Полный текст (1 719 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري
قال بعض العلماء: (العبد في الطاعة قدري وفي المعصية جبري).
يشير هذا العالم بهذا القول الموجز المختصر إلى أن العبد متبع لهواه، ففي الطاعة: قدري، يقول لك: أنا ربي قدر لي كذا، وعند المعصية: جبري، يقول: ربي كتب عليَّ كذا، أي أنه متبع لهواه، حيث كان هواه في معصية قال: قضاء وقدر؛ طالما فيها مصلحته وشهوته، وكلما زاد في العصيان يريد أن يفلت من العذاب يقول: كتب الله عليَّ ذلك، وأنا ماذا أفعل؟! قال قائلهم: جرى قلم القضاء بما يكون فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غشاوته الجنين يقول: الجنين الذي ليس له كسب ولا سبب أليس يرزق؟ فأنت لماذا تسعى؟ كما أن الرزق جاء إلى هذا الجنين فسوف يأتيك، فهذا الرجل ليس عنده شيء من العقل؛ لأن هذا الجنين أخذ الطعام بسبب أكل الأم، ولو لم تأكل لمات الجنين، فهذا سبب، لكن قد يكون السبب من كسبك مباشرة وقد يكون بغير كسبك، لكن هو ظن أن السبب لا يكون إلا مباشراً؛ لذلك قال هذه الأبيات، وقال قائلهم الآخر: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء كيف لا يبتل بالماء وأنت ألقيته مكتوفاً؟ يريد أن يقول: إن القدر كتفه، ثم بعد ذلك تضعه في نار جهنم، إذاً كيف يعمل؟ كتب الله عليه المعصية ثم يعذبه بها؟! هذا هو اعتراض الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على كل شيء، فلا قيمة للأخذ بالأسباب، لكن انظر إلى جيل الصحابة، فقد سألوا نفس السؤال لكن بصورة مختلفة تماماً، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ في جنازة ببقيع الغرقد، فلما دفنا الرجل -دفنا الميت- جعل ينكت بمخصرته في الأرض -معه عود ينبش به في التراب- ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار -انتهى جف القلم- فقال رجل: يا رسول الله! جف القلم بشيء كان أو يكون؟ قال: بشيء كان -بأمر فرغ منه- فقال: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على كتابنا، فأما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة؟ قال له: لا.
اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) اسكتوا عن هذا واستأنفوا العمل، قال علي بن أبي طالب: (فما كان أجد منا بعد سماعنا هذا الكلام (يعني: هذا الكلام جعله يجد أكثر، مع أنه لا يدري أهو إلى الجنة أم إلى النار صائر، لكن أي إنسان عنده عقل، وتدبر آيات الكتاب المنزل، وفهم كلام النبي ﵊ يفهم أن هذا الكلام ليس معناه ترك العمل والاتكال، ثم تلا النبي ﷺ قوله ﵎: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:١ - ٧].
إذاً: أثبت للعبد عملاً قبل التيسير: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠] أثبت له عملاً قبل التعسير.
إذاً لابد للعبد أن يعلم أن الخاتمة مربوطة بالأولى التي هي السبب منه، هؤلاء الصحابة لم يقل أحد منهم: إن كان قدَّر عليَّ المعصية فلم يدخلني النار؟ لأن هذا الكلام البسيط الشديد معناه أن الله ظالم! ليس لها معنى غير هذا، إذا كنت تعتقد أنه حكم عدل -عدله مطلق- فلم تسأل هذا السؤال؟ لا تقل له: (لم) لأنه يفعل ما يريد، (لم) هذه تقال لمن يمكن أن تلومه على فعله، وهل لك اختيار مع الله؟! الله يفعل ما يريد، فلا يجوز أن تقول له: لم.
بل العبد يجب أن يتقرب إلى الله زلفى؛ حتى إن ابتلاه يكون ذلك مدعاة القرب، كما قال الله ﵎ لموسى ﵇: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٨٣] لماذا تركتهم وجئت على عجل؟ قال: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] إنما عجلت لترضى، فدل على أن العجلة في الإياب إليه سبيل من سبل الرضا عن العبد، وقد قال الله ﵎ عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران:١٩٣] الفاء هذه فاء التعقيب السريع، يعني: أول ما سمع أحدث إيماناً عقب القول مباشرة، إذاً: قربك إلى الله مهم جداً.
الذي يقول: إن كان كتب عليَّ المعصية لماذا يعذبني؟ يتهم ربه بالظلم؛ لأنه يجب عليه أن يقول أيضاً: وإن كان كتب عليَّ الطاعة فلم يدخلني الجنة؟ لا يقول هذا أبداً، لأن هذا في مصلحته، فهو في الطاعة قدري، وهذا هو نفس قول المشركين الأوائل: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] وقارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] لولا أنني أستحق لما أعطاني الله، أعطاني لأنني أهلٌ لذلك، فقال الله ﵎ لهم: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ:٣٧] (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن من آمن فهو الذي له الزلفى.
إذاً الذي يقول: لولا أنني أستحق دخول الجنة لما أدخلني الله الجنة، هذا قدري؛ لأنه في باب المعصية جبري.
فنفهم من هذا أن العبد لابد أن يحدث سبباً حتى يكون له الأثر، وإذا لم يحدث السبب بطل الأثر، ولذلك قال الله ﵎ للنبي ﵊ في وقعة بدر: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ليس لمجرد أنك ألقيت بالسهم أنه أصاب، لا.
لأنه ﵊ لما أمسك بقبضة من الرمل ورماها في وجوه الكفرة وقال: (شاهت الوجوه) ثم قال: (انهزموا ورب الكعبة) وفي الرواية قال الصحابي: (ما بقيت عين لهم إلا دخلها هذا التراب) أي قبضة هذه؟ قبضة تصل إلى كل هؤلاء! الله هو الذي أوصلها، كما أن المفسرين يذكرون في قوله ﵎ لإبراهيم ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أن إبراهيم ﵇ قال: (رب كيف يبلغ صوتي الناس كلهم؟ قال: عليك النداء وعلينا البلاغ).
لابد أن تتكلم، ووصوله ليست مهمتك، توصيل الصوت من الله ﵎.
يعني: أن العبد لابد أن يأخذ بالسبب؛ فإذا لم يأخذ بالسبب لا يتحقق الأثر.
стр. 422
سيد المتوكلين يأخذ يمقتضى الأسباب في الهجرة
التوكل ليس معناه خلع الأسباب، التوكل معناه: التجاء القلب إلى الله مع الأخذ بالأسباب، هذا هو حقيقة التوكل، ولا التفات لما يحكى عن بعض الناس -وإن كان صحيحاً- كمثل حمزة الصوفي يقول: نزلت في بئر أستقي، فجاء اثنان فردما علي البئر -لا يعلمان أن فيه أحد- لا يعرفان أن فيه إنسان، قال: فجاء رجلان فطماها عليَّ، قال: فسكت حملاً لنفسي على التوكل، قال: ثم جاء أسد فأخرجني.
لو سلمنا أن هذا الكلام صحيح، فقد يكون هذا حدث اتفاقاً رحمة من الله بعبده الجاهل، وإلا فسيد المتوكلين لما أراد أن يخرج من مكة إلى المدينة لماذا اختفى في الغار؟ لماذا لم يمش أمام الكفار؟ لماذا لما رأى سراقة بن مالك دعا عليه فساخت أقدام فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين، قال: يا رسول الله! ادع الله أن يخرجني ولك أن أرد عنك، فدعا له فقال له: (أخفِ عنا)، لماذا قال له: أَخفِ عنا؟ أخذاً بالأسباب؛ لأن الإعراض عن الأسباب هدم لصرح الأمر والنهي.
стр. 423
مريم العذراء يأمرها ربها بفعل السبب
ومن ألطف ما يذكر في ذلك قوله ﵎ لمريم ﵍: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] لو جاء أربعون رجلاً أشداء أقوياء وقلنا لهم: هزوا النخلة لينزل الثمر، ما نزلت تمرة، فما هي القوة عند امرأة نفساء، لتهز النخلة؟ امرأة نفساء وأضعف ما تكون المرأة بعد الولادة، خارت قواها كلها، لذلك ابن عمر لما كان يطوف بالبيت ورأى رجلاً يحمل أمه العجوز على كتفيه يطوف بها وهو يقول: أنا لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر يعني: أنا جمل أنا مطية لها، ويطوف في وسط الخلق، ثم التفت إلى ابن عمر وقال: (يـ ابن عمر! تراني وفيتها؟ قال له: لا ولا بزفرة) الزفرة هي: (الآهات) التي تقولها المرأة في الولادة، التأوه، كل الذي فعلته لا يساوي زفرة منها وهي تلدك.
فكيف قال الله لمريم وهي بتلك الحال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥]؟ إشارة إلى الأخذ بالسبب، ولذلك أجاد ذلك الشاعر -لله دره- حين صور هذا المشهد فقال: توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغب بالعدل يوماً عن الطلب ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب فلو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن لكل رزق سبب لو شاء أنزل عليها الرطب، لكن هو الذي جعل النخلة في يدها كفرع شجر، وهذا من ألطف ما يقال في الأخذ بالأسباب.
الإعراض عن الأسباب هدم للدين كله، قدح في الشرع الذي هو الأمر والنهي؛ لذلك كان المؤمن الذي يرجو ربه ﵎ يبدأ بطلب السبب ولا يلتفت قلبه إليه، لذلك وصف الواصف أصحاب النبي ﷺ -وهو يميزهم عن الذين أتوا من بعدهم في تعاملهم مع الدنيا- فقال: كانت الدنيا في أيديهم ولم تكن في قلوبهم.
مطلوب منك أن تكون غنياً لكن لا تكن عبداً للمال، المال يكون في يدك، وقلبك فيه الافتقار إلى الله ﵎، وليس الطغيان بذلك المال.
стр. 424
الإخلاص بين الصوفية والسلف
الإخلاص شرط في قبول العمل، فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه مع الله تعالى غيره تركه وشركه، وقد ضلت الصوفية في هذا الباب فعرّفوا الإخلاص بما يذهب بالإخلاص، واختلقوا في طريقه عقبات موهومة فقالوا: إن طلب النعيم والجنة ينافي الإخلاص وغير ذلك من خرافاتهم.
стр. 425
الصيام عنوان الإخلاص
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة الكرام: الصيام عنوان الإخلاص، قال النبي ﵌ فيما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ عن الله ﵎: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، ونعلم ضرورة أن الصيام للعبد أيضاً، فكل عمل ابن آدم له حتى الصيام؛ لأنه إذا لم يصم عوقب، فدل ذلك على أنه إذا عمل فهو له، وإنما استثنى الله الصيام دون الصلاة -والصلاة هي رأس الأمر بعد الشهادتين- لأن الصيام عنوان الإخلاص، لا يتأتى فيه الرياء مثلما يتأتى في الصلاة.
إن العبد قد يتوضأ في بيته ويخرج إلى المسجد ويرائي الناس بصلاته؛ لكنه لا يستطيع ذلك في الصيام، فقد يكون في البيت وحده فيشتد به العطش حتى يكاد أن يهلك، ومع ذلك لا يستطيع أن يشرب هذا هو معنى الإخلاص.
إن الإخلاص في العبادة شرط باتفاق العلماء، والعمل الذي يخلو من الإخلاص لا قيمة له، قال الله ﵎: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣]؛ لأنه خالٍ من الإخلاص.
الإخلاص يرفع صاحبه من أسفل سافلين فيجعله في أعلى عليين، قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦].
стр. 426
تعريف الصوفية للإخلاص
هل يشعر المرء إذا كان مخلصاً أم لا؟ من العجب أن بعض الصوفية عرّفوا الإخلاص تعريفاً يذهب بالإخلاص، عرفوا الإخلاص تعريفاً يكاد المرء يشك في نفسه، فقال قائلهم: إذا شهدوا في إخلاصهم الإخلاص؛ فإن إخلاصهم يحتاج إلى إخلاص.
أي: إذا أحس المرء أنه أخلص في عمله، فإن هذا الإحساس مضيع للإخلاص، فشرط الإخلاص: ألا يشعر بأنه مخلص أبداً.
نسوا إرادة العبد للإخلاص، فكيف يتأتى الفعل بدون إرادة؟! هذا مستحيل! لأن هذا أمر يجده المرء من نفسه، ولا يختلف فيه أحد، فالمخلص يجب أن يعلم أنه مخلص، فكيف يقال: إذا شعرت بأنك مخلص فهذا قدح في إخلاصك؛ أو إخلاصك يحتاج إلى إخلاص؟!
стр. 427
حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار يرد على الصوفية في تعريفهم للإخلاص
يكفي أن يُرد على هؤلاء بحديث واحد ساقه النبي ﷺ مساق المدح لفاعله، وإن لم يفعله أحد من هذه الأمة، ولكنه حدث في بني إسرائيل، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﵌ قال: (خرج ثلاثة ممن كانوا قبلكم يرتادون لأمرهم، فأخذهم المطر، فآواهم المبيت إلى غار، فلما دخلوا الغار سقطت صخرة من أعلى الجبل مما يهبط من خشية الله، فسدَّت عليهم باب الغار، فالتفت بعضهم إلى بعض وقالوا: سقط الحجر وعفي الأثر، ولا حيلة لكم إلا بالله، فادعوا الله بصالح أعمالكم.
فقال الأول: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً)، والغبوق: هو الشراب بالعشي، يقول: كنت لا أسقي بالعشي أحداً قبلهما، والشراب في الصباح اسمه: صبوح، (فنأى بي طلب -أي: الشغل- يوماً، فلم أرد عليهما، فجئتهما وقد ناما، فوقفت على رأسهما ولم أوقظهما، ووضعت الإناء على كفي والصبية يتضاغون -أي: يصرخون من الجوع- تحت قدمي، وأنا أكره أن يشرب أحد قبلهما، فما زال ذلك دأبي ودأبهما حتى برق الفجر، فاستيقظا وشربا غبوقهما، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وقال الثاني: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأصابتها سنة، فجاءتني تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فأبت، ثم جاءتني تطلب مالاً، فراودتها عن نفسها فرضيت، والتمست لها مائة وعشرين ديناراً، فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت لها المال، اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة قليلاً، غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
وقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجراء استأجرتهم على فرق من أرز -أو ذرة- فاستقل أحدهم أجره فذهب مغضباً وتركه، فثمرته له حتى كان منه البقر والإبل والغنم، فجاءني وقال: يا عبد الله! ادفع إلي حقي ولا تبخسني حقي، فأخذته على سقف البيت وقلت: انظر! كل الذي ترى لك، هو من مالك، فقال: يا عبد الله! لا تسخر بي، قال: هو كما أقول لك، فاستاق النعم كلها ولم يترك منها شيئاً؛ اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت هذا ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه.
فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون).
فهؤلاء علموا أنهم أخلصوا في هذا العمل، فدعوا الله بما يتيقنون أنهم أخلصوا فيه، فإن الكذب على الله جريمة من أعظم الجرائم، فكيف يقول لله وهو كاذب: اللهم إن كنت تعلم! ويكذب في الموضع الذي يبتغي فيه النجاة؟!! فعليه نعلم أن المضطر مخلص في اضطراره، حتى لو كان مرائياً في غير ذلك، قال الله ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ ُُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) [يونس:٢٢ - ٢٣]، وقال ﵎: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقال ﵎: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢].
فالعبد يخلص إذا أصابه الاضطرار، وهل تخلّص العبد من الاضطرار، وحياته كلها أزمات، وكلها محن ومصائب؟! فهو محتاج إلى ربه دائماً، وهو مضطر دائماً، فلِمَ يخلص في موضع ويرائي في آخر؟!
стр. 428
الإخلاص شرط في قبول العمل
قد أمرنا الله بالإخلاص في العمل، وأعلمنا أنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، قال ﵎ في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي أحداً تركته وشركه)، وهذا تقرير لمعنى الإخلاص، قال ﵎: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١١ - ١٤] ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥] ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩].
فلا يقبل الله عمل عامل إلا بالإخلاص.
стр. 429
عقبات موهومة في طريق الإخلاص عند الصوفية
إن في طريق الإخلاص عقبات موهومة وعقبات حقيقية، وأكثر الناس مبتلى بالعقبات الموهومة، فيشتبه عليه العمل أهذا إخلاص أم رياء؟ فيبتلى في آخر الأمر بالنفاق، فتكون عاقبته وخيمة، والذين يضخمون هذه العقبات هم الصوفية، يضخمونها حتى يشك المرء في نفسه.
وكما وردت المقولة: إذا اعتقدت أنك مخلص فإخلاصك يحتاج إلى إخلاص!! يقول رويم بن أحمد الصوفي الشهير فيما رواه الخطيب في تاريخ بغداد في ترجمته: (رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين!!) سبحان الله! فلو صدر الرياء من أكبر رأس على وجه الأرض لكان رياءً مذموماً، ولو صدر الإخلاص من أدنى رجل لأُجر عليه، فكيف يقال: إن رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين؟! هناك فرق هائل، وهل حسنات الأبرار كسيئات المقربين؟ ومتى كانت الحسنة سيئة؟! إن الله ﵎ قال للنبي ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، ليس هناك مداهنة إطلاقاً، فأدنى رجل إذا فعل الطاعة قبلت منه، قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره)، لا يعرف رسماً ولا اسماً، ولا يؤبه له، ومع ذلك إذا أقسم على الله أن يفعل كذا أبر قسمه.
إن الله تعالى هو الخبير الذي لا يعرف أخبار خلقه إلا هو ترى الرجل فتزدريه بعينيك وهو من الأولياء، وترى الرجل يشار إليه بالبنان، ويتبركون به، وهو من أهل النار، قال ﷺ : (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، حتى إذا كان بينه وبينها قيد ذراع -أو قال: قيد شبر- عمل بعمل أهل النار فدخل النار، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراع -أو قال: قيد شبر- عمل بعمل أهل الجنة فدخل الجنة)، والفارق هو الإخلاص.
стр. 430
الاقتداء بالصحابة أمان من الفتن والضلالات
إن أولياء الله من الصحابة ﵃ قد حققوا الإخلاص غاية التحقيق، وضربوا لنا أروع الأمثلة في ذلك، وبهم نقتدي، قال النبي ﷺ : (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد) ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير:٢] أي: تساقطت، فعندها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
إذاً: بقاء النجم في السماء علامة أمان، فطالما أنك ترى النجوم فأنت في أمان، لكن إذا سقطت النجوم فليس بعدها إلا القيامة (النجوم أمنة في السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)، فإنه لما ذهب الصحابة زادت الفتن في هذه الأمة، وكم من المحن التي حلت بالأمة مما يندى لها الجبين! إذاً: بقاء الصحابة كان علامة أمان لهذه الأمة، فإن ذهب الصحابة أتى هذه الأمة ما توعده.
إذاً: العودة لهدي الصحابة أمان، واستحضارك لعمل الصحابة وأقوالهم أمان، وهذا هو المذهب الذي نريده.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 431
الجزاء حافز وداع إلى العمل
لقد علمنا النبي ﷺ أن العبد إذا لم ينصب له جائزة فإنه لا يعمل، والنبي ﵊ أخذ هذا المعنى من القرآن، فعندما ذكر الله أن الجنة للمتقين وأن النار للعاصين، جعل حافزاً وجزاءً، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: (أن امرأة لقيت النبي ﷺ ومعها غلام، فرفعته وقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟! قال: نعم، ولك أجر)، والمرأة لم تسأل عن الأجر، إنما سألت عن الحج، وكان الجواب كافياً بنعم، لكن النبي ﷺ أردف ذلك وقال لها: ولك أجر؛ لأن العبد إذا علم أنه يؤجر عمل، وزادت همته.
ونضرب مثلاً للأعمال والأجور: موظفو القطاع العام يأخذون الراتب سواء عملوا أو لم يعملوا، ولذلك كثر فيه الغش والخداع، بينما القطاع الخاص نادر؛ لأنه يربط الأجر بالإنتاج، فإذا أنتج رجل قطعة أخذ مقابلها أجراً، فتجده يجد ويعمل ابتغاء الأجر.
فهذا شيء خلقه الله في فطر الناس، فإذا علم الإنسان أنه لن يؤجر؛ فترت همته، وقل عمله، لكن إذا علم أن الله سيجزيه ويعطيه؛ فإنه يعمل ويجد ويجتهد، فكيف غفلوا عن هذه الخصلة الموجودة في بني آدم وخاطبوا عبداً مجرداً من الإحساس؟! وقد جاء أن أحد الصحابة قال للنبي ﵊ في غزوة بدر وكان يأكل تمرات: (يا رسول الله! مالي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ قال: لك الجنة! وذكر الجنة ونعيمها، وحورها وشجرها، فقال: إنها لحياة طويلة إن عشت حتى آكل هذه التمرات، فرمى بالتمر ودخل في الصف فقاتل حتى قتل).
ولو أن هذا الصحابي جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! ما لي عند ربي إن قتلت في سبيله؟ فقال: لا أجر لك! فهل سيضحي الرجل كما ضحى ورمى التمرات وقال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات؟!! ما الذي جعله يضحي بنفسه ويدخل في غمار الصف؟! إنه الجزاء والأجر الذي أخبر به النبي ﵊.
الناس في الدنيا نماذج كثيرة، فرجل يعمل ويبني عمارات ومصانع لأجل ماذا؟ وآخر تزوج ولم ينجب ومنذ سنين وهو يذهب إلى الأطباء وهم يرخون له الحبل، ويستدرجونه بالأماني: هناك أمل إن شاء الله!.
وقد حدث هذا الأمر لطبيب أعرفه، تزوج بابنة خاله، وكان يحبها حباً شديداً، ويتمنى منها الولد، وظل سنيناً طويلة يبحث عن ولد، وهم ينسجون له حبال الأماني: هناك أمل! والرجل معتمد على الله ؛ لأنه قيل له أن هناك أملاً، وفي حياة طويلة على مدار عشرين عاماً، وهي نسبة ذهابه إلى الأطباء في أنحاء العالم رجاء الولد، وخلال ذلك وهو يبني ومعه عقارات، ومعه عيادتان، وفي آخر مرة رجع من بلد أوروبي وقد قال له الأطباء: لا أمل على الإطلاق! فلما رجع بدأ يبيع العقارات والعمارات، وباع عيادة من العيادتين، فسألوه عن ذلك، فقال: لمن أتركها؟! إذاً: لماذا كنت تعمل طيلة عشرين عاماً؟ لمن كنت تبني وتعمّر؟! لقد كان عنده أمل، فلما فقد الأمل أنفق ما جمع، والرسول ﷺ قال كما في الحديث الصحيح: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها)، والفسيلة: هي النخلة، فالرسول ﷺ يحض على الزراعة، فيقول لأحدنا: إذا كان بيدك فسيلة فاغرسها قبل أن تموت، لا تقل: لمن أزرعها؟ والمرغوب فيك أنك لا تعمل إلا لهدف، فخالف طبعك واغرسها، ولماذا لا يغرسها؟ سيقول: لأن الساعة قد قامت، فمن سيأكل منها إن أنا غرستها؟ فكأنه قال له: خالف ما هو مغروس فيك واغرسها.
إذاً: العبد لا يعمل إلا إذا جعل له الأجر، أما إذا لم يجعل له أجر فترت همته.
فجعل هؤلاء طلب النعيم الأخروي عقبة من عقبات الإخلاص، فضيعوا معنى الإخلاص على سواد الجماهير من المسلمين.
стр. 432
ضلال الصوفية في جعلهم النعيم الأخروي منافياً للإخلاص
إن الأنبياء كانوا يدعون الله أن يدخلهم الجنة، وكانوا يتعوذون من النار، والله ﵎ أثنى على عبادٍ له ونسبهم إلى نفسه تشريفاً لهم، قال الله : ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]، وهؤلاء يتعوذون من النار: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦]، والذين وصفهم الله بالعقل من جملة البشر وهم أولو الألباب، تعوذوا من النار، قال ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ومن جملة قول هؤلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩٢]، وقبل ذلك بآيات: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) [آل عمران:١٨٥]، وهذا كلام الله وحكمه: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
لكنهم يقولون: هذه عبادة التجار! فالذين يعبدون الله طمعاً في جنته وخوفاً من ناره عباد سوء!! فجعلوا طلب الأجر عقبة من عقبات الإخلاص، ومن هو الذي يستطيع أن يحقق ما يقولون وقد كان سيد المرسلين ﷺ يدعو بالنجاة من النار وهو ساجد؟! وجاءه رجل -كما روى أبو داود في سننه- فقال له: (أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ -أي: أنتم تتكلمون كثيراً، وهذا الدعاء لا أفهمه ولا أتقنه ولا أحفظه- لكنني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، فقال ﵊: حولها ندندن)، أي: حول طلب الجنة والعياذ من النار ندندن.
فكل الذكر وكل الدعاء إنما هو لطلب الجنة والنجاة من النار إن هؤلاء يظنون أن الجنة فاكهة ورمان فحسب، لا.
إن أعظم ما في الجنة النظر إلى الله ، فينسبون إلى رابعة قولها: (وإن كنت أعبدك طمعاً في لقاء وجهك فلا تحرمني)، سبحان الله! وهل يرى العبد ربه خارج الجنة؟! هل هناك مكان ثالث غير الجنة والنار؟! قال الله : ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، قال الشافعي ﵀: (لو لم يكن من العقوبة إلا الحجاب فلا يرون الله لكان كافياً).
فهذا أعظم من عذاب النار، وهو ألا يرون الله، كما أن رؤية الله أكبر من كل نعيم الجنة، كما في الحديث الصحيح، أن النبي ﷺ قال: (إذا استقر أهل الجنة في الجنة، يقول الله لهم: يا عبادي! هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا! وكيف لا نرضى وقد جنبتنا السعير؟! قال: أفلا أعطيكم ما هو أكبر من ذلك؟ قالوا: يا ربنا! وما هو أكبر مما نحن فيه؟! قال: فيكشف الحجاب، فيرون الله ، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى الله عز جل).
إن أعظم نعيم في الجنة هو أن يرى العبد ربه، فكيف يقولون: (وإن كنت أعبدك طمعاً في وجهك فلا تحرمني من وجهك) ولا يرى العبد ربه إلا إذا دخل الجنة؟! هذا غلط وقعوا فيه، وشيدوه، وبنوا عليه أصولاً في علم السلوك، وتمسك به كثير من الذين تأثروا بـ أبي حامد الغزالي.
فاحذروا باب السلوك وباب العقيدة في إحياء علوم الدين، فهذا الكتاب لا يحل لأحد أن يقرأه إلا إذا كان عالماً، ففيه طامات وحيات وأفاعي بين السطور كم أردت من قتيل! وقد حذر العلماء من هذا الكتاب.
لقد جعل الصوفية طلب النعيم الأخروي عقبة في طريق الإخلاص، فإذا كان الرجل يطلب من الله الجنة ويستعيذ به من النار، يقولون له: أنت لست بمخلص، وإخلاصك يحتاج إلى إخلاص! فضيعوا الإخلاص على جماهير المسلمين.
стр. 433
طلب النعيم الأخروي
إن أول العقبات الموهومة كما تزعم الصوفية: هي طلب النعيم الأخروي، ويرون أن ذلك قدح في الإخلاص، يقول رويم بن أحمد هذا: (الإخلاص ألا تطلب على عملك عوضاً في الدارين، ولا جزاء من الملكين)، وهناك كلمة ينسبونها إلى رابعة العدوية عابدة أهل البصرة: (اللهم إن كنت عبدتك خوفاً من نارك فأحرقني بنارك، وإن كنت عبدتك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، وإن كنت عبدتك طمعاً في لقاء وجهك فلا تحرمني).
ويقول أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء، الذي ضيع علم السلوك بهذا الكتاب، يقول: إن من عمل للجنَّة وخاف من النار كمثل الأجير السوء، إذا أُعطي عمل وإذا مُنع لا يعمل، ودرجته بمنزلة البنجي.
أي: الحمقى.
стр. 434
القضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، فلا يتم إيمان العبد حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد ضلت القدرية في هذا الباب فأنكروا القدر، وقالوا: إن الأمر أنف، بمعنى: أن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، أما أهل السنة فيقولون: إن الله على كل شيء قدير، وقد قدر الله كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وإن الله يعلم ما كان وما سيكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
стр. 435
الفهم الصحيح للإيمان بالقضاء والقدر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] لقد اشتملت هذه الآية على عدة صفات لله : كصفة العلم، وصفة القدرة، فلا يكون غالباً على أمره إلا إذا كان عالماً بما يئول إليه الحال، ولا يكون غالباً على أمره إلا إذا كان قادراً على إمضاء ما يريد، وهذا هو سر القضاء والقدر: العلم والقدرة.
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الباب نسيجاً وحدهم، ليس لهم نظير؛ لاستقامة فهمهم، واستقامة عربيتهم، فما كانوا يسمعون القرآن سماع الأعاجم، ولا كانوا يسمعون كلام النبي ﷺ سماع الأعاجم، ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا مع النبي ﷺ ندفن جنازةً في بقيع الغرقد، وكان بيده عود، فجعل ينكت في الأرض بذلك العود، ثم قال: ما من نفسٍ منفوسة إلا كتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار، فقال سراقة بن مالك: يا رسول الله! أهذا أمرٌ مضى وانقضى أم لأمرٍ مستأنف؟ قال: بل لأمرٍ مضى) وفي الرواية الأخرى: (قالوا: يا رسول الله! ففيم العمل؟)، طالما أن كل إنسان قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقدر الله مقادير الخلائق، وجرى القلم بما كان وما يكون إلى قيام الساعة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة إذاً ففيم العمل؟ قال: (اعملوا فكل ميسرٌ لما خلق له، فأما من كان من أهل السعادة، فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل أهل الشقاوة.
ثم تلا قوله ﵎: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠] قال سراقة: فما أجدني أحرص على العمل مني الآن) هذا هو استقامة الفهم، قال: ما أجد حافزاً لي على الجد في العمل وطلب رضوان الله مثل الآن.
стр. 436
اختصاص الله تعالى بعلم مآل الأحوال
إن الإيمان بالقضاء والقدر لا يكون إلا مجملاً؛ لأن حكمة الله لا تدركها العقول.
فهذا موسى ﵇ مع كونه نبياً مرسلاً من أولي العزم، وهو أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن المجيد، عندما اتبع الخضر فقتل الغلام أنكر عليه: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، وفي القراءة الأخرى: ((زاكيةً))؛ لكن الله الذي علم الخضر هذه الأمور التي حجبها عن موسى -وهو العليم الذي يعلم مآل الأحوال وما تصير إليه- قضى بأنه إن عاش هذا الغلام سيكون كافراً، وحينها سيرهق أبويه طغياناً وكفراً.
من الذي يمكن أن يطلع على هذه النتيجة؟ من الذي يقول: إن فلاناً سيختم له بشقاء أو بسعادة؟ كون الإنسان لا يملك علم معرفة المآل؛ لا يجوز له الاعتراض بظهور الحال، فإن العبرة بالمآل، كما قال ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم)، فلو صام الإنسان يوماً طويلاً، وقبل المغرب بوقت قليل شرب الماء، لبطل صوم يومه، وكذلك قبل أن يسلم من صلاته، لو أحدث لبطلت صلاته.
إذاً: (إنما الأعمال بالخواتيم)، والخاتمة محجوبة، ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن لا نشهد لمعينٍ بجنة ولا نار، فلا نقول: فلان: من أهل النار، حتى لو كان مشركاً أو يهودياً أو نصرانياً، إلا أن تذكر النتيجة مقيدة، كأن يقال: فلان النصراني من أهل النار إن مات على ذلك، ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى واستدل بقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١]، هذا هو الشرط؛ لاحتمال أن تتدارك رحمة الله هذا النصراني فيسلم قبل أن يموت، إذاً: الذي ظهر كفره بجلاء لا تُعرف خاتمته، فإذا كان العبد يجهل الخاتمة فكيف له أن يحكم وعلمه ناقص؟! روى البخاري وغيره من حدث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافراً)، أي: خلقه الله كافراً، والخضر لو لم يعلمه الله لما علم الحقيقة؛ بل لم يعلمها موسى الكليم، الذي هو من أولي العزم، فلذلك لا ينبغي للعبد أن يحكم على المآل بظهور الحال.
إن الذين يتكلمون على الصحوة الإسلامية الآن وهم يرونها ضعيفة، فأحدهم يستهزئ ويقول: دعوهم يدعون على أمريكا ليل نهار، أمريكا لديها صواريخ عابرة للقارات، وعندها قنابل ذرية، وقنابل هيدروجينية، وعندها أربعون قمراً صناعياً تجسسياً فوق منطقة الشرق الأوسط، فكأنها تسمع دبيب النملة، وأوهمونا في حرب الخليج أن الطائرة الشبح تستطيع أن ترى ماركة الفنيلة! وهؤلاء هم القادة العسكريون الذين هم عسكر من رءوسهم إلى أخمص أقدامهم، هم الذين كرروا هذا الكلام.
فهؤلاء ينظرون إلى الحال ولا ينظرون إلى المآل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران:١٢٣]، لم يكن عندهم السبب الكافي الذي ينتصرون به على قريش، ولكن نصرهم الله وهم أذلة، هذا هو المآل! أما هؤلاء فكما قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، هذا كل علمهم، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، يقولون: كل يوم يكتشف العلماء أشياء مذهلة، والذين ماتوا قبلهم كانوا جهلاء بها.
إذاً: عِلم الناس جميعاً ظاهر فقط، وما أطلعهم الله على علم الحياة الدنيا، فمملكة السماوات والأجرام سر حتى الآن، حتى الصعود إلى القمر، وأنا أقول هذا الكلام على عهدة الرجل الذي ألف كتاباً وقد كان أحد رواد الفضاء، وجنسيته كندي، وألف كتاباً يفضح فيه المخابرات الأمريكية، وعنوانه: (لم نصعد إلى القمر)، وهو منشور باللغة الإنجليزية منذ حوالي سبع سنوات، قال فيه: إن الصعود إلى القمر أكذوبة للمخابرات الأمريكية، وإن بيننا وبين القمر منطقة تصل درجة حرارتها إلى أربعة آلاف درجة مئوية، لا يصل شيء إليها إلا ذاب وقال: ولست أنسى -وهذا الكلام على لسانه ونقوله على عهدته- يوم دعوا الجمهور الأمريكي ليتفرج على كبسولة الفضاء وهي تصل إلى القمر، ثم أشرنا إلى الجماهير وقام التلفزيون والقنوات بالتصوير، وأغلقوا علينا باب الكبسولة، ولم يعلم الجماهير أننا نزلنا من الباب الآخر، ثم أرسل الصاروخ كبسولة الفضاء ولم يعلم الجماهير أن هذه الكبسولة نزلت في المحيط وهذا ليس بغريب، وليس بمستبعد، فقضية الأطباق الطائرة خرافة المخابرات الأمريكية، وأنت عندما تريد أن تعمل شيئاً في الدنيا فلا بد أن تهيء له بشيء يلفت نظر العالم كله.
واليهود هم ملوك الدعاية، وقد وصلنا الآن إلى درجة أن أمريكا وإنجلترا قد ملكت مقاليد الدنيا، وأول ما يشعر العباد أنهم قد ملكوا الأرض حينئذ تقوم القيامة كل شيء في الدنيا ملعون إلا ذكر الله وما والاه، ما غاية سعي العباد إلا الرئاسة والمال، وأعظم رجل ترأس في الدنيا كلها وشعر بحظ النفس هو فرعون، فليس هناك أحد أعظم منه والله ما سمعنا برجلٍ عُبد وكان له هذا الجبروت إلا فرعون، وغاية ما يتمناه الغني أن يكون مثل قارون، ولو جمع كل ما عند الناس الأغنياء المعدودين فلن يصل إلى ركن في خزائن قارون، وقد علمنا قصة فرعون وقصة قارون لتكون عبرة لأولي الألباب.
стр. 437
سبب ضلال الضالين عن المعتقد الصحيح
أيها المسلم! هل أنت جاد في طلب الطريق الوحيد الذي يوصلك إلى الله؟ هل أنت وجل وخائف أن تزل بك القدم فتعير أذنك لشخص من إحدى الفرق الثلاث والسبعين شخص له منطق عذب وبيان حسن؛ فتضل وتذهب معه، وأنت تعلم أن الذين ضلوا ما أتوا من غباء؟! فها هو أمير المؤمنين المأمون كان يوقر عمرو بن عبيد رأس المعتزلة، وكان عمرو بن عبيد رجلاً زاهداً، يضرب به المثل في الزهد والتقلل من الدنيا، فكان المأمون إذا رآه يقول: كلكم يمشي رويد كلكم طالب صيد إلا عمرو بن عبيد (كلكم يمشي رويد): أي: يمشي الهوينا وهو يتلفت، رجل يريد أن يصطاد؛ لكن الزاهد الذي لا ينوي إلا غايته لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهو: رجلٌ زاهد ولا يطلب صيداً من أحد، وهو مع ذلك رأس في الضلال، ذكر له حديث، فقال: من رواه؟ قالوا: جابر بن سمرة، فقال: قبح الله جابراً! وجابر بن سمرة صحابي.
إن البوابة التي عبر منها أهل البدع هي عدم احترام أصحاب الرسول ﵊، وعدم الاكتراث بهم، والزعم أنهم رجال وهم رجال، حتى لا تتم الأسوة بهم، ومذهب أهل السنة والجماعة معروف، فالطريق الوحيد له ثلاثة أصول: (ما عليه اليوم أنا وأصحابي)، أي: الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، (ما عليه اليوم أنا) هو الكتاب والسنة، (وأصحابي): هذا هو الأصل الثالث.
أما المبتدعة فإنهم لا يقيمون للصحابة وزناً، ولا يرفعون لهم رأساً، فالأمر إذاً جد خطير.
جاء في حديث الخوارج الذي رواه البخاري ومسلم أن ذا الخويصرة جاء إلى الرسول ﵊ فقال: (يا محمد! اعدل فإنك لم تعدل! فقال: ويحك! ومن أحق أهل الأرض أن يعدل إذا لم أعدل أنا؟ فلما تولى الرجل وأراد خالد أن يقتله، قال له: دعه، فإن له أصحاباً، يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، فهم عباد زهاد يصلون ويصومون؛ لدرجة أن الصحابة الأبرار الأجلاء يحتقرون أعمالهم إذا نظروا إلى جدية هؤلاء في العبادة.
إذاً: لا تغتر بسمت مبتدع حتى تعلم أنه على الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.
ما ظهرت الثنتان والسبعين فرقة إلا بضلالهم عن الطريق الوحيد، والطريق الوحيد -أيها الإخوة- هو أول طريق سُنَّ للمسلمين: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، (الفرقة الواحدة) هي أول فرقة ظهرت، أما باقي الفرق فلم تظهر إلا بعد الفرقة الأولى الناجية.
بأيمانهم نوران ذكر وسنة فما بالهم في حالك الظلمات اثنتان وسبعون فرقة ضالة جاءت بعد ظهور الطريق الوحيد إلى الله ، إذاً فكيف بنا الآن، لا سيما بعد اندثار آثار النبوة، وموت العلماء الربانيين، وظهور علماء السوء بين المسلمين، فصار البحث عن الطريق في غاية المشقة، وإنما يسهل البحث إذا كثر الأدلاء عليه، فإذا كثر الأدلاء على الطريق هان عليك الأمر، أما إذا ذهب هؤلاء العالمون به، فما أتعس العامة بدون العلماء! إذاً: هذا هو الأصل الذي نؤصله لهذه القضية الخطيرة وهي: (كلها في النار إلا واحدة)، فالقرآن موجود، لكنهم يؤلونه ويحرفونه، فعندما أنكرت المعتزلة رؤية الله يوم القيامة، هل أنكروا القرآن؟ لم ينكروه؛ بل احتجوا به على نفي رؤية الله ، مع أن السلف ﵏، أجمعوا إجماعاً ظاهراً بدلالة النصوص على أن الله يُرى في الآخرة قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥].
قال الشافعي ﵀: هذه الآية حجةٌ لأهل السنة أن الله ، يُرى في الآخرة بدلالة حجب الكافرين؛ إذ لو كان المسلمون محجوبين أيضاً عن رؤية الله، لما كان في حجب الكافرين عن الرؤية معنى.
فلم يقل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] إلا لأن آخرين لا يحجبون، ولو كان الكل محجوبين لما كان لهذه الآية معنى، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، فهل أنكر المعتزلة هذه الآية؟ لم ينكروها، إنما قالوا: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] (إلاً) هكذا بالتنوين، وجمعها آلاء، أي: إلاً ربها ناظرة، أي: هي تنظر إلى آلاء الله ونعمه.
فما أنكروا القرآن، ولو أنكروه لكفروا، لكنهم حرفوه، وهذا هو الذي صنعته كل الطوائف الضالة.
فالصحابة رضوان الله عليهم سمعوا الآية، وعلموا أنه لا بد من عمل، وعلموا أن العبد مختار، وعلم العبد لا يجاوز شراك نعله؛ لذلك لا يجوز عليه أن يحكم في المآل وهو لا يعلم ما ينتهي إليه الحال، مع ظهور الحال، فكيف إذا كان المآل في غاية الخفاء؟! كما قال الله في قصة موسى وفرعون: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، فلو كان فرعون يعلم أنه سيكون له عدواً وحزناً لما التقطه، ولا رعاه ولا رباه؛ لكنه التقطه وهو يظن أنه سيكون قرة عين له، فمن الذي يعلم هذا المآل؟ إذاً: هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]، إشارةٌ إلى نفاذ إرادته ﵎، وأنه الغلاب، وأن العبد لا ينبغي له أن يغتر بظاهر الحال؛ فليس له إلا التسليم، فقوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، إشارة إلى هذا القهر، وأنك لا بد أن تسلم؛ لأنك لا تعلم، وعدم العلم هنا ليس هو الجهل، بل قد يكون العلم النظري غير المصحوب باليقين: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، أي: لا يوقنون أن الله غالب على أمره، وأنه قادر على كل شيء.
أحد الذين هربوا سنة (١٩٦٤م) من السجن إلى دولة عربية أراد أن يرجع إلى بلاده، فخاف أن يقبضوا عليه في المطار، فذهب إلى صديق له دبلوماسي كبير، وقال له: أريد منك أن تكتب لي خطاب تزكية إلى رجل ليستقبلني في المطار.
وكان الرجل ذكياً فطناً، وظاهر القصة تدل على أن الرجل عنده فهم، فقال له: أنا سأكتب لك إلى شخصية كبيرة، لكن لا تفتح هذا الخطاب إلا في المطار (مطار القاهرة) وأنا سوف أتصل، فأخذ صاحبنا الخطاب ولما نزل في مطار القاهرة وفتح الخطاب، وجد أنه قد كتب فيه: (قل: يا رب!) فقط.
هذا هو ما عناه ذلك الدبلوماسي، قال حاكي القصة: فاقشعر بدني لما قرأت هذه العبارة؛ لأنه قال له: أنا سوف أتصل، وكان يعني بالاتصال: الدعاء والمناجاة، ونزل الرجل ومضى، وانتهى الأمر.
فهذا الرجل يعلم أن الله على كل شيء قدير، لكن ليس عنده يقين، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧] أي: لا يوقنون، فعدم العلم هنا مشتمل أيضاً على عدم اليقين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 438
خطورة القدرية وفرق الضلال
التأصيل الذي أريد أن أذكره: قوله ﵌: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟! قال: ما عليه اليوم أنا وأصحابي).
أريد أن أشعرك -أيها المسلم- بالنعمة التي تعيش فيها؛ لتشعر بمدى تقصيرك، فهناك ثلاث وسبعون طريقاً، والذي يدخل الجنة طريق واحد فقط من الثلاث والسبعين، تُرى: الذين ضلوا من الثنتين والسبعين فرقة هل أنت أذكى منهم؟ أم هل أنت أشد عبادةً منهم؟ لا والله لقد كان فيهم الذكي الذي لو وزع عقله على أهل بلد لكانوا عقلاء، وكان فيهم الزاهد، وكان فيهم الورع والتقي، وحسبك ذلك الحديث: الذي ذكرناه آنفاً جماعة يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وفي رواية أخرى: (يتقعرون)، أي: وصلوا إلى قعر العلم، ومع ذلك يقولون: لا قدر!! ما هذا الضلال المبين؟! وأين العلم الذي نزلوا إلى قعره؟ هل نفعهم؟ لم ينفعهم، وهل أتوا من غباء؟! لا.
لم يؤتوا من غباء، ولا من جهل لا بالأصول ولا بالفروع؛ لكنهم حادوا عن سيرة السلف الأوائل، وعن الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله .
وعلى كل طريق من هذه الطرق شيطان يدعو إليها، ويزين الحجج، ويلقي بالشبهات؛ ولذلك سئل الإمام أحمد ﵀: هل نجادل أهل البدع؟ قال لا.
إلا أن تكون البدعة مشتهرة ولها خطر، وعلل الإمام ذلك بقوله: إن الشبهة خطافة، والقلوب ضعيفة، فمثلاً نجد القدرية يقولون: إن قدر الله عليَّ المعصية فلم يعذبني؟ ولو أرسلت عقلك خلف هذا السؤال لتحير عقلك؛ لأنك لن تجد جواباً، وفي آخر الحال ستتهم ربك بالظلم لماذا قدر عليَّ المعصية؟! كتب نهايتي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة ثم يقال لي: أنت مختار! مختار في ماذا؟! لستُ بمختار؛ بل مجبر في الاختيار، فإن الاختيار شكلي محض، وفي حقيقة الأمر أنا مجبر!! لو أرسلت عقلك لأوصلك إلى هذه النتيجة.
стр. 439
بداية ظهور فرقة القدرية
إن هذه القضية التي كانت من القطعيات عند الصحابة أصبحت مثار جدلٍ عظيم في القرون التي جاءت بعد ذلك، وهناك فرقة تنتسب إلى الإسلام اسمها: (القدرية)، أي: نفاة القدر، وقد ظهرت هذه الفرقة في البصرة في أواخر عهد الصحابة، كما في صحيح مسلم من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري ويحيى بن يعمر قالا: (خرجنا حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ نسأله عما أحدث معبد الجهني من القول بالقدر، قال: فوفق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفناه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا ناسٌ يقرءون القرآن ويتقفرون العلم)، وذكر من شأنهم، ومن عبادتهم وجدهم واجتهادهم، قال: (وأنهم يقولون: إنه لا قدر، وأن الأمر أنف)، أي: مستأنف، أو أن الله لا يعلم الفعل إلا بعد وقوعه، قال عبد الله بن عمر: (فإذا لقيت هؤلاء فأخبرهم أنني بريء منهم وهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر! لو أن لأحدهم ملء الأرض ذهباً ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر)، ثم ساق الحديث وفيه أركان الإيمان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره حلوه ومره.
стр. 440
الالتفات إلى الأسباب وتركها
هذا الشيء البدهي عند الصحابة صار مختلفاً فيه بعد ذلك.
وقد أشار الله في عجز هذه الآية إلى شيء في غاية الأهمية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]، إشارة إلى استكانة العباد إلى الأسباب، والإنسان بمجرد أن يبدأ بالعمل ويأتي بالأسباب على كمالها، يعتقد أن العمل لا بد أن يكون.
أكثر الناس لا يعلمون أن الله غالب على أمره؛ ولذلك يتقن الشيء ويظن أنه لا بد أن يحصل على مرامه، ولكن هيهات! قد يكون السبب قوياً وله صلاحية؛ ولكنه لا يصيب، كالمطر هل يكفي في إخراج البذر والنبات؟ لا يكفي، حتى تأتي الرياح، ولا تكفي الرياح حتى تنتفي الآفات عن الزرع إذاً لا بد من وقوع أسباب وانتفاء موانع.
وانظر إلى الرجل والمرأة: امرأة لا عيب فيها، ورجل لا عيب فيه، ورغم ذلك لا ينجبان، فمن ظن أنه بمجرد إنزال الماء يحصل الولد فهو جاهل، فكم من رجل أنزل ولم ينجب! وتحمل المرأة ولا يتم حملها، فلا بد من انتفاء الموانع.
إن الالتفات إلى الأسباب مسألة خطيرة جداً تقدح في التوحيد، كما قال بعض السلف: (الالتفات إلى الأسباب شرك، وترك الأسباب بالكلية قدحٌ في التشريع).
وفي قصة مريم ﵍ أبلغ العبرة، فإن الله قد يرزق العبد بدون أن يبذل أي سبب، وقد لا يرزق العبد إلا بسبب ولو كان تافهاً، فتحصيل الثروة العظيمة لا يشترط لها الجد والاجتهاد؛ بل قد تأتي بأدنى سبب، فهاهي مريم ﵍ صحيحة، والأسباب متوفرة لديها لكسب القوت، ومع ذلك: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، بغير سبب! مع أنها مستطيعة، وليس بها مرض، فمن الممكن أن تكسب قوتها، ومع ذلك جاءها الرزق بلا سبب، فلما حملت وولدت وكانت في أشد حالات الضعف قال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، وفي قراءة أخرى (تسَّاقط)، ولفظ (تسَّاقط) يدل على كمية التمر الكبيرة التي نزلت عليها بهذه الهزة، وكان الأولى ألا تبذل السبب؛ لضعفها، فرزقها الله بدون سبب، وهي في كامل صحتها، فلما خارت قواها قال لها: هزي!
стр. 441
الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد وتركها قدح في الشرع
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال بعض السلف: (الالتفات إلى الأسباب قدحٌ في التوحيد، ورفض الأسباب بالكلية قدحٌ في الشرع).
أما بالنسبة للأول: فقد ألغى الله الواسطة بينه وبين عباده، إذاً: الالتفات إلى الأسباب قدحٌ في التوحيد، فلأجل تجريد التوحيد ألغى الله الواسطة، فقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، وجرت العادة في كل آيات القرآن الكريم المشتملة على السؤال أن يثبت لفظ: (قل)؛ لأن الواسطة بين الله وبين الناس هو الرسول ﵊؛ لأن العباد لا يعرفون ما يحبه الله ويرضاه إلا عن طريق الرسول.
стр. 442
لا واسطة بين الله وبين خلقه
لقد ألغى الله الواسطة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، لاحتمال أن يكون الواسطة لئيماً، فمثلاً ولله المثل الأعلى: لو كان هناك رجل وزير أو محافظ أو مدير، وأنت تريد الدخول إليه، فلن تستطيع الوصول إليه إلا عن طريق السكرتير أو مدير المكتب، فلو كان هذا الرجل الواسطة لئيماً أو مرتشياً وقال لك: لن أوصلك إلى الوزير إلا إذا دفعت كذا وكذا، أو عملت لي كذا وكذا، وأنت في حاجة ماسة لمقابلة الوزير، وتريد أن تقابله بأي ثمن، فسوف تدفع ما أراده منك ذلك الواسطة؛ بل سوف تتذلل له وتقبل يده إلخ، فلو كان هناك واسطة بين الله وبين خلقه؛ لذهب ما لله للواسطة؛ من التضرع والابتهال، والترجي الذي أترجاه من أجل أن يوصلني، فالرغبة والرهبة لا تكون إلا لله.
فلئلا يُصرف هذا الأمر للواسطة ألغاها الله ؛ لتجريد التوحيد والحفاظ على جنابه.
إذاً: الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد؛ ولذلك ألغيت الواسطة حتى لا يلتفت إليها.
وترك الأسباب بالكلية قدح في الشرع؛ لأن الله قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، والباء هنا باء السببية، وليست هي الباء التي في قوله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله)، فإن الباء في (بعمله) غير الباء في: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فالباء في قوله : ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] باء السببية، أي: ادخلوا الجنة بسبب ما كنتم تعملون، والباء في قوله ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله)، هي باء العوض والمقابلة، أي: لن يدخل أحد الجنة لأنه عمل عمل أهل الجنة، وكان عمله كفؤاً وعوضاً لدخول الجنة، استحق دخول الجنة بالعمل.
إذاً: الباب باء العوض في الحديث، وليس لأحد أن يؤدي شكر نعم الله عليه أبداً لأن النبي ﷺ لما قال هذا الحديث، قالوا: (ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 443
العقول لا تستقل بمعرفة ما يحبه الله ويرضاه
إن العقول لا تستقل بمعرفة ما يحب الله ويرضى، ولذلك كان الشرع هو الحاكم على العقل، فمثلاً هل الربا بالنسبة للعقول منكر؟ ليس بمنكر؛ بل فيه مصلحة، فالرجل ينمي أمواله، لكن الشبهة التي دخل منها المفتي بتحليل الربا، هي أن: كلا الطرفين مستفيد.
مثلاً: مر رجل بضائقة مالية، ففرجت عنه وأخرجته من ضائقته، فهو إذاً مستفيد.
وفي نفس الوقت صاحب رأس المال لا يعطل ماله، فعندما يخرج ماله بفائدة يكون قد استفاد، فالمقرض والمستقرض مستفيدان، هذا هو العقل!! وهذا هو الحال! لكنَّ المآل إلى الخراب، فهذا (بنك الاعتماد والتجارة)، وهو بنك شيوخ الخليج، وشيوخ البترول، الدنيا كلها كانت تتصور أن أي بنك في العالم يمكن أن يفلس إلا (بنك الاعتماد والتجارة)؛ لأنه مسنود، فشيوخ الخليج يضعون أموالهم فيه، ومع ذلك فأول بنك أفلس هو بنك الاعتماد والتجارة! والذين يمسكون بعجلة المال هم اليهود، أكلة الربا، وأكلة أموال العباد ولحومهم.
فلو استقلت العقول ونظرت لقالت: ليس في الربا بأس! بل لقالت: ليس في الزنا بأس! سيقولون: الرجل الفقير الذي لا يستطيع أن يتزوج ويريد أن يقضي حاجته، فلماذا تعكرون عليه؟ ولماذا تحرمونه؟! والشيعة عندهم مذهب زواج المتعة، الذي أراد أحد الهالكين على مدار واحد وثلاثين مقالاً أن يحله عندنا، وتهكم بمذاهب الفقهاء الأربعة، وتهكم بشيوخ الأزهر الذين ردوا عليه، وقد جاء في الموسوعة الفقهية، وهي موسوعة الفقه الإسلامي التي أخرجتها وزارة الأوقاف في (الستينيات): زواج المتعة أنك تشترط مدة في أصل العقد، كأن تقول: أنا سأتزوج هذه المرأة يومين، أو شهرين، أو سنتين، أو عشر سنين، أو عشرين سنة فهذا لا يجوز.
قالوا: أنتم تعسرون على الشباب، والشاب الآن لا يملك إلا هذه الساعة، فاتركه يتزوج يومين لا يملك إلا ثوباً واحداً اتركه يتزوج ثلاثة أيام عنده عشرة أو خمسة عشر جنيهاً، اتركه يتزوج ساعتين هذا هو زواج المتعة، أليست ظاهرة تيسير على الشباب المحروم؟! الذي حرقنا دمه وجففنا كبده بقولنا له: صم! يأتينا شاب فيقول: أنا شديد الشبق، ولا أستطيع الزواج، فنأمره بالصوم.
وهذه وصية الرسول ﵊: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم)، مع أن هؤلاء الشباب لهم مخرج على مذهب الشيعة، وهو أن يتزوج يومين أو ثلاثة أو أربعة.
فانظروا إلى استقلال العقول! فلو استقلت فلن تعرف ما يحبه الله ويرضاه؛ لأن الله قد يأمر بالأمر الذي يصعب على العقل إدراك حكمته، فمثلاً: سعي هاجر عندما سعت بين الصفا والمروة، لقد كانت تبحث عن الماء، فقد يقول قائل: لماذا نسعى نحن بين الصفا والمروة، نحن نسعى على الرخام؟ وهناك تكييف مركزي في المسجد الحرام، إذاً المسألة مسألة شكلية محضة، فليس هناك إرهاق ولا تعب حتى نشعر فيها بتعب أم إسماعيل.
فلماذا نفعلها حتى الآن؟ لماذا نطوف بالكعبة؟ لماذا نقبل الحجر الأسود؟ ولماذا نحلق؟ هذا كله ليس له جواب على مقتضى العقل، فقد يأمرك الله بالفعل ابتلاءً بلا علة.
стр. 444
بدر التمام في ترجمة الشيخ الإمام
إن للعلماء أهمية عظيمة في حياة الناس فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وإليهم يرجع الناس في المدلهمات والفتن.
وإن من أولئك العلماء الربانيين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني الذي ظل طوال حياته يدفع عن سنة رسول الله ﷺ تحريف المحرفين وانتحال المبطلين، فأحيا الله به السنن، وأمات به البدع.
وإن كانت الأمة قد فقدت هذا الإمام إلا أن آثاره ستبقى بارزة المعالم لكل من أراد معرفة سنة النبي ﷺ .
стр. 445
خسارة فقد العلماء
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
فدرسنا هذا المساء بعنوان (بدر التمام في ترجمة الشيخ الإمام) وهي ترجمة مختصرة لشيخنا الشيخ الإمام حسنة الأيام، ومحدث بلاد الشام بل بلاد الإسلام، عميد السلفيين، وشيخ المتكلمين، وناصر سنة سيد المرسلين، شيخنا أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني ﵀.
ففي يوم السبت الثاني والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة (١٤٢٠هـ) الموافق الثاني من شهر أكتوبر سنة (١٩٩٩م) قضى الله قضاءه بالحق، وألحق بالرفيق الأعلى شيخنا ﵀، وقبض ملك الموت وديعته في الأرض، واستودع مسامعنا من ذكره اسماً زاكياً، ومن عمى الأبصار من رسمه شخصاً تالياً.
وإني والله لحقيق بقول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً فقال: لَقَدْ لاَمَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلى البُكا رَفِيقي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ وَقالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ فُقُلْتُ لَهُ إنَّ الشَّجَى يَبعَثُ الشَّجى فَدَعْنِي فَهَذَا كُلَّهُ قَبْرُ مالك وفاة الشيخ الألباني ﵀ خسارة جسيمة على هذه الأمة، فقد اندك بموته أقوى معقل كان يرسل الشيخ منه القذائف على خصوم الإسلام، وما لانت له قناة قط ﵀.
стр. 446
الشيخ الألباني وإحياء السنة
أول معرفتي بشيخنا ﵀ كانت سنة (١٣٩٥هـ) كنت أصلي في مسجد (عين الحياة) خلف الشيخ عبد الحميد كشك ﵀، وبعد انتهاء الصلاة كنت أطوف على البائعين الذين يبيعون الكتب، ففي يوم من الأيام وقفت على كتاب (صفة صلاة النبي ﷺ من التسليم إلى التكبير كأنك تراه) فأخذت الكتاب بيدي وقلبته، ولكنه كان باهظ الثمن، فتركته ومضيت أبحث عن كتاب آخر، فإذا بي أجد كتيباً لطيفاً بعنوان (تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ للشيخ الألباني) فاشتريته بخمسة قروش، وتصفحته وأنا في طريقي إلى مسكني، فوجدت ما فيه يخالف ما ورثته من الصلاة عن آبائي؛ إذ أن كثيراً من هيئات الصلاة لا تمت إلى السنة بصلة؛ فندمت ندامة الكسعي أنني لم أشتر الآخر.
والكسعي هذا رجل يضرب به المثل في الندم، وقصته أنه كان رجلاً رامياً، وكان لا يخفق في رميه، فرمى بالليل ظباء، فظن أن السهم لم يصب الظباء فكسر قوسه، وقيل: قطع إصبعه، فلما أصبح وجد الظباء ميتة وسهمه فيها، فندم أنه كسر السهم، وصار مثلاً يقال: ندامة الكسعي ومنه قول الفرزدق: ندمتُ ندامةَ الكُسَعِيّ لما غدت منّي مُطلَّقةً نوار فندمت ندماً شديداً أنني لم أشتر ذلك الكتاب، وظللت أبحث عن ثمن الكتاب طيلة الأسبوع حتى وفقني الله لشرائه في الجمعة التي بعدها، فلما قرأت الكتاب كنت كما قال القائل: (ألقيت الألواح، ولاح لي المصباح من الصباح) ووجدت نموذجاً فريداً في التصنيف، مع أنني ما كنت أفهم شيئاً قط من الحاشية التي كتبها الشيخ ﵀، ولكنني أحسست بفحولة وجزالة لم أعهدها في كل ما قرأته من قبل، فملك عليَّ هذا الكتاب حواسي، وكنت في كل جمعة أبحث عن مصنفات الشيخ ناصر الدين الألباني، حتى وقفت على كتاب (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة) وقفت على المائة الحديث الأولى، وهذا الكتاب هو الذي فتح عيني وأنار بصيرتي.
وكان لهذا الشيخ ﵀ الفضل ليس عليَّ فقط، ولكن على أبناء جيل الإسلام، فإن هذا الشيخ المبارك كان له من الأثر ما لم يفعله كثير من العلماء، فما من رجل ينسب إلى السنة في هذا الزمان إلا وللشيخ عليه فضل، دق أو جل.
ومن بعدها لم أكن أصلي في مسجد عين الحياة خلف الشيخ عبد الحميد كشك ﵀؛ لأن الشيخ ﵀ كان على رغم ما له من فضل، فكل المنتسبين إلى الصحوة هو الذي أجج فيهم نار الالتزام والحمية للإسلام، إلا إن أكثر من ستين أو سبعين بالمائة من الأحاديث التي يذكرها الشيخ ﵀ كانت من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
وللشيخ كشك ﵀ عذر في ذلك؛ لأنه حفظ أحاديث كتاب (إحياء علوم الدين) لـ أبي حامد الغزالي، وأبو حامد الغزالي كان تام الفقر في علم الحديث، وكتابه من أكثر الكتب كذباً على النبي ﷺ ، وتستطيع أن تدرك ذلك بالنظر إلى حاشية الكتاب، وإلى تخريج الحافظ زين الدين العراقي المسمى بـ (المغني عن الأسفار في الأسفار بتخريج ما في الإحياء من الأخبار) فإن الحافظ زين الدين العراقي حكم على كل أحاديث هذا الكتاب، وأكثر من ستين أو سبعين بالمائة من أحاديث هذا الكتاب إما موضوع أو باطل أو منكر أو ضعيف أو لا أصل له، والقليل منها صحيح.
وقد ذكر الشيخ الألباني ﵀ في الجزء الأول من السلسلة الضعيفة الأحاديث المشهورة على ألسنة الناس، وإذا بي أفاجأ أن أغلب الأحاديث التي حفظتها من الخطباء في الجمعة تدور ما بين المكذوب على النبي ﵊ والموضوع والباطل والضعيف والشاذ والمنكر إلى آخر هذه الأقسام التي هي من نصيب الأحاديث الضعيفة.
فعكر عليَّ كتاب الشيخ الألباني هذه الخطب، حتى أنني أصبحت أشك في كل حديث أسمعه، وفي يوم من الأيام سمعت الشيخ يقول على المنبر حديثاً وهو: (إن الله ﵎ يتجلى للناس عامة، ويتجلى لـ أبي بكر خاصة) لأول مرة أشك في حديث أسمعه وأقول في نفسي: ترى هل هذا الحديث صح عن النبي ﷺ أم لا؟ ومع ذلك فقد انفعلت له لما أسمعه من صراخ الجماهير من حولي إعجاباً واستحساناً.
فلما رجعت إلى بيتي نظرت في سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ ناصر الدين فلم أجد هذا الحديث، فواصلت بحثي فوجدت هذا الحديث في كتاب (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) لـ ابن القيم ﵀، وقد حكم عليه ابن القيم بأنه موضوع على النبي ﵊.
وكان قد استقر عندي ببركة القراءة في كتب الشيخ الألباني أن التحذير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة واجب أكيد، فقلت في نفسي: لابد أن أذهب إلى الشيخ وأبلغه أن هذا الحديث مكذوب.
وكان للشيخ كشك رحمه جلسات في مسجده بين المغرب والعشاء، فلحقت بالصف الأول حتى أكون في أوائل الناس الذين يسلمون عليه، فسلمت عليه وهمست في أذنه إلى أن الحديث الذي ذكره في الجمعة الماضية وسميته قال عنه ابن القيم ﵀: إنه موضوع على النبي ﵊، فقال لي الشيخ: بل هو صحيح، وقال لي كلاماً لا أضبطه الآن، لكن خلاصة هذا الكلام أن ابن القيم لم يكن مصيباً في حكمه على هذا الحديث بالوضع، ولم يكن هناك وقت للمجادلة؛ لأن هناك طابوراً طويلاً خلفي، وكلهم يريد أن يسلم على الشيخ ويسر إليه بما يريد.
وكان مما حز في نفسي أن الشيخ كشك ﵀ سألني عن العلة في وضع هذا الحديث، فقلت له: لا أدري.
فقال لي: يا بني! تعلم قبل أن تعترض.
فمشيت من أمامه مستخزياً، وخرجت من عنده وكلي إصرار أن أدرس هذا العلم، حتى أعلم ما هو السبب في أن الحديث موضوع أو ضعيف أو باطل.
فكان من بركات الشيخ الألباني عليَّ وعلى كثير من أمثالي أنني تمذهبت بمذهب أهل الحديث؛ لأن التمذهب بمذهب أهل الحديث بمثابة طوق النجاة، ولم أتقلب يميناً ولا شمالاً، ولا تعدد انتمائي للجماعات المختلفة أبداً، وكان الفضل في ذلك بعد الله للشيخ الألباني ﵀.
فطفقت أسأل إخواني عن شيخ يدرس هذا العلم، فدللت في ذلك الوقت على شيخنا الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀، وكان يعقد هذه المجالس في بيت طلبة ماليزيا، وكان يدرس كتباً أربعة: كان يشرح صحيح البخاري، والمجموع للنووي، وإحياء علوم الدين للغزالي، والأشباه والنظائر للسيوطي.
فوجدت في هذه المجالس ضالتي المفقودة، ودرست عليه نبذاً كثيرة من علم الحديث، ولكن قلبي متعلق بكتب الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀.
стр. 447
الحويني ورحلته إلى الشيخ الألباني
حتى منَّ الله ﵎ بأول رحلة إليه، وكانت في شهر محرم (١٤٠٧) من هجرة النبي ﷺ ، وقد كنت التقيت قبلها بصهره وزوج ابنته الأخ نظام، فقلت له: إن كان هناك إمكانية للدراسة عند الشيخ وملازمته، فذكر لي أن المسألة في غاية الصعوبة، وأن ملازمة الشيخ مسألة صعبة، ولكن تعال وجرب، فكتبت للشيخ رسالة قلت له فيها كلاماً معناه: (إنني علمت أنكم تطردون الطلبة عن داركم، وأنا عندي أكثر من مائتي سؤال في علل الأحاديث ومعانيها، ولست أقنع إلا بجوابكم دون غيركم) أو كلاماً نحو هذا المعنى، وسلمها الأخ للشيخ، وقرأها عليه، وكان مما تألم منه الشيخ في هذه الرسالة كلمة (الطرد).
وكنت قبلها قد صنفت ثلاثة كتب، وكانت جميعها قد وصلت إلى الشيخ الألباني قبل أن أذهب إليه، فذهبت في الثاني من محرم، وكان ذلك في سنة (١٤٠٧هـ)، ونزلت في عمَّان، وكلمت الشيخ بالهاتف، وقد هيأت نفسي على الرضا بالطرد إذا فعل الشيخ ذلك، فباغتني بأن بدأ، فألقى عليَّ السلام، فرددت ﵇ بمثل قوله، فقال لي: لم تحسن الرد.
فقلت: لم يا شيخنا؟! قال: اجعل هذا بحثاً بيني وبينك إذا التقينا غداً.
وظللت طوال الليل أتأمل لم أسأت الرد، فهو قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقلت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ولم أكتحل بنوم حتى أذن المؤذن للفجر، وقررت في نفسي أن الذي يرد السلام يزيد شيئاً على الملقي، يعني: أن أزيد بعد: (وبركاته) لفظ: (ورضوانه) (ومغفرته) ولم أكن وقفت على بحث الشيخ في سلسلة الأحاديث الصحيحة (الجزء الثالث) لماذا؟ لأنه لم يصلنا في ذلك الوقت.
وراح عليَّ لقاء الفجر مع الشيخ بسبب أنني نمت قبل الفجر بقليل ولم أستيقظ إلا بعد الفجر، فأخذت منه موعداً آخر بعد صلاة العشاء في يوم الثالث من محرم، فبعد صلاة العشاء التقيت بالشيخ، وإن لساني ليعجز عن وصف شعوري عندما رأيته لأول مرة.
وقد كتبت ترجمة للشيخ الألباني سميتها (الثمر الداني في الذب عن الألباني) وقد نشرت قبل سنتين وحتى هذه اللحظة أشعر أنني عاجز عن وصف الشيخ مع أنني أمهلت نفسي كثيراً حتى أكتب ما شعرت به أول مرة رأيت الشيخ فيها، وكأني رأيت رجلاً من القرون الثلاثة الأول، عليه نضارة أهل الحديث، والشيخ ناصر كان بهي الوجه أبيضه، مشرباً بحمرة، ربعة من الرجال، خفيف اللحية أبيضها -لحيته بيضاء- عيناه زرقاوان، وزرقتهما رائقة كأنها بحر، ثم هو قوي البنية، فلما صافحني صافحني بقوة، وظل قوياً إلى آخر حياته ﵀، وكان شاباً فتياً بهمته، وكان يقود السيارة بسرعة عالية، ويحكي لي بعض الإخوة الذين كانوا يذهبون معه إلى العمرة بسياراتهم، فكانوا يتبادلون القيادة، فكان الشيخ أكثرهم قيادة، وكان التعب والملل يدركهم، وأما الشيخ فكان يقود سبع ساعات متواصلة لا يمل ولا يكل، مع ما كان عليه من الشيخوخة وكبر سنه.
وفي الحقيقة أني لما رأيته تذكرت حديث النبي ﷺ : (نضر الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها، فأداها كما سمعها).
قال ابن حبان ﵀ بعد رواية هذا الحديث: (وإني لأرجو أن تدرك بركة دعوة النبي ﷺ كل من نقل عنه حديثاً، فترى تلك النضرة في وجهه) ولقد كانت نضرة الحديث على وجه الشيخ باهرة ظاهرة.
فلما اقتربت منه -اقتربت منه على حذر؛ لأن له هيبة شديدة- ففوجئت بأنه يعانقني وكان لقاءً حاراً، ولم أتوقع أن يتلقى الشيخ تلميذاً صغيراً بمثل هذه الحفاوة، فتكلمت معه ساعتين، وكانت هذه هي أول جلسة مع الشيخ الألباني ﵀، وبعد هذه الجلسة تنحيت به جانباً وأخبرته أنني لم أخرج من بلدي إلا للقائه والاستفادة من علمه، فلو أذن لي أن أخدمه، وأكون معه سنداً له أقضي له حاجياته، فاعتذر بعدم وجود الوقت الكافي، فقلت له: إذاً أعطني قليلاً من الوقت أسألك عن الأسئلة التي جئت من أجلها، فاعتذر أيضاً؛ لضيق وقته.
فقلت له: أعطني شيئاً من وقتك ولو كان قليلاً، فاعتذر أيضاً؛ فأحسست برغبة حارة في البكاء، وأحسست أن رحلتي ضاعت، وأنا لم أخرج من بلدي إلا بأعجوبة، وكان حلماً لا أستطيع تحقيقه، فخروجي إلى الأردن كان معجزة، فقد كابدت فيه الأهوال وذقت المر حتى وصلت إلى الشيخ الألباني.
فقلت له -وقد خنقتني العبرة-: يا شيخنا! والله ما خرجت إلا لطلب العلم، فإن كنت أخلصت نيتي؛ فإن الله سيفتح لي، وإن كانت الأخرى فحسبي عقاباً عاجلاً أن أرجع إلى بلدي بخفي حنين، وسأدعو الله .
فافترقنا ولم أذق طعم النوم في تلك الليلة، وكاد رأسي أن ينفجر من الصداع.
فلما صليت الفجر معه في اليوم التالي قابلني، فصافحته وقبلت يده، فقال لي مبادراً: لعل الله استجاب دعاءك.
ففرحت فرحاً عظيماً بأن الشيخ ﵀ قد سمح لي بالجلوس، وأنه سيأذن لي بالاستفادة منه وسؤاله.
стр. 448
الألباني ورحلته إلى بلاد الشام
فكان من جملة فوائد الرحلة أنني سألته عن ترجمة لحياته، ولا أعلم أحداً سبقني إلى هذه الترجمة إلا الأخ محمد بن إبراهيم الشيباني، وهو أحد إخواننا من الكويت، وقد ألف في ذلك كتاباً وهو (حياة الألباني) ويقع في مجلدين، وهذا هو الذي سبقني في سؤال الشيخ الألباني ولكن لا أعلم أحداً سبقني في تسجيل حياة الشيخ ﵀ بتوضيح، وهذه الترجمة موجودة في خمسة أشرطة.
فحياته ﵀ -كما سردها لي- أنه ولد عام (١٩١٤م) أي: أن الشيخ الألباني ﵀ توفي عن خمس وثمانين سنة.
قال: وكنا في ألبانيا، وكان الحاكم أحمد سوغو بدأ يفرض على الألبانيين (القبعة) بدلاً من العمامة، وكان يضايق النساء في لباسهن، وكان والد الشيخ الألباني ﵀ شيخ الحنفية في بلده، وكان هو المفتي الذي يرجع إليه، فلما رأى والده هذا النذير -نذير الشؤم- بفرض (القبعة) بدلاً من العمامة، وهذا هو شأن العلماء النابهين، فالمسألة ليست مجرد عمامة أو قبعة كما يتصور بعض الناس الذين يهمشون المسائل الخطيرة، ويقولون: المهم القلب لا، فالعمامة مظهر إسلامي والدين الإسلامي أصيل، بينما القبعة من أزياء أعدائنا، والقبعة إنما توضع على الرأس، وأعلى ما في المرء رأسه، فأنت حين تضع شيئاً على رأسك فكأنما وضعت عنواناً، وأعلى ما فيك هو الرأس، فلا يرى الناس إلا (القبعة).
وهذه الغفلة قد سرت إلى بلادنا، وحتى في بعض الناس الذين يوصفون بالالتزام، فتجد ابنه يلبس (فنيلة) -مثلاً- عليها العلم الإمريكي، ويوضع العلم على صدر أبنائنا، وأنت تعلم أنه لا يوضع على الصدر إلا الوسام، فعندما أضع علم عدوي اللدود على صدر ابني، فكأنني أعطيته وساماً، أو يكون على ظهره، والولد يتحرك ليلاً ونهاراً وهو يرفع العلم الأمريكي مجاناً، ويصير لون العلم لوناً مستأنساً بالنسبة له، وليس غريباً، وهذا له تأثير خطير في مسألة الانتماء.
فالمسألة ليست مسألة قماش يوضع على الرأس وإنما هو رمز تحمله، وأنت ترى كل دولة لها علم يرفرف باسمها، تكون حريصة على أن يظل العلم مرفوعاً، وأكبر جريمة أن شخصاً يمسك هذا العلم وينظف به الحذاء؛ لأن هذا يدل على أنه ليست له قيمة عنده.
فلما رأى والد الشيخ الألباني هذا قرر أن يرحل إلى بلاد الشام لما كان قد قرأه من الأحاديث في فضائل الشام عامة وفي فضائل دمشق خاصة، فرحل إلى دمشق واستوطنها، وكان عمر الشيخ الألباني آنذاك تسع سنوات، ولم يكن يعرف عن العربية شيئاً، فبدأ تعليمه في جمعية اسمها (جمعية الابتعاث الخيري) وكان كما يقول: كأن الله فطرني على محبة اللغة العربية، فتفوقت على أقراني من العرب السوريين من أول سنة، وقال: وأخذت الابتدائية في سنتين، وكان المدرس يعير الطلبة السوريين بي؛ لأنني رجل أعجمي، ومع ذلك أتقنت العربية خلال سنتين.
ولم يواصل الشيخ ﵀ تعليمه فخرج من المدرسة، وكان أبوه يمارس مهنة تصليح الساعات، فلما خرج من المدرسة بدأ يعمل مع خال له، وكان نجاراً يصنع البيوت التي سقفها من الخشب على نحو ما هو موجود في باريس.
قال: فجئت ذات يوم مبكراً.
فقال: ما جاء بك؟ فقلت: لأعمل، فقال: هذه المهنة لا تصلح لك، تعال معي، وبدأ الشيخ ناصر الدين ﵀ يعمل مع والده في تصليح الساعات، حتى برع فيها، وكان الشيخ ﵀ يقول: إن مهنة تصليح الساعات علمتني الدقة.
وهو حقاً كان دقيقاً جداً، فعندما ذهبت إليه في بيته إلى (الفيلا) التي يسكن فيها في مازدا الجنوبية في الأردن، ودخلت الحديقة لمست أثر مهنته عليه.
стр. 449
شدة الشيخ الألباني على المخالفين للدليل
فالشيخ ناصر مشهور عند الناس أنه صارم، نعم كان الشيخ صارماًً؛ لأن أكثر الذين خالطوه ما كانوا يتأدبون مع الدليل، ولا أقول: يتأدبون معه؛ فالشيخ لم يكن يهتم بذلك، وقد رأيت أناساً في مجلس الشيخ الألباني وأحدهم نائم على ظهره وهو واضع إحدى رجليه على الأخرى أمام الشيخ الألباني! وآخر قدمه موجهة إلى وجه الشيخ الألباني.
وأما أن يعترض أحدهم على الشيخ بعد ظهور الدليل، ويجادل بالباطل، فكان يصير قاسياً جداً.
بعض إخواننا أراد أن يناظره في مسألة في (كتاب المحلى) فجمع بحثاً وذهب إلى الشيخ ناصر وظن أنه سيقيم عليه الحجة، وقد سمعت الأشرطة، ولما سمعتها تعجبت من طريقة الشيخ الألباني في إقامة الدليل وإقامة الحجة، ولقد سأله عن أشياء في بحثه لم يستطع أن يرد عليها، وجعل يناظره فيها، وكانت المناظرة حامية جداً، فعندما أحرج الأخ قال وهو يسأل الشيخ: يا شيخنا! قال النبي ﷺ : (ليس منا من لا يرحم صغيرنا)، فكانت لفتة طيبة، فضحك الشيخ ناصر ضحكة تشعر أنها من القلب، قال له: هات ما عندك.
стр. 450
رقة الشيخ الألباني في آخر حياته ورؤيا رؤيت له
فالشيخ الألباني كان صارماً، ولكن في المناظرات مع المخالفين، ولكنه كان رقيقاً جداً في آخر حياته، وغلب عليه الزهد، ورق قلبه كثيراً، وكان سريع الدمعة في آخر حياته، وقد حدثني إخواني كثيراً عنه، وسمعته في أشرطة مع أخت جزائرية اتصلت به، وقالت: يا شيخ! أنا رأيت في المنام أنا وأخت لي -وكنا في شرفة- أن النبي ﷺ يمشي في الطريق، وبعد ذلك بقليل رأيت شيخاً يمشي خلفه، فسألتني صاحبتي: من هذا؟ قلت: الشيخ الألباني، فرأيتك تمشي خلف النبي ﷺ على نفس الطريق.
فالشيخ لم يتمالك نفسه من البكاء، وبكى وانتحب بصوت عال، وفض المجلس الذي كان معقوداً آنذاك لطلبة العلم في بيته أو في بيت أحد إخوته، فكان سريع الدمعة غزير العبرة في آخر حياته.
نسأل الله ﵎ أن يرحم الشيخ الكبير، وأن يجزيه عما فعل من تنقية لسنة النبي ﷺ من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمنكرة، ومن تعظيم الدليل، ومن تعظيم النبي ﷺ ، أن يجزيه عنا خير الجزاء، وأن يخلف على المسلمين في مصابهم الجلل، لاسيما وقد فقدنا ركناً رشيداً أيضاً بوفاة شيخ جليل قبل أربعة أشهر وهو سماحة شيخنا الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀، فمات أكبر علمين من علماء المسلمين في هذا العصر، فنسأل الله ﵎ أن يرحم من مضى، وأن يبارك فيمن بقي.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 451
الشيخ الألباني والتمذهب
وكان من الأسئلة المهمة التي سألتها الشيخ في هذا اليوم سألته عن التمذهب؛ لأنه شاع بين الناس أن الشيخ ناصر الدين الألباني يحارب المذاهب الأربعة، ويحارب التقليد، وكانت -في الحقيقة- شائعة قوية جداً وصلتنا إلى مصر، وكنت أريد أن أعرف رأي الشيخ فيها، فلما تكلم الشيخ في هذه المسألة تكلم بكلام هو الذي عليه الأئمة الأربعة، فالشيخ ناصر لا يقول للمسلمين: لا تتمذهبوا وإنما يقول: لا تتخذوا المذهب ديناً، بمعنى: أن تجمد على المذهب، وإذا علمت الحق في غيره تقول: لا، أنا لا أخالف المذهب، فهذا هو الذي كان الشيخ ناصر ينكره، وقد أنكره العلماء المتقدمون، وتبرءوا من مخالفة النبي ﷺ أحياءً وأمواتاً، وقالوا قولتهم المشهورة: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).
فالشيخ ناصر كان يقول: إذا كنت أنا شافعي المذهب، وظهر الحق في المسألة عند المالكية أو الحنابلة أو الحنفية، فليس معنى ذلك على الإطلاق أن أجمد على مذهبي وأقول: أنا شافعي ولا أخالف المذهب، وأترك الحق الذي قامت عليه الدلائل وأخالفه.
فالشيخ ناصر كان يحارب هذا أشد المحاربة، كما كان الأئمة المتقدمون أيضاً يحاربون هذا أشد المحاربة.
قال رجل للشافعي ﵀: (إذا جاءك الحديث عن رسول الله ﷺ يخالف قولاً لبعض العلماء الذين من قبلك، أتأخذ بالحديث؟ قال: فصاح الشافعي وعلا صوته وغضب وقال: تراني في كنيسة؟! تراني في بيعة؟! ترى على وسطي زناراً؟! إذا قلت بقول على خلاف الحديث فاعلم أن عقلي قد ذهب).
فالأئمة كلهم كانوا يحذرون من مخالفة النبي ﵊، فجاء الشيخ الألباني وأخذ هذا ومضى على نفس المنوال، ولكن الحياة العلمية كانت جامدة، وقد كان الناس ركنوا إلى التقليد، وأصحاب المذاهب كلهم لا يتركون المذهب، حتى لو كان على خلاف الحديث الصحيح، بل كانوا يأخذون بفتاوى بعض المتأخرين التي لا يجوز أن تكتب في كتب الفقه أبداً، فمثلاً هناك كتاب من أهم كتب الأحناف المتأخرة ذكر فيه الإمامة في الصلاة ومن أحق الناس بها، ووصل به الحال أن يقول بعدما يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فأكبرهم سناً، فأقدمهم هجرة، فأجملهم زوجة، فأكبرهم رأساً، فأصغرهم عضواً! وهذا مكتوب في كتب الفقه، فهل هذا الكلام يكتب في كتب الفقه ويكون عمدة؟! (أجملهم زوجة) ولا يتأتى هذا إلا إذا كشفنا عن وجوه النساء وقلنا: أجمل واحدة هي امرأة الشيخ الفلاني، إذاً فهو الذي يؤم الناس، ولماذا أجملهم زوجة؟ قالوا: هذا يدل على أنه عفيف.
ولا ينظر إلى النساء لأنها تكفيه، فهل يعقل هذا الكلام؟! وهل هذه الآراء تسمى فقهاً؟ وهناك كثير من الآراء التي لا تصل في الفساد إلى هذا، ولكنها آراء تعتمد على أحاديث ضعيفة موضوعة ومنكرة باتفاق علماء الحديث، ومع ذلك جاء الفقهاء الذين لا يعلمون الصحيح من الضعيف، فأسسوا عليها أقوالاً وأحكاماً فقهية، ولقد وقف الشيخ ضد هؤلاء وقفة قوية صامدة، ولذلك فإن أعداءه كثيرون، لماذا؟ لأنه فل جموعهم بالحجة القوية البالغة.
فالشيخ ناصر لا يقول: بأنه لا يجوز لأحد أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة، بل يقول: تمذهب، ولا بأس أن تتخذ المذهب وسيلة لدراسة الفقه، ولكن إذا علمت أن الحق في مذهب آخر فإنه يجب عليك أن تتبع الحق مهما كان.
ولقد سألته: أي المذاهب تختار -أي: لو أن هناك طالب علم أراد أن يدرس الفقه ويتخذ المذهب سُلماً لدراسة الفقه، مع الشرط الذي ذكرناه، وهو أنه إذا علم الحق في مذهب آخر فيجب عليه أن يتبع الحق حيث كان.
قلت له: فأي المذاهب تفضل لطالب العلم؟ قال: المذهب الشافعي، هو أثرى المذاهب جميعاً، ثم المذهب الحنبلي، ثم المذهب المالكي، ثم المذهب الحنفي، وهذا مع رعاية الدليل والنظر إليه.
стр. 452
تواضع الشيخ الألباني وبساطته
فلما كان في اليوم الثاني لم يأت الشيخ الألباني ﵀ لصلاة الفجر، وكان يأتي من على بعد (خمسة عشر كيلو) ليصلي في هذا المسجد الذي كان يؤخر الصلاة نصف ساعة، وكان الشيخ الألباني يرى أن الصلاة تصلى قبل الوقت بحوالي نصف ساعة في بقية المساجد، فكان لأجل هذا يأتي من سكنه إلى هذا المسجد ليصلي فيه.
فالشيخ لم يأت لصلاة الفجر في هذا اليوم، فخشيت على ضياع هذا اليوم بلا استفادة، فقررت أن أذهب إليه، فاستشرت إخواني فأجمعوا ألا أذهب، وقالوا: الشيخ لا يفتح الباب لأحد ليس له موعد سابق.
وأنت بعد المكانة التي وصلت إليها لا يليق بك أن يقول لك: ارجع، فلا عليك أن يضيع عليك اليوم، ولكن لا تحرج نفسك، وكذلك رفيقي في هذه الرحلة، استشرته قلت: ما رأيك؟ قال: أنا رأيي أن تذهب، فقوى من عزمي أمران: الأمر الأول: أن صاحبي -الذي كان معي- أشار عليّ بالذهاب.
الأمر الثاني: أنني تذكرت وقتها قصة وقعت لـ ابن حبان مع شيخه ابن خزيمة، وذكرها ياقوت الحموي في مادة (بست) -المدينة التي كان منها ابن حبان البستي - فلما ذكر مدينة بست، وذكر من فيها من العلماء ذكر ابن حبان وذكر له هذه الواقعة مع شيخه كليب، أما ابن حبان ﵀ كان بعثه لسفر لهما، وكان ابن حبان يكثر من سؤال ابن خزيمة ويخزيه، فسأله سؤالاً: فقال له ابن خزيمة: يا بارد! تنح عني -أي: اتركني- قال: فكتبها ابن حبان (يا بارد تنح عني)، فقالوا له: أي فائدة في هذه العبارة؟ قال: لا أدع لفظة تخرج من فم الشيخ إلا كتبتها.
فأنا قلت: ومالي لا أفعل مثلما فعل ابن حبان، وحتى لو قال لي: ارجع كما قال ابن خزيمة لـ ابن حبان لعددت هذه من فوائد هذا اليوم، وانطلقنا، وكانت المفاجأة أنه الذي فتح الباب واستقبلنا هاشاً باشاً، وجلسنا في حديقة منزله.
وأنا أوصي إخواننا المتصدرين للدعوة أن يتبسطوا في معاملة الغرباء، فأنت لا تعلم ظروف هذا الغريب، ولا تدري كيف وصل إليك.
فأجلسنا الشيخ وأصر على أن نفطر معه، فكان يأتي بالطعام، فكنت أريد أن أقوم بمساعدته، فكان يأبى عليَّ ويقول: اجلس.
فأقول: يا شيخ! هذا من سوء الأدب أنني أجلس وأنت الذي تخدمني.
فقال لي عبارة حفرت في ذهني قال: (الامتثال هو الأدب، بل هو خير من الأدب) الامتثال: أي أن تمتثل أمره، أفضل من سلوكك الذي تظنه أدباً؛ لأن الطاعة والامتثال هنا هي الأدب بعينه.
ومرة شخص من الذين يقولون: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله في التشهد والأذان جرى بيني وبينه مناقشة، فقلت: إن النبي ﵊ كان يعلم الصحابة التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، وكل صيغ التشهد ليس فيها (سيدنا) أبداً، وهو سيدنا بلا شك، ولكن علينا أن نقف عند حدود ما علمنا، فقال: لا، الرسول كان لا يقول: سيدنا؛ لأنه كان متواضعاً.
فقلت له: حسناً الصحابة بعدما مات النبي ﷺ هل ظلوا على سوء أدبهم معه ﷺ ؟ ولماذا لم يقولوا: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله؟! فأحد الذين معه قال: يا أخي! يقول الرسول: (لا تسيدوني في الصلاة)، وهذا حديث لا أصل له، وتصحيح الكلمة: (لا تسودوني) من السؤدد، فانظر إلى سيء الأدب، الذي ليس عنده رائحة الأدب بماذا يرد، يقول: هو قال: لا تسيدوني وأنا سأسيده.
إذاً هذا سيئ الأدب؛ لأنه إذا سلمنا أن النبي ﷺ قال: (لا تسيدوني في الصلاة) فلا يجوز لأحد أن يخالف أمره؛ لأنه إذا خالف أمره لم يدع له اعتباراً، فمسألة الوقوف عند الأمر والنهي هي التي تبين أن الإنسان يجعل للآمر الناهي اعتباراً عنده.
فكان يقول: (الامتثال هو الأدب، بل هو خير من الأدب) وكان هذا اليوم هو أفضل أيام الرحلة على الإطلاق، ففيه تلطف الشيخ ﵀، ولقد كنا متعودين من الشيخ الألباني الصرامة العلمية في الكلام، ولا تحس أن فيه لطفاً ووداً، والأشرطة التي سجلتها في ترجمة الشيخ ناصر فيها أن الشيخ ضحك وتبسم، حتى إن الشيخ محمد إسماعيل المقدم حفظه الله لما سمع الأشرطة في أول مرة قال لي: كنت أتمنى أن تحذف ضحكات الشيخ الألباني.
فقلت له: لماذا؟ قال: لأننا ما تعودنا هذا من الشيخ، ونحن متعودون أن نسمع كلاماً علمياً، وما تعودنا على مسألة الرقة ومسألة الضحك.
стр. 453
علاقة الشيخ الألباني مع طلابه الغرباء
وقد كنت أصحبه في زياراته فكان يقدمني لعلمه بأنني غريب، وكان يواسيني، ومرة دعاه جماعة من الأثرياء في منطقة جبل عمان، وهذه المنطقة يسكن فيها الناس الأثرياء، فقلت له: يا شيخنا! هل يمكن أن أصحبك؟ قال: نعم، انتظرني تحت الجسر الفلاني في الساعة الفلانية، وكان دقيقاً في مواعيده، فجاء وكان معه زوجته أم الفضل في الكرسي الخلفي، فجلست بجانبه وشعرت بالحرج أنني أركب معه وامرأته في السيارة، فلاحظ ذلك فجعل يسري ذلك عني ويسألني عن حياتي الشخصية، مثلاً: (هل تزوجت؟ هل عندك سيارة؟ موديل كم؟ كيف تعلمت القيادة؟ وفي كم أيام تعلمتها؟ كيف تأكل؟ وكيف تشرب؟ ومن أين تكسب قوتك؟) لا تتصور كيف كان وقع هذا الكلام وما له من الأثر عليَّ! وأنت إذا شاء الله وجعل لك في القلوب مكاناً، وجعل لك في الأفئدة وداً فأعظم ما ترقق به هذا الود أن تهتم بالحياة الشخصية لمريدك، فلا تجعل العلاقة بينك وبينه علاقة محاضرة أو تدريس كتاب لا، ليس هذا هو الذي يربطك به، والنبي ﷺ كان كثيراً ما يهتم بمثل هذا، ولعلكم تعلمون الحوار الذي دار بينه وبين جابر بن عبد الله الأنصاري لما رجع هو وجابر من غزوة من الغزوات بعدما أعيا جمل جابر، فجعل يقول له: (ما أعجلك يا جابر! قلت: يا رسول الله! أنا حديث عهد بعرس.
قال: بكراً تزوجت أم ثيباً؟ قال: قلت: بل ثيباً، قال: فهلا بكراً تلاعبها وتلاعبك وتضاحكها وتضاحكك! فقلت: يا رسول الله! إن أبي ترك لي تسع نسوة حمق، فكرهت أن آتيهن بحمقاء مثلهن، فقلت: هذه أجمع لأمري وأرشد.
قال: أصبت.
قال: ما ترك عبد الله من الدين؟ قلت: يا رسول الله! ترك ألف ألف وسبعمائة ألف، -على والده عبد الله بن حرام (مليون وسبعمائة ألف درهم) - فسأله: كيف سيرد هذا الدين؟ قال: إن عندنا حائطاً -بستاناً- فيه نخل.
فقال ﷺ : إذا جاء جذاذ نخلكم فأتني -إذا طلع الثمر فادعني- ثم قال له: بعني جملك يا جابر.
فقال: هو لك يا رسول الله.
قال: لا، بعنيه.
قال: هو لك.
قال: بعنيه.
فباعه بثنتي عشرة أوقية، واشترط ظهره إلى المدينة -أي: بشرط أن يركبه مجاناً إلى المدينة- فلما وصلوا إلى المدينة ووصل النبي ﷺ إلى بيته جاء جابر بالجمل إلى النبي، فقال له: خذ الجمل والدراهم) إنما أراد النبي ﷺ أن يسهم في قضاء دين عبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله.
فكان النبي ﷺ كثيراً ما يفعل ذلك، فمثلاً: قال يوماً في مجلس فيه عمر بن الخطاب: (دخلت الجنة البارحة -أي: في المنام- فرأيت قصراً، ورأيت على القصر جارية تتوضأ -في بعض الروايات: جارية وضيئة تتوضأ- فقلت: لمن هذا القصر؟ فقيل: لـ عمر، قلت: ومن هذه؟ قيل: جارية لـ عمر.
قال: فلما ذكرت غيرتك وليت مدبراً.
فبكى عمر وقال: يا رسول الله! أعليك أغار؟!) فمثلك في وفائه لأصحابه حتى في المنام لا يغار منك، فقد كان رسول الله وفياً لأصحابه حتى في المنام، قال: (فلما ذكرت غيرتك وليت مدبراً).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: (بينما رجل يسوق بقرة إذ ركب عليها، فالتفتت إليه البقرة وقالت: ما لهذا خلقنا، إنما خلقنا للحرث.
فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم! فقال ﷺ : فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وليسا ثم -أي: لم يكونا موجودين في المجلس- قال: وبينما راع في غنمه إذ عدا الذئب على غنمه فأخذ شاة، فطلبه الراعي حتى أخذها منه، فأقعى الذئب على ذنبه وقال للراعي: أما تتقي الله؟! تأخذ مني رزقاً ساقه الله إليَّ؟! فقال الراعي: ما رأيت كاليوم عجباً: ذئب يتكلم! وقال الصحابة: سبحان الله ذئب يتكلم! قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر).
فهذه المحاورة التي جرت بيني وبين الشيخ كنت أحس فيها بالدهشة، فالأصل أنك إذا رأيت الرجل مندهشاً مستغرباً أن تسكن من روعه.
وقال لي: كم عندك من الولد؟ وكانت ابنتي الأولى -التي رزقت بها- رزقت بها قبل أن أسافر بيومين، فقلت له: رزقت ابنة.
قال: ما اسمها؟ قلت: سلمى.
قال: سلمها الله.
فاستبشرت بيني وبين نفسي لعل دعوة الشيخ تدركها، وظل يسألني في ذلك حتى وصلنا إلى الباب، فقال لي: أنا أعلم حرصك على السؤال، ولكن أنا وأنت ضيوف، وليس من الأدب أن تنتزع الوقت لنفسك من صاحب البيت، ولكن إذا انتهى من الأسئلة فلا بأس؛ فهو يعلم أنني جئت من بلدي وأنا حريص على طلب العلم، فيرشدني ويدلني كيف أستثمر الوقت، وفعلاً لم يسأل صاحب البيت غير سؤال واحد؛ لأن صاحب البيت كان يريد أن يحظى ببركة دخول الشيخ عنده وزيارة الشيخ لبيته، وكان هذا اليوم من أظرف الأيام التي قضيتها.
стр. 454
الشيخ الألباني في المكتبة الظاهرية
قال: وخرجت من البيت وليس معي درهم ولا دينار، ولا أدري إلى أين أذهب، حتى استأجرت من بعض إخواننا، وكان الشيخ الألباني ﵀ له أيضاً دروس يعقدها في دمشق، وكان يشرح في تلك الأيام كتاب (زاد المعاد) لـ ابن القيم، وكان من ثمرة تدريسه هذا الكتاب الذي وضعه على زاد المعاد باسم (التعليقات الجياد على زاد المعاد) خرج فيه أحاديثه، ونقحه، واعترض عليه في بعض المسائل وأدلى بحجته، وما لم يظهر دليله أظهر دليله، ولكن الشيخ -كما أخبرني- لم يتم هذا الكتاب ولم يطبعه حتى الآن.
ودرَّس أيضاً كتاب الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث للشيخ أحمد شاكر ﵀.
قال: وتزوجت ولم يساعدني أبي بشيء إلا بمائتي (ليرة) سورية، قال: ولكني كنت دقيقاً في مهنتي فبسط الله علي الرزق، فكثرت الزبائن وتحسن الحال.
ثم بدأ الشيخ يرتاد المكتبة الظاهرية، والمكتبة الظاهرية تساوي دار الكتب المصرية، فهي مكتبة عامرة بنفائس المخطوطات النادرة، فكان يذهب إلى هذه المكتبة ويمضي يومه كاملاً إلى وقت متأخر من الليل، حتى إن الموظفين في المكتبة إذا أرادوا كتاباً ولم يعلموا بمكانه كانوا يسألون الشيخ الألباني عنه وهم الموظفون المختصون بالمكتبة! حتى وصل به الحال إلى أن أخذ مزية لا أعلم أحداً في الدنيا أخذها غير الشيخ الألباني، وهي أن مدير المكتبة الظاهرية أعطاه مفتاح المكتبة، مع أنها مؤسسة حكومية، وأنت تعلم أن المخطوطات ثمينة، فالمخطوطة الواحدة تباع بمليون (جنيه) وهذه المخطوطات هي تراث أمتنا الذي جاء المستعمرون وسرقوه ومضوا، والحملة الفرنسية لما أتت شغلونا بالكلام الفارغ، يقولون: اللغة الهيروغليفية! ماذا فعلت لنا هذه اللغة؟ عرفنا ماذا كان يأكل القدماء، وماذا كانوا يشربون، وكيف كانوا ينامون فما قيمة هذا الكلام؟ ولكن المستعمرين لما رحلوا إلى فرنسا سرقوا آلاف المخطوطات معهم وذهبوا لينصبوا المكتبات في باريس، ويوجد في العالم مئات المكتبات التي تضم آلاف المخطوطات الإسلامية.
فمدير المكتبة الظاهرية أعطى الشيخ ناصر الدين الألباني المفتاح، وأعطاه غرفة خاصة في المكتبة، ولم يشغل نفسه كثيراً بالبحث عن القوت.
فيا ليت طلاب العلم يتأسون به في ذلك، فالشيخ ناصر الدين الألباني لم يصل إلى هذه الرتبة بسهولة، إنما وصل إليها بعد جهد جهيد وعناء شديد وعزم لا يلين.
стр. 455
الشيخ الألباني وتجرده للحق وبعض ما لقي من الإيذاء
وكان هذا العزم واضحاً حتى في تصميمه على آرائه الشكلية التي خالف فيها الناس، فعندما كان يقتنع بمسألة فقهية فلا يتركها أبداً إلا إذا ظهر له دليل آخر يرجعه عنها، حتى ولو أوذي بسببها، وهذا فيه دلالة على صلابة الشيخ ﵀ في الحق، وحسبك أنه مع نباهته ومع شدة تأثيره في الناس عاش غريباً إلى أن مات، فالشيخ الألباني قبل أربع سنوات كاد أن يطرد من الأردن بسبب فتوى له حرفتها بعض الجماعات الإسلامية ممن يسيطرون على مجلس الأمة الأردني، وزعموا أن الشيخ الألباني يوجب على الفلسطينيين الهجرة من فلسطين وتركها لليهود.
وحتى أن بعض إخواني سمع هذه الفتوى في إذاعة إسرائيل، فالمذيع في إذاعة إسرائيل ذكر الشيخ الألباني وترجم له ترجمة لطيفة وظريفة وقال: إنه أكبر محدث في العالم الإسلامي، وقد أفتى بوجوب هجرة الفلسطينيين من فلسطين.
مع أن الشيخ الألباني ما أفتى بذلك، وإنما الفتوى خرجت على مقتضى السؤال الذي وجه إليه، وأنت تعلم أن العالم أسير السؤال، والجواب إنما يخرج على مقتضى السؤال.
السؤال الذي سمعته بأذني من السائل أنه قال للشيخ: إننا نعاني من الاضطهاد في الأرض المحتلة، ونخاف على أنفسنا، حتى لا يستطيع الواحد منا أن يقيم الصلاة في المسجد خوفاً على أهله؟ فقال له الشيخ: إذا لم تستطع أن تقيم الصلاة فيجب عليك أن تهاجر، فإن هذا النوع من الهجرة أوجبه جميع علماء المسلمين، وهذا النوع لم ينقطع: الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد المعصية إلى بلاد الطاعة، ومن بلاد البدعة إلى بلاد السنة، فهذه الهجرة الواجبة ينبغي على المسلم أن يسعى إليها ولا تسقط عنه إلا بعجزه عن الهجرة.
فالجواب واضح، قال: إذا عجزتم عن عبادة الله فاخرجوا من دياركم وارجعوا إليها فاتحين.
وكاد الشيخ ﵀ أن يطرد بسبب هذه الفتوى، لولا تدخل بعض كبار تلاميذه، مثل الشيخ: أبي مالك محمد بن إبراهيم الشقرة، وهو مدير المسجد الأقصى في الأردن، وخطيب مسجد صلاح الدين ومن أفضل تلاميذ الشيخ ومن أشدهم وفاءً له، وكان هذا الشيخ له حظوة عند الملك حسين، ودخل إلى الملك حسين أكثر من مرة، بل ما دخل الشيخ الألباني الأردن إلا بضمان الشيخ أبي مالك؛ لأنهم رفضوا أيضاً استقباله في الأردن، وظل الشيخ ثلاثة أشهر على الحدود لا يدري إلى أي بلد يدخل؛ لأن كل بلد ترفض دخوله.
ولما عقد مؤتمر السنة والسيرة النبوية عام (١٤٠٠هـ) هنا في مصر دعي إليه كل الناس إلا الشيخ الألباني، مع أن أغلب هؤلاء المؤتمرين الذين حضررا المؤتمر ليس لهم أي جهد يشكر في خدمة هذه الأمة فيما يتعلق بسنة النبي ﷺ ، فكيف لا يدعى مثل هذا الشيخ العظيم؟ وظل هذا التجاهل الرسمي للشيخ الألباني حتى العام الماضي، فأعطوه جائزة الملك عن خدمة الحديث، وهو الذي شرف الجائزة، والجائزة لم تشرفه يوماً من الأيام، ولقد ظل الشيخ يخدم السنة أكثر من ستين عاماً وهو إمام للسنة وإمام للعقيدة وإمام في الفقه وفي تعظيم النبي، وظل رد الفعل الرسمي هذا ضعيفاً جداً، ولكن الله جعل له من المحبة في قلوب المسلمين ما ظهر مقتضاه حين مات، فيوم موته كانت فجيعة، وكثير من الناس لم يصدق أن الشيخ الألباني رحمة الله عليه مات، ولقد وصلت كتبه إلى آخر مكان في الدنيا، وجعل الله ﵎ لها القبول في الأرض، ورزقه الله حسن التصنيف، بحيث أنه لو عرض مسألة ما، فإنك تقتنع بها ولو كان الشيخ مخطئاً فيها، وإنك إذا قرأت كلامه وقع في قلبك أنه الحق، وهذا لم يبدع فيه إلا قليل من أهل العلم ممن رزق حسن العبارة في التصنيف.
فالشيخ ﵀ ظل غريباً، ولم يتحرك بعز الدولة -أي دولة- إلى أن مات، وكان رأيه في حرب الخليج رأياً واضحاً، وقد أوذي بسببه أيضاً، ولم يتراجع فيه لأنه يعتقد أنه الحق في المسألة.
والشيخ الألباني ﵀ كان إذا اعتقد مسألة أنها حق لا يفارقها أبداً ولو أدى ذلك إلى حرمانه من سكنى آمنة، أو إلى طرد من البلد، وكان ذلك أيضاً سبباً في محنته لما سجن في سوريا فإنه كان متزعماً للتدريس، وجمع الله حوله الأفئدة، وكان رجلاً نابهاً، قال لي: كان عندي سيارة قديمة وكنت أطوف سوريا كلها بهذه السيارة، ومرة اختلف إخواني السلفيون في حلب -وكان هو يسكن في دمشق- فقالوا: إن لم تتدارك إخوانك تفرقوا.
وذهب إلى هناك وسهر الليل كله، وظل هناك أكثر من أسبوع حتى فصل النزاع بين إخوانه ورجع.
فكان قد أوقف حياته كلها لهذه الدعوة المباركة، ولما سجنوه استثمر وقته في السجن وأخرج لنا كتاباً وهو (مختصر صحيح الإمام مسلم ﵀ درس الكتاب دراسة دقيقة، وجرد الكتاب من أسانيده، وجمع وضم الروايات بعضها إلى بعض، وأخرج مختصر صحيح مسلم بقلمه، ولا أظن أن هذا الكتاب قد طبع حتى الآن.
والذي طبع هو مختصر صحيح مسلم بتحقيق الشيخ الألباني، أما (مختصر صحيح مسلم) للشيخ الألباني نفسه فلم يطبع.
стр. 456
الشيخ الألباني وبداية الطريق إلى علم الحديث
أول مرة يبدأ الشيخ ناصر فيها يقرأ في علم الحديث، كان سببها أنه قرأ مقالةً في مجلة المنار التي كان يصدرها آنذاك الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، وكان الشيخ محمد رشيد رضا استوطن أهله الشام، ثم رحل إلى مصر، وأي شخص يريد أن يبرز في أي فن حتى المغنين ويريد أن يكون له صيت، وله شهرة، وأن يكون له احترام في مهنته يأتي إلى مصر.
فنزح الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب من الشام إلى مصر.
وكان الشيخ محمد رشيد رضا يكتب في مجلة المنار، وكان قد كتب مقالاً عن كتاب (إحياء علوم الدين) وعن تخريج الحافظ زين الدين العراقي له، وهذه كانت أول مرة الشيخ الألباني يقرأ عن علم الحديث.
قال الشيخ: فجعلت أبحث عن هذا الكتاب كالعاشق الولهان، حتى ظفرت به عند رجل كان يؤجر الكتب، لأنه لم يكن أحد يهتم بعلم الحديث؛ لأن علم الحديث من أصعب العلوم في ذلك الوقت، ويضاف إلى صعوبته أن دارسه لا يحصل على وظيفة بعد ذلك، والإنسان لو درس الفقه فربما يكون مفتياً، أو واعظاً، أو خطيباً، ولكن إن كان محدثاً -كما قال ابن معين وقال أحمد بن حنبل وقال الدارقطني - فأين يبيع بضاعته؟! فلم يكن أحد يقبل على دراسة علم الحديث.
والناظر إلى المدارس التي بنيت في بلاد المسلمين قديماً يعلم غربة علم الحديث، فإذا نظرت إلى مدرسة نظام المفتي في بغداد، وكل المدارس التي جرت على هذا المنوال حتى الأزهر، فإنهم كانوا يهتمون بشيئين: الشيء الأول: الفقه وأصوله.
والشيء الثاني: علم الكلام.
بينما الحديث لا يدرس، فكان الذي يقبل على دراسة علم الحديث يدفع من جيبه، ولا يقبل عليه إلا إذا كان له هدف وكان محتسباً.
فالشيخ الألباني بحث عن هذا الكتاب عند رجل فأجره منه لمدة سنة؛ لأنه لم يكن يستطيع شراءه، فبدأ الشيخ الألباني يفتح عينيه على علم الحديث.
стр. 457
بين الشيخ الألباني ووالده
فبدأ يحصل بينه وبين والده مجادلات، فوالده كان حنفياً جلداً، (جلد) أي: لا يخالف مذهب الأحناف في قليل أو كثير، ومن المعروف أن مذهب الأحناف يخالف كثيراً من الأحاديث الصحيحة، حتى إن العلماء أخرجوا كتباً في الرد على أبي حنيفة منهم الأوزاعي، ومنهم أبو بكر بن أبي شيبة له في كتاب المصنف كتاب كبير اسمه (الرد على أبي حنيفة فيما خالف فيه حديث النبي ﷺ فكانت تحصل مجادلات بين الشيخ وبين أبيه.
يقول الشيخ الألباني: فكان والدي كلما عجز عن الإتيان بحجة في مقابلي كان يرفع صوته ويقول: علم الحديث صنعة، ويأبى عليه أن يعارضه في شيء من الحديث، حتى كثرت مخالفته مع أبيه.
ثم في يوم من الأيام، كان والد الشيخ الألباني على سفر، فجعل الشيخ البرهاني -وهو أحد مشايخ الشيخ الألباني - خلفاً له في صلاة الجماعة، وكان الشيخ الألباني في ذلك الوقت تبنى كراهة الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب، وعلم مع دراسة الأدلة أن هذه المسألة مكروهة، وكان من شؤم تفرق المسلمين إلى شيع وأحزاب أن المسجد الواحد كان فيه أربعة محاريب: محراب للمالكية، ومحراب للحنفية، ومحراب للشافعية، ومحراب للحنابلة، وكان إمام الشافعية يصلي أولاً، لأن الشافعية يصلون الفجر بغلس -أي: في أول الوقت- والحنفية يصلون الفجر بإسفار -أي: في آخر وقت صلاة الصبح بعدما يسفر الفجر- فلما علم الشيخ الألباني أن الجماعة الثانية في المسجد لا تجوز وأراد خليفة والده أن يستخلفه إماماً؛ لأنه يريد السفر أبى ذلك، وقال: أنا لا أخالف ما أعتقده، فأنتم تؤخرون الصلاة، وإمام الشافعية يصلي قبلكم وكل هذا في مسجد واحد!! وقد قال الشيخ أحمد سالم ﵀: ولقد رأيت هذه المحاريب الأربعة في الجامع الأزهر، وكانت هذه المسألة جارية ومسألة عادية لا تعارض فيها ولا إشكال، وكل هذا بسبب غياب الدليل وعدم الرجوع إلى النص، وعدم الوقوف عند حدود ما قاله رسول الله ﷺ .
فبدأت هذه المخالفات تظهر في رفض الشيخ الألباني أن يصلي بدل الشيخ البرهاني، بل كان يصلي مع الشافعية؛ لأنها أول جماعة تقام، فلما رجع والده من السفر حكى له الشيخ البرهاني الذي كان من ابنه، فأضمرها الوالد في نفسه، ولكنه بدأ يحصل نوع من الشقاق والنزاع بين الشيخ وبين أبيه.
ولقد قرأ الشيخ الألباني -وهو يواصل القراءة في عقيدة السلف- أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تجوز، وشاع في دمشق أن المسجد الأموي دفن فيه سبعون نبياً، قال الشيخ ناصر: فجعلت أفتش عن أصل هذا الكلام، فإذا سنده ضعيف جداً ولا أصل له، وأن هذه الحكاية لا تصح عن أحد من أئمة المسلمين ولا من المؤرخين.
قال: فجمعت بعض ورقات في هذا الباب كانت نواة لكتابي (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) قال: ورفعت هذه الأوراق إلى الشيخ البرهاني وكان شيخي، وقلت له: في هذا البحث حرمة الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فقال: هات الأوراق، وقال: سأرد عليك بعد العيد.
فلما كنا بعد العيد قال: لم تصنع شيئاً، ونحن إنما نأخذ الدين من كتب الفقه لا من كتب الحديث.
قال الشيخ: وفي يوم من الأيام وبعد أن تعشينا قال لي والدي بلسان عربي مبين: إنك أكثرت مخالفتي ومخالفة الموروث من المذهب، فإما أن توافق وإما أن تهاجر.
فقلت له: أمهلني ثلاثة أيام حتى أنظر في أمري.
قال: ولما مضت الأيام قلت لوالدي: أنا لا أستطيع أن أترك ما أعتقد أنه الحق، ولا أستطيع أيضاً أن أزعجك، فسأهاجر.
وهذا هو الذي نقوله لإخواننا الذين يتعرضون للضغط والإرهاق في بيوتهم من قبل آبائهم المناوئين لهم في التزامهم وإن كثيراً من الآباء يحلف بالطلاق إن لم يحلق ابنه لحيته ونحن نقول لهذا الولد: أطع ربك وأطع أباك، أطع ربك لأنه هو الذي أمرك على لسان النبي ﷺ أن تعفي لحيتك، وأطع أباك إذا أمرك بالخروج من البيت، فلا تحلق لحيتك واخرج من البيت، وبذلك تكون قد أطعت رسول الله ﷺ ، وتكون قد أطعت أباك أيضاً الذي أمرك بالخروج.
стр. 458
حماقة المبتدع
الغلو في الدين ومخالفة رسول رب العالمين واتباع الأهواء والآراء وتقليد المشايخ والآباء كل هذه الأسباب تصل بالإنسان إلى ارتكاب البدع والآثام وولوج أبواب النيران لأنها مدعاة لاتهام الرسول الكريم بعدم تبليغه الدين، ومن ثم فتح أبواب الشرع الحنيف للجهلة والمتعالمين أن يحدثوا في دين الله، ويتلاعبوا بشرع الله، بالزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير.
стр. 459
نعمة إكمال الدين وإتمام النعمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن مما يقال: لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها ولا أحمق من المبتدع! فإنه جمع على نفسه آصاراً وأغلالاً وألقاباً ذميمة يربأ كل عاقل أن ينسب إلى نفسه مثل هذه البدع.
أيها الإخوة الكرام! إن الله امتن علينا بإكمال الدين وإتمام النعمة، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وفي الصحيحين من حديث طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لـ عمر بن الخطاب ﵁: لقد أنزلت عليكم آية -معاشر المسلمين- لو نزلت علينا معاشر يهود لاتخذناها عيداً.
فقال عمر: وما هي؟ فقالوا له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأعلم أين نزلت، ومتى نزلت، وفي أي يوم نزلت، نزلت ونحن بجمع -بعدما دفعوا من عرفات إلى مزدلفة- ليلة الجمعة، وفي رواية: يوم الجمعة) فنزلت هذه الآية في يوم عيد، وهو يوم الجمعة، ونزلت في يوم عرفة ليلاً.
стр. 460
حال المبتدع تجاه الأحكام الشرعية
المبتدع يزعم بلسان حاله أن الله لم يكمل الدين، ولذلك أراد أن يضيف من عنده ما لم يأذن به الله ورسوله، ولذلك سميت بدعة لأجل هذا، فإن المبتدع نازع الله حق الانفراد بالتشريع، وأي لقب سوء أعظم من أن يكون المرء منازعاً لربه في حق التشريع؟! إن النبي ﷺ لم يأذن للصحابة أن يزيدوا في المأذون فيه، فكيف يأذن لهم أن يخترعوا ما لم يأذن به الله ورسوله؟! المشروع لا يجوز لك أن تزيد فيه، مع أنك تفعل ذلك زيادة قربى إلى ربك لتنال الأجر، ومع هذا لم يؤذن لك فيه.
وحديث الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي ﷺ يسألون عن عبادته يريدون التقرب إلى الله والجد في العمل، فذهبوا إلى القدوة والأسوة، الذي ليس بعده مبتغى في الجد في العبادة، فسألوا عائشة فأخبرتهم أنه بشر كالبشر، يمارس حياته بصورة طبيعية، فلما سمعوا ذلك قالوا: هذا رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ما معنى هذا التعليق؟ معناه أن هذه عبادة قليلة، لا يُرفع لها رأس، لكن هذا رسول الله سواء أكثر أو أقل في العبادة، فهو مغفور له.
لكنه إذا احتقر الأسوة وميزان العمل ماذا يبقى له؟ إذا كان الأسوة في نظره قليل العمل، لكن الذي جبره أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه، هذا أول درجات الطغيان بأن تعتقد أن النبي ﷺ قليل العبادة، لكنه مغفور له، ولذلك غضب النبي ﵊ فجمع الناس، ولم يمرر هذا الموقف؛ لأنه يشتمل على أمر خطير، لو ترك هذا الأمر لكان فيه الضياع الكامل: أن يعتقد المرء أن رسول الله ﷺ قليل العبادة.
فقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية).
следующие страницы →