← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

جانب من حياة الصحابة المتأمل للصحابة ﵃، ولإحاطتهم برسول الله ﷺ يجد شيئاً عظيماً جداً، فقد كانوا يحيطونه ويحرسونه ويفدونه بأرواحهم، بل كانوا ينقلون عنه كل صغيرة وكبيرة من أمور الآخرة والدين، بل كانوا يضيقون على كل من يؤذي النبي ﷺ حتى لو كان قريباً منهم، فقد كان رضا النبي ﷺ هدفهم دون غيره.

стр. 597

تلقي الصحابة عن النبي ﷺ الدين كاملاً إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. روى الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: (لم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤] حتى حج فحججت، وعدل فعدلت فقضى حاجته، فصببت عليه من الإناء وهو يتوضأ. فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ٌ) [التحريم:٤] فقال: وا عجباً لك يا ابن عباس إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أتناوب النزول إلى النبي ﷺ أنا وجارٌ لي من الأنصار، ينزل يوماً فيأتي بخبر الوحي، وما يكون من العلم فإذا نزلت أنا فعلت مثل ذلك، وكنا معشر قريشٍ قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا الأنصار إذا بالقوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فطفقت علي امرأتي ذات يوم فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني. قبل هذه الفقرة قال عمر ﵁: فأنكرتُ أن تراجعني، فقالت: ولم تنكر أن أراجعك وأزواج النبي ﷺ يهجرنه اليوم حتى الليل؛ فأفزعني ذلك ونزلت إلى حفصة فقلت: أي بنيتي أتغاضب إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم إلى الليل، قالت: نعم، فقلت لها: ومن يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله فتهلكي، لا تسأليه شيئاً ولا تستكثريه وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك -يعني عائشة ﵂ أوضأ منك، وأحب إلى النبي ﷺ ، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فجاءني صاحبي عشاءً فطرق الباب طرقاً شديداً، وقال: أثمّ هو؟ قالوا: نعم، فخرجت أجر ردائي، قلت: مالك، أجاء غسان؟ قال: لا، بل ما هو أهول من ذلك وأعظم، طلق النبي ﷺ نساءه، قال عمر: فنزلت إلى حفصة فوجدتها تبكي فقلت لها: لم تبكين؟ أو لم أكن حذرتك -وفي بعض الروايات خارج الصحيحين قال عمر: والله لولاي لطلقك، ثم صلى عمر الغداة ثم دخل المسجد فإذا رهط حول المنبر يبكي بعضهم، قال: فجئت مشربة -المشربة مثل الحجرة لها باب على المسجد- وغلام للنبي ﷺ واقف على باب الحجرة يمنع أي أحد من الدخول، قال: فجئت فقلت للغلام. استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، قال: فذهبت عند المنبر، فجلست لكن غلبني ما أجد، فقمت، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فذهبت إلى المنبر فجلست فغلبني ما أجد، فقلت للغلام: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج قال: ذكرتك له فصمت، قال: فانتظرت، فبينما أنا عند الباب إذ ناداني، فقال لي: قد أذن لك، فدخلت على النبي ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الحصير في جنبه، فقلت: لا أجلس حتى يتبسم، أو قال: حتى أستأنس. قال: فقلت: يا رسول الله، لو رأيتنا معاشر قريش قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي ﷺ ، قلت: يا رسول الله، لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ وأحب إلى النبي ﷺ منك، فتبسم النبي ﷺ مرة أخرى، فقال: فجلست، وجعل عمر ﵁ يدير عينيه في بيت النبي ﷺ ، قال: فلم أر شيئاً يرد البصر غير أهبة ثلاث -ثلاثة جلود- فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، وكان متكئاً فجلس، وقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، ثم دخل النبي ﷺ على عائشة، وكان قد أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن، فلما دخل عليها، قالت: يا رسول الله، إنك حلفت ألا تدخل علينا شهراً، وقد مضى تسع وعشرون أعدُّها عداً، فقال ﵊: الشهر تسع وعشرون، -وفي رواية قالت عائشة: فكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين. هذا الحديث يبين لك جانباً من حياة الصحابة وحياة النبي ﵊، الصحابة ليس لهم نظير أبداً، قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر في قلوب العالمين فاختار قلوب أصحاب النبي ﷺ له). لم يرزق نبي قط بأصحاب مثل نبينا، ولا جرم! فهو سيدهم، فالمناسب أن يرزقه أيضاً بأصحاب يناسب سيادته. نحن نعرف كثيراً من الأنبياء، ونخص منهم أولي العزم: نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين، تعرفون شيئاً عنهم أكثر من رسالاتهم؟ لا تكاد تسمع عنهم شيئاً، بخلاف نبينا ﵊، نقلوا كل شيء حتى أدق المسائل. كانوا ينظرون إليه مثل الكاميرات المسجلة، وباعث ذلك هو شدة الحب. أحد الصحابة يقول: لأرقبن صلاة النبي ﷺ اليوم، يريد أن ينظر إليه وهو يصلي، ماذا يفعل؟ حتى الشيء اليسير في الصلاة، أن النبي ﷺ كان يصلي فقرأ بسورة المؤمنين، فلما بلغ ذكر موسى وهارون أصابته سعلة فركع. حتى مثل هذا ينقلونه، وكانوا يقولون: كنا نعرف قراءة النبي ﷺ في الظهر والعصر باضطراب لحيته، عندما كان يسجد، كانوا ينظرون إلى أصابع اليدين والرجلين. فنقلوا عنه كل حركاته وسكناته، ولم ينقل عن بقية الأنبياء عشر معشار ما نقل عن نبينا ﵊، فهذا الحديث إطلال على حياة الصحابة مع النبي ﵊.

стр. 598

الفرق بيننا وبين الصحابة في تحقيق الشهادتين أيها الإخوة الكرام المؤذن يرفع الأذان كل يوم خمس مرات، وأنت تردد خلفه ومن جملة ما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وسُنّ لنا أن نقول مثلما يقول المؤذن، فأنت أيضاً قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. الشهادة لم يحققها إلا الصحابة وأقل القليل من الذين جاءوا بعدهم. ومعنى (أشهد) أي: أرى بعيني، فأنت عندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، كأنك تقول: أنا أرضى وأشهد شهادة حضور وهي ضد الغيب كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:٧٣]، ثم إنه لا يجوز لك أن تشهد إلا بما استيقنته، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]. إذاً: ركنا الشهادة: العلم والفهم، وأنت عندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله كأنك تقول: أنا أراه وأشهده، فإذا كنت تعتقد أنك تراه أيقوم قلبك على شهود العصيان؟ لا يقوى قلبك على ذلك لو كنت تحقق كلمة (أشهد)، فإذا عجزت فعلاً أن تراه فاعلم أنه يراك وبذلك نزلت درجة، وهذا النزول من قمة الدين الذي هو الإحسان. الدين: إسلام، وإيمان، وإحسان، وتعريف الإحسان كما عرفه النبي ﵊ لجبريل ﵇ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه)، هذا معنى الإحسان (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فهل حققنا كلمة (أشهد) التي نحن نقولها خمس مرات في اليوم والليلة وعرفنا معناها؟. الركن الثاني من الشهادة: أشهد أنّ محمداً رسول الله، أي: إذا بلغك عنه حديث فتوهَّم أنك تراه، نحن أحياناً نعرض الأحاديث على بعض الناس فيردونها، ولا يمتثلون لها، فأنا أقول لهذا الضرب من الناس: تخيل أنك لست واقفاً أمامي بل أمام النبي ﵊، وقال لك: افعل كذا، هل تستطيع أن تعارض؟ تقول: لا أفعل؟ أنا أجزم أن كل الجلوس ستكون إجاباتهم: لا نستطيع أن نعارض. وقد اتفق العلماء على أن الرد إلى النبي ﷺ في حياته، وإلى سنته بعد مماته؟

стр. 599

الفرق بين وجود النبي ﷺ وبين بلوغك كلامه من غيره فما هو الفرق يا ترى بين وجوده ﵊، وبين بلوغ كلامه لك؟ الفرق: (أشهد). (هذا هو الفرق) لو كنت تعتقد أنك تشهد أنّ محمداً رسول الله؛ ما عصيته أبداً، ولذلك تقي الدين السبكي ﵀ طرح سؤالاً في جزء له اسمه: (بيان قول الإمام المطلبي إذا صح الحديث فهو مذهبي)، -والإمام المطلبي هو الإمام الشافعي ﵀. سئل الإمام تقي الدين السبكي عن رجل قرأ عليه حديثاً للنبي ﵊ وهناك فتوى تخالفه من أي عالم، فقال: (وليتوهم أحدكم نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنه أمره بذلك، فهل يحل له أن يخالف؟) في هذا المجلس قد يكون من بعض الجلوس أحد ابتلي بلبس دبلة ذهب، أو خاتم من الذهب، وكل هذا لا يحل، ولا يجوز للرجال، فالآن هو لابس الدبلة وقد لا يكون عالماً بالحكم، فأنا لو قلت الآن: إن رسول الله ﷺ أمسك الذهب في يد والحرير في يد وقال: (هاذان حرام على ذكور أمتي). أيها الأخ الذي يلبس الذهب ولا يعلم بالحكم! هل مجرد أن سمعت الحديث مباشرة الآن خلعت الذهب؟ هل امتثلت وخلعته فوراً، أم تباطأت حتى أُنهي الكلام، ثم تعود إلى البيت، وتعمل جلسة طارئة تحدث فيها نفسك وأنت متردد، هل أخلع الدبلة أم لا؟ هذا هو الفرق. في صحيح مسلم أن النبي ﷺ رأى رجلاً يلبس خاتم ذهب، فنزعه من يديه نزعاً شديداً وطرحه، فلما أراد الرجل أن يقوم وينصرف، تاركاً خاتمه، قال بعض الجلوس: خذ خاتمك وانتفع به، فقال لهم الصحابي: (ما كنت لآخذه وقد طرحه رسول الله) طالما رماه على الأرض، أنا فلن تمتد يدي إليه، هذا هو تصرف الصحابة. والذين جاءوا من بعدهم، وامتثلوا لمثل هذا النداء العظيم، أشهدُ أن محمداً رسول الله، فحقق معنى الشهادة التي يكررها في اليوم خمس مرات، فالصحابة حققوا هذا أتم تحقيق، وضربوا المثل الأعلى لمن يأتي بعدهم للاتباع، وهذا الحديث شاهد صدق على ذلك.

стр. 600

ابن عباس يقف مع قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) الآية يقول ابن عباس ﵄: (فلم أزل حريصاً على أن أسأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، ونقل عنه أيضاً في كتاب التفسير قال: ظللت سنة أريد أن أسأل أمير المؤمنين عن المرأتين اللتين قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، حتى حج وحججت معه. و (عدل) أي: ترك الطريق ليقضي حاجته، وعدلت، فقضى حاجته ثم جاء. ففي هذا دليل على استحباب أن يلتمس التلميذ خلوات العالم ليسأله. وهذا أدب ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، وليس كلما ظهر له سؤال جاء وسأله، فهذا ليس من الأدب، إنما ينبغي عليه أن ينظر إلى خلواته، فإذا رآه وحده، أو رآه منبسطاً، أقبل عليه وسأله، وهذا الذي فعله ابن عباس، لبث سنة كاملة يريد أن يتحين فرصة يختلي بـ عمر ليسأله هذا السؤال لأن الهجوم المستمر على الشيخ يضجِّره من التلميذ، فهذا الذي يظهر به التلميذ كثيراً، لماذا؟ لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها. فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يلتمس خلوات العالم، فيسأله، ولا مانع حتى يرقق قلبه عليه أن يخدمه بشيء يسير خدمة بين يدي السؤال، مثلما فعل ابن عباس حديث حمل الإبريق لـ عمر ومشى خلفه، وانتظر حتى قضى حاجته، ثم سأله السؤال، قال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أسألك منذ سنة، فأمتنع تهيباً منك أن أسألك، قال: يا ابن أخي، إذا علمت عندي علماً فسلني، فمهابة العالم لا تصدك عن أن تسال سؤالك فإنه لا يتعلم اثنان، كما قال مجاهد فيما رواه أبو نعيم في كتاب الحلية عنه بسند ضعيف، وعلقه البخاري في صحيحه قال: (لا يتعلم اثنان)، يظلون جهلاء طوال عمرهم (مستح ومستكبر) المستحيي يمنعه الحياء والهيبة وما إلى ذلك أن يسأل السؤال. ابن عباس سأله قال: لا، (إذا علمت أن عندي علماً فسلني) فقال ابن عباس من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم:٤]، فقال: (واعجباً لك يا بن عباس) (إنهما عائشة وحفصة، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه) بدأ يحكي القصة، وسر عجب عمر من ابن عباس قد يكون لما عُهد من ابن عباس من معرفة التفسير والبحث عن ضوابطه، وهذا من التفسير فكيف خفي عليه، أو لعل عمر بن الخطاب ﵁ تعجب من فطنة ابن عباس وذكائه الوقاد أن يسأل هذا السؤال وتخفى عليه هذه الواقعة، وكان عمر بن الخطاب ﵁ له رأي حسن في ابن عباس وكان يحبه. فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن ابن عباس قال: (كان عمر يدخلني مع شيوخ بدر): وهم الثلة المضيئة في جبين المسلمين، فهم كل من شهد غزوة بدر، ولذلك ينسب إليها من شهدها لشرفها، ولا ينسب إلى أي غزوة أخرى، فيقال مثلاً: فلان البدري، ولا يقال: فلان الأُحدي ولا الخندقي ولا أي نسبة لغزوة أخرى، إنما ينسب إليها فقط، فينسب شاهدها إليها من باب الفضل. فكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أراد أن يستشير أو يعقد مجلساً، كان يحضر شيوخ بدر، ثم يستدعي ابن عباس فيدخله معهم، فغضب عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقال لـ عمر: (تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله)، فأسرها عمر في نفسه، فلما جمعهم بادر عمر فطرح سؤالاً، قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣]، قال أحدهم: إنه أمر من الله أنه إذا دخل الناس في دين الله أفواجاً بأن يسبحوه ويستغفروه، وقال آخر: لا أعلم إلا ما قاله، ووافق الجميع على ذلك، فقال: وما تقول فيها يا ابن عباس؟ قال: أرى أنه أجل رسول الله ﷺ نعى إليه. فقال عمر: والله يا ابن أخي ما أعلم منها إلا ما تقول. قال ابن عباس: (وكنت أرى أنه أراد أن يريهم ما عندي)، وفي هذا دلالة على استحباب اصطحاب الصغار إلى مجالس الكبار؛ ليتعلموا، فالولد الصغير عندما يصاحب الكبير يستفيد من خبرته وتتوسع مداركه، ولذلك كانت سنة الآباء قبل ذلك أنهم إذا حضروا مجالس العلم أن يصطحبوا الصغار. كان سفيان بن عيينة ﵀ يلقي درساً لأصحابه، فدخل صبي صغير ومعه ورق وقلم ومحبرة، فبمجرد أن دخل الصغير وكلهم طلبة كبار -تلاميذ سفيان بن عيينة - فمجرد أن ضحكوا فتلا سفيان: ﴿كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، ثم التفت إلى أحمد بن نضر راوي الحكاية عن أبيه قال: يا نضر لو رأيتني وطولي خمسة أشبار، ووجهي كالدينار، وأنا كشعلة نار، أكنافي قصار، وسيفي بمقدار، ونعلي كآذان الفأر، أختلف إلى علماء الأمصار، كـ الزهري وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار، محبرتي كالجوزة، ومقلمتي كاللوزة، فإذا دخلت قالوا: أوسعوا للشيخ الصغير. وتبسم سفيان وضحك، وتبسم نضر وضحك، وتبسم أحمد راوي هذا عن نضر وضحك، وضللوا يضحكون حتى وصلوا إلى الحافظ راوي الحكاية، وكلهم يضحكون، وهذا من الأمانة في أداء الرواية، واسم هذا النوع من الرواية المسلسل بالضحك، وهناك أحاديث اسمها المسلسلات، وهي: أي أداء الحديث على وصف معين وهيئة معينة، والتشبيك قال: حدثني فلان وشبّك يده في يدي، قال: حدثني فلان وشبّك يده في يدي، قال: حدثني علان وشبك يده في يدي، والكل شبكوا في أيدي بعض، أو المسلسل بالأولية، وهو مشهور وهو حديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن)، يقول: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني علان وهو أول حديث سمعته منه وهكذا. كان الإمام جلال الدين السيوطي ﵀ يأخذه أباه إلى مجالس الحافظ ابن حجر العسقلاني صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري، وهو ابن ثلاث سنين، وكان السيوطي يفتخر جداً بأن عمر ابنه كان ثلاث سنين، وجالس في مجلس الحافظ ابن حجر، فأدخل أولادك الصغار في مجالس الكبار، سيأخذون من عقولهم ومن تجربتهم، ابن عباس اكتسب خبرة من مجالسة أشياخ بدر، فكأن سيدنا عمر ﵁ تعجب من خفاء تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٤] الآية، مع شهرة على ابن عباس وعلمه بالتفسير. ثم استقبل عمر الحديث يسرده، فبدأ عمر بن الخطاب ﵁ بجملة يريد أن يقول فيها: إن هذا الأمر هو سبب الإشكال كله، فقال: (كنا معشر قريش قومٌ نغلب نساءنا، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم) فلم يكن للمرأة قيمة في المجتمع القرشي، إنما هي للولادة والخدمة فقط، فلما هاجروا من مكة إلى المدينة، والمجتمع المدني مجتمع حضاري، كالفرق الآن ما بين القاهرة الكبرى وما بين أي ريف من الأرياف، فأي رجل من الأرياف يدخل متجراً لكي يشتري، يلقى الرجل من المدينة يشاور المرأة في شراء شيء معين، تقول له: لا تعجبني هذه، فيقول لها: أتعجبك هذه؟ فتقول له مثلاً: لنذهب إلى متجر آخر، فيرد عليها: حاضر حاضر أما هذا فاعتاد طوال عمره أنه لا رأي للمرأة، فهو صاحب الرأي الأول والأخير في الموضوع، إنما المدينة مختلفة، المرأة لها كلمة، والرجل يشاور، فلما خرجت النساء من مجتمع مكة، (أم القرى)، وذهبوا إلى المدينة رأين شيئاً جديداً، رأين الشيء الذي ذكرته الآن كمثال.

стр. 601

أدب الصحابة فيما بينهم يقول عمر بن الخطاب ﵁: (كنا معشر قريش قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا) هذا هو الأدب، هو مُغضب من تصرف إخوانه في المدينة، حيث لم يعجبه، ومع ذلك قدم بكلمة (إخواننا) حتى لا تظنوا أنه يطعن أو يعيب أو يسب أو يعير، وذكر لفظ (الأخوة) فيه معنى جميل، فالأخ أغلى من الابن، فربنا في معْرِض الانتصار يقول: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ)) [البقرة:١٧٨]، لم يقل: مِن قاتلِهِ، ولا ممن اعتدى عليه، فلما ذكر الحق ذكر الأخوة، لكي يعفو ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. قال الله : ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس:٣٤]، فبدأ بذكر الأخ، كأنه برغم الآصرة القوية وأن الأخ يفتدي أخاه، إلا أنه في هذا الموضع يفر منه، وقدمه على سائر الأصحاب، حتى على أبيه وأمه، فـ عمر ﵁ قدم بلفظة (إخواننا) حتى لا تستشعر أنه يسب أو يعير، قال: فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا بالقوم تغلبهم نساؤهم. قال: (فصخبت على امرأتي ذات يوم فراجعتني)، وفي خارج الصحيحين: (قال: فتناولت قضيباً فضربتها)، وانظر إلى لفظ: (فصخبت) حيث اعتبر أن مجرد المراجعة صخب، (فتناولت قضيباً فضربتها)، قالت: (أو في هذا أنت يا بن الخطاب، ها هم أزواج النبي ﷺ يهجرنه الليل حتى الصبح) أي: أنا لست أقل منهن، ولا أفضل منه، قال: فأفزعني ذلك، وقلت: أو تفعل حفصة ذلك، ما قال عائشة ولا صفية ولا زينب بل سأل عن ابنته قال: وتفعل حفصة ذلك، ونزل إلى حفصة مباشرة قال: أي بنيتي! أتراجع إحداكن النبي ﷺ وتهجره اليوم حتى الليل، قالت: نعم، قال: (وما يؤمنك أن يغضب الله لغضب رسوله) أي: ما الذي أعطاك صكاً بالأمان، أنك تنشزي عليه فيغضب عليك لغضبه، فالله يغضب عليك؟ لماذا كان هذا الموقف من نسائه وهو رسول الله ﷺ ، لكن من رحمة الله أن أزواج النبي ﷺ كن يعاملنه كزوج، لا سيما عائشة ﵂ كما ألمح عمر بن الخطاب، وذكر الحقيقة الشهيرة، التي كانوا يعرفونها جميعاً، وهي أن عائشة كانت أفضل أزواج النبي ﵊، وكانت أحبهن إليه ﵊. فيقول لها: (لا يغرنك أن كانت جارتك) وهذا من حسن الكلام والتعبير، ولم يقل لها: لا يغرنك أن كانت ضرتك لماذا؟ لأن الألفاظ قوالب المعاني، وضرتُك مأخوذة من الضر، والنحاة العرب والصحابة كان لديهم ذوق عالٍ حيث لم يكونوا يستخدمون اللفظ الذي فيه إهانة لفظاً قبيحاً أو شاذاً. قال: المأمون مرة لأحد علماء الدولة الكبار: ما الأمر من السواك؟ عندما تقول لشخص استخدم السواك ماذا تقول له؟ قال له: استك يا أمير المؤمنين، قال: بئس ما قلت. مع أن كلامه صحيح، ثم قال لآخر: وأنت يا فلان ما تقول؟ قال: سك يا أمير المؤمنين، قال: أحسنت. مع أن إجابة الأول صحيحة، والثاني خطأ، لكن كان عندهم ذوق، فـ عمر بن الخطاب تنكب لفظة ضرّتُك؛ لأنها مشتقة من الضُّر، هذا هو منهج الرسول ﵊ حيث كان يغير الأسماء، على مقتضى المعاني الجميلة، مثال: لما قال لـ بريدة بن الحصيب: ما اسمك؟ قال: اسمي بريدة فالتفت إلى أبي بكر وقال: برد أمرنا وخمد، وقال لآخرين: الجماعة من أين؟ قالوا: من غِفار. فقال: غفر الله لها، ثم قال: وأنتم؟ قالوا: من أسلم. فقال: سالمها الله، فيأخذ المعنى من باب الاسم. ولذلك أمر النبي ﵊ بتغيير الأسماء، وجعلها على معنى جميل؛ لأجل هذا، حتى أن النبي ﵊ لما نهى عن بعض الأسماء مثل: رباح ويسار ونجاح ونجيح وفلاح، قال: لا يسمين أحدكم غلامه رباحاً ولا نجاحاً ولا فلاحاً أو نجيحاً أو يساراً، لماذا؟ مع أن يسار خير من اليسر، ورباح خير من الربح ونجاح خير من النجاح، وفلاح من الفلاح أيضاً، فلماذا نهى عن هذه الأسماء الجميلة، قال: (حتى إذا قيل: أثم هو فيقال: لا)، مع أن المتكلم والسامع لا يخطر على باله هذا المعنى، فإذاً: العلة هي ما يقع في سمع السامع وأنه لا فلاح ولا نجاح ولا يسار لما يقول له: غير موجود، لا فلاح ولا نجاح وما إليه. لذلك حين تختار اسماً، فاختر إما اسماً له دليل كمريم وفاطمة، وعائشة، وخديجة، أو اسماً له معنى جميل، مثل ميمون، فميمون من اليُمن، ولاحظ المصيبة، شخص أراد أن يسمي ابنه (ميمون)، فقالت أمه: نسميه على اسم القرد؟ من الذي قال: إن القرد اسمه ميمون، والقردة اسمها ميمونة؟ من قال هذا؟ أو مثل معاذ، أي: أن الله أعاذه، وأنس من الأنس، وهكذا. فاختيار اللفظ مسألة مهمة: عمر بن الخطاب تنكب أن يقول: ضرّتك، ومحمد بن سيرين كان يسمع يقال من يقول عن المرأة الثانية أنها ضرّة، فكان يقول: إنها لا تضر ولا تنفع ولا تذهب برزق إلا بكتاب،، إنما يقال جارة من الجوار، والجار له حق على الجار، ليس فيه معنى قبيح.

стр. 602

فضل عائشة ﵂ على نساء النبي ﷺ يقول عمر بن الخطاب ﵁: (لا يغرنكِ أن كانت جارتكِ أوضأ منك)، أي: أجمل وأحب إلى النبي ﷺ ، لكن أنت ليس لك تلك المكانة، فلماذا تقلدينها؟ وعائشة ﵂ كان النبي ﵊ فعلاً يحتمل منها ما لا يحتمل من غيرها. وفي بعض الأحاديث أن صفية ﵂ تقريباً غضب عليها النبي ﷺ ، فجاءت إلى عائشة ووهبت لها ليلتها نظير أن تتوسط وتصلح بينها وبين الرسول ﵊، قالت لها: وأعطيك الليلة الخاصة بي، بشرط أن تقومي بدور الوسيط وتجعليه يرضى عني، قالت عائشة: (فجئت إلى خماري فبللته ففاح عطره، وجئت إلى النبي ﷺ فجلست بجانبه) ولم تكن ليلتها، كانت ليلة صفية، فقال: (إليك عني يا عائشة)، أي: ابتعدي عني، قالت: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) هذا رزق جاء من السماء لـ عائشة ﵂. نقول هذا الكلام لإخواننا الذين يعيشون في المدينة بعقلية القرويين، صحيح أنهم من أهل المدينة لكنهم يتعاملون بالبداوة، فنقول له: تأسَّ بالنبي ﵊، وأرجوك عندما تكلم امرأتك هدأ نفسك، وحكم عقلك، واتق الله فيها، قد يكون كلامها صحيحاً، فأرضها وطيب خاطرها، طالما أنه ليس فيه معصية، فالنبي ﷺ كان يفعل ذلك. كان يقول لـ عائشة ﵂: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى)، قالت عائشة: فقلت من أين تعرف ذلك؟ فقال: (أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلتِ: لا ورب إبراهيم)، هل يضره غضبها؟ لا. لكن غضبه يضرها، ومع ذلك لاحظ التلطُّف، قالت: فقلتُ: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله ما أهجر إلا اسمك) فيحتمل هذا منها ﵊ ولا يعاقبها، ولا يغضب عليها، فكان لـ عائشة حظوة أيما حظوة، فكان هذا معلوم للكل. فـ عمر بن الخطاب يوصي ابنته ويقول لها: لا تقلدي عائشة؛ لأنه ليس لك من الحظوة ولا من الجمال ما لها. وجاء في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ قالت: (أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة إلى النبي ﷺ يسألنه العدل في ابنة أبي قحافة، لأن الناس كانوا يتحرون في هداياهم ليلة عائشة، يتوددون إلى النبي في بيت أحب نسائه. فالصحابة يعرفون أن النبي ﷺ يحب عائشة، ويريدون أن يتقربوا إليه، فعندما يأتي بهدية يحبسها عنده حتى ليلة عائشة ويرسل الهدية، فتجمع عند عائشة ﵂ هدايا كثيرة، فأزواج النبي ﷺ يرين هدايا من كل شكل ليس عندهم شيء منها، فيردن من الناس القسمة على جميع نسائه، فأرسلن فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ تخبره عن نسائه أنهن يردن أن يقسموا، تقول عائشة ﵂: (فدخلت فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية النبي ﷺ ، تمشي مثله (والنبي ﷺ مع عائشة في لحاف واحد، فقال: أهلاً بابنتي، فأجلسها، ثم قال لها: إن أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة -التي هي عائشة - قال: (أي بنية! ألست تحبين ما أحب؟ قالت: أجل قال: فأحبي هذه)، أي: أنهي الموضوع ولا تراجعيني، كان أزواج النبي مجتمعات في بيت إحداهن، بانتظار الرد. فجاءت فاطمة فدخلت، فقالت: (والله لا أراجعه فيها أبداً)، فلم ييئسن وأرسلن زينب، أغلى واحدة من أزواجه بعد عائشة تقول: (إن زينب هي التي كانت تساميني في المنزلة عند النبي ﷺ ، فجاءت زينب، فدخلت تقول: -وهو في لحافي- فتكلمت بكلام شديد وأضجعت، أي: قالت كلاماً شديداً، والنبي ﷺ ساكت، قالت عائشة ﵂: (فنظرت إليه هل يكره أن أنتصر؟) انظر إلى وفاء الزوجة، ليست من ذلك النوع الذي إذا علمت أن زوجها يغضب من شيء، فتأتي ذلك الشيء، لماذا هكذا، تغضبيه وتتعبيه وتفعلي الشيء الذي يغضبه؟ هذا ليس من الوفاء. فـ عائشة تستطيع أن ترد مباشرة، لكن نظرت في وجهه أولاً، هل أسارير وجهه تنطق بعدم الرضا لو تكلمت أو بالرضا؟ فهمت من العشرة أنه لا يكره أن ترد عليها، قالت: فقلت لها فأفحمتها، فتبسم النبي ﷺ وقال: إنها ابنة أبي بكر، وضحك وتبسّم، وانتهى الموضوع. فقال عمر بن الخطاب لابنته حفصة: (لا تسألي النبي ﷺ ولا تستكثريه، وسليني ما بدا لك)، والإمام البخاري ﵀ بوب في كتاب النكاح بهذه الجملة على الحديث كله، فقال: (باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها). نحن نوصي الآباء بأن يحذوا حذو عمر، لا أن يقوم خصام بين ابنته وبين زوجها فيمسك زوجها ويخاصمه لماذا؟ يا أخي! حافظ على قوامة الرجل إذا أردت أن تعاتبه فاختل به، وقل له: يا فلان هذا لا يجوز، أنت أخذت ابنتي بكلمة الله، واستحللتها بأمانة الله، فلا يحل لك أن تفعل كذا وكذا وكذا؛ أما أن تأتي وتعاتب الرجل أمام المرأة فهذا ليس من الحكمة في شيء، لماذا؟ لأن هذا يضعف من قوامة الرجل على المرأة، فينبغي على الرجل أن يعين ابنته على البر بزوجها، وعلى طاعة زوجها. كما فعل عمر ﵁ قال: (يا بنيتي! لا تسأليه شيئاً، ولا تستكثريه، وسليني ما بدا لك)، قال عمر ﵁: (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا) لاحظ الكناية الجميلة هذه، (تنعل الخيل)، تلبس الخيل حذاء، ومعناها: أنها تستعد، كما أن الشخص يلبس حذاءه ليمشي، (فتنعل الخيل لغزونا) أي: تعد الخيل لغزو المدينة، وكان ملك غسان هو آخر ملك من ملوك الروم يهدد المدينة، فكان الصحابة على أهبة الاستعداد.

стр. 603

تناوب الصحابة في طلب العلم وطلب الرزق قال عمر بن الخطاب ﵁ في أول الكلام أنه كان وصاحب له يتناوبان النزول إلى النبي ﷺ ؛ لأنه لا يستطيع أن يترك حياته ولا معيشته؛ لأن هناك نفقة واجبة عليه، لأن النفقة على الأولاد وعلى الزوجة واجبة، والنبي ﵊ يقول: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عن من يملك قوته)، كما في صحيح مسلم، وكما في حديث بسند ضعيف (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، كفى إثماً به أن يضيع امرأته وعياله، فكان لا بد أن يعمل ليسقط هذا الواجب عنه، وفي نفس الوقت لا يريد أن يفوته علم ولا خير من النبي ﷺ ، فاتفق هو وجاره من الأنصار أن ينزل يوماً عند النبي ﵊ وعمر يشتغل في تجارته أو زراعته، واليوم الثاني ينزل عمر إلى النبي ﷺ ، ويذهب الأنصاري هذا اليوم إلى تجارته، وكل يوم في الليل الذي عليه الدور يذهب لصاحبه في البيت ويقول له: نزل من الوحي كذا وكذا، وأخبرنا النبي ﷺ بكذا وتحدث بكذا، ويحكي له وقائع ذلك اليوم. فـ عمر بن الخطاب يقول: (وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لغزونا، فجاءني صاحبي عشاءً، وطرق الباب طرقاً شديداً) أي: على غير العادة، (وقال: أثم هو) أي: أهو موجود؟ وفي الرواية الثانية: (أنائم هو؟) فسمع عمر بن الخطاب صوته (فخرج يجر رداءه، ثم قال له: ماذا جرى! أجاء غسان؟) أي: الملك هجم على المدينة، قال له: (لا، بل حدث ما هو أهول من ذلك وأعظم، طلّق النبي نساءه) لاحظ تعبير الصحابي، يعتبر أن تطليق النبي ﵊ لزوجاته وتكدر خاطره أعظم من اجتياح العدو المدينة، وكانوا يراعون النبي ﵊، مراعاة ليس لها حدود، حتى أن عمر بن الخطاب لما دخل المسجد وجد حول المنبر رهطاً يبكي بعضهم، ليس لأجل النساء، حتى لو كانت ابنته أو أخته، بل لأجل النبي ﷺ لأنه معتزل في المشربة، وقد تكدر خاطره، لأنهم كانوا يحبونه غاية الحب، ومن عرفه أحبّه ولم يخالفه أبداً، فالذي يعرف النبي ﷺ ، ويدمن النظر في سيرته، لا يستطيع أن يخالفه أبداً؛ فكيف بمن شاهده وسمع كلامه، ورأى حنوه عليهم، ﵊. نريد أن نعلم الزوجات ترك الاعتراض على الزوج وتكدير خاطر الزوج؛ لأن نهاية هذه المعاملة دمار البيت. نحن نتكلم كثيراً عن جيل التمكين، فإذا البيت يدمر فقد عندنا أي رصيد لجيل التمكين، فعلى الأم والأب أن يتعاونا معاً لأجل الوصول إلى هذه الغاية، قد تخفى الأم على الأب خبر أن الولد يشرب سجاير، لمصلحته كما تزعم، والأب ليس عنده أي علم بذلك، فهذه خيانة، لابد من عرض هذه المسألة على الأب. فترك الاعتراض وعدم الاعتراض في حق الرجل يوجب الغضب على المرأة يقول عمر ﵁: (كنت أعلم أن ذلك يوشك أن يكون)، فكل هذا الذي يحدث ما هو؟ فنزل إلى حفصة فوجدها تبكي قال: (لم تبكين؟ أولم أكن حذرتك؟ أطلّقكن النبي ﷺ ؟ قالت: ما أدري).

стр. 604

من فوائد الحديث: جواز أن يتخذ الحاكم حاجباً دخل المسجد ووجد رهطاً عند المنبر فجلس عندهم، ثم أتى غلام فقال: (استأذن لـ عمر)، وفي هذا دليل على جواز أن يتخذ الحاكم حاجباً أو بواباً، وأقول: جواز، وإلا لو رأى الحاكم أو الأمير أو الرجل الكبير، حتى ولو لم يكن له منصب رسمي، لكن له منصب في الناس، خاصة إذا رأى أنه لا يستقيم الحال إلا بحاجب حتى تضبط الأمور، ولا يقال له: أنت مفرط ولا مقصر، هذا عمر بن الخطاب ﵁ يقول لـ أبي لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة، اصنع لي رحى، قال له: أنا سأعمل لك رحى، والله أعلم أن عمر بن الخطاب كأنه فهم كلامه يتحدث بها أهل المشرق والمغرب. فقام عمر بن الخطاب ﵁ وعلق على هذه المقولة فقال: توعدني العبد، هذا أمير المؤمنين وهذا عبد، قال: توعدني العبد، يهددني ومع ذلك لم يتخذ قراراً إجرائياً، ولم يتخذ حاجباً، حيث ترك القضية هكذا برغم أنه قال: توعدني العبد، فلم لم تتخذ حاجباً طالماً توعدك؟ إذاً: اتخاذ الحاجب على الباب فيه دلالة على جوازه، فللأمير أو الحاكم أن يتخذ حاجباً أو بواباً إذا لزم الأمر، وإلا فله أن يترك ذلك. وفي الصحيحين أن النبي ﷺ مر على امرأة وهي تبكي، فقال: (اتق الله واصبري) قالت: إليك عني إنك لم تصب بمصيبتي، ثم تولى رسول الله ﷺ فأُخبرت المرأة أنه رسول الله، فانطلقت تسأل عنه، فجاءت فلم تجد حاجباً ولا بواباً؛ فدخلت إليه، فقالت: إنها لم تعرفه، فقال لها: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). يقول العلماء: الأحمق يجزع في المصيبة ويرتكب المخالفات، وبعد شهر تقول له: عظم الله أجرك، يقول لك: الحمد لله، بعد شهر يرضى بقضاء الله، لذلك لا يقال للذي استسلم للمقادير بعد الاعتراض: إنه صابر، لأنه استوعب المصيبة وما معه إلى الرضا فليس بصابر، إنما الصابر حقاً من إذا قرعته المصيبة فصبر، والنبي ﷺ يقول: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فقلت للغلام: (استأذن لـ عمر)، وفي هذا دليل على استحباب أن يسمي المرء اسمه عند الاستئذان، وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁، قال: (جئت النبي ﷺ فطرقت الباب، فقال: من هذا؟ قلت: أنا، قال: فسمعته من خلف الباب يقول: أنا أنا)، كأنما كرهها، فأنت حين تطرق الباب، فيقال: من؟ قل: فلان، لكن تقول: أنا أنا؟ ومن أنت؟ إن ابن الجوزي لما شرح هذا الحديث، أثبت فيه كراهة الحبيب ﷺ لقول: أنا، قال: كأنه يقول: أنا الذي يُعرف نسبي، ولا أحتاج إلى ذكر اسمي، وتخيل كم في الدنيا من الناس لو قال كل واحد منهم: أنا، هل سيعرف من في الباب؟ كـ الفضل بن دكين ﵀، كان له طلبة وامتنع أن يحدث، لأنهم ضجّروه، فأحب أن يعاقبهم فامتنع عن تعليمهم فجاء شخص وطرق عليه الباب فقال: من؟ قال: رجل من بني آدم، ففتح الباب وأخذه بالأحضان، قال: ما كنت أظن أن هذا الجنس بقي منه أحد. فـ (أنا) فيها نوع من الاعتزاز بالنفس، وأنت إذا نظرت إلى إبليس وجدت أنه دخل النار لما قال: أنا، وقارون أهلكه الله لما قال: أنا، وصاحب الجنتين لما قال: أنا أزال الله النعمة عنه، فاحفظ هذا يقول إبليس:: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]، ويقول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] المال هذا حصلت عليه بعبقريتي وذكائي وحساباتي الجيدة، والرجل الثالث قال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، وهو يحقره بالكلمة هذه، حيث استخدم أنا وهو يريد الكبر والأنفة، فقال له الضعيف: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩]، ولنا أن نقول: هناك فرق بين أنا التي جاءت على لسان الغني المتكبر، وأنا التي جاءت على لسان الآخر. إن المؤمن حينما يقول: أنا، لا يقصد أن يتكبر بها ويفاخر، بخلاف غير المؤمن، والفرق: أن المؤمن قال: أنا، للمشاكلة فقط، لم يرد بها التفاخر كالآخر. فيسن للمستأذن إذا سئل: مَن؟ أن يقول: فلان، ولذلك قال عمر ﵁: (قلت: استأذن لـ عمر)، (فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت)، والسكوت: علامة الرضا، فلماذا عمر لم يدخل؟! إذاً: المسألة فيها تفصيل، السكوت أحياناً يكون علامة عن الرضا، وأحياناً يكون علامة عن الغضب، فالسكوت علامة الرضا في الزواج مثلاً، وفي القعود؛ لأن النبي ﵊ لما قال: (تُستأمر البكر، قالوا: يا رسول الله، إن البكر تستحيي، قال: إذنها سكوتها)، إذا سكتت فقد رضيت؛ فالسكوت علامة الرضا. أما السكوت في هذا الحديث فليس علامة الرضا، وكيف عرف ذلك بالقرائن، والرسول ﵊ مغضب وهجر نساءه، هذه قرائن، فالقرائن هنا تدل على أن السكوت ليس علامة الرضا، إذا نحن نعتبر القرائن في فهم الكلام من السياق، والعلماء يقولون: السياق من المقيدات. عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، ستظن بأنه لا عزيز ولا كريم، أليس كذلك؟ لأن السياق يدل على الإهانة، والتنقص ليس في النار عزة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]، فلا خزي أكثر من هذا، مع أن كلمة عزيز وكريم لو وضعتها في سياق آخر تؤدي نفس كلمة عزيز وكريم، لكن في هذه الآية أدّت العكس. إذاً: السياق من المقيدات، وهذه مسألة مهمة جداً. وبعض الذين احتجوا على نجاسة الدماء كلها، احتجوا بحديث أسماء، لمّا سُئل النبي ﷺ عن الدم قال: (واغسلي عنك الدم). بينما هي لما سألته عن الدم، سألته عن الاستحاضة، وليس غيره، فلا يأتي شخص ويقول: الدم كله نجس، والدليل الحديث السابق، ولفظ (الدم) يفيد العموم، نقول له: لا، الكلام جاء في سياق الكلام عن دم الاستحاضة، والسياق من المقيدات، فلما جاءت لتسأله، إنما جاءت لتسأله عن دم الاستحاضة، لكن إن أردت دليلاً على نجاسة الدم مطلقاً فابحث عن حديث آخر يدل على نجاسة الدماء، أو أدلة أخرى، لكن لا تحتج بهذا الحديث على نجاسة الدماء؛ لأن اللفظ وإن خرج مخرج العموم إلا أنه خاص بدم الاستحاضة بدلالة السياق. لما قال عمر: استأذن لي ثم استأذن له، فسكت النبي ﷺ وذهب إلى المنبر فجلس، قال (ثم غلبني ما أجد) أي: تعب، قال: فقمت، فقلت: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج قال: ذكرتك له فصمت، فجلست عند المنبر، فغلبني ما أجد قلت: استأذن لـ عمر، فدخل ثم خرج، قال: ذكرتك له فصمت، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فخرج من الباب، وهو عند الباب ناداه، وقال: قد أُذن لك. (فدخل عمر بن الخطاب). وحين تدخل على شخص حزين لا تقل له: ما الحكاية من أولها؟ فيبدأ يحكي لك الموضوع ويبكي وما إليه، أنت لابد أن تنسيه الموضوع أولاً ثم تسمع منه، ف عمر بن الخطاب أول ما دخل قال: (فأردت أن أستأنس) أي: أطلب الأنس، ليس هذا وقت إعادة الحكاية من أولها، صحيح أنك تريد أن تسمع القصة، ولكن لا تبدأ بالحزن، بل قدم بين يدي القصة ابتسامة أو استأنس، ونحن ننصح الزوجة بأن تكون عندها فطنة وذكاء، فإذا كان بينها وبين زوجها إشكال في موضوع معين، فلا تباشره من أول دخوله بقولها: تعال نكمل الموضوع. لا، المفترض أنه عند وصول الرجل تحوِّل الموضوع كله، وتغيره بمقدمة، ثم لا بأس بإكمال الموضوع، هذا هو معنى قول عمر (استأنس). فـ عمر بن الخطاب ﵁ قال: (فأردت أن أستأنس، فقال: يا رسول الله، لو رأيتنا معشر قريش قوم نغلب نساءنا، فلما قدمنا على إخواننا من الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم) أليس هذا الذي حصل؟ فتبسم النبي ﷺ ، فقد فهم قصد عمر. فقال عمر: (يا رسول الله لو رأيتني وأنا أقول لـ حفصة لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي ﷺ فهو يهضم حق ابنته، ويقول لها: لا يغرنك أن كانت عائشة أجمل منك وأحسن، وأنت لست مثلها، فهو حط من قدر ابنته، فتبسم النبي ﷺ ، فلما رأى عمر بن الخطاب أنه تبسم مرتين، شعر عمر أنه أدى ما عليه من الأنس، فجلس، فلما جلس نظر في البيت إلى الجدران. (قال عمر: لم أر شيئاً يرد البصر) أي: يملأ العين، قال: (فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فإنه وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله) أنت رسول الله وأنت أحق من قيصر وكسرى، قال عمر: (وكان متكئاً فجلس) وهكذا الرسول ﷺ حين يكون الأمر خطر والخطب عظيم، ويريد أن ينبه المستمع إلى أهمية ما سيقول فإنه يجلس، (وكان متكئاً فجلس). دخل الكسائي على هارون الرشيد، فقال له هارون: اجلس، قال له: بل اقعد يا أمير المؤمنين. وكان العلماء يؤدبون الخلفاء، وكان الخلفاء يقربون العلماء ليتعلموا منهم، لما يكون هناك ولي العهد، لا يذهب ليلعب ويركب الخيل، بل هذا إنسان سيقود أمة، فيها من هو أفضل منه بكثير، فلذلك لا بد له أن يعيش بين العلماء فيتعلم الحكمة والعلم. أمير من أمراء بني أمية كان يعلم ابنه ليكون ولياً للعهد من بعده، فأظن أن معلمه كان الأصمعي أو غيره من العلماء، كان يتحدث إلى هذا العالم حتى يلقِّن أولاده العلم، وجعل على هذا العالم والأولاد جاسوساً، لكي ينقل هذا الجاسوس كل كبيرة وصغيرة تدور في المجلس لأمير المؤمنين، فقد يكون المعلم غير

стр. 605

سعة الرزق ليست دليلاً على رضا الله عن العبد نبه النبي ﷺ إلى أن سعة العيش في الدنيا ليست دلالة على الرضا، فالذين ما زالوا يظنون بالله ظن الجاهلية؛ أن ربنا أنعم عليهم وأعطاهم مالاً وأولاداً ومناصب لأنه يحبهم، ولو كان يكرههم ما أعطاهم شيئاً، هذا من جنس ظن أهل الجاهلية بالله ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]، فربنا رد عليهم، قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ [سبأ:٣٧]، وربنا يقول: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ [الفجر:١٥ - ١٧]، ليس الإعطاء دليل كرامة، ولا المنع دليل إهانة. فنفى القضية كلها، وقال: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر:١٧]، إذاً: السعة والبسط في العيش ليس دليل الرضا؛ لأن من الناس من يفعل مقارنات ما بين سعة الغرب والحضارة الموجودة، وبين تخلف المسلمين، ويعتقد أن تخلف المسلمين سببه أنهم متمسكون بدينهم حتى الآن، وأن هذا سبب تخلفهم، فنقول: هذا ليس صحيحاً، اليابانيون يعبدون الأصنام، وهم أول دولة صناعية في العالم. قال النبي ﵊: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا). قالت عائشة ﵂: (فدخل النبي ﷺ علينا، فلما دخل وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً، فقلت: يا رسول الله، إنك دخلت علي من تسع وعشرين أعدها عداً، وقد أقسمت أن لا تدخل شهراً والشهر ثلاثون يوماً، فقال ﵊: (الشهر تسع وعشرون). فهذا الإطلاق ظنه عبد الله بن عمر ﵁ حكماً، وكان يقول: (الشهر تسع وعشرون)، فـ عائشة ﵂ سمعته -كما في الحديث الصحيح- يقول ذلك، فقالت: (يرحم الله أبا عبد الرحمن إنما قال النبي ﷺ : (الشهر قد يكون تسعاً وعشرين)، وقال ﷺ : (الشهر هكذا وهكذا) أي: مرة كامل ومرة ناقص، قالت عائشة: (وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين). فيؤخذ من هذا أنه يستحب أن يُذَكّر المرء إذا نذر أو حلف فخالف؛ لاحتمال أن يكون نسي، قال (ما أنا بداخل عليهن شهراً)، فـ عائشة تذكِّره أنت قلت: شهراً، ودخلت في تسع وعشرين يوماً، فإذا نذر الرجل نذراً أو حلف أن لا يدخل شهراً أو نحو ذلك، وخالف المعهود فلا بد أن يُذكَّر بذلك كما فعلت عائشة ﵂. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 606

الأسئلة

стр. 607

حكم حفظ القرآن عند أهل البدع السؤال هل يجوز أن أحفظ القرآن على رجل صوفي علماً بأن هذا الرجل من حفظة القرآن، والعارفين بأحكامه، وما الحكم لو حفظت منه بعض الشيء؟ الجواب يمكن أن نصوغه بصورة مختلفة، والسؤال هو: هل يجوز أخذ العلم على يد المبتدع أياً كانت بدعته؟ علماء الحديث لما ردوا رواية المبتدع الغالي في البدعة، ردوها لأن هذا المبتدع لم ينفرد بأصل ليس عند أهل السنة، لذلك ردوا عليه حديثه، فلو أن مبتدعاً لم ينفرد بعلم تخصص فيه دون غيره من أهل السنة، فلا يجوز أخذ العلم عنه، إنما متى يرخّص في أخذ العلم على يد مبتدع؟ إذا كان متفرداً بهذا العلم، وكان المتلقي عالماً ببدعته، وهذا شرط، أما إذا كان لا يعرف شيئاً عن بدعته؛ فهذا لا يحل له أن يتعلم عليه؛ لاحتمال أن يلقنه البدعة. أحد أئمة الحديث لقبه الجرجاني، كان الجرجاني ﵀ -وهو من مشايخ النسائي - كان ناصبياً، إذا وقع بمتشيّع لا يبقي ولا يذر، فالنواصب الذين يبغضون علي بن أبي طالب، والشيعة: الذين غلوا في علي ﵁، فـ الجرجاني كان ناصبياً، والناصبي ضد الشيعي تماماً، فبمجرد أن يمر به راوٍ متشيع يقول: زائغ عن القصد، مائل عن الجادة، هالك، زائغ، وهكذا كل هذه عباراته في الشيعة. قال: (ومنهم) يعني: من المبتدعة (من تفرد بسنة لا تُعلم إلا عندهم، فمصلحة حفظ السنة مقدمة على مصلحة العلم) لماذا العلماء قديماً لم يأخذوا العلم من المبتدعة؟ لأنه كان هناك ألف واحد أفضل منهم وعندهم نفس العلم الذي عندهم. فيقول السائل: إن هذا الرجل مجوّد لأحكام القرآن، ورجل ضليع، فنحن نقول: الحمد لله يوجد في أهل السنة من هو أضلع منه. فلذلك لا تأخذ العلم على مبتدع إلا إذا كان المبتدع متفرداً بهذا العلم، ثم أنت على علم كامل ببدعته، حتى لا يلبّس عليك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم

стр. 608

التكفير حكم مخرج من الملة فلابد من ضبط الأحكام الشرعية وعدم التعجل السؤال ما تقول في شخص كان ملتزماً ومطيعاً لله ومؤمناً، وفجأة انقلب حاله وأصبح مشركاً؟ الجواب أنا لا أدري هذا السؤال من التوقف أو من التكفير أو من ماذا؟ لأنه يقول: (أصبح مشركاً) لماذا، ماذا فعل؟ السؤال هنا مجمل، ونحن نحتاج أن نعرف ما هو مظهر الشرك الذي أظهره هذا الرجل الذي كان ملتزماً مؤمناً، أنا أخشى أن يكون فيه تخليط في الأحكام الإيمانية، إنما كاتب السؤال يقول: إنه يتخبط في ظلمات الشرك والضلال، فماذا يفعل هذا الشخص إذا أراد أن يعود إلى الإيمان؟ الجواب: الكفر هو الخروج من الإيمان إلى الكفر، والحل أن يرجع إلى الله. إذا كان السؤال ماذا يفعل؟ نقول: يرجع إلى الله مسلماً كما كان أولاً، لكن في الحقيقة: أنا مرتاب من هذا السؤال وأشعر أن شيئاً من الشدة، كأنه مثلاً اشتغل في التجارة، فيقول له صاحبه: إنه عبد المال من دون الله، فيعتبر أن هذا مشرك، وهكذا، إذا كانت المسألة كذلك، فينبغي أن يعدّل السؤال ويكتب بصورة أفضل من هذا؟

стр. 609

حكم جهاد الدفع والفرق بينه وبين جهاد الطلب السؤال أود أن أعرف ما الذي يجب على كل عربي في حالة قيام حرب مع إسرائيل حتى لا نصاب بالفزع حيالهم؟ الجواب أيحتاج هذا السؤال إلى جواب؟ رجل داهمك، أليس هناك شيء اسمه جهاد الدفع؟ إذا عجزت عن جهاد الطلب أليس هناك شيء اسمه جهاد الدفع، فجهاد الطلب: أن تخرج من بيتك وتذهب إلى الكفرة في بلادهم، وتقول لهم شيئاً من اثنين: إما أن تدفعوا الجزية وأنتم صاغرون، وإما تتركونا ننشر الإسلام، وإذا منعنونا من الدخول نحاربهم، فهذا هو جهاد الطلب وهناك شيء اسمه جهاد الدفع: وهو أنك تكون جالساً في بيتك فتجد واحداً دخل عليك، فإذا دخل عليك أو هاجمك، هل هناك شخص يمكن أن يتوقف ويقول: هل يجوز لي أن أدفع هذا اليهودي أم لا؟

стр. 610

صحة حديث: (الساكت عن الحق شيطان أخرس) السؤال يقول: الساكت عن الحق شيطان أخرس. هل هذا حديث صحيح أم لا؟ الجواب نقول: لا، هذا ليس بصحيح.

стр. 611

حكم العمل في محلات الحلاقة السؤال ما حكم الكسب في محلات الحلاقة؟ الجواب حلاقة اللحية حرام، فلذلك لا يجوز للحلاق أن يتكسب من مهنة حلاقة اللحية، وقد أجمع العلماء على حرمة شيئين: حلق اللحية وحلاقة القزع التي فيها تشبه بالكفار، والله نحن في زمن العجائب! فحلق اللحية حرام، لقول النبي ﷺ (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب) وقال: (خالفوا اليهود والنصارى)،

стр. 612

حكم استخدام وسائل منع الحمل السؤال هل وسائل منع الحمل ومنها الحبوب، حلال أم حرام، مع العلم أن الاستخدام بنية التنظيم لا بنية المنع؟ الجواب كل وسيلة تؤدي إلى العزل، فهي جائزة ما لم يثبت ضررها، فمثلاً: حبوب منع الحمل، قال الأطباء فيها: إن هذه الحبوب لها آثار وخيمة على المرأة، أنها تشوه الأجنة، وتسبب سرطان عنق الرحم، ولها مشاكل وأضرار كثيرة تؤثر على المرأة التي تتعاطاها. فشأن وسائل منع الحمل شأن العزل، إذا كانت الوسيلة ليس فيها ضرر فهي جائزة، والله أعلم.

стр. 613

من كان عنده حق للناس لا بد من إيصاله بأي طريقة السؤال أنا كنت أشتغل في متجر، ثم أخذت منه مالاً من غير علم صاحب المحل، فماذا أفعل؟ الجواب لابد من إرجاع المال إلى صاحب المتجر، وليس بالضرورة أن ترجع المال إلى صاحب المحل وتقول له: أنا اختلست هذا المال، لكن يمكن أنك تضع هذا المال في ظرف، وشخص يوصل هذا المال لصاحب المتجر، ويقول له: إن هناك رجلاً قال: إنه استدان منك ديناً، وبلّغني أن أعطيك هذا الدين، فيكون الدين وصل إلى الرجل من غير أن تفضح نفسك. والله أعلم.

стр. 614

كتاب عمر أمة الإسلام السؤال جاءتني أسئلة عن كتاب (عمر أمة الإسلام)، وأن هذا الكتاب عمل ضجة ونحو ذلك، ويظنون أن مؤلفه أتى بالأدلة على ذلك؟ الجواب الحقيقة الكتاب تناولته منذ يومين فقط، ونظرت فيه نظرة عجلى، ولذلك لا أستطيع الحكم عليه إلا بعد أن أقرأه، لكن أقول كلاماً عاماً: هذا الكتاب من سلبياته أنه يوهم الدعاة كأنه يقول لهم: كفوا عن دعوتكم فلا فائدة من ذلك، لماذا تُرجعون الناس إلى الله وما بقي إلا سبعون أو عشرون سنة وانتهت الدنيا، ولا يوجد حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ ، والآثار فيها كلام كثير، وقد سبق السيوطي مؤلف الكتاب إلى مثل هذا الكلام، ومرت الأيام وقال برأي السيوطي، وكان هو يحدث الناس كم سنة على قيام القيامة ومضت الألف عام، وهذا شيء من الغيب، فنحن نرجو من المسلمين أن ينظروا إلى قضاياهم العظيمة، ولعلي أستطيع إن شاء الله أن أجيب عما ورد في هذا الكتاب، إن كان فيه حق أحققناه، وإن كان فيه من خطأ صوبناه بما عندنا من العلم، والله أعلم.

стр. 615

حكم العقد على المرأة الحامل السؤال شاب زنا بفتاة وسافر، فعلم الأهل أنها حامل، فقام والد الشاب بالعقد على هذه الفتاة حتى يرجع ولده، وبعد رجوع الولد طلقها الأب وتزوجها الابن؟ الجواب هذا لا يجوز، سبحان الله! هذا يعني أنهم في جاهلية جهلاء، أولاً: لا يجوز العقد على الحامل، ولا الدخول بها حتى تضع حملها، حتى لو كان من زنا فمن المشاكل الحادثة الآن ولد يزني بفتاة وتحمل منه، فيزوجونهم لبعضهم، لماذا؟! يقول ربنا : ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فأولات الأحمال مطلقاً، ليس أُولات الأحمال من حلال فقط، فالكلام مطلق، ولذلك لا يحل هذا العقد أبداً، ولا يحل طبعاً الدخول بها، وهذه الصورة جائرة جداً، شاب زنى بفتاة وسافر فعلم الأهل أنها حامل فقام والد الشاب الزاني بالعقد عليها، فلما رجع الولد طلقها الأب وتزوجها الابن كأننا في جاهلية جهلاء، كله لا يجوز.

стр. 616

الذكر يدمر الشيطان إن عداوة الشيطان لبني الإنسان أمر لا ريب فيه ولا خفاء، فعداوته ظاهرة لا تحتاج إلى برهان؛ فمن العجب أن يعلم الإنسان عدوه ومع ذلك ينقاد له! وإن الشيطان ليبذل كل طاقته وجهده لإضلال الإنسان عن منهج خالقه ولكن هيهات هيهات فقد حذرنا من اتباعه وجعل لنا سلاحاً يصده ويحفظنا من وساوسه، وهو ذكره والتزام أمره، فمن داوم على ذكره سبحانه ولزم أمره حفظ عليه قلبه ودينه.

стр. 617

عداوة الشيطان لبني الإنسان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. مِن أشهر القصص التي يعرفها الخواص والعوام: قصة العداء الأول بين آدم ﵇ وبين إبليس عليه لعنة الله. وهذه قصةٌ مشهورة، تفاصليها معروفة، فكان المرجو من المسلمين ألاَّ يغفلوا عن هذه القصة مع شهرتها. هذا الشر الموجود في العالم الآن؛ أليس مصدره إبليس؟! كيف تكون جندياً لهذا الملعون المرجوم، وأنت تعلم أنه عدوك سلفاً؟! هذه من المواطن التي يتعجب منها اللبيب، عدوك! ليس أمرُه ملتبساً عليك، ولا تدري عداوته؛ لكنك تعلم كل ذلك، ومع هذا ينقاد له بعض الناس مع تنبيه الله ﵎ الناس بهذه العداوة، قال : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف:٥]، (مبين) أي: عداوته ظاهرة لا تحتاج إلى برهان. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف:٥٠]، أي: بئس البدل أن تستبدل الشيطان الرجيم بالله الرحيم. ولعل البعض يظن أني أخطأت في العبارة، فيقول: الصحيح: أن تقول: بئس أن يستبدل الناس الله بالشيطان، كما تقول أنت: استبدلتُ الثوب القديم بثوب جديد، هذا هو الدارج على ألسنة العوام، مع أن هذا التركيب خطأ، فإن الباء (باء البدل) إنما تلتحق بالمتروك الذي تركته، فمن الخطأ أن تقول: استبدلت الثوب القديم بثوب جديد، إنما الصواب: استبدلت الثوب الجديد بثوبٍ قديم، و (الباء) هنا التحقت بالمتروك، بالشيء الذي تركته أنت، وهو الثوب القديم، وشاهد هذا في كتاب الله ، قال تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء:٢]، فالباء هنا أُلحقت بالمتروك الذي تركه الناس وهو الطيب، وقال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١]، تركوا المن والسلوى، وأرادوا البصل والثوم، فالذي هو خير: المن والسلوى ألحقت به الباء: ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١]. فبئس للظالمين بدلاً أن يتولوا هذا الشيطان ويتركوا الله ﵎.

стр. 618

تفكيك الأسرة المسلمة مراد الشيطان إن الشيطان الرجيم له كل يوم برنامج مع بني آدم، كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄: أن النبي ﵊، قال: (إن إبليس يضع عرشه على الماء كل يوم، ثم يأتيه كل من يعمل تحته من الشياطين -طاغوت-فيرسلهم إلى بني آدم يضلونهم ويفتنونهم، وفي نهاية اليوم يأتي كل شيطان بخط سيره، وماذا فعل في بني آدم،) محاكمة يومية يعقدها هذا الشيطان للذين يعملون تحته، لو أن بني آدم اتعظوا وأخذوا الدقة والحذر من فعل الشيطان ما استطاع هذا الشيطان أن يتغلب عليهم. أما نحن بنو البشر يأمر الآمرُ بعمل ولا يتابعُه، يعيث فيه فساداً يكمله أو لا يكمله، لا أحد يسأل، إنما هذا الشيطان كل يوم لا بد أن يعلم هل استطاع أن يذل بني آدم أم لا. ثم هو يقوم عمل الشيطان الصغير في الحال، يقول له: أنت أفلحت أم لم تفلح في الحال، ويعطي مكافأة للذي يفلح، والذي يظل من بني آدم أكثر من غيره، كما هو واضح من الحديث: (إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يرسل سراياه إلى بني آدم يضلونهم ويفتنونهم، وفي آخر اليوم -وهو قاعد على العرش- أي: على السرير، الكرسي العظيم- يأتونه واحداً واحداً: ماذا فعلت؟ يقول له: ما تركتُه حتى زنا، فيقول له إبليس: لم تصنع شيئاً، وأنت ماذا فعلت؟ يقول: ما تركته حتى سرق، يقول: لم تصنع شيئاً، وأنت ماذا فعلت؟ يقول: ما تركته حتى قتل؟ يقول: لم تصنع شيئاً، وأنت ماذا فعلت؟ يقول: ما تركته حتى فعل كذا، يقول: لم تصنع شيئاً. فيأتي آخَر فيقول له: ماذا صنعت؟ يقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين أهله، فيقوم الشيطان من على العرش ويلتزمه -أي: يحتضنه- ويقول له: نِعْمَ أنتَ! أنْتَ أنْتَ!) أي: أنت أجودهم وأفضلهم وأحسنهم، ماذا فعل؟! ما ترك الرجل حتى طلق زوجته. ولعل سائلاً يسأل ويقول: إن الطلاق مباح، والزنا محرم، والسرقة محرمة، وشرب الخمر محرم، والقتل محرم، فلِمَ لَمْ يفرح إبليس بوقوع هذه المعاصي المحرمة وفرح فرحاً عظيماً لهذا الشيء المباح الذي يرتكبه بنو آدم، ولا إثم عليهم؟ الجواب إن كل معصيةٍ يمكن أن يتوب العبد منها، وقد جعل الله ﵎ له فيها فَرَجاً ومخرجاً، وجعل لها كفارة، إما بحدٍ أو باستغفار. فالزاني إذا زنا وهو غير محصن فجلدٌ مائة وتغريب عام، فإذا زنى الرجل المحض؛ فإنه يحفر له حفرة في الأرض ويوضع فيها، ويُضْرَب رأسُه بالحجارة حتى يموت، وهذا هو المعروف في حد الرجم، فإذا رُجِمَ المسلم وجلد فكأنما لم يزنِ، ولم يرتكب الذنب وشاهد ذلك: (أن المرأة الغامدية التي زنت وهي متزوجة في زمان النبي ﵊، فرَجَمَها بالحجارة حتى ماتت، ثم لما أراد ﵊ أن يصلي عليها ووقف أمامه عمر، وقال: أتصلي عليها وقد زنت؟ قال: خلِّ عني يا عمر: لقد تابت توبةً لو وُزِّعت على سبعين من أهل المدينة لَوَسِعَتْهُم) كيف وقد جادت بنفسها لله ؟! فهذه زنت؛ لكن بمجرد أن أقيم عليها الحد ذهب الفعل والجُرْم، ومعنى أن يذهب الجرم، أي: فشل الشيطان في كل فعله؛ لأنه أقسم بعزة الله ﵎ ليُغْوِيَنَّ الناس جميعاً إلا المخلَصين، و (المخلَصين) بفتح اللام، أي: الذين أخلصهم الله لنفسه؛ لذلك لا يستطيع إبليس أن يغوي رجلاً أخلصه الله لنفسه، ولذلك المخلَص أعلى درجة من المخلِص؛ لأن المخلَص: الله هو الذي أخلَصه لنفسه، أما المخلِص: فهو الذي أخلَص نفسه لربه، ولا شك أن الذي يخلصه الله بنفسه أعلى درجة وأقوى حرزاً ومَنَعَة من الذي يخلِصُ نفسه لربه ﵎. فمعنى أن يُتابَ على هذا العاصي، ذهاب جهدُ إبليس هدراً، وكذلك الذي يشرب الخمر، أو الذي يقتل مع فداحة هذه المعصية إلا أن إبليس لا يهتز لها، وإنما يهتز للطلاق! لماذا؟ لأن غاية مراد إبليس أن يرى العباد جميعاً في غوايةٍ وضلال، تصور! رجل طلق امرأته، فتزوجت المرأة، والزوج الجديد ليس على استعداد أن يربي أولاد غيره، فيأبى حضانةَ الأولاد، فتتركهم الأم، ويتزوج الرجل الزوجة الجديدة وليست على استعداد أن تربي أولاد غيرها؛ فيطرد الأولاد، وهم يريدون أن يأكلوا ويشربوا، فينحرفون وتسيطر عليهم عصابات الفساد. وهذا مراد إبليس، أن يرى عتلاً زنيماً في الأرض، أن يرى جندياً مخلصاً له، لا يمكن أن يحصِّل جنوداً مخلِصين إلا بتفكيك الأسرة؛ لأن وجود الوالد وهو ضابط عظيم، ووجود الأم كل حركة يحاسب الولد عليها، إذا فعل الولد فعلاً شائناً يخشى العقوبة، إما أن يسترها، وإما أن لا يفعلها من الأصل، لأن هناك محاسباً. أما إذا خرج الولد من هذا الضابط، ولا يحاسبه أحد على الفعل تم مراد إبليس. لذلك يقول: (لم تصنع شيئاً)، إنما الذي قال: (ما تركتُه حتى فرقتُ بينه وبين أهله) قام له واحتضنه. إبليس له مقام عظيم بالنسبة للشياطين الصغار، فمثلاً: لو أن شخصاً صافحه رئيس الجمهورية لكاد أن يمشي على السحاب من العُجْب، فما بالك بإبليس هذا يقوم له من على العرش، ولا يسلم عليه وإنما يحتضنه ويعانقه، ولا يكتفي بهذا، إنما يؤكد أنه من المَهَرَة: (نِعْمَ أَنْتَ! أَنْتَ أَنْتَ!) يعني: لا يوجد لك مثيل، قد فاز على بقية الشياطين الصغار، فهذا يفتح شهيته لمزيدٍ من الإضلال وتخريب البيوت المسلمة. فإذا كان الشيطان يحمل سلاحه ويشهره في وجوه بني آدم جميعاً، أفيليق بك أيها العاقل أن ترى هذا الشيطان ممسكاً سلاحه، ثم تلقي سلاحك على الأرض؟! أهذا يعقل؟! عدوُّك معه سلاحه، وهو يتربص بك، وأنت تعلم أنه سيقتلك، ثم ترمي سلاحَك أمامه؟!

стр. 619

ذكر الله أقوى سلاح يواجه به الشيطان ما هو سلاحك الذي تستطيع أن تقاوم به هذا الشيطان الرجيم؟! إن أفتك سلاح يستخدمه الإنسان في محاربة الشيطان هو ذكر الله ﵎، فهذا هو سلاحك الأعظم؛ أن تذكر الله، وأن يكون لسانك رطباً بذكره. ولذلك شُرِعَت الأذكار، فكل سكنة وحركة لها ذكر، هلاَّ أدمنت على الذكر حتى ينجيك من الشيطان ومكائده؟! كل شيء له ذكر، والنبي ﵌ لم يقصر في تعليمك، ولا في تبليغك، ولا في تأديبك، إنما أوتيتَ مِن قبل نفسك وتقصيرك.

стр. 620

دعاء النوم إذا أردت أن تنام جعل الله لك أدباً وذكراً وحمايةً من الشيطان. وكم من المسلمين يعلمون أذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار الصباح والمساء؟! والشيء العجيب أنك ترى بعضهم يستشكل حفظ الأذكار، مع أنه يحفظ الأغاني، ويحفظ شطراً كبيراً من المسرحيات والأفلام، وهناك فرقٌ بين الكلام الذي يقْطُر نوراً وبين الكلام الذي يقْطُر خسةً ونذالة، فالكلام الذي يقْطُر نوراً: كلام النبي ﵊. فقد علمك أنك إذا أردت أن تنام أن -: (تتوضأ وضوءك للصلاة، ونم على جنبك الأيمن، وضَعْ يدك تحت رأسك، وقل: (باسمك اللهم أحيا، وباسمك أموت، باسمك اللهم وضعتُ جنبي وبك أرفعه، وجهتُ وجهي إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيك الذي أرسلتَ)، ثم يقرأ آية الكرسي -التي تقال في دبر الصلوات-) أيشق عليك هذا؟! لا. فلا مشقة. وكل ذكر من هذه الأذكار يترتب عليه أجر عظيم وفائدة كبيرة، وإن بعض الناس يتعاملون معاملة التجار، فلا يفعل الشيء إلا بمقابل، وكل ذكرٍ له مقابل وفائدة، وأنت تتعامل معاملة التجار، وحُقَّ لك؛ فهذا ليس بعيب، فإننا نعمل الخير لأجل أن نحرز الجنة، وهذا غاية المراد؛ أما القول الذي ينسبونه إلى رابعة العدوية: (ما عبدتُك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، اللهم إن كنتُ عبدتك خوفاً من نارك فاحرقني بنارك، وإن كنتُ أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني من جنتك، وإن كنت أعبدك رجاء وجهك فلا تحرمني النظر إليك)، فهذا ينسبونه إلى رابعة العدوية، وسواءً نسبوه إليها أو إلى غيرها فهذا قولٌ خطأ! كيف والنبي ﷺ كان يستعيذ بالله من النار، ويسأل الله ﵎ الجنة، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، والله تعالى عَلَّم عباده أن يقولوا: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. إذاً: عَمَلُك الخير خشيةَ أن تدخل النار، هذا غاية المراد من الفعل، كيف أقول: (إن كنتُ أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بنارك)! هذا ضلالٌ عظيم، وكل شيءٍ له فائدة.

стр. 621

قراءة آية الكرسي قبل النوم إذا أردت أن تنام وقلتَ هذا الذكر، وقرأتَ آية الكرسي، كان عليك من الله حارسٌ حتى تصبح. ومصداق هذا في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵌ استودعه على تمر الصدقة، فبينما أنا بالليل إذ جاء رجلٌ يحشو التمر في ثوبه، فأمسكتُه وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فشكا حاجة عياله فرق له قلب أبي هريرة فتركه، فلما أصبح، قال النبي ﷺ : ما فعل صاحبُك البارحة يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله، شكا لي حاجة عياله فتركتُه، قال: أما إنه سيعود، فلما كان من الغد رآه أبو هريرة يحشو التمر في حجره، فأمسكه، وقال: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فشكا حاجة عياله وأقسم أنه لن يعود، فرق له قلب أبي هريرة وتركه، فلما أصبح قال له ﵊: ما فعل صاحبك البارحة يا أبا هريرة؟ قال: شكا لي حاجة عياله وأقسم أنه لا يعود، قال: كذبك وسيعود، فلما كان في اليوم الثالث رآه أبو هريرة يحشو التمر في حجره، فأمسكه وأصر أن لا يدعه، فقال له: أفلا أدلُّك على شيءٍ وتتركني -أي: من الخير-؟ إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك إن قرأتها لا يزال عليك من الله حارسٌ حتى تصبح، فاغتبط أبو هريرة بهذه الفائدة وتركه، فلما أصبح قال له ﵊: ما فعل صاحبك البارحة يا أبا هريرة؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لا يزال عليك من الله حارسٌ حتى تصبح، فقال ﷺ لـ أبي هريرة: صَدَقَك وهو كذوب، أتدري من تكلم منذُ ثلاثٍ يا أبا هريرة؟ ذاك شيطان) شيطان في صورة آدمي، شيطان يعلم السلاح الذي لا يستطيع أن يدفعه، أن يقرأ آية الكرسي: (فإنك إن قرأتَها لا يزال عليك من الله حارسٌ حتى تصبح). لذلك يقول ﵊ لـ أبي هريرة: (صدقك) أي: في هذه الجزئية وهو كذوب طيلة عمره، أي: أن كل قولٍ يقوله كذب؛ لكنه في هذه الجزئية صَدَقك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 622

أهمية الذكر وفضله الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولعل سائلاً أن يقول: لماذا يجعل الله لمن قرأ آية الكرسي حارساً؟ فنقول: هناك قول يقول: (إن الجزاء من جنس العمل)، وحتى تعلم لطف الله ﵎ بك، فانظر في هذا الحديث وتأمل: لِمَ يجعل الله عليك حارساً؛ لأنك وأنت مستيقظ تلهج بذكر الله تعالى، فهذا جُنَّةٌ لك من الشيطان، فإن هجم عليك عدوك رددته بسلاحك القوي -الذكر-؛ لكن إن نمتَ فلا تستطيع أن تتنبه لعداوة معتدٍ، فمن رحمة الله أن ينصب عليك وأنت نائم حارساً؛ لأنك ما غفلت عنه وأنت مستيقظ، فيرحمك وأنت نائم، حتى لا ينزل الشيطان عليك، والذين ينامون يستيقظ أحدهم مثلاً وهو مشلول، أو أنه ينام صحيحاً معافىً فيستيقظ وبه علةٌ أو مس، ما ذاك إلا لأنه ترك سلاحَه ونام وعدوُّه لا ينام. فالله ﵎ من لطفه بك أنك إن ذكرته وأنت مستيقظ ذَكَرَك وأنت نائم، ومَنَعَك من عدوَّك. هذا فائدة الأذكار: أن يجعل عليك حارساً ما دمت معه وأنت مستيقظ. وقصة الصحابي الجليل عاصم بن ثابت الأنصاري الذي قُتِل في موقعة القراء -ماء الرجيع- مشهورة، عندما رفض وضع السلاح ووضع يده في يد مشرك فقتلوه، وكان عاصم بن ثابت قَتَل عظيماً منهم في الجاهلية، وفي الحرب الدائرة بين الإسلام والكفر بمكة، فأرادوا أن يقطعوا رأسه ويسيرون به في القبائل، ليزيلوا المعرة التي حدثت بقتل عاصم بن ثابت لعظيمهم، فلما أرادوا أن يقطعوا رأسه أرسل الله عليه الدَّبْر -أي: ذكران النحل- فجأة وجدوا نحلاً عظيماً حول الجثة ولم يستطيعوا أن يصلوا إليه، قالوا: نقطع رأسه ليلاً، فإن النحل يرجع إلى بيوته ليلاً. قال أحد الصحابة: فلما جاء الليل رأيت جثة عاصم ترتفع بين السماء والأرض. وقد علق عمر بن الخطاب ﵁ على هذه الواقعة، فقال: إن الله ليحفظ عبده المؤمن، عاصم بن ثابت أبى أن يمس مشركاً وهو حي، فيأبى الله أن يمسه مشركٌ وهو ميت. إذا كان وهو حي أبى أن يمس مشركاً فجناب الله أقوى وحفظه لعبده أتم، فيأبى الله أن يمسه مشرك بعدما مات، والجزاء من جنس العمل. فأدم ذكر الله وأنت حي مستيقظ، يذكرك وأنت نائمٌ أو ميت. وإذا كنا لا نذكر الله في حياتنا! فمتى سنتذكره؟! وأنت الآن خيرٌ من أهل القبور، فأهل القبور ماتوا، فمنهم من أُخِذ فجأة، ومنهم العاصي الذي ما استطاع أن يتدارك نفسه، ومنهم المسوِّف، الذي يقول: أتوب اليوم أو أتوب غداً، فأنت الآن حي، تستطيع أن ترجع وتذكر ربك في كل سكنةٍ ونفس وحركة، فتدارك ما فاتك. فالتسويف شر ما يلقاه المسلم؛ أتوب اليوم، أتوب غداً، أو أفعل هذه وأتوب من أول الأسبوع، أو أصلي غداً، وما يدريك؟! لعلك غداً تكون من أهل القبور، كم من أناسٍ خططوا لأعوامٍ قادمة، وقد سقطت ورقتهم، وأذن الله بقبض أرواحهم، وهم يخططون غداً نفعل كذا وكذا، وبعد غدٍ يأتينا مال من كذا، فنرفع البنيان، ونسكِّن لا. اترك هذه العمارة؛ لأن اليوم القادم لا تدري ما يكون فيه، قد يقضي الله أنك ميت، والنبي ﷺ يقول: (موت الفجأة أخْذَةُ أسف) وبعض الناس يرى أن موت الفجأة من حسن الخاتمة، ويدعو الله أن يموت هذه الميتة! مع أن هذه الميتة شر، فالنبي يقول: (موت الفجأة أخْذَةُ أَسف) إذا كان له مال: لا يستطيع أن يقول: لي عند فلان مال، وإذا كان عليه دين لا يستطيع أن يقول: عليَّ دين، وإذا كان عاصٍ فليس عنده فرصة للرجوع، وإذا كان قد سرق أشياء، فليس عنده فرصة أن يردها إلى أصحابها، يموت ولا يعرف عنه أحدٌ شيئاً. فالمرض نعمة من الله ﵎؛ لأنها فرصة، ولا سيما الذي مرض مرضاً شديداً، وظن أنه سيموت في ذلك المرض، فيتوب ويرعوي، ويأتي بالذين ظلمهم فيستسمحهم، بخلاف الذي يموت فجأة. فذكرك لله ﵎ واجب، وخيرٌ من إنفاق الذهب والفضة. وفي الحديث الصحيح: (أن رجلاً سأل النبي ﵌، عن أرضى عملٍ يعمله قبل أن يموت، فقال له ﵊: أن تموت ولسانك رطبٌ بذكر الله . انظر إلى لفظ الحديث، فإن الألفاظ قوالب المعاني: أن تموت ولسانك رطبٌ، والرطوبة: ضد اليبوسة. فكما أن الماء هو السبب في نماء كل شيء حي، فذكر الله ﵎ هو حياة القلوب، قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ [طه:١٢٤]، وهذا الضَّنْك تستشعره في اليبوسة التي هي ضد الرطوبة، فكل رجلٍ ذاكر لله عنده من الصفاء القلبي ما عبر عنه بعض التابعين قديماً، فقال: لو عَلِم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالَدُونا عليها بالسيوف. فأنت أسعد وأهنأ من ملوك الأرض، لأنه يمشي في حراسة، ولا يستطيع أن يمشي في الشارع آمناً على نفسه مستمتعاً كما تمشي أنت، إذاً: لتوارى وزال منصبه، وشعر بكآبة وتعاسة لا حد لها، هذا جزء من الضنك المفروض على هؤلاء؛ لأنهم من أبعد الناس عن ذكر الله ، ومن ترك هذا الذكر مآله الضَّنْك، هذا في الدنيا،: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]، فالجزاء من جنس العمل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]. والله تعالى يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]. قَدِّم لنفسك: إن أردتَ أن تذكر عند الله ، فلا تنسَه، أما أن تنساه وتريد أن يذكرك فهيهات! هيهات! إذا عاملت الناس بالود عاملوك بالود، ولا تنتظر أن تجفوهم، فيودوك. ومِن مثل هذا المعنى: نفهم لِمَ يتفلت القرآن؟ خذ هذا المعنى واربطه بهذا السؤال. رجلٌ حفظ القرآن لكنه لا يداوم على مراجعته والعناية به، فينساه بطبيعة الحال؛ لأن القرآن عزيز، ولا يكون القرآن عند رجلٍ يهمله وينساه أبداً، وليس من إعجاز الكتاب أن تهمله وألاَّ تقرأه، ثم تطمع أن يظل في قلبك. فاعلم: أن أرضى عمل تلقى به الله أن تموت ولسانك رطبٌ بذكره ، ولكن المسلمين اليوم غافلون عن الأذكار، مع سهولتها ويُسرها وسماحتها وجمالها.

стр. 623

دعاء ركوب الدابة فمثلاً: كم منا عنده سيارة؟! هل الذي ركب السيارة سواءٌ كان يملكها أو كان يركبها، تذكَّر دعاء ركوب الدابة، التي هي السيارة أو الطائرة أو الباخرة أو الحمار أو البغل أو الحصان؟! كان النبي ﵊ إذا ركب دابةً قال: (﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤])، (مقرنين) أي: مُخْضِعِين، ما كنا نستطيع أن نُخْضِع هذا الحديد فنجعله آلةً تتحرك وترتفع في السماء لولا أن الله ﵎ هو الذي أخضعه لنا؛ لذلك وأنت تركبها تقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، إذا تأملت في سياق الآيتين، من سورة (المؤمنون)، تقول: ما هي العلاقة بين ذكر الآخرة: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤] مع ذكر تسخير الله ﵎ للدواب، ما هي العلاقة بين الآيتين، وبينهما بُعْدٌ على الظاهر؟! فالمتأمل في هذه الآية يرى مَعْنىً في غاية الجمال، وهو أن الآية ذكرت سَفَرَين: - سفر الدنيا. - وسفر الآخرة. فسفر الدنيا: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] فإن علمت أنك مسافرٌ هذا السفر القصير، تذكرت أنك مسافرٌ سفراً أكبر من هذا وأطول: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤]. فالجامع ما بين الآيتين هو السفر، فهذا يحملك على أن تتذكر أنك مسافرٌ إلى الآخرة، إلى ربك ﵎، فيحملك أن تتقي الله . وإذا ركبتَ الدابة أيضاً، قل: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير، رب اغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). أتعلمون الفائدة من وراء هذا الذكر؟ ورد في الحديث الصحيح: أن علي بن أبي طالب ركب دابته وقال هذا الدعاء، ثم ضحك، فقال لأصحابه: (ألا تسألوني لِمَ ضحكت؟ قالوا: ومم ضحكتَ يا أمير المؤمنين، قال: ركب النبي ﷺ دابته وقال هذا الدعاء وضحك، فقال لنا: ألا تسألوني ممَّ أضحك، قالوا: ممَّ تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك من ضَحِك رب العزة: يقول: علم عبدي أن له رباً يغفر فغفرت له). فانظر إلى هذا الدعاء! (رب اغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فيضحك الله ، ويقول: علم عبدي أن له رباً يغفر، فغفرت له). كيف تغفل عن هذا الذكر، وأنت تركب الدابة ذاهباً وآيباً طيلة النهار؟! لماذا تخسر هذا الأجر، وهو لا يكلفك شيئاً: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، رب اغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).

стр. 624

دعاء دخول الخلاء إذا أردت أن تدخل الخلاء، فللخلاء ذكر، حتى وأنت تدخل دورة المياه، فإن لها ذكراً. تأمل في نفسك! كم أنت مقصِّر، فقد ظللت ردحاً من الزمان تفوت على نفسك الحسنات، وإذا كنت طيلة عمرك تجهل هذا الذكر، فستلقى الله بماذا وقد فعلت كل شيءٍ لم تؤمر به، وتركت الشيء الذي أُمِرْت به؟! إذاًَ: على الإنسان أن يتدارك نفسه! ولا يتهاون بالذكر فإن أجره عظيم. يقول الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]. قال الله في الحديث القدسي: (مَن ذكرني في مَلَإٍ ذكرتُه في مَلَإٍ خيرٌ منه) لأن هذا الذكر مستوجب للمحبة، والشكر مستوجب لمزيد النعمة، فإن شكرتَ يزيدك، وإن ذكرتَ يحبك؛ لذلك فإن مرتبة الذكر أعلى من مرتبة الشكر. قال -وهذا ينسب إلى موسى ﵇ (يا رب! كيف أشكرك ولك في كل شعرةٍ من بدني نعمتان: نعمة أن ليَّنت أصلها، وطمست رأسها) تصور لو أن الشعرة كانت مثل الشوكة هل تستطيع أن تنام أو تتحرك؟! لكن ليَّن لك أصلها. (لك في كل شعرةٍ من بدني نعمتان: نعمة أن ليَّنت أصلها، وطمست رأسها، قال: يا موسى! أما قد عرفتك ذلك فقد شكرتني). هذا الشكر يستوجب الذكر، وإن علمت أن الله ﵎ هو المتفضل عليك فلِمَ تغفل عنه، والمشاهَد في حياة الناس اليوم أن الواحد إن كان له طلب أو حاجة عند بعض الناس يذكره ليل نهار، ويخطط ويبحث عن أفضل السبل في استجلاب رضائه، فكيف لا تفعل هذا مع الله ﵎ وهو ملِك كل هذه الأملاك، ورب كل هذه الأرباب ﵎. فالمسلم إنما أُتِي مِن نفسه ومِن جهله. وكما قلنا فإن لدخول الخلاء ذكراً فلا تغفل عن ما علمك رسول الله ﷺ عند دخول الخلاء، أن تقول: (باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) أي: تقدم رجلك اليسرى وتقول الدعاء قبل أن تدخل دورة المياه؛ لأن ذكر الله محرم داخل هذه الأماكن. قال العلماء: الخبث جمع خبيث وهو: ذكران الجن. والخبائث: إناث الجن. كأنك تقول: اللهم إني أعوذ بك من الجن ذكرِه وأنثاه؛ لأن العلماء ذكروا أن -دورة المياه- أحد الأماكن التي يستقر الجن فيها، فإن قلت هذا أمِنْت من مسهِ لك، فمن الممكن أن يحدث لك مس في دورة المياه، فإن قلت هذا الدعاء كأنك تشرفت بِجُنَّة، ولَبِسْتَ جُنَّة ووقاية، فعندما تقضي حاجتك تخرج برجلك اليمنى، ثم تقول: (غفرانك). ما معنى غفرانك؟! أنت دخلت دورة المياه في دقيقة واحدة، فقضيت حاجتك، وخرجتَ، ولا توجد مشاكل، ولا أي شيء، وتبوَّلت في نصف دقيقة، فاذكر غيرك الذي ابتلاه الله بالفَشَل الكِلَوِي، يذهب أسبوعياً إلى المستشفى لأجل عمل غسيل كِلَوِي بمائة جنيه، وغيرك يجمع البول من الدم عن طريق جهاز، يظل أسبوعاًَ معذباً! معنى أن البول ينتشر في الدم فهذا يسبب ضيقاًَ، ويؤثر على خلايا المخ، ويستشعر المرء أن حياته لا قيمة لها، يظل أسبوعاً كاملاً أو يومين أو ثلاثة أو أربعة يتألم حتى يأخذوه إلى هذا الجهاز، فيجمع هذا البول من الدم فيستريح يوماً واحداً، ثم يبدأ العذاب من جديد. فإذا علمتَ أنك تخرج هذا البول في دقيقة أو في نصف دقيقة مع تقصيرك في حق الله ، وأنه لو أراد أن يعاملك بفعلك لانتقم منك، فتخرج بعدما قضيت هذه النعمة تقول: (غفرانك)، أي: رب اغفر لي؛ لأنك إن عاملتني بجنس تقصيري عذبتني وحبَسْتَ الأذى فيّ، وهذا معنى غفرانك، فإن استغفرت ربك حفظ عليك تمام هذه النعمة. أتعجز أن تقول: غفرانك أيها المسلم، وهي كلمة واحدة بعدما تقضي حاجتك؟! والإنسان إذا حبست فيه ريح فقط يكاد ينفجر، وهذه ريح، كما يقول بعض العلماء: بلغ من ضعف ابن آدم أن تؤذيه دقة، وأن تميته شرقة. انظر إلى الإنسان الذي طلع إلى الفضاء والقمر، وصنع القنابل الذرية والصواريخ والطائرات يموت بشرقة ماء، فهذا منتهى العجز والهوان، وأنت لا تدري متى تموت، فلِمَ تقصِّر -إذَنْ- في ذكر الله؟! إنك لا تدري: إذا جن عليك ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ إن الموت يأتي بغتة! كما قال الشاعر: الموت يأتي بغتةً والقبرُ صندوقُ العملْ وهذه الأذكار لا تكلفك شيئاً، بل تأخذ مزيداً من رعاية الله بك، فلِمَ تُغْفِلُها إذَنْ؟! إذا نمتَ على الوصف المذكور، فجعل الله عليك مَلَكَاً فإنه لا يقترب منك شيطان إطلاقاً وأنت نائم، آمن.

стр. 625

دعاء الاستيقاظ من النوم إذا قمت من النوم فقل: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور). أول ما تستيقظ تقول هذه الكلمة العذبة، ذكر فيه جمال؛ (الحمد لله الذي أحيانا) أنت نائم ميت، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، أي أن الله يتوفى الأنفس على قسمين: - التي ماتت. - والتي نامت. فكلاهما ميت؛ لكن هذا موتٌ أكبر، وهذا موتٌ أصغر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً﴾ [الزمر:٤٢]. فإذا نام -مثلاً- اثنان من الرجال، فأرواحهما تصعد إلى الله ، وكل إنسان ينام روحه تصعد، فإن كان أجله قد حان، لا ترجع إليه روحه، ويموت، وإن كان في العمر بقية يُرْسِل الله إليه روحه إلى أجلٍ مسمى. وهذا هو معنى الآية: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]. وأيضاً يتوفى التي ﴿لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]: الأرواح جميعاً عنده ﵎. ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢]: لا يرسلها إلى صاحبها، وتصير جثة. ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىً﴾ [الزمر:٤٢]: فدل أنك عندما كنتَ نائماً كنتَ ميتاً. ومثله أيضاً قوله ﷺ : (النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون). لماذا؟ لأن الله قال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦]، فلو ناموا لذاقوا الموت. فمِن كمال الاستمتاع في الجنة أن تكون مستيقظاً دائماً. وقد يقول رجل: وهذا البدن يتعب أليس له حق؟ نقول: إن بدنك الموجود الآن ليس بدنك في الجنة، فإن الله لما أذن بنزول الإنسان إلى الأرض أخذ روحه فركبها في هذا البدن الضعيف في الدنيا. ثم يموت فيتحلل وتزول هذه الأجساد كلها، فإن كان من أهل الشقاء فهذه الروح تَرْكَب على بدنٍ يناسب الشقاء، وإن كان من أهل النعيم وأهل السعادة، فهذه الروح ترجع إلى البدن الأول الذي يناسب الخلود. وفي الحديث الصحيح: (أن أهل الجنة على طول أبيهم آدم) وآدم ﵇ لما خلقه الله خلقه على ستين ذراعاً. والحديث في الصحيح، يقول فيه النبي ﵊: (خلق آدم على ستين ذراعاً، ولا يزال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة). - فأهل الجنة لا ينامون: فأبدانهم مهيأة لهذا الخلود، ورَشْحُهم المسك: -العرق- ولا يتبولون ولا يتغوطون، أي: ليس هناك دورة مياه، ولا أي شيء من هذا. - وثمر الجنة لا رجيع فيه؛ فإذا أكلت ثمر الجنة؛ فإن الجسم يأخذه كلَّه، ولا يَبْقَى منه شيء. - لهم كل جمعة نظرٌ إلى وجه الله : وهذا هو أجلُّ ما يتمتع به أهل الجنة. - وفي الجنة سوق كل يوم جمعة يلتقي فيه جميع أهل الجنة: الذين في جنات عدنٍ، والذين في الفردوس الأعلى، والذين في الجنات التي هي دون هذه الجنات العالية؛ لأن أحد الصحابة قال للنبي ﵊: إذا أنا مت لا ألقاك: لأنك في الفردوس، فقال النبي ﵊: (المرء مع من أحب) فما فرح -الصحابة- بعد الإسلام بشيء كفرحهم بهذا الحديث، يلتقون جميعاً: الأنبياء، والرسل، والمؤمنون. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلِّمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هَزْلَنا وجِدَّنا، وخطأَنا وعمدَنا، وكلُّ ذلك عندنا.

стр. 626

الشفاعة إن لنبينا محمد ﷺ مكانة عظيمة عند الله ، فقد خصه الله بالشفاعة العظمى يوم القيامة لأهل الموقف، حين يأتيه الناس طالبين إليه أن يشفع لهم عند الله في فصل القضاء، وهذه إحدى الفضائل التي ميز الله بها نبينا محمد ﷺ على سائر الخلق، وهذا الحديث دليل واضح على علو منزلة النبي ﷺ عند ربه. فالواجب علينا اتباع سنته، والتأسي به، ومحبته وتعظيمه، والدفاع عنه وعن سنته.

стр. 627

اختصاص النبي ﷺ بالشفاعة العظمى دون بقية الرسل إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵌: (أنه نهس نهسة من ذراع أعجبته، ثم رفع رأسه وقال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، ثم استقبل النبي ﵌ الحديث وفي آخره قال: تدنو الشمس من رءوس العباد ويقفون في موقف عظيم، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون من يشفع لنا؟ ألا ترون ما نحن فيه؟ فيقول بعض الناس: اذهبوا إلى آدم. فيذهبون إلى آدم فيقولون له: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، فهل تشفع لنا عند ربك؟! فيقول آدم ﵇: إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط، ولا يغضب بعده مثله قط، نفسي نفسي، وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لكن اذهبوا إلى نوح أول نبي أرسل. فيذهبون إلى نوح فيقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ألا ترى ما نحن فيه -يعني من الشدة والكرب- فيقول لهم نوح ﵇: لقد كانت لي دعوة فدعوتها، إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولا يغضب بعده مثله قط، نفسي نفسي. ولكن اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله اصطفاه واجتباه إليه. فيذهبون إليه فيقول لهم: إني كذبت ثلاث كذبات فأخشى أن أؤخذ بهن، إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضب قبل مثله قط، ولا يغضب بعده مثله قط، نفسي نفسي، ولكن اذهبوا إلى موسى. فيذهبون إلى موسى ﵇ فيقول لهم: إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضب قبل مثله قط، ولا يغضب بعده مثله قط، ثم يقول: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي، ولكن اذهبوا إلى عيسى. فيذهبون إلى عيسى ﵇ فلا يذكر ذنباً، لكنه يقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد ﵌، قال: فيأتي الناس جميعاً فيقولون: اشفع لنا، فأقول: أنا لها أنا لها، ثم أذهب عند قوائم العرش فأسجد وأدعو الله بدعوات يفتحها الله عليَّ، وأحمد بمحامد لم يفتحها على نبي قبلي، فيقول الله : يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط، قال: فأشفع للناس لفصل القضاء). جاء في حديث حذيفة في صحيح مسلم قال: (فمن أمتي من يمر على الصراط كالبرق، ومنهم من يجري على الصراط كالريح، ومنهم من يجري عليه كالطير، ومنهم من يجري عليه كسير الرجال -يعني الرجال الذين يقطعون المسافات بسرعة عالية- ومنهم من يمشي زحفاً، وعلى الصراط كلاليب -يعني: خطاطيف- تخطف من تؤمر بخطفه، فمخدوش ناجٍ، ومكردس في النار). قال أبو هريرة ﵁: والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفاً. هذا حديث الشفاعة العظيم، وقد قال النبي ﵌ في حديث ابن عمر: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وأكفى، أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا. بل هي للمسيئين الخاطئين المتلوثين، وإني لأشفع لأكثر من عدد رمل عالج) اعالج شاطئ عظيم جداً وطويل، لو عددت الرمل الذي على هذا الشاطئ لوجدته ألوفاً مؤلفة. وقد اختص النبي ﵌ بهذه الشفاعة دون بقية الرسل، لذلك قال في مطلع الحديث: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) ثم ساق بقية الحديث، فهذا يدل على أنه سيد ولد آدم، وأن الله لم يقبل شفاعة -يقصد الشفاعة الكبرى- إلا منه. انظر إلى أولي العزم من الرسل؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم جميعاً، أولئك أولو العزم، يعني: أفضل الرسل، وكل رسول أفضل من النبي؛ لأن كل رسول نبي وليس كل نبي يكون رسولاً. كل رسول أرسله الله برسالة إلى بعض الناس فهو نبي أولاً ثم رسول، أما النبي فلا يشترط أن يكون رسولاً؛ لأنه قد يعطى النبوة تشريفاً له، وعليه أن يؤمر بتبليغ شيء ما، كإدريس ﵇ مثلاً، ويعقوب ﵇، وبقية الأنبياء الذين أعطاهم الله النبوة تشريفاً لهم، بغير أن تقترن هذه النبوة برسالة إلى الناس. هناك رسل كثيرون، لكن أفضل الرسل هم أولو العزم، وهم خمسة، قال الله : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالرسل بعضهم أفضل من بعض، وهؤلاء الخمسة أفضل الرسل، ونبينا ﵌ أفضل الخمسة. فإذا كان حال أولي العزم من الرسل يوم القيامة أن كل واحد منهم يقول: نفسي نفسي، فما حالي وحالك أنت؟ نرتع في المعاصي كأننا ضمنا الجنة، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر إلى عظم من عصيت، لا تقل: إنه ذنب صغير، ولكن انظر إلى من عصيت وإلى عظمته وجلاله.

стр. 628

مراقبة الله وتعظيمه ينجي من الزلل إن الله تعالى يلوم العبد الذي لم يعظمه حق التعظيم، بينما تراه عندما يهم بمعصية يجتهد في أن يتوارى عن أعين الناس، والله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]. فانظر إليه كيف استعظم نظر العبد ولا يملك له شيئاً، حتى اجتهد في أن يتوارى عنه في حال المعصية، ومع ذلك لم يرع نظر الله ﵎ حين لا يراه المخلوقون. قيل: إن شيخاً من المشايخ أراد أن يختبر طلابه، ومن بين الطلاب الإمام الشافعي فقال الشيخ: ليأخذ كل واحد منكم ديكاً فليذبحه في مكان لا يراه فيه أحد، فأخذوا جميعاً الديوك وذبحوها ورجعوا، كل واحد توارى خلف حائط، عدا الإمام الشافعي فإنه رجع بديكه حياً، فقال له شيخه: أي بني! أعجزت أن تدخل مكاناً لا يراك فيه أحد، وتفعل كما فعل أقرانك؟ قال: نعم أيها الشيخ! فإنني ما دخلت في مكان إلا رأيت الله يطلع عليَّ، وقد اشترطت علينا أن لا نذبحه إلا في مكان لا يرانا فيه أحد. فكان هذا من فطنة الإمام الشافعي، فتنبأ له شيخه بمستقبل زاهر، فالإمام الشافعي جعل المراقبة العظمى هي المنوطة بهذا الأمر من الشيخ وليس مراقبة العبد.

стр. 629

خوف آدم ﵇ من ذنبه كما في حديث الشفاعة آدم ﵇ أكل من الشجرة، وقد غفر الله له ذنبه في حياته: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧] فهو يعلم أن الله قد تاب عليه، وهو يعلم أن الله أكرم من أن يعاتب العبد بذنب قد غفره له قبل ذلك، ومع ذلك يستحضر هذا الذنب في حال الشفاعة، ويقول: (وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، نفسي نفسي -خلوا بيني وبين معصيتي- إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط).

стр. 630

أهوال يوم القيامة وحال المتقين وحال الكافرين يوم القيامة يأتي العباد إلى الله يطلبون منه الرحمة، وقد كان أكثرهم ينفي عن الله صفات الألوهية والجبروت، ويأتي أولئك الصعاليك الذين كانوا يتعالون عليه في ملكه، لكن يوم الحساب لا تكون الرحمة إلا للمحسنين فقط: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] كانت الرحمة في دار الدنيا أقرب إليك من شراك نعلك لو اتجهت إلى الله، كما قال النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يا بن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لا تشرك بي شيئاً -ثم قلت: يا رب اغفر لي- أتيتك بقرابها مغفرة). قراب الأرض: يعني: لو أتيت بملء الأرض خطايا، لكن لا تشرك به شيئاً؛ لأن الشرك داء ليس له دواء إلا أن تنزع عنه، وأن تفر إلى ربك. الله هو الوحيد الذي لا يكون الفرار منه إلا إليه، أنت تفر من العبد إلى عبد آخر، وتفر من الأرض إلى أرض أخرى، أما الله فالفرار منه يكون إليه وحده؛ لأنه هو الذي ملك أقطار السماوات والأرض، ولا يستطيع أحد أن ينفذ إلا بسلطان منه، وقد كان النبي ﷺ يقول عندما ينام: (اللهم إني وجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، لا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك). إذاً قد كانت رحمة الله قريبة منك وأنت في الدنيا، أما الآن فإن الله قد غضب اليوم غضباً لم يغضبه من قبل ولا من بعد ذلك قط، فهو في ذلك اليوم سينزل الناس منازلهم التي يستحقونها، وسينزل الكافرين في جهنم وهذا منتهى غضبه، فهو لا يغضب بعد ذلك، ينزل الكافرين في جهنم، وينزل المتقين في الجنة، وهو لا يسخط على المتقين، قال الله : (. اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) هذا بالنسبة لأهل الجنة، أما بالنسبة لأهل النار فقد قال النبي ﷺ : (إن ضرس الكافر في النار مثل أحد) الكافر تكون هيئته في النار عظيمة جداً، ليس هذا الجسد الهزيل النحيل، فضرسه كجبل أحد، فما بالك بفكه، وما بالك برأسه وبقية جسده؟! وفي الحديث الآخر قال ﷺ : (غلظ جلد الكافر في النار مسيرة سبعين عاماً) سمك هذا الجلد مسافة أن يمشي رجل سبعين عاماً؛ لأن هذا أشد من جهة العذاب، فذلك الجلد الرقيق الذي إن أخذ لسعة من النار احترق، أصبح سمكه سبعون عاماً، حتى يشعر الكافر بحرق الجلد شيئاً فشيئاً، ويشعر بشدة النار. فهذا آدم ﵇ وهو أبو البشر وقد غفر له، ومع ذلك يخاف أن يأخذه الله بذنبه، فيريد أن ينجو بنفسه، المهم أن ينجو هو: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج:٢] تذهل: أي تنسى. تقابل الأم ولدها لا تعرف أن هذا ولدها، مع أنها حملته تسعة أشهر، وأرضعته سنتين، وخافت عليه حتى بلغ أشده لكن هناك تنساه وتذهل عنه؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من نوقش الحساب عذب) لم يقل: من دخل النار، بل من نوقش فقط. يقال: (إن رجلاً كان يعيش في جزيرة، فأنبت الله له شجرة رمان، وأخرج له عيناً من الماء، فكان يشرب الماء ويأكل من الرمان، وكان طيلة عمره يتفرغ للعبادة، ودعا الله أن يقبضه إليه وهو ساجد، فلما جاء موعد أجله قبضته الملائكة وهو ساجد، فقال الله : أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، قال: أي ربي، بل بعملي، فقال الله : إنه لا يظلم اليوم عندي أحد، ضعوا نعمة البصر في الميزان، وضعوا عبادة ستمائة سنة لهذا العبد مقابل البصر، فوضعوها في مقابل نعمة البصر فرجحت نعمة البصر عبادة ستمائة عام. فقال: خذوا عبدي إلى النار، فجعل يتوسل إليه ويقول: أي ربي برحمتك! أي ربي برحمتك!). والنبي ﷺ وضح هذا جلياً في الحديث المتفق عليه حيث قال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). فالله يحاسب عباده بالفضل لا يحاسبهم بالعدل؛ لأنه إن حاسبهم بالعدل أهلكهم، قال الله : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] هذا هو مقتضى العدل، أنه لو حاسبك على ما اقترفت لأهلكك من أول ذنب. فيوم القيامة يحاسب الله الناس بعدله -أي الكافرين- لا يظلم مثقال ذرة.

стр. 631

نوح ﵇ وامتناعه عن الشفاعة قال آدم: (ولكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول نبي أرسل -لعل له كرامة على ربه ﵎ فيقول نوح ﵇: إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط، وقد كانت لي دعوة فدعوتها). وهذا وضحه النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: (لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي). انظروا إلى رحمته ﷺ بنا، كل شيء كان يفعله لصالح أمته، مع أن أغلبهم لا يقيمون لهذا القرآن وزناً، ولا يقيمون لسنته ﷺ وزناً. وخرجت نابتة من المسلمين يقول أحدهم: (والله لا يكون المسلم الهندي أقرب إليَّ من النصراني المصري)، يعني: النصراني المصري أقرب إليه من المسلم الهندي، ما الذي جناه المسلم الهندي؟ لا شيء، إلا لأنه هندي بعيد الدار، ويزعمون أن هذا هو فهمهم، ولا يكون الإسلام إلا كما يفهمون. هذه القومية القبيحة التي جعلت الناس يعبدون التراب والأرض، ويغنون للتراب والأرض، ومن شعارهم: (أن الدين لله والوطن للجميع) الدين لله، بمعنى أن كل إنسان يعبد ما يشاء، حتى خرج علينا بعض من يتسمى بأسماء المسلمين، فينكر على الذي يجبر الناس على الصلاة، ويقول قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وهو جاهل لا يدري ما الدين في هذه الآية، إن الله أنزل هذه الآية ليقولها النبي ﷺ للذين يدينون بغير دين الإسلام، أما تارك الصلاة فلا إسلام له، وإلا كيف يكون مسلماً وقد تحلل من دينه شيئاً فشيئا حتى صار مضاداً له. سبحان الله! عندما تنظر إلى صنيع النبي ﷺ ، وتنظر إلى صنيع الأمة فإنك تقول: إنهم لا يستحقون شيئاً مما فعله ومما سيفعله من أجلهم، وها هو الرسول ﷺ يقول: (إني آخذ بحجزكم من النار ولكنكم تغلبونني -آخذ بحجزكم: أي أحجزكم عن النار، ولكنكم تتفلتون مني وتتهافتون في النار- ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويقربكم إلى الجنة، ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به)، فقد بلَّغ وأدى الذي عليه ﷺ ، ولم يبق إلا الذي علينا. فنوح ﵇ دعا دعوته المستجابة: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، وذلك حين قال هذه دعوة نوح ﵇، استجابها الله فوراً، ولم يعد لنوح دعوة مدخرة ليوم القيامة ليدعو الله ويشفع للناس، فيريد أن ينجو بنفسه فقال: (اذهبوا إلى إبراهيم) وإبراهيم كما قال الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] تصور عندما يكون أمة واحدة، كيف سيكون قدره عند الله ؟ وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]. عندما قالوا له: (اشفع لنا عند ربك، قال: إني كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي) ثلاث كذبات كذبها إبراهيم ﵇ ويخشاها، اثنتان منها في ذات الله ، كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كذب إبراهيم ثلاث كذبات: في قومه لما قال المشركون: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]-هذه الكذبة الأولى. الكذبة الثانية:- لما دعاه الناس إلى عيدهم فأراد أن لا يشارك المشركين في عيدهم، قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] وهذه الكذبة الثانية). الكذبة الأولى: أنه ﵇ حطم الأصنام ووضع الفأس على عنق الكبير، فلما رجعوا وجدوا الأصنام جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم يرجعون، فجاء جمع وأخبروا أحد المحافظين وقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٠] يعني: يذكرهم بسوء، أي: يسب آلهتهم، ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] فجاءوا به وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، هذه لا تعد كذبة إنما هي من المعاريض؛ لأن الأنبياء يستحيل عليهم الكذب، الكذب خاصة؛ لأنهم يبلغون كلام الله إلى الناس، وما آفة الأخبار إلا الكذب، فلا يجرب على نبي كذب أبداً.

стр. 632

معنى قوله ﷺ : (إنما كذب إبراهيم ثلاث كذبات) إن معنى قوله ﷺ : (إنما كذب إبراهيم ثلاث كذبات) فيقال: الكذب في الأصل هو قول غير الحق، سواء كنت عامداً أو غير عامد، فإن كنت مخطئاً يقال عليك: إنك كاذب، من باب التغليب، أي: أنك قلت غير الحق، أما مسألة أن تتعمد أو لا، فهذا شيء خارج عن حقيقة تعريف الكذب. لذلك لما جاء عبد الله بن محيريز إلى عبادة بن الصامت ﵁ فقال: إن هاهنا رجل يقال له: أبو محمد يقول: إن الوتر واجب، فقال عبادة: كذب أبو محمد، أي: قال غير الحق، ولم يقصد أنه افترى. وكذلك قول ابن عباس: كذب عدو الله، مع أن مولى زيد بن ثابت رجل مسلم، والمقصود بقوله: كذب، أي: أنه أخطأ، وقال غير الحق.

стр. 633

بيان الكذبة الثالثة أما الكذبة الثالثة: فهي أنه لما دخل مصر مع زوجته سارة، وكان حاكم مصر جباراً عنيداً، كان لا يرى امرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه واغتصبها، فقال إبراهيم لزوجته سارة: (إنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فإذا سألك فقولي: إنه أخي) يعني ليس زوجي. ما الذي دفعه إلى هذا القول؟ الذي دفعه إلى هذا القول، هو أن هذا الجبار كان إذا رأى امرأة جميلة متزوجة برجل قام وقتل الزوج وأخذ المرأة، بخلاف الأخ لا تكون غيرة الرجل على امرأته كغيرته على أخته، غيرته على امرأته أشد من غيرته على أخته. قال: فجيء بـ سارة وكانت من أجمل النساء، فأراد الجبار أن يقترب منها فدعت الله فشلت يده، فقال: ادعي الله لي ولا أقربكِ، قالت: اللهم إنه إن مات قالوا: قتلتِه، فرد الله له يمينه، فمد يده مرة أخرى فشلت يده بصورة أشد من الأولى، فقال: سلي الله أن يعافيني ولا أقربنك، فدعت الله فرفع عنه البلاء. فنادى للجماعة الذين أتوا بـ سارة، فقال لهم: إنكم أتيتموني بشيطان وليس بإنسان، فلما رأى أنها جميلة وأنها تشبه الملكات أخدمها هاجر، أعطاها هاجر أم العرب لكي تخدمها؛ لأنه رآها ليست أهلاً أن تعمل بيدها، إنما رأى أن تخدمها هاجر، فخرجت سارة بـ هاجر وأتت بها إبراهيم ﵇. هذه هي الكذبة الثالثة التي خشي إبراهيم ﵇ أن يأخذه الله بها.

стр. 634

بيان الكذبة الأولى فإبراهيم ﵇ لم يقل الحق في هذا، بمعنى: أنه قال شيئاً عرض به: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] هو يعلم أن الأصنام لا تنطق، وإنما أراد أن يلزمهم الحجة بذلك، وأن الأصنام لا تنطق ولا تنفع ولا تضر، وهذه في ذات الله ، هو يريد أن يثبت لهم أن أصنامهم لا تساوي شيئاً. هذه هي الكذبة الأولى، ونستأنف ذلك بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله تعالى. أقول قولي هذا؛ وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 635

بيان الكذبة الثانية الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ذكرنا في الخطبة الأولى أن إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات، وذكرنا الكذبة الأولى، والآن نذكر لكم الكذبة الثانية: وهي قوله ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وكان كما قال أهل التفسير: إن قوم إبراهيم كانوا يخرجون في عيد لهم، ويلزمون الجميع بالخروج، وعندما أتوا إلى إبراهيم وطلبوا منه أن يخرج معهم في عيدهم، تظاهر بالمرض، وقال: (إني سقيم) يريد أنه سقيم القلب لكفرهم. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠] أي فروا منه خشية أن ينتقل المرض منه إليهم، وبذلك نجا من أن يحضر أعياد الكفرة؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يحضر أعياد الذين يحادون الله ورسوله، وهذا بكل أسف يفعله المسلمون الآن، لا تراهم يحتفلون بعيد الفطر أو الأضحى مثلما يحتفلون بعيد رأس السنة الميلادية، وليس هذا فقط، بل يشربون الخمر، والمسلمون قد نهوا أن يحضروا أعياد المشركين الكافرين. وتنظر إلى هذا الغثاء وقد خرج كله من بيتك، وفي الحدائق يأكلون النتن، ويشاركون اليهود في عيدهم، فتقيم الدولة احتفالاً رسمياً بهذه المناسبات، أنَّى لهؤلاء أن ينتصروا؟ أنَّى لهؤلاء أن ينزل الله نصره وقد حادوه، ولا يقيمون لشرعه وزناً؟ وصل النفاق إلى درجة عالية عند هؤلاء، حتى أصبح مخالفة الإسلام عندهم أمراً هيناً لا يؤبه له، بينما مخالفة أسيادهم من المشركين والكفار هذا أمر عظيم. أحد الوزراء قال في مذكراته: إنه حضر مع رئيس سابق -ونشرت مجلة لبنانية نتفاً من مذكرات هذا الوزير- يقول: إنه ذهب مع الرئيس السابق الكنيسة، ثم إن الرئيس السابق أراد أن يكون كـ عمر، أذن الظهر، فقال ذلك الرئيس: يا جماعة تعالوا نصلي، وتقدم للإمامة. وهذا المسكين -أي: الوزير- كان جنباً، وزير يمشي جنباً، قال الصادق المصدوق ﷺ : (إنها ستكون سنون خداعة، يخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، وينطق فيها الرويبضة، قالوا: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) السفيه يكون رأساً، فهو الذي يأمر، وهو الذي ينهى، وهو الذي يتحكم، ومع ذلك يمشي جنباً!! لو أن هذا الوزير عندما رأى المسلمين قاموا إلى الصلاة ولم يصل، فسيقف بالباب ينتظرهم حتى يتموا الصلاة، لكنه استحيا من هذا الموقف، ولشده حيائه صلى وهو جنب. فانظروا إلى هذه الصورة وقيسوا عليها، وما خفي كان أعظم، والغريب أن تصل به الجرأة أن ينشر هذا الكلام على المسلمين. وأنا قد رأيت أحد المحافظين في صلاة الجمعة وقد التقطت له صورة مع رئيس سابق، ووضعوها في جريدة الجمهورية في أول صفحة، وهو يصلي وواضع يده اليسرى على اليمنى في الصلاة! ابن أربع سنوات أو ثلاث سنوات يعلم أن اليمنى هي التي توضع على اليسرى في الصلاة، وهذا المحافظ لا يعرف!! ألا يخاف أولئك أن ينزل الله غضبه عليهم، إن هذا الضنك الذي يعاني العباد منه، إنما هو بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] وليس يذيقهم كل الذي عملوا بل بعض الذي عملوا، ما العلة؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] لعلهم يتوبون من قريب، لعلهم يرجعون إلى ربهم، فيذكرهم الله ببعض ما كسبت أيديهم ليتوبوا. لا يجوز للمسلم أن يشارك في أعياد الكافرين، ولا أن يكثِّر سوادهم، فإبراهيم ﵇ لا ينبغي له أن يشارك قومه في أعيادهم؛ كيف يشاركهم وهو أمة وحده، وهو من يدعوهم إلى التوحيد: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] لذلك كانت هذه الكذبة في ذات الله .
следующие страницы →