← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

معاملة النساء بين أهل القرى وأهل المدن قال: وكنا معشر قريشٍ قوماً نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار، إذا هم قومٌ تغلبهم نساؤهم. وهذا هو الفرق بين أهل المدينة وأهل القرى، أهل القرى عندهم خشونة في معاملة النساء، فمهمتها الخدمة والخلفة فقط، أما المحاورات واللطف والمعاشرة بالمعروف، فليست عند هؤلاء، حتى أن عمر بن الخطاب في هذا الحديث من طريق آخر يقول: فصخبت علي امرأتي فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها. فقالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟! -هل تظن أننا لا زلنا بمكة؟! - لم تنكر أن أراجعك وهؤلاء أزواج النبي ﷺ يهجرنه الليل حتى الصبح؟! كأنها تقول: لك فيه أسوة، ولي فيه أسوة، وأنا لم أهجرك بل راجعتك، أتنكر علي أن أراجعك.

стр. 527

تأثير البيئة على الإنسان كل إنسان وليد بيئته، والبيئة تؤثر في الإنسان، ولا ينكر المرء أن البيئة تؤثر فيه، بل حتى المركوب يؤثر في صاحبه، ولست أعني بالمركوب الحذاء، بل ما يركبه الإنسان من الحيوانات فهو يؤثر في صاحبه، ودليلي في هذا من السنة، قول الرسول ﵊: (الكبر والبطر في أهل الخيل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)، فالخيل من طبعها أن فيها نوعاً من الكبر، والإنسان حين يركب الخيل يشعر بالعظمة، وكانت هذه هي علامة العظماء آنذاك، كما في حديث أم زرع، الحديث الجميل، قالت أم زرع وهي تصف زوجها السابق؛ لأن أبا زرع طلقها، إذ أنه -كما قالت- (لقى امرأةً معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، قالت: فنكحت بعده رجلاً سرياً): من سراة الناس وأشرافهم. (ركب شرياً) الشري: هو أجود أنواع الفرس. (وأخذ خطياً) الخط: مدينة كانت في البحرين، وكانت الرماح تجلب من الهند إليها، ثم توزع منها على جزيرة العرب، فنسبت السهام إلى الخط، وهي البلد التي توزع منها هذه الرماح. فالخط: هو الرمح، فزوجها هذا يركب فرساً ولكي يكمل مشهد الفخامة يضع الرمح تحت إبطه وهو راكب. فهذا الكبر الذي في الفرس ينتقل إلى صاحبه، وأنت تلاحظ هذا في أي إنسان يركب سيارةً فارهة، ونحن عندنا -مثلاً- أحدث نوع من أنواع السيارات هي (المرسيدس) ثمنها مليون وسبعمائة ألف جنيه، هذا ثمن سيارة وهي سيارة (مرسيدس) ضد الرصاص -أي: مصفحة- وأول من أدخلتها مصر راقصة! ولهذا كان اسم هذه السيارة- بكل أسف- (الفاجرة). وسيارات (المرسيدس) لها أسماء كثيرة مثل (الشنزيرة) و (التمساح) و (الشبح) و (الزنمكة)، و (البودرة). والبودرة هذه نسبة إلى تجار الهروين؛ لأنها سيارات باهضة الثمن، ولا يستطيع شراءها إلا تجار الهروين فقط، والشبح سموها باسم طائرة الشبح الأمريكية التي شاركت في حرب الخليج. فعندما يركب الإنسان سيارة فارهة فإنه يحس بالكبر. حدثني بعض أصحابنا ممن كان يركب هذه السيارات، ثم استبدلها عندما التزم، فكان يحكي لي لما سمع مني هذه المعلومة، قال: أنا أصدق الذي تقول؛ لأنني حين كنت أقود السيارة وارى سيارة أمامي، فإني أظل أضايق صاحبها بالأنوار، وأزعجه ببوق السيارة، وأنظر إليه باحتقار، وأكاد أضربه لماذا؟ لأنه تصور أنه انتقل إليه ثمن السيارة. ويقول: لما كنت أنزل عند صاحب الفواكه أنزل وأنا مغتر بنفسي، وأقف عند باب (العربية) بشكل ملفت. وقد أثبتت ذلك الدراسات، والذين يدرسون علم النفس يقولون بهذا، حتى وصل بهم الحال أن يقولوا: إن أكل اللحوم من حيوان معين يمكن أن يكسب الإنسان بعض صفاته. والبيئة تؤثر في صاحبها. فالإنسان الذي يعيش في البادية تجده جلداً، يقف في الشمس الساعات الطوال، ولا يدركه نصب ولا تعب ولا أي شيء من هذا وكذلك البيئة الصحراوية تؤثر في أخلاق من يعيش في الصحراء فيكون خلقه صحراوياً أيضاً، مثلما قالت أول امرأة في حديث أم زرع: قالت: (زوجي لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل). فهي تصف زوجها بأنه رجل جاف سيئ الخلق: (زوجي لحم جمل غث)؛ لأن لحوم الجمال أكثر الناس لا يأكلونها إلا نادراً -وهي من لحوم الجمال الجيدة- أما هذا فشبهته بلحم جمل غث، أي: رديء، هذا اللحم من الجمل الغث وضعوه على قمة جبال عالية، فمع رداءته انظر أين وضعوه، (لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل) ويا ليت اللحم الذي عليه جيداً فنتحمل المشقة في سبيل جلبه، فهي تشير إلى أنه في سوء خلقه كالجبل الوعر. ففي القرى كان الرجال يعاملون النساء معاملةً قاسية، ليس للمرأة إلا أن تلد وتخدم الرجل، فلما جاءوا إلى المدينة بلد الحضر، -يقول عمر بن الخطاب ﵁ طفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار. وهذا من أدب عمر؛ فمع أنه معترض على هذا الخلق الجديد، إلا أنه لم يقل: (فطفق نساؤنا يأخذن من قلة أدب نساء الأنصار) وإنما قال: (يأخذن من أدب نساء الأنصار) وفي رواية: قال: (يأخذن من أرب نساء الأنصار)، والأرب: هو العقل والطريقة.

стр. 528

إعانة الرجل لابنته على طاعة زوجها قال: فصخبت علي امرأتي ذات يوم فراجعتني، فتناولت قضيباً فضربتها. قالت: أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟! إن أزواج النبي ﷺ يهجرنه الليل حتى الصبح، قال: فأفزعني ذلك. ولم يفزع على أم سلمة، ولا على عائشة، ولا جويرية، وإنما فزع على ابنته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! وهذا فيه دليل على ضعف الوالد تجاه ولده، وحبه لسلامته، قال: أو تفعل حفصة ذلك؟! خابت وخسرت. قال: ثم نزلت إلى حفصة، فقلت لها: أي بنيتي! أتغاضب إحداكن النبي ﷺ ، وتهجره الليلة حتى الصبح؟! قالت: نعم. وفي هذا دليل على أن الهجر يكون ليلة، والنبي ﵊ قال: (إذا باتت المرأة -والبيات لا يكون إلا ليلاً- هاجرةً فراش زوجها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح). فلو قال شخص: لو أنه دعاها إلى الفراش نهاراً فهجرته، فهل تدخل في الحديث؟ نقول: نعم. إذاً لماذا ذكر الليل فقط؟ لأن الليل هو داعية الفعل، وليس النهار، فالتقييد بالبيات وذكر الإصباح في الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أي: إذا باتت المرأة بالليل هاجرةً فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح، فليس مفهومه أنه يجوز لها أن تهجره بالنهار، فإن القيد إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له عند العلماء. قال لها: خبت وخسرتِ! وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي؟! لا تسألي النبي ﷺ ولا تستكثريه وسليني ما بدا لك. وهذا هو الذي عناه الإمام البخاري في الترجمة، فـ البخاري ذكر الحديث تحت قوله: باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها. فكذلك ينبغي للآباء أن يسلكوا هذا الخلق القويم: أنه لا يقوي ابنته على زوجها، بل عليه أن يعينها على طاعة زوجها؛ لأن هذا من النبل ومن الوفاء. بعض الإخوة كثيراً ما يشكوا من ذلك يقول: هل يحق لي أن أقطع رحم زوجتي؟ أي: لا أسمح لها أن تزور أباها ولا أخاها ولا أمها ولا غيرهم. لماذا يا أخي؟! فقطع الرحم لا يجوز، يقول: كلما ذهبت رجعت ناشزة علي. حتى أني حضرت بعض المشاكل والمرأة الحمقاء أم الزوجة تعين ابنتها على عصيان زوجها وطلب الطلاق منه، وما هي المصلحة في ذلك؟ وكان الأولى أن تأمرها بالمعروف وتقول لها: يا بنيتي! إن النبي ﵊ أبصر أسماء بنت يزيد فقال لها: (أي هذه! أذات بعلٍ أنت؟ -أي: أمتزوجة أنت-؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه -أي: لا أقصر في طاعته- قال: فانظري أين أنت منه، فهو جنتك ونارك). فـ عمر بن الخطاب ﵁، قال: لا تسأليه ولا تغضبيه ولا تستكثريه -أي: لا تكثري من الطلبات- وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ (يعني: عائشة) ومما يدل على عظيم حب النبي ﷺ لعائشة ﵁ وأنها كانت أحب نسائه إليه ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: (أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة قالت فقال لها رسول الله ﷺ أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت بلى قال فأحبي هذه قالت فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ فقلن لها ما نراك أغنيت عنا من شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة فقالت فاطمة والله لا أكلمه فيها أبدا قالت عائشة فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة قالت فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها قالت فقال رسول الله ﷺ وتبسم إنها ابنة أبي بكر). هذا يذكرني بالحديث الذي رواه البخاري عن أسماء قالت: تزوجني الزبير بن العوام وما له في الأرض شيء غير ناضح، وقطعة أرض من المدينة، قالت: ذهبت ذات يوم آتي بالنوى، فلقيها النبي ﷺ في بعض طرق المدينة ومعه بعض أصحابه، قالت: فلما رآني أناخ البعير، ودعاني للركوب خلفه، وهو زوج أختها، ثم هو رسول الله ﷺ ، والظاهر من مجموع الأدلة أنه كان محرماً لنساء الأمة، قالت: أسماء: فذكرت الزبير وغيرته فاستحييت. وكان الزبير بن العوام رجلاً غيوراً، وكان قاسياً، وكان الزبير متزوجاً بامرأتين، وكان إذا أراد أن يضربهن يربط ظفائرهن، ببعض وكانت أسماء لا تحسن أن تدافع عن نفسها، فكانت فتذهب إلى أبيها أبي بكر الصديق تشتكي الزبير، فكان يقول: يا بنيتي! ارجعي، فإن الزبير رجلٌ صالح. والله إن هذا الجيل الفريد حق له أن يمكن وتصير له دولة في عشر سنوات، لماذا؟ لأنهم كانوا رجال صدقٍ. تقول أسماء: (فذكرت الزبير وغيرته) برغم أن راحتها أنها تركب خلف الرسول ﵊، لكن تذكرت الزبير وغيرته. وهذا من الحرص على شعور الزوج، فإذا كان الزوج يغضب من أمر معين، فلا ينبغي للمرأة الوفية المؤمنة أن تفعل ذلك الأمر، وأن تكدر خاطر زوجها وتعكر صفوه. قالت: فاستحييت؛ فعلم النبي ﷺ ذلك فتركني، فلما رجعت تحكي للزبير بن العوام ما حدث، فقال لها: لمشيك أشد علي من ركوبك خلفه.

стр. 529

حب النبي ﷺ لعائشة فـ عائشة ﵂ تقول: فنظرت إلى النبي ﷺ هل يكره أن أنتصر. قالت: فلما علمت أنه لا يكره أن أنتصر قمت لها فأفحمتها. فتبسم النبي ﷺ ، وقال: (إنها ابنة أبي بكر) كما نقول في المثل الشعبي: (ابن الوز عوام) أي: لها الحجة القوية مثل أبيها، وحق لها أن تكون مثل أبيها، وهذا يدلك على مدى حب الرسول ﵊ لها، وأيضاً يدلك على كمال خلق النبي ﵊ كيف أنه لم يغضب ولم يضرب هذه مرة وهذه مرة. وحين نتأمل في حال المتزوجين بامرأتين أو بثلاث أو بأربع وحال الرسول ﷺ ، تشعر أن هناك جانباً من جوانب العظمة في حياة النبي ﷺ مع زوجاته التسع. يظهر من هذا الحديث كيف كان النبي ﵊ يحب عائشة ﵂، ويفعل معها ما لم يفعله مع أي امرأة، فعند أحمد وغيره أن عائشة قالت: (كنا في غزاة مع النبي ﷺ ، فقال للناس: تقدموا. فتقدموا، قال: تعالي أسابقك) فهل هناك أحد يعمل مع امرأته ذلك؟ ويقول لها: تعالي أسابقك، أو حتى يلين معها الكلام؟! فكثير من الناس يأنف أنه يعمل ذلك مع زوجته، لكن أنت تخيل فخامة الرسول ﷺ وشموخه وهو يجري بجانب عائشة ﵂، الفتاة الصغيرة التي كان سنها لا يتجاوز الثلاث عشرة سنة. قالت: (فسابقته فسبقته، قالت: فتركني حتى نسيت) -نسيت هذا السباق- وحملت اللحم -أي: صارت بدينة- وكنت معه في غزوة فقال لهم: (تقدموا ثم قال: تعالي أسابقك، قالت: فسابقته فسبقني، فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك). فانظر إلى النبي ﷺ كيف كان يترفق بنسائه! وكان يقول: (رفقاً بالقوارير) أي أن المرأة مثل القارورة ومثل الزجاجة، فتحتاج إلى رقة في المعاملة، ويقول ﵊: (إنهن عوان عندكم) أي: المرأة مأسورة، فأول ما تزوجت دخلت السجن مباشرة، لماذا؟ لأنها لا تستطيع أن تتزوج غيرك إلا إذا طلقتها. وأيضاً كان أزواج النبي ﷺ يعلمن هذه المكانة لـ عائشة، فمرة حفصة -أو أظن صفية - أغضبت رسول الله ﷺ ، فجاءت إلى عائشة وقالت: إني مستعدة أن أهبك ليلتي وترضيه عني. فكن يعلمن مكانة عائشة ﵂، فتقول عائشة: فبللت خماري بالماء ففاح عطره، فجلست بجانب النبي ﷺ ، فقال: إليك عني يا عائشة، ليس هذا بيومك. فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وظلت تترضاه حتى رضي. جاء في مسند الإمام أحمد أن بعض التابعين سمع من عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم) فاستغرب الأمر، فذهب إلى أم سلمة يسألها، فقال لها: أكان النبي ﷺ يقبلك وهو صائم؟ قالت: لا. قال لها: فإن عائشة تقول: (إن النبي ﷺ كان يقبلها وهو صائم). فقالت أم سلمة: لعله كان لا يتمالكها حباً، أما إياي فلا. فهذه حقيقة معروفة من كل من يعرف مكانة عائشة ﵂، ومنهم عمر الذي يقول لابنته: لا تغضبي النبي ﷺ وتقلدي عائشة، فلست مثل عائشة، فهو يحتملها ويمكن أن يغفر لها، وليس لك من المكانة ومن الجمال ما لـ عائشة ﵂.

стр. 530

محبة الصحابة للنبي ﷺ وتعظيمهم له قال عمر: (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا). وكان ملك من ملوك غسان يهدد المسلمين، فكان المسلمون على أهبة استعدادهم لمقاتلة هذا الرجل إذا فكر أن يغزو المدينة. ففي ذات يوم كانت النوبة للأنصار، فجاء إلى دار عمر بن الخطاب وطرق الباب طرقاً شديداً على غير العادة، فخرج له بعض من في البيت قال: أثم هو؟ -أي: هل عمر موجود؟ ففزع عمر وخرج يجرجر إزاره؛ لأنه ربما كان نائماً. فقال: أجاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم: طلق النبي ﷺ نساءه. فـ عمر قال: قد كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون؛ لماذا؟ لأن النشوز هذه نهايته، وكل شيء له نهاية، كما قال الله : ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] وعندما يستقر فسوف تعلمون. فجمع عمر ﵁ ثيابه ونزل إلى حفصة فوجدها تبكي، قال لها: ما يبكيك؟! أولم أكن حذرتك؟! أطلقكن النبي ﷺ ؟ قالت: لا أدري. فذهب عمر بن الخطاب إلى المسجد، فلما دخل المسجد وجد رهطاً عند المنبر يبكي بعضهم. فانظر إلى الصحابة ﵃: لو أن واحداً منهم طلقت ابنته فلن يذرف عليها دمعة، لأنه من العيب أن يبكي الرجل على طلاق ابنته عند العرب، فلقد كانوا يدفنوهن وهن أحياء؛ لأنهم كانوا يعتبروهن عاراً عليهم، فهل سيغضب أو سيبكي لأن ابنته طلقت؟! ولكنهم بكوا لأن النبي ﷺ طلق نساءه وتكدر خاطره. وهذا الحب الكبير للنبي ﵊ هو الفارق ما بين ذلك الجيل الفريد وبين كل الأجيال التي أتت بعد ذلك. قال عمر: فذهبت إلى المشربة، وكان النبي ﵊ جالساً فيها -والمشربة: الغرفة- وقد أمر رباحاً -الغلام- أن يحفظ الباب. وفي هذا دليل على جواز أن يتخذ الحاكم حاجباً عند الحاجة، أي: للحراسة، وهؤلاء جائز استخدامهم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى ﵁ قال: قلت: (لأكونن مع النبي ﷺ سائر يومي. وخرج فإذا النبي ﷺ دخل بستاناً لبعض الأنصار، وقال له: احفظ الباب. فجاء أبو بكر، فقال أبو موسى: على رسلك، ودخل إلى النبي ﷺ فقال: أبو بكر بالباب؟ قال: ائذن له وبشره بالجنة. وكان النبي ﷺ جالساً على بئر وقد كشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، فجاء أبو بكر فجلس عن يمينه وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر، قال أبو موسى: فقلت: إن يرد الله بفلان خيراً يأت به -يريد أخاه وكان قد سبقه في الوضوء وسيأتي وراءه. قال: فجاء عمر، قلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عمر بالباب؟ فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل، فجلس بجانب أبي بكر ودلى رجليه في البئر، قال: ثم جاء عثمان، فقلت: على رسلك، فقلت لرسول الله: عثمان بالباب. فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فقال عثمان: الله المستعان! ودخل عثمان فوجد أن ناحية البئر امتلأت، فجلس في مقابلهم، قال سعيد بن المسيب ﵀: فأولتها قبورهم. لأن النبي ﷺ لما مات دفن بجانبه أبو بكر، ثم عمر، ودفن عثمان في البقيع). فهذا فيه دلالة على جواز استخدام الحاجب أيضاً. ولكن إذا لم تكن هناك ضرورة إلى ذلك، فالأولى عدم اتخاذ الحاجب، كما في الحديث الذي رواه البخاري وغيره أيضاً: (أن النبي ﵊ مر على امرأة تبكي عند قبر جديد، فقال: يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي. قالت: ثم علمت أنه رسول الله ﷺ فارتاعت لذلك، فأتت بيته فلم تجد حاجباً ولا بواباً، فأخبرته بما كان من شأنها، فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

стр. 531

استحباب الاستئذان فاتخذ النبي ﷺ رباحاً حاجباً على الباب، فجاء عمر فاستأذن، وقال له: استأذن لـ عمر. وفي هذا دليل على استحباب أن يسمي المرء نفسه إذا استأذن، وفي هذا حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في صحيح مسلم، قال: (استأذنت على النبي ﷺ فقال: من؟ قلت: أنا. فسمعته من خلف الباب يقول: أنا أنا! كأنه كرهها). يقول ابن الجوزي: إنما كرهها النبي ﷺ لأن فيها نوعاً من الكبر، كأنما يقول: أنا الذي لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا تعريف نسبي، وكلمة (أنا) هي التي أهلكت إبليس لما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]. فلعل قائلاً أن يقول: في قصة صاحب الجنة المتكبر في سورة الكهف لما تحاور مع صاحبه استخدم المؤمن كلمة (أنا) أيضاً، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، فرد عليه المؤمن وقال: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف:٣٩ - ٤٠]، فلماذا استخدم المؤمن كلمة (أنا)؟ نقول: الفرق بين استخدام المؤمن لـ (أنا) واستخدام المتكبر لـ (أنا): أن (أنا) عند الرجل المتكبر هي محور الارتكاز، بحيث أنك لو فرغت كلامه من (أنا) لا تجد لكلامه معنى، فكلامه يدور حول تمجيد نفسه، بخلاف المؤمن فقد يقول: (أنا) عرضاً؛ ولكنه لا يدور عليها ولا يعتبرها كاعتبار المتكبر لها. فهيا بنا نطبق هذا الكلام على الآيتين: الرجل الذي طغى قال: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، احذف (أنا) من الكلام واقرأ: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكثر منك مالاً) فإنك ترى الكلام غير مستقيم، لكن إن حذفت (أنا) من كلام المؤمن فسيبقى مستقيماً، ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩] احذف (أنا): (إن ترن أقل منك مالاً وولداً)، ألا ترى أن الكلام مستقيم؟! وإنما ذكر (أنا) في مقابل (أنا) فقط، وكما حدث لقارون لما وعظه قومه فطغى عليهم وبغى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] إنما هذا الذي جمعته بعبقريتي وذكائي وجدي وحساباتي الدقيقة، فهذا أيضاً يدور حول نفسه. فلذلك الرسول ﵊ كره أن يقول الرجل المجهول الذي لا يعرفه صاحب الدار: (أنا)، والسنة أن تعرف نفسك. ولذلك قال عمر: (جئت فقلت: استأذن لـ عمر -فسمى نفسه- قال: فدخل ثم رجع، وقال: ذكرتك له، فصمت). وفي هذا دليل على أنه ليس كل سكوتٍ علامة الرضا. ولم يفهم عمر بن الخطاب أن السكوت علامة رضا، بدليل أنه لم يدخل.

стр. 532

سياق الكلام يكشف معناه إذاً ما هي حكاية أن السكوت علامة الرضا؟ هل هذا الكلام صحيح؟ نقول: نعم، صحيح، ولكن في نكاح البكر، فالنبي ﵊ قال: (تستأمر البكر، فقالوا: يا رسول الله! إن البكر تستحيي. قال: إذنها سكوتها) فسكوت البكر علامة على رضاها، فلأبيها أن يمضي العقد لمجرد سكوتها. ربما يقول قائل: فكيف نفرق إذاً بين السكوت الذي هو علامة الرضا والسكوت الذي هو علامة السخط؟ نقول: بالسياق، وعلماء الأصول يقولون: (السياق من المقيدات). فالسياق: هو الذي يرشدك إلى المعنى، فمثلاً التبسم: هناك رجل يتبسم تبسم رضاً، ورجل يتبسم تبسم المغضب، أما تبسم المغضب، فكما في حديث كعب بن مالك في الصحيحين، قال: (فلما قفل النبي ﷺ راجعاً حضرني همي -ثم ساق كلاماً- قال: فجئته، فلما رآني تبسَّم تبسُّم المغضب، وقال لي: ما خلفك؟) إذاً هذا تبسم المغضب. في قصة سليمان ﵇ لما سمع النملة وهي تقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] فالله ماذا قال؟ قال: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل:١٩]، فلماذا قال: (ضاحكاً) هنا؟ ليدلك على أن هذا التبسم علامة رضا، وليس لأنه ملك وأن النملة تتكلم وتقول: (لا يحطمنكم)؛ فكأنها قالت له: اتق الله، لم يغضب من كلام النملة بل تبسم (ضاحكاً) هذه أعلمتنا أن التبسم علامة رضا، وأن سليمان رضي ولم يغضب من قول النملة. كذلك الترخيم، والترخيم: أن تحذف بعض حروف الكلمة على سبيل التدليل، وقد كان النبي ﷺ يحب يدلل عائشة فكان يقول لها: يا عائش. وليس: يا عائشة، وكان يقول لـ أسامة بن زيد: يا أسيم. والترخيم هذا فيه دلالة على مزيد الحب. وأذكر قصة أن النبي ﷺ استعمل هذا مع عائشة ﵂؛ حتى أريك أن السياق هو الذي بين لنا أن هذا الترخيم خرج مخرج الحب. فروى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ إنه لما كانت ليلتي التي هي لي جاء ففتح الباب رويداً رويداً، وحمل نعله ومشى رويداً رويداً، ووضع جنبه على الفراش رويداً رويداً - (رويداً رويداً) بهدوءٍ شديد- وما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش -وهي تحت اللحاف مستيقظة، وترى كل شيء، والنبي ﷺ يتصور أنها نائمة- ثم قام رويداً رويداً، وأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق -فحين خرج الرسول ﵊ خرجت هي من تحت اللحاف مباشرةً- قالت: فتقنعت إزاري، وانطلقت وراءه، وظللت أمشي وراءه، والنبي ﵊ ذاهب إلى البقيع، ورفع يديه ثلاثاً يرفعها ويخفضها، ويرفعها ويخفضها، قالت: ثم انحرف راجعاً فانحرفتُ، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحسر -أي: مشى بهدوء- فأحسرت وسبقته) فهو يرى الذي أمامه ولكن لا يعلم من هو، أول ما دخلت إلى الحجرة دخلت تحت اللحاف وتغطت به كأن شيئاً لم يكن، ولكن النبي ﷺ حين دخل وجد أن اللحاف ينخفض ويرتفع بحركة مستمرة، وهو قد تركها نائمة، فما هذا الذي جد؟ فقال: (مالك يا عائش؟ هذا هو الشاهد: مالك يا عائش: حشياً رابية -أي: هل ألم بك مرض خطير فجأة-؟). فالسياق فيه لطف وشفقة، إذاً الترخيم هنا علامة حب، بدليل السياق، قال: (ما لك يا عائش؟ حشياً رابية؟ قالت: لا شيء. قال لها: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير. فقالت: يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله -في رواية أخرى أنه قال: نعم- فقصت عليه الخبر، قال لها: أنتِ السواد الذي كان أمامي؟ قالت: نعم. قالت: فضربني في صدري فلهذني -وفي رواية أخرى: فلهدني، بالدال المهملة- في صدري لهدة أوجعتني -أي: ضربها بمجامع يده في صدرها- وقال لها: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟!). فهي ظنت أنه ذاهب إلى أم سلمة، أو إلى جويرية، أو إلى زينب، وهي لم تفكر في المسألة إلا بعقلية المرأة؛ وهذا الظن له شاهد من صحيح مسلم، فلعل بعض الناس يقول: وما أدراك أن عائشة ظنت ذلك؟ فأقول: هذا الظن فيه نص في صحيح مسلم عن عائشة أيضاً، قالت: (كان النبي ﷺ نائماً بجانبي، قالت: فتحسسته فلم أجده، فظننت أنه ذهب لبعض نسائه، فنزلتُ -لأنها كانت نائمة على السرير، ولم يكن في البيوت مصابيح- فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد، يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، أعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. فقالت عائشة: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنك لفي شأنٍ وأنا في شأنٍ آخر). وروى مسلم أيضاً في صحيحه عن عائشة قالت: (خرج النبي ﷺ من عندي فغرت، فرجع فرآني غيرة، قال: مالك؟ أغرت؟ قالت: وما لمثلي لا يغار على مثلك) لفظ آخر قال لها: (أجاءك شيطانك؟ فقالت لرسول الله: أوليس لك شيطان؟) فـ عائشة كانت ذكية في تغيير دفة الحوار، فالمرأة الذكية تتعلم، ولا تقعد زوجها على كرسي الاعتراف وتقول له: أين ذهبت وماذا عملت؟ لا، والرجل يحاول أن يلملم الموضوع، وهي تقول له: لا تلملم الموضوع، لابد أن أعرف بالتفصيل الممل ما الذي حصل. نقول لها: تعلمي من عائشة. قالت له: (أوليس لك شيطان؟ قال: بلى، ولكن الله أعانني عليه فأسلم). فقال: (أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله، هو جبريل أتاني فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وكرهت أن أوقظك فتستوحشي) وأنت تعلم أن المرأة جبانة، ولاسيما إذا كانت صغيرة. فالنبي ﵊ سيتركها وحيدة، ولم يكن في البيوت مصابيح آنذاك، وليس لها ولدٌ تتسلى به، فكره أن يوقظها فتستوحش. قال: (فقال لي: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. فقالت: وكيف أقول إذا مررت عليهم يا رسول الله؟ -انظر إلى ذكائها وتأمل كيف غيرت دفة الكلام! - قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع) الحديث. فالمقصود أن السياق هو الذي يبين لك إذا كان الترخيم المقصود منه التدليل والرحمة والحب، أو المقصود منه السخط أو الشدة كما في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (يؤتى برجلٍ يوم القيامة فيقول الله له: أي فل - فل: اختصار وترخيم: يا فلان- ألم أذرك ترأس وتربع، وأزوجك من النساء، وأكسبك من الخيل والإبل؟! فأين شكرك؟! قال: أي رب! نسيت. قال: اليوم أنساك). فانظر إلى كلمة (أي فل) فهذا ترخيم، ولكن السياق دلنا على أنه ليس المقصود به الترخيم السابق، مثل: يا عائش، ويا أسيم، ونحو ذلك. فـ عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت. ففهم عمر بن الخطاب أن السكوت ليس علامة رضا فذهب وجلس عند المنبر، قال: فغلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج قال: ذكرت له فصمت، فذهب وجلس عند المنبر، قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فانصرف عمر، فلما وصل إلى باب المسجد إذا بالغلام يناديه: قد أذن لك. فدخل عمر بن الخطاب ﵁، قال: (فرأيت النبي ﷺ مضطجعاً على رمال حصيرٍ قد أثر الحصير في جنبه).

стр. 533

الصحابة وحرصهم على إرضاء النبي ﷺ قال: (فأردت أن أستأنس) وهذا من فطنة عمر ومن ذكائه، فالرسول ﵊ غضبان، فلابد أن يحدث عمر جواً من البهجة ومن الود حتى يستطيع أن يتكلم. يقول: (فقلت: يا رسول الله! لو رأيتنا معشر قريشٍ قومٌ نغلب نساءنا، فقدمنا على إخواننا من الأنصار فإذا هم قوم تغلبهم نساؤهم. فتبسم الرسول ﵊. يقول: يا رسول الله! أنت أخذت بسيرة الأنصار فهجرنك ونشزن عليك، فلو أخذت بسيرة القرشيين ما وصل الحال إلى ما وصل إليه. وسكوت النبي ﵊ على ذلك فيه دلالة على أنه رضي سلوك الأنصار في معاملة النساء، ففي سنن أبي داود: (أن النبي ﷺ جاءه نساء يشتكينه أن أزواجهن يضربونهن، فمنع من ضرب النساء، فجاء عمر فقال: يا رسول الله! ذئرن النساء على أزواجهن). فالرسول ﵊ أذن لهم في الضرب، قال: فما بقي بيتٌ إلا فيه ضرب. فطاف على النبي ﷺ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، فقال النبي ﷺ : (لقد طاف على آل محمدٍ سبعون امرأة كلهن يشتكين أزواجهن، وليس أولئك خياركم) أي: ليس الذين يضربون هم خياركم لماذا؟ لأن النبي ﵊ خيرهم ولم يضرب نساءه ولا ينبغي ضربهن إلا أن ينتهكن حرمات الله . قال عمر: (فتبسم النبي ﷺ ؛ وعمر يريد أن يخلق جواً من الأُنس، حتى يلطف عن الرسول ﵊ ما به، وقد كان بعض الصحابة يمزحون في حضرة النبي ﷺ ، حتى أنه كان هناك صحابي يلقب حماراً، وكان يضحك النبي ﵊، وكان النبي ﷺ يحبه، فلما جيء به وقد شرب الخمر، جلد فلعنه أحد الصحابة، فقال له النبي ﷺ : (لا تعن الشيطان على أخيك) وقال في الرواية الأخرى: (إنه يحب الله ورسوله) فيمكن أن يجتمع حب الله ورسوله في قلب العبد مع بعض المعاصي التي يتلبس بها. وأيضاً صحابي جليل لا يعرفه كثير من المسلمين، اسمه زاهر، روى الترمذي حديثه في الشمائل، وكان زاهر دميم الوجه، وكان النبي ﷺ يحبه، وكان زاهر لطيفاً، فأبصره ﵊ ذات يوم في السوق، وكان زاهر من البادية يأتي إلى السوق أحياناً ليبيع ويشتري، فلما رآه النبي ﷺ ، جاء من ورائه وأغمى على عينيه، فجعل زاهر يقول: مَن مَن؟!! ويحرك يده، فلما وضع يده على يد النبي ﷺ عرفه، وكانت يد النبي ﷺ كما قال أنس: (ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ فلما عرف أنه النبي ﷺ جعل يلصق ظهره ببطن الرسول ﵊، فقال النبي ﷺ بأعلى صوته في السوق: (من يشتري هذا العبد؟ فقال زاهر: إذاً يا رسول الله تجدني كاسداً -أي: بضاعة خاسرة- قال له: لا، ولكنك عند الله لست بكاسد -وفي الرواية الأخرى- قال: لا، ولكنك عند الله غال). فإحداث جو من الأنس كان يعمله بعض الصحابة، فـ عمر بن الخطاب لما رأى النبي متكدراً أراد أن يحدث هذا الجو، فلما تبسم النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ قال: فتبسم النبي ﷺ تبسمة أخرى، فجلست). وجعل عمر بن الخطاب يدير عينيه في الغرفة، فلم ير فيها شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاثة. ولو أن أحدكم دخل بيت بعض الأمراء أو بعض الأثرياء ونظر إلى الحيطان وإلى النمارق والسجاد، لرأى قمة الأبهة والفخامة، فـ عمر بن الخطاب ينظر إلى بيت النبي ﷺ ماذا فيه، فلم ير شيئاً يملأ العين غير ثلاثة جلود -جلود مدبوغة- هذا هو الموجود في بيت الرسول ﵊. فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. قال عمر: وكان متكئاً فجلس) (جلس) أي: اعتدل. وهنا طرفة حدثت بين الكسائي وبين هارون الرشيد، وكان الكسائي يهذب هارون الرشيد ويعلمه، فدخل الكسائي على هارون فقال له الرشيد: اجلس. فقال له: بل (اقعد) يا أمير المؤمنين؛ -أي: لا تقل: اجلس، ولكن قل: اقعد، قال: وما الفرق؟ قال: القعود من القيام، والجلوس من الاتكاء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 534

ذم الكبر إن الكبر من المهلكات التي قد تصيب أي إنسان، والحذر منه فرض عين على كل مسلم، فهو من الأمراض التي قد يصاب بها المرء وهو لا يشعر، فيجب على المسلم أن يروض نفسه ويعودها على تذكر أصل نشأتها، حتى لا تستعلي على أحد من خلق الله تعالى.

стр. 535

شرح حديث وصية نوح ﵇ لابنيه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج النسائي في سننه، والبخاري في الأدب المفرد، وأحمد في المسند، والبزار والحاكم والبيهقي وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (أتى أعرابي من البادية عليه جبة من طيالسة، مكفوفة بديباج أو مزرورة بديباج فلما رآه النبي ﷺ قال: إن صاحبكم هذا هذا يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، وأن يرفع كل راعٍ ابن راعٍ، ثم قام إليه فجذبه بمجامع جبته، وقال له: أرى عليك ثياب من لا يعقل، ثم تركه، وقال ﷺ : إن نوحاً قال لابنه -وفي رواية لـ أحمد-: (إن نوحاً قال لابنَيه: إني قاصرٌ عليكما الوصية) هذا لفظ لـ أحمد، وهناك لفظ آخر لـ أحمد وغيره: قال: (إني قاص عليكما الوصية. إن نبي الله نوحاً ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنه أو قال لابنيه: إني قاصرٌ أو قاصٌّ عليكما الوصية: أوصيكم باثنتين وأنهاكما عن اثنتين، أوصيكما ب (لا إله إلا الله)؛ (فإن لا إله إلا الله) إذا وضعت في كفة ووضعت السماوات والأرض في كفة لرجحت بهن (لا إله إلا الله)، فلو كانت السماوات والأرض حلقة مبهمة -أي: مصمتة جامدة- لفصمتهن أو لقصمتهن (لا إله إلا الله)، وأوصيكم بـ (سبحان الله وبحمده) فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق، وأنهاكما عن الشرك والكبر - في رواية أحمد - قال رجل: يا رسول الله! إني أحب أن يكون لي نعلين حسنتين لهما شراكان حسنان، أفهذا كِبْر؟ قال: لا. قال: فإني أحب أن يكون لي حلة، أفهذا كِبْر؟ قال: لا. قال: فإني أحب أن يكون لي صحبة، أهذا كِبْر؟ قال: لا. فقالوا: فما الكِبْر؟ قال: الكِبْر بطر الحق وغمط الناس -وفي رواية للحاكم - قال ﵊: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس). هذا حديث جليل وهو من القصص الصحيحة التي قصها علينا النبي ﵌. أخرج الطحاوي ﵀ في شرح معاني الآثار هذا الحديث مختصراً تحت النهي عن لبس الحرير، وهذا يوضح لماذا جذب النبي ﵊ هذا الأعرابي جذبة شديدة، مع أن خلقه ﵊ هو السماحة، وأنه كثير ما آذاه الناس أو كثير ما رأى بعض المخالفات من بعض المسلمين فكان يترفق بهم؟!

стр. 536

معنى قوله: (إني قاصر -أو قاص- عليكما الوصية) وهنا ساق رسول الله ﷺ الحديث فقال: (إن نبي الله نوحاً ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنه أو قال لابنَيه: إني قاص عليكما الوصية -وفي رواية لـ أحمد - إني قاصر عليكما الوصية). كلمة: قاصر. هنا تحتمل معنيين: المعنى الأول: (إني قاصر عليكما الوصية) أي: إنني سأوصيكما أنتما فقط، ولعلك لو تأملت في قول نوح ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] تعلم أن امرأة نوح وابنه ومعظم قومه كفروا، وقد ظل ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم فلم يستجيبوا، فهذا يوحي إليك أن المؤمنين كانوا قلة، فلم يجد في حال موته غير ابنيه، لذلك قال: (إني قاصر عليكما الوصية) أي: إني سأقتصر عليكما في هذه الوصية. هذا هو المعنى الأول. المعنى الثاني: (إني قاصر عليكما الوصية) أي: إني سأقصِّر في وصيتي ولن أطيل عليكم، فهذا واضح من رواية النسائي، والنسائي إنما روى هذا الحديث في السنن الكبرى -وله السنن الصغرى لم تطبع حتى الآن، إنما المطبوع من سنن النسائي الآن: السنن الكبرى- فيُفهم من سياق الحديث في سنن النسائي أن نوحاً ﵇ قال: (إني سأقصر) يعني: لن أطيل عليكم حتى تحفظوا وصيتي، ولذلك قال: (آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين) ما أطال. (إني قاص عليكما الوصية): أي: وصية نوح ﵇، وتجد أن كثيراً من الأنبياء كانوا يوصون عند الموت، وكثير من الصحابة كانوا يوصون عند الموت، ولا ترى رجلاً صالحاً إلا ويوصي عند الموت، وهذا شيء يغفل عنه أهل الدنيا العاملين لها، قلَّما يوصي، يوصي بماذا؟ بماله الذي سيتركه فلا يحتاج هذا المال إلى وصية، قال ﵌ (خير الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تبقى حتى إذا كانت ههنا -أي: الروح- قلت: هذا لفلان، وهذا لفلان، وقد كان لفلان) يعني: بغير أن تتكلم، وبغير أن توصي هذا المال سيذهب رغم أنفك إلى فلان إرثاً يرثه.

стр. 537

من بدا فقد جفا فهذا رجل أعرابي من أهل البادية، وفي الحديث: (مَن بدا فقد جفا) أي: مَن سكن البادية يورثه ذلك جفاء في الطبع، لذلك أنت ترى الفرق ما بين أهل المدينة وما بين أهل البدو، تجد البدو عندهم غلظة حتى في الألفاظ والطباع بخلاف الذي يسكن في الحضر وفي المدن ترى أن خُلُقَه أقرب، وأن ألفاظه ألين وأرق من ألفاظ الرجل الذي يعيش في البادية، فهذا يبين لك معنى: (من بدا). أي: من سكن البادية (فقد جفاء) أي: يصيبه جفاء في الطبع.

стр. 538

قوله: (إن هذا يريد أن يضع كل فارس) فقال ﵊: (إن هذا يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، وأن يرفع كل راعٍ ابن راع) ما معنى هذه العبارة؟ أورد الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية روايةً: أن هذا يريد أن يضع كل رأس ابن رأس وهوالفارس، يضع. أي: من الضعة، وهي الهوان، ويرفع. أي: من الرفعة، يريد أن يقول: إن هذا الرجل الأعرابي جاء متبختراً مختالاً مفتخراً بحلة من سندس، يريد أن يضع وأن يلحق الهوان بكل فارس ابن فارس، والفارس: هو الرجل النبيل. الرواية التي ذكرها الحافظ ابن كثير في البداية: (رأس)، فهذا يريد معنى الفارس، والمقصود به الرأس. وجرى في اللغة أنهم إذا رأوا رجلاً نبيلاً يسمونه فارساً، يقولون: هذا له أخلاق الفرسان. أي: أنه نبيل، رأس. فهذا الأعرابي جاء مختالاً متكبراً يريد أن يرفع كل راع ابن راع، فأنت تعلم أن الراعي هذا إنما يكون من أهل البادية، الذين يرعون أغنامهم، بخلاف أهل الحضر، فإن عندهم الخيول. فالمقصود من هذا أن النبي ﵊ رأى الكبر على وجه هذا الرجل وعلى مشيته، فقال: إنه يريد أن يضع المرفوع ويرفع الوضيع. هذا معنى الكلام، ولذلك أخذه فجذبه جذبة شديدة.

стр. 539

قوله: (أرى عليك ثياب من لا يعقل) قال له: (أرى عليك ثياب من لا يعقل). أي: الحرير. هذه شهادة بأن الذي يلبس الحرير كأنه لا عقل له، والسر في ذلك قوله ﵊: (من لبس الحرير في الدنيا حُرِمَه في الآخرة) أهناك رجلٌ عنده عقل أو ذرة من عقل يلبس الحرير هنا ثم يحرمه إذا دخل الجنة وهو يرى أترابه يلبسون الحرير؟ فالذي يفضل هذا الحرير على حرير الجنة غير عاقل، لذلك قال له النبي: (أرى عليك ثياب من لا يعقل) أي: لا يزن الأمور وزناً صحيحاً.

стр. 540

هدي السلف الصالح في الوصية عند الموت الذين يوصون عند الموت هم الذين يخافون الله ﵎، قال في حق إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣١ - ١٣٢] وصى بها بماذا؟ بـ ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١]؛ لأن هذا أقرب مذكور للضمير، وأقرب مذكور للضمير هو المقصود من الكلام، فقوله: (بها)، والهاء هنا هو الضمير،؟ وأقرب مذكور: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:١٣١] أي: أنه أوصى أولاده بالإسلام. ويعقوب أيضاً وصى أولاده: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣] فهو يطمئن على هذه الذرية، وعلى دورها في الحياة. وكذلك النبي ﷺ أوصى، فقال: (استوصوا بالنساء خيراً) مِن آخر ما تكلم به ﷺ ، وهذا ومن آخر ما تكلم به ﵊ أيضاً قوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك -ثلاث مرات). وعند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ أنه أوصى في مرض موته قال: (الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللبِن كما صُنِع برسول الله ﷺ . وفي سنن ابن ماجة ومسند أحمد بسند حسن عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري ﵁ أنه لما جاءته الوفاة قال: (ألا لا تتبعوني بمجمر -أي: بنار - ولا تبنوا على قبري بناءً، وإني بريء مِن كل سلق وحلق وخرق، قالوا: أسمعته من النبي ﷺ ؟ قال: نعم). وقصة الرجل الذي أوصى أولاده أن يحرقوه إنما أوصى بذلك؛ لأنه كان نباشاً للقبور، يعني: فإذا دفنوا الميت يفتح القبر ثم يأخذ الكفن ويترك الميت عرياناً. فلما قرب أجله وأحس بدنو أجله جمع أولاده فقال لهم: (أي بَنِيَّ! كيف كنتُ لكم؟ قالوا: يا أبانا كنت خير أب، قال: فإن أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني -أي: يطحنوه- ثم ذروني في يوم عاصف، فإن الله إن قَدَر علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات نفذوا الوصية، فجمعه الله ﵎ بقوله: كن، فكان الرجل فقال: أي عبدي! ما حملك على ما صنعتَ؟ قال: خشيتُك، قال: أما قد خشيتني فقد غفرت لك). فجرت عادة الصالحين الخائفين من لقاء الله أن يوصوا؛ ولكن لا يفوتني أن أنبه إلى أن الوصية إن كانت بمعصية فلا تنفذ بالاتفاق، وهذه قصة رجل ممن سبقنا، فلا حجة بهذه القصة؛ لأن في شرعنا ما يخالفها.

стр. 541

فضل لا إله إلا الله نوح ﵇ أوصي ابنيه -وهو من أولي العزم من الرسل- فقال: (أوصيكم باثنتين وأنهاكم عن اثنتين، أوصيكم بـ (لا إله إلا الله) فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت (لا إله إلا الله) في كفة لرجحت بهن (لا إله إلا الله)) فلا يعقل أن تكون السماوات والأرض وهما من خلق الله ﵎ أثقل من (لا إله إلا الله) الكلمة التي بني عليها هذا الكون كله، والكرسي أكبر من السماوات والأرض، فـ (لا إله إلا الله) هذه الكلمة الطيبة المباركة لو وضعت في كفة، ووضعت السماوات والأرض بمن فيهن لرجحت بهن (لا إله إلا الله). وفي الحديث المشهور عند أهل السنة باسم حديث البطاقة: (أن رجلاً عاصٍ، يُنْشَر له تسعة وتسعون سجلاً من الذنوب -السجل الدفتر الطويل، فلما أيقن الرجل أنه ذاهب إلى النار وسُحب، فقال الله : أعيدوا عبدي، فقال له: إنه لا يُظْلَم عندي اليوم أحد، وإن لك عندنا شيئاً، فأخرج بطاقة -انظر! تسعة وتسعون سجلاً موضوعة في كفة من الميزان- فأخرج بطاقة فيها: (لا إله إلا الله) -أي: أن هذا الرجل كان يقول هذه الكلمة -، فوضعت هذه البطاقة في كفة أمام السجلات فطاشت كل هذه السجلات، ورجحت (لا إله إلا الله وليس هناك شيء يترجح على اسم الله ﵎).

стр. 542

فضل التسبيح فيقول: (أوصيكم بـ (لا إله إلا الله) - الكلمة المباركة التي ينجو بها العبد- وأوصيكم بـ (سبحان الله وبحمده) فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق) قال الله ﵎: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء:٤٤]. إذاً: هذا التسبيح هو حياة كل شيء، ولذلك الإنسان الذي لا يلهج بذكر الله ميت، وذكر الله ﵎ بالنسبة للقلب كالماء بالنسبة لكل شيء حي، فيه الري وفيه الحياة: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الإسراء:٤٤] يدل على أن كل شيء يسبح بحمده، قال بعض السلف: حتى صرير الباب يسبح بحمده، انظر! لما تفتح الباب يصدر صريراً، فهذا الصرير تسبيح، وهذا الحجر الذي تراه يخر يسبح، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ [البقرة:٧٤] أي: من الحجارة ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤]. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: (لا يسمع صوتَ المؤذن شجر ولا حجر -إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة). وقد وردت رواية مفصلة في سنن ابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، عن أبي سعيد بلفظ: (لا يسمع صوت مؤذن إنس ولا جن، ولا شجر ولا حجر ولا مدر، إلا شهد له يوم القيامة). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ كما في صحيح البخاري قال: (كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكله مع النبي ﷺ . واحتج الذين يقولون: إن الذي يسبح هو الحي وليس الحجر بقوله ﷺ لما مر على قبرين يعذبان: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله، ثم دعا برقائق من جريد -جريدة خضراء- فشقها نصفين ووضع على كل قبر نصفاً وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) وقالوا: الدليل أنه قال: (ما لم ييبسا) فهذا يدل على أنهما إن يبسا لن يسبحا. ورد العلماء الآخرون على هذا القول منهم الخطابي أبو سليمان وغيره أن التخفيف عن صاحبي القبرين ليس للنداوة التي في الجريد، وإنما بشفاعته ﵊، بدليل حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم: (أن النبي ﷺ مر على قبر يعذب، فوضع عليه رقائق من جريد، وقال: لعله يرفعه عنه بشفاعتي)، فدل على أن الشفاعة المذكورة أو التخفيف المذكور، ليس للنداوة التي في الجريد، وإنما هي لشفاعته ﵊. ومن هنا تعلم خطأ الذين يضعون الأشجار في المقابر أو يضعون الرياحين والورود، وقد توسعوا فيه توسعاً منكراً، كما يفعل بعض مَن يُسَمون بالعظماء في بلاد المسلمين، فإنهم إذا ذهبوا إلى بلاد الكفرة يأخذون هذه الورود التي لا حياة فيها ولا نداوة ولا طلاوة، ويذهبون إلى قبور الكفرة الفجرة ويضعونها، وقد عقدوا وجوههم مظهرين التألم والتأسف والحزن، مع أن النبي ﷺ قال: (إذا مررتم بقبور الظالمين فمرُّوا مسرعين حاسري رءوسكم، خشية أن يحيق بكم ما حاق بهم)، زفتا ﷺ : (حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار). ولكن هؤلاء -الذين يسمون بالعظماء- يقولون: تيتو صديقي، تيتو يرحمه الله، وتيتو هذا لم يكن حتى نصرانياً بل إنه شيوعي، ومع ذلك يقول: صديقي وماكاريو ﵀، والنبي ﷺ نهى أن يترحم المسلم على الكافر. ومثل هذه الورود أو الأشجار أو الجريد لا يحصل بها تخفيف على صاحب القبر لمجرد النداوة الموجودة فيها، إنما هو لشفاعته ﵊ في أولئك، وهذا كما قال بعض العلماء خاص به ﷺ . فقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]: يدل على أن كل شيء يسبح كما قال سعيد بن جبير وغيره أن هذا عام في كل شيء، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء:٤٤]. ورد في صحيحي البخاري ومسلم قوله ﷺ : (من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر)، زبد البحر: الفقعات التي تكون فوق الماء، وترى هذا لو ذهبت إلى أي شلال أو نافورة يطلع منها الماء بقوة ستجد هذه الفقاقيع، فهذا اسمه الزبد، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ [الرعد:١٧] يتفرقع، ولا أحد ينتفع منه: ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) [الرعد:١٧] ما الذي ينفع الناس؟ الماء، فهذا يمكث في الأرض. فيقول ﵊: (لو كانت ذنوبك مثل زبد البحر فقلت: سبحان الله وبحمده مائة مرة غُفِرَت لك ذنوبك). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم مائة مرة لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا رجل زاد عليه) أي: تزيد فوق المائة، تقول مائة وخمسين أو مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة على حسب ما يُتاح لك، أو على حسب ما تستطيع فهذا معنى قوله: (إلا رجل زاد على ما جاء به). وفي صحيح مسلم من حديث جويرية بنت الحارث وهي أم المؤمنين ﵂: (أنها جلست بعد صلاة الغداة تسبح الله ﵎، فخرج النبي ﷺ بعد فترة فوجدها جالسة كما تركها، تسبح؛ فقال لها: أنتِ جالسة منذ خرجتُ؟ قالت: نعم. قال: لقد قلتُ أربع كلمات أفضل مما قلتيه: سبحان الله وبحمده، رضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)، هذه الكلمات النبي ﷺ يقول: إنها أفضل مما قالته جويرية من صلاة الغداة حتى قرابة الظهر. وفي الصحيحين قوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). فـ (سبحان الله وبحمده) صلاة كل شيء كما قلنا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء:٤٤] فالتسبيح صلاة. ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].

стр. 543

معنى الكبر ذوأنهاكما عن اثنتين: عن الشرك، وعن الكبر، قالوا: يا رسول الله! فأما الشرك فقد عرفناه، فما الكبر، الرجل يتخذ نعلين حسنتين لهما شراكان حسنان أفهذا أكبر؟ قال: لا. قال: الرجل يتخذ حلةً أفهذا أكبر؟ قال: لا. قال: فيتخذ أصحاباً أفهذا أكبر؟ قال: لا، قالوا: فما الكبر؟ قال: بطر الحق وغمط الناس). وفي حديث أبي هريرة عند مسلم قال ﷺ : (لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر. قالوا: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً أفَيُعَدُّ هذا من الكبر؟ قال: لا. إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) (بطر الحق): البطر. معناه: الكفر، بطر بالنعمة، أي: كفرها، بطر بالحق: أي كفر بالحق ورده بعدما ظهر له، فهذا هو الكبر، الذي قال فيه ربنا ﵎ في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني فيهما ألقيتُه في النار ولا أبالي). وقوله: (وغمط الناس) معنى الغمط: أي: الحط، غمط على فلان. أي: حط منه واحتقره، ونسبه إلى الضعف والهوان، فغمط الناس أي: الحط عليهم واحتقارهم. فهذا هو الفعل الذي نهى عنه النبي ﵌، ونهى عنه نوحٌ ﵇ وهو يوصي ولديه. وإن يسر الله ﵎ سيكون لنا بعض الدروس -لكن ليست في مواعيد ثابتة- في مثل هذه الصفات المذمومة مثل: الكذب، والعُجْب، والبطر، حتى لا يركن المسلم إلى مثل هذه الصفات؛ لأن مثل الرياء أو الشرك قد يكون أحياناً أخفى من دبيب النمل، والرجل قد يأمن مكر الله ﵎، ويتصور أنه لا يمكن أن يغتر في يوم من الأيام، فتزل قدمه. ولا يدخل الجنة إلا خائفٌ، أي: لا يصل إلى الجنة بأمان إلا الخائف، فأين الذي قد نام ملء جفونه وظن أن مثل هذه الصفات لا يمكن أن تحوم حوله، ونام (قرير العين هانيها)! هذا في الغالب، وكما يقول بعض السلف: (رب طاعة أورثت عزاً واستكباراً، ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً). ويقول بعض السلف -وهو متسرع في هذه الكلمة- (إن العبد ليذنب الذنب فيأخذ بيده إلى الجنة، وإن العبد ليفعل الطاعة فتقوده إلى النار). لو أن أي رجل سطحي التفكير قرأ هذا الكلام لهذا العالِم الجليل لظن أن هذا ضد الآيات وضد الأحاديث، وهو لا يقصد هذا، لا يقصد أن الذي يفعل الطاعة تأخذه طاعته إلى النار، وأن الذي يفعل المعصية تأخذه معصيته إلى الجنة، فهذا مستحيل، بل لا يمكن أن يخطر على بال أحد. إنما يقصد هذا العالِم الجليل أن الرجل قد يطيع الله ﵎ في طاعة ما، فيفتخر بها، ويقول: أنا أقوم الليل، وأصوم، وأتصدق بمالي، وفلان كان جائعاً وأنا أكَّلته، وفلان كان يريد غطاءً وأنا كسوته، وفلان الفلاني في المستشفى أنا وصِّيت عليه وأعطيته مبلغاً، ويجهر بهذا، وعنده من الشهوة الخفية وهو العُجْب، شيء كثير يحبط مثل هذه الأعمال. هذا معنى ما يريده هذا العالِم. (ورب معصية أورثت ذلاً وانكساراً): كالرجل يفعل الذنب ويظل مشفقاً على نفسه، ويظن أن الله ﵎ سيؤاخذه بذنبه، فيظل خائفاً من لقاء الله ﵎، فلا يقارف المعاصي أبداًَ. فهذه المعصية عادت عليه بالنفع، وهذه الطاعة عادت عليه بالضر. ومحور ارتكاز هذا المفهوم هو: النية. فكلما أخلصت لله ﵎، وخلَّصت أعمالك من شوائب الرياء والسمعة والعُجب، كان عملك أقرب إلى القبول. ففي صحيح البخاري أن عائشة ﵂ قالت عندما تلت قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، معنى الآية: أن عباداً لله ﵎ يفعلون الشيء وهم خائفون، وسر خوفهم أنهم سيرجعون إلى الله ﵎ فيحاسبهم على ما فعلوا: ((وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا)) [المؤمنون:٦٠] أي: يفعلون الفعل الذي يفعلونه، ويأتون به: ((وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) [المؤمنون:٦٠] من هذا الفعل: ((أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)) [المؤمنون:٦٠] أي: بسبب أنهم راجعون إلى الله ، فقالت عائشة: (يا رسول الله! أهذا الرجل يسرق ويزني؟ -الرجل يفعل الشيء وهو خائف، من المؤكد أنه يفعل معصية؛ فهل سيتصدق وهو خائف؟! أو يدخل مثلاً يصلي أو يقوم الليل وهو خائف؟! هذا لم يخطر في بال عائشة، إنما قالت: - يا رسول الله أهذا الرجل يسرق ويزني؟ قال: لا يا ابنة الصديق. هؤلاء أقوام يُصَلُّون ويزكون ويصومون ويخشون ألاَّ يُتَقَبَّل منهم). إذاً: المسألة لم تَعُد مسألة معصية، بل إن هذا أرقى درجات الورع، بمعنى أننا الآن بعيدون جداً عن حيز المعصية، نحن مع أتقى خلق الله : ((يُؤْتُونَ مَا آتَوا)) [المؤمنون:٦٠] يتصدقون ويصلون، ويصومون ويزكون، ويفعلون الخيرات وقلب الواحد منهم خائف، خائف من أن الله ﵎ يردُّ عليه عمله، بأن يكون قد تسلل إلى قلبه شيء من هذه الشهوة الخفية، والله ﵎ لا يظلم، فإن رد على العبد عمله فهو لم يظلمه. (فيخشى هؤلاء ألاَّ يُتَقَبَّل منهم). لذلك من منطلق قول حذيفة ﵁ في صحيح البخاري: (كان الناس يسألون النبي ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) أما وقد استطالت مثل هذه الشرور فإننا نضع إن شاء الله ﵎ معالم لكل صفة مذ مومة حتى يتجنبها المسلمون. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير، وأن يتقبل منا العمل الصالح إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.

стр. 544

حول الصحوة الإسلامية تشهد الأمة صحوة إسلامية أثرية، تنزع بجذورها إلى الجذور الأولى للسلف الصالح ﵃ أجمعين، ولكي تثمر هذه الصحوة كان لابد من النظر في أحوال سلفها للسير على خطاهم فيما وصلوا إليه مع ربهم مع أنفسهم مع بعضهم البعض.

стр. 545

تطبيق الصحابة لنصوص الكتاب والسنة دون جدال إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. إن هذه الأمة تشهد صحوة إسلامية أثرية، ومعنى أثرية: أي أنها تنزع بجذورها إلى الجذور الأولى للسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم جميعاً. وبلدنا هذا -مصر- أحد البلاد التي تشهد هذه الصحوة المباركة، وكما حدثني خلق كثير من بلاد كثيرة، وهم أناس لهم وزنهم الفكري: أن الله ﵎ لو أحيا هذا البلد؛ لانجرَّت وراءه كل البلاد الإسلامية وغيرها، ولذلك تجد أن المؤامرات والدسائس على هذا البلد أشد بكثير جداً من أي بلد آخر، حتى أن حجم الضرب الذي تشهده الحركة الإسلامية بلغ حداً عجيباً جداً، ولولا أن الله ﵎ أذن بحياة هذا الجسد لمات من كثرة الضربات التي تتوالى على رأسه. هذه الصحوة الإسلامية المباركة إن شاء الله تعالى يراد لها أن ترجع إلى الجذور الأولى، وهذا إنما يكون بمزيد من العلم، وهذا التخبط الفكري الذي يشهده المسلمون الآن سببه الجهلُ وقلةُ العلم، حتى أن بعض من نظنهم من الأخيار -هكذا ظاهرهم والله حسيبهم- وقد ظننته يأمر بناته بالحجاب قال لي: أنا لا أريد أن أجبرها، أنا أريدها أن ترتدي هذا الحجاب وهي مقتنعة. إن هذه السفسطة التي عشنا فيها وما زالوا حتى الآن يعرضونها بقضهم وقضيضهم، قد عرضت أصول الإسلام للجدل. إذا قال الله ﵎ ورسوله أمراً؛ لا يجوز للمسلم أن يجادل فيه، هل يمكن أن يقال: أنا أترك ابنتي حتى تلبس الحجاب عن قناعة؟ هب أنها لم تقتنع، تكره حكم الله أيضاً! ثم ما وزنها أصلاً وما وزن عقلها حتى يمكن أن يقال: اقتنعت أم لا؟ إذاً سيكون رأي البنت هو المقدم، وحكم الله ﵎ في آخر القائمة؛ لأنها لم تقتنع بهذا. هذا مما ورثناه، وما زال بعض المسلمين يعاني هذه السفسطة التي ورثها بدعوى الحرية العقلية، فعرضوا أصول الإسلام للجدل. لو نظرت أنت إلى أسلافك، وكيف أن الواحد منهم إذا جاءه أمر اجتهد في أن يلتزم به حتى وإن أخطأ، المهم أن يلتزم من وجهة نظره؛ وإذا تبين له الخطأ، يستمر فيه، إنما يرجع. انظر إلى هذا الحديث الصحيح: لما أنزل الله ﵎ قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، كان بعض الصحابة يربط في يديه خيطاً أبيض وخيطاً أسود، ويأكل ويشرب حتى يظهر له الخيط الأبيض من الخيط الأسود؛ لكن هذا ليس هو المقصود من الآية، المقصود بالخيط الأبيض من الخيط الأسود هو: شعاع النور والظلمة. فهذا الصحابي عندما وصله النص وفهمه؛ بادر إلى العمل به على مقتضى فهمه، ولم يتوقف حتى يقول: حتى ألقى رجلاً مجتهداً أو نحو ذلك. وكذلك قوله ﷺ لزوجاته ﵅: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) أي: التي ستموت بعدي منكن أطولكن يداً، فكن يقسن أيديهن، فكن يعتقدن أن التي يدها أطول من يد الأخرى هي التي ستموت عقب النبي ﵊. وبرغم العقل الراجح الذي كانت نساء النبي ﷺ يتمتعن به، ما فقهن إلى معنى الحديث إلا عندما توفيت زينت بنت جحش ﵂، فهي أول أزواج النبي ﵊ موتاً بعده، وكانت قصيرةً، ومن لوازم القصر قصر كل الأعضاء، فلم تكن هي أطول نساء النبي ﷺ يداً بهذا المعنى المتبادر، فلما توفيت زينب ﵂ علمن المقصود من الحديث، وأن معنى قوله: (أطولكن يداً) أي: في الصدقة، وكانت زينب ﵂ أكثر نساء النبي ﷺ صدقة. إذاً: مبادرة هذا الجيل للعمل بمفهوم الآيات والأحاديث كان يدل على عظم الإيمان في قلب أولئك. لا تعرض قول النبي ﷺ للجدل، لاسيما إن كنت تجادل عن غير بينة أو أصول، وإلا فتناظر العالِمَين على مقتضى الأصول المعروفة في سبيل الوصول إلى الحق فيه مصلحة ومفسدة، حتى لا يقال: إن المناظرة أو المناقشة منهي عنها بإطلاق لا، إن لم تكن عالماً بأصول المناظرة والمناقشة -أي: أصول ما تتكلم به- فاعلم أن هذا الكلام كله داخل في باب الجدل المقيت. أما قول الله : ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] فالمقصود أنك إذا سمعت قولاً للنبي ﵊ فتسلم به تسليماً، بحيث لا يترك حرجاً في القلب. جاء في سنن الترمذي بسند صحيح أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار)، وهذا كان في أول الإسلام: أن أي إنسان يأكل أو يشرب شيئاً مسته النار يُحدث وضوءاً جديداً. ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك، كما في حديث جابر بن عبد الله الأنصاري وغيره: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار). فـ أبو هريرة سمع الحديث الأول ولم يسمع النسخ، فصار يفتي بوجوب الوضوء على من أكل شيئاً مسته النار. فدارت بينه وبين ابن عباس هذه المناظرة: قال ابن عباس: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟ أي: لا يمكن أن آكل اللحم نيئاً، لا بد أن يُطبخ، وهذا مما أحله الله لي، فما هي العلة في إفساد الوضوء، فـ ابن عباس يلزم أبا هريرة بالجدل العقلي. كان أبو هريرة معه نص، وابن عباس معه فهمه. ولذلك استنكر أبو هريرة أشد الاستنكار على ابن عباس مثل هذا. فلما قال ابن عباس: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؟! أفلا نتوضأ من الحميم؟! يعني: ألا يجوز الوضوء بالماء الساخن والاستحمام بالماء الساخن، وهذا لا شك أن النار مسته، فكيف إذا توضأت بماء مسته النار هل أعيد الوضوء أيضاً؟! فأمسك أبو هريرة حفنة من الحصى وقال: أشهد بعدد هذا الحصى أنني سمعت النبي ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار)، يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال، اتهم معرفتك، اتهم فَهمك؛ لكن لا تتهم هذا الحديث. هكذا كان توقيرهم! وكذلك سمع أبو هريرة ﵁ النبي ﷺ ينهى المحرم عن التطيب. ثم إن عائشة ﵂ قالت: (طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه جميعاً) وهذا واضح أنه معارض لحديث أبي هريرة، فما وصل أبا هريرة هذا الحديث الذي حدثت به عائشة. فقيل له في ذلك، فقال: (لأَن أطلى بالقار -الذي يطلى به الجربان - أحب إلي من أن أمس طيباً وأنا محرم). أيها الإخوة! هناك فرق بين الذين قاتلوا على آيات القرآن الكريم وبين الذين ورثوا القرآن الكريم، وهناك فرق كبير بين الذي عانى وعرض لكل أنواع المهانة في سبيل تبليغ آية من آيات الله وبين الذي ورث القرآن الكريم وراثة؛ الأول كالرجل المكافح الذي يكون ثروته من عرق جبينه وتعب الأيام والليالي، هذه الثروة غالية جداً على نفس الرجل؛ لأنه كونها بكل ذرة من كيانه، بخلاف الذي يرث، فإنه يمكن أن ينفق كل هذه الأموال الطائلة في أسبوع واحد، والتي ظل يجمعها والده عشرات السنوات، ولذلك قال الله عن بني إسرائيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] يفرط في آيات الله ويحرفها لأجل الدينار والدرهم، ثم يقول: أنا سيغفر لي، فإذا تأملت قوله : (ورثوا الكتاب) علمت أن هؤلاء لا يختلفون عن الذين نزلت عليهم التوراة. فكذلك الصحابة رضوان الله عليهم وراء كل صحابي قصة طويلة دامية في سبيل الإسلام، فهؤلاء كان إحساسهم بالنص الشرعي بخلاف حال المسلمين الآن.

стр. 546

صور من ورع السلف وزهدهم في المباحات نحن نجد الآن من يرى ورع الصحابة داخل في جملة التنطع، يقول: هذا ورع! والورع لا يثبت حكماً. فنقول له: دعنا الآن من هذه القاعدة الفقهية، لماذا تزري بهؤلاء وبورع هؤلاء؟ يذكر أن امرأة قالت لولدها: افتح لي نصف الباب. فقاس الولد طول الباب بالشبر، فوجده ستة أشبار، ففتح الباب ثلاثة أشبار؛ لأنها قالت له: افتح لي نصف الباب، فخاف إن فتح أقل أو أكثر أن يقع في جملة الكاذبين. فهل نقول: إن هذا تنطعاً؟ لِمَ تعده تنطعاً؟ هب أنني فتحت أكثر من النصف هل سأكون آثماً شرعاً؟ لكن لا تزري على أمثال هؤلاء. باب الورع واسع جداً، وقد ضرب أسلافنا بفهم واسع في هذا الباب. جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي في ترجمة الإمام العلم المفرد وكيع بن الجراح أن رجلاً سبه، فدخل وكيع داره، ومرغ أذنه بالتراب، ثم خرج على الرجل الذي شتمه، وقال له: زد وكيعاً بذنبه، فلولاه ما سلطت عليه. أي: هو لا يلوم الرجل؛ لأنه يعتبر نفسه هو المذنب، وما ذلك إلا من سوء المعصية، فكان أن مثلك يتجرأ عليَّ فيسبني. وجاء في ترجمة عبد الله بن وهب، الإمام العَلَم المفرد المفتي، وهو تلميذ الإمام مالك ﵀ أنه قال: نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أصوم يوماً -يريد أن يكف عن الغيبة ويؤدب نفسه- قال: فكنت أغتاب وأصوم، فأزهدني الصوم، فنذرت أنني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، قال: فمن حبي للدراهم تركت الغيبة. هذا نوع من الأدب والسلوك كان أسلافنا يفعلونه مع أنفسهم لبلوغ درجة أعلى من درجة الورع، فهم يرتقون في المستحبات، ونحن في واد آخر، هم يرتقون في الصدقة والتطوع، وصيام الإثنين والخميس، ونحن لا يزال البعض منا يجاهد نفسه بالقيام بالواجبات، وإذا ذكرته بحديث للنبي ﷺ يرفع من درجته في الجنة، ويبعده عن النار استهزأ به، وهذا لا يمكن أن تجده إلا في رجل مقصر في الواجبات حقيقةً. فمثل هؤلاء يرون ورع هؤلاء المتقين داخلاً في باب التنطع، ويرونه من التشديد، ويقولون: الدين يسر. مثلاً: يذكر عن الإمام أبي حنيفة ﵀ أنه جاءه رجل فقال: قد سرقت شاتي. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى راعي غنم وقال له: كم أقصى عمر تعيشه الشاة على الأرض؟ فقال له -مثلاً-: عشرين سنة. فحرم على نفسه أكل لحوم الشياة عشرين سنة لماذا؟ لأنه قد يأكل من لحم الشاة المسروقة، فما يريد أن يدخل إلى بطنه إلا حلالاً صِرْفاً، مع أنه لو اشترى وأكل فليس عليه شيء. هؤلاء الأئمة لا ينظرون بهذه النظرة، فـ أبو حنيفة ﵀ -وهو أحد الأئمة المجتهدين الكبار- لا تغيب عنه مثل هذه الحقيقة أو الحكم الفقهي حتى يحرم على نفسه أكل لحوم الشياة عشرين سنة، وهذا يدخل في باب الورع. نحن ننظر إلى هؤلاء السلف نظرة إعجاب وتقدير! وحالهم كحال النبي ﵊ عندما كان يمشي في الطريق فرأى تمرة على الأرض فقال: (لولا أنني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها) أي: إنني لا أدري على وجه اليقين هل هي من تمر الصدقة أم لا؟ فهي مجهولة الحال بالنسبة لي. فالنبي ﵊ هو سيد المتقين، وكلهم أخذ منه ﵊. جاءت أخت بشر الحافي إلى الإمام أحمد وقالت له: بينما أنا أغزل إذ مر حرس السلطان بمشاعلهم -يعني: ذاهبون إلى قصر السلطان- قالت: أيحل لنا أن نغزل في ضوء هذه المشاعل؟ فقال لها: من أي بيت أنتم؟ قالت: من بيت بشر الحافي. فبكى الإمام وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في مشاعلهم. لا يتصور أن أحداً يقول: لا تغزلي في مشاعلهم، والغزل في مشاعل هؤلاء حرام. نحن الآن لا نتكلم عن الحرام. نحن نتكلم عن باب واسع جداً اسمه: باب الورع الذي لا حد له ولا نهاية، بل على حسب دينك تجد الورع، كلما ولجت في هذا البحر تجده يتسع جداً أمامك. امرأة فاضلة من العالمات، وهي عاتكة الكوفية كانت تسكن مكة، فظلت ثلاثين عاماً لا تأكل الفواكه ولا اللحوم التي تأتي من بلد من البلدان لماذا؟ لأنها علمت أن أهلها لا يورثون الغنائم، فلم تأكل، وكذلك أخوها نور الدين ما كان يأكل أبداً من ثمار المدينة لماذا؟ لأنه علم أن أهلها لا يؤدون الزكاة، مع أنه لو أكله لا يقال: إنه آثم شرعاًَ؛ لكن هو من باب الورع الواسع جداً. وكذلك الإمام النووي ﵀ ظل طيلة عمره المبارك -ومات وعمره خمس وأربعون سنة، وبلغ مبلغ الاجتهاد المنتشر في مذهب الإمام الشافعي- لا يأكل من ثمار دمشق، فيُسئل عن ذلك، فقال: هي كثيرة الأوقاف. أي أن هذه البساتين أكثرها كلها وقف، فأخشى أن يدخل بطني من هذه الأصناف التي لا تحل لي. ولذلك هؤلاء الناس سادوا، والله ﵎ بارك في أعمارهم، نجد -مثلاً- حجة الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول عنه ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب من الكلم الطيب": وكان شيخنا -قدس الله روحه ونور ضريحه- يكتب في ليلة ما ينسخه الناس في الجمعة، أي: يكتب في الليلة الواحدة ما لو أردتُ أنا أن أنسخ وراءه أظل أسبوعاً كاملاً أنقل ما كتب، مع أن الذي يصنف يريد أن يركز ويجمع أدلته، ومع ذلك تجده يكتب في ليلة ما ينسخه الناس في جمعة. فترى أن هؤلاء العلماء بارك الله في أعمارهم، لكن انظر أنت الآن وفكر بعد أن ترى مثل هذه الأمثلة وراقب وانظر إلى حال المسلمين الآن. هل هناك فرق بين هؤلاء وبين أولئك؟

стр. 547

الاختلاف في الفروع لا يفسد للود قضية إن البعد عن التمسك بالنصوص الشرعية يكلف المسلمين تكليفاً باهضاًَ جداً، فتجده يتعصب لجهله ولا أقول لعلمه، فإن لدينا من الضعف والهوان أضعاف ما أوتي أسلافنا من الجد والقوة، فقد كانوا يتفاضلون بالعلم ونحن نتفاضل بالجهل، كان يقال: فلان أعلم من فلان، نحن الآن نقول: فلان أقل جهلاً من فلان، فمن مصائبنا ترك التعلم، وسبب وجود الفئات المنحرفة عن الكتاب والسنة هو ترك التعلم والتعصب للجهل، ولا أقول: التعصب للعلم؛ لأن التعصب للعلم خير، ويدخل في ذلك المجتهد، فإنه نظر في الأدلة الشرعية فيثبت على ما يعتقد أنه الحق، وهذا لا يُلام. كان ابن حزم في الأندلس يذهب إلى اجتهادات يخالف فيها الكتاب والسنة، وكان يرى أنه على حق وأن مخالفه على خطأ، فكان إذا علم أنه على الحق جهر بالحق، فهذا هو التعصب للعلم. وفي مثل هذا يقول ابن حزم: قالوا: تجمَّل فإن الناس قد كثرت أقوالهم وأقاويل الورى محنُ أي: لا داعي أن تجهر بما تعتقد جهاراً نهاراً، لكن تجمل وتلطف بلسان الحق الذي تعتقده. فقلت: هل عيبهم لي غير أني لا أقول بالرأي إذ في رأيهم ثمنُ أي: فساد. وأنني مولع بالنص لست إلى سواه أرنو ولا في نصره أهن لا ضيفين في صدري وفي كتبي ويا سروري به لو أنهم فطنوا دعهم يعضوا على صم الحصى كمداً من مات من قالتي عندي له كفن فهذا يعتقد أنه على الحق فلا يضره أن يجهر الآن بين المسلمين من يتعصب لبعض آرائه بالجهل، ولا أقول: بالعلم؛ لأن العلماء يسعهم الاختلاف، والجهال لا يسعهم الاختلاف، لذلك تجد المسلم إذا اختلف مع أخيه المسلم في مسألة فرعية يسيرة، ولست أقصد بقولي: (يسيرة) أنها يسيرة من جهة الشرع لا، أقصد أنها بالنسبة لمثيلاتها عند المتعصبين تعد يسيرة. مثلاً: من يرى الضم بعد الركوع الثاني، أو يرى أن الوتر واجب، أو يرى القنوت في الفجر دائماً. إن أولئك إنْ اختلفوا في مثل هذه المسائل الفرعية الكثيرة جداً، لعل بعضهم -وقد رأينا- يترك المسجد الذي يصلي فيه أخوه. إذا رأيتَ رجلاً يسعه الخلاف شرعاً في المسائل الفرعية مع آخر؛ فاعلم أنه على قدر من العلم؛ لأنه يعذر هذا المخالف، لا يبدعه ولا يؤثمه، لاسيما إن كان الخلاف فيها معتبراً، أي: لا يجوز لك أن تبدع المخالف فيها؛ لأن للمخالف محمل ووجهة نظر معتبرة على أصل من الأصول، لأنه فهمها هكذا، وقد فهم بفهمه جماعة من العلماء السابقين. هذا اسمه خلاف معتبر؛ مثل مسألة ارتداء النقاب الواقعة بين الوجوب والاستحباب، فلا يجوز لأحد أن يبدع الآخر فيه، لكن لو وجد من يرى حرمة النقاب، فإن هذا الخلاف لا يعتبر؛ لأنه جاهل، ولأنه لم يفت بهذه الفتوى أحد من المحدثين إطلاقاً، وإنما القول فيها واقع بين الاستحباب والوجوب، وهذان القولان معروفان عند العلماء. وهذا الذي يرى حرمة النقاب يرى عدم حرمة أن تكشف المرأة عن فخذيها أو ساقيها أو نحرها أو صدرها، فهل رأيتم عالماً ممكن أن يتصور هذه الصورة؟! عندما ننظر الآن إلى عوام المنتسبين إلى هذه الدعوة المباركة، نراهم في خلافاتهم الفرعية وقد ضاق عقلهم، ولا يتحمل بعضهم بعضاً، فنحن نقول: إن هذا بسبب الجهل. وأنا أذكر هنا أمثلة تبين هذه المواقف، وأن الاختلاف الفرعي لا يفسد للود قضية -كما يقولون-. عندنا بعض المسائل اختلف فيها الصحابة رضوان الله عليهم، فالذي ذكرته آنفاً بين ابن عباس وأبي هريرة، اختلاف يسعه الشرع، طالما أن المختلف عالم، أو على الأقل أدنى ضوابط العلم أو بعضها موجودة عنده. وهناك مثال آخر أخرجه أبو داود في سننه: قيل لـ ابن مسعود: (إن عثمان ﵁ أيام كان أميراً للمؤمنين، وكان أمير الحج- يصلي الظهر في منى أربعاً). فـ ابن مسعود استرجع قائلاً: (إنا لله وإنا إليه راجعون) إن هذا خطأ؛ لأن النبي ﷺ صلى ركعتين، وصلى أبو بكر ركعتين، وعمر ركعتين، بل وعثمان أيضاً، في بداية خلافته صلى ركعتين، فما باله الآن يصلي أربعاً؟! فلما أُذِّن للصلاة؛ قام فصلى خلف عثمان أربعاً، فاستعظموا هذا الفعل منه، فقال لهم كلمتين اثنتين دلتا على عظم فقهه ﵁، قال: (الخلاف شر)، فنحن نفترض الآن أن جماعة قالوا برأي ابن مسعود وقالوا: لا، النبي ﵊ لم يصلِّ أربعاً. وأنت خالفت النبي ﵊، وخالفت أبي بكر وعمر، ألا فلا يصلى خلفه، من أراد أن يصلي اثنتين فليأتِ وراءنا فماذا سيكون حال المسلمين وقد انقسموا إلى فرقتين بين يدي الله في أعظم شعائر الإسلام وهو الحج؟! كان رأي ابن مسعود ثاقباً، وهذه قضية متأصلة عند علماء الأصول: أن رأي المجتهد ليس بحجة على مجتهد آخر. فمثلاً: الآن أبو حنيفة أفتى بفتوى، والشافعي أفتى بفتوى، لا يلزم الشافعي برأي أبي حنيفة؛ لأن الشافعي عالم مجتهد عنده أصول تمكنه أن يستنبط كـ أبي حنيفة تماماً، إنما يكون رأي المجتهد حجةً على مَن هو دونه من العوام؛ لأن العامي ليس عنده ملكة الترجيح ولا الاستنباط، فله أن يتبع رجلاً من المجتهدين. فـ ابن مسعود ﵁ رأى أن عثمان ما فعل ذلك لهوىً في نفسه، بل تأول، فقال لهم: (إن لي أهلاً بمكة) أي أنه أصبح مقيماً، فرأى أن القصر إنما يكون للمسافر، فقال: أنا لستُ بمسافر، فلِِمَ أقصر الصلاة؟ إذاً عثمان بن عفان فعَلَ هذا اجتهاداً منه، ووافقته عائشة ﵂ في هذا الاجتهاد. وكذلك ما رواه الإمام أحمد بسند فيه مجهول، أن أبا ذر الغفاري لما كان في الربذة، قيل له: (إن عثمان أتم، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون) وهذا يدل على خطأ الفتوى من وجهة نظره، ومع ذلك عندما أقيم للصلاة صلى خلفه ولم ينازع عثمان. فانظر كيف أن خلافاً مثل هذا وسعهم. ولو حدث هذا بل لو حدث أقل من هذا بكثير جداً في وقتنا لحدثت عليه مقاطعات وتشنيعات. بل أنا أقول مثالاً أعظم من هذا: لما أراد عثمان بن عفان أن يجمع المصحف، قال لهم: (إن اختلفتم في شيء؛ فارجعوا إلى قراءة زيد بن ثابت؛ فإن القرآن نزل بلسان قريش) وقد كانت السور تكتب على الأوراق والعظام بغير ترتيب، أي بالترتيب الذي كان ﷺ يقول فيه: (ضعوا هذه الآية في سورة كذا) وأقصد بكلمة (بغير ترتيب) أي: على غير الترتيب الموجود الآن. فلما كانت العرضة الأخيرة في رمضان الأخير للنبي ﵊؛ جاء جبريل فعرض المصحف مرتين على النبي ﵊، فاستقر المصحف على ما هو عليه الآن، ولذلك تجد المصاحف السابقة مثل مصحف أبي بن كعب أن سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة، وتجد سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة، للتقارب الشديد جداً بين السورتين؛ ولذلك بعض الأئمة كالإمام السيوطي له كتاب قيم جداً اسمه "تناسق الدرر في تناسب السور" بين فيه أن هناك علاقة قوية جداً بين كل سورتين متتابعتين، مثل سورتي الفيل وقريش؛ فإن قريشاً كانت لها رحلتان: رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وكانت هذه كل تجارتهم، ولو انقطعت هاتان الرحلتان لماتوا من الجوع؛ ولو دخل أبرهة أرضهم لعاث فيها الفساد، فالله ﵎ يمتن على قريش أنه أهلك أبرهة وجنوده، وجعلهم كعصف مأكول: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش:١] أي: لأجل أن تظل الألفة بين قريش. فـ عثمان بن عفان لما حدثت المعركة المشهورة التي قتل فيها القراء خشي أن يضيع القرآن بموت الحفظة، فأحب أن يجمع القرآن، فجعل لكل آية شاهدي عدل. فقال: (إن اختلفتم في شيء؛ فارجعوا إلى قراءة زيد بن ثابت؛ فإن القرآن نزل بلسان قريش) وأمر عثمان بإحراق جميع المصاحف ما عدا المصحف الجامع الذي يسمى الآن بالمصحف العثماني نسبة إلى عثمان ﵁. فماذا كان موقف ابن مسعود؟ قال: (والله لا أحرق مصحفي، أأنا أرجع إلى قراءة زيد؟ فوالله لقد أخذت سبعين سورة من فم النبي ﷺ أقرأها عليه، وإن زيداً له ذؤابتان يلعب مع الصبيان) أي: أن زيداً كان لا يزال يلعب مع الصبيان، فأنا الذي أرجع إليه أم هو الذي يرجع إلي؟! وأبى أن يحرق مصحفه. فقال عثمان: (أيها الناس! من كان عنده مصحف فليلغه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]) فقال ابن مسعود: أنا لا أرضى أن أقرأ بقراءة زيد. فأجبره عثمان أن يترك الذي سمع من فم النبي ﵊، ولقد كان الذي مع ابن مسعود قرآناً، وأظن لو أن هذا حدث الآن لتقومن الأرض على قدم وساق، ولكن ماذا حدث في النهاية؟ لقد نزل ابن مسعود على رأي الجميع، وإنما هي حمية كان يراها في الخير، فإن كدر المجموع أفضل من صفو الفرد، لأن تتعكر وأنت مع إخوانك خير من أن تكون صافياً وأنت وحدك. ولقد كانوا يأتون بالرجلين يشهدان للآية الواحدة، فلما جاءوا إلى قوله ﵎ في سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] الآية، ما وجدوها إلا عند خزيمة بن ثابت الأنصاري وحده، فقبلوها منه باعتبار أن شهادته بشهادة رجلين، كما في الحديث الذي رواه أصحاب السنن كـ

стр. 548

إضاءات في طريق الصحوة الإسلامية هذه الصحوة الإسلامية المباركة لابد لها أن ترجع، فتكون صحوة أثرية، ومعنى (صحوة أثرية): أن تكون صحوة بالنص، قبل أن تعمل شيئاً اسأل: ما حكم الله في هذه المسألة؟ لا تجعل حكم الله هملاً وقوله رأياً لا قيمة له، ولا يكون آخر ما تنظر إليه في المسألة هو قول الله لماذا؟ كل خطوة تخطوها يجب أن تسأل نفسك قبل أن تخطوها: أهذا حلال أم حرام؟ يجب أن نتنبه له جيداً، لأن بعض الناس قد يقع في مثل هذا، فإذا قلت له: إن هذا حرام. يقول لك: لم أكن أعلم بذلك فما الذي جعلك لا تدري؟! وما الذي جعلك تقدم قبل أن تعرف قول الله ﵎ في المسألة؟ إذاً: هذه الصحوة تحتاج إلى هذا الضابط: وهو أن تتعلم حكم الله ﵎ في المسألة، وهل أذن الله لك بهذا الفعل أم لا؟ جاء في ترجمة بهلول بن راشد، وهو أحد تلاميذ الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه أدمى إصبعه، فلفها بقماش حتى لا تنزف. ولماذا ذهب إلى الصلاة، نزع القماش من على هذا الأصبع ثم صلى، وظل قابضاً على هذه الإصبع لماذا؟ خشي أن يقتدي به الناس؛ لأنه في محل قدوة، وإنما فعله لشبهة عارضة، فأخبأ إصبعه حتى لا يقتدى به في المسألة، ولم تطب نفسه حتى أرسل إلى أحد أقرانه يسأله عن فقه هذه المسألة. فروى بسنده عن عبد الله بن عمر أنه كان يصنع ذلك، قال: الحمد لله الذي جعلني على سنة. الشاهد: أنه لما أتته أشكلت عليه هذه المسألة نظر فيها: هل هناك فيها نص يرجع إليه أم لا؟ يقول أبو زرعة الرازي ﵀: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل -أي: حبذا لو كان عندك نص يبيح لك ألا تحك رأسك إلا بأثر الرأي مرج والحديث درج، فإن كنت في المرج فسر حيث شئت، وإن كنت في الدرج؛ فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك). يريد أن يقول بهذه الكلمة الحكيمة: الرأي مرج: المرج هو البحار الواسعة أو المكان الفسيح، طالما في المسألة رأيي ورأيك، فالمسألة واسعة جداً، سر يميناً أو شمالاً، لأن الآراء لا تحد، ولا ترجع إلى نص. والحديث درج: الدرج هو السلم، أي: التزم بالنصوص الشرعية. إن كنت على الدرج فاحذر أن تزل قدمك فتندق عنقك، أي: إن كنت تمشي على مقتضى النصوص الشرعية؛ فاحذر أن تفهم خطأً، فتحرم الحلال أو تحل الحرام هذا معنى (فتندق عنقك). فهؤلاء كان التزامهم بمثل هذه النصوص الشرعية التزاماً مطلقاً عالٍ جداً، وهو الذي جعلهم في هذه السعادة الغامرة، والصلة العامرة بالله ﵎. هذا الالتزام المطلق هو الذي يعطيك الفهم الواعي المطلوب، وهذا ما تنشده الصحوة الإسلامية الآن وهو: تقوية وازع الضمير، وتقوية جانب الورع في نفوس المسلمين. روى الإمام أحمد في كتاب الزهد قال: (حدثني سفيان بن عيينة قال: قال رجل لـ مالك بن مغول: اتقِ الله. فوضع خده على الأرض). هذا معنى: اتقِ الله. نحن الآن نقول: اللهم اجعلنا من المتقين. ثم نستمر في المخالفات الشرعية، وهذا يدلك على أنها مجرد كلمة ما مست شغاف القلب. عمر بن عبد العزيز ﵁ اعتبر خامس الخلفاء الراشدين كما قال الإمام الشافعي، جيء إليه بقوارير العطر من الأمصار، وكان من بينها المسك، وأنت تعلم أن المسك له رائحة فواحة جداً، ولذلك كان يضرب به المثل في الأحاديث، فيقال: (أطيب من ريح المسك) والمسك الحقيقي مسك بعيد جداً عن هذا المسك، فالمسك الطبيعي فواح جداً، فلو أغلقت زجاجة المسك فإنك تشم رائحته. جيء بقوارير المسك ووضعت أمام الناس، فدخل عمر بن عبد العزيز يستقل هذه البضاعة، فأول ما دخل سد أنفه. قيل: يا أمير المؤمنين! هذا ريح! فقال: وهل يستفاد منه إلا لريحه؟! فانظر إلى مثل هذه المواقف، ثم انظر إلى الذين يتلبسون -لا أريد أن أقول: في المحرمات- على الأقل بالشبهات، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الشيخان: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن حام حول الحمى كاد أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه). انظر إلى هذا الحديث الجامع المانع، قسم لك الأشياء الموجودة في الأرض إلى ثلاثة أقسام: - حلال محض. - حرام محض. - ثم بينهما مرتبة تتردد ما بين الحل والحرمة. فأما الحلال المحض فالكل يعرفه. والحرام المحض أيضاً الكل يعرفه، وإن أظهروا الجهل وأنهم لا يعلمون. قال بعض العلماء: وكيف لا يعلم الإنسان الحلال المحض من الحرام المحض، والحيوان يعلم به؟ قيل له: وكيف ذلك؟ قال: انظر إلى الهر -مثلاً- إذا أخذ قطعة اللحم منك فإنه يجري هارباً، لا يستطيع أن يأكلها بجانبك، أما إذا أعطيتها له يأكلها بجانبك. الهر يميز ما بين الحلال وما بين الحرام، وابن آدم لا يستطيع أن يميز!! بعض علماء الأصول يقول: إن الشبهة من باب المباح؛ لأنها ليست بمحللة ولا محرمة، إنما هي داخلة في باب المباح، ومعروف أن باب المباح أقرب إلى الاستحباب والحل منه إلى الكراهة والتحريم. والإكثار من المباحات بابه واسع، فقد تجد الإنسان يأكل كثيراً فيأكل أي شيء وبأي ثمن، لكن تعوده على هذا المباح وإكثارك منه يدخله في باب الكراهة والتحريم، وهو وسيلة لمخالفة نص شرعي آخر؛ وهو قوله ﵊: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه)، فهذا من باب الاستحباب. ثم قد يورث هذا عنده البطر، حيث أنه لا يرضى إلا بهذا المستوى من العيش، ونحن قد وجدنا كثيراً من الناس أكثروا على أنفسهم في المباحات، وعندما ضاقت عليهم أحوالهم أبوا أن ينزلوا عن المستوى الاجتماعي الذي كانوا يعيشون فيه، مما اضطرهم بعد ذلك إلى ارتكاب الحرام، كما قال النبي ﷺ : (فمن اتقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن حام حول الحمى -أي: ظل يقتحم الشبهات بدعوى أنها مباحة- كاد أن يقع فيه). ما هو الحمى؟ محارم الله. إذاً: فإكثارك من المباح باب إلى المكروه الذي هو باب إلى الحرام في النهاية. وانظر إلى أي إنسان تمسك بالمباح وأسرف فيه، فإنه لا بد أن يقع في الحرام. فالذين يقولون: إن الشبهة من باب المباح أخذوا هذا من قوله ﵊: (فمن اتقى الشبهات) قالوا: لو كانت من باب الحرام لما خير المكلف فيها، فقالوا: هي من باب المباح. ولو سلمنا جدلاً أنها من باب المباح، علمنا أن الإسراف في المباح مدعاة للوقوع في المكروه، وإذا اقتحم الإنسان أبواب المكروه قل إحساسه بالحرام. انظر إلى حديث أبي هريرة ﵁ الذي أخرجه الشيخان: أن رجلاً باع لرجل أرضاً، فبينما هو يحرث فيها يوماً، ويضرب فيها بفأسه، إذ ارتطمت سن الفأس بحجر، فلا زال يبحث حتى وقع على ذهب كثير، فأخذ الذهب وذهب إلى صاحب الأرض. قال له: خذ ذهبك، فإنما اشتريت منك الأرض دون الذهب. فقال له الرجل: إنما بعتك الأرض بما فيها، فلا آخذ الذهب. خذ ذهبك. فاختلفا، فمر بهما رجل فقالا: نحتكم إلى هذا الرجل. فقال الرجل: ألكما ولد؟ قال: نعم. لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: فأنكحا الغلام الجارية، وأنفقا عليهما الذهب. فهذا الرجل من ورعه لا يرى أنه اشترى الذهب. وحدث في زمن التابعين: أن رجلاً باع لرجل داراً، وهذه الدار كانت على الطريق، وفي إحدى الأيام مر صاحب الدار القديم من أمام داره، وكاد حر الشمس أن يهلكه، فمر على داره السابقة، فصعد بجانبها الذي في الشمس، فخرج إليه صاحب الدار الجديد فقال له: يرحمك الله لم تقعد هنا؟! قال: إنما بعتك الدار، وظلها ليس ملكاً لي. كما قلنا: باب الورع واسع جداً، لا يحده حد، بل لو أراد هذا أن يتورع أكثر من هذا لاستطاع، كل هذا بشرط ألا يخالف حكماًَ شرعياً، فلو خالف الورع حكماًَ شرعياً كان المتورع آثماً، بل يكون الورع فيما لم يرد فيه نص خاص بمخالفته. كأن يكون هناك رجل يمشي في صحراء، ثم أدركه الجوع والعطش، فرأى خنزيراً -مثلاً- فيقول: أعوذ بالله، لقد حرم الله الخنزير، فأنا لا آكله، أنا أفضل أن أموت على أن آكل الخنزير. هذا لو مات -كما قال سفيان الثوري - لدخل النار؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة:٣] أي: في مجاعة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة:٣] أي: غير ملابس إثماً شرعياً، فلا إثم عليه، وهذا كله بعد قول الله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآيات. إذاً: هذا الرجل في محل ضرورة شرعية، فلا بد أن يأكل، وإن تعفف عن رخصة الله ﵎ له فإنه معرض عن حكم الله في المسألة، فهذا إن مات فقد قتل نفسه والعياذ بالله. إذاً: باب الورع واسع جداً؛ لكن هذا كله مشروط بأن لا يخالف ورع هذا الإنسان حكماً شرعياً. نحن نحتاج إلى هذا الباب، وهذا الباب -بطبيعة الحال- لن يأتي إلا إن استوفيت الواجبات، ثم حرصت على المستحبات فاستوفيتها، ثم دخلت في باب المباحات؛ فإنك إن فعلت ذلك فقد اقتربت جداً جداً من باب الورع. وهذا جواب سؤال على الذين يقولون: إننا نحاول كثيراً أن نجبر أنفسنا على بعض ما كان الصحابة يفعلونه من مثل هذه النماذج التي سردتها عن بعض الصحابة والتابعين، فنفشل فشلاً ذريعاً، فما الذي يجعلنا نخفق هذا الإخفاق الذريع؟ يقال: يا أخي! انظر! هل استوفيت الواجبات؟ وبعد أن تستوفي الواجبات؛ انظر! هل دخلت في المستحبات بجهد وافر؟ ولا أريد أن أقول لك: هل استوفيت المستحبات؛ فإن استطعت بعد ذلك أن تستوفي المستحبات فإنك لن تسألني هذا السؤال، أو أنا لن أسأل غيري هذا السؤال، لماذا؟ لأنك اقتربت قاب قوسين أو أدنى من باب الورع الواس

стр. 549

الأسئلة

стр. 550

معنى الشهادتين السؤال ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ الجواب هذا يحتاج إلى محاضرة خاصة؛ لأن المعنى باختصار شديد: لا معبود بحق سوى الله، يعني: لا شريك له في العبادة، والنبي ﷺ لا شريك له في الاتباع. فالشهادتان فعلاً تحتاج في شرحهما إلى عدة محاضرات؛ لأن عصب الدعوة الإسلامية يكون في تحقيق هذه الكلمة تحقيقاً عملياً، وكيف حققها المسلمون الأوائل! وكيف انحرف عنها المسلمون المتأخرون! حيث إننا نجد أن فهم بعض المشركين لكلمة "لا إله إلا الله" كان أفضل من فهم جماهير المسلمين الآن لكلمة "لا إله إلا الله" ولذلك قاتلوا النبي ﷺ القتال الشنيع العنيف لأجل ألا يقولوها، كان يقول لهم: (قولوا (لا إله إلا الله) أضمن لكم بها الجنة)، فأبوا أن يقولوها، فالمسألة إذَنْ ليست مسألة قول، هم يعلمون أنهم إن قالوا: (لا إله إلا الله) خلعوا الأنداد وخلعوا السلطان، وانتُزع منهم كل شيء من زينة الحياة الدنيا بمجرد أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] يعني: لم يعد هناك سلطان ولا هيلمان ولا هيمنة، فلذلك قاتلوا دون الاعتراف بها أشد القتال، وكان يمكن أن يقولوها ويتخلصوا من جميع الحروب التي قاتلوا فيها النبي وأصحابه، لكن المشركين كانوا يفهمون معنى "لا إله إلا الله" أكثر من كثير من المسلمين الآن. نسأل الله ﵎ أن ييسر لنا محاضرات أخرى إن شاء الله؛ لكي نستتم الكلام فيما يتعلق بتحقيق "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

стр. 551

حكم توجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين السؤال ما قولكم في توجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين؟ الجواب بالنسبة لتوجه المرضى النفسانيين إلى الأطباء النفسانيين فنقول: إن معظم أطباء النفس يحتاجون إلى طبيب نفساني؛ لأنهم أيضاً مرضى، يذهب إليه الشاب يقول: أنا متعب. - فيقول له: أأحببت قبل هذا؟ - يقول له: لا، أبداً، ما لي أي تجربة. - يقول له: حاول تجرب. أسمعت موسيقى؟ - لا. - حاول تسمع موسيقى، لاسيما الموسيقى الكلاسيكية -مثلاً- من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة الواحدة. هؤلاء الناس يحتاجون إلى طبيب يعالجهم؛ لأنهم مرضى فعلاً. لذلك ننصح أي مريض مرضاً نفسياً إن كان لا بد ذاهباً فليذهب إلى طبيب نفساني تقي، يأخذ بيده إلى الله ﵎؛ لأن الله هو الذي سلبه النعمة، وهو الذي يرجعها إليه وحده ﵎ لا إله غيره، فأنت تذهب وتلتمس لعبدٍ مثلك، يمكن أن يكون هو مريض نفسياً، أنا أعرف أطباء مرضى نفسيين. يا أيها الرجل المعلم غيرَه هلاَّ لنفسك كان ذا التعليمُ تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يُسمع ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليمُ لا تنهَ عن خُلُق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ هؤلاء الذين يعانون من أمراض نفسية علاجهم -وهذا علاج مجرب- الصحبة الصالحة، يلغي كل هذه المعارف من حياته، ويعطيه الجرأة أن يقاطعهم ويخاصمهم لا، لا يستأمنهم على قلبه، وعليه بمصاحبة الأتقياء. صاحبك من إذا ذكرتَ الله أعانك، وإن نسيتَه ذكَّرك. هذا هو صاحبك، فالمشكلة من جذرها هو البُعد عن الله بأي صورة كانت، ولو نظرت إلى أي رجل في حياته ذنب عظيم فهو الذي جعله ينطوي هذا الانطواء. فالعلاج: أن يرجع وأن يصحح هذه الصحبة. ثم يقول لصاحبه: أنا مريض، أنا مكتئب، أنا أحسست -مثلاً- أن الله لن يغفر لي؛ لأنني فعلت كذا وكذا وكذا، فيتلو عليه من آي الذكر الحكيم ما هو شفاء لما في صدره، ومن حديث النبي ﷺ ما يرغبه في الآخرة، ويجعله يجزم أن الله ﵎ بحسن ظنه سيتجاوز له عن ذنبه، هنا يأتي العلاج وشفاء الصدر. أما أن يطرق باب الطبيب النفساني الذي يحتاج هو نفسه إلى طبيب نفساني، فهذا كالمستجير من الرمضاء بالنار. أتفر من الذي يرحمك إلى الذي لا يرحمك؟ هذا غير معقول! هذا دجال، ويريد أن يستحوذ أيضاً على ماله. ثم إن هذا الدجال الذي تستعين به -مثلاً- يستعين بالجن. بعضهم يقول: جني صالح. فأقول له: وما أدراك أنه صالح؟ أتأخذ دعوى الصلاح من فم الجني نفسه؟ الساحر أكفر رجل في الأرض، ويقول لك: أنا أعبد إنسان في الأرض، وكل ضال في الأرض يظن أنه على هدىً مستقيم. فالمعروف أن الجني لا يريد للإنسان خيراً، ومعروف أنه ليس لك عليه سلطان؛ بل العكس: قد يكون له عليك من السلطان ما ليس لك عليه، ومصداق ذلك قوله : ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] هل هناك شخص يجعله الجني مستقيماً؟ طبعاً لا، هل سنصنع مثل ما صنع المفتي، الذي ذهب ليأخذ الفتوى من محافظ البنك المركزي فقال له: - أنت تتعامل بالربا؟ فقال له: أبداً يا سيدي، نحن نتعامل بالربا! فقال: يكفي يا جماعة، هذا الرجل يقول أنه لا يتعامل بالربا. فهذا يقول للجني: أنت مؤمن؟ - يقول له: نعم، أنا مؤمن. - إذاً أنا أتعامل مع جني مؤمن. طيب فما أدراك أيضاً أنه مؤمن؟ يقول: بدليل أن الجني غير المؤمن يتكلم كلاماً سافلاً. نحن أيضاً يمكن أن نقول هذا الكلام، وكما يقول الله على لسان الجن: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ [الجن:١١]، فيهم الشيوعي، والكافر، والنصراني، والمنافق كالإنس تماماً، فهذا الرجل عندما يقول: أنا مؤمن، ما أدراك أنه مؤمن؟ واعلموا أن هؤلاء الذين يتعاملون مع الجن لا يمكن أن يسخروا الجن إلا بعد أن يكفروا؛ لأن الجني لا يمكن أن يخدم أحداً من الإنس إلا إن طلب منه: ألا يصلي، وأن يضع المصحف في دورة المياه، وأن يعمل عملاً نجساً فيأتي بأوراق المصحف فيضعها في دورات المياه، ويقول: إن فعلتَ ذلك أنا تحت أمرك، أعمل كل شيء يخطر ببالك، وهناك كثيرون جداً ممن كتب الله ﵎ عليهم الشقاء، يكون الجني تحت أمره، ولا يكاد يقول له قولاً إلا وجده كما قال، كأنه يعلم الغيب. فهذا الجني هو الذي أعطى هذا الرجل هذه المعلومة، كما ورد عن الرسول ﵊ -كما في الصحيحين- فيما معنى الحديث: (إن الكهان يقذفون بالكلمة، فنجد فيها حقاً وباطلاً، فقال النبي ﷺ : ليسوا بشيء، إن الجني يأتي بالكلمة من الحق فيلقيها على أفواه الكهان فيخلطونها بمائة كذبة). في عهد النبي ﵊ كان الجني يصعد إلى علو السماء ويسترق السمع، ويعرف الأخبار التي في السماء الدنيا، فينزل يلقيها على أفواه الكهان، يقول: سيكون كذا ويفعل كذا، فتنزل الأقدار على نحو ما التقط الجني، فلما بعث النبي ﵊ جعل الله ﵎ على السماء حراسة مشددة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠] أي واحد من الجن يسترق السمع ويضع أذنه على بابنا ويستمع؛ نرسل عليه شهاباً ثاقباً يقتله، فماذا يفعل الجن؟ يركبون على بعضهم، إلى أن يصلوا إلى باب السماء، فيأخذ الكلمة ويطير، ثم يذهب إلى الكاهن قبل صلاة الفجر، يقول: قل لفلان: ابق في مكان كذا وكذا، ولا تمش من طريق كذا؛ لأن ثمة شيء سيقع، وسيقع كذا في بلاد كذا. يخرج إلى الناس في الصبح وفعلاً يجد هذا كما قال الكاهن تماماً، فيظنون أنه يعلم الغيب، وهذا لا يعد غيباً؛ لأن الغيب المطلق إنما يستأثر به الله ﵎، فإذا قضى الله أن فلاناً سيموت، فيُخبر ملك الموت أن فلاناً سيموت في وقت كذا، فملك الموت مع الملائكة الموكلين بقبض الأرواح يأخذون هذا الأمر ويبدءون بتنفيذ الأمر الإلهي في هذا الإنسان. إذاًَ: طالما علم بالخبر ملَك أو أكثر لم يعد غيباً، فالغيب غيبان: - غيبٌ مطلق لا يعلمه أحدٌ إلا الله. - وغيب نسبي: يعلمه بعض الخلق دون بعض. فهو غيب بالنسبة لنا، وليس غيباً بالنسبة للملائكة، فيأتي هذا الجني فيلقي بهذا الشيء الذي لم يعد غيباً مطلقاً على أفواه الكهنة فيُحْدِث تناقضاً، فيمكن يقول لك: أنت مكتئب لأن فلان الفلاني مات. - فتقول له: نعم. - وقد صارت عندك حمى لمدة خمسة عشر يوماً. - نعم. فتجد أن أخباره صحيحة؛ لأن الجني زوده بها. فما زال بك حتى يستحوذ عليك وعلى مشاعرك، فتتصور أنك إن ابتعدت عنه خطوة فلن تعالَج. وأنه فعلاً أتى بالمرض من قراره كما يقولون. فالإنسان يتشبث به، ويتصور أن الشفاء بيده، فلا يجوز الذهاب إلى هؤلاء العرافين؛ لأنهم دجالون؛ لا يملكون ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، والذي يملك هذا كله هو الله ﵎.

стр. 552

حكم لبس الثوب الأحمر السؤال ما حكم لبس الثوب الأحمر؟ الجواب بالنسبة للُبس الثوب الأحمر، فلو أن إنساناً يلبس جلابيةً حمراء -أحمر بحت- لا يخالطها لون آخر، فهذا أقل درجاته الكراهة، للحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (رأى علي النبي ﷺ بُرداً أحمر، فعلمتُ الكراهة في وجهه، فذهبتُ إلى أهلي، فجردته واقفاً ورميت به في التنور، ثم جاء النبي ﷺ فسأل عن القميص الأحمر، فقلت: تيممت به التنور فسجرته -يعني: أحرقته- قال: لم لم تلبسها بعض أهلك؟! فإنه لا بأس للنساء). إذاً: الثياب الحمراء البحتة مكروهة بالنسبة للرجال. فإن قلتَ: فما قولك في الحديث الصحيح الذي قال فيه أحد الصحابة: (رأيت النبي ﷺ بسوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء، فكان أجمل الناس)؟ فيقال: لعل الغالب عليه كان اللون الأحمر، ولا زال الناس يحكمون بالغالب. الرسول ﷺ عندما رأى الثوب الأحمر على عبد الله بن عمرو يقول عبد الله: فعلمت الكراهة في وجهه، فلا يتصور في وصفه ﵊ أن يكره الشيء ثم يفعله، فلابد من هذا التأويل: أن هذا الثوب لم يكن ثوباً أحمر بحتاً، وإنما كانت تخالطه بعض الألوان الأخرى، فلم يكن كالذي كرهه النبي ﷺ .

стр. 553

حكم تأخير الأذان بعد طلوع الفجر الصادق بنحو نصف ساعة السؤال بالنسبة للفجر الصادق، لو قلت لرجل: إن الفجر الصادق هو قبل الأذان الذي يؤذن في الجمهورية عموماً بنحو ثلاثين دقيقة أو خمس وعشرين دقيقة، فهل هناك إثم علي؟ الجواب أنت لا جناح عليك، لأنك لا تؤخره، ولا نستطيع الحكم ببطلان صلاته إلا إذا أقمنا عليه الحجة؛ لأنه قد تكلم في ذلك علماء وهم أعلم منك وأنت لست بعالم، أنا أتركها لشيخ الأزهر أو للمفتي. أما إن علم الحق مثلاً، وأُقيمت عليه الحجة بحيث لم يبق له دليل أو لم يبق له أي علة يمكن أن يعتل بها؛ فحينئذ قد يترجح الحكم ببطلان صلاته؛ لأنه خالف الحجة بغير دليل.

стр. 554

حكم اقتناء الصور السؤال هل أباح أبو حنيفة التصوير؟ وما حكم اقتناء الصور؟ الجواب أنا لا أدري، ولا يحضرني النص عن الإمام أبي حنيفة أنه أباح الصور، وبالنسبة لاقتناء الصور، فقد قال ﷺ : (إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، الذين يضاهون خلق الله ، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم). فذهب العلماء إلى أن الصور المذكورة في الحديث قسمان: - قسم لم يختلف العلماء في تحريمه وهو النحت، والمقصود بها التماثيل المجسمة التي يقول العلماء فيها: ليس لها ظل. - لكن استثنى العلماء المحرمون للتصوير ما كان لضرورة كصورة البطاقة الشخصية، أو صورة الجواز، أو صورة البحث عن مجرمين، أو، أو إلى آخره، فكل الأشياء التي تدخل في نطاق الضرورة أباحوها تحت القاعدة المشهورة: (الضرورات تبيح المحظورات).

стр. 555

تفسير قوله تعالى: (لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) [الغاشية:٧] السؤال ما هو تفسير قوله تعالى: ﴿لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧]؟ الجواب ﴿ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٧] أي: أنه يأكل فلا يشبع، ويشرب فلا يرتوي، فيظل دائماً يقول: أنا جوعان، أنا عطشان، أي: يأكل الزقوم باستمرار ويشرب ماء الحميم باستمرار، وهذا أدعى لعذابه، أي أن هذا لا يسمنه ولا يغني عنه جوعه، فتظل حاجته دائماً إلى الطعام والشراب. أما بالنسبة لأهل الجنة -نسأل الله ﵎ أن يجعلنا من أهلها وإخواننا المسلمين جميعاً- فإن جسوم أهل الجنة تختلف عن جسوم أهل الدنيا، فهذا الجسد يفنى بعد موت الإنسان وتظل الروح فقط؛ لأن الله ﵎ يوم قضى علينا أن ننزل في هذه الدنيا قال للروح: اركبي هذا البدن، فالبدن مركوب فقط لكي تمضي بك الحياة الدنيا، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢]، وبعد أن يموت الإنسان ما عاد له أي حاجة من هذا الجسد، فهذه الروح ستذهب إلى الجسد الخاص بها إن كان في الجنة أو في النار. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (أهل الجنة على طول آدم ستين ذراعاً) فكل أهل الجنة ستون ذراعاً، وعلى خلق آدم، جميعاً كنفسٍِ واحدة. فهذا الجسد -الذي هو كجسد آدم- يناسب الخلود، لذلك لا يمرض، ولا يهرم، ولا يشيخ، ولا تصيبه العلل، وهذا يُفهم من قوله ﵊ في الحديث الصحيح: (يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على هيئة كبش فيُذبح بين الجنة والنار، فيُقال: يا أهل النار! خلود فلا موت، ويا أهل الجنة! خلود فلا موت). فهذه الأبدان مركبة بشكل خاص بحيث تناسب الخلود، ولذلك في الحديث الصحيح قال النبي ﷺ : (ضرس الكافر في النار مثل جبل أحد) إذا كان ضرسه فقط كجبل أحد، فما بالك برأسه ويديه ورجليه وكتفيه؟! فكل الموجودين في النار لهم أبدان تناسب النار، وكل الذين يدخلون الجنة -ونسأل الله أن يجعلنا من أهلها- لهم أجسام تناسب هذا الخلود. إذاًَ: لا نقيس ما نجده في حياتنا الدنيا الآن من الهرم والتعب وغير ذلك من الأشياء على الحياة الأخروية؛ لأن لها مقاييس تختلف تماماً عن مقاييس أهل الدنيا والله أعلم.

стр. 556

حكم وضع اليدين على الصدر بعد القيام من الركوع السؤال هل ورد أن النبي ﷺ كان يضع يده على صدره بعد القيام من الركوع على أساس أنه يعد من القيام؟ الجواب مسألة القبض بعد القيام من الركوع مسألة اجتهادية. فالذين أفتوا باستحباب وضع اليمنى على اليسرى على الصدر بعد القيام من الركوع إنما أخذوه من عموم بعض النصوص الشرعية التي وردت في وصف صفة صلاته ﷺ ، كما في حديث وائل بن حجر وغيره: (أن النبي ﵊ إذا كان في القيام وضع اليمنى على اليسرى) فقالوا: القيام لفظ عام يشمل كل القيام، يشمل القيام الأول والقيام الثاني، فمن فرق بين القيامين فعليه بالدليل، وإلا فنحن متمسكون بهذا العموم. هذا فحوى ما أجاب به الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز عالم السعودية المبجل -رحمه الله تعالى- وعليه تقريباً معظم البغداديين من العلماء الأفاضل الذين يرون جواز بل استحباب الضم بعد القيام من الركوع. أجاب المانعون وفي مقدمتهم الشيخ العلامة ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه وأسكنه فسيح جناته بأن هذا العموم لم يكن عليه عمل السلف الصالح، وجاء بالقاعدة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه العظيم الذي نوصي كل مسلم باقتنائه والاطلاع عليه، وتدبره سطراً سطراً لأهميته في هذا العصر، وهو كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم". ذكر في هذا الكتاب هذه القاعدة التي تقول: (إن العمل بأي جزئية من الدليل العام لم يكن عليه عمل السلف الصالح سبيل إلى الابتداع في الدين). فأقول: ليس كلُّ عموم يُعمَل به، وإن كان السلف الصالح أعرض عنه، فهذا من أعظم القدح فيه. فضرب -مثلاً- وقال: لا شك أنه لو دخل رجل إلى المسجد فوجد رجلاً يصلي تحية المسجد، وآخر يصلي تحية المسجد، وآخر يصلي تحية المسجد، وجد عشرةً -مثلاً- يصلون، قال: لماذا تصلون فرادى؟! لماذا لا نصلي هذه الشعيرة جماعة؟! وقد قال النبي ﷺ : (يد الله مع الجماعة)، وقال ﷺ : (صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بسبع وعشرين)، فلم يقل: فرضاً ولا نفلاً، وإنما قال: (صلاة الجماعة)، فلماذا نصلي فرادى؟! فقاموا جميعاً وصلوا تحية المسجد جماعة، فهل هؤلاء مبتدعون أم لا؟ مبتدعون بلا شك مع أن الأدلة العامة تعضد فعلهم، وهم لم يخرجوا عن الشرع، بل أتوا بأدلة عامة تقضي باستحباب صلاة الجماعة مطلقاً، وتحية المسجد صلاة، فهي داخلة! قال: الجواب معروف: أن هذا لم يكن عليه عمل السلف الصالح، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولو كان العمل ينهض به هذا العموم لبادر السلف الصالح إلى فعل هذا. والذين نقلوا لنا أدق الحركات والجزئيات في صفة الصلاة، فنقلوا لنا حركة الإصبع، ونقلوا لنا أن أصابع القدم تكون متجهة في حالة السجود إلى القبلة، ونقلوا لنا أن الراكع يجب أن يكون ظهره متساوياً، بحيث لو وضعت قطرة ماء على الظهر لا تتحرك، ونقلوا لنا كيفية القبض بالكف على الركبة. أفيغفلون هذا القبض الذي هو ظاهر جداً، على اعتبار أنه لو كان ثابتاً عن النبي ﷺ بحيث لا يوجد نص خاص في المسألة يقول: إن الضم في القيام الأول دون القيام الثاني، ويُترك هذا للعموم؟ هذا غير ممكن! ثم هناك مسألة أخرى وهي قوية جداً، وهي: أن هيئات الصلاة لا يصلح فيها الاجتهاد ولا الاستنباط، إنما هي توقيفية، قال النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فلا يجوز أن تستنبط هيئة بفهمك من النص، بل لا بد لكل هيئة من دليل قاطع. فقالوا: اجتهاد مشايخنا من علماء الحجاز اجتهاد في فهم النصوص الشرعية، وهيئات الصلاة توقيفية تحتاج إلى أدلة خاصة تقوم بها. فلذلك المسألة فيها -كما قلتُ- خفض ورفع. لكن ماذا لو أنه لم يفعله؟ مثلاً: إن كنت أنا أنكر عدم مشروعية القبض، فهل هذا الإنكار يجعلني -مثلاً- لا أصلي خلف من يرى المشروعية، ولا أصافحه، ولا أسلم عليه لا، هو مقلد لأئمة مجتهدين علماء، وهؤلاء العلماء سواء أصابوا أم أخطئوا، فهذا بالنسبة إليك بمنزلة العامي مع المجتهد، فهؤلاء من تبعهم لا جناح عليه كما يقول الإمام الشافعي: قول المجتهد بالنسبة للعامي كالدليل بالنسبة للمجتهد. انظروا إلى الكلام الجميل! أي: كما أنه لا يجوز للمجتهد أن يخالف الدليل، فلا يجوز للعامي أن يخالف قول المجتهد لماذا؟ لأن العامي سيخالف قول المجتهد بوجهين: إما بعلم الدليل المخالف، فلا يكون -كما قلنا- عامياً، وإما أن يكون أقل منه في العلم فلا يحل له أن يخالف قول العالم، وإلا كان متبعاً لهواه. ولذلك العلماء يقولون: مذهب العامي مذهب مفتيه، أي رجل عامي من المسلمين أفتاه عالم بفتوى لا يجوز له أن يخالفها؛ بدعوى أن هناك عالم آخر أفتى بفتوى مضادة؛ لأننا سنقول له: اثبت لي أن القول الذي ذهبت إليه أرجح من القول الذي صرفته؟ ولن يستطيع بمستطيع حتى يلج الجمل في سم الخياط لماذا؟ لأنه من العوام، فَقَدْ فَقَدَ مَلَكَةَ التمييز والترجيح، فكيف له أن ينتقل من قول هذا المجتهد إلى قول مجتهد آخر إلا بداعي الهوى؟! فلذلك مثل هذه المسائل يكفينا فيها اختلافاً، وإن خاصمت أخاك لأجل مسألة فرعية بحيث أنك تهجره؛ فاعلم أن صرح الأخوة هش جداً بينك وبينه، ولو كان هذا الصرح قوياً لا يمكن أن يزول لا بهذه المسألة ولا بعشرين مسألة مثلها. فمثل هذه المسائل نحن نبتعد عنها بمثل هذا النقاش. والله أعلم.

стр. 557

حصوننا مهددة من الداخل تتعرض السنة النبوية المطهرة للمهاجمة من قبل أناس متأثرين بالشيعة والمستشرقين، فهؤلاء يحاولون التشكيك في صحتها، وذلك بطرح الشبهات، واختلاق التناقضات والمخالفات، وهذا قد يتأثر به كثير من أبناء المسلمين، وقد تنطلي عليهم هذه الأباطيل، فكان لزاماً علينا أن نعد أنفسنا ونربي أبناءنا التربية السليمة، الكفيلة بدفع هذه الشبهات وبيان زيف هذه الترهات.

стр. 558

الهجوم على السنة إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد, وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فدرسنا في هذا المساء بعنوان: (حصوننا مهددة من الداخل). وأفتتح هذه المحاضرة بقول الله : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] نور الله هو الذكر، قرآناً وسنة (يريدون أن يطفئوا نور الله) أي: حجة الله على الخلق (بأفواههم) أي: بما يثيرونه من شبهات حول هذا الذكر، فالقرآن الكريم من جهة ثبوته لا يمتري أحد فيه، ولو شك أحد في ثبوت القرآن الكريم فهو كافر بإجماع المسلمين. بقيت السنة من جهة الثبوت، فهناك المتواتر الذي أجمع العلماء على أن منكره كافر، لكن هذا المتواتر لا يشكل إلا قدراً يسيراً جداً بالنسبة لمجموع الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﵊، فدخلوا من هذا الباب الواسع، المتواتر لا يشكل (١ %) بالنسبة لمجموع الأحاديث التي صحت عن النبي ﵊.

стр. 559

ضرر المتعالمين على العلم فظن الرجل أنه بمجرد قراءة كتاب في المصطلح أو كتاب في أصول الفقه يصير عالماً، وبدأ يستخدم كلمة الأصول يهدد بها ويرهب المخالف، فكلما قرأت عدة أسطر يقول لك: (كما هو مقرر في الأصول)، وهذا حتى يرهبك ولا تعترض عليه، ومثال ذلك: صحة السند لا تستلزم صحة المتن، يقول لك: العلماء يقولون هذا، السند في البخاري مالك عن نافع عن ابن عمر يقول لك: أصلاً علماء الحديث قالوا: إن صحة السند لا تستلزم صحة المتن. وهذا كلام حق، فالسند صحيح مالك عن نافع عن ابن عمر، لكن المتن ما له قيمة. بدأ يدخل ويهدم في السنة من خلال هذا القول، أخذ كلام الكبار وتكلم به بغير دراية ولا روي، فاضطره ذلك إلى مساورة جبال الحفظ والأئمة الثقات الفحول، وظن أنه رجل مثل هؤلاء الكبار فساورهم، ونقول: لا. ليس كل ذكر رجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب:٢٣] وليس من المؤمنين ذكور، هناك ذكران الإناث أفضل منهم، لكن لا تكون المرأة أفضل أبداً من الرجل، لكن ممكن تكون أفضل من الذكر. وهذا ذكرني بقصة ظريفة: أن رجلاً ينتحل لبس رجل آخر ويظن أنه صار مثله، أو يتكلم باصطلاحه ويظن أنه صار مثله، هذه القصة ذكرها أهل الأدب منهم صاحب الأغاني عن شاعر من طبقة الشعراء الصعاليك في الجاهلية، وهو من أشهر ثلاثة منهم، وشعره أكثر الشعر دوراناً في الكتب لهذه الطبقة، طبقة الشعراء الصعاليك، واسمه: ثابت بن جابر ولقبه: تأبط شراً , معروف في الكتب بـ تأبط شراً، قال تأبط شراً ثم يذكرون أبياته اسمه غير معروف. ولماذا قيل تأبط شراً؟ حكايات، منها أنه وجد الغول -حكاية- على هيئة خروف، فوضع الغول تحت إبطه، وذهب إلى أهله فقالوا: ما لك يا ثابت؟ ما هذا؟ هذا الغول، لقد تأبطت شراً، فقالوا: تأبط شراً ومضى هذا اللقب والتصق به. فهذا تأبط شراً كان دميماً ونحيفاً، فقابله رجل ثقفي فقال له: بم تغلب الرجال يا ثابت وأنت دميم وضئيل؟ قال: باسمي، ساعة ألقى الرجل أقول له: أنا تأبط شراً فينخلع قلبه، فآخذ منه ما أريد، قال: بهذا فقط؟ قال: ليس أكثر من هذا. ففكر الثقفي قليلاً ثم قال له: هل تبيعني اسمك؟ قال: بكم تشتريه؟ قال: بهذه الحلة الجيدة -كان لابساً قميصاً جديداً- وبكنيتي، أعطيك كنيتي على البيعة كذا، وأعطيك هذه الحلة الجيدة، قال: موافق، اخلع، أخذ منه الحلة وقال له: أنت فلان، قال له: وأنت إذاً تأبط شراً، والرجل الثقفي كان يكنى أبا وهب، قال له: أنت تأبط شراً وأنا أبو وهب! فـ تأبط شراً أرسل إلى زوجة هذا الثقفي الأحمق ثلاثة أبيات من الشعر، قال فيها: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب وأين له بأس كبأسي وثورتي وأين له في كل فادحة قلبي نعم. هو أخذ الاسم، لكن هل أخذ قلبي وجرأة جناني، وثباتي على الأحداث؟ هل أخذ جلدي؟ ما أخذها، أهو أبو وهب هذا الجبان الذي لبس جلد السبع، إذا قابل رجلاً وأراد أن يخوفه، يقول له: أنا تأبط شراً وقلبه ضعيف؟! صحيح إنه لابس جلد سبع، لكن قلبه ضعيف، فـ تأبط شراً أعطاه الاسم فقط، لكن بقي قلبه القوي. ألا هل أتى الحسناء أن حليلها تأبط شراً واكتنيت أبا وهب فهذا الرجل بمجرد أنه تصور أن صحة السند تستلزم صحة المتن ظن أنه صار كـ أبي حاتم الرازي، أو كـ أبي زرعة الرازي، أو صار كالإمام البخاري، أو الإمام مسلم، لا. فدع عنك الكتابة لست منها ولو لطخت وجهك بالمداد لو كب على نفسه دواة حبر سنقول له: اذهب اشتغل بأي شيء إلا الكتابة، فالرجل بمجرد أنه قرأ كتاباً في المصطلح ظن أنه يستطيع أن يساور جبال الحفظ وأئمة الدين والورع، هيهات هيهات!! هذه العلوم تحتاج إلى ملكة، وحتى صحة السند تستلزم صحة المتن أيضاً.

стр. 560

السنة بيان للقرآن فلا يجوز العبث بها ونحن نعلم أن السنة بيان للقرآن، وإذا ضاع المبين لم تنتفع بالمجمل، لأن أغلب الإشكال يأتي من الإجمال، والمبين يزيل الإشكال، إنما أكثر المشاكل أتت من الكلام المجمل الذي يحتمل معنىً ومعنين وثلاثة وأربعة وخمسة، فيختلف الناس وتذهب العقول فيه كل مذهب، فإذا ساغ أن يلعب في هذا البيان بدعوى أن الرواة ليسوا معصومين فقد ضيعنا الدين كله، وهذه هي أعظم المحن التي ابتلي المسلمون بها، وهي أعظم من غزو اليهود لأراضي المسلمين. العبث بهذا الصرح العظيم من أناس جهلة أتيحت لهم الفرصة أن يتكلموا باسم الحياز والنقاش العلمي، فبدءوا يعيثون في الأرض فساداً، ومنهم هذا البيطري الغلام الذي نشر كتاباً قبل ذلك سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، هذا الكتاب لا يساوي شيئاًَ بجانب الكتاب الذي نشره بعنوان: تبصير الأمة بحقيقة السنة، ويقول: إن هذا هو الجزء الأول من ثلاثة أجزاء. الرجل ينشر فيه جهله وضلاله على الأمة، ويقول في افتتاح هذا الكتاب: إن علماء المسلمين جميعاً لا يستثني واحداً، من أيام سعيد بن المسيب، تتابعوا يقلد بعضهم بعضاً، ويسلمون بأقوال ليست بحجة حتى أقامه الله ليقيم الحجة للمسلمين، وليبين ضلال الألوف المؤلفة من العلماء الذين مضوا على توالي هذه القرون، وقلد بعضهم بعضاً بلا روية وبلا أي فهم. فهذا افتتاح الكتاب. وهذا الافتتاح ينطبق عليه قول النبي ﷺ : (من قال هلك الناس فهو أهلكهم). رجل يدعي أنه وحده على الهدى، فالعدل والأقرب إلى سواء الصراط أن يكون هو الهالك، إذ إن الباطل أقرب من الواحد وأبعد عن الجماعة، لاسيما إذا مضت القرون الفاضلة بمثل هذا الفهم، فيأتي هذا ليعبث بهذا الصرح، صحيح أنه لا يضر السحاب نبح الكلاب، لكن بكل أسف هناك من ينطوي تحت لواء أهل السنة والجماعة ولا يفهم شيئاً عن مذهبهم، وهذه المحاضرات التي نبثها في كل مكان إنما هي حماية ووقاية لأمثال هؤلاء، وهم يشكلون سواداً عظيماً بين صفوف المسلمين. العناوين تشد انتباه الغالب الأعم، لأن أكثر الناس لا يقرءون، لذلك اختيار العناوين البراقة أحد أساليب خطف القلوب، يعني: هذا البيطري الغلام صاحب الكتاب، لما قام المسلمون العلماء وهاجموا هذا الهراء والخبل والخطل الذي نشره باسم العلم. فقال: أنتم اكتفيتم بقراءة عنوان كتابي ما قرأتم الكتاب، ويحتج بمثل هذا، يقول: لا بد من قراءة الكتاب، فلا تحكموا على الكتاب من هذا العنوان، نقول: من ينشر كتاباً بعنوان: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، فماذا تريدني أن أقرأ؟! قد لخصت كل الكتاب في العنوان (تحريم النقاب) كان لو وضع عنواناً موهماً مثل رسالة للجلال السيوطي سماها: إسبال الكساء على النساء، أنت عندما تسمع العنوان تظن أن موضوع الكتاب هو الحجاب، مع أن هذا الكتاب يتكلم عن النساء: هل يرين الله في الآخرة أم لا؟ الموضوع بعيد جداًَ، الموضوع لا علاقة له بعنوان الكتاب (إسبال الكساء على النساء) أنت تتصور أنه يتكلم في الحجاب والنقاب وهو يتكلم عن القضية المختلف فيها بين العلماء: هل النساء يرين الله في الآخرة أم لا؟ والصواب الراجح الذي لا محيد عنه أنهن يرين الله أيضاً كالرجال. فهذا عنوان موهم، فمثله يمكن أن تقول: أنت لا تحكم على الكتاب حتى تقرأ مضمونه. لكن إذا قال: (تذكير الأصحاب بتحريم النقاب)، فقد فصل في القضية، فلو كتب رجل كتاباً وسماه مثلاً: غاية المنى بتحريم الزواج واستحباب الزنا، تريدوني أن أقرأ الكتاب! لو أنني هاجمت هذا الكتاب وقلت: هو دعوة للفجور والفحش، يأتي يتوجع ويقول: لم يقرأ كتابي! هذا عنوان واضح جداً، و (العناوين أنساب الكتب) كما يقال. فعندما يأتي هذا الرجل ويدخل على السنة النبوية، هذا الصرح الشامخ الذي تحمَّل كل ضربات المبتدعة وما زال شامخاً، لأنه تتمة الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، علماء المسلمين أجمعوا على أن المقصود بالذكر في هذه الآية هو القرآن والسنة، إذ لو جاز أن يضيع البيان لم ننتفع بالمجمل، (أقيموا الصلاة) هذا إجمال، (آتوا الزكاة) هذا إجمال، بيان الأنصبة، بيان تنوع الزكوات، بيان الركعات والسجدات، ما يقال في الركوع وما يقال في السجود، كل هذا حفظته السنة، فلو جاز أن يضيع هذا البيان لضاع كثير من أحكام القرآن والإسلام.

стр. 561

منهجية الحياد العلمي في ميزان الشرع ومعيار الألقاب الأكاديمية عند العلماء فهذه المحاضرة إطلالة على الخطر الداهم الذي يدهم ديار المسلمين من أبنائهم، أو ممن ينتسبون إليهم بدعوى البحث العلمي، ودعوى الحياد العلمي الموجود الآن في مناهج الدراسات العليا ومناهج تحصيل الدكتوراه والماجستير في الجامعات، خرجت لنا دكاترة، وخرجت لنا من يدرس وعنده انتماء ضعيف لهذا الدين، سبب هذا الانتماء الضعيف هذه المناهج التي وضعت باسم الحياد العلمي. إذا أراد رجل أن يكتب في مقارنة الأديان أو في المذاهب يقول له: لابد أن تتجرد من كونك مسلماً؛ لأنك إذا كتبت عن الفرق الأخرى، أو عن الديانات الأخرى، أو الشرائع الأخرى وأنت مسلم ستنحاز إلى دينك، وإلى مذهبك، فهذا يضللك عن الوصول إلى الحق بحياد، كيف تكون محايداً لا تكن منتمياً. وظن البسطاء الذين وقفوا على عتبات طلب العلم أن هذا حق، وأنه ينبغي فعلاً أن يكون الإنسان محايداً، ويأتون بالأدلة العامة، العدل في الغضب والرضا، والعدل مع الخصوم ومع غير الخصوم، سبحان الله! أعداؤنا هل يتعاملون معنا بهذا الحياد؟! لا يتعاملون بهذا الحياد أبداً. قيل للإمام أحمد: -وقد تكلم في بعض المبتدعة- هلا سكت؟! قال: وهل سكتوا حتى أسكت؟!! أي: ماداموا هم يتكلمون فأنا لا أسكت أبداً، والكلام في أهل البدع من أعظم الجهاد لاسيما في هذا الزمان، لاسيما إذا كانت البدعة قبيحة منتشرة، مع هذا الفقر المدقع الذي يعاني منه جماهير المسلمين، أعني: فقر العلم. نشر الرجل الكتاب وكتب على آخره: حصل على بكالوريوس في الطب البيطري سنة كذا، وبعد ذلك عين فوراً معيداً، وموضوع فوق (فوراً) نقطتين، كأنه هو الذي أنقذ الحيوانات والبهائم! ها هو كل المعيدين يعينوا فوراً ما الإشكال؟ وضع (فوراً) بنقطتين حتى لا تفور، وبعد أن حضر الماجستير أخذ وعين مدرساً مساعداً، وحتى ترقى إلى حد أستاذ، وبعد ذلك رئيس قسم، وبعد ذلك رئيس لجنة السموم الثلاثية، وبعد ذلك رئيس قسم إلخ، أخذ نصف الصفحة في نياشين يشاركه فيها أي واحد وصل إلى درجة الأستاذية في الجامعة، لأنه يمر بهذه المراحل كلها. لكن الناس عندهم اغترار بالألقاب والنياشين، فمثلاً: شخص يريد أن يكشف عن مرض في جسده، فيبحث عن دكتور، فيذهب لدكتور له اسم طويل عريض وتحته خمس سطور: زميل هيكل الجراحين وزميل مشارك وصديق , وخمسة سطور، فهذا هو الممتاز، يدخل هذا زميل الجراحين في كذا وكذا وكذا والأمر أسهل من هذا، لكن الناس أسرع لهذه النياشين والألقاب، ولا مانع من أن يكتب نصف الصفحة حتى وصل إلى اللجنة الثلاثية في السموم. لكن ما هي المؤهلات الشرعية التي حصل عليها؟! أنت لا تتكلم الآن في الطب، أنت تتكلم في الشرع، فما هي مؤهلاتك في الشرع؟ دبلوم في القراءات من الأزهر الشريف! دكتوراه في الفلسفة! وأخذ في كلية الحقوق! كل هذا أيضاً على حسب النياشين العلمية لا تؤهلك أصلاً أن تتكلم في الشرع. لكن كما قلت لكم الناس أسرع للنياشين، وهذا يذكرني بصاحب القط: يقال أن رجلاً كان له قط أراد بيعه، فجاءه رجل فقال: كم ثمن هذا القط؟ قال: كذا درهم، فتركه وجاء آخر فقال: كم ثمن هذا الهر؟ ثم تركه، وجاء ثالث فقال: كم قيمة هذا السنور؟ ثم تركه، وجاء رابع وخامس وكل واحد يذكر له اسماً ثم لا يشتريه، فرمى به وقال: قاتلك الله، ما أكثر أسماءك وأقل غناءك! أسماء كثيرة ونياشين بمقدار نصف صفحة كاملة، لكن ما أقل غناءها! هذه لا تعطيه علماً ولا أدباً عندما يتكلم عن أبي هريرة، يقول: أبو هريرة كان من المصائب التي ابتلي بها المسلمون، وكذب على النبي ﷺ ، ولكن بحسن نية بلا شك! ولم يكن عنده فقه ولا دراية! لذلك كان ينقل الأحاديث التي تهدم الدين ولا يدري، إذ لو كان يدري ما رواها أصلاً، لمز أبا هريرة في أكثر من عشرين موضعاً في الكتاب. أما الإمام البخاري فمسح به الأرض، قال: إن البخاري رجل طيب، (يعني: مغفلاً) ينقل الأحاديث؛ لكن لم يكن له دراية بعلم الحديث، البخاري! يعني: لو جاء رجل وقال سيبويه والكسائي وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد والأخفش الصغير والكبير لا يعرفون أن الفاعل مرفوع بالضمة لرجموه بالحجارة، سيبويه لا يعرف أن الفاعل مرفوع بالضمة! عندما يقول للبخاري: الرجل طيب، أي: المغفل، ولم يكن له دراية بعلم الحديث، البخاري الذي وضع أصول هذا العلم مع العلماء الجهابذة الكبار لم يكن له دراية! تصور عندما يمشي الكتاب كله على هذه الوتيرة! وتكلم عن الصحابة والتابعين كلاماً سخيفاً جداً، كل هذا بدعوى الحياد العلمي ومنهجية: لا نجامل أحداً أصلاً، الكل أمام الحق سواء، بدءاً من أبي بكر إلى آخر شخص، نعاملهم على أساس أن الدماء متكافئة، ومشى بهذه الصورة في الكتاب كله، وسنعرض بعض النماذج، وأنا اتخذت هذا العرض صورة لتجسيد المحنة التي نعيشها الآن، ثم كيف الخلاص من هذه المحنة؟!

стр. 562

امرأة لبنانية تنشر كتاباً تنتقد فيه السنة الصحيحة بالعقل وهذه امرأة لبنانية نشرت كتاباً، والله فوضى لا عمر لها! نحن نحتاج إلى رجل مثل عمر، من أجل أن يجلد هؤلاء المفترين على الله ورسوله، وعلى أئمة العلم، هؤلاء ينبغي أن يحجروا حفاظاً للديانة، وحجرهم أولى من حجر الذين يستحقون الحجر الصحي، حجر هؤلاء عن المسلمين ديانة ينبغي أن يكون واجباً في عنق أولياء الأمور. امرأة كتبت كتاباً: هل النساء أكثر أهل النار؟ فمعترضة, تقول: لا. ليس النساء أكثر أهل النار، هي تدافع عن حرية المرأة وحقوقها، فمن ضمن حقوق المرأة أنها تدخل الجنة حتماً. من الذي صنع القنبلة الذرية في هيروشيما؟ ومن يصنع الأسلحة الفتاكة، وأسلحة الدمار الشامل، وصواريخ عابرات القارات، والذي يدمر الدنيا؟ ومن الذي أقام الحروب وحرق إلخ أليس الرجال؟ هم الذي ينبغي أن يكونوا أكثر أهل النار، لا اللاتي يقطعن الثوم والبصل، وهن مساكين ومكسورات الجناح، فلا يجتمع عليهن عذاب في الدنيا والآخرة! الذي يدخل النار هو الذي أفسد فقتل العباد وخرب البلاد. يا امرأة! ماذا تفعلين بحديث البخاري؟ قالت لك: ابن الجوزي قال: صحة السند لا تستلزم صحة المتن، أنت أيضاً تقولين الكلام هذا؟! صحة السند لا تستلزم صحة المتن؟! سبحان الله! يعني: لو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثان وثالث

стр. 563

العقل يحكمه الشرع ثم تنقد الرواية فتقول لك: الرواية هذه لا يمكن للعقل أن يقبلها، والله لم يشرع شيئاً يخالف العقل، أي شيء يرفضه العقل السوي المستوي فليس من الممكن أن ينزل في الشرع شيء يخالفه ويضاده. نقول: نعم. لكن عقلك أو عقل فلان أو عقل أبي إردان الذي نحن نرد عليه الآن. لكن عندما تختلف كل هذه العقول أليس من اللازم وجود حاكم يرجعون إليه عند التنازع، أليس كذلك؟ ألا يكون هذا العقل الحاكم هو عقل الرسول ﵊؟! لو نحن تكلمنا بهذا المستوى، أليس هو الذي ينبغي أن نرجع إليه في التحاكم؟ هذا اختلف! وهذا اختلف! وهذا اختلف! وكقضبان القطار خطان متوازيان، إذاً ماذا نفعل؟ أليس يوجد عقل ثالث يحكم بينهم؟ حتى في القضاء والقوانين يقولون: السلطة القضائية للفصل بين السلطات، السلطة هذه اختلفت وهذه اختلفت وهذه اختلفت، يقول لك: القضاء لا يعرف لمن يحكم، لا بد أن يرجع إلى عقل في النهاية تجتمع عليه كل هذه العقول. فهي تقول: هذا الحديث مخالف للعقل، طيب أين الخلاف فيه؟ تقول لك: إن حديث البخاري ومسلم أن النبي ﷺ جاء في يوم عيد، فذكر النساء ووعظهن، وقال: (يا معشر النساء! تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة من سطة النساء، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن، فقلن: نكفر بالله؟ قال: لا. تكفرن العشير -أي الزوج- وتكفرن الإحسان، وإذا أحسن الرجل إليكن الدهر، لقلتن: ما رأينا منك خيراً قط). ما هو المنافي للعقل هنا؟ تقول لك: الرسول ﵊ صاحب الأخلاق، يأتي في يوم عيد بدلاً من أن يقول: (كل سنة وأنتم طيبون) يقول: أنتن في جهنم وبئس المصير! أهذا الكلام يعقل!! من صاحب الأخلاق. رأيت العقل المستوي!! فتقول لك: لا. وصحة السند لا تستلزم صحة المتن. ليس أضر على العلوم من دخول غير أهلها فيها، روي أن خالد بن صفوان الخطيب البليغ المشهور، وهذا الرجل كان من أبلغ الناس، فدخل يوماً الحمام، وكانت الحمامات عامة، فجاء رجل من غبراء الناس بابنه إلى الحمام، فرأى ابن صفوان، فيريد أن يبين لـ ابن صفوان أنه ليس هو وحده البليغ، فأنا أيضاً بليغ أتكلم العربية بالسليقة، قال: (يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك) الباء هذه تجر بلداً، لأنها حرف جر والأصل أن يقول: (يا بني! ابدأ بيديك ورجليك)؛ لكنه يريد يعرفه أنه ليس أنت لوحدك المتفرد بالبلاغة في الدنيا، أنا كذلك موجود: (يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك)، ثم التفت إلى خالد كالمتباهي، وقال: يا ابن صفوان هذا كلام قد ذهب أهله، فقال له ابن صفوان: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط. فعندما يدخل من هؤلاء على سيبويه يريد يتلاحن عليه، فأعظم ضرر على العلوم أن يدخل غير أهلها فيها. شخص قابل رجلاً وكان لحاناً كلما ينطق جملة يقول له: يا أخي! هذا مرفوع، وهذا مكسور، وهذا منصوب، لا يستطيع التكلم معه، كلما تكلم عدله، فجاء الرجل العالم، وطرق عليه الباب وقال: أخوك هنا؟ قال له: لا، لي، لو! أنا لو قلت: لا، ستقول: لي، لو، خذ الثلاثة واختر أحدها. لا لي لو! وقابل رجل لحان رجلاً آخر لحاناً فقال له: من أين أتيت؟ قال: أتيت من عند (أهلونا)، فقام اللحان الآخر فقال: قاتلك الله ما أفصحك! أنا أعلم من أين أخذتها: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، الرجل يتكلم بالقرآن. فعندما يدخل هؤلاء في العربية كم من الفساد يحصل أو عندما يدخل هذا البيطري في علوم الدين والحديث والفقه والاستنباط وهو ضعيف الملكة، متخلف النظر فيها، كم يكون من الجناية إذا ترك أمثال هؤلاء؟!

стр. 564

معنى قاعدة: صحة السند لا تستلزم صحة المتن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، قالها العلماء لطبقة معينة من علماء الحديث، وهم العلماء الذين تمرسوا على هذه الصناعة حتى اختلطت بشحمهم ولحمهم وصار لهم ملكة فيها، حتى إن العالم من هؤلاء إذا سمع متناً بغير سند يحكم عليه بالبطلان، ثم تكتشف أنه باطل بعد ذلك، كيف حكمت عليه بالبطلان بغير سند؟ بالدربة والممارسة, ولا زالت الممارسة شيئاً أكيداً يعترف الكل به في كل الصناعات والفنون، ليس في العلم الشرعي فقط. مثلاً الطبيب الذي مر عليه أربعون سنة في المهنة يختلف عن الطبيب الذي معه أعلى دكتوراه في الدنيا ومر عليه عشر سنين فقط، لأن هذا ممارس وعنده من الخبرة أكثر من الذي معه دكتوراه، أحياناً الطبيب ينظر إلى رجل يقول هذا مريض بكذا، أأنت منجم؟ يقول لك: لا. لكن من دربته وممارسته أن لون العين تغير! أن لون الوجه تغير! أن لون الجلد تغير! يقول: هذا عنده المرض الفلاني، ويسلمون له، يسلمون لكل واحد في فنه إلا للشيخ، إذا الشيخ تكلم في الطب يقولون: أنت ما لك والطب؟ وإذا هم دخلوا يهجمون على الشيخ قال: لماذا تهجمون عليّ؟ يقولون: هذا الدين ليس لك، الكهنوتية هذه ليست في الإسلام، الدين للكل. نعم. الدين للكل اعتقاداً، لكن العلم لطائفة معينة فقط, كما أنك تنكر أن يتكلم غير الأطباء في الطب، أيضاً لابد أن ننكر أن يتكلم غير العلماء في العلم، لكن جدار المشايخ قصير والكل يتسلق عليه ولا صريخ لهم.

стр. 565

نماذج من الاعتراضات على السنة نماذج من الاعتراضات التي أوردها وزعم أن علماء المسلمين جميعاً لم يفهموها وهو الذي فهمها.
следующие страницы →