Полный текст (1 719 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الشيخ الألباني وبداية الطريق إلى علم الحديث
أول مرة يبدأ الشيخ ناصر فيها يقرأ في علم الحديث، كان سببها أنه قرأ مقالةً في مجلة المنار التي كان يصدرها آنذاك الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، وكان الشيخ محمد رشيد رضا استوطن أهله الشام، ثم رحل إلى مصر، وأي شخص يريد أن يبرز في أي فن حتى المغنين ويريد أن يكون له صيت، وله شهرة، وأن يكون له احترام في مهنته يأتي إلى مصر.
فنزح الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ محب الدين الخطيب من الشام إلى مصر.
وكان الشيخ محمد رشيد رضا يكتب في مجلة المنار، وكان قد كتب مقالاً عن كتاب (إحياء علوم الدين) وعن تخريج الحافظ زين الدين العراقي له، وهذه كانت أول مرة الشيخ الألباني يقرأ عن علم الحديث.
قال الشيخ: فجعلت أبحث عن هذا الكتاب كالعاشق الولهان، حتى ظفرت به عند رجل كان يؤجر الكتب، لأنه لم يكن أحد يهتم بعلم الحديث؛ لأن علم الحديث من أصعب العلوم في ذلك الوقت، ويضاف إلى صعوبته أن دارسه لا يحصل على وظيفة بعد ذلك، والإنسان لو درس الفقه فربما يكون مفتياً، أو واعظاً، أو خطيباً، ولكن إن كان محدثاً -كما قال ابن معين وقال أحمد بن حنبل وقال الدارقطني - فأين يبيع بضاعته؟! فلم يكن أحد يقبل على دراسة علم الحديث.
والناظر إلى المدارس التي بنيت في بلاد المسلمين قديماً يعلم غربة علم الحديث، فإذا نظرت إلى مدرسة نظام المفتي في بغداد، وكل المدارس التي جرت على هذا المنوال حتى الأزهر، فإنهم كانوا يهتمون بشيئين: الشيء الأول: الفقه وأصوله.
والشيء الثاني: علم الكلام.
بينما الحديث لا يدرس، فكان الذي يقبل على دراسة علم الحديث يدفع من جيبه، ولا يقبل عليه إلا إذا كان له هدف وكان محتسباً.
فالشيخ الألباني بحث عن هذا الكتاب عند رجل فأجره منه لمدة سنة؛ لأنه لم يكن يستطيع شراءه، فبدأ الشيخ الألباني يفتح عينيه على علم الحديث.
стр. 457
بين الشيخ الألباني ووالده
فبدأ يحصل بينه وبين والده مجادلات، فوالده كان حنفياً جلداً، (جلد) أي: لا يخالف مذهب الأحناف في قليل أو كثير، ومن المعروف أن مذهب الأحناف يخالف كثيراً من الأحاديث الصحيحة، حتى إن العلماء أخرجوا كتباً في الرد على أبي حنيفة منهم الأوزاعي، ومنهم أبو بكر بن أبي شيبة له في كتاب المصنف كتاب كبير اسمه (الرد على أبي حنيفة فيما خالف فيه حديث النبي ﷺ فكانت تحصل مجادلات بين الشيخ وبين أبيه.
يقول الشيخ الألباني: فكان والدي كلما عجز عن الإتيان بحجة في مقابلي كان يرفع صوته ويقول: علم الحديث صنعة، ويأبى عليه أن يعارضه في شيء من الحديث، حتى كثرت مخالفته مع أبيه.
ثم في يوم من الأيام، كان والد الشيخ الألباني على سفر، فجعل الشيخ البرهاني -وهو أحد مشايخ الشيخ الألباني - خلفاً له في صلاة الجماعة، وكان الشيخ الألباني في ذلك الوقت تبنى كراهة الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب، وعلم مع دراسة الأدلة أن هذه المسألة مكروهة، وكان من شؤم تفرق المسلمين إلى شيع وأحزاب أن المسجد الواحد كان فيه أربعة محاريب: محراب للمالكية، ومحراب للحنفية، ومحراب للشافعية، ومحراب للحنابلة، وكان إمام الشافعية يصلي أولاً، لأن الشافعية يصلون الفجر بغلس -أي: في أول الوقت- والحنفية يصلون الفجر بإسفار -أي: في آخر وقت صلاة الصبح بعدما يسفر الفجر- فلما علم الشيخ الألباني أن الجماعة الثانية في المسجد لا تجوز وأراد خليفة والده أن يستخلفه إماماً؛ لأنه يريد السفر أبى ذلك، وقال: أنا لا أخالف ما أعتقده، فأنتم تؤخرون الصلاة، وإمام الشافعية يصلي قبلكم وكل هذا في مسجد واحد!! وقد قال الشيخ أحمد سالم ﵀: ولقد رأيت هذه المحاريب الأربعة في الجامع الأزهر، وكانت هذه المسألة جارية ومسألة عادية لا تعارض فيها ولا إشكال، وكل هذا بسبب غياب الدليل وعدم الرجوع إلى النص، وعدم الوقوف عند حدود ما قاله رسول الله ﷺ .
فبدأت هذه المخالفات تظهر في رفض الشيخ الألباني أن يصلي بدل الشيخ البرهاني، بل كان يصلي مع الشافعية؛ لأنها أول جماعة تقام، فلما رجع والده من السفر حكى له الشيخ البرهاني الذي كان من ابنه، فأضمرها الوالد في نفسه، ولكنه بدأ يحصل نوع من الشقاق والنزاع بين الشيخ وبين أبيه.
ولقد قرأ الشيخ الألباني -وهو يواصل القراءة في عقيدة السلف- أن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لا تجوز، وشاع في دمشق أن المسجد الأموي دفن فيه سبعون نبياً، قال الشيخ ناصر: فجعلت أفتش عن أصل هذا الكلام، فإذا سنده ضعيف جداً ولا أصل له، وأن هذه الحكاية لا تصح عن أحد من أئمة المسلمين ولا من المؤرخين.
قال: فجمعت بعض ورقات في هذا الباب كانت نواة لكتابي (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) قال: ورفعت هذه الأوراق إلى الشيخ البرهاني وكان شيخي، وقلت له: في هذا البحث حرمة الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، فقال: هات الأوراق، وقال: سأرد عليك بعد العيد.
فلما كنا بعد العيد قال: لم تصنع شيئاً، ونحن إنما نأخذ الدين من كتب الفقه لا من كتب الحديث.
قال الشيخ: وفي يوم من الأيام وبعد أن تعشينا قال لي والدي بلسان عربي مبين: إنك أكثرت مخالفتي ومخالفة الموروث من المذهب، فإما أن توافق وإما أن تهاجر.
فقلت له: أمهلني ثلاثة أيام حتى أنظر في أمري.
قال: ولما مضت الأيام قلت لوالدي: أنا لا أستطيع أن أترك ما أعتقد أنه الحق، ولا أستطيع أيضاً أن أزعجك، فسأهاجر.
وهذا هو الذي نقوله لإخواننا الذين يتعرضون للضغط والإرهاق في بيوتهم من قبل آبائهم المناوئين لهم في التزامهم وإن كثيراً من الآباء يحلف بالطلاق إن لم يحلق ابنه لحيته ونحن نقول لهذا الولد: أطع ربك وأطع أباك، أطع ربك لأنه هو الذي أمرك على لسان النبي ﷺ أن تعفي لحيتك، وأطع أباك إذا أمرك بالخروج من البيت، فلا تحلق لحيتك واخرج من البيت، وبذلك تكون قد أطعت رسول الله ﷺ ، وتكون قد أطعت أباك أيضاً الذي أمرك بالخروج.
стр. 458
حماقة المبتدع
الغلو في الدين ومخالفة رسول رب العالمين واتباع الأهواء والآراء وتقليد المشايخ والآباء كل هذه الأسباب تصل بالإنسان إلى ارتكاب البدع والآثام وولوج أبواب النيران لأنها مدعاة لاتهام الرسول الكريم بعدم تبليغه الدين، ومن ثم فتح أبواب الشرع الحنيف للجهلة والمتعالمين أن يحدثوا في دين الله، ويتلاعبوا بشرع الله، بالزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير.
стр. 459
نعمة إكمال الدين وإتمام النعمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن مما يقال: لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها ولا أحمق من المبتدع! فإنه جمع على نفسه آصاراً وأغلالاً وألقاباً ذميمة يربأ كل عاقل أن ينسب إلى نفسه مثل هذه البدع.
أيها الإخوة الكرام! إن الله امتن علينا بإكمال الدين وإتمام النعمة، فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
وفي الصحيحين من حديث طارق بن شهاب قال: (قالت اليهود لـ عمر بن الخطاب ﵁: لقد أنزلت عليكم آية -معاشر المسلمين- لو نزلت علينا معاشر يهود لاتخذناها عيداً.
فقال عمر: وما هي؟ فقالوا له: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأعلم أين نزلت، ومتى نزلت، وفي أي يوم نزلت، نزلت ونحن بجمع -بعدما دفعوا من عرفات إلى مزدلفة- ليلة الجمعة، وفي رواية: يوم الجمعة) فنزلت هذه الآية في يوم عيد، وهو يوم الجمعة، ونزلت في يوم عرفة ليلاً.
стр. 460
حال المبتدع تجاه الأحكام الشرعية
المبتدع يزعم بلسان حاله أن الله لم يكمل الدين، ولذلك أراد أن يضيف من عنده ما لم يأذن به الله ورسوله، ولذلك سميت بدعة لأجل هذا، فإن المبتدع نازع الله حق الانفراد بالتشريع، وأي لقب سوء أعظم من أن يكون المرء منازعاً لربه في حق التشريع؟! إن النبي ﷺ لم يأذن للصحابة أن يزيدوا في المأذون فيه، فكيف يأذن لهم أن يخترعوا ما لم يأذن به الله ورسوله؟! المشروع لا يجوز لك أن تزيد فيه، مع أنك تفعل ذلك زيادة قربى إلى ربك لتنال الأجر، ومع هذا لم يؤذن لك فيه.
وحديث الثلاثة الذين جاءوا إلى النبي ﷺ يسألون عن عبادته يريدون التقرب إلى الله والجد في العمل، فذهبوا إلى القدوة والأسوة، الذي ليس بعده مبتغى في الجد في العبادة، فسألوا عائشة فأخبرتهم أنه بشر كالبشر، يمارس حياته بصورة طبيعية، فلما سمعوا ذلك قالوا: هذا رسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
ما معنى هذا التعليق؟ معناه أن هذه عبادة قليلة، لا يُرفع لها رأس، لكن هذا رسول الله سواء أكثر أو أقل في العبادة، فهو مغفور له.
لكنه إذا احتقر الأسوة وميزان العمل ماذا يبقى له؟ إذا كان الأسوة في نظره قليل العمل، لكن الذي جبره أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه، هذا أول درجات الطغيان بأن تعتقد أن النبي ﷺ قليل العبادة، لكنه مغفور له، ولذلك غضب النبي ﵊ فجمع الناس، ولم يمرر هذا الموقف؛ لأنه يشتمل على أمر خطير، لو ترك هذا الأمر لكان فيه الضياع الكامل: أن يعتقد المرء أن رسول الله ﷺ قليل العبادة.
فقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية).
стр. 461
قبول عمل المبتدع في الميزان
أنت لا تدري أي عملك يقبل، رب عمل جودته واعتنيت به لا يساوي صفراً عند الله، ورب عمل فعلته ولم تلق له بالاً هو الذي ينجيك، لذلك قال النبي ﷺ : (لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في دلو أخيك) والماء سبيل، لكن لعل إفراغك من دلوك في دلو أخيك خير من قيام الليل طيلة عمرك، وهذا من أدل الدلائل على أن العقول لا تستقل بمعرفة ما يحبه الله ويرضاه ويكرهه ويسخطه، إنما نعرف ذلك بالوحي.
وأضرب لكم بعض الأمثال التي هي خروج على القاعدة: لما خاض بعض المسلمين في حديث الإفك وتكلموا، مجرد نقل كلام، لم يفتروا القصة من عند أنفسهم، رمى عبد الله بن أبي ابن سلول عائشة ﵂ بالفاحشة مع صفوان بن المعطل السلمي.
إذاً: من المفتري؟ الذي تولى كبره هو رأس النفاق عبد الله بن أبي، فبعض المسلمين نقل هذا الكلام، فقال بعضهم لبعض: (أولم تعلموا أن عائشة رميت بـ صفوان بن المعطل السلمي؟) فقال الله لهم: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]، مجرد كلام ينقل لكنه عند الله عظيم.
وفي صحيح البخاري ومسلم: (رب كلمة لا يلقي لها الرجل بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) (لا يلقي لها بالاً) أي: ما ظن أن تبلغ هذا المبلغ، كلمة خرجت منه فلتة، لم يلق لها بالاً، ولم يعرف خطورة الكلمة (تهوي به في النار سبعين خريفاً).
وعلى المقابل: قال النبي صلى الله عليه وآله سلم -في الحديث المتفق عليه أيضاً-: (دخلت امرأة بغي الجنة في كلب سقته) امرأة بغي تتاجر بعرضها طيلة عمرها، آثام بعضها آخذ برقاب بعض، ظلمات بعضها فوق بعض، أيسقط هذا الذنب العظيم المتكرر سقيا كلب، هذا عمل لا يلقي المرء له بالاً، لكن الله غفر ذنوبها جميعاً به.
إذاً: لا يستقل العبد في إدراك مرام التشريع، إنما العبرة بالعبادة والاتباع والإخلاص، وليس الكثرة، ولذلك قال النبي ﷺ لهؤلاء الثلاثة: (أما إني أتقاكم لله) أنا أصلي مثلك، لكن ما بين صلاتنا كما بين السماء والأرض، رجل يتصدق وآخر يتصدق، هذا تقبل صدقته وهذا ترد عليه، والفعل واحد، لماذا قبل هذا ورد ذاك؟ بسبب الإخلاص من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجي في الأول ماشٍ على مهله ويكون الأول، هذا بسبب الإخلاص، فرب عمل يسير يكون أعظم عند الله في الميزان.
стр. 462
موقف النبي ﵊ من الإحداث في الدين
جاء في صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة قال: (آخى رسول الله ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فجاء سلمان يوماً يزور أخاه، فرأى أم الدرداء متبذلة -أي: بثياب المهنة- فقال لها: مالي أراك متبذلة؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا) لا ينظر إلى زوجه، والزوج إذا كره النظر إلى زوجه أهملت الزوجة نفسها وأضاعتها، وليس هذا من فقه الزوجة، إذا أهمل الرجل النظر إلى المرأة فلا يجوز لها أن تهمل زينتها، فإن الاستمرار في الزينة يجعل الرجل يرجع إلى زوجه، كما روى النسائي في سننه: (أن امرأة قالت للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن المرأة إذا تركت الزينة ثقلت، وكره زوجها النظر إليها).
فهي امرأة لا يطلبها زوجها، ولا ينظر إليها، ولا يعيرها التفاتاً، فهي بثياب المهنة دائماً (مالي أراك متبذلة؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لا حاجة له في الدنيا.
فجلس، وجاء أبو الدرداء فرحب بأخيه، ثم أمر بإعداد طعام، فقرب الطعام، قال له سلمان: كل.
قال: إني صائم.
-وفي غير البخاري قال: والله لا أطعمه إلا إذا أكلت- قال: ما أنا بآكل حتى تأكل.
فأكل، فلما جن الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم ويصلي، فقال له سلمان: اجلس.
فكره أبو الدرداء أن يخالفه؛ فنام حتى مضى شطر الليل، فقاما فصليا جميعاً، فلما أصبحا قال له سلمان: إن لنفسك عليك حقاً، ولبدنك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولضيفك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه، فلما أصبحا أتيا النبي ﵊، فقال أبو الدرداء للنبي ﵊ مقالة سلمان، فقال ﵊: صدق سلمان) وفي بعض الروايات: (لقد أشبع سلمان علماً)، وفي رواية أخرى: (لقد أوتي سلمان فقهاً).
هذه عبادات مأذون فيها، ومع ذلك كره الزيادة فيها.
وجاء في الصحيحين من حديث أبي العباس الشاعر عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة صيامه وقيامه -القصة المعروفة- قال النبي ﵊ لـ عبد الله بن عمرو: (أولم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار.
قال: أجل يا رسول الله، إني لأفعل ذلك.
قال له: لا تفعل -وهذا ليس صداً عن العبادة، لكنه نظر إلى ما يئول إليه الأمر- فإنك إن فعلت هجمت عينك، ونفهت نفسك) (هجمت عينك) أي: غارت، ودخلت في المحاجر؛ بسبب كثرة السهر، (ونفهت نفسك) أي: ضعفت وذهب جدك، فنهاه عن الوصال والمواصلة.
كان عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ رجلاً فتياً آنذاك، فقبل الجد في العبادة، لكنه ندم في آخر عمره، فكان يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، وهذا في المأذون فيه.
وأيضاً لما كان النبي ﷺ في مزدلفة قال لـ ابن عباس: (القط لي مثل حصى الخذف، وإياكم والغلو في الدين!) الغلو: أن تحضر حجراً كبيراً وتقول في نفسك: هل ممكن أن أرمي الشيطان بحصوة؟! الشيطان لا يكفيه إلا حجراً كبيراً أقذفه بها، فنهى عن الغلو حتى في حجم الحجر؛ لأن الغلو يؤدي في النهاية إلى احتقار الشريعة، واعتقاد أن ما أمر الله به لا يوصل العبد إلى مرضاة الله، فيخرج المرء من الشريعة في آخر الأمر، فنهى عن كل غلو يفضي إلى ذلك.
وهناك من يضرب بهم المثل في هذا الباب وهم الخوارج، قال ﵊: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية).
فرجل مصل ومزكٍ وقارئ قرآن، وهذا أعلى ما يحصله الإنسان، ومع ذلك يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ما نفعتهم صلاتهم ولا صيامهم ولا قراءتهم للقرآن، فاعتبروا بهذا.
المأذون فيه نهاك عن الزيادة فيه، أيأذن لك أن تخترع شيئاً لم يشرعه الله ورسوله؟! إن هذا أشد في المقت، فالمبتدع مضاد لله في حكمه، منازع له في حق التشريع، إذ إنه شرع شيئاً لم يأذن به الله ورسوله، وقد ذم الله البدع وأهلها، والمعاصي وأهلها، لكن البدع تدخل دخولاً أولياً في المناهي؛ لأن أعظم المناهي هي البدع.
стр. 463
تحذير القرآن من مخالفة الصراط المستقيم والإحداث في الدين
قال ﵎ -وهو يحث المسلمين على لزوم الصراط المستقيم-: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ [المؤمنون:٧٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] (وصاكم به) فهي وصية من الله لنا أن نتبع صراطه المستقيم، وقد بينه النبي ﵊، كما في حديث ابن مسعود قال: (خط رسول الله ﷺ خطاً طويلاً على الأرض، وخط على جنبتيه خطوطاً قصاراً، ثم قال: هذا صراط الله -طويل- وهذه صرط الشياطين، على كل صراط شيطان يدعو إليه).
فتأمل! الفرق بين صراط الله وبين صرط الشياطين، صراط الله طويل، لكنه مستقيم، وصُرط الشياطين قصيرة، لكنها معوجة.
ومعنى: (صراط الله طويل) أي: أنك لن تلقى جزاءك فيه؛ لأنك قد تموت في أثناء الطريق وأنت تمشي، أما صرط الشياطين فعادةً يحصلون مآربهم قبل أن يموتوا، وهذا فيه مزيد إغراء لسلوك سبيل الشياطين؛ لأنه سيحصل ما يريد ويستمتع به في حياته، أما صراط الله فطويل، قد تموت ولا تحصل مأربك، طول عمرك تدافع عن الشرع والدين وتدعو المسلمين إلى لزوم الصراط لتقيم الدولة المسلمة، ومع ذلك تموت ولا ترى الدولة بعينك، إنما يراها ولد ولدك، فهذا يدل على بعد النظر، وأن السالك يريد الله لا يريد العاجلة.
إن الطريق إذا كان مستقيماً، وكان المرء أعشى البصر -لا يرى- فثبت قدميه على الصراط فإنه سوف يصل، أما هذه الطرق الملتوية فلا يصل إلى شيء منها.
قال الله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل:٩]، وتأمل الآيات قبلها ترى شيئاً بديعاً، وهذا الشيء موجود في القرآن في أكثر من آية، فقد ذكر الله الأنعام، ثم امتن علينا بخلق هذه الأنعام، فقال: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٧ - ٩]، والرابط بين هذه الآية وآية ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [النحل:٧]، هو أن هناك ثقلاً لا تستطيع أن تحمله أنت بنفسك، وهناك خيل وبغال وحمير تركبها لتسلك سبيلك، وتقرب لك المسافات للسفر والسير، فهذا سير حسي نراه ونشعر به، ونعلم قدر الراحة التي حظينا بها لما خلق الله هذه الأنعام.
تصور إنساناً يحمل كيس رمل على كتفه مسافة خمسين كيلو، هل تتحمل هذه المشقة؟! لكن إذا حملت هذا على ظهر سيارة أو على ظهر بغل أو حمار، فلا تشعر بأي مؤنة ولا تعب، إذاً: أنت تحس بهذا إحساساً يقينياً.
وبعد هذا الشيء الحسي -الذي تشعر به ولا تنازع فيه- أبان ربنا الخط والسير المعنوي إليه، إنما نقل المقام من الحس إلى المعنى مباشرة ليحصل لك حسن تصور للمعنى.
((وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)) (قصد السبيل): أنت مسافر إلى الله، فالحياة الدنيا معبر، وأنت كل يوم مسافر على جناح الليل والنهار، يحملك ليل ويحفك نهار، ويحملك نهار ويحفك ليل، وكل هذا عبارة عن سفر؛ لأنك كل يوم تقترب من المنزل النهائي وهذا سفر معنوي لا تشعر به بسبب قرارك ومقامك في بلدك.
فأراد الله أن تحسن تصور هذا السير إليه؛ فجاءك بالبغال والحمير الذي هو السير الحسي، أنت تركب البغال والحمير لتسافر هنا وهناك، فنقلك هذه النقلة؛ ليحسن لك التصور بالنسبة للمعنى، كما قال ﵎: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦] هذا تصور حقيقي، فأنت تلبس الملابس لتواري السوأة والعورة، ويقيناً فيها الحر والبرد.
ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] قال هذا مباشرة بعد هذا اللباس؛ لأنك الآن لديك تصور لقيمة هذا اللباس، يجملك، ويواري سوأتك، ويدفع عنك الحر والبرد، فيعطيك المعنى الأهم ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]، لما أمر الناس أن يذهبوا إلى الحج قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧] كل شخص يأخذ متاعه معه ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، بعدما يتزود الإنسان التزود الحسي يذكر له الزاد الحقيقي الذي ينفعه عند ربه ﵎.
وقوله: ((وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)) هو مثل قوله : ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر:٤١]، أي: على الله بيان السبيل الحق، ((وَمِنْهَا جَائِرٌ)) أي: ومن هذه السبل جائر.
وقرأ ابن مسعود ((ومنكم جائر))، لكن هذه القراءة شاذة، لا يقرأ بها، لأن القرآن يشترط فيه أن يكون موافقاً لرسم المصحف، وأن يكون متواتراً، وأن يوافق وجهاً من وجوه العربية، والعلماء يستخدمون القراءات الشاذة في بيان معاني القرآن، وإن كنا لا نقرأ بها، ولا يحل أن تسمى قرآناً.
إذاً قوله: ((وَمِنْهَا جَائِرٌ)) هذا يدل على طرق أهل البدع والشهوات كما فسرها مجاهد ﵀.
ومن الأدلة الدالة على التحذير من البدع قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]، وقرأ حمزة والكسائي ((إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء))، وقراءة الجمهور تذكر الحال، وقراءة حمزة والكسائي تذكر المآل، فإن الذي يفرق دينه لا بد أن يفارقه، فرَّق ففارق، كما قال ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢] وقرأ حمزة والكسائي أيضاً هذا الحرف: ((من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً)).
стр. 464
عواقب ارتكاب البدع
المبتدع حظي بأسوأ الألقاب كلها، قال رسول الله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) فمعنى الكلام: أن كل مبتدع ضال، فأي خطبة خسف أعظم من هذه! أن يقال له قد اختلف العلماء فيك: هل أنت كافر أم فاسق.
من الذي يتمنى أن يحمل لقباً من هذه الألقاب؟! وأيضاً: المبتدع متوعد بالخزي في الدنيا والآخرة، قال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢]، والمبتدع مفترٍ على الله ، متقول عليه، يقول هذا من دين الله .
وليس منه؛ فسيناله غضب في الحياة الدنيا، ويرد إلى ربه وهو يحمل لقب المفتري على الله .
وأيضاً: المبتدع متبع لهواه، لأن الله حصر الحكم في شيئين لا ثالث لهما، قال ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]، فحصر الحكم: إما وحي، وإما هوى، وقال ﵎: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الكهف:٢٨]، فإما ذكر، وإما هوى.
وقال ﵎: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ﴾ [ص:٢٦]، فجعل الأمر حقاً أو هوى، فهذا الذي افترى على الله ورسوله ما لم يأذن به الله لم يتبع الوحي قطعاً، فما بقي إلا الهوى، والهوى من الهوي، يهوي بصاحبه ولا يرفعه.
فيا له من عمل فاسق يرفعه الله إلى أسفل هذه رفعة لكن إلى أسفل.
ثم إن نبينا ﵊ وعظ أصحابه يوماً -كما في حديث العرباض بن سارية - موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقالوا: (يا رسول الله! كأنها موعظة مودع؛ فاعهد إلينا.
قال: عليكم بالسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ).
إذاً: العاصم من البدعة هو العلم، فإن عجزت أن تكون عالماً أو طالب علم، فتعلق بأهداب أهل العلم، أهل العلم هم مراكب النجاة في زمان الفتن، كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك.
وكان الناس قديماً، وبعض طلاب الآخرة في كل زمان يرحلون من بلادهم، يقطعون مئات الكيلومترات ليأتي الواحد منهم فيأخذ حرفاً من العلم يتزود به، ثم يرجع ولا يرى أنه أضاع عمره ولا ماله في سبيل ذلك، بل كان بعضهم يأتي المسافات الطويلة ليرى وجه العالم ثم يرجع.
قال جعفر بن سليمان الضبعي: (كنت إذا رأيت قسوة في قلبي جئت محمد بن واسع فأنظر إليه، كأن وجهه وجه ثكلى) أول ما ينظر إليه يستفيد بلحظه مثلما يستفيد بلفظه، ويرجع إلى بلده ولا يرى أنه ضيع رحلته! قال عبد الله بن المبارك: (كنت إذا نظرت إلى وجه الفضيل بن عياض جدد الحزن لي، ومقتُ نفسي) ثم يبكي عبد الله المبارك.
ويقول علي بن عمر البزار: (كان أناس يأتون يصلون خلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ ليسمعوا منه تكبيرة الإحرام في الصلاة، فإذا قال: الله أكبر انخلعت القلوب)؛ من جلالة الكلمة؛ وما يشعرون به من الإخلاص حال الإتيان بالكلمة.
ويقول ابن القيم ﵀: (كانت إذا ضاقت بنا الدنيا، وساءت بنا الظنون، نأتي شيخ الإسلام، فما هو إلا أن ننظر إلى وجهه، ونسمع كلامه؛ حتى نشعر بالطمأنينة، مع ما كان يعانيه من التعب والإرهاق).
العالم نجاة، فكل شيء يطرأ لك تسأل العالم: هل هذا حلال أم حرام بدعة أم سنة؟ فيفتيك، افعل هذا، أو لا تفعل ذاك.
فقول النبي ﵊: (عليكم بسنتي) فيه دلالة أكيدة على التعلم أو التعلق بأهداب أهل العلم أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 465
وجوب ملازمة السنة ومجانبة الهوى والبدعة
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
إن قوله ﵊: (عليكم بسنتي) فيه دلالة على طلب علم السنة؛ لأن السنة بيان للقرآن، ومن النظر في السنة تعرف الآداب.
إن النبي ﷺ كان قرآناً يمشي بين الناس، كما قالت عائشة، وقد سئلت عن قوله ﵎: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] قالت: (كان خلقه القرآن).
القرآن مجمل، فيحتاج إلى تفصيل، والتفصيل مهم للتصور، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩].
ننظر في السنة سلوك النبي ﵊، وتصرفاته مع الأعداء تصرفاته مع الأبعدين تصرفاته مع الجهلاء تصرفاته مع أهل العلم، ترى لكل أحد من هؤلاء موقفاً، ولكل شخص طريقة، لم يكن يسوي بينهم جميعاً في المعاملة، ولا يعامل العالم كما يعامل الجاهل، وإنما تعلم هذا من القرآن أيضاً.
أزواج النبي ﵊ لكمال فضلهن؛ قال الله لهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، فهن يعذبن أكثر مما تعذب المرأة العادية؛ لأن الله قال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١]، فهي مفضلة في الأجر وأيضاً مضاعف لها العذاب، فإن الرجل الفاضل يعامَل ما لا يعامل به الرجل الخامل.
стр. 466
تحذير حذيفة من البدع وأهلها
وقد جاء في حديث حذيفة بن اليمان ﵁، لما قال: (كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -الذي هو الإسلام- فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم.
قال: فهل بعد هذا الشر من خير؟) فقوله: (فهل بعد هذا الشر من خير؟) أي: بعد الخير الأول الذي هو الإسلام، (والشر الأول): الذي هو بعد الإسلام مباشرة (ثم خير فيه دخن) إذاً: خير محض لا دخن فيه، ولا شر فيه (١٠٠%) الذي هو الخير الأول في الحديث.
وقوله: (إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير -الذي هو الإسلام، فهذا الخير (١٠٠%) - فهل بعد هذا الخير - (١٠٠%) - من شر؟ قال: نعم -الشر ضعيف قليل؛ لأن الخير كثير، ولذلك تجاوزه حذيفة ولم يسأل عنه- قال: فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم -فهذا الخير الثاني، وقد وصفه النبي ﵊، فقال:- خير، لكن فيه دخن -الدخن: ما فيه غبار وضباب، وغبش-.
قال: وما دخنه؟ قال: قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر، قال: فهل بعد هذا الخير -الثاني الذي فيه دخن- من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) إذاً: بوابة جهنم هي البدع، هذا ترتيب الحديث الخطير (بوابة النار): ولوج البدع (قوم يهتدون بغير هديي، ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر) فلا يزال هذا يستفحل مع غياب وموت العلماء وظهور البدع، حتى تأتي المرحلة الخطيرة (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها).
فقال: (صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: قوم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا)، (من جلدتنا): أي: شكلهم مثلنا، ويتكلمون بألسنتنا.
حسناً ما هو النجاة؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم.
قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام -مثل هذا الزمان- قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت).
قوله: (ولو أن تعض على أصل شجرة) بعض الناس يقول لك: علينا أن نعتزل؛ لأنه قال: (اعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة)، نقول: هذا صحيح، لكن الشجر التي ستعض عليها هي أهل العلم، وأن تتعلق بأهداب عالم، فإن لم تجد عالماً فاعتزل، فإن العزلة مع وجود أهل العلم شر للإنسان إذا كان جاهلاً.
إذاً: هذا فيه تلميحة لطيفة لمعنى قوله ﵊: (عليكم بسنتي)، ولذلك قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ)، وهنا قال: (ولو أن تعض على أصل شجرة)، وأنت تعلم أن الذي يستخدم أسنانه فهذا معناه أن يديه خلتا به، وأن ساعده ضعف، وأنه يكاد يسقط، ما بقي إلا أن يستخدم أسنانه؛ لأن ساعده ضعف أن يحمله، وأنت ترى هذا إذا تعلق إنسان وكاد أن يسقط فإنه يتعلق بأي شيء حتى لو تعلق بأسنانه، فكلمة (أن يعض على أصل شجرة) هذا هو النجاة، وهذا الأمل الأخير، أن يستخدم الإنسان أسنانه حتى يثبت مكانه.
نسأل الله ﵎ أن يربط على قلوبنا حتى نلقاه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 467
موقف ابن عمرو من اتباع السنة
كان النبي ﵊ يعامل أصحابه الأقربين منه معاملة أشد من معاملة الأبعدين من الأعراب وغيرهم، يرى مثلاً عبد الله بن عمرو يلبس ثوباً أحمر، فيعرض عنه، يلقي ابن عمرو السلام فلا يرد السلام عليه، ويعرض عنه، ويتغير وجهه ﵊.
فـ عبد الله بن عمرو المعلم المؤدب الملازم عرف وجه الخلل عنده بغير تنبيه من النبي ﵊، لما رأى نظر النبي ﵊ يتوجه إلى الثياب الأحمر، فذهب إلى أهله فوجدهم يسجرون التنور فقذف الثوب في النار، وغيَّره وجاء، فأقبل عليه النبي ﵊ وسأله: (ماذا فعلت به؟ قال: سجرت به التنور.
قال: هلا أعطيته بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء) أي: أن الثوب الأحمر البحت الذي لا يخالطه لون لا بأس به للنساء، لكن لا يجوز أن يلبسه الرجال فإن قال قائل: إنه ثبت في الصحيح (أن النبي ﷺ كان يلبس ثوباً أحمر) فهل هناك تعارض؟ نقول: لا؛ لأن الثوب الذي لبسه النبي ﵊ كان يختلط به لون آخر لكن الأحمر غالب، ولذلك يقال: (أحمر)؛ لأننا نلغي القليل ونعمل بالأغلب، فمثلاً: لو سألك شخص: كم الساعة؟ وقد تكون الواحدة وثلاث دقائق، فتقول له: الساعة واحدة.
لماذا أهملت الكسر؟ لأنه لا قيمة له، والعرب درجوا على إهمال الكسر، إلا إذا كان في تعيينه فائدة، كما ذكر الله عن نوح أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وكان يمكنه أن يقول: تسعمائة وخمسين، لكنه لم يقل ذلك؛ لأن الكسر قد يلغى، فلما قال: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] علمنا حقيقة الكسر في الأمر.
فلبس النبي ﵊ الأحمر وفيه شيء من البياض لكن الأحمر غالب، فينسب الثوب إلى ما غلب عليه، إنما الذي نهى عنه النبي ﵊ الأحمر (١٠٠%)، لا يخالطه لون آخر، فهذا لا يحل للرجال أن يلبسوه؛ لأن عبد الله بن عمرو كان ملازماً للنبي ﵊، ودائماً يأتيه، لكنه ﵊ غضب وتغير وجهه ولم يرد ﵇.
بخلاف الأعرابي الذي يأتي من البادية، ولو ارتكب شيئاً يصل إلى درجة الكفر، فإن النبي ﵊ يحلم ويصبر عليه؛ لأنه جاهل، ولا يعامله معاملة العالم الماكث عنده بصفة مستمرة يتعلم الهدى منه، كما في حديث خزيمة بن ثابت عند النسائي وأبي داود وغيرهما، قال: (رأى النبي ﷺ قعوداً - الجمل الصغير- لرجل أعرابي، فقال: بعني جملك يا أعرابي.
قال: بكم؟ قال: بكذا -وإذا ذهبنا إلى المدينة أعطيناك الثمن- فجاء رجل من المسلمين لا يعلم أن النبي ﵊ اشترى الجمل، فقال للأعرابي: بعني هذا الجمل.
قال: بكم؟ -وكان ينبغي للأعرابي ألا يبيع الجمل، يقول له: الجمل اشتراه النبي ﵊، لكن الأعرابي جاهل، ظن أن البيع لم ينعقد طالما أن الثمن لم يعجل، لاسيما وقد فرض هذا الرجل سعراً أعلى من الذي فرضه النبي ﵊، فطمع الأعرابي في الزيادة- فقال: بعتك الجمل.
فعلم النبي ﵊ أن الأعرابي باع الجمل، قال: يا أعرابي! أو لم تبعني الجمل؟ قال: ما بعتك شيئاً.
قال: يا أعرابي! بل بعتني الجمل.
قال: ما بعتك، هلم بشهيد يشهد أنني بعتك.
فانبرى خزيمة بن ثابت الأنصاري وقال: أنا أشهد أنك بعته الجمل، فقال ﵊ لـ خزيمة: بم تشهد يا خزيمة؟ قال: بتصديقك، أشهد أنك صادق لا تكذب، فهذا يدل دلالة قاطعة على أنك اشتريت الجمل من الأعرابي وهو من الكاذبين).
هل يمكن أن أحداً من الصحابة المقربين من النبي ﵊ أرتكب مثل هذا، والرسول ﵊ يتركه هكذا بلا عقوبة؟! هل يمكن أن يجرؤ أحد على أن يرتكب جزءاً من هذا؟! إذاً: الرسول ﵊ لم يكن يعامل أهل البادية كما يعامل أصحابه المقربين منه؛ لذلك قال ﵊: (عليكم بسنتي).
قال عمر بن الخطاب ﵁ ولله دره، ما كان أثقب نظره! - (إذا جادلكم أهل الرأي بالقرآن فخذوهم بالسنن) لأن السنة مبينة للكتاب، فهذا يبين ضرورة العلم بالسنة؛ لأنها كثيرة التفصيلات.
стр. 468
رحلتي العلمية
الرحلة في طلب العلم رحلة مليئة بالذكريات والمواقف، تبتدئ من المحبرة وتنتهي في المقبرة، يُستقى فيها من معين الكتاب والسنة علوم شتى، تتزاحم فيها الركب بين أيدي العلماء، فيتعلم من علمهم ويتأدب بأخلاقهم، وما ذلك إلا جهد يسير تجاه العلم والعلماء، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة.
стр. 469
قصتي مع كتاب (صفة صلاة النبي للألباني)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
لقد طلب مني أن أتحدث عن رحلتي في طلب العلم أو عن مراحل طلبي للعلم، وهذا هو التوصيف الصحيح.
هذا الموضوع يصعب في الحقيقة على نفسي من أن أتكلم فيه؛ لأني لا أرى شيئاً ذا بال يذكر، لكن سأقول طرفاً من كيفية تحصيلي للعلم وكيف كان، لعل الله أن ينفع بها.
كان أول ما فتحت عيني على العلوم الشرعية سنة (١٩٧٤م) أو (١٩٧٥) مع مطلع ازدهار الدعوة السلفية في مصر، وقد كنت أصلي في مسجد العين الحياة الذي كان خطيبه الشيخ عبد الحميد كشك ﵀، فكان تجار الكتب يعرضون هناك أصنافاً شتى من الكتب، وبعد أن ننهي الصلاة ننظر في هذه الأرففة، فلفت نظري كتاب اسمه (صفة صلاة النبي ﷺ للشيخ الألباني بالحجم الصغير، الطبعة الثانية، فتناولت الكتاب وقرأت في مقدمته شيئاً وأنا واقف، فأعجبني أسلوبه، ونظرت إلى حواشي الكتاب فأحسست بفخامة الكتاب، ولكن لا أفهم شيئاً، فسألت عن سعر الكتاب، فكان وقتها أظن بـ (١٥) قرشاًَ، ولم أكن أقدر على ذلك الثمن آنذاك، فقلت: أؤجله للأسبوع القادم، فدرت أيضاً أبحث، فوجدت (تلخيص صفة صلاة النبي) للشيخ الألباني، فتناولته وكان بقرشين أو ثلاثة تقريباً، فلما قرأت هذا الكتاب وجدته يزلزل ما ورثته من الصلاة عن آبائي، أشياء جديدة جداً ومختلفة، فجعلت أحلم باقتناء الأصل، وأنا ما زلت خائفاً أني إذا رجعت إلى المسجد مرة أخرى ألا أجده، فقد يشتريه أحدهم، فعندما اشتريت الأصل -كما يقال- ألقيت الألواح ولاح لي المصباح ونور الصباح، وقرأت المقدمة التي -أحمد الله أوقفتني على الطريق من البداية.
إن الإنسان الذي يتردد ما بين الأفكار لا يكون منهجه سليماً أبداً، مرة يكون على الفكر الفلاني، فيكتشف أنه أخطأ ثم يحول إلى الفكر الآخر فيكتشف أنه أخطأ مرة أخرى، لكن إذا فتح الله عينه على المنهج الصحيح من أول أمره فهذا يكون له فاتحة خير.
فمقدمة الشيخ الألباني على كتاب صفة الصلاة من أمتع ما قرأت في حياتي حتى الآن، لأنها لخصت القسم الثاني من الشهادة (وأشهد أن محمداً رسول الله) أي: لا متبوع بحق سوى النبي ﵊.
فالله ﵎ لا شريك له في العبادة، والنبي ﵊ لا شريك له في الاتباع، فهذه المقدمة كانت مقدمة نفيسة، بدأت أشعر بها أن علم الحديث هو العلم الذي بدونه تبقى العلوم كلها مغلقة، لا تشعر بطعمها ولا حلاوتها؛ لأن علم الحديث علم خادم، وبقية العلوم مخدومة.
ولك أن تتصور منزلاً فيه أمير، ولكنه لا يستطيع أن يصنع لنفسه كوباً من الشاي! فهو لا يستغني عن الخادم، فبقاء الخادم هو بقاء حياته، كذلك علم الحديث بالنسبة لبقية العلوم الأخرى، علم الحديث يحتاج إليه المتكلم في التوحيد والتفسير والفقه؛ لأن أكثر الأدلة التفصيلية جاءت من السنة، فلو لم يكن الفقيه عالماً بتصحيف الآثار، فمن السهل جداً أن يقصر، بل قد وجدنا هذا في كتب الفقه، وكم من واجب صرفوه إلى مستحب بدليل واهٍ ضعيف أو العكس، ولذلك تجد الفقيه المعظم للدليل العالم بصحيحه من سقيمه؛ تجد لفقهه حلاوة لا تجدها للفقيه الصرف.
وخذ مثلاً بشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، عندما يتحدثون في الفقه تشعر أن الفقه مثل الحكاية، تقرأ ولا تمل، لكن اقرأ بعض كتب المعاصرين لشيخ الإسلام ابن تيمية ممن بلغ رتبة الاجتهاد في المذهب، كـ علي بن عبد الكافي المعروف بـ تقي الدين السبكي، وقد كان في نظر البلقيني وولي الدين العراقي -ابن الحافظ زين الدين العراقي - قد وصل إلى رتبة الاجتهاد، وقد وقعت محاورة بين ولي الدين العراقي وبين شيخه البلقيني، يقول ولي الدين لشيخه البلقيني: لماذا تقي الدين السبكي إذا أفتى يفتي بخلاف الدليل، مع أنه بلغ رتبة الاجتهاد؟ فسكت البلقيني ولم يجبه، فقال ولي الدين العراقي: أظن ذلك لأجل الوظيفة، فقد كانت هناك مدارس في تلك الفترة، فمدرسة تدرس الفقه الشافعي، ومدرسة تدرس الفقه الحنفي، وأخرى الحنبلي إلخ، فلم يكونوا يسمحون لـ تقي الدين السبكي أن يخالف المذهب الشافعي، ولما فعل ذلك ابن رجب الحنبلي مع نباهته اعتزله الحنابلة؛ لأنه خالف ابن تيمية، فـ ابن رجب أراد أن يقول: إن ابن تيمية مع جلالته ليس نبياً معصوماً، ومن ذلك أنه خالفه في مسألة الطلاق ثلاثاً، فقد كان ابن تيمية يوقعها واحدة وابن رجب يوقعها ثلاثاً كبقية المذاهب.
فكذلك جماهير العوام من الشافعية لا يتحملون مخالفة تقي الدين السبكي للمذهب الشافعي، فـ ولي الدين قال: أرى أن ذلك لأنه كان يشغل منصب قاضي القضاة، وله فضائل على الشافعي.
قال: فتبسم البلقيني.
وكأنه أقره على مثل هذا، فأنت عندما تقرأ لـ تقي الدين السبكي في أي مسألة فقهية تشعر أن أمامك عقبات لابد أن تتجاوزها، ألفاظاً -من صعوبتها- تحتاج أن تفتح القاموس لكي تفهمها، بخلاف شيخ الإسلام ابن تيمية، عندما تقرأ له تشعر بالحلاوة، حلاوة الفقه والعرض، وتشعر معه أن المسألة هبة من الله .
فكانت مقدمة الشيخ الألباني في وجوب اتباع النبي ﵊ مع تشديد نقل ما قاله الأئمة المجتهدون في تعظيم الرسول ﵊، وأنه لا ينبغي لأحد أن يوضع في مقابل النبي ﵊، وجدد لنا الكلام الذي لم نكن نعرفه عن علماء (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ونحو هذه العبارات.
فعندما قرأت هذه المقدمة وجدت أن علم الحديث ينبغي أن يكون هو أولى العلوم الأكاديمية التي أدرسها، وأقول: (الأكاديمية) حتى لا يُستدرك علي بعلم التوحيد، أقول: أول العلوم الأكاديمية علوم الآلات، طالما دخلنا في الدراسة بعد اعتقادنا أنه لابد من دراسة العلم العيني، الذي لا تصح عبادة المرء إلا به، وإذا كان هناك جهد إضافي فيكون في علم الحديث.
стр. 470
حضور دروس الشيخ المطيعي ﵀
في تلك الفترة كان الشيخ المطيعي ﵀ صاحب تكملة المجموع في شرح المهذب للنووي، يعطي في ذلك الوقت أربعة دروس في بيت طلبة ماليزيا، فكان يشرح صحيح البخاري والمجموع للنووي وكتاب الأشباه والنظائر للسيوطي.
فبدأت أواظب على حضور دروس الشيخ المطيعي ﵀، ولكني تكاسلت عن حضور هذه الدروس في أواخر حياة الشيخ المطيعي في مصر بسبب كلمة قالها في الشيخ الألباني، والألباني هو الذي فتح عيني على الحق فأواليه، وهذه طبيعة الإنسان، ولذلك استأذنت أن أقول: من المفروض أن الإنسان عندما يدرس الفقه يدرسه بالدليل؛ لأنك بهذا تجعل الطالب يوالي صاحب الكلام، الذي هو الرسول ﵊.
وكان من ضمن المسائل التي تكلم فيها المطيعي ﵀ مسألة قضاء الفوائت، والمعلوم أن الجماهير يقولون بوجوب القضاء حتى على المتعمد، خلافاً لـ ابن حزم ومن نحا نحوه كـ ابن القيم مثلاً، واختار هذا القول الشيخ الألباني.
فأنا عندما قرأت على الشيخ المطيعي ووصل إلى هذا الموضع في تدريس الفقه، قال: إن الصواب الإعادة.
- فقلت: يا شيخ! هناك من العلماء من يقول: إنه لا يستطيع أن يقضيها ولو أراد؛ لأن الصلاة فاتته من عشر سنوات فكيف يقضيها الآن، والله يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] (موقوتاً) أي: لها وقت أول ووقت آخر، فكما لا يجوز أن يصلي المرء قبل الوقت لا يجوز أن يصلي بعد الوقت.
- فقال لي: من قال بهذا؟ - فأنا كنت حديث عهد، ما قرأت في المحلى ولا أعرف أن هذا مذهب ابن حزم، فقلت له الشيخ: الألباني.
- قال: من الألباني؟ - قلت: هذا عالم.
- قال لي: من أصحابنا -أي: الشافعية-؟ - فقلت له: لا، هو عالم معاصر.
- قال لي: دعك من المعاصرين.
بعد ذلك جئت أكلم الشيخ المطيعي على مختصر البخاري للشيخ الألباني، وقال لي: إن البخاري لو أحياه الله لقال: لا أعرف هذا الكتاب، وإن مثل هذا المختصر كمثل رجل كتب حديثاً ثم مزقه -أي: الأوراق- وبدأ يجمع الأوراق مرة أخرى.
فالحقيقة بعدما سمعت هذا الكلام غضبت قليلاً وقلت: طالما أنه يقع على الشيخ الألباني فأنا لا أحضر الدرس، وتقاعست عن حضور الدروس مدة شهر أو شهرين، لكنني شعرت بحاجتي الشديدة لهذه الدروس، فما استطعت أن أتركها، وتبين لي مقدار الخسارة في ترك مثل هذه الدروس، خاصة لما قرأت تراجم العلماء وأنه لا يجوز للطالب أن يهجر أستاذه إذا وجد في خُلقه شدة أو نحو ذلك، ولقد تأثرت بما قرأته في ترجمة الطيماني الحنفي عندما قال: كنت أقرأ سنن الدارقطني عليه، فوقع الدارقطني في أبي حنيفة فتركت مجالسته، فمات الدارقطني وما قرأت عليه السنن، قال: ما ضر الدارقطني أني لم أقرأ، وندم كثيراً؛ لأنه تغيب عن هذه المجالس وفاته الخير الكثير.
وهذا خلق مذموم من الطالب أن يهجر شيخه لمجرد أنه آنس منه شيئاً يخالف هواه، كان الأعمش ﵀ يشتد على طلبته، لدرجة أنه كان يهينهم أحياناً، جاءه راوٍ مشهور فقال: يا أبا محمد! اكتريت حماراً بنصف دينار وجئت لأسمع منك حديثاً.
فقال له: اكتر بالنصف الآخر وارجع، وأبى أن يحدثه.
وجاءه طالب آخر، فقال له: يا أبا محمد! حديث كذا وكذا ما إسناده؟ فأخذ بحلقه فألصقه بالحائط وقال: هذا إسناده، ولم يجبه، ولم يعطه الحديث.
والمشهور أن الأعمش ربى له كلباً، كان إذا سمع همهمتهم ودبدبة أرجلهم كان يطلق عليهم الكلب، وكان شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري لما يرجعون إليه مرة أخرى، فكان الأعمش يقول لهم: لو تركتم ما عندي لسوء خلقي خسرتم.
فالحقيقة أن كلام الشيخ المطيعي في الألباني هون قليلاً من الاستفادة الكبرى والمواظبة التي كنت أواظبها على الشيخ المطيعي؛ لأن الألباني أول من فتح عيني على المنهج الحق، فصرت أواليه وأحبه، حتى إنه كان في فترة من الفترات في بداية الدعوة السلفية في مصر كان يوالى ويعادى على شخص الشيخ الألباني، وكنا نرى أن هذا مشروع، بدليل قول العلماء: إذا رأيت الرجل يبغض أحمد؛ فاتهمه على الإسلام، أي: لا يجتمع بغض أحمد مع السنة؛ لأن الإمام أحمد علم مشهور عندما يصفونه يقولون: إمام الحديث والسنة، مما يشعرك أن الرجل قد يكون إماماً في الحديث وليس إماماً في السنة، فكنا نأتي بمثل هذه الأقوال، ونقول: الألباني في زماننا مثل الإمام أحمد في زمانه، فنحن نوالي ونعادي عليه، فكانت هذه لها بعض السلبيات.
стр. 471
رحلتي مع علم الحديث
لما أردت أن أقرأ في علم الحديث لم أكن أعرف إطلاقاً اسم كتاب من كتب المصطلح، فبدأت أذهب إلى المكتبات أبحث في الأرفف عن أي كتب في الحديث، فأول كتاب تناولته -وهو الذي فتح عيني- الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني، فأخذت هذا الكتاب، وبدأت أعرف أن هناك أحاديث مكذوبة، وبدأ هذا الكتاب يعكر علي المتعة العظيمة التي كنت أعيشها مع الشيخ عبد الحميد كشك ﵀، لقد كنت أذهب إلى خطبة الجمعة متعجلاً في الأسبوع كله، أتمتع بالإلقاءات والأحاديث، ولكن اكتشفت فيما بعد أن الشيخ ﵀ كأنه كان يحضر خطبة الجمعة من الفوائد المجموعة، من كثرة الأحاديث الموجودة فيه.
فأول حديث وقفت عليه في الكتاب وسمعته من الشيخ عبد الحميد ﵀ كان حديث: (إن الله يتجلى للناس عامة، ويتجلى لـ أبي بكر خاصة) كان الشيخ ﵀ له درس بعد صلاة المغرب، وكان الناس يأتون يقبلون يده بكثرة، فما استطاع أن يمنعهم، فصار يتركها، يجلس على الكرسي ويمد يده، فمن مقبل ومن مصافح، ونحو ذلك.
فأنا وقفت في الطابور من أجل أن أنتظر دوري في السلام فسلمت عليه، وهمست في أذنه، وقلت: يا شيخ! هناك حديث قرأته لـ ابن القيم ﵀ قال فيه: الحديث مكذوب وموضوع، وهو حديث كذا وكذا، قال لي: لا، هذا الحديث صحيح.
فما راجعته.
لكن هذا الكتاب فتح عيني على أن هناك أحاديث موضوعة ومكذوبة على النبي ﷺ ، وهناك أحاديث نسمعها من الواعظين ومن هم في نظرنا من العلماء؛ لأنا لم نكن نفرق آنذاك بين العالم والواعظ، فوجدت كثيراً من الأحاديث التي يحتج بها هؤلاء موجودة ضمن هذه المجموعة، فشدني هذا أكثر إلى ضرورة دراسة علم الحديث؛ حتى أميز بين الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الموضوعة والمنكرة والشاذة.
وبعد اقتناء هذا الكتاب صار عندي قناعة كاملة في ضرورة دراسة هذا العلم الشريف، وبينما أنا أطوف أيضاً على الكتب وجدت أول مائة حديث من سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للشيخ الألباني، لما تناولت السلسلة الضعيفة ووجدت أن الشيخ كان حريصاً على أن يحقق أشهر الأحاديث على ألسنة الناس، فأصبت بشيء من الإحباط، وظننت أنه لا يوجد حديث صحيح؛ من كثرة الأحاديث المشهورة على ألسنتنا التي أوردها الشيخ في السلسلة الضعيفة.
فبدأت مع الشيخ المطيعي رحمة الله عليه أفهم لأول مرة المصطلحات التي كان يقولها عن الإسناد وأنا لا أفهمها، سألته عن كتب أستعين بها، فدلني على كتاب اسمه (احتراز السنة في تبسيط علوم الحديث)، فأخذت هذا الكتاب، ومن خلال حواشي الكتاب عرفت كتب الفن التي ينقل منها، مثل: تدريب الراوي، وفتح المغيث، توضيح الأفكار، وغيرها من الكتب التي بدأت أنقب عنها.
المهم: وصلت إلى المائة الأولى من السلسلة الضعيفة، ووجدت أن الشيخ الألباني له أحكام مختلفة على الحديث، فمرة يقول: باطل، ومرة يقول: موضوع، ومرة يقول: منكر شاذ ضعيف معل، فسألت نفسي: هل هذه الألفاظ كلها لها معنى واحد أم لها معانٍ مختلفة، أو أن الإنسان عنده الحرية أن يعبر بأي لفظ من هذه الألفاظ على أي حديث؟ فبدأت دراسة السلسلة الضعيفة، وكانت من أمتع الدراسات التي درستها ونفعني الله بها كثيراً في تمييز الأحاديث.
أول حديث حققت معناه (المنكر)، والمنكر في الاصطلاح: هو مخالفة الضعيف للصدوق، فحديث الصدوق يكون مقبولاً، وحديث الضعيف يكون منكراً، لكن أجد أحياناً أن الثقة إذا خالف فإنه يكون منكراً أيضاً، فبدأت بهذه الطريقة، حتى استكملت الخمسة الأجزاء الأولى -التي هي الخمسمائة حديث الأولى- مع بقية السلسلة، وبدأت أنظر في كل حديث قال فيه الشيخ الألباني: منكر، هل هناك سمة معينة في كل حديث قال فيه: منكر، بحيث أعرف حد المنكر أم لا؟ فقرأت كل الأحاديث التي قال فيها: منكر كاملةً، فلم أجد شيئاً أستطيع أن أفسره آنذاك، لكن صار عندي رسم للمنكر ونفيه، أول ما أرى هذا الحديث أعرف أنه منكر، ولا يقال عليه مثلاً: باطل أو موضوع أو نحو ذلك.
هناك فرق كبير جداً ما بين المحدث والرجل العالم بالاصطلاح، المحدث نادر الوجود، إنما الذي يعرف الاصطلاح كثيرون، فأنت ربما وجدت رجلاً لم تقف له على تحقيق حديث، لكن له فهم في مصطلحات أهل الحديث، وهذا ليس صعباً، لكن هل هو محدث بمعنى: هل له ملكة يستطيع بها تمييز الحديث الصحيح من الضعيف؟ هناك فرق كبير ما بين الشيخ الألباني -كرجل محدث، اختلط الحديث بشحمه ولحمه على مدار ستين سنة- وبين كثير من الفقهاء الذين صنف بعضهم رسائل في مصطلح الحديث.
أبو حاتم الرازي ألقي عليه مرة حديث رواه الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: هذا لا يشبه أحاديث الأعمش، هذا يشبه أحاديث عمرو بن الحصين.
مع العلم أن عمرو بن الحصين كذاب، والأعمش كان مدلساً، فمن المحتمل أن يكون الأعمش دلسه.
يقول أبو حاتم الرازي: إنه دخل بعد عدة سنوات بلداً من البلدان لطلب الحديث، فإذا به يجد هذا الحديث عن الأعمش عن عمرو بن الحصين عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، فصدقت فراسة أبي حاتم الرازي، التي يسميها العلماء الملكة، وهذه الملكة لا تتأتى إلا بكثرة الممارسة، وهذه الملكة ليست مقصورة على علم الحديث فقط، بل كل الصناعات خاضعة للملكة من ذلك: كنت أقف مع رجل ميكانيكي سيارات، وكان أمامنا طريق سريع، فمرت سيارة مسرعة ولها صوت مزعج، صاحبي الميكانيكي قال لي: هذه السيارة التي مرت ولها صوت مرتفع ليست مشحمة، والعجيب أن صاحب السيارة كان آت إلى هذا الميكانيكي، فأول ما رآه الميكانيكي قال له: السيارة تحتاج إلى شحم.
فقال له: أنت تعلم الغيب! فقال له: أنا بمجرد سماعي للصوت أعرف العلة أين، فعندما فحص السيارة وجد فعلاً أنه ليس فيها شحم.
فهذا الميكانيكي صبي له عشر سنين استطاع أن يعرف خلل السيارة سريعاً، وما ذلك إلا بسبب الممارسة المستمرة للعمل.
فالمسألة ليست مقصورة على علم الحديث، أن يقال: إن علم الحديث هو الذي يحتاج إلى ملكة فقط، بل كل العلوم، والإنسان تزداد خبرته في هذا العلم مع طول الوقت وبالتالي يحصل هذه الملكة.
لذلك هناك فرق بين المحدث والمتكلم في المصطلح، التكلم في المصطلح سهل جداً، أنا قد أقرأ قواعد اللغة العربية وأتكلم وأقول: هذا مرفوع وهذا منصوب وهذا مجرور، لكن متى يظهر علم العالم؟ يقول الشافعي ﵀: إنما العالم الذي يعرف الاختلاف، ليس العالم الذي يعرف الاتفاق أن يقال: أجمعوا على كذا، إنما العالم هو الذي يعلم الراجح من اختلافه، فيقال: أهل الكوفة قولهم كذا، وأهل البصرة قولهم كذا، والراجح كذا، فالعلم في الحقيقة هو علم الخلاف.
ومن مسائل علم الحديث: التفريق بين الباطل والموضوع، حيث أنهما لا يحتج بهما، لكن علماء الحديث جعلوا جل حكمهم على الموضوع إذا كذبه أحد الرواة، فإذا كان هناك كذاب في السند فإنهم يقولون عليه: موضوع، وإذا كان في الحديث رجل صدوق، لكنه سيء الحفظ يقولون: باطل، وهذه مسألة اصطلاحية، ولا مانع أن تجد أحد العلماء يضع هذه التسمية مكان تلك.
فمثلاً: حديث: (من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار) كان شريك بن عبد الله النخعي رجلاً مداحاً، يجلس في المسجد يملي على الطلبة، فقال مرة: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي ﷺ قال، فدخل ثابت بن موسى الزاهد من الباب -وسمي الزاهد لزهده وعبادته وورعه- فعندما رآه شريك أحب أن يرحب به، فقال له: (من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار) أراد أن يداعبه، فظن ثابت بغفلته أن هذا هو الحديث، فخرج ثابت بن موسى الزاهد من المسجد يقول: حدثني شريك قال: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: (من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار) فهذا الحديث دخل على ثابت لغفلته، ما كذبه ولا افتراه، فنحن عندما نأتي نحكم على هذا الحديث نقول: هذا باطل، لا نقل: موضوع؛ لأنه ما كذبه، ومع ذلك هناك من العلماء من يقول: هذا الحديث موضوع، كـ العراقي في الألفية يقول: والواضعون بعضهم قد صنعا من عند نفسه وبعضٌ وضعا كلام بعض الحكما في المسند ومنه نوع وضعه لم يقصد نحو حديث ثابت (من كثرت صلاته) الحديث وهلة سرت يريد أن يبين أن هناك بعض الواضعين الذين وضعوا الأحاديث وتعمدوا الكذب، وهناك نوع آخر وضعه لم يحفظ وهو المغفل.
وحديث ثابت قد خفي أمره على القضاعي، فأورد هذا الحديث في مسند الشهاب وقواه بخمس طرق، لفق الكذابون له أسانيد من عندهم، فلم يفطن القضاعي لهذا، وقوى الحديث بهذه الطرق.
دخل الكسائي على هارون الرشيد، وكان هارون الرشيد متكئاً، فلما دخل الكسائي عليه؛ قال له هارون: اجلس.
قال: بل أقعد يا أمير المؤمنين.
أي: لا تقل لي: اجلس، ولكن قل لي: اقعد، فقال هارون: فما الفرق بينهما؟ قال له: القعود يكون من وقوف، والجلوس يكون من اتكاء، كما في الحديث: (وكان متكئاً فجلس) ومع ذلك فإن العرب تضع الجلوس للقيام، لكن ليس هذا هو الغالب.
فالحقيقة: أن سلسلة الأحاديث الضعيفة قضيت معها نحو سنتين من عمري أتأمل وأقرأ وأعيد القراءة مرة وا
стр. 472
مع الشيخ الألباني
بعد نحو عشر سنوات تقريباً جاء الشيخ الألباني حفظه الله إلى مصر سنة (١٩٧٦م) وحاضر في أنصار السنة في العابدية، لكنني ما استطعت أن ألتقي به، لكنني التقيت بالشيخ حفظه الله أول مرة (سنة ١٤٠٧هـ) لما رحلت إلى الأردن، وكان بصدد إصدار بعض الكتب، وأذكر أنه كان يوجد هناك طالب غال في حب الشيخ ناصر، والغلو لا يأتي بخير أبداً، وهو الآن عدو للشيخ الألباني، وهذا الطالب ذكره الشيخ ناصر في مقدمة كتابه (مختصر الشمائل) ذكر أنه لما نزل الأردن أخلى داره للشيخ الألباني وأهله، وذهب يستأجر لنفسه داراً أخرى لمدة ثلاثة أشهر، حتى بنى الشيخ الألباني داره التي يسكن فيها.
فهذا الذي تطوع هو الذي أعطى الشيخ الألباني فكرة سابقة عني، وهو الذي سهل لي أن ألتقي به، وإلا كانت المسألة صعبة جداً.
كان أعظم شيء اكتسبته في الرحلة إلى الشيخ الألباني الأدب، لا العلم، فمصاحبة العلماء مسألة في غاية الضرورة، وعندما رأيت الشيخ قلت في نفسي: إن هذا الرجل سقط سهواً من القرون الأولى، نظرة الحديث واضحة على وجهه، وتواضعه الشديد وهضمه لحجم نفسه.
قلت له مرة: يا شيخ! أنت قلت بأنه يجوز تقبيل يد العالم.
قال: العالم، وهل رأيت عالماً؟ قلت له: أنا أرى الآن عالماً.
قال: لا، أنا طويلب علم.
لا أنسى أبداً هذه الجملة، كم أثرت هذه الجملة في نفسي! هذه الرحلة بالرغم أنها كانت قصيرة قرابة شهر، إلا أنها كسرت هذا الأمر تماماً، وندمت أن الإنسان لم يبق في الأردن فترة طويلة يلازم الشيخ حتى يتعلم منه الأدب، لكن على أية حال هذا جاء مجمل الكلام على طلب الحديث خاصة.
وقد كنا نحضر في الجامع الأزهر عند كثير من المشايخ، ندرس الفقه والقراءات والنحو، وليس في سيرتي شيء أكثر يستحق الذكر.
والله أعلم.
стр. 473
الأسئلة
السؤال
هل درست عند الشيخ سابق؟
الجواب
كان الشيخ المطيعي شيخ سيد سابق، تتلمذنا على يديه لفترة من الفترات، وأخذنا قراءة ورش -لكن ليس كلها- على خاله، أستاذ قراءات، كان يدرسنا كتاب (هداية المريد).
السؤال: الجواب: والله لا أدري، لكن الشيخ سيد سابق أنت تعلم كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق كتبه وكان عمره خمسة وعشرون سنة، وهذا موافق نيل الأوطار، فالشيخ سيد سابق لم يكن له فيه ترجيح، كان شاباً صغيراً، وأحسن تلخيص نيل الأوطار، كما أحسن عرض الفروع.
стр. 474
صناعة رجل النصر
أمة الإسلام أمة مليئة بالعظماء أمة تصنع الرجال، لا تعرف الذل والانكسار إلا لله، وما ذلك إلا لأنها عرفت حقيقة العبودية والتزمت بها، ومتى ما تنكبت عن طريق العبودية أصابها الذل والهوان فهانت على عدوها وتولى زمام أمورها أحقر الناس وأراذلهم، والله لا يحابي أحداً من عباده، فمتى رأى من عباده صدق العبودية والتوبة والرجوع إليه؛ نصرهم ومكنهم من رقاب أعدائهم، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
стр. 475
فساد المرأة وأثره على الأجيال
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
روى البخاري ﵀ في مطلع صحيحه حديث أبي سفيان بن حرب ﵁، وقد رواه مسلم أيضاً في مناظرة أبي سفيان مع هرقل عظيم الروم.
وقد كانت هذه المناظرة في شأن الرسول ﵌ في وقت ظهوره، فكان من جملة المحاورة قول هرقل لـ أبي سفيان: كيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال، ننال منه وينال منا.
وفي صحيح البخاري أيضاً من حديث البراء بن عازب وهو يذكر طرفاً من واقعة أُحد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ ، وتركوا مواقعهم: (وصعد أبو سفيان على قمة الجبل وقال: أفيكم محمداً؟ قال ﷺ : لا تجيبوه؟ أفيكم أبو بكر؟ قال: لا تجيبوه؟ أفيكم عمر؟ قال: لا تجيبوه؟ حينئذٍ رفع عقيرته قائلاً: اعلُ هبل)، لعلمه أن قيام الإسلام كان بهؤلاء، وحيث أنهم لا يجيبونه إذاً فقد قتلوا، فحينئذٍ افتخر بآلهته ورفع صوته وقال: اعلُ هبل.
فقال ﷺ : (ألا تجيبوه، قالوا: وماذا نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال: لنا العزى ولا عزى لكم.
قال: ألا تجيبوه؟ قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سجال).
الحرب سجال كما قال أبو سفيان: ننال منه وينال منا، وكما قال ﵎: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، كانت الحرب سجالاً، فكيف صارت الحرب من طرف واحد؟ سجال.
يعني: لنا الغلبة مرة ولهم الغلبة مرة أخرى، لكن تاريخنا المعاصر يشهد بأن الغلبة لأعدائنا في كل الجولات باستثناء جولة واحدة، وقد ذهبت أدراج الرياح أيضاً، والتاريخ المعاصر يشهد أن كل الهزائم بلينا نحن بها، ولم تعد الحرب سجالاً كما كانت، فما هو السبب يا ترى؟ السبب أن أجل صناعة عرفتها الدنيا والتي انفردنا بها أجيالاً وقروناً طويلة، قد جفت منابعها، ألا وهي صناعة الرجال.
إن الشخصيات الكبيرة التي يلمع أسماؤها في بلادنا اليوم هي شخصيات مصابة بالشذوذ الجنسي والعقد النفسية، وأعداؤنا يقدمون هذه الشخصيات لأمتنا على أساس أنها هي القدوة والأسوة.
أمة الإسلام أمة مليئة بالعظماء، فكيف جفّت هذه الصناعة وكيف عز الرجال فيها؟! وهذا واضح من كلام أبي سفيان: أفيكم محمداً؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ هذه هي الشخصيات التي يقوم عليها دين، ونحن لا نعلم من لدن آدم ﵇ إلى هذه اللحظة التي أتكلم فيها من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وواحد وعشرين هجرية لا نعلم جيلاً من الأجيال أقام دولة في عشر سنوات إلا هذا الجيل الفريد.
لقد جفت منابع هذه الصناعة بسبب فساد المرأة، فالمرأة هي المعمل الطبيعي الذي يخرج منه الأبطال، فالمرأة مهمتها أن تلد وتربي، ولذلك تجد أعداء الدين يدندنون حولها وما ملوا أبداً.
وهناك قاعدة إعلامية معروفة تقول: (ما تكرر تقرر).
فإذا أرادوا أن يقرروا شيئاً كرروه ليلاً ونهاراً، حتى لو كان شيئاً تافهاً ليس له قيمة.
أذكر عندما جاءوا بقصة حسنين ومحمدين، كان العالم كله يضحك لتفاهة المضمون، لكن النتيجة ظهرت بعد أربع سنوات من استمرار العرض للقصة، فقد اقتنع العالم بفكرة تكوين أسرة صغيرة وأن فيها حياة أفضل، وقد انطوت هذه القصة بكل أسف على بعض رجال العلم مع فهمهم للفكرة ومصادمتها لنصوص قاطعة في الكتاب والسنة.
وبدأت المسألة بذهاب قاسم أمين إلى باريس، ليؤدي الدور المطلوب، ثم رجع إلى مصر، وكان بطبيعة الحال لا يستطيع أن يواجه المسألة مرة واحدة، فكتب كتاب: تحرير المرأة.
وقال: إنني لا أقصد بتحرير المرأة تحريرها من دينها، حاشا لله، لا، ولكن نريد أن تتعلم المرأة.
لقد استغل الأوضاع السيئة التي بالغ الآباء الجاهلون فيها في رفض تعليم المرأة حتى في البيت، فقال: أنا أريد أن المرأة تخرج لكن في حدود الدين، وتتعلم القرآن، وتقرأ سنة نبيها ﷺ .
وقد كان محمد عبده من الذين تبنوا فكرة قاسم أمين، ودافعوا عنه وأشادوا بعقله المستنير، وأن الذي يطلبه هو من صميم الإسلام، فقالوا: لذلك نحن نبني مدارس خاصة للبنات لا يدخلها رجال، لأن هذا مناقض لديننا، ونحن لا نقصد بتحرير المرأة أن تخرج من دينها، لا.
نحن نريدها أن تتعلم حتى تستطيع أن تقرأ في الكتاب والسنة، فنحن نبني مدارس خاصة للبنات، ونشدد أن ولي الأمر هو الذي يصطحب ابنته من البيت إلى المدرسة، فكانت البنت تخرج من البيت على (الحنطور) ولا يراها أحد وتنزل داخل فناء المدرسة، وبدأت الفكرة النيرة تظهر وتتبلور، وبدأ الناس يقتنعون بها ويتبناها بعض العلماء.
لكن الواقع أن ولي الأمر بطبيعة الحال لا يستطيع أن يوصل البنت إلى المدرسة يومياً ولفترة زمنية طويلة؛ فأوجدوا سائقاً يوصلها إلى المدرسة يومياً، واستمرت لفترة حتى جاءت مشكلة زحمة الأشغال على السائقين وعدم قدرتهم على توصيل البنات يومياً إلى المدرسة، فقرروا أن البنت هي التي تذهب من البيت إلى المدرسة.
إذاً: بدأت المسألة شيئاً فشيئاً، فالأب ما عاد يستطيع أن يذهب كل يوم، والسائق كانت لديه أشغال كثيرة، وما يستطيع أن يوصل الحنطور إلى المدرسة، فجاءت فكرة أن البنت تخرج بنفسها من بيتها إلى المدرسة، قال تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ:٣٣].
وما هي إلا فترة بسيطة حتى بدأ قاسم أمين يظهر منهجه وفكره خاصة في كتابه: المرأة الجديدة الذي ألفه بعد كتاب: تحرير المرأة، وأسفر فيه عن وجهه فعلاً.
لقد دعا فيه إلى ضرورة الاختلاط بين الرجل والمرأة، وأن الدنيا هذه كلها رجل وامرأة، وما المانع أن يخاطب الرجل المرأة وتكون نفسيته طاهرة، وأن تخاطب المرأة الرجل وتكون إنسانة عفيفة نبيلة.
لماذا نفترض سوء الظن، وأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما إن هذا سوء ظن!!.
من ذلك الوقت صار هم المرأة أن تتعلم، وأن تدخل في وسائل التعليم المختلفة وتأخذ الماجستير والدكتوراه، وأصبحت تنافس الرجل في كثير من المناصب والمراكز والأعمال.
كان أبو البنت يقول: كل هذا التعليم حتى تجلس في البيت!! لا.
لا بد أن تحقق ذاتها، والمرأة هي نصف المجتمع، فتكون نصف طاقات المجتمع معطلة!! كان ثلاثة أرباع الشباب جالسين على الأرصفة لا وظائف ولا أعمال وهم يقدمون المرأة.
من الأولى بالوظيفة؟ هل الشاب الجالس على الرصيف بلا وظيفة أم المرأة التي لا عمل لها بالحقيقة؟! فمن هنا بحثنا عن الرجال الذين سيقفون لهؤلاء الأوغاد الجبناء الذين وصفهم رب العالمين بقوله: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر:١٤].
هذه الأمة ينتسب إليها مليار مسلم، لو بصق كل واحد منهم بصقة لأغرقوا خمسة عشر مليون يهودي، يتحكمون في اقتصاد العالم وزراعته وتجارته.
في سنوات الضعف والهزيمة، أصبح الضعف والاستسلام كياسة وحكمة، وهؤلاء لا يعرفون إلا منطق القوة.
أحد الشعراء أجاد في تصوير الضعيف والقوي من الأمم، فذكر قصة رمزية دارت بين طائر الشحرور الضعيف وبين الثعبان القوي، فقال كان الربيع الحي روحاً حالماً غض الشبابِ معطر الجلبابِ يمشي على الدنيا بفكرة شاعرٍ ويطوفها في موكبٍ خلابِ فرآه ثعبان الجبال فغمهُما فيه من مرحٍ وفيضِ شبابِ فانقض مضطغناً عليه كأنه سوط القضاءِ وفرية الكذابِ بُغت الشقيّ من هول الردى متلفتاً للصائل المنتابِ وتدفق المسكين يضرخُ قائلاً ماذا جنيتُ أنا فحقَ عقابي لا شيء إلا أنني متغزلٌ بالكائنات مغردٌ في غابي ألقى من الدنيا حناناً طاهراً وأبثها نزو المحب الصابي أيعّدُ هذا في الوجود جريمةً أين العدالة يا رفاق شبابي فالشرع المقدس ها هنا رأي القوي وفكرةُ الغلابِ وسعادة الضعفاء جرمٌ ما له عند القوي سوى أشد عقابِ ولتشهد الدنيا التي غنيتها حلم الشباب وروعة الإعجابِ أن السلام حقيقة مكذوبةٌ والعدل فلسفة اللهيب الخابي لا عدل إلا إن تعادلت القوى وتصادم الإرهابُ بالإرهابِ فتبسم الثعبان بسمةَ هازئٍ وأجاب في سمتٍ وفرط إهاب يا أيها الغر المثرثر إنني أُرثي لثورة جهلك التلآبِ فاكبح عواطفك الجوامح إنها شردت بلبك واستمع لخطابي إني إلهٌ طالما عبد الورى ظلي وخافوا لعنتي وعقابي وتقربوا لي بالضحايا منهمُ فرحين شأن العابد الأوابِ أفلا يسرك أن تكون ضحيتي فتحل في لحمي وفي أعصابي وتكون عزماً في دمي وتوهجاً في ناظري وحدةً في نابي فكر لتدرك ما أريد وإنه أسمى من العيش القصير النابِ فأجابه الشحرور في غصص الردى والموت يخنقه إليك جوابي لا رأي للحق الضعيف ولا صدى والرأي رأي القاهر الغلابِ فاصنع مشيئتك التي قد شئتها وارحم جلالك من سماع خطابي أصبح الضعيف لا يملك إلا الشجب والاستنكار، والقوي يفعل ما يريد، إننا في أمس الحاجة إلى هذا الصنف الذي رفع أبو سفيان عقيرته قائلاً: أفيكم محمداً؟ أفيكم أبو بكر؟ أفيكم عمر؟ وهذه أمة متفردة في صناعة الرجال.
فينبغي على المرأة أن تقوم بدورها في هذه المحنة، وأن ترجع مرة أخرى إلى بيتها، وأن تربي الأبن
стр. 476
دروس من غزوة بدر
لقد تمت غزوة بدر على غير ميعاد، فقد خرج المسلمون من ديارهم بقصد إحراز العير، حيث كان المهاجرون قد خرجوا من ديارهم وأموالهم فقراء مختارين راضين، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦].
الخروج من الديار ليس أمراً سهلاً، ومع ذلك تركوا أموالهم أيضاً، منهم: صهيب الرومي خرج سراً في جناح الليل، من مكة إلى المدينة، فعلم كفار قريش بخروجه فأدركوه في الطريق، قالوا: جئتنا صعلوكاً لا مال لك، وتريد أن تخرج بالمال؟ قال: أرأيتم لو أعطيتكم مالي تخلو بيني وبين ذهابي؟ قالوا: نعم.
فأعطاهم المال، فلما وصل إلى المدينة لقي النبي ﷺ وحكى له ما جرى، فقال له: (ربح البيع أبا يحيى).
هذه الأنفس خالقها هو الله وهذه الأموال رازقها هو الله، يأخذها منا ويعطينا الجنة، فخرج هؤلاء من ديارهم وأموالهم، وكان لا بد من القصاص، قالوا: نعترض العير ونأخذ هذه الأموال عوضاً عن الأموال التي أخذوها منا.
أراد جماعة من الأنصار -وكانت بيوتهم في عوالي المدينة- أن يذهبوا ويأتوا بالعدّة ولأمة الحرب والخيول، فقال ﷺ : إنا لم نخرج لقتال، إنما لنحرز العير وهذا العدد كاف.
كانت القافلة فيها أبو سفيان وبضعة عشر رجلاً، خرج لها ثلاثمائة وبضعة عشر مسلماً، لم يكن معهم غير فرسين: فرس الزبير بن العوام وفرس المقداد بن الأسود وكان معهم ثلاثون بعيراً، كل ثلاثة يتناوبون بعيراً.
لكن الحرب فرضت نفسها، فقد استطاع أبو سفيان أن يستأجر رجلاً ويأخذ ساحل البحر هارباً، وأرسل الأجير إلى قريش يطلب النجدة ويخبرهم أن العير أفلتت وأن المسلمين خرجوا للاعتداء عليها.
فقال أبو جهل للناس: لابد أن نرد بدراً وننحر ونشرب الخمر وتغني لنا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبداً، لكن الله جمع بينهم على غير ميعاد.
فلما فرضت الحرب نفسها ولم يأخذ المؤمنون أهبة استعدادهم؛ تضرع رسول الله ﷺ إلى ربه وبالغ في رفع يديه وفي إظهار الذل له ﵎: اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنهم عالة فقراء، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض.
وبالغ في رفع يديه ذلاً واستكانة وانخلاعاً من الحول والقوة، حتى أمسك أبو بكر بمنكبه ﷺ بعدما سقط رداءه من على منكبه وقال: يا رسول الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك.
حينئذٍ تهلل وجه النبي ﷺ وقال: يا أبا بكر! هذا جبريل نزل على ثناياه النقع وقد لبس لأمة الحرب.
وقال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩] مردفين، أي: بعضهم يتبع بعض، فلماذا نزلوا؟ ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:١٠]، كان نزول الملائكة بشرى أن النصر قادم ولتطمئن القلوب بأن الملائكة في جوار المؤمنين، وهذا النصر هو من عند الله؛ ولذلك قال : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:١٠]، ما انتصر الملائكة وما نزلوا للنصر، إنما نزلوا للبشرى ولتثبيت الأقدام ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦]، عزيز لا يُغلب، ولا يذل جاره إذا استجار به.
ودارت رحى الحرب وكانت موقعة بدر الكبرى، وكانت فرقاناً كما قال الله : ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١]، فصارت شامة في جبين الدهر، حتى صار الذي حضرها يُنسب إليها ولا ينسب لأي غزوه من غزوات الإسلام، فيقال: فلان البدري، ولا يقال: الأُحدي ولا التبوكي ولا اليرموكي ولا أي غزوة من الغزوات، فنزلت فيهم بشارات عظيمة.
منهم حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين بخبر النبي ﷺ ، وأعطى امرأةً كتاباً بخروج النبي ﷺ فوضعته في ظفيرتها يخبرهم بأمر النبي ﷺ ، فنزل جبريل ﵇ يخبر النبي ﷺ بما فعل حاطب، فأرسل علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود وقال: اذهبوا إلى روضة خاخ، حيث تجدون ضعينة، في ظفيرتها كتاب، ائتوني به.
فذهبوا إلى هناك، فوجدوا المرأة، فقال لها علي بن أبي طالب: أخرجي الكتاب.
قالت: ما معي من كتاب، قال: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، ففكت المرأة ظفائرها وأخرجت الكتاب، فأخذه علي بن أبي طالب، ورجع إلى النبي ﷺ ، وكان حاطب في المجلس لا يعلم شيئاً، ففتح الكتاب وقرأ: من حاطب بن أبي بلتعة إلى نفر من المشركين يخبرهم بخبر النبي ﷺ .
لما قرئ الكتاب استشاط عمر غيظاً وقال: يا رسول الله! دعني أقطع عنق هذا المنافق.
فقال حاطب الذي شهد بدر: يا رسول الله! لا تعجل عليِّ، فوالله ما فعلت هذا كفراً ولا رضاً بالكفر بعد الإيمان، ولكن لي قرابة في مكة.
كان حاطب ليس له نسب وليس له ظهر في مكة، فكان المشركون يؤذون قرابته أشد الأذى، فأحب أن يتخذ يداً عند المشركين يحمي بها قرابته، فكان هذا هو الذي دفعه إلى هذا الفعل، قال: ما فعلت هذا كفراً ولا رضاً بالكفر بعد الإيمان، ولكني كنت امرءاً ملصقاً في قريش، فأردت أن أتخذ صنيعة أحمي بها قرابتي ومالي).
فقال عمر: يا رسول الله! دعني أقطع عنق هذا المنافق.
فقال لـ عمر: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم).
هذه خاصِّية ليست لأحد إلا لهذه الطائفة التي شرفها الله بحضور هذه الموقعة، ففي الحديث الصحيح أيضاً أن حاطب بن أبي بلتعة كان قاسياً على غلامٍ له يضربه، فذهب الغلام يشتكي حاطباً إلى النبي ﷺ ، فكان من جملة ما قاله الغلام للنبي ﷺ : والله يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال ﷺ له: كذبت إنه شهد بدراً إنه شهد بدراً.
وقال: (لا يلج النار أحد شهد بدراً والحديبية) لأن بدراً كانت فتحاً وكانت الحديبية فتحاً أيضاً، ونزل في الحديبية قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، مع الظلم الظاهر في بنود صلح الحديبية.
فاستغاث النبي ﷺ والمسلمون بالله، وقد كان له ﷺ عريش يصلي فيه طول الليل ويدعو الله ﵎ أن ينصره على هذه الطائفة.
стр. 477
مقومات النصر في غزوة بدر
إن المقومات التي كانت عمود النصر في بدر، أربع مقومات: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣]، أول مفتاح من مفاتيح النصر: ذل الإنسان وافتقاره إلى رب العالمين، فليس له قيمة إلا إذا نظر الله إليه، فيحقق العبودية؛ لأن العبودية معناها: الذل الكامل لله.
ولذلك الحجر والشجر عندما يختفي يهودي خلفه يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.
فهل حققنا العبودية لله تباك وتعالى؟ بكل أسف لم نحققها على المستوى الجماعي، بل ولا حتى على المستوى الفردي، إلا طائفة من عباد الله هم الذين صبروا على اللأواء، وصبروا على التشريد وصبروا على الضرب.
ومن تمام العبودية لله: أنك لا تقدم شيئاً من الأحكام مطلقاً على حكم الله.
فهل يُعقل يا أخي أن يستفتى على تحريم الخمر؟ الخمر الذي حرمه الله بالنص القاطع الظاهر الذي لا يحتمل تأويلاً قط، تجدهم يعرضونه للتصويت، من كان حالهم مع دينهم هكذا فأنَّى ينصرون، لا والله لا ينصرون.
إن سنة الله الكونية لا تتخلف، ولا تحابي أحداً.
إن الله لينصر الدولة الكافرة لو كانت عادلة، ويخذل الدولة المسلمة لو كانت ظالمة.
إن المظاهرات كلها لعب وضحك يتم فيها استفراغ شحنات الغضب: الموت لإسرائيل، يسقط اليهود.
ثم بعد ذلك تنفد قوة المتظاهر ولا يستطيع أن يمشي على رجليه، فيذهب إلى البيت وينام على السرير.
هذه الأمة ينبغي أن يبقى بركان الغضب تأثراً في نفوس أبنائها، وأن تسير وفق برنامج عملي، منهجي يتم فيه تحقيق العبودية على وجهها كما أراد الله ، وكما سنها لنا رسول الله ﷺ .
بيوتنا اليوم تعج بالمخالفات.
وأنت ولي الأمر في بيتك، ما الذي يمنعك أن تنقي بيتك من المخالفات؟ ما الذي يمنعك أن تكون قيماً على من في بيتك؟ إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).
يوم نكون عبيداً لله سننتصر على أعدائنا برغم قلة عتادنا وعدتنا، كما نصر الله الذين خرجوا لا بنية القتال، وكانوا يقتسمون التمرات، وكانوا يتناوب الثلاثة منهم على البعير الواحد نصرهم على الكفرة الذين كانوا يذبحون عشرة جمالٍ في اليوم ويأكلونها؛ لأن الله قد حسم القضية فقال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]، (عزيز): لا يغلب جاره.
(حكيم): لا يمكن أن يضع النصر في أيدي أناس لم يحققوا العبودية له حكمته تأبى ذلك.
هل يعطي الله النصر لرجل لا يحقق العبودية له ﵎؟ هيهات هيهات فأول مفتاح من مفاتيح النصر: الذل لله ﵎ وإقامة العبودية على وجهها.
والعبودية (باختصار): أن لا تحرك ساكناً ولا تسكِّن متحركاً إلا إذا كان مأذوناً لك فيه.
العبودية: أن لا تخالف النص حتى لو ظننت أنه يضرُّك، طالما أنه مطلوب منك أن تفعل فيجب عليك أن تفعل.
العبودية: أن تسبح ضد مصالحك الشخصية إذا كان فيه إيصال الخير لأخيك المسلم، كما حدث لـ جرير بن عبد الله البجلي، فقد كان له غلام يفهم في البيع والشراء، فذهب إلى السوق واشترى بعيراً جيداً بثمن بخس، وكان البعير يثمن بثمانمائة درهم وقد اشتراه الغلام بأربعمائة، وجاء مغتبطاً متهللاً إلى جرير بن عبد الله فلما سمع جرير كلامه قال: ائتني بصاحب الجمل.
فجيء به، وقال له: إن جملك يساوي ثمانمائة درهم وأعطاه الأربعمائة الباقية، فكان الغلام يقلِّب كفيه عجباً!! يقول: أنا اجتهدت واستطعت أن أربح في البيعة وآخذ البعير بأربعمائة، وإذا بك تعطيه ثمانمائة؟ قال: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم، وليس هذا من النصح.
هناك من يبيعون الله ورسوله بلا مقابل لوجه الشيطان، وهناك من لا يفك البيعة بأموال الأرض فضلاً عن أربعمائة درهم العبودية تشمل الدين كله.
العامل الثاني: على قول الطائفة التي تعتقد أن هذه الآيات التالية نزلت في بدر: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ بقي العامل الثالث والرابع، ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤ - ١٢٥]، (مُسَوِّمِينَ): عليهم سيما وعلامة.
ولا تعارض بين هذا العدد وبين العدد الذي ورد في سورة الأنفال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ﴾ [الأنفال:٩]، هنا ألف ثم ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف، فلا معارضة؛ لأن آية الأنفال تقول: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، وفي قراءة نافع: (مُرْدَفِيْن): أي سيأتي بعدهم آخرون، فبدأ الإنزال بألف ثم ثنى بثلاثة آلاف حتى وصل إلى خمسة آلاف، كل هذه دفعات متتابعة كما نزل القرآن منجماً؛ لأنه أوقع في تثبيت النفوس، ولو نزل دفعة واحدة لما كان له تأثير قوي، لكنه نزل منجّماً على حسب الوقائع، تحدُث حادثة فتنزل آيات على مقتضى الحادثة، فإذا نزل الشيء على مقتضى الحدث ينفعل المرء له.
القول الثاني أن هذا الإمداد كان في أُحد، وسياق الآيات جميعاً في غزوة أحد، وإنما جاء ذكر بدر مُعْتَرَضَاً بين الآيات للتذكير، قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٢١ - ١٢٤].
فقالوا: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤] هذه نزلت في غزوة أحد، وقد جعل الله الإمداد مشروطاً بالتقوى والصبر، فلما خالفوا الشرط في غزوة أحد لم يحصل الإمداد فلهذا غُلبُوا آخراً، بعدما كانت الدولة لهم في الأول.
إذاً: مقومات النصر في غزوة بدر هي: ذلٌ، وصبر، وتقوى، واستغاثة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩].
أما الهزيمة في أحد فقد ذكر الله الخلل الذي وقع فيه المسلمون في آية واحدة: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢] قال ابن مسعود: (لولا هذه الآية لقلت أن أصحاب النبي ﷺ جميعاً يريدون الآخرة) حتى قال الله : ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢]، ولا يحل لأحد أن يعيِّر الصحابة بهذا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٥٢].
أما في حنين، فقد قال الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥]، وقالوا: (لن نغلب اليوم من قلة) فعوقبوا بالإدبار، وعوقبوا بالهزيمة حتى منّ الله على المؤمنين ونصرهم لما نادى رسول الله ﷺ -كما في الصحيحين- لما أدبر الناس يوم حنين نادى نداءين فصل بينهما، النداء الأول قال: (هلموا إلي)، والنداء الثاني قال: (أنا عبد الله ورسوله) فأنزل الله نصره عليهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 478
القدس لن تعود إلا بالجهاد والرجوع إلى الله
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها الإخوة إن الحق المسلوب لا يعود بالمظاهرات، ولا يعود بإحراق العلم الإسرائيلي، ولا يعود بالمفاوضات، القدس مسألة حيوية بالنسبة لليهود، تجمعوا كلهم في القدس؛ لأنها هي مقبرتهم، هم لن يتركوا القدس، والقدس لن تعود إلا بالجهاد، وعلى حكام المسلمين أن يرفعوا راية الجهاد في سبيل الله، وأن يتيحوا لهذه الأمة أن تثبت وجودها.
إن الحجارة عذبت اليهود أكثر من عشر سنوات، على يد طفل صغير، فاليهودي جبان جبان، وأقوى الناس قلوباً وأشجعهم هم المسلمون، ولو واجه المسلم اليهودي مواجهة صريحة لغلبه.
إننا نريد برنامجاً عملياً نجمع فيه طاقات الشباب وطاقات الأمة لنسخرها في خدمة هذا الدين.
إن المظاهرات يدخل فيها أناس كثيرون ليس لهم في العير ولا في النفير، تجدهم يدمرون الممتلكات العامة والخاصة، والغوغاء إذا اتصلت بالفتنة؛ لا يستطيع أحكم الحكماء من البشر أنه يوقف هذا الزحف.
فلهذا ينبغي علينا أن نكون صرحاء، لا يقولن أحد: إن هذه دعوة إلى التخذيل، المظاهرات لا تغير القرار السياسي ولا الاقتصادي إلا أن يشاء الله، لكن هذه الأمة ينبغي أن ترجع مرة أخرى إلى الأصول العامة والضوابط التي وضعها أهل العلم.
ولا يتكلم في هذه المسائل إلا العلماء، فيأتي أنصاف المتعلمين يقولون: لا.
المظاهرات مشروعة؛ لأن الرسول صلى الله عليه سلم قام بمظاهرة في أول الإسلام، عمل صفين، جعل في الصف الأول عمر، وجعل في الصف الثاني حمزة بن عبد المطلب، نحن نقول: يا جماعة اثبتوا القصة أولاً، هل هذه القصة لها إسناد يُحتج به أم لا؟ ثانياً: لما خرجوا بهذا الوضع وهذه الصورة، خرجوا عن إذن رسول الله ﷺ ؛ ليرهبوا الأعداء.
وهل المظاهرات ترهب الأعداء؟ وها هم أكثر من ثلاثمائة وخمسين فلسطينياً يموتون ويقتلون شر قتلة وماذا فعلت لهم المظاهرات.
ولما يقتل اثنين من اليهود تتعرض الأرض كلها للجحيم، ونضطر أن نعتذر عن مقتل اثنين من اليهود، أما ثلاثمائة وخمسين مسلماً شربت الأرض من دمائهم ليس لهم قيمة، نحن نناصر السلام، واليهود لا يعرفون السلام: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠]، هذه خاصية اليهود، قالها العلماء وتكلموا حتى جفت حلوقهم أن اليهود لا أمان لهم، وأنهم لا يعرفون السلام، والأيام كلها تثبت صدق المقالة.
أفلا نرجع إلى الله؟! ويقولون: نحن لا نستطيع أن نرجع، لماذا؟ لأن اليهود معهم العتاد والرؤوس الذرية والقنابل النووية.
يا إخواننا! نحن نريد أن نرجع إلى الله، نريد أن نحقق العبودية لله، حينئذٍ هو الذي ينصرنا: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٦].
وفي بعض الكتب الإسرائيلية أن الله أوحى إلى موسى ﵇ لما لقي فرعون، فأمتلأ قلبه خوفاً منه، فقال الله له: (لا تنظر إلى لباسه فإن قلبه بيدي) لا تغتر بهذا اللباس فإن قلبه بيدي، ومقاليد الأمور جميعاً ترجع إلى الله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢] أي: نهايات الأمور.
المطلوب منا أن نرجع إلى الله رجوعاً جاداً لا رجوعاً هزلياً كالذي نفعله، هذا كله لعب ليس له قيمة، إنما الرجوع الحقيقي أن نعود إلى الله، كذلك النساء يعدن إلى البيوت حتى يخرج الجيل المنشود الذي سيواجه اليهود.
стр. 479
حقيقة معركتنا مع اليهود
أيها الإخوة: إن المعركة بيننا وبين اليهود معركة عقيدة، وليست قتالاً على الأرض، فالذي يراهن على الأرض خاسر، والذي يستظل بلواء العقيدة لا ينهزم، وهذا هو الفارق الجوهري بيننا وبين اليهود.
رئيس الوزراء الإسرائيلي عندما يلقي خطاباً في الكنيسة، يقرأ آية من التوراة توقيراً للتوراة، ويتلوها وهو معتقد أن هذا حق، ونحن نقاتل على تراب نريد أن نسترد أرضاً، اليهود يستطيعون استرداد الأرض التي أعطونا أياها في أسرع وقت.
ولقد صرح أكابر السياسيين اليهود أن باستطاعتهم طرد ياسر عرفات وأخذ فلسطين كلها.
لقد شرع الجهاد لإعلاء كلمة الله.
سأل رجل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، وعن الرجل يقاتل حمية، هل ذلك في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
اليهود يتحركون عن عقيدة، والقدس تشكل بالنسبة لهم حجر الزاوية، فهم يعتقدون أنها أرض الميعاد، وأنهم الشعب المختار وهذه أرضهم، لقد جاءوا من كل بلاد الدنيا إلى هذه البقعة، والدول الكبرى كلها تدعم هذا الوجود، خاصة بعدما ظهر مصطلح الأصولية، والأصولية تعني: أن العهد الجديد التحم مع العهد القديم.
العهد الجديد: الإنجيل، والعهد القديم: التوراة، ومسألة أرض الميعاد قد هيأ لها اليهود من قديم، حتى أنهم استطاعوا أن يستقطبوا النصارى معهم في هذه المسألة، وأن يجدوا مساعدات بالمليارات لتحقيق الوعد الذي هو واردٌ عندهم في التوراة.
فهذه مسألة حيوية جوهرية، لن ترد القدس بالمفاوضات أبداً، لن يردها إلا الجهاد لكن بعد أن تكون الأمة قد خسرت كثيراً جداً.
في هذا الوقت يدخل شارون المسجد الأقصى؛ لأن هناك مفاوضات على القدس وإعلان الدولة الفلسطينية، فقال لك: نعمل أي حركة جانبية، نشغلهم بها عن الموضوع الأصلي.
هذه المفاوضات والقمم تقام لوقف الصلف اليهودي، والرجوع مرة أخرى إلى قرارات أوسلو، وفي هذه الفترة يشن اليهود غزواً ثقافياً واقتصادياً، فالإعلام والاقتصاد والمال بيد اليهود، وهم حريصون على إدخال الحشيش والمخدرات والأفيون إلى بلاد المسلمين، وهم على استعداد أن يخسروا مائة مليار دولار على أن تقفل كل المصانع في مصر، وكل هذا الكلام مدون في بروتوكولات حكماء صهيون، وأنا لا أدعو الجماهير إلى قراءة كتبهم، لا.
الجماهير يجب أن تشتغل بالكتاب والسنة، إنما الذي يقرأ هذه الكتب هم الدعاة إلى الله؛ حتى يعرفوا كيف يكيد الأعداء لهذه الأمة.
ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال لـ زيد بن ثابت: (تعلم لغة يهود فإني لا آمنهم على كتابنا) فتعلم زيد بن ثابت لغة اليهود وأتقنها في ثمانية عشر يوماً؛ لأن هذا جهاد يرضي الله ورسوله.
وكما يقرأ العلماء في كتب أهل البدع، ليعرفوا كيف يؤسس أهل البدع أصولهم حتى يردوا عليهم ويحموا عقيدة أهل السنة، ويكشفوا التلبيس والتزوير، كذلك قراءة علما في كتب أهل الكتاب ومعرفتهم بالأناجيل والتوراة، وقد وجد من علمائنا من كانوا أفقه في دين النصارى من أعظم القساوسة، كـ ابن تيمية وابن كثير وابن القيم.
فيجب أن يحال بين الجماهير وبين هذه الكتب؛ لأنها مضيعة للوقت ولا فائدة منها بل خطرها على عوام الجماهير شديد.
وهناك شيء آخر وهو: أن بعض الدعاة يضخم إمكانات العدو ويحقر من إمكاناتنا، وهذا إذا جاز أن يقال: أنه يوضع كالملح في الطعام، فلا يجاز أن يدندن عليه بصفة دائمة، لأن ما ظنك برجل مهزوم كل يوم تقول له: لا فائدة الأقمار الصناعية تراقب دبيب النملة، هم عندهم أربعمائة إذاعة وخمسمائة مجلة، والعملاء بالألوف المؤلفة، فهذا معناه عند رجل مهزوم أن يزداد هزيمة، ولا يتحرك، فقد يكون من المصلحة أن تحجب إمكانات عدوك عن الجماهير التي لا تدرك شيئاً لكن عليك أن تضع الإمكانات الحقيقية بين أيدي أصحاب القرار، الذين يعرفون كيف تدار الأمور.
في بروتوكولات حكماء صهيون قالوا: نحن سوف ندعو إلى تحريم تعدد الزوجات، وقد كنت أستغرب كيف سيحرموه هل سيأتي شخص يقول لك: إن تعدد الزوجات حرام؟ لقد ظللت أفكر حتى دخلت في حيرة، ولم أصل إلى النتيجة إلا بعد فترة، وقد كانت النتيجة أن بثوا وزرعوا في عقول الناس اشتراطات وأسئلة ثلاثة، جعلوا الزوج والزوجة يفكران فيها قبل أن يقدما على الزواج: السؤال الأول: هل توافق على أن تكون العصمة في يد امرأتك؟ فلو كان هناك رجل يحب امرأة ويموت في حبها، ويريد أن يتزوجها وشرطت عليه أن تكون العصمة بيدها لوافق.
وللأسف عندنا شريحة من الرجال مستعدة لهذا الأمر تلقائياً.
السؤال الثاني: هل توافقين أن يتزوج زوجكِ عليكِ؟ إن أي امرأة لو أتيت بها وخيرتها من قبل الزواج: هل توافقين أن يتزوج زوجك عليك؟ لقالت: لا.
ومعلوم لدينا أن المرأة إذا كانت من الطراز الذي يحمل هموم الأمة، ويعتقد أن التعدد نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله ستقول: نعم أوافق، لكنها سوف تجد ضغطاً من المجتمع كيف توافقين على هذا يا مجنونة، أنت مخدوعة، ما هذه المبادئ التي تتكلمين عنها.
إذاًَ: لا يوجد من النساء من سيوافق على هذه المسألة، وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر لو كتبته بيديك فإنه سوف يرفع بأمرك إلى المحاكم وتدخل في سؤال وجواب.
هذه المرحلة الأولى.
المرحلة الثانية: استحداث عقوبات للمخالفات، فإذا أخللت بشرط من شروط العقد يحدد لك عقوبة.
وسيكون نتيجة تطبيق ما سبق من مراحل: أن تظهر شريحتان في المجتمع: شريحة ستجعل العصمة بيد المرأة، والشريحة الثانية: أن المرأة لن تسمح أبداً لزوجها أن يتزوج عليها بل تشترط ذلك في عقد الزواج.
السؤال الثالث: هل توافق أن تعمل امرأتك؟ هذه هي الثلاثة الأسئلة المكتوبة!! لماذا؟ لأن الفساد كله يتحقق بها أو بنفيها، فاليهود استطاعوا بدهاء ومكر أن يستخدموها، مثلما استخدموا الشيخ محمد عبده في الثناء على قاسم أمين.
كانت الماسونية العالمية تدعي إليها بعض العلماء ليتحدث في نواديها ومنتدياتها، ونتيجة للجهل والتغرير كان أحدهم يذهب ويقول: أنا أبلغ كلام الله في أي مكان.
ومن هنا تكتسب التزكية والقبول.
هؤلاء جميعاً لهم أهداف وهم صناع القرار في العالم، إذا أرادوا تولية أحد قيادة أي بلد من البلدان أخذوه ووضعوه تحت المجهر من طفولته إلى أن يضعوه في المكان المناسب.
أذكر أنه كان هناك مسجد في القاهرة يراد توسعته، فقام الخطيب وقال: يا إخوان! نحن نريد أن نوسع المسجد بسبب ضغط المصلين، ونحن نحتاج إلى مائة ألف جنيه، وقد كان هذا الكلام عام (١٩٧٦م)، فقام شخص بعد ما أنهى الخطيب كلامه وقال: أنا أنتمي إلى نادي (الروتاري) وسأتبرع بمائة ألف، فصاح الناس: الله أكبر، بارك الله فيك، والناس -طبعاً- لا يعرفون ما المقصود بكلمة (روتاري)، هم يعرفون أن الرجل محسن وأنه يريد الخير.
فقام رجل مسلم من جنوب الفلبين لما سمع الكلمتين وقال: اسمحوا لي بكلمة وأمسك الميكرفون وتكلم، فبين للناس أنه سيُكتب على لافتة الملحق الجديد للمسجد: أن هذا الملحق بناه نادي (الروتاري) وهذا يعطي سمعة حسنة لهذا النادي الماسوني.
وبين للناس حقيقة هذا النادي وأهدافه.
فلما يقال: إن نادي (الروتاري) يحتاج إلى أعضاء جدد، فإن أي إنسان سيعلن انتماءه إليه مباشرة، وإذا وجدوا داعية أو عالماً استدرجوه بأن يذهب إلى النادي ليلقي محاضرة عن الأخلاق والقيم والمبادئ.
ثم يخرج الإعلان في الصحيفة في اليوم الثاني أن العالم والداعية الفلاني شرف نادي (الروتاري) وألقى فيه محاضرة.
فيتخذون من سمعة العالم أو الداعية ستاراً لمزيد من الإيهام، وينطبع في مخيلة الجماهير: لولا أن هذا النادي أهدافه عظيمة وحسنة ما جاءهم العالم الفلاني.
هذه الحقائق لابد أن يعرفها أهل العلم، وعليهم أن يبصروا الجماهير بها بالطريقة اللائقة، والحكمة والموعظة الحسنة.
نحن قلنا: إن اليهود لهم معنا حروب طويلة، وليس من حق أي مخلوق مهما كان قدره أن يقول: إن الحرب بيننا وبين اليهود الآن آخر الحروب، ليس من حقه أن يقول ذلك؛ لأن الله قضى أن الحرب بيننا وبين اليهود لن تضع أوزارها إلا مع قيام القيامة.
فالحرب بيننا وبينهم دائمة مستمرة، ونحن لابد أن نكون مستعدين، ولا نضلل الجيل القادم، وأنا معتقد أن الجيل القادم سوف يكون ذا قيمة، وأن المواجهة مع اليهود ستكون مواجهة شاملة مع جيل أولادنا.
ولهذا ينبغي أننا نربي أولادنا على عقيدة الانتماء لله ورسوله، والعزة التي نقرأها في جيل الصحابة ﵃ وجيل التابعين من بعدهم، ونحدثهم عن المعارك التي انتصر فيها المسلمون من أهل الشام ومصر على التتار.
لقد قرأت أحداث لكل المعارك وأنا راجع من رحلة الإمارات إلى القاهرة في خلال ثلاث ساعات، لقد ضللت أبكي منذ بدأت القراءة حتى نزلت المطار؛ لأن التتار كانوا قد ملكوا الدنيا كلها، وكان اسم التتار يبعث على الرعب.
لقد بدأ التتار يجهزون الجيوش حتى دخلوا الشام، فبدأ أهل الشام يستنجدون بأهل مصر، وبدءوا يراسلون الخليفة ولقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ دور كبير في معركة شقحب التي يقول فيها ابن القيم ﵀: (ورأيت شيخ الإسلام يركب فرساً ويقاتل كأشجع الفرسان وما ركب فرساً قط)، وكان شيخ الإسلام يطوف على الجنود ويتكلم بقلبه، ويحلف أننا منصورون هذه المرة، وكانت المعركة في رمضان، وكان يذكرهم ببدر وأنها كانت في رمضان.
وكان يفتي الجنود بالإفطار ويقول: تقووا، فإن النبي ﷺ قال: أفطروا، وكان يحلف بالله أننا منصورون هذه المرة، فقال له الخليفة: (قل: إن شاء الله) فقال: (تحقيقاً لا تعليقاً) إن شاء الله هي موجودة في قلوبنا حتى لو لم نتلفظ بها.
ودارت رحى الحرب بعدما قسّموا الجيش إلى ثلاث فرق: الميمنة والميسرة والقلب، وكان الخليفة والأمراء في الخلف، وهجم التتار على الميسرة في الليل، واستطاعوا أن يقتلوا أكثر من ثلاثة آلاف مسلم
стр. 480
عجبا يا بلد الأزهر
إن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة إلى العلماء وطلبة العلم، فبوجودهم ينتشر العلم، ولكن للأسف فإن المسلمين لا يهتمون بالعلم، ولا يدركون حجم المحنة النازلة بهم، فتجدهم يهتمون بمظاهر الدنيا أكثر من اهتمامهم بالعلم، بل إنه يخرج من بين أظهرهم من يعملون على عرقلة نشر العلم.
ولهذا فإن العمل على نشر العلم، ومعاونة العلماء بالمال، وتفريغ الطلبة للتعلم يعد واجباً على كل مسلم.
стр. 481
العلم الشرعي والتفرغ لطلب العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
стр. 482
صعوبة الحصول على المخطوطات في بلاد المسلمين
هناك ظاهرة حتى أبين لك حجم المحنة أيضاً، مخطوطات المسلمين مفرقة في بلاد الكفر كلها، ما من بلد من بلاد الكفر إلا وفيه مخطوطات للمسلمين، ما علينا من بلاد الكفر، دعنا نحن في البلاد مثل بلادنا وتركيا، ومثل هذه البلاد التي تزخر بدور المخطوطات، عندما أذهب أنا كباحث في الحديث، أو أنت كباحث في الفقه، أو هذا كباحث في اللغة، أو هذا في التفسير أو هذا في الأصول، ويريد أن يحقق كتاباً لينشره بين المسلمين، فإذا أراد أن يحصل على المخطوط، فإنه لا بد أن يريق ماء وجهه ذلاً للموظف في المكتبة، وأنا لا أذهب بكم بعيداً، أقول لكم جزءاً من محنتي في تحقيق تفسير الحافظ ابن كثير ﵀: فأنا أحقق تفسير الحافظ ابن كثير، على أكثر من عشرين مخطوطة، بعضها يرجع إلى حياة الحافظ ابن كثير نفسه، أقدم مخطوطة عندي تاريخها سنة (٧٥٩هـ)، وابن كثير مات سنة (٧٧٤هـ) قرابة خمسة عشر سنة، وهناك مخطوطة مكتوبة سنة (٨٢٥هـ)، موجودة في المكتبة الأزهرية بالقاهرة، وهذه المخطوطة نشرت عنها طبعة دار الشعب التي هي ثمانية مجلدات، فأردت أن أحصل على المخطوط فذهبنا إلى المكتبة: - قال: المخطوطات في الشماعة.
- لماذا؟ - نحن أصلاً سننقل إلى حديقة الخالدين، ولستُ عارفاًَ ماذا، وكلاماً من هذا.
هذا الكلام عمره خمس سنوات.
المهم أننا دخلنا على الموظف وجئنا بواسطات وما إليها.
قال: يمكن نخرج لكم المخطوطة لكن لا بد من إمضاء شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق ﵀، واستطعنا بالواساطات أن نصل إلى مدير مكتب شيخ الأزهر وهو أخ فاضل، وكتبنا التماساً، ووصل الالتماس بالفعل على حسب ما قال صاحبنا إلى مكتب الشيخ ﵀.
ومع ذلك كلما نتابع الخبر ما استطعنا على الإطلاق إلى لحظة هذا الكلام أن نحصل على المخطوط، ساومنا: طيب! نحن على استعداد أن نأتيكم بمخطوطة نفيسة غير موجودة في المكتبة أبداً عندكم، وتقايضونا بالنسخة، وندفع على الورقة تسعين قرشاً مقبل تصوير المخطوطة، وتفسير ابن كثير الطبعة التي هي موجودة في المكتبة الأزهرية ثمانية مجلدات، كل مجلد أكثر من ثلاثمائة ورقة وجه وظهر، فالمجلد الواحد يمكن أن تكون تكلفته ثلاثمائة جنيه، أو خمسمائة تقريباً، وعندها (٥٠٠ × ٨ مجلدات) يمكن أن ندفع أربعة آلاف جنيه مقابل تصوير، ولم نحصل على مخطوط.
قالوا: لا بأس.
فذهبنا -لست أنا طبعاً إنما أنا أوكل، وطبعاً كل شيء بفلوس، فأنا قلت: أوكل، أليس كذلك؟ فمكتبة الجامع الكبير في اليمن في صنعاء فيها نسخة نفيسة لتفسير فتح القدير الجامع بين الدراية والرواية في علم التفسير للشوكاني ﵀، وهذه المخطوطة بخط تلميذ الشوكاني، وقُرِئت على الشوكاني في حياته، والشوكاني له تعليقات على هامش النسخة، وتعتبر هذه النسخة نفيسة جداً، وتقع في أربعة مجلدات ضخام، وصُوِّرت بمبلغ وقدره بعدما جئنا بالنسخة وعرضناها على المكتبة قالوا: لا، لا، لا، لا، لا.
هذا رجل حديث، نحن نريد مخطوطة عريقة، يعني: عمرها تسعمائة سنة أو ثمانمائة سنة.
- يا جماعة! هذه النسخة ليست عندكم! وذهبت كل هذه النفقات سدىً، وعجزنا حتى الساعة أن نصور نسخة.
أنا أقول لكم واثقاً غير متلجلج: لو أن هذه المخطوطة في تل أبيب، لكنت قد جئت بها في اليوم الثاني، أقولها غير متلجلج وبكل أسف، أنا أريد مخطوطة، أتصل مثلاً بالأنتريال بأسبانيا: أريد المخطوطة الفلانية بالرقم الفلاني، أحول تصويراً بالدولار عليهم فتصل إلي المخطوطة من أسبانيا، على أحسن تصوير وأفخم ورق بعد أسبوع واحد! فإذا كان هذا حال القائمين على الكتاب، ونحن لسنا في دار كتب، ولا نأخذ المخطوطات نُثْري بها، ولا نبيع بالدولار ولا بأي ماركة من الماركات، إنما نأخذ هذا المخطوط ونواصل الليل بالنهار ويجفو عيونَنا النوم، لفظة واحدة يمكن أن أظل أسبوعاً كاملاً أحقق فيها، هل هي بالنون أم بالباء؟ النقطة فوق أم تحت؟ لأنه سينبني على هذا حكم شرعي، وأنا مؤتمن على تراث المسلمين، وسيصعد واحد فقيه يأخذ هذا الكتاب ويحتج بهذه اللفظة ويعتبرها من الألفاظ المحفوظة، ويبني عليها الحكم الشرعي.
إذاً: كأنني أسهمت في هذا التضليل، فإذا عجزتُ بعد هذا البحث الطويل العريض عن أن أرجح هل هي بالنون أم بالباء، أكتب كل ملحوظاتي في الحاشية، وأنني نظرت في الكتاب الفلاني، والكتاب العلاني، ويترجح لي في النهاية كأنها بالباء أشبه، أو كأنها بالنون أشبه، وليحرر هذا الموضع.
فمن الذي يقوم بهذا الجهد، إذا كان لا يوجد في المسلمين من يقوم بهذا، وهذا تراثنا، وهذا ديننا كله؟! ومن يحاول إخراج المسلمين مرة ثانية؟! هل المسلمون بعد سماع مثل هذا الكلام سيفهمون؟ وهذا قُل مِن جُل، المعاناة أكثر بكثير جداً إذا كانت المخطوطة وحيدة، مثلاً لو أن عندك خمس أو ست مخطوطات، فمن الممكن لو كان ثمة طمس في المخطوطة أن تجده في مخطوطة ثانية شبيهة، تُصَوِّر المخطوطات من بعضها؛ لكن لو كانت مخطوطة واحدة في العالم ليس لها شبيه وفيها طمس، أو الناسخ استعجل، أو غفل وهو يكتب، ولا تستطيع أن تراجع هذا في مخطوطة أخرى، فهذا عذاب أليم.
فمن الذي يقوم بهذا الجهد؟!
стр. 483
لا يقضى على البدعة إلا بالحجة والعلم
بمناسبة الكلام على البدعة على حجم محنة المسلمين في تمييزهم هذا الباب الوحيد في وسط أبواب عليها دعاة أقوياء، والمحنة لها حجم آخر، وذلك أن دعاة الحق مع قلتهم قد يبطلون دعوة الحق بعدم الإجادة، وبعدم إقامة الدليل وإقناع المستمع أو طالب الحجة ببعض الدلالة.
داعية الضلال قد تجده قوي العبارة والحجة، ويعتمد اعتماداً أساسياً على الشبهات، بحيث إنه يحيرك في بعض البلاد التي لا تجد فيها داعية حق واحد، وقد تجده ولكن عنده ضعف في اللسان، فتزداد حجم المحنة بأن الباب غير مميز بالنسبة للناظر الأزهري، وفي نفس الوقت الرجل الذي يقف على هذا الباب لا يحسن عرض الحجة ولا الحق الذي معه.
إنما أقول هذا الكلام وأكرر الدعوة التي كررتها كثيراً حتى قلتُ مرة: إن حلقي جف من كثرة الدعوة إليها مع عدم الاستجابة من الجماهير حتى هذه اللحظة التي أنبه فيها، الاستجابة لا تشكل أكثر من نصف في المائة، وهذا يبين لك حجم المحنة أكثر وأكثر، نصف في المائة، الدعوة التي أدعو إليها دائماً.
أقول: يا جماعة المسلمين! فرغوا طلبة العلم لمصلحتكم، طالب العلم الذي يعمل أكثر من عشر ساعات في اليوم ويعطي العلم والدعوة فضل وقته، هذا لا يمكن أن تأتي من خلفه ثمرة محترمة.
لماذا لا تفرغون؟ انظروا إلى النصارى يفعلون ذلك، واليهود يفعلون ذلك، عندهم رءوس أموال موقوفة، فأنت -مثلاً- إذا نظرت إلى القس في الكنيسة، وإلى إمام أو خطيب المسجد عند المسلمين، ترى مهزلة بمعنى الكلمة.
стр. 484
من المسئول عن عجز الخطباء والدعاة
ما معني أن يكون رجل ساكن في عين شمس ويخطب الجمعة في حلوان وهو كفيف البصر، ما معنى هذا الكلام؟ رجل كفيف البصر يسافر من عين شمس؛ لكي يخطب الجمعة في حلوان على بعد (٣٠كم) يتعلق بمواصلتين وثلاثة، هل عين شمس خلت من المساجد؟ لماذا لا يخطب هذا الرجل في عين شمس، ورجل حلوان يخطب في حلوان؟ ثم تنظر إلى البدلات التي تصرف للأئمة، نحن على يقين أن أكثر من (٩٥%) من خطباء الأوقاف جهلة، والمسألة مزدوجة، أي: ليس الذنب عليهم دائماً، لَمَّا يُعْطَوا (١٠) جنيهات (بدل كتب) لو أراد أن يشتري كتاب فتح الباري مثلاً وهو كتاب قاموس السنة، والإنسان لا يستغني عنه أو أي باحث في العلم، الكتاب هذا بـ (٢٥٠) أو (٢٤٠)، يعني: أنه يظل سنتين يسدد أقساط كتاب واحد إذا وافق البائع على ذلك، مع أننا يمكننا أن ننفق مائة ألف أو تزيد في استقبال واحد من النصارى: مرحباً بالضيوف، مائة ألف، بئر معطلة وقصر مشيد، بئر لا ماء فيها، وقصر مشيد، المائة ألف التي تنفق في كل ضاحية وكل حي، لو جاءوا بها بكتب لهؤلاء الناس، حتى يعلموهم شيئاً؛ لكن وبكل أسف! الذي يصعد هذا المنبر لا يدري أبجديات الإسلام، قد يكون ذكياً ومحصلاً، ومحباً لدينه، ويتمنى أن يخدم؛ لكن ليس عنده علم.
كثير من هؤلاء الشباب يسألونني سؤالاً واحداً: ما حكم الشرع في (الهروب) من الدروس؟ هو له جدوى كل يوم لا بد أن يعطي درساً بين المغرب والعشاء في المسجد المعين فيه.
هذا الرجل من أين سيأتي بالكلام؟ ليس عنده كلام، إن الذي يقدر أن يعمله أنه يزوغ من الدرس، لأنه سيحرم نفسه، يصعد ماذا يقول؟ يقول مثل أشعب! المحتال الطفيلي الذي ذكر الخطيب البغدادي في ترجمته من تاريخ بغداد قالوا: يا أشعب! أدركت الناس والطبقة -أي: التابعين- ولا تزال تجري على الموائد وعلى بطنك، فقد أدركتَ عكرمة والناس، فهلا عقدت مجلساً للعلم يُنْسَأ به أثرك، وتنبل في الناس؟ قال: أفعل إن شاء الله، وحدد موعداً للدرس، وجلس، واجتمع الناس من كل حدب ينسلون - أشعب مدرساً، يعني: هذه أعجوبة من الأعاجيب، حتى يكون هناك من يستفيد من أشعب كيف سيتكلم؟! - فوقف على المنبر وقال: حدثني عكرمة عن ابن عباس -يا له من إسناد عالٍ بينه وبين النبي ﷺ إسناد فقط، هذا هو الإسناد العالي المشرف، قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (خصلتان في المؤمن إن أحرزهما دخل الجنة) ثم سكت، قالوا: هيه! يا أشعب، قال: أما الأولى فنسيها عكرمة، وأنا نسيت الثانية.
فالرجل ليس عنده كتب وليس عند زاد يتزود منه، كل يوم درس؟ أهو ابن تيمية، سيأتي بكلام من أين؟ كل يوم درس؟ فيجيء الشاب الذي من المفروض أنه يعلم الناس الدين، فيهرب ويريد أن يسأل عن حكم الشرع في (الهرب)، عندما يكون هذا هو الإمام المقتدى به، لذلك أقل القليل من المساجد هي التي تقوم برسالتها وواجبها، لكن أغلب المساجد فقدت أهميتها وقيمتها وصارت مجرد مكان لإقامة الصلاة.
إذاً: عندما يكون هؤلاء جميعاً وفيهم طلبة نابهون ويقول: إن الجهل الذي وقعوا فيه ليسوا هم السبب فيه، يعني: هم أحياناً مظلومون، وهؤلاء يحتاجون إلى مراجع، من الذي يوفر لهم المراجع؟
стр. 485
محنة العالم إذا كان وحيداً في بلده
إنني أقول هذا الكلام، لكي أحنن قلوبكم؛ لأنه بعد الكلام الطويل لم يستجب لي نصف في المائة، وأنا عملت النسبة المئوية هذه على رواد الجمعية الشرعية، بالنسبة لعدد المستفيدين من الجمعية الشرعية، سجلت العدد الذي يحضر، وعملت نسبة مئوية ظهر أن نصف في المائة هو الذي استجاب لهذه الدعوة برغم الحرارة والمرارة التي أتكلم بها، وطلاب العلم الآن يعملون مثل غيرهم، طالب الهدى إذا أراد أن يطلب عالماً أين يجده؟ وأيضاً أقول أو أظهر شيئاً آخر من حجم المحنة، ولا أقوله من باب التشفي، نعوذ بالله، فنحن خدام لدين الله ، فقط أوضح لك الصورة التي أعيشها، أنا أعيشها يومياً:
стр. 486
كثرة الأعمال وتنوعها وضيق الوقت
ثالثاً: المطلوب لما آتي إلى محاضرة مثل هذه، أن أحضر وأحترم عقول السامعين، وأعتقد أن في الجلوس من هو أكفأ مني وأفهم، فذا يزيد من حجم محنتك ليلة الجمعة، ولا بد أن تجيء بحاجة جديدة لتهز بها العقل والقلب، لكي توصل الهدى إلى الناس.
رابعاً: المطلوب منك أن تحقق في الكتب، وتقرأ في المخطوطات، وتحقق الأحاديث، وتنظر في الطرق وفي متابعة الرواة.
خامساً: أنت رب أسرة ووراءك أولاد وزوجة، وهذا عنده مشكلة، وآخر كذا! وذا يريد أن يعمل ماذا، أنت رجلٌ تمثل وحدك في المجتمع وجارك عنده كذا، وذا أنا أريده في كذا إلخ.
قسم هذا الكلام على (٢٤) ساعة، هل تستطيع أن تفي بشيء من هذا، لو أن هذا البلد فيه مثلاً (٣٠) أو (٤٠)، أليس الحمل كان سيخف عليَّ وعلى إخواني، من أكبر المحن أن تكون وحدك، وأنا أقول هذا لطلاب العلم، احذر أن تفكر أنك إذا كنت وحدك تكون مرتاحاً، وأنك بالانفراد تنجو من البلاء، ولا يوجد في البلد غير واحد، هذه محنة لا يفتخر بها.
قرأت في كتاب لـ أبي موسى المديني حكاية ما تمالكت نفسي، وذرفت عيني بالدمع، وهذا الكتاب مخطوط ولم يطبع حتى الآن واسمه: كتاب اللطائف في علوم الحديث، يقول هذه الحكاية: كان سفيان بن عيينة في مجلسه يوماً، فقال: هل فيكم أحد من أهل الشام؟ - قال رجل: نعم.
- قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ - قال: مات.
- هل فيكم أحد من البصرة؟ - قال فلان له: نعم.
- قال: ما فعل فلان؟ - قال: مات.
- هل فيكم أحد من الكوفة؟ - قال: نعم.
- قال: ما فعل فلان؟ - قال: مات.
- هل فيكم أحد من بلاد ما وراء النهر؟ - قال: نعم.
- قال: ما فعل فلان؟ - قال: مات.
فحينئذٍ بكى سفيان، ثم أنشد قائلاً: خَلَت الديار فسُدْتُ غير مُسَوَّدِِ ومن الشقاء تفردي بالسؤددِ يبكي سفيان فهو بعدما مات أقرانه هؤلاء، وكان عندهم حديث، كل الشباب الذين كانوا في الحلقات المتفرقات جاءوا تحت رجليه يسمعون.
إذاً: هذا جيدٌ أن يحضرَ له مائةُ ألف بدلاً من أن يحضرَ له عشرةُ آلاف أو خمسةُ آلاف، ويكون فرحاً بشبابه أن كل هؤلاء يحضرون له! لا.
هذه محنة وليست منقبة؛ لأنه كلما كان لك أتباع يحملون عنك ويوصلون الهداية يكون أبلغ من أن توصلها وحدك.
стр. 487
كثرة الأسئلة من العامة وطولها
لو أنني تركت نفسي للهاتف أجيب عن كل مكالمة تأتيني -بلا مبالغة- سأظل ست ساعات في اليوم أتكلم، فجرس الهاتف لا يكف عن الرنين ليل نهار، الساعة الرابعة في الليل، الساعة الخامسة في الليل، الساعة الثالثة في الليل، لا يكف عن الرنين، بعدما قلنا للناس: يا جماعة! ارجعوا إلى الله، وعبِّدوا أنفسكم لله.
الحمد لله كانت النتيجة مبهرة، ورجع أناس كثيرون إلى الله؛ لكن كل إنسان رجع إليك بعُجَرِه وبُجَرِه يقول لك: أنا لخبطت، ولي عشرون سنة ماشٍ على كَيفي، وارتكبت موبقات، فأنا أريدك أن تسمعني وتطول بالك؛ حتى أحكي لك، لكي تقول لي الخلاص من هذه ماذا؟ والخلاص من هذه كيف؟ والخلاص من هذه كيف؟ هذا فرد لا بد أن تعطيه خاطرك، وتعطيه أذنك، وتسمع منه بإتقان؛ لأنك ناصح وهذا أثر دعوتك، إذا أخذت السماعة وقلت له: أنا لست فارغاً.
إذاً: لماذا ظللت (تتنطع) على المنبر، وكادت حنجرتك تنفلق؟ يعني: من أول يوم قلتَ فيه: ارجعوا إلى الله، فأنا أريد أن أرجع، من الذي يرجعني إلى الله؟ أنت الذي أرجعتني، إذاً: لا بد أن تكمل المشوار.
إذاً: ليس عندك خيار على الإطلاق، غير أنك تعطي أذنك وتسمع، طبعاً يتكلم بإسهاب، ويدخل في الكلام: ونسيتُ أن أقول لك: لستُ عارفاً ماذا؟ ومن هذا الكلام، ويعطيك حينها سيناريو الموضوع لكي يبين عذره.
مثلاً: غلط ومشى مع امرأة، ويريد أن يبين لك أيضاً أنه إنسان نبيل في الأصل؛ لكنه معذور، ظلت تعمل لي، وتعمل لي، ولا يوجد جمل يتحمل هذا الكلام، فوقعت.
وطبعاًَ أول ما تقول له: يا أخي، طيب، ليس مهماً، ادخل في الموضوع باختصار، يقول لك: لا.
الكلام الذي سأقوله مهم.
والكلام الذي يقوله يريد به فقط أن يبين أنه ليس وِحِشَاً؛ أنا لم أقع بالسهل.
فلا بد أن تسمع الكلام، وهذا فرد واحد.
وصلت المسألة أن يتصل بك يستشيرك مثلاً في زواج ابنته أو زواج ابنه.
ووصلت المسألة أن عنده ميراثاً يريد أن يشغله، بأن يضعه مثلاً في بنك فيصل، أو يناوله فلاناً، فهل تعرف تاجراً حذقاً أميناً؟ إلى آخر هذه التفصيلات التي لا بد أن تستمع إليها، وتعطيها أذنك وقلبك.
هذا جهد غير مرئي وأنت جالس على مكتبك، فتنزل إلى فتلقى ثلة من طالبي الحق ينتظرونك أيضاً على بوابة البيت، وهم يتصورون أنك نائم تحت التكييف.
شخص كتب لي رسالة في الأسبوع الذي مضى، ورماها لي من فوق الباب: قال: يا عم، تأكلون كباباً، -لست أعرف ما أدراه؟ مع أن الأكل هذا من المفروض أنه حاجة مستترة، لا يعرفها إلا مَن استضفته- تأكلون كباباً بثلاثين جنيهاً، وتركبون عربيات، وجعلتم تغيرون في العربيات، وأنتم تتكلمون عن الزهد والتقشف وما إليه، ولست عارفاً ماذا! ومن هذا الكلام، وآخذٌ في الزواج، تظل تتزوج واحدة بعد أخرى، وأنا لا أجد زوجة.
هذا يَقُرُّ، ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤].
فيظن أنك قاعد مرتاح، و (١٠٠%)، وهات يا عصير، وهات يا كباب، وهات يا كفتة، وما إليه، و (١٠٠%).
وأول ما تقول له: أنا آسف لأني مشغول، يغضب منك، وأنت الآن أذناك مثل هذا، ودماغك سينفجر؛ لأنك واضع السماعة على أذنيك، مما يسبب لك الصداع، وأول ما تحاول أن تعتذر، أو تكون متعباً؛ لأن ثمة مشاكل تغير قلبك حتى أحياناً يشعر المرء أنه بحاجة إلى أن يستقيء، أن يتقيأ من المشكلة التي يسمعها، فأنزل وعندي شيء من الاكتئاب، فأنزل والمفروض أن ألقى إخواني بالابتسامة، وكذا؛ لكن لا.
عندي تعب، فلا أريد أن أتكلم، مواهبي ذهبت، لأن الفتوى والكلام كثر حتى مللت من الكلام وكلَّ ذهني وأصابني الحزن والهم، هذا يسألك في سؤال يقول لك: مسألة مهمة جداً جداً ولا بد هذا الوقت، طيب قُل.
الجماعة الثانية: أناس يسألون، ويعتبرون أسألتهم مهمة جداً جداً، ولا يمكن أن تتركها، ويظن أحدهم أنه لو أخر السؤال أسبوعاً أو يومين أنه سيموت.
стр. 488
دعوة المسلمين إلى النفقة على العلم وطلابه
إنني أقول هذا الكلام تحفيزاً لكم ولنحنن قلوبكم أيضاًَ، وأبين حجم المحنة التي يعانيها الدعاة على وجه الخصوص، وهم قلة في كل بلد، وعليهم أعباء أكثر بكثير مما أقول.
إذاً: المطلوب منا أن نرجع مرة أخرى وندرك حجم المسئولية.
وأيضاً: أحفزك بقول النبي ﵌: (الدال على الخير كفاعله).
يا أخي! أنت عندما تسهم في تفريغ طالب علم، ولا أقول: تصدَّق؛ ولكن أقول: من زكاة المال، وعندنا تجار وعندنا أناس من أصحاب رءوس الأموال، لا تجب عليهم الزكاة كالأطباء مثلاً، الأطباء وأصحاب العيادات لا تجب عليهم الزكاة لأن الزكاة لها شرطان: - أن يحول الحول.
- وأن يبلغ المال النصاب.
يمكنه في الشهر أن يكسب مائة ألف، ويمكنه أن ينفق مائة ألف في الشهر.
إذاً: هذا لا تجب عليه الزكاة.
أنت تعرف عبد الله بن المبارك؟ كانت غلته في السنة مائة ألف ولم تجب عليه زكاة قط.
لماذا؟ كان المال الذي يأتيه دائماً يصرفه، ليس بقصد الهروب من الزكاة.
لا؛ لكن لأنه كان له مصاريف ووجوه يصرف فيها المال.
في هذا الزمان كل المسلمين الذين عندهم تجارات أو زراعات أو أي عرض من الأعراض، هؤلاء في مالهم زكاة.
نعلم عليك أن تصرف من زكاتك للأقارب والأرحام؛ لكن خصص جزءاً من زكاة مالك لطلاب العلم، أريد أربعين طالباً.
إذا كانت زكاة مالك أربعين جنيهاً، فأربعون جنيهاً لن تفعل حاجةً لطالب علم.
فإذا كنت أنت واثنان وثلاثة وأربعة وخمسة ادخرتم مائة جنيه أو مائتي جنيه أو ثلاثمائة جنيه، إذا كنتم أربعة فاكفلوا طالب علم من ناحيتكم، واشترطوا عليه وخذوا عليه المواثيق الغلاظ أن ينصر دين الله ، وأن لا يفرط في وقته وأن لا يضيع هذه الأمة، ودَعُوه.
إنه لا يعلم حجم غياب العالم إلا الباحث عن الحق، الذي يبحث عن الهدى ولا يجد من يدله.
وأنا أقول هذا الكلام لعموم الناس الذين عندهم سيارات.
عندما يكون في طريق مفترق طرق، وهو يريد الذهاب إلى بلد من البلدان ولا توجد لافتة تقول: الطريق هذا يؤدي إلى أين وإلى أين، حينها تظهر الحيرة.
وكذلك طلبة العلم والعلماء، هم أدلاء للجماهير على هذا الخير.
أتمنى من كل قلبي أن تجد هذه الدعوة صدىً عند الجماهير، وأن يدركوا حجم المحنة التي يعانونها لعدم وجود طلاب العلم، وأن يكفلوا طلاب العلم، وأن يوفروا المراجع الأساسية حتى ولو في مكتبة عامة.
إذا عجزنا عن أن نوفر مكتبة أساسية لكل طالب علم، فلا أقل من أن يكون هناك أموال، وهذه الأموال على المذهب الراجح لا تكون من أموال الزكاة، وهي لشراء الكتب، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية أجاز شراء بعض الكتب المهمة الضرورية لبعض طلاب العلم من أموال الزكاة، مثل أن يكون هناك عالم في البلد وإليه المرجع في الفتوى، ولا يوجد عنده كتب هذه الفتوى، فيجوز أن يُشترى لهذا الرجل من أموال الزكاة، فإن هذا آكد من إطعام الفقير، لأن دلالة الناس على الهدى وعلى حكم الله آكد من إطعام الفقير.
فنسأل الله ﵎ أن تجد دعوتي صداها، وأحس أن الناس إن فعلوا بما أقول وشعرت بهذه المحنة، فسيقف الواحد ولو جنيهاً واحداً، قال ﵌: (خير الصدقة جهد المقل).
وقال في الحديث الذي يحسنه بعض أهل العلم: (سبق درهم مائة ألف درهم، قيل: كيف يا رسول الله؟ فقال: رجل معه درهمان فتصدق بدرهم، ورجل معه ألوف من الدراهم فتصدق بمائة ألف درهم) أو معه ملايين فيتصدق بمائة ألف، فهذا الذي تصدق بدرهم واحد تصدق بنصف ما يملك، إنما هذا الذي تصدق بمائة ألف إنما تصدق بجزء مما يملك.
أسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بما علَّمنا، ويعلمنا ما جهلنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 489
الأسئلة
стр. 490
تحكيم الكتاب والسنة في أفغانستان
السؤال
قال لي رجل: لو أقيمت الدولة بالكتاب والسنة لانقسمت إلى أحزاب، كما حدث في بعض الدول مثل أفغانستان.
الجواب
أفي أفغانستان كان كتاب وسنة؟ أفغانستان لم يكن فيها كتاب وسنة، أفغانستان هذه عبارة عن أحزاب، كل حزب بما لديهم فرحون، وكل واحد يأخذ الإسلام بطريقته وبمفهومه، ما أعلم حزباً كان على الكتاب والسنة إلا الشيخ جميل الرحمن ﵀ في ولاية كونر، أما الباقون فأشعري، صوفي، ماتريدي، فالله المستعان! ما كانوا على الكتاب والسنة، لو جاز لنا أن نصحح هذا السؤال لقلنا: لو قامت الدولة على الكتاب والسنة لم يوجد فيها أي حزب، إنما هو حزب واحد فقط هو حزب الله ﵎.
стр. 491
صحبة المرتاب
السؤال
لي صديق كثر الكلام حوله، وأن له أفعالاً مريبة، وكثيراً ما يسألني الناس عنه فأتحرج من الكلام عنه، فهل تنصحني بالبقاء معه، مع العلم أنني نصحته كثيراً فلم يرجع؟
الجواب
أما إذا نصحته كثيراً ولم يرجع، فأنصحك أن تتركه خشية على نفسك هذا أولاً.
ثانياً: إذا كان الناس قد أشاعوا عنه كلاماً وأفعالاً، فإذا تحققت من صدق ما يقوله الناس، فبالتالي لا يحل لك الكلام إلا إذا كان له مقتضى، كأن يكون إذا أخذ أموال الناس لا يردها، واشتهر عنه المماطلة، فجاءك رجل فقال: يا فلان! فلان يريد أن أعطيه كذا، هل أعطيه؟ أقول له: لا، عندما أسكت هذه خيانة؛ لأن الرسول ﵊ قال: (المستشار مؤتمن) فهذا الإنسان إذا كان له بعض ذنوب مثلاً بينه وبين الله، فالأصل ستر المسلم وعدم فضحه.
стр. 492
توصيل بعض الأسئلة إلى الشيخ وحجب بعضها
الشيخ: أي سؤال يتقدم لابد أن يصل، أي سؤال يتقدم يجيء، ربما أنت ترى أنه ليس من المصلحة أن يقال، وأنا أرى أنه من المصلحة، لماذا؟ لأنه جاء كلاماً مثلاً متعلقاً بخلق سيء موجود، فأنا ينبغي أن أنبه عليه.
فطبعاً كل سؤال يأتي ينبغي أنه يصل.
ولا يفوتني أن أنبه أيضاًَ إلى أنه يوجد بعض مِن إخواننا مَن يرسلون أسئلة للحكم على شيوخ معينين: ما رأيك في الشيخ الفلاني؟ والشيخ الفلاني مثلاً قال بعض الناس: إنه مثلاً كان سلفياً مُتَصَوِّفاً، أو لستُ أعرف ماذا، وهل هذا الكلام صحيح أم لا؟ طيب الجماعة العلانية يقولون عنها: كذا وكذا، ولست أعرف ماذا؟! هذا الكلام أنا لا أجيب عنه، هذا الكلام أنا لا أجيب عنه في هذه الحالة، المسائل الخاصة بالحكم على شيوخ معينين، أو على أشخاص معينين، أو على بعض الدعوات المعينة، أنا لا أجيب عنها إلا بطريقة غير مباشرة، وبالنسبة للشيوخ أنا لا أحكم على المشايخ، إنما بالنسبة للمناهج فأنا أحكم على المنهج نفسه، ولا أنسب المنهج إلى الجماعة، والذي هو حاضر يفهم، وهذا يكفي.
стр. 493
الغش في الامتحان في رمضان
السؤال
هل الغش في الامتحان في شهر رمضان يفطر الصوم؟
الجواب
البذاء والفحش والفسق لا يفسد الصيام من باب الإجزاء، فمن الممكن أن يحبط العمل، ويسقط الأجر، فيكون قد صام وليس له من الصيام إلا الجوع والعطش.
فإذا كان المقصود بالفساد الصحة والبطلان: فهذا لا.
أما إذا كان المقصود به القبول: فمسألة قبول الصيام من عدمه هذه محجوبة لا يعرفها أحد إلا الله ﵎، أما الصحة والبطلان فلا.
стр. 494
فعل جميع المستحبات أو ترك جميعها
السؤال
رجل يمشي في الطريق فوجد غصن شوك على الأرض، فأراد أن يأخذه ويضعه على جانب الطريق؛ كي لا يدخل في رجل أحد من الناس، فقام شخص وقال له: أنت فعلت كل شيء، ولم يبق غير الزجاجة هذه فهل ينفع هذا الكلام؟
الجواب
لو جاز لنا أن نقرر هذا السؤال لأبطلنا الدين كله، إنما ينبغي على العبد أن يفعل ما يستطيعه.
هذا سؤال سخيف جداً وليس له أي وجاهة، ولا مقياس شرعي.
стр. 495
حكم إعفاء اللحية
السؤال
هل اللحية سنة؟
الجواب
اللحية فرض، من الذي قال: إن اللحية سنة، ومصطلح السنة لدى المتأخرين أنه إذا فعلها يثاب عليها وإذا لم يفعلها لم يعاقب لا، من قال هذا الكلام؟ لقد اتفق العلماء المجتهدون -الأئمة الأربعة وغيرهم وجماهير أصحابهم- على أن إعفاء اللحية فرض، وليس سنة مستحبة، فهذا أيضاً يعتبر اللحية من المستحبات، ويقول لك: أنت فعلت السنن كلها حتى مثلاً تعفي هذه السنة؟ لا، اللحية ليست سنة بالمعنى الاصطلاحي: أنك إذا فعلتها تثاب، وإذا لم تفعلها لا تعاقب لا.
следующие страницы →