Полный текст (1 719 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
صحبة المرتاب
السؤال
لي صديق كثر الكلام حوله، وأن له أفعالاً مريبة، وكثيراً ما يسألني الناس عنه فأتحرج من الكلام عنه، فهل تنصحني بالبقاء معه، مع العلم أنني نصحته كثيراً فلم يرجع؟
الجواب
أما إذا نصحته كثيراً ولم يرجع، فأنصحك أن تتركه خشية على نفسك هذا أولاً.
ثانياً: إذا كان الناس قد أشاعوا عنه كلاماً وأفعالاً، فإذا تحققت من صدق ما يقوله الناس، فبالتالي لا يحل لك الكلام إلا إذا كان له مقتضى، كأن يكون إذا أخذ أموال الناس لا يردها، واشتهر عنه المماطلة، فجاءك رجل فقال: يا فلان! فلان يريد أن أعطيه كذا، هل أعطيه؟ أقول له: لا، عندما أسكت هذه خيانة؛ لأن الرسول ﵊ قال: (المستشار مؤتمن) فهذا الإنسان إذا كان له بعض ذنوب مثلاً بينه وبين الله، فالأصل ستر المسلم وعدم فضحه.
стр. 492
توصيل بعض الأسئلة إلى الشيخ وحجب بعضها
الشيخ: أي سؤال يتقدم لابد أن يصل، أي سؤال يتقدم يجيء، ربما أنت ترى أنه ليس من المصلحة أن يقال، وأنا أرى أنه من المصلحة، لماذا؟ لأنه جاء كلاماً مثلاً متعلقاً بخلق سيء موجود، فأنا ينبغي أن أنبه عليه.
فطبعاً كل سؤال يأتي ينبغي أنه يصل.
ولا يفوتني أن أنبه أيضاًَ إلى أنه يوجد بعض مِن إخواننا مَن يرسلون أسئلة للحكم على شيوخ معينين: ما رأيك في الشيخ الفلاني؟ والشيخ الفلاني مثلاً قال بعض الناس: إنه مثلاً كان سلفياً مُتَصَوِّفاً، أو لستُ أعرف ماذا، وهل هذا الكلام صحيح أم لا؟ طيب الجماعة العلانية يقولون عنها: كذا وكذا، ولست أعرف ماذا؟! هذا الكلام أنا لا أجيب عنه، هذا الكلام أنا لا أجيب عنه في هذه الحالة، المسائل الخاصة بالحكم على شيوخ معينين، أو على أشخاص معينين، أو على بعض الدعوات المعينة، أنا لا أجيب عنها إلا بطريقة غير مباشرة، وبالنسبة للشيوخ أنا لا أحكم على المشايخ، إنما بالنسبة للمناهج فأنا أحكم على المنهج نفسه، ولا أنسب المنهج إلى الجماعة، والذي هو حاضر يفهم، وهذا يكفي.
стр. 493
الغش في الامتحان في رمضان
السؤال
هل الغش في الامتحان في شهر رمضان يفطر الصوم؟
الجواب
البذاء والفحش والفسق لا يفسد الصيام من باب الإجزاء، فمن الممكن أن يحبط العمل، ويسقط الأجر، فيكون قد صام وليس له من الصيام إلا الجوع والعطش.
فإذا كان المقصود بالفساد الصحة والبطلان: فهذا لا.
أما إذا كان المقصود به القبول: فمسألة قبول الصيام من عدمه هذه محجوبة لا يعرفها أحد إلا الله ﵎، أما الصحة والبطلان فلا.
стр. 494
فعل جميع المستحبات أو ترك جميعها
السؤال
رجل يمشي في الطريق فوجد غصن شوك على الأرض، فأراد أن يأخذه ويضعه على جانب الطريق؛ كي لا يدخل في رجل أحد من الناس، فقام شخص وقال له: أنت فعلت كل شيء، ولم يبق غير الزجاجة هذه فهل ينفع هذا الكلام؟
الجواب
لو جاز لنا أن نقرر هذا السؤال لأبطلنا الدين كله، إنما ينبغي على العبد أن يفعل ما يستطيعه.
هذا سؤال سخيف جداً وليس له أي وجاهة، ولا مقياس شرعي.
стр. 495
حكم إعفاء اللحية
السؤال
هل اللحية سنة؟
الجواب
اللحية فرض، من الذي قال: إن اللحية سنة، ومصطلح السنة لدى المتأخرين أنه إذا فعلها يثاب عليها وإذا لم يفعلها لم يعاقب لا، من قال هذا الكلام؟ لقد اتفق العلماء المجتهدون -الأئمة الأربعة وغيرهم وجماهير أصحابهم- على أن إعفاء اللحية فرض، وليس سنة مستحبة، فهذا أيضاً يعتبر اللحية من المستحبات، ويقول لك: أنت فعلت السنن كلها حتى مثلاً تعفي هذه السنة؟ لا، اللحية ليست سنة بالمعنى الاصطلاحي: أنك إذا فعلتها تثاب، وإذا لم تفعلها لا تعاقب لا.
стр. 496
استشارة في الزواج
السؤال
نويت أن أتزوج بامرأة تحفظ نصف القرآن، ورأت أمي وأختي هذه المرأة وشهدوا لها بطيبة القلب وقبول الشكل؛ ولكني مرةً أوافق ومرةً أرفض، متردد فما رأيكم؟
الجواب
لو كنت أنا لحزمت أمري، إذا كنت تريد رأيي في المسألة؛ لكن أنت المتردد، أنا رأيي أنك لا تتردد، أنت جئت لامرأة زكتها أمك وأختك، فماذا تريد؟ إذا كانت امرأة طيبة، ومن أسرة طيبة، ومن بيئة جيدة فماذا تريد بعد ذلك؟ يا أخي! احزم أمرك، وأنا أخشى أن تظل متردداً طوال حياتك؛ لأن هذه الخطوة لها مهابة، أن يذهب الشخص ليتزوج.
جاء شخص إلي بعد ما عقد، فقال: جاءته كوابيس مستمرة لمدة ستة أشهر، حتى ظن أن ثمة علاقة بين المرأة والكوابيس، حتى كاد أن يطلق، وهذا كله بعد ما حكى حكايته، واستقصيت الحكاية فعرفت أن هذا أمر لأول مرة يجربه، فهو خائف من الحياة الجديدة، ولا يدري هل يسعد أم لا، ومن أين سيؤكلها؟ هكذا يعني، فيقول -مثلاً-: أنا أعطيها يوم كذا ويوم كذا، طيب وأنا من أين سأؤكلها؟ ولو مرضت من أين أجيء بالمبلغ؟ من أين أُدَبِّره؟ يعني: أنه واضع كل المصائب أمامه.
فاحزم أمرك وتوكل على الله.
стр. 497
الزواج وطلب العلم
السؤال
هل الزواج من العوامل التي تعين على طلب العلم الشرعي؟
الجواب
نعم.
إذا أردت أن تستقر وتحفظ القرآن فتزوج؛ لأن دعوى الشخص أنه لا يتزوج إلا إذا حفظ القرآن، هذه دعوى عجيبة جداً.
ثمة شخص جاءني منذ اثنتي عشرة سنة تقريباً وأنا في القاهرة، فقال لي: أن فلاناً حذره أن يتزوج إلا إذا أكمل حفظ القرآن، قال: وأنا أشعر أني محتاج للزواج، قلت له: تزوج وسيعينك ذلك على حفظ القرآن، فحفظ القرآن في ستة أشهر بعد ما تزوج، فاستراح واستقر، فيلقى الله بزوجة طيبة.
الرجل يحصن فرجه، فالزواج من أعظم المرغبات على طلب العلم، فادعُ الله أن يرزقك بزوجة بشرط أن تعينك على طلب العلم.
وبعض الإخوان يقول لك: أنا أريد طالبة علم، فأنا أقول له: لو تركتك تطلب العلم فالحمد لله، ليس أنها تكون طالبة علم، لا.
أنت عندما تذهب لتتزوج، تزوج امرأة فيها خصلة واحدة فقط ودع ما دون ذلك، وهي تسمع وتطيع فقط، لو كفر زوجها كفرت معه، تسمع وتطيع فقط لا غير؛ لأنك مهما كلفتها به من المعروف ستستجيب؛ لكن أن تتزوج امرأة مثلاً ليس عندها صفة السمع والطاعة، وعندها علم؛ فهذه ستسود الدنيا تماماً، يعني: في كل شيء ستقف لك مثل العقدة في الزور، كل ما ذكرت لها حكماً، قالت لك: ما دليلك؟ أنا رأيت شخصاً منذ شهر تقريباً مختصماً مع امرأته، وأبوه جاء إليه ليعمل معروفاً والسبب أن هذا طالب علم جديد المهم بعد ما أرجعوها إليه، في هذه الليلة قعدَت تمزح معه وتُطَبْطِب عليه، فقال لها: معكِ دليل؟ على أن تُطَبْطِبي علي، انظر! سدَّ نَفْسَها، ماذا تعني عبارة معكِ دليل على هذه الطبطبة؟ هو ليس معه دليل أصلاً على أن يرد أو يرفض أو ما شابه.
وأشياء عجيبة جداً، فتجد -مثلاً- أختاً وطالبة علم وعقلها صغير جداً جداً، وكل شيء تريد دليلاً عليه، وتعكر أيضاً على زوجها بهذا الكلام، تريد دليلاً على المسألة الفلانية.
فأحياناً قد يكون طلب العلم بالنسبة للمرأة نقمة عليها؛ لأنه واسع جداً، وهي لا تستطيع أن تتكيف مع العلم ولا التعامل مع الأدلة.
فأنت إذا أردت أن تتزوج فتزوج من بيئة صالحة، وخذ هذا الخُلُق فقط في المرأة، وإذا كنت طالب علم ستكون مثلك طالبة علم، وإذا كنت عابداً ستكون مثلك من العُبَّاد، وهكذا.
стр. 498
عزاء للغرباء
احتوى القرآن الكريم على كثير من قصص الأنبياء، وذلك للعظة والعبرة، ومن أعظم تلك القصص عبرة، قصة سيدنا إبراهيم ﵇؛ إذ فيها عزاء للغرباء الذين يعيشون في مجتمعات يغلب فيها الكفر أو الفسوق والعصيان، فيظل الواحد منهم متعلقاً بربه، لا أنيس له إلا ذكر الله، ولا ناصر له إلا الله، ونعم بالله ولياً وناصراً.
стр. 499
التأثر بالآباء قد يكون سبب الشقاء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
قصة الآباء مع الأبناء لها شأنٌ عظيم، ويكفي لتدرك خطورة هذه العلاقة أن تعلم بأن شطر الكفر الموجود في الأرض سببه الآباء.
وقد كان الآباء حجةً للأبناء على الرسل؛ فإنه لما جاء صالح ﵇ إلى ثمود يدعوهم إلى الله ، أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، كانوا يردون عليه: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٦٢].
ولما جاء شعيب ﵇ إلى مدين: قال ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٨٤] ردوا عليه: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود:٨٧].
ولما جاء النبي ﷺ إلى العرب يدعوهم، قالوا له: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، فيقول الذين أشركوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف:٢٨].
وفي الصحيحين من حديث المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب، دخل النبي ﷺ على عمه وهو في سياق الموت، يقول: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله.
وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وجماعة، فيقولون له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟) الآباء لهم وقع عميق الجذور في نفوس الأبناء، ولذلك المرأة تخوف ولدها بأبيه، برغم أن الأب قد يكون بينه وبين البيت ألوف الأميال، تخوفه بأبيه والأب مسافر في أي بلد، ولا يأتي إلا مرة كل سنة، أو مرة كل سنتين، أو مرة كل ثلاث سنين، ومع ذلك تخوفه بأبيه، والولد يخاف ويقول لها: إذاً: لا تقولي له وأنا لن أفعل، وهذه آخر مرة.
أين هذا الوالد، وأين تأثيره؟ له حضور حتى وإن كان غائباً، لكن من حق الوالد على الولد: أن الولد إذا كان عالماً بالتوحيد، أن ينقل هذا لوالده، ولا يضعف أمام والده بطبيعة العلاقة بينهما.
بعض الأبناء يدركهم الضعف في هذه العلاقة، فيأمره أبوه بما يغضب الله وينفذه، يقول: أبي لا أستطيع أن أعارضه، أبوه يقول له: اذهب يا ولد واشتر علبة سجائر، هات ورقة معسل أو ما دون ذلك أو ما فوق ذلك، والولد يعلم أن السجائر حرام وأن المعسل كذلك، يذهب صاغراً ليأتي بهذه المنكرات التي يعتقد أنها حرام.
ما الذي يحملك؟ يقول: أبي، لا أستطيع أن أخالفه.
لا تقل لي: هذا حياء؛ فإن النبي ﷺ قال: (إن الحياء لا يأتي إلا بخير)، ولما حدَّث عمران بن حصين ﵁ بهذا الحديث لبعض التابعين قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (الحياء كله خير)، فقال هذا التابعي لـ عمران: (إن من الحياء ضعفاً)، مثل هذه الصفة التي نعرضها وهي أنه يؤمر بمعصية الله فيفعلها حياءً، فقال: إن من الحياء ضعفاً، فغضب عمران وقال: أُحدثك عن النبي ﷺ ، وتحدثني عن الكتب؟! لا كلمتك أبداً؛ لأنه يعارض كلام النبي ﷺ بما هو موجود في الكتب على ألسنة بعض الناس.
فإذاً: إذا أُمر الرجل بمعصية فاستحيا لا تقل لي: إنه مستحٍ، هذا ليس من الحياء، هذا ضعف، وهذا الضعف يرجع إلى حقيقة التصور الإيماني عند هذا الإنسان، إذا أُمر المرء بمعصية الله ، ولو كان الآمر الوالد، فلا يجوز للولد أن يمتثل.
стр. 500
قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه
ودونك هذه القصة الرائعة التي قصها الله ﵎ علينا في القرآن لأبر الناس بأبيه، رجلٌ أدى حقوق البنوة وأدى حقوق العبودية، ولم يخلط بينهما، وهو إبراهيم الحنيف ﵇، أدى حقوق البنوة: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]، أربع مرات يناديه: (يا أبتِ) يستجلب الحنان، ويستجلب عطف الوالد ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦].
﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧].
انظر إلى هذه الثقة، (كان بي حفياً) أي: إذا أقبلت عليه أقبل عليَّ أكثر من إقبالي عليه، فأنت إذ خرجت من يدي، وإذ لا أستطيع أن أفعل معك شيئاً، فما بقي إلا الله، وهو حفيٌ بي، كما قال زكريا: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤] أي: ما تعودت أن أشقى أبداً إذ دعوتك، بل كلما دعوتك فرجت عني، وكلما دعوتك جاء الخير، فتعودت أني كلما دعوتك وجدت الخير كله، ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤] ما تعودت أبداً أن أشقى لما أتوجه إليك.
فأدى إبراهيم حقوق الأبوة، فلم يستطل على والده، ولم يسبه ولم يشتمه ولم يهجره: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]؛ لأن المصاحبة بالمعروف من حقوق الوالد، وبقي حق الله وهو ألا تكفر به، وأن لا تطيع في معصيته أحداً كائناً من كان، حتى لو كان الوالد عميق الجذور في نفس الولد، لكن هذا لا يجيز لك أن تعصي ربك، إذ أن حق الله عليك أوجب من حق والدك عليك، فإذا تعارض الحقان قدم أوجبهما وأعلاهما.
وقام بحقوق العبودية: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤] بعض الناس يقول: إن آزر في اللغة الأعجمية معناها (أف) فيكون المعنى: (وإذ قال إبراهيم لأبيه أف أتتخذ أصناماً آلهة)، ولئن جاز أن يقال هذا فالذي يقطع بخطأ هذا التأويل السنة، والسنة مهمة في تفسير القرآن، ترى الرجل واسع العلم بالسنة إذا فسر القرآن كان على تفسيره من البهاء ما ليس على تفسير الجاهل بالسنة معلوم أن كثيراً من المواضع في القرآن مجملة، وفصلها النبي ﵊: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فمهمة النبي ﵊ أن يبين ما أجمله الله في الكتاب، فقد ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ما يقطع كل ريبٍ بخطأ هذا التفسير، قال النبي ﵌: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وقد قضى الله عليه بالنار، فيقول له إبراهيم: ألم آمرك ألا تعصيني؟ قال: اليوم لا أعصيك، فيتوجه إبراهيم ﵇ إلى ربه، فيقول: ربِّ! قد وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزيٍ أن يدخل أبي النار؟!) أي: فهذا خزيٌ عظيم، فلذلك يستشفع لأبيه عند ربه (فيقول الله لإبراهيم: إني حرمت الجنة على الكافرين انظر! فينظر تحت قدميه فإذا أبوه ذيخاً)، الذيخ: الضبع الذكر، تحول أبوه إلى ضبع، مرتكسٌ في نتنه وفي رجيعه، منتن، ومعروف أن الضبع من أقذر الحيوانات، فيدعو عليه إبراهيم ويتبرأ منه، ويدخل النار، وعجباً له كيف يقول له: اليوم لا أعصيك ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١].
فإبراهيم ﵇ أدى حقوق العبودية؛ لأنه توجه إلى ربه وأنكر ما عليه أبوه، وهذا شيء عجيب.
كلمة (الإله) مشتقة من (أله، يأله) ومن (وله، يوله)، الولوه: شدة التعلق والحب، تقول: عنده وله، أي: عنده محبة شديدة وتعلق شديد،
السؤال
هذا الحجر الذي تحبه حتى تصير عاشقاً للحجر.
قد يعشق العاشق من يبادله الحب، لكن هذا الحجر الذي تعشقه وتموت في حبه؛ ما هي الخصائص التي في هذا الحجر؛ ولذلك أنكر عليه قائلاً: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [مريم:٤٢]، أنت تعلم أنه عندما يكون حبيبك أطرش فإنك لا تشعر بلذة، ستقول له: أحبك فلا يتأثر، وتسمعه الكلام الجميل التي يستثير الأعصاب ويهيج المحبة فلا يستجيب، فهو أطرش أصم؛ إذاً ستجد الكلمات كلها تموت على لسانك أنت، لأنه أصم لا يسمع.
والعين واسطة الجمال، أحياناً يحب القلب بمجرد النظر فقط، وربما يحب بالسمع، يشكو أحد الناس أنه بينما كان يرفع سماعة الهاتف كلمته امرأة صوتها غزا قلبه، فالسمع والبصر أيسر طريقين إلى القلب، وأشدهما البصر.
ولذلك تجد الذين امتحنهم الله بالعمى أذكى قلوباً من أصحاب العيون المبصرة، وأقرب إلى سواء السبيل؛ لأن هذا الطريق الخطير الموصل إلى القلب مسدود، لا يلجه شيطان من الإنس أو الجن.
إبراهيم ﵇ يتعجب: كيف يعبد أبوه ما لا يسمع ولا يبصر؟!! ومع فقده السمع والبصر، لا يستطيع أن يدافع عنك (ولا يغني عنك شيئاً) فقل لي: ما هي الميزة التي فيه؟ قل لي أين ذهبت عقولكم؟! ولذلك السؤال كان عجيباً واستنكارياً: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤]، أي: فواضح جداً أن هذا ضلال مبين.
ثم ذكر الله ما منَّ به على إبراهيم
стр. 501
إبراهيم يتعرف على ربه ويبحث عن صفاته
هناك جماعة يحتجون بقصة إبراهيم ﵇ في رؤية الكوكب والشمس والقمر على أن ربنا يعرف بالعقل، قال لك: إبراهيم ﵇ فكر بعقله في الكوكب ثم القمر ثم الشمس، وأنه عرف ربنا بالعقل، وهذا خطأ، وقولهم: (ربنا يعرف بالعقل فقط) هذه عبارة خاطئة وغلط.
إن الله لا يعرف إلا عن طريق الرسل، كما أن معرفة الله منحة من الله وهدية، وإلا لو جاز أن يكون العقل مستقلاً بمعرفة الله لما كفر عالم الذرة، وآمن الرجل الفلاح البسيط الذي يشتغل في الأرض.
عالم هندوسي كان يعمل في محطة الفضاء الأمريكية، وبينما هو يركب سيارته الفارهة بأمريكا إذ أبصر عجلاً في الطريق، فأوقف السيارة ونزل وسجد للعجل، ثم واصل الطريق إلى محطة الفضاء! فلو قسنا عقل هذا الإنسان بعقل رجل بسيط فلاح يعمل في الأرض، فأيهما أكبر بمقياسنا: هذا عالم فضاء وعقله كبير، ومع ذلك يسجد للعجل، وهذا الرجل البسيط إذا أصابته مصيبةٌ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو إذا أصابته سراء حمد الله ؟ فمن أين جاءه هذا الهدى؟ والثاني سجد للعجل، وهذه عقليته، لا تقل لي: العقل يستقل بمعرفة الله فمعرفة الله هدية، ومنحة من الله، ثم يأتي دور العقل بعد ذلك تبعاً لهذه المنحة، فكلما كان العقل أرحب كان إيمانه أرسخ، لكن لا يستقل أبداً بمعرفة الله.
وليس في هذه القصة ما يدل على ذلك؛ لأن الله قدم للقصة بلفظةٍ عرَّفتنا خطأ هذه المقالة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي﴾ [الأنعام:٧٥]، من الذي أراه الآيات الكونية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١]، فتوجه إبراهيم ﵇ إلى ربه منحة من الله، ثم أعمل عقله الكبير، بعد هذا التسديد بالبحث عن صفات إلهه.
لا تغضب وتقول: إن إبراهيم كان يبحث عن الله، ما كفر إبراهيم بالله طرفة عين، ولا شك في وجوده طرفة عين، إنما كان يبحث عن صفات إلهه بعدما استيقن أن له رباً، وأن له إلهاً ولمّا يأته الوحي بعد، فأخذ يبحث عن صفات إلهه.
стр. 502
وصف الجو النفسي الذي في قصة إبراهيم
سل أي محب: صف لي من تحب.
لو أجاب لخلع كل جميل الخصال ونعوت الجلال على من يحب، وهكذا عين المحب لا ترى سيئة على الإطلاق، كما قيل: وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ كما أن عين السخط تبدي المساويا وفي المثل الدارج عندنا: (حبيبك يبلع لك الزلط وعدوك يبحث لك عن الغلط) الزلط: الحصى.
إذاً المحب لا يرى عيباً فيمن يحب، ولو رأى فيه عيباً لم تكن محبته تامة، لو جاز له أن ينسب إلى حبيبه عيباً لما كان محباً كامل المحبة، ولا يكون كامل المحبة إلا إذا عمي عن عيوب حبيبه، فكيف إذا لم يكن لمحبوبه عيبٌ أصلاً؟ إبراهيم ﵇ أخبرنا الله بقصته، وفيها عبرة للباحثين عن الحق في زمان الغربة، ما أغرب إبراهيم ﵇! رجلٌ واحدٌ موحد في أمة الكفر، ما أغربه! لكن ما أقواه إذ لاذ بذي الجلال! فكان أقوى منهم جميعاً.
وأرجو وأنت تسمع الآية، أن ترسل خيالك في توصيف الجو النفسي الذي كان يعيش فيه إبراهيم ﵇ وهو يبحث عن صفات إلهه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] يذكره الله وكأنه ليس في الكون غيره، فهو وحده الذي لفه حزام الظلام، وكلمة: (جنَّ عليه الليل) تفيد أنه في كبد الليل، فهو يعرف الوقت الذي نامت فيه العيون وهجع الخلق، وهو مستيقظ.
ومعلوم أن العاشق لا ينام، المحب لا ينام، مسهد الطرف دائماً، مشغول بمن يحب، يسأل نفسه: ماذا يفعل المحبوب الآن؟ هل يفكر فيَّ كما أفكر فيه؟ ويسأل نفسه نحو هذه الأسئلة، ومع ذلك لا يتضجر من كثرة السهر؛ لأنه يسهر لمن يحب.
كلمة (جنَّ عليه الليل) أي: في كبد الليل، في كبد الظلام، في الوقت الذي كل الناس فيه مستمتعة بالنوم هو مستيقظ، وكأنما لفه الليل وحده بظلامه، وهو يبحث عن صفات إلهه الذي هو مستيقن من وجوده، لكنه يريد أن يتمثل بشيءٍ يراه جميلاً، يقول: هذا ربي.
(فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكباً) منيراً في وسط هذا الكون المظلم، إذاً هذه هي النقطة الوحيدة الجميلة في الكون، فقال: إذاً! هذا هو إلهي.
وهكذا المحب لا يرى سيئة لمن يحب، وينسب كل نعوت الجمال وجميل الخصال لحبيبه وإن لم يكن كذلك، فالنجم علامة مضيئة في هذا الكون ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦].
لماذا لم يقل: أنا أكره الآفلين؟ لماذا نفى الحب ولم يثبت الكره؟ لأن ذكر الحب حتى لو على جهة النفي فيه تهييج للحب، عندما تقول لأحد: أنا لا أحبك غير ما تقول له: أنا أكرهك، فقولك: (أنا لا أحبك) معناها بقاء سبيل للحب، أما إذا قلت: أنا أكرهك، فكأنما قتلت الحب، كما قال القائل: وكنت إذا ملني صاحبي ولم أر في وده مطمعاً غسلت بماء القِلى شخصه وكبرت من فوقه أربعاً فإن قالت الناس: صل حبله أقل: إن من مات لن يرجعا فقال: (غسلت بماء القلى شخصه) أي بماء الكره، وإمعاناً في إثبات هذا الكره كبرت من فوقه أربعاً، أي: صلاة الجنازة، مات وصلى عليه الجنازة، وقوله: فإن قالت الناس: صل حبله أقل: إن من مات لن يرجعا كما يئس الكفار من أصحاب القبور، أي: فإذا كان يمكن رجوع أي ميت، فهذا يمكن أن أعيد العلاقة معه.
فعندما يقول: لا أحب الآفلين، أي: إن إلهي الذي عرفته بنفسي لا يغيب عني طرفة عين، ولا أصدق أن هذا الذي يغيب يمكن أن يكون إلهاً لي، وإلهي ما غاب عني طرفة عين.
إذاً: غياب الإله عن حياة العبد نقص، وهذا دالّ على رجاحة عقله وفطنته، كما قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنبياء:٥١]، فهو مسدد يعلم من قبل أن يأتيه وحيٌ أن غياب الإله عن عبده نقص، إذاً: معنى ذلك أن الإله لابد أن يكون موجوداً، ولذا قال: لا أحب الآفلين.
стр. 503
جهر إبراهيم بالدعوة إلى التوحيد
بعد هذا الاعتقاد بدأ يجهر بما يعتقد، ولا يجهر المرء بما يعتقد إلا إذا كان متحققاً مما يدعو إليه ويعتقده.
أهل الكهف، الشباب الصغير في أمة منحرفة لما لاذوا بالكهف، قال الله فيهم: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٤]، (إِذْ قَامُوا فَقَالُوا)؛ لأنه لا يستطيع أن يقول إلا إذا قام، ولا يقوم ويصلب عوده إلا إذا اعتقد ما يدعو إليه، فكلمة (إذ قاموا) ليس معناها: قاموا من النوم، أو كمن كان مضطجعاً فقام بل معناها: صلب عودهم، هنا القيام بمعناه العام التام، (إذ قاموا) انتصبت قامتهم، فلما وجدوا القوة من أنفسهم قالوا -وواجهوا قومهم-: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]، أي: لو ادعينا آلهةً مع الله لقد قلنا شططاً من القول وانحرافاً.
فإبراهيم ﵇ لما وصل إلى يقين أنه لا يوجد في الكون -مما رأى- مثالٌ يعلق عليه معرفة الله وأسماءه الحسنى، تبرأ من كل ذلك وقال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩]، وكلام إبراهيم ﵇ هنا كلام قرآني، وطريقة قرآنية معروفة في القرآن، أنه يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ [الأنعام:٧٩] (فطر) يعني: خلق، ﴿فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩]، أي: إني وجهت وجهي حنيفاً للذي فطر السموات والأرض.
وإنما قال هذا الكلام وحاج قومه به، لأنه لما جهر بتوحيد الله بدءوا يحاجونه، فاحتج عليهم بهذه الحجة؛ لأن المشركين جميعاً يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يجحدون أن الله هو الذي خلق ورزق وأحيا ويميت، لا يخالفون في ذلك كله، ما علمنا من المشركين من يقول: إن آلهةً شاركت الله في خلق السموات والأرض، بل كانوا يقرون بذلك.
فالمناسب في حصر الحجة: أن تأخذ من إقرارهم وسيلةً ودليلاً لإقامة الحجة على ما ينكرونه، وهذا لا يستطيع أن يقيمه إلا الراسخون في العلم، قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف:٨٧] ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤] * ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٥] ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس:٣١].
أليس هذا إقراراً؟ كلهم يقولون: الله، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩]، ثم عدَّد الله آلاءه في الكون، فاستدل بما يقرون به على ما نفوه من توحيده وعبادته.
الذي تفرد بالخلق وتفرد بالرزق، وتفرد بالإحياء والإماتة، أهل أن يتفرد بالعبادة، لماذا تستغربون؟! تفرد بكل شيء، فلماذا تشركون معه آلهة في العبادة؟ إذا كان هؤلاء الآلهة خلقوا مع الله خلقاً، فأرونا ما خلقوا، لكنهم ما خلقوا.
إبراهيم ﵇ احتج عليهم بما يقرون به في أنفسهم، ولذلك جهر به: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنعام:٧٩] وهذا متعلق بتوحيد الربوبية: (فطر) أي: خلق، ﴿فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].
نعوذ بالله ﵎ أن نشرك به شيئاً نعلمه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 504
اشتغال إبراهيم بربه
وواصل إبراهيم البحث، وكل ليلة يسهر مشغولاً، انظر القضية! شبابنا، رجالنا، نساؤنا بأي قضية شغلوا؟ بينما إبراهيم ﵇ مشغولٌ بإلهه، هو كل حياته، يوظف كل شيءٍ في طريقه إلى الله ليزداد إيماناً، فهذه هي قضيته، قضية القضايا أن تُشغل بإلهك الذي تعبده، ليس هناك قضيةٌ ينبغي أن تطفو فوق هذه على الإطلاق إذا كنت محباً لربك، فقد وجدنا في حياة الناس وهم يتكلمون عن الحب والمحبوب فلو أن فلاناً من الناس قال: أنا أحب كذا.
فيقول المحب: وفلان -أي: محبوبه- كذلك يحب كذا، للذي يحبه.
فإذا سمع من يقول: أنا أكره كذا، يقول له: وكذلك فلان يكره هذا أيضاً.
يقول: وأنا مالي ومال فلان، من الذي دخل فلاناً في الموضوع؟ ألأنه حبيبك تحشر اسمه في كل شيء، حتى ولو لم يكن لذكره معنى.
فهل -مثلاً- إذا قال شخص: أنا أكره الخمر.
أقول: وربي حرمه.
هل مثلاً إذا قال: إني أحب السماحة وأحب التجاوز.
فيقول: وربي يحبه هل ممكن تقول هذا الكلام؟ كلما جاءت نقيصة قلنا: إن الله يكرهها، وكلما جاء خير قلنا: إن الله يحبه؟ نحن نرى آيات الله في مظاهر الكون، ومع ذلك نمر عليها معرضين، أنا أتعجب! قبل عدة أيام المطر كان شديداً، وبعض الناس يقول: مطر في عز الصيف، أهذا وقته؟! ماذا يعني هذا؟ يعني أن الذي أنزل المطر لم يعلم مصالح العباد! هذا كثير من الناس يقول هذا الكلام، ألا يعلم أن هذا المطر يحيي به الله ملايين الكائنات، لماذا لم ينسب الفضل والجمال إلى إلهه ويسلم له بالحكمة؟ إبراهيم ﵇ يواصل، قضية القضايا (إلهه الذي يعبده)، ويبحث له عن مثالٍ في الكون يتعلق به، وإن كان هو أجل من المثال؛ فإن الله ضرب مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، والله أعلى وأجل، إنما يبحث المرء عن مثالٍ جميلٍ كلما رآه ذكَّره بإلهه أو ذكره بمن يحب، فيواصل البحث.
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦]، ثاني ليلة: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧]، أجمل من الكوكب وأشد نوراً، فهذا هو، إذاً البارحة شُبه لي، هو هذا الآن، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧].
انظر: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) إذاً: هو يعلم إلهه، ويعلم أن التثبيت بيده، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ [الأنعام:٧٨] ثاني يوم الصبح ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٨] لكنه أضاف صفةً أخرى، قال: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] إذاً: الوصف الذي يبحث عنه: ربٌ لا يغيب عن الوجدان، وهو أكبر، قال: (هذا ربي، هذا أكبر)، لم ير في الكون نجماً أكبر من الشمس، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨] وصل إلى قناعة كاملة بعد ثلاث ليالٍ فقط، و ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٨ - ٧٩].
стр. 505
محنة الغرباء
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قصة إبراهيم ﵇ عزاءٌ لكل الغرباء، من كان غريباً في قومه يدعوهم إلى الله ؛ فإنه يحتاج إلى من يسليه، ولذلك ضرب الله الأمثال والقصص تسليةً وعزاءً للغرباء، وحسبك أن تكون متفرداً في معرفة الله ، وأن الله اجتباك واصطفاك وعرَّفك، فلا ترضى بالله بديلاً، وثق أنه مهما ابتليت فإن العاقبة لك.
قال النبي ﵌: (نحن معاشر الأنبياء نبتلى، ثم تكون العاقبة لنا) وهذا كلام فصل واضح، وقال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
كل هذا يؤكد أن المرء إذا استقام لا يضره كثرة المخالفين له.
وأنت سائر في طريقك إلى الله هناك لصوص، هناك قطاع طرق يريدون سرقة قلبك، أحدهم -بل كلهم- لا يريد جيبك، بل يريد قلبك، فكلما ساق إليك سهماً فإنما يسدده إلى قلبك، ثم إنهم يصرخون عليك وينادونك مرة بالترغيب ومرة بالترهيب، وربما تفاجأ بأحدهم يبشرك بسوء العاقبة وأنت تمشي على الأرض، يقول لك: هذه السكة آخرها مشكلة، أنا لك ناصحٌ أمين، لا تواصل السير.
فإذا كنت ضعيف القلب ووجد هذا الكلام صدىً عندك؛ إما أن ترجع وإما أن تتقاعس في السير فتطول المسافة على نفسك.
стр. 506
سر ابتلاء الصالحين
لماذا جعل الله البلاء من نصيب أوليائه؟ إنما نجلي الإجابة عن هذا السؤال لنقوي قلب المتقاعس المتردد.
اعلم أن القلب يخالف البدن في مادة حياته؛ القلب مادة حياته غير مادة حياة البدن، الآفات والمصائب والأمراض والأوجاع هي علل البدن، إذا أصاب عضواً من الأعضاء عطب مات أو شُل أو ضعف، فهذه المحن تضعف الجسم، لكنها تقوي القلب؛ القلب لا يستمد مادة حياته إلا من المحن، والعباد يوزنون عند الله يوم القيامة بقلوبهم لا بأجسامهم، رب رجلٍ سمينٍ عظيمٍ يأتي يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة.
وكان عبد الله بن مسعود ﵁ نحيفاً شديد النحافة، حتى ذكروا أن الريح إذا هبت كانت تكفؤه على ظهره من شدة ضعفه، ولما صعد شجرةً وأبصر الصحابة دقة ساقيه ضحكوا، فقال لهم رسول الله ﷺ : (مم تضحكون؟ قالوا: يا رسول الله! من دقة ساقيه.
قال: والذي نفسي بيده! لهما أثقل في الميزان من أحد).
إن العبد لا يوزن عند الله بجسمه، إنما يوزن بقلبه، فلئن تذهب إلى الله مبتلى بكل مرضٍ في بدنك أهون ألف مرة من أن توافيه وقد ابتليت في قلبك، فالقلب يستمد حياته من المحن، فلما كان الأمر كذلك وحياة القلب هي الحياة الحقيقية؛ جعل الله البلاء من نصيب أوليائه لتحيا قلوبهم ولا تموت، ويبتليهم في أبدانهم ثم يلهمهم الصبر على البلاء، فالحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 507
الكرامة بالتقوى لا بمتع الدنيا
الحمد لله الذي ابتلى ورفع بالبلاء وصبَّر على البلاء: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧]، لا تتصور أنك أنت الذي تصبر، فإنه إذا لم يصبرك الله فلن تصبر، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون.
لذلك لا يستدل بالبلاء على أنه إهانة إلا أهل الكفر والجهل فقط، فالجاهل كلما يجد إنساناً مبتلى يظن هذا الإنسان أنه هين على الله، ويظن أنه إنسان سيء، يقول: قد أهان الله كرامته، هذا رجل ليس له كرامة.
وهم لا يعلمون أن الله بذلك يرفعه، وهذا من جنس احتجاج المشركين، الذين يرون أن الابتلاء علامة غضب، وأن العافية من البلاء علامة رضا الله، والله نفى هذا الكلام.
وقالوا -أي المشركين-: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]، أي: إذا كان يريد أن يعذبنا فلماذا يعطينا الأموال وأولاد؟ لا يمكن أن يعطيني المال والولد، إلا لأنني إنسان جيد؛ لأنه لو كان يريد أن يعذبني لأجاعني.
هو هذا احتجاج المشركين، فالله رد عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ:٣٧]، أي: ليس لها قيمة، ولا تقربك من الله سنتيمتراً واحداً، إلا من آمن، أي فالإيمان هو الذي يقربك من الله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ:٣٧].
﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر:١٥ - ١٦] أي: ضيقه عليه، ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر:١٦] فربنا نفى القضية كلها، فليس الإعطاء دليل كرامة، ولا المنع دليل إهانة، قد نمنع الطعام والشراب عن مريض -مثلاً- بعد أن أجرى عملية جراحية، وهو يتوجع ويتوسل يقول: أريد قطرة ماء، سأموت، ألا ترحموني؟ ومع ذلك أنت يتقطع قلبك أسى عليه ولا تعطيه الماء؛ لأنك لو أعطيته الماء لقتلته، فبرغم توجعه إلا أنك لا تعطيه الماء، وكمثل الدواء المر، نتحمل مرارته لما نرجوه من البرء والشفاء بعد ذلك، والأعمال بالخواتيم.
فكذلك ذل الدنيا ساعة، سل الذي رُد إلى أرذل العمر، سل أطول الناس عمراً، قل له: ما قدر حياتك الماضية؟ يقول: طرفة عين.
الإنسان ابن لحظته فقط، وجعلت متعته كحياته، فمثلاً قد يمر عليك زمن طويل تتمنى أكلة معينة تشتهيها، وإذا سئلت عن سائر أمانيك من الدنيا وأعظمها، تقول مثلاً: آكل الأكلة الفلانية، فإذا أكلتها كم تكون لذتك؟ كم قدرها من الوقت؟ ثلاثين ثانية فقط، وهي مدة بقاء الطعام في فمك، مجرد ما بلعته انتهت متعته، كذلك العمر وكذلك الدنيا، ما فات مات، وأنت إنما تعيش اللحظة التي أنت فيها، الآن لو مرض رجل فسألته عن العافية، يقول: كأني ما مر بي عافية قط، ما فات مات أيضاً.
إذاً: ذل الدنيا ساعة، ولا خير في لذةٍ عاقبتها النار ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥]، ويوم النشور يتساءلون: كم لبثتم؟ قالوا: يوماً أو بعض يوم، فالدنيا قصيرة، مهما عمِّرْتَ فيها فهي قصيرة، فلا ترضَ عن الله بديلاً ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩].
стр. 508
العاقبة للمتقين
فينبغي على العاقل وهو سائرٌ إلى الله بعدما تحقق من صدق دعوته ألا يصغي إلى أحد، وربنا ﵎ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] أي: لا يستفيد من قصص الأنبياء إلا أصحاب العقول، وهم الذين يعملون عقولهم ويستفيدون، قولوا لي: هل هزم نبيٌ حتى غُلب في آخر الأمر، قصوا عليَّ قصة نبيٍ غُلب، لا توجد أبداً، وأما البلاء فحدث ولا حرج، لماذا جعل الله البلاء من نصيب أوليائه؟ هل لهوانهم عليه؟ هل لأنهم رخصوا فسلط عليهم السوقة الذين غضب عليهم ومأواهم النار؟ لماذا لا يعز الله أولياءه ويجعل لهم الغلبة؟! الفاسق يركب أفخر السيارات، ويسكن الفلل العظيمة، ويحجز مائتين أو ثلاثمائة متر على القمر، إذ يزعمون أنهم يؤجرون القمر الآن، وإذا أحب أن يأكل أكلة سمك ركب الطيارة ويذهب ليأكل سمكاً في باريس، وهو ساكن في أستراليا! أليس المؤمن أحق بهذه المتع؟! أليس هو الذي يحمد ربه، وهو الذي يشكره، وهو الذي يثني عليه؟! أليس هو كل ما يفعل يقول فيه: باسم الله، إشارة إلى أن الله هو الممتن، ما نسيه قط، فيحرمه من الذي يريده، ويسلط عليه السوقة والدهماء والطغام؟ أليس المؤمن أولى؟!
стр. 509
طوبى للغرباء
فيا أيها الغرباء في زمن الغربة: لكل زمانٍ غربة وغرباء، وقد دعا النبي ﷺ للغرباء فقال: (طوبى للغرباء) طوبى للذين يصبرون على مخالفة السواد الأعظم، ويتركون متع الدنيا لما يعتقدون أنه الحق: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٩]، وقال النبي ﷺ : (إن في الجنة شجرة؛ يسير في ظلها الجواد المضمر مائة عامة لا يقطعها، وتلا أبو هريرة قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠]) الظل الممدود: شجرة واحدة في الجنة، الفرس المضمر -الذي يمنع عنه الطعام ليلة السباق فتضمر بطنه ويخف وزنه فيسبق غيره من الخيل- فإذا ركبت الفرس هذا وأطلقت له العنان مائة سنة، لا يقطع ظل هذه الشجرة، هذه هي للغرباء، علامة لهم، إن هؤلاء صبروا على مخالفة السواد الأعظم، وضحوا بمتع الدنيا، ولم يضحوا بالهدى، والذي يعرف الله يستعذب العذاب كله فيه لو عرفه حق معرفته.
وسئل سعيد بن المسيب ﵀ (عما يراه عند أهل الدنيا من المتع؟ فقال: مساكين! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا ألذ ما فيها.
قالوا: وما ألذ ما فيها يا أبا محمد! قال: ذكر الله)، هذا ألذ ما في الدنيا كلها، الذي يتعود على الذكر ويدمنه، والذي هو حياة قلبه؛ لا يشعر بغربةٍ على الإطلاق؛ والله لا يغيب عنه طرفة عين.
فلماذا يطول الليل على المريض؟ ولماذا الآلام تكون أشد على المريض في الليل دون النهار، مع أن المرض واحد، وقد يكون النهار أطول والليل أقصر، ولكن الليل دائماً طويل على المريض والمرض أشد فيه لماذا؟ لقلة العواد، لقلة الزائرين، وأما النهار فمهما كان مريضاً وكان المرض شديداً والزوار يعودونه فإنهم يخففون عنه، أحدهم يقول له: نحن نتمنى لك الشفاء.
فلما يحس أنه محل أفئدة الناس، وأن كل الناس تحبه، وكل الناس متوجعة لما أصابه، وكل الناس تتمنى له الشفاء، فيخف عليه المرض، لكن في الليل لا أحد يزوره ولا أحد يعوده؛ لذلك يشعر أنه غريب وحيد منفرد، فتزيد عليه الآلام، برغم أن الآلام كانت بنفس قوتها في النهار.
كذلك إذا شعر المرء أن الله غائبٌ عنه، وأن الله لا يكلؤه، وأن الله لا يرعاه؛ يشتد عليه البلاء.
وأقل البلاء يكون -عليه- مصيبة كبرى بذلك، أما الذي يشعر أن الله لا يفارقه، وهو معه بصفة دائمة فكلما ذكره التذ بذكره، وما أجمل وأحلى وأعذب وأطيب قول النبي ﷺ : (اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من الماء البارد)، ولا يقدّر مدى حب الماء البارد على ظمأ إلا رجل تكاد عنقه تنقطع من الظمأ في يومٍ شديد الحر وقدم إليه كوب ماء بارد، فإذا شربه وروى ظمأه شعر بحلاوة هذا الدعاء: (اجعل حبك أحب إليَّ من الماء البارد).
نسأل الله ﵎ أن يردنا إليه رداً جميلاً، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
стр. 510
كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة
الدعوة إلى كلمة التوحيد تكون قبل الدعوة إلى توحيد الكلمة؛ لأن توحيد الكلمة على غير أساس من الكتاب والسنة والتوحيد لا فائدة فيه ولا منفعة، بل ربما عاد بالضرر الكبير، خاصة مع كثرة البدع والأهواء وقلة العلماء الربانيين.
стр. 511
كلمة التوحيد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قرأت لأحد الكتاب مقالاً يزعم فيه أن الإنكار على الشرك يُتْرك إذا كان سيؤدي إلى تفريق الكلمة، ويقول: والدليل على ذلك: أن موسى ﵇ لما عاتب هارون ﵇ في تركه الإنكار أو مقاتلة الذين عبدوا العجل قال له: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] فخشي هارون وهو نبي أن ينكر على الذين عبدوا العجل -وهذا داخل في صميم الشرك- حتى لا يقول له موسى: إنك لم ترقب قولي في بني إسرائيل.
وكأن هذا الرجل يظن أنه ليس هناك أحد يحفظ القرآن أو يقرأ القرآن أو ليس هناك قرآن بين يدي الناس.
стр. 512
مخالفة المبتدعة لأصول أهل السنة
وقبل أن تفكر في توحيد الكلمة بين المسلمين وحِّد عقيدتهم، إذ كيف تجتمع مع رجل يقول: إن الله في كل مكان، وينكر أن يكون الله على العرش؟! وكيف تجتمع مع رجل يقول: إن الله لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يرى؟! ويوجد في بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام من يقول هذا، حتى قال القائل من أهل السنة: (إن المجسمة يعبدون صنماً والمعطلة يعبدون عدماً).
المعطلة الذين لا يثبتون لله صفة؛ لأن إثبات الصفة عندهم يستلزم منه وجود الجارحة، فلما قال هؤلاء هذه المقالة، تطرف آخرون ضدهم، فأثبتوا الجارحة لله، والجارحة: هي العضو؛ فإذا كان يتكلم فلا بد من لسان وشفتين وأسنان ولهاة وفك وحنك، وإذا كان يرى فلا بد من عين وحدقة إلخ، وإذا كان يسمع فلا بد من صماخ أذن ونحوه.
فالذي يسمع عند المجسمة له أذن مجسمة، وفي المقابل المعطلة الذين يقولون: لو أننا قلنا: (يسمع) لزم أن نقول بالتجسيم، فينفون عنه السمع، فهؤلاء يعبدون صنماً، وأولئك يعبدون عدماً، وأهل السنة هم الطريق الوسط، يثبتون الصفة لله ﵎، ثم يقولون: كما يليق بجلاله.
فأنت كيف تضع يديك في يد رجل، كلما جاءت آية من آيات الصفات، أوَّلها أو عطَّلها، وكلما جاء حديث من أحاديث العقائد أنكره ورده وقال: حديث آحاد؟! فالمبتدعة أصلوا أصولاً لأنفسهم؛ ليجادلوا أهل السنة بها، فالواحد منهم يقول وفقاً للأصل: أنا لا أنازعك فيما تقوله الآن؛ لكن أنازعك في الأصل الذي أصلته، فأنا لا أقبل عقيدة جاء إثباتها بخبر آحاد، فنقول: من سلفك في هذا الأصل؟ بل نقولها بكل تواضع: نتحدى من يأتي بحديث أو واقعة صحيحة، تذكر أن صحابياً روى حديثاً في العقيدة والصفات والأسماء لصحابي آخر فرده عليه بخلاف الأحكام الشرعية، فالصحابة اختلفوا كثيراً جداً في الأحكام الشرعية، ولم يختلفوا قط في أحاديث التوحيد والأسماء والصفات، فمثلاً: عندما روى أبو سعيد الخدري الحديث الذي رواه البخاري صحيحه وهو حديث الشفاعة، وفيه قال: (فيكشف الله عن ساقه)، وقد جاءت في القرآن الكريم م نكرة، ولم تنسب إلى الله ، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، ولكن نسبت في حديث النبي إلى الله ، وكلامه مبين للقرآن الكريم، كما رواه أبو سعيد الخدري، فقال: (فيكشف الله عن ساقه) والضمير يعود على لفظ الجلالة، فهل هناك صحابي اعترض على أبي سعيد وقال: كيف تقول هذا الكلام؟! ومن الذي روى معك هذا الكلام؟! بينما إذا أردت أن تقف على عشرات بل مئات الأحاديث التي تضمنت أحكاماً فرعية، واعترض بعض الصحابة على بعض فيها، فدونك أحاديث السنن والصحاح، فهذه السيدة عائشة ﵂ لها اعتراضات وانتقادات كثيرة على كثير من الصحابة والزركشي له كتاب (الإجابة على ما استدركته عائشة على الصحابة) أتى باستدراك عائشة على كل صحابي ممن استدركت عليهم؛ حتى أنها استدركت على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وهؤلاء السادة.
فمثلاً: عندما روى عمر بن الخطاب حديث عن النبي ﵊ (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) قالت عائشة ﵂ كما في صحيح البخاري: (إنكم لا تحدثوني عن كاذبين -وهما عمر وابنه- ولا مكذَّبين، ولكن السمع يخطئ) إن النبي ﷺ قال ذلك في يهودية قال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب) إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه.
وقد رد أحد العلماء بهذا الحديث الأخير عليها ﵂، إذا لا يعذب الله حتى الكافر على ذنب لم يرتكبه، والكافر والمؤمن في هذه المسألة سواء، فلا يعذب أحد بذنب الآخر.
ولا ينتقد على هذا الكلام بقول الله ﵎: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] فيقال: إنهم حملوا أثقال غيرهم؛ لأن هذا في الذين ضلوا وأضلوا، فهو عندما أضل غيره أذنب، فهو ذنبه في الحقيقة حينما ضل وذنبه حينما أضل، ولكن لا يزيد الله الكافر عذاباً بذنب لم يجنه ولم يكن له فيه يد، وهو والمؤمن سواء؛ فلا يعذب أحد بغير ذنب فعله.
وهكذا أيضاً انتقاد أبي هريرة ﵁ على ابن عباس في حديث الوضوء مما مست النار، وإنكار الصحابة على عثمان ﵁ في إتمامه الصلاة بمنى، وإنكار أبي سعيد الخدري على أبي موسى الأشعري في جملة السلام، وهكذا.
فكثير من الأحاديث في الأحكام الشرعية اعترض بعضُهم على بعض فيها وردوها؛ لكن لم يفعلوا ذلك في حديث توحيد أو حديث عقيدة على الإطلاق، فدل على أن حديث الآحاد كان يُتَلَقى بالقبول، لا سيما أحاديث العقيدة، فإنها كانت تُتَلَقَّى بالقبول عند الصحابة، ولا أدل على ذلك -ولا يجادل في ذلك إلا مكابر لا يذعن للحق- من حديث الصحيحين أن النبي ﷺ أرسل معاذ بن جبل وحده إلى اليمن فقال له: (إنك تأتي قوماً أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)، وهذا عقيدة؛ فلو أن أهل اليمن لم يسمعوا لـ معاذ، لكانوا كفرة، ولو كان خبر الواحد في العقيدة لا تقوم به حجة، لما جاز تكفير هؤلاء، وقد اتفق جمهور المسلمين على أن الإمام المسلم لو أرسل نذيراً إلى بلاد الكفر، يدعوهم إلى التوحيد، فردوا دعوته، فإنهم كفارٌ، ويجب عليه قتالهم بناءً على إرسال فرد واحد، ولو كانت عقيدة التوحيد لا تقوم بحديث الواحد، لما جاز أن يكفر هؤلاء، ولا أن تنتهك أموالهم وأعراضهم.
والأدلة على ذلك تطول بنا، والمقصود أن هؤلاء المبتدعة عندما رأوا قوة أدلة أهل الحق وعلموا أن أصولهم الفاسدة لا تقوى على الوقوف أمام أصول أهل الحق، لجأوا للنصوص التي تحتمل ظواهرها عدة معانٍ، فاختاروا المعنى الذي يؤكد أصلهم، وأتوا عليه بخيلهم ورَجِلهم، وصاروا ينافحون عنه بقضهم وقضيضهم.
стр. 513
النصر ليس بالكم وإنما بالكيف
إذاً: (كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة) وكيف يقال: نجتمع جميعاً على كلمة الإسلام وهناك مَن يشرك بالله؟! والله تعالى يقول: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فلا تظن أنه يمكنك أن تنتصر بما عندك من التكنولوجيا وما عندك من المعدات العسكرية وغيرها، فنحن نعلم يقيناً أن هذا سبب؛ لكنه لا يكون مفتاح النصر، فالصحابة الذين كانوا يقتسمون التمرات في يوم بدر، غلبوا الذين كانوا يأكلون عشرة من الجمال في اليوم الواحد.
وهذا هو الفرق بين الأجيال المتأخرة وبين جيل الصحابة.
стр. 514
الابتلاء يزيد العقائد ثباتاً
كان النبي ﵌ يمر على الفئة الضعيفة المستضعفة وهي تعذب، إما في رمضاء مكة، وإما وجلودها تتوجع من عصي المشركين، وهو ﷺ لا يملك لهم شيئاً، وكان الله ﵎ يريد أن يستخلص هؤلاء، فأنت لو استخرجت الذهب من باطن الأرض، وعرضته في الأسواق، فإنه لا يعطي شيئاً كبيراً، إنما يساوي الذهب قيمته إذا أدخلته النار، فتحترق كل شائبة خالطت الذهب، ولا يبقى إلا الذهب؛ لأنه لا يحترق، إنما يزيد لمعاناً في النار، بخلاف غيره، (والناس معادن خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا) فالمؤمن إذا دخل في فرن الابتلاء احترقت كل الشوائب من رياء وسمعة وشرك ونفاق ونحو ذلك، ولن يبقى إلا الإيمان مصقولاً.
ولذلك ترون -في الدنيا كلها- أن من يضطهد لأجل عقيدة يعتقدها لا يزيد عليها إلا ثباتاً، وإن كانت عقيدة باطلة، وخذ مثالاً على هذا: أحد المدافعين عن حقوق العمال طالب حكومته بحقوق العمال، فأبوا أن يستجيبوا، فأضرب عن الطعام ومات جوعاً بعد واحد وعشرين يوماً، وتصور الألم عندما تكون جائعاً جداً، فإنك تموت في كل ثانية وفي كل دقيقة، ولو كانت القضية طلقة رصاصة يستريح بها، أو مات دفعة واحدة لكان هيناً؛ لكن هذا يموت كل ثانية، وهو ثابت على الباطل الذي هو عليه أو على عقيدته التي يعتقد أنها حق، وبعدما مات صنعوا له تماثيل وصار إلهاً؛ لأنه رجل مات على عقيدة، لأنه دافع عن حقوق العمال، فصار هؤلاء العمال يوقرونه حتى عبدوه!! الهندوس فيهم عقول وعجول!! لأنهم يعبدون العجل، بل يعبدون أنثى العجل.
ولو كان أحدهم يمشي بسيارته فاعترضته بقرة في مكان عام، فلا بد أن يسجد، ولا يمكن أن يتعداها، فهذا ممنوع، بل يقف، وإذا قعدت البقرة في الطريق، فإنه ينتظرها حتى تقوم من تلقاء نفسها!! بينما نحن نجد كثيراً من المسلمين لا يوقرون الله ورسوله -وهم أهل الحق- كما يفعل أهل الباطل بباطلهم.
وقد قلت مقالة في هذا المسجد ولا أزال أقولها: إن من بيننا من يلبس دبلة الذهب وخاتم الذهب، والنبي ﵌ قال: (هذا حرام على ذكور أمتي) فيا أيها الذكر الفحل المسلم هلاَّ نزعته الآن في الحال اتباعاً لنهي النبي ﷺ ، وقلت: لا ينبغي لي أن أخالف نبيي ورسولي، إذا فعلت هذا الآن فلن يعيبك أحد، بل هي مكرمة فيك أن تمد يدك فتنزع هذا الخاتم أو هذه الدبلة ولا تلبسها، وقد جمعني مرة مجلس برجل فأخرج (سيجارة) فقلت له: هلا أطفأت هذه السيجارة! فقال: أليس مكروهاً؟ فنقول: ولو فرضنا أنه مكروه، فلم تفعله؟! فهو يخالف وهو يسمع النهي عن المخالفة ولا يرتدع ولو مؤقتاً، بل في أثناء سماعه للنهي يفعل المنهي عنه.
فتعجب عندما تنظر إلى رجل يعبد بقرة وقد تجده عالم ذرة أو صاحب شهادة دكتوراه في الهندسة أو في مجال آخر، ويكون ضليعاً في العلم وله عقل كبير ورغم ذلك ينتكس بعبادة البقرة.
стр. 515
العقل لا يستقل بمعرفة الله تعالى
وبهذه المناسبة نصحح قولاً خاطئاً يجري على ألسنة الناس يقولون: ربنا نعرفه بالعقل فأقول: هذا كذب، لأن الله ﵎ لو عرف بالعقل استقلالاً لما كفر هؤلاء؛ لأن عقولهم أفضل من عقول كثير من عوام المسلمين المتقين الموحدين؛ لكن الهداية منة ومنحة من الله، ثم بعد ذلك يجيء دور العقل تبعاً، لتثبيت وجود الله ﵎ ومعرفته؛ لكن العقل لا يستقل بمعرفة الله وحده.
وهذا قول علماء المسلمين، خلافاً للمعتزلة ومن جرى مجراهم من أشباه العلماء الآن، الذين يجعلون العقل قاضياً على النقل، فإن لم يقبل عقله الحديث رده، ونحن لا ننكر دور العقل؛ لكن العقل في المرتبة الثانية، فالنقل أولاً، ثم العقل، فإن جاءك نقل صحيح لم يقبله عقلك، فاتهم عقلك ولا تتهم النقل.
إن عمر بن الخطاب ﵁ وعقله يزن عقول أمم لما قَبَّل الحجر الأسود قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكن لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
فهو قام بتقبيل الحجر مع أن الإسلام قد جاء بهدم الأحجار التي اتخذت آلهة، ونحن لا نعظم حجراً، ولا نعبد حجراً، بل جاء الإسلام بتحطيم هذه العقيدة.
وعمر ﵁ يقول: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) وهذا من تمام عقيدته، وهو لا يفهم معنىً لتقبيل الحجر، ولكن الذي جعله يفعل ذلك هو ما بينه بقوله: (لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك).
وهكذا النصوص التي لا تفهم لها معنى، فإذا لم تفهم النص فكِلْه إلى عالمه؛ ولا ترد النصوص.
стр. 516
سبيل العلماء في التوفيق بين النصوص
هناك رجل ألَّف كتاباً يطعن فيه في السنة النبوية بزعم أن الفقهاء يخالفون المحدثين فيها، فلما جاء حديث: (الوائدة والموءودة في النار) قال: هذا مستحيل أن يكون، بل هذا حديث به علة قادحة.
وليس في الحديث علة؛ لأن العلماء يقولون في هذا الأصل: إذا لم تعلم شيئاً فكِلْهُ إلى عالمه، فهلا سأل إذا لم يعلم.
! لكن لأنه ظن أنه لا يوجد في الأرض عبد يمكنه أن يرجع إليه لم يسأل.
ثم إذا سألت غيرك فلم تجد جواباً، فاحمل اللفظ على بعض ما تقتضيه الأصول، وإلا فقل: الله أعلم.
وهنا (الوائدة والموءودة في النار) الوائدة: لأنها ظلمت، فما بال الموءودة؟ أي التي قتلت ظلماً لماذا تدخل النار؟ من جملة ما يوفق العلماء به أن يقولوا: أن الألف واللام للعهد، وليست للاستغراق، فيقولون: إن الحديث خرج مخرج الخصوص، فهي وائدة بعينها وموءودة بعينها.
فالألف واللام وإن كانت تفيد الاستغراق لكنها أيضاً تفيد العهد الذي يشبه الخصوص، كما أن الاستغراق يشبه العموم في قوله ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] مع قوله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨] فلفظ (الناس) في هذه الآية يفيد عموم الناس جميعاً، من يهود ونصارى ومجوس وزنادقة وشيوعيين، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨] فالألف واللام هنا خرجت مخرج العموم بنفسها وبمقتضى سياق الآية، في حين أن قوله ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] يراد به خصوص المسلمين، فيخرج منه اليهود والنصارى وغيرهم، فقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] لا يشمل النصارى واليهود؛ لأنه لا يحج البيت مشرك.
فالألف واللام في الحديث حملت على العهد، أي على الخصوص، في حين أنها حملت في الآية الأولى على الاستغراق، فشملت جنس الناس جميعاً.
فمن جملة ما يوفق العلماء به بين الأحاديث أو الآيات التي ظاهرها التعارض: أنهم يحملون الألف واللام على الخصوص، فيقال: إن الحديث ورد بوائدة مخصوصة وموءودة مخصوصة، كأن تكون الموءودة قد طبعت كافرة، كما في الحديث الذي رواه الشيخان أن النبي ﷺ قال: (إن الغلام الذي قتله الخضر طُبِع كافراً) أي: خلقه الله كافراً، فيمكن أن تكون الموءودة طبعت كافرة، فهي في النار لهذا الاعتبار، والوائد في النار لظلمه.
فلماذا لا نسلك سبيل العلماء في التوفيق بين النصوص التي ظاهرها التعارض؟ لكن الواحد يعتد بعقله، وكل شيء لا يقبله عقله -كأنه ليس للناس عقول- يقول: هذا باطل وفيه علة، لذلك فالعقل مكانه في المرتبة الثانية بعد النقل، ووظيفة العقل إعمال الفكر في النقل، ولهذا المجنون لا يجتهد، بل المجنون قد سقطت عنه العبادة والتكليف، والمخالفون يقولون: إننا بتقديم النقل نزري بالعقل! ونحن -أهل السنة- ما وضعناه إلا في موضعه الصحيح، وما ضل المعتزلة عن منهج أهل السنة إلا لأنهم جعلوا العقل قاضياً على النقل، فكل شيء وافق عقولهم، فهو صحيح، وما خالف عقولهم فهو باطل مردود.
فالمقصود بالكلام أن كلمة التوحيد تكون أولاً، وأي اجتماع لا يكون على التوحيد لا قيمة له.
стр. 517
الرد على من استدل بقصة هارون على ترك الكلام في التوحيد بحجة عدم التفريق
وفي مقدمة هذه الآية ما يدل على أن هارون ﵇ أنكر عليهم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠].
ومما يدل على أنه أنكر ما قاله ﵎ في سورة الأعراف: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠] فلماذا يقتلونه إذا كان ساكتاً لم يتكلم؟ إنما كادوا يقتلونه لأنه أنكر عليهم، فكادوا أن يقتلوه، ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف:١٥٠].
ثم هل يليق بنبي أرسله الله ﵎ ليعلم الناس توحيده أن يراهم يعبدون عجلاً ثم يسكت حتى لا يتفرقوا؟!
стр. 518
لا قيمة للاجتماع إذا لم يكن على الكتاب والسنة
إذا لم يكن الاجتماع على الله ورسوله فلا كان، ما قيمته؟! والصحيح أن (كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة) ولا يكون الأمر إلا ذلك، أما مبدأ (كَتِّل ثم ثَقِّف) فهو مبدأ خاطئ، والصواب (ثَقِّف ثم كَتِّل).
والذين يريدون أن يجمعوا العوام في صعيد واحد ويفرحون ويقولون: إن تعدادنا في هذا العام عشرة ملايين تقريباً، لا ينفعهم هذا، إذا كان تعدادكم عشرة ملايين فماذا فعلتم؟ لا شيء، بل استهانوا بكثير من الأوامر بدعوى أن غيرها أولى منها.
ولو أننا أردنا أن نكتِّل أولاً ثم نُثَقِّف، فسنجمع الزنديق والملحد والكافر والشيوعي والرافضي وصاحب الهوى، وسنجمع الكل في صعيد واحد، ثم نبدأ نثقف، فإذا قلت شيئاً يخالف ما عند هذا الملحد، قال لي: لا.
الأمر كذا وكذا وكذا، فأظل أجادل هذا الملحد، وقد لا أستطيع أن أجيب على شبهاته؛ لأنها قوية، فيفتن مَن يسمعون، أو على الأقل يصرف جهدي في تعليم هؤلاء لغير منفعة.
وإذا كان صاحب هوىً وكلامك على غير هواه، فستظل تبين له أن المسألة كذا وكذا وتذكر له قال الله وقال رسوله وقال العالم الفلاني، وحتى يفهم يكون الجهد قد ضاع، بخلاف ما إذا ثقفت قبل أن تكتل، فإن تثقيفك لن يكون على منهج هؤلاء، ولن يبقى معك إلا من هو على منهجك، فإذا قلت الكلمة آتت ثمارها؛ لأنهم جميعاً على نفس منهجك، ولهذا لا يُفْرَح بالعوام، وإياك أن تفرح أن العوام في جانبك؛ لأنهم غداً ينقلبون عليك، وصدق الذي قال: إن العامي مشتق من العمى؛ لأنه بيد من يقوده غالباً أو دائماً.
وإذا نظرت إلى العوام في زمن موسى ﵇: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٣٩ - ٤٠]، إذا غلبوا فنحن وراءهم، هؤلاء هم العوام، ولا تنتصر أمة على الإطلاق عوامُّها هؤلاء.
стр. 519
حاجة الأمة إلى العلماء الربانيين
كثير من أتباع الحق لم يكتفِ بنور الحق الذي هو يمشي مع كتيبته، وعرض له الشك في قلبه، ومع قلة العلماء الربانيين يكثر اختطاف أهل البدعة والضلال لبعض من يمشي مع كتيبة أهل الحق.
العلماء الربانيون قلة قليلة جداً، والمسلمون كثيرون، فنحن الآن مثلاً في بلدنا لو أردنا أن نعد العلماء الربانيين، الذين هم على طريقة السلف، وأقصد بالعالم الرباني العامل بعلمه، ممن هم معروفين للناس؛ لأننا لا ننكر وجود بعض العلماء الذين لا يُعْرَفون؛ لكن على الظاهر الآن: كم من العلماء في الفقه وفي الحديث وفي الأصول وفي التفسير؟ ترجع بخفي حنين؛ لأنك لا تستطيع أن تكمل العلماء الربانيين في شتى الفروع على أصابع اليد الواحدة، أو على أصابع اليدين.
ولو نظرنا إلى عدد المسلمين المتشوفين إلى معرفة دينهم لوجدنا أنهم ملايين، فلو فرضنا أنه يوجد ألف عالم رباني، لكانوا عدداً قليلاً بالنسبة لهذه الملايين، حتى يلبُّوا حاجتهم إلى المعرفة.
فالذين يتشوفون إلى معرفة دينهم ملايين، والعلماء الربانيون لا يكادون يوجدون، مع كثرة أبواق أهل البدع والضلال، كأمثال هذا الكاتب الذي يقول: إنه لا يجوز أن يتفرق المسلمون حتى لو اختلفوا في عقيدة التوحيد وهل بعد ضياع عقيدة التوحيد شيء؟! وهل ضعنا نحن الآن في الأرض شذر مذر، إلا بتضييع عقيدة التوحيد؟!
стр. 520
ظن العوام أن كل صاحب لحية عالم
بعض الناس إذا قابله شخص عليه سمت أهل العلم يقول له: يا مولانا يا شيخ، عندنا سؤال كذا وكذا وكذا.
وهم يعتبرون أن كل صاحب لحية عالم.
وهذا أيضاً من جملة الأخطاء التي هي عند العوام، وهو مما يحجبهم عن إعفاء اللحية، فحين تسأل الواحد منهم: لماذا لا تعفي لحيتك؟ يقول: أنا طالب في الهندسة، واللحية تريد عالماً، وتريد شخصاً عنده معلومات! ولا تدري من الذي اشترط هذا في اللحية! ولو أننا رأينا طالباً فاسقاً له لحية، فهل يجوز شرعاً أن نقول له: احلق لحيتك؟ لا يجوز؛ لأن اللحية هدي ظاهر يميزك، كأنها بطاقة علنية؛ تقول أنك مسلم، وأنت لك من الحقوق كمسلم ما ليس لغيرك، فإذا لم أعرف هل أنت مسلم أم لا فسأتوقف في إعطائك حقك، فأكون قد ظلمتك.
وأنا أريد أن أعرف من أول نظرة أنك مسلم، فتأتي اللحية وغيرها من الهدي الظاهر، فتبين أنك مسلم، بدون أن أقول لك: أرني البطاقة.
فيخطئ العوام ويقولوا: إن كل صاحب لحية عالِم.
والصحيح أنه ليس كل صاحب لحية عالِماً، وليس كل معمم عالماً، كما أنه ليس كل حليق جاهلاً، وليس كل من معه يد كاتباً.
فلا بد أن تتحرى عن العالِم الرباني حتى تتعلق به؛ لأنه هو طوق النجاة في بحر الشبهات، أو في بحر الظلمات، ولذلك وُقِّق ذاك الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً كل التوفيق حين سأل عن العالم، وكان قد أخطأ، عندما قال: دلوني على أعبد أهل الأرض، فدلوه على الراهب فأفتاه خطأ، فقتله، ثم قال: دلوني على أعلم أهل الأرض -وفَهم السؤال نصف العلم- ولم يقل: دلوني على عابد، وإنما قال: على أعلم أهل الأرض؛ لأن هذا هو الواجب؛ فإذا أردت أن تسأل عن شيء من دينك، فعليك أن تسأل شخصاً متقناً فيه، لا سيما إذا كان عاملاً بعلمه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 521
البحث عن العالم الرباني
لذلك كان من الضروري أن تبحث أنت عن العالم الرباني، فتتعلق به؛ لأنه طوق نجاة بالنسبة لك في بحر الشبهات والكفر، وأنت إذا مرضت تقول: دلوني على طبيب.
فإذا قيل: الطبيب في الشارع المجاور.
تسأل: معه دكتوراه؟ لأن هؤلاء الناس -أصحاب الدكتوراه- متقنون وفحوصهم دقيقة.
وتكون مستعداً لأن تضحي بمبلغ كبير في مقابل أن يفحصك فحصاً جيداً ويحدد العلة بدقة ولا تبالي بالمال.
فأنت إذا كنت في داء بدنك -وأنت لست بمخلد وستموت مهما عشت صحيحاً طيلة عمرك- تبحث عن أفضل الأطباء وأعلمهم.
فمن باب أولى أن تبحث عن أفضل العلماء لدينك؛ لكن المرء يذهب ليبحث عن أحسن طبيب، ولا يبحث عن العلماء.
стр. 522
مع النبي وأزواجه
لقد اختلفت مشارب الناس وآراؤهم في معاملتهم لنسائهم ما بين مشرق ومغرب، وإن الناظر في سيرة النبي ﷺ وحياته وتعامله مع نسائه يرى سعة حلمه وكرم أخلاقه، ويدرك يقيناً أنه خير الناس جميعاً لأهله وأرحمهم بأزواجه.
وهاك من قصصه مع أزواجه لطفاً ونبلاً ما يخلب الألباب ويطير بالقلوب في عوالم الرقة والعاطفة المشبوبة، ويحلق بها في سماء لم تطاولها سماءٌ عذوبةً وحلاوةً وجاذبيةً وحسن عشرة.
стр. 523
سؤال ابن عباس لعمر عن قصة التحريم والإيلاء
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
قال الإمام البخاري ﵀ في كتاب النكاح، في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها: عن ابن عباس ﵁ قال: (لم أزل -وبعض الألفاظ من طرقٍ أخرى من خارج صحيح البخاري- حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله تعالى فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، حتى حج وحججت معه، وعدل وعدلتُ معه، فقضى حاجته، فصببت عليه وضوءه، فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان اللتان قال الله فيهما ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]؟ فقال: واعجباً لك يا ابن عباس! إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه، قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً، فكان إذا نزل أتاني بخبر الوحي وما كان من أمر النبي ﷺ ، فإذا نزلت فعلت مثل ذلك، وكنا معشر قريشٍ قوماً نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم.
قال عمر ﵁: فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فصخبت على امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: أَوَفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟! لم تنكر أن أراجعك؟ ووالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل.
قال عمر: فأفزعني ذلك، ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنيتي! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم حتى الليل؟! قالت: نعم.
فقلت لها: قد خبت وخسرت! وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟! لا تسألي النبي ﷺ ولا تستكثريه، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك -يعني: عائشة - أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ .
قال عمر: وكنا نتحدث أن غسان تُنعل الخيل لغزونا، فجاءني صاحبي يوم نوبته عشاءً، فطرق الباب طرقاً شديداً وقال: أثم هو؟ ففزعت فخرجت إليه، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم فقلت: أجاء غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول! طلق النبي ﷺ نساءه! فقال عمر: قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون.
قال: فجمعت علي ثيابي ونزلت، فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ ألم أكن حذرتك هذا؟! أطلقكن النبي ﷺ ؟! قالت: لا أدري! ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت المنبر، فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، قال: فجلست معهم: ثم ذهبت إلى باب المشربة، وكان على الباب رباح -وهو غلام للرسول ﵊ فقلت للغلام: استأذن لـ عمر.
فدخل الغلام ثم رجع، فقال: ذكرتك له فصمت.
قال عمر: فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر.
فدخل ثم رجع.
فقال: قد ذكرتك له فصمت.
قال: فذهبت فجلست مع الرهط الذي عند المنبر، ثم غلبني ما أجد، قال: فقلت للغلام: استأذن لـ عمر.
قال: فدخل ثم رجع إلي.
فقال: قد ذكرتك له فصمت.
فلما وليت منصرفاً، إذا الغلام يدعوني، فقال: قد أذن لك النبي ﷺ .
فدخلت على النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجع على رمال حصير، ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال في جنبه، فأردت أن أستأنس، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريشٍ نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم.
قال: فتبسم النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! لو رأيتني أقول لـ حفصة: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ .
قال: فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم، فرفعت بصري في بيته ﵊، قال: فلم أر شيئاً يرد البصر -أي: يملأ العين- غير أهبة ثلاثة -أهبة: جمع إهاب، وهو الجلد- فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فإن فارساً والروم قد وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله.
قال: فجلس النبي ﷺ ، وكان متكئاً، وقال: أوفي هذا أنت يا ابن الخطاب؟! إن أولئك قومٌ عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا إلى أن قال: فدخل النبي ﷺ على عائشة فبدأ بها، تقول عائشة: فدخل عليّ من تسع وعشرين أعدها عداً، فلما دخل قلت: يا رسول الله! قد أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنما أصبحت من تسعٍ وعشرين أعدها عداً.
فقال ﵊: الشهر تسع وعشرون.
قالت عائشة: فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين.
стр. 524
استحباب تلطف طالب العلم مع شيخه
هذا الحديث اشتمل على جملة من الفوائد، أظهرها ما سنسوقه في هذا الدرس إن شاء الله ﵎.
قال ابن عباس ﵄: (ما زلت حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وللبخاري أيضاً: قال ابن عباس: مكثت سنةً أريد أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين التي قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، فتمنعني هيبته، فقال ذلك لـ عمر.
فقال له عمر: يا ابن أخي! إذا علمت أن عندي علماً فسلني.
قال ابن عباس: (حتى حج وحججت، وعدل وعدلت) أي: وهم في الطريق قضى عمر بن الخطاب حاجته، فتبعه ابن عباس بإداوة، ليتوضأ منها عمر، وسأله وهو يصب عليه الماء سأله هذا السؤال.
وفي هذا دليل على استحباب أن يتلطف طالب العلم بشيخه، وأن يتحرى مواضع خلو باله فيسأله، فإن كثرة سؤال الشيخ -لاسيما وهو متضجر- تزعجه، وقد كان هذا مذهباً لبعض الطلبة المجدين، كأمثال ابن حبان ﵀، فقد كان يصحب شيخه ابن خزيمة ﵀، ولا يتركه سفراً ولا حضراً، وكان يكثر عليه السؤال، فأكثر عليه ذات مرةٍ في سفرٍ، فقال له ابن خزيمة: (تنح عني يا بارد!) فكتبها ابن حبان.
فقيل له: أتكتبها ولا فائدة فيها؟! قال: لا أدع لفظاً يخرج من فم الشيخ إلا كتبته.
فالصواب في هذا: أن الإنسان يقبل على شيخه في وقت فراغه ونشاطه وخلو باله، وقد كان طلبة الحديث يزعجون مشايخهم كثيراً، وأشهر من أزعجوه في ذلك هو الإمام سليمان بن مهران الملقب بـ الأعمش، واستعمل معهم الشدة كثيراً، حتى ذكر الخطيب ﵀ في كتاب (شرف أصحاب الحديث) أن الأعمش اشترى له كلباً، فكان إذا سمع وقع نعالهم خارج البيت أطلق عليهم الكلب، ولك أن تتخيل من يجري أمام الكلب من أمثال شعبة وأمثال هؤلاء الكبار كـ عبد الله بن إدريس! فما أن يدخل الكلب الدار حتى يرجعوا مرةً أخرى، فيطلق عليهم الكلب، وهكذا كان يحول بينه وبينهم هذا الكلب، فجاءوا ذات مرةٍ وهم يتوجسون أن يخرج عليهم الكلب، وإذا هم يقتربون شيئاً فشيئاً ولم يخرج الكلب، فهجموا على الدار ودخلوا عليه، فلما رآهم بكى، فقالوا: ما يبكيك يا أبا محمد؟ قال: قد مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر! (يعني: الكلب).
وكان الأعمش يكره أن يقعد بجانبه أحدٌ في أثناء الدرس، فجاء رجلٌ من الغرباء، فجلس بجانب الأعمش وهو لا يدري أن الأعمش يكره ذلك، فأحس به فتركه، فكلما قال: (حدثنا) بصق عليه (فلان) بصق عليه.
والرجل ساكت حتى قضى الأعمش درسه! ويذكر الخطيب في هذا الكتاب أخباراً كثيرة أخرى عن الأعمش أنه كان يستعمل الشدة، وكان إذا غضب عليهم يقول: شرٌ أناسٍ على ظهر الأرض! فأنت -أيها الطالب النبيه- إذا أردت أن تستفيد، فاعلم أن الفوائد لن تتم إلا بصفاء الذهن، فعليك بالرفق؛ فإن القلوب إذا كلت عميت لأن هذا الإرهاق يحرمك خيراً كثيراً، ولا يحملك جدك ونشاطك ونهمك على أن تكثر من مماراة شيخك، فقد قال الزهري ﵀: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً؛ لكثرة ما كان يماري ابن عباس).
فـ أبو سلمة كان كثير المماراة، فكلما تكلم ابن عباس بكلمة كان أبو سلمة يماريه ولا يسلم له ويناقشه ويعارضه، ويظهر معارضات وإلزامات، فمن كثرة ما كان يماري ابن عباس زهد ابن عباس في إفادته وفي مجالسته: (لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً لكثرة ما كان يماري ابن عباس).
بخلاف ابن جريج فقد لازم عطاء بن أبي رباح عشرين سنة، وقال: قد استخرجت ما عند عطاء من نصح، ولم يتضجر منه عطاء بن أبي رباح، لماذا؟ لأنه كان يترقب خلواته، فإذا رآه صافي الذهن مقبلاً سأله.
وكذلك فعل ابن عباس ﵁، فقد ظل سنةً يهاب أن يسأل عمر بن الخطاب حتى رأى أنه بمفرده معه (فانتهز الفرصة) فبادره بهذا السؤال، وقدم بين يدي السؤال هيبته إياه، فقال: (يا أمير المؤمنين! إني أريد أن أسألك منذُ سنةٍ فتمنعني هيبتك.
فقال: يا ابن أخي! إذا كان عندي علمٌ فسلني.
فقال له: من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]؟ فقال له عمر: وا عجباً لك يا ابن عباس!) وإنما تعجب عمر بن الخطاب ﵁ من ابن عباس لما كان لـ ابن عباس من الفضل في البحثٍ عن التفسير وعن التأويل، فعجب عمر أن يخفى عليه مثل هذا الموضع مع شهرته، لاسيما وقد كان عمر حسن الرأي في ابن عباس برغم صغر سنه، وقد روى البخاري ﵀ في صحيحه، عن ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدرٍ، فغضب أحدهم -وهو عبد الرحمن بن عوف ﵁ وقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟! -أي: في مثل سنه- قال: فسمعها عمر فأضمرها -أي: أسرها- حتى كان يومٌ، فسألهم سؤالاً في حضور ابن عباس.
قال: ما تقولون في قول الله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، ما تقول يا فلان؟ قال: هذا أمرٌ من الله أنه إذا جاء نصر الله والفتح، فأمره أن يستغفر.
-فسر الماء بعد الجهد بالماء- وأنت يا فلان ما تقول؟ قال: أقول فيها ما قال أخي، وأنت يا فلان! قال ابن عباس: فعلمت أنه يريد أن يريهم لماذا يدخلني، فقال: وأنت ما تقول يا ابن عباس؟ أتقول بقولهم؟ فقلت: لا يا أمير المؤمنين.
قال: فما تقول؟ قلت: هذا نعي رسول الله ﷺ ، وإعلام بقرب أجله فأنه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:١ - ٢] فما بقاؤك إذاً؟ فقد تمت الرسالة وكمل الدين وتمت النعمة، فهذا إشعارٌ بقرب أجله ﷺ .
فقال عمر: والله يا ابن أخي ما أعلم منها غير ما تقول.
فقد بلغت منزلة ابن عباس أن عمر يدخله مع أشياخ بدر، وكان يضرب بأشياخ بدر المثل في رجاحة العقل وفي دقة النظر، حتى قال أبو حصين -وهو أحد التابعين- منكراً على الذين يتسرعون في الفتوى: إنكم لتفتون في المسألة؛ لو عرضت على عمر لعرضها على أشياخ بدر؛ أي: لا يجرؤ عمر -مع جلالته ورجاحة عقله- أن يفتي فيها حتى يشرك معه أشياخ بدر، وأنتم تتسرعون في الفتيا! الشاهد: أن عمر تعجب من ابن عباس لعدم معرفته بالمرأتين، مع أنه كان مهتماً بعلم التفسير، استجابةً لدعوة النبي ﷺ : (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل).
وهناك احتمال آخر وهو أن ابن عباس كان يعلم القصة مجملة، فأراد أن يعلمها مفصلة من عمر.
وهناك احتمال ثالث: وهو أن ابن عباس سمع القصة بنزول، فأحب أن يسمعها بعلو، أي: ربما يكون قد سمعها من رجل عن رجل، فأراد أن يعلو بهذه القصة، فطلب ذلك من عمر بن الخطاب ﵁.
فقال عمر: (واعجباً لك يا ابن عباس! إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه.
стр. 525
الجمع بين التجارة والعلم مذهب كثير من العلماء
قال: (كنت أتناوب النزول أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً).
وهذا يدلنا على أنهم لم يكونوا يتفرغون لطلب العلم، بل كان بعض العلماء المشاهير لا يتفرغون أيضاً لطلب العلم، بل كانوا يجمعون ما بين التجارة وما بين طلب العلم.
ومن أشهر هؤلاء الذين عقدت عليهم الخناصر في التجارة وفي العلم وفي الجهاد هو الإمام ذو الفضائل عبد الله بن المبارك.
هذا الرجل لو قرأتم سيرته لأحببتموه غاية الحب! وكان تاجراً، وكان ينفق على أعظم ستةٍ من علماء عصره، بل من مشايخه، فكان ينفق على السفيانين والحمادين وابن علية والفضيل بن عياض، أي: كان ينفق على سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض وإسماعيل بن علية، وكان يقول: (لولا هؤلاء ما اتجرت) وكان شديد السخاء، وكان يحج عاماً ويغزو عاماً، حتى أنه ذات مرة جاء إليه رجل متسول، فأعطاه عشرة دراهم، فقيل له: إن هذا الرجل لديه مالٌ كثير، وهو يأكل المشوي -همس إليه رجل بهذه المقالة- وهؤلاء يأخذون الأموال ويكنزونها، وهم أغنى منا، فلماذا تعطي هؤلاء؟ فليس بفقير طالما أنه يأكل المشوي واللحوم، فقال ابن المبارك: آلله؟! أي: أهذا حقاً يأكل المشوي؟! قيل: نعم.
قال: إذاً هذا لا يكفيه عشرة دراهم، هذا لا يكفيه إلا مائة درهم.
انظر إلى فقه هذا الإمام! لأن العبرة أن يخرج المال من يده، وليست العبرة أن يقع في موقعه أم لا، فهذه مسألة وهذه مسألة، ولكن عندما يطاوع المرء شحه، ويقول: هؤلاء الناس ليسوا محتاجين، وغير مستحقين، ومعهم أموال، ولو وجدت مستحقاً لأعطيته.
هب أنك أعطيته وهو غير مستحق، فما يضرك؟! قال النبي ﷺ -فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج في الليل، فوجد امرأةً، فوضع الصدقة في يدها، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على زانية! فقال الرجل: الحمد لله! على زانية؟! لأتصدقن الليلة بصدقة.
فخرج فوجد رجلاً، فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تصدق الليلة على سارق! فقال الرجل: الحمد لله على سارق، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوجد رجلاً فأعطاه الصدقة، فأصبح الناس يقولون: تُصدق الليلة على غني؟!) لماذا أعاد الصدقة ثلاث مرات؟ لأنه في كل مرةٍ يرى أنها لم تقع في موقعها الذي يريد، فهو يريد أن يوقعها في يد مستحقٍ لها، فوقعت في يد زانية، فلعلها تستعين بهذا المال على الزنا، ووقعت في يد سارق، فبدلاً من أن تقطع يده يعطي مالاً، ووقعت المرة الثالثة في يد رجلٍ غني غير محتاج.
فجاءه ملك في صورة رجلٍ، فقال له: (أما صدقتك فقبلت) هذا هو المطلوب، المهم أنك تتصدق، وتصل إلى أي مكان لا يضرك إذا ابتغيت بها وجه الله (فأما المرأة الزانية فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يتوب، وأما الغني فلعله يخرج الذي عنده، فنحن نستدل بهذا الحديث على أن الصدقة على أهل المعاصي مع تتبعهم ورعايتهم أفضل من إعطاء الصدقة -أحياناً- لبعض الملتزمين، والرسول ﵊ كان يعطي العطاء لرجالٍ ويدع من هم أحب إليه منهم) ويقول: (أكلهم إلى إيمانهم) والرجل الملتزم إذا لم تعطه، فلن يكفر ويفسق ويترك التزامه، بل سيصبر على الجوع والعطش، بخلاف الرجل الحديث العهد بالإسلام، فإنك إذا أعطيته التزم، وسهم المؤلفة قلوبهم أخذ منه كثير من الصحابة الذين تألف النبي ﷺ قلوبهم بالمال، ثم حسن إسلامهم.
فكان عبد الله بن المبارك ﵀ يتعامل بهذه العقلية؛ لأنه إمام فقيه محدث، فكان يجمع بين التجارة والعلم، وانظر إلى دواوين الإسلام، فلا تكاد ترى باباً يخلو من ذكر عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى.
وكذلك أبو حنيفة ﵀ كان تاجراً، والإمام الشافعي ﵀، كانت له تجارة لطيفة وصغيرة.
المقصود: أن طالب العلم ليس من شرطه أن يتفرغ، بل قد يجمع بين العلم وبين التجارة؛ لكن ذلك يحتاج إلى همةٌ عالية.
ابن أبي داود - عبد الله بن أبي داود السجستاني - قال: رحلت إلى أبي سعيد الأشج فاشتريت ثلاثين مداً باقلاء فكان يأكل كل يوم أربع حبات أو خمس حبات.
وليس كما نصنع نحن اليوم، نأخذ (الساندويتش) الفول، ونضع فيه نصف كيلو فول، ونأكله في لمح البصر! قال: فما نفدت الباقلا حتى كنت قد كتبت عن أبي سعيد الأشج ثلاثين ألف حديث.
وكان معه الخبز اليابس الذي لو ضربت به في جلدك ربما جرحك، فكان يذهب إلى الفرات، ويبله فيه حتى يلين ويأكله، وكان مقدار أكله في اليوم الواحد عبارة عن أربع حبات فول مع رغيف واحد.
وواصل هؤلاء الأئمة الكبار الجد والرحلة في طلب العلم، وقل أن تجد الآن رجلاً يجمع بين التجارة والعلم، أي: إما هذه وإما تلك، وإنما البكاء -كما يقول ابن الجوزي ﵀ على خساسة الهمم.
فهذا عمر بن الخطاب ﵁ ينزل يوماً إلى تجارته فيصلحها، وإلى معاشه فينظر فيه، وينزل يوماً إلى الرسول ﵊، وهذه طريقة جيدة حتى لا يفوته شيء من حديث الرسول ﵊.
قال: كنت أتناوب النزول أنا وجار لي من الأنصار، فكان ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزل أتى بخبر الوحي وما قاله النبي ﵊، وإذا نزلت فعلت مثل ذلك.
стр. 526
معاملة النساء بين أهل القرى وأهل المدن
قال: وكنا معشر قريشٍ قوماً نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار، إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم.
وهذا هو الفرق بين أهل المدينة وأهل القرى، أهل القرى عندهم خشونة في معاملة النساء، فمهمتها الخدمة والخلفة فقط، أما المحاورات واللطف والمعاشرة بالمعروف، فليست عند هؤلاء، حتى أن عمر بن الخطاب في هذا الحديث من طريق آخر يقول: فصخبت علي امرأتي فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها.
فقالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟! -هل تظن أننا لا زلنا بمكة؟! - لم تنكر أن أراجعك وهؤلاء أزواج النبي ﷺ يهجرنه الليل حتى الصبح؟! كأنها تقول: لك فيه أسوة، ولي فيه أسوة، وأنا لم أهجرك بل راجعتك، أتنكر علي أن أراجعك.
стр. 527
تأثير البيئة على الإنسان
كل إنسان وليد بيئته، والبيئة تؤثر في الإنسان، ولا ينكر المرء أن البيئة تؤثر فيه، بل حتى المركوب يؤثر في صاحبه، ولست أعني بالمركوب الحذاء، بل ما يركبه الإنسان من الحيوانات فهو يؤثر في صاحبه، ودليلي في هذا من السنة، قول الرسول ﵊: (الكبر والبطر في أهل الخيل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، فالخيل من طبعها أن فيها نوعاً من الكبر، والإنسان حين يركب الخيل يشعر بالعظمة، وكانت هذه هي علامة العظماء آنذاك، كما في حديث أم زرع، الحديث الجميل، قالت أم زرع وهي تصف زوجها السابق؛ لأن أبا زرع طلقها، إذ أنه -كما قالت- (لقى امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، قالت: فنكحت بعده رجلاً سرياً): من سراة الناس وأشرافهم.
(ركب شرياً) الشري: هو أجود أنواع الفرس.
(وأخذ خطياً) الخط: مدينة كانت في البحرين، وكانت الرماح تجلب من الهند إليها، ثم توزع منها على جزيرة العرب، فنسبت السهام إلى الخط، وهي البلد التي توزع منها هذه الرماح.
فالخط: هو الرمح، فزوجها هذا يركب فرساً ولكي يكمل مشهد الفخامة يضع الرمح تحت إبطه وهو راكب.
فهذا الكبر الذي في الفرس ينتقل إلى صاحبه، وأنت تلاحظ هذا في أي إنسان يركب سيارةً فارهة، ونحن عندنا -مثلاً- أحدث نوع من أنواع السيارات هي (المرسيدس) ثمنها مليون وسبعمائة ألف جنيه، هذا ثمن سيارة وهي سيارة (مرسيدس) ضد الرصاص -أي: مصفحة- وأول من أدخلتها مصر راقصة! ولهذا كان اسم هذه السيارة- بكل أسف- (الفاجرة).
وسيارات (المرسيدس) لها أسماء كثيرة مثل (الشنزيرة) و (التمساح) و (الشبح) و (الزنمكة)، و (البودرة).
والبودرة هذه نسبة إلى تجار الهروين؛ لأنها سيارات باهضة الثمن، ولا يستطيع شراءها إلا تجار الهروين فقط، والشبح سموها باسم طائرة الشبح الأمريكية التي شاركت في حرب الخليج.
فعندما يركب الإنسان سيارة فارهة فإنه يحس بالكبر.
حدثني بعض أصحابنا ممن كان يركب هذه السيارات، ثم استبدلها عندما التزم، فكان يحكي لي لما سمع مني هذه المعلومة، قال: أنا أصدق الذي تقول؛ لأنني حين كنت أقود السيارة وارى سيارة أمامي، فإني أظل أضايق صاحبها بالأنوار، وأزعجه ببوق السيارة، وأنظر إليه باحتقار، وأكاد أضربه لماذا؟ لأنه تصور أنه انتقل إليه ثمن السيارة.
ويقول: لما كنت أنزل عند صاحب الفواكه أنزل وأنا مغتر بنفسي، وأقف عند باب (العربية) بشكل ملفت.
وقد أثبتت ذلك الدراسات، والذين يدرسون علم النفس يقولون بهذا، حتى وصل بهم الحال أن يقولوا: إن أكل اللحوم من حيوان معين يمكن أن يكسب الإنسان بعض صفاته.
والبيئة تؤثر في صاحبها.
فالإنسان الذي يعيش في البادية تجده جلداً، يقف في الشمس الساعات الطوال، ولا يدركه نصب ولا تعب ولا أي شيء من هذا وكذلك البيئة الصحراوية تؤثر في أخلاق من يعيش في الصحراء فيكون خلقه صحراوياً أيضاً، مثلما قالت أول امرأة في حديث أم زرع: قالت: (زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل).
فهي تصف زوجها بأنه رجل جاف سيئ الخلق: (زوجي لحم جمل غث)؛ لأن لحوم الجمال أكثر الناس لا يأكلونها إلا نادراً -وهي من لحوم الجمال الجيدة- أما هذا فشبهته بلحم جمل غث، أي: رديء، هذا اللحم من الجمل الغث وضعوه على قمة جبال عالية، فمع رداءته انظر أين وضعوه، (لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) ويا ليت اللحم الذي عليه جيداً فنتحمل المشقة في سبيل جلبه، فهي تشير إلى أنه في سوء خلقه كالجبل الوعر.
ففي القرى كان الرجال يعاملون النساء معاملةً قاسية، ليس للمرأة إلا أن تلد وتخدم الرجل، فلما جاءوا إلى المدينة بلد الحضر، -يقول عمر بن الخطاب ﵁ طفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار.
وهذا من أدب عمر؛ فمع أنه معترض على هذا الخلق الجديد، إلا أنه لم يقل: (فطفق نساؤنا يأخذن من قلة أدب نساء الأنصار) وإنما قال: (يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي رواية: قال: (يأخذن من أرب نساء الأنصار)، والأرب: هو العقل والطريقة.
стр. 528
إعانة الرجل لابنته على طاعة زوجها
قال: فصخبت علي امرأتي ذات يوم فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها.
قالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟! إن أزواج النبي ﷺ يهجرنه الليل حتى الصبح، قال: فأفزعني ذلك.
ولم يفزع على أم سلمة، ولا على عائشة، ولا جويرية، وإنما فزع على ابنته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! وهذا فيه دليل على ضعف الوالد تجاه ولده، وحبه لسلامته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! خابت وخسرت.
قال: ثم نزلت إلى حفصة، فقلت لها: أي بنيتي! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ ، وتهجره الليلة حتى الصبح؟! قالت: نعم.
وفي هذا دليل على أن الهجر يكون ليلة، والنبي ﵊ قال: (إذا باتت المرأة -والبيات لا يكون إلا ليلاً- هاجرةً فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح).
فلو قال شخص: لو أنه دعاها إلى الفراش نهاراً فهجرته، فهل تدخل في الحديث؟ نقول: نعم.
إذاً لماذا ذكر الليل فقط؟ لأن الليل هو داعية الفعل، وليس النهار، فالتقييد بالبيات وذكر الإصباح في الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أي: إذا باتت المرأة بالليل هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، فليس مفهومه أنه يجوز لها أن تهجره بالنهار، فإن القيد إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له عند العلماء.
قال لها: خبت وخسرتِ! وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟! لا تسألي النبي ﷺ ولا تستكثريه وسليني ما بدا لك.
وهذا هو الذي عناه الإمام البخاري في الترجمة، فـ البخاري ذكر الحديث تحت قوله: باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها.
فكذلك ينبغي للآباء أن يسلكوا هذا الخلق القويم: أنه لا يقوي ابنته على زوجها، بل عليه أن يعينها على طاعة زوجها؛ لأن هذا من النبل ومن الوفاء.
بعض الإخوة كثيراً ما يشكوا من ذلك يقول: هل يحق لي أن أقطع رحم زوجتي؟ أي: لا أسمح لها أن تزور أباها ولا أخاها ولا أمها ولا غيرهم.
لماذا يا أخي؟! فقطع الرحم لا يجوز، يقول: كلما ذهبت رجعت ناشزة علي.
حتى أني حضرت بعض المشاكل والمرأة الحمقاء أم الزوجة تعين ابنتها على عصيان زوجها وطلب الطلاق منه، وما هي المصلحة في ذلك؟ وكان الأولى أن تأمرها بالمعروف وتقول لها: يا بنيتي! إن النبي ﵊ أبصر أسماء بنت يزيد فقال لها: (أي هذه! أذات بعلٍ أنت؟ -أي: أمتزوجة أنت-؟ قالت: نعم يا رسول الله.
قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه -أي: لا أقصر في طاعته- قال: فانظري أين أنت منه، فهو جنتك ونارك).
فـ عمر بن الخطاب ﵁، قال: لا تسأليه ولا تغضبيه ولا تستكثريه -أي: لا تكثري من الطلبات- وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ (يعني: عائشة) ومما يدل على عظيم حب النبي ﷺ لعائشة ﵁ وأنها كانت أحب نسائه إليه ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: (أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة قالت فقال لها رسول الله ﷺ أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت بلى قال فأحبي هذه قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة والله لا أكلمه فيها أبدا قالت عائشة فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها قالت فقال رسول الله ﷺ وتبسم إنها ابنة أبي بكر).
هذا يذكرني بالحديث الذي رواه البخاري عن أسماء قالت: تزوجني الزبير بن العوام وما له في الأرض شيء غير ناضح، وقطعة أرض من المدينة، قالت: ذهبت ذات يوم آتي بالنوى، فلقيها النبي ﷺ في بعض طرق المدينة ومعه بعض أصحابه، قالت: فلما رآني أناخ البعير، ودعاني للركوب خلفه، وهو زوج أختها، ثم هو رسول الله ﷺ ، والظاهر من مجموع الأدلة أنه كان محرماً لنساء الأمة، قالت: أسماء: فذكرت الزبير وغيرته فاستحييت.
وكان الزبير بن العوام رجلاً غيوراً، وكان قاسياً، وكان الزبير متزوجاً بامرأتين، وكان إذا أراد أن يضربهن يربط ظفائرهن، ببعض وكانت أسماء لا تحسن أن تدافع عن نفسها، فكانت فتذهب إلى أبيها أبي بكر الصديق تشتكي الزبير، فكان يقول: يا بنيتي! ارجعي، فإن الزبير رجلٌ صالح.
والله إن هذا الجيل الفريد حق له أن يمكن وتصير له دولة في عشر سنوات، لماذا؟ لأنهم كانوا رجال صدقٍ.
تقول أسماء: (فذكرت الزبير وغيرته) برغم أن راحتها أنها تركب خلف الرسول ﵊، لكن تذكرت الزبير وغيرته.
وهذا من الحرص على شعور الزوج، فإذا كان الزوج يغضب من أمر معين، فلا ينبغي للمرأة الوفية المؤمنة أن تفعل ذلك الأمر، وأن تكدر خاطر زوجها وتعكر صفوه.
قالت: فاستحييت؛ فعلم النبي ﷺ ذلك فتركني، فلما رجعت تحكي للزبير بن العوام ما حدث، فقال لها: لمشيك أشد علي من ركوبك خلفه.
стр. 529
حب النبي ﷺ لعائشة
فـ عائشة ﵂ تقول: فنظرت إلى النبي ﷺ هل يكره أن أنتصر.
قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن أنتصر قمت لها فأفحمتها.
فتبسم النبي ﷺ ، وقال: (إنها ابنة أبي بكر) كما نقول في المثل الشعبي: (ابن الوز عوام) أي: لها الحجة القوية مثل أبيها، وحق لها أن تكون مثل أبيها، وهذا يدلك على مدى حب الرسول ﵊ لها، وأيضاً يدلك على كمال خلق النبي ﵊ كيف أنه لم يغضب ولم يضرب هذه مرة وهذه مرة.
وحين نتأمل في حال المتزوجين بامرأتين أو بثلاث أو بأربع وحال الرسول ﷺ ، تشعر أن هناك جانباً من جوانب العظمة في حياة النبي ﷺ مع زوجاته التسع.
يظهر من هذا الحديث كيف كان النبي ﵊ يحب عائشة ﵂، ويفعل معها ما لم يفعله مع أي امرأة، فعند أحمد وغيره أن عائشة قالت: (كنا في غزاة مع النبي ﷺ ، فقال للناس: تقدموا.
فتقدموا، قال: تعالي أسابقك) فهل هناك أحد يعمل مع امرأته ذلك؟ ويقول لها: تعالي أسابقك، أو حتى يلين معها الكلام؟! فكثير من الناس يأنف أنه يعمل ذلك مع زوجته، لكن أنت تخيل فخامة الرسول ﷺ وشموخه وهو يجري بجانب عائشة ﵂، الفتاة الصغيرة التي كان سنها لا يتجاوز الثلاث عشرة سنة.
قالت: (فسابقته فسبقته، قالت: فتركني حتى نسيت) -نسيت هذا السباق- وحملت اللحم -أي: صارت بدينة- وكنت معه في غزوة فقال لهم: (تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك).
فانظر إلى النبي ﷺ كيف كان يترفق بنسائه! وكان يقول: (رفقاً بالقوارير) أي أن المرأة مثل القارورة ومثل الزجاجة، فتحتاج إلى رقة في المعاملة، ويقول ﵊: (إنهن عوان عندكم) أي: المرأة مأسورة، فأول ما تزوجت دخلت السجن مباشرة، لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك إلا إذا طلقتها.
وأيضاً كان أزواج النبي ﷺ يعلمن هذه المكانة لـ عائشة، فمرة حفصة -أو أظن صفية - أغضبت رسول الله ﷺ ، فجاءت إلى عائشة وقالت: إني مستعدة أن أهبك ليلتي وترضيه عني.
فكن يعلمن مكانة عائشة ﵂، فتقول عائشة: فبللت خماري بالماء ففاح عطره، فجلست بجانب النبي ﷺ ، فقال: إليك عني يا عائشة، ليس هذا بيومك.
فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وظلت تترضاه حتى رضي.
جاء في مسند الإمام أحمد أن بعض التابعين سمع من عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم) فاستغرب الأمر، فذهب إلى أم سلمة يسألها، فقال لها: أكان النبي ﷺ يقبلك وهو صائم؟ قالت: لا.
قال لها: فإن عائشة تقول: (إن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم).
فقالت أم سلمة: لعله كان لا يتمالكها حباً، أما إياي فلا.
فهذه حقيقة معروفة من كل من يعرف مكانة عائشة ﵂، ومنهم عمر الذي يقول لابنته: لا تغضبي النبي ﷺ وتقلدي عائشة، فلست مثل عائشة، فهو يحتملها ويمكن أن يغفر لها، وليس لك من المكانة ومن الجمال ما لـ عائشة ﵂.
стр. 530
محبة الصحابة للنبي ﷺ وتعظيمهم له
قال عمر: (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا).
وكان ملك من ملوك غسان يهدد المسلمين، فكان المسلمون على أهبة استعدادهم لمقاتلة هذا الرجل إذا فكر أن يغزو المدينة.
ففي ذات يوم كانت النوبة للأنصار، فجاء إلى دار عمر بن الخطاب وطرق الباب طرقاً شديداً على غير العادة، فخرج له بعض من في البيت قال: أثم هو؟ -أي: هل عمر موجود؟ ففزع عمر وخرج يجرجر إزاره؛ لأنه ربما كان نائماً.
فقال: أجاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم: طلق النبي ﷺ نساءه.
فـ عمر قال: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون؛ لماذا؟ لأن النشوز هذه نهايته، وكل شيء له نهاية، كما قال الله : ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] وعندما يستقر فسوف تعلمون.
فجمع عمر ﵁ ثيابه ونزل إلى حفصة فوجدها تبكي، قال لها: ما يبكيك؟! أولم أكن حذرتك؟! أطلقكن النبي ﷺ ؟ قالت: لا أدري.
فذهب عمر بن الخطاب إلى المسجد، فلما دخل المسجد وجد رهطاً عند المنبر يبكي بعضهم.
فانظر إلى الصحابة ﵃: لو أن واحداً منهم طلقت ابنته فلن يذرف عليها دمعة، لأنه من العيب أن يبكي الرجل على طلاق ابنته عند العرب، فلقد كانوا يدفنوهن وهن أحياء؛ لأنهم كانوا يعتبروهن عاراً عليهم، فهل سيغضب أو سيبكي لأن ابنته طلقت؟! ولكنهم بكوا لأن النبي ﷺ طلق نساءه وتكدر خاطره.
وهذا الحب الكبير للنبي ﵊ هو الفارق ما بين ذلك الجيل الفريد وبين كل الأجيال التي أتت بعد ذلك.
قال عمر: فذهبت إلى المشربة، وكان النبي ﵊ جالساً فيها -والمشربة: الغرفة- وقد أمر رباحاً -الغلام- أن يحفظ الباب.
وفي هذا دليل على جواز أن يتخذ الحاكم حاجباً عند الحاجة، أي: للحراسة، وهؤلاء جائز استخدامهم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ قال: قلت: (لأكونن مع النبي ﷺ سائر يومي.
وخرج فإذا النبي ﷺ دخل بستاناً لبعض الأنصار، وقال له: احفظ الباب.
فجاء أبو بكر، فقال أبو موسى: على رسلك، ودخل إلى النبي ﷺ فقال: أبو بكر بالباب؟ قال: ائذن له وبشره بالجنة.
وكان النبي ﷺ جالساً على بئر وقد كشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، فجاء أبو بكر فجلس عن يمينه وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، قال أبو موسى: فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يريد أخاه وكان قد سبقه في الوضوء وسيأتي وراءه.
قال: فجاء عمر، قلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عمر بالباب؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل، فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر، قال: ثم جاء عثمان، فقلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عثمان بالباب.
فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان: الله المستعان! ودخل عثمان فوجد أن ناحية البئر امتلأت، فجلس في مقابلهم، قال سعيد بن المسيب ﵀: فأولتها قبورهم.
لأن النبي ﷺ لما مات دفن بجانبه أبو بكر، ثم عمر، ودفن عثمان في البقيع).
فهذا فيه دلالة على جواز استخدام الحاجب أيضاً.
ولكن إذا لم تكن هناك ضرورة إلى ذلك، فالأولى عدم اتخاذ الحاجب، كما في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أيضاً: (أن النبي ﵊ مر على امرأة تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري.
فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي.
قالت: ثم علمت أنه رسول الله ﷺ فارتاعت لذلك، فأتت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فأخبرته بما كان من شأنها، فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).
следующие страницы →