← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

منهجية الحياد العلمي في ميزان الشرع ومعيار الألقاب الأكاديمية عند العلماء فهذه المحاضرة إطلالة على الخطر الداهم الذي يدهم ديار المسلمين من أبنائهم، أو ممن ينتسبون إليهم بدعوى البحث العلمي، ودعوى الحياد العلمي الموجود الآن في مناهج الدراسات العليا ومناهج تحصيل الدكتوراه والماجستير في الجامعات، خرجت لنا دكاترة، وخرجت لنا من يدرس وعنده انتماء ضعيف لهذا الدين، سبب هذا الانتماء الضعيف هذه المناهج التي وضعت باسم الحياد العلمي. إذا أراد رجل أن يكتب في مقارنة الأديان أو في المذاهب يقول له: لابد أن تتجرد من كونك مسلماً؛ لأنك إذا كتبت عن الفرق الأخرى، أو عن الديانات الأخرى، أو الشرائع الأخرى وأنت مسلم ستنحاز إلى دينك، وإلى مذهبك، فهذا يضللك عن الوصول إلى الحق بحياد، كيف تكون محايداً لا تكن منتمياً. وظن البسطاء الذين وقفوا على عتبات طلب العلم أن هذا حق، وأنه ينبغي فعلاً أن يكون الإنسان محايداً، ويأتون بالأدلة العامة، العدل في الغضب والرضا، والعدل مع الخصوم ومع غير الخصوم، سبحان الله! أعداؤنا هل يتعاملون معنا بهذا الحياد؟! لا يتعاملون بهذا الحياد أبداً. قيل للإمام أحمد: -وقد تكلم في بعض المبتدعة- هلا سكت؟! قال: وهل سكتوا حتى أسكت؟!! أي: ماداموا هم يتكلمون فأنا لا أسكت أبداً، والكلام في أهل البدع من أعظم الجهاد لاسيما في هذا الزمان، لاسيما إذا كانت البدعة قبيحة منتشرة، مع هذا الفقر المدقع الذي يعاني منه جماهير المسلمين، أعني: فقر العلم. نشر الرجل الكتاب وكتب على آخره: حصل على بكالوريوس في الطب البيطري سنة كذا، وبعد ذلك عين فوراً معيداً، وموضوع فوق (فوراً) نقطتين، كأنه هو الذي أنقذ الحيوانات والبهائم! ها هو كل المعيدين يعينوا فوراً ما الإشكال؟ وضع (فوراً) بنقطتين حتى لا تفور، وبعد أن حضر الماجستير أخذ وعين مدرساً مساعداً، وحتى ترقى إلى حد أستاذ، وبعد ذلك رئيس قسم، وبعد ذلك رئيس لجنة السموم الثلاثية، وبعد ذلك رئيس قسم إلخ، أخذ نصف الصفحة في نياشين يشاركه فيها أي واحد وصل إلى درجة الأستاذية في الجامعة، لأنه يمر بهذه المراحل كلها. لكن الناس عندهم اغترار بالألقاب والنياشين، فمثلاً: شخص يريد أن يكشف عن مرض في جسده، فيبحث عن دكتور، فيذهب لدكتور له اسم طويل عريض وتحته خمس سطور: زميل هيكل الجراحين وزميل مشارك وصديق , وخمسة سطور، فهذا هو الممتاز، يدخل هذا زميل الجراحين في كذا وكذا وكذا والأمر أسهل من هذا، لكن الناس أسرع لهذه النياشين والألقاب، ولا مانع من أن يكتب نصف الصفحة حتى وصل إلى اللجنة الثلاثية في السموم. لكن ما هي المؤهلات الشرعية التي حصل عليها؟! أنت لا تتكلم الآن في الطب، أنت تتكلم في الشرع، فما هي مؤهلاتك في الشرع؟ دبلوم في القراءات من الأزهر الشريف! دكتوراه في الفلسفة! وأخذ في كلية الحقوق! كل هذا أيضاً على حسب النياشين العلمية لا تؤهلك أصلاً أن تتكلم في الشرع. لكن كما قلت لكم الناس أسرع للنياشين، وهذا يذكرني بصاحب القط: يقال أن رجلاً كان له قط أراد بيعه، فجاءه رجل فقال: كم ثمن هذا القط؟ قال: كذا درهم، فتركه وجاء آخر فقال: كم ثمن هذا الهر؟ ثم تركه، وجاء ثالث فقال: كم قيمة هذا السنور؟ ثم تركه، وجاء رابع وخامس وكل واحد يذكر له اسماً ثم لا يشتريه، فرمى به وقال: قاتلك الله، ما أكثر أسماءك وأقل غناءك! أسماء كثيرة ونياشين بمقدار نصف صفحة كاملة، لكن ما أقل غناءها! هذه لا تعطيه علماً ولا أدباً عندما يتكلم عن أبي هريرة، يقول: أبو هريرة كان من المصائب التي ابتلي بها المسلمون، وكذب على النبي ﷺ ، ولكن بحسن نية بلا شك! ولم يكن عنده فقه ولا دراية! لذلك كان ينقل الأحاديث التي تهدم الدين ولا يدري، إذ لو كان يدري ما رواها أصلاً، لمز أبا هريرة في أكثر من عشرين موضعاً في الكتاب. أما الإمام البخاري فمسح به الأرض، قال: إن البخاري رجل طيب، (يعني: مغفلاً) ينقل الأحاديث؛ لكن لم يكن له دراية بعلم الحديث، البخاري! يعني: لو جاء رجل وقال سيبويه والكسائي وأبو عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب والخليل بن أحمد والأخفش الصغير والكبير لا يعرفون أن الفاعل مرفوع بالضمة لرجموه بالحجارة، سيبويه لا يعرف أن الفاعل مرفوع بالضمة! عندما يقول للبخاري: الرجل طيب، أي: المغفل، ولم يكن له دراية بعلم الحديث، البخاري الذي وضع أصول هذا العلم مع العلماء الجهابذة الكبار لم يكن له دراية! تصور عندما يمشي الكتاب كله على هذه الوتيرة! وتكلم عن الصحابة والتابعين كلاماً سخيفاً جداً، كل هذا بدعوى الحياد العلمي ومنهجية: لا نجامل أحداً أصلاً، الكل أمام الحق سواء، بدءاً من أبي بكر إلى آخر شخص، نعاملهم على أساس أن الدماء متكافئة، ومشى بهذه الصورة في الكتاب كله، وسنعرض بعض النماذج، وأنا اتخذت هذا العرض صورة لتجسيد المحنة التي نعيشها الآن، ثم كيف الخلاص من هذه المحنة؟!

стр. 562

امرأة لبنانية تنشر كتاباً تنتقد فيه السنة الصحيحة بالعقل وهذه امرأة لبنانية نشرت كتاباً، والله فوضى لا عمر لها! نحن نحتاج إلى رجل مثل عمر، من أجل أن يجلد هؤلاء المفترين على الله ورسوله، وعلى أئمة العلم، هؤلاء ينبغي أن يحجروا حفاظاً للديانة، وحجرهم أولى من حجر الذين يستحقون الحجر الصحي، حجر هؤلاء عن المسلمين ديانة ينبغي أن يكون واجباً في عنق أولياء الأمور. امرأة كتبت كتاباً: هل النساء أكثر أهل النار؟ فمعترضة, تقول: لا. ليس النساء أكثر أهل النار، هي تدافع عن حرية المرأة وحقوقها، فمن ضمن حقوق المرأة أنها تدخل الجنة حتماً. من الذي صنع القنبلة الذرية في هيروشيما؟ ومن يصنع الأسلحة الفتاكة، وأسلحة الدمار الشامل، وصواريخ عابرات القارات، والذي يدمر الدنيا؟ ومن الذي أقام الحروب وحرق إلخ أليس الرجال؟ هم الذي ينبغي أن يكونوا أكثر أهل النار، لا اللاتي يقطعن الثوم والبصل، وهن مساكين ومكسورات الجناح، فلا يجتمع عليهن عذاب في الدنيا والآخرة! الذي يدخل النار هو الذي أفسد فقتل العباد وخرب البلاد. يا امرأة! ماذا تفعلين بحديث البخاري؟ قالت لك: ابن الجوزي قال: صحة السند لا تستلزم صحة المتن، أنت أيضاً تقولين الكلام هذا؟! صحة السند لا تستلزم صحة المتن؟! سبحان الله! يعني: لو كان سهماً واحداً لاتقيته ولكنه سهم وثان وثالث

стр. 563

العقل يحكمه الشرع ثم تنقد الرواية فتقول لك: الرواية هذه لا يمكن للعقل أن يقبلها، والله لم يشرع شيئاً يخالف العقل، أي شيء يرفضه العقل السوي المستوي فليس من الممكن أن ينزل في الشرع شيء يخالفه ويضاده. نقول: نعم. لكن عقلك أو عقل فلان أو عقل أبي إردان الذي نحن نرد عليه الآن. لكن عندما تختلف كل هذه العقول أليس من اللازم وجود حاكم يرجعون إليه عند التنازع، أليس كذلك؟ ألا يكون هذا العقل الحاكم هو عقل الرسول ﵊؟! لو نحن تكلمنا بهذا المستوى، أليس هو الذي ينبغي أن نرجع إليه في التحاكم؟ هذا اختلف! وهذا اختلف! وهذا اختلف! وكقضبان القطار خطان متوازيان، إذاً ماذا نفعل؟ أليس يوجد عقل ثالث يحكم بينهم؟ حتى في القضاء والقوانين يقولون: السلطة القضائية للفصل بين السلطات، السلطة هذه اختلفت وهذه اختلفت وهذه اختلفت، يقول لك: القضاء لا يعرف لمن يحكم، لا بد أن يرجع إلى عقل في النهاية تجتمع عليه كل هذه العقول. فهي تقول: هذا الحديث مخالف للعقل، طيب أين الخلاف فيه؟ تقول لك: إن حديث البخاري ومسلم أن النبي ﷺ جاء في يوم عيد، فذكر النساء ووعظهن، وقال: (يا معشر النساء! تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقامت امرأة من سطة النساء، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: إنكن تكثرن اللعن، وتكفرن، فقلن: نكفر بالله؟ قال: لا. تكفرن العشير -أي الزوج- وتكفرن الإحسان، وإذا أحسن الرجل إليكن الدهر، لقلتن: ما رأينا منك خيراً قط). ما هو المنافي للعقل هنا؟ تقول لك: الرسول ﵊ صاحب الأخلاق، يأتي في يوم عيد بدلاً من أن يقول: (كل سنة وأنتم طيبون) يقول: أنتن في جهنم وبئس المصير! أهذا الكلام يعقل!! من صاحب الأخلاق. رأيت العقل المستوي!! فتقول لك: لا. وصحة السند لا تستلزم صحة المتن. ليس أضر على العلوم من دخول غير أهلها فيها، روي أن خالد بن صفوان الخطيب البليغ المشهور، وهذا الرجل كان من أبلغ الناس، فدخل يوماً الحمام، وكانت الحمامات عامة، فجاء رجل من غبراء الناس بابنه إلى الحمام، فرأى ابن صفوان، فيريد أن يبين لـ ابن صفوان أنه ليس هو وحده البليغ، فأنا أيضاً بليغ أتكلم العربية بالسليقة، قال: (يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك) الباء هذه تجر بلداً، لأنها حرف جر والأصل أن يقول: (يا بني! ابدأ بيديك ورجليك)؛ لكنه يريد يعرفه أنه ليس أنت لوحدك المتفرد بالبلاغة في الدنيا، أنا كذلك موجود: (يا بني! ابدأ بيداك ورجلاك)، ثم التفت إلى خالد كالمتباهي، وقال: يا ابن صفوان هذا كلام قد ذهب أهله، فقال له ابن صفوان: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً قط. فعندما يدخل من هؤلاء على سيبويه يريد يتلاحن عليه، فأعظم ضرر على العلوم أن يدخل غير أهلها فيها. شخص قابل رجلاً وكان لحاناً كلما ينطق جملة يقول له: يا أخي! هذا مرفوع، وهذا مكسور، وهذا منصوب، لا يستطيع التكلم معه، كلما تكلم عدله، فجاء الرجل العالم، وطرق عليه الباب وقال: أخوك هنا؟ قال له: لا، لي، لو! أنا لو قلت: لا، ستقول: لي، لو، خذ الثلاثة واختر أحدها. لا لي لو! وقابل رجل لحان رجلاً آخر لحاناً فقال له: من أين أتيت؟ قال: أتيت من عند (أهلونا)، فقام اللحان الآخر فقال: قاتلك الله ما أفصحك! أنا أعلم من أين أخذتها: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، الرجل يتكلم بالقرآن. فعندما يدخل هؤلاء في العربية كم من الفساد يحصل أو عندما يدخل هذا البيطري في علوم الدين والحديث والفقه والاستنباط وهو ضعيف الملكة، متخلف النظر فيها، كم يكون من الجناية إذا ترك أمثال هؤلاء؟!

стр. 564

معنى قاعدة: صحة السند لا تستلزم صحة المتن صحة السند لا تستلزم صحة المتن، قالها العلماء لطبقة معينة من علماء الحديث، وهم العلماء الذين تمرسوا على هذه الصناعة حتى اختلطت بشحمهم ولحمهم وصار لهم ملكة فيها، حتى إن العالم من هؤلاء إذا سمع متناً بغير سند يحكم عليه بالبطلان، ثم تكتشف أنه باطل بعد ذلك، كيف حكمت عليه بالبطلان بغير سند؟ بالدربة والممارسة, ولا زالت الممارسة شيئاً أكيداً يعترف الكل به في كل الصناعات والفنون، ليس في العلم الشرعي فقط. مثلاً الطبيب الذي مر عليه أربعون سنة في المهنة يختلف عن الطبيب الذي معه أعلى دكتوراه في الدنيا ومر عليه عشر سنين فقط، لأن هذا ممارس وعنده من الخبرة أكثر من الذي معه دكتوراه، أحياناً الطبيب ينظر إلى رجل يقول هذا مريض بكذا، أأنت منجم؟ يقول لك: لا. لكن من دربته وممارسته أن لون العين تغير! أن لون الوجه تغير! أن لون الجلد تغير! يقول: هذا عنده المرض الفلاني، ويسلمون له، يسلمون لكل واحد في فنه إلا للشيخ، إذا الشيخ تكلم في الطب يقولون: أنت ما لك والطب؟ وإذا هم دخلوا يهجمون على الشيخ قال: لماذا تهجمون عليّ؟ يقولون: هذا الدين ليس لك، الكهنوتية هذه ليست في الإسلام، الدين للكل. نعم. الدين للكل اعتقاداً، لكن العلم لطائفة معينة فقط, كما أنك تنكر أن يتكلم غير الأطباء في الطب، أيضاً لابد أن ننكر أن يتكلم غير العلماء في العلم، لكن جدار المشايخ قصير والكل يتسلق عليه ولا صريخ لهم.

стр. 565

نماذج من الاعتراضات على السنة نماذج من الاعتراضات التي أوردها وزعم أن علماء المسلمين جميعاً لم يفهموها وهو الذي فهمها.

стр. 566

حديث طواف سليمان ﵇ على مائة امرأة في ليلة حديث آخر: الذي هو شتم الإمام البخاري فيه، واتهمه أنه جاهل بعلم الحديث مع أنه رجل طيب، وقال: هذه هي المصيبة في أمتنا، تنساق وراء الأسماء اللامعة، يعني: أول ما يقول له: رواه البخاري، يثق به لأنه رواه البخاري: ليس بعد البخاري للمرء مذهب قال لك: هذه هي المشكلة عند المسلمين، يلغي المسلم عقله عند الأسماء اللامعة، ما الحديث الذي كان سبباً في تطاول هذا الغلام على الإمام البخاري؟ حديث الرسول ﵊ الذي رواه أبو هريرة، قال: (قال سليمان ﵇: لأطوفن الليلة على مائة امرأة -أو قال تسعة وتسعين امرأة- كلهن تلد غلاماً يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقلها، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة، ولدت نصف إنسان، قال ﷺ : والذي نفس محمد بيده لو قالها -يعني لو قال: إن شاء الله- لكان دركاً لحاجته، ولأخرج الله من صلبه مائة فارس يجاهدون في سبيل الله جميعاً). ما المشكلة إذاً في هذا الحديث؟! يقول لك: (انتبه!) ويضعها بين قوسين، -انتبه من الذي سيأتي- ليلة واحدة تكفي لمجامعة مائة امرأة، (وانتبه جيداً)، ووضعها لك بين قوسين، ثم: هل سليمان يقدر؟ انظر إلى هذا العنين، يظن أن الناس مثله كلهم، انظر الإسفاف في رد كلام الرسول ﵊، ويتهم أبا هريرة أنه كذب على النبي ﷺ (بحسن نية) بين قوسين، هذا رقم واحد. رقم اثنين: يقول لك: وهل يليق بنبي أن يتحدث بمثل هذه المسائل المحرجة على الملأ، وهم كانوا أشد خلق الله حياءً؟! ثالثاً: هل يجوز أن يفتات على الله؟ يعرف أن النساء يخلفن ذكراناً وإناثاً، ويقول: يا ربنا سآتيهن بشرط أني أريد ذكوراً فقط، مائة ذكر يجاهدون، فهذا افتيات على الله، يعني: الأنبياء الذين أدبهم الله يعملون هذه العملية؟ ولا أريد أن أكثر. يعني: يكفي أدلة على بطلان الحديث. فأنتم ترون -أيها الإخوة الكرام- أن هذا الذي ذكره معترض لا يجوز أن يذكره رجل عاقل، ولا يجوز أكثر وأكثر أن يعد دليلاً في الاعتراض، ومعلوم عند العلماء أن الكلام إذا كان له مخرج ومحمل مقبول ينبغي حمله عليه، وإلا فإننا سنرد آيات القرآن الكريم بهذا المنطق، وبهذا الأسلوب، فهذا الاعتراض يرد على كلام الله أيضاً، لا يرد على كلام النبي ﷺ فقط، ولا على كلام أي أحد، لماذا تجتهدون إذاً في التوفيق ما بين الآيات التي ظاهرها التعارض، فهذا الحديث لا إشكال فيه، لكن أتي الرجل من سوء فهمه، وصدق المتنبي عندما قال: ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا وللرد عليه نقول: أولاً: مسألة أن يأتي نبي مائة امرأة أو ألف امرأة في يوم واحد هذه قضية ما فيها أي إشكال، إذا سلمنا أن النبي معان من الله، وقد ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: (أوتي النبي ﷺ قدرة أربعين رجلاً في الجماع)، ثم هل اليوم هو يومنا هذا، ولا زالت كما في الأحاديث الصحيحة الأيام تتناقص، والأحاديث المعروفة بينت أن السنة ستكون كيوم، فهل عنده دليل أن يوم سليمان ﵇ كان بهذا القصر، ثم إن إتيان المرأة كم يأخذ من الوقت؟ دقيقة، دقيقتين، ثلاث دقائق، أنا أشعر بكثير من الحرج وأنا أتكلم بهذا الكلام؛ لكن اضطررت إلى قوله رفعاً لهذه المغالطة التي ما يكاد يتردى فيها إنسان عاقل، حتى يقول: (انتبه!) ويضعها بين قوسين، إنه هام؛ يقول هذا الكلام السخيف! لو أن رجلاً عنده القدرة فعلاً على إتيان ألف امرأة لاستطاع أن يأتي ألف امرأة في زماننا هذا، وما يكون عليه أي إشكال فيها. ثانياً: هل في الحديث أن سليمان ﵇ جمع الناس وذكر لهم تفاصيل العملية: وأنا سأفعل وسأفعل؟! ليس في الحديث شيء من ذلك، في الحديث أنه قال: (فقال له صاحبه)، فليس في المجلس إلا رجل واحد. وقد ثبت في البخاري أيضاً أن هذا الصاحب كان ملكاً ولم يكن رجلاً من الإنس. ثم لو قال لي قائل في هذا المسجد: يا فلان! لماذا تزوجت بامرأتين، وتنوي أن تتزوج الثالثة والرابعة؟ فأقول له: والله يا أخي نحن في حاجة إلى رجال، تزوجت لأنجب من كل امرأة مجموعة يدافعون عن دين الله، أكنت أنا مفتئتاً على الله متألياً عليه؟ لو قلت: أتمنى أن يخرج من صلبي مائة رجل؛ ولأن الدعوة تناط بالرجال، وما تناط الدعوة وجهاد الدعوة بالنساء: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] وهن النساء، المرأة في الجدل والمناظرة لا تستطيع أن تبين ولا تقيم حجة على أحد، ما يقيم الحجة إلا الرجال، لذلك كان منهم العلماء وكان منهم الرسل، وما نعلم أن الله أرسل امرأة إلى أهل الأرض، إنما أرسل الرجال، لأنهم أقدر على ذلك، لذلك جعل الله للرجال على النساء درجة، بما فضل الله بعضهم على بعض، وكان هذا من جملة ما فضل الله به الرجال على النساء. ولو قال لي رجل: لماذا تزوجت؟ قلت: والله أنا أتمنى أن يكون الصف الأول في المسجد أولادي، أأنا إذا قلت هذا أكون افتأت على الله وقلت: يا رب أنا لا أريد إناثاً، إما أن تعطيني رجالاً وإلا فلا، هل أنا قلت هذا الكلام؟ وهل يفهم ذلك من قولي؟ كان له نية صالحة طيبة، يريد مائة فارس يجاهدون في سبيل الله، فقام ذاك النبي الكريم بهذه النية وأتى النساء، وينبغي أن يكون لنا هذه النية في إتيان النساء، وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب العيال، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (إني لأكره نفسي على مجامعة النساء، رجاء أن يخرج الله نسمة توحده)، يعني: قد لا يكون له رغبة أن يأتي المرأة، لكن يأتيها بهذه النية، رجاء أن يخرج الله من صلبها ومن صلبه نسمة توحد الله ، ألئن قال هذا النبي الكريم ما قال يقال له: أنت تفتات على الله؟ وأين الافتيات على الله في هذا؟ نلعب بأحاديث الرسول ﵊ بمثل هذا الهراء، وهذا السخف، إذا كنا سنتخذ هذا منهجاً علمياً فلن يسلم كتاب الله من ذلك، في كتاب الله آيات أشد إشكالاً من هذا الحديث.

стр. 567

حديث: (أمرت أن أقاتل الناس) حديث ابن عمر وأبي هريرة وأنس وابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهو حديث متواتر عند علماء الاختصاص وهم علماء الحديث، هذا الحديث أنتم كلكم تحفظونه: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني ودماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله). يقول فض فوه: هذا الحديث مكذوب بلا شك، ولم يقله النبي ﷺ أبداً، لأنه يعارض القرآن، وأتى بآيات: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]. طالما أنك لست عليهم بمصيطر لماذا تقاتله؟ أيؤمن غصباً؟ طالما أنك لا تهدي من أحببت أتريد أن تدخله بالغصب؟! ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩] لماذا تقاتله؟! لو قدر الله عليه الهداية لاهتدى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، إذاً: (أمرت أن أقاتل الناس) حديث مكذوب، لماذا تقاتلهم وقد كفل الله حرية العقيدة للناس؟ هل أحد يجيب؟ السواد الأعظم يقف محتاراً يعانون من أمية علمية. صدق عمر بن الخطاب المحدَّث الملهم قال: (إن القرآن حمال ذو وجوه، فخذوا أعداء الله بالسنن) لذلك أرادوا أن يلعبوا في هذا الصرح، لأن الحجة إنما تقوم عليهم بهذا الصرح، فإذا جاز له أن يلعب به ضاعت الحجة، القرآن حمال ذو وجوه، إنما السنة يصعب اللعب فيها. رجل لم يتكلم إلا ثلاث أو أربع ورقات يقول لك: كما هو مقرر في الأصول! أنا أحس أنه ماسك أعصابه. سأبين لكم الآن أنه لا يفقه شيئاً في الأصول، وهذا الإشكال هو شبه فقط، والشبه تزول بالبيان، لأنها لا يصح أن تكون دليلاً، إنما هي شبهة. الناس: لفظ عام يدخل فيه كل الخلق، إن أسماء الجنس المحلاة بالألف واللام تفيد الاستغراق، والاستغراق يفيد العموم، كما لو قلت: حيوان، هذا اسم جنس، تدخل عليه الألف واللام فتكون (الحيوان)، فالألف واللام إما أن تفيد العهد أو تفيد الاستغراق، العهد الذي هو التخصيص، كما لو قلت: يا أيها الرجل قف، يبقى أنت قصدت رجلاً بعينه، فالألف واللام هنا رغم أنها دخلت على كلمة رجل وهي من أسماء الجنس إلا أنها تفيد العهد، لأنك قصدت رجلاً بعينه ولم تقصد كل الرجال. يا أيها الرجال! هذا يفيد العهد بالنسبة للنساء؛ لأنه خرج منه النساء والحيوانات والأشجار والرمال فصار يفيد العهد على جنس الرجال فقط، ويفيد الاستغراق على جنس الرجال الذكور، الألف واللام إما تفيد العهد أو الاستغراق. لكن كيف أعرف أنها تفيد العهد والاستغراق؟ قال: السياق من المقيدات، فلفظة الناس رغم أنها تفيد العموم إلا أنها مرة تفيد الخصوص ومرة تفيد العموم، كقول النبي ﷺ : (تجدون الناس كالإبل المائة، لا ترى فيها راحلة)، يعني أن الناس مثل مائة ناقة، لكن التي تستطيع أن تركبها واحدة فقط، فالناس كثير، لكن الذين تنتفع بهم من الناس أقل القليل، هذا معنى الحديث، فالناس هنا لفظ عام يراد به الخصوص. كما قال الطحاوي في مشكل الآثار. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] الناس هنا تفيد الخصوص أم العموم؟ تفيد الخصوص، لأن اليهود من الناس والآية لا تخاطبهم، والنصارى من الناس والآية لا تخاطبهم، المجوس بقية الخلق، الآية تخاطب المسلمين فقط، وليس كل المسلمين، فهي لا تخاطب الأطفال ولا المجانين، ولا تخاطب الذين لم يجب عليهم الحج، ومع ذلك فالآية لا تتناولهم: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج:٢٧] فهذا الصبي الصغير ابن ثلاث سنوات لا يدخل في الآية مع أنه من الناس، إذاً: لفظ الناس وإن كان عاماً لكن يراد به الخصوص. ما الذي أعلمنا أنه يراد به الخصوص؟ السياق، والسياق من المقيدات. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] لفظ عام يفيد العموم أم يفيد الخصوص؟ يفيد العموم، لأن النبي ﷺ أرسل إلى كل الخلق، ويدل على ذلك استخدام لفظة: (جميع) وهي من ألفاظ العموم، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] مثل لفظة: كل، ومثل لفظة: معاشر, (إنا معاشر الأنبياء) وهذه تفيد العموم. بعد هذا البيان نأتي إلى هذا الحديث: (أمرت أن أقاتل الناس) فيدخل فيه المسلمون دخولاً أولياً، لأن الأصل في الأدلة العموم -كما يقول الشاطبي - وليس الخصوص، والأصل في الأدلة الإطلاق وليس التقييد، والأصل في الأدلة عدم النسخ وليس النسخ، يبقى الأصل في الأدلة العموم، فنحن نتعامل مع لفظة (الناس) على أنها من العموم حتى نصل ونرى هذا الرجل كيف فهم هذا الحديث. (أمرت أن أقاتل الناس) يدخل في الناس المسلمون، هل المسلمون مقصودون بالحديث أن الرسول سيقاتلهم؟ لا. لأنهم مؤمنون، إذاً المسلمون خرجوا من الحديث، فالناس مؤمن وكافر، والمؤمن غير مراد من الحديث لأنه آمن، بل أنت تقاتل به، وهو من جنودك، إذاً ما بقي إلا الكافرون، الكافرون قسمان: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] كلمة (حتى) لفظ لانتهاء الغاية، يعني: سنقاتلكم حتى تدفعوا الجزية، فإذا دفعتم الجزية فلا نقاتلكم. إذاً: الكافرون قسمان: قسم دفع الجزية وهو صاغر، إذاً هل هو داخل تحت الحديث؟ لا. ليس داخلاً تحت الحديث؛ لأن ربنا قال: قاتلوا حتى فإذا دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا يحل لنا قتالهم. القسم الثاني: المناوئ للدعوة، الذي لا يريد أن يدفع الجزية والذي لا يريدك أن تنشر الإسلام، هذا هو المعني بقول النبي ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) وهذا الكلام ليس فيه غموض، ولا يوجد فيه أي إشكال. ولو أتى الأمر من بابه! لكن علامة أهل البدع أن يحطم كل الرءوس أمامه حتى يبقى هو الوحيد الذي يرجع إليه، يعني: جماعة التكفير قبل أن يكسر الله شوكتهم، أول أصل من أصولهم: هم رجال ونحن رجال، وثاني أصل قولهم: هذه طواغيت، أي: لا تحتج بـ الشافعي وعندك القرآن والسنة، ربنا قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] يقول: يا أخي! أنا من أهل الذكر اسألني، لماذا حجرت أهل الذكر عليك أنت، وجعلت نفسك في موضع الحجة؟! لأني سأعارضه بأقوال الآخرين فيضيع بيانه، وتضيع حجته، فحتى لا أحتج بقول الآخرين فيضيعهم لك الكل، ويدمرهم جميعاً، حتى لا يبقى في الساحة إلا هو. فأنت إذا أردت أن تحتج بقولهم يقول لك: لا. اجعل من نفسك رجلاً يبحث عن الحق، أنت تعتقد شيئاً ناقشني يا أخي! رأساً برأس، فإن كنت أنا رجلاً عامياً، ما عندي أسلوب في إقامة الحجة، ولا درست. والله لما قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] أعلمنا أن الناس عالم وجاهل، ولو كان كل الناس علماء فمن يسألون؟ فمعنى: (اسألوا أهل الذكر) أي: أيها الجهلاء اسألوا من هم أعلم منكم، فهذه الآية أثبتت أن هناك عالماً وجاهلاً، فأنا رجل جاهل، يقول لك: لا، لابد أن تستدل بالقرآن والسنة، وإلا فأنت على ضلال. هذه أول درجة في سلم المبتدعة: أنه لا حجة لأحد، فهو عندما يأتي يناقش يضيع كل العلماء، نقول: العلماء جمعوا بين هذه الأحاديث، فهل من العقل أن هذه الشبهة مرت على علماء المسلمين، وهم كانوا يأتون بشبه لا تخطر على باله ويحلونها؛ خشية أن يتطاول على الناس زمان فتصير الشبهة دليلاً؟! كانوا يقترضون اقتراضات ويقوم العالم فيحل هذه الافتراضات ويرد عليها خشية أن يأتي زمان مع ضعف العلم فيتصورونها أدلة. ما بقي من الناس إلا صنف واحد من المشركين، الناس إما مؤمن وكافر، فلا خلاف أن المؤمن لا يتناوله الحديث، فما بقي إلا الكافر. الكافر قسمان: قسم يدفع الجزية وهو صاغر، إذاً هذا لا يحل لنا أن نقاتله بنص الآية، ما بقي إلا الصنف الثاني من الكفار، وهو الذي لا يريد أن يدفع الجزية، ثم هو يناوئني ولا يمكنني من نشر ديني في ربوع بلاده، هذا هو الذي عناه النبي ﵊ بهذا الحديث. ومما يدل على ذلك دلالة أكيدة قوية ما رواه النسائي ﵀ وأحمد وغيره، أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل المشركين حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فلفظة (المشركين) دلتنا على أن لفظة (الناس) خرجت مخرج العموم لكن يراد بها الخصوص، وأفضل ما فسر به الحديث، الحديث نفسه، وأفضل ما فسر به القرآن، القرآن نفسه، وهذا معروف، وإذا لم تجمع ألفاظ الباب لم يظهر لك فقهه، وهذا معروف عند العلماء. فأي غرابة حتى نعارض بين الآية والحديث: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. أنا أريد أن أقول له ش

стр. 568

خط الدفاع الأول في تربية الأبناء أين خط الدفاع الأول الذي أعده الغرباء لأمثال هؤلاء السفهاء؟ نحن قصرنا جداً، أين خط الدفاع الأول؟ دولة بلا جيش دولة مهزومة مهما كان رصيدها من المال، السعودية ليس عندها جيش قوي خائفة دائماً، الإمارات والكويت وكل البلاد التي ترفل في نعم الله خائفة، يدها على قلبها، ليس عندها خط الدفاع الأول المتين الذي يحمي بيضة البلد. طيب! أين خط الدفاع الأول الذي أنشأناه نحن معاشر الغرباء؟! أنا لا أطالب الذين يمشون في الشارع، أطالب الذين يحضرون المحاضرة معنا، كل رجل يخطط مستقبل أولاده قبل أن يتزوج، بعدما يتزوج وينجب يكون مستقبل الأولاد واقعاً، تدخل لتزور شخصاً تقول: تعال يا محمد! قل لعمك: تريد أن تكون ماذا عندما تكبر؟ قل: أريد أن أكون دكتوراً، فهذا الولد الصغير (ابن أربع سنوات) من أين عرف دكتوراً أو مهندساً؟ الوالد هو الذي نفث في روعه، إذ يقول له: ذاكر أريدك أن تكون دكتوراً، كلما تكلم قال: أريدك أن تكون دكتوراً، قبل أن يولد له أماني يتمناها، وقد لا ينجب، وقد لا يتزوج، وقد يموت، لكن على عادة ابن آدم أن أمله أكبر من أجله وأطول. تراه يحلم حتى وليس عنده مؤهلات؛ وهذا ذكرني بصاحب جرة السمن المتعلقة، رجل فقير يريد أن يتزوج، فهو يحلم بالمال والغنى، فقال: غداً أذهب السوق وأبيع هذه الجرة، وأشتري فراخاً وبطاً وإوزاً، وبعد ذلك أغناماً، وبهائم وعجولاً، ثم أكون أكبر تاجر في البلد، والفلوس تكثر معي، أبني قصراً منيفاً الكل يتمنى يدخله، أي امرأة تتمناني، ثم أذهب وأتزوج أحسن امرأة، وبعد ذلك أنجب ولداً جميلاً، وأعلمه الأدب، ولا أرضى بالحال المائل، إذا عصاني أضرب هكذا، فأخذ العصا فضرب فكسر الجرة، فاق الرجل من حلمه على السمن الذي سقط عليه. أو رجل يحلم يبني مستقبل نفسه ومستقبل أولاده من لا شيء!! كم رجل فينا قال: هذا الولد وقف لله، كما قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران:٣٥] وأنا أسأل هذا السؤال لخواص الإخوة الذين هم مصنفون على كل موائد العالم أنهم إرهابيون، وقضيتهم مطروحة من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، وغرباء مستضعفون يبحثون عن مكان لهم تحت الشمس، ولا يشعرون بهذا الاستضعاف ولا بهذه الغربة، هل خطر ببال أحدهم أن يقول: أنا سأعبد أولادي جميعاً لله، وأوقف واحداً أو اثنين للعلم؟ كم واحداً فينا فكر وعقد النية في إنجاب الولد هكذا، قد تفاجأ أن أقل من واحد في المائة هو الذي فكر، وربى أولاده وساعدته امرأته على الوصول إلى هذا الهدف النبيل.

стр. 569

من آثار عدم التربية شكاوى كثيرة تصلني كل يوم، من بيوت المفترض فيهم الالتزام، لم يعرفوا كيف يربوا الأولاد، الأولاد أخذوا ألفاظ الشارع، وصاروا يكذبون ويسرقون وتفلت منهم القرآن، ماذا تفعلين أيتها المرأة في البيت؟ طوال النهار تغسل وتنظف. وأنت أيها الرجل؟ يقول لك: أخرج من الشغل الساعة الثانية، أدخل في شغل إلى آخر الساعة الثانية، لمن يا أخي الكريم؟ اشتغل إلى الساعة الثانية، وعلم أولادك الزهد، وقنع نفسك، ورب أولادك الذين هم رأس مالك، أكبر محن الأولاد وهو الشذوذ والفساد فهي مشكلة مؤجلة. التقصير في تربية الولد مشكلتها أنها مؤجلة إلى أن يكبر الولد ويشتد عوده ولا تستطيع أن تفعل معه شيئاً، فهو مؤجل إلى ما بعد عشر سنين، عشرين سنة. مشكلة معروضة عليّ من عدة أيام، امرأة ابنتها ذهبت وتزوجت ولداً وغداً عند المأذون، ماذا نعمل يا مأذون؟ قال لها: قولي له: وهبت نفسي لك، ووهبت نفسها وتزوجت، ثم الأم المغفلة والوالد المريض الذي لا يستطيع أن يفعل شيئاً يريدون أن يداروا المسألة، فقاموا وأخذوا غرفة نوم، واستأجروا شقة على حسابهم لهذا الوغد، فلما مرضت البنت وجاءها تسمم حمل، ذهبت أمها تزورها في المستشفى، قابلها الوغد بالسباب، قال: أتيت تأخذي امرأتي! دخلت على ابنتها تبكي عليها لأنها مريضة، تقوم البنت مكشرة في وجه أمها، لماذا؟ أشتمت محمداً؟ قالت: يا ابنتي لم أشتم أحداً. ذهبت تزورها فقابلتها بهذا الوجه، وبعد ذلك تقوم من تسمم الحمل -ويا ليتها ماتت- فتبلغ الشرطة عن أمها أنها أخذت غرفة النوم منها بالقوة، من أجل تستلم غرفة النوم، تقوم الأم تأتي وتسأل: هل أعطيها غرفة النوم أم لا؟ أعني أن هذا شيء يفور الدم!! وتأتي أمام العمارة، والأسرة الوادعة التي ما كان أحد يسمع لها صوتاً في العمارة افتضحت، صراخ وعويل، ويأتي الناس كلهم لينظروا، ويغمى على الأم مرات عديدة، فهذه هي الخسارة المؤجلة، أنت تنفق على من؟ تشتغل اثنتي عشرة ساعة في اليوم لمن؟! ربّ أولادك فهم رأس المال.

стр. 570

التربية في الصغر أين الخط الدفاعي الأول الذي قصرنا جميعاً في إيجاده حتى الآن؟! حتى نرد على أمثال هؤلاء الذين يطعنون في ديننا ويريدون هدم هذا الصرح على رءوسنا جميعاً، وإذا هدم هذا الصرح فلا قيمة لنا في الحياة ولا نستحقها، التمكين -أيها الإخوة الكرام- يحتاج إلى جيل، وهذا الجيل يحتاج إلى تربية من وقت الرضاع، ولهذا السبب موسى ﵇ من أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن، ولم يذكر ميلاده إلا مرة واحدة في سورة واحدة، وهي سورة القصص، لماذا؟ انظر مطلع السورة، وهذه السورة سورة المستضعفين، أيها المستضعف! تريد أن يُمكن لك، اقرأ سورة القصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦] كيف يكون هذا المن يا رب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] يبقى التمكين يأتي من الرضاع، لا تترك الولد حتى يكبر وبعد ذلك تقول له: تعال نجعلك شيخاً، أو عالماً: إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب سبحان الله العظيم! عامل ولدك معاملة الشجرة التي تغرسها أمام دارك، أحياناً تمشي أمام دارك، فترى الشجرة التي مازالت عوداً صغيراً مشدودة بحبل، لماذا شددتها بحبل؟ لكي تكبر معتدلة. لماذا لا تتركها حتى تصير شجرة كبيرة قوية ثم تشدها بجنزير؟ لو أن رجلاً فعل هذا لاستحمقوه، فعامل ولدك معاملة هذه الشجرة، وعدله مادام صغيراً، لا يمكن له أبداً إلا إذا كان على النهج السديد، فهذه السورة أفادت أن الذي يبحث عن التمكين لابد أن يبحث عنه التمكين من وقت الرضاع. بل أقول: إذا بحثت عن التمكين فابحث عن التمكين من وقت وضع النطفة، فإن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم أهله، فقال: باسم الله، اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني، فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً) إذاً: من التمكين للولد ألا يضره الشيطان أبداً، هذا هو الذي يمكن له، إذاًَ: نريد جيلاً يمكن له، فمن وقت وضع النطفة نسمي الله . الآن يا إخوة! المشكلة التي نبعت من محافظة الدقهلية ومن مدينة المنصورة، هذا هو التعاون مع اليهود، وهذا هو أول الغيث. بنت تطلب رجلاً، هذا هو المطلوب، لماذا لا يكون العكس؟ أن الرجل يطلب امرأة؛ لأن طلب الرجل للمرأة مشكلة، لأن المرأة قد تفضحه، لكن إذا كانت المرأة هي الطالبة انتهت القصة، إذاً: لا فضيحة، وبعد ذلك الرجل ركب فيه الميل الغريزي إلى النساء بطبعه، فإذا وجد امرأة تطلبه انتهى الإشكال، ولذلك استدل العلماء بهذا على عفة يوسف ﵇، وعلى طهارة نفسه, عندما تعفف عن امرأة العزيز تحت المقولة القائلة: ظهر المقتضى كلما كان ذلك أرفع. يوسف ﵇ تقول له امرأة العزيز: (هيت لك). إياك أن تتصور أن عفة يوسف ﵇ كانت كعفة أحدنا، أو كانت كعفة الرجل الذي كان في أصحاب الغار عندما قال: اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها كأشد ما يحب الرجال من النساء، فراودتها عن نفسها فأبت، فأصابتها سنة إلى آخر الحديث، فقال: فلما قعدت منها مقعد الرجل من امرأته، قالت: يا عبد الله! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. هذا الرجل الذي قام عن المرأة وكان يحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، ووصل إلى بغيته وأمنيته، وبمجرد ما قيل له: اتق الله، قام واقفاً، هذا الرجل عملاق، ومع أنه عملاق فإنه يعتبر قزماً بالنسبة ليوسف ﵇؛ لأن الدواعي التي كانت حول فعل يوسف كانت أعظم بكثير من الداعي الذي كان عند الرجل، وأنت خذ الدواعي هذه كلها ثم قارن. أولاً: يوسف ﵇ كان شاباً، والشاب يجد من قوة الشبق ما لا يجده الكهل والشيخ، وهو شاب لم يتسر ولم يتزوج، هذا رقم واحد. ثانياً: ثم هو عبد، والعبد ليس عنده من النخوة ما عند الحر، ثم هو مملوك، والمملوك حريص على إرضاء مالكه، ثم هو غريب، والغريب يفعل في دار الغربة ما لا يفعله الحر المقيم بين أهله وإخوانه، والمثل عندنا يقول: (البلد الذي ما تعرف فيها أحداً اعمل فيها ما بدا لك)؛ لأنه غريب لا أحد يعاتبه، ولا يرعى عين أحد، ثم المرأة جميلة، ثم هي الطالبة فقد أمن من الإحراج، وأمن من الخوف أنها تنزل به العقاب، ثم المرأة ذات سلطان وتهدده، فكان ربما يقول: أنا عملت الذي علي، وقد هددت بأنها ستدخلني السجن، وأنا أعمل ماذا إذاً؟ يقول: أنا تعديت مرحلة الاختيار إلى مرحلة الإكراه، فهي امرأة ذات سلطان وقادرة على إيقاع العقوبة، ولكنه مع ذلك يرفض. ثم فوق ذلك غلقت الأبواب، وغاب الرقيب، مع كل هذه الدواعي المتوفرة على الفعل يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] فأين في الناس يوسف ﵇؟ فالرجل عنده من الغريزة للمرأة، ولذلك قال ﵇ قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ [يوسف:٣٣] أصبُ من الصبوة، أي: أكون صبياً، فالرسول ﷺ قال: (يا معشر النساء، ما رأيت أذهب للب الرجل العاقل منكن) تلعب به وهو العاقل، الرزين الهادئ، الذي عقله يزن بلداً، لكن أمام المرأة صار صبياً، ولذلك تجد المرأة الماكرة تطلب طلباتها في وقت إقبال الرجل، وهو مقبل مرتاح تطلب الذي تريده، (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ): أي يصير الرجل العاقل صبياً ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. أين خط الدفاع؟ وهذا أول الغيث: (فتن كقطع الليل المظلم) كجسد بلا كرات دم بيضاء تدافع عنه، إذا كنا نحن في محنة من أعظم المحن، فكيف أيها الغرباء -أنتم على وجه الخصوص- لم تتخذوا للأمر عدته، ولم تتأهبوا لهذه المعارك الفاصلة التي ستأتي على كل الجبهات، أين الجنود الذين أعددتموهم لله ؟ إني أعيذ نفسي وإياكم من قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] في الجحود والنكران وإهمال الدين، وترك نصرته.

стр. 571

عبر من غزوة تبوك إن الله ﵎ أنزل آية أخرها ثماني سنوات: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] هذه الآية تتحدث عن حادثة الهجرة، ونزلت في غزوة تبوك، لأن غزوة تبوك كانت غزوة في غاية الصعوبة، وسمي جيشها جيش العسرة. أولاً: كانت في حر شديد، وقال المنافقون: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١]، فرد الله عليهم: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١]. ثم كانت الغزوة في وقت طابت فيه الثمار، فكل رجل ينتظر الحصاد، فالناس تريد المقام في زراعتها حتى تحصد. ثم استقبل النبي ﷺ سفراً بعيداً ومفازاً، سافر إحدى وعشرين يوماً مشياً على الأقدام في هذا الحر الشديد، فتخلف المنافقون، بل بعض فضلاء الصحابة تخلف، منهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع، وأبو خيثمة، لكن أبو خيثمة كان متزوجاً بامرأتين، كل امرأة تهيئ المقام لـ أبي خيثمة، مهيئة الخيمة ومبردة ماء ومحضرة طعام، فدخل أبو خيثمة ووجد النساء متهيئات، أول ما جلس تذكر الرسول ﵊، فقال: بخ بخٍ يا أبا خيثمة! يعاتب نفسه، أبو خيثمة بين امرأتين حسناوين! وظل ظليل! وماء بارد! ورسول الله ﷺ في الضح والريح والشمس، والله ما هذا بالنصر! وقام قال: والله لا أطعم طعام واحدة منكن ولا أشرب شراب واحدة منكن، وجهز نفسه ومشى. وأبو ذر أبطأ عليه بعيره، ترك البعير ومضى، أخذ الخرج ومضى على رجله، لأن قلبه ممتلئ حماساً، مع أنه ربما كانت الدابة مع مشيتها البطيئة أسرع منه، لكن قلبه شاب. فكانت الغزوة في غاية الصعوبة، وبدأ بعض المسلمين يتفلت، وتفلت كثير من المنافقين، فأنزل الله هذه الآية تثبيتاً له: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٤٠] في هذه الغزوة هو لا يحتاج إليكم، لقد نصره بغير واحد منكم، ما احتاج لكم، كان هو وصاحبه فقط ونصره الله ، فلو تخليتم عنه في هذه الغزوة فلا عليكم أن تتخلفوا، إلا تنصروه في هذه الغزوة وتقفوا موقف الرجال فلا حاجة لله فيكم: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠] فنصره الله . فلا نريد أن ندخل تحت هذه الآية ونتقاعس، لابد من دراسة جدول حياتنا، لماذا خلقنا؟ وهل الخط الذي نمشي فيه خط سديد؟ هل إذا قابلنا الله وسألنا عن ديننا سندلي بحجة ونتخلص بعذر، أم سنقف بلا عذر ولا حجة. نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. وصلى الله على محمد وآله وصحبه.

стр. 572

حديث القدرية عقيدة أهل السنة هي أوسط العقائد فيما يتعلق بمسائل الخلاف؛ إذ إن أهل السنة يخالفون أهل البدع والضلال في مسائل الأصول، بينما يعدون مسائل الفروع مما يسع فيه الخلاف؛ لذلك كان موقف أهل السنة من القدرية من الصنف الأول الذي لا يسع فيه الخلاف، بل الأصل فيه المفارقة والمفاصلة، وهذا يظهر جلياً في منهج أهل السنة وتطبيقهم لهذا المفهوم في موقفهم من الرافضة، والتحذير من الدعوات المطروحة للتقارب الفكري معهم، والذي ليس لها نتيجة في النهاية إلا تذويب هوية أهل السنة، وصرفهم عن العقيدة الصحيحة.

стр. 573

الاختلاف بين أهل السنة والقدرية اختلاف أصول قال الإمام مسلم ﵀: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر. وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري -وهذا حديثه- حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال في القدر في البصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحِميري حاجَّين أو معتمرَين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﵌ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلنا ناسٌ يقرءون القرآن ويتقفرون العلم -وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قَدَر وأن الأمر أُنُف- قال: فإذا لقيتهم فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم بُرَآء مني، ثم يقول عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهباً فأنفقه ما قَبِل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ومعبد الجهني كان يقول: لا قَدَرَ، والأمرَ أُنُف. الأمرُ أُنُف معناه: مستأنف، يعني: أن الله ﵎ لا يعلم بالشيء حتى يقع -تعالى الله عما يقول معبد ومتابعوه علواً كبيراً- فنفى علم الله السابق لأفعال المكلفين أو لأفعال العباد. يقول: لا قدر، والأمر مستأنف بالنسبة لله. هذا كافرٌ أم لا؟ هذا كافر، لا شك في ذلك؛ لذلك تبرأ منه عبد الله بن عمر؛ لأن البراءة من المسلم لا تجوز، وهذه المقالة كفر، وقائلها كافر؛ لذلك تبرأ منه عبد الله بن عمر. فواعجباً لهؤلاء الجهلة، الذين يصرخون صباح مساء: قَرِّبوا بينكم وبين الشيعة. نقول: لا تقارب بيننا وبينهم! لماذا؟ لأننا مختلفون معهم في الأصول، فلو كنا مختلفين في الفروع لكان الأمر قريباً. فمثلاً: أنا حنبلي المذهب، وأنت شافعي المذهب، أو أنا مالكي، وأنت حنفي، ونحن مختلفون في مسائل الأحكام الشرعية العملية التكليفية، فالمذاهب مختلفة في بعض هذه المسائل، ومتفقة في بعضها، ومع ذلك لا يجوز لأحدٍ أن يتبرأ من الآخر في مثل هذه المسائل؛ لأنه يسع الخلاف فيها. لأجل هذا أنكر العلماء العاملون الفاهمون بعض التطرف الذي حصل من بعض العلماء، مثل ما يقول أحد علماء الشافعية -وهذا موجود في كتاب كفاية الأخيار في الفقه الشافعي-: أنه لا تجوز الصلاة خلف حنفي. لماذا؟ قال لك: لأن الحنفي يرى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء، والشافعي يرى أنه ينقض الوضوء، فإذا توضأ حنفي ومس فرجه فيكون وضوءه قد انتقض، فإذا صلى إماماً بالناس فكأنما صلى بغير طهارة، فلا تجوز الصلاة خلف هذا الحنفي. فالواجب أن يُنْكَر على قائل هذه المقالة أياً كان منصبه، وأياًَ كان مقدار علمه. لماذا؟ لأن المسألة من مسائل الاجتهاد، وقول الأحناف فيها له وجه. والذي توصل إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أنه جمع ما بين القولين: الشافعية والمالكية والحنابلة، يقولون: من مس فرجه؛ رجلاً كان أو امرأة فوضوءه منتقض، ويلزمه إعادة الوضوء؛ لأن الحديث صريح، واللفظ صريح: (من مس ذكره فليتوضأ). والأحناف يعتبرون بحديث طلق بن علي: (ما هو إلا بضعة منك)، فسواءً مسست أنفك أو مسست أذنك أو مسست رأسك أو مسست ذكرك، فكله شيء واحد، فشيخ الإسلام ابن تيمية جمع بين حديث طلق بن علي وحديث بسرة بنت صفوان، وكان نتيجة هذا الجمع أن الأمر في حديث بسرة ليس للوجوب، إنما جعله للاستحباب. فيكون: (مَن مس ذكره فليتوضأ -استحباباً-؛ إذ ما هو إلا بضعةٌ منك). فيكون بهذا قد جمع بين القولين. وحتى لو قلنا: إنه لم يجمع بين القولين، فالأحناف لهم وجه في الدليل. إذاً: لا يقال: إن هذا طهارته انتقضت، وأن هذا يصلي بلا وضوء إلى آخر هذه الإلزامات التي لا وجه قوي لها. ومثل هذا القول ذكَّرنا بجرح بعض علماء الحديث لبعض رواة الحديث قديماً قبل أن يستقر علم الجرح والتعديل، حيث مَرَّ أحد أئمة الجرح -ولعله حماد بن زيد - على رجل يبول قائماً، فقال: لا أروي عنه أبداً. - فقيل له: إن بول الرجل قائماً جائز لحديث حذيفة في الصحيحين: (أن النبي ﵌ أتى سباطة قومٍ فبال قائماً). سباطة قومٍ: مقلب الزبالة، والعلة المذكورة في بوله ﷺ قائماً ضعيفة لجُرْحٍ برُكْبَتُه كما نُقل، فكان لا يستطيع أن يقعد، فبال قائماً لهذا، وهذا التعليل ضعيف الإسناد ولا يصح. إنما (بال قائماً) هكذا بالإطلاق. إذاً: هذا فيه دلالة على جواز البول قائماً؛ لكن يُخشى على الذي يبول قائماً أنه يستقبل الريح، فالريح ترجع رذاذ البول على ثوبه، إلى آخره؛ لكنه إذا جاء على مكان رطب كرمل أو تراب أو نحو ذلك وبال قائماً وأَمِن من رجوع رذاذ البول إليه فهذا لا بأس به. فلما رأى الرجلَ يبول قائماً، قال: لا أروي عنه. - فلما سئل عن ذلك قال: إنه يبول قائماً، فيرتد الرذاذ إليه، فيصلي وعلى ثوبه نجاسة فصلاته باطلة. فالعلماء ردوا مثل هذا الجرح، وقالوا: هذا جرحٌ بالتأويل، أي: أنه يفترض أن الرجل حين يبول قائماً فإن الرذاذ سيرجع عليه، ويفترض أنه سيصلي بنفس الثياب وهو عالمٌ بالمسألة، فهذا جرحٌ بالتأويل وهو مردود، ولذلك لم يعتبروه، وروَوا عن هذا الراوي ولم يعتبروا بمسألة الجرح بالتأويل. فلذلك رد العلماء مسألة الجرح بالتأويل؛ لأن فتح باب التأويل مشكلة. فالأحكام الشرعية العملية التي يسوغ فيها الخلاف لا نبني على الاختلاف فيها، ما نبينه على الاختلاف في المسائل الأصولية.

стр. 574

ظهور كفر الرافضة إن قال لك أحدهم: إن القرآن الذي بين يديك ثلث القرآن الحقيقي، والقرآن الحقيقي عندهم (١٨٠٠٠) آية، وهؤلاء هم الشيعة الإمامية أصحاب إيران ومسألة تحريف القرآن مسألة ثابتة في كتبهم، وبما أن القرآن عندهم قرابة (١٨٠٠٠) آية، والقرآن المذكور عندنا في المصاحف حوالي (٦٠٠٠) آية ونيِّف، (٣ × ٦ =١٨) يعني أن الموجود عندنا هو ثلث القرآن فقط. إذاً، فثلثا المصحف المزعوم على ماذا يحوي؟! قالوا: يحوي على مناقب علي بن أبي طالب والعترة، وإمامة علي، وخلافة علي بن أبي طالب، والبغاة الذين خرجوا عليه كل هذا، وأن هؤلاء الصحابة كلهم كتموا هذا من أجل أن يسلِّموا الخلافة لـ أبي بكر الصديق. ومن أصولهم أيضاً: أن الصحابة جميعاً ماتوا على النفاق، ما عدا ستة منهم، وأظهرُ الملعونين عندهم: أبو بكر وعمر وعائشة وحفصة.

стр. 575

ظهور كفر الخميني في كتاباته والخميني الذي كان يهلل له جميع الشيعة وقالوا عنه: إن هذا الرجل هو المنقذ وهو المخلص، ألف كتباً وأورد فيها دعاء من تأليفه، وكان يعلمه لأتباعه، وكان يدعو في هذا الدعاء على أبي بكر وعمر فيقول: اللهم العن الطاغوتَين الكافرين أبا بكر وعمر والعن ابنتَيهما. وفي كتابه أيضاً في كتاب الطهارة: في أحكام السلام: أنه لو سلم شيعي على سني فإنه يلزمه أن يغسل يده بالتراب، ويصرح في أكثر من موضع أن السني أنجس من الكلب. وكتبه مطبوعة والذي يمتري في هذا نأتيه بهذه النصوص من الكتب. وهذا الخميني الذي يعتبره أصحابه القائد المظفر صاحب الثورة المجيدة. فلا عجب أن كفَّره الشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، وجماعة من علماء المملكة، وصدر في تكفيره كتيب بعنوان: (لماذا كفر علماء المسلمين الخميني؟). فهؤلاء الشيعة مختلفون معنا في الأصول. فالذي يقول: نقرب المذهب بيننا وبين الشيعة فهذا رجل جاهل ليس عنده فَهم. إنما يحصل تقارب بيننا وبين من اختلف معنا اختلافاً سائغاً يجوز الاختلاف فيه؛ لكن أن نختلف في الأصول ثم ندعو إلى التقارب، فهذا ما لا يجوز. نحن بُرَآءُ منهم، وهم برآء منا، مع العلم أنهم يتبرءون منا جهاراً، وأهل السنة في إيران يعامَلون معاملة الأقليات المسلمة في بلاد الكفر، فأهل السنة في إيران مضطهدون غاية الاضطهاد، لو أنهم موجودون بين ظهراني اليهود والنصارى للَقَوا من الأمن ومن الحرية أكثر مما يجدونه في إيران. فالأصل أن لا يحصل تقاربٌ بيننا وبينهم على الإطلاق، لكن قاتل الله السياسة، ولعن الله مادة (ساس) و (يسوس) وما انشق منها. لأن من لوازم هذه (السياسية)، أننا لو اصطلحنا مع إيران غداً، ستُفتح مراكز ثقافية، ويدرَّس المذهب الشيعي رسمياً، ويحصل تبادل للبعثات الثقافية والعلمية بيننا وبينهم، والتشيع مثل الجرب، فمن يبتلى به فإنه يظل يحك طول عمره، ولذلك فكل مَن ابتلي ببدعة في بداية طلبه للعلم، فإنها تلازمه إلى أن يموت ولو بجزءٍ يسير. انظر إلى أي واحد ممن كان في جماعة التكفير، أو في أي جماعة من الجماعات الدعوية المنحرفة، إذا وصل إلى الحق في نهاية المطاف يظل عنده رواسب وظلال تلقى عليه، وهذا بخلاف من بدأ عمره وحياته على دعوة الحق، فالفرق كبير جداً وشاسع.

стр. 576

خطورة الدعوة إلى التقريب بيننا وبين الشيعة فمسألة التقارب هذه مسألة خطيرة، وكأن المسألة قريبة، وأنها يُمَهَّد لها، فبدءوا ينشرون بعض مسائل المذهب الشيعي عندنا، مثل نكاح المتعة، فهم يتكلمون ليل نهار في الجرائد والمجلات عنه، مع أنه عند أهل السنة كما في الصحيحين محرم إلى يوم القيامة، ولم يُبَحْ نكاحُ المتعة إلا ثلاثة أيام فقط، ثم حرمه النبي ﵌ إلى يوم القيامة، الآن يستغلون الظروف الاقتصادية الضيقة والتي بسببها عجز الشباب عن أن يتزوج، واحتجوا بكل أسف بما صدر عن لجنة البحوث، حيث اعتبروا المذهب الشيعي أحد المذاهب المعتمدة، ولذلك وضعوه مذهباً في موسوعة الفقه الإسلامي التي كانت قديماً أول ما صدرت تسمى موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي، فلما مات حولوا الاسم مباشرة وجعلوه: موسوعة الفقه الإسلامي، وقد صدر منها خمسة وعشرون مجلداً، وتوقفت عن الصدور، وكل الخمسة والعشرين مجلداً السابقة لا زالت تتناول حرف الألف.

стр. 577

دور العلمانيين في تقويض أصول الدين حين ذكر أصحاب موسوعة الفقه أن المذهب الشيعي أحد المذاهب المعتمدة، احتج عليهم العلمانيون الذين يلعبون في بنياننا، حتى الصلاة صارت بالمزاد، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] فتجد أن كل من يرشد إلى الصلاة يقال له: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. حتى يطلع الجيل الجديد فيرى كل ثوابتنا مهزوزة. وحتى (لا إله إلا الله) ستهز، لا تظن أنها لن تُهَز أبداً! لحديث حذيفة: (يأتي على الناس زمان لا يعرفون صلاة ولا زكاة ولا يعرفون قليلاً ولا كثيراً من الدين، لكن يقولون: لا إله إلا الله -أولادهم يسألونهم: ما معنى لا إله إلا الله؟ فيقولون: والله -يا بني- لا أعرف، أنا جئتُ فوجدتُ أبي يقول: لا إله إلا الله، فأنا أقول هكذا- يدْرُسُ الإسلامُ كما يدْرُسُ وَشْيُ الثوب، والوشي هو الرسم والزينة التي تعمل على الثوب، فالإسلام يذوب مثل ذوبان هذه الرسوم التي تكون على الثياب- حتى لا يدرون ما صلاة، ولا زكاة، ولا حج، ولا يعرفون شيئاً) فيقولون لأولادهم: ورثنا هذه الكلمة عن آبائنا وهم لا يفهمون شيئاً عنها. فيأتي على الناس زمانٌ لا يعرفون كلمة التوحيد. فهؤلاء العلمانيون أتوا إلى كل شيء ثابت فهزوه. كمسألة الختان بالنسبة للإناث مثلاً: جاء ناس بعد أربعة عشر قرناً من الزمان وقد تقرر عند جميع المسلمين أن الختان إما واجب أو مستحب، فهو على أي حالٍ مشروع ومتقرر عندنا خلال أربعة عشر قرناً، وفجأة ظهر أن الختان ليس من الدين في شيء! وأن هذه عادة جاهلية! فإذا ما كبر الولد الصغير -وطبعاً الولد جاهل، لا يعرف شيئاً عن دينه- يقول: أربعة عشر قرناً وهم يضحكون علينا، وقد أدخلوا في الدين ما ليس منه؟! ما المانع أن يكونوا قد ضحكوا علينا في حكم آخر وحكم ثان وثالث ورابع؟! إنهم يقولون: إن الختان غير مشروع، وصدر قرار رسمي وصُدِّق عليه: أن الختان جريمة، ومَن ارتكبه يعاقب بالسجن وغرامة ثلاثمائة جنيه، ومع ذلك لا زال يدرَّس في مناهج الأزهر! ماذا يعني هذا الكلام؟! أيعني أن الأمر مجرد لعبة؟! ثم يأتون إلى مناهج السنوات الأولى مثلما عملوا في كتب الدين الخاصة بالسنة الرابعة: في زمن الود والإخاء، الولد في المدرسة دعا زميله وأباه وأمه إلى بيته، وتظهر والدته في الصورة محتشمة، وكذلك والدة زميله، ثم قعدوا على المنضدة وأكلوا جميعاً، فقال أولئك العلمانيون: ما دمنا نحارب الحجاب، ونصدر قرارات بمنع الحجاب، إذاً: لماذا نضع صورة امرأة لابسة مثل هذا اللباس؟ كأنني وكأننا رسمياً نقول: إن تغطية الشعر من الدين، مع أن المفروض أن ندعو إلى خلاف ذلك، فلما جاءت كتب الدين بعد هذا في السنة التي تليها مباشرة ظهرت الأم متبرجة، والتي تزورها أيضاً متبرجة، والكل يأكل أيضاً على المنضدة، فتفطنوا لذلك من أجل ألا يبقى أي شيء للفضيلة على الإطلاق. فما عليكم إلا أن تنتظروا وتصبروا على أنفسكم إلى أن تزيلوا الختان من مناهج الأزهر، وتضعوا المناهج الجديدة التي هي ليست من الدين، وتستخدموا الذين سيحاسبهم الله حساباً عسيراً في هذا الأمر ليكتبوا لكم فتوى شرعية: أن الختان ليس من الدين، فيكبر الولد وهو يدرس في الأزهر أن الختان ليس من الدين، وهذا سيحدث نوعاً من الصراع النفسي، فكتب الأزهر الرسمية تقول: إن الختان ليس من الدين؛ بينما كتب الفقه تثبت أنه من الدين. وأكثر من ذلك؛ بل والشيء الذي يغيظ ويفجر المرارة: أن المذهب الشافعي عندنا هو المذهب السائد، والمذهب الشافعي هو المذهب الأول في الأزهر، والحكم الشرعي في المذهب الشافعي: أن الختان واجب، انظر العجيب في المسألة! يعني هو المذهب الأول الذي يدرس، والفتوى في المذهب الشافعي كما ذكر النووي في المجموع شرح المهذب: أن ختان النساء واجب، فلما يكبر الناشئ ويجد الثوابت تهتز، ولا شيء ثابت على الإطلاق، فما الذي يمكنه أن يعمله، فتهتز حينئذٍ العلاقة بين النشء وبين دينهم، ويسيئون الظن بالعلماء، ويظنون أنهم لعبوا في الدين وأدخلوا فيه ما ليس منه وأخرجوا منه ما هو فيه، فيحصل هذا. فلما يأتي أصحاب هذه الفتاوى ويقولون: إن المذهب الشيعي مذهب معتبر، فإن العلمانيين سيطبلون ويزمرون ويقولون: يا إخواننا! إذا كنتم أنتم رسمياً تقولون في أبحاثكم العلمية: إن المذهب الشيعي مذهب معتبر، وأنه يجوز اتباع المذهب الشيعي في بعض المسائل فتعالوا للناقش هذه المسألة: الشباب غير مستطيع للزواج، وكذلك البنات، والمهور غالية، فلماذا لا نزوجهم بنكاح المتعة؟! أي شاب معه خمسة عشر جنيهاً فليتزوج ليوم أو يومين، والذي معه مائة جنيه يتزوج لمدة أسبوع أو أكثر، وهذا يجعله يجدد دائماًَ، فمتعته تكون مستمرة، وهذا الشيء جيدٌ وليس سيئاً، لماذا تريدون أن تحرموا الناس؟ لماذا أنتم مغتاظون من الناس؟ لماذا تربطون الرجل بامرأة واحدة طوال العمر؟! دعوه يجدد، فالمذهب الشيعي نحن نراه أنه مناسب للظروف الاقتصادية، وأنتم تقولون في أبحاثكم الرسمية أنه مذهب معتبر. فيأتون لنا بهذا الكلام!

стр. 578

عقيدة التقية عند الرافضة لما تأتي -إن شاء الله- إيران وتشرفنا بمجيئها وتدخل علينا، سيكون رافضتها أعداء لكل شيء فمذهبهم الرسمي واعتقادهم البراءة من أهل السنة، فما بالكم إذا جاءونا بمذهب التقية الذي ينقلون بشأنه عن جعفر الصادق -وكذبوا على جعفر الصادق - قوله: التقية ديني ودين آبائي. فالتقية: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨]، يكون الشخص منهم يكرهك ثم يقول لك: أنا أحبك جداً، ويكون مراده أن يضع لك السم ثم يقول لك: هاهو العسل، ويبادر في خدمتك! وهذا هو أيضاً حال النصارى عندما يكونون أقلية في بلد ما فتجد الواحد منهم عندما يعيش في ريف أو قرية، فإنك تجده أحسن شخص، فهو الذي يقرض الناس، وهو الذي يعامل الناس معاملة حسنة، وهو الذي يضحك في وجوه الناس، وهو الذي يقول لهم كثيراً ودائماً (صلوا على النبي) ودائماً يتعامل معهم بذوق وأخلاق، ونحن ليس عندنا ولاء ولا براء، فيقول القائل من أبناء المسلمين إن فلاناً النصراني أحسن بكثير من المسلمين! فهؤلاء أشر من النصارى. وهناك رجل ألَّف كتاباً -وأنا أدعوكم إلى شرائه وقراءته وقد أعجبني، وهو كتاب مفيد جداً- كشف لنا فيه جوانب خفية عن مذهب الرافضة اسمه: (بذل المجهود في مشابهة الرافضة لليهود)، جاء بأول تشابه ما بين الرافضة وما بين اليهود، وهو اتصافهم بالكذب، والكتاب مطبوع في السعودية. فهؤلاء عندهم مذهب التقية، فالرافضي سيدخل فيك مثل السرطان، لا تشعر به على الإطلاق، فيشعرك أنه على مذهبك السني، وثَمَّ رجل أحمق أخرج كتاباً اسمه: (رحلتي من السنة إلى الشيعة)! انظر إلى قلة الحياء!!! سبحان الله! نحن في زمان العجائب! ونَشْرَ كتابه، وهذا يعد أمراً طبيعياً، بداعي أن حرية الرأي وحرية الكفر -وليس الفكر- مكفولة للجميع! وأي شخص يريد أن يخرج أي شي يخرجه، فليس عندنا هيئة لكبار العلماء، ولا عندنا مراقبة للذين يكتبون، ولا عندنا أية مراجعة ولا أي شيء من هذا، مع أن كل هذه الأمور يمكن أن تطبق بجرة قلم، مثلما أغلقوا كل المساجد الغير التابعة للأوقاف، وكما أغلقوا الجمعيات الخيرية في صلاة الجمعة، بجرة قلم، فباستطاعتهم أيضاً بجرة قلم أن يقروا هيئة لكبار العلماء، وأن ينشئوا هيئة رقابة، وأن يحاربوا الخمر، وأن يطبقوا الحدود، كل هذا بجرة قلم، فيستطيعون بجرة قلم أن يعيدوا حكم الله إلى النفاذ، وأن يُعَبِّدوا الناس للهعزَّ وجلَّ، كل هذا بجرة قلم؛ لكن نحن ليس عندنا هذا النوع، إنما الموجود عندنا أن كل إنسان يستطيع أن يكفر بالله العظيم، وينشر كفره. أحد الإخوة المصلين أعطاني منذ جمعتين تقريباً كتاباً اسمه: (الألوهية والجنس) بينما نحن كنا مستفظعين لطعن بعض الكتاب على الصحابة فأصدروا (علماء الإسلام والجنس)، و (الصحابة والجنس)، فاستفظعناها، وظللت ليالي عَدَداً لا أستطيع أن أنام -إلا غفوات- من الكمد، وذلك أول ما رأيت (علماء الإسلام والجنس)، كيف صدر هذا العنوان؟ لكن كلما مضى الزمان. - أو كما يقول أنس -: (ما من يومٍ يأتي إلا والذي بعده شرٌ منه إلى يوم القيامة) سمعته من النبي ﷺ . وهذا الكتاب المسمى بـ (الألوهية والجنس) تمت مصادرته؛ لكنه خرج وبِيْعَ، مثل كتاب (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ مُصادَر وبِيْعَ على الأرصفة رغم أنف الأزهر، هذا الكتاب ممنوعٌ تداوُله وقد طبع في سنة ١٩٥٨م، ومع ذلك بيع رغم أنوفهم؛ لأننا ليس عندنا هيئة لكبار العلماء، وحتى لو كان عندنا هيئة لكبار العلماء فإنها لن تحل ولن تربط، وإنما سيوكل إليها فتاوى في الصلاة والزواج، والمواريث، ونحوها؛ لكن أن توقف شخصاً علمانياً يكتب فلا.

стр. 579

حكم المخالف في الأصول فمسائل الأصول مسائل خطيرة (لا يستقيم الظل والعود أعوج). مسألة أن يخالفك شخص في الأصول فيجوز لك أن تتبرأ منه؛ لكن إذا كان الخلافُ سائغاً فلا تقل: أنا بريءٌ منه وهو بريءٌ مني، ولذلك تبرأ عبد الله بن عمر من هؤلاء الذين كفروا بالله العظيم ونفَوا علمه القديم المتقدم على أفعال العباد، فقالوا: إن الأمر أنف -أي مُستأنَف- فقال عبد الله بن عمر: أنا بريء منهم وهم برآء مني. ثم قال: (حدثني أبي) وكلما قرأت في الأسانيد (حدثني أبي) شعرتُ بمرارة، وشعرت بغصةٍ في حلقي وقلتُ: أين هؤلاء الآباء؟! رحم الله هؤلاء الآباء، كم واحداً في هذا المسجد يستطيع أن يقول: سألتُ أبي ﵀ عن كذا فقال: كذا، فيما يتعلق بالشرع وبدين الله ؟! كم واحداً يستطيع أن يقول: سألتُ أبي ﵀ عن المسألة الفلانية فأجابني بكذا؟! ضاع هذا النمط، والسبب أن الأجيال الماضية كلها عاشت في فترةٍ حالكة السواد بالنسبة لدين الله ، فترة كلها مؤامرات، فسخروا من هذه الأسانيد، وسموها (العنعنات) حتى مر على الناس زمان إذا وجدوا الإسناد فإنهم يتجاوزونه سريعاً ليصلوا إلى المتن، ما عندهم صبر على الإطلاق أن يقرءوا سنداً أو يقفوا على سند، ولذلك دخل علينا أعداؤنا وطعنوا في السنة بسبب جهلنا بهذا السند؛ لذلك رأيت أن أفشي هذا العلم وهذا الفضل في مثل هذا الجمع؛ أقرأ الإسناد، وأقف عليه، وأقف على بعض رجاله، وأظهر الصناعة الحديثية كلها أو بعضها حتى تعلموا هذا الجهد الهائل الذي بذله علماؤنا. أنت الآن مستريح، معك صحيح مسلم، إلا أنك لا تعلم مدى الجهد الذي بذله مسلم ﵀ حتى يجمع وينتقي، ولا تعلم التحري الذي بذله ليخرج لنا هذا الصحيح، فضلاً عن بقية العلماء الذين جمعوا ونقَّحوا للأمة المسلمة، ومع ذلك يا ضيعة جهود المحدثين عند من جاءوا بعدهم! فالعلماء الذين رووا لنا هذه الأسانيد يقولون: إن رواية الولد عن أبيه لها مزية، وعند الاختلاف يقدمون رواية الولد على غيره الولد فمثلاً سالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى ابن عمر: أحياناً ترى الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، فـ نافع الذي يروي عن ابن عمر هو مولاه، فكان ملازماً له مثلاً بنسبة (٩٠ %)؛ لكن سالماً يلازم أباه بنسبة (٩٩ %)، أو (٩٨ %) أو (٩٧ %) المهم أنه أكثر ملازمة له من نافع، فإذا اختلف نافع وسالم في حديثٍ عن ابن عمر فإن العلماء كـ أحمد بن حنبل وغيره يرجحون سالماً في أبيه، يقولون: الولد أدرى بأبيه من غيره، وأضبط لحديثه من غيره، ومع ذلك فلم يختلف نافع وسالم إلا في أربعة أحاديث فقط، كان الصواب فيها كلها في قول سالم. فأنت لما تقرأ: (حدثني أبي) تدركك الحرارة، وطبعاً: (حدثتني أمي) هذه لها متاهات، أتعرف (حدثتني أمي) هذه كانت مع من؟ مع الحسن البصري هو الذي يقول: (حدثتني أمي)، من النادر في الأسانيد أن يقول قائل: (حدثتني أمي)، هو موجودٌ نَعم؛ لكنه نادر، وهو موجود فيما يسمى بأسانيد النساء، فمثلاً عمرة بنت عبد الرحمن الراوية عن عائشة ﵂، ومعاذة العدوية أيضاً وحفصة بنت سيرين أيضاً، فهناك نساء كثيرات، ومن أراد أن يستزيد من أخبار النساء وروايتهن في الكتب الستة فعليه أن يطالع الجزء الخاص بهن في كتاب تهذيب الكمال للحافظ أبي الحجاج المزي، أو في مختصره الذي هو كتاب تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، أو في مختصره الذي هو كتاب تذهيب التهذيب، للحافظ أبي عبد الله الذهبي فقد ذكروا فيه جمعاً من النساء اللاتي لهن رواية في الكتب الستة. وكانت النساء أيضاً مهتمات بالحديث، فنحن عندنا مثلاً: أمة الله الحنبلية، لها مسند ونُشِر حديثاً، وكذلك بيبي بنت عبد الصمد الهرثمية لها جزء عن ابن أبي شريح عن شيوخه، وهذا أيضاً مروي في الأسانيد. وأيضاً فأصح روايات صحيح البخاري رواية كريمة بنت أحمد المروزية كانت تروي صحيح البخاري، وكان إسنادها عالياً. وكان أكابرُ العلماء يأتون إليها ليسمعوا منها. فالحافظ ابن عساكر ﵀، صاحب التاريخ المشهور بتاريخ دمشق والذي طبع منه ستون مجلداً حتى الآن وربما يطبع في نحو مائة مجلد، وقد سكن دمشق، هذا الحافظ روى عن ثمانين امرأة ذكرهن من شيوخه. والحافظ أبو عبد الله الذهبي تجاوزت شيخاته المائة، وكان منهن قرابة العشرين ممن تسمى (زينباً). فلما تسمع هذا الكلام -وأنت رجلٌ محب لدين الله، وأنت رجلٌ حي الضمير- ترجع فتطلب العلم من جديد حتى تنقله إلى ابنك، فيكبر ابنك، ويقول: حدثني أبي، وسألت أبي، مثل أولاد أحمد بن حنبل ﵀، عبد الله وصالح، ومثل عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وفي السلف علماء كثيرون لهم أولاد، كانوا يأخذون عنهم العلم، وهم الذين أفشوا علمهم ونشروه. فيقول عبد الله بن عمر لما سمع هذه المقالة: (حدثني أبي) ومن فطنة المحدث أن يستحضر الحديث أو الآية التي تدل على الواقعة، أول ما يسمع نازلة من النوازل فيقول هذا الكلام.

стр. 580

الرد على من طعن في حديث الآحاد وهنا مسألة مهمة، وهي: أن الصحابة ما كانوا يفشون الأحاديث إلا إذا وجد ما يقتضي، يعني: لا نتصور أن عبد الله بن عمر يجلس في مجلس ويسرد الأحاديث سرداً كما لو كان يقرأ من كتاب، ولكن لما ظهر له المقتضى وسُئل عن مسألة فرأى الحديث يدل عليها ذَكَره. ونحن نذكر هذا الكلام هنا؛ لأن بعض الذين طعنوا على الأحاديث يقولون لك: وهل عمر بن الخطاب هو الذي سمع هذا الحديث لوحده، أين بقية الصحابة؟! لماذا لم يسمعوا كلهم الحديث؟! ويطعن على الحديث أن صحابياً واحداً هو الذي سمعه، فلابد أن يكون واحداً واثنين وثلاثة وأربعة. لا، فهذا الرسول ﵊، إنما كان يتكلم بالكلمة غالباً إذا وجد ما يقتضي ذلك، يُسأل سؤالاً فيجيب، أو يستأنف الكلام من نفسه، إذا رأى ما يوجب ذلك. على سبيل المثال: الحديث المشهور الذي تعرفونه جميعاً: (لما مر النبي ﵌ على جدي أسكٍ ميتٍ فوقف مع الصحابة وقال لهم: أيكم يشتري هذا بدرهم؟ -هو الذي ابتدأ الكلام- فقالوا: يا رسول الله! والله لو كان حياً ما اشتريناه لأنه أسك مقطوع الأذنين، قال: أترون هذه هينةً على أهلها؟! والله! للدنيا أهون على الله من هذا على أهله). فكان يحضر مجلس النبي ﷺ الواحد والاثنان والثلاثة من الصحابة، ويغيب الجمع الأعظم؛ لأنهم يكونون في مشاغلهم، وما حديث ابن عباس في الصحيحين منك ببعيد، لما سأل عمر بن الخطاب عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، قال عمر بن الخطاب: كنتُ أتناوب النزول إلى النبي ﵌ أنا وجار لي من الأنصار، فإذا نزلتُ أتيته بالوحي، وبما قاله النبي ﵌ في ذلك اليوم، وإذا نزل هو فعل مثل ذلك. فهذا يدلك على أن عمر بن الخطاب أراد أن لا يفوته شيء من العلم فعمل مناوبةً مع جارٍ له من الأنصار، كل الصحابة لم يعملوا هكذا، أبو بكر الصديق لا نعلم أنه فعل مثل هذا، وأيضاً كثير من الصحابة الذين هم في أماكن بعيدة ما أنابوا عنهم أحداً. فالنبي ﵌ كان يتكلم بالحديث فلا يحفظه إلا من كان حاضراً، وأغلب الصحابة كانوا غائبين، إنما كانوا يسمعون ممن سمعه من رسول الله ﷺ ، ويبلغون ذلك العلم إلى غيرهم إذ لم يكن آنذاك كذب. فالذي يقول: أنه لابد أن يروي الحديث الاثنان والثلاثة والأربعة والخمسة! نقول له: لا. كذلك إذا قال: وهل يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحِميري هما -فقط- اللذان رويا عن ابن عمر؟ أين بقية الأصحاب؟ نقول: هذان هما اللذان سألا، فلأجل هذا السؤال روى عبد الله بن عمر هذه الحكاية. فـ يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحِميري إنما خرجا من بلدهما ليسألا عبد الله بن عمر هذا السؤال. فلما سمع ابن عمر هذا الكلام وتبرأ منهم قال: (حدثني أبي عمر بن الخطاب ﵁ ثم ساق الحديث.

стр. 581

الأسئلة

стр. 582

غربة الشاب الملتزم وسط مجتمعه السؤال إننا -وخاصة من يلتزم منا حديثاً- نكون بين أهلينا وأسرنا العوام كأننا غرباء، وكذلك في الجامعة نتعرض للاضطهاد المستمر، فنريد توجيه كلمة إلى كل أصحاب هذه الغربة؟ الجواب أنا أذكر هذا السائل بحديث النبي ﵌: (إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء). و (طوبى) شجرة في الجنة، يقول النبي ﵊ في وصفها: (يمشي الجواد المضمر المسرع في ظلها مائة عام لا يقطعها، قال أبو هريرة ﵁: فاقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠])، فالجواد المضمر يجري في ظلها مائة عام كأعوامنا لا يقطع هذا الظل، فهذه الشجرة للغرباء، وإذا عدت بذاكرتك إلى الغرباء الأولين، وجدتَ أن ما أنت فيه لعب بالنسبةِ لما كانوا فيه، وتجد أن البلاء إنما اشتد عليك؛ لأنك ليس عندك من الإيمان ما كان عندهم، فالمصيبة أننا إنما أوتلينا من ضعف الإيمان، لا من قوة البلاء. لا أحد يصبر على الإطلاق على الذي كان فيه الصحابة إلا إذا كان عنده مثل إيمانهم، والنبي ﵊ لما قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً) فوصف الغربة شَرَف، مثل ما حصل عندما ظهرت اللحية منذ حوالى عشرين سنة كان مظهر الملتحي يعد غريباً، فكان المستهزئون إذا أرادوا الاستهزاء به يقولون له: يا سُني!! بمعنى أنها سبة، فكان أحياناً بعض الملتحين يحسون بنوع من الإهانة، وربما جرى أحدهم وراء المستهزئ به وضربه ودخل في عراك معه؛ لأنه قال له: يا سني! مع أنه لم يسبه أصلاً، ولو كان العلم منتشراً آنذاك لعرف أنه بهذا كأنه يقول له: يا ابن الأصول. تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها وفي قصة عبد الله بن الزبير لما أراد الحجاج أن تعييره؛ كأن يقول: ابن ذات النطاقين، بمعنى أنه يشتمه ويعيره بـ ذات النطاقين أمه أسماء بنت أبي بكر لما شقت نطاقها شطرين، وقد كانت حينها حاملاً! لله درك يا أسماء، ومن لنا بمثلها من بين مليون شخص من أشباه الرجال الآن. انظر إلى الجد والاجتهاد! امرأة حامل في الشهر الأخير تصعد الجبل تحمل الطعام على كتفها، تربطه بنصف نطاقها وتربط بطنها بالنصف الآخر، وتأخذ المتاع وتصعد إلى الرسول ﵊ وإلى أبيها! وما حملها هذا إلا الفداء والتضحية والحب لهذا الدين؟! فلابد لك من أن تعمل شيئاً لهذا الدين، فنحن عندما نفتخر بنسائنا من الصحابيات والتابعيات، ما ذاك إلا لأن الواحدة منهن تساوي أمة من أشباه الرجال، فما بالك بالرجال الذين فضلهم الله على النساء. فيأتي يُعَيِّرُها ويَعِيْبُها ويقول في عبد الله بن الزبير له عنها: ابن ذات النطاقين. تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارُها أي: دعها أنت -يا ابن الزبير - فلا تكن أنت المُعَيَّر، فهو شَرَفٌ، وأيُ شَرَفٍ! فأنت حين تتصف بالغريب اسم الغريب، فالرسول ﵊ قال لك: (بدأ الإسلام غريباً)، ومعروف أن البداية كانت مشرفة، ثُلة من المتقين شرفوا جبين الزمان من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، صدقوا الله ، لم تكن بينهم أحقاد، ولم تكن بينهم الخلافات التافهة الموجودة الآن بين أفضل الإخوة مع بعضهم بكل أسف، فتجد الرجل فاضلاً وعالماً وداعيةً، وبينه وبين غيره من الأحقاد ما يعجز عن وصفه اللسان. فالصحابة جردوا العزم لله ، وكانت البداية لهذا الدين بتضحيتهم وإخلاصهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 583

الجمع بين الأحاديث الواردة في استحلال دم المسلم السؤال كيفية الجمع بين حديث: (لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث) ومع غيره من الأحاديث التي في بعضها التصريح بقتل غير هؤلاء؟ الجواب إن هذا الحديث: (لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: زناً بعد إحصان، وكفرٍ بعد إيمان، والمفارق لدينه التارك للجماعة) فهذه هي الثلاث الكبار؛ مثل النبي ﵌ لما يقول: (الكبائر سبع) فهل في هذا الحديث حصرٌ للكبائر؟ ليس فيه حصر للكبائر؛ لكن هذه الكبائر التي لها علاماتها البارزة، مع أن أي رجل حلال الدم يمكن أن تضع ذنبه تحت واحد من هؤلاء الثلاث، يعني: هذا الحديث، ليس فيه: أنه لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بهؤلاء الثلاث مع وجود أسباب أخرى! يعني: مثلاً لما تقرأ حديث النبي ﷺ : (سبعةٌ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، هل المسألة محصورة في هؤلاء السبعة؟! وكما في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر: (من أنظر معسراً) وانظر إلى جمال الحديث وإلى اسم الراوي الذي رواه (من أنظر معسراً كان في ظل العرش يوم القيامة، أو أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله) فهذا شخص ثامن. فالأصل في الأحاديث أننا نجمع بعضها إلى بعض، ولا نضرب بعضها ببعض. والله أعلم.

стр. 584

حالة ضعف المسلمين يمر المسلمون هذه الأيام بمرحلة استضعاف رهيبة غير معهودة في سالف عصورهم، فقد تسلط عليهم الأعداء في جميع المجالات، ولم يعد لهم هيبة في أعين أعدائهم، وما ذلك إلا بسبب الذنوب والمعاصي التي طغت على المجتمعات الإسلامية فأورثتها المذلة أمام الأعداء، وعدم العمل بالشريعة الإسلامية وتحكيمها على مستوى الفرد والمجتمع. وإن الهجرة إلى الله تعالى نجاة من الضعف، وقوة القلب خير معين على الصبر حال الضعف إلى أن يمكن الله تعالى لهذه الأمة في الأرض.

стр. 585

الاستضعاف بين المحمود والمذموم إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥]. أيها المسلمون! لا ينفك الإنسان عن حالة من الضعف تركبه، لكن ليس كل ضعف محموداً؛ بل هناك ضعف مذموم وضعف محمود، وكل خصلة سلب تكون في الله فهي محمودة. وخصال السلب ضد الخصال الإيجابية، فلو قلت: رجل قوي، فسالبه ضعيف رجل غني، فسالبه فقير رجل عزيز، فسالبه ذليل وهكذا. فكل خصلة سلب تكون في الله فهي محمودة، ألا ترون أن النبي ﵌ نهى عن إضاعة المال، وعد ذلك من باب التلف لنعم الله يؤاخذ العبد عليها، ومع ذلك فإذا أتلف العبد ماله في الله كان محموداً. روى الإمام أبو داود في كتاب الزهد بسند صحيح: (أن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قابل راعي غنم، فقال: يا غلام! بعني شاة من الغنم. فقال: ليست لي. فقال: بعني شاة وقل: أكلها الذئب. فقال الغلام: وأين الله؟! فبكى ابن عمر وجعل يردد: وأين الله؟! وأين الله؟! ثم قال: يا غلام! وافني وسيدك غداً في هذا الموضع، فلما كان من الغد جاء الرجل والغلام، فاشترى الغلام والغنم من مالكها، ثم أعتق الغلام ووهب له الغنم). إن الذي جعله يفعل ذلك هي الكلمة التي كررها ابن عمر وبكى لأجلها: (أين الله؟! أين الله؟!) فاشترى الغلام والغنم، وأعتق الغلام وترك له الغنم. وروى أبو داود أيضاً في نفس الكتاب عن ابن عمر ﵄ قال: (بينما أنا ذات ليلة إذ تفكرت في قول الله : ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، فقلت: إن أحب ما أملكه هي رميتة -وهي جارية لـ ابن عمر، والجواري والعبيد آنذاك كانوا مالاً- قال: فلما رأيت أنه ليس عندي أغلى من رميتة قلت: هي في سبيل الله، ووالله لولا أني أكره أن أرجع في شيء وهبته لله لأعتقتها وتزوجتها). ويقول النبي ﷺ : (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل له أمة فأدبها وأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها)، فهذا يؤتى أجره مرتين، فكان عنده هذا الباب، يؤتى أجره مرتين ثم يحقق لنفسه ما يشتهي من محبة المرأة والقرب منها، ومع ذلك فضل الباب الآخر؛ لأنه انتصار على حظ النفس. إن النبي ﷺ قال: (ليس الشديد بالصرعة -أي: الذي يصرع الرجال- ولكن الشديد الذي يملك نفسه)، هذا هو الشديد، فمن ملك حظ نفسه فهو الشديد، لقد كان هؤلاء رجالاً يحبون معالي الأمور، قال ابن عمر: (فأنكحتها نافعاً)، ونافع هو مولى ابن عمر. فإذا فعلت الشيء لله وكان بالسلب عند الناس كنت به محموداً. كذلك الاستضعاف المحمود: أن تخرج من بيتك ومالك لله، فلا تندم أبداً أنك تركت مالك أو دارك أو أهلك لله ، فإن البقاء في الدار لا يخلدك، وإن البقاء في مالك لا يطيل عمرك. إن الله قص لنا جانباً من الاستضعاف المذموم، فقال ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧]، لقد كانوا مستضعفين في الأرض، لكنه استضعاف مذموم، لقد كان بإمكانه أن يخرج لكنه قصر في الخروج؛ بدليل أن الله قال بعدها: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨] * ﴿َأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء:٩٩]، هؤلاء المستضعفون الذين لا يهتدون حيلة ولا يجدون سبيلاً استثناهم الله . إذاً: هذا يدلنا على أن الذين قالوا: (كنا مستضعفين في الأرض) كاذبون، لقد كان بإمكانهم أن يخرجوا فقصَّروا، فكذلك كل رجل كان بإمكانه أن يفعل ما أوجبه الله عليه ولم يفعل، أو أن ينتهي عما نهى الله عنه ولم يفعل؛ هذا لا يقبل منه شيء، ولا تقبل منه حجة؛ لأنه كان بإمكانه أن يفعل، إنما يعفى عن العاجز الذي لا يستطيع حيلة ولا يهتدي إلى سبيل للخروج من مأزقه الذي وقع فيه.

стр. 586

الهجرة في سبيل الله نجاة من الاستضعاف إن المهاجر في الله له أجر عظيم، لو تفطن له كثير من العباد لهانت عليهم دورهم وأموالهم في الله الهجرة هي علاج الاستضعاف، إذا كنت مستضعفاً فهاجر، استبدل بيئة غير البيئة التي حاربتك وأذلتك ووقفت ضد دعوتك؛ لعلك تجد أناساً آخرين أرفق بك وأرحم من الذين ولدت بينهم اترك دارك لله إن استطعت إذا كنت في بيئة يسب فيها الله ورسوله، أو يعصى فيها الله ، وتخشى على نفسك وعلى أولادك؛ فينبغي بل يتعين عليك أن تهاجر، وهذه هي الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة. روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)، وقال النبي ﷺ : (لا تزال الهجرة ما قوتل الكفار)، فهذه هي الهجرة التي لا تنقطع، وهي علاج الاستضعاف. روى النسائي وابن ماجة بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (شهد النبي ﷺ رجلاً من أهل المدينة مات في المدينة -ولد في المدينة ومات بها- فقال ﵊: يا ليته مات في غير مولده -يعني: يا ليته مات غريباً- فقالوا: لِم يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات في غير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة)، هذا يكون ملكه، رجل هاجر من مصر -مثلاً- إلى آخر الدنيا، فراراً بدينه من الفتن، ومات غريباً؛ فإنه يقاس له في الجنة من موضع مولده إلى موضع وفاته. ولذلك نهي المهاجرون أن يرجعوا إلى مكة أو يسكنوا بها؛ حتى لا يرجعوا في شيء خرجوا منه لله ، ولم يرخص لمهاجري أن يبقى في مكة أكثر من ثلاثة أيام، وفي الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (مرضت في حجة الوداع مرضاً أشرفت فيه على الموت، فزارني رسول الله ﷺ -وساق حديثاً طويلاً، وفي آخره- قال النبي ﷺ : اللهم امض لأصحابي هجرتهم، اللهم لا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة مات بمكة)، سعد بن خولة مات بمكة، فوصفه النبي ﵊: بـ (البائس)؛ لأنه فقد أجر الموت غريباً، وخسره؛ لأنه مات بمكة: (لكن البائس سعد بن خولة مات بمكة، يا ليته مات بالمدينة، يا ليته مات غريباً). وفي صحيح مسلم في إحدى طرق هذا الحديث قال سعد: (وأخشى أن أموت فأكون كما كان سعد)، لقد كان يخشى على نفسه أن يموت بمكة، وهو في طاعة في زمن حجة الوداع؛ لأنه سوف يفقد أجر الموت غريباً، فإذا كانت الأرض لله فما يضيرك أن تموت في أقصى الأرض؟ إن الله يقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦] * ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧]، مت في أي مكان لكن على التوحيد، مت مسلماً ومت في جوف سبعٍ أو في قعر بحر، أو في أي مكان، لا يضرك: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦]، فلا تتردد أن تخرج إلى الهجرة؛ لأن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧]. بعض الناس يوصي ألا يدفن ليلاً؛ لأنه يظن أن القبر كالدنيا فيه نهار وليل، يظن ذلك، ويظن أنه لو دفن ليلاً فسيشعر بالوحشة، لا والله ليس في المقابر ليل ولا نهار، كله ليل، كما قال النبي ﷺ : (إن هذه القبور ملآنة ظلمة على أهلها، وإن الله ينيرها لهم بصلاتي عليهم)، فكلها مظلمة، لكنه يظن كما يستوحش إذا أفرج إفراج الساري في الليلة الظلماء في الدنيا أنه يكون كذلك في القبر. فالخوف من هذه الوحشة هو الذي جعل هؤلاء يبقون في دارهم ولا يهاجرون، ويلابسون أصحاب المعاصي حتى تأثرت قلوبهم، ثم وافوا الله بقلوب مريضة أو ميتة، فقال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧]، فهذا الاستضعاف المذموم يكون مع القدرة على الخروج والهجرة. أما العاجز فإن الله قد وضع كل أمر أمر به أو نهي نهى عنه إذا خرج عن مقدور العبد، كما ثبت ذلك في القرآن والسنة، قال الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال عز من قائل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقال النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به). الاستضعاف المحمود: أن تنحاز إلى الله؛ لذلك قال الله : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٥]، فلا يمن الله إلا على عبد انحاز إليه، ولذلك أراد ففعل، والله إذا وعد فلا يخلف وعده، وإذا أوعد فهو بالخيار، كما قال ﵊: (إذا وعد الله عبداً على عمل أجراً فهو منجز له ما وعد، وإذا أوعد عبداً فهو بالخيار)، إذا هدده فهو بالخيار: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وهذا من فعل الكرام: إذا وعد لا يخلف الميعاد؛ لأن هذا هو مقتضى الكرم والإحسان؛ لأن الرجوع في الإحسان نقص.

стр. 587

هل للعباد حق على الله ؟ هناك إشكال قائم بين أهل السنة والمعتزلة في: هل للعباد حق على الله أم لا؟ فالمعتزلة يقولون: يجب على الله أن يفعل الأصلح لعباده، وهل لأحد على الله حق؟! لا والله، ما لهم عليه حق، أنشأهم من العدم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، ووافاهم بالنعم، فأين الحق الذي لهم عليه؟ لكن النبي ﷺ قال: (يا معاذ! أتدري ما حق العباد على الله؟)، فأثبت للعباد حقاً هنا، فلربما قال قائل: فهذا إثبات لحق العباد على الله، فنقول: لا، إنه صار حقاً لهم لأنه وعدهم، وهو لا يخلف الميعاد؛ لا لأن لهم ما يستحقون به ذلك الحق من ذات أنفسهم، لكنه سبحانه إذا أوعد فتكرماً منه لا يخلف ميعاده للعبد، كما في حديث البطاقة وغيره الذي رواه الإمام الترمذي ﵀، وهو من أرجى أحاديث أهل السنة للعصاة، قال ﷺ : (يصاح برجل على رءوس الأشهاد، وينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر، وكلها ذنوب وخطايا، فيقول الله له: عبدي! هل تنكر مما في كتابك شيئاً؟ يقول: لا يا رب. فلما علم أنه داخل النار يقيناً، قال الله : عبدي! إنه لا يظلم عندي اليوم أحد، إن لك عندنا بطاقة، ثم يخرج بطاقة مكتوب فيها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فتوضع هذه البطاقة في الكفة الأخرى فتطيش هذه السجلات كلها، ولا يرجح باسم الله شيء). فهذا العبد فعل ذنوباً، وقد توعد الله العاصي بالنار، ومع ذلك أخلف الله ميعاده للعبد العاصي وأدخله الجنة، وقال ﷺ : (بينما امرأة بغي -تتاجر بعرضها- تمشي فوجدت كلباً يلهث ويلعق الثرى من العطش، فنزعت موقها -أي: خفها- ونزلت في البئر فملأته ماء، فسقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها)، وهذه امرأة بغي؛ لأن إسقاط العقوبة تكرم يناسب الله ، فإذا كان يسقط العقوبة تكرماً أيرجع في الإحسان والهبة؟ والنبي ﷺ أنكر على العبد أن يرجع في الهبة، فقال ﷺ : (ليس لنا مثل السوء: العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) فأنكر على العبد، وهو لا يملك شيئاً ذاتياً يفتخر به، لا موهبة ولا مالاً، أنكر عليه أن يرجع في الهبة، أيرجع فيها رب العالمين؟ لا والله. لذلك قال الله بعد هذه الآيات: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٠٠] هذا هو الانحياز المحمود ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]، وقال : ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [القصص:٥] فمن، وقال : ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 588

ابتلاء الله لعباده بالاستضعاف سبب لتعلقهم به الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قد يقول القائل: أليس المستضعفون هم عباد الله وهم أولى الناس بالتمكين في الأرض؟ فلم يتركون في مهب الريح؟ ولم يدال عليهم ولا ينصرهم الله بـ (كن) ويمضي أمره في الكون؟ فنقول: إن الله ﵎ جعل ذلك فتنه للعباد، فقال عز من قائل: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:٢٥١]، دفع الله الناس بعضهم ببعض هذا محق وهذا مبطل، إنما جعل الاستضعاف من نصيب المؤمنين؛ لأن أعظم ثمرة للاستضعاف هي تعلق القلب بالله ، هذه أعظم ثمرة يحصلها المؤمن: أن يتعلق قلبه بالله؛ لأنه ضعيف، فيحتاج إلى من يقوي ضعفه، فلا يكون إلا الله، وحياة القلب لا تكون إلا في وسط العواصف والمحن، لذلك رفع الله شأن عباده بهذا الاستضعاف.

стр. 589

قوة القلب تعين على الصبر حال الاستضعاف إن العبد يوزن عند الله بقلبه لا بجسمه، وقد صدق ابن القيم ﵀ لما قال على حديث: (يأتي العبد السمين فيوضع في الميزان فلا يزن جناح بعوضة). قال: فقيمة العبد في قلبه؛ لذلك كان نصيب القلب من البدن هو الملك، فالقلب ملك البدن، فهو مستقر الإخلاص والتوحيد للملك، والعبد الذي وهب قلبه لغير الله لا يعبأ الله به، ولا قيمة له عند الله . وقد ذكر الله القلب كثيراً، مثل الصدع والران والختم والغلف، ولما ذكر الوحي وما يؤثر به في القلب ذكر الحيلولة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤]، ولذلك فلا تأمن مكر الله . استضعافك المحمود أساسه قلب سليم، ولذلك جعل الاستضعاف من نصيب المؤمنين، كم من رجال كانوا إذا سمعوا بالسجن ارتعدوا خوفاً، لكن لما دخلوا وخرجوا عظمت قوة قلوبهم، فلم يعودوا يرهبون شيئاً، ضع الإنسان في وسط العاصفة واتركه، بخلاف الجوارح فإنه لا يستقيم حالها مع البلاء والمحن، فإن البلاء والمحن تضعف الجارحة لكنها تقوي القلب، وتدبروا قصص الأنبياء والصالحين وانظروا إلى قوة قلوبهم، فإن العضو يستقي قوته من القلب، ومن الشواهد على ذلك: ما حدث لـ جعفر بن أبي طالب في غزوة مؤتة، فقد قطعت يده اليمنى فحمل الراية باليسرى فقطعت، فحماها بعضده. هذه هي قوة القلب وليست قوة العضو، وقد قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر)، فإذا اشتكت هذه اليد لا تستريح تلك، ولا تستريح الرجل ولا يستريح الدماغ؛ لأن هذه الأعضاء كلها تتداعى في المحن، إلا القلب فإنه ملك لا يكاد يشعر بالبلاء. وهنا قصة عجيبة، ولولا أن سندها صحيح لما صدقها أحد، ذكرها الإمام ابن حبان ﵀ في كتاب الثقات في ترجمة أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ﵀، وقد كان أحد التابعين الفضلاء، روى عن أنس بن مالك وغيره، حكى هذه القصة رجل كان يمشي بين الجبال، قال: (فإذا أنا برجل قد قطعت يداه ورجلاه، وذهب بصره، وثقل سمعه، فلما ذهبت إليه واقتربت منه سمعته يقول: الحمد الله الذي فضلني على كثير مِمَن خلق تفضيلاً! قال: فقلت في نفسي: والله لآتين هذا الرجل، وأي نعيم هو فيه؟! لقد ذهبت يداه ورجلاه وبصره وثقل سمعه. قال: فذهبت وسلمت عليه، وقلت: يا عبد الله! سمعتك تقول كذا وكذا، فأي نعمة أنت فيها وقد ذهبت يداك ورجلاك وبصرك وثقل سمعك؟! قال: يا عبد الله! والله لو أرسل الله عليَّ النار فأحرقتني، والبحر فأغرقني، ما ازددت إلا شكراً له على هذا اللسان الذاكر، ثم قال: يا عبد الله! إنك إذ وافيتني فلي عندك حاجة. قلت: ما هي؟ قال: إن لي ولداً كان يطعمني ويسقيني ويحضر لي الوضوء، وقد فقدته منذ ثلاثة أيام، فهل لك أن تبحث لي عنه؟ قال: فقلت في نفسي: والله لا أسعى في حاجة عبد هو أفضل من هذا العبد. قال: فمضيت أبحث عن ولده، فما مضيت بعيداً حتى وجدت عظم الشاب بين الرمال، وإذا سبع قد افترسه، فركبني الهم وقلت: كيف أرجع إلى الرجل وماذا أقول له؟ وجعلت أتذكر أخبار المبتلين، فحضرتني قصة أيوب ﵇. فذهبت إليه وسلمت عليه، فقال: يا عبد الله! وجدت ولدي؟ قال: فقلت له: يا عبد الله! أتذكر أيوب؟ قال: نعم. قلت: ماذا فعل الله به؟ قال: ابتلاه في نفسه وفي ماله. قلت: كيف وجده؟ قال: وجده صابراً. قال: يا عبد الله! قل ماذا تريد. فقلت له: احتسب ولدك، فإني قد وجدت السبع افترسه. قال: فشهق شهقة، وقال: الحمد الله الذي لم يخلق ذرية مني إلى النار ومات. قال: فركبني الغم، ماذا أفعل وأنا وحدي؟ فإذا أنا بقطاع للطرق، فلما رأوني أغاروا عليَّ -بعدما سجى هذه الجثة وجلس يبكي، أغاروا عليه ليسرقوا الذي معه- فلما رأوه كذلك قالوا: ما يبكيك؟ فقال: مات صاحب لي ولا أملك له شيئاً. فقالوا: اكشف عن وجهه، فلما كشفوا عن وجهه، فإذا هو أبو قلابة؛ فبكى اللصوص وقالوا: العبد الصالح! وصلوا عليه ودفنوه). هذه هي قوة القلب: رجل فقد المنفعة، لا أطراف له، ولكنه لا يحس بعظمة المحنة التي ركبته بسبب قوة قلبه! إذا من الله عليك بقوة القلب فلا تأسى على ما فاتك من الجارحة، لذلك أعظم الناس أجراً عند الله هم الصابرون، فإن الله ﵎ قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، لا ينصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان.

стр. 590

أسباب ضعف المسلمين وتسلط الأعداء عليهم نحن مستضعفون في الأرض، حتى إن أذل الخلق استطالوا علينا، يذلوننا ويمضون ما يريدون وهم خمسة عشر مليون يهودي في الأرض كلها، ونحن ألف مليون مسلم، لو بصق الواحد منا بصقة واحدة لأغرقناهم، فكيف استطالوا علينا؟! لقد ضعفت قلوبنا، ولا أقول: قويت قلوبهم؛ فهم أجبن من أن تقوى قلوبهم، لكنهم متمسكون بباطلهم، فهذا النتن الذي تولى الوزارة في إسرائيل، لما أراد أن يخطب خطبة الافتتاح في البرلمان لبس القبعة السوداء، والقبعة السوداء عندهم هي والتوراة شيء واحد، لأن لبس القبعة السوداء تعني أنه رجل متدين، لا يخرج عن حكم التوراة هكذا يعظمون التوراة. أما نحن فقد ظهر عندنا من يقول: إن القرآن فيه أخطاء نحوية! وينشر هذا الكلام في الصحف -في صحيفة الأخبار-! وهو مستشار ومازال يحكم بين الناس، وكان ينبغي أن يقتل، يقول: إن القرآن فيه أخطاء نحوية، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] الجاهل الغبي يقول: (هذان) مرفوعة، و (إن) تنصب الاسم، وجهل هذا الغبي أن (إنْ) هنا ليست (أنَّ) ولا (إنَّ)، فلا عمل لها حتى تنصب الاسم، إن الأطفال الصغار الذين يتعلمون (إنَّ وأخواتها) يعلمون هذه الحقيقة، ثم يطفح بهذا الجاهل على صفحات الصحف ولا زال يُذكر إلى الساعة!! هذه أمة لا تقوم لها قائمة وكتاب الله لا يعظم فيها. وهناك رجل آخر ألف كتاباً ونشرته هيئة رسمية، وهي الهيئة العامة المصرية للكتاب، واسم هذا الكتاب: (آية جيم) وقد نشر وطبع طبعة أولى وثانية على رغم أنف الأزهر، يفتتحه مؤلفه بالشرك فيقول: باسم الشعب والسلطان الغشوم، وبعد ذلك يقول: إن القرآن غبن الجيم حقها، ولم يعطِ الجيم قدرها، وصاحبنا هو الذي أعطى الجيم قدرها! فألف هذا الكتاب وعمل فيه فقرات على وزان فقرات القرآن الكريم! ويريدون النصر على إسرائيل! لا والله، سنة الله لا تتخلف، والله لا يحابي أحداً من عباده، فإذا عظمنا الكتاب والسنة، وعظمنا الله ؛ رفعنا الله بغير كسب منا، إن الله هزم الأحزاب وحده بغير كسب من المسلمين، وأرسل عليهم ريحاً وجنوداً لم يروها وهزمهم. فإذا رجعنا عبيداً لله مكن لنا في الأرض ولو كنا أضعف الناس، مكن لنا بغير قذيفة واحدة نطلقها، لذلك كانت الدروس عن الاستضعاف وكيفية الخروج من الاستضعاف في غاية الأهمية للغرباء، نحذو حذو هؤلاء الغرباء وهم في طريقهم إلى الله . اللهم قو ضعفنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير.

стр. 591

الهجرة في سبيل الله تعالى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. قلنا: إن الهجرة علاج الاستضعاف، ولإن كانت الهجرة من البلد متعذرة، حتى وإن كان فيها عصاة، يظهرون خلاف الدين، لتعذر الخروج من مكان إلى مكان، فهناك الهجرة التي لا تنقطع، وهي الهجرة الواجبة التي يستطيع كل مسلم أن يحققها، وهي بوابة الهجرة الكبيرة، ألا وهي: الهجرة من المعصية إلى الطاعة، كما قال ﷺ : (المهاجر من هجر السوء)، وفي لفظ آخر: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه). إن إيماننا ضعيف؛ بسبب هذه القرون المتطاولة التي ورَّث الآباء ضعفهم إلى أبنائهم كما يورثون المال، بخلاف الصحابة الأوائل، فقد كان الواحد منهم يقوى ولا يبكي أبداً، ولا يلتفت إذا ترك ماله وداره وولده؛ لقوة قلبه.

стр. 592

منزلة الآباء والأمهات وهنا لفتة: فلم يقل أحدهم: بابني أنت وأمي، أو بابني وأبي؛ وهذا يدل على أن الأب والأم أغلى من الولد. ذات مرة أرسلت إلي امرأة رقعة تستحلفني فيها بالله أن أجيب بصراحة: هل أمك أغلى أم أولادك؟ ففهمت أن لها أبناء عاقين، وكأنها تستحلفني بالله حتى أتكلم وأوصي الأبناء بالأمهات، ومادام أنها قد استحلفتني بالله ، فوالله الذي لا إله غيره: لزوجتاي وأبنائي في شراك نعل أمي، لا أقول: إن زوجتي وأبنائي يساوون أمي أبداً، بل في شراك نعلها! ولو كان أحد ينوب عن أحد في المرض ويفتدى به لافتديت بكل أولادي لرفع المرض من جسد أمي! لقد كان الصحابة يقولون: (بأبي أنت وأمي) مباشرة! أي: يفدونه بالأغلى الذي لا غالٍ بعده، (بأبي أنت وأمي يا رسول الله!) والنبي ﵊ يقول: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه. قالوا: خاب وخسر يا رسول الله! -فذكر أصنافاً من الناس ومنهم-: من أدرك أبويه أو أحدهما ولم يغفر له). وروى البخاري في الأدب المفرد أن ابن عمر رأى رجلاً يحمل أمه في الطواف، وهو يقول: أنا لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لم أذعر ثم قال: يا ابن عمر! تراني وفيتها -أي: وفيت أمي جميلها لما حملتها على كتفي، وطفت بها في هذا الزحام الشديد-؟ فقال له عبد الله بن عمر: لا، ولا بزفرة، والزفرة: هي وجع المرأة في الولادة، أي: هذا الذي فعلته لا يساوي زفرة من زفرات الأم في حال الوضع.

стр. 593

هجرة النبي ﷺ وأبي بكر إلى المدينة تقول عائشة ﵂: (فلما رآه قال: بأبي هو وأمي! ما جاء الساعة إلا لأمر، فلما جاء النبي ﷺ قال: أخرج من في الدار -يريد أن يقول له شيئاً هاماً- فقال: يا رسول الله! إنما هم بعض ولدك قال: فإن الله قد أذن لي في الهجرة. قالت عائشة ﵂: فبكى أبو بكر، وما كنت أظن أن أحداً يبكي من الفرح. فكان أبو بكر ﵁ قد حبس راحلتين له وللنبي ﵊، ليركبا عليهما في الهجرة، فقال أبو بكر: يا رسول الله! هذه إحدى راحلتاي حبستها لك. فقال ﷺ : بالثمن)، أي: أدفع ثمنها. وهنا لفتة: فإن النبي ﵊ قال كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد: (إن عبداً خيره الله بين زهرة الحياة الدنيا وبين ما عنده، فأختار ما عنده، فبكى أبو بكر وقال: نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! فقال ﵊: إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لكن صاحبكم خليل الله)، فمعلوم أن أبا بكر واسى النبي ﷺ بماله، فكم أعطاه من ماله! فلماذا أبى أن يأخذ منه الراحلة هنا إلا بالثمن؟ لأن النبي ﷺ كره أن يدنس العمل الذي عمله لله بشيء من الدنيا، فلا تدنس إخلاصك بشيء من الدنيا، أخذ الراحلة ليركب عليها وأعطاه الثمن؛ ليكون ذلك كله لله ، وهاجر النبي ﷺ علاجاً للاستضعاف، وذهب فأبدله الله بأناس آخرين غير الذين قاوموه وحاربوه وأخرجوه، واجتهدوا في أن يوصلوا إليه الأذى.

стр. 594

همُّ أبي بكر ﵁ بالهجرة إلى الحبشة جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (لم أعقل أبويّ قط إلا يدينان الدين) أي: من ساعة ما ولدت لم يكن أبوها على غير دين الإسلام، وكذلك أمها أم رومان، قالت: (وكان رسول الله ﷺ يأتينا بكرة وعشياً)، كان يأتيهم في الصباح الباكر، ويأتيهم في آخر النهار، وهذا كل يوم، فلما ضاق الأمر على أبي بكر واشتد أذى المشركين خرج مهاجراً إلى الحبشة، وقد كان هاجر قبله إلى الحبشة مجموعة من المسلمين: أربعة عشر رجلاً وثلاث نسوة؛ خرجوا هروباً بدينهم من أذى قريش. فخرج أبو بكر خلفهم إلى الحبشة، فقابله ابن الدغنة فقال: إلى أين يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، فأريد أن أخرج في الأرض -أو قال: أريد أن أسيح في الأرض- وأعبد ربي. قال: يا أبا بكر! مثلك لا يخرُج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق ارجع وأنا جار لك-أي: أنت في حمايتي-. فرجع ابن الدغنة فوافى كفار قريش قبيل المغرب، فجمعهم وقال: إن أبا بكر جار لي. فقالوا له: مره فليصل في داخل الدار ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن أبناءنا ونساءنا. فأخذ على أبي بكر ذلك، ثم بدا لـ أبي بكر أن يستعلن بعبادته -هذا أنموذج للرجال الأبطال! - فبدا لـ أبي بكر ﵁ أن يخرج خارج الدار ويصلي، وكان لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فكان يقرأ ويبكي، فتتقذف عليه النساء والأولاد يتفرجون على هذا النمط الجديد الذي ما رأوا مثله قط. فشكا كفار قريش إلى ابن الدغنة وقالوا: إننا نكره أن نخفر جوارك، ولا نرضى بالذي فعله أبو بكر، فإما أن يدخل وإما أن يرد عليك جوارك. فقال له ابن الدغنة: يا أبا بكر! ما على هذا اتفقنا، فإما أن تدخل الدار وإما أن ترد عليَّ جواري، فإني أكره أن يتحدث العرب أني أخفرت جواري. فقال له: بل أرد عليك جوارك، وأرضى بجوار الله . وظل أبو بكر ﵁ هكذا والصحابة يهاجرون، حتى أراد أن يهاجر إلى المدينة، فقال النبي ﵊: (تريث؛ فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال: أو ترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم). وفي يوم من الأيام جاء النبي ﷺ إلى بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، وهذا وقت لم يكن النبي ﷺ يأتي فيه إلى بيت أبي بكر، إنما كان يأتي بكرة وعشية، فلما رآه أبو بكر قال: (بأبي هو وأمي)، وهذه كانت كلمة معهودة عند الصحابة، يقول أحدهم للنبي ﷺ : (بأبي أنت وأمي) أي: نفديك بآبائنا وأمهاتنا، فأنت عندنا أغلى من آبائنا وأمهاتنا.

стр. 595

التحذير من اقتناء التلفاز في البيوت إذاً: الهجرة علاج الاستضعاف، لكننا الآن في زماننا لا نستطيع أن نهاجر ونترك بيوتنا، فبقيت الهجرة التي لا تنقطع، وهي هجر معاصي الله ﵎. لماذا -أيها المسلم- تترك جهاز الرائي في بيتك؟ إن الذي لم يستطع أن يخرج هذا الجهاز من بيته لن يستطيع أن يترك داره وولده ليهاجر في سبيل الله. مع أن هذا أقل تكلفة وجهداً، فليس عليه مضرة في أن يرفع جهاز التلفاز من البيت، ومع ذلك لا يفعل، ولا يقوى على أن يفعل؛ لأن هواه غلبه، وزوجته لا يستطيع أن يخالفها، وأولاده قد تعودوا على جهاز التلفاز، فتجده يقول: بدلاً من أن يذهب أولادي يتسكعون في بيوت الناس، فخير لهم أن يجلسوا في البيت وهذا منطق أعوج! فهل يليق بعاقل أن يقول: يا بني، اشرب الدخان عندي، ولا تدخن من خلفي، فإني لا أحب أن يضحك عليَّ أحد؟! هل ينفع هذا الكلام؟ وهل يجوز هذا في عقل عاقل؟ يقول: بدلاً من أن يتفرجوا عند الناس يتفرجون عندي! والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، فإذاً كنت أباً مؤتمناً فعلاً على أولادك وتخاف عليهم من عذاب الله، فلا تعرضهم لعذاب الله باقتنائك لهذا الجهاز المدمر للأخلاق وللدين وللشريعة! ألا تهاجر إلى الله ؟! ولن تندم، فإن البيت الذي ليس فيه تلفاز أنت فيه أبو ولدك، وأنت فيه القيم على ولدك، بخلاف البيت الذي فيه تلفاز، فإن تأثيره على الولد أقوى من تأثير الوالد، لاسيما إذا كان الوالد يقضي معظم نهاره في العمل. وبعض الآباء ينتقد دائماً كل شيء، فحياته كلها انتقاد، وكأنه ليس هناك شيء جميل أبداً. وستكون النتيجة أن حياته في البيت عبارة عن توجيهات: لا تفعل افعل، فمثل هذا المنطق وهذه الطريقة يستاء منها الأولاد وتستاء منها الزوجة، وهم يريدون أن يهربوا من هذا الهم، فيتفرجون على المسلسلات ويضيعون الوقت بكل أسف! ويا ليت هذا النظر يقتصر على مجرد التسلية وإملاء الفراغ؛ إنه يترك أسوأ الأثر في العقل الباطن للمتفرج، وأنا لا أنقل هذا الكلام من عندي، بل نشرته شركة ناشيونال اليابانية، وهذه الترجمة نقلتها مجلة البيان التي تصدر في لندن باللغة العربية. فتقول: إن من خصائص الأشعة التي يرسلها التلفاز أنها تجعل العقل نصف نائم، تصيبه بعملية شلل في بعض خلايا العقل فلا يفكر، بل يكون مستسلماً، فتصور عندما يكون الإنسان عقله نصف نائم، ويتفرج على مثل هذه الأشياء؛ سوف تلقي تلك الأفكار في روعه، لاسيما التي تتكرر بصفة دائمة. فهذه معصية من أعظم المعاصي! ولا يتذرع أحد بالدروس الخصوصية، والدروس التعليمية، فإن هذه حجة ليس لها أي قيمة، ولا تجري على قدم ولا خفٍ ولا حافر عند الله أبداً، فإن دروس التلفاز لا تعطي شيئاً للطالب، ولو أعطته شيئاً فليس له قيمة في مقابل الشر المستطير. فهذه معصية ألا تهاجر إلى الله منها؛ حتى لا تدخل في آية الاستضعاف الممقوت؟! وهاجر إلى الله ولن تندم أبداً. وقد جربنا هذا في بيوتنا: أولادنا أكثر استقامة لنا؛ لأنهم لا يتلقون الأوامر إلا منا، والمرأة ضعيفة الخلقة، ضعيفة النفس، يمكن لأي إنسان أن يضحك عليها. وقد حدث أن ضحك رجل على امرأة، وأخذها من زوجها بعد خمسة وعشرين عاماً من زواجهما، وجعل يمنيها بالسعادة الموهومة، مع أن أولادها في الجامعة، وزوجها في مركز مرموق جداً، ولا ينقصه أي شيء، وهي من سيدات الطبقة الأولى، ومع ذلك تعطي أذنها، وحولت بيت زوجها إلى نكد مستمر حتى طلقها، فلما أن انقضت العدة تزوجها ذلك الرجل أربعة أشهر ثم طلقها! وهكذا النساء كلهن على خليقة واحدة، قال ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: (إن المرأة لا تستقيم لك على طريقة)، ولذلك ينبغي أن يكون مذهبك في التعامل مع المرأة مذهباً مختلفاً لكل يوم، فلابد أن تكون عندك طرق متعددة في التعامل، فهي اليوم راضية، وغداً غاضبة، وأيضاً بعض النساء لا تعرف متى يغضب زوجها ولا متى يفرح، فالواجب أن تتعامل مع هذه النوعية بتعاملات شتى، والله قد أباح التعدد للرجل وجعل في مقابل هذا التعدد أخلاقاً عنده كي يتعامل مع نسائه، لكن لا يستخدم هذه الأخلاق إلا الأذكياء. فلو شاء الرجل لما نشزت عليه امرأته، والكلمة الطيبة تؤثر فيهن، والرجل يستطيع أن يتلافى كل هذه المشاكل بكلمة طيبة، فمرة يشتد ومرة يلين؛ لأن لديه صلاحية أن يتعامل مع أربع نساء، وبعد ذلك إذا قام الجهاد وأفاء الله علينا، وأخذ كل واحد منا عشرين أو ثلاثين أمة، فلابد أن يتعامل معهن جميعاً، وليعلم أن المرأة لن تستقيم له على طريقة واحدة، فيعامل هذه بأسلوب وهذه بأسلوب آخر، وهذا ليس نفاقاً، بل إنه عمل مشروع. فإذا كانت المرأة وهي سِلم لزوج واحد لا تكاد تستقيم له على طريقة واحدة، ثم هي أسيرة الكلام الناعم، وكل المسلسلات والأفلام كلامها ناعم، كلهم يبيعون كلاماً؛ فهم يأخذون عليه مالاً، الحلقة الواحدة بخمسة وأربعين ألف جنيه، وهذا هو بائع الكلام الوحيد الذي يكسب، هو هذا الإنسان. إذاً: المرأة مع ضعفها أمام كلام المسلسلات، ومع وجود المشاكل بين الزوجين، مع أن ذلك الممثل بينه وبين امرأته مشاكل، فإذا كانت المرأة ضعيفة أمام هذا السحر، إذاً: أنت تعرضها لأن ترى رجلاً أجمل منك، وتسمع كلاماً أعذب من كلامك. وبعد ذلك يشتكي الرجل ويقول: امرأتي ناشز عليَّ!! يا أخي! أزل أسباب الشكاية أولاً، روى الإمام مسلم أن أنجشة لما كان يحدو للإبل وقد كانت زوجات النبي ﷺ يركبنها، قال له النبي ﷺ : (يا أنجشة! رويداً! رفقاً بالقوارير)، والظاهر من لفظ الحديث (رفقاً بالقوارير) أي: حتى لا تجري الجمال وتشتد سرعتها فتتعب أمهات المؤمنين اللواتي يركبن على ظهرها، هذا هو الظاهر من رواية مسلم. لكن ورد في مستدرك الحاكم بسند جيد أن النبي ﷺ قال ذلك حتى لا يتأثر أزواج النبي ﷺ بصوت أنجشة، قال: (رفقاً بالقوارير) فقد خشي أن يؤثر فيهن ذلك الصوت الجميل، مع أنهن أزواج النبي ﷺ ، ويشهد لهذا المعنى قول الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقوله لهن: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، سبحان الله! الذي في قلبه مرض سوف يطمع في ماذا؟ وأزواج النبي ﷺ هن أمهات المؤمنين، ولا يحل لأحد نكاحهن أبداً. إذاً: معنى هذه الآيات يشهد لمعنى الحديث، فإذا كان النبي ﷺ يخشى على أزواجه وعلى قلوبهن من الصوت الحسن؛ فكيف بالمرأة في هذه الأيام وهي تسمع آهات الرجل وهو يغني، وآهات المرأة وهي تشتكي بعد حبيبها؟! إنها مصيبة عظيمة، وأنت مسئول عنها أمام الله ! فإذا كنت لا ترجو نجاتهم فارج نجاتك أنت، لا تعرض نفس للتلف، وكن أنانياً محباً لنفسك. فمن أراد أن يحقق الهجرة -وهذه بداية الهجرة الكبيرة- فليخرج من هذه المعصية إلى الطاعة، يخرج من جهاز التلفاز والمعاصي الموجودة في البيت إلى الطاعة، اخرج من ملابسة أهل العصيان اختياراً، فإن من لابس المعصية ولو بجهل فلا يلومن إلا نفسه، فلو أن رجلاً مثلاً عطش فوجد خمارة -حانة- فدخل وشرب ماء وخرج منها، فرآه الناس فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل، لقد كان يشرب خمراً! وهم لم يعلموا ماذا كان يعمل في الداخل، كذلك لو دخل رجل بيت دعارة يبحث عن مسكن ثم خرج، فرآه الناس فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل ماذا كان يعمل! واتهموه ووقعوا فيه، فلا يلومن إلا نفسه، مع أنه فعل هذا بغير قصد، فكيف إذا لابس أهل العصيان؟! نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معاصيه، وأن ينفعنا بما سمعنا. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 596

جانب من حياة الصحابة المتأمل للصحابة ﵃، ولإحاطتهم برسول الله ﷺ يجد شيئاً عظيماً جداً، فقد كانوا يحيطونه ويحرسونه ويفدونه بأرواحهم، بل كانوا ينقلون عنه كل صغيرة وكبيرة من أمور الآخرة والدين، بل كانوا يضيقون على كل من يؤذي النبي ﷺ حتى لو كان قريباً منهم، فقد كان رضا النبي ﷺ هدفهم دون غيره.

стр. 597

تلقي الصحابة عن النبي ﷺ الدين كاملاً إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. روى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] حتى حج فحججت، وعدل فعدلت فقضى حاجته، فصببت عليه من الإناء وهو يتوضأ. فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ٌ) [التحريم:٤] فقال: وا عجباً لك يا ابن عباس إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجارٌ لي من الأنصار، ينزل يوماً فيأتي بخبر الوحي، وما يكون من العلم فإذا نزلت أنا فعلت مثل ذلك، وكنا معشر قريشٍ قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا الأنصار إذا بالقوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فطفقت علي امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. قبل هذه الفقرة قال عمر ﵁: فأنكرتُ أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك وأزواج النبي ﷺ يهجرنه اليوم حتى الليل؛ فأفزعني ذلك ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنيتي أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم إلى الليل، قالت: نعم، فقلت لها: ومن يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي، لا تسأليه شيئاً ولا تستكثريه وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك -يعني عائشة ﵂ أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ ، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فجاءني صاحبي عشاءً فطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: أثمّ هو؟ قالوا: نعم، فخرجت أجر ردائي، قلت: مالك، أجاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم، طلق النبي ﷺ نساءه، قال عمر: فنزلت إلى حفصة فوجدتها تبكي فقلت لها: لم تبكين؟ أو لم أكن حذرتك -وفي بعض الروايات خارج الصحيحين قال عمر: والله لولاي لطلقك، ثم صلى عمر الغداة ثم دخل المسجد فإذا رهط حول المنبر يبكي بعضهم، قال: فجئت مشربة -المشربة مثل الحجرة لها باب على المسجد- وغلام للنبي ﷺ واقف على باب الحجرة يمنع أي أحد من الدخول، قال: فجئت فقلت للغلام. استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، قال: فذهبت عند المنبر، فجلست لكن غلبني ما أجد، فقمت، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فذهبت إلى المنبر فجلست فغلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج قال: ذكرتك له فصمت، قال: فانتظرت، فبينما أنا عند الباب إذ ناداني، فقال لي: قد أذن لك، فدخلت على النبي ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الحصير في جنبه، فقلت: لا أجلس حتى يتبسم، أو قال: حتى أستأنس. قال: فقلت: يا رسول الله، لو رأيتنا معاشر قريش قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، قلت: يا رسول الله، لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ وأحب إلى النبي ﷺ منك، فتبسم النبي ﷺ مرة أخرى، فقال: فجلست، وجعل عمر ﵁ يدير عينيه في بيت النبي ﷺ ، قال: فلم أر شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاث -ثلاثة جلود- فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، وكان متكئاً فجلس، وقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم دخل النبي ﷺ على عائشة، وكان قد أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن، فلما دخل عليها، قالت: يا رسول الله، إنك حلفت ألا تدخل علينا شهراً، وقد مضى تسع وعشرون أعدُّها عداً، فقال ﵊: الشهر تسع وعشرون، -وفي رواية قالت عائشة: فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين. هذا الحديث يبين لك جانباً من حياة الصحابة وحياة النبي ﵊، الصحابة ليس لهم نظير أبداً، قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب العالمين فاختار قلوب أصحاب النبي ﷺ له). لم يرزق نبي قط بأصحاب مثل نبينا، ولا جرم! فهو سيدهم، فالمناسب أن يرزقه أيضاً بأصحاب يناسب سيادته. نحن نعرف كثيراً من الأنبياء، ونخص منهم أولي العزم: نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، تعرفون شيئاً عنهم أكثر من رسالاتهم؟ لا تكاد تسمع عنهم شيئاً، بخلاف نبينا ﵊، نقلوا كل شيء حتى أدق المسائل. كانوا ينظرون إليه مثل الكاميرات المسجلة، وباعث ذلك هو شدة الحب. أحد الصحابة يقول: لأرقبن صلاة النبي ﷺ اليوم، يريد أن ينظر إليه وهو يصلي، ماذا يفعل؟ حتى الشيء اليسير في الصلاة، أن النبي ﷺ كان يصلي فقرأ بسورة المؤمنين، فلما بلغ ذكر موسى وهارون أصابته سعلة فركع. حتى مثل هذا ينقلونه، وكانوا يقولون: كنا نعرف قراءة النبي ﷺ في الظهر والعصر باضطراب لحيته، عندما كان يسجد، كانوا ينظرون إلى أصابع اليدين والرجلين. فنقلوا عنه كل حركاته وسكناته، ولم ينقل عن بقية الأنبياء عشر معشار ما نقل عن نبينا ﵊، فهذا الحديث إطلال على حياة الصحابة مع النبي ﵊.

стр. 598

الفرق بيننا وبين الصحابة في تحقيق الشهادتين أيها الإخوة الكرام المؤذن يرفع الأذان كل يوم خمس مرات، وأنت تردد خلفه ومن جملة ما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وسُنّ لنا أن نقول مثلما يقول المؤذن، فأنت أيضاً قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. الشهادة لم يحققها إلا الصحابة وأقل القليل من الذين جاءوا بعدهم. ومعنى (أشهد) أي: أرى بعيني، فأنت عندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنك تقول: أنا أرضى وأشهد شهادة حضور وهي ضد الغيب كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:٧٣]، ثم إنه لا يجوز لك أن تشهد إلا بما استيقنته، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. إذاً: ركنا الشهادة: العلم والفهم، وأنت عندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله كأنك تقول: أنا أراه وأشهده، فإذا كنت تعتقد أنك تراه أيقوم قلبك على شهود العصيان؟ لا يقوى قلبك على ذلك لو كنت تحقق كلمة (أشهد)، فإذا عجزت فعلاً أن تراه فاعلم أنه يراك وبذلك نزلت درجة، وهذا النزول من قمة الدين الذي هو الإحسان. الدين: إسلام، وإيمان، وإحسان، وتعريف الإحسان كما عرفه النبي ﵊ لجبريل ﵇ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه)، هذا معنى الإحسان (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فهل حققنا كلمة (أشهد) التي نحن نقولها خمس مرات في اليوم والليلة وعرفنا معناها؟. الركن الثاني من الشهادة: أشهد أنّ محمداً رسول الله، أي: إذا بلغك عنه حديث فتوهَّم أنك تراه، نحن أحياناً نعرض الأحاديث على بعض الناس فيردونها، ولا يمتثلون لها، فأنا أقول لهذا الضرب من الناس: تخيل أنك لست واقفاً أمامي بل أمام النبي ﵊، وقال لك: افعل كذا، هل تستطيع أن تعارض؟ تقول: لا أفعل؟ أنا أجزم أن كل الجلوس ستكون إجاباتهم: لا نستطيع أن نعارض. وقد اتفق العلماء على أن الرد إلى النبي ﷺ في حياته، وإلى سنته بعد مماته؟

стр. 599

الفرق بين وجود النبي ﷺ وبين بلوغك كلامه من غيره فما هو الفرق يا ترى بين وجوده ﵊، وبين بلوغ كلامه لك؟ الفرق: (أشهد). (هذا هو الفرق) لو كنت تعتقد أنك تشهد أنّ محمداً رسول الله؛ ما عصيته أبداً، ولذلك تقي الدين السبكي ﵀ طرح سؤالاً في جزء له اسمه: (بيان قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي)، -والإمام المطلبي هو الإمام الشافعي ﵀. سئل الإمام تقي الدين السبكي عن رجل قرأ عليه حديثاً للنبي ﵊ وهناك فتوى تخالفه من أي عالم، فقال: (وليتوهم أحدكم نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنه أمره بذلك، فهل يحل له أن يخالف؟) في هذا المجلس قد يكون من بعض الجلوس أحد ابتلي بلبس دبلة ذهب، أو خاتم من الذهب، وكل هذا لا يحل، ولا يجوز للرجال، فالآن هو لابس الدبلة وقد لا يكون عالماً بالحكم، فأنا لو قلت الآن: إن رسول الله ﷺ أمسك الذهب في يد والحرير في يد وقال: (هاذان حرام على ذكور أمتي). أيها الأخ الذي يلبس الذهب ولا يعلم بالحكم! هل مجرد أن سمعت الحديث مباشرة الآن خلعت الذهب؟ هل امتثلت وخلعته فوراً، أم تباطأت حتى أُنهي الكلام، ثم تعود إلى البيت، وتعمل جلسة طارئة تحدث فيها نفسك وأنت متردد، هل أخلع الدبلة أم لا؟ هذا هو الفرق. في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً يلبس خاتم ذهب، فنزعه من يديه نزعاً شديداً وطرحه، فلما أراد الرجل أن يقوم وينصرف، تاركاً خاتمه، قال بعض الجلوس: خذ خاتمك وانتفع به، فقال لهم الصحابي: (ما كنت لآخذه وقد طرحه رسول الله) طالما رماه على الأرض، أنا فلن تمتد يدي إليه، هذا هو تصرف الصحابة. والذين جاءوا من بعدهم، وامتثلوا لمثل هذا النداء العظيم، أشهدُ أن محمداً رسول الله، فحقق معنى الشهادة التي يكررها في اليوم خمس مرات، فالصحابة حققوا هذا أتم تحقيق، وضربوا المثل الأعلى لمن يأتي بعدهم للاتباع، وهذا الحديث شاهد صدق على ذلك.

стр. 600

ابن عباس يقف مع قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) الآية يقول ابن عباس ﵄: (فلم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، ونقل عنه أيضاً في كتاب التفسير قال: ظللت سنة أريد أن أسأل أمير المؤمنين عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، حتى حج وحججت معه. و (عدل) أي: ترك الطريق ليقضي حاجته، وعدلت، فقضى حاجته ثم جاء. ففي هذا دليل على استحباب أن يلتمس التلميذ خلوات العالم ليسأله. وهذا أدب ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، وليس كلما ظهر له سؤال جاء وسأله، فهذا ليس من الأدب، إنما ينبغي عليه أن ينظر إلى خلواته، فإذا رآه وحده، أو رآه منبسطاً، أقبل عليه وسأله، وهذا الذي فعله ابن عباس، لبث سنة كاملة يريد أن يتحين فرصة يختلي بـ عمر ليسأله هذا السؤال لأن الهجوم المستمر على الشيخ يضجِّره من التلميذ، فهذا الذي يظهر به التلميذ كثيراً، لماذا؟ لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يلتمس خلوات العالم، فيسأله، ولا مانع حتى يرقق قلبه عليه أن يخدمه بشيء يسير خدمة بين يدي السؤال، مثلما فعل ابن عباس حديث حمل الإبريق لـ عمر ومشى خلفه، وانتظر حتى قضى حاجته، ثم سأله السؤال، قال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك منذ سنة، فأمتنع تهيباً منك أن أسألك، قال: يا ابن أخي، إذا علمت عندي علماً فسلني، فمهابة العالم لا تصدك عن أن تسال سؤالك فإنه لا يتعلم اثنان، كما قال مجاهد فيما رواه أبو نعيم في كتاب الحلية عنه بسند ضعيف، وعلقه البخاري في صحيحه قال: (لا يتعلم اثنان)، يظلون جهلاء طوال عمرهم (مستح ومستكبر) المستحيي يمنعه الحياء والهيبة وما إلى ذلك أن يسأل السؤال. ابن عباس سأله قال: لا، (إذا علمت أن عندي علماً فسلني) فقال ابن عباس من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، فقال: (واعجباً لك يا بن عباس) (إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه) بدأ يحكي القصة، وسر عجب عمر من ابن عباس قد يكون لما عُهد من ابن عباس من معرفة التفسير والبحث عن ضوابطه، وهذا من التفسير فكيف خفي عليه، أو لعل عمر بن الخطاب ﵁ تعجب من فطنة ابن عباس وذكائه الوقاد أن يسأل هذا السؤال وتخفى عليه هذه الواقعة، وكان عمر بن الخطاب ﵁ له رأي حسن في ابن عباس وكان يحبه. فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع شيوخ بدر): وهم الثلة المضيئة في جبين المسلمين، فهم كل من شهد غزوة بدر، ولذلك ينسب إليها من شهدها لشرفها، ولا ينسب إلى أي غزوة أخرى، فيقال مثلاً: فلان البدري، ولا يقال: فلان الأُحدي ولا الخندقي ولا أي نسبة لغزوة أخرى، إنما ينسب إليها فقط، فينسب شاهدها إليها من باب الفضل. فكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أراد أن يستشير أو يعقد مجلساً، كان يحضر شيوخ بدر، ثم يستدعي ابن عباس فيدخله معهم، فغضب عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقال لـ عمر: (تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله)، فأسرها عمر في نفسه، فلما جمعهم بادر عمر فطرح سؤالاً، قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، قال أحدهم: إنه أمر من الله أنه إذا دخل الناس في دين الله أفواجاً بأن يسبحوه ويستغفروه، وقال آخر: لا أعلم إلا ما قاله، ووافق الجميع على ذلك، فقال: وما تقول فيها يا ابن عباس؟ قال: أرى أنه أجل رسول الله ﷺ نعى إليه. فقال عمر: والله يا ابن أخي ما أعلم منها إلا ما تقول. قال ابن عباس: (وكنت أرى أنه أراد أن يريهم ما عندي)، وفي هذا دلالة على استحباب اصطحاب الصغار إلى مجالس الكبار؛ ليتعلموا، فالولد الصغير عندما يصاحب الكبير يستفيد من خبرته وتتوسع مداركه، ولذلك كانت سنة الآباء قبل ذلك أنهم إذا حضروا مجالس العلم أن يصطحبوا الصغار. كان سفيان بن عيينة ﵀ يلقي درساً لأصحابه، فدخل صبي صغير ومعه ورق وقلم ومحبرة، فبمجرد أن دخل الصغير وكلهم طلبة كبار -تلاميذ سفيان بن عيينة - فمجرد أن ضحكوا فتلا سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، ثم التفت إلى أحمد بن نضر راوي الحكاية عن أبيه قال: يا نضر لو رأيتني وطولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، أكنافي قصار، وسيفي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، أختلف إلى علماء الأمصار، كـ الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كاللوزة، فإذا دخلت قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. وتبسم سفيان وضحك، وتبسم نضر وضحك، وتبسم أحمد راوي هذا عن نضر وضحك، وضللوا يضحكون حتى وصلوا إلى الحافظ راوي الحكاية، وكلهم يضحكون، وهذا من الأمانة في أداء الرواية، واسم هذا النوع من الرواية المسلسل بالضحك، وهناك أحاديث اسمها المسلسلات، وهي: أي أداء الحديث على وصف معين وهيئة معينة، والتشبيك قال: حدثني فلان وشبّك يده في يدي، قال: حدثني فلان وشبّك يده في يدي، قال: حدثني علان وشبك يده في يدي، والكل شبكوا في أيدي بعض، أو المسلسل بالأولية، وهو مشهور وهو حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن)، يقول: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني علان وهو أول حديث سمعته منه وهكذا. كان الإمام جلال الدين السيوطي ﵀ يأخذه أباه إلى مجالس الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو ابن ثلاث سنين، وكان السيوطي يفتخر جداً بأن عمر ابنه كان ثلاث سنين، وجالس في مجلس الحافظ ابن حجر، فأدخل أولادك الصغار في مجالس الكبار، سيأخذون من عقولهم ومن تجربتهم، ابن عباس اكتسب خبرة من مجالسة أشياخ بدر، فكأن سيدنا عمر ﵁ تعجب من خفاء تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٤] الآية، مع شهرة على ابن عباس وعلمه بالتفسير. ثم استقبل عمر الحديث يسرده، فبدأ عمر بن الخطاب ﵁ بجملة يريد أن يقول فيها: إن هذا الأمر هو سبب الإشكال كله، فقال: (كنا معشر قريش قومٌ نغلب نساءنا، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم) فلم يكن للمرأة قيمة في المجتمع القرشي، إنما هي للولادة والخدمة فقط، فلما هاجروا من مكة إلى المدينة، والمجتمع المدني مجتمع حضاري، كالفرق الآن ما بين القاهرة الكبرى وما بين أي ريف من الأرياف، فأي رجل من الأرياف يدخل متجراً لكي يشتري، يلقى الرجل من المدينة يشاور المرأة في شراء شيء معين، تقول له: لا تعجبني هذه، فيقول لها: أتعجبك هذه؟ فتقول له مثلاً: لنذهب إلى متجر آخر، فيرد عليها: حاضر حاضر أما هذا فاعتاد طوال عمره أنه لا رأي للمرأة، فهو صاحب الرأي الأول والأخير في الموضوع، إنما المدينة مختلفة، المرأة لها كلمة، والرجل يشاور، فلما خرجت النساء من مجتمع مكة، (أم القرى)، وذهبوا إلى المدينة رأين شيئاً جديداً، رأين الشيء الذي ذكرته الآن كمثال.
следующие страницы →