبي ﷺ ، فهل نقولها أم لا؟! ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام:١٦٢] كل هذه الأوامر موجهة للرسول ﵊ فقط أم موجهة له حتى يبلغها أمته؟ فـ أبو بكر الصديق قال: (والله لو منعوني عناقاً - وفي رواية أخرى: عقال بعير- كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم على منعه) وقامت الحروب المعروفة بسبب الزكاة. فليس لعبد خيار أن يقول: أدفع الزكاة أم لا؟ ليس له في هذا خيار! إما أن يدفع الزكاة وإما أن يموت مباشرة، هذا هو الذي عليه جميع العلماء، خلافاً لـ أبي حنيفة. فلو أنهم يجمعون أموال الزكاة كلها أكاد أجزم أنهم لن يحتاجوا شيئاً، لماذا؟ لأن كل شخص يعلم أن الضرائب تقدر جزافاً ليس لها قانون، فلو دخل مسئول الضرائب عيادة طبيب وقدر أنه جاء وفد زيارة من بلد، فعدهم كمرضى وبدأ يحسب على كل شخص ويضرب الحسابات، وكلما زاد كلما يأخذ عمولة، وبالتالي يجتهد في فرض أقصى ضريبة يستطيعها. كذلك: أنا أعرف أنني مظلوم، والشريعة تقول لي: ادفع عن نفسك الظلم ما استطعت، إذاً ماذا أفعل؟ ليس لي حيلة إلا أن أبحث عن شخص وأدفع له مالاً مقابل أن يسقط عني الضريبة، أو يحرق لي الملف -لا يوجد مانع- أو أن أرفع طعناً وإثبت أنه ليس عندي أي مال، وأنني سأموت من الجوع، ثم أذهب هناك وبطريقة معينة أتملص، لكن الزكاة هل يستطيع أحد أن يفعل ذلك؟ لا. لأنها بين العبد وربه، فهناك قلب يحرك الإنسان فيدفع الزكاة مباشرة، ولذلك في مسألة الزكاة بعض الناس يأتي فيسأل ويقول: أنا أدفع الزكاة بزيادة، هل هذا جائز؟ أقول له: هذا جائز ولك الفضل، لكنه لا يقول: أنا أدفع الضرائب وزيادة، لماذا؟ لأنه في الزكاة يقول لك: أنا أريد أن أرضي ربي، فإذا كان عندك باب مفتوح من السماء، وهناك قلب يحرك العبد، وأنت ضامن أنه لن يغش، فلو غش صار إنساناً فاسقاً، لكن أنت ضامن أن عنده ضمير يحركه، والزكاة أموالها كثيرة جداً، أضف إلى ذلك أن فيها بركة، النبي ﵊ لما أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن قال له بعد ذكر الصلاة: (فإن هم أجابوك إلى ذلك فأخبرهم أن الله قد افترض على أغنيائهم صدقة ترد على فقرائهم -ثم قال لـ معاذ - وإياك وكرائم أموالهم) انتبه أن تأخذ أحسن شيء في أموالهم! بل الذي يدفعوه خذه، لا تقل له: لا، أنت أعطيتني من السيء، هذا شيء لا يعينك. الله أدب المؤمنين قبل ذلك فقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] انظر إلى تربية النفس! يقول للمؤمنين: إذا كنت تريد دفع الزكاة أو الصدقة فلا تدفع أسوأ شيء: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ أي: لا تتوجهوا إلى الخبيث من أموالكم فتأخذوه فتدفعوه للفقراء، ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ أي: ضع نفسك مكان الفقير، لو أعطاك شخص فولاً مسوساً هل تأخذه؟ تأخذه وأنت مغمض العينين ليس لك رغبة في أخذه؛ لأنك لو أخذته ماذا ستعمل به؟! ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] لو كنتم مكان هؤلاء الفقراء لأخذتموه على إغماض. فأدب المؤمنين أولاً ألا يتيمموا الخبيث لكن يخرجوا من كل المال جيده ورديئه، لذلك قال لـ معاذ: (وإياك وكرائم أموالهم) لا تأخذ حاجة نفيسة من عندهم غصباً، انظروا إلى الكلام يا إخواننا! كلام منظوم، كأنه در يتلألأ، ثم قال له: (واتق ودعوة المظلوم)، لو أن الجابي أخذ كرائم أموالهم رغماً عنهم فقد ظلمهم، ولو أن أي دولة في الدنيا كان بوسعها أن تعين شرطياً على كل رجل ما استطاعت أن تخرج الضريبة مائة في المائة. المسألة مسألة مراقبة، فالشرطي وإن قعد إلى جانبي لن يعرف شيئاً، أذكر قصة حدثت في الخمسينات عندما كان يحصل تحقيق مع المساجين، ويدخل مسجون جديد في غرف التحقيق -التي هي جهنم الأرض، نسأل الله العافية- فالجماعة القاعدون من الإخوان -وما أقصد جماعة الإخوان المسلمين فقط- يريدون أن يعلموا هذا السجن الجديد، لأنه لا يعرف شيئاً، يريدون أن يقولوا له: لا تقل كذا وقل كذا لكن هناك حراس واقفون، فكيف يعملون؟ يقولون له التعليمات بالتجويد: (إذا جآءك المُحقِّقُ فَقَالَ كذا وكذا) فكان يظن الحرس أن هذا من القرآن، لأنهم لا يعلمون شيئاً منه فيفهم الجديد المقصود فلو أن أي إنسان عنده أي قراءة -ولو متباعدة- لكتاب الله لعرف أن هذا ليس بقرآن. فإذا كان الله ﵎ كفاك مؤنة هذا الصنف، فلماذا تسد على نفسك الباب؟ اجب الزكاة أولاً، فإن وجدت أن الزكاة لم تف قل للناس حينئذٍ: المصارف الفلانية ليس عندها مال، نحتاج إلى مليار أو مليارين، فعلى كل فرد مبلغ محدد من المال نرجو المبادرة، وسنفرض هذا الأمر إلى حين سداد العجز ويرتفع هذا القانون. فهذا كلام مشروع؛ لأن المصلحة إذا لم تتحقق إلا بذلك لا يكون إلا ذلك، و (مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، و (الوسائل لها أحكام المقاصد). أنا أذكر أنني كنت أعمل في بعض المحلات يوماً ما، ويوم (١/ ٥) علاوة العمال، فقالوا: لا يوجد مال كافٍ للعلاوة، فصدر قرار -والقرار هذا خاضع للبلديات- غرامات أشغال طريق على كل المحلات، لماذا؟ أهو ينام في الشارع حتى يدفع غرامات أشغال الطريق؟ لماذا يدفع ثلاثمائة جنيه أشغال طريق؟ أنا بيني وبين الطريق عشرة أمتار! ليس لك إلا خيار من اثنين: إما الدفع وإما الحبس، يعني: شخص يمشي في الطريق فوجد لصاً فقال له: أخرج المال وإلا قتلتك، ماذا يعمل؟ يفتدي نفسه بماله، وهكذا جمعت العلاوة، فأنا لا بأس أن أدفع ولكن أريد أن أقتنع، يجب أن أعلم لماذا دفعت؟! هذا الكلام كله يترتب عليه أشياء في النفس حتى يصل الإنسان إلى قناعة أنه يُسرق، وينتج من هذا الفعل مسألة انعدام الولاء لأي شيء، لا يوجد ولاء أبداً، كلٌ يقول: أنا فقط. عندما تأتي بعد كل هذه الأعمال وتقول: يا جماعة! انزعوا الحقد! كيف أنزعه وأنا أراه أمامي ليل نهار؟ لكن لو جئت إلى شخص وقتلته أمام إخوانه كلهم؛ لأنه لم يدفع الزكاة، لقالوا: يستحق ذلك؛ لأن ربنا أمره بدفع الزكاة فلم يدفع، ولله المثل الأعلى، ويقال: ضرب الحكومة ليس عيباً يعني: لو ضرب شخص من قبل رجال الحكومة فهذا لا يعد عيباً، لكن لو ضرب من جاره فهذا عيب، أي: أن الإنسان إذا عوقب من جهة عليا ليس له فيها خيار يتسلى بهذا الكلام، وإلا فالضرب عيب، لماذا ضرب الحكومة ليس عيباً؟ لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً. فكذلك العبد ولله المثل الأعلى، إذا جاءت له مصيبة من السماء يقول: ليس بيدي شيء، نحن مؤمنون بالقضاء والقدر، وقد يكون هو غير راضٍ من الداخل، لكن لابد أن يسلي نفسه طالما أنه ليس بإمكانه أن يفعل شيئاً. إذاً: الضريبة هذه كان بإمكان الرسول ﵊ أن يفرضها على الصحابة أم لا؟ كان بإمكانه أن يفرضها على الصحابة، لكن لماذا لم يفرضها؟ ما احتاج إليها مع وجود الزكاة. فنحن نقول: يجب على أولياء الأمور جباية الزكاة، من لم يدفع فليتقرب هذا الولي إلى الله بدم هذا الإنسان العاق لربه ﵎، إذا لم يكف هذا المال لسد الحاجة، هنا يجب عليه فرض ضرائب من أجل أن يفك هذه الورطة، ولكن بعد ذلك ترجع المسألة كما كانت، وهكذا دواليك. إذاً: الأسباب يا إخواننا لابد أن تكون مشروعة، تقصيرنا فيها علامة على وجود الذل، والأمثلة التي ضربناها تقصير في الأسباب، الزكاة سبب للغنى، فعندما قصرنا في السبب ذهب عنا الغنى ودام الفقر واستمر. كما أن تسوية الصف سبب لاجتماع القلوب، وتقصيرنا في تسوية الصف أدى إلى اختلاف القلوب، فإذا أردت أن توجد القلوب ساوي الصف، تريد الغنى أن يرجع ادفع الزكاة، وإذا أر

стр. 420

تسوية الصفوف في الصلاة من الأخذ بالأسباب نلاحظ في المساجد أنهم يضعون خطاً على الأرض، لماذا؟ لتسوية الصف، هذا الخط هل كان قبل ذلك موجوداً؟ لا. هل كانوا يصلون معوجين؟ لا. ما الذي تجدد؟ الذي تجدد أن الأئمة لم يقوموا بما أُوجب عليهم، يقول الإمام: استووا، وهو مولٍ لهم ظهره، نحن لا نعرف رجلاً في الأرض كان ينظر من الأمام والخلف إلا الرسول ﵊ فقط، هو الوحيد في أولاد آدم الذي كان ينظر وراءه كما ينظر من أمامه، كما في الحديث الصحيح في الصحيحين أنه ﷺ كان يقول: (استقيموا، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم من أمامي) ومع ذلك كان ﵊ لا يصلي إلا إذا اطمأن أن الصفوف سويت، نحن مقصرون في هذا، وهذا التقصير مشترك، ولا يعفى منه الأئمة. الإمام لا ينبغي له أن يصلي حتى يتأكد أن الصف استوى، لذلك كان من عاقبة عدم الأخذ بالسبب الظاهري في تسوية الصف أن القلوب التفتت عن بعضها، وهذا قاله النبي ﵊ كما في الصحيح من حديث النعمان بن بشير ﵄ قال: (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فإذا لم يستو الصف فمعنى ذلك أن القلوب تنفر، وكل شر في الأرض بسبب نفرة القلوب. تسوية الصفوف سبب في ائتلاف القلوب، إذاً لابد أن نسعى إلى تحقيق السبب حتى نجني الثمرة، فالخط الذي على الأرض بدعة لا يجوز فعله؛ لأنه جعل الأئمة يتكلون على الخط، ويقول لك: كل الناس أمامها خط تقف عليه، وماذا عملك أنت؟ ما جعلناك إماماً إلا لترص هؤلاء وتكون وخدهم إلى الله، كما في سنن الدارقطني أن الرسول ﷺ قال: (تخيروا أئمتكم فإنهم وخدكم إلى ربكم) لأن هذا الإمام أنت تجعله بينك وبين ربك، يعني: إذا ذهبنا إلى ولي العهد هل نأخذ أي شخص ونقدمه أم ننتقي شخصاً عاقلاً رزيناً؟! كما حدث أن بعض الوفود ذهبوا إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ يهنئونه بالخلافة فأدخلوا شاباً صغيراً فاستعظم عمر ذلك وقال: (يا بني! أما وجدوا أكبر منك؟) يعني: كبِّر كبِّر! الكبير مهما كان له قيمة، قال: أما وجدوا أكبر منك؟ فقال الغلام: يا أمير المؤمنين! لو كانت المسألة بالسن لكان غيرك أولى منك، قال: أفلحت) مباشرة! فالذي تضعه على رأس الوفد لابد أن يكون زينة للوفد كله، لو وضعت أخرق على رأس دولتك شاهت دولتك كلها، انظر اليوم إلى العراق مثلاً، هل يستطيع أي عراقي أن يدخل أي بلد؟ لا، لماذا؟ هل العراقيون كفرة؟ العراقيون فيهم أخيار، وفيهم أناس أفاضل، كما أن في المصريين فجار وفي السعوديين فجار وفي كل مكان فجار، لكن لماذا العراقي لا يستطيع دخول أي بلد؟ لأن هناك رجلاً أخرق على الرأس، فالشخص ينظر إلى أي عراقي على أساس أنه مجرم؛ لأن الرأس هكذا. فكونك تضع إماماً يصلي بالناس لا يعرف أي شيء عن أحكام الصلاة لا يصلح، والعجيب جداً أنه لو غاب الإمام ينظر المؤتمون بعضهم إلى بعض، وكل واحد يقول للآخر: تفضل! فيقول الآخر: لا والله تفضل أنت! فيقول: أبداً! لا يمكن! تفضل أنت! أي كلام هذا؟! أهي وليمة؟! لا يتقدم إلا أولو النهى الذين يعرفون أحكام الصلاة. أذكر مرة -وهذه من العجائب- الجماعة هؤلاء -أصحاب تفضل أو تفضل أنت- أدخلوا شخصاً منهم فوقف يشير بيده؛ لأنه يرى الأئمة قبل أن يدخلوا في الصلاة يقولون استووا تراصوا، ويشيرون بأيديهم يميناً وشمالاً، وقد نسي ماذا يقول؟! فاستمر يشير بيده يميناً وشمالاً ولم تأت معه الكلمة، ثم قال: جاهزين يا رجَّالة!! كأن هذا الرجل رئيس وفد! سبحان الله! كيف تضع مثل هذا يقف بين يدي الله ويأخذك إلى الله؟! لا. هذا لا يكون، لذلك الإمام يجب أن يكون فقيهاً ويقوم بما عليه، الإمام له فضل كبير؛ ولذلك نهى النبي ﷺ عن التدافع للإمامة؛ لأن فضلها كبير، لا يرتقيها إلا أهلها؛ فهل تأخذ الفضل بدون أن تبذل أي مجهود؟! لذلك إذا كنت إماماً فقم بواجبك، رصَّ الصف بشكل صحيح، ورص الصف لا يكون بمقدم القدم، تجد الإمام أحياناً يقول: ارتفع أنت قليلاً وتأخر أنت قليلاً! لماذا؟ مثلاً: شخص رجله طويلة وآخر رجله قصيرة كيف تساوي بين هؤلاء؟ لا تستطيع أن تساوي بين هؤلاء إلا بالعقب، لماذا؟ لأن ظهور الناس متساوية، بخلاف البطن، فمن الناس من تكون بطنه كبيرة، وآخر بطنه ملتصقة بظهره، فماذا ستقول للذي بطنه كبيرة وهو خارج عن الصف: ادخل! لا يصلح هذا الكلام؛ لأنه سيخرج من الخلف، إنما لو سويته بالعقب وهو مؤخر الرجل ستكون آخر الرجل كلها مع بعضها، وهكذا تضمن استواء الصف كله مع بعضه. الخط على الأرض هل كان ممكناً أيام الرسول ﵊ أم كان مستحيلاً؟ كان ممكناً، وهناك قاعدة فرقنا بها بين البدع والمصالح المرسلة وهي: (أن الأمر إذا كان له مقتضى في عهد النبي ﵊ ولم يفعله لا يجوز لك فعله). لأنه لو كان هذا الشيء فعلاً لابد من وجوده لبادر النبي ﵊ إليه وفعله، أما إذا لم يفعله فلا يجوز لك فعله. فرسم الخط لتسوية الصف على الأرض كان في قدرة النبي ﵊ أن يفعله ولا يكلفه شيئاً، ومع ذلك لم يفعله، إذاً: لا يجوز لك أن تفعله على الأرض، وهو أيضاً من أسباب إهمال الأئمة لما يجب عليهم من تسوية الصفوف. إذاً ترك الأخذ بالسبب ضيع عليك الثمرة، ولذلك قال ﵎: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] افعل ما أمرك به يفي لك ما وعدك: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] تنصره بإقامة حدوده في الأرض وعدم الاجتراء عليها، وإقامة أمره، إذا كنت عبداً فكن عبداً حقاً، فإذا نصرت الله بفعل الأوامر والنواهي نصرك بأن يمكن لك في الأرض. فهذه الثمرة إذا أهملت السبب منعها الله عنك.

стр. 421

العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري قال بعض العلماء: (العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري). يشير هذا العالم بهذا القول الموجز المختصر إلى أن العبد متبع لهواه، ففي الطاعة: قدري، يقول لك: أنا ربي قدر لي كذا، وعند المعصية: جبري، يقول: ربي كتب عليَّ كذا، أي أنه متبع لهواه، حيث كان هواه في معصية قال: قضاء وقدر؛ طالما فيها مصلحته وشهوته، وكلما زاد في العصيان يريد أن يفلت من العذاب يقول: كتب الله عليَّ ذلك، وأنا ماذا أفعل؟! قال قائلهم: جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين يقول: الجنين الذي ليس له كسب ولا سبب أليس يرزق؟ فأنت لماذا تسعى؟ كما أن الرزق جاء إلى هذا الجنين فسوف يأتيك، فهذا الرجل ليس عنده شيء من العقل؛ لأن هذا الجنين أخذ الطعام بسبب أكل الأم، ولو لم تأكل لمات الجنين، فهذا سبب، لكن قد يكون السبب من كسبك مباشرة وقد يكون بغير كسبك، لكن هو ظن أن السبب لا يكون إلا مباشراً؛ لذلك قال هذه الأبيات، وقال قائلهم الآخر: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء كيف لا يبتل بالماء وأنت ألقيته مكتوفاً؟ يريد أن يقول: إن القدر كتفه، ثم بعد ذلك تضعه في نار جهنم، إذاً كيف يعمل؟ كتب الله عليه المعصية ثم يعذبه بها؟! هذا هو اعتراض الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على كل شيء، فلا قيمة للأخذ بالأسباب، لكن انظر إلى جيل الصحابة، فقد سألوا نفس السؤال لكن بصورة مختلفة تماماً، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في جنازة ببقيع الغرقد، فلما دفنا الرجل -دفنا الميت- جعل ينكت بمخصرته في الأرض -معه عود ينبش به في التراب- ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار -انتهى جف القلم- فقال رجل: يا رسول الله! جف القلم بشيء كان أو يكون؟ قال: بشيء كان -بأمر فرغ منه- فقال: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا، فأما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة؟ قال له: لا. اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) اسكتوا عن هذا واستأنفوا العمل، قال علي بن أبي طالب: (فما كان أجد منا بعد سماعنا هذا الكلام (يعني: هذا الكلام جعله يجد أكثر، مع أنه لا يدري أهو إلى الجنة أم إلى النار صائر، لكن أي إنسان عنده عقل، وتدبر آيات الكتاب المنزل، وفهم كلام النبي ﵊ يفهم أن هذا الكلام ليس معناه ترك العمل والاتكال، ثم تلا النبي ﷺ قوله ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:١ - ٧]. إذاً: أثبت للعبد عملاً قبل التيسير: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠] أثبت له عملاً قبل التعسير. إذاً لابد للعبد أن يعلم أن الخاتمة مربوطة بالأولى التي هي السبب منه، هؤلاء الصحابة لم يقل أحد منهم: إن كان قدَّر عليَّ المعصية فلم يدخلني النار؟ لأن هذا الكلام البسيط الشديد معناه أن الله ظالم! ليس لها معنى غير هذا، إذا كنت تعتقد أنه حكم عدل -عدله مطلق- فلم تسأل هذا السؤال؟ لا تقل له: (لم) لأنه يفعل ما يريد، (لم) هذه تقال لمن يمكن أن تلومه على فعله، وهل لك اختيار مع الله؟! الله يفعل ما يريد، فلا يجوز أن تقول له: لم. بل العبد يجب أن يتقرب إلى الله زلفى؛ حتى إن ابتلاه يكون ذلك مدعاة القرب، كما قال الله ﵎ لموسى ﵇: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٨٣] لماذا تركتهم وجئت على عجل؟ قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] إنما عجلت لترضى، فدل على أن العجلة في الإياب إليه سبيل من سبل الرضا عن العبد، وقد قال الله ﵎ عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣] الفاء هذه فاء التعقيب السريع، يعني: أول ما سمع أحدث إيماناً عقب القول مباشرة، إذاً: قربك إلى الله مهم جداً. الذي يقول: إن كان كتب عليَّ المعصية لماذا يعذبني؟ يتهم ربه بالظلم؛ لأنه يجب عليه أن يقول أيضاً: وإن كان كتب عليَّ الطاعة فلم يدخلني الجنة؟ لا يقول هذا أبداً، لأن هذا في مصلحته، فهو في الطاعة قدري، وهذا هو نفس قول المشركين الأوائل: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] وقارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] لولا أنني أستحق لما أعطاني الله، أعطاني لأنني أهلٌ لذلك، فقال الله ﵎ لهم: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ:٣٧] (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن من آمن فهو الذي له الزلفى. إذاً الذي يقول: لولا أنني أستحق دخول الجنة لما أدخلني الله الجنة، هذا قدري؛ لأنه في باب المعصية جبري. فنفهم من هذا أن العبد لابد أن يحدث سبباً حتى يكون له الأثر، وإذا لم يحدث السبب بطل الأثر، ولذلك قال الله ﵎ للنبي ﵊ في وقعة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ليس لمجرد أنك ألقيت بالسهم أنه أصاب، لا. لأنه ﵊ لما أمسك بقبضة من الرمل ورماها في وجوه الكفرة وقال: (شاهت الوجوه) ثم قال: (انهزموا ورب الكعبة) وفي الرواية قال الصحابي: (ما بقيت عين لهم إلا دخلها هذا التراب) أي قبضة هذه؟ قبضة تصل إلى كل هؤلاء! الله هو الذي أوصلها، كما أن المفسرين يذكرون في قوله ﵎ لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أن إبراهيم ﵇ قال: (رب كيف يبلغ صوتي الناس كلهم؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ). لابد أن تتكلم، ووصوله ليست مهمتك، توصيل الصوت من الله ﵎. يعني: أن العبد لابد أن يأخذ بالسبب؛ فإذا لم يأخذ بالسبب لا يتحقق الأثر.

стр. 422

سيد المتوكلين يأخذ يمقتضى الأسباب في الهجرة التوكل ليس معناه خلع الأسباب، التوكل معناه: التجاء القلب إلى الله مع الأخذ بالأسباب، هذا هو حقيقة التوكل، ولا التفات لما يحكى عن بعض الناس -وإن كان صحيحاً- كمثل حمزة الصوفي يقول: نزلت في بئر أستقي، فجاء اثنان فردما علي البئر -لا يعلمان أن فيه أحد- لا يعرفان أن فيه إنسان، قال: فجاء رجلان فطماها عليَّ، قال: فسكت حملاً لنفسي على التوكل، قال: ثم جاء أسد فأخرجني. لو سلمنا أن هذا الكلام صحيح، فقد يكون هذا حدث اتفاقاً رحمة من الله بعبده الجاهل، وإلا فسيد المتوكلين لما أراد أن يخرج من مكة إلى المدينة لماذا اختفى في الغار؟ لماذا لم يمش أمام الكفار؟ لماذا لما رأى سراقة بن مالك دعا عليه فساخت أقدام فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، قال: يا رسول الله! ادع الله أن يخرجني ولك أن أرد عنك، فدعا له فقال له: (أخفِ عنا)، لماذا قال له: أَخفِ عنا؟ أخذاً بالأسباب؛ لأن الإعراض عن الأسباب هدم لصرح الأمر والنهي.

стр. 423

مريم العذراء يأمرها ربها بفعل السبب ومن ألطف ما يذكر في ذلك قوله ﵎ لمريم ﵍: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] لو جاء أربعون رجلاً أشداء أقوياء وقلنا لهم: هزوا النخلة لينزل الثمر، ما نزلت تمرة، فما هي القوة عند امرأة نفساء، لتهز النخلة؟ امرأة نفساء وأضعف ما تكون المرأة بعد الولادة، خارت قواها كلها، لذلك ابن عمر لما كان يطوف بالبيت ورأى رجلاً يحمل أمه العجوز على كتفيه يطوف بها وهو يقول: أنا لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر يعني: أنا جمل أنا مطية لها، ويطوف في وسط الخلق، ثم التفت إلى ابن عمر وقال: (يـ ابن عمر! تراني وفيتها؟ قال له: لا ولا بزفرة) الزفرة هي: (الآهات) التي تقولها المرأة في الولادة، التأوه، كل الذي فعلته لا يساوي زفرة منها وهي تلدك. فكيف قال الله لمريم وهي بتلك الحال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥]؟ إشارة إلى الأخذ بالسبب، ولذلك أجاد ذلك الشاعر -لله دره- حين صور هذا المشهد فقال: توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغب بالعدل يوماً عن الطلب ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب فلو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن لكل رزق سبب لو شاء أنزل عليها الرطب، لكن هو الذي جعل النخلة في يدها كفرع شجر، وهذا من ألطف ما يقال في الأخذ بالأسباب. الإعراض عن الأسباب هدم للدين كله، قدح في الشرع الذي هو الأمر والنهي؛ لذلك كان المؤمن الذي يرجو ربه ﵎ يبدأ بطلب السبب ولا يلتفت قلبه إليه، لذلك وصف الواصف أصحاب النبي ﷺ -وهو يميزهم عن الذين أتوا من بعدهم في تعاملهم مع الدنيا- فقال: كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم. مطلوب منك أن تكون غنياً لكن لا تكن عبداً للمال، المال يكون في يدك، وقلبك فيه الافتقار إلى الله ﵎، وليس الطغيان بذلك المال.

стр. 424

الإخلاص بين الصوفية والسلف الإخلاص شرط في قبول العمل، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه مع الله تعالى غيره تركه وشركه، وقد ضلت الصوفية في هذا الباب فعرّفوا الإخلاص بما يذهب بالإخلاص، واختلقوا في طريقه عقبات موهومة فقالوا: إن طلب النعيم والجنة ينافي الإخلاص وغير ذلك من خرافاتهم.

стр. 425

الصيام عنوان الإخلاص إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة الكرام: الصيام عنوان الإخلاص، قال النبي ﵌ فيما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن الله ﵎: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، ونعلم ضرورة أن الصيام للعبد أيضاً، فكل عمل ابن آدم له حتى الصيام؛ لأنه إذا لم يصم عوقب، فدل ذلك على أنه إذا عمل فهو له، وإنما استثنى الله الصيام دون الصلاة -والصلاة هي رأس الأمر بعد الشهادتين- لأن الصيام عنوان الإخلاص، لا يتأتى فيه الرياء مثلما يتأتى في الصلاة. إن العبد قد يتوضأ في بيته ويخرج إلى المسجد ويرائي الناس بصلاته؛ لكنه لا يستطيع ذلك في الصيام، فقد يكون في البيت وحده فيشتد به العطش حتى يكاد أن يهلك، ومع ذلك لا يستطيع أن يشرب هذا هو معنى الإخلاص. إن الإخلاص في العبادة شرط باتفاق العلماء، والعمل الذي يخلو من الإخلاص لا قيمة له، قال الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]؛ لأنه خالٍ من الإخلاص. الإخلاص يرفع صاحبه من أسفل سافلين فيجعله في أعلى عليين، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦].
следующие страницы →