Полный текст (1 719 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الشروط المطلوبة في من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا توفر فيه شرطان: الشرط الأول: أن يكون قادراً على إنكار المنكر.
الشرط الثاني: أن يكون عالماً بالفرق بين المعروف والمنكر.
وهذا شرط مهم جداً، فلقد رأينا أناساً ينهون عن الواجب وعن المعروف وليس عن المنكر لماذا؟ لأنهم يظنونه منكراً.
رجل جاهل، لا يعلم أن هذا من الواجب أو من المستحب، أو على الأقل من المباح، فقد رأينا أناساً ينهون عن الصلاة قبل صلاة المغرب -أي: بعد الأذان- ويغلظون ويشددون جداً في هذا الأمر، ويقولون: المغرب غريب.
ونحن أسعد الناس بالدليل، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله سلم (صلوا قبل المغرب ركعتين)، ثم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين)، ثم قال في الثالثة: (صلوا قبل المغرب لمن شاء)، فلولا هذه الجملة الأخيرة لكانت الصلاة قبل المغرب واجبة.
وترى أحدهم ينكر عليك أشد الإنكار أن تطيل شعرك، مع أن إطلاق الشعر مباح، وبعضهم يجعله مستحباً بشرط أن يعتني به، ولقول النبي ﵌ (من كان له شعر فليكرمه)، وكان النبي ﷺ يضرب شعره إلى منكبه، فهذا مباح أو من سنن العادة على أقل تقدير، فيقع هذا المسكين في إنكار ما هو معروف، في حين أنه يرى الذين يطوفون حول القباب والقبور، فيزعم أن هذا ليس من الشرك.
فلا بد أن يكون الرجل عليماً بالفرق بين المعروف والمنكر.
ولذلك فإن كافة العلماء متفقون على أن الجاهل لا يجوز له أن ينكر المنكر؛ لأنه بجهله قد يقع في منكر أشد منه.
стр. 702
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس بعد ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان).
فإذا رأيت المنكر فغيره بيدك، فإن عجزت عن تغييره بيدك فانزل إلى الدرجة الثانية، فإن عجزت فانزل إلى الإنكار بالقلب الذي ليس لأحد سلطان عليه، ولا يظهر إنكار القلب، فإن لم ينكر المسلم والحالة هذه، فاعلم أنه كافر أو فاسق والعياذ بالله! وهذا واضح من قوله ﷺ : (وليس بعد ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان)، أي: أنه إذا رأى المنكر فلم ينكره بقلبه؛ كان ذلك دليلاً على أنه يعرف المنكر ويستمرئه ويحبه، وهذا -والعياذ بالله- قد يفضي به إلى الكفر.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
стр. 703
منزلة العلم وكيفية الحصول عليه
طلب العلم من أسمى الغايات، ومن أنبل الأهداف التي تصرف في سبيلها الأعمار، فالعلم هو ميراث النبوة، ولكن لا ينال العلم بطّال ولا كسول، إنما يناله رجال هممهم جاوزت قمم الرواسي ولامست السحاب، فألزموا أنفسهم الصبر الجميل في هذا المسلك الطويل، وحملوا عصا الترحال ليبلغوا العلم في مكامنه، وقصدوا من سبقهم في هذا المضمار فوقروه، وعرفوا له ولعلمه قدره فرفعوه.
стр. 704
العلم هو ميراث الأنبياء
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
ليس هناك خلاف بين أحد في أن أشرف موروث هو العلم؛ ذلك لأنه ميراث الأنبياء، كما قال ﵊: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، ذلك أن للعلم حُسناً ذاتياً، فهذا هو ميراثهم.
كما روى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة ﵁ بسند قال فيه الحافظ المنذري إنه حسن إن أبا هريرة ﵁ ذهب إلى السوق فقال للتجار هناك: ما أعجزكم يا أهل السوق! أنتم هنا والناس يقتسمون ميراث النبي ﷺ في المسجد، فتركوا تجارتهم وهرعوا إلى المسجد، فدخلوا فوجدوا الناس بين مصل وبين ذاكر وبين متفقه، فوقف ينتظرهم، فلما رجعوا قالوا له: ما وجدنا شيئاً يقسم في المسجد.
فقال لهم: وما وجدتم؟ قالوا: وجدنا الناس ما بين مصل وذاكر ومتفقه.
قال: ذلك ميراث النبي ﵌.
فهذا هو الميراث الذي يجب أن يحرص عليه الناس ليورثوه أبناءهم؛ إن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يغبط المرء إذا حصّله هو العلم، كما قال ﵊ في الحديث المتفق عليه: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله علماً فهو يعلمه الناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق).
стр. 705
معنى حديث (لا حسد إلا في اثنتين)
ليس هناك شيء يحسد المرء لأجله إلا هذين فقط: العلم والمال، لكن المال لا يحسد لأجل ذاته أبداً، ما حسد صاحب المال إلا لأنه سلطه على هلكته في الحق، وإلا فصاحب المال المتعالي عن العلم مذموم، كما قال ﵊ في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد من حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتقي الله فيه، يصل به رحمه، ويعرف لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل.
ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الأجر سواء.
ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله لا يتقي الله فيه، ولا يصل به رحمه، ولا يعرف لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل.
ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله، فهو ونيته، فهما في الوزر سواء).
فأنت ترى الرجل الأول آتاه الله علماً ومالاً، والرجل الثالث آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فقال ﵊ في الرجل الأول: (فذلك بأفضل المنازل)، وقال في الرجل الثالث: (فذلك بأخبث المنازل)، فما الذي رفع الأول ووضع الثالث؟ لا شك أنه العلم؛ لأن الأول عنده علم ومال، والثالث عنده مال فقط، فعندما تأخذ القاسم المشترك بينهما تجد الأول متفرد بالعلم، فالذي رفع هذا إلى أفضل المنازل وحط ذاك إلى أخبث المنازل هو العلم.
فلذلك صاحب المال الذي يُحسد ليس هو صاحب المال المحض فقط، ما حسد هذا الرجل إلا لأنه سلطه على هلكته في الحق، ولا يستطيع الرجل أن يسلطه على هلكته في الحق إلا إذا كان عالماً، أو طالب علم، أو يصاحب عالماً، هذا لابد منه، إما أن يكون عالماً كالرجل الأول، وإما أن يكون طالب علم، أقل شيء أن يعرف البيوع المنهي عنها والتي يجوز أن يتبايع بها.
стр. 706
متى يكون العلم واجباً عينياً ؟
معرفة فقه البيوع فرض عين على التجار، لا يعذرون بجهلهم في هذا الباب، طالما أنه دخل في التجارة لا بد أن يدرس فقه البيوع دراسة جيدة، وهو ليس فرضاً عينياً علي مثلاً، فإن فرائض الأعيان بعد المتفق عليه، بعد معرفة التوحيد ومعرفة تصحيح العبادات وهذه الأشياء، هناك أشياء تتفاوت، ممكن تكون فرضاً عينياً على إنسان، وفرضاً كفائياً على رجل آخر.
فالرجل صاحب المال إما عالماً وإما طالب علم، وإما أن يكون ملاصقاً لعالم يستفتيه ويستشيره، فهذا الإمام البخاري كان والده تاجراً، وقد بارك الله تعالى له في تجارته، فقال لابنه -الإمام البخاري - أثناء الموت: يا بني! تركت لك ألف ألف درهم، ما أعلم درهماً فيه شبهة، لم يقل: ما أعلم درهماً حراماً، لا، الرجل بعيد، لأن المناطق ثلاث: منطقة الحلال المحض، ثم منطقة الشبهة، ثم منطقة الحرام، فما بين الحلال والحرام منطقة واسعة جداً، وهي منطقة الشبهة، إذا قفزت السور من باب الحلال ودخلت في الشبهة فأنت تقترب شيئاً فشيئاً من الحرام، لكن الرجل لو اتقى الشبهة يظل في منطقة الحلال المحض، بينه وبين الحرام مفاوز بعيدة.
والد الإمام البخاري ليست له رواية، ولو كانت له رواية لكان ابنه الإمام البخاري روى عنه وأثبت له رواية، فما الذي أوصله لهذه المرتبة؟ ليس عنده درهم فيه شبهة فضلاً عن الحرام؛ لأنه كان ملاصقاً للعلماء، دائماً يمشي مع العلماء، ولقد كان يصاحب سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، والواحد من هؤلاء يزن بلداً، فهو حين يلتقي بهؤلاء جميعاً كلما عنَّ له شيء فيه شبهة يسأل العالم: أفعل أم لا أفعل؟ أو هل فيه شبهة أم لا؟ فيقول له، فانتفع بصحبة العلماء إذ لم يكن مؤهلاً لأن يكون عالماً.
فلأن حسن العلم ذاتي، وأن العلم هو الحكمة، كما فسرته الرواية الأخرى: (ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها) وفي الرواية الأخرى: (رجل آتاه الله العلم) فالعلم هو الحكمة، والحكمة حسنها ذاتي، ولذلك عندما تقرأ قوله ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، انظر الترتيب الجميل، لم يقل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة الحسنة)، لأن الحكمة حسنة في ذاتها فلا توصف بها أصلاً، لكن الموعظة يمكن أن تكون جافة، فمثلاً قد يخرج عليك رجل غليظ الرقبة يتهجم ويشتم وهو يعظ، وحين يخوّف بالنار ينسى أنه من البشر أيضاً، ويندد بالمعاصي التي قد يكون هو مقيماً على بعضها، فلذلك لما ذكر الله الموعظة وصفها بالحسنى، ولأن الرجل قد يعظ بدون شد وجذب، فوصفها بالحسن، وفي أثناء الجدال أمرك بالأحسن، لا بالحسن فقط، لأن الجدال فيه أخذ ورد، وفيه حظوظ للنفس، فالإنسان حين يذهب ليناظر إنساناً، فإنه يكون حريصاً جداً أن يغلبه ويسحقه ويقيم عليه الحجة، وهذا مما هو مركوز عند الإنسان، أعني حب الظهور، ولذلك عندما تغالب نفسك تؤجر؛ لأنك تجاهد ما هو مغروز فيك، والنبي ﵊ لما قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) دل هذا الحديث على أن المركوز هو ألا تحب لغيرك ما تحب لنفسك، لذلك كلما غالبت وتعبت ارتقيت، فالمركوز في النفس هو محبة العلو، لاسيما بسلطان العلم، فحروف العلم وسلطانه أشد من سلطان المال والجاه، العلم سلطانه شديد جداً، لذلك الذي يُحرم الأدب والإخلاص في العلم يكون وبالاً عليه.
لقد أخبر الله ﵎ عن أقوام فقال: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] فتستعجب من هذا الرجل! المفروض أن العلم يضيء لصاحبه، فكيف إذاً ضل؟! نقول: إن عماه حصل من داخله، وإلا فالمصباح موجود، فمثلاً: أنت لو رأيت رجلاً معه مصباح، وهو (يمشي) وكلما واجه حفرة وقع فيها، بل لو فاتته حفرة يرجع حتى يقع فيها مرة أخرى، إذاً فالرجل لا يمكن أن يكون مستفيداً بنور الكشاف الذي معه، لأن عماه داخلي.
فسلطان غرور العلم شديد جداً، لذلك العلماء وضعوا آداباً لطالب العلم، فهو إذا لم يتق الله ، ولم يخلص النية لله كان وبالاً عليه، فـ ابن العميد كان صاحب الوزارتين، أي: كرئيس الوزراء في أيامنا، يقول: شهدت مرة مناظرة بين الطبراني وأبي بكر الجعابي، فكان أبو بكر يغلبه بدهائه والطبراني يغلبه بحفظه، فهما طرفا رهان، فهم متساويان، لم يغلب أياً منهما الآخر في المناظرة، فـ أبو بكر الجعابي قال له: عندي حديث ليس في الدنيا لأحد غيري.
قال له: وما هو؟ قال: حدثني أبو خليفة، قال: حدثني سليمان بن أحمد، قال: حدثني فلان عن فلان وساق حديثاً.
فقال له الطبراني: أنا سليمان بن أحمد، سمعه مني أبو خليفة فخذه مني عالياً.
قال: فاستحى الجعابي وفرح الطبراني، فتمنيت أن لم تكن الوزارة لي وفرحت كفرح الطبراني.
لما قال له: أنا سليمان بن أحمد، يعني الحديث عند الطبراني، وهو أخذه بواسطة عن الطبراني أيضاً: أبو خليفة عن الطبراني، قال له: لا، خذه مني مباشرةً عالياً، فالعلم حسنه ذاتي، كذلك يكون الغروبة شديد ولذلك قال علي بن أبي طالب (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه).
تجد بعض الناس يدعي من العلم ما ليس له، في أي منحى من مناحي الحياة، ولو عيرته بالجهل لغضب، لكن لو وصفته بأي نعت آخر لا يهتز، لو قلت له: يا فقير، يقول لك: الأنبياء أغلبهم فقراء، ولازال الفضل موجوداً في الفقراء، والفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، ويظل يعدد فضائل الزهد والفقر فيغلبك.
ولو قلت له مثلاً: أنت لست ملكاً.
يقول لك: كم من أهل الأرض كان ملكاً، الأنبياء لم يكونوا ملوكاً، خُيِّر النبي ﷺ بين أن يكون ملكاً رسولاً أو عبداً رسولاً قال: لا عبداً رسولاً، فترك الملك، إذاً: وجود الملك ليس من العلم.
فقد يستطيع الرجل أن ينصب أدلة على أن عدم وجود هذه الصفة فيه أفضل، إلا ما يختص بالاتصاف بالعلم.
стр. 707
الشروط اللازمة لطلب العلم
إذاً: طالب العلم كيف يصل؟ نحن الآن بعدما سمعنا هذه المقدمة تحمسنا ونريد أن نكون طلاب علم، هل هناك آداب وشروط لطالب العلم ينبغي أن يسلكها حتى يصل؟ أقول: نعم، هذه الشروط نظمها إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في بيتين من الشعر، فقال: أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ وطول زمان هذه هي الصفات الست التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم ليصل.
وبعض الطلاب يطلب العلم منذ سنوات، ومع ذلك لم يقتنع بالقدر الذي حصله! لأن الخلل في هذه الشروط يورث خللاً في التحصيل، لذلك إذا التزم الإنسان بهذه الشروط ونفذها تنفيذاً حسناً، فإن تحصيله يكون حسناً.
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عن تفصيلها ببيان ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ وطول زمان
стр. 708
الصبر على طول زمان الطلب
إن العلم بحر واسع جداً، وإتقان الباب الواحد من العلم يحتاج إلى عمر، فلا يستوي في العلم من أمضى نصف قرن مع من أمضى خمس سنوات، لاسيما أن هناك شيئاً يذكره العلماء اسمه الذوق والملكة، والذوق هذا غير ذوق الصوفية، ولا تحصل من الكتب، وإنما تحصل من الدربة والممارسة، ولذلك الإنسان يتعجب حين يرى بعض الصغار يتكلمون في المسائل الكبيرة التي يتهيب الكبار عن الكلام فيها! يدخل على مسألة عويصة جداً تحتاج إلى عمر! يا أخي! إذا شككت في مسألة فضع علامة استفهام وابحث، وعندك عمر طويل، لماذا تتعجل بوضع العنوان للكتاب قبل أن تكتب حرفاً فيه؟! لاسيما إذا كان هذا الإنسان لم يسبق إليه بل هو مجرد فهم فهمه، فهذا ينبغي أن يشفق على نفسه، وينبغي أن يعرف أنه لم يريّش بعد فكيف يطير؟! فالذي له باع في الاستقراء يكون أقرب إلى إصابة الحق من الأقل، فمثلاً الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀، وهو كان من أئمة الدنيا في علم الحديث، شهد له بذلك المخالف والموافق، منهم الغماريون الذين هم المغاربة، وهؤلاء معروف أنهم مبتدعة، وأهل طريقة صوفية، ولديهم خبط كثير في العقيدة وفي السلوك والمنهج.
أحمد أبو الخير -الذي توفي، وكان من أقران الشيخ أحمد شاكر - لمّا ذكر الألباني -وكان الألباني آنذاك ابن أربعين سنة- ومعروف أن أحمد الغماري كان يرى أن الألباني مبتدع ووهابي، وكان يقول هذا في الخطاب الذي أرسله إلى صاحب له هنا في القاهرة، بشأن الألباني وما كان بينه وبين الحبشي هذا الضال المضل، الذي هو في لبنان الآن، ولعله قارب المائة، وكان هناك نقاش علمي بين الشيخ الألباني والحبشي في ذلك الوقت، فـ أبو الخير أحمد الصديق الغماري يكتب رسالة لصاحبه في مصر عن هذين الرجلين: عن الحبشي وعن الألباني قال له: أما الحبشي فينقل كما ينقل الناس، وأما الألباني فمن الأفراد في معرفة الفن، لكنه وهابي خبيث.
فبرغم أنه مخالف له ووصفه بأنه وهابي خبيث، إلا أنه لما جاء في ذكر علم الحديث قال: إنه من الأفراد، وكان ابن أربعين سنة أو يزيد قليلاً، فكيف بما حصله الشيخ من العلم في أربعين سنة أخرى.
نحن نقول: إن الشيخ الألباني ليس بمعصوم، وله أخطاء هو يعرفها ويعرفها الناس، والله ﵎ لم يعط أحداً أماناً من الغلط فنستنكف له منه، بل وصف عباده بالعجز وقرنهم بالحاجة، فقال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
لكن نقول: إنه من جهة التفصيل فقد يكون الحق مع الصغير، لا ننكر هذا، فقد يكون الشيخ قد صحح حديثاً أو ضعّف حديثاً أو حسّن حديثاً، فيأتي من هو أقل منه -وقد يكون من تلاميذ تلاميذه- يتعقبه، ومن الممكن أن يصيب ويكون الحق معه؛ لكني الآن أريد أن أتكلم في الجواب المجمل، أما الجواب المفصل فأمره يطول، الجواب المجمل: إذا كان هناك مسائل مختلف فيها، كأن يتكلم في حديث مثلاً: هل هو حسن أو ضعيف؟ أنت تعرف أن الحديث الحسن -بالذات الحسن لغيره- هذا شأنه مثل اللبن ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ [النحل:٦٦]، على حسب عمر ومهارة وذكاء ودربة المحسّن، إذا كان ماهراً جداً سيستخلص هذا الحديث من هذه الطرق كما يستخلص اللبن من بين فرث ودم، لا فيه من لون الدم، ولا فيه من رائحة الفرث، فإذاً بقدر تمكن هذا العالم بقدر إصابته في هذا الباب.
ولذلك الإمام الذهبي ﵀ قال في كتاب "الموقظة في علم الحديث": أنا على إياس من وجود حدٍ للحديث الحسن، ليس له قاعدة حتى تستطيع أن تطبقها على كل حديث، أبداً.
فإذا كان هناك رجل عالم متمرس متمكن، أمضى أكثر من ستين عاماً في هذا الفن، فخالفه رجل مثلي في حديث ما، وأنت تعرف قدر الشيخ ناصر الدين الألباني، وقد تعرف قدري وقد لا تعرف، لكن إجمالاً أنت تعرف أن الشيخ أعلى كعباً، وأنت تريد أن تقلد واحداً منا، لا شك عند جميع العلماء أن الأولى والأصوب هو تقليد الأعلم والأكبر والأدين، وهذا ما يقولونه في باب الفقه، فيقولون: إن الإنسان يقلد في الحكم الشرعي الأعلم والأدين والأورع والأطول عمراً إلخ لماذا؟ لأنه أولى بإصابة الحق.
стр. 709
ملازمة العلماء ومخالطة النجباء
ذكاء وحرص وافتقار وغربة وتلقين أستاذ (تلقين الأستاذ): هو أخذ العلم مباشرة عن الشيوخ، وأنا أوصي هنا بقراءة فصل نافع جداً في كتاب الموافقات للشاطبي في الجزء الرابع، لما تكلم عن التلقي تكلم كلاماً نافعاً جداً في هذا الباب.
وتلقين الأستاذ مهم جداً، وكما قال العلماء: يستفاد من ملازمة الأستاذ ثلاث فوائد، أعظم هذه الفوائد: الأدب، أن يتأدب المرء، وابحث عن أي رجل سيء الأدب في باب العلم فلن ترى له شيوخاً؛ لأنه أخذ العلم من الكتب، وظن أنه إذا حصَّل علم الكتاب صار كصاحب الكتاب، مثلاً لو افترضنا أنه حفظ كتاب الرسالة للشافعي عن ظهر قلب، فهو يتصور أنه صار كـ الشافعي في هذا الباب وهيهات! ليس من قلد كمن ابتكر، من السهل عليك أن تأخذ هذا عن الشافعي وتحفظه، لكن هل تستطيع أن تصوغه كما صاغه الشافعي من بنات أفكاره؟ أبداً، لذلك رأينا العلماء يحضون على ترك الأخذ من الذين لا شيوخ لهم، فكانوا يقولون: (لا تأخذوا العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي) لا تأخذوا العلم من صحفي -أي: رجل يأخذ من الصحف- ولا تأخذوا القرآن من مصحفي -أي: يقرأ من المصحف مباشرة- لماذا؟ لأن أقل شيء يقع فيه هذا الإنسان هو التصحيف.
وقديماً كان الإملاء لا يكون فيه إعجاماً، فالإعجام هذا متأخر قليلاً؛ لأن أول من نقط المصاحف هو يحيى بن يعمر بأمر الحجاج بن يوسف الثقفي، وكانت الحروف قبل ذلك مكتوبة ليس عليها نقط، فكيف تُقرأ؟ لأن الكلمة في هذه الحالة تحتمل أكثر من وجه، فصار وضع النقط يحدد معنى الكلمة، ولذلك كان المتقدمون يحرصون جداً على الضبط، وعلماء الحديث لهم كتب في ذكر تصحيفات المحدثين والفقهاء والأدباء وأصحاب القراءات، وضبطوها وحصروها، ووضعوا قيوداً وقوانين يضبطون بها العلم، ولولا ذلك لضاع العلم.
مرة كان هناك حطاب -وهو: الذي يجمع الحطب- دخل المسجد فوجد شخصاً يتكلم ويقول: (لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الحطب) قال: يا قوم! ماذا نفعل والحاجة ماسة؟ وهي على اللفظ الصحيح: (الذين يشققون الخطب) يشققون: أي يتكلمون بالألفاظ التي لها وقع، كما قال النبي ﷺ : (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان، يجادل بالقرآن) ألفاظه رنانة، فالحديث وقع على أصحاب الخطب، فهذا قال: (الحطب)، فالمشكلة أن الرجل الحطاب كان موجوداً، فقال: يا قوم! ماذا نفعل والحاجة ماسة؟! وأرسل أحد الأمراء إلى خليفة المسلمين يقول له: إن المخنثين أفسدوا البلاد عندنا.
فأرسل إليه بأن يعدهم حتى يوضعوا في مكان لوحدهم فقال له: (احص من عندك من المخنثين).
فالقلم قطر نقطة فوق الحرف، فصارت (اخص من عندك من المخنثين) فدعاهم فخصاهم، انظر! خصى كل المخنثين بسبب نقطة واحدة وضعت على الحاء.
فالتصحيف حين تقرأ ما جاء في أخباره -خاصة في كتاب التصحيف للعسكري، والذي يقع في ثلاثة مجلدات- تعلم أن أخذ العلم من الكتب جناية كبيرة جداً على العلم، ولذلك تجد أن كثيراً منا الآن يغلط في ضبط أسماء الرواة؛ لأن أسماء الرواة لا يدخل فيها القياس، لكن تؤخذ بالسماع، فمثلاً عبد الله بن لهيعة، أو لَهِيْعة؟ لا يوجد قانون يحدد (لُهَيْعة) أو (لَهِيْعة)، هذا لا يدخل فيه القياس، إنما يؤخذ بالسماع، فلذلك نحن نتلقى ضبط هذه الأسماء سماعاً؛ لأنها لا تدخل في القياس كما قلت، فكيف يقرؤها الإنسان، لاسيما إذا كان الكتاب الآن لا يشكل، وقد يكون الذي حقق الكتاب ليس لديه علم بكيفية الضبط لهذه الأسماء؟! فحين تأخذ العلم من الكتب فإن أقل جناية تقع فيها هي التصحيف، ومن أعظم الجنايات التي يقع فيها الإنسان: أنه يفتقد الأدب، لاسيما -كما قلت- إذا بدأ حياته بكتاب المحلى لـ ابن حزم، وكتاب المحلى لـ ابن حزم مع قوة هذا الكتاب من جهة الفقه، وأن الرجل قرر مسائل فقهية لم يسبق إليها، وأقام عليها الدليل، وكان قوله فيها راجحاً، إلا أنه وهو يقرر مثل هذا اللون من الفقه لم يستوقفه حرمة عالم، وكلامه عن أبي حنيفة في غاية الشدة، بينما كلامه عن أحمد بن حنبل والشافعي أقل شدة.
سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان، الحجاج كان سيفه طائشاً لا يميز، كذلك لسان ابن حزم، ولذلك قلت في مطلع الكلام: تكون جناية على طالب العلم أن يبدأ بقراءة المحلى، بل ينبغي أن يبدأ بقراءة الكتب المختصرة.
وتلقين الأستاذ له فوائد منها: أن يتعلم الطالب منه الأدب، وأن يفهم المسائل فهماً صحيحاً.
стр. 710
الاغتراب والرحلة في طلب العلم
الغربة نوعان: النوع الأول: الغربة عن الناس.
النوع الثاني: الغربة عن الوطن.
وكلاهما مقصود، أما الغربة عن الناس فهي تعني: أن طالب العلم ينبغي ألا يشغله شيء مما يشغل الناس؛ لأنه إذا لم ينصرف إلى العلم بكليته فلن يحصل ما أوهم نفسه أنه تفرغ له، وهي ما يسميها بعض العلماء: (العزلة الشعورية) بأن تكون في وسط الناس لكن تزايلهم بعملك، فطالب العلم ينبغي ألا ينخرط في سلك الناس؛ لأن اهتمامات الناس لا تعينه بشيء، إنما يقبل بكليته على العلم، فلا يرى من الدنيا إلا العلم.
أما النوع الثاني، وهو النوع الأعظم والأكبر والأشهر: وهو ما يسمى بالرحلة في طلب العلم، فيغترب الإنسان عن الوطن لتحصيل العلم، وهذا هو أشهر المعنيين بالنسبة للغربة، لكن هذا النوع يحتاج إلى همة أكبر من النوع الأول، ولذلك تجد من جلد هؤلاء العلماء في الرحلة، والصبر على الجوع والبرد، والصبر على المهانة والذل ما تقف أمامه مستعجباً مستغرباً!! فهذا الإمام أحمد بن حنبل ﵀ لما نفدت نفقته باليمن حين ذهب هو ويحيى بن معين وأحمد بن منصور الرمادي وجماعة من المحدثين إلى عبد الرزاق بن همام، وكان عبد الرزاق آنذاك هو عالم اليمن ومحدثها الكبير، فلما رحلوا إليه نفدت نفقة الإمام أحمد في اليمن، فقدَّم بعض أصحابه مواساة له، فأبى أن يأخذها -والمواساة أن يعطيه نفقة ونوعاً من المعونة- فقال له: خذها على سبيل العارية، وردها إذا رجعت إلى بغداد؛ فرفض أيضاً، فماذا فعل؟ أكرى نفسه عند بعض القوافل حتى لا يأخذ مواساة من أحد! وكان لا يأخذ الدقيق إلا من رجل واحد فقط، وكان إذا ذهب اقترض الدقيق يرده سريعاً، فذات مرة بعدما رجع من رحلة من هذه الرحلات، والإنسان حين يرجع من الرحلة يكون منهك القوى ومتعباً جداً، فذهب البيت فلم يجد دقيقاً، فذهب إلى صاحبه هذا فجاء بدقيق وأعطاه امرأته، فبعد وقت قريب جاءت بالخبز ساخناً، فاستغرب من ذلك وسألها؟! فقالت: وجدنا تنور صالح موقداً فخبزنا فيه، فأبى الإمام أحمد أن يأكل.
صالح هذا ابنه، فلماذا يأبى أن يأكل؟! لأن صالحاً قبل جائزة الخليفة المتوكل، عندما أرسل للإمام أحمد صرة فيها مال فردها، فلما أرسلها إلى ابنه صالح قبلها، فأغلق الإمام أحمد الباب بينه وبين ولده، وكان بينهما باب فأغلقه، مع أن قبول جوائز الأمراء لا شيء فيها، ومن الصحابة من كان يقبل ذلك، ومنهم الصحابي الورع العابد التقي عبد الله بن عمر، الذي قال فيه النبي ﷺ : (نعم الرجل عبد الله!)، وقال ﵊: (عبد الله رجل صالح)، وكان إذا أتاه المال من الحجاج أخذه، فسُئل عن ذلك، فقال: (لست أطلب منهم شيئاً، ولا أرد ما رزقني الله وهذا إنما أخذه من قول النبي ﵊ لأبيه عمر بن الخطاب ﵁: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف له فخذه)، والمقصود أن لا تطمع، لكن لو جاءك المال من غير مسألة ولا استشراف فخذه.
فالجوائز قبلها الأئمة الكبار، كـ مالك، والشافعي وعلي بن المديني وابن معين، وقبلها أئمة كثيرون، ورفضها أئمة كثيرون أيضاً، فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف: والحق في المسألة أن القبول والرد لا بد أن تحتف به قرائن للقبول أو الرد، بمعنى إذا علمت أنك إذا أخذت جائزة الأمير طمع فيك وكسر عينيك فلا تأخذها؛ لأنه إنما يعطيك ليأخذ، والإنسان في مقابل الإحسان يذل، كما قال الحكيم الترمذي: (ليس هناك حمل أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك) فإذا أردت أن تسترق إنساناً فأحسن إليه؛ لأن الله فطر الناس على محبة الإحسان، كما قال ﵎: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، ومعنى الآية: لا ينبغي أن يكون جزاء الإحسان إلا من جنسه.
فالإمام أحمد لما نهى ولده عن الأخذ؛ لأن الفتنة التي خرج منها الإمام أحمد كانت مدلهمة؛ فأبى أن يأخذ جائزة المتوكل، فلما أخذها ابنه صالح أغلق الباب بينهما، وأبى أن يأكل الإمام أحمد الخبز، فمن يحمل نفسه على هذا الورع؟ ومن يتحمل مثل هذا؟! فينبغي للطالب أن يتجلد في الرحلة لطلب العلم ويصبر؛ لأن الرحلة فيها ذل كبير، وأعظمها ذل الحاجة، لاسيما إذا نفدت النفقة، لكن صاحب الهمة العالية تجبر همتُه هذا الذل والحاجة.
ومن العلماء أصحاب الهمة العالية أحد النحويين وهو أبو نصر هارون بن موسى بن جندل النحوي، يقول: كنت أختلف إلى مجالس أبي علي القالي، وكان يملي في مسجد الزهراء بقرطبة -وكتابه اسمه النوادر- قال: فبينما أنا ذاهب إليه يوماً -وكنا في الربيع- أصابتني سحابة فأغرقت ملابسي وكتبي، فوافيت المجلس وحول الشيخ أعيان قرطبة فاستحييت، فلما رآني، قال: مهلاً يا أبا نصر ادنُ.
قال: فدنوت.
قال: لا عليك، خطبك سهل، إنما هي ثياب تبدلها بغيرها، أما أنا ففي جسمي ندوب تدخل معي القبر، وبعدها بدأ يقص عليه قصته حتى يهون عليه الذي حصل له، قال: كنت أختلف إلى مجلس ابن مجاهد ﵀ الإمام المقرئ الشهير صاحب كتاب (السبع في القراءات) - قال: فبكرت إليه يوماً فإذا باب الدار مغلق، وصعب علي فتحه، فقلت: سبحان الله! أبكر هذا البكور وأُغلب على القرب منه! قال: فنظرت فإذا سرب بجانب الدار -أي: ممر صغير جداً، كان الممر كبيراً ثم ضاق من الوسط- قال: فمضيت فيه، فلما وصلت إلى منتصفه لم أستطع الخروج ولا النهوض، فجمعت قوتي ومضيت، فتمزقت ثيابي وتمزق لحمي وانكشف العظم، ثم لقيت الشيخ، وكان قادماً، فكنت أول الحاضرين، ثم أنشأت أقول: دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا والصبر: هو المر، قال: فكتبنا هذه الفائدة من النوادر قبل أوانها، ولازمته ﵀ إلى أن مات.
ما الذي يجعله يندفع حتى ينكشف عظمه، ويتمزق لحمه؟ لأنه رجل أراد أن يكون قريباً من الشيخ؛ لأن القرب من الشيخ فيه ميزة، وقديماً لم يكن هناك مكبرات صوت، فكان الرجل الذي يجلس بجوار الشيخ مباشرة يسمع لفظه بوضوح بخلاف البعيد، فقديماً كان هناك رجل اسمه (المستملي) يقوم مقام مكبرات الصوت، فالمستملي هذا يكون في منتصف الجمع فيسمع ويبلغ، ولعل المستملي لم يسمع جيداً فيبلغ خطأ، فيحصل الخطأ، فينقله الذين من بعده، فكان الطلبة يحرصون جداً على أن يكونوا قريبين من الشيخ تحاشياً من تصحيف الأحاديث.
فالرحلة في طلب العلم تحتاج إلى همة عالية، ولا نعلم أحداً من العلماء الذين دارت عليهم الفتيا، وكان لهم منصب في العلم لم تكن لهم رحلة إلى الآفاق، والرحلة في طلب العلم سنة؛ لأن ضمام بن ثعلبة رحل إلى النبي ﷺ يتثبت مما قاله له رسول رسول الله ﷺ فقال: (إن رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فبالذي نصب الجبال ورفع السماء ودحا الأرض آلله أرسلك؟ قال: نعم) إلى آخر الحديث.
فـ ضمام بن ثعلبة أراد العلو؛ لأنه لو كان مكذباً لذلك الرسول -وهو رسول رسول الله ﷺ لكفر؛ لأن مكذب رسول رسول الله ﷺ يكفر، لو أن أهل اليمن كذبوا معاذ بن جبل -لما أرسله النبي ﷺ إليهم ليبلغ التوحيد- لكانوا في حكم الكافرين،، فهو ما جاء لأن الرسول كاذب، كما قال العلماء؛ لكنه أراد أن يسمع مباشرة من النبي ﷺ ، والصحابة رضوان الله عليهم أيضاً كانوا كذلك، روى الإمام البخاري في صحيحه معلقاً، ووصله أحمد، وهو أيضاً -كما أظن- في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري بسند حسن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (بلغني أن رجلاًً من أصحاب رسول الله ﷺ عنده حديث في القصاص -القصاص يوم القيامة- قال: فابتعت بعيراً وركبته شهراً، فلما ذهبت إليه فإذا هو عبد الله بن أنيس الصحابي، فقلت: حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس يوم القيامة -أو قال العباد- عراة غرلاً بهماً، قال: قلنا: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات) وكذلك التابعون أخذوا نفس هذا المنهج، فهي سنة متوارثة، كسنة القراءة مثلاً، فالرحلة في طلب الحديث سنة متوارثة يحرص عليها كل فحل؛ لكن العلماء قالوا: ينبغي له أن يأخذ علم أهل بلده أولاً، ثم يرحل إلى العلماء الآخرين، ولا ينبغي له أن يرحل إلا بإذن الوالدين، ولابد؛ لأن الرحلة فرض كفاية، وطاعة الوالدين في المعروف فرض عين.
وهناك قصة طريفة للإمام الذهبي ﵀، فإنه بدأ أول حياته بالقراءة، أعني بجمع قراءات المصحف، القراءات السبع أو العشر أو الأربع عشرة أو الواحدة والعشرين، وبرع فيها جداً،
стр. 711
الافتقار والتواضع
وقوله: (وافتقار) الافتقار في هذه الأيام، التواضع، بأن تكون في زي الفقير، لا تتعالى على غيرك، ليس عندك من العلم ما تتعالى به، فحين تشعر دائماً أنك فقير إلى هذا العلم تزداد منه، كالمؤمن الذي يخشى الله ﵎ ويعبده بالخوف والرجاء؛ فإنه دائماً في ازدياد؛ لأنه كلما عمل عملاً يقول: ربما لا يتقبله الله؟ إذاً: الحل أن أحسن العمل فإذا لم تستحضر النية، لم تركع وتسجد كما ينبغي، كنت مرائياً، إذاً: أنا سأحسن العمل أكثر، فترجع النفس اللوامة تقول له: ما صنعتَ شيئاً، فماذا أفعل؟ حسِّن العمل أكثر، فلا يزال يحسن عمله أكثر فيلقى الله ﵎ في ازدياد دائم، فطالب العلم ينبغي أن يكون هكذا فقيراً مفتقراً متواضعاً، لا يعلو على أقرانه.
كان بعض العلماء يقول: ما رأيت أفضل من أحمد بن حنبل، كان والله يجمع ألواناً من العلم وما افتخر علينا قط، والذي يقول هذه المقالة هو أحد أقرانه الكبار.
يقول: أبو زرعة الرازي (ما افتخر أحمد علينا)، برغم ما كان عنده من العلم؛ بل كان الإمام أحمد متواضعاً دائماً، وكان معدوداً في أئمة الجرح والتعديل الكبار، ومع ذلك كان إذا ذُكر أحد الرواة يقول: ليس هنا أبو زكريا -أي: يحيى بن معين، فقال له رجل: وما تصنع به؟ قال له: ويلك! إنه يحسن هذا الشأن، مع أن الإمام أحمد قد تكلم في هذا الراوي الذي احتاج فيه لـ يحيى بن معين، لكنه يقول: ليس هنا فلان؛ لأنه يحسن هذا الأمر، لكن هذا هو التواضع والافتقار!.
قال سفيان الثوري ﵀: (لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن فوقه وعمن مثله وعمن دونه).
لأن منا من يستنكف أن يكتب عن تلميذه، يقول: أنا شيخه، فلا أكتب عنه، فهذا من حظ النفس وليس من النبل.
وهذا الإمام البخاري فقد روى عن الترمذي مع أن الترمذي تلميذ الإمام البخاري، وكان الترمذي يرى أن رواية البخاري عنه مدعاة فخر، فكان إذا حدث بهذا الحديث يقول: ورواه عني محمد بن إسماعيل البخاري، كلما يروي هذا الحديث يقول هذا التنبيه.
وابن خزيمة أيضاً من طبقة تلاميذ البخاري، ومع ذلك روى عنه البخاري.
ومسلم بن الحجاج ﵀ أيضاً روى عنه الإمام البخاري، والإمام البخاري شيخ مسلم كما هو معروف.
فعندما تنبل فإنك لا ترى استنكافاً، أن تأخذ من تلميذك، فالافتقار نحتاج إليه، وكذلك التواضع! مهما أخذت من العلم، فاعلم أن الذي لم تحصله أكثر وأكثر، فهذا يحملك على ألا تجعل لنفسك مقاماً أعلى من مقامها، لاسيما إذا كنت في بدء الطلب.
стр. 712
الحرص على الأوقات
ثم قال: (وحرصٌ) وأعظم الحرص إنما يكون على رأس المال، ورأس مال الإنسان في الدنيا هو الوقت؛ لأن العمر هو الوقت، فإذا ضيع الإنسان رأس ماله، فسيغبن هناك، ولذلك قال النبي ﵊: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
أصل (الغبن): شراء الشيء بسعر عالٍ، وبيعه بسعر أقل، فهذا خسر في كلا مرتين: خسر في المرة الأولى عندما اشترى بأكثر من الثمن، وخسر في المرة الثانية عندما باع بأقل من الثمن، فهذا هو أصل الغبن، (فنعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) دل على أن المغتنمين لهما لهاتين قليل (الصحة والفراغ) والعلم لا يتأتى إلا بهما، فلا بد من فراغ ولا بد من صحة تعينك على الطلب.
وإذا ضيع طالب العلم وقته -لاسيما في بدء الطلب- في الجدال وعمل الحلقات فلن يصل أبداً، وعليه أن يطالع سير العلماء السالفين ليعلم كيف كانوا يستثمرون أوقاتهم؛ لأن كثيراً من الناس يضيع وقت طالب العلم بدعاوى كثيرة: دعوى الشوق، ودعوى السؤال، ودعوى الرؤية أي دعوى، فلا ينبغي لطالب العلم أن يوافق الناس على أهوائهم في بداية الطلب، وإلا سيخسر خسراناً كبيراً؛ لأنه سيضحي برأس ماله والعائد عليه قليل.
ما الفائدة في جلوس جماعة من الغلمان -الذين هم حديثو عهد بطلب العلم- جلسة إلى الفجر يقررون فيها مسألة خلافية، وكل واحد إنما ينقل قول من قلده فقط؟ ليلة كاملة ذهبت على طالب العلم لم يستفد منها، بل قد توغر الصدور؛ لأنه دخل في الخلاف قبل أن يتأدب، لذلك من الممكن أن تتقطع الأواصر، وهذا هو الواقع الآن! طالب العلم المفلح هو الذي يضرب على نفسه حصاراً في أول الطلب، ولذلك كانوا يقولون: (أول العلم الصمت، ثم التعلم، ثم العمل، ثم الدعوة)، وأنت طالما أنك لم تتضلع ولم تصبح رجل دعوة فلا تنشغل بها، فالدعوة ليست فرضاً عينياً عليك، فأنت في سعة من الوقت، والعلماء المتقدمون كانوا يحرصون جداً على الوقت؛ لأنه رأس المال.
ذكر الإمام النسائي في جزء له لطيف أملاه على بعض أصحابه أن إبراهيم النخعي ورجلاً آخر كانوا بعد صلاة العشاء يتذاكرون في العلم، فلا يفرق بينهم إلا مؤذن الفجر.
وفي مقدمة الجرح والتعديل لـ ابن أبي حاتم كان الإمام أحمد بن حنبل والإمام علي بن المديني والإمام يحيى بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وآخرون بعدما يصلون العشاء يتدارسون في علل الأحاديث، فلا يفرق بينهم إلا مؤذن الفجر.
فطالب العلم لا بد أن يكون حريصاً على وقته في بداية الطلب، وإذا أهدر رأس ماله كيف يصل؟ وأنى له أن يصل؟! والليل والنهار يتجددان بصفة دائمة، لاسيما وأن معظمنا بدأ يطلب العلم بعد سن متأخرة، وعندما جاء يطلب العلم لم يجد من المشايخ من يجلس معهم ويطلب العلم على أيديهم، فهو يعاني من مصيبتين معاً: الأولى: طلاب العلم في سن متأخرة، والثانية: أنه لا يجد الشيوخ الذين يدرس عليهم هذا العلم، ومصيبة ثالثة وهي: عدم وجود المعين على الطلب، فقد يتوفر لك شيخ، وقد تتوفر لك همة؛ ولكن لا يتوفر لك ظروف مناسبة: إما أنك مسئول عن أسرة، وإما أن أباك يريدك مثلاً في جهة أخرى.
وإما أن الجو العام سيعرقل في سبيل الطلب؛ لأن المتقدمين لم يكن يشغلهم شيء إطلاقاً، كان الآباء والأمهات عوامل مساعدة للطلبة، فأم سفيان الثوري كانت تقول: يا بني، اذهب فاطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، انظر إلى أم يصل بها فقه النفس إلى هذا الحد، تغزل النسيج وتبيعه وتكفي ولدها.
وكانت أم الإمام الشافعي تهيئه وهو ذاهب إلى مالك، وكانت توصيه وتضع له أرغفة، فكان يحاول بقدر المستطاع ألا يكون أكولاً حتى لا تأخذه هذه الأرغفة أطول وقت.
عبد الله بن أبي داود عندما ذهب يسمع من أبي سعيد الأشج -وهو أكبر شيخ له ومن أجل شيوخه ﵀ قال: دخلت إلى أبي سعيد الأشج لأسمع منه، فاشتريت ثلاثين مداً باقلاء، فكنت كل يوم آكل عدداً من حبات الفول، ونحن الواحد منا اليوم يضع نصف كيلو في (السندويتش) انظر الفرق! - قال: فما نفد الفول إلا وكنت قد كتبت عن أبي سعيد ثلاثين ألف حديث.
ثلاثون كيلو فول يعادل ثلاثين ألف حديث كتبها عن شيخ واحد فقط! وابن أبي داود له مشايخ كثيرون جداً، وعلماء المسلمين الأوائل لم يكونوا أيتاماً في الشيوخ، بل كان أقل واحد فيهم له مائتان وخمسون وثلاثمائة شيخ وهو يبكي على نفسه يقول: لم أقابل أحداً، وهذا الإمام الطبراني له ألف ومائة وتسعون شيخاً.
وحتى لا يكون هناك يأس ننزل إلى المتأخرين قليلاً، فهذا الإمام الذهبي صاحب سير أعلام النبلاء، وتلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد بلغ معجم شيوخه حدود ألف ومائة ونيف، لما ذكر حرف (الزاي) وجدت سبعة عشر شيخة له اسمها (زينب) فقط، من النساء اللاتي تلقى عليهن العلم، وقد تجاوزن المائة والعشرين.
فكيف كان العلم عندهم؟ كم من العلم كان عند هؤلاء؟! نحن كمتأخرين ينبغي للإنسان أن يخجل إذا ذكر عند المتقدمين، إذ لم يبق معنا من العلم إذا ذكر الأول إلا فضل بزاق، والإمام أحمد بن حنبل لو وزع علمه علينا لأصبح كل واحد منا يصبح عالماً فحلاً، فكيف إذا نشر علمه ووزعه؟! إذاً: الشخص حين يأتي يناقش علوم المتقدمين فلا يغتر بنفسه، لا يلبس ثياب غيره، حتى إنه إذا تعقب أحداً يقول: المتقدم أخطأ، ولابد أن تتعامل معه بلطف، ولابد أن تعرف قدره ومقداره، وتعرف قدرك ومقدارك، فالعلماء المتقدمون كانوا يسابقون الزمن، كان ابن أبي حاتم الرازي يقول: كنت أقرأ على أبي وهو يأكل، وهو يشرب، وهو يمشي، وهو في الخلاء.
أي: يدخل الخلاء وهو جالس في الخارج يقرأ عليه! بل وصلت الهمة أن الإمام الدارقطني كان يُقرأ عليه وهو يصلي النافلة! والخطيب البغدادي -كما ذكر ذلك ابن الجوزي في المنتظم في ترجمته- قال: كان يمشي في الطريق وهو يطالع جزءاً.
فهؤلاء العلماء كانوا حريصين جداً على الوقت.
وما أجمل ما يحدثنا به أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، وهذا الرجل له مصنف اسمه (الفنون) في ثمانمائة مجلد، وهو خلاصة ما كان يخطر له، نشر منه مجلدان هي كالأحاجي والألغاز، حين تقرأ في المجلدين تشعر أنك لا تفهم كلمة، فحين يكون نائماً ويخطر على باله خاطرة يقوم يكتبها وينام مرة أخرى، وكتاب (الفنون) جاء بالتتابع هكذا، وابن عقيل ليس له كتاب واحد فقط، بل له كتب عدة، وقد كان رجلاً له أولاد وزوجة وله مشاكل، والعوام كانوا يأتون إليه، فكيف صنف مثل هذه الكتب؟ يقول عن نفسه: إنني أقصر بجهدي أوقات أكلي، حتى إنني أختار دق الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من التفاوت في المضغ.
فهو يقول: بدلاً من أن أمضغ خمس دقائق وأجعلها دقيقاً، وأبلها بالماء، وأسكت شدة الجوع وأنتهي؛ لأن المطلوب من الأكل: أنك لا تشعر بوقع الجوع.
وكان يقول: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا كلَّ لساني عن مناظرة، وبصري عن مطالعة، فإذا استطرحت فأعمل فكري حال استطراحتي، فلا أقوم إلا وقد خطر لي ما أسطره.
وابن الجوزي استفاد من صحبة ابن عقيل، فقال: إن كثيراً من العوام يطالبك بالزيارة لأنه يدعي الشوق، وأنت لو رددتهم صارت بينك وبينهم نفرة، ولو وافقتهم ضاع عمرك فماذا أفعل؟ قال: فصرت أهيئ للقائهم حزم الدفاتر، وبري الأقلام، وقطع الورق، فإن هذا شيء لابد منه ولا يحتاج إلى فقه، فأنا لدي كتب مبعثرة، فأول ما يأتي أحد لزيارتي أبدأ بترتيبها وتحزيمها وتنظيف التراب وغير ذلك، ويمكن أن أقول له: شارك بيدك معي؛ لأن هذه أشياء ضرورية، فأنا لو تركت مثل هذه الأشياء واستجبت لهؤلاء العوام ضاع عمري لذلك فهؤلاء العلماء صنفوا كتباً كثيرة جداً، وأنت تندهش أن ابن الجوزي له ستمائة مصنف، منها ماقد يصل إلى عشرين مجلداً، ومنها خمسة مجلدات وعشرة مجلدات، وهذا إنما حصلوه بالحرص على العمر
стр. 713
الذكاء
أما الذكاء فهو أول درجات السلم، إن العلم لا يسلم زمامه لغبي ولا بليد، لابد أن يكون طالب العلم ذكياً جداً، نحن ابتلينا بأناس تصدروا للفتيا ليس عندهم ذكاء، لأن الذكاء يورث ما يسمى عند الفقهاء: بفقه النفس، وفقه النفس: هو مراعاة مقتضى حال المخاطب.
جاء رجل وطلب منك فتوى، فأنت لابد أن تتفرس في الرجل وتزنه، وهذه الفراسة كانت موجودة عند أسلافنا بكثرة، لكنها أصبحت الآن أندر من الكبريت الأحمر.
وقد صح عن ابن عباس أنه كان يجلس مع بعض أصحابه كـ سعيد بن جبير وعكرمة وطاوس، فجاءه رجل فقال له: (ألقاتل المؤمن توبة؟ قال له: لا.
فلما مضى الرجل قال له أصحابه الجلوس: أولم تفتنا قبل ذلك أن لقاتل المؤمن توبة؟ قال: بلى، ولكني رأيت في عينيه الشر).
فالسائل يريد أن يقتل، وجاء مسعوراً، ويريد أن يأخذ فتوى بأن قاتل المؤمن له توبة فيقول: إذاً سنقتل ونتوب إن شاء الله، أما إذا لم يكن له توبة فلا، فـ ابن عباس لاحظ هذه المسألة، فقال له: ليس لقاتل المؤمن توبة.
وهنا مسألة يتكلم العلماء فيها، وهي: أنه يجوز للمفتي أن يفتي بأشد الوجهين، إذا كان له وجه في الدليل، مراعاة لحال المستفتي، إذا كان الدليل يحتمل وجهين، فمراعاة لحال المستفتي يفتيه بالأشد.
والشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀ استخدم هذا الأصل في فتوى تحريم نقاب البرقع، لأن بعض الناس طار بها طيراناً، على أساس أن الشيخ ابن عثيمين يقول: النقاب حرام وليس كذلك، فالشيخ محمد صالح ﵀ ممن يوجب ستر المرأة وجهها، فكيف يقول: إن النقاب حرام؟ فالنقاب الذي فيه إدلاء، وهو أن تضرب المرأة بالثوب الواحد من شعر رأسها لأخمص قدميها قطعة واحدة، فهذا هو الذي يوجبه الشيخ ويقول به.
ويبقى النقاب الآخر وهو نقاب البرقع الذي اشتهر في مصر والشام، وهو عبارة عن قطعتين: قطعة غطاء رأس، وقطعة تضرب على الوجه، فالزائر إلى مكة يلاحظ النساء اللواتي يرتدين لباس البرقع، بدأن يتوسعن فيه، ترفع الغطاء الأعلى قليلاً، وتنزل غطاء الوجه قليلاً، فإذا بنصف وجهها يظهر، أي من منتصف الجبهة إلى أول الأنف، فلما بدأن يتوسعن في ذلك قال: لا، لا يجوز، وإن كان نقاب البرقع موجوداً في زمان النبي ﷺ ، لكن لا نراه الآن؛ لأن النساء توسعن في ذلك.
والعلماء يقولون في هذه أيضاً: إن المفتي إذا أفتى في مسألة بشروط جواز فلم يلتزم الناس الشروط، فله ألا يذكر الشرط، أي: إذا قال مثلاً: يجوز أن تلبسي نقاب البرقع، لكن إياك أن تفعلي كذا وكذا، وهو يعرف أنها لن تلتزم بهذا الشرط؛ فحينئذ له أن يطلق المنع بغير ذكر الشرط؛ لأن الشرط لا قيمة له، بل هذا الشرط يمكن أن يستخدمه بعض الناس في الفوضى، فيقولون: من الأفضل أن نغلق هذا الباب، وهذا من ذكاء المفتي، لابد أن يراعي المفتي حال المستفتي.
فطالب العلم في بداية الطلب لا بد أن يتمتع بهذا الذكاء، وإلا فسيخسر كثيراً، إما في التحصيل، أو إذا ابتلى الله العباد به مفتياً بعد ذلك.
فأول درجات الذكاء: أن طالب العلم يبدأ بالأهم فالمهم.
أول واجبات طالب العلم: والإنسان يعجب من الطلبة الذين يريدون دراسة علم مصطلح الحديث، ولم يجودوا القرآن بعد، هو لا يستطيع أن يقرأ القرآن ويريد أن يدرس المصطلح، فطالب العلم إذا كانت بدايته هكذا فلن يفلح، وقد تجد أيضاً طالب العلم أول ما يبدأ في الفقه يبدأ يقرأ في المحلى لـ ابن حزم، وهذا من علامات الخسران: أن يكون أول ما يقرأ من الفنون وأول ما يبتدئ، وأول درجة في الفقه أن يقرأ المحلى لـ ابن حزم أو نيل الأوطار، أو الكتب التي تعنى بذكر الأدلة والمناقشة.
لنفرض أنني رجل ليس عندي فهم، أي: ميزان أعرف به الحق من غيره، فإذا أنا دخلت في الكتب التي تعنى بذكر الخلاف، واحد في الشرق والثاني في الغرب، الثاني يحضر دليلاً وهذا يحضر مقابله دليلاً، فأنت في النهاية ماذا تصنع؟ لا يمكن إلا واحدة من ثلاث: ١ - إما أن يختار بهواه القول المناسب له.
٢ - وإما أن يسوء ظنه بالعلماء جملة، فيقول: لو كانوا على حق ما اختلفوا والدليل واحد، فواحد مشرق والآخر مغرب وما ذلك إلا لأن مدارك الفهم متسعة، فهذا أفتى بمنطوق الدليل، والثاني أفتى بمفهوم الدليل، والمفهوم غاب على هذا الرجل فلم يتفطن هذا كيف أخذ هذه الفتوى.
وإما أن يعرض عن العلم جملة، طالما أنه لم يجتهد.
فالصواب: أن نبدأ بصغار العلم قبل كباره، كما ذكره الإمام البخاري في تبويب له على تفسير معنى الرباني، في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]، قال: الذي يبدأ بصغار العلم قبل كباره، وكما قال القائل: غذاء الكبار سم الصغار.
أي: لو أحضرت ولداً وهو لا يزال يرضع وأعطيته قطعة لحم فإنه يموت بها؛ لأن معدته لم تتعود على هذا الهضم، فلذلك الإنسان أول ما يبدأ لا بد أن يعمل ذكاءه، ما الذي ينبغي أن يبدأ به، لكن أول ما يدخل مباشرة يدخل في سلك الأئمة المجتهدين، هذا يضر الطالب أشد الضرر.
هذا الذكاء ينفعه فيما بعد في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، وبعض الناس يظن أن الكتاب والسنة كافيان وافيان لكل ما يستجد للبشر، لدرجة أنهم قالوا: إن تسعة أعشار الأحكام الشرعية تؤخذ من القياس، وهذا من الخطأ، فالأحكام الشرعية بكاملها وكل الأدلة كافية، لكن المشكلة في الذي يستنبط الأحكام؟ فهذا الإمام البخاري إمام أهل الحديث والفقه في زمانه كان من العلماء الذين يستنبطون الفقه من الأدلة، ففي كتاب المواقيت قال: (باب من أدرك ركعة من العصر) أي: قبل أن تغرب الشمس، ذكر في هذا الباب ثلاثة أحاديث، فالحديث الأول مناسب للتبويب، وهو حديث أبي هريرة ﵁: (إذا أدرك أحدكم سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك، وإذا أدرك أحدكم سجدة من الصبح قبل أن تشرق الشمس فقد أدرك).
والتبويب كأنه مأخوذ من نص الحديث، ولكن المهم في الحديثين الباقيين، أما الحديث الثاني بعد حديث أبي هريرة فهو حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صليت العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس، فأعطيتم قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: هؤلاء أقل منا عملاً وأكثر أجراً، قال الله: هل ظلمتكم من أجوركم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء).
وأردف حديث أبي موسى الأشعري عقب حديث ابن عمر قال: (مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوماً يعملون له عملاً إلى الليل، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك فاستأجر آخرين، فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر، قالوا لك: لا حاجة لنا إلى أجرك، فاستأجر قوماً فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين).
أولاً: ما علاقة هذين الحديثين بحديث: (من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس) هذا الجواب الإمام البخاري يريد أن يقول: إن العمل لا يقبل إلا إذا استوفى شرائطه، والله ﵎ قال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، فإذا أدرك رجل سجدة أو ركعة واحدة قبل أن تغرب الشمس، بمعنى أنه أنهى الركعة ودخل وقت المغرب، فهل وقع أغلب صلاته في غير الوقت أم لا؟ ثلاث ركعات وقعت في غير وقت العصر، فالجزء القليل من الصلاة هو الذي وقع في الوقت، ومع ذلك عاملك الله ﵎ بالفضل، فوهب الأكثر للأقل، واعتبر أنك أدركت الصلاة.
ولو أنه حاسبك بالعدل لقال: لك ركعة واحدة فقط، وثلاث ركعات لا قيمة لها؛ لكنه عاملك بالفضل، فوهب لك الأكثر الذي وقع على غير شرطه.
كذلك عامل هذه الأمة بالفضل، فكانت أقل أعماراً وأكثر أجراً، ولو أنه عاملها بالعدل لعاملها أقل، فيعطيها من الأجر أقل ما يعطي للأطول عمراً، هذا هو وجه الربط، فالإمام البخاري يريد أن يقول: إن هذا تفضل من الله أن يقبل منك صلاتك وقد وقع أغلبها في غير الوقت، مع قوله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، أي: لها وقت أول ولها وقت آخر، فعاملك هنا بالفضل، كما عامل الأمة جملة بالفضل لما أعطاها الأجر الجزيل مع العمر القصير، وهذا واضح جداً في أشياء كثيرة، منها ومن أجلّها قوله ﵎: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]، فأطول عمر نحن نعلمه هو عمر نوح ﵇ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، وتلفت نظرك هذه العبارة، لماذا لم يقل: (تسعمائة وخمسين)؟ إذا كان ألف سنة إلا خمسين عاماً هي تسعمائة وخمسين، فهل هناك فرق بينهما؟ هناك فرق كبير، فقد جرت عادة الناس أن تلغي الكسر في العد، مثاله: كم الساعة الآن؟ فتقول مثلاً: السادسة وثلاث عشرة دقيقة تقول له السادسة والربع أو السادسة وعشر دقائق، هكذا، فتلغي الكسر، فجرت عادتهم، إلغاء الكسر دائماً في العد.
فلو قال: (تسعمائة وخمسين عاماً)، لقلنا: يحتمل أن تكون تسعمائة وثلاثة وخمسين، أو أربعة وخمسين، أو خمسة وخمسين، فلما قال: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤] لا يحتمل أن يكون هناك كسر إطلاقاً.
فأطول عمر نحن نعرفه عمر نوح ﵇: (تسعمائة وخمسين عاماً)، وقد ذكر
стр. 714
أدب الخلاف بين الطالب والعالم
عندما أختلف مع أي عالم كان، فلابد أن أراعي الفرق بيني وبينه، وقد أكون أنا لم أهتد إلى هذا العلم إلا على يد هذا الرجل، فكيف أعامل هذا الشيخ -أياً كان هذا الشيخ- مثل هذه المعاملة؟! إن هذا يعد من العقوق.
ألا ترى موسى ﵇ لما ذهب إلى الخضر ﵇، وطلب منه أن يعلمه، ماذا قال له؟ ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، انظر جمال السؤال! حاجته صاغها في سؤال حتى يتيح الفرصة للشيخ ليقول: نعم أو لا، فهو لم يفرض نفسه فرضاً، وكذلك انظر إلى كلامه (هل أتبعك) فجعل نفسه تابعاً، ولا شك أن التابع أقل من المتبوع، وموسى كليم الله، وهو عند جميع أهل السنة أفضل من الخضر، لا شك في ذلك، بل لعله عند جميع أهل الأرض أفضل من الخضر ﵇؛ لأنه من أولي العزم، والخضرفي نبوته خلاف، لكن موسى ﵇ ليس في نبوته ولا رسالته خلاف، يقول: (هل أتبعك) -فخفض نفسه ورفع الخضر؛ لأنه أستاذه في هذه المسألة- (على أن تعلمن) -فنسب نفسه للجهل ونسب شيخه للعلم؛ لأن الرجل يريد أن يتعلم، (على أن تعلمن مما)، (من): تبعيضية، أي: بعضاً مما عندك، فأشار إلى كثرة علم شيخه، (من ما) و (ما) هذه من صيغ العموم، فيدل على أن شيخه شمل جملة العلوم، وهذه تؤيد البعضية التي ذكرناها (من ما عُلمت) كلمة (علمت) مبنية للمجهول، يرقق قلب الشيخ عليه، كأنه قال له: كما علِّمت رُدَّ الإحسان وعلمني (مما علمت رشداً)، واشترط عليه أن يأخذ منه الرشد دون الغي، وهذا هو الأصل في تلقي العلم، وأنت لو حاولت أن تتأمل في هذه الآية وتتبحر فيها ربما تجد أيضاً آداباً أخرى.
فانظر إلى لطافة السؤال، وأنت حين تدخل على الشيخ بهذا الأسلوب فإنه يرق قلبه لك، وهذه من الآداب، قال ابن جريج: لقد استخرجت ما عند عطاء من العلم بالرفق.
ابن جريج لازم عطاء بن أبي رباح عشرين سنة، واستخرج علم عطاء بالرفق، وقال الزهري: لقد خسر أبو سلمة بن عبد الرحمن علماً كثيراً بمماراته ابن عباس؛ لأنه كان كلما جلس مع ابن عباس يماريه ويجادله، فأنا لو أعلم أن أحداً كلما جلست معه يماريني فلن أتكلم لماذا؟ أريد أن أريح دماغي.
لكن أوليس المقصود من الجدل عموماً تقرير الحق؟ فإذا كان الطرف الآخر إنما يجادل لغرض الجدل، فالصواب ألا أتكلم، فـ أبو سلمة بن عبد الرحمن من كثرة ما كان يماري ابن عباس خسر ما عنده من العلم.
فالإنسان إذا تلطف حصّل مراده، ولذلك قال الشاطبي في الموافقات: (ترك الاعتراض على الكبراء محمود)، وساق تحت هذا العنوان، أو تحت هذه الكلمة فصلاً نافعاً جداً في أدب الطلب، ترك الاعتراض على الكبراء محمود لاسيما إذا كانوا من أهل العلم النافع والعمل الصالح، وإذا كانوا مبرزين في العلم والتقوى؛ لأن الإنسان قد يعترض على ما لم يدركه علمه.
وذكر الشاطبي ﵀ اعتراض عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ في صلح الحديبية، وقصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو لما جاء يرسف في أغلاله وقد عذب في الله عذاباً أليماً، فكان سهيل بن عمرو مازال يتفق مع رسول الله ﷺ على بنود الاتفاق، فكان منها أنه إذا أتاك رجل مسلم فاراً بدينه ترجعه إلينا، وإذا فر رجل من عندك كافراً لا نرجعه، فقال المسلمون: سبحان الله نرجعه وقد جاء مسلماً! وهم في حال تحدثهم جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في أغلاله، فرمى نفسه بين ظهراني المسلمين وقال: يا معشر المسلمين! ألا ترون ما أصابني؟! وأبو جندل هو ابن سهيل بن عمرو الذي يكتب الاتفاق مع الرسول ﷺ ، فقال: يا محمد! هذا أول ما أطالبك به أرجعِه، فقال النبي ﵊: لم يقض الكتاب بعد، قال: أبداً.
فقال: فأجزه لي.
أي: سنكتب الكتاب كما تريد، ولكن هذا نستثنيه.
قال له: لا.
قال: بل أجزه لي.
قال له: لا.
فكان الموقف في نظر عمر بن الخطاب وسائر المسلمين موقفاً في منتهى الذل، فما الذي يجبرنا على هذا؟ نحن نستطيع أن ندخل عليهم فنأكلهم أكلاً، لماذا نعطي الدنية في ديننا؟ لذلك لم يتحمل عمر واعترض، وقام إلى النبي ﷺ فقال: (ألستَ رسول الله حقاً؟ قال له: بلى.
قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.
قال: أولم تقل لنا أنا نطوف بالبيت؟ قال: قلت لك نطوف به العام؟ فقال له: لا.
قال: فإنك آتيه ومطوف به)، لكن الكلام لم يقنع عمر، لأنه ثائر فلم يتحمل هذا الذل، فقام إلى أبي بكر الصديق، فقال: أليس رسول الله حقاً؟ قال: بلى.
قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ قال: هو رسول الله وليس يعصيه، وهو ناصره فاستمسك بغرزه.
العجيب في المسألة توافق الكلمات بين أبي بكر الصديق وبين النبي ﵊! نفس الكلام الذي قاله النبي ﷺ بالحرف قاله أبو بكر الصديق، لكنه زاد عليه (استمسك بغرزه)! قال عمر بن الخطاب: فعملت لذلك أعمالاً أي: تصدق وصام وما إلى ذلك؛ ليكفر عن هذا الاعتراض.
فـ الشاطبي تحت هذا العنوان الجميل ذكر هذه القصة، قال: (ترك الاعتراض على الكبراء محمود) لاسيما -كما قلت- إذا كان هذا الكبير ضليعاً بعلم الكتاب والسنة؛ لأن عنده من المدارك ما ليس عندك فتسلم له، لاسيما إذا لم يكن في يدك دليل واضح على رد قول هذا العالم.
فليس من الأدب ولا من الإنصاف أن لا يعترف الإنسان لهؤلاء بالفضل.
ابن جرير الطبري ﵀ -وهو أحد العلماء الكبار جداً- كان له مذهب اسمه (المذهب الجريري) لكن هذا المذهب اندثر في جملة ما اندثر من المذاهب، كمذهب سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد؛ لأن تلاميذه لم يقوموا به، قال لأصحابه يوماً: تنشطون لكتابة التفسير -وكان يملي من حفظه- قالوا: في كم ورقة يكون؟ قال: في ثلاثين ألف ورقة.
فقالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار.
قال: إنا لله! ماتت الهمم، فأملاه في ثلاثة آلاف ورقة مختصراً، وهو الآن في ثلاثين مجلداً، مطبوعة بالأحرف الصغيرة، والشيخ أحمد شاكر ﵀ وأخوه الشيخ محمود شاكر حفظه الله كانوا قد بدءوا يحققون تفسير الطبري، فوصلوا في ستة عشر مجلداً إلى سورة الرعد، ولو أكملوا لكانوا وصلوا إلى المجلد الثمانين.
فقال لهم: تنشطون لكتابة التاريخ! قالوا: في كم ورقة يكون؟ قال: نحواً من التفسير، قالوا: هذا مما تفنى دونه الأعمار فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فأملاه أيضاً في نحو مما أملي فيه التفسير.
هذا الإمام الكبير لما دخل عليه بعض عواده وهو في مرض الموت تناقشوا في مسألة من مسائل المواريث، فدعا ابن جرير بقرطاس ودواة ليكتب له هذه المسألة لأنه أول مرة يسمعها، فقيل له: أفي هذه الحال -أي: وأنت تموت-؟! قال: أترك الدنيا وأنا بها عالم خير من أن أتركها وأنا بها جاهل.
وإن كان لا يترتب عليها عمل عنده؛ لأن الاستكثار من العلم جيد، وليست فيه مضرة.
إن العلم يحتاج إلى عمر، نحن نوصي أنفسنا وإخواننا في الله ﵎ ألا يستعجلوا، قال الإمام الشافعي: (فكلما ازددت علماً ازددت معرفة بجهلي)، ولا شك أن الذي نجهله أكثر من الذي علمناه.
نسأل الله ﵎ أن يؤدبنا وإياكم بأدب النبوة أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم
стр. 715
الأسئلة
.
стр. 716
خطأ طالب العلم في الاعتماد على كتب الفروع وإعراضه عن كتب الأصول
السؤال
يعمد بعض طلاب العلم إلى دراسة كتب الفروع والإكثار منها، دون إرفاقه ذلك بدراسة الأصول، فهل ينتفع طالب العلم من هذا المنهج؟
الجواب
( من حرم الأصول حرم الوصول) لماذا الإنسان يتأرجح ما بين الأقوال المختلفة؟ لأنه ليس عنده أصل ثابت يرجع إليه، والرجل إذا حفظ كل كتب الفروع، مثلاً: حفظ المغني لـ ابن قدامة، حفظ المجموع للنووي، حفظ المحلى لـ ابن حزم حفظ كل هذه الكتب، فلن يصير فقيهاً ولا يستطيع أن يثبت في تقرير الحق؛ لأنك لو كنت درست الأصول تستطيع أن تهدم له الحكم الذي وصل إليه من كتب الفروع، وسيكتشف أنه في النهاية ما هو إلا مقلد، رجل حفظ شيئاً فقاله ولم يتحققه، المشكلة أننا أهملنا الأصول.
لابد في العلم من أصلين مهمين جداً: علم الحديث وعلم أصول الفقه، فعلم الحديث يثبت لك الدليل، وعلم أصول الفقه يثبت لك الحجة، الفهم عن الدليل؛ لأنك إذا تضلعت في علم واحد فقط كنت كالطائر بجناح واحد فقط، فلو كنت محدثاً صرفاً فلن تتمكن من الأصول.
ومع ذلك فليس من العيب الاقتصار على باب من أبواب العلم، إنما العيب أن تتخطى إلى ما لا تتقن، لكن لو وقفت على ما تحسن فلن تعاب، كن محدثاً ولا تتكلم في الفقه، كان الدارقطني ﵀ محدثاً صرفاً، وليس له كتاب فقهي، لكنه في الحديث إمام يوضع في جبين المحدثين، أملى كتاب العلل من حفظه، وكتاب علل الحديث للدارقطني يعد معجزة باهرة! قال الذهبي: لو كان هذا الإمام أملى هذا الكتاب من حفظه فلا أعلم له في الدنيا نظيراً.
وأنا قبل خمسة عشر عاماً لما ذهبت أنقل من كتاب العلل من دار الكتب المصرية كان أول حديث هو حديث (شيبتني هود وأخواتها) هذا الحديث أنا نسخت فيه حوالي خمس عشرة ورقة كلها في الاختلافات بين الرواة، والله! كان دماغي يلف وأنا أنقل الطرق التي يذكرها الإمام على البديهة، وأنا ناقل فقط، فهي ليست في ذهني، والذي طالع علل الدارقطني يعلم أن الإمام أعظم مما وصفت، ومع ذلك لم يُذكر في باب الفقهاء انتهى.
(آفة المرء أن يتكلم فيما لا يحسن)، فمثلاً جاءت امرأة إلى محدث صرف فقالت له: كان عندي دجاجة وسقطت في بئر ماء فغرقت وماتت، فما حال الماء -يعني: أنتوضأ به-؟ قال: ويحك! لِمَ لم تغط البئر؟ أهذا هو الموضوع؟! قضاء الله نفذ، أنا أريد حكماً على الحالة الواقعة، قال لها: لم لم تغط البئر؟ لأنه ليس عنده جواب على هذه المسألة الفقهية.
لكن الإنسان إذا ضم لعلم الحديث علم أصول الفقه فقد جمع بين الخيرين.
أحياناً يكون المرء فقيهاً، لكنه ضعيف في علم الحديث، وإنما عنده مشاركة، مثلاً يقول: صححه ابن حجر صححه الذهبي، فهو رجل ينقل ومهتم بنقل تصحيح علماء الحديث للحديث، فحين يأتي مبتدع ماكر فيقول له: إن دليلك الذي تتكلم عنه ضعيف فسقط الحكم بسقوط الدليل فيقول له: كيف؟ هذا صححه ابن حجر؟! يقول له: دعنا من باب التقليد، فأنت حينما تقرر الحق تصير مجتهداً، أثبت صحة الحديث، فأنا بإمكاني أن أقول لك: فلان ضعفه، ولن نصل، كما أنني أقرر الحق بدليله هنا وهناك، فقرر أو أثبت لي أنه صحيح.
فيعجز، ولا يستطيع إلا أن ينقل أنه صحيح عن فلان أو علان، حينئذ لو كان ورعاً يتوقف، ويقول: طالما أن المسألة هكذا فدعني أبحث.
فالمبتدع بإمكانه أن ينقض الحكم كله لأنه قد ضيع الدليل، فإذا ضاع دليل الحكم لا يثبت الحكم، إذ لا يتصور فناء الأصل مع وجود الفرع، لكن لو أنه متضلع يستطيع أن يفعل في المبتدعة ما لا تفعله الجيوش الجرارة، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإن شيخ الإسلام ابن تيمية فعل في المبتدعة ما لم تفعله الجيوش الجرارة في الكفار، والإمام الذهبي كان محدثاً من شعر رأسه لأخمص قدمه، وبالرغم من ذلك فقد كان ﵀ يقول: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث؛ من سعة حفظه، وكنت تتعجب من حفظه وسرده للأسانيد وتخريجه من الكتب، مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حين نصنفه في كتب الطبقات نصنفه في طائفة الفقهاء، ليس في طائفة المحدثين، كان أن الخطيب البغدادي ترجم لـ أحمد بن حنبل فصنفه في طائفة المحدثين، وقد ترجم للشافعي فجعله في طائفة الفقهاء، فغضب عليه الشافعية والحنابلة، لأنه لما قال في الشافعي تاج الفقهاء، قالوا: لم تذكره في الحديث فسلبته الحسن كله، ولما جاء يترجم لـ أحمد قال: سيد المحدثين، قالوا: لم تذكره بالفقه، فأي معنى للحديث بغير فقه؟! لا، الإمام الشافعي كان محدثاً كبيراً، والإمام أحمد كان فقيهاً كبيراً، لكن غلب على هذا الفقه فاشتهر به، وغلب على هذا الحديث فاشتهر به.
فالعالم كلما كان متضلعاً -بالذات بعلم الأصول- يستطيع أن يمضي في الأدلة مضي السهم، لذلك نحن نقول لإخواننا المتأرجحين بين التيارات الموجودة أو الفتاوى الموجودة: لن تعدوَ أن تكون رجلاً من اثنين: إما أن تكون طالب علم جيداً، فإذا عرفت الطريق فاسلك طريق الأصول والدراسة، وإما أن لا يكون لك وقت وليس عندك صبر ولا جلد، ولا تطمع حتى أن تدرس الأصول، فحينئذ انظر إلى العالم أو إلى طالب العلم الجيد الذي تعتقد أنه الأدين والأعلم والأورع فالزم فتواه، لكن إذا جعلت دينك عرضة للخصومات أكثرت التنقل، إذا كنت رجلاً من العوام ما الذي يحملك على أن تنتقل بين الأقوال؟ لماذا تعطي أذنك لكل ناعق؟ إذا عرفت أن هذا هو الحق فالزمه، واصحب من تعتقد أنه الأعلم والأدين والأورع، فليس هناك سبيل إلا هذا.
стр. 717
عدم جواز القدح في الأئمة الأعلام في المسائل العلمية الخلافية
السؤال
حين ذكرت ابن حزم فإنك لم تترحم عليه، فما السبب؟
الجواب
يقول: إنني لم أترحم على ابن حزم فأقول: ابن حزم ﵀ وابن الجوزي ﵀ رغم أنف أصحاب التكفير؛ لأن هناك من يقول: لا يجوز الترحم على ابن حجر العسقلاني، ولا يجوز الترحم على ابن حزم، ولا يجوز الترحم على ابن الجوزي، ولا يجوز الترحم على كل من له بدعة في العقيدة.
أنا أحيل على الجزء رقم عشرين من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يقول: لا يجوز التبديع في المسائل العلمية إذا كان لها وجه.
فيقول: لا يجوز تضليل الذي يقول: إن الله ﵎ لا يرى في الآخرة، لاسيما إذا كان متأولاً كـ مجاهد بن جبر الذي يقول بأن الله لا يُرى في الآخرة، اعتماداً على قوله ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
فلو أن رجلاً أخطأ متأولاً، فإنه لا يخرج بذلك من جملة المسلمين، فإذا كان لم يخرج من جملة المسلمين فأي معنى لأن تقول: (لا يرحمه الله)، وكذا من قال: إن الاستواء معناه الاستيلاء (لا ﵀.
! هلا تأدب هذا القائل مثلما تأدب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهما يكسران أصنام الجهمية، وهما من أفضل وأقوى الذين ردوا على هؤلاء الجهمية، ما سمعنا (لا ﵀ أو (يذهب إلى سقر)، أو هذه الأشياء منهم، بل هذا مسلم أخطأ، لا نقره على خطئه ونرجو له المغفرة.
فأنا إذا كنت لم أقل (ابن حزم ﵀ فلا أقصد ترك الترحم عليه، بل أقول: ابن حزم ﵀ وابن الجوزي ﵀، ونسأل الله أن يغفر لنا ولهم.
стр. 718
مفهوم العزلة والحصار للتفرغ لطلب العلم
السؤال
هل المقصود بالعزلة والحصار وعدم الاختلاط بالناس من أجل التفرغ لطلب العلم؟ وهل يلزم طالب العلم عدم الوعظ حتى يكون متمكناً في أبواب العلم؟
الجواب
ليس معنى كلامي أن يعيش المرء أخرس، المتأمل في جملة الكلام يرى أن بعضه يكمل بعضاً، لما قلت: إن طالب العلم ينبغي أن يضرب على نفسه حصاراً ذكرت من الأمثلة أنه يضيع الليلة في الجدل، هذا هو الحصار الذي أقصده، لكن رجل يرى شيئاً من المنكرات وبإمكانه أن ينكر فلا يقال له: انتظر حتى تتضلع من العلوم ولا تنكر لا، لأن المسألة واضحة، رجل لسانه طلق وبإمكانه أن يقول كلمة يذكر بها غافلاً، فهذا يجب عليه أن لا يتأخر؛ لأن هذه ليست فتوى ولا يترتب عليها شيء.
نحن في باب الفتوى نقول: لا؛ الإنسان لابد أن يتضلع من العلم، على الأقل في المسألة التي يفتي بها؛ لأن العلم يتجزأ، فإذا تصدى لموضوع ما يتقنه، فله أن يتكلم فيه، لكن ليس له أن يتكلم مطلق التكلم إلا إذا تضلع بالعلم جملة، فلا يفهم من كلامي أنني أقول: إنه لا يحل لأحد أن يتكلم ولا يعظ ولا ينكر ولا هذه الأشياء لا، أرجو أن يكون هذا واضحاً، أعني خذ كلامي جملة واحدة، فلربما صاحب السؤال كتبه قبل أن أتم كلامي.
стр. 719
ضرورة حضور طالب العلم حلقات العلم وعدم الاكتفاء بالقراءة المنفردة لكتب العلم
السؤال
كثير من الإخوة يريدون أن يطلبوا العلم، وفي سبيل ذلك فإنهم يعتزلون الناس ويتفرغون لقراءة الكتب، حتى إنهم يمتنعون عن نصح الجاهل وإرشاده إلى ما يجب عليه من أمور دينه بحجة أنهم لم يتعلموا بعد، ومن جانب آخر يسأل بعض الشباب عن كيفية البدء في طلب العلم، وكيف يبدأ في دروس الفقه والحديث والعقيدة، إلى غير ذلك، فالسائل يريد أن يضع قدمه على أول الطريق في طلب العلم أرشدنا جزاك الله خيراً؟
الجواب
قلت سابقاً: إن هذه الحلقات لابد منها، ولكن لا تجد أحداً قط حصّل قدراً كبيراً من العلم اعتمد فقط على مثل هذه الحلقات، بل لا بد من البحث الشخصي، ولابد من التعب، فإن التدريس في الحلقات يفتح لك الباب، فتتوفر لك الفرصة لتصحح ما تقرأ، أما أن يأتي الرجل ليسمع فقط لا غير، لا يقرأ ولا يجهد نفسه ولا يلخص هذا لا يمكن أن يحصل على علم كثير، فهذه الحلقات هي المفتاح لاسيما في هذا العصر.
سمعت شخصاً يقول: الشيخ بخمسة ريالات، فأقول له: ماذا تعني بقولك: الشيخ بخمسة ريالات؟ فيقول: أي شيخ ممكن يكون عندك في بيتك بخمسة ريالات -يعني الشريط- وترجعه كما تريد، وتأخذ آخر، وتسمع كما تريد، وقد لا تستطيع أن تستوضح مسألة من الشيخ في الجلسة لكن في الشريط ممكن تسمع الدرس أكثر من مرة، فالشريط هذا كأنه نصف شيخ.
طبعاً في مسألة الملازمة والأدب الشريط لا يعلِّم؛ لأن الشريط شأنه شأن الكتاب، فلزوم حلقات أهل العلم يستفيد الإنسان بها الأدب الذي هو زين العلم، فهناك بعض المشايخ شرحوا كتباً كبيرة، بإمكان الإنسان أن يأتي بالكتاب ويسمع الشريط، هذا إذا تعذر عليه أن يوافق شيخاً على عقيدته، أو يجد شيخاً متضلعاً بالكتاب والسنة، فهذه الحلقات لابد منها.
ولأن العزلة وهذا شيء أنا جربته وبلوته- غير محمودة، ومسألة الانكباب على الكتاب وعدم الذهاب حتى لإخوانك من طلاب العلم، فتكلمهم وتناظرهم، وتأخذ ما عندهم من الفوائد، فطالب العلم الذي يعمد إلى هذا السلوك يخسر كثيراً جداً.
بعض إخواننا يقول: كثيراً ما قرأت ونسيت، فكيف أحفظ؟ فلماذا نسي؟ لأنه وهو يقرأ ليس له هدف، فلو أن الكلام الذي سيقرؤه يريد أن ينفع به بعد ذلك لن ينساه، إنما إذا قرأ لمجرد القراءة قد يفهم، لكن إذا ترك القراءة ثلاثة أيام ينسى الذي قرأه، فمعظم الذين ينسون ما يقرءون ليس لهم هدف تعليمي، وما المانع يا أخي! أن تطمع في فضل الله ، وأن تدعو الله أن يجعلك للمتقين إماماً؟! فما عرفنا أحداً من العلماء كان يظن أنه سيصل في نهاية حياته إلى مرتبة الإمامة، فلِمَ تحتقر نفسك؟ فالإمام أحمد أو الإمام يحيى بن معين أو الإمام البخاري لم يرد عن أحد منهم أنه كان يظن أنه سيصل إلى هذه المرتبة، ولذلك تجد في تراجم هؤلاء العلماء أن تاريخ ميلادهم قد يكون مجهولاً، لكن تاريخ وفاتهم معلوم عندنا بالساعة والثانية، ويرجع ذلك إلى أن الواحد منهم يوم ولد ولد كآلاف المواليد، لا أحد يعرف يومها هل سيكون نجيباً؟ هل سيكون إماماً؟ هل سيكون صالحاً؟ هل سيكون فاسقاً؟ لا أحد يعرف، لذلك لم يهتم أحد بتدوين تاريخ ميلاده، حتى صار إماماً فعرف تاريخ وفاته، فكل واحد لما وصل للإمامة في آخر حياته ما كان يظن قط أنه سيصل.
لذلك لا تحتقر نفسك، وسل الله ﵎ أن يجعلك للمتقين إماماً، أول ما تجعل هذا الهدف أمامك كل علم ستستفيد منه، ولن تقرأ شيئاً في باب من أبواب العلم إلا وتستفيد منه، فكن غواصاً في المعاني، فالغوص في المعاني يحتاج إلى تهيئة سابقة.
الإمام الشافعي ﵀ قال: حديث ذي اليدين فيه سبعون باباً من العلم.
وحديث ذي اليدين هو الذي جاء فيه قوله للرسول ﷺ : (أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: لم تقصر ولم أنس.
ثم التفت إلى الناس، قالوا: صدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فصلى ركعتين وسجد للسهو) فهذان السطران كتب فيهما الحافظ صلاح الدين العلائي مجلداً ضخماً، اسمه "نظم الفرائد لما في حديث ذي اليدين من الفوائد" استخرج منه جملة من العلوم والفوائد، فكيف يحصل الإنسان هذا؟ يمكنه ذلك بالغوص في المعاني، وحضور دروس المشايخ، الاختلاط بإخوانه من طلاب العلم.
كان الزهري ﵀ أول ما يسمع من سعيد بن المسيب أو من أبي سلمة بن عبد الرحمن أو غيره من المشايخ يأتي الدار في الليل فيوقظ جاريته، ويجلسها، ثم يقول: حدثني سعيد بن المسيب قال: حدثني أبو هريرة ويسوق الأحاديث، فتقول: يا سيدي! ما لي وما لـ سعيد؟! فيقول لها: آفة العلم النسيان وحياته المذاكرة، وأخشى أن أنسى.
أيقظها من أجل أن يسمعها الأحاديث؛ لأنه يخشى أن ينسى إذا لم يجد من يذاكره، لذلك تجد المنغلق على نفسه أكثر الناس نسياناً لماذا؟ بسبب عدم وجود من يذاكرهم.
стр. 720
تأملات في سورة ق
القبر أول منازل الآخرة، فإن كان يسيراً فما بعده أيسر منه، وإن كان عسيراً فما بعده أعسر منه، والمقصود بما بعده هنا: البعث والوقوف بين يدي الله، والحساب والجزاء، وقد جاءت هذه الملامح مفصلة في سورة (ق)، حيث صورت الأحداث والمشاهد كأنها ماثلة أمام الناظر، فبينت صفات أهل الجنة، والأسباب التي بها يدخلون الجنة، وكذلك بينت صفات أهل النار وما ساقهم إليها من أسباب.
стр. 721
معالم القرآن المكي
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم هشام بنت حارثة أنها قالت: ما حفظت سورة (ق) إلا من النبي ﷺ ؛ لأنه كان يقرؤها على المنبر.
وهذه الحفاوة من النبي ﵊ لهذه السورة لها مغزى، وسورة (ق) من القرآن المكي، والمعاني الرئيسية التي يدور عليها القرآن المكي هي: إثبات التوحيد لله ، وإثبات صفاته ﵎، وذكر القيامة والبعث والجزاء والجنة والنار، وذكر أصناف الناس، ثم ذكر العلة في دخول الداخل النار وفي دخول الداخل الجنة، هذه هي أهم المعاني التي يدور عليها القرآن المكي.
لذلك إذا قرأت القرآن فافتح أذنيك وقلبك؛ لأن الله أمرنا بذلك في سورة (ق) أيضاً فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] فتأمل في قوله: (ألقى السمع).
(ألقى) فيها معنى الاستسلام، فلو قلت لك: ألق أذنك، أي: لا تخف، إنما سيلقى عليك حق، لأن هذه الأذن ينبغي أن تغربل ما يلقى إليها، فقد يلقى إليها الكذب، فينبغي أن يميز المرءُ، فلا يقال: ألق السمع، إلا والكلام حق، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق:٣٧] فإذا أصغى المرء بقلبه، انتفع بالقرآن، كما ذكره البخاري في صحيحه عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (دخلت المدينة في فداء أسرى بدر -وكان كافراً إذ ذاك- فوافى المدينة والنبي ﷺ يصلي المغرب بالناس، فسمع بعض آياتٍ من سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍأَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] قال: فكاد قلبي أن يطير) وهذا رجل كافر، دخل المدينة كافراً، فلما سمع هذه الآيات قال: (فكاد قلبي أن يطير) أن يطير من موضعه؛ لأن ما جاء في هذه الآيات من الأسئلة لا يستطيع منصف على الإطلاق أن يجد لها جواباً على نحو جواب المشركين، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥]؟ فلا بد لكل صنعةٍ من صانع.
جماعة من الملاحدة أتوا أبا حنيفة ﵀ يجادلونه في الله ﵎: أهو حي؟ أهو موجود؟ فقال لهم: دعوني أتفكر فإني مشغول، قالوا: بم؟ قال: قيل لي: إن سفينةً تمشي في البحر بغير قائد، وتأتي فترسوا على الشاطئ بغير قائد، وتحمل نفسها بالبضائع، وتفرغ البضائع أيضاً بنفسها، فقالوا له: هذا مستحيل!! فقال لهم: (يا نوكى)! -الأنوك: هو الأحمق- إذا كان هذا في سفينة، وأنتم تنكرون أنها تحمل نفسها، وتفرغ نفسها، وتمشي على البحر بغير قائد وترسو بغير قائد، أهذا الكون على ما فيه من الترتيب منذ خلق، ليس له صانع؟!! فهذا المشرك لما يقال له: قول الله : (أم خلقوا)؟ انظر إلى كلمة (أم) هذه، وخزة في هذا الضمير الوثني، تكررت لفظة (أم) هذه أربع عشرة مرة، كلها وراء بعضها، أربع عشرة مرة، تخز في هذا الضمير الوثني، الذي لو وقف وتدبر لحظة لأجاب، ولذلك يقول جبير بن مطعم: (كاد قلبي أن يطير) من وقع الآيات.
стр. 722
الغفلة عن ذكر الموت
فانظر إلى هذه السنوات المعدودة، وقارنها بما بعدها من سفر طويل، يبدأ بخروج الروح؛ وهذه القيامة الصغرى التي ذكرها ربنا ﵎: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، الموت حق لا يمتري فيه أحد، ولكن كما قال علي بن أبي طالب قال: (الموت يقينٌ لا شك فيه، وشكٌ لا يقين فيه، قالوا: كيف يا أبا الحسن؟ قال: يقينٌ لا شك فيه؛ فكل الناس تعرف أنها ستموت، ولكنهم يعملون عمل الذي لا يموت)، فواقعهم يقول: إن الموت لا يأتي، مع أنه آتٍ لا ريب فيه، فجملة عملهم يقول: إن الإنسان يشك في موته شكاً لا يقين فيه، مع أن الموت في حقيقة أمره يقينٌ لا شك فيه، فقال ﵎: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] كل المشاكل التي يجنيها المرء بعد ذلك سببها عدم ذكر الموت؛ ولذلك بدأ ﵎ بذكر أهل النار: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣] أي: بما أنك جعلتني رقيباً عليه وعلى تصرفاته، فقد جئتك بكل ما يعمل، فهذا معنى عتيد.
فلما جيء بهذا العبد الذي كان يحيد عن الموت، ولا يظن يوماً أنه سيموت، قال: ﴿((أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد﴾ [ق:٢٤] فأورد هنا ست صفات لمن يدخل النار ((كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [ق:٢٤ - ٢٦] وهذه الست الصفات للإنسان الذي يهرب من الموت، وهذا متمثل في الكافرين، الذين يستمتعون بزهرة الحياة الدنيا، فبدأت الأوصاف بالكفر وختمت بالشرك، فكان مبدؤها الكفر وكان خاتمتها الشرك فأطبق عليه.
وذكر أيضاً صفات أربع لأهل الجنة: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٣].
فعدم ذكر الموت هو سبب كل المشاكل، وقد ترتب على هذا الإهمال إهمال آخر: قال ﷺ : (ما حق امرئٍ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده)، فكم شخص منا كتب وصيته؟ إن كثيراً منا لم يكتب الوصية، ولم يخطر بباله أن يكتب هذه الوصية، ما هذا الأمان الذي نعيش؟! الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل المرء يؤمل استمرار الحياة، مع أنه كم من رجلٍ خرج من بيته ولم يعد إليه، وقد كان يؤمل العودة، حوادث كثيرة نقرؤها في الجرائد، فهذه امرأة أوصلت الإفطار للأولاد، فذهبت لتعبر الشارع وإذا بها تدهسها سيارة فتقتلها، والطعام ما زال ساخناً، والأولاد ينتظرون الأم لتأكل معهم.
فما هذا الأمان الذي يجعل المرء لا يكتب وصيته؟! ما فرط في الوصية إلا لأنه لا يذكر الموت (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلةً -فقط- إلا ووصيته مكتوبةٌ عنده).
فأول ما يتوجب عليك -أيها المسلم- عند رجوعك إلى أهلك أن تكتب الوصية، فاكتبها وقل: هذه وصيتي، ومرهم بتقوى الله ، وأن لا يغتروا بالدنيا، وأن يعملوا الصالحات، وأن يتبعوا النبي ﵊ فيما أمر، وإذا كان الموصي عليه ديون أو له مال في الخارج فليكتبها، فمن علامة ذكر الموت: ألا يفرط في الوصية.
قال ﵎ أيضاً: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٩]، هذا أيضاً من آثار الحيد عن ذكر الموت.
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] إذا مات المرء لا تلتف ساقه على الحقيقة، إنما هذا إشارة إلى تعسير السير إلى الله ، تخيل أن رجلاً يمشي في الشارع فالتفت ساقاه، ماذا سيحدث له؟ سيسقط على الأرض.
فمعنى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] أنه عاجز عن السير إلى الله كالذي التفت ساقاه فلا يستطيع أن يسير، ولذلك قال : ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، وفي هذا بيان للسبب الذي جعله متعسر السير، كما قال ﵊ عن الجنازة حين تحمل على أعناق الرجال إذا كان المحمول فاجراً يقول ويصرخ بصوت يسمعه كل مخلوق ما عدا الإنس والجن: (ويلها! أين تذهبون بها؟!) بعدما عاين وراءه، يقول: (ويلها! أين تذهبون بها؟!) ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ هذا من آثار قلة ذكر الموت.
إذاًَ فالوصية الأولى في هذه السورة المباركة: هي كثرة ذكر الموت، قال ﷺ : (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فتخيل أي لذة أنت فيها لو ذكرت الموت لتعكرت عليك، فلو تخيلت حين تكون وسط أولادك ووسط الناس الذين يهنئوك بالعيد، وفاجأك الموت من بين هؤلاء، وبقيت رهين عملك، ولا أحد يزورك، ولا أحد يدعو لك، ولا أحد يتصدق عنك، لو تدبرت هذا المعنى لعكر عليك هذه اللذة.
(أكثروا من ذكر هاذم اللذات) فذكر الموت أكبر علاج لما عليه الناس الآن من البحث عن فضول الدنيا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 723
وحشة القبر
لو أن الله امتحنك ببلاء: مرض أو فقر، أو أي مصيبة من المصائب، وذكرت وحدتك عند دفنك، وأنك غريب، ولا أحد يشعر بك، ولا يتوجع لك، أعني: أن أهلك لا يعلمون أنك تتألم فيتصدقون عنك، ليتهم يعلمون أنك في كرب فيدعون لك؛ لكن شُغل الأولاد بالدنيا، فقليل من الأبناء الذين يترحمون على آبائهم، لاسيما إذا طال بهم العهد فجاوز ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو خمسين سنة، فإنهم لا يلبثون أن ينسوهم، فليت أن مصاب الميت يصل إلى الأحياء حتى يترحموا عليه ويدعوا له.
ذات مرة في سنة واحد وثمانين حين كنا في السجن، كان معنا سجين من أسوان، والمسافة ما بين أسوان وما بين القاهرة ثماني عشرة ساعة بالقطار، وكان كل خمسة عشر يوماً في وقت الزيارة يأتي أهلنا إلينا بالطعام والشراب، فنطمئن عليهم ونراهم، ونأكل ونشرب معهم، أما هذا فطول مدة سجنه لم يأته أحد، فقلنا: إن هذا الرجل يعيش في كرب، أليس له أحد يسأل عنه؟ فتشعر حينها بغربة الرجل، ففي كل زيارة تنظر إليه فتراه مكتئباً، ويظل يومه ذاك في هذا الاكتئاب؛ لأنه لا أحد يتوجع لمصابه، ولا أحد يسأل عنه، ولا أحد يهتم به، فخطر لي هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]، كحال من يؤتى به يوم القيامة فيدخل الجنة، بينما يقاد ابنه إلى النار ولا يستطيع أن يفعل له شيئاً.
في مذابح البوسنة التي ارتكبها أهل الصليب ضد المسلمين، كانوا يأخذون الولد أمام أبيه، والولد يصرخ: يا أبي! أنقذني، يريدون أن يذبحوه، ولا يستطيع الوالد أن يفعل شيئاً، قلبه يتمزق وهو يرى الولد يستغيث به ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، بينما في الآخرة فلن يذبح الولد وإنما سيساق إلى النار، ولا يستطيع الوالد أن يفعل لابنه شيئاً، إذا خرج من رحمة أرحم الراحمين فمن يرحمه؟!! قال ﷺ : (إن الله خلق الرحمة مائة جزءاً، فأنزل على الأرض جزءً واحداً -من لدن آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، كل الخلائق من إنس وجن، وحشرات وطيور، كل المخلوقات تتراحم بجزء واحد- حتى إن الدابة -أي: العجماء التي لا تعقل- لترفع حافرها عن وليدها خشية أن تصيبه كل ذلك بجزء واحد من الرحمة، وادخر تسعةً وتسعين جزءاً لعباده الصالحين في القيامة) فإذا حرم المرء من تسعة وتسعين رحمة فيا له من شقي! يا له من شقي، هذا الذي لم تشمله رحمة الله ﵎!.
الزهد في الدنيا: القصد به زهد القلب، لو كانت الدنيا في يديك وزهد فيها قلبك لتركتها في لحظة، وإذا سلبت منك فلن تبكي عليها، وإنما ستفعل كما كان الصحابة ﵃ يفعلون.
طلحة بن عبيد الله ﵁ أحد العشرة المبشرين بالجنة، نام في فراشه يوماً مسهد الطرف، لا يستطيع أن ينام، جفاه النوم، وامرأته إلى جانبه، فقالت: (ما لك؟ هل رابك منا شيء فنعتبك -تعني: هل ظهر منا ما يغضبك فنعتذر لك-؟ فقال لها: ِنعمَ حليلة المرء المسلم أنت -يعني: أنت نعم الزوجة، لا أشتكي منك- ولكن جاءني مال، ولا أدري ماذا أفعل به -لا يقول هذا إلا رجل خرجت الدنيا من قلبه إلى يده- فقالت: ادع أرحامك ففرقه فيهم.
قال: نعم الرأي.
فدعا أرحامه ففرَّق فيهم ثلاثمائة ألف درهم) (ثلث مليون) درهم، ولم تؤثر على الرجل أبداً، لماذا؟ لأنها ليست في قلبه، بل هي في يده، فالذي أعطاه ثلاثمائة ألف درهم سيخلف عليه أضعافاً مضاعفة، وعنده اعتقاد بهذا، وعنده قناعة؛ لأن النبي ﷺ قال: (ثلاثٌ أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة)، فالإنسان حين يعطي أرحامه يدخل في قوله ﷺ : (من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه).
فهان عليه ثلاثمائة ألف درهم، هذا هو الزهد الذي عناه النبي ﵊ وربى أصحابه عليه.
كل أحاديث الزهد الموجودة في كتب السنن وكتب الصحاح، المقصود بها زهد القلب في الدنيا، فإذن لا تعارض، لكن إذا وجدنا الناس تكالبوا على الدنيا فمن العبث ومن الخطر ومن الخطأ أن نجر إليهم الزاد ونقول لهم: انطلقوا في الدنيا نحن نحتاج إلى الكادر المسلم هذا الرجل الذي تشجعه على الدنيا لا يخرج زكاة ماله، فكيف تقول: نريد التاجر المسلم، وهو لا يخرج ماله؟! هذا الإنسان ما أسلم بعد الإسلام المنجي.
كذلك الكلام عن الموت يرقق القلب، وكتب الرقائق وكتب الزهد كلها إنما تجر إلى هذا، وما زهد الزاهدون في الدنيا إلا لقصر عمرها وعظيم خطرها، قال ﷺ : (ضرب الله طعام ابن آدم مثلاً للدنيا، وإن قزحه وملحه فانظر إلام يصير!) كيف يأكل الطعام الشهي، ثم انظر كيف يخرج هذا الطعام؟ كذلك الدنيا إذا كست أوكست، وإذا حلت أوحلت، وإذا أينعت نعت، إذا أدبرت عن المرء سلبته محاسن نفسه، وإذا أقبلت عليه خلعت عليه محاسن غيره.
ويظهر هذا في حال كثير من الطغاة، نظرت في كتاب -أيام أن كان بيننا وبين العراق وفاق- وكان الكتاب يوزع مجاناً في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة، وكان عبارة عن صور للرئيس العراقي، وظهر في إحداها وهو يمسك يمسك المصحف ومكتوب تحتها: الرئيس المؤمن، وصورة له وهو يضع يده على الفرس مكتوب تحتها: فارس العرب وهكذا، فالكتاب كله صور، فهل هو فارس؟ هل هو مؤمن؟ هل هو بطل؟ هل هو مغوار؟ قد يكون فيه بعض ما في هذا الكتاب من الأوصاف، لكن ليس كلها، فلما أقبلت الدنيا عليه خلعوا عليه محاسن غيره، كل ما عرف من فضائل الناس جعلوها فيه وهي ليست كذلك، فلما خلعت منه الرئاسة وأصبح فأراً وصار مثل بقية خلق الله، ينظر إلى نفسه فلا يجد الصفات التي كانت تسبغ عليه، أقبلت عليه الدنيا فكانت فيه كل الصفات، فلما أدبرت عنه الدنيا فقد كل تلك الصفات، حتى الصفات الأصلية التي كانت فيه فقدها فلم يعد يوصف بها.
هكذا الدنيا: إذا أقبلت على إنسان خلعت عليه محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، فعندما يعلم المرء أن هذه الحياة في القبر طويلة، مقارنة بالحياة التي سيقف أمام الله بها، والتي لا تتجاوز ثلاثين سنة، كما أن الذي يحكم عليه بالمؤبد -وهو ما يعادل خمسة وعشرين سنة- في السجن يفرج عنه بعد مضي هذه المدة، بينما من يسجن في هذا السجن الانفرادي -الذي هو القبر- لا يخرج منه إلا مع النفخ في الصور، ولا يعود إلى ملاعب صباه مرةً أخرى، ولا يلتقي بأولاده مرةً أخرى، ولا يعرف عن أحدٍ شيئاً قط، فإذا فصل الله بين الناس فإنه لا يتعرَّف على أولاده إلا في الجنة إذا دخل الجنة، فهي رحلة طويلة جداً، هذه الرحلة الطويلة قبلها إعداد لمدة ثلاثين سنة فقط.
فلو قدرنا أن الإنسان يعيش ستين سنة، فإنه لا يؤاخذ عن الستين عاماً كلها، إنما يؤاخذ عن نصفها؛ لأن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ) والإنسان في العادة هو ينام ست أو سبع ساعات في اليوم في ستين سنة، فيكون بذلك قد نام عشرين سنة، فهذه عشرون عاماً لا يؤاخذ فيها لأنه نائم، ثم لا يؤاخذ حتى يبلغ (وعن الصغير حتى يحتلم) فهذه عشر سنوات على الأقل تضاف إلى العشرين عاماً، فيبلغ مجموعها ثلاثين سنة، إذن ما بقي من الستين عاماً إلا نصفها -أي: ثلاثون عاماً- وهي التي يحاسب عليها المرء أمام الله .
стр. 724
ذكر القيامتين، الصغرى والكبرى
فسورة (ق) من جملة القرآن المكي الذي يخاطب القلب، ذكر ربنا ﵎ فيه القيامتين: القيامة الصغرى، والقيامة الكبرى، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] هذه هي القيامة الصغرى، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٠] وهذه هي القيامة الكبرى، فذكر القيامتين معاً، لكنه ﵎ نبهنا على داءٍ عظيم، يقع فيه أكثر الناس: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، يقال: هذا فلان حاد عن الطريق.
أي: تركها وسلك بنيات الطريق، أي: ترك الطريق العمومي الواضح وسلك الطرق الفرعية، فيقال له: حاد، أو من ترك سبيل الحجة وكابر وجادل يقال: حاد، أي: انحرف، فربنا ينبهنا إلى هذا الداء العظيم؛ وهو عدم ذكر الموت.
هذا الموت الذي كنت منه تحيد، وكنت طول حياتك تهرب منه، ولا تريد أن تذكره، ولا تريد أن تعمل لما بعده، ولو قدر وذكرت الموت في بيتك فإن كل من فيه سيشورون عليك قائلين: اترك الكلام في هذا الموضوع، لماذا نترك الكلام فيه؟ كل المصائب -بلا مبالغة- سببها عدم ذكر الموت.
стр. 725
حقيقة الزهد
جاء من آثار نشر المذهب الإرجائي في الأمة، أن خطباء المساجد يتلقون توصيات شفوياً في الاجتماعات فيقال للخطيب: لا تكثر من ذكر الموت ولا النار حتى لا ترهق نفسية الناس، ولكن اذكر رحمة الله ﵎، واذكر الجنة وما فيها من النعيم، فإن هذا الرجل إذا عرف الجنة كان من الصابرين موقناً أنه سوف يدخل الجنة، وأنه إذا لم يحرز الدنيا فسيحرز الآخرة، وهذا خطأ في وضع العلاج، ويأتي في مقابلهم الذين رفضوا أحاديث الزهد في الدنيا، وقالوا: كيف نقول للمسلمين وهم يعيشون على هامش الحياة: ازهدوا في الدنيا؟ وكيف يملك الكفار الدنيا ونحن نقول للمسلمين: ازهدوا في الدنيا؟ وكأننا نطلق الدنيا ويتزوجها الكافر، لابد أن تكون الدنيا بأيدينا، ويحضون الناس على الدنيا وعلى التجارة وعلى الزراعة وعلى استثمار الأموال، وهذا أيضاً يحتاج إلى تخصيص.
إن النبي ﷺ لما زهَّد الناس في الدنيا زهَّدهم في فضولها، ولم يزهدهم فيما يجب على المسلم أن يحصل، فمثلاً: لم يزهدهم في الإنفاق على الأولاد.
حيث قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوتاً)، وفي اللفظ الآخر لـ أبي داود: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).
استرعاك الله رعية: زوجة وأولاداً وأباً وأماً، فيجب عليك أن تنفق عليهم، فإذا قصر الرجل في النفقة على أهله وعلى أولاده فإنه يؤاخذ عند الله يوم القيامة، فعليه أن يجتهد، حتى لو كان العائد قليلاً، وهذا المفهوم لا يتطابق مع ما جاء في نهي النبي ﵊ عن التكالب على فضول الدنيا، وأكثر الناس لا يسعون في الواجبات، بل يسعون في الفضول، فيريد أن يحصل أموالاً أكثر، والنبي ﵊ كان يدعو ويقول: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) يعني: إذا وجدوا الغداء لا يكون عندهم العشاء، وإذا كان عندهم العشاء لا يكون عندهم الإفطار، هذا هو القوت.
وإنما كان يقول ذلك حتى يعتمد بقلبه على الله، فالذي ليس عنده العشاء يقول: يا رب!، لكن كثيراً من الناس الذين معهم أموال لا يقولون: يا رب؛ استغناء عن دعائه تعالى، (فالشيك) في جيبه، والفلوس في (البنك)، متى احتاج المال ذهب إلى (البنك) ليصرفه، بخلاف الفقير، الذي يذكر الله عن حاجة، فهذا هو الذي نهى النبي ﵊ عنه؛ أن تكون الدنيا في قلبك، وقال ﵊: (والله ما الفقر أخشى عليكم، إنما أخشى أن تبسط الدنيا فتنافسوها، فتهلككم كما أهلكت من سبقكم).
وأنت تجد الفقراء متحابين ليس بينهم خصومات؛ لا في الأموال، ولا في أعراض الدنيا، ففيهم راحة القلب، فكلما استراح القلب فقه عن الله كلامه، فالذي يعين المرء على التخلص من الدنيا ذكر الموت، قال علي بن أبي طالب: (ما كان الموت في ضيق إلا وسعه، ولا في واسع إلا ضيقه).
стр. 726
فتنة الدجال هي أخطر فتنة تتعرض لها أمة محمد
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(ما كان الموت في ضيقٍ إلا وسعه، ولا في واسعٍ إلا ضيقه).
الأحاديث الصحيحة عن النبي ﵌ في فتنة القبر كثيرة: منها: حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂، أن النبي ﷺ قال: (أوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريب من فتنة الدجال) فلما سمع الصحابة بذلك أجهشوا بالبكاء، حتى إن أسماء لم تسمع الحديث.
فتنة الدجال قال ﷺ عنها: (ليست هناك فتنةٌ من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال).
ففتنةُ الدجال سر خطورتها أنها تكون في زمن قلة العلم وقلة العلماء، والدجال كما قال ﵊: (يأتي بالرجل يمزقه، ويقطعه قطعاً قطعاً صغيرة، ثم يقول له: قم، فيقوم متهللاً ضاحكاً) فتخيل أن أمامك واحد قطع إنساناً قطعاً، ثم قال له: قم، فاستوى بشراً، أي فتنة أعظم من هذه؟!! وإذا مر على أرضٍ خربة فيها ذهب يقول للكنوز التي في الأرض: اتبعيني، فتخرج الكنوز من الأرض تتبعه كيعاسيب النحل، وعنده جنةٌ ونار، فهذه فتنةٌ عظيمة! وأعظم ما فيها غياب العلماء، كل يوم يمر على الناس والعلم يتناقص، وسر تناقص العلم موت العلماء، فعالمٌ ملأ الأرض علماً لما دفناهُ دفناه بعلمه، فمن الذي يخلفه على نفس كفاءته، وعلى نفس إحاطته بالعلوم، وفي ورعه وزهده؟!! قليل، وهكذا دواليك إلى أن تقوم الساعة، حتى إن النبي ﷺ قال: (إنه يسرى على القرآن في ليلة، فلا يبقى على الأرض منه آية) ينزع القرآن من صدور الناس، كما قال ﵊ في الأمانة: (ينام الرجل في فراشه فتنزع الأمانة من صدره).
فأعظم فتنةٍ تشهدها البشرية إطلاقاً فتنةُ الدجال، والنبي ﷺ أكثر من ذكر فتنة الدجال، حتى إنه ذات مرة كان يخطب فجعل يرفع فيه ويخفض قال الصحابة: (حتى ظنناه في طائفة النخل) أي: أكثر من الكلام عليه، ظننا أنه جالس بين النخل، وكان يقول لهم: (إن خرج الدجال وأنا فيكم، فأنا حجيجه -أنا الذي سأناقشه، وأقيم الحجة عليه- وإلا فكل امرئٍ حجيج نفسه).
ثم وصفه النبي ﷺ لهم فقال: (إنه أعور العين اليمنى وربكم ليس بأعور) لأنه سيقول: أنا ربكم، وسيتبعه أناسٌ كثيرون؛ بسبب قلة العلم، وقلة العلماء الذين ينبهون الناس أن هذا كافر، وأن هذا ليس بإله.
стр. 727
مشابهة فتنة القبر لفتنة الدجال في خطرها على العبد
فالنبي ﵊ يقول: (أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال) فلما كان الصحابة عندهم علم بفتنة الدجال وخطورتها، وعرفوا أن فتنة القبر كذلك أجهشوا بالبكاء.
آخر فتنة يتعرض المرء لها هي فتنةُ القبر؛ لأن الملكين يشككانه في جوابه حين يسألانه: (من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ فيجيب: ربي الله، فينهرانه بشدة ويعيدان عليه
السؤال
من ربك؟) وأصواتهما كالرعد القاصف، وعيونهما كالبرق الخاطف، فيصرخان فيه: من ربك؟ فيظن أنه قد أخطأ، وإلا لماذا يراجعانه، فيزل هذه المرة ويجيب بإجابة غير الأولى، لذلك بكى الصحابة، فأنزل الله قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] عن الحجة وعن الجواب الصحيح، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، لا يستطيع رجلٌ أن يثبت على هذا الجواب إلا إذا كان في الدنيا حين يقول: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، فإنه يعتقدها في الدنيا ويعمل بها، وتكون منهج حياة له، فقبل أن يقدم على عمل ما يسأل أهل العلم: أهذا أحله الله لي؟ أهذا أجازه الله لي؟ أهذا شرعه النبي ﷺ لي؟ حياته كلها على مقتضى لا إله إلا الله، فمثل هذا يثبته الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] مع الفتن الموجودة، ومع الضغط المرهق الذي يعانيه، إلا أنه لم يتخل عن الكلمة ولم يتخل عن الالتزام، فبعض الناس إذا شيك بشوكة أول شيء يفرط فيه التزامه، بينما لا يتردد في إتلاف نفسه من أجل الدفاع عن مكاسبه الدنيوية.
فالإنسان يبذل في الدنيا جهداً كبيراً في تحصيل المال؛ فيتغرب في البلاد، ويشتغل عند الناس في أعمال وضيعة لا يرضى أن يعملها في بلده، مع أن الغربة اسمها يدل عليها، ومع ذلك يتحمل بعده عن أولاده وعن أهله وعن أبيه وعن أمه في سبيل المال، فلماذا يتنازل عن دينه لمجرد أنه اعتقل لمدة يومين أو تعرض لنوع من الأذى؟! فينبغي على المرء أن يكون عالماً بـ (لا إله إلا الله) في الدنيا، ملتزماً بها؛ ليثبته الله في الآخرة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] فيثبت على هذا في الدنيا، ويصبر على اللأواء، وقد يخرج من بلده ويترك ماله وراءه كما فعل الصحابة، وما ندموا أبداً على هذا، بل إن النبي ﷺ لم يرخص للصحابة الذين هاجروا أن يقيموا في مكة أكثر من ثلاثة أيام لماذا؟ لأنهم لما خرجوا من مكة خرجوا منها لله وهجرة في سبيله، فلا يجوز لهم أن يرجعوا في هذا العقد مرةً أخرى، فإذا جاء أحدهم إلى مكة لحج أو عمرة لا يمكث بعد انقضاء النسك أكثر من ثلاثة أيام؛ حتى لا يتعكر احتسابه وبذله، قد يؤدي بك التمسك بـ (لا إله إلا الله) إلى أن تضحي بعنقك، فإذا ثبتَّ على هذا المر في الدنيا ثبتك الله في الآخرة، والجزاء من جنس العمل.
وللحديث بقية إن شاء الله.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 728
أسباب دخول النار
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
стр. 729
السبب الثاني من أسباب دخول النار
﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ [ق:٢٥] ومناع صيغة مبالغة ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٥] معتد: لحدود الله ﵎، مريب: مشكك، فإنه يشكك في كل شيء، ما يأتيه من آية ولا حديث إلا وهو يشكك فيها، فكل هذه بوابات تؤدي إلى الكفر والعياذ بالله ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٦].
стр. 730
كفران النعمة ورد البراهين من أسباب دخول النار
ذكر ربنا ﵎ في هذه السورة الفاجر والمؤمن، وذكر جزاء كل واحدٍ منهما، وعللّ ربنا ﵎ هذا الجزاء.
وقد بين الله تعالى سبب دخول العبد النار، وأنه بسبب إتيانه لست جرائم؛ فأول جريمة: أنه كفَّار، والعلماء قالوا: (الكفَّار) هنا المقصود به من يكفر النعمة، وهذا من أوسع الأبواب التي تؤدي إلى الكفر بالله، فإبليس اللعين لما عصى رب العالمين ﵎، حين أمره بالسجود لآدم فأبى، وطالب الإمهال، فوعده الله بذلك، فقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] لا يشكر أبداً.
وأنا أقول: إن أكثر الناس مبتلى بهذا الأمر، فمن الناس من ابتلي بزوجةٍ لا ترضى، فهي لا تعرف كيف يأتي الرجل لها بالمال، ولا يهمها ذلك، ولو بذل في سبيل ذلك فوق طاقته فإن هذه المرأة تترك للرجل مرارة في الحلق لا يشعر بها إلا المبتلى، وهذا من كُفر النعمة، وقد يؤدي هذا الفعل إلى الكفر بالله ﵎؛ لأن من الوفاء الشكر، وكثير من الناس -وأنا أعرف بعضهم- لا يشكرون الله على عطائه، ولذلك لا يأبه بالنعمة ولا يعظمها، فمثلاً حين يكسب التاجر عشرة بالمائة زيادة على رأس المال، فيحلف بالله العظيم أنه خسران، لأنه كان مقدراً في نفسه أن يكسب عشرين بالمائة، فلما كسب عشرة بالمائة اعتبر نفسه أنه قد خسر عشرة بالمائة، ويحلف بالله العظيم أنه خسران، مثل هذا لا يرعى لله نعمة، كثير الشكوى والاعتراض على الله ﵎، وهذه الصفة يتبعها صفات أخرى، ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤] فهذا الكفر يورث العناد للرسل، وتجد أكثر هذه الطبقة -طبقة المعاندين- من أهل الدنيا الذين أعطاهم الله ﵎ المال، فمن المعلوم أن أعداء الرسل هم المفرطون، وأعداء الدعاة هم المفرطون أيضاً، يظن الواحد منهم أنه يفعل ما يريد، وبعد ذلك يطهر ماله بعمرة أو بحج أو يعمل موائد الرحمن في رمضان، ففي القاهرة يعملون موائد الرحمن.
واحدة من أشهر الراقصات كانت تقيم موائد رمضانية في بيتها، فتأتي باللحوم والأكل من أفخر المطاعم، وتنصب موائد الرحمن، ثم تذهب لتؤدي (عمرة رمضان)، وبعد ذلك ترجع إلى العمل وهكذا، وتراها تقول لك: نحن لا نرقص في رمضان احتراماً للشهر الكريم! ولكن أين احترام رب العالمين ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣].
ومن الممثلين من يقول لك: أنا رجل ملتزم، ولا أمثل في رمضان، وهذا إقرار منه على نفسه أن الذي يعمله في غير رمضان غير جائز، وأنه لا يحل له.
فهؤلاء يظنون أنه بمجرد أن يفعل ذلك فإنه يعود طاهراً من الذنوب، وإذا به يعود للمعصية مرة أخرى، ونحن لا نتألا على رب العالمين، ولا نقول: إن الله لن يغفر لها، ولا نقول: إن الله يقبل سعيها؛ لأنه لا يحل لأحد أبداً أن يتجرأ على إطلاق هذه الأحكام حتى لو كان المقصود فاجراً، فالخواتيم لا نعرفها، لكن نقول: إن من وقع في المعصية ولم يقلع عنها فلا يظن أنه إذا تصدق أو فعل شيئاً من البر أنه قريب من ربه، كان الصحابة المتقون الأخيار ﵃، كلما ازداد إيمان أحدهم كلما اشتدت خشيته لله ﵎، وأنت كلما أحببت خفت، فالمحب قد يذل لكنه لا يغتر، فهؤلاء أعداء الرسل وأعداء الدعاة إلى الله ؛ لأنهم يتصورون أن الدعاة أو الرسل أتوا ليأخذوا الدنيا منهم؛ فلذلك يعادونهم.
ونحن نقول لكل داعية إلى الله: إذا دعوت رجلاً غنياً فكن حذراً في دعوتك، فالإنسان الغني له طريقته في الدعوة، بخلاف الإنسان الفقير، والحكمة أن تنزل الكلمة في موضعها، فحين تذهب إلى إنسان غني مترف، محاط بكل متع الدنيا، وتقول له: اخرج من مالك واتركه، ولأن هذا لا يغني عنك من الله شيئاً، فهذا لا يستطيع أن يتبعك، نعم بعض الناس قد يتبعك، لكن أغلب الناس لا يستطيعون ذلك، يستوحشون هذه الوصية، كما قال قوم قارون له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: نحن ما جئنا لنأخذ مالك، ولا لنقول لك: لا تتمتع، فإن كنت تريد أن تأكل السمك، أو تريد أن تأكل اللحم أو تذهب إلى استراليا وترجع، نحن لا نحرج عليك، لكن نقول: احمد الله الذي سخر لك هذا، ولولا الله ما كنت لتستطيع أن تربح مثل هذا، لا بذكائك ولا بعبقريتك، لولا أن الله سخر لك هذا، فالله ﵎ يقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل:٧٩] مثلاً حرب الخليج كان هناك طائرات عملاقة، وهي حاملات الدبابات، وهذه الطائرات تطير بأكثر من مائة دبابة، فسبحان ممسك هذا (الأسطول) في جو السماوات.
فإذا كنت في الطائرة فتذكر أن تكبر ربك وتحمده، وحين تهبط أن تحمد الله أنك هبطت، وتذكر حين تدخل مطعماً أن تسمي الله ﵎؛ لأنه هو الذي رزقك بمثل هذا وهكذا دواليك.
اسكن في أفخم القصور واعمر جنباته بذكر الله ﵎، إذا كنت قادراً على ذلك؛ وأقل الناس هو الذي يقدر على هذا، وانتبه إلى قول قوم قارون لما نصحوه وهم يعلمون محبته للمال، لم يقولوا له: اخرج من مالك وتصدق بمالك كله، فالمرء لا يقوى على ذلك، لكن قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] واعمل لنفسك، وفي نفس الوقت: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] أي: لم يكن معك مال ولم تكن لك نباهة ولا ذكر، وربنا قال: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص:٧٦] أي: كان واحداً من قوم موسى لا نباهة له ولا ذكر له ولا شأن له، فلما آتاه الله المال بغى عليهم، هكذا تكون بداية الكفر والبطر على النعم، وكثير من الناس هكذا، إن الإنسان الغني الذي ورث الغنى لا يستوي مع الذي طرأ عليه الغنى، فالذي يرث الغنى كابراً عن كابر لما ولد وجد أباه ثرياً أخذ نفس الصفة من أبيه، بخلاف الذي طرأ عليه الغنى، فإنه يلقن ابنه: يا بني كن ذئباً حتى لا تأكلك الذئاب؛ لأن الحياة عنده عبارة عن معركة، تراه يعمل عمل الذئب، فيغمض عيناً ويفتح الأخرى، فهو يقضان هاجع كما يقول الشاعر، فهو يعلم ابنه ليكون مثله، فالأب في العادة يكون مثالاً يحتذيه الابن، حتى لو كانت مماثلة الابن لأبيه في خلق ذميم، كما يروى في بعض الكتب قصة ذلك الرجل البخيل الذي أتى بعظمة فأراد أن يختبر بنيه أيهم يحسن استغلالها، وأعطاها في النهاية لمن أحسن وصفه لكيفية الاستفادة منها، وأثنى عليه.
فنقول: إن من تعلق بالدنيا مهما ذكرته أو قلت له: التمس في ما آتاك الله الدار الآخرة فلن ينفع، لكن ينبغي عليك أن تسلك معه السبل الصحيحة، أولاً: أن تذكره بقول تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧].
وثانياً: أن ترقق قلبه بأن تذكره بحاله، وأن الله أحسن إليه، فمن هذا الباب عليه أن يعامل الناس بنفس الوفاء، أحسن الله إليه فيحسن إلى الناس، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧] فإن لم ينفع ذلك انتقل إلى التهديد، فتأمل درجات الدعوة: أولاً تقول له: أد حق الله وتمتع، ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] ثم بعد ذلك تهدده: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧] فإن الإنسان قد يرعوي إذا هدد.
ونضرب هنا مثلاً الحديث الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (كان في بني إسرائيل ثلاثة: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فأرسل إليهم ملكاً في صورة رجل، فذهب إلى الأقرع، فقال: ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي شعراً حسناً، وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، قال له: أي المال تحب أن تُرزق؟ قال: البقر.
فأعطاه بقرة حاملة، قال: بارك الله لك فيها.
ثم ذهب إلى الأبرص فقال له مثل الأول.
فقال: أن يعطيني الله جلداً حسناً وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، قال: أي المال تحب؟ قال: الغنم.
فأعطاه غنمةً وليدها، وقال: بارك الله لك فيها، ثم ذهب إلى الأعمى، وقال: ما تشتهي؟ قال: أن يرد الله علي بصري وأن يذهب عني ذلك الذي قذرني الناس من أجله، وقال فأي المال تحب؟ قال: الإبل، فأعطاه ناقة حامل، فلما دعا لهم الملك دعا لهم فبارك الله للأول في الأغنام والثاني في الأبقار والثالث في الإبل، حتى صار لكل واحد منهم وادياً من الإبل ومن البقر ومن الغنم، ثم بعد حول جاء الملك للأبرص في صورة رجل أبرص وقال له: عابر سبيل انقطعت بي السبل، ولا حيلة لي إلا بالله ثم بك، فهل تعطيني غنمة أتبلغ بها في سفري؟ فقال له: الحقوق كثيرة) أي: أنا رجل مديون، ولو أعطيتك وأعطيت هذا وهذا فسينتهي ما معي (فقال له الملك: كأني أعرفك ألم تكن أبرص فأعطاك الله جلداً حسناً ولوناً حسناً؟ ألم تكن فقيراً فأغناك الله؟ قال: إني ورثت هذا المال كابراً عن كابر، أباً عن جد، ولم أذق الفقر أبداً في حياتي) فانظر إلى كفران النعمة كيف يؤدي إلى الكذب! فكل العناد مبني على الكذب، والعناد: أن تدفع بصدرك في نحر الحجة، هذا هو العناد، وحين تقرأ سير المكذبين في القرآن ترى كيف كذبوا قومهم، فإن العناد هذا كله مبني على قاعدة الكذب، وأول يجحد المرء الوفاء يكذب.
(قال له: إني ورثت هذا المال كابراً عن كابر، قال: إن كنت كاذباً صيرك الله كما كنت، فرجع كما كان) فالله لا يتعاظمه أحد، وإن ذلك على الله يسير، فاحذر إذا آتاك الله المال من هذا الجحود، أو أن يردك الله عز وجل
стр. 731
أسباب دخول الجنة
стр. 732
حفظ حدود الله من أسباب دخول الجنة
إذاً فأول صفات أهل الجنة الذين وصفهم الله بالمتقين: هي (أواب).
وثاني صفة هي: (حفيظ) بمعنى حافظ لحدود الله لا يتجاوزها، فهو أواب حفيظ، ومن حفظ العبد لحدود الله ﵎ أنه إذا ذُكّرَ بالله ذكر واتعظ، فإذا قيل له: اتق الله في أموالك -أي: خف ربك ﵎.
فإنه يستجيب في الحال.
فإذا وقف عند أمر الله فهو حفيظ، إذا كره الرجل المرأة عليه ألا يذرها كالمعلقة، إنما يطلقها؛ فإنه إذا علَّقها فقد تجاوز حدود الله ولم يحفظها، الرجل إذا كان وحده وليس عليه رقيب إلا الله ينبغي عليه أن لا يتجاوز حدود الله؛ لأنه حفيظ أمين، ولذلك ذكر الله بعدها: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ﴾ [فاطر:١٨] وهذه أميز صفة يتميز بها المسلمون عن بني إسرائيل، عن الأمم السابقة أنهم يخشون ربهم بالغيب، لم ير ربه ﵎ ولكن يخشاه ويخافه.
الشرطة العسكرية في الجيش منذ زمن تعلم أفرادها شيئاً وهو: إذا دخلت الغرفة ولقيت (بدلة) الضابط معلقة فعليه إلقاء التحية.
فإذا رأيت بدلته فكأنه موجود، فهم يعلمونهم هذا الأمر، ومن لا يلتزم يعاقب، ويقال له: إن مغيبك مشهدك.
نحن نقول: إن وجود رب العالمين في قلب كل مسلم إن كان عامراً بذكر الله ﵎، فإذا خلوت فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب.
فإذا وقفت عند حدود الله ، خاصة وأنت لوحدك، فأنت بذلك تكون حفيظاً، ولا يكون المرء حفيظاً إلا إذا خشي الله بالغيب، وبنو إسرائيل إنما عذبهم الله العذاب الأليم؛ لأنهم رأوا الآيات البينات وجحدوا بها، وجعل الله المثوبة لهذه الأمة؛ لأنها آمنت بالله ولم تره، وآمنت بالنبي ﷺ ولم تره، وقد ذكرت هذه الصفة في أول صفات المؤمنين في أول سورة البقرة.
стр. 733
الرجوع والتوبة إلى الله من أسباب دخول الجنة
ذكر ربنا أسباب دخول النار.
فما هي أدلة دخول الجنة؟ قال ﵎: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾ [ق:٣١ - ٣٢] فأول صفة: (أواب)، كثير من الناس يرجعون إلى الله في أول رمضان، ورمضان شهر فاضل، وكثير من العصاة يبدأ رحلة التوبة في رمضان، فنحن نقول لكل رجل رجع إلى الله في رمضان: ينبغي عليه أنه يجدد هذه التوبة ويقويها، وعليه أن يتذكر مرارة العصيان والبعد عن الله ﵎.
والأواب: الرجَّاع.
إذا أذنب سرعان ما يحدث توبة، انظر في الحديث القدسي، قال الله ﵎: (أذنب عبدي ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنباً فقال: رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرتُ لعبدي، فليفعل عبدي ما شاء).
نفهم من هذا الحديث أن أول درجات الأوبة الاعتراف بالذنب؛ لأن عدم الاعتراف بالذنب فيه اتهام لله، فإذا جاء رجل فقال: يا رب إني ما ظلمت ولا تعديت حدودك، ولكن كتبت عليّ سيئات، فإن هذا اتهام لرب العالمين بالظلم؛ لأنه إذا لم يعترف فقد اتهم الطرف الآخر، فلذلك لا يقبل من العبد توبة إلا إذا اعترف، لابد أن يعترف الأول أنه مذنب وأنه مخطئ، بعد هذا الاعتراف يقبل الله منه توبته؛ ولذلك لما قال النبي ﷺ لـ عائشة في حديث الإفك: (يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فاستغفري الله، فإن العبد إذا اعتراف بذنبه وتاب؛ تاب الله عليه) ولذلك حين أذنب العبد بذنب قال: (رب إني أذنبت) فهذا إذاً، ولذا قال: (علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به).
إن عدم الاعتراف فيه مكابرة، كما في الحديث الصحيح: (يجيء العبد يوم القيامة فيقرره الله بذنوبه) فيقول العبد لربه: لم يحصل مثل هذا ولا هذا، (فقال العبد: رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى، قال: فإني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني) لأنه يعلم أنه أقفل على نفسه الغرفة وعمل المعصية، فهو يظن أنه لن يكون هناك من يشهد عليه فيقول: (ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى.
قال: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي، حينئذٍ يختم الله على فيه وتنطق جوارحه) تنطق جوارحه بما كان يفعل، فيقول لهن: (سحقاً لكن، فعنكن كنت أناضل) بخلاف العبد الآخر، كما في حديث النجوى: (المؤمن عبد يقربه الله من كنفه ويقرره بذنوبه بينه وبينه، يقول له: فعلت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فيقول: أتذكر ذنب كذا؟ فلا يزال يقرره بذنوبه حتى يتساقط وجهه حياءً من الله، فيقول الله له: سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم).
فالأواب: أي الرجَّاع، والإنسان الأواب له بشارة، وهي أنه يعد مهاجراً إلى الله، وحقيقة الهجرة كما قال ﷺ حين سئل: عن المهاجر من هو؟ قال: (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فأنت كل يومٍ مهاجر إلى الله، كلما تركت ذنباً وأحدثت طاعة فقد خرجت من الذنب إلى الطاعة، إذاً فهذه هي الهجرة، (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) وأنا أطلب من إخواننا الجلوس أن كل واحد منهم أو ما يفعله حين يدخل البيت أن يخرج (التلفزيون) من البيت، هذه وصية غالية ونفيسة، يخرج هذا الملعون من البيت.
هل يرضى أحدنا أن يترك رجلاً أجنبياً مع امرأته في غرفة النوم؟! هل يقبل أحد بهذه العملية؟! والله العظيم إن (التلفزيون) ألعن من رجل الخنا والفجور، ولا سيما بعد انتشار القنوات الفضائية، وبعد أن أصبح الإرسال الجنسي يغزو (التلفزيونات) عندنا، والأولاد -بعد الساعة الثانية والنصف من الليل- يعودون ليبحثوا في القنوات كلها من أجل أن يأتوا بالقنوات التي تبث عن طريق البحرين أو من إسرائيل أو غيرها من القنوات الكفرية، هل تظن أن امرأتك مريم بنت عمران؟ لا تفكر أبداً! تنظر رجلاً مع امرأة في (الفيلم) فيخطر ببالها مثل ما يخطر ببالك، فأنت حين تترك رجلاً أجنبياً مع المرأة في البيت فإن هذه جريمة كبيرة، فكذلك التلفزيون.
شهر رمضان من أكثر الشهور التي يلهو الناس فيها، وهناك بدعة صريحة عندنا في القاهرة والمدن الكبرى، خيمة رمضان، ومن المفروض أن تقام ليلاً، لكنها بدلاً من أن تكون خيمة صارت خيمة خيبة، يقول لك: خيمة رمضان، وفيها أحدث المطربين وفيها (النرجيلة) وفيها (المخدرات) و (الحشيش) وكمل ما تشتهيه نفسك.
فيأخذ أحدهم امرأته ويذهب إلى تلك الخيمة، فيعصون الله في رمضان الذي هو شهر العبادة والتقرب إلى الله.
فتراهم في (التلفزيون) يعملون أحد عشر شهراً من أجل الاستعداد لبرامج رمضان من مسلسلات وأفلام، فهذا الجهاز ملعون، فأنت لو أخرجت هذا الجهاز من بيتك فقد حققت هذه الهجرة، (المهاجر من هجر ما نهى الله عنه) فهذا الكلام ينطبق على الأواب، والأواب: أي الرجاع، الذي يحدث توبةً دائمة، فما من توبة يحدثها إلا وهو مهاجر وهو أواب.
стр. 734
فوائد أخرى من سورة (ق)
إذا رجعنا إلى سورة (ق) سنجد فيها إثباتاً للأسماء والصفات، كقوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] أي: أنا إذا وعدت الثواب على الطاعة فإنه وعد لا تفريط فيه.
لكن إذا هدد بشيءٍ قد يتجاوز فيه ﵎، وهذا من تمام كرمه كما قال ﵊: (إذا وعد الله عبداً على عمل فهو منجز له ما وعد، وإذا أوعد -أي: هدد - فهو بالخيار: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) ومعناه: قد يسقط عنه العقوبة، لكنه إذا وعد وعداً أنجزه، وفي السورة أيضاً إثبات للنبوات، وإثبات لخلق السماوات والأرض، وإثبات لسنته ﵎ الكونية في إهلاك الأمم الباغية الظالمة، وإثبات للخيانة وضعف الأرواح والأبدان، إلى آخر هذه المعاني، فهذه السورة حين تتدبرها تجد أنها جمعت الدين كله، ولذلك كان النبي ﵊ يقرأها في كل جمعة.
فنسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه، وأن يجعل حبه أحب إلينا من الماء البارد على العطش.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 735
شروط العمل الصالح
إن المستقرئ لنصوص الكتاب والسنة يجد أن الأدلة قد استفاضت بذكر أركان وشروط العمل الصالح، وأن رفعه إلى الله وقبوله مرهون بتحقيق هذه الشروط والأركان، وبقدر الإخلال في تحقيقها يكون حساب العبد ومنزلته، فإن حقق هذه الشروط والأركان سعد ونجا، وإن أخل بها هلك وحبط عمله.
стр. 736
شروط وأركان العمل الصالح
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال الله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فمفهوم هذه الآية: أن الله ﵎ لا يرفع إليه إلا العمل الصالح؛ فما هو العمل الصالح الذي يرفع ولا يرفع سواه؟ إن حاجتنا ماسة لمعرفة شروط العمل الصالح وأركانه، فكل عمل في هذه الدنيا مرهون بتحقيق ركني العمل الصالح وشرطيه، فهو أولى من البحث عن لقمة الخبز، وأولى من البحث عن طبيب يزيل العلة.
إن العبد العاصي إذا وقف على شفير النار يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] فهذه هي الحياة حقاً: أن ينجو من النار، وأن يدخل الجنة.
فدخول الجنة والنجاة من النار مرهونة بتحقيق ركني العمل الصالح وشرطيه، وبقدر الخلل في تحقيق الركنين والشرطين يكون حساب العبد وتكون منزلته.
والمستقرئ لأدلة الكتاب والسنة يجد أن النصوص قد استفاضت بذكر ركنين للعمل الصالح وشرطين، فأما الركنان: فالأول منهما: هو توحيد الله ﵎، وعدم الإشراك به شيئاً.
الركن الثاني: المتابعة للرسول ﵌ في ذلك العمل.
أما الشرطان: فالشرط الأول: هو تمام الذل.
والشرط الثاني: هو كمال الحب.
فإذا حقق العبد الركنين والشرطين فهو السعيد حقاً.
وإن الناظر إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم يجد أنهم حققوا الشرطين والركنين أتم تحقيق، وامتد هذا الأثر الحميد إلى حياة التابعين، وهناك قصة صحيحة عن عروة بن الزبير بن العوام ﵀ ورضي عن أبيه أن الآكلة دبت في رجله -الآكلة: داء الغرغرينا عافانا الله وإياكم، إذا دب في القدم تبتر- فقال الطبيب: تقطع.
فقال له: وكيف نقطعها؟ قال: تعاطى الخمر، فإذا سكرت قطعناها.
قال: ما كنت لأستعين على دفع بلاء الله بمعصية الله، ولكن دعوني أصلي، فإذا دخلت في الصلاة فاقطعوها.
فلما دخل في الصلاة نشروا اللحم، فلما وصلوا إلى العظم أغمي عليه، فما شعر بشيء) فبقدر خشوعك في الصلاة والإخبات فيها يكون تحقيق الركن والشرط.
فنحن الآن نضع رءوس أقلام على كل عنصر من هذه العناصر، إذ الكلام فيها متسع جداً، لكن نضع نتفاً، والسعيد من وعظ بغيره، ومن لا يشفيه القليل لا يفيده الكثير.
стр. 737
أركان العمل الصالح
стр. 738
الركن الثاني: المتابعة
مفهوم المتابعة: ألا تفعل شيئاً إلا إذا أُذن لك فيه من قبل الله أو من قبل رسوله ﵌: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمركم، والله ﵎ جعل المتابعة ثمرة المحبة، قال ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقد جمع الله ركني العمل الصالح في نصف آية من القرآن: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] (عملاً صالحاً) أي: موافقاً للسنة، (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً): هذا هو التوحيد الخالص.
стр. 739
الركن الأول: توحيد الله
إن توحيد الله الذي جاءت به الرسل هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية فطر الله الخلق عليه.
توحيد الألوهية: أنه لا يجوز صرف شيء لله لغير الله من العبادة والنسك وغير ذلك، كما قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢] هذا هو توحيد الألوهية.
وتوحيد الربوبية فطر الله الناس عليه، ولذلك المشركون لما جوبهوا بهذه الأسئلة أجابوا الإجابة الصحيحة التي تتناسب مع اعتقادهم أن الله هو الرب الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يرزق الناس، وهو الذي يخلق الناس، وهو الذي يميت ويحيي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فلماذا كفرهم؟ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] لماذا كفرهم؟ ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] إلى آخر الآيات، لماذا كفرهم إذاً؟ لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية، أي: بإفراد الله في العبادة، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] وما هو العجاب؟ لقد تفرد بالخلق، وتفرد بالرزق، وتفرد بالإحياء والإماتة، أفلا يتفرد بالعبادة؟ أليس هذا مناسباً أن يتفرد بالعبادة وقد تفرد بكل شيء؟! ولذلك فإن القرآن الكريم يثبت توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية، فيذكر آلاء الله ونعمه على الخلق، ثم يقول لهم: إذا كان الخلق، والإحياء، والإماتة، والرزق بيد الله ؛ أفلا يستحق فعلاً أن يكون هو المعبود دون سواه؟! وبعض الناس يلتبس عليهم الأمر ولا يفرقون بين النوعين، فمثلاً: أفتى بعضهم يوماً أن الطواف بقبور الصالحين والأولياء كـ الحسين ﵁، وكالسيدة زينب ﵂، وسائر عباد الله الأخيار الذين بنوا على قبورهم قباباً، يقول: إن الطواف بقبور هؤلاء ليس شركاً ثم يبسط قوله فيقول: لأنك لو سألت رجلاً ممن يطوف: هل هناك رازق غير الله؟ يقول: لا، هل هناك محي غير الله؟ فيقول: لا.
هل هناك مميت غير الله؟ فيقول: لا.
إذاً: هذا الرجل موحد -حسب زعمه-.
فنقول: لا.
هذا الرجل لم يعرف من التوحيد إلا ما عرفه المشركون الأوائل، وهو توحيد الربوبية، لكن هذا الرجل شد رحله من بلده لطلب حاجة، أو دفع ضر، أو جلب نفع والتوحيد حقاً، أن نعتقد أنه لا يقدر على دفع الضر إلا الله، ولا يقدر على جلب النفع للعبد إلا الله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف).
فعندما تشد الرحل من أقصى البلاد لتقول: يا حسين! ادفع عني الضر؟! فما صنعة الله في الكون؟! ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤].
فالمقصود من توحيد الألوهية: أن لا تصرف شيئاً من العبادة إلا لله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] (الحنيف): يعني: المائل عن العقائد الزائغة، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤].
ولتعلم أن العمل الصالح قاعدته: التوحيد، وإلا فقد جاء أقوام إلى الله بأعمال كثيرة؛ فقال عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] لأن القاعدة متهالكة، وفي الحديث الآتي بيان لذلك، وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما، وهو نِذارة خطيرة، قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (أول ما يدخل الجنة شهيد وقارئ وعالم -وفي رواية للنسائي: (ورجل جواد) أي: غني- فيؤتى بالشهيد، فيعرفه الله نعمه عليه، ثم يقول له: ماذا فعلت؟ يقول: يا رب قاتلت فيك حتى قتلت.
فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلت ليقال: جريء، وقد قيل، ثم يسحب به إلى النار.
فيؤتى بقارئ القرآن: ماذا فعلت بالقرآن؟ يقول: يا رب! قرأته فيك آناء الليل وأطراف النهار.
فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل قرأت ليقال: قارئ، وقد قيل؛ فيسحب به.
ثم يؤتى بالعالم: ماذا فعلت بالعلم؟ يقول: يا رب! علمت الناس آناء الليل وأطراف النهار.
فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل علمتهم ليقال: عالم، وقد قيل، وكذلك الأمر في الرجل الجواد: ماذا فعلت بالمال؟ يقول: يا رب! أنفقته فيك.
فيقول الله له: كذبت.
وتقول الملائكة: كذبت، بل أنفقت ليقال: جواد -يعني: سخي- وقد قيل).
هذه الأعمال الأربعة من أجل القربات إلى الله: فالشهادة فضلها معلوم، ويكفي أن النبي ﷺ قال: (إن الشهيد يرى مقعده من الجنة مع أول دفقة من دمه) فكيف يحشر إلى النار، ويكون أول الداخلين؟ وكذا قارئ القرآن، قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وقال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها) وفي الحديث الآخر: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، قارئ القرآن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) فتكتب مائة وتسعين حسنة، والذي يقرأ القرآن الكريم كل شهر تكون لديه جبال من الحسنات، فكيف يدخل النار ويكون أول الداخلين مع هذه القربة؟! وكذلك العالم: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه) فالكل يدعي العلم لشرف العلم، قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا) [آل عمران:١٨]، فمنزلة العلماء رفيعة معروفة، فكيف يسحب هذا إلى النار ويكون أول الداخلين؟ لماذا هذا الجزاء؟! لأنهم أشركوا في أصل العمل، فأرداهم، ولا ينفع مع الشرك طاعة، فبرغم فضل عمل هؤلاء إلا أنهم لما أشركوا بالله بطل عملهم وصار وبالاً عليهم.
وهناك حديث يقول فيه النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراع -أو قال: قيد شبر- فيعمل بعمل أهل النار؛ فيدخل النار.
وإن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد شبر -أو قال: قيد ذراع- عمل بعمل أهل الجنة؛ فدخل الجنة) فالمشكل هنا: كيف أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة زماناً طويلاً ثم يحشر إلى النار، والرجل يعمل بعمل أهل النار زماناً طويلاً، ثم يحشر إلى الجنة؟! نقول: يزيل هذا الأشكال وجود زيادة في نفس الحديث، أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس) وبهذا انتهى الإشكال، أي: يعمل الزمن الطويل مرائياً، لذلك ناسب أن تكون خاتمته على غير ما كان يعمل، إذ لو كان يعمل لله؛ فإن الله لا يضيع أجره، والعبد يعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، لكنه لما أقبل على الله كان صادق الطلب، وليس عن أذهانكم ببعيد حديث: (الرجل الذي قتل مائة نفس، فسأل راهباً عابداً: ألي توبة؟ قال: لا.
فقتله فأتم به المائة، ثم سأل رجلاً راهباً عالماً قال: قتلت مائة نفس، ألي توبة؟ قال: نعم.
ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعملون الصالحات فاعمل معهم.
فخرج الرجل وقد ناء بصدره -أي: قدم صدره، كناية عن المبادرة والإسراع- إلى الأرض التي أمره العالم بالتوجه إليها، فما خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله إليهم حكماً أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها، وأمر الله الأرض -لأن الرجل ما كاد يخرج حتى مات، يعني: هو يقيناً أقرب إلى أرض العذاب، لكنه لما كان صادق الطلب أمر الله الأرض أن تطوى من تحته- فقال لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي، فلما قاسوا المسافة بين الأرضين وجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد؛ فغفر له فدخل الجنة).
إن الله لا يتعاظمه ذنب، فذنبك مهما عظم شيء، ورحمة الله وسعت كل شيء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]؛ لأنك مهما فعلت من الذنوب لا يمكن أن تأتي على رحمة الله كلها، بل هي تشملك وتشمل كل عاص، فهي أوسع مما تتصور، وهذا يناسب كمال صفاته ﵎.
إذاً: قوله ﵊: (يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، يعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار) فيما يظهر للناس.
فلذلك كل عمل راقب العبدُ فيه العبدَ فهو على شفى هلكة، والعلماء لهم هنا بحث فرعي، يقولون مثلاً: لو جاء رجل إلى المسجد ليصلي الصلاة، فبينما هو يصلي إذ رمق شخصاً يلتمس عنده الوجاهة؛ فأطال الصلاة، فأطال الركوع والسجود فما حال صلاته؟ قال العلماء: ما زاده مردود، أما أصل عمله فمقبول؛ لأنه لما خرج إلى المسجد ما خرج رئاء الناس، وإنما خرج ليصلي.
ولو أنه خرج من داره ل
стр. 740
صور من اتباع الصحابة رضوان الله عليهم
كان الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس مبادرة إلى تنفيذ أمر الله ورسوله، ونحن في حاجة ماسة إلى الاطلاع على حياة الصحابة، كيف كانوا يتبعون القول بالعمل، ويفسرون الأقوال بالأعمال والمبادرة إلى تنفيذ الأمر.
وقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة باتباعهم وحبهم للنبي ﷺ كما في حديث المسور بن مخرمة ﵁ في صلح الحديبية، قال: (فجيء إلى النبي ﷺ بوضوء فتوضأ، فوالله ما سقطت قطرة ماء على الأرض إلا كادوا يقتتلون على وضوئه ﵊، وما تنخم نخامة إلا استبقوا عليها، فما تقع في يد رجل إلا دلك بها وجه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له، ولا يرفعون أصواتهم عنده، ويبتدرون أمره) لذلك ثبتت لهم البشارة فقال الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨].
وليست الأولى بأفضل من الثانية، بل الشرف لهم أن يرضوا عن الله، ليس الشرف أن يرضى الله عنهم فحسب، إذ لو سخط الخلق جميعاً على الله لا يضره ذلك، لكن الشرف لهم أن يقول الله لهم: (أنتم رضيتم عني) فهذا هو الشرف، وما نالوا هذا الشرف ولا حازوا هذا السبق إلا بالمبادرة إلى تنفيذ أمره ومتابعة رسوله ﷺ ، وكانوا يفتدونه بكل غال ونفيس، حتى أن النبي ﷺ مر يوماً على أجمة -مكان فيه أشجار كثيرة- وكان يقبع في هذه الأشجار عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، فلما مر النبي ﵊ قال عبد الله بن أبي بن سلول: لقد غبر علينا ابن أبي كبشة، يقصد الرسول ﵊، وأبو كبشة: جد الرسول ﵊ لأمه، جد غامض غير معروف، وقد كانت العرب إذا أرادت أن تنتقص رجلاً نسبته إلى جد غامض، حيث أن الجد المشهور يكون الانتساب إليه شرف، وكان النبي ﷺ يرتجز وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) فالنسبة لـ عبد المطلب تعتبر شرفاً؛ لأنه رجل معروف ومشهور وله مكانة في الناس، لكن أبا كبشة لا يعرف في الناس.
فهو يريد أن يحتقر الرسول ﵊ ويشتمه، فسمع هذه الكلمة من عبد الله بن أبي بن سلول ابنه عبد الله، فقال للنبي ﷺ : (والذي أكرمك، والذي أنزل عليك الكتاب لأن أمرتني لآتينك بعنقه -الولاء للرسول ﵊ قبل الولاء للآباء والأبناء- فقال له: لا.
ولكن بر أباك وأحسن صحبته).
وعندما قامت معركة بدر بين المسلمين والكافرين، كان هناك ابن لـ أبي بكر لم يكن أسلم آنذاك، وكان في صفوف الكافرين، وكان يرى أباه أبا بكر ﵁ فينخلس بعيداً عنه، فلما أسلم الولد قال لأبيه: لقد كنت أراك يوم بدر، فكنت أخشى أن يسبق سيفي إليك، فقال أبو بكر: والله لو رأيتك لقتلتك.
وهذا هو الفارق الجوهري ما بيننا وبين الجيل الأول.
فالمتابعة: ألا تحرك ساكناً، ولا تسكن متحركاً إلا بإذن، ولله در سفيان الثوري لما قال: إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل.
نحن مبتلون بأننا نفعل الفعل، فإذا وقعنا في ورطة طلبنا الحكم الشرع وسألنا عنه، والأصل أن يسأل قبل أن يفعل: أهو جائز أم لا، مشروع أم لا.
لقد كان اتباع الجيل الأول: لكلام الرسول ﵊ في غاية الروعة.
من ذلك ما جاء في حديث جرير بن عبد الله أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم)، فطبق جرير هذا الحديث على تصرفه الشخصي -لا تحفظ النص ثم لا تعمل به فيكون حجة عليك، فالجهل به خير من معرفته ومخالفته، وليست هذه دعوة إلى الجهل، لكن الرجل الذي يعلم ويخالف شر من الذي لا يعلم، فالذي لا يعلم قد يكون له عذر مقبول، أما الذي يعلم ثم يخالف ليس له عذر- (فأرسل جرير ﵁ غلامه ليشتري له فرساً، فوجد الغلام الفرس بثلاثمائة درهم، وجاء الغلام بصاحب الفرس ومعه الفرس إلى جرير ليقبضه الثمن، فلما رأى جرير الفرس وجده يستحق أكثر من ثلاثمائة، فقال: يا فلان! فرسك يستحق أربعمائة.
قال: قبلت.
قال: خمسمائة.
قال: قبلت.
قال: ستمائة.
قال: قبلت حتى وصل به إلى ثمانمائة فقال الرجل: قبلت.
فأعطاه الثمانمائة فتعجب الغلام، إذ التجارة شطارة، وكلما أخذت البضاعة بسعر أقل اعتبر الناس من المكسب العاجل، والحلال المباح؛ وقال لـ جرير: ما هذا الذي فعلت؟ قال له: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم.
أي: لا أستطيع الغش، وهذه هي كمال المتابعة.
أن تتابع بالفعل.
(جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يلبس خاتم ذهب، فلما رآه أخذه منه ونزعه نزعاً شديداً، ورماه في الأرض وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده! فلما قام الرجل ينصرف وقد ترك الخاتم على الأرض، قيل له: خذه فبعه وانتفع بثمنه.
قال: كيف آخذه وقد طرحه رسول الله؟!) وترك الخاتم.
وذهب بعض الصحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله! عظنا وأوصنا.
قال: لا تسألوا الناس شيئاً) فكان الواحد منهم يكون راكباً على فرسه فيسقط سوطه، فلا يقول: يا فلان! ناولني السوط.
فامتثلوا؛ ولذلك عز وسادوا.
ولكن إذا نظرت إلى الأجيال الخالفة كما في وقتنا تجد بينهم وبين المتابعة بوناً شاسعاً، بل لا يتورعون عن فعل المحرمات.
وقد جمعني مجلس برجل يدخن، فقلت له: يا فلان! إن التدخين حرام.
فأخذ نفساً عميقاً، ثم قال لي: يعني: ليس مكروهاً؟! فهب أنه مكروه، ألا يكفي فيه أن الله ورسوله يكرهان هذا الشيء؟! فكيف طابت نفسك بعدما سمعت حكم الحرمة أن تأخذ هذا النفس العميق؟ هلا استثنيت؟ هلا كففت حتى إذا تناقشنا ولم تقتنع بالحرمة شربت؟ فكيف تسمع لفظ الحرمة فتستمر على هذا الفعل؟ وهذا تحد، واستكبار على أمر الله.
وإذا سلمنا أنها مكروهة -وهي قطعاً حرام- فالبوابة إلى المحرمات المكروهات، وإذا كان الشيء مكروهاً فتعودت على فعله دخلت إلى الحرمات وسهل عليك فعلها.
لماذا حرم الله النظر إلى النساء؟ أليس لكف الرجل عن الزنا؟ فأين النظر وأين الزنا؟ لكن هذا من باب سد الذريعة، فإذا كان هذا الباب يوصلك إلى الحرام فأغلقه، فهذا أنجى لك.
والعلماء يقولون: الإكثار من المباح يوقع في المحرمات.
وذكروا حديث النبي ﷺ : (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) وأحاديث الرسول ﵊ في النهي عن الشبع، مع أن الشبع جائز، لكن العلماء قالوا: (الإكثار من الأكل حتى الشبع يرخي النفس، ويقعد الأعضاء عن العبادة)؛ لذلك أمر النبي ﷺ بالصوم وقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لأن الصوم يكسر من حدة الشهوة في الدم والنفس.
وأكثر الناس وأشدهم شهوة الذين يملئون بطونهم، وعبد الله بن عمر ﵄ قيل له: ألا نأتيك بجوارش -الجوارش.
يعني: دواء يذيب الأكل في المعدة، علاج هضم-؟ فقال: وما جوارش؟! قالوا: للمعدة.
قال: أنا لم أشبع منذ أربعة أشهر، لا أحتاج لجوارش.
والمعدة الخالية يكون صاحبها أقوى قلباً، وإذا نظرنا إلى الخيل في مضمار السباق؛ فإن الفرس الذي له كرش لا يستطيع أن يعدو، وإنما الذي يسبق الفرس المضمر الذي لا بطن له، وأصابته المخمصة.
ومن أكبر الأدلة على مسارعة الصحابة إلى تنفيذ أمر الله واتباع رسوله ﷺ ، وعدم الاعتراض عليه ما ورد في حديث الأنصار بعد قسمة غنائم غزوة حنين، عندما جمع النبي ﷺ الأنصار وقال: لا يكن مع الأنصار أحد في هذه الخيمة، إذاً: الأنصار شعروا أن هناك خصوصية لهم، هذا أول ما فعله الرسول ﵊، ثم قال لهم: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم! (قالوا: يا رسول الله! قد قالها حدثاء الأسنان منا -أي: أما حكماؤنا فما قالوها- قال: يا معشر الأنصار! ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟ والأنصار يقولون: الله ورسوله أمْنّ، ثم قال لهم: لو شئتم لقلتم: كنت طريداً فآويناك، وكنت، وهم يقولون: الله ورسوله أمَنَّ، قال: لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار -الشعار: هو الثوب الملاصق للبدن مباشرة، وتحرص في هذا الثوب أن يكون ناعم الملمس، فيريد أن يقول: أنتم قريبون مني مثل الشعار من الرجل والناس دثار -أي: الملابس التي لا تلامس الجسد- ألا ترضون أن يرجع الناس إلى بيوتهم بالدينار والدرهم، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فبكوا وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسماً ونصيباً).
فانظر إلى هذه النماذج المضيئة من الصحابة الكرام وتمام متابعتهم لنبيهم ﷺ ، يقولون: (أما حكماؤنا فما قالوها) الناس العقلاء.
والرسول ﵊ يقول: (إني لأدع الرجل وهو أحب إليَّ)، وكان يعطي العطاء من يتألفه على الإسلام.
يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (كنت جالساً عند النبي ﷺ ، فجاء رجل فأعطاه النبي ﵊ عطاءً كبيراً، فجاء رجل آخر فأعطاه عطاءً أقل منه، فقال: يا رسول الله! أجزلت لفلان ولم تعط فلاناً، وإني لأراه مؤمناً.
قال: أو مسلماً.
فأعاد عليه سعد بن أبي وقاص هذه المقالة: إني لأراه مؤمناً.
ورسول الله يقول: أو مسلماً، ثم قال: إني لأدع الرجل وأعطي العطاء من هو أقل منه؛ أكلهم لإيمانهم) لأن المؤمن إذا لم يعط لا يتضجر، بخلاف الرجل الذي
следующие страницы →