Полный текст (1 719 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
ليس الخبر كالمعاينة
قال: (إنما الدنيا لأربعة نفرٍ) ولم يقل: إنما الآخرة، فذكر منهم مَن هم من أهل الآخرة، بل هم أجلُّ أهل الآخرة، حتى يقول لك: إنك ستجني ثمرة الذي تفعله وأنت حيٌ قبل أن تموت، فتعاينه بأم رأسك، فإن الإنسان يحب العاجلة، وبعض الناس قد يدفعه أن يرى مكانه في العاجلة ليعمل للآخرة، فليس المُخْبَر كالمعايِن، وإذا رأيت الشيء بعينيك زاد إيمانك إذا كنت من أهل الإيمان، وتصوُّرك للمسألة هو الذي يرسخ الإيمان في صدرك، ورؤياك للقضية هو الذي يثبِّت اليقين.
ألم ترَ إلى موسى ﵇ لما كان يناجي ربه في الطور، فأبلغه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل، فعلم موسى ﵇ أنهم عبدوا العجل، أخذ الألواح في يده وفيها هدىً ونور، لكنه أول ما ذهب ورأى العجل ألقى الألواح من الغضب، بينما لم يلقِ الألواح لما أخبره الله أنهم عبدوا العجل لأنه لم يرَ بعينيه.
وبهذا البحث تفهم النكتة في قوله ﵎: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠]، فإن المظلوم لا يشفى إلا إذا رأى مصرع ظالمه، فإذا رأى ظالمَه وقد هلك فيشعر ويحس أن الغيظ ذهب، بخلاف ما لو كان يسمع أنه هلك ولا يراه.
لذلك قال النبي ﵊: (إنما الدنيا)، أي: إن مَن فَعَل هذه الأشياء سيكون له في الدنيا شأن، لكن شأن يختلف على حسب الصفات الموجودة في الإنسان.
هناك أشخاص حتى الآن يذكرون باللعنات: كفرعون، وقارون، وهامان، وأبي جهل، وأبي لهب؛ حتى دفع حب الذكر ذاك الرجل أن يبول في ماء زمزم أيام الحج، فلما قيل له: لِمَ؟ قال: أردتُ أن أُذْكَر ولو باللعنات!! فهناك كثير من الخلق يُذْكَرون؛ لكن إذا ذُكِروا لُعِِنوا.
لذلك المسلم لا يبحث عن الشهرة؛ فإن هناك مشهورين؛ لكن باللعنات، ولكن يبحث عما يشتهر به.
ومن عاقبة الإخلاص أن الله ﵎ يجعل لك لسان صدقٍ في الآخِرين، وهذا نوع من العز الذي أشار إليه الحديث: (إنما الدنيا)، فالأنبياء والأولياء الذين كانوا أخلص الناس لله، نحن الآن نذكرهم، بل إن بعض العباد كان يعبد الله بين أربعة جدر، وصل إلينا خبره، وكان يستتر بعبادته، فكيف وصل؟! هذه هي عاقبة الإخلاص.
فالله ﵎ يصير ذكرك حسناً، برغم أنك لم تسعَ إلى هذا الذكر؛ لكنه يصيره لك.
فالدنيا لهؤلاء الأربعة.
стр. 667
نعمة العلم والمال
قال: (رجلِ آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رحِمَهُ، ويرعى لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل).
انظر إلى هذا الرجل، وإلى الرجل الثالث، الذي قال فيه ﵊: (ورجل آتاهُ الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط).
الفرق بين الرجل الثالث والرجل الأول هو العلم.
стр. 668
الغرض العيني من العلم
فتعلم الفرض العيني هذا واجب عليك، وهو ما يحصل به من تصحيح عقيدتك، وتصحيح عبادتك، ومصيرك في الآخرة مرهون بتعلم هذا العلم، وكيف تلقى الله ﵎ وقد عرفت كل أنواع المعارف ولم تعرف كيف توحده؟ فتجد الرجل عارفاً لدقائق كل شيء، كالطبيب مثلاً من كثرة الممارسة أول ما يرى مريضاً يقول: هذا عنده كذا وهذا من خبرته، ولكن إذا سألته سؤالاً في الوضوء: إذا كنت متوضئاً وجاء كلب وتمسح بك، فلن تجد عنده حلاً، مع أن هذه المسألة تعلمها أيسر من تعلم الطب، لأن تعلم الشرع أيسر من تعلم أي صنعة؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧]، ولم يذكر صنعة ولا معاشاً؛ لأن الكل محجوج بالقرآن والسنة، والناس يتفاوتون في الفهم والعلم، فجاء القرآن في الوضوح على منزلة أقل واحد بحيث أن الكل يفهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ولم يقل: (وما جعل عليكم في الدين حرجاً).
بل قال: (مِنْ)؛ لينفي أقل الحرج؛ لأنه إذا قال: (وما جعل عليكم في الدين حرجاً)، فهذا بدلالة المفهوم قد يثبت بعض أنواع الحرج، لكن لما قال: (مِن حرج)، نفى كل أنواع الحرج وإن دقت.
إذاً: الدين الذي هو العلم في متناول الكل.
فكيف تلقى الله ﵎ ولم تعرف شيئاً عن أسمائه وصفاته، وقد كنتَ تقف تتوجه لوجهه خمس مرات في اليوم؟ ونحن نعرف أن الإنسان إذا أحب آخر يعرف عنه كل شيء يعرف دقائق حياته وتفاصيلها، ويعرف أموره كلها من شدة الحب، فالذين آمنوا يعرفون عن الله ﵎ أسماءه الحسنى وصفاته العلى، قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، ومن شدة حبه أن يأنف أن يراه الله ﵎ حيث نهاه، وأن يفتقده حيث أمره، لا يمكن أن تحقق هذا أبداً إلا بالعلم.
стр. 669
الجهل يوقع صاحبه في الشبهات والوساوس والعلم يعصمه منها
من الأدلة على أن العلم يحرسك: أنك إذا جاءتك شبهة وعندك علم، لا تؤثر فيك، ولا تضيع مذهبك؛ لأنك عارف لجوابها، لكن إذا جاءت شبهة على رجلٍ آخر، تؤثر فيه وتربكه.
فإذاً: العلم حرسك، وحرس قلبك.
والآخر اجتالته الشبهات.
كنت مرةً في محطة الحافلات فجاءني رجلٌ، كأنه توسم فيّ أن يجد عندي حلاً، قال: كنت أخرج في سبيل الله، وفي يوم من الأيام هجم على قلبي خاطر سيئ في ذات الله، حاشا لله العلي الكبير، فجعل يدخل قلبي ويطرق بابه بشدة: مَن خَلَق الله؟! مَن كان قبل الله؟! هل الله يرى كل هؤلاء؟! يستطيع أن يعرف كل هذا؟! هل هذا كذا هل هذا كذا؟! إلخ.
فهذه الوساوس ما استطاع أن يتخلص منها ولم يجد لها حلاًّ، فقال في نفسه: هذا من كثرة العبادة، سأروِّح عن نفسي ساعة، (ساعةٌ وساعة)، أدخل في الدنيا أتاجر، ربما أنسى هذا الخاطر، قال: فخرجت، فما هي إلا أيام استرحتُ فيها ثم عاد علي أشد مما كان، فقلت له: أنت كالمستجير من الرمضاء بالنار، شخصٌ وجد الدنيا حارة فدخل فرناً، كما يقول أهل الشام: كنا تحت المطر صرنا تحت المضراب.
وهذا يذكرني بشخص كانت لحيتُه سابغة، قابلته ذات مرة وقد حلقها، فلم أعرفه، ولذلك لم أُلْقِ ﵇ فناداني، فلما رأيته استعجبت، وقلت: ما هذا يا فلان؟ ما الذي جرى لك.
قال لي: أنا حلقت لحيتي.
فقلت له: لماذا؟ ما الذي حصل؟ احْكِ لي.
قال: دخلتُ مسجداً يوم جمعة، وكان الإمام قد غاب عن صلاة الجمعة، فأول ما دخلتُ قالوا: مولانا وصل، رجل ملتحٍ واللحية سابغة، فأول ما دخلتُ قالوا: الحمد لله، وجدنا الإمام، وسارعوا إلي: قم يا مولانا اخطب.
فقلت: أنا لست مستعداً.
فقالوا: لا بد أن تخطب، قل أي شيء، أو أي موعظة، أنصليها ظهراً؟! فحاول أن يعتذر ولكنهم غلبوه.
فصعد على المنبر ولم يستطع قول شيء، فقال كلمات مما عنده، ثم صلى وهو لا يحسن التجويد، وبعد هذا الموقف خرج، فهل قرر أن يتعلم ويسد النقص والفضيحة التي وقع فيها، وقال: أنا دوائي العلم، لابد أن أحفظ لي خطبة أو شيئاً من هذا؟ لا.
بل قرر أن يحلق لحيته! وهذا كحال الذين ذكرهم الله في كتابه: ﴿قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] ما قالوا: اهدنا إليه، بل قالوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال:٣٢]، مع أن كلام العقلاء أنه: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] فاهدنا إليه، هذا الكلام الذي يجب أن يقال، وليس ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال:٣٢].
فهذا بدل أن يتعلم ويقول: إن العلاج في العلم، قال: أحلقها، حتى أكون من غبراء الناس.
فعجباً لهذا الحل!! وهذا عندما رأى الوساوس تهجم على قلبه، قال: أنا استكثرت من العبادة، وهنا كان الواجب عليه أن يتجه إلى العلم؛ ولكنه اتجه إلى الدنيا، مع أن أهل الدنيا في حيرة، يعني: الذي في الدنيا تائه، فكان بإمكانه أن يتجه إلى العلم قليلاً، من أجل أن يخفف عن نفسه قليلاً من العبادة؛ لأنها سترهقه.
فهذا لأنه عابد، ما عنده علم، أول ما تصرف تصرف تصرفات ليس عليها نور.
فلو كان هذا الرجل يصاحب العلماء لعرف الحل مباشرة؛ لأن مثل هذا الذي وقع فيه هذا الإنسان حدث لأصحاب النبي ﵊ كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاءوا إلى النبي ﵊ وقالوا: (يا رسول الله! إن الشيء ليخطر ببالنا في ذات الله لَأَن يخر أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتكلم به، فقال ﵊: أوَقَد وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان).
هذا هو الإيمان المحض (والصريح) هو الخالص، يقال: صريح اللبن، أي: اللبن الخالص (ذاك صريح الإيمان) أي: هذا هو أس الإيمان وحقيقته، وليست حقيقة الإيمان هي الشك في ذات الله، بل المقصود من الحديث، (ذاك صريح الإيمان) أنه لولا الإيمان الذي حجزك لتكلمتَ.
فإذا خطر ببال الإنسان شيء من هذا فكتمه واستغفر الله منه فهذا هو الإيمان؛ لأنه لو لم يكن عنده إيمان لتكلم به، إنما الذي حجزه وربط لسانه هو الإيمان، فذاك صريح الإيمان، وفي لفظ آخر لهذا الحديث: قال ﵊: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة)، ما استطاع أن يأخذ أكثر من الوسوسة، والوسوسة معفوٌ عنها، فكأن الشيطان ما أخذ شيئاً.
إذاً: العلم نور.
стр. 670
أهل العلم دنياهم في أيديهم لا في قلوبهم
لكن أهل العلم هذه المسألة لا تساوي عندهم شيئاً، فأهل العلم المال في أيديهم، وأهل الدنيا المال في قلوبهم، لذلك تجد الواحد من أهل الدنيا ميتاًَ على المال، وليس في يده فلس، وعنده أحلام وآلام كثيرة، وليس في يده قرش واحد، بينما أهل العلم إذا بذلوا المال وراح كله لا يتحسرون عليه، كما كان أبو الدرداء وخباب بن الأرت يفعلون.
قال خباب بن الأرت وأشار إلى صندوق.
قال: (هذا فيه ثمانون ألف درهم) وذكر مصعب بن عمير، فبكى له، قال: (لما قتل مصعب فكنا إذا غطينا رأسه ظهرت قدماه، وإذا غطينا قدميه ظهر رأسه، ولم يكن معه إلا بردة صغيرة) لأن مصعب بن عمير كان من أولاد الملوك، فلما هاجر في الله ترك الدنيا وراءه، وجعل يذكر المحن التي قابلتهم وأنهم كانوا يأكلون ورق الشجر، وأنهم لم يكونوا يجدون شيئاً، فعاش حتى امتلك ثمانين ألف درهم.
قال: ما رددتُ سائلاً -ها هو الصندوق مليء، ما سألني سائل فرددته-.
فهؤلاء هم أهل العلم، لذلك العلم يزين صاحبه.
فالرجل الذي عنده مال يُغْبَط على المال ليس لأجل المال وحده، بل لأنه سلطه على هلكته في الحق، فهو يُغْبَط من أجل هذا؛ أما المال في ذاته فلا يُغْبَط الإنسان عليه، لا في الدنيا ولا في الآخرة -وهذا عند العقلاء- لأن المال رزية، فالأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بنصف يوم، أي: بخمسمائة سنة، مع أن هناك أغنياء -أغنياء ممن تأخروا عن دخول الجنة- أفضل من فقراء سبقوهم، والغني هذا عندما يدخل الجنة بعد الحساب يكون في درجة أعلى من درجة الفقير الذي سبقه بالدخول.
لكن ما الذي أخره ماله.
والحساب في يوم القيامة حساب بالذرة وبمثقال الذرة، كما قال الله ﵎: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]؛ فالذي يرتكب المعصية ينسى تفاصيل كثيرة من المعاصي؛ لكن كلٌ ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] كله محصور.
قرأت أن بعض الصالحين وكان له أخٌ في الله يحبه، فمات أحدهما قبل صاحبه، فرأى الحيُّ الميتَ في المنام، فقال: ماذا فعل الله بك؟ قال: سألني عن مسألةٍ ما خَطَرَت لي على بال.
قال: وما هي؟ فقال: إنه كان يمشي في الحقول، فوجد سنبلة على الأرض فأخذها ورماها يميناً أو شمالاً، حتى لا يدوس عليها أحد، فسُئل: لم حذفتَها يميناً؟ وما أدراه فربما تكون للحقل الذي على اليسار، مع أنه فعلها بعفوية، أي: أنه ما قصد شيئاً، وما أخذ سنبلة وقطعها ورماها في الحقل الآخر، بل وجدها على الأرض.
فالعبد يُسأل عن كل شيء، ولهذا الملَكان اللذان يدونان كلام بني آدم، يسجلان عليه الضحكة والعطسة والكحة، وما هناك شيء يترك أبداً.
فإذا كانت هذه الأشياء المباحة تُدَوَّن على العبد، فكيف يمكن للعبد العاقل الذي سيلقى الله ﵎ غداً أن يمشي في الدنيا كما لو لم يأته رسول؟ فلذلك العلم يعصمك، والعلم يحرسك.
стр. 671
العلم يحرس صاحبه والمال يستعبد صاحبه
العلم يحرسُك وأنت تحرس المال، فانظر عندما يجعل الشخص نفسه عبداً لما يجب ألا يكون له عبداً، وهذا المال أنت أصلاً ستدفع منه للحفاظ عليه، لكي تستخدمه في الحلال، ولكي تستعبده لا لتعبده، كما قيل: (المال عبدٌ جيد لكنه سيدٌ رديء) (عبد جيد): يحل لك مشاكلك ويقضي لك كل حاجاتك، كما لو كان لك عبد إذا قلت له: اعمل كذا، قال: نعم.
واعمل كذا قال: حاضر.
فهو عبد جيد، لكنه إذا تسلط على صاحبه صار سيداً رديئاً، إذ يصير صاحبه بخيلاً، وقد قال النبي ﷺ عن البخل: (أي داءٍ أدوى من البخل؟!) أي: أي داءٍ أقبح من أن يكون الإنسان بخيلاً؟! فالمال صاحبه هو الذي يحرسه، إن كان مضطجعاً تجده يَعُدّ، أو قائماً تجده يَعُدّ، يَعُدُّ النقود ألف مرة؛ ويريد أن يضع العشرة على العشرة، والعشرين على العشرين، ويرص الأرقام على الأرقام، ويحسب، حتى يتأكد أنها متسلسلة أم لا! ولا ينام من كثرة الحسابات.
يخشى أن تصرف أمواله، أو أنه سيُقْدِم على مشروع ويخاف أن يأخذه آخر، أو يخاف أن يخسر، فقلبه يتفطر من الحسرات، ولذلك تجد الإنسان من هؤلاء إذا أصيب في دنياه خسر الدنيا والآخرة، فتجد الواحد مثلاً إذا قيل له: المصنع احترق، تأتيه سكتة قلبية! وماذا لو أنه اشتعل؟! فأنت خرجت من بطن أمك لا تملك شيئاً ولا عندك دينار ولا درهم، فما مُتَّ حتى اغتنيتَ وصرتَ من أصحاب الملايين، فكما أعطاك الله المال يمكنه أن يعطيك ثانية، فما نفدت خزائنه.
فهذا يخسر دنياه وآخرته.
والآخر صاحب أزمة الكويت لما نزل الدينار من تسعة جنيهات إلى سبعة وتسعين قرشاً، مشى في الشارع وهو يكلم نفسه! لأنه عبدٌ لهذا المال.
стр. 672
الجهل يوقع صاحبه في البدع
وهنا قَدَّم أولاً العلم (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله علماً) ثم قال: (ورجل آتاه الله مالاً): فنستشعر من هذا: أن الرجل الذي آتاه الله المال عنده علم؛ إذ كيف يسلط الرجل ماله على هلكته في الحق وهو جاهل؟! وانظر إلى قوله ﵊ في الرجل صاحب المال: (سلطه على هلكته في الحق) (الهاء) في (هلكته) تعود على الرجل أم تعود على المال؟ تعود على الرجل؛ لأنه عمل فكسب، ومن فسد مِن عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى؛ لأن العابد عندما يكون ليس على علمٍ فإنه يبتدع، ولذلك قال ربنا في النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧].
وتجد دائماًَ العابدَ الذي ليس عنده علم من أكثر الناس وقوعاً في البدع، فنفسه تسول له أنه بعد كل صلاة يسجد سجدة شكر طويلة، ويرى أن هذه قربة، وأنها ليس فيها شيء، وإذا أنكر عليه يقول: وهل أنا شربتُ خمراً، أو زنيتُ أو قتلتُ؟! كذلك أي مبتدع يقول هكذا.
أخبرني بعض الإخوة أن ثَمَّ واحداً من بعض الطرق الصوفية يصلي على النبي بعد التراويح، وفي نصفها يقرأ قرآناً، ويريد أن ينقل مثل هذه البدع في المسجد، وأهل هذا المسجد يريدون أن يقيموه على السنة، فهمس في أذني بعد صلاة الفجر بأنه حصل كذا وكذا، ويجب أن أنبه على هذا الكلام.
فقلت: سأنبه، فتكلمت كلمة مختصرة لطيفة من أجل أن أدخل بها إلى الموضوع، أول ما بدأت الدخول في الموضوع قام فالتقط المكبر، فقال لي: مع احترامي لك -وطبعاً عندما تسمع أحداً يقول: مع احترامي لك، اعلم أن الكلام الذي سيأتي ليس فيه احترام، وأنه سيقل أدبه مباشرة، وهكذا- أنا أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ما المشكلة فيها؟ هذا قرآن يا أخي، وقراءة القرآن واجبة، وأصلي على النبي ﵊، ماذا بكم؟ ألا تريدون أن تصلوا عليه؟! ثم ما هو الذنب الذي أنا ارتكبته؟ أقرأ قرآناً ويكون عليَّ وزر، أصلي على النبي ويكون عليَّ وزر، ما هذا الكلام الذي أنتم تقولونه؟! فأول ما تكلم الرجل بهذا الكلام عرفت أنه لا يستطيع تعريف معنى البدعة، ولم يخطر بباله شيء اسمه: بدعة؛ لأن أي شخص يقول هاتين الكلمتين اعرف أنه ليس لديه خلفية عن البدعة.
فالبدعة: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، طريقةٌ يفعلها الإنسان ليتقرب بها إلى الله، نزَّلها هذا الرجل منزلة الشرع فصارت تضاهي الطريقة الشرعية.
وهذه البدعة يفعلها للتقرب إلى الله ، وليس عليها دليل، هذه هي البدعة.
فقلتُ له: إذا عطس رجل وقال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ما رأيك في الصلاة على النبي بعد العطاس؟ فقال لي: قل أنت.
قلت له: أنا أسألك لأتحقق هل تعرف معنى البدعة أم لا! فالصلاة على النبي ماذا فيها؟ أنت لِتَوِّك تقول: إن الصلاة على النبي ليس فيها شيء.
قال: نعم.
قلت: إذاً ما رأيك في شخص عطس، وبعد كل عطاس يصلي على النبي؟ فسكت.
وأنا إنما أستدرجه لأننا عندنا في هذا أثر، فلو تكلم أصكه به مباشرة، وهو ما ثبت عن ابن عمر ﵄: أن رجلاً عطس عنده، فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: (وأنا أقول: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ ولكن ما هكذا علَّمنا رسول الله).
فلكي لا يقول الرجل: هؤلاء ينكرون الصلاة على النبي.
قال له: أنا أيضاً أصلي على النبي ﷺ مثلك؛ لكن ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ أن نقرن الصلاة عليه مع العطاس.
فقال لي: صحيح، لا يصلي بعد العطاس.
قلت له: إذاً: فأين الدليل على أنه يصلي بعد التراويح؟! وأين الدليل على أنه يقرأ قرآناً بين الأربع ركعات؟! فالمبتدعة خُلُوٌّ من العلم، فالذي يفسد مِن عُبَّادنا يكون فيه شبه بالنصارى الذين ابتدعوا، إذ ليس عندهم علم؛ ولذلك تجد أكثر الناس وقوعاً في الوسوسة والشبهات العُبَّاد؛ أما العلماء فلا.
لأن العالم عارفٌ بالحدود، يعرف كيف يفرق بين الحرام والحلال والشبهة، وليس عنده مشكلة؛ لكن العابد يحصل عنده إشكالات؛ لكثرة عبادته، وليس عنده علمٌ يقع في هذه الشبهات.
стр. 673
لا حسد إلا في اثنتين
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
فقد ثبت عن النبي ﷺ -كما في الصحيحين- أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله علماً، فهو يعلِّمه الناس).
لهذا الكلام تفسيران معروفان عند العلماء: التفسير الأول: راجح وهو التفسير الأول، أي: لا غبطة، فالحسد هنا: ليس الحسد المذموم، إنما هو الغبطة، والفرق بين الحسد والغبطة: أن الحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود، أن تتمنى أن يكون عندك ما عند فلان، بشرط ألا يكون عند فلان شيءٌ من هذا، فتتفرد أنت بهذا النعيم.
إنما الغبطة: أن يكون عندك مثل ما عند فلان بدون أن يزول النعيم عن فلان، يعني: أن تكون أنت مشاركاً له أو مساوياً له فقط، كرجل غني أتمنى أن يكون عندي مثل ما عنده، فنصبح نحن الاثنان أقراناً في هذه المسألة.
فالمقصود بالحسد هنا: الغبطة، أي: ليس هناك أحدٌ يستحق أن يُغْبَط، وأن نقول: ليت لنا مثله، إلا أحد رجلين: رجل عالم يعلِّم الناس، ورجل غني؛ لكن مالَه مقيدٌ بالعلم.
التفسير الثاني: (لا حسد) أي: ما حَسَدَ، نفيٌ لوجود الحسد، فإن كان حسدٌ فهو في اثنتين، فكأن هذا الكلام فيه حذف.
ولكن التفسير الأول هو التفسير الصحيح، لثبوت الحسد، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥].
فالحسد موجود.
إذاً: يتعين التفسير الأول.
стр. 674
فضل القرب من العلماء
فهذا يدل على شرف العلم؛ لذلك كان الملتصقون بالعلماء أشرف من الملتصقين بالأغنياء، وإن كانت الدنيا تحت ركاب الأغنياء.
فحتى لا يقول رجل: أنا أريد الدنيا، والعاجلة ولا تكون إلا بالمال، قال ﷺ : (إنما الدنيا) وبدأ بالعلم، ليكون لأهل العلم الدنيا أيضاً؛ لكن شتان بين دنيا أهل العلم، ودنيا أهل المال، أهل العلم يموتون على الحمد والثناء الحسن، ولذلك كان الرسل يقولون للناس: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الفرقان:٥٧]، ما نريد أجراً، فالذي يقدم لك الإحسان ولا يأخذ نظيره محمود بخلاف الرجل الذي يقدم الإحسان وينتظر، مثل مسألة النقطة في يوم الزفاف، بأن يذهب من أجل أن يعطي العريس مالاً لغرض أن يأخذه فيما بعد، لذلك الرجل العريس مباشرة يدون هذا المال في دفتر؛ لأنه عارف أنه ليس هبة بل هو دين، وأنا أعرف بعض الناس اشتكى بعضَ الناس الآخرين بأنه لم يرد له النقطة.
فمثل هذا الرجل ليس محموداً؛ لأنه كما أعطى يُعْطَي.
وبهذا الكلام اللطيف نفهم تفسير قوله ﵊: (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا انقطع رحمه وصلها)، أي: ليس الجميل أنك ترد الزيارة بزيارة؛ لكن الجميل أن من قطعك تصله، وإذا كانت هذه الزيارة في مقابل زيارة! فأين فضلك إذاً؟! فليس الواصل الذي يكافئك بزيارةٍ كما زرته واصلاً، بل الواصل من إذا انقطعت رحمه وصلها، هذا هو الإحسان.
تجد الذين يلتصقون بأهل العلم، عندهم من الخير والشرف والترفع عن الدنايا ما ليس عند الملتصقين بأهل المال، فأهل المال أذلاء؛ لأنهم على استعداد أن يفعلوا أي شيء في سبيل زيادة رأس المال، لكن أهل العلم يراقبون الله ﵎ ويتحرون مواضع أقدامهم قبل أن ينقلوها، فمن أين يأتيهم الشر؟ ولهم الشرف أيضاً، كما قال القائل لولده وهو يعظه، قال: (يا بني! من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم).
كذلك الإمام البخاري ﵀ كان أبوه من كبار التجار، ترك لابنه يوم مات ألف ألف درهم -أي: مليون- فلما حضرته الوفاة قال لابنه: (يا بني! أنا لا أعلم درهماً فيه شبهة في هذا المال) فماله ليس حراماً، بل بينه وبين الحرام مفاوز.
فاستطاع مثل هذا الرجل الصالح أن يتجنب الحرام، والأصل أنك لا تستطيع أن تتجنب الحرام، إلا إذا عرفت الحرام، كما قال القائل: عرفتُ الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه فكيف عرف الحرام؟ لأنه كان مخالطاً لأهل العلم.
ولهذا ابنه الإمام البخاري لما أراد أن يذكر له منقبة، وكل واحد عندما يذكر أباه يأتي له بأفضل شيء، فيقول مثلاً: كان رجلاً صواماً قواماً، أو كان يمشي على الماء، أو كان يطير في الهواء، أو أي شيء من هذا مما يراه مدحاً، فالإمام البخاري لما أراد أن يذكر منقبة لوالده ذكر أفضل شيءٍ يعلمه عن والده، فقال: (وسلم على فلان بكلتا يديه) هذه هي المنقبة الجميلة، أنه صافح أحد العلماء بكلتا يديه، ووجه الفخر في هذا أن يده مست يد هذا العالم الجليل ولعله عبد الله بن المبارك.
فهذا الرجل الصالح لما خالط أهل العلم كان دائم
السؤال
أأفعل هذا؟ أهذا فيه شبهة؟ أهذا فيه حرام؟ فيفتوه، فاستقامت له دنياه بمصاحبة أهل العلم، بخلاف الآخر الذي ليس عنده شيء من العلم إنما يريد أن يزيد رصيده، وسنضرب الأمثال على سوء هذا النمط الثاني، وأن صورته مظلمة، وأنه لا يخرج أبداً بحمد.
стр. 675
فضل العلم
إذاً: العلم زَين صاحبه، فالعالِم لا يضره أن يكون فقيراً، والغني الجاهل يضره ماله، لأنه لا يدري: أهذا الذي أنفق فيه المال مشروعٌ أو غير مشروع، ويمكنه أن يمسك المال فيغضب الله ﵎، كما فعل رجلٌ جاهل خُلوٌ من العلم، لما هبت ريح عاصف، والناس جأروا إلى الله، قالوا: (لئن أنجيتنا لنصدقن)، وهذا النوع من النذر المشروط فيه سوء أدب مع الله، أن تقول: إن الله ﵎ شفاني أو عافاني أو رزقني أو سهل لي مهمتي سأتصدق، فإذا لم يفعل فماذا تفعل؟ سيقول: لا أتصدق، والله ﵎ لا يعامَل هذه المعاملة أبداً؛ لذلك كان هذا النذر المشروط فيه سوء أدب مع الله ، وقد قال النبي ﷺ : (إن النذر لا يقدم شيئاً ولا يؤخره؛ لكن يستخرج به من البخيل) فالنذر لا يقدم شيئاً.
وإذا أردت أن تنذر فانذر نذراً مطلقاً، قل: لله علي كذا، سواءٌ جاءت أو لم تجيء، هذا هو الأدب.
لكن مع ذلك النذر المشروط مع سوء الأدب يلغي هذا النذر.
ويلزم الناذر أن يوفِّي بنذره؛ ولكن شتان بين رجلٍ يوفي بنذره وقد أساء الأدب مع ربه، وبين رجلٍ آخر يوفِّي بنذره وهو متأدب مع الله ﵎، فلذلك يجب أن ننتبه لمسألة النذر.
فهذا الرجل عندما هبت ريح عاصف على السفينة، وكل واحد قال: (لئن أنجانا الله لنصدقن)، وأنجاهم الله ﵎، وكل واحد أخرج ما تيسر، إلا رجلٌ واحدٌ جاهلٌ، قال: رب! ليس عندي ما أتصدق به، ولكن امرأتي طالقٌ لوجهك ثلاثاً، ولا يجوز أن يُتَقَرَّب إلى الله بمثل ذلك؛ لكنه جاهل، والجاهل عدوٌ نفسه، والجهل معرَّة؛ لذلك قال علي بن أبي طالب ﵁: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس من أهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
الرجل الأول: الذي آتاه الله علماً ومالاً، والرجل الثالث الذي آتاه الله مالاً، استحضِرْ موقف هذين الرجلين مع الخصلة الأولى والثالثة التي شرحناها الآن: (ما نقص مالٌ من صدقة): لا يعرف هذه الحقيقة إلا العالِم؛ لأن الجاهل كيف يعرف؟! (وما صبر عبدٌ على مظلمةٌ إلا زادهُ الله بها عزاً): لا يعرفها إلا العالِم.
(ولا فتح عبدٌ باب مسألةٌ إلا فتح الله عليه باب ذل): هذا أيضاً لا يعرفه إلا العالِم.
ونقيض هذه الأشياء تراها في الجهلة الذين ليس عندهم علم.
لذلك كان شرف الأول والثاني: العلم، وكانا بأفضل المنازل: (رجل آتاه الله علماً ومالاً).
والرجل الثاني: (آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً).
فهذان بأفضل المنازل.
وإفراد العلم بالرجل الثاني هو الذي جعلنا نقطع أن العلم هو الذي شرف الأول.
والرجل الثالث: (آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً) قال الرسول ﵊: (فهو يخبط) خبط عشواء، خالٍ من العلم.
الرجل الرابع: لا هذا ولا ذاك، لكن أسوته كانت الرجل الثالث، الشرير، الخُلْوُّ من العلم، قال ﵊ في الرجل الغني الجاهل: (فهذا بأسوأ المنازل، أو بأخبث المنازل) وقال في الثاني: (فهما في الوزر سواء).
стр. 676
نعمة العلم بلا مال
قال ﵊: (ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، يقول: لو أن لي كفلان لفعلت فعله فهو ونيته).
وقوله: (فهو ونيته) يفهم منه أن هذا العبد عاجز عن تحقيق الفعل، فلم يملك إلا النية، كقوله ﵊: (من لم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو)، وهذه هي النية هنا.
قال ﵊: (فهما في الأجر سواء)، كلمة (سواء) هي بدلالة أحاديث أخر لا تقتضي التسوية من كل وجه؛ بل من بعض الوجوه.
فإنك لو قلت مثلاً: محمد والأسد سواء، لا تقصد التسوية بينهما في كل شيء بل تقصد التسوية في خصلة واحدة إما الشجاعة وإما عدم الرحمة إلخ، فكلمة (سواء) ليس المقصود بها أن يُشبه بهذا الحيوان في كل شيء، وهكذا في الحديث؛ لأن مَن تعدى خيره بخصلتين، أفضل ممن تعدى خيره بخصلة واحدة، فرجل آتاه الله علماً ومالاً؛ لا شك أنه أفضل ممن آتاه الله المال فقط؛ لأن هذا الرجل مع تعليمه الناس يفرج الكربات، فهذا أفضل من الذي يعلم الناس فقط.
فالرجل الأول: خيره تعدى بخصلتين.
والثاني: خيره تعدى بخصلةٍ واحدة وهي العلم.
أضف إلى ذلك: أن العلم قد ينتفع المرء به وحده، أما المال فينتفع المرء به وينفع غيره.
هذا وجه.
الوجه الثاني: أن يكون معنى قوله ﵊: (هما في الأجر سواء) أي: وإن لم يكن الثاني كالأول؛ لكن يكمل الله له الأجر بنيته، فصار الثاني مساوياً للأول تكرماً من الله عليه، فيكونان في الأجر سواء من هذه الحيثية.
стр. 677
وجود المال مع فقد العلم
الرجل الثالث: (رجل آتاه الله مالاً، ولم يؤته علماً، فهذا بأخبث المنازل) كقارون لما وعظوه، وقالوا له: اتق الله ولا يجوز لك أن تنفق المال في هذا، ارعَ حق الله ﵎ إلى آخر الوصايا الغالية التي قالها له قومه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧].
ولأنه (جاهل غني) رد عليهم، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: إني أنا كنت عارفاً أنني سأكون غنياً؛ لأنني حسبتها حساباً صحيحاً، القرش عندي يأتي بعشرة، أو ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ أي: لولا أني أستحق الخير ما أعطاني الله، ولو كنت رجلاً سيئاً لحرمني، فأنا لا أستحق هذا إلا لأنني مقربٌ عند الله، وهذا الجواب ينمُّ عن جهلٍ فاضح.
فقارون خرج على قومه في زينته، قال ﵎: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩] فهؤلاء ليس معهم شيء؛ لكنهم قعدوا يتمنون، هذا هو الصنف الرابع، لا معه مال ولا علم، ويقول هؤلاء الذين حالهم كحال الذي يخبط خبط عشواء ويركب الظلماء ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]، هذا الرجل الذي يقولون: إنه لذو حظ عظيم، لما خسف ربنا بقارون وداره الأرض قالوا: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢]، مع أنهم كانوا يتمنون أن يكونوا كقارون.
стр. 678
حال الإنسان الخالي من العلم والمال
يوجد صنف من الناس قال الله ﵎ فيهم: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨] لا يأتي طواعية، بل هو مثل المسمار، لا يدخل في الخشب إلا إذا ضُرِب على رأسه، وهؤلاء هم الصنف الأخير، لا يثبت على مبدأ، وليس عنده مبدأ، بل مبدؤه هو هواه، وما أُشْرِب من هواه، ويتقلب على حسب المصالح، فاليوم إذا كان المدح يأتي له بنتيجة يمدح، وغداً إذا كان الشتم يأتي له بنتيجة يشتم.
стр. 679
فائدة صحبة العلماء
المسلم إما أن يكون غنياً أو فقيراً، فإذا كنت غنياً من أصحاب الدرجة الثالثة فاقفز إلى الدرجة الأولى، وإذا قلت: أنا رجل ما عندي همة لطلب العلم، ولكل مقامٍ مقال، وأنا عقلي لا يستوعب هذا العلم.
فماذا أفعل؟! فأقول لك: كن عالماً أو متعلماً، ولا تكن الثالثة فتهلك، فإما أن تكون عالماً أو متعلماً؛ لأن بعد هذين الاثنين لا يوجد غير الجهل.
وإذا لم تكن متعلماً، فلا أقل من أن تصحب أهل العلم، كما ذكرنا عن والد الإمام البخاري ﵀، عندما قال لابنه: (ما أعلم درهماً من هذا المال فيه شبهة)، فهو ما استطاع أن يتجنب الشبهات فضلاً عن المحرمات، إلا لأنه صاحب أهل العلم، فكان كلما يأتي له نوع من أنواع المبايعات يسأل أهل العلم: أهذا حرام أم لا؟ فيقال له: لا؛ ليس حراماً؛ لكن فيه شبهة، فيترك الصفقة كلها، وإذا كان حراماً يتركها قولاً واحداً.
فأنت تسعد بصحبة أهل العلم.
ولذلك قال بعض طلاب العلم بعد أن سأله رجل: أوصني.
قال له: حيثما كنت فكن بقرب فقيه.
ثم قال له: أفلا أدلك لِمَ أنا أوصيك هذه الوصية؟ قال له: كنتُ رجلاً مجوسياً، فأسلمت، فأتيت الأوزاعي وهو من طبقة الإمام مالك وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وكان إمام أهل الشام، كان مالك ﵀ يقول: أهل الشام بخيرٍ ما بقي فيهم الأوزاعي وسفيان الثوري، كان إماماً فحلاً جبلاً، لما ذهب الأوزاعي ليحج أمسك سفيان الثوري بلجام ناقة الأوزاعي يقودها في الازدحام، ويقول: أفسحوا لناقة الشيخ، فكان جليلاً، جاء رجل إلى سفيان الثوري وقال: إني رأيت في منامي أن ريحانةً قلعت من ديار الشام، فقال: ويحك إن صَدَقَت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فجاء نعيٌ الأوزاعي في مساء نفس اليوم.
هذه شذرات عن الأوزاعي، ومن سوء حظنا أننا لا نعرف هؤلاء، ونعرف من لا يساوون قلامة ظفر الأوزاعي - قال هذا: كنت رجلاً مجوسياً فأسلمت فلازمتُ الأوزاعي ﵀، فقال لي: من أي البلاد أنت؟ قلت: من بلد كذا.
قال: ألك والد؟ قلت: نعم تركتُه مجوسياً.
قال: ارجع إليه فلعل الله أن يهديه بك.
قال: فرجعتُ فوجدتُه في النزع الأخير.
فجعل يرغبه في الجنة ويرغبه في الإسلام.
قال: يا بني اعرض علي دينك.
فعرض دينه، فاستحسنه، فأسلم، ومات.
فلولا أن الأوزاعي أمره أن يرجع إلى والده لمات والده على المجوسية والله أعلم.
فانظر إلى وصية العلماء، خيرٌ مُتَعَدٍّ مباشرة، لا سيما أنه لا يسألك أجراً، والإنسان دائماً عندما يُسأل -وبالذات المال- يحس بثقل.
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيَّ آدمَ حين يسألُ يغضبُ وعندما يقول لك شخص دائماًَ: هات، هات، هات، أول ما تراه يكلح وجهك؛ لأنك عارف أنه سيقول: هات.
فأنت آمن (١٠٠ %) من هذه الجهة وأنت بقرب العلماء؛ لأن العالم يكون له الفضل عليك دائماً؛ لأنه لا يسألك شيئاً وأنت تسأله، فالفضل دائماً لليد العليا.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله أجمعين.
стр. 680
أصحاب الصنف الرابع أكثر الناس تقلباً
فأصحاب الدنيا هم الصنف الرابع، حيثما وجدوا مصلحتهم يذهبون، لذلك تجد الواحد منهم على استعداد بأن يغير موقفه مع تَغَيُّر المصلحة.
قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩]، ولما خسف الله بقارون الأرض قالوا: الحمد لله أننا لم نكن كقارون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص:٨٢] وكأن المسألة عندهم شك فيها، أي: ليس أكيد أن الله ربنا يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، لا.
بل كأن الله، والذي يقول: (كأن) يكون غير متأكد من الموضوع، مثل بلقيس ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل:٤١] فلما دخلت: ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، أي: أنه يشبهه؛ لكنها ليست متأكدة، أهذا هو العرش حقاً أم لا؟ بل ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢].
وهم طبعاً لأنهم عوام -والعامي مشتق من العماء، ليس عنده تصور عن أي شيء- قالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، كأنه لا يفلح الكافرون، أي: أنه ليس متأكداً أن الظالم نهايته سيئة؛ لأنه من العوام.
стр. 681
المفاضلة بين العالم الغني والعالم الفقير
فلذلك المسلم العاقل الذي يعرف أن الآخرة خيرٌ وأبقى يجتهد على أن يكون من الصنف الأول أو الثاني فقط.
فإما أن يكون رجلاً غنياً فيجتهد في أن يكون دائماًَ من الصنف الأول بأن يتعلم، ولا يرضى لنفسه بأن يكون بأخبث المنازل، كما قال النبي ﵊.
وإما أن يكون رجلاً عنده علم لكنه فقير، فلا يتحسر على نفسه لأنه الثاني مباشرة في الترتيب، ثم هو وصاحب الدرجة الأولى سواء، بل هو في ذات نفسه أفضل من الأول، فالأول أنفع للناس، والثاني أنفع لنفسه.
فالغني يتأخر؛ لأن هناك حسابات، فلو كان هناك عالم غني وعالِِم فقير، الذي يدخل الجنة أولاً هو الفقير.
فإذاً: الفقير نفع نفسه وأما الغني فنفع غيره؛ لذلك كان الأول أفضل بالنسبة لله، والثاني كان أفضل بالنسبة لنفسه.
ولذلك قال الله ﵎: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وهناك فرق بين من يتصدق علانيةً ومن يتصدق في السر.
الذي يتصدق في السر، الخير عائد عليه هو؛ لأنه حفظ نفسه من الرياء، لذلك قال ربنا : ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] وليس لهم؛ لأن (لهم) فالأول أحسن.
وفي المقابل قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١]، أي: نعم ما فعلتم؛ لأنه قد يغار شخص فيقول: وهل فلان أحسن مني؟ لماذا يتصدق وأنا لا أتصدق؟ فيتصدق.
فيكون هذا أصلح للفقراء؟ لذلك كان الذي يظهر الصدقة خيره يتعدى؛ لذلك قال الله: نعم ما فعل.
لكن الثاني الذي تصدق في السر، ضمن إخلاصه وحصَّن نفسه من الرياء، فكان خيراً له مثل الفقير.
стр. 682
من أخبار الشعراء المتقلبين حسب المصالح
هذا مثل الشعراء، فمثلاً: المتنبي يعد مِن أشعر الشعراء، إذا قرأت شعرَه أحسست بجزالة ورشاقة، وشعره جميل جداً، ومع ذلك كان شاعراً مثل الشعراء الذين قال الله فيهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٥]، والكلام أسهل شيء على الإنسان، فهذا أبو العلاء المعري يقول: إني وإن كنتُ الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل فقيل له: فهاتِ لنا حرفاً زائداً عن حروف الهجاء، هي ثمانية وعشرون حرفاً.
فعجز؛ لأنه مجرد كلام، وأسهل شيء الكلام.
فهذا المتنبي لما جاء مصر ودخل على كافور الإخشيدي حاكم مصر أخذ يمدح فيه وكاد أن يوصله إلى درجة الألوهية.
فلما انصرف عنه وذهب إلى أمير آخر وصفه بأوصاف قذرة جداً جداً، حتى وصفه بأنه لا يستطيع مباضعة النساء.
فهذا الكلام بحسب المصلحة، إذا كانت مصلحته يميناً ذهب يميناً أو يساراً ذهب يساراً، بل ربما يقتل نفسه إذا كانت مصلحته في ذلك، كما فعل أبو دلامة الشاعر: كان المهدي وعلي بن سليمان رئيس وزراء المهدي، يصطادان، وأبو دلامة كان شكله قبيحاً، وكان كل شعرٍ يقوله يأخذ عليه نقوداً، ومرةً خرج أبو دلامة مع المهدي وعلي بن سليمان في رحلة صيد، فرمى المهدي ظبياً، ومرَّ كلب فأصابه سهم علي بن سليمان.
فقال المهدي لـ أبي دلامة: قل لنا شعراً في هذ! الموضوع.
فقال: قد رمى المهدي ضبياً شك بالسهم فؤادَه وعلي بن سليمان رمى كلباً فصاده فهنيئاً لهما كلُّ امرئ يأكل زاده فأعطى له المهدي ثلاثين ألف درهم، كل بيت بعشرة آلاف درهم.
فعندما كانوا جميعاً -هؤلاء الثلاثة- قال له المهدي: يا أبا دلامة اهجُ أحدَنا.
فهل عنده جرأة ليهجو المهدي، أو يهجو رئيس الوزراء؟! إذا فعل سيقع في مصيبة.
فوجد أن أخف الضررين أن يهجو نفسه، فقد قال له: لا بد أن تهجو أحدنا، أحد الثلاثة.
فقال: ألا أبلغ لديك أبا دلامة فليس من الكرام ولا كرامة إذا لبس العمامة كان قرداً وخنزيراً إذا وضع العمامة فأعطاه عشرة آلاف درهم.
ومرةً مرَّ جماعةٌ من الشعراء، وكان لهم لبس معين عندما يكونون ذاهبين إلى الخليفة في عيد لأجل أن يمدحوه.
فرآهم واحد من الذين يحبون الأكل، فقال: هؤلاء ذاهبون إلى وليمة، فتبعهم ودخل، فلما دخل، جاء فدخل أمير المؤمنين، وبدءوا من اليمين، فأخرج الأول عريضة وأخذ يقول شعراً، والطفيلي هذا في الأخير، فأحس بالورطة التي وقع فيها؛ لأنه جاء ليأكل، وكان يظنها وليمة، وإذا بها ورطة أمام الخليفة، فكل منهم قال شعراً حتى وصل الدور إلى الطفيلي.
فقال الخليفة: ماذا يا فلان؟ أنشدنا من أبياتك.
فقال: ليس عندي شيء.
فقال: إذاً: ما الذي أدخلك؟ وكيف جئت؟ النقع والسيف! -النقع هو الجلد-.
فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين! ألم يقل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤]؟ فأنا غاوٍ! كنتُ ماشياً وراءهم.
стр. 683
الاستسلام لله
إن الله خلق الخلق بقدرته، وقدر أقدار الخلائق قبل خلقها، وعلى الإنسان أن يسلم لقضاء الله تعالى وقدره، وذلك بأن يعمل بما أمره الله، وينتهي عما نهى الله عنه، ثم يسلم لما حكم الله به وقدره عليه.
والذي ينظر إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة، يلحظ طرفاًَ من حكمة الله تعالى في القضاء والقدر، مما يدفعه إلى التسليم والخضوع لله.
стр. 684
من أحكام اللقطة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:٧ - ٩].
أيها المسترشد! لا تنظر تحت قدميك، فإن تحت قدميك سوءَ الحال؛ ولكن بالصبر واليقين.
وإذا نظرتَ أمامَك سوف ترى بعينيك جميلَ المآل، فالإنسان في حياته يمر بهذين الطورين ولا بد، ولو معكوساً، إما أن يمر بسوء الحال ثم يجني حسن المآل، وإما العكس، كما قال النبي ﵊: (لا يجمع الله على عبدٍ أمنين ولا خوفين، إن أمَّنه في الدنيا أخافه في الآخرة، وإن أخافه في الدنيا أمَّنه في الآخرة).
ولو نظرت إلى سيرة الأفاضل الأماثل بدءاً من الرسل، لرأيت أنهم يمرون في حياتهم بسوء الحال، لكن كما قال النبي ﷺ : (كذلك نحن معاشر الأنبياء نُبتلى، ثم تكون العاقبة لنا): (نُبتلى): هذا سوء الحال.
(ثم تكون العاقبة لنا): وهذا جميل المآل، أي: ما يئول إليه الأمر.
وقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ [القصص:٨] يوجد باب في الفقه اسمه باب اللُّقَطَة، أي: مَن وجد شيئاً على الأرض، ليس مِلْكاً له فالتقطه، فلا يظن أنه صار ملكاً له، بل هذا الشيء له أحكام.
سُئِل النبي ﷺ عن لُقَطة الغنم، ماذا نفعل فيه؟ قال: (هي لك أو لأخيك أو للذئب) أي: إما أن تأخذها، وإما أن يأخذها أخوك؛ صاحبها، وإما أن يأكلها الذئب، فيكون هذا فيه حظ لك أن تأخذها؛ لأن أخاك الذي هي ملكه تاهت عنه، فما بقي إلا أنت أو الذئب، والأصل: إصلاح المال؛ لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، فلو تَرَكْت خروفاً لذئبٍ افترسه فخذه أنت.
وسُئل عن ضالة الإبل فغضب، وقال: (معها حذاؤها وسقاؤها) أي: ما لك وما لها، كأنما قال له: خذ ضالة الغنم ولا تأخذ ضالة الإبل.
لماذا؟ لأن الجمل معه حذاؤه -خُفُّه- وهو سريع، يستطيع أن يفر من الذئب والسبع، ثم هو صبور معه سقاؤه، يمكنه أن يظل يومين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أيام بغير ماء، ثم يعثر عليه صاحبه.
إذاً: نفهم من هذا أن أموال الناس الأصل فيها العصمة والحرمة، إذ لو تساوت ضالة الإبل مع الغنم لسوى بينهما في الحكم؛ لكن لما افترقت الضالتان من حيث القدرة على الامتناع فكأنما قال لك في ضالة الإبل: اتركها لعل صاحبها أن يجدها؛ ولكن لما كان الغالب على ضالة الغنم أن يفترسها الذئب فحفاظاً على المال قال: (خذه).
ثم لا يحل لك ما أخذته مما ليس من مالك إلا بعد أن تعرِّفه سنة، فمثلاً: وجدت ضالة الغنم، عليك أن تعرفها سنة بأي وسيلةٍ من وسائل التعريف التي يحصل بها الإعلان، وليس كما يفعل بعض الناس يكذب وهو لم يعرفه إلا ساعة في العمارة التي وجده عندها، يقول: أضاع الجدي، وأين صاحب الجدي؟! ولماذا سيصعد العمارة؟! فإنه لا يكون إعلاناً إلا إذا تم المراد منه، فهو إما أن يستأجر سيارة، أو ينشر لافتات في الميادين العامة التي تعتبر مظنة ورود أكبر عدد من الناس، أو يلصق على أبواب المساجد من الخارج، أيضاًَ هذا مظنة وجود أكبر عدد من الناس.
ثم إذا جاء الرجل يدَّعي أن له حقاً؛ فالنبي ﷺ قال: (اعرف عفاصها ووكاءها) العفاص: أنت تعرف أنك عندما يكون معك محفظة، فشكل المحفظة الخارجي اسمه العفاص.
والوكاء: مثل الخيط الذي يُشَد به فم القربة، هذا هو الوكاء.
فإذا جاء رجلٌ يدعي أن له حقاً، قل له: صفه لي؟ فإذا أتى بالأوصاف على وجهها، أعطيته، وإذا ضل في الوصف فلا تعطه.
وإنما شدد النبي ﷺ علينا في الضالة واللقطة؛ لأن النفس تفرح إذا جاءها الرزق بغير جهد، وكم من إنسان وقع في أزمةٍ مالية، وهو يحلم أن يكون لديه محفظة، أو يجد مثلاً مبلغاً من الفلوس هكذا في الشارع؛ لأن النفس إذا جاءها الرزق بغير جهدٍ فإنها تسعد وتفرح.
стр. 685
من أسرار القدر وحكمة الله فيه
стр. 686
فرح فرعون بما هو سبب لزواله
نفهم من قوله ﵎: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص:٨] مدى الفرحة الطاغية التي أصيب بها آل فرعون لما وجدوا الصندوق، فالتقطوه، فكانت فرحتهم بهذا الصندوق كفرحة المفلس إذا وجد مالاً في الطريق.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاًً وَحَزَناً﴾ [القصص:٨] وفي القراءة الأخرى المتواترة: ﴿لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوَّاً وَحُزْنَاً﴾ [القصص:٨].
السؤال
هل آل فرعون التقطوا موسى ليكون لهم عدواً وحزناً؟ لا.
إنما (اللام) في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ [القصص:٨] (لام المآل) و (لام الصيرورة)، أي: أنه يصير لهم في نهاية الأمر كذلك؛ لكنهم يوم التقطوه إنما التقطوه ليكون قرةَ عين: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩].
فلو أردنا أن نرتب الآيات بحسب المعاني كان الأمر كذلك: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم قرة عين وهم لا يشعرون أنه يكون لهم عدواً وحزناً.
كما لو قلت: تزوج فلانٌ ليشقى.
وهل تزوج ليشقى؟ إنما تزوج ليسعد، فبنى بامرأة سوءٍ أشقته.
أو مثلاً كقول الشاعر: لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب لِدُوا للموت؟! فهل الأم التي تعاني آلام الحمل، وآلام المخاض، وآلام الرضاع، وآلام التربية، لو وقر في صدرها أن ابنها يموت عندما ينزل من بطنها ما حملت، إنما حملت وشقيت لتنتظر حياة الولد، ولو كانت تعلم يقيناً أنه يموت عندما ينزل من بطنها ما حملت.
فاللام (لام المآل)، أي: ما يئول إليه الحال.
وهكذا: اعلم أن أهلك سيدورن في هذا الفلك، فينبغي أن تُسَلِّم لله فيما قضى واختار لك: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨].
انظر إلى الترفع في الآية: (ما كان لهم الخيرة) لأنهم لا يعلمون شيئاً، كم من والدٍ تمنى الولد، فلما رزق الولد وعَقَّه تمنى موته، ولو كان يعلم أن أمره يئول إلى ذلك ما ربَّى ولا تعب ولا أنفق.
стр. 687
طفل رضيع أنطقه الله بما لا تعلم أمه
رب إنسان تمنى تَلَفَه وهو لا يدري: إن طفلاً رضيعاً بصَّره الله فعلَّمنا الحال والمآل، كما روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁: (لم يتلكم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصاحب جريج -وساق قصة جريج - ثم قال ﵊: وبينما امرأةٌ تُرْضِع ولدها إذ مر رجلٌ على دابة فارهة وله شارةٌ حسنة)، (دابة فارهة): قوية، نشبهها الآن بأفخم السيارات، وشارة حسنة: -أُبَّهة وعز، رجلٌ في موكب، وابنها يرضع، فعلى عادة الآباء والأمهات يتمنون لأولادهم أفضل مما هم فيه، كل والد يتمنى لابنه أفضل مما هو فيه، وكذلك الأم- فقالت الأم -التي تنظر بنظرة أهل الدنيا- (فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك الولد الرضيع ثدي أمه، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثدي أمه يمصه، قال: أبو هريرة: ولَكَأني أنظر إلى رسول الله ﷺ ، وقد وضع إصبعه في فمه يمصها) وهو يقلد فعل الولد، وهذا فن من فنون الدعوة؛ أن يكون عندك القدرة أن تستحضرَ المشهد وتُجَسدَه للمستمع، حتى ولو عن طريق السؤال والجواب، أو سرد حكاية كنوع من ضرب المثل، المهم أن تتفنن في إيصال المعلومة، وكان هذا دأباً للنبي ﵊ وهو سيد الدعاة إلى الله .
ومن بعض ما ذَكَرَ لنا تعلمنا أنه مَرَّ هو وأصحابه على جدي أسَكٍ ميت: فوقف وقال لأصحابه: (أيكم يشتري هذا بدرهم؟ قالوا: يا رسول الله! والله لو كان حياً ما اشتريناه -لأنه أسَك مقطوع الأذنين- فقال: أترون هذه هينةً على أهلها؟ -يعني الجيفة- قالوا: أجل، قال: والله للدنيا أهون عند الله من هذا على أهله).
فلما سأل وقال: (أيكم يشتري هذا بدرهم؟) كان يعلمُ سلفاً أنه لا أحد يشتريه، إنما يريد أن يستحضر حقارة الدنيا؛ ويقيم الحجة عليهم بألسنتهم، فقد قالوا: (والله لو كان حياً ما اشتريناه) أي: نحن زاهدون فيه حياً وميتاً، فيكون الجواب بعد ذلك: فلِمَ تقتلُ أخاك على الدنيا إذا كانت بهذه الحقارة؟ نور الاستحضار للمشهد! ولذلك ضرب الله الأمثال في القرآن لنا: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١].
اربط ما بين المثل وما بين الواقع.
فالنبي ﵊ أقبل على إصبعه يمصها، مع أن الصحابة يعلمون كيف يمص الصبي ثدي أمه؛ لكنها مبالغة واستحضار للمشهد، كما قرأ ﷺ قوله ﵎ لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، فجعل يشير إلى عينه وأذنه، تأكيداً للمعنى، وليس تفهيماً بطبيعة الحال.
قال: (ثم مروا بفتاةٍ يضربونها ويقولون لها: زنيتِ، سرقتِ، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت: الأم: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك ثدي أمه، وقال: اللهم اجعلني مثلها.
قالت له: حلقاء!) دعت عليه، (حلقاء) أي: أُصِبْتَ بوجعٍ في حلقك، يعني: لماذا تخالفني؟ وما هذا الذي تقول؟ (فقال لها: فأما الرجل الذي يركب دابةً فارهةً، وله شارة حسنة، فإنه جبار من الجبابرة؛ وأما التي يقولون لها: زنيتِ؛ ولم تزنِ، سرقتِ؛ ولم تسرق، فإنها مظلومة).
مَن الذي علم هذا الولد الرضيع هذا السر الذي خفي على أمه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]، أن تبصرَ بالحال والمآل وتستقيمَ، هذا لا يبصرك به إلا الله.
стр. 688
التسليم لقضاء الله وقدره
لا بد عليك أن ترضى بالقضاء، هذا هو حلك الوحيد، ليس لك حلاً غيره، وأن تُسَلِّم لله فيما اختار، ولا تعترض على ربك فيما فعل، فإن الله لا يفعل الفعل إلا لحكمة جلت عن أفهام العباد.
وصدق إبراهيم الحربي ﵀ حين قال: من لم يؤمن بالقدر لم يتهنَّ بعيشه.
أي: فهو ساخط وكاره بصفة متسمرة.
ذكر يحيى بن عاصم الغرناطي في كتاب (جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى) عن بعض الكتب الإسرائيلية: أن نبياً من أنبياء بني إسرائيل كان يجلس على قمة جبل، فرأى فارساً وبيده صُرة مال، وأتى على بئرٍ فوضع الصرة على حافة البئر ونزل فشرب، ثم نسي المال وانصرف، فجاء راعي غنم يسقي غنمه فوجد المال فالتقطه، وسقى الغنم وانصرف، ثم جاء رجلٌ شيخٌ كبير، فجاء البئر بعد انصراف الراعي فشرب وجلس، وتذكر الفارس مالَه فرجع، فوجد ذلك الرجلَ يجلس على حافة البئر، قال: أين المال؟ قال: ما أعرف شيئاً، قال: المال معك.
ولم يشك الفارس أنه التقط المال، فلما أنكر الرجلُ أخرج الفارسُ رمحاً وقتله، فقال النبي ﷺ : أيُقْتَل البريء ويفر الآخذ؟ فقال الله له: إن لي حكمةً جَلَّت؛ أما هذا المال فكان مِلْكاً لوالد الراعي أعطاهُ والدَ الفارس، ولا يدري الراعي ولا الفارس، وأما هذا الذي قُتِل؛ فإنه قتل أبا الفارس، فسلطت ولي الدم عليه، فأخذ بثأر أبيه، فبَكى ذلك النبي وقال: لا أعود! مجرد
السؤال
يا رب ما هذا؟ إن لم تسلم بأن الله فعال لما يريد، ولا يظلم مثقال ذرة، تسلل إليك الشيطان من هذا الباب.
والذين ضلوا في باب القضاء والقدر هم القدرية والجبرية، فِرَق فيها عباقرة، وفيها أناس من أذكياء العالم، لماذا ضلوا؟ لأنهم ولجوا هذا الباب، وهذا الباب بضاعته التسليم والرضا، وليست بضاعته العقل، ولذلك كان هناك فرق واضح بين أصحاب النبي ﷺ وبين الأجيال التي خلفت بعد ذلك.
ففي الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب ﵁: (أن النبي ﷺ دَفَنَ جنازةً في بقيع الغرقد، وكان بيده مسطرة، فجعل ينقش بها في الأرض، فقال: ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا وكتب مقعدها من الجنة ومقعدها من النار، فقال سراقة بن مالك: يا رسول الله! أهذا أمرٌ مضى وجفَّ به القلم أم مستأنَف؟ قال: بل جف القلم بما أنت لاق، وفي بعض الروايات قال سراقة: فلا أجدني أشد حرصاً مني على العمل مثل الآن) ولم يفهم هذا الفهم المعكوس الذي تسرب إلى جماهير المسلمين فسألوا السؤال المنكوس: إذا قدر الله عليَّ المعصيةَ فلِمَ يعذبني؟! وهذا اتهامٌ لله ، والصحابة لم يكونوا كذلك، قال له النبي ﷺ : (بل جف القلم بما أنت لاقٍ) أي: انتهى وكُتِب عند الله : أنك من أهل الشقاوة، أو من أهل السعادة.
стр. 689
قصة الخضر وموسى ﵉
إذاً: سَلِّم لربك، فله العلم المطلق، وهو الذي يعرف الخواتيم، ولا حيلة إلا إذا علَّمك الله، واعتبر بحديث موسى ﵇، فهو نبي من أولي العزم ومرسلٌ إليه، ومع ذلك اعترض على الخضر.
الخضر علمه الله هذه الآيات، وموسى أفضل من الخضر بالاتفاق، ومع ذلك غاب عن موسى ما لم يعلمه ربه، وكانت رحلة موسى إلى الخضر بسبب كلمة واحدة قالها موسى ﵇، فأراد الله أن يؤدبه وأن يعلمه؛ ذلك أن موسى ﵇ كما في الصحيحين: (خطب بني إسرائيل خطبةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، ورقت لها الجلود، فقال رجل من بني إسرائيل: يا نبي الله! أحدٌ في الأرض أعلم منك؟ قال له: لا.
فعَتَب الله عليه إذ لم يرجع العلم إليه) أي: لماذا لم يقل: الله أعلم (فقال الله له: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: أي ربِّ! كيف لي به؟ قال: خذ حوتاً) إلى آخر القصة المعروفة.
فالله هو الذي علَّم الخضر هذه القضايا وحجبها عن موسى؛ ولذلك بادر موسى إلى الاعتراض بما عنده من العلم، فالغلام الذي قتله الخضر اعترض موسى ﵇، وقال له: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤]، أي: فعلتَ شيئاً منكراً! لأن في شريعة الأنبياء أن مَن قتل نفساً يُقتل بها، فقتلَ ﴿نَفْساً زَكِيَّةً﴾ [الكهف:٧٤] وفي القراءة الأخرى المتواترة: ﴿زَاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤] بغير أن يرتكب الطفل جرماً فيُقتل بمقابل المقتول.
فأعلمه الخضر أن هذا الولد له أبوان مؤمنان شيخان كبيران، والله خَلَقَه كافراً، وسيعيش كافراً، ويشب ويشيخ ويموت كافراً، فما ظنك بأبوين شيخين مؤمنين ضعيفين في بيتٍ فيه كافر متمرد! ماذا نفعل فيهما: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانَاً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠].
من الذي يعلم هذه العواقب؟ الله ، ومَن علَّمه الله .
وإذ قد انقطع الوحي بعد نبينا ﷺ ، فلا يبقى إلا التسليم المطلق لأحكام الله والرضا بما يقدره على العبد.
ومن أصول الإيمان: الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره.
أقول قولي هذا.
وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 690
العمل بالأسباب والتسليم للقدر
يوم يقول سراقة بن مالك صاحب الفكر المستقيم والعقيدة المستقيمة: (لا أجدني أشد حرصاً مني على العمل مثل الآن) فعلم هذا الموفق: أن العبد منه السبب، والسبب يكون على وفْق ما أراد الله ، فلا تعارض بين السبب والقدر؛ لأن السبب جزءٌ من القدر.
لا تقل كما قال البعض: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] أبداً، لا تقل: لولا أنه خرج من بيته ما مات، كان لا بد أن يخرج ليموت؛ لأن خروجه جزءٌ من القدر، وليس القدر منفصلاً عن السبب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل:٥ - ٦].
هكذا قرأ النبي ﷺ هذه الآيات بعد كلام سراقة: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى)) يوجد ثَمَّ إعطاء من العبد، ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل:٥ - ٦].
إذاً: أعطى، واتقى، وصدق، كل هذا كسبُ العبد وشغلُه: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٧]: هذا هو القَدَر.
إذاً: لا يمكن أن يُيَسر لليُسرى إلا إذا أعطى، واتقى، وصدق، فالذين يقولون: إنه كتب علينا النار وأدخلنا النار، وما لنا حيلة، أين هذا؟! هذا مضاد لكلام الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:٨ - ١٢].
إذاً: بيَّن لنا ربنا أنه يوجد سبب ممدود منه، وهذا السبب يكون على وَفْق النهاية، كما قال النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراع -أو قيد شبرٍ- عَمِل بعمل أهل النار فدخل النار، وإن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراع -أو قال: قيد شبرٍ- عمل بعمل أهل الجنة فدخل الجنة).
فهذا أيضاً حال ومآل؛ لكنه معكوس لتتم حكمة الله ، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، وقَبْل أن يموت بشبرٍ يعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، فيَتُوْه العباد، ويسألون: كيف ذلك؟ وأين ذهب هذا العمل في الزمن الطويل؟ أما نفعه هذا الزمن الطويل، ودخل النار في شبر.
هنا يُمْتَحَن الذين آمنوا، والذين رق دينهم هم الذين يعترضون على ربهم.
ورجلٌ يعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراعٍ أو قال: قيد شبر، -يعني: مسافة بسيطة وزمناً يسيراً- عمل بعمل أهل الجنة ودخل الجنة، فأين ذهب عنه السوء؟ فيقال له: قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم)، رجلٌ صلى صلاةً طويلة، قرأ فيها بالقرآن كله، وقبل أن يسلم أخرج ريحاً، فما حكم صلاته؟ باطلة! ورجلٌ صام في يومٍ طويلٍ شديد الحر، حتى إذا كان قبل المغرب أفطر، فما حال صيامه؟ باطل! وأين شقاء اليوم كله؟ ذهب هذا هو توضيح الحديث.
وهناك زيادةٌ وَرَدَت في صحيح مسلم تكشف هذا اللَّبس، وهي قوله ﷺ : (إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس).
إذاً: نفهم أن العمل الحسن لم يكن مخلصاً فيه، وكان يرائي الناسَ: (فيما يظهر للناس)، ولذلك خُتِم له بالشقاء؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠] أي: أحسن عملاً بالإخلاص ومتابعة الرسول ﵊، هذا هو الإحسان في العمل، فإذا لم يخلص يُخْتَم له بذلك، وإن كان عند الناس محسناً.
وكذلك الذي عمل بعمل أهل النار مثل الرجل الذي قتل مائة نفسٍ وخرج إلى الأرض التي أرشده الراهب إليها ليتوب، فما خرج غير بعيدٍ حتى قُبِض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى الأرضَ من تحته، فأوحى لهذه أن تقرَّبي، وهذه أن تباعدي، فقاسوا المسافةَ ووجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبرٍ واحد.
ماذا فعل؟ قتل مائة نفسٍ، وتوجه إلى أرضِ التوبة، هذا كل الذي فعل، هذا الشبر.
стр. 691
فوائد الذكر
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناءُ الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
نبينا ﷺ علَّمنا أن نلجأ إلى ربنا ونحن في قمة العجز، وذكرنا أن نتلو هذه الكلمات يومياً عدة مرات.
كان يعلِّمنا فيقول: (إذا أوى أحدُكم إلى فراشه فليَنَمْ على شقه الأيمن، وليضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، وليقل: اللهم ألجأت ظهري إليك، ووجهت وجهي إليك، رغبةً ورهبةً إليك، آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت.
قال ﷺ : فإن مات من ليلته، مات على الفطرة).
الأذكار المفرقة: - أذكار الصباح.
- أذكار المساء.
- دخول الخلاء.
- الخروج من البيت.
- رؤية الرعد.
- رؤية البرق.
- رؤية المطر.
- رؤية المبتلى.
- رؤية الشمس.
- رؤية الريح.
- رؤية الماء.
- النظر في المرآة.
- إذا عطست.
- وأنت تمشي.
كل هذه لها أذكار، كل شيءٍ في الكون تنظر إليه بعينك له ذكر، فحيثما وجهتَ وجهك ذكرتَ، هذه وظيفة الأذكار، وفائدتها أنها سلاحك، يقول النبي ﷺ يعلمك: (اللهم ألجأت ظهري إليك) لما جاء قوم لوط يُهْرَعون إلى أضيافه، ماذا قال لوط؟ ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوّ َةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، أي: لو أن هناك واحداً يحميه! فقال النبي ﷺ معقباً: (يرحم الله لوطاً قد كان يأوي إلى ركن شديد).
فهذا هو الركن، وهو ربنا ، قد كان يأوي إلى ركنٍ شديد.
стр. 692
الأذكار حصن للنائم سلاح لليقظان
وأنت مستيقظ تتكلم ذاكراً لربك، فلا يغلبك شيطانك أبداً، مع أنه أقوى منك جسدياً، وعنده مواهب وإمكانات أعطاه الله إياها، ولم يعطِكها، ومع ذلك أنت أقوى منه بالله.
كذلك وأنت مستيقظ، إذا كنتَ تقول الأذكار لا يتمكن منك الشيطان.
فإذا نمتَ وكَلَّ وتوقف لسانك عن الذكر فكأنك ألقيت سلاحك، وعدوُّك شاهرٌ سلاحَه أبداً، لا يَمَل ولا يَكِل في طلبك وفي اصطيادك، ودَّ الشيطانُ وأعوانُه ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] الأذكار! ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢].
وأنا مستقيظ لا يقدر علي، فإذا نمت، والنوم أخو الموت، وقد ألقيت سلاحي؟! سن لك النبي ﷺ أن تذكر ربك قبل منامك فيتولى هو حفظُك؛ ولذلك جاء في الحديث: (ألجأتُ ظهري إليك)؛ فإن الإنسان لا يُغتال إلا مِن قِبَل ظهره؛ ولذلك طعنات الغدر لا تأتي إلا مِن قِبَل الظهر، لا تأتي مِن الوجه، تأتي غيلةً وخيانةً وغدراً، وأنا أحتاج إلى أن يُحْمَى هذا الظهر، فقال النبي ﷺ : (ألجأتُ ظهري إليك)، فأنت في حال المنام آمَنُ منك في حال اليقظة.
ولذلك قال بعض العلماء: إن الذي يُبْتَلى بالمس عادةً يُبْتَلى وهو نائمٌ، أغلب حالات المس التي يصاب الإنسان بها يُبْتَلى بها وهو نائم، كشخص مغفل يرمي سلاحه، وعدوه جاهز، ما المُتَصَوَّر؟ أن يغتاله عدوه، فأغلب حالات المس تصيب الإنسان وهو نائم.
فكل مرة تنام فيها تقول هذا الدعاء: (ألجأت ظهري إليك، ووجهت وجهي إليك)، (وجهت وجهي): الوجه هنا أو الجهة معناها: يا ربِّ ألجأت ظهري إليك، فاحمني من عدوي في حال حياتي؛ فإذا قضيتَ منامي فوجهي إليك، هذا معنى (وجهت وجهي إليك) وجهي إليك إذا متُّ؛ ولذلك قال النبي ﵊ في آخر الدعاء: (من مات في ليلته، مات على الفطرة)؛ لأن الشخص يقول: يا رب! وجهي إليك إذا مُت.
فهذا الذكر أنت مطالبٌ أن تقوله كل يومٌ، فإذا كنت تقوله كل يوم فمتى تغفل؟! فخلعت حولك وقوتك عندما قلت: (ألجأتُ ظهري إليك فاحمِني)، وخلعت حولك وقوتك وعلمت أنك راجعٌ إلى ربكَ رغم أنفك فقلت طواعيةً: (وجهتُ وجهي إليك).
فإذا أذن الله لك في عمرٍ باقٍ فاستيقظت في صباح غدٍ، فأول شيءٍ يلهج به لسانك ذكر من تحب: (الحمد لله، أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
عندما يكون الإنسان بهذا العجز وهذا النقص، فعلمه ناقص، وقدرته ناقصة، وتفكيره ناقص، وقوته ناقصة، وكل صفاته ناقصة، فما باله يدعي كمال العلم، فيعترض على ربه في باب القضاء والقدر؟!
стр. 693
التسليم لنصوص الشرع
آل فرعون التقطوا موسى ليكون لهم قرة عين؛ لكن الله قدر أن يكون عدواً وحزناً، وهم لا يشعرون أنه يكون كذلك، إذ لو شعروا ما فعلوا.
وكذلك باب القضاء والقدر، كله يأتي غفلة.
ثم ذكر الله العلة في هذه العقوبة، والعلماء يقولون: إن النصوص قسمان: - معقول المعنى.
- غير معقول المعنى.
كل النصوص إما أن تكون معقولة المعنى لك، تفهم الحكمة منها والحكمة من تشريعها، وتعرف لماذا أراد ربك لك ذلك، ولماذا فرض النبي ﷺ عليك ذلك أو استحبه لك.
وهناك نوعٌ آخر لا تعلم الحكمة منه؛ إنما ابتلاك الله به ليرى أتسمع وتطيع أم لا! حركات الصلاة، والحج، والسعي، والطواف، كله توقيفي لم يظهر لنا وجه الحكمة من تشريعه: - تضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ لماذا؟ لا ندري.
- ترفع يديك هكذا تجاه القبلة؛ لماذا؟ ليس عندنا علم.
- تضع جبهتك في الأرض بالطريقة الفلانية؛ في السجود مرتين، وفي الركوع مرة؟ لماذا؟ - ما الفرق بين التورك والافتراش؟ ولماذا التفريق بينهما؟ - ولِمَ الإقعاع بين السجدتين؟ ولماذا لا نقعي في غير ذلك؟ كل هذا نقول فيه كما قال النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو صلى كما علمه جبريل، وجبريل صلى كما علمه الله .
إذاً: هناك نصوص لا ندري لماذا شرعت، إلا التسليم والإذعان والانقياد.
ونصوصٌ أخرى فيها العلة.
الفرق بين النص الذي أتى بالعلة والذي لم يأتِ بالعلة: أن النص الذي فيه العلة يريح قلبك، وكل الآيات التي فيها عبر وعظات ذكر فيها العلة، حتى تعتبر، فإنه لو لم يذكر لك العلة لم توجد العبرة.
لماذا عاقب الله فرعون بموسى؟ ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، هذه هي علة العقوبة، لأن هناك من الناس مَن يقول: أنا عبد المأمور، نقول: هذا التعبير غلط، كيف جعلتَ نفسك عبداً لعبد؛ ولكن إذا كنت لا بد قائلاً، وإذا كنت لا بد أن تستخدم هذه العبارة، فقل: أنا عبدٌ مأمور، ولا تقل: أنا عبد المأمور، فأنت والمأمور عبدان لله، إلا العبودية الخاصة أو العبودية العامة، عبدٌ رغم أنفه، حتى لو تمرد فإنه في النهاية عبد.
فلو قال لك قائل: اقتل هذا البريء وإلا قُتِلتَ، فلو قَتَلْتَه استحققت القتل، وهذا معنى قول الله : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص:٨]؛ لأن قائلاً يقول: الجندي معذور، لأنه مأمور، فهذه الآية نصٌ في هذا الأمر، والعلماء لهم في هذه المسألة تفصيل، (الشيء الذي يعذر به والشيء الذي لا يعذر به).
فهذا إن شاء الله نقف عليه بعد ذلك.
أقول قولي هذا.
وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 694
الأمر بالمعروف
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل أصيل في دين الإسلام، وسبب من أسباب حفظ الأمة من العقاب العام، يجب على المسلمين أن يعرفوه بشروطه وآدابه، ويمتنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا جر ذلك إلى مفاسد أشد مما هو موجود؛ فعلى المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيما علم، إذا كان مستطيعاً لذلك، قادراً على التمييز بين المصالح والمفاسد المترتبة على أمره ونهيه.
стр. 695
المقصودون بقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن المتأمل في سيرة سلفنا رضوان الله ﵎ عليهم يستشعر معنى هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠].
((كنتم خير أمة أخرجت للناس)) هناك جماهير من المفسرين يقصرون هذه الآية على جيل الصحابة فقط؛ لأنهم هم الجيل الفريد الذي حل هذه الأرض، فلا يوجد جيل مثلهم، وفتشوا إن أردتم أو إن استطعتم عن جيل له هذه الخصائص والمميزات التي كانت لجيل الصحابة ﵃.
انظروا إلى أصحاب أي نبي آخر، ثم انظروا إلى أصحاب نبينا ﵌، وقارنوا؛ فلن تروا نسبة أبداً بين أصحاب نبينا ﷺ وبين أصحاب غيره من إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
لذلك مدحهم الله ، ومن مدحه الله فهو ممدوح على الحقيقة، بخلاف مدح بني آدم، فقد يمدح الرجل وهو منافق؛ لأنك لم تسلط على قلبه، ولا تعرف خباياه ولا حنايا صدره.
أما الله ﵎ فإذا مدح رجلاً فهو الممدوح على الحقيقة، وإذا ذم رجلاً فهو المذموم على الحقيقة، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فهو يصف هذا الجيل الفريد بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، و (الناس) هنا لفظ عام، يشمل الناس جميعاً، فيقال: كانوا خير أمة أخرجت من لدن آدم حتى قيام الساعة.
والناظر في تصرفات الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم يرى أنهم خير أمة فعلاً.
وأنا أسوق مثلاً واحداً، وقد أتبعه بمثال آخر أو أكثر على حسب الحاجة؛ لنتبين حال أولئك الأخيار.
стр. 696
قصة الثلاثة الذين خلفوا ودلالتها على خيرية الصحابة وتميزهم
تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك، وكعب هذا كان رجلاً أميراً في الجاهلية، فلما أسلم صار من عوام البشر، وعانى الفقر أيضاً برغم أنه كان أميراً لقد خرج من ماله ومن داره، وأرجو أن تتصور: خرج من ماله! على حد قول بني إسرائيل لبعض أنبيائهم ﴿أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦]، والمتأمل يعلم أن كلمة (أبنائنا) معطوفة على (ديارنا) مكسورة، فكأنه أخرج من داره وأخرج من ولده، وكيف يخرج من ولده؟ أي: ينسلخ.
وهذا يبين عظم المصيبة التي يعانونها أُخرج من داره ومن ولده، كأنما اختطف ولده منه فأخرج منه، لقد كانا كالشيء الواحد فانفصما، فـ كعب بن مالك مثال لواحد من الصحابة الذين خرجوا من ديارهم وأموالمه، وقد تخلف عن غزوة تبوك، ولم يتخلف لكونه يستهين بالغزو، إنما تخلف لشيء عرض في نفسه، وظن أنه يدرك الغزو، ففشل في ذلك.
لقد كان له بستان أو حائط، وقد أجمع النبي ﷺ على الغزو، فكان يذهب إلى البستان وينظر هل أينعت ثمرته فيقطفها قبل أن يغزو أم لا، فما زال يروح ويجيء، وكان قد جهز راحلتين قبل الغزو، وهذا مما يبين أنه جاد في أن يغزو، لكن النبي ﵌ ومن معه خرجوا إلى الغزو وهو يقول: غداً أقطف الثمر، فيذهب غداً فيقول: بعد غد حتى يطيب، ثم يقول: أنا قادر على اللحاق بهم إن أردت؛ لأن معه راحلة قوية، فما زال يمني نفسه أنه سيدركهم، حتى تفارط الغزو، وأيقن أنه لن يدركهم.
فلما بلغ النبي ﷺ تبوك، قال: (ما فعل كعب بن مالك؟)، فقال رجل: يا رسول الله! حبسه برداه والنظر في عطفيه -لأنه كان رجلاً أميراً، فإذا لبس شملة أو بردة تكبر فيها واختال ونظر إلى أكتافه من العجب- فقام معاذ بن جبل وقال له: بئس ما قلت! والله ما نعلم إلا خيراً.
فلما رجع النبي ﵌ من الغزو، جاء المعذرون من الأعراب يعتذرون، ويبدون أعذاراً واهية: إن بيوتنا عورة أنا ضعيف أنا رجل إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت إلى غير ذلك من الأعذار الواهية، ويحلفون على ذلك، فقبل النبي ﵌ علانيتهم، ووكل سرائرهم إلى الله .
فجاء كعب بن مالك واثنان آخران معه ممن صدقوا واعترفوا أنه لا عذر لهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن الربيع، وكان هلال بن أمية ومرارة شيخين كبيرين، بخلاف كعب بن مالك فكان أشد منهما سمعا الحكم من النبي ﷺ ؛ لأنه غضب عليهما، لأنهما لم يعتذرا بشيء.
حتى جاء كعب، قال: (فدخلت المسجد، فتبسم النبي ﷺ لي تبسم المغضب، وقال: ما خلفك؟ ألم تعد راحلتين؟! فقلت: يا رسول الله! والله لو كنت عند غيرك من أهل الدنيا، لرجوت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أوتيت جدلاً -رجل جدِل يستطيع بحلاوة لسانه أن يقلب الحق باطلاً- وأوشك إن حدثتك بحديث كذب ترضى به اليوم عني؛ أن يسخطك الله ﵎ علي، فوالله ما كان لي من عذر، فقال النبي ﷺ : أما هذا فقد صدق).
يقول العلماء: لهذه العبارة مفهوم آخر وهي قوله ﷺ : (أما هذا فقد صدق)، فكأنه يشير إلى أن المنافقين الذين قبل علانيتهم لم يصدقوا، وإلا فما معنى تخصيص كعب بن مالك بالصدق دون كل أولئك؟ فمفهوم المخالفة منه: (وأما الآخرون فقد كذبوا).
لكنه ﷺ يعلِّم الأمة أنه لا يجوز لأحد أن يستطيل على قلب أحد، ولا أن يحكم على الذي فيه، وهذا رسول الله ﷺ ، ولو كان أحد يعلم الغيب لكان هو أولى الناس بأن يعلم الغيب، فهذا تشريع، والنبي ﵊ يسُن لمن يأتي بعده فيحكم على منواله.
ثم قال ﷺ : (قم حتى يقضي الله فيك)، هذه قضية واحدة من مئات من القضايا التي تحدث كل يوم.
فانظر إلى جيل الصحابة فقد منعهم النبي ﷺ من كلام أولئك الثلاثة، وليس عليهم رقيب إلا الله ﵎، قال كعب: (فكنت أمشي في الأسواق فلا يكلمني أحد، فألقي السلام فلا يرد أحد).
ولعل قائلاً يقول: إلقاء السلام واجب، فكان المفروض أن يؤدى هذا الواجب إلى كعب.
فيقال: إنهم أخذوا النهي على إطلاقه: (نهى النبي ﷺ عن كلامنا)، فيشمل كل كلام، بما فيه إلقاء السلام، وهذا هو الفهم الحق: أنك إذا نهيت عن شيء فتنتهي عن كل مفرداته، إلا أن يأتيك دليل خاص يخرج هذه الجزئية من النهي العام.
ولماذا هذه القاعدة غير مفهومة لنا؟ لأننا بالنسبة لديننا أعاجم، بالنسبة للغة العربية أعاجم؛ فترى المرء منا يسمع كلاماً ولا يعقل معناه، برغم أنه بلسان عربي مبين! أعرف كثيراً من الناس حفظوا قوله ﵎: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:٣] يحفظها وهو ابن سنتين أو ابن ثلاث، ويموت وهو لم يعرف ما هو الغاسق وما معنى (وقب)، حفظها ومات ولم يعرف معناها.
لذلك فسوء الفهم بالنسبة للغتنا العربية ينجر على جميع النصوص؛ إذ هي بالعربية أيضاً.
(نهى عن كلامنا أيها الثلاثة) فينتهي المسلمون جميعاً حتى عن رد السلام الواجب، (فكنت أمشي في الأسواق فلا يكلمني أحد، وألقي السلام فلا يرد أحد).
وأبلغ من ذلك: أن كعباً يقول: (فكنت أدخل المسجد فألقي السلام، فأتساءل: هل النبي ﷺ حرك شفتيه برد السلام أم لا؟) عقوبة.
قال كعب: فلما ضاقت علي الحال، وكنت كما وصف الله : ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨]، لما ضاقت عليه الحال ذهب إلى بيت ابن عمه وأحب الناس إليه، وهو أبو قتادة الأنصاري، وكان في بستان، قال كعب: فتسورت الحائط -أي: تسلقته- فنظرت فإذا أبو قتادة مسند ظهره إلى الحائط، وليس إلا أنا وهو، فقلت له: السلام عليك يا أبا قتادة! فوالله ما رد علي السلام أين هذا الجيل؟! أين هؤلاء الناس؟! مع أن كعباً يقول: وليس إلا أنا وهو، حتى لا يقال: إنه مرائي، أو إنه يخاف من أحد أن يبلغ النبي ﵌ إذا رد عليه، قال: فقلت له: نشدتك الله يا أبا قتادة! أما تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فلم يرد عليه، فكررها عليه ثلاث مرار: نشدتك الله! أما تعلم أني أحب الله ورسوله؟! ذنب واحد فقط ارتكبه كعب بن مالك.
فقال له أبو قتادة: الله أعلم! قال كعب: ففاضت عيناي.
ونزل مكسور القلب، فبلغه أمر آخر وهو أن يعتزل امرأته يعتزل امرأته!! هل كفر؟! لأنه لا تطلق المرأة إلا بيمين طلاق أو إذا كفرت أو إذا كفر الرجل! فاعتزلها.
وظل خمسين ليلة يعدها عداً حتى جاء الفرج، ونزلت توبة الله ﵎ عليهم، فجاء رجل يركب فرساً بعد صلاة الفجر، وكان كعب يصلي الفجر على سقف البيت، قال: بينما أنا أصلي إذ سمعت صوتاً يقول: أبشر يا كعب بن مالك! فسجدت.
لم يكن يعلم من أين الصوت ولا من قائله، فقد كان رجلاً يركب فرساً، وكان الصوت أسرع من الفرس، يقول: أبشر يا كعب بن مالك بتوبة الله عليك! قال: فلما جاءني الرجل خلعت عليه ثوبي، ووالله ما أملك غيرهما -من الفرح- واستعرت ثوباً، وذهبت به إلى النبي ﵌، فما إن دخلت المسجد حتى قام إلي طلحة بن عبيد الله فالتزمني، وهنأني بتوبة الله علي، فوالله لم يقم غير طلحة، ولست أنساها لـ طلحة، وأقبلت على النبي ﷺ ، وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال النبي ﷺ : (أبشر يا كعب بن مالك بخير يوم طلعت عليك فيه شمسه).
فقال كعب: إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله قال كعب: فما أعلم أحداً ابتلي بصدق الحديث ما ابتليت أنا، ووالله ما كذبت قط منذ هذه.
لماذا لم يكذب؟ لأنه لما صدق برأه الله ، رأى العاقبة، ثم في المقابل رأى عاقبة المنافقين الذين ذمهم الله برغم قبول النبي ﵌ لعلانيتهم.
قال: وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي من عمري.
انظروا في هذه القصة! موقف واحد يؤمر المسلمون فيه بأمر فينصاعون جميعاً، حتى وإن كانوا كارهين.
كعب بن مالك ابن عم أبي قتادة، وأبو قتادة أحب الناس إليه، كان يمكن أن يقول له: لا تقنط من رحمة الله، لا تيئس، سيجعل الله لك فرجاً، ويبشره، وهناك نصوص كثيرة عامة في التبشير، مثل قوله ﵌: (بشروا ولا تنفروا)، لكنه أبى، وامتثل للأمر مع كونه لا يحب ذلك.
وهذه هي طبيعة المسلم: أن يكون كالجمل الأنف، حيثما قيد إلى الخير وإلى البر انقاد، وأن يضع حظ نفسه على الأرض فيدوسه؛ لأن حظ النفس مخلوط بكبر وعجب واعتداد بالرأي، فحظ نفسك ضعه تحت قدمك وكن كالجمل الأُنف.
ولو نظرت إلى مفردات معاملات الصحابة لوجدتهم فعلاً كانوا خير أمة أخرجت للناس.
انظر إلى المسلمين اليوم، أهؤلاء هم خير أمة أخرجت للناس؟! أهؤلاء خير أمة؟! معاملاتهم رديئة المنكر موجود الحرام موجود، وكل امرئ يخشى، يريد أن يقبع في الجحر.
стр. 697
المواصفات المؤهلة للخيرية
لقد ذكر الله ﵎ عقب قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] المواصفات التي جعلت هؤلاء الناس خير أمة، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فذكر تعالى هذا الأصل الأصيل الرصين، الذي يجب على المسلمين أن يعرفوه بقيوده وحدوده، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 698
أصالة المعروف وطروء المنكر
(تأمرون بالمعروف) لأن هذا هو الأصل، (وتنهون عن المنكر)؛ لأنه طارئ على الأصل، إذ الأصل في الناس العدالة، والأصل في الناس هو الإيمان والإسلام، والشرك والكفر أمر طارئ على الأصل؛ لقول النبي ﵌: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
والفطرة هي الإسلام، فمعنى الحديث: أن المولود يولد على الإسلام، يولد وقد أخذ الله عليه الميثاق، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ ميثاق الفطرة ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، فهذا ميثاق الفطرة، ولذلك يولد المرء على فطرة الإسلام.
فحينما يشهد الرجل على نفسه أن الله ﵎ هو باريه -هو خالقه- ثم يأتي بعد ذلك يشرك، فإن هذا دليل على أن الشرك طارئ على هذا الأصل إذا قُدم الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر لسببين: السبب الأول: أن الأصل هو الأمر بالمعروف، والمنكر طارئ.
السبب الثاني: أنه لا يمكن أن يكون هناك إنكار إلا بخروج عن معروف، أي: بخروج عن الأصل.
والأصل هو المعروف، كما قلنا: إن الأصل هو الإسلام أو الإيمان، والشرك طارئ، كذلك المسلمون عدول كما يقول عمر بن الخطاب ﵁ في خطابه إلى أبي موسى الأشعري: (المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور)، فالأصل هو الأمر بالمعروف؛ لأنه طريق الجنة، والنهي عن المنكر إنما يكون بعد أن يخرج الإنسان من ربقة فعل معروف إلى فعل منكر.
стр. 699
ذم أهل الكتاب لتفريطهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لقد ذم الله بني إسرائيل فقال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، لا ينهى بعضهم بعضاً عن منكر اقترفه بعضهم، (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، ولذلك يقول تعالى في تمام الآية التي نحن بصددها: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران:١١٠]، (لو آمن أهل الكتاب) أي: لو فعلوا مفردات الإيمان -وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠]، فلم يقل: (وأكثرهم الكافرون)؛ لأن الذي يترك النهي عن المنكر مع القدرة على إنكاره لا يكون كافراً، إنما يكون فاسقاً.
стр. 700
حالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربع درجات: أن تنهى عن منكر فيحصل ضده فهذا مشروع.
أن تنهى عن منكر فيقل فهذا مشروع، وإن لم يزل بالكلية.
أن تنهى عن منكر فيحصل لك القدر الذي تنهى عنه فهذا محل اجتهاد.
أن تنهى عن المنكر فيحدث أشد منه فهذا محرم).
وهذه الدرجات مهمة جداً في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر.
فالدرجة الأولى مشروعة، وقد تكون واجبة، وهي إذا أنكرت المنكر فحصل ضده، أي: المعروف، كقصة البئر التي حكاها أبو شامة ﵀ قال: كان بعض العلماء من السابقين يمر ببعض الطريق، فإذا أناس كثيرون حول بئر، ومعهم أطفالهم، فسأل: ما بال هؤلاء الناس؟! وما بال البئر؟! فقالوا: إن في هذا البئر بركة، والناس كلما مرض أحدهم جاء إلى ماء هذا البئر فانغمس فيه، فسكت العالم، ثم جاء من الليل ومعه أصحابه وردموه، ولما انتهوا من ردمه أُذن للفجر، فأذن على هذا البئر وأقام الصلاة، وقال: اللهم إني ردمتها لك، فلا ترفع لها رأساً، فلم يرتفع لها رأس.
فقد كان هؤلاء الناس يشركون بالبئر؛ فهذا منكر تستطيع أن تغيره بضده، فهذا مشروع.
وهناك نوع من المنكر لا تستطيع أن تزيله بالكلية، لكنك إن حاولت في إنكاره خف المنكر، وهذا أيضاً مشروع.
وهناك نوع من المنكر إذا أنكرته حصل من المفسدة ما يساوي هذا المنكر الذي أنكرته، فهذا محل اجتهاد، فالعالم يوازن بين المصالح والمفاسد في هذا الأمر، فإذا استوى طرفاه احتجنا إلى مرجح.
فهل ننكره أم لا ننكره؟ هو محل اجتهاد، فكل واقعة من هذا الضرب تحتاج إلى فتوى مستقلة؛ حتى نعرف كل الملابسات والظروف التي تحيط بهذا المنكر.
والنوع الرابع الذي أفتى ابن القيم ﵀ بتحريمه: هو النوع الذي لا يستوي طرفاه، وهو الذي إذا أنكر المنكر وقع في منكر أشد منه، لأن الشريعة أتت بدفع المضار والمفاسد، والشرع يقول: إن كان هناك أمران لا بد أن تختار أحدهما، وكانا مضرين، فاختر أقلهما ضرراً؛ فإن اختيار أخف الضررين عند نزول البلاء هو الأصل في الشريعة.
وحكى ابن القيم ﵀ حكاية ابن تيمية المشهورة في هذا الأمر فقال: سمعت شيخ الإسلام -قدس الله روحه ونور ضريحه- يقول: (بينما أمشي أنا وبعض أصحابي في زمان التتار، إذ وجدناهم يشربون الخمر -سكروا- فأنكر بعض أصحابي عليهم، فقلت له: إن إنكارك منكر؛ لأن الله ﵎ نهى عن الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء الخمر تصدهم عن سبي الذراري وقتل النفوس).
فانظر إليه ما أفقهه رحمه الله تعالى! ولم يغب عن باله أبداً أن الخمر حرام، لكنه نظر بعقل الرجل الفاقه لدينه، العالم بنصوصه، العليم بمقاصده.
شرب رجل خمراً فسكر، هذا الرجل إن كان الخمر يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، فهذا هو المنكر في الأمر، ويجب أن ينكر عليه، فإن كان في مثل حال الذين مر عليهم شيخ الإسلام: رجل عدو، إن أفاق قتل وسبى النساء وقتل الذرية؛ فشرب الخمر أهون؛ لأنه لا يتعداه إلى غيره، إنما القتل يتعدى إلى الغير، إلى إزهاق النفس.
فهذه الدرجات الأربع يجب على المسلم أن يضعها نصب عينيه.
стр. 701
الشروط المطلوبة في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا توفر فيه شرطان: الشرط الأول: أن يكون قادراً على إنكار المنكر.
الشرط الثاني: أن يكون عالماً بالفرق بين المعروف والمنكر.
وهذا شرط مهم جداً، فلقد رأينا أناساً ينهون عن الواجب وعن المعروف وليس عن المنكر لماذا؟ لأنهم يظنونه منكراً.
رجل جاهل، لا يعلم أن هذا من الواجب أو من المستحب، أو على الأقل من المباح، فقد رأينا أناساً ينهون عن الصلاة قبل صلاة المغرب -أي: بعد الأذان- ويغلظون ويشددون جداً في هذا الأمر، ويقولون: المغرب غريب.
ونحن أسعد الناس بالدليل، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله سلم (صلوا قبل المغرب ركعتين)، ثم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين)، ثم قال في الثالثة: (صلوا قبل المغرب لمن شاء)، فلولا هذه الجملة الأخيرة لكانت الصلاة قبل المغرب واجبة.
وترى أحدهم ينكر عليك أشد الإنكار أن تطيل شعرك، مع أن إطلاق الشعر مباح، وبعضهم يجعله مستحباً بشرط أن يعتني به، ولقول النبي ﵌ (من كان له شعر فليكرمه)، وكان النبي ﷺ يضرب شعره إلى منكبه، فهذا مباح أو من سنن العادة على أقل تقدير، فيقع هذا المسكين في إنكار ما هو معروف، في حين أنه يرى الذين يطوفون حول القباب والقبور، فيزعم أن هذا ليس من الشرك.
فلا بد أن يكون الرجل عليماً بالفرق بين المعروف والمنكر.
ولذلك فإن كافة العلماء متفقون على أن الجاهل لا يجوز له أن ينكر المنكر؛ لأنه بجهله قد يقع في منكر أشد منه.
стр. 702
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس بعد ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان).
فإذا رأيت المنكر فغيره بيدك، فإن عجزت عن تغييره بيدك فانزل إلى الدرجة الثانية، فإن عجزت فانزل إلى الإنكار بالقلب الذي ليس لأحد سلطان عليه، ولا يظهر إنكار القلب، فإن لم ينكر المسلم والحالة هذه، فاعلم أنه كافر أو فاسق والعياذ بالله! وهذا واضح من قوله ﷺ : (وليس بعد ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان)، أي: أنه إذا رأى المنكر فلم ينكره بقلبه؛ كان ذلك دليلاً على أنه يعرف المنكر ويستمرئه ويحبه، وهذا -والعياذ بالله- قد يفضي به إلى الكفر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
стр. 703
منزلة العلم وكيفية الحصول عليه
طلب العلم من أسمى الغايات، ومن أنبل الأهداف التي تصرف في سبيلها الأعمار، فالعلم هو ميراث النبوة، ولكن لا ينال العلم بطّال ولا كسول، إنما يناله رجال هممهم جاوزت قمم الرواسي ولامست السحاب، فألزموا أنفسهم الصبر الجميل في هذا المسلك الطويل، وحملوا عصا الترحال ليبلغوا العلم في مكامنه، وقصدوا من سبقهم في هذا المضمار فوقروه، وعرفوا له ولعلمه قدره فرفعوه.
стр. 704
العلم هو ميراث الأنبياء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
ليس هناك خلاف بين أحد في أن أشرف موروث هو العلم؛ ذلك لأنه ميراث الأنبياء، كما قال ﵊: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، ذلك أن للعلم حُسناً ذاتياً، فهذا هو ميراثهم.
كما روى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ بسند قال فيه الحافظ المنذري إنه حسن إن أبا هريرة ﵁ ذهب إلى السوق فقال للتجار هناك: ما أعجزكم يا أهل السوق! أنتم هنا والناس يقتسمون ميراث النبي ﷺ في المسجد، فتركوا تجارتهم وهرعوا إلى المسجد، فدخلوا فوجدوا الناس بين مصل وبين ذاكر وبين متفقه، فوقف ينتظرهم، فلما رجعوا قالوا له: ما وجدنا شيئاً يقسم في المسجد.
فقال لهم: وما وجدتم؟ قالوا: وجدنا الناس ما بين مصل وذاكر ومتفقه.
قال: ذلك ميراث النبي ﵌.
فهذا هو الميراث الذي يجب أن يحرص عليه الناس ليورثوه أبناءهم؛ إن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يغبط المرء إذا حصّله هو العلم، كما قال ﵊ في الحديث المتفق عليه: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله علماً فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق).
стр. 705
معنى حديث (لا حسد إلا في اثنتين)
ليس هناك شيء يحسد المرء لأجله إلا هذين فقط: العلم والمال، لكن المال لا يحسد لأجل ذاته أبداً، ما حسد صاحب المال إلا لأنه سلطه على هلكته في الحق، وإلا فصاحب المال المتعالي عن العلم مذموم، كما قال ﵊ في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويعرف لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل.
ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء.
ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي الله فيه، ولا يصل به رحمه، ولا يعرف لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل.
ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الوزر سواء).
فأنت ترى الرجل الأول آتاه الله علماً ومالاً، والرجل الثالث آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فقال ﵊ في الرجل الأول: (فذلك بأفضل المنازل)، وقال في الرجل الثالث: (فذلك بأخبث المنازل)، فما الذي رفع الأول ووضع الثالث؟ لا شك أنه العلم؛ لأن الأول عنده علم ومال، والثالث عنده مال فقط، فعندما تأخذ القاسم المشترك بينهما تجد الأول متفرد بالعلم، فالذي رفع هذا إلى أفضل المنازل وحط ذاك إلى أخبث المنازل هو العلم.
فلذلك صاحب المال الذي يُحسد ليس هو صاحب المال المحض فقط، ما حسد هذا الرجل إلا لأنه سلطه على هلكته في الحق، ولا يستطيع الرجل أن يسلطه على هلكته في الحق إلا إذا كان عالماً، أو طالب علم، أو يصاحب عالماً، هذا لابد منه، إما أن يكون عالماً كالرجل الأول، وإما أن يكون طالب علم، أقل شيء أن يعرف البيوع المنهي عنها والتي يجوز أن يتبايع بها.
следующие страницы →