← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

نوح ﵇ وامتناعه عن الشفاعة قال آدم: (ولكن اذهبوا إلى نوح فإنه أول نبي أرسل -لعل له كرامة على ربه ﵎ فيقول نوح ﵇: إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط، وقد كانت لي دعوة فدعوتها). وهذا وضحه النبي ﷺ في الحديث الصحيح قال: (لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي). انظروا إلى رحمته ﷺ بنا، كل شيء كان يفعله لصالح أمته، مع أن أغلبهم لا يقيمون لهذا القرآن وزناً، ولا يقيمون لسنته ﷺ وزناً. وخرجت نابتة من المسلمين يقول أحدهم: (والله لا يكون المسلم الهندي أقرب إليَّ من النصراني المصري)، يعني: النصراني المصري أقرب إليه من المسلم الهندي، ما الذي جناه المسلم الهندي؟ لا شيء، إلا لأنه هندي بعيد الدار، ويزعمون أن هذا هو فهمهم، ولا يكون الإسلام إلا كما يفهمون. هذه القومية القبيحة التي جعلت الناس يعبدون التراب والأرض، ويغنون للتراب والأرض، ومن شعارهم: (أن الدين لله والوطن للجميع) الدين لله، بمعنى أن كل إنسان يعبد ما يشاء، حتى خرج علينا بعض من يتسمى بأسماء المسلمين، فينكر على الذي يجبر الناس على الصلاة، ويقول قال الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وهو جاهل لا يدري ما الدين في هذه الآية، إن الله أنزل هذه الآية ليقولها النبي ﷺ للذين يدينون بغير دين الإسلام، أما تارك الصلاة فلا إسلام له، وإلا كيف يكون مسلماً وقد تحلل من دينه شيئاً فشيئا حتى صار مضاداً له. سبحان الله! عندما تنظر إلى صنيع النبي ﷺ ، وتنظر إلى صنيع الأمة فإنك تقول: إنهم لا يستحقون شيئاً مما فعله ومما سيفعله من أجلهم، وها هو الرسول ﷺ يقول: (إني آخذ بحجزكم من النار ولكنكم تغلبونني -آخذ بحجزكم: أي أحجزكم عن النار، ولكنكم تتفلتون مني وتتهافتون في النار- ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله ويقربكم إلى الجنة، ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به)، فقد بلَّغ وأدى الذي عليه ﷺ ، ولم يبق إلا الذي علينا. فنوح ﵇ دعا دعوته المستجابة: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، وذلك حين قال هذه دعوة نوح ﵇، استجابها الله فوراً، ولم يعد لنوح دعوة مدخرة ليوم القيامة ليدعو الله ويشفع للناس، فيريد أن ينجو بنفسه فقال: (اذهبوا إلى إبراهيم) وإبراهيم كما قال الله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] تصور عندما يكون أمة واحدة، كيف سيكون قدره عند الله ؟ وقال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]. عندما قالوا له: (اشفع لنا عند ربك، قال: إني كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي) ثلاث كذبات كذبها إبراهيم ﵇ ويخشاها، اثنتان منها في ذات الله ، كما في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (كذب إبراهيم ثلاث كذبات: في قومه لما قال المشركون: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٢ - ٦٣]-هذه الكذبة الأولى. الكذبة الثانية:- لما دعاه الناس إلى عيدهم فأراد أن لا يشارك المشركين في عيدهم، قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] وهذه الكذبة الثانية). الكذبة الأولى: أنه ﵇ حطم الأصنام ووضع الفأس على عنق الكبير، فلما رجعوا وجدوا الأصنام جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم يرجعون، فجاء جمع وأخبروا أحد المحافظين وقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٠] يعني: يذكرهم بسوء، أي: يسب آلهتهم، ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] فجاءوا به وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ﴾ [الأنبياء:٦٣]، هذه لا تعد كذبة إنما هي من المعاريض؛ لأن الأنبياء يستحيل عليهم الكذب، الكذب خاصة؛ لأنهم يبلغون كلام الله إلى الناس، وما آفة الأخبار إلا الكذب، فلا يجرب على نبي كذب أبداً.

стр. 632

معنى قوله ﷺ : (إنما كذب إبراهيم ثلاث كذبات) إن معنى قوله ﷺ : (إنما كذب إبراهيم ثلاث كذبات) فيقال: الكذب في الأصل هو قول غير الحق، سواء كنت عامداً أو غير عامد، فإن كنت مخطئاً يقال عليك: إنك كاذب، من باب التغليب، أي: أنك قلت غير الحق، أما مسألة أن تتعمد أو لا، فهذا شيء خارج عن حقيقة تعريف الكذب. لذلك لما جاء عبد الله بن محيريز إلى عبادة بن الصامت ﵁ فقال: إن هاهنا رجل يقال له: أبو محمد يقول: إن الوتر واجب، فقال عبادة: كذب أبو محمد، أي: قال غير الحق، ولم يقصد أنه افترى. وكذلك قول ابن عباس: كذب عدو الله، مع أن مولى زيد بن ثابت رجل مسلم، والمقصود بقوله: كذب، أي: أنه أخطأ، وقال غير الحق.

стр. 633

بيان الكذبة الثالثة أما الكذبة الثالثة: فهي أنه لما دخل مصر مع زوجته سارة، وكان حاكم مصر جباراً عنيداً، كان لا يرى امرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه واغتصبها، فقال إبراهيم لزوجته سارة: (إنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فإذا سألك فقولي: إنه أخي) يعني ليس زوجي. ما الذي دفعه إلى هذا القول؟ الذي دفعه إلى هذا القول، هو أن هذا الجبار كان إذا رأى امرأة جميلة متزوجة برجل قام وقتل الزوج وأخذ المرأة، بخلاف الأخ لا تكون غيرة الرجل على امرأته كغيرته على أخته، غيرته على امرأته أشد من غيرته على أخته. قال: فجيء بـ سارة وكانت من أجمل النساء، فأراد الجبار أن يقترب منها فدعت الله فشلت يده، فقال: ادعي الله لي ولا أقربكِ، قالت: اللهم إنه إن مات قالوا: قتلتِه، فرد الله له يمينه، فمد يده مرة أخرى فشلت يده بصورة أشد من الأولى، فقال: سلي الله أن يعافيني ولا أقربنك، فدعت الله فرفع عنه البلاء. فنادى للجماعة الذين أتوا بـ سارة، فقال لهم: إنكم أتيتموني بشيطان وليس بإنسان، فلما رأى أنها جميلة وأنها تشبه الملكات أخدمها هاجر، أعطاها هاجر أم العرب لكي تخدمها؛ لأنه رآها ليست أهلاً أن تعمل بيدها، إنما رأى أن تخدمها هاجر، فخرجت سارة بـ هاجر وأتت بها إبراهيم ﵇. هذه هي الكذبة الثالثة التي خشي إبراهيم ﵇ أن يأخذه الله بها.

стр. 634

بيان الكذبة الأولى فإبراهيم ﵇ لم يقل الحق في هذا، بمعنى: أنه قال شيئاً عرض به: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] هو يعلم أن الأصنام لا تنطق، وإنما أراد أن يلزمهم الحجة بذلك، وأن الأصنام لا تنطق ولا تنفع ولا تضر، وهذه في ذات الله ، هو يريد أن يثبت لهم أن أصنامهم لا تساوي شيئاً. هذه هي الكذبة الأولى، ونستأنف ذلك بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله تعالى. أقول قولي هذا؛ وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 635

بيان الكذبة الثانية الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ذكرنا في الخطبة الأولى أن إبراهيم ﵇ كذب ثلاث كذبات، وذكرنا الكذبة الأولى، والآن نذكر لكم الكذبة الثانية: وهي قوله ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وكان كما قال أهل التفسير: إن قوم إبراهيم كانوا يخرجون في عيد لهم، ويلزمون الجميع بالخروج، وعندما أتوا إلى إبراهيم وطلبوا منه أن يخرج معهم في عيدهم، تظاهر بالمرض، وقال: (إني سقيم) يريد أنه سقيم القلب لكفرهم. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠] أي فروا منه خشية أن ينتقل المرض منه إليهم، وبذلك نجا من أن يحضر أعياد الكفرة؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يحضر أعياد الذين يحادون الله ورسوله، وهذا بكل أسف يفعله المسلمون الآن، لا تراهم يحتفلون بعيد الفطر أو الأضحى مثلما يحتفلون بعيد رأس السنة الميلادية، وليس هذا فقط، بل يشربون الخمر، والمسلمون قد نهوا أن يحضروا أعياد المشركين الكافرين. وتنظر إلى هذا الغثاء وقد خرج كله من بيتك، وفي الحدائق يأكلون النتن، ويشاركون اليهود في عيدهم، فتقيم الدولة احتفالاً رسمياً بهذه المناسبات، أنَّى لهؤلاء أن ينتصروا؟ أنَّى لهؤلاء أن ينزل الله نصره وقد حادوه، ولا يقيمون لشرعه وزناً؟ وصل النفاق إلى درجة عالية عند هؤلاء، حتى أصبح مخالفة الإسلام عندهم أمراً هيناً لا يؤبه له، بينما مخالفة أسيادهم من المشركين والكفار هذا أمر عظيم. أحد الوزراء قال في مذكراته: إنه حضر مع رئيس سابق -ونشرت مجلة لبنانية نتفاً من مذكرات هذا الوزير- يقول: إنه ذهب مع الرئيس السابق الكنيسة، ثم إن الرئيس السابق أراد أن يكون كـ عمر، أذن الظهر، فقال ذلك الرئيس: يا جماعة تعالوا نصلي، وتقدم للإمامة. وهذا المسكين -أي: الوزير- كان جنباً، وزير يمشي جنباً، قال الصادق المصدوق ﷺ : (إنها ستكون سنون خداعة، يخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، وينطق فيها الرويبضة، قالوا: من الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة) السفيه يكون رأساً، فهو الذي يأمر، وهو الذي ينهى، وهو الذي يتحكم، ومع ذلك يمشي جنباً!! لو أن هذا الوزير عندما رأى المسلمين قاموا إلى الصلاة ولم يصل، فسيقف بالباب ينتظرهم حتى يتموا الصلاة، لكنه استحيا من هذا الموقف، ولشده حيائه صلى وهو جنب. فانظروا إلى هذه الصورة وقيسوا عليها، وما خفي كان أعظم، والغريب أن تصل به الجرأة أن ينشر هذا الكلام على المسلمين. وأنا قد رأيت أحد المحافظين في صلاة الجمعة وقد التقطت له صورة مع رئيس سابق، ووضعوها في جريدة الجمهورية في أول صفحة، وهو يصلي وواضع يده اليسرى على اليمنى في الصلاة! ابن أربع سنوات أو ثلاث سنوات يعلم أن اليمنى هي التي توضع على اليسرى في الصلاة، وهذا المحافظ لا يعرف!! ألا يخاف أولئك أن ينزل الله غضبه عليهم، إن هذا الضنك الذي يعاني العباد منه، إنما هو بما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] وليس يذيقهم كل الذي عملوا بل بعض الذي عملوا، ما العلة؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١] لعلهم يتوبون من قريب، لعلهم يرجعون إلى ربهم، فيذكرهم الله ببعض ما كسبت أيديهم ليتوبوا. لا يجوز للمسلم أن يشارك في أعياد الكافرين، ولا أن يكثِّر سوادهم، فإبراهيم ﵇ لا ينبغي له أن يشارك قومه في أعيادهم؛ كيف يشاركهم وهو أمة وحده، وهو من يدعوهم إلى التوحيد: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] لذلك كانت هذه الكذبة في ذات الله .

стр. 636

استحالة الكذب في حق الأنبياء ﵈ أما بالنسبة للكذب: فإنه لا يجوز في حق الأنبياء؛ لأن الكذب إنما يخرج من فم بني آدم، فإذا جرب على إنسان كذب فلا يمكن أن يوثق بشيء يخرج من فيه، لذلك كما عند الترمذي وغيره: (أن النبي ﷺ ما كان خلق أبغض إليه من الكذب). وقال ﵊ في الحديث الآخر: (على كل شيء يُطبع المؤمن إلا الخيانة والكذب)، لا يكون المؤمن كذاباً. وفي الحديث الصحيح في البخاري: (لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). الكذب جناية عظيمة، وما حرفت الأديان إلا بالكذب، لم يقع شيء قط إلا وترى أن الكذب من أصوله، فالكذب جناية عظيمة ينزه عنه الأنبياء، حتى لا يتطرق ذلك إلى البلاغ الذي يحملونه من الله إلى البشر، هذا بالنسبة للأنبياء. أما بالنسبة لغيرهم: فإن الكذب كله حرام غير ثلاثة أنواع من الكذب، ذكرها النبي ﷺ فيما رواه الترمذي وأحمد وغيرهما من حديث أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: (ثلاث من الكذب لا أعدهن كذباً -وفي رواية: لا أعباء بهن- كذب الرجل في الحرب، وكذب الرجل يصلح بين المتخاصمين، وكذب الرجل على امرأته). هذه الأنواع الثلاثة هي التي يمكن لنا أن نسميها تجاوزاً (الكذب الأبيض) وإلا فالكذب كله أسود، وذلك لما يتحمله العبد من الويلات ومن الحساب بسبب الكذب. إذاً: المعاريض تشبه الكذب ولكنها تختلف عنه في الحكم، ولذلك نحن قلنا: إن إبراهيم ﵇ لم يكذب إنما عرض بالكلام.

стр. 637

معنى التعريض والفرق بينه وبين الكذب التعريض يسميه علماء البيان: التورية، والتورية: هي أن يكون للكلمة معنيان: معنىً قريب، ومعنىً بعيد، إذا قلت الكلمة خطر على بال السامع المعنى القريب، وأنت تقصد المعنى البعيد. مثلاً لو قلت لي: تفضل كل، فقلت لك: إني صائم، كلمة صائم إذا سمعها أي إنسان ما الذي يخطر على باله؟ يخطر على باله أنني صائم عن الأكل والشرب، وقد أقصد أنني صائم عن اللغو، أو صائم عن الرفث، كما جاء على لسان مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] فعبر عن الكلام بالصوم، وكل شيء تنطق به يمكن أن تعبر عنه بالصوم؛ لأن الصوم في الأصل هو الإمساك. وهذا حدث لـ أبي هريرة ﵁، أنه نزل مرة على جماعة وكان يكره طعامهم، فقالوا: اقعد يا أبا هريرة وكل معنا، فقال: إني صائم، فلما كان في عصر ذلك اليوم رأوه يأكل فقالوا: كيف يا أبا هريرة تأكل وقد قلت إنك صائم؟ قال: ألم يقل النبي ﷺ : (من صام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنما صام الدهر كله). فهو ﵁ يصوم الثلاثة الأيام من كل شهر، فيعتبر صائماً كل الدهر. فهو صائم باعتبار ذلك الفهم، لا أنه صائم عن الأكل كما فهم الناس، فلا يقال: إنه كذب، إنما يقال: إنه عرّض بالكلام. الكلام له وجهان: وجه قريب، ووجه بعيد، إذا قيل الكلام فهم السامع منه الوجه القريب، وأنت إنما تقصد المعنى البعيد الذي لا يخطر على بال السامع. ورد أن أحد الخلفاء أراد أن يقلد سفيان الثوري منصب القضاء، وسفيان الثوري أحد الأئمة الأعلام الذين حفظ الله بهم هذا الدين- وكان يأنف القرب من المناصب، ويرفض القرب من هؤلاء الأمراء. وكما قال أحد السلف: إنك ما أصبت من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من دينك ما هو أعظم، فاقترب منهم قد تأخذ مالاً أو سيارة أو منصباً، وإذا أشرت بيدك قعد الناس وقاموا، لكنه مقابل هذا قد ترى الرئيس أو الأمير يظلم وأنت ساكت، ولا تستطيع أن تنكر؛ لأنه قد أعطاك أشياء كانت سبباً في سكوتك، بل قد يظلم وتكون عوناً له في هذا الظلم، وتفعل هذا من باب المجاملة، وكونه قد تفضل عليك بأشياء كثيرة. فكلما أعطاك من هذه الدنيا الفانية التي لا قيمة لها، كلما أخذ في مقابله ما هو أعظم من هذا الذي أخذته منه، لذلك كان السلف يأنفون القرب من الحكام، مع أن أمراء ذلك الزمان كانوا هم حكام الدنيا والدين، وكانوا يدينون بالإسلام، ومع ذلك فعلماء السلف كانوا يكرهون أن يقتربوا منهم. فأراد أمير المؤمنين أن يحمل سفيان الثوري على القضاء وهو لا يريده؛ لأن النبي ﷺ قال: (من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين) لأن القاضي قد يخطئ، وقد يجامل، وقد يحكم على إنسان وهو غضبان، مع أنه لا يحل له أن يحكم وهو غضبان، ولأنه قد يعتريه ما يعتري البشر من الغضب والرضا، ومن الخطأ، ومن المجاملة، ومن قسوة القلب، وكل هذا يؤثر على قضائه وحكمه في القضايا. فأنت مسئول أمام الله عن هذا الذي ظلمته: فكان الواحد منهم يخاف على نفسه، لكن أمير المؤمنين أصر على أن يتولى سفيان الثوري القضاء، فهرب سفيان، فأرسل الشرطة وراءه فأحضروه، فلما أتي بـ سفيان الثوري ودخل على الخليفة تظاهر بالجنون، وتحسس السجاد تحسس المجنون، ويقول: بكم اشتريتم هذا؟ ليقول الخليفة: هذا رجل مجنون لا يصلح للقضاء. لكن ما كان يغيب على أمير المؤمنين سمعة سفيان، وأنه إمام رباني، انتشر ذكره في الناس بكل خير، ففي مرة من المرات كان سفيان مع أمير المؤمنين، وجعل أمير المؤمنين يتحدث عن القضاء، فخاف سفيان أن يوليه القضاء، فاستأذن في الخروج لقضاء الحاجة، فقال الخليفة: إنك إن خرجت لا تأتينا يا سفيان، قال: والله لآتينك، فانطلق حافياً، ثم خرج ورجع سريعاً فقال: نسيت حذائي. فلبس حذاءه وخرج ولم يرجع، فقال الخليفة: أين الرجل لقد أقسم أنه سيجيء؟ قالوا: نعم قد رجع فأخذ حذاءه وانصرف. فهذا من المعاريض. أراد أمير المؤمنين أنه بعد أن يرجع سفيان يقوم بتوليته القضاء، لكن سفيان كان فاهماً ما يريد منه الخليفة، ولأنه لم يأذن له بالخروج إلا بعد أن أقسم بأنه سوف يعود، فعمد سفيان إلى حيلة وهي أنه خرج بدون حذاء؛ ثم رجع وأخذ حذاءه وانصرف، حتى يبر بقسمه. وهذا الإمام المروذي أحد أصحاب الإمام أحمد بن حنبل رحم الله الجميع، كان عليه دين لبعض الناس، فلما جاء صاحب الدين ليطالب المروذي قبل أن يصل خرج المروذي من بيته ودخل بيت الإمام أحمد، وقال للإمام أحمد: سيأتيني الرجل يطلب دينه وليس عندي مال، فقال: ادخل. فجاء الرجل فطرق باب الإمام أحمد ثم قال له: المروذي هنا؟ فإن قال له: نعم إنه هنا لفائدة من هربه. فقال الإمام أحمد وأشار إلى كفه ما يفعل المروذي هنا وأشار إلى كفه، فظن الرجل أنه يمكن أن يكون في البيت، فالإمام أحمد إنما أشار إلى كفه، والمروذي ليس في كفه، فهذا اسمه تعريض، وهو يشبه الكذب ولكنه يختلف عن الكذب في الحكم، فهذا التعريض إنما يكون في المباح. أما أن تعرض لأجل أن تأكل حقوق الناس، فهذا كذب وليس بتعريض، ولذلك فالمسلم الذكي العاقل هو الذي يستفيد من هذه المعاريض في إصلاح بيته، فكان النبي ﷺ يقول: (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه) والضلع: هو العظم الذي في رأسه ميل واعوجاج، فالمرأة خلقت معوجة في طباعها وأخلاقها، مثل المكان الذي خرجت منه وهو الضلع. (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاقبلوهن على عوج)، لو علم المسلم هذه الحقيقة، لعرف كيف يتعايش مع الزوجة بدون مشاكل، امرأة خلقها الله معوجة، فإن أردت أن تقيمها فلا تستطيع، وإنما تتعايش معها مع بقاء العوج فيها؛ لأنها مجبولة على ذلك، ويكون التعايش مع المرأة بالمداراة، وبالمعاريض، وبالصبر عليها، خاصة إذا كانت الأخطاء التي تصدر من المرأة لا تخالف الشرع، وإنما أخطاء لا تنفك عنها الحياة الزوجية. ولا يستطيع الرجل أن يفعل أفعال المرأة أبداً، لماذا؟ لأن الرجل مجبول على شيء والمرأة مجبولة على شيء آخر، فلذلك الأئمة يقولون في هذا الحديث: إن فيه مداراة المرأة، بمعنى: أن على الرجل أن يقبل منها الشيء من غير تضجر، وله أن يكذب عليها -ليس الكذب المطلق- كما في حديث أسماء بنت يزيد: (ثلاث من الكذب لا أعدهن كذباً كذب الرجل على امرأته) قال الإمام النووي ﵀: أما كذبه عليها لأجل أن يأكل حقها فهذا حرام بالإجماع، كأن يأخذ الذهب الذي هو ملكها ويقول لها: عندي مشروع وأريد منك الذهب، وأول ربح أدفعه لكِ وهكذا، وهو ينوي في ضميره أن لا يرده إليها، فهذا حرام عليه أخذه منها؛ لأنه ملكها، وقد يكون صداقها الذي به استحل فرجها، والصداق هو أطيب مال المرأة، فيأخذه ولا ينوي إرجاعه، فهذا يعد كذباً محضاً، وهو حرام بالإجماع. فهذا الذي فعله إبراهيم ﵇ يعد من المعاريض ولا يعد من الكذب، لذلك قال الإمام القرطبي والإمام الحافظ ابن حجر: إن هذه ليست كذبة، إنما هي كذبة من باب اللغة فقط، يعني من باب التسمية اللغوية فقط، فبعد أن اعتذر إبراهيم ﵇ عن أن يشفع لهؤلاء الناس قال: اذهبوا إلى موسى.

стр. 638

موسى ﵇ واعتذاره عن الشفاعة بسبب ذنبه فلما ذهبوا إلى موسى ﵇ وهو كليم الله، ومن أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن؛ لأنه أرسل إلى جبار عنيد، ألا ترى أن موسى ﵇ له حظ من الذكر في غير ما سورة من القرآن؟ ومع ذلك لم تأت سورة باسم موسى، كما سميت بعض السور باسم هود، ويونس -مثلاً- أو مريم. أرسل الله موسى إلى فرعون ذلك الجبار الطاغية، ونافحه كثيراً جداً كما تعلمون من قصته، فقال لأولئك الذين أتوا إليه ليشفع لهم عند الله في فصل القضاء: (إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها) كما ورد في سورة القصص، وهي: أن موسى ﵇ رأى رجلاً من قومه يقاتل قبطياً، فوكزه موسى فقضى عليه، فهذا هو الذي عناه موسى، مع أن الله غفر له حيث قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص:١٦] وقال: (إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضبه قط -فخاف أن يعاقب بهذا الذنب، فقال لهم-: (اذهبوا إلى عيسى).

стр. 639

عيسى ﵇ واعتذاره عن الشفاعة وعيسى ﵇ لم يذكر ذنباً؛ لأنه لم يذنب، ظل على الأرض سنوات قليلة ثم رفعه الله إليه، ولقد ورد كما في الأحاديث الصحيحة المتواترة في الصحيحين وغيرهما بأن عيسى ﵇ سينزل في آخر الزمان ويحكم بشريعة نبينا ﷺ ، ويكون هذا ختام خروج الدجال. من شرف هذه الأمة أن عيسى ﵇ يصلي مأموماً خلف المهدي، قال بعض العلماء: حتى لا يتصور بعض الناس أن عيسى قادم بشرع جديد، بل هو من هذه الأمة، ويحكم بشرع هذه الأمة، ويصلي خلف أئمتها، وهذا ثابت في صحيح مسلم، قال النبي ﷺ : (كيف أنتم وابن مريم منكم). وفي الحلية لـ أبي نعيم الأصبهاني: أن المهدي ﵁ -وهو من آل بيت النبي ﷺ سيكون هو قائد الطائفة المنصورة، لقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، قيل: أين هم يا رسول الله؟ قال: هم بالشام يومئذٍ). ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين

стр. 640

العصبية للدين العصبية للدين أمر ممدوح شرعاً، ودليل على مدى تمسك المسلم بعقيدته ودينه، وهي واجبة ضد أعداء الدين ومؤامراتهم، ولا يقبل فيها بما يسمى بالتسامح الديني والأخوة الإنسانية. أما العصبية المذمومة فهي التي يكون أساسها الخلاف بين المسلمين في المسائل الفرعية التي تحدث التمزق والشقاق وتلغي المحبة والمودة بين المسلمين، وقد بينت السنة مواقف الصحابة في هذ الباب، واعتمادهم أدب الخلاف في المسائل التي يسعهم الخلاف فيها.

стр. 641

العصبية للدين بين المدح والذم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أما بعد فقد جرت كلمة لها مشتقات ومترادفات على ألسنة الناس، سواء ممن يكنون العداء للإسلام والمسلمين، أو ممن يظهرون الولاء له، والله أعلم بنياتهم، إنما كل مدار كلامهم يدور على الذم لهذه الكلمة ولمشتقاتها، وهي كلمة: (العصبية)، فيقولون: ليس في الإسلام عصبية، ولا تعصب، ولا عصبة، وهذه مشتقات، وكلامهم هذا إن كان له وجه صحيح؛ فله وجوه كثيرة من الخطأ والباطل، والله أعلم بنيتهم: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩]، فلا نشق عن صدورهم ولا ننقب عما في قلوبهم، وندع ذلك لرب الأرباب، ولكن يجب أن نعيد الحق إلى نصابه بالدلائل النيرات، والحجج الدامغات: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال:٤٢]. إنه لا يجوز أن نأتي على مصطلح إذا أطلقه الإنسان كان دليلاً على الانحراف فيجرف تحته أئمة من أئمة المسلمين كانوا يوماً ما يطلق عليهم هذا الاصطلاح كدليل على الصلاح والاستقامة على السنة، مثلاً: الصوفية نراهم يعدون الإمام أحمد بن حنبل والجنيد والثقفي في الصوفية. وهؤلاء السادة كانوا من أتبع الناس للسنة، وإنما كان مصطلح الصوفية عندهم لا يتعدى أن يكون هو الزهد في ملذات الحياة فقط، والترفع عن الدنايا، لأن له أصل أصيل في السنة، فلما دار الزمان وصار مصطلح الصوفية علماً على الانحلال والانحراف عن السنة والقول بالاتحاد ووحدة الوجود إلى كل هذه الأشياء الكفرية، صار لا يجوز لنا في هذه الحال أن نقول: إن الإمام أحمد بن حنبل كان صوفياً، لما وقر في أذهان الناس أن الصوفي له علامات كذا وكذا. وإن كانوا يطلقون عليهم قديماً لفظة صوفي بالتعريف القديم، لكن الصوفي الآن له تعريف آخر يختلف عن تعريف القدماء لمعنى الصوفية، فالحاصل أنه لا يجوز لنا أن نأتي على شيء حادث يدل على أشياء مشوهة فنأخذ به القدماء، لما يعمي ذلك عند الناس ويضيع الحق والحقيقة. مصطلح العصبية يجب أن يتبدى واضحاً جلياً، كلنا ننكر التعصب والتنطع والعصبية في فروع الدين، يجب أن يكون في صدرك محل لخلاف أخيك، فرجل يرى هذا الرأي الفقهي وآخر يرى غيره، إننا نمقت العصبية، وهي أن يختلف أصحاب الدين الواحد في مسألة فرعية تؤدي بهم إلى الشقاق والتناحر، مثلما حدث منذ خمسين سنة فقط، وما زالت العلامة على هذا الحادث موجودة حتى الآن، فالذي يدخل الجامع الأزهر يجد أربعة محاريب -المحراب هو المقوس في القبلة- محراباً للشافعية، ومحراباً للحنفية، ومحراباً للمالكية، ومحراباً للحنابلة، لماذا يا قوم؟! أليس دينكم واحد وقبلتكم واحدة وربكم واحد ونبيكم واحد وقرآنكم واحد؟ ما معنى أن هذا شافعي وهذا مالكي وهذا حنبلي وهذا حنفي؟ وليس الأمر واقفاً على مجرد هذه التسميات، إنما كان له أثر في تفكك علاقة المسلمين، فكان الشافعية يرون أن الفجر يصلى بغلس، أي: يصلي الفجر في أول وقته وما زال الظلام يغطي الدنيا، فكان الشافعية يرون استناداً إلى حديث عائشة في الصحيح أنها قالت: (كنا نصلي الفجر مع النبي ﵌، ثم نخرج لا يرى بعضنا بعضاً من الغلس -أي: من الظلام-) فهذا يدل على أن الفجر يصلى في أول وقته، وكان الشافعية يبادرون إلى الصلاة في أول الوقت. أما الحنفية فكانوا يرون أن الصلاة لا تكون إلا بعد إشراق النهار، ليس إشراق الشمس، ولكن بعد بزوغ النهار، وكانوا يستندون أيضاً إلى حديث صحيح رواه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: (أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر)، فقالوا: إنه يجب أن نسفر، ومعنى الإسفار هو: بزوغ النور بعد رحيل الظلام، فقالوا: إنه أعظم للأجر، فيجب علينا أن نصلي الفجر بعد أن يبزغ النور. فيقوم الشافعية يصلون في محرابهم، والحنفية قاعدون ينتظرون إمامهم، فإذا انتهى الشافعية من الصلاة؛ جاء الحنفية واستأنفوا صلاة الفجر. إننا نكر أشد الإنكار هذا النوع من التعصب الذي كان من نتيجته أن صار المسلمون أحزاباً، ننكره ونجحده ونكفره ولا نقر به، فإن قال قائل: فما وجه الجمع بين ما رآه الشافعية والحنفية، وحديث عائشة ﵂ يوضح أن الصلاة في أول الوقت، وحديث أبي رافع الذي احتج به الأحناف يوضح أن الصلاة تكون بعد أن يسفر الليل؟ فيقال: جمع ابن خزيمة والطحاوي وغيرهما من العلماء بين الحديثين، فقالوا: يبدأ في الصلاة على وقتها فما يخرج منها إلا بعد أن يسفر النور، فمعنى قوله ﵌: (أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر) حضٌ على إطالة الصلاة من أول وقتها في الغلس حتى يسفر الفجر، فنبدأ الدخول فيها بغلس ونخرج في النهاية بعد أن يسفر النور، ويدل عليه أن أبا بكر الصديق ﵁ صلى بالمسلمين الفجر حتى أشرقت الشمس وهم يصلون، فقالوا: (يا خليفة رسول الله! طلعت علينا الشمس! فقال لهم: طلعت، فلم تجدنا غافلين). يريدون أن يتراشق المسلمون بسهام الملام بعضهم مع بعض لمجرد الاختلاف في مسألة فقهية. وننكر أيضاً أن يتكلم الرجل عن جهل، ولا يقدر هذا الدين قدره، إنما يتكلم فيه العلماء الذين ينطلقون من الأصول، أما الذي لا يُنْكر في معنى العصبية فهو أن تتعصب لدينك وألا تقدم عليه شيئاً، فالعصبية هنا واجبة، بل عدم وجود العصبية خلل في إيمانك، فالعصبية هنا شيء حقيقي وهو وقود الإيمان؛ لأن الإنسان إذا عرف أنه متعصب لشيء ما، فيعلم أنه شديد الاعتزاز به شديد الحب له؛ لذلك يقال: فلان متعصب جداً، ما الذي جعله يتعصب؟ اعتزازه بما يراه، وحبه الشديد له، فدينك يجب أن تتعصب له، ويجب ألا ترضى بالدنية فيه، وهذا ما أرادوا أن ينفوه من قلب المسلم لا تعصب! وخرجت علينا بدعة التسامح الديني، والتسامح الديني إنما في حق المسلمين فقط، ويجب على المسلمين أن يتسامحوا دينياً، أما غيرهم فهم في منتهى التعصب ولا يلومهم أحد، وهي منقبة لهم، لماذا تذكرون تسامح الإسلام ولا تذكرون عصاه وقوته؟ وهل كان النبي ﵌ يتسامح إلى ما لا نهاية.

стр. 642

مصطلح (التسامح الديني) والهدف من نشره بين المسلمين إن التسامح إلى ما لا نهاية هو الضعف بعينه. رجل يتلقف الضرب يمنة ويسرة ثم يقول: سامحه الله! إلى متى يضرب فيسامح؟ يجب أن يكون هناك حد يعرف به الضارب المعتدي أن هذا التسامح لم يكن عن خور أو ضعف. إن الشاعر عمرو بن أبي عزة لما شبب بالمسلمين وبنساء المسلمين وهجا النبي ﵌ في شعره، قال النبي ﵊: (من لي بـ عمرو بن أبي عزة؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) فأخذوه وأتوا به، فاعتذر للنبي ﷺ وشكى له أنه مشفق وحاجة عياله إليه، وقال له: كن خير آخذ! فسامحه على ألا يعود، فاستنفر المشركون الشاعر مرة أخرى، فهجا النبي ﵌ وشبب بنساء المسلمين وذكر عوراتهن، فقال النبي ﵌: (من لي بـ عمرو بن أبي عزة؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) فجاءوا به، فاعتذر وقال: تبت وأنبت ورجعت، وهذه آخر مرة، فتركه. فلما مني المشركون بمقتل رؤسائهم في غزوة بدر، وصار أبو سفيان يعبئ المشركين واليهود لقتال النبي ﷺ في غزوة أحد؛ استعانوا بلسان الشاعر عمرو بن أبي عزة؛ لأنه كان سليط اللسان، وقالوا: اهجه ونحن نحميك، فهجاه هذه المرة هجاءً لاذعاً، فقال ﵊: (من لي بـ عمرو بن أبي عزة؛ فإنه قد آذى الله ورسوله؟) فجاءوا به، فجعل يشكو: آخر مرة، ويطلب السماح والعفو، فقال النبي ﷺ : (لا، والله لا أدعك تمشي في طرقات مكة فتقول: ضحكت على محمد مرتين، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) فصارت مثلاً، وأمر به، فقتل. التسامح له نهاية، ليس هناك تسامح إلى ما لا نهاية، وليس هناك جهل وهجوم وجسارة إلى ما لا نهاية، كل شيء له حد: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]. لماذا تقول دائماً: إن الله غفور رحيم، وتركن إلى هذه المغفرة وهذه الرحمة ولا تذكر عذابه؟! إنك لو ذكرت عذابه ما انتهكت حرماته، ولكن غرك حلمه، وأنه لا يأخذ العاصي بعصيانه في الحال، فتقول دائماً: إن الله غفور رحيم، رحمته واسعة ولو ذكرت عذابه لوقفت عند حدوده. إن التسامح له نهاية، لماذا التسامح الديني في حق المسلمين فقط؟ فإن أظهر أحد المسلمين تعصباً لدينه يدينونه ويمقتونه ويقولون: الإسلام دين التسامح! الإسلام دين الرحمة! أين عصا الإسلام التي أدب بها شرار البشر، أين ذهبت أيها المسلمون؟ إن التسامح الديني بدعة ابتدعها المشركون ليقتلوا الحمية في قلوبكم لدينكم، يتمعر وجهك في المرة الأولى، وفي المرة الثانية يتمعر أقل، ثم أقل فأقل، حتى يموت ذلك الوقود الذي في قلبك، وحتى تموت النفس اللوامة التي يتميز المسلم بها عن سائر الناس في الأرض. ألا ترى أن هذا حالك، خذ مثلاً: جهاز التلفزيون وأنت ترى امرأة عارية ترقص، فإن كنت حديث عهد بالنظر؛ وضعت عينيك في الأرض، أو تشاغلت بأي شيء حتى ينتهي ذلك المشهد، ثم لا تلبث أن تعود، وفي المرة الثانية راقب حالك وسترى أنك أقل ازوراراً لهذا المنكر، نظرت إليها دقيقة ثم ازوررت بعينيك حتى انتهى المشهد، فإذا تكرر المشهد مرة ثالثة تموت النفس اللوامة، ولو ماتت النفس اللوامة من المسلم؛ ارتكب كل فجور على وجه الأرض، إثباتاً لقول النبي ﵌: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) أي: إذا ماتت نفسك اللوامة التي تحجبك عن المعاصي والخبائث فاصنع ما شئت. إن بدعة التسامح الديني التي ابتدعها المشركون ووردوها لنا على ألسنة عملائهم من العلمانيين الذين ينددون بأي شيء، ووصل التنديد بالذين يقولون: (إن صلاة الجماعة في المساجد واجبة، بمعنى أن الذي يصلي في بيته وهو قادر على أن يصلي في الجماعة بغير عذر له أنه آثم يقولون: إن هذا تجني، إن ديننا فيه سعة والنبي ﷺ قال: (صلاة الرجل في الجماعة تعدل صلاة الفذ بسبع وعشرين). قوله: (صلاة الفذ) أي: صلاة الفرد. تعدل درجة من سبع وعشرين درجة، مما يدل على صحة الصلاة، نحن لا نناقش أن صلاته باطلة، إنما نناقش هل هو آثم أم لا، لقد كان ابن مسعود كما روى مسلم في صحيحه يقول: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن، ولقد رأيتنا ما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد رأيت الرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) فالرجل الغير قادر على أن يقف على قدميه في الصف، يحمله اثنان لكي يستوي في الصف. فيقولون: يجب أن يكون هناك تسامح ديني، نقول: نعم تسامح ديني في المسائل الفرعية، لكن أن تعتدي على عقيدتي وتريد أن أتسامح هيهات هيهات!! ذلك خدش وشرخ في إيمان المسلم، وقد يظهر في إيمانه كله. ولعلكم تذكرون، وأقول: لعلكم؛ لأن المسلمين أصيبوا بداء النسيان، ألا تذكرون يوم ضربنا في (٦٧) وهزمنا شر هزيمة، قال أحد جنرالات إسرائيل: (الآن أخذنا بثأر إخواننا في خيبر)، أين خيبر وأين أنت أيها الجنرال؟ خيبر على أيام النبي ﷺ ، وهو الآن في القرن العشرين لا ينسى ما فعله النبي ﷺ بيهود خيبر، لا ينسون، ليت أن لنا ذاكرة كذاكرة اليهود فلا ننسى. داؤنا النسيان، سرعان ما ننسى الإساءة حتى وإن كانت في عقر دارنا، أقول: لعلكم تذكرون مصرع الرئيس السابق لما أهلكه الله وجاء الكفرة يشيعونه -وقبض على المسلمين وهذا أمر طبيعي- وقد قال النبي ﷺ : (من أحب قوماً حشر معهم) فجاء الرؤساء الكفرة الذين لا يغنون عنه من الله شيئاً، وصلاة الجنازة المقصود منها دعاء المسلمين للميت، فهؤلاء شفعاء للميت، والنبي ﷺ يقول: (من صلى عليه أمة من الناس غفر له) وفي الحديث الآخر: (من صلى عليه أمة من الناس فيهم أربعون صالحاً غفر له) هذه نفعية صلاة الجنازة: الدعاء للميت، آخر ما يأخذه منكم في دنياه أن تدعوا له بالرحمة؛ لأنكم ستنسونه بعد ذلك. لذلك من الظلم البين والعدوان على الميت أن يقف المشيعون في خارج المسجد ولا يصلى عليه إلا أربعة أو خمسة، لماذا يا قوم؟ إن الميت لا يستفيد من خطواتكم وراءه شيئاً، خطواتكم لا تشكل له شيئاً، إنما الذي يشكل له دعاؤكم له، فما بالكم ظلمتموه، آخر شيء يأخذه منكم ضننتم به عليه، المقصود من صلاة الجنازة دفعة من الرحمات يأخذها الميت قبل أن يلقى ربه. فلما جاء الناس يشيعون الرئيس السابق وكان منهم صديقه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، فالذي ذهب إلى القاهرة ونظر إلى المسافة بين المنصة التي دفن أمامها وبين الفندق الذي نزل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي يجد أن المسافة نحو أربعة كيلو مترات أو أكثر، فهذا في أول شارع الطيران من هناك، والمنصة في شارع النصر، أربعة كيلو مترات أو خمسة. وصادف أن يوم الدفن كان يوم سبت، والتوراة تحرم على اليهود في يوم السبت أن يركبوا الدواب أياً كانت؛ فماذا فعل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق؟ أصر على أن يمشي من الفندق إلى المنصة، وهذا يكلف تكاليف أمنية رهيبة، فوزير العدو الإسرائيلي يمشي على قدميه في شوارع القاهرة، إذاً لابد له من حراسة في الأرض وفي السماء، أربعة كيلو مترات يمشيها ويصر عليها، لأن التوراة تحرم عليه أن يركب في يوم السبت شيئاً. فأين المغفلون، هل وصفوا هذا الرجل بالتعصب؟ ما سمعنا أن هذا الرجل متعصب متزمت أو أنه زجر، أو أنه عيب عليه، بل قد كلف أجهزة الأمن تكلفة باهضة؛ لأنه مشى على قدميه أربعة كيلو مترات، وانظروا إلى حمايته، وما تكبدته الشرطة المصرية من حشود وجنود، وكانت البلد هرج مرج، لا يأمن أحد عاقبة شيء، فانطلق يثبت التوراة، في حين أن المسلمين يرمون القرآن وبعضهم يدوس عليه. لكن وجدنا من المسلمين من إن لم يفعل هذا الفعل فعله معه من جهة أنه لا يعيره اهتماماً ولا يقيم لأحكامه وزناً، فيذهب الرجل من هؤلاء ويلبس الكوفية السوداء؛ حزناً على من مسخهم الله قردة وخنازير في يوم السبت؛ ولأن هذا من المراسم، ولا يرى أن هذا عاراً ولا شناراً ولا رجعية ولا تخلفاً، ولا يرى أن هذا تدنساً، ويرى أنه معتز بدينه، ويرفع أنفه شامخاً في وسط أشباه المسلمين الذين يتبرءون من دينهم. العصبية هنا جزء لا يتجزء من الإيمان، والذي يتسامح في هذه العصبية نقول له: جدد إيمانك، وانظر إلى نفسك، إنما نفرق بين العصبية للدين وبين العصبية في فروع الدين، في فروع الدين: لا نتعصب ونطلب الحق على حسب الأصول المتفق عليها عند علماء المسلمين، أما العصبية للدين التي هي الحب له والانتقام له وأن يتمعر وجهك -على الأقل- له، فهذا جزء من الإيمان لا يتجزأ. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 643

ظاهرة تحلل المسلمين من دينهم الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ذكر أحد الوزراء في مذكراته أنه بينما كان على مأدبة عشاء أو غداء -وفيها الخمر بطبيعة الحال؛ لأنها كانت في بلاد أوروبا- فإذا به يمسك السكينة بيده الشمال ويمسك الشوكة بيده اليمين ويأكل، قال: فرأيت غضباً على وجوه بعض من كان على المائدة، يعني: الجهة التي استضافت هذا الوزير، قال: وكادت أن تحدث أزمة دبلوماسية بسبب أنه أكل بيده اليمنى، لولا أنه تدخل شخصياً وقال: إنها عادة! ونفى أن يكون فعلها لأنه نهي عن الأكل بالشمال. هذا موقف عابر لعل المرء يقرؤه وهو غير عابئ به؛ لكنك إذا تأملت هذه الكلمات، واستحضرت عداوة عدوك ولم تنسها -على عادة المسلمين بعد ما ضعفت ذاكرتهم- وجدت أن هذا الموقف يمثل معانٍ كثيرة، ما الذي يغضب هذا الرجل أن يأكل المسلم بيمينه أو أن يأكل بشماله؟ ما الذي يضره؟ ولماذا كادت أن تحدث أزمة دبلوماسية حتى اعتذر الوزير شخصياً باسمه، ولعله اعتذر باسم الدولة عن هذا الفعل. ما الذي يعني هؤلاء أن يأكل كل إنسان كيفما يشاء، وهم في حريتهم الشخصية يقولون: إن أراد أن يمشي عارياً فله أن يمشي عارياً؟ لماذا يا قوم لا تقولون: وإن أراد أن يأكل بيمينه أكل؟! هؤلاء الناس لا يخففون المنكرات، فرضوا علينا الرسميات التي تناقض ديننا أظهر مناقضة، فخرجت النساء كاسيات عاريات، ولا مانع أن يقبّلها الرئيس الآخر، وقد رأينا هذا على شاشات التلفزيون، فهذا لا مانع منه لأنه تحضر، ولو أننا تمسكنا بديننا نكون قد رضينا بالرجعية، ونحن نبرأ من الرجعية ومن أهلها، وهؤلاء تقدموا بغير دين، والذي أخرنا هو الدين، هذا هو فحوى ما يدعو إليه العلمانيون في الجرائد الرسمية: (الدين لله والوطن للجميع)، عبارة كافرة ابتدعها سعد زغلول المارق. اقرءوا مذكرات سعد زغلول هذا البطل القومي الوطني، فقد كان يشرب المخدرات والخمر، ورغم ذلك يعتذر عنه عباس العقاد قائلاً: إن الأطباء كانوا ينصحونه أو يأمرونه بشرب الخمر لقرحة في المعدة، فقبل أن يذهب إلى النمسا كان شخصاً، وبعدما رجع قال: (الدين لله والوطن للجميع) أي: الدين هو عبارة عن شعائر وعلاقة بينك وبين ربك، لا مجال له في الواقع العملي، أما الوطن فهو للجميع وفيه غير المسلم. هذه فحوى العلمانية، والقائم عليها حزب الوفد الذي أسسه سعد زغلول، ولما اندرج الإخوان المسلمون في حزب الوفد الجديد وصاروا يدعون إليه، وكسب الوفد ونجح، بدأ التخلص من الإخوان شيئاً فشيئاً، وعللوا ذلك بقولهم: إن الحزب يوم نشأ نشأ علمانياً، يعني أن الإخوان المسلمين يريدون أن يديروا العجلة إلى الدين، وهذا الحزب يوم نشأ نشأ علمانياً، وأخطأ الإخوان المسلمون في تأييدهم لهذا الحزب. هذه الدعوة التي تفصم المسلم عن دينه، هي ما يريدونه في الخارج، وهم يربون أجنادهم عليه، فالأكل باليمين أو بالشمال لا يعني الغرب في شيء، لكن لأن النبي ﵌: (نهى عن أن يأكل المسلم بشماله أو أن يشرب بشماله) تدبر أخي المسلم بأي يد تأكل وترفع الطعام إلى فمك، لا ترفعن طعاماً ولا شراباً إلى فمك بيدك الشمال أبداً، فإن النبي ﷺ علل النهي بقوله: (فإن الشيطان يأكل بشماله) من منكم يريد أن يتشبه بالشيطان؟ فالأكل باليمين يحدث أزمة، لكن خرتشوف في مباحثات هيئة الأمم المتحدة في الستينيات خلع نعله ووضعه على مائدة المفاوضات أمام المندوب الأمريكي وغيره من أعضاء الدول التي لها حق الفيتو، فما جرؤ أحد أن يتكلم، ولم ينبس أحد ببنت شفة، ثم رجعوا أحباباً. إن دول المسلمين يجب أن تعود إلى دينها، إن العزة كل العزة في هذا الدين وفي العصبية له، إن العصبية لهذا الدين شرف بل هو محض الإيمان، وانظر إلى هذا الموقف في غزوة أحد، لما قتل من المسلمين نفر كثير بسبب مخالفة الرماة الذين تركوا مكانهم على الجبل، وكشفوا ظهر المسلمين، وخالفوا أمر النبي ﷺ ، ورجع خالد فقتل من قتل، فقُتل سبعون من خيرة المسلمين منهم حمزة أسد الله ورسوله، ﷺ ، وكسرت رباعية النبي ﷺ ، ودخلت حلقات المغفر الحديد في وجنته، وجالد عنه طلحة كأشد ما يكون الرجال، وجالدت نسيبة بنت كعب هذه المرأة التي تساوي أمة من أشباه الرجال، وناضلت عن النبي ﷺ ، وترّس عليه أبو دجانة حتى كانت السهام تقع في ظهره ولا يتحرك حتى لا يصل سهم إلى النبي ﷺ . وبعدما انتهت الغزوة انحاز النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ونفر وقعدوا في سفح الجبل، وعلا أبو سفيان على قمة الجبل ثم قال لهم: أفيكم محمد؟ وكان الشيطان قد صرخ بأعلى صوته: محمد مات؛ حتى حدث هرج ومرج في صفوف المسلمين -يطول الأمر بذكره- فوقع في نفوس المشركين أن النبي ﷺ مات، فأراد أبو سفيان أن يتشفى بموت النبي ﷺ فصعد على قمة الجبل وقال: أفيكم محمد؟ فقال ﵊: (لا تجيبونه؟ قال: أفيكم أبو بكر؟ قال: لا تجيبوه؟ قال: أفيكم عمر؟ قال: لا تجيبوه) فظن أبو سفيان ومنته نفسه أن هؤلاء قتلوا؛ فثارت حمية الجاهلية في قلبه ثم قال بأعلى صوته: اعل هبل!! وهو صنمهم، كأنه يقول: مات الذين كان الإسلام يقوم بهم، حينئذٍ: (اعل هبل وارجع إلى مكانتك)، فقال النبي ﷺ وثارت الحمية في قلبه لدينه: (ألا تجيبونه؟) وهو الذي قال في المرة الأولى: لا تجيبوه! لكن لما جاء الأمر على استنقاص الدين قال: (ألا تجيبوه؟)، يعني: لا يجوز لكم أن تتأخروا في الرد عليه، (قالوا: فما نقول يا رسول الله؟! قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا غرى لكم، قال: ألا تجيبونه؟! قالوا: بم نجيبه؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، فقال عمر: لا يا عدو الله، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار). ففي المرة الأولى لما سأل عن النبي ﷺ وعن أبي بكر وعمر قال: (لا تجيبوه) لماذا؟ لأنه إنما ينطلق من الغل والحسد والتشفي، ومن الفطنة أنك إذا رأيت حسوداً أن تدعه يأكل بعضه؛ لإنك إن رددت على الحسود وجد له متنفساً ورد عليك، وروى غيظ قلبه في الرد عليك، لكن أن تدعه كالكلب ينبح لا تعيره اهتماماً، فإن هذا يزيد من وطأة الألم على نفسه، على حد قول الشاعر: اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتله فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله فتركه النبي ﷺ يموت بغيظه ولم يشف غيظه بالرد عليه، فكان ترك الجواب أفضل وأحسن، ولكن لما أراد أن يستعلي ويقول: اعل هبل، ويطعن في عقيدة التوحيد؛ أراد النبي ﷺ أن يعلمه بعزة من عبده المسلمون وبسيادته على هذا الكون فقال: (ألا تجيبونه؟ فقالوا: وبم نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل). حمية الحب لهذا الدين لا يجوز لك أن تتخلف عن نصرته، بل عليك أن تنمي وتغذي هذه العصبية، وهذا الإيمان الحار في قلبك. إننا نحتاج إلى العصبية في هذه الأيام أكثر من احتياجنا إليها في أي أيام مضت؛ لكثرة الدعوات الانحلالية والاباجية، ولكثرة جنود العلمانية، الذين ينشرون كفرهم في كل صحيفة رسمية وغير رسمية بدعوى حرية الرأي. لماذا لا تعدلون؟ لماذا تكيلون بكيلين وتلعبون على الحبلين؟ فكما قلت لهذا: لك حرية الرأي ولك الجرائد الرسمية، أتيحوا لنا الجرائد الرسمية إذاً حتى نرد، ونبين للناس وهاء دعوى العلمانية. إن شيخ الأزهر شخصياً يشكو أنه يرسل رده إلى الجرائد الرسمية ولا تنشره، وهذا أكبر علاّمة في البلد، فإن كان هذا هو التصرف مع أكبر علاّمة فرحمة الله علينا، فإذا كان شيخ الأزهر يشكو أنه يرسل الرد، ولكن لا ينشرونه له، ويأتي هؤلاء فيكتبون المذكرات وينشرون الكفر والإلحاد بدعوى حرية الرأي. فإذا مشت المرأة (بالمايوه) قيل: اتركها عارية، لا يحل لك أن تكبت حرية المرأة ولا حرية الرجل، كل إنسان يفعل ما يريد، فإن لبست المرأة النقاب وأرادت أن تدخل الجامعة؛ قالوا: لا. أين يا قوم الحرية المزعومة التي تزعمونها؟ أنا حر! أفعل ما أريد، لا. أنت لست حراً، هو حرٌ وأنت لست حراً، هذا هو لسان الحال ودعك من المقال، دعك من الزيف المنشور، ولنكن في الواقع؛ لأنه سيد الأدلة، أنت لست حراً بل أنت مضطهد وهو حر، إن فعلت أي شيء من باب الحب لدينك، فأنت متعصب، ولماذا لا تنزل إلى الدركة الدنيا، وإذا أخذت بعوالي الأمور وعزائمها؛ قالوا: هذا تشدد وتنطع نهى الله عنه! فالنبي ﷺ نهى عنه وقال: (هلك المتنطعون)، مثل الذين قالوا: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]. كما قال شاعرهم: ما قال ربك: ويل للأولى سكروا وإنما قال: ويل للمصلينا ما قال أن هناك ويل للذي سكر وسرق، إنما قال: ويلٌ للمصلين، يسمونها بغير اسمها، ويدلسون على الناس. أيها المسلم! أنت الآن في مفترق الطرق، وحولك دعوات كثيرة تزين لك الانحلال، وتبين لك أن التمسك بدينك تعصب، ارفض هذه الدعوات، وامض في طريقك إلى ربك يلهمك رشدك. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدمنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في دي

стр. 644

أدب الخلاف في المسائل الفرعية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أريد أن أبيّن المسألة الأولى بخصوص العصبية في المسائل الفرعية؛ لأن كثيراً من المسلمين يحتاجون إلى بث لهذا الفهم، ونراهم يشوهون على بعضهم أعظم تشويه، فإذا ما اختلف هذا مع ذاك في مسألة فرعية، تجد الكل يتعصب لرأيه كما لو كان هو على الحق ومخالفه على الباطل. لذلك نريد أن نذكر أدب الخلاف على سبيل الاختصار، وإلا فالموضوع طويل ومهم جداً، ولعل الله ييسر ذلك بعد. وسوف نعرض لأدب الخلاف في الإسلام وكيف يعذر بعضنا بعضاً ومتى، وليس معنى هذا أن تعذر أخاك دائماً على طول الخط، كأن يأتي ببدعة أو يخالف الدين مخالفة صريحة وتقيم عليه الحجة ولا يدفع هذه الحجة بعلم من عنده، ومع ذلك يصر على ما هو عليه، فهذا مبتدع متلاعب، يجب أن يردع ويهجر بوسائل الهجر المعروفة المشروعة. أقدم بين يدي هذا الحديث الذي أصله في صحيحي البخاري ومسلم، والشاهد الذي أريده خرجه أبو داود، فقد قيل لـ عبد الله بن مسعود ﵁ وهو في الحج: (صليت خلف النبي ﵌ ركعتين) في الحج يصلون جمعاً وقصراً، فالصلاة الرباعية تكون ثنائية، ويقدمون العصر إلى وقت الظهر جمع تقديم، وكلامنا الآن ليس عن الجمع إنما هو على القصر، فقالوا لـ ابن مسعود: (صليت مع النبي ﵌ ركعتين، وصليت مع أبي بكر ركعتين، وصليت مع عمر ركعتين، وصليت مع عثمان صدراً من خلافته ركعتين، فما حملك على أن تصلي أربعاً؟) والقصة بدأت بأن عثمان بن عفان ﵁ في خلافته كان إذا حج بالمسلمين قصر الصلاة مثلما هو معروف، لكن في أخريات خلافته لم يقصر بل أتم، فصلى الصلاة الرباعية رباعية، والمسلمون يتابعونه على ذلك، فقيل لـ عثمان: لم فعلت؟ قال: (أنا أتيت بأهلي ومالي) فصار شأنه كشأن المقيم الذي معه أهله، فهو ليس بمسافر، فتأول عثمان أنه مقيم، فصلى أربعاً وصلى المسلمون معه أربعاً، فلما قيل لـ عبد الله بن مسعود أحد الذين صلوا ركعتين بداية ثم تابعوا عثمان على الصلاة أربعاً: لم صليت أربعاً مع عثمان ولم تصلِّ ركعتين؟ فأجاب إجابة الإمام الفقيه العالم قال: (الخلاف شر) وهذه الجملة هي التي لم يخرجها الشيخان وإنما خرجها أبو داود. فما الذي تتصورونه لو جاء عبد الله بن مسعود وأخذ عصابة من المسلمين ونوى العصيان وقال: لا. هذه عبادة ونحن غير مقتنعين بهذا كما اقتنعت به وسنصلي ركعتين، ثم افترق المسلمون أحزاباً في منسك الحج الأكبر، كيف يتأتى لهم نصر أو وحدة؟ فنظر عبد الله بن مسعود نظرة الثاقب، فقال: إنه لو أتم خلف عثمان -وهو متأول- أن هذا لن يصيب الأمة بضرر مثلما سيحصل لو أنه أخذ لنفسه وضعاً خاصاً وصلى ركعتين ومن ثم يتحزب ويشق عصا المسلمين. يجب أن ننظر إلى خلافاتنا في المسائل الفرعية هذا النظر، ولا يجوز التكذيب أيها الناس! ما معنى أن يتكلم رجل فيقول: الطائفة الفلانية كذا، والطائفة العلانية كذا لماذا تذكرون الأسماء أيها الناس! مع أنها ليست فيها مصلحة؟ لماذا لا تسلكون مسلك النبي ﷺ وهو التعريض: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) بدون أن تصرح. نعم تلجأ إلى التصريح إن كان فيه مصلحة راجحة، وإلا فدونك التعريض فإنه أدعى ألا يتفرق المسلمون أكثر من الفرقة الموجودة الآن، فإذا نظرنا إلى جيل الصحابة -هذا الجيل الكريم- كيف كانوا يختلفون في أشد مراحل الاختلاف، وانظر إلى المسلمين الآن إذا اختلف رجل مع آخر، لمزه بأنه من أهل البدع، ولا يصلي وراءه ولا يسلم عليه، وإن قابله في طريق أخذ طريقاً آخر، وقد رأينا مثل هذه النماذج. مثلاً: أن يقنت دائماً في صلاة الفجر بالدعاء الذي يقال في صلاة الوتر: اللهم اهدنا فيمن هديت إلى آخره، ذلك بدعة، وبعض إخواننا من الشافعية يقولون بوجوب هذا الدعاء حتى إن بعضهم قال: لو نسيه فإنه يسجد للسهو؛ وعمدتهم في ذلك حديث ضعفه أهل المعرفة بالحديث وإليهم المرجع في هذا الأمر، وهو حديث أنس ﵁ قال: (ما زال النبي ﵌ يقنت في صلاة الفجر حتى قبض) لو صح هذا الحديث لكنا أول الداعين إليه، وليس هذا الحديث بصحيح بل هو منكر كما قال الأئمة وإن صححه بعض الشافعية؛ خلافاً للمتعارف عليه من علم أصول الحديث، فهذا الحديث ضعيف، وهو عمدة الشافعية الوحيد في أن دعاء الفجر دائماً يقرأ. لا. بل هو بدعة، وقد روى الترمذي في سننه بسند حسن صحيح أن أبا مالك الأشجعي قال لأبيه وكان من الصحابة: (يا أبتي! صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فهل كانوا يقنتون في صلاة الفجر؟ قال أبوه له: أي بني محدثة) -يعني بدعة- وهذه صلاة ولا أظن هذا الصحابي يغفل؛ لأن هذا الأمر لو حدث لكان اشتهر بالأسانيد الصحيحة، ولم يتفرد به أبو جعفر الرازي هذا الراوي السيء الحفظ. فهذا الدعاء وإن كنا نصر على أنه بدعة، لكن لا نسوغ أن يكون أُسّاً للخلاف بين المسلمين، فيذهب الرجل فيقول: هو بدعة في الدين، ولابد من مناوأة البدعة، إذاً: ماذا ستفعل بأخيك؟ لن أسلم عليه، وأهجره، وأزجره، ولا أساعده، ولا أزوره إذا مرض، ولا أمشي في جنازته إذا مات!! إن هناك بعض من غلا في قضية الخلاف بين المسلمين، وهذا الغلو الفاحش الذي لا يقره أحد شم ريح الإسلام وشم ريح الأدلة الصحيحة. فلو أن رجلاً لا يرى القنوت في الفجر دخل مسجداً، فإن كنت ترى أن القنوت باستمرار بدعة في صلاة الفجر، فإن جعلوك إماماً فلا تقنت، وأما إن كنت مأموماً فاقنت كما قنت الإمام. انظر إلى هذه المسألة وانظر إلى ما هو أعظم ألف مرة منها وكيف عالجها الصحابة الأكابر، ففي خلافة أبي بكر الصديق ﵁ جعل أبو بكر قيادة الجيوش ومحاربة المرتدين لـ خالد بن الوليد، وكان عمر وزير أبي بكر الصديق ونعم الوزير ونعمت البطانة، فذهب خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة التميمي، وكان مالك بن نويرة رجلاً تابع النبي ﷺ على الإسلام ولكنه بعد أن مات النبي ﷺ وظهر أمر مسيلمة الكذاب وارتدت أناس من العرب؛ انحاز مالك بن نويرة إلى سجاح المرأة المتنبئة الكاذبة التي كانت تزعم أن الوحي يأتيها، فانحاز إليها وتابع الذين يمنعون الزكاة. فكان أبو بكر يقول لـ خالد: (إذا دخلت على مكان فسمعت فيه أذاناً، فكف يديك -مما يدل على أن الأذان علامة المسلمين- فإن لم تسمع أذاناً؛ فادعهم إلى الإسلام قبل أن تقاتلهم، فإن أبوا عليك فقاتلهم) منتهى الإنصاف! لا تهجم عليهم مباشرة، بل ادعهم، لعل فيهم مغرّرون، إذا سردت لهم من الأدلة ومن كلام النبي ﷺ ومن كلام الوحي الشريف رجعوا أدراجهم إلى دينهم. فذهب خالد بن الوليد وقاتل، فمن جملة ما حدث أنه دعا مالك بن نويرة وقال له: (أما علمت -وكان مالك مسلماً- أن النبي ﷺ فرض الزكاة كما فرض الصلاة) يعاتبه على أنه كيف انحاز إلى الذين منعوا الزكاة، فأجاب مالك خالداً: (كذا يقول صاحبكم، فقال له: ويلك أوليس بصاحبك؟ -يعني: هل هذا النبي ﷺ صاحبي أنا وليس بصاحبك- أولا تعلم أنه قال كذا وكذا فقال مالك: كذا يقول صاحبكم، فثار الدم في دماغ خالد وقال: هذه بعد تلك، والله لأقتلنك) ثم أمر به فقتل. إن الرجل يعبر عن النبي ﷺ بقوله: كذا قال صاحبكم!! إذاً: هذا ليس في قلبه شيء من الحب ولا التوقير ولا الاحترام للنبي ﵊، يعني: يقتل، فأمر به فقتل، لماذا؟ لأنه صار كافراً، فامرأته تصير من السبي، فاستبرأها خالد بحيضة؛ لأن الأمة ليست كالحرة، تستبرأ بحيضة حتى يأمن خلو رحمها من الحمل، ثم تزوجها خالد. فصيّر الناس هذه القصة إلى أبي بكر الصديق على غير هذه الحقيقة، فقالوا: إن مالكاً رجل مسلم، وخالد تسرع فقتله ونزى على امرأته، وطبعاً لو كان الأمر كذلك؛ لكان الأمر مستبشعاً، إذ لو كان مالك بن نويرة مسلماً لما حل لك أن تأخذ امرأته، إنما يحل لك أن تأخذ امرأة في السبي، يعني: كانت تحت كافر، لا يحل لك أن تسبي المرأة المسلمة، لكن خالداً رأى أنه كفر، لأنه كرر المسألة مرتين، فقتله وسبى امرأته، واستبرأها بحيضة واحدة وتزوجها. فلما وصل الأمر إلى أبي بكر الصديق وعمر قاعد عنده، انتفض عمر وقال: (عدو الله، قتل امرءاً مسلماً ونزى على امرأته؟!! القصاص، وأبو بكر يقول: لعل له عذراً! لعل له عذراً) حتى يسمع من خالد، فلما جاء وقص خالد القصة؛ عذره أبو بكر ولم يعذره عمر. فهل تظن أن عمر قام وقال: لا. أنا غير موافق على هذه المسألة، وانشق على أبي بكر مث

стр. 645

الوصايا الخمس جرت العادة عند عامة الناس أن الوصية هي من الأمور اللازم تنفيذها، والمتعين الإتيان ببنودها، فحين يأتي التوجيه بصيغة وصية، فإنما يدل ذلك على خطورة الموضوع الذي تتناوله الوصية، وأهمية استيعاب المتلقي لبنودها. ومن أعظم الوصايا التي شهدها التاريخ وصايا الأنبياء لأتباعهم فيما يتعلق بتقرير الدين وعبادة رب العالمين.

стр. 646

الأنبياء هم أول العاملين بوصاياهم إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * الجواب =٦٠٠٣٦٠٣> يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه هو وابن حبان والحاكم من حديث الحارث الأشعري ﵁، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات؛ ليعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وإن يحيى أبطأ فقال له عيسى ﵇: إن الله أمرك بخمس كلمات؛ لتعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى ﵇: إني أخشى إن أبطأت أن أُعَذَّبْ أو يخسف بي، فامتلأ المسجد -بيت المقدس- بالناس لما دعا يحيى ﵇ إلى هذه الموعظة حتى قعد الناس في الشرفات فوعظهم قائلاً: إن الله أمرني بخمس كلمات، لأعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن: آمركم أن لا تشركوا به شيئاً، وإن مثل ذلك -أي: مثل من أشرك- كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله وقال له: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟! وإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً، وأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وأمركم بالصيام، وإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة مسك، وهو في عصابة، فكلهم يعجبه أن يجد ريحها، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة، وإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو وأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: هل لي أن أفتدي منكم بمالي؟ فجعل يعطيهم القليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو في أثره سراعاً فدخل حصناً حصيناً فأحرز نفسه، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله).

стр. 647

الأمثال في الكتاب والسنة هذه الوصايا الخمس اشتملت على المثل، والأمثال إنما تضرب لتقرير الفتوى، فالأمثال تدخل في باب المبين، فمن ضرب له المثل فلم يفهمه فينبغي أن يبكي على نفسه، فالكلام إما أن يكون مجملاً وإما مبيناً، وإنما يقع الإشكال في المجمل، ولا يقع الإشكال في المبين، فمن لم يفهم المثل فحقه أن يبكي على نفسه، قال الله ﵎: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عمرو بن مرة ﵀ أنه كان يقول: (إذا قرأت المثل في كتاب الله ولم أفهمه بكيت على نفسي، وذلك أن الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]). وإنما يضرب العالم المثل للذي لا يعلم؛ لذلك أنزل ربنا ﵎ على الذين يضربون له الأمثال، قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٣ - ٧٤]. فالعالم هو الذي يضرب المثل؛ لأنه يدري ما هو المجمل، ويدري كيف يبين هذا المجمل، إن الذين يضربون الأمثال لرب العالمين لم يؤمنوا حق الإيمان، فهناك أوامر أنت لا تفهمها فلا تعترض وسلِّم للذي يعلم. جاء رجل من الذين يضربون الأمثال للناس -وهم كُثر- إلى إياس بن معاوية فقال له: (لم حرم الله الخمر، ومفرداتها مباحة؟). فإن الخمر عبارة عن ماء وعنب، أو ماء وتمر، أو ماء وشعير، فإن الماء حلال! والعنب حلال! والتمر حلال! فإذا كانت مفردات الشيء مباحة لم يحرم في المجموع؟! فقال له: (أرأيت لو ضربتك بكف من ماء أكنت قاتلك؟ قال: لا، قال: ولو ضربتك بكف من تبن أكنت قاتلك؟ قال: لا، قال: ولو ضربتك بكف من تراب أكنت قاتلك؟ قال: لا، قال: فإذا جمعت التبن على الماء على التراب فصار طيناً فجففته وضربتك أكنت قاتلك؟ قال: نعم، قال: فكذلك الخمر) مفرداتها لا تقتل، لكن إذا جمعتها وضربت بها قتلت، فلا يضرب المثل إلا الله .

стр. 648

مثل الضال والمهتدي في سورة النحل ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل:٧٦] وهذا المثل أوضح من الأول ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل:٧٦] هذا الطرف الأول للمثل، والأبكم هو الإنسان الذي لا يتكلم ولا يُحب، وإنما يحب المرء لمنطقه، والإنسان إذا تكلم أعرب عن حبه وشكره وامتنانه؛ فله مكانة في القلوب، لكن الأبكم الذي لا يصارحك، ولا ينادمك، ولا يسامرك كعمود من خشب، إذا جلس معك لا تأنس به ولا تشعر بوجوده. أبكم لا يقدر على شيء! وهو عبد، فالمناسب أن يخدم العبد سيده، وليس سيده هو الذي يخدمه، فهذه مصيبة أخرى! وهو كّلٌّ على مولاه، يأكل ويشرب فقط فليته يشكر أو يعرب عن هذا الجميل لكنه أبكم، فأنت لا تشعر بأي مزية له بل إنك تخدمه وأنت متضرر، فالأصل أنه هو الذي جاء ليخدمك فإذا بك تخدمه، فإن بدا لك أن ترسله إلى جهة معينة فلابد أن يأتيك بمصيبة ولعل هذا معنى: (أينما يوجهه لا يأت بخير). هل يستوي هذا مع الطرف الثاني من المثل وهو الذي يأمر بالعدل وهو على صراط المستقيم؟ يا للوضوح! هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل؟! ففي الطرف الأول من المثل أربع صفات: أبكم، لا يقدر على شيء، وهو كلٌّ على مولاه، أينما يوجه لا يأت بخير. أما الطرف الثاني: ففيه من الصفات ما يقابل هذه الأربع وزيادة (هل يستوي هو ومن يأمر) فلا يكون آمراً إلا متكلماً، ولا يكون آمراً إلا إذا كان في جهة عليا وقادر على إمضاء أمره، فهو متكلم في مقابل أبكم لا يقدر على شيء، والآمر يقدر ولو لم يكن يقدر لما كان للأمر معنى، يأمر بالعدل، فلا يستطيع أن يأمر بالعدل إلا إذا كان عالماً بالفرق بين العدل والجور، ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:٧٦] أي: ليس كهذا الذي أينما توجهه لا يأت بخير؛ لأنه على صراط مستقيم، فالمسألة في غاية الوضوح.

стр. 649

مثال على عجز الكافرين ثم ذكر الله مثلاً آخر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] وهذا المثل كله استهزاء بالذين يدعون من دون الله، فالذباب هو: هذا الذباب الذي نعرفه وإنما سمي ذباباً لأنه كلما ذُبَّ آب، فقيل ذباب؛ أي: كلما تذبه يرجع إليك، هذا الذباب الذي أنت تعرفه وتستنكف منه، لو سقط في طعامك لأرقت الطعام، فإذا وقف هذا الذباب على شفير إناء وأخذ رشفة من هذا الإناء فلن تستطيع أن تستنقذ منه شيئاً، مع ضعفه، فالذين تدعون من دون الله لا يملكون شيئاً من القوة كهذا الذباب ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ [الحج:٧٣] وهذه الآية هي التي كفر بها بعض الكتبة حين قالوا: إن ميلاد الخلية المستنسخة أعظم من ميلاد المسيح، فيقولون: إن الإنسان استطاع أن يخلق الخلية، وهذا كذب، إنما يأخذون الخلية التي خلقها الله ويصورون عليها نسخاً، لكن أصل الخلق أن توجد الشيء من العدم من دون مثال سابق، وهذا مستحيل! بدلالة هذه الآية: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]. وهذا المثل الأخير أشد وأنكى، وكل هذه الأمثلة في باب التوحيد؛ ليبين رب العالمين قبح الشرك، وأن الإنسان العاقل إنما يلجأ إلى من يدفع الضر عنه ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر:٢٩] هذا الطرف الأول من المثل ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] وهذا الطرف الثاني ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩] فإن أكفر إنسان على وجه الأرض هو هذا الإنسان، رجل عبد خادم له عشرة من السادة وهم متشاكسون، وكل سيد يريد أن يمضي كلامه على الآخر؛ لتكون له الغلبة، فيقول الأول للعبد: اذهب يميناً، وتجد الثاني المعاند المشاكس يقول له: يا غلام اذهب يساراً، ويقول الثالث: اذهب جنوباً والرابع يقول: اذهب شمالاً وهو لا يستطيع أن ينفذ قول واحد منهم، فإذا لم ينفذ قول الآمر ضربه وجره واستخدمه إلى ما يريد، ولكنه لا يستطيع؛ لأن الآخر يجره إلى الجهة المعاكسة، ثم لأنه لا يستطيع أن ينفذ أمر واحد منهم فليس له جميل عند أحد، فإذا طلب شيئاً من أحدهم يقول له: وهل صنعت لي شيئاً؟! أمرتك ولم تفعل! فيول له: إن سيدي فلان أمرني بضد أمرك، وليس لي شأن! هل يستوي هذا العبد المعذب مع رجل آخر له سيد واحد إذا أمره بأمر ابتدر أمره، فإن فعل المأمور به حفظ له الجميل؟! فهل يستوي هذا مع ذاك؟! ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر:٢٩]؟! الحمد لله لأنه أعمى هؤلاء الضلال عن موضع الحجة مع وضوح المثل. إن الأمثال تضرب في القرآن لتبيين الفكرة، وتجد المثل في غاية الوضوح، فكذلك ضرب يحيى ﵇ في باب التوحيد مثلاً، لا أظن أحداً رزقه الله شيئاً من العقل لا يميزه، (أمركم أن لا تشركوا به شيئاً، وإن مثل ذلك -مثل من يشرك بالله كمثل رجل) واجعل نفسك في مقام هذا الرجل: جاءك عامل فقلت له: يا غلام هذا محلي وهذه الأسعار بع وأتني بمحصول المبيعات آخر النهار، فكان الغلام يخرج بحصيلة اليوم ويذهب إلى غيرك ويعطيه الحصيلة، أفليس من الممكن أن يبقى معك يوماً واحداً؟!! فإذا كنت تأنف أن يكون عبدك يأخذ البيع ويعطيه لغيرك، فصرف العبادة لغير الله وهو الذي يرزقك أشد وأكبر، ولذلك تقدم في سورة النحل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا﴾ [النحل:٧٣]؛ لأن قضية الرزق هي التي جعلت كثيراً من الناس يترك أمر الله، فكثير من الذين خالفوا الأوامر خالفوها بحجة الرزق والبحث عن الرزق وأكل الأولاد، فلذلك ضرب المثل ونص على الرزق نصاً. فإذا كان الله هو المتفرد بذلك فكيف خلطت ماله بغيره؟!! وأنت تستنكف أن يكون هذا من عبدك، وكلاكما عبد (وإن الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئاً). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 650

بطلان القول بإيمان فرعون إن الذي يجري على الساحة الآن من القول بإيمان فرعون، وأنه مات مؤمناً، وأننا نحن هنا في مصر أجدادنا فراعنة، ولا بد أن ندافع عن جدنا الأعلى، معاذ الله أن يكون لنا جداً، إنه عريق في الضلالة، إن رب العالمين ذم فرعون بقدر ما ذم إبليس، ثم يأتي آت بعد ذلك ليقول: إن فرعون مسلم، ليرد بذلك على رب العالمين! ولا يوجد أي هيئة رسمية تحمل شعار الإسلام ردت على هذا الكافر الأثيم حتى هذه اللحظة، إن كفر فرعون مثل الشمس في رابعة النهار، لا يمتري فيه أحد على الإطلاق، ثم يأتي رجل فيقول: إن فرعون مسلم، وإنه في الجنة!! وقد صنف كتاباً سماه: (كشف الأستار عن المقطوع لهم بالجنة والمقطوع لهم بالنار) فذكر فرعون في المقطوع لهم بالجنة مع وضوح القرآن في أمر فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤] وقال تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١]، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] وهذا يقول: إن (الآل) ليس المراد به الشخص! هذا كذب، (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) فإن آل إبراهيم هو إبراهيم نفسه، وقال النبي ﷺ لـ أبي موسى الأشعري: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) وما ثمَّ إلا داود الذي كانت الجبال والشجر والأرض تردد ترتيله، فلم يكن من ذرية داود من كان حسن الصوت مثله. يقول هذا الكاتب: إن آل فرعون سيدخلون كلهم النار، وأما فرعون فيدخل الجنة، كيف وهو قائدهم، وهو معلمهم، وهو رائدهم؟!! لكن الشاهد في المسألة: أن يخرج رجل فيتكلم على شيء مقطوع به عند الخاص والعام، وهذا الذي يسميه العلماء: المعلوم من الدين بالضرورة، أي: يستوي فيه علم الخاصة وعلم العامة، وهذا هو الذي يقول فيه العلماء: يكفر تاركه أو جاحده، إنما الذي لا يعلمه إلا أهل العلم لا يكفر المرء به حتى تقام عليه الحجة المثالية التي يكفر تاركها. فإذا قال رجل: إن فرعون مسلم، فما بال بقية أركان الإسلام؟ وما بال بقية أحكام الإسلام إن جحدها جاحد؟! وأطم من ذلك الرجل الذي قال: (إن إبليس هو الذي وحد الله والملائكة أشركوا) وينشر هذا في كتاب فيقول: إن إبليس هو الذي وحد الله، لماذا؟ قال: لأنه أبى أن يسجد إلا لله، لكن الملائكة سجدوا لبشر، والسجود لغير الله شرك. أرأيتم إلى هذا الكلام!! ينشر فينا هذا الكلام ولا يحاسب فاعله ولا يقتل ردةً!! هذه علة لم يذكرها أحد من العالمين، بل أظهر رب العالمين العلة في عدم سجود إبليس فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] لم يقل: أنا الذي وحدتك ولا أسجد إلا لك، وهذه علة مبتكرة، هذا الكفر الذي يظهر الآن ويصادم المعلوم من الدين بالضرورة لهو علامة ضعف! وكيف لا يتجرأ اليهود علينا وقد رأوا مثل هذا في ديارنا، ومن كتَّاب ينتمون إلى الإسلام؟! إن الذي فعله اليهود برسم النبي ﷺ على الصورة المشينة التي حدثت قبل ذلك ناجم عن مثل هذا. لو كنا في أيام الخلافة العثمانية -التي وصفوها بالرجل المريض، لكنها كانت تقض مضاجع الأعداء- ما تجرأ أحد أن يفعل هذا، فهذا كفر مجرد، إنما أغراهم بفعل ذلك أنهم رأوا النبي ﷺ يسب في ديار المسلمين، ورأوا رب العالمين يسبُّ في ديار المسلمين، ومع ذلك لا توجد عقوبة رادعة فأغراهم ذلك ففعلوا الذي فعلوا!! فضياع موضع الحجة على أمثال هؤلاء نعمة؛ لأنهم إذا علموا موضع الحجة حرفوها، فليسوا أمناء، فإذا حرفوها ضل من ورائهم جيل، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النحل:٧٥] أي: الذي أعماهم عن موضع الحجة ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٥].

стр. 651

العبادة نوعان: معقول المعنى وغير معقول المعنى العبادات على قسمين: قسم يسميه العلماء معقول المعنى، والقسم الآخر: غير معقول المعنى، ومعقول المعنى: هو ما ثبتت منه الحكمة من تشريعه، وغير معقول المعنى: هو ما لم يُعقل الحكمة من تشريعه. وهذا النمط الثاني يبتلى به المؤمنون، فمن آمن سلم، كما روى مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج ﵁ قال: (أتانا بعض عمومتي فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن شيء كان لنا نافعاً وهو -ابتغاء الأجر- وطاعة الله ورسوله أنفع) نهانا عن شراء الأرض، وقد كانت تجلب المال، لكن طاعة الله ورسوله أنفع، هذا هو التسليم الذي كان يتميز به دين الصحابة فلا إنكار ولا اعتراض؟ فهذا النمط الثاني الغير معقول المعنى، لا يسعك فيه إلا الاتباع؛ لأنه لم تظهر الحكمة منه، وهذا مثل الحديث الشهير وهو في الصحيح: أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قبَّل الحجر الأسود قال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولكن لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك) فكأنما قال: أنا لا أفهم معنى لتقبيل الأحجار، وقد جاء هذا في ديننا، والعرب كانوا يصنعون الأصنام من الحجارة ثم يعبدونها، فكان المناسب أن لا يأتي الأمر بتعظيم أي حجر؛ سداً للذريعة، لكن قبَّل النبي ﷺ هذا الحجر فنحن نتابعه وإن لم نفهم لهذا التقبيل معنى. لا يفعل هذا إلا المؤمنون الذين إذا علموا وتيقنوا أن هذا من عند الله أو أن هذا صح عن النبي ﷺ بادروا إلى العمل به، ولم يعترضوا على الله ورسوله، كأن يقولوا: يا رب! لم فعلت هذا، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤]. ثم ضرب رب العالمين مثلين، كأنما قيل: لا تضربوا لله الأمثال، فإنكم لا تعلمون حقيقة ضرب المثل، وإن أردتم أن تتعلموا فسأضرب لكم مثلين، ثم ذكر الله مثلين بعد ذلك.

стр. 652

مثل المؤمن والمشرك في سورة النحل قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:٧٥] هذا الطرف الأول للمثل، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل:٧٥] هذا الطرف الثاني، والمثل في العادة لابد أن يكون له طرفان، ثم قال: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل:٧٥] فالمثل واضح، ثم من الحكمة والبلاغة أن لا يُعيَّن الجواب ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل:٧٥]؟ فلا جواب؛ لأنه واضح، فالمثل في غاية الوضوح، عبد لا يملك من أمر نفسه شيئاً، وزاد الله في بيان عجزه أن قال: ﴿لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل:٧٥] مع أننا نعلم أن العبد لا يقدر على شيء، حتى إن بعض العلماء لم يعتد بشهادة العبد، قالوا: لأن سيده يمكن أن يمنعه من أداء الشهادة، فلا يعتد بشهادته؛ لأنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، ومع ذلك فإن بعض العبيد قد يملك من الأمر ولو شيئاً جزئياً، إنما هذا العبد المضروب به المثل لا يملك شيئاً قط، رجل مكبل مقيد، هل يستوي هذا الرجل مع آخر آتيناه رزقاً حسناً وأعطيناه؟ فهذا يملك المال فهو ينفق منه سراً وجهراً، إذن عنده إرادة في النفقة، وإرادة النفقة يقابلها عجز ذلك العبد الآخر الذي لا يملك شيئاً على الإطلاق، حتى لو أراد. (هل يستوون؟) لم يقل رب العالمين: لا يستوون؛ لأن ترك الجواب هنا أبلغ، والإبهام دليل الإعظام والفخامة، كما في قصة يوسف ﵇ لما كاد له الله ووضع صواع الملك في رحل أخيه ونادوا في الناس: إننا نفقد هذا الصواع ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧١ - ٧٢] فلما اتهمهم قال لهم: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾ [يوسف:٧٤] إن وجدنا الصواع في رحل أحدكم فما جزاؤه؟ فلأنهم كانوا متأكدين مائة بالمائة أنهم لم يسرقوا أبهموا الجزاء: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥] ما تعملونه به فهو جائز لكم. ولو علموا أن السارق منهم لعينوا العقوبة وقالوا: يجلد أو يضرب أو يسجن، لكنهم لثقتهم أن السارق ليس منهم أرادوا أن يفخموا العقوبة فأبهموها: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف:٧٥]. وكذلك الرجل الذي ذكر أهل التفسير حكايته: (أنه كان من المستضعفين، وكان رجلاً كبير السن، فلما تذكر إخوانه المهاجرين في المدينة واجتماعهم، ووجد أنه يفتقد الأخوة، ويعيش في وسط هؤلاء الكافرين، مع أن الله وضع الهجرة عن أمثاله، خرج -رغم شيخوخته وعجزه- مهاجراً من مكة إلى المدينة ماشياً فأدركه الموت في الطريق، فلما أحس بذلك ضرب كفاً بكف وقال: اللهم هذه بيعتي لك، اللهم هذه بيعتي لنبيك ومات، فأنزل الله في شأنه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] لم يعين له جزاء إنما أبهم الجزاء للإعظام. وكذلك قوله ﷺ في الحديث المشهور المتفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله) ولم يعين جزاء، فمثل هذا السكوت والإبهام دليل الفخامة والإعظام. (هل يستوون)؟ بعد ضرب المثل لا يستوون عند أي إنسان، فالجواب واحد عند كل من يسمع هذا المثل إن كان عاقلاً: (لا يستوون) فالحمد لله أن جعل من سنته وحكمته أن لا يستوي العبد العاجز مع الحرّ الصالح، فتنزه رب العالمين أن يساوي بين المسلمين والمجرمين، فكمال عدله يأبى ذلك، وهناك جواب آخر في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النحل:٧٥] أي: الذي ضيَّع موضع الحجة على المشركين فضيع لهم الفرق بين المثلين مع الوضوح، وهذا من منن الله أن لا يرزق كافراً حجة حتى لا يلبس على الذين آمنوا، قال ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان، يجادل بالقرآن) وهذا النمط موجود لكن كانوا قديماً كالفئران لا يخرجون من الجحور، فلما قلّ عدد العلماء ظهر أمثال هؤلاء وكانوا يتوارون قبل ذلك. إن وجود النفاق دلالة على قوة الإسلام، وإن وجود الكفر دلالة على ضعف المسلمين، فالكفر لا يظهر أبداً إلا مع الضعف، والنفاق لا يظهر إلا مع القوة. في مكة لم يكن ثمة نفاق على الإطلاق، بل كان إيمان وكفر، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وصارت له دولة ظهر النفاق، فالمنافق كافر لكن يريد أن يحفظ دمه، ويريد أن يستفيد بذلك، ولا يستطيع مع هذه الشوكة أن يظهر عقيدته، فيبطن الكفر ويظهر الإسلام.

стр. 653

عمل الجارحة دليل على عمل القلب الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: (وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا)، وفي الحديث: (إن الله ينصب وجهه في وجه العبد ما لم يلتفت) يعني: فإذا التفت صرف الله وجهه عنه. إن الجارحة تتبع القلب، ولا تلتفت الجارحة إلا بعد التفات القلب، فإذا التفت القلب التفتت العين والتفت الرأس؛ لأن القلب بمنزلة الملك، فلما قال: (لا تلتفتوا) دل ذلك على التفات القلب، والمسائل التي لا يعرفها الإنسان ولا يستطيع أن يحكم عليها تنصب لها علامة في الخارج يعلق الحكم بها، فإذا التفت إنسان برأسه في الصلاة نعلم يقيناً أن قلبه التفت، لكن بدون وجود هذه الأمارة وهي التفات الرأس لا نستطيع أن نقول للإنسان إن قلبك التفت. لأن هذا لا يعلمه أحد، وكذلك الأحكام التي تجري في هذا المجرى لابد أن تنصب لها أمارة في الخارج يعرف الحكم بها، وذلك كقوله ﷺ : (من سره أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار) فالسرور أمر قلبي لا يعلمه أحد، فنحن في هذه الحالة ننظر إلى أمارة في الخارج، فإذا وجدناها علقنا الحكم بها، فإذا قلنا للأستاذ: حين تدخل الفصل ويقوم لك الطلاب، ويتخلف أحد الطلاب عن القيام فهل تضربه؟ فإذا قال: نعم، نقول له: إنما ضربته لأنه ساءك وأغضبك، إذن فغضبك دلالة على أنك تسرس بأن يقوم لك، فكان الغضب أمارة خارجية نحن نعلمها ونراها فعلقنا الحكم على الباطن بها، ويسوغ لنا ويصح لنا أن نقول: إنك مسرور بأن يقوم لك التلاميذ في الصف، لأن فيك علامة دلت على ذلك. في تاريخ بغداد للخطيب: أن المأمون نادى في تجار الذهب، وأراد أن يشتري ذهباً، فأقبل تجار الذهب الكبار لأمير المؤمنين لكي يشتري منهم، فأقبل بالحيتان والقطط السمان، ودخل في وسطهم علي بن الجعد الإمام العالم، ولم يكن عنده من الذهب ما يساوي عشر معشار هؤلاء التجار الكبار، فدخل المأمون، فقاموا له جميعاً ما عدا ابن الجعد، فلما رأى المأمون ذلك قال: (لمَ لم يقم الشيخ؟ قال: أجللت أمير المؤمنين أن يخالف رسول الله ﷺ ، وانظر الجواب، فلم يقل له: أنت بشر، أو أنت عبد، فلماذا أقوم لك؟ لا، إن الكبار يأنفون أن تقابلهم بهذا، فكبير المحل لا يقبل أن تخاطبه بهذا أبداً، إنما كن كما قال هذا الإمام العالم، وهذا هو الفرق بين العالم والجاهل، قال: (أجللت أمير المؤمنين أن يخالف رسول الله ﷺ ، فقال له المأمون: وما ذاك؟ فقال: حدثني المبارك بن فضالة عن الحسن البصري أن النبي ﷺ قال: (من سره أن يتمثل الناس له قياماً فليتبوأ مقعده من النار) فحينئذٍ أطرق المأمون ساعة وقال: لا ينبغي لنا أن نشتري إلا من هذا الشيخ، وهذا من باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] فاشترى المأمون منه بثلاثين ألف دينار، فلم يغضب المأمون من قوله، فلما لم يغضب وخضع للحديث علمنا أنه لا يسر أن يقوم الناس له، وهذا ما يسميه العلماء علامة أو قرينة، ولاجرم أن يعلق الحكم عليها. ومثله -بل أدق منه- في الفهم والاستنباط ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (قام النبي ﷺ بين أظهرنا فقاموا من بيننا واقتطع دوننا وخشينا أن يصاب بأذى، ففزع الناس وفيهم أبو بكر وعمر، وكنت أول من فزع، فجاء أبو هريرة حائطاً لبعض الأنصار فالتمس باباً ليدخل فلم يجد، لكنه وجد ربيعاً -والربيع: هو ممر لقناة ماء تمر من أسفل الجدار- حاول أن يدخل من ممر هذه القناة فلم يستطع، قال: فاحتفزت كما يحتفز الثعلب -أي: جمع أطرافه بعضها إلى بعض حتى يستطيع أن يدخل، وفي رواية أبي عوانة أو ابن حبان قال: فحفرت كما يحفر الثعلب -وذلك ليوسع لنفسه- ودخل، فإذا رسول الله ﷺ مسنداً ظهره للحائط، قال: فلما رآني قال: أبو هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله! قال: مالك؟ قلت: يا رسول الله! قمت من بين أظهرنا واقتطعت دوننا وخشينا أن تصاب بأذى، ففزع الناس وفيهم أبو بكر وعمر، وكنت أول من فزع، قال: يا أبا هريرة! خذ نعليَّ هاتين -وهنا الشاهد- فمن لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة) فالمقصود أن يشهد مستيقناً بها قلبه ولا أحد على الإطلاق يعلم هذا إلا الله أو من أطلعه الله على ذلك. (من تلقاه خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه) وأنَّى لـ أبي هريرة أن يعلم ذلك؟ أستيقن أم لم يستيقن، فهذا من عمل القلوب (فبشره بالجنة، فخرج أبو هريرة كما دخل فأول من لقيه عمر فبشره بالجنة، فضربه عمر ضربة، قال أبو هريرة: فخررت لأستي، ثم رجعت إلى النبي ﷺ فأجهشت بكاءً، فلما رآني قال: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ قلت: يا رسول الله! إن هذا عمر وركبني عمر -أي جاء بعده مباشرة- فقلت له الذي أمرتني، فضربني ضربة خررت لأستي فقال عمر: يا رسول الله! أأنت قلت لهذا كذا وكذا؟ قال: نعم، فقال عمر: يا رسول الله! خل الناس يعملون) يعني: حتى لا يتكلوا، فإنهم إذا سمعوا هذا الكلام: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) اتكلوا فكل من يقول: لا إله إلا الله، سيترك عمله، فالذي في القيام يقول: أنا أقول لا إله إلا الله فلماذا هذا العناء. وعندئذ ستفتر همم العاملين، فكأنه قال: يا رسول الله! احجب هذه البشارة عن الناس حتى لا يتكلوا عليها. الشاهد هنا، كيف لمثل أبي هريرة أن يعلم أن فلاناً هذا قلبه مستيقن بالإيمان؟ هذا كما قلنا أخفى من المثل الأول، وهذا يدل على أن الحديث -وإن خرج مخرج الغموض- لا يراد به إلا عمر؛ لأنه لم يلق إلا عمر، فكأن الكلام منزَّل عليه: (من لقيته خلف هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه) فلم يلق إلا عمر، فكان هذا خاص بـ عمر وهي بشارة له، وإن خرج الكلام مخرج العموم، وهذا الأمر ثابت عند جماهير العلماء: إن الكلام قد يكون عاماً في لفظه خاصاً في مراده، كقول الله ﵎: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] فالناس: لفظ عام يشمل الكل، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] لكن في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] المراد بالناس هنا هم المسلمون فقط، فلا يراد به غيرهم. فيجوز إذا كان الأمر باطناً أن يبحث عن أمارة خارجية يعلق بها الحكم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 654

المرء تحت ظل صدقته قال: (وأمركم بالصدقة، وإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فأوثق يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، فقال: هل لي أن أفتدي منكم بمالي؟ -أن أعطيكم مالي وتتركوني- فقبلوا ذلك، فأعطاهم القليل والكثير) كأنما قال: لم يبق معه شيئاً ليستنقذ نفسه ويقول النبي ﷺ : (إنما المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة) فلا تحقرن شيئاً من الصدقات، وقال ﷺ : (إن الله يقبل الصدقة بيمينه فيربيها للعبد كما يربي أحدكم فلوه) فيأتي الإنسان يوم القيامة وله جبال من الحسنات، وما هي إلا من صدقة قدمها، والنبي ﵊ قال لزوجاته: (أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً) فاجتمعن نساؤه لينظرن أيهن أطول يداً. ولم يعلمن وجه الحديث حتى ماتت زينب، وكانت أكثرهن تصدقاً. فلما ماتت زينب ﵂ علمن أن المقصود بطول اليد في الحديث هو طول اليد بالصدقة، وكانت زينب كثيرة الصدقة، ومرة أرسل لها عمر بن الخطاب بعطائها فقالت: (مالي ولهذا؟! لأفرقنه كله، ثم قالت: اللهم لا تدركني صدقة عمر)، فماتت ﵂.

стр. 655

تنبيه مهم في إطلاق معنى اليد لكن قبل أن أنهي هذا الكلام أحببت أن أنبه على مسألة أصولية، وهذه المسألة يعيِّرُ بها أهل السنة والجماعة كثير من الجهلة الذين يستخدمون عبارة: روح النص، فهو يقول لك: (نحن طلعنا روحه) والمفروض أن الألفاظ قوالب المعاني، وهو يقول: لا القالب روح النص، فيقول أهل العلم: إن الأصل في الألفاظ الحقيقة أي: الأصل في اللفظ ما وضع له أولاً، ولا ينقل إلى غير الحقيقة إلا بقرينة، فلو قلت لك: هذه يد فأول شيء يخطر في ذهنك هو هذه الجارحة، فإذا قلنا: فلان له عليَّ أياد، فلا يخطر في الذهن أنه واضع يديه على أكتافه، إذن فنحن نفهم بدلالة السياق أن الأيادي أو اليد في هذا السياق ليس المقصود بها الحقيقة؛ لأن السياق من المقيدات كما يقول أهل العلم، فبعض الناس يغفل عن هذه القاعدة وهي مهمة: (السياق من المقيدات) فمثلاً: كلمة (عزيز) ليست كلمة ذم، وكذلك كلمة (كريم) فإذا قرأت قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] فكلمة عزيز وكريم في هذا السياق ذم. وذلك من أجل السياق؛ لأنه هو الذي غير معنى الكلام، فالسياق من المقيدات، فمثلاً قوله تعالى: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ [النمل:١٩] فلماذا ذكر ضاحكاً، ولم يقل: تبسم فقط؟ قال: لأن الابتسام على نوعين: ابتسام المغضب، وابتسام المعجب، فابتسام المغضب كما في قصة كعب بن مالك في الحديث الذي في الصحيحين: (فلما أظل النبي ﷺ قادماً من تبوك، وجاء الناس قال: وجئت فدخلت المسجد فلما رآني تبسم تبسم المغضب وقال: ما خلفك؟) وفي آخر الحديث لما نزلت توبة كعب بن مالك قال: (فلما دخلت المسجد فرآني رسول الله ﷺ تبسم، وكان إذا سر استنار وجه كأنه قطعة قمر، وقال: أبشر بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس منذ ولدتك أمك) أما قوله: (فتبسم ضاحكاً) فهمنا بكلمة (ضاحكاً) أنها ابتسامة المعجب؛ لأنه لم يغضب من قول النملة، بينما من الممكن أن أي ملك من الملوك تقول له كلمة حق يغضب منها وليس له حق في الغضب، فأراد ربنا ﵎ أن يبين لنا أن سليمان لم يغضب من قول النملة إنما تبسم من قولها، ولذلك أعقب الابتسامة بالشكر: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل:١٩] ولا يتبسم بهذه الصفة إلا لأنه معجب بقول النملة وليس غاضباً، فقوله: (تبسم ضاحكاً) أدت المعنى (١٠٠%)، أما كلمة تبسم مجردة لا تدل دائماً على الضحك، إذاً فكلمة (الضحك) هنا جاءت من المقيدات ومن هذا الباب أيضاً قولهم: (إن السكوت علامة الرضا) فليس كل سكوت رضا، فهناك سكوت القهر، وسكوت الرضا، وسكوت الغضب.

стр. 656

ذكر الله حرز للعبد من الشيطان قال يحيى ﵇: (وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو في أثره سراعاً) إن الشيطان إذا رأى العبد ليس صاحب كبيرة أو صاحب صغيرة فإنه يحاول أن يدخل عليه من باب آخر فيشغله بالمفضول عن الفاضل فيقل أجره، فيصير مشغولاً بفضول المباحات فيضيع المستحبات، يعني مثلاً: يأتي هذا الرجل ويقول: والله أنا طوال السنة في عمل وأريد أن أتفسح وسأذهب إلى المصايف -والذهاب إلى المصيف ومخالطة أهل الفسق والعري لا يجوز شرعاً- فيأتيك من يقول: إن الناس يمشون بهذه الملابس العارية في الشوارع، فما الفرق؟ فنرد عليه بالقول أنت لا تستغني عن المشي في الشارع فمن الضروري أن تمشي فيه وترى مثل هذه المناظر، فأنت هنا لست مخيراً، لكن متى ما ذهبت إلى المصيف فأنت مختار لملابسة أهل العصيان، فيرد هذا الرجل قائلاً: أنا سوف أذهب إلى المصيف وأقصد أبعد مكان عند الحدود بحيث تفصلني عن هؤلاء مسافة طويلة، ولا أختلط بأهل العصيان. يرى بفعله هذا أنه أتى مباحاً، فيذهب إلى هناك، ويقعد يلعب مع الأولاد ويسبح ويمضي وقته في اللهو، فنقول له: هذا المباح على حساب أعمال أهم، فكونك تجعل الذكر رياضتك، فإنك لن تحتاج إلى هذه المباحات التي يسعى الناس إليها، إذا أنست برب العالمين استغنيت عن الخلق. إذاً ذهابك إلى هناك وإن كان مباحاً شغلك عن مستحب، وطالما أن المسألة كانت مسألة تحصيل للأجر، فينبغي على المرء أن يسعى إلى تحصيل أعلى الأجرين، فالشيطان عدو الإنسان يسعى وراءه. قال يحيى ﵇: (وآمركم بذكر الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو -والعدو هو الشيطان فلا يوجد غيره- في أثره سراعاً) أي: لا يدعه طرفة عين (فدخل حصناً حصيناً فأحرز نفسه، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) فاذكر الله ﵎؛ لأنك لو ذكرت ربك احتميت من شيطانك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] فالشيطان عدو مبين وخطير وله من الإمكانات أكثر مما لنا، لكنه كان ضعيفاً؛ لأنه في مقابل كيد الله. وأخيراً: أود أن أنبه إلى أن بعض الناس يخطئون في الجمع بين قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨] وبين قول الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٧٦] فيقول لك: إن كيد النساء أشد من كيد الشيطان، ونحن نقول: هذا خطأ، لأننا قلنا من قبل إن السياق من المقيدات، فهذه الآية لها سياق وتلك لها سياق آخر، ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف:٢٨]؛ لأن كيد المرأة كان مقابلاً بكيد يوسف ﵇، فالنساء كيدهن عظيم إذا قوبل بكيد الرجال، لكن الشيطان كيده ضعيف؛ لأنه مقابل بكيد الله فلو وضعت كل كلام في سياقه يتبين لك المعنى. نسأل الله ﵎ أن يفقهنا وإياكم في ديننا، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

стр. 657

الصيام مدرسة الإخلاص فالإنسان بالصيام يحقق مرتبة الإحسان، يقول الله ﵎ في الحديث الإلهي المتفق عليه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فقوله تعالى: (فإنه لي) دلالة على عظم الأجر؛ لأنه لم يحدد أجراً، قال: (فإنه لي) وأنا أكرم الأكرمين، لأن الصائم قد يكون أمامه الماء العذب والأكل الجيد ومع ذلك لا يستطيع أن يفطر، ومع أنه معلوم أن الصلاة أعظم من الصيام، إلا أن الله قال عن الصيام: (فإنه لي)؛ لأن العبد لا يستطيع أن يرائي بصيامه، فنحن الآن جالسون في المسجد وقد يكون بيننا صائم، فهل يستطيع أحد أن يعرف من هو الصائم في هذا الزحام؟ لا، لكن كلنا يقطع أن كل من في هذا المسجد صلى الجمعة، إذن فالصلاة مما يمكن أن يرائي العبد بها رغم عظمها فهي أعظم ركن عملي من أركان الإسلام، وثاني ركن بعد الشهادتين، لكن يمكن أن يرائي المرء فيها. كذلك الزكاة قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] فيمكن للعبد أن يرائي بالصدقة، والحج كذلك فبعض الناس حج مرة وحج مرتين وحج ثلاث مرات فيقال له: الحاج فلان. فيمكن للإنسان أن يرائي في كافة الأنساك إلا الصيام، لذلك قال الله : (فإنه لي وأنا أجزي به) إنما جعل الأجر له لأن العبد يحقق به أعلى مراتب الدين وهو الإحسان.

стр. 658

من خشع قلبه خشعت جوارحه الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال يحيى ﵇: (وأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا) قلنا: إن التفات الجارحة دلالة على التفات القلب قبلها، وفي بعض الأخبار الضعيفة: (إن العبد إذا حوَّل وجهه في الصلاة عن القبلة يقول الله له: إلى خير مني؟!) فالله ينصب وجهه في وجه العبد، (ما لم يلتفت) أي: إذا التفت صرف عنه وجهه، فإذا التفت إلى شيء آخر يقال له: إلى خير من الله ﵎؟! وفي هذا دلالة أكيدة على اهتمام الشرع بأمر القلب، فبعض الناس يظهر عمل القلب -مع أن القلب هو الملك- ويظن أن عمل القلب غير داخل، لا، بل عمل القلب أشرف من عمل الجوارح، ولذلك إذا انعقد القلب على الكفر وإن لم تنفعل له الجوارح عوقب به، ولا يُعارض هذا بحديث: (إذا همَّ العبد بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة) فيظن أن العمل مقصور على عمل الجوارح، لكن هذا خطأ، بل القلب عمله أشرف من عمل الجوارح، لأنه الملك، فإذا انعقد القلب على شيء من الكفر يؤاخذ المرء به؛ لأن عقد القلب عمل. فالعبد إذا عمل حسنة جوزي بعشر أمثالها، فهل إذا عمل سيئة فانصرف عنها يأخذ حسنة؟ المناسب أن لا يأخذ شيئاً؛ لأنه إذا عمل سيئة استحق سيئة، فالطرف الأول: هو الذي عمل الحسنة وجوزي بعشر أمثالها، والطرف الثاني: هو الذي عمل السيئة فأخذ مثلها، وعلى هذا فيكون الوسط: أن لا يعمل شيئاً فلا يأخذ شيئاً، هذا هو المناسب. وقد ورد التعليل في بعض الأحاديث الصحيحة: أن الله قال: (لو همَّ عبدي بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة؛ إنه تركها لأجلي) فالذي جعله يتركها هو قلبه وخشية الله ، فلم تنفعل الجوارح لذلك، إنما الذي جعله يتركها هو خوف الله، ويفهم بمفهوم المخالفة: أنه إذا تركها لغير مخافة الله فلا يأخذ حسنة، هذا إن لم يكن قد دخل في منطقة الإثم، ومثال ذلك: رجل أراد أن يسرق بيتاً فلم يستطع لكنه لا يزال مُصراً على السرقة وعقد قلبه على أن يسرق هذا البيت ولم يمنعه خوف الله ، إنما لم يتمكن، فهذا انعقد قلبه على هذا الفعل فيؤاخذ به. فهذا لم يترك هذا العمل لأن السرقة حرام، أو لأن الفاحشة التي كان يريد أن يفعلها حرام، لا، إنما تركها للعجز، وهذا دليل أن القلب هو الأصل، والجارحة إنما تنفعل له سلباً وإيجاباً، وقد قلت من قبل: إن القلب هو الذي يعطي صورة العظمة. إذا كنت واقفاً في الصلاة لمدة طويلة وخاشعاً ولا تتمنى أن تجلس ولا تشعر بملل ولا ضجر؛ فإن قلبك مقبل، أما إذا لدغتك بعوضة فأخذت تتملل فإن قلبك غير مقبل، وغير منتبه؛ لأن القلب هو الذي يعطي العزم للجارحة، وإذا أبدل القلب عنها ذهبت قوتها، فالقلب إذا أقبل ظهرت القوة في العضلة، فإذا أبدل القلب سحبت قوة العضلة معه. فلو جئت إلى أقوى الناس جسماً، وأخبرته بخبر خارت له عزائمه فوقع على الأرض، فنقول: أين العضلة التي كانت تحمله منذ قليل؟ لما انكشف قلبك انكشفت العضلة، ولهذا عروة بن الزبير رحمة الله عليه؛ تابعي جليل كبير الشأن، لما انتشرت الأكلة في رجله ونصحه الأطباء بقطعها، قالوا له: (اشرب الخمر لنقطعها، فقال: ما كنت لأستعين على دفع البلاء بمعصية الله، ولكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها) وهذا خبر صحيح، وبعض الناس يكذب هذا الخبر؛ لأنه لم يتصور أن إقبال عروة على ربه في الصلاة كان إقبالاً كاملاً، لما دخل في الصلاة واستجمع قلبه سحب قوة العضلة وإحساسها، فلما قطعوا رجله بالمناشير لم يحس بها عروة. فعمل القلب خطير، فنبي الله يحيى ﵇ حين قال: (وأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا) قصد به التفات القلب ثم التفات الجارحة تبعاً لذلك. قال: (وأمركم بالصيام، وإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة مسك وهو في عصابة) فهو يمشي مع رفقة ومعه صرة مسك والكل يشم المسك من على بعد، وكلهم يتمنى لو كان المسك معه، أو على الأقل يجد رائحة هذا المسك من الصرة. (وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) فخلوف فم الصائم كريه الرائحة، ومعنى هذا أنه ليس كل شيء يكرهه العبد يكون كذلك عند الله، إن الله لام وعاتب بعض الصحابة في حديث الإفك حين نقلوا الخبر وتناقلوه، فقال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] ألا تعلم أن آدم خرج من الجنة بذنب واحد، وأن إبليس دخل النار بذنب، فما يؤمنك؟ من الذي أعطاك صكاً بالأمان أن تمشي في هذه الدنيا وأنت غير خائف من سوء الخاتمة؟ سفيان الثوري ﵀ لما هرب من الخليفة بسبب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبسبب آخر جوهري: هو أن سفيان كان يخشى أن يقربوه فيفتنوه فأمير المؤمنين في موسم الحج لما تذاكر هو وسفيان الثوري خلع خاتمه ورماه وقال: أعط هذا لـ أبي عبد الله وقل له ليحكم البلاد بالكتاب والسنة. فجاء رجل إلى سفيان يقص عليه ما جرى فقال له: والله ما أخشى إهانته إنما أخشى إكرامه، فلا أرى سيئه سيئاً، ففر من الخليفة واختبأ منه عند يحيى بن سعيد القطان، تصور حين يجتمع في الزمن الواحد مئات العلماء من أمثال هؤلاء الكبار فعلاً، ما كان لمبتدع أن يرفع رأسه، أو أن يكتب مثل هذا الذي يكتب في الجرائد، وما كان لأحد أن يجرؤ على ذلك. كان أحدهم يروي حديثاً موضوعاً فقال له الطلبة: (إن لم تتب لنبلغن عنك السلطان) فذهبوا إلى الأمير فوراً يشكونه لمجرد رواية حديث موضوع واحد، والأحاديث الموضوعة هي (زاد المستنقع) الكثير من الخطباء والوعاظ الذين يروون الأحاديث الموضوعة، حتى صارت مشتهرة ومعروفة عند الجماهير، ولو قلت لأي شخص: قل لي ما عندك من الأحاديث؟ تجد عنده (٦٠%) من الأحاديث الموضوعة لم يقلها النبي ﷺ قط، ولم ينطق بها أبداً، إنما هي افتراءات كاذب. فـ سفيان كان هارباً عند يحيى بن سعيد القطان في البيت، وكان رأسه في حجر يحيى بن سعيد القطان ورجله في حجر عبد الرحمن بن مهدي، وكانا من تلاميذه، ونحن نعرف قدر الأستاذ من قدر التلاميذ، والتلاميذ هم رزق من الله كسائر النعم، فأصحاب النبي ﷺ كانوا رزقاً له، ولم يرزق نبي بأصحاب مثل أصحاب نبينا ﵊. وابن حجر العسقلاني الحافظ ﵀ يقول في كتاب الدرر الكامنة في ترجمة لكتاب ابن تيمية يقول للدلالة على إمامة هذا الإمام الكبير: (ولو لم يكن لهذا الإمام -أي من حسنة- إلا تلميذه ابن قيم الجوزية صاحب التصانيف السعيدة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان كافياً)، مع أن سائر أصحاب شيخ الإسلام كانوا أئمة، وكان من أصغرهم الحافظ ابن عبد الهادي صاحب: الصارم المنكي في الرد على السبكي، ومات شاباً دون الأربعين ﵀، فلما حضرت سفيان الوفاة كان عنده عبد الرحمن بن مهدي فأخذته رعدة ونوبة بكاء فقال له عبد الرحمن: (يا أبا عبد الله! أتخشى ذنوبك فتناول سفيان -ذلك العابد الزاهد الأواب، فيما نحسب والله حسيبه- حفنة من على الأرض وقال: والله لذنوبي أهون عليَّ من هذا، إنما أخشى سوء الخاتمة)؛ لأن الذنب قد يغفر لكن إذا ختم للإنسان بسوء ضاعت حسناته. فما هذا الأمان الذي تتحرك به؟ كأنما كتب أنك من أصحاب الجنة فتمشي في الناس آمناً لا تخاف ذنباً؟ فتقبل على الذنوب وعلى أعمال قد تراها ليست من الذنوب، مثل حلق اللحية! وكثير من الناس يتساهلون في مسألة اللحية فإذا نبهته إلى ذلك قال: الإيمان في القلب، بينما الصحيح أن إطلاق اللحية واجب وحلقها حرام باتفاق العلماء، خالف في ذلك بعض المتأخرين، لكن الأئمة الأربعة وجماهير أصحاب الأئمة الأربعة يقولون: إن حلق اللحية حرام، فما يؤمنك أن يكون مثل هذا الذنب هو الذي يوردك؟! يقول النبي ﷺ : (إن العبد ليقول الكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ به ما بلغت، يهوي بها في النار سبعين خريفاً، ثم لا يلقي لها بالاً) ولا يظن المسلم أن ربنا يؤاخذه بها (وإن العبد ليقول الكلمة من رضوان الله يرفعه الله بها درجات) فأنت لا تدري قد يكون الشيء في الدنيا مذموماً وهو عند الله ممدوح، فليس مقياس المسائل عند الله على ميزان الناس، فالنبي ﷺ يقول: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره) فانظر المباينة بين أحكام الخلق وبين حكم رب الخلق ﵎، إذا فتحت الباب ووجدته تغلق الباب دونه، وتزدريه بنظرك لكنه عند الله غال. كالحديث الذي رواه الترمذي في الشمائل وهو حديث ثابت، كان هناك صحابي اسمه زاهر، وكان جميل الوجه وكان النبي ﷺ يحبه، فكان النبي ﷺ يوماً داخلاً السوق فرآه فأتاه من خلفه ووضع يديه على عينيه، وجعل ينادي في السوق: (من يشتري هذا العبد) فلما سمع صوت النبي ﷺ وعرف أن هذه اليد الناعمة -كما يقول أنس: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ﷺ المباركة على عينيه وعرف أنه النبي ﷺ جعل لا يألو، أي: يجتهد في أن يلصق ظهره ببطن النبي ﷺ وهو يقول: (إذن يا رسول الله! تجدني كاسداً) -يعني: لو بعتني لما وجدت من يشتريني- قال له: (لا، ولكنك عند الله لست بكاسد) يا لها من بشا

стр. 659

إنما الدنيا لأربعة نفر أقسم النبي ﷺ على عدة قضايا تأكيداً لها، وإزالة للشك الذي يحصل فيها، وذلك لأهميتها وعظمتها. أولها: أنه ما نقص مال من صدقة بل هو زيادة وبركة. ثانيها: أن من صبر على الظلم رفعه الله وأعزه. ثالثها: أن من فتح على نفسه باب سؤال الناس أذله الله تعالى. رابعها: أن الناس في الدنيا أربعة أصناف لا غير: عالم غني، أو عالم فقير، أو جاهل غني، أو جاهل فقير، والمؤمن يحرص على أن يكون من أهل المرتبتين الأولى والثانية.

стр. 660

شرح حديث: (إنما الدنيا لأربعة نفر) إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسنَ الهدي هديُ محمد ﵌، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ، وكلَّ ضلالة في النار. روى الإمام الترمذي وأحمد بسندٍ قوي عن أبي كبشة الأنماري ﵁ عن النبي ﵌ قال: (ثلاث أُقْسِم عليهن: ما نَقَصَ مالٌ من صدقة، ولا صَبَرَ عبدٌ على مظلمةٍ إلا زاده الله بها عزاً، ولا فَتَحَ عبدٌ باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب ذل، إنما الدنيا لأربعة نفر: رجلٍ آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رَحِمَهُ، ويؤدي لله فيه حقَّه، فهذا بأفضل المنازل، ورجلٍ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فيقول: لو أن لي كَفُلان لفعلت فِعْله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء، ورجلٍ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي الله فيه، ولا يصل به رَحِمَهُ، ولا يؤدي حق الله فيه، فهذا بأخبث المنازل، ورجلٍ لم يؤته الله مالاً ولا علماً، يقول: لو أن لي كَفُلان، لفعلتُ فِعْلَه، فهو ونيته، فهما في الوزر سواء). هذا حديث صحيح جميل! ما أحوجنا إلى معرفة فقهه! إذ ليس هناك أحد في الدنيا إلا وهو واحدٌ من هؤلاء الأربعة. فانظر أين أنت منهم؟ - عالم غني. - عالم فقير. - غني جاهل. - جاهل فقير. لا يخرج الناس عن هؤلاء الأربعة. فالسعيد العاقل: هو الذي يختار لنفسه أفضل المنازل، أو التي تليها.

стр. 661

معنى: سؤال الناس ذل قال: (ولا فتح عبدٌ باب مسألةٌ إلا فتح الله عليه باب ذل): وهذا -واللهِ- حق. وانظر إلى أي شَحَّاذ الآن! قبل أن يمتهن هذه المهنة القبيحة الرديئة، هل كان يتخيل أنه يمكن أن يُقَبِّل نعلَك بعشرة قروش؟! ما كان يتخيل هذا لا في عشرة قروش ولا عشرة جنيهات بل ولا أكثر من ذلك، إذ ما قيمتها، وهو يظل يترجى برغم أنه ليس محتاجاً، وحتى وإن كان كذلك فقد أراق ماء وجهه، فيرده مَن هو أحقر منه، وهذا ذُلٌّ، يظل يسأل الناس فيردونه أو يعطونه، والذي يعطيه يكلِّح في وجهه ولا تكاد ترى رجلاً يعطي الشحاذ من أول مرة، بل يقول: الله يفتح عليك، ولا يعطيه إلا بعدما يكاد الشحاذ يمسك بتلابيبه ويقول: اعمل معروفاً، أريد أن آكل، أريد أن أشرب، فيعطيه المال وهو كاره، فهذا منتهى الذل. ففَتَح هذا على نفسه باب مسألةٍ فأراق ماء وجهه على كل الأعتاب، حتى على عتبة اللئيم الذي لا يستحق التكريم، لذلك يجب أن يتعفف الإنسان. الإمام الشافعي ﵀ له أبيات رائعة في العفة، وفي صَوْن النفس عن المهانة، قال ﵀: لقَلْعُ ضِرْسٍ وضَرْبُ حبسٍ ونزْعُ نفسٍ ورَدُّ أمْسِ وقَرُّ بَرْدٍ وقَوْدُ فردٍ ودَبْغُ جلدٍ بغير شمْسِ ونفْخُ نارٍ وحَمْلُ عارٍ وَبيْعُ دارٍ برُبعِ فلْسِ كل هذا أهونُ مِن وقفةِ الحرِّ يرجو نوالاً ببابِ نحْسِ مع أن الأشياء التي ذكرها منها ما هو مستحيل، كأن ترجع الأمس! وأن تحمل عاراً، بأن يحمل الإنسان العار على أكتافه، ويبيع داره بربع فلس، فيبيعها بخسارة واضحة جداً، ودبغ جلدٍ بغير شمس، مع أن الجلد لا يدبغ بغير الشمس؛ لأنه يتعفن مباشرة، بل لا بد من الشمس، وإلا فلن تنتفع بالدباغ ويذهب عليك الجلد، فكل هذه الخسائر أهون من أن يقف الحر على باب لئيم، يطلب نوالاً، أي: يطلب عطاءً.

стр. 662

معنى قوله ﷺ : (ما صبر عبد على ظلم) قال: (وما صبر عبدٌ على مظلمةٍ إلا زاده الله بها عزاً): يعطي له هيبةً في قلوب الخلق؛ لأن رد السيئة بالسيئة أسهل ما يكون، وأنت تجهل على من جهل عليك هذا أسهل؛ لكن أن تكتم غيظَك، وتحلُم على من أساء عليك، فهذا لا يستطيعه إلا الرجال. معاوية بن أبي سفيان ﵁ بعدما حصل الخلاف الذي حصل واستتب له الأمر، قام يخطب في المسلمين، وكان المسلمون يريدون عبد الله بن عمر أميراً للمؤمنين، وعبد الله بن عمر رجلٌ من رجالات الآخرة، حتى قال ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وغير واحدٍ من الصحابة: (ما منا من واحدٍ إلا تقلبَت به الدنيا وتقلب بها إلا ابن عمر؛ إنه على العهد الأول) أيام كان الرسول موجوداً. فهذا رجل من رجالات الآخرة أتته الخلافة تحت قدمه فأباها ورفضها، ولو أن عبد الله بن عمر رشَّح نفسه للخلافة لأخذها بإجماع، ليس لأن أباه عمر، بل لأنه عبد الله بن عمر نفسه، وبسبب عمله. فـ معاوية بن أبي سفيان ﵁ لما استتبت له الخلافة، قال: (إننا أحق بهذا الأمر من فلان وأبيه)، يعرض بـ ابن عمر، فالكلمة أغاظت ابن عمر، وكان جالساً في الناس، قال: (فحملت قبوتي، وأردت أن أقوم، فأقول له: بل مَن جالَدَك وأباك على الإسلام أحق بها) قال: (ثم خشيتُ أن تكون فتنة، فذكرتُ ما عند الله، فجلستُ). أي: ذكر الجنة، وذكر الصبر. وهناك ناسٌ يستفيضون في أعراض الخلق، ولا يردعهم رادع من تقوى ولا سلطان، فمثل هذا إن أردت أن تحفظ عزتك وكرامتك لا ترد عليه، وقديماً قيل: (لا تجاري السفيه بسفهٍ مثله) فهذا يدل على أنك رضيت سلوكه فحذَوت مثالَه إذ لو كنت تنكر عليه سفاهته فلم تسافهتَ عليه؟! يقابلني السفيه بكل قبح فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهةً فأزيد حلماً كعودٍِ زاده الإحراق طيبا وهل تحس بحلاوة البخور إلا إذا أشعلت النار فيه؟! فما تشعر بقيمة الرجال إلا في الغضب، فالرجل نقي المعدن الذي لا يجتاله الغضب عن الحق ولو قليلاً، ولذلك يعرف الناس في هذه المواقف، فإذا رأيت رجلاً متحولاً متقلباً، إذا أغضبتَه انقلب عليك، فإذا أرضيتَه كان كالنعل في قدمك، اغسل يديك منه، لأنه لا خير فيه. ولذلك مدح الله ﵎ هذا الصنف قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران:١٣٤] كلمة (الغيظ) فيها حرف الظاء وهو من حروف الاستعلاء والتفخيم، وشكل الحرف نفسُه يوحي لك بالمعنى، فتحس أنه قربة ملأى، أي: ممتلئ غيظاً؛ لأن الغيظ يملأ الإنسان، ودائماً حروف الاستعلاء تحس فيها بفخامة ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ ليس هذا فقط. بل أيضاً: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤] لأنك لا بد أن تصرف الغيظ، ولا يكفي أن تكظم فقط؛ لأنك إن كظمت مرة بعد مرة ستنفجر، لذلك سن بعد الكظم العفو؛ لأنه لا بد من تصريف للغيظ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٣٤]. وهذا التصريف ليس سهلاً، وقليل من الناس هو الذي يصرِّف غيظ، ولهذا رغَّبك في التصرف فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] كأن كظْمَك ثم صَرْفَك لهذا الغيظ بالعفو إحسان، والإحسان هو أعظم الدرجات كلِّها، فإن المراتب ثلاث: - إسلام. - إيمان. - إحسان. وعرف النبي ﷺ الإحسان، فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وقليل من الخلق هم أصحاب هذه المرتبة؛ بل هم أندر من الكبريت الأحمر. إذاً: الصبر على المظلمة عز بما يجعل الله لك من الهيبة في قلوب الخلق، ولذلك أُثِر عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: (إن الرجل ليكبُر في نظري حتى يتكلم) طالما أنه ساكت فهو كبير؛ لأنك لا تدري أهذا عاقل أم مجنون؟ كلامُه در أم بعر؟ فإذا تكلم الإنسان وَزَنَ نفسَه؛ لكن كلما كان الإنسان ساكتاً ظَلَّ كبيراً. فلذلك الرسول ﵊ تثبيتاً لأصحاب هذه المرتبة أقسم عليها، أي: ليس ردُّك وانتقامك من صاحبك دليل العز والغلبة، بل بما يضعه الله لك من الهيبة في قلوب الخلق. (وما صبر عبدٌ على مظلمة إلا زاده الله بها عزاً).

стр. 663

أسباب قسم الله ورسوله على أمر ما بدأ النبي ﵊ هذا الحديث بصيغة لم نعهدها منه، وهو أنه يُقْسِم على صدق الكلام، مع أنه مُصَدَّق بدون قسم، وقلَّ ما يُقْسِم على شيءٍ، فإذا أقسم على شيءٍ فاعلم أن المسألة فيها لبس، وتحتاج إلى تجلية، كما قال ﵎: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] فأقسم بذاته على هذه القضية؛ لأن كثيراً من العباد يخلط فيها، ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢]؛ فأكثر الناس لا يصدق هذه الحقيقة، مع أن رزقك ورزق الذي يهددك بقطع رزقك في السماء لا في الأرض، وهذا الذي يهددك بأن يَفصلَك من عملك ويُجوعَك ويُضيعَك هو لا يملك رزقَه، بل رزقُه في السماء، ولو أن الرزق كان في الأرض لأذل الناسُ بعضُهم بعضاً، كما قال ﵎: ﴿قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ﴾ [الإسراء:١٠٠]، لو أن هذا الرزق بيد أحدٍ لاستكثره على الناس؛ لأنه بخيل ظالم جهول، وهذه صفة الإنسان، وأصله. فلأن العباد لا يصدقون هذه المسألة، أقسم الله ﵎ أن هذا حق مع أننا نصدقه بغير قَسَم، وكان بعض سلفنا إذا قرأ هذه الآية بكى لها، ويقول: مَن أغضبَ الجليلَ حتى حَلَف؟! أي: نحن نصدقه بغير حَلِف، فحَلَف أن هذا حق، ثم ضرب لك مثلاً بدَهياً لا تشك أنت فيه قال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] إذا كنت تشك في أنك تتكلم فشُكَّ في هذه القضية، فإذا كان الشك لا يرقى أصلاً إلى مسألة الكلام هذه فكيف يرقى إلى مسألة الرزق، وأنه في السماء؟! فإذا رأيت الآية أو الحديث فيهما حَلِف فاعلم أن الأمر جليل.

стр. 664

معنى قوله ﷺ : (ما نقص مال من صدقة) النبي ﷺ حلف على هذه الثلاث: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة)، العبد يظن أن الصدقة ضرراً، فإذا كان معه عشرة جنيهات فتصدق بجنيه يقول: أصبح معي تسعة، مع أنها لا تُحسَب هكذا، فحسابك أنت غير حساب الملك، والنبي ﵊ رأى عائشة ﵂ تعد تمراً في جراب لتعرف كم سيبقى هذا التمر، وكذلك كان الناس يفعلون، كما نعد البرتقال، حتى نعرف كل واحد كم يأخذ! وهذا العد يضيع البركة، قال النبي ﷺ لـ عائشة وهي تعد وتحسب: (لا توكي فيوكي الله عليك) لا تحسبي فيحسب الله عليك، وهي لما رأت أن في الجراب تمراً، كل يوم تأخذ منه ولا ينفد، استغربت، وقالت: ما هذا التمر؟ هل هذا في جراب أم أنه تمر في مخزن؟! فبدا لها أن تعده، فعدته. والصدقة إذا أخرجتها يتلقاها الله بيمينه، كما قال ﵊: (إن الله ليأخذ الصدقة بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يُرَبِّي أحدكم فلوه) (الفلو) هو الفرس المولود، تربيه على عينك حتى يصير مُهراً كبيراً، فالله ﵎ يأخذ منك الصدقة قرشاً أو جنيهاً، فإذا بك عندما توافي ربك يوم القيامة تراها كأمثال الجبال، وهذا مما يُسْعِد العبد. ألم تر أنك وقد وضعتَ في جيبك مبلغاً كبيراً من المال، ثم نسيتَه، وليكن في قميص شتوي، فإذا انتهى الشتاء خلعت القميص ووضعته في الدولاب، وأنت تسأل نفسك: أين ذهب هذا المال؛ لكن لا تعرف، حتى يأتي الشتاء القادم، فتلبس القميص، فتضع يدك في جيبك، فإذا بك تجد المال، فتكون فرحتك به كبيرة، بالرغم أنه مالك، وما أحدٌ أعطاك إياه، لكنك تسعد به؛ لأنه جاءك عن غير حساب. ولذلك المصيبة عندما تأتي غير متوقعة يكون ألمها شديداً جداً؛ كذلك النعمة إذا جاءت غير متوقعة يكون فرحها شديداً جداً أيضاً. فإذا تصدقت فلا تحسبها كما يحسب بقية الخلق؛ لأن المال لا ينقُص من صدقة أبداً، إنما الله ﵎ يربيها لك. إذا أعطيت الدينار أو الدرهم فوقع في يد الكريم الملك الغني، فإنه يضاعفها لك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وليست المسألة ستقف عند هذا الحد، بل الله يضاعف لمن يشاء. فلأن العباد يحسبونها خطأً أقسم علي أنه لا ينقص أبداً (ما نقص مال من صدقة).

стр. 665

أقسام الناس في الدنيا بعدما ذكر النبي ﷺ هذه القضايا الثلاث دلف إلى أنواع الناس، وهذا رباط قوي جداً بين أول الحديث وآخره.

стр. 666

ليس الخبر كالمعاينة قال: (إنما الدنيا لأربعة نفرٍ) ولم يقل: إنما الآخرة، فذكر منهم مَن هم من أهل الآخرة، بل هم أجلُّ أهل الآخرة، حتى يقول لك: إنك ستجني ثمرة الذي تفعله وأنت حيٌ قبل أن تموت، فتعاينه بأم رأسك، فإن الإنسان يحب العاجلة، وبعض الناس قد يدفعه أن يرى مكانه في العاجلة ليعمل للآخرة، فليس المُخْبَر كالمعايِن، وإذا رأيت الشيء بعينيك زاد إيمانك إذا كنت من أهل الإيمان، وتصوُّرك للمسألة هو الذي يرسخ الإيمان في صدرك، ورؤياك للقضية هو الذي يثبِّت اليقين. ألم ترَ إلى موسى ﵇ لما كان يناجي ربه في الطور، فأبلغه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل، فعلم موسى ﵇ أنهم عبدوا العجل، أخذ الألواح في يده وفيها هدىً ونور، لكنه أول ما ذهب ورأى العجل ألقى الألواح من الغضب، بينما لم يلقِ الألواح لما أخبره الله أنهم عبدوا العجل لأنه لم يرَ بعينيه. وبهذا البحث تفهم النكتة في قوله ﵎: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، فإن المظلوم لا يشفى إلا إذا رأى مصرع ظالمه، فإذا رأى ظالمَه وقد هلك فيشعر ويحس أن الغيظ ذهب، بخلاف ما لو كان يسمع أنه هلك ولا يراه. لذلك قال النبي ﵊: (إنما الدنيا)، أي: إن مَن فَعَل هذه الأشياء سيكون له في الدنيا شأن، لكن شأن يختلف على حسب الصفات الموجودة في الإنسان. هناك أشخاص حتى الآن يذكرون باللعنات: كفرعون، وقارون، وهامان، وأبي جهل، وأبي لهب؛ حتى دفع حب الذكر ذاك الرجل أن يبول في ماء زمزم أيام الحج، فلما قيل له: لِمَ؟ قال: أردتُ أن أُذْكَر ولو باللعنات!! فهناك كثير من الخلق يُذْكَرون؛ لكن إذا ذُكِروا لُعِِنوا. لذلك المسلم لا يبحث عن الشهرة؛ فإن هناك مشهورين؛ لكن باللعنات، ولكن يبحث عما يشتهر به. ومن عاقبة الإخلاص أن الله ﵎ يجعل لك لسان صدقٍ في الآخِرين، وهذا نوع من العز الذي أشار إليه الحديث: (إنما الدنيا)، فالأنبياء والأولياء الذين كانوا أخلص الناس لله، نحن الآن نذكرهم، بل إن بعض العباد كان يعبد الله بين أربعة جدر، وصل إلينا خبره، وكان يستتر بعبادته، فكيف وصل؟! هذه هي عاقبة الإخلاص. فالله ﵎ يصير ذكرك حسناً، برغم أنك لم تسعَ إلى هذا الذكر؛ لكنه يصيره لك. فالدنيا لهؤلاء الأربعة.

стр. 667

نعمة العلم والمال قال: (رجلِ آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رحِمَهُ، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل). انظر إلى هذا الرجل، وإلى الرجل الثالث، الذي قال فيه ﵊: (ورجل آتاهُ الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط). الفرق بين الرجل الثالث والرجل الأول هو العلم.

стр. 668

الغرض العيني من العلم فتعلم الفرض العيني هذا واجب عليك، وهو ما يحصل به من تصحيح عقيدتك، وتصحيح عبادتك، ومصيرك في الآخرة مرهون بتعلم هذا العلم، وكيف تلقى الله ﵎ وقد عرفت كل أنواع المعارف ولم تعرف كيف توحده؟ فتجد الرجل عارفاً لدقائق كل شيء، كالطبيب مثلاً من كثرة الممارسة أول ما يرى مريضاً يقول: هذا عنده كذا وهذا من خبرته، ولكن إذا سألته سؤالاً في الوضوء: إذا كنت متوضئاً وجاء كلب وتمسح بك، فلن تجد عنده حلاً، مع أن هذه المسألة تعلمها أيسر من تعلم الطب، لأن تعلم الشرع أيسر من تعلم أي صنعة؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، ولم يذكر صنعة ولا معاشاً؛ لأن الكل محجوج بالقرآن والسنة، والناس يتفاوتون في الفهم والعلم، فجاء القرآن في الوضوح على منزلة أقل واحد بحيث أن الكل يفهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ولم يقل: (وما جعل عليكم في الدين حرجاً). بل قال: (مِنْ)؛ لينفي أقل الحرج؛ لأنه إذا قال: (وما جعل عليكم في الدين حرجاً)، فهذا بدلالة المفهوم قد يثبت بعض أنواع الحرج، لكن لما قال: (مِن حرج)، نفى كل أنواع الحرج وإن دقت. إذاً: الدين الذي هو العلم في متناول الكل. فكيف تلقى الله ﵎ ولم تعرف شيئاً عن أسمائه وصفاته، وقد كنتَ تقف تتوجه لوجهه خمس مرات في اليوم؟ ونحن نعرف أن الإنسان إذا أحب آخر يعرف عنه كل شيء يعرف دقائق حياته وتفاصيلها، ويعرف أموره كلها من شدة الحب، فالذين آمنوا يعرفون عن الله ﵎ أسماءه الحسنى وصفاته العلى، قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ومن شدة حبه أن يأنف أن يراه الله ﵎ حيث نهاه، وأن يفتقده حيث أمره، لا يمكن أن تحقق هذا أبداً إلا بالعلم.

стр. 669

الجهل يوقع صاحبه في الشبهات والوساوس والعلم يعصمه منها من الأدلة على أن العلم يحرسك: أنك إذا جاءتك شبهة وعندك علم، لا تؤثر فيك، ولا تضيع مذهبك؛ لأنك عارف لجوابها، لكن إذا جاءت شبهة على رجلٍ آخر، تؤثر فيه وتربكه. فإذاً: العلم حرسك، وحرس قلبك. والآخر اجتالته الشبهات. كنت مرةً في محطة الحافلات فجاءني رجلٌ، كأنه توسم فيّ أن يجد عندي حلاً، قال: كنت أخرج في سبيل الله، وفي يوم من الأيام هجم على قلبي خاطر سيئ في ذات الله، حاشا لله العلي الكبير، فجعل يدخل قلبي ويطرق بابه بشدة: مَن خَلَق الله؟! مَن كان قبل الله؟! هل الله يرى كل هؤلاء؟! يستطيع أن يعرف كل هذا؟! هل هذا كذا هل هذا كذا؟! إلخ. فهذه الوساوس ما استطاع أن يتخلص منها ولم يجد لها حلاًّ، فقال في نفسه: هذا من كثرة العبادة، سأروِّح عن نفسي ساعة، (ساعةٌ وساعة)، أدخل في الدنيا أتاجر، ربما أنسى هذا الخاطر، قال: فخرجت، فما هي إلا أيام استرحتُ فيها ثم عاد علي أشد مما كان، فقلت له: أنت كالمستجير من الرمضاء بالنار، شخصٌ وجد الدنيا حارة فدخل فرناً، كما يقول أهل الشام: كنا تحت المطر صرنا تحت المضراب. وهذا يذكرني بشخص كانت لحيتُه سابغة، قابلته ذات مرة وقد حلقها، فلم أعرفه، ولذلك لم أُلْقِ ﵇ فناداني، فلما رأيته استعجبت، وقلت: ما هذا يا فلان؟ ما الذي جرى لك. قال لي: أنا حلقت لحيتي. فقلت له: لماذا؟ ما الذي حصل؟ احْكِ لي. قال: دخلتُ مسجداً يوم جمعة، وكان الإمام قد غاب عن صلاة الجمعة، فأول ما دخلتُ قالوا: مولانا وصل، رجل ملتحٍ واللحية سابغة، فأول ما دخلتُ قالوا: الحمد لله، وجدنا الإمام، وسارعوا إلي: قم يا مولانا اخطب. فقلت: أنا لست مستعداً. فقالوا: لا بد أن تخطب، قل أي شيء، أو أي موعظة، أنصليها ظهراً؟! فحاول أن يعتذر ولكنهم غلبوه. فصعد على المنبر ولم يستطع قول شيء، فقال كلمات مما عنده، ثم صلى وهو لا يحسن التجويد، وبعد هذا الموقف خرج، فهل قرر أن يتعلم ويسد النقص والفضيحة التي وقع فيها، وقال: أنا دوائي العلم، لابد أن أحفظ لي خطبة أو شيئاً من هذا؟ لا. بل قرر أن يحلق لحيته! وهذا كحال الذين ذكرهم الله في كتابه: ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] ما قالوا: اهدنا إليه، بل قالوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال:٣٢]، مع أن كلام العقلاء أنه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] فاهدنا إليه، هذا الكلام الذي يجب أن يقال، وليس ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال:٣٢]. فهذا بدل أن يتعلم ويقول: إن العلاج في العلم، قال: أحلقها، حتى أكون من غبراء الناس. فعجباً لهذا الحل!! وهذا عندما رأى الوساوس تهجم على قلبه، قال: أنا استكثرت من العبادة، وهنا كان الواجب عليه أن يتجه إلى العلم؛ ولكنه اتجه إلى الدنيا، مع أن أهل الدنيا في حيرة، يعني: الذي في الدنيا تائه، فكان بإمكانه أن يتجه إلى العلم قليلاً، من أجل أن يخفف عن نفسه قليلاً من العبادة؛ لأنها سترهقه. فهذا لأنه عابد، ما عنده علم، أول ما تصرف تصرف تصرفات ليس عليها نور. فلو كان هذا الرجل يصاحب العلماء لعرف الحل مباشرة؛ لأن مثل هذا الذي وقع فيه هذا الإنسان حدث لأصحاب النبي ﵊ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاءوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن الشيء ليخطر ببالنا في ذات الله لَأَن يخر أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﵊: أوَقَد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان). هذا هو الإيمان المحض (والصريح) هو الخالص، يقال: صريح اللبن، أي: اللبن الخالص (ذاك صريح الإيمان) أي: هذا هو أس الإيمان وحقيقته، وليست حقيقة الإيمان هي الشك في ذات الله، بل المقصود من الحديث، (ذاك صريح الإيمان) أنه لولا الإيمان الذي حجزك لتكلمتَ. فإذا خطر ببال الإنسان شيء من هذا فكتمه واستغفر الله منه فهذا هو الإيمان؛ لأنه لو لم يكن عنده إيمان لتكلم به، إنما الذي حجزه وربط لسانه هو الإيمان، فذاك صريح الإيمان، وفي لفظ آخر لهذا الحديث: قال ﵊: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، ما استطاع أن يأخذ أكثر من الوسوسة، والوسوسة معفوٌ عنها، فكأن الشيطان ما أخذ شيئاً. إذاً: العلم نور.

стр. 670

أهل العلم دنياهم في أيديهم لا في قلوبهم لكن أهل العلم هذه المسألة لا تساوي عندهم شيئاً، فأهل العلم المال في أيديهم، وأهل الدنيا المال في قلوبهم، لذلك تجد الواحد من أهل الدنيا ميتاًَ على المال، وليس في يده فلس، وعنده أحلام وآلام كثيرة، وليس في يده قرش واحد، بينما أهل العلم إذا بذلوا المال وراح كله لا يتحسرون عليه، كما كان أبو الدرداء وخباب بن الأرت يفعلون. قال خباب بن الأرت وأشار إلى صندوق. قال: (هذا فيه ثمانون ألف درهم) وذكر مصعب بن عمير، فبكى له، قال: (لما قتل مصعب فكنا إذا غطينا رأسه ظهرت قدماه، وإذا غطينا قدميه ظهر رأسه، ولم يكن معه إلا بردة صغيرة) لأن مصعب بن عمير كان من أولاد الملوك، فلما هاجر في الله ترك الدنيا وراءه، وجعل يذكر المحن التي قابلتهم وأنهم كانوا يأكلون ورق الشجر، وأنهم لم يكونوا يجدون شيئاً، فعاش حتى امتلك ثمانين ألف درهم. قال: ما رددتُ سائلاً -ها هو الصندوق مليء، ما سألني سائل فرددته-. فهؤلاء هم أهل العلم، لذلك العلم يزين صاحبه. فالرجل الذي عنده مال يُغْبَط على المال ليس لأجل المال وحده، بل لأنه سلطه على هلكته في الحق، فهو يُغْبَط من أجل هذا؛ أما المال في ذاته فلا يُغْبَط الإنسان عليه، لا في الدنيا ولا في الآخرة -وهذا عند العقلاء- لأن المال رزية، فالأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بنصف يوم، أي: بخمسمائة سنة، مع أن هناك أغنياء -أغنياء ممن تأخروا عن دخول الجنة- أفضل من فقراء سبقوهم، والغني هذا عندما يدخل الجنة بعد الحساب يكون في درجة أعلى من درجة الفقير الذي سبقه بالدخول. لكن ما الذي أخره ماله. والحساب في يوم القيامة حساب بالذرة وبمثقال الذرة، كما قال الله ﵎: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]؛ فالذي يرتكب المعصية ينسى تفاصيل كثيرة من المعاصي؛ لكن كلٌ ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] كله محصور. قرأت أن بعض الصالحين وكان له أخٌ في الله يحبه، فمات أحدهما قبل صاحبه، فرأى الحيُّ الميتَ في المنام، فقال: ماذا فعل الله بك؟ قال: سألني عن مسألةٍ ما خَطَرَت لي على بال. قال: وما هي؟ فقال: إنه كان يمشي في الحقول، فوجد سنبلة على الأرض فأخذها ورماها يميناً أو شمالاً، حتى لا يدوس عليها أحد، فسُئل: لم حذفتَها يميناً؟ وما أدراه فربما تكون للحقل الذي على اليسار، مع أنه فعلها بعفوية، أي: أنه ما قصد شيئاً، وما أخذ سنبلة وقطعها ورماها في الحقل الآخر، بل وجدها على الأرض. فالعبد يُسأل عن كل شيء، ولهذا الملَكان اللذان يدونان كلام بني آدم، يسجلان عليه الضحكة والعطسة والكحة، وما هناك شيء يترك أبداً. فإذا كانت هذه الأشياء المباحة تُدَوَّن على العبد، فكيف يمكن للعبد العاقل الذي سيلقى الله ﵎ غداً أن يمشي في الدنيا كما لو لم يأته رسول؟ فلذلك العلم يعصمك، والعلم يحرسك.
следующие страницы →