← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

شروط وأركان العمل الصالح إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله ﵎: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فمفهوم هذه الآية: أن الله ﵎ لا يرفع إليه إلا العمل الصالح؛ فما هو العمل الصالح الذي يرفع ولا يرفع سواه؟ إن حاجتنا ماسة لمعرفة شروط العمل الصالح وأركانه، فكل عمل في هذه الدنيا مرهون بتحقيق ركني العمل الصالح وشرطيه، فهو أولى من البحث عن لقمة الخبز، وأولى من البحث عن طبيب يزيل العلة. إن العبد العاصي إذا وقف على شفير النار يوم القيامة يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] فهذه هي الحياة حقاً: أن ينجو من النار، وأن يدخل الجنة. فدخول الجنة والنجاة من النار مرهونة بتحقيق ركني العمل الصالح وشرطيه، وبقدر الخلل في تحقيق الركنين والشرطين يكون حساب العبد وتكون منزلته. والمستقرئ لأدلة الكتاب والسنة يجد أن النصوص قد استفاضت بذكر ركنين للعمل الصالح وشرطين، فأما الركنان: فالأول منهما: هو توحيد الله ﵎، وعدم الإشراك به شيئاً. الركن الثاني: المتابعة للرسول ﵌ في ذلك العمل. أما الشرطان: فالشرط الأول: هو تمام الذل. والشرط الثاني: هو كمال الحب. فإذا حقق العبد الركنين والشرطين فهو السعيد حقاً. وإن الناظر إلى حياة الصحابة رضوان الله عليهم يجد أنهم حققوا الشرطين والركنين أتم تحقيق، وامتد هذا الأثر الحميد إلى حياة التابعين، وهناك قصة صحيحة عن عروة بن الزبير بن العوام ﵀ ورضي عن أبيه أن الآكلة دبت في رجله -الآكلة: داء الغرغرينا عافانا الله وإياكم، إذا دب في القدم تبتر- فقال الطبيب: تقطع. فقال له: وكيف نقطعها؟ قال: تعاطى الخمر، فإذا سكرت قطعناها. قال: ما كنت لأستعين على دفع بلاء الله بمعصية الله، ولكن دعوني أصلي، فإذا دخلت في الصلاة فاقطعوها. فلما دخل في الصلاة نشروا اللحم، فلما وصلوا إلى العظم أغمي عليه، فما شعر بشيء) فبقدر خشوعك في الصلاة والإخبات فيها يكون تحقيق الركن والشرط. فنحن الآن نضع رءوس أقلام على كل عنصر من هذه العناصر، إذ الكلام فيها متسع جداً، لكن نضع نتفاً، والسعيد من وعظ بغيره، ومن لا يشفيه القليل لا يفيده الكثير.

стр. 737

أركان العمل الصالح

стр. 738

الركن الثاني: المتابعة مفهوم المتابعة: ألا تفعل شيئاً إلا إذا أُذن لك فيه من قبل الله أو من قبل رسوله ﵌: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] أي: لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمركم، والله ﵎ جعل المتابعة ثمرة المحبة، قال ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، وقد جمع الله ركني العمل الصالح في نصف آية من القرآن: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠] (عملاً صالحاً) أي: موافقاً للسنة، (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً): هذا هو التوحيد الخالص.

стр. 739

الركن الأول: توحيد الله إن توحيد الله الذي جاءت به الرسل هو توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية فطر الله الخلق عليه. توحيد الألوهية: أنه لا يجوز صرف شيء لله لغير الله من العبادة والنسك وغير ذلك، كما قال ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام:١٦٢] هذا هو توحيد الألوهية. وتوحيد الربوبية فطر الله الناس عليه، ولذلك المشركون لما جوبهوا بهذه الأسئلة أجابوا الإجابة الصحيحة التي تتناسب مع اعتقادهم أن الله هو الرب الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يرزق الناس، وهو الذي يخلق الناس، وهو الذي يميت ويحيي: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] فلماذا كفرهم؟ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] لماذا كفرهم؟ ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٥] إلى آخر الآيات، لماذا كفرهم إذاً؟ لأنهم كفروا بتوحيد الألوهية، أي: بإفراد الله في العبادة، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] وما هو العجاب؟ لقد تفرد بالخلق، وتفرد بالرزق، وتفرد بالإحياء والإماتة، أفلا يتفرد بالعبادة؟ أليس هذا مناسباً أن يتفرد بالعبادة وقد تفرد بكل شيء؟! ولذلك فإن القرآن الكريم يثبت توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية، فيذكر آلاء الله ونعمه على الخلق، ثم يقول لهم: إذا كان الخلق، والإحياء، والإماتة، والرزق بيد الله ؛ أفلا يستحق فعلاً أن يكون هو المعبود دون سواه؟! وبعض الناس يلتبس عليهم الأمر ولا يفرقون بين النوعين، فمثلاً: أفتى بعضهم يوماً أن الطواف بقبور الصالحين والأولياء كـ الحسين ﵁، وكالسيدة زينب ﵂، وسائر عباد الله الأخيار الذين بنوا على قبورهم قباباً، يقول: إن الطواف بقبور هؤلاء ليس شركاً ثم يبسط قوله فيقول: لأنك لو سألت رجلاً ممن يطوف: هل هناك رازق غير الله؟ يقول: لا، هل هناك محي غير الله؟ فيقول: لا. هل هناك مميت غير الله؟ فيقول: لا. إذاً: هذا الرجل موحد -حسب زعمه-. فنقول: لا. هذا الرجل لم يعرف من التوحيد إلا ما عرفه المشركون الأوائل، وهو توحيد الربوبية، لكن هذا الرجل شد رحله من بلده لطلب حاجة، أو دفع ضر، أو جلب نفع والتوحيد حقاً، أن نعتقد أنه لا يقدر على دفع الضر إلا الله، ولا يقدر على جلب النفع للعبد إلا الله: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام ورفعت الصحف). فعندما تشد الرحل من أقصى البلاد لتقول: يا حسين! ادفع عني الضر؟! فما صنعة الله في الكون؟! ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]. فالمقصود من توحيد الألوهية: أن لا تصرف شيئاً من العبادة إلا لله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] (الحنيف): يعني: المائل عن العقائد الزائغة، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]. ولتعلم أن العمل الصالح قاعدته: التوحيد، وإلا فقد جاء أقوام إلى الله بأعمال كثيرة؛ فقال عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] لأن القاعدة متهالكة، وفي الحديث الآتي بيان لذلك، وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما، وهو نِذارة خطيرة، قال النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (أول ما يدخل الجنة شهيد وقارئ وعالم -وفي رواية للنسائي: (ورجل جواد) أي: غني- فيؤتى بالشهيد، فيعرفه الله نعمه عليه، ثم يقول له: ماذا فعلت؟ يقول: يا رب قاتلت فيك حتى قتلت. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلت ليقال: جريء، وقد قيل، ثم يسحب به إلى النار. فيؤتى بقارئ القرآن: ماذا فعلت بالقرآن؟ يقول: يا رب! قرأته فيك آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة له: كذبت، بل قرأت ليقال: قارئ، وقد قيل؛ فيسحب به. ثم يؤتى بالعالم: ماذا فعلت بالعلم؟ يقول: يا رب! علمت الناس آناء الليل وأطراف النهار. فيقول الله : كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل علمتهم ليقال: عالم، وقد قيل، وكذلك الأمر في الرجل الجواد: ماذا فعلت بالمال؟ يقول: يا رب! أنفقته فيك. فيقول الله له: كذبت. وتقول الملائكة: كذبت، بل أنفقت ليقال: جواد -يعني: سخي- وقد قيل). هذه الأعمال الأربعة من أجل القربات إلى الله: فالشهادة فضلها معلوم، ويكفي أن النبي ﷺ قال: (إن الشهيد يرى مقعده من الجنة مع أول دفقة من دمه) فكيف يحشر إلى النار، ويكون أول الداخلين؟ وكذا قارئ القرآن، قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وقال: (يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها) وفي الحديث الآخر: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، قارئ القرآن يقول: (بسم الله الرحمن الرحيم) فتكتب مائة وتسعين حسنة، والذي يقرأ القرآن الكريم كل شهر تكون لديه جبال من الحسنات، فكيف يدخل النار ويكون أول الداخلين مع هذه القربة؟! وكذلك العالم: (كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من ليس بأهله، وكفى بالجهل عاراً أن يتبرأ منه من هو فيه) فالكل يدعي العلم لشرف العلم، قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩] وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا) [آل عمران:١٨]، فمنزلة العلماء رفيعة معروفة، فكيف يسحب هذا إلى النار ويكون أول الداخلين؟ لماذا هذا الجزاء؟! لأنهم أشركوا في أصل العمل، فأرداهم، ولا ينفع مع الشرك طاعة، فبرغم فضل عمل هؤلاء إلا أنهم لما أشركوا بالله بطل عملهم وصار وبالاً عليهم. وهناك حديث يقول فيه النبي ﷺ : (إن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد ذراع -أو قال: قيد شبر- فيعمل بعمل أهل النار؛ فيدخل النار. وإن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، حتى إذا كان بينه وبين الموت قيد شبر -أو قال: قيد ذراع- عمل بعمل أهل الجنة؛ فدخل الجنة) فالمشكل هنا: كيف أن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة زماناً طويلاً ثم يحشر إلى النار، والرجل يعمل بعمل أهل النار زماناً طويلاً، ثم يحشر إلى الجنة؟! نقول: يزيل هذا الأشكال وجود زيادة في نفس الحديث، أن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس) وبهذا انتهى الإشكال، أي: يعمل الزمن الطويل مرائياً، لذلك ناسب أن تكون خاتمته على غير ما كان يعمل، إذ لو كان يعمل لله؛ فإن الله لا يضيع أجره، والعبد يعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار، لكنه لما أقبل على الله كان صادق الطلب، وليس عن أذهانكم ببعيد حديث: (الرجل الذي قتل مائة نفس، فسأل راهباً عابداً: ألي توبة؟ قال: لا. فقتله فأتم به المائة، ثم سأل رجلاً راهباً عالماً قال: قتلت مائة نفس، ألي توبة؟ قال: نعم. ومن يحجب عنك باب التوبة؟! اخرج إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قوماً يعملون الصالحات فاعمل معهم. فخرج الرجل وقد ناء بصدره -أي: قدم صدره، كناية عن المبادرة والإسراع- إلى الأرض التي أمره العالم بالتوجه إليها، فما خرج غير بعيد حتى قبض، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأرسل الله إليهم حكماً أن قيسوا المسافة بين الأرضين، فإلى أيتها كان أقرب فهو من أهلها، وأمر الله الأرض -لأن الرجل ما كاد يخرج حتى مات، يعني: هو يقيناً أقرب إلى أرض العذاب، لكنه لما كان صادق الطلب أمر الله الأرض أن تطوى من تحته- فقال لهذه: أن تقاربي، ولهذه: أن تباعدي، فلما قاسوا المسافة بين الأرضين وجدوه أقرب إلى أرض المغفرة بشبر واحد؛ فغفر له فدخل الجنة). إن الله لا يتعاظمه ذنب، فذنبك مهما عظم شيء، ورحمة الله وسعت كل شيء، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]؛ لأنك مهما فعلت من الذنوب لا يمكن أن تأتي على رحمة الله كلها، بل هي تشملك وتشمل كل عاص، فهي أوسع مما تتصور، وهذا يناسب كمال صفاته ﵎. إذاً: قوله ﵊: (يعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، يعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار) فيما يظهر للناس. فلذلك كل عمل راقب العبدُ فيه العبدَ فهو على شفى هلكة، والعلماء لهم هنا بحث فرعي، يقولون مثلاً: لو جاء رجل إلى المسجد ليصلي الصلاة، فبينما هو يصلي إذ رمق شخصاً يلتمس عنده الوجاهة؛ فأطال الصلاة، فأطال الركوع والسجود فما حال صلاته؟ قال العلماء: ما زاده مردود، أما أصل عمله فمقبول؛ لأنه لما خرج إلى المسجد ما خرج رئاء الناس، وإنما خرج ليصلي. ولو أنه خرج من داره ل

стр. 740

صور من اتباع الصحابة رضوان الله عليهم كان الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس مبادرة إلى تنفيذ أمر الله ورسوله، ونحن في حاجة ماسة إلى الاطلاع على حياة الصحابة، كيف كانوا يتبعون القول بالعمل، ويفسرون الأقوال بالأعمال والمبادرة إلى تنفيذ الأمر. وقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة باتباعهم وحبهم للنبي ﷺ كما في حديث المسور بن مخرمة ﵁ في صلح الحديبية، قال: (فجيء إلى النبي ﷺ بوضوء فتوضأ، فوالله ما سقطت قطرة ماء على الأرض إلا كادوا يقتتلون على وضوئه ﵊، وما تنخم نخامة إلا استبقوا عليها، فما تقع في يد رجل إلا دلك بها وجه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له، ولا يرفعون أصواتهم عنده، ويبتدرون أمره) لذلك ثبتت لهم البشارة فقال الله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة:٨]. وليست الأولى بأفضل من الثانية، بل الشرف لهم أن يرضوا عن الله، ليس الشرف أن يرضى الله عنهم فحسب، إذ لو سخط الخلق جميعاً على الله لا يضره ذلك، لكن الشرف لهم أن يقول الله لهم: (أنتم رضيتم عني) فهذا هو الشرف، وما نالوا هذا الشرف ولا حازوا هذا السبق إلا بالمبادرة إلى تنفيذ أمره ومتابعة رسوله ﷺ ، وكانوا يفتدونه بكل غال ونفيس، حتى أن النبي ﷺ مر يوماً على أجمة -مكان فيه أشجار كثيرة- وكان يقبع في هذه الأشجار عبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، فلما مر النبي ﵊ قال عبد الله بن أبي بن سلول: لقد غبر علينا ابن أبي كبشة، يقصد الرسول ﵊، وأبو كبشة: جد الرسول ﵊ لأمه، جد غامض غير معروف، وقد كانت العرب إذا أرادت أن تنتقص رجلاً نسبته إلى جد غامض، حيث أن الجد المشهور يكون الانتساب إليه شرف، وكان النبي ﷺ يرتجز وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) فالنسبة لـ عبد المطلب تعتبر شرفاً؛ لأنه رجل معروف ومشهور وله مكانة في الناس، لكن أبا كبشة لا يعرف في الناس. فهو يريد أن يحتقر الرسول ﵊ ويشتمه، فسمع هذه الكلمة من عبد الله بن أبي بن سلول ابنه عبد الله، فقال للنبي ﷺ : (والذي أكرمك، والذي أنزل عليك الكتاب لأن أمرتني لآتينك بعنقه -الولاء للرسول ﵊ قبل الولاء للآباء والأبناء- فقال له: لا. ولكن بر أباك وأحسن صحبته). وعندما قامت معركة بدر بين المسلمين والكافرين، كان هناك ابن لـ أبي بكر لم يكن أسلم آنذاك، وكان في صفوف الكافرين، وكان يرى أباه أبا بكر ﵁ فينخلس بعيداً عنه، فلما أسلم الولد قال لأبيه: لقد كنت أراك يوم بدر، فكنت أخشى أن يسبق سيفي إليك، فقال أبو بكر: والله لو رأيتك لقتلتك. وهذا هو الفارق الجوهري ما بيننا وبين الجيل الأول. فالمتابعة: ألا تحرك ساكناً، ولا تسكن متحركاً إلا بإذن، ولله در سفيان الثوري لما قال: إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل. نحن مبتلون بأننا نفعل الفعل، فإذا وقعنا في ورطة طلبنا الحكم الشرع وسألنا عنه، والأصل أن يسأل قبل أن يفعل: أهو جائز أم لا، مشروع أم لا. لقد كان اتباع الجيل الأول: لكلام الرسول ﵊ في غاية الروعة. من ذلك ما جاء في حديث جرير بن عبد الله أنه قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم)، فطبق جرير هذا الحديث على تصرفه الشخصي -لا تحفظ النص ثم لا تعمل به فيكون حجة عليك، فالجهل به خير من معرفته ومخالفته، وليست هذه دعوة إلى الجهل، لكن الرجل الذي يعلم ويخالف شر من الذي لا يعلم، فالذي لا يعلم قد يكون له عذر مقبول، أما الذي يعلم ثم يخالف ليس له عذر- (فأرسل جرير ﵁ غلامه ليشتري له فرساً، فوجد الغلام الفرس بثلاثمائة درهم، وجاء الغلام بصاحب الفرس ومعه الفرس إلى جرير ليقبضه الثمن، فلما رأى جرير الفرس وجده يستحق أكثر من ثلاثمائة، فقال: يا فلان! فرسك يستحق أربعمائة. قال: قبلت. قال: خمسمائة. قال: قبلت. قال: ستمائة. قال: قبلت حتى وصل به إلى ثمانمائة فقال الرجل: قبلت. فأعطاه الثمانمائة فتعجب الغلام، إذ التجارة شطارة، وكلما أخذت البضاعة بسعر أقل اعتبر الناس من المكسب العاجل، والحلال المباح؛ وقال لـ جرير: ما هذا الذي فعلت؟ قال له: إني بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم. أي: لا أستطيع الغش، وهذه هي كمال المتابعة. أن تتابع بالفعل. (جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يلبس خاتم ذهب، فلما رآه أخذه منه ونزعه نزعاً شديداً، ورماه في الأرض وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده! فلما قام الرجل ينصرف وقد ترك الخاتم على الأرض، قيل له: خذه فبعه وانتفع بثمنه. قال: كيف آخذه وقد طرحه رسول الله؟!) وترك الخاتم. وذهب بعض الصحابة إلى النبي ﷺ فقالوا: (يا رسول الله! عظنا وأوصنا. قال: لا تسألوا الناس شيئاً) فكان الواحد منهم يكون راكباً على فرسه فيسقط سوطه، فلا يقول: يا فلان! ناولني السوط. فامتثلوا؛ ولذلك عز وسادوا. ولكن إذا نظرت إلى الأجيال الخالفة كما في وقتنا تجد بينهم وبين المتابعة بوناً شاسعاً، بل لا يتورعون عن فعل المحرمات. وقد جمعني مجلس برجل يدخن، فقلت له: يا فلان! إن التدخين حرام. فأخذ نفساً عميقاً، ثم قال لي: يعني: ليس مكروهاً؟! فهب أنه مكروه، ألا يكفي فيه أن الله ورسوله يكرهان هذا الشيء؟! فكيف طابت نفسك بعدما سمعت حكم الحرمة أن تأخذ هذا النفس العميق؟ هلا استثنيت؟ هلا كففت حتى إذا تناقشنا ولم تقتنع بالحرمة شربت؟ فكيف تسمع لفظ الحرمة فتستمر على هذا الفعل؟ وهذا تحد، واستكبار على أمر الله. وإذا سلمنا أنها مكروهة -وهي قطعاً حرام- فالبوابة إلى المحرمات المكروهات، وإذا كان الشيء مكروهاً فتعودت على فعله دخلت إلى الحرمات وسهل عليك فعلها. لماذا حرم الله النظر إلى النساء؟ أليس لكف الرجل عن الزنا؟ فأين النظر وأين الزنا؟ لكن هذا من باب سد الذريعة، فإذا كان هذا الباب يوصلك إلى الحرام فأغلقه، فهذا أنجى لك. والعلماء يقولون: الإكثار من المباح يوقع في المحرمات. وذكروا حديث النبي ﷺ : (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه) وأحاديث الرسول ﵊ في النهي عن الشبع، مع أن الشبع جائز، لكن العلماء قالوا: (الإكثار من الأكل حتى الشبع يرخي النفس، ويقعد الأعضاء عن العبادة)؛ لذلك أمر النبي ﷺ بالصوم وقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) لأن الصوم يكسر من حدة الشهوة في الدم والنفس. وأكثر الناس وأشدهم شهوة الذين يملئون بطونهم، وعبد الله بن عمر ﵄ قيل له: ألا نأتيك بجوارش -الجوارش. يعني: دواء يذيب الأكل في المعدة، علاج هضم-؟ فقال: وما جوارش؟! قالوا: للمعدة. قال: أنا لم أشبع منذ أربعة أشهر، لا أحتاج لجوارش. والمعدة الخالية يكون صاحبها أقوى قلباً، وإذا نظرنا إلى الخيل في مضمار السباق؛ فإن الفرس الذي له كرش لا يستطيع أن يعدو، وإنما الذي يسبق الفرس المضمر الذي لا بطن له، وأصابته المخمصة. ومن أكبر الأدلة على مسارعة الصحابة إلى تنفيذ أمر الله واتباع رسوله ﷺ ، وعدم الاعتراض عليه ما ورد في حديث الأنصار بعد قسمة غنائم غزوة حنين، عندما جمع النبي ﷺ الأنصار وقال: لا يكن مع الأنصار أحد في هذه الخيمة، إذاً: الأنصار شعروا أن هناك خصوصية لهم، هذا أول ما فعله الرسول ﵊، ثم قال لهم: يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم! (قالوا: يا رسول الله! قد قالها حدثاء الأسنان منا -أي: أما حكماؤنا فما قالوها- قال: يا معشر الأنصار! ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله بي؟ ألم تكونوا متفرقين فجمعكم الله بي؟ والأنصار يقولون: الله ورسوله أمْنّ، ثم قال لهم: لو شئتم لقلتم: كنت طريداً فآويناك، وكنت، وهم يقولون: الله ورسوله أمَنَّ، قال: لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، الأنصار شعار -الشعار: هو الثوب الملاصق للبدن مباشرة، وتحرص في هذا الثوب أن يكون ناعم الملمس، فيريد أن يقول: أنتم قريبون مني مثل الشعار من الرجل والناس دثار -أي: الملابس التي لا تلامس الجسد- ألا ترضون أن يرجع الناس إلى بيوتهم بالدينار والدرهم، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ فبكوا وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسماً ونصيباً). فانظر إلى هذه النماذج المضيئة من الصحابة الكرام وتمام متابعتهم لنبيهم ﷺ ، يقولون: (أما حكماؤنا فما قالوها) الناس العقلاء. والرسول ﵊ يقول: (إني لأدع الرجل وهو أحب إليَّ)، وكان يعطي العطاء من يتألفه على الإسلام. يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: (كنت جالساً عند النبي ﷺ ، فجاء رجل فأعطاه النبي ﵊ عطاءً كبيراً، فجاء رجل آخر فأعطاه عطاءً أقل منه، فقال: يا رسول الله! أجزلت لفلان ولم تعط فلاناً، وإني لأراه مؤمناً. قال: أو مسلماً. فأعاد عليه سعد بن أبي وقاص هذه المقالة: إني لأراه مؤمناً. ورسول الله يقول: أو مسلماً، ثم قال: إني لأدع الرجل وأعطي العطاء من هو أقل منه؛ أكلهم لإيمانهم) لأن المؤمن إذا لم يعط لا يتضجر، بخلاف الرجل الذي

стр. 741

الفرق بين الشرط والركن هناك فرق بين الشرط والركن، فالركن: جزء من الشيء. ولنمثل مثلاً بالصلاة: فالركوع جزء من الصلاة، والسجود جزء من الصلاة، والقيام جزء من الصلاة، فهذه الأجزاء سميتها أركان: الركوع ركن، والسجود ركن، والقيام ركن، وتكبيرة الإحرام ركن؛ لأنها جزء من الشيء الذي هو: الصلاة. أما الشرط: فهو جزء مستقل عن الشيء، لكن لا يقبل العمل إلا به، مثل: الوضوء للصلاة، فنقول: الوضوء شرط لصحة الصلاة، ولا نقول: الوضوء ركن؛ لأن الوضوء شيء والصلاة شيء آخر، ولكن لا تقبل الصلاة إلا بهذا الوضوء الذي هو شرط. إذاً: الركن والشرط كلاهما ضروري في قبول العمل، لكن الركن جزء من العمل، والشرط ليس جزءاً من العمل، لكن لا يقبل العمل إلا بهما. ويشترط في العمل الصالح شرطان هما: ١ - تمام الذل لله . ٢ - كمال الحب. وأما المتابعة فهي ركن من أركان العمل الصالح.

стр. 742

نماذج واقعية من الطعن في نصوص الكتاب والسنة وترجع أهمية الحديث عن المتابعة إلى ما نلاحظه في زماننا هذا من محاولة التخلص من النصوص والتهكم بها، واختراع شيء جديد سموه: (روح النص)، (روح النص) له تعبير آخر في الأصول، وهو الدلالات الخفية، كدلالة الإيماء وغيره، لكنهم قصدوا بروح النص شيئاً آخر غير الذي يقصده علماء الأصول.

стр. 743

وضع قواعد وأصول فاسدة لرد النصوص وتجهيل العاملين بها نحن أمام مدرسة لتجهيل النص، وتجهيل العاملين به، ومحاولة الخلاص من النص، حتى النص الصريح يبتكرون له قواعد ينسفونه بها، وهي قواعد أهل البدع قديماً، فأهل البدع لما وجدوا ضربات أهل السنة قوية أرادوا أن يتترسوا فماذا فعلوا؟ جعلوا قواعد، والقواعد هذا مثل متاريس الحرب، فأول ما يأتي أهل السنة يردون عليهم يختبئون فيها، والقواعد هذه ألفوها من عند أنفسهم، كلما تقول له حديثاً يقول لك: هذا الحديث آحاد ماذا يعني (آحاد)؟ لماذا ترده؟ يقول لك: أصله آحاد، والآحاد معناه: ما رواه الواحد والاثنين والثلاثة، والواحد من الممكن أن يغلط. مثلاً: أبو بكر الصديق معصوم؟ -لا. ليس بمعصوم. يمكن أن يخطئ؟ نعم. يمكن أن يخطئ. إذاً: ما الذي يدلك على أنه لم يخطئ في هذا الحديث؟ فيخاف الإنسان قليل العلم، ويحس أن المسألة عويصة، لكن رد عليه بنفس أسلوبه فقل له: حسناً: ما الدليل على أنه أخطأ؟ لو أننا مشينا بهذه الصورة التي هم يمشون بها سنغلق أبواب الشهادات، الرجل الذي يأتي يشهد أمام القاضي: قل (والله العظيم أقول الحق)، فيقول: والله العظيم أقول الحق. لمن هذا المال؟ يقول: لفلان. إذاً: خذه يا فلان. فأعطى المال بحلف الرجل لفلان. ولو أن الرجل الآخر أتى بشاهد مثله فسوف يقول له نفس الكلام، وبهذا تضيع الحقوق! إذاً: هناك فرق ما بين الشيء هل وقع حقاً أم هل يجوز أن يقع عقلاً؟ هناك فرق بين المسألتين، مثلاً: هل: الله قادر على أن يخلق رجل بمائة ألف رأس أو غير قادر؟ قادر، ويخلق في كل رأس مائة ألف فم؟ قادر، ويخلق في كل فم مائة ألف لسان؟ قادر، ويخلق لكل لسان مائة ألف لغة؟ قادر، لكن هل وقع؟ لا. إذاً: هناك فرق بين الجواز العقلي والوقوع الفعلي، ولا نخلط بينهما، فالعقل من الممكن أن يذهب إلى أبعد ما تتخيله مما ليس له ظل على الواقع. فنحن نقول: الأصل أن هذا الرجل -طالما أن العالم ثَبْتٌ وجليل- فإنه لا يخطئ، إلا إذا أقمت الدليل على أنه أخطأ، والأصل أن الرجل -الذي وقف أمام القاضي ليشهد على قضية- أنه عدل إلى أن يأتي رجل يجرحه، ويقول: هذا الرجل مجروح؛ لأنه يشرب الخمر، أو لأنه ساقط المروءة، أو أنه عاق لوالديه أو نحو ذلك. فإذا لم يأتنا جارح فالأصل فيه العدالة، وهذا ما قاله عمر بن الخطاب ﵁ في كتاب القضاء الذي أرسله إلى أبي موسى الأشعري فقال: (والمسلمون بعضهم عدول على بعض إلا مجلود في حد، أو مجرب عليه شهادة زور). إذاً: الأصل في المسلمين العدالة بالنسبة للشهادة. إذاً: أنت تمضي شهادته، مع احتمال أن يخطئ. كيف وهذا يجوز على رسول الله ﷺ لما جاء رجلان يختصمان على حق، كل يدعي أن الحق له، فقال: (إنما أنا بشر، وأقضي بينكم على نحو ما أسمع) يعني: قد يكون أحدكم له لسان قوي يقنعني أنه صاحب الحق، وصاحب الحق سفيه أو ضعيف، أو لا يستطيع أن يفصح، فحقه يذهب، ومع ذلك أنا عندما أعطي الحق لغير صاحبه؛ فأنا لم أخطئ، قال: (إنما أنا بشر -وهذا رسول الله ﷺ أقضي بينكم على نحو ما أسمع، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من الآخر، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار. فبكى الرجلان، وقال كلاهما: حقي لأخي يا رسول الله). فأنت لما ترى أن الرسول ﵊ من الممكن أن يقضي للمبطل لأنه ألحن بحجته؛ إذاً: نحن أولى وأولى، ولم يقل له الرسول ﵊: إن لسانك فصيح فمن المحتمل أن تكذب، ولذلك أنا لا أعطيك الحق؛ لأنه سيقول نفس الكلمة للرجل الآخر. وضاعت الحقوق. إذاً: هناك فرق ما بين الجواز العقلي وبين الوقوع الفعلي، ونحن الآن نناقش الوقوع الفعلي. وأنت تقول: إن الصحابي يمكن أن يغلط، ف السؤال هل عندك دليل أنه أخطأ، إذا لم يكن عندك دليل أنه أخطأ فلابد من إمضاء قوله؛ لأن هذا الكلام يسري على واضع هذه القاعدة نفسه، كلما يقول شيئاً؛ أقول له: أليس من الجائز أنك أخطأت في وضع القاعدة؟ إذاً: أنت معصوم؟ فيقول: لا. فأقول: أليس من الجائز أنك أخطأت في وضع القاعدة؟ فيقول: من الجائز أن أخطئ. أقول: وما الذي يؤمنني أنك لم تخطئ في وضع هذه القاعدة؟ إذاً: نحن استخدمنا هذه القاعدة ولم يبق قول لقائل في الدنيا. فأهل البدع يقومون يوضع قواعد من عند أنفسهم يتقون بها ضربات وهجوم أهل السنة. فيأتي -مثلاً- يقول لك: أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقيدة. لماذا؟! يقول لك: لأن العقيدة لابد من اليقين فيها. الله لا يعبد بشك أو باحتمال. إذاً: لابد أن نقبل إما نص قرآني وإما حديث متواتر عن الرسول ﵊. حسناً نحن جئناكم بالقرآن الذي هو قطعي الثبوت ولم يسلم من تأويلكم، وقد نقله الكافة عن الكافة، دعونا من السنة الآن وننظر في القرآن المنزل، ماذا فعلتم بالقرآن؟ أولتم القرآن، ما يؤمنني أنني إذا جئتك بحديث متواتر فعلت فيه مثل ما فعلت في القرآن، وأولت اللفظ بذاك التأويل الباطل: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] يقول لك: لا. ربنا ليس له يد؛ إذ لو كان له يد إذن: يشبه المخلوقين، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وما خطر ببالك فالله على خلاف ذلك. حسناً قول الله تعالى:: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] يقول لك: لا. الله ليس له عين؛ إذ لو كان له عين إذن شبهناه بخلقه. كذلك حديث النبي صلى الله ﵊: (يضع الجبار قدمه في النار) أو (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) يقول لك: لا. ليس له إصبع وليس له قدم لماذا؟ يقول لك: لأننا لو أثبتنا له القدم لشبهناه بالخلق. نقول: لماذا تقيسون الشاهد على الغائب؟ قياس الشاهد على الغائب من أبطل الباطل؛ لأنه يشترط في القياس التماثل، ولابد أن يكون هناك نظير ينطبق على نظير، لكن الضد على الضد لا يكون قياساً، كقياس الليل على النهار قياس باطل، وقياس النار على الماء قياس باطل، كذلك أنتم تقيسون الشاهد على الغائب لماذا؟! حسناً: خذوا هذه الرمية: الله حيِّ؟ يقولون لك: نعم. وأنا حيِّ؟ يقولون لك: نعم: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه حياة الله ، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] هذه حياتنا نحن كلنا. إذاً: أنت حيِّ والله حيِّ فكيف؟! يقولون لك: لا. حياته غير حياتنا؛ لأنه لا يقدر أن يقول: إن الله ليس بحيِّ. أليست هذه مثل تلك؟ له يد كما يليق بجلاله كما أن له حياة تليق بجلاله، حياة كاملة، ونحن حياتنا تليق بقدرنا، كذلك أيدينا تليق بقدرنا، كذلك سمعه سبحانه يليق بقدره، كذلك سمعنا يليق بقدرنا وهكذا خذ جميع الصفات، فإذا قرأت قوله ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، هذا نفي، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] إثبات، فنفى المثلية وأثبت لنفسه السمع والبصر. إذاً: نفهم من الآية: أن كل الصفات الثابتة لله تحت قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:١١]، فله يد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وله إصبع ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] وهكذا. فأصحاب البدع إذا أرادوا أن يبتدعوا بدعة؛ وضعوا لها قواعد وأصولاً ليتقون بها أدلة أهل السنة.

стр. 744

شاعر يتهم الله بالنوم نشر أحد الشعراء ديوان شعر ما رأيناه، لكن عرفناه عن طريق أحد الحمقى، فقد اختار بعض نماذج شعرية من هذا الديون لينشرها بين المسلمين، ويبشرهم برجل صاحب خيال شعري جديد، فكان مما ذكره في المختارات المنتقاة؛ هذه العبارة البتراء الشوهاء، التي قال فيها ذلك المارق: (الله في مدينتي ينام على الرصيف). فأنكر عليه! فقال: لا. الله هنا كناية عن الفضيلة، أنا أقصد أن العدالة والنزاهة والفضائل نائمة على الرصيف، بينما الرذائل تسكن الفنادق خمسة نجوم. فنقول حسناً: لفظ الجلالة. لو فتحنا أي قاموس لغوي فهل من مفرداته ما ذكره الرجل؟ الألفاظ قوالب المعاني، فإذا جاز لك أن تخترم اللفظ ذهب المعنى، وإن اخترمت المعنى لم يدل عليه اللفظ، إذاً: هذا لعب، وهذا اللعب يمكن أن يمتد إلى الدنيا كلها، كرجل -مثلاً- يسب رجلاً، ويأتي أمام القاضي: فيقول: لا. بالعكس أنا مدحته، أنا قلت له: يا ابن السوداء، والسواد نصف الجمال، فأنا ما قصدت أن أذمه بل أمدحه. فبهذا تضيع الدنيا، ولا يعرف الفرق بين المدح والذم ولا بين السب، وغير السب إذا جاز اللعب بالمعاني والألفاظ بهذه الطريقة. ولفظ الجلالة لا يجوز استخدامه بهذه الصيغة إطلاقاً، لأنه علم على الذات الإلهية: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فلفظ الجلالة له خاصية، وهي: أنه الكلمة الوحيدة التي إن رفعت منها حرفاً لم يتغير معناها: (الله) ارفع الألف تكون (لله)، ارفع اللام تكون (له)، ترفع اللام تكون (هو)! وبالإضافة إلى ذلك هو اسم علم غير مشتق، وهذا هو أوجه الأقوال، وقول كثير من العلماء أنه مشتق من (أله) فهو (إله)، لكن هو اسم جامد على الذات الإلهية، والعلماء الذين ذهبوا هذا المذهب يقولون: (إن الذين قالوا بالاشتقاق قالوا: إن لفظ الجلالة الأصل (له أو لاه)، ثم أضيفت الألف واللام للتعظيم فصارت (الله). فرد عليهم العلماء الآخرون وقالوا: لا. الألف واللام في لفظ الجلالة أصلية، ولم تدخل للتعظيم. ونحن إذا أردنا أن نفرق ما بين الألف واللام وهل هي أصلية أو غير أصلية ندخل عليها ياء النداء؛ فمثلاً: (الرحمن) هل تريد أن تعرف الألف واللام في الرحمن أصلية أو غير أصلية؟ تدخل عليها ياء النداء، إذاً: تكون (يا رحمن) ولابد أن تحذف الألف واللام، وهذا يدلنا على أن الألف واللام غير أصلية في الكلمة، وإنما دخلت للتعظيم. وكذلك (الرحيم): يا رحيم، (الرجل): يا رجل وهكذا، فكل اسم محلى بالألف واللام وتريد أن تعرف الألف واللام أصلية في أصل الكلمة أو دخيلة للتعظيم أو للعلمية أو نحو ذلك، أدخل عليها ياء النداء، فإذا أدخلت ياء النداء على لفظ الجلالة تصير (يا الله)، لم تحذف الألف واللام، وهذا يدل على أن الألف واللام في لفظ الجلالة أصلية، وهذا يرجح قول من يقولون: إنه اسم جامد علم على الذات الإلهية وليس مشتقاً. فلما يأتي رجل ويقول: (الله في مدينتي ينام على الرصيف) ثم يأتي يقول لك: أن قصدي الكناية والاستعارة إلخ. وهذا وهذا تجهيل للنص ورفع لدلالته، وفيه خرق متسع جداً في مسألة الاتباع، ونحن ينبغي أن نحول بين هؤلاء وبين ما يريدون.

стр. 745

المطالبة بتولية المرأة الخلافة وإبطال نصوص المنع أحدهم كتب مقالاً يتكلم عن الخلافة العظمى ورئاسة الجمهورية، وأن المرأة يجوز لها أن تتولى رئاسة الجمهورية، وهو يعلم حديث الرسول ﵊: (لن يفلح قوماً ولوا أمرهم امرأة) فيأتي ويضع هذا الحديث جانباً أو يزعم أنه مكذوب. ووالله إن الإنسان ليتعجب عندما يسمع عن امرأة لبنانية، عنست وهي عازبة، تكتب في "جريدة الحياة" حصل نقاش في المجلة في باب (أنت تسأل والمفتي يجيب)، وكان المفتي أحد الباحثين المهتمين بالعلم، فوصلت إليه رسالة من قارئة تقول: هل صحيح أن النبي ﷺ قال: إن النساء أكثر أهل النار؟ فقال: نعم. هذا صح في البخاري ومسلم، وجاء الرجل بالأحاديث. وفي الأسبوع التالي أرسلت المرأة مقالاً تستنكر فيه هذا الكلام. فتقول: كيف يكنَّ النساء أكثر أهل النار؟ من الذي صنع القنبلة الذرية غير الرجال؟ ومن الذي صنع الصواريخ والدبابات غير الرجال؟ من هم الذين أضاعوا الكون غير الرجال؟ والحروب التي قامت بين العراق وإيران، من سببها إلا الرجال إلخ ما ذكرت. وتقول: والنساء ماذا فعلن؟! المفروض أن الرجال هم أكثر أهل النار؛ لأنهم هم الذي ضيعوا الدنيا، والنساء ما فعلن شيئاً، وأضف إلى ذلك أن هذا الكلام ليس مقنعاً لماذا؟ لأن الشيخ ذكر الحديث فقال: (إن الرسول ﷺ في العيد وعظ النساء، وقال للنساء: تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فجعلت المرأة تلقي القرط من أذنها والمرأة تلقي بالخاتم، فقالت امرأة: لم يا رسول الله -لماذا النساء أكثر أهل النار؟ - قال: لأنهن يكثرن اللعن، ويكفرن العشير، إذا أحسن إليها الدهر، ثم رأت سوءاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط). فتقول المرأة اللبنانية: فهل يعقل أن الرسول -أبو الذوق كله- في يوم العيد، بدل أن يقول لهن: كل سنة وأنتن طيبات، يقول لهن: أنتن من أهل جهنم وبئس المصير هل يدخل العقل أن الرسول أحسن الناس خلقاً يوم العيد يضجر عليهن ويقول لهن: رأيتكن أكثر أهل النار، بدل أن يقول لهن: كل سنة وأنتن طيبات، ومن العائدين إن شاء الله. فتقول: هذا الكلام ليس مقبولاً، والرسول ﷺ كان رجل ذوق، وظلت تدندن في هذه المسألة. فانظر كيف تعترض لتنتصر لأبناء جنسها؛ لأنها امرأة؛ فعظم عليها أن يكون أكثر أهل النار من النساء، وكأن هذه حقوق مثل الحقوق التي يريدون أن يأخذوها في الدنيا: أن المرأة لها مثل حقوق الرجل. فاليوم نحن أمام حملة للتجهيل، فهذا الرجل جاء ليزيل العقبات أمام تولي المرأة للحكم، فأي نص يراه يحيل بين تولي المرأة لرئاسة الجمهورية والخلافة العظمى لابد أن يرد عليه، إما أن ينسفه، وإما ينفي دلالته، وإما أن يقول: موضوع، ولابد أن ينفيه. فقال هذا الرجل: وأما قوله ﵊: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فإنه لم يحدث بهذا الحديث إلا أبو بكرة الثقفي، وحدث به بعد وفاة الرسول ﵊ بنيف وثلاثين سنة. حسناً: إلى ماذا يريد أن يصل بهذا الكلام؟ يريد أن يقول: إن أبا بكرة الثقفي افتراه وألفه؟ أو أنه يريد أن يقول: من شرط قبول الحديث أن الرجل عند موت الرسول يحدث بكل ما سمعه. فنقول له: إن الكلام يخرج لمقتضى، ولابد من حادثة حتى يخرج الحديث عليها، ويناسبها. وأبو بكرة الثقفي ﵁ قال هذا الحديث بسبب: ما حصل من الخلاف بين الصحابة بين علي ومعاوية ﵄. فعندما التقى الجمعان وأوشكت الحرب أن تبدأ؛ خطر لـ طلحة والزبير بن العوام ﵄ وهما من العشرة المبشرين بالجنة- أن يأخذا عائشة ﵂، وتقوم أمام الناس؛ لأنهم يبجلونها ويوقرونها فهي أمهم؛ هكذا ظنوا، فذهبوا إلى عائشة، وقالوا: أنت لو خرجتي سيكون هناك خير كثير، وستحقن دماء المسلمين، فرفضت عائشة كل ذلك، وهي تقرأ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] لكنهم في الأخير غلبوها على أمرها. وأي رجل فينا لا يسعه أن يفعل إلا ما فعلت عائشة، تصور أنك جالس في المسجد، وجاء إليك شخص يقول: هناك اثنان يتقاتلان بالسكاكين، وهما عند يرونك سوف يكفان عن القتال. فهل ستخرج أم تقعد؟ تخرج مباشرةً، فهذا هو الذي حصل لـ عائشة ﵂، ظنت بإقناع طلحة والزبير أنها عندما تخرج ويراها المسلمون ستضع الحرب أوزارها، فخرجت معهم واستمروا بالسفر، فمروا على ماء، فإذا بكلاب تنبح، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: هذا ماء الحوأب -بئر اسمها الحوأب-. فقالت عائشة: ما أظنني إلا راجعة لماذا؟ قالت: إني سمعت النبي ﷺ يقول لنا: (أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبح عليها كلاب الحوأب) والجمل الأدبب هو جمل عائشة، والذي بسببه سميت موقعة الجمل، والأدبب أي: كثير الشعر. فقالت: (ما أظنني إلا راجعة). فلا زال طلحة والزبير يرغبانها في حقن دماء المسلمين، فغلباها على أمرها ومضت عائشة، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، ومضت عائشة ﵂ وذهبت إلى هناك وقامت الحرب. فعندما رأى بعض الصحابة والتابعين عائشة في صف معاوية انحازوا لصف عائشة، وكما توقع طلحة والزبير أن كثيراً من المسلمين يبجلونها ويوقرونها فسينحازون إليها، فقام عمار بن ياسر يخطب، وقد كان يقاتل في صف علي بن أبي طالب -رضي الله عن الجميع- فخطب خطبة وقال: (والله إني لأعلم أنها زوجة رسوله في الجنة، ولكن الله أراد أن يبتليكم أتطيعونه أم تطيعونها؟) وهنا أبو بكرة روى الحديث وقال: قال رسول الله ﷺ : (لن يفلح قوماً ولوا أمرهم امرأة). مع أن عائشة ﵂ عقلها يزن بلداً، ولو حكمت دولة الآن لصارت هذه الدولة في السماء بالنسبة للموجودين، فعقلها عقل كبير، وعائشة ﵂ المعلمة، لما تقرأ كلامها في الأدب أو الشعر أو في الطب تقلب كفيك عجباً! منذ أن كانت في التاسعة إلى الثامنة عشر، -تسع سنوات- في بيت النبوة تنهل من العلم، والنبي ﷺ كان يحبها ويقربها، فحظيت منه بعلم ما لم تحظ زوجاته الأخرى، وتوفي الرسول ﵊ وعمرها ثماني عشرة سنة، وعاشت بعده أربعين سنة تبث العلم، ومع ذلك قام أبو بكرة الثقفي وقال هذا الحديث لأن مناسبته أتت. مثلاً أخرج مروان بن الحكم المنبر إلى المصلى في صلاة العيد، والمفروض أن الخطيب يخطب في مصلى العيد وهو واقف بدون منبر، وكذلك قدم الخطبة قبل الصلاة، والسنة أنه يصلي ثم يخطب، فـ مراون عكس الأمر -وهذا الحديث في صحيح مسلم- فقام رجل يقول: ما هذا الذي تفعله يا مروان؟ خالفت الرسول ﵊ وخالفت أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال له: (ذهب ما هنالك). فلما سمع أبو سعيد الخدري قول الرجل؛ قال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان). هل يمكن أن نقول: أن أبا سعيد الخدري ظل يكتم الحديث هذا في قلبه إلى أن أتى هذا الموضوع؟ لا. لكن ليس له مقتضى، كل كلام يخرج له مقتضى، والرسول ﵊ نفسه كان ينبه إذا وجد مقتضى التنبيه. فمثلاً: نحن ما كنا نعلم أن خاتم الذهب لبسه حرام للرجال، وأنه جمرة من نار إلا لما رأى الرسول ﷺ الرجل يلبس ذهباً. فهل يمكن أن يأتي رجل لا يلبس ذهباً ويقول له: (يعمد أحدكم إلى الذهب فيضعه في يده) فيقول له: أين هو يا رسول الله؟! فلابد أن يكون هناك موقف، والرسول ﵊ ما قال هذا الحديث إلا لما ظهر لهذا الكلام مقتضى حتى يقع الكلام موقعه. وإذا لم يكن للكلام مقتضى فيوجد له مقتضى حتى يقوله. كذلك كان رسول الله ﷺ يمشي هو وبعض الصحابة فوجد جدياً ميتاً أسك، -أي: مقطوع الأذنين- ملقى على قارعة الطريق، فقال لهم: (أيكم يشتري هذا بدرهم -والرسول ﵊ يسأل وهو يعلم أنه لا يستحق حتى فلساً- قالوا: يا رسول الله! والله لو كان حياً ما اشتريناه -لماذا؟ لأنه أسك مقطوع الأذنين- قال: أترون هذه الشاة هينة على أهلها؟ -يعني: لو كانت غالية عليهم ما رموها على قارعة الطريق- قالوا: نعم يا رسول الله. قال: والله للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها) فأوجد رسول الله للكلام مقتضى. فخلاصة البحث: أن كل كلام لابد أن يكون له مقتضى. أفيعاب أبا بكرة الثقفي أن قال هذا الحديث في هذه المناسبة؟ لا. لو لم تأتِ هذه المناسبة أو مثلها ما قال أبو بكرة هذا الحديث -والله أعلم- إلا أن يسأله سائل مثلاً، والسؤال مقتضى.

стр. 746

ثبوت اختلاف الصحابة في الفرعيات الصحابة رضوان الله عليهم كثيراً ما اختلفوا في الفقهيات، مثلاً حديث: (الوضوء مما مسته النار)، كان في أول الإسلام الذي يأكل أو يشرب شيئاً مسته النار لابد أن يتوضأ، ويعتبر من نواقض الوضوء، وبعد ذلك نسخ هذا الحكم. كان ابن عباس ليس عنده دليلاً، ولم يسمع الرسول ﵊ يقول: (لا تتوضئوا مما مست النار)، لكن ابن عباس عنده جدل عقلي، فجرت هذه المناقشة بينه وبين أبي هريرة كما في سنن الترمذي: قال أبو هريرة: قال النبي ﷺ : (توضئوا مما مست النار). -فقال ابن عباس: يا أبا هريرة! أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً. هل سآكل اللحمة نية؟ لابد أن نطبخها، وأيضاً هذا حلال. -يا أبا هريرة: أفلا نتوضأ من الحميم؟ افترضوا أننا الآن في برد قارس، ونريد أن نتوضأ بماء دافئ؛ لأننا لا نحتمل البرد، ونقوم بعد الماء الدافئ نتوضأ بماء بارد؟! إذاً: ما الذي فعلناه؟! قال ابن عباس: -أفلا نتوضأ من الحميم؟ وجعل يورد على أبي هريرة هذه الإيرادات، فقبض أبو هريرة ملء كفه حصى، وقال: أشهد بعدد هذا الحصى أنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار) يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال. انظر إلى الاتباع: (لا تضرب له الأمثال). كذلك حديث الرسول ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من منامه؛ فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) هذا الحديث رواه البخاري ومسلم، لكن لم يذكر البخاري العدد، كلمة (ثلاثاً) (فليغسلها ثلاثاً) هذه خلت منها رواية البخاري وثبتت في رواية مسلم، فيسن للرجل القائم من النوم إلا يحط يده في وعاء ماء مباشرة، ولكن يأخذ ماء ويغسلها -خارجاً- ثلاث مرات ثم يضعها في الماء. (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) فلو قال إنسان: أين باتت يدي؟! باتت بجانبي. فنقول له: إياك أن تقول هذا؛ لأنه ثبت -كما ذكر النووي في بستان العارفين بسند صحيح- أن رجلاً تلي عليه هذا الحديث فقال ضاحكاً: أين باتت يدي؟! باتت إلى جانبي، فأصبح ويده محشورة في دبره! وهناك سند صحيح آخر ذكره النووي في بستان العارفين: (أن هناك رجل سمع حديث النبي ﷺ : (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع) فلبس نعلاً خشبياً -مثل القبقاب- وجعله له مسامير من تحت، فقالوا له: ما هذا يا فلان؟ قال: أخرق أجنحة الملائكة. قال: فيبس -شل-). وهذه القصة إسنادها صحيح كالشمس، وهذه عاقبة الذي يضرب لأحاديث النبي ﷺ الأمثال لماذا؟ لأنه قد يكون الحكم تعبدياً لا علة له، يعني: أنت لما تأتي تقول لي مثلاً: (فإنه لا يدري أين باتت يده) طيب ما هي العلة؟ أقول لك: يا أخي! إذا لم تجد له علة؛ فهذا تعبد تعبدك الله به ليبتليك، فأنت عبد تسمع وتطيع، وليس كل شيء لابد أن نفهمه، فهناك أشياء يبتليك الله بها ولا تفهم لها معنى لينظر التسليم، كما في الحجر الأسود، فقد جاء عن عمر بن الخطاب الملهم المعلم أنه قال: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) فـ عمر بن الخطاب لم يفهم أي علة لتقبيل الحجر إلا المتابعة. كذلك السعي بين الصفا والمروة، لماذا نسعى بين الصفا والمروة؟ أم إسماعيل ﵍ سعت؛ لأنها كانت تبحث عن ماء، فلماذا نحن نسعى وإذا كانت هي تسعى في وسط جبل فالمسعى الآن صار من رخام، وأصبح هناك تكييف مركزي فلماذا نسعى؟ ما العلة في السعي؟ نقول: أنت مأمور بهذا، وهذا شيء تعبدي لابد أن تفعله وإن لم تفهم له معنى. فالرسول ﵊ يقول: (فلا يغمسها في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده). فأحدهم يقول لـ أبي هريرة: يا أبا هريرة! ماذا نفعل بالمهراق. أي: هذا في الوعاء والإداوة، فلو كان هناك بئر كبير. أي: أنه لا يضع يده في مثل هذا الماء القليل لأنه يتنجس، فقال له: افرض أن الماء كثير كأن يكون هناك بئر عظيمة. فماذا نفعل بالمهراق يا أبا هريرة؟ فحصده أبو هريرة وقال: أعوذ بالله من شرك. هل أبو هريرة لم يفهم الكلام؟ لا. لكنه كان يؤدب: (يا ابن أخي! إذا حدثتك عن رسول الله ﷺ حديثاً فلا تضرب له الأمثال). أبو هريرة رد على ابن عباس المقالة لأنه ليس معه دليل، كان معه جدل عقلي، وهذا لا ينفع، فالنص لابد أن تأتي بنص في مقابله، فروى ابن عباس بعد: (أن النبي ﷺ كان يتعرق عرقاً -كان يأكل لحمة- فجاءه رجل، فآذنه بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ) وطبعاً هذه اللحمة مطبوخة قد مستها النار، فنفهم من هذا: أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار كما في حديث جابر وغيره. واختلافهم في القضايا الفقهية كثير جداً، لكن لن نجد لهم اختلافاً في العقيدة، فمثلاً: أبو سعيد الخدري روى حديث (يوم يكشف الجبار عن ساقه) كما في صحيح البخاري ومسلم، ولا نعلم أن أحداً قال: ما معنى ساقه يا أبا سعيد؟ الله لا يشبه بخلقه. ولا رد عليه الحديث في العقيدة إطلاقاً، ردوا على بعض في الأحكام الشرعية، ولم يرد بعضهم على بعض في العقائد إذاً: هذا أدل دليل على قبول خبر الواحد الذي لم يعلم عنه إنه غلط في النقل. فأهل البدع وضعوا كل هذه الأصول؛ ليحولوا بين الناس وبين اتباع الرسول ﵊، وهذا أول قدح في الاتباع، فنحن ينبغي علينا أن ننتبه، فلا تأخذ دينك من الجرائد ولا المجلات، ولا تأخذ الفتاوى من الجرائد والمجلات والإذاعات، ولا تأخذها إلا من عالم ثقة، تثق في دينه وعلمه؛ لكثرة الخبث والجهل. والحمد لله! فنحن نرى رجوعاً حميداً إلى دين الله ، فكل يوم ينظم ركبان جدد إلى ركب الإيمان والمؤمنين، فهذه الصحوة المباركة ينبغي أن يصاحبها نهضة علمية وأخلاقية؛ حتى لا يحصل خلل في وسط هذه الجماهير. فاتباع الرسول ﵊ فرض؛ لقول الله ﵎: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 747

الأسئلة

стр. 748

حكم لبس النقاب السؤال هل النقاب فرض أم سنة مؤكدة، وإذا كان فرضاً فنرجو أن تذكر بعض الأدلة؟ ولماذا اختلف العلماء فيه مع أن الفرض لا يختلف فيه؟ وإذا كان سنة مؤكدة فهل علي إثم إذا ارتديته ثم خلعته؟ الجواب بالنسبة للنقاب للعلماء فيه قولان: القول الأول: باستحباب النقاب، وهذا القول معناه: جواز كشف الوجه. والقول الآخر: بوجوب ستر الوجه، وهذا معناه: وجوب النقاب. وأنا لا أريد أن أقف طويلاً على هذين القولين، لكن أقف على ما هو أهم، وهو ما ورد في سؤال السائل: إذا كان فرضاً لماذا اختلفوا فيه؟ فنقول: إن الأدلة إما أن تأتي بالأمر المباشر المجرد، ولا يكون هناك صارف، فهذا لا خلاف بين جماهير العلماء على أنه يفيد الوجوب. والخطاب من فوق إلى تحت: فيه الأمر الذي يفيد الحتم والإلزام. والخطاب: من تحت إلى فوق: طبيعته التوسل. والخطاب من الند إلى الند: مطلق الطلب. مثلاً: إذا قال الرئيس لأحد مرءوسيه: لا تخرج من هذا الباب واخرج من ذاك، أو قال له: اخرج من هنا. فهذا فعل أمر، فإذا خالف المرءوس وقال: أنا فهمت من كلامك أن أخرج من أي باب أحب. إذاً: ضيع الأمر. ولو قلت لابنك: ذاكر! فقال لك: (ذاكر) هذه أنا أفهمها ذاكر أو العب أنت حر إذاً: ضيع الأمر. فطبيعة الأمر من فوق إلى تحت أنه يفيد الحتم والإلزام؛ لأنه فوق، وهناك هيمنة وسلطة. وطبيعة الأمر من تحت إلى فوق تفيد التوسل، فأنت مثلاً إذا دعوت الله فقلت: (رب اغفر لي). (اغفر) فعل أمر، هل أنت تأمره أن يغفر لك أم تتوسل إليه؟! هذا توسل، فلما تقول: (رب اغفر لي، رب ارزقني، رب اجبرني، رب عافني) كل هذه أفعال أمر لكنها تفيد التوسل. وإذا كان لك نظير وند فطلبت منه شيئاً؛ فيكون هذا على سبيل الطلب، كما قال علي بن أبي طالب في الأقسام الثلاثة هذه: (أحسن إلى من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره). إذاً أحسن إلى من شئت، ويد المحسن هي العليا. إذاً: طبيعة الأوامر من الله ورسوله ﷺ تقتضي الإلزام، وأنه لا خيار لك في ترك الفعل، هذا النوع الأول من الأوامر. والعلماء متفقون على أن هذا النوع يفيد الوجوب ولا خيار لك، لكن إذا جاءك أمر من فوق ألا تفعل، وجاءك أمر من فوق افعل، فثبت الأمران من فوق، يقول العلماء: إن هذا يدل على جواز الفعل أو الترك، فالرسول ﵊ مثلاً قال لـ عمر: (يا عمر! لا تبل قائماً) إذاً: هذا يدل على النهي عن البول قائماً، ورغم ذلك رآه حذيفة بن اليمان يبول قائماً، فكيف ينهى عن الشيء ويفعل عكسه؟! العلماء قالوا: الفعل هذا يدل على أن النهي لا يفيد التحريم، إنما -ينزل تحت- يفيد الكراهة، إذاً: الجواز لا ينافي الكراهة، إذاً: فعل النبي ﷺ يدل على الجواز إذا أمن العبد الرذاذ -رذاذ البول- واستدبر الريح واحتاط لنفسه، ولا تبُل قائماً إذا كان المكان صلباً أو الريح تأتي عليه فيخشى أن يأتي عليه الرذاذ إذاً: كل حديث له ظروف وملابسات. فنحن نقول في مسألة النقاب: وآية الأحزاب ظاهرة في مسألة النقاب: أن المرأة يجب عليها أن تغطي وجهها، لكن وردت أحاديث أخرى فيها ما يدل على أن المرأة كانت كاشفة لوجهها. فالعلماء الذين قالوا باستحباب تغطية الوجه -يعني: بجواز كشف الوجه واستحباب النقاب- ما قالوها تشهياً من عندهم، إنما صرفوا الوجوب عندهم بدليل، مثل حديث جابر بن عبد الله لما قال: (جاء النبي ﷺ في يوم العيد وقال: يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار. فقامت امرأة سفعاء الخدين وقالت: لم يا رسول الله؟) إلى آخر الحديث، فقوله: (سفعاء الخدين) يدل على أن خدها كان مكشوفاً، وإلا ما عرف جابر أهي شوهاء أم حسناء. وكذلك حديث أن الفضل بن العباس كان خلف النبي ﷺ ، وجاءت امرأة عند المنحر تسأله، وكان المرأة وضيئة وكان الفضل كذلك، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فيلوي النبي ﷺ عنق الفضل، فيرجع فينظر، فيلوي عنقه، فيرجع فينظر، فيلوي عنقه، فقال العباس: يا رسول الله! لويت عنق ابن عمك. قال: (رأيت شاباً وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما) إلى آخر هذه الأحاديث. فالخلاف في هذه المسألة خلاف معتبر، لكن طائفة من العلماء الذين قالوا باستحباب النقاب قالوا: إذا كان الزمان زمن فتنة فيجب عليهما أن تستر وجهها. إذاً: نحن -نسأل الله العافية- في زمان كله فتن، ونتجاوز مثل هذا الأمر ونقول للمرأة: إذا كان هذا يدنيك من الله شبراً واحداً فلا ينبغي للمرأة العاقلة أن تقصر فيه، رب حسنة واحدة يحتاج إليها العبد، ويقرع سنه ندماً أنه ما تبسم في وجه أخيه لكان حصل على الحسنة هذه، أو كان أفضى من دلوه في دلو أخيه كان حصل على هذه الحسنة، فنحن في سباق إلى الله ﵎، والعاقل هو الذي لا يركن إلى قولهم: مستحب؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبتدرون الأمر. والله أعلم.

стр. 749

حكم وضح الخطوط في المساجد لتسوية الصفوف س السؤال ذكرتم في شريط بعنوان (الأخذ بالأسباب) أن وجود الخط في المساجد لتسوية الصفوف من البدع؟ الجواب نعم. أنا قلت هذا، وما أدري هل الأخ السائل سمع الشريط بإتقان، أنا بسطت الحجة في هذا الشريط، والحجة باختصار: أن هناك قاعدة عند العلماء تقول: (إذا كان للشيء مقتضى على زمان رسول الله ﷺ ولم يفعله فلا يجوز لنا فعله، أما إذا كان الشيء ليس له مقتضى على عهد النبي ﷺ ، وليس هناك نهي خاص به، وفيه مصلحة للمسلمين؛ فيجوز لنا فعله). القاعدة مبهمة -طبعاً- ومغلقة بهذا السرد، لكن أنا أوضحها بمثالين: وضع الخيط لماذا وضعناه؟ لتسوية الصف. حسناً تسوية الصف هذه مهمة من؟ مهمة الإمام، ما شددنا الخط على الأرض إلا بعد أن أهمل الإمام مهمته، تجده يقول: استووا. وقفاه للمصليين، والسنة: أنه لا يقيم الصلاة إلا إذا مر على الصفوف، ويرسل أحداً يكمل، حتى إذا قال له: استوت الصفوف؛ يصلي. وهذا الحكم ورد في صحيح البخاري في حديث عمرو بن ميمون الأودي وهو يروي قصة مقتل عمر بن الخطاب، وهذا الحديث تجدونه في الجزء السابع من فتح الباري في مناقب عمر بن الخطاب، قال: (وحتى قال عمر: (استووا، وأرسل من يسوي الصف، حتى إذا قالوا له: استوى الصف، كبر، فما هو إلا إن قرأ حتى قال: طعنني الكلب، أو قال كلمة نحوها) فهذا تلقاه عمر بن الخطاب ﵁ من الرسول ﵊. فالإمام هو الذي ينبغي أن يساوي الصف، فلما أهمل الإمام مهمته، ولم يقم بما أوجبه عليه رسول الله ﷺ من تسوية الصف وغير ذلك؛ بدأنا نفكر في ضبط الصف بأن نشد خطاً على الأرض. حسناً: أليس كان بمقدرة الرسول ﵊ أن يشد حبلاً أو يخط خطاً على الأرض؟ كان بمقدرته أن يفعل ذلك. حسناً: هل كان مقتضى الخط موجوداً؟ نعم. وهو تسوية الصف؛ لأن شد الخط للتسوية، فالتسوية هي مقتضى شد الخط أو شد الخيط، إذاً: كان له مقتضى، وكان مقدوراً له أن يفعله ومع ذلك لم يفعله، فدل ذلك على أنه لا يجوز لنا أن نفعله، إذ لو كان جائزاً لفعله من قبلنا. أما إذا كان لم يكن للشيء مقتضى على عهد النبي ﵊، ولم يكن هناك نهي خاص عنه، ولنا فيه مصلحة، فهذا جائز لنا فعله، مثل: إشارة المرور، فإشارة المرور هذه كان لها مقتضى على عهد النبي ﷺ ؟ لا؛ لأنه لم يكن هناك سيارات، ولم يكن هناك طرق معبدة ولا مرصوفة، إذاً: فإشارة المرور لم يكن لها مقتضى، فهل ورد تحريم أو نهي عنها؟ لا. لم يرد نهي عنها. فهل تسبب لنا مصلحة؟ نعم. إذاً: يجوز فعلها، وهذا هو الفرق بين البدع وبين المصالح المرسلة والله أعلم.

стр. 750

حكم مرتكب المعصية المصر عليها السؤال بعض أهل العلم يقولون بكفر فاعل المعصية المصر عليها، وأن التوبة شرط لكي يعود مسلماً من جديد؟ الجواب أما الرجل المصر على المعصية، وهو يعلم أنها معصية فهذا مستحل، وهذا كفره ظاهر، كأن يقول: الربا أنا أعلم أنه حرام لكنني سآكله، والزنا حرام لكنني سأفعله هذا واضح الاستحلال فيه، فلا شك في كفر مثل هذا الرجل. أما مسألة المعصية غير المصر عليها فلا يكفر بها بطبيعة الحال، وهو مسلم حتى وإن عصى، فكلمة يرجع للإسلام من جديد إذا كان قيد الكلام بالاستحلال فهذا لا شك فيه، رجل استحل المعصية وهو يعلم أنها معصية وفعلها واستحلها هذا يكفر ويخرج من الملة؛ حتى يرجع إلى الإسلام ولابد أن يتوب ويغتسل وينطق بالشهادتين، ويرجع إلى الإسلام من جديد والله أعلم.

стр. 751

إذا ضيعت الأمانة الأمة الإسلامية اليوم تعيش في بعد عن دينها، وتخلف بسبب الجهل المخيم على كثير من أبنائها، وما تلاه من نشوء فكر العلمانية في عقول كثير من بني جلدتنا، مما زاد الأمة بلاءً فوق بلاء الجهل والابتداع، لذلك نحن بحاجة إلى شباب وجيل مؤمن يحطم وثن العلمانية بكل ما أوتي من قوة، ويمحو ظلام الجهل بنور العلم والبصيرة.

стр. 752

نظام البورصة في تدمير الاقتصاد إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. فإنه ينبغي أن أكون أنا على قناعةٍ بصحة ما أفتي به العامي، فالعامي يعطيك المسألة وأنت تبحث وتسأل، وتعطيها له وتتحمل تبعاتها، من الذي يشعر بعظم المسألة؟! أناسٌ كثيرون جداً، جاء علي شهر كامل أجد الهاتف كله منشغلاً، كل الناس يسألون عن البورصة، وأنا لم يكن لدي فكرة أن هناك في الدنيا شيء اسمه (البورصة)، وعندما سألت وجدت البلاء المستطير ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤]. البلاء المستطير الموجود هو بسبب البورصة، وأنت عندما تسأل أي إنسان هذه الأيام، يقول لك: هناك حالة ركود في البلد، سلع كثيرة جداً نزلت السوق، السيارات والأجهزة المعمرة والمواد الغذائية كله موجود لكنها خسارات فادحة؛ لأن البورصة نظام يهودي، شركة جديدة في مصر عرضت السهم بستة وخمسين جنيهاً، وبعد ستة أشهر فقط ارتفع ثمن السهم إلى خمسمائة وستة وخمسين جنيهاً، أي: لو أن رجلاً وضع مائة ألف جنيه في البورصة لأصبح معه خمسمائة ألف جنيه في ستة أشهر، فلا أحد سيبني بيتاً أو يعمل شيئاً؛ بسبب إغراء هذا الربح. فلماذا لا أضع مائة ألف جنيه ثم بعد ستة أشهر آخذ أرباحها خمسمائة ألف، المائة ألف التي كنت سأتصرف بها آخذها من رأس المال وأجعل أرباح المال تمشي وهكذا. الناس يعتقدون أن الدولة مشرفة على البورصة فلن تفلس لا، الذي يقبض المال هم اليهود، وهذا بنك الاعتماد والتجارة! ما كان يخطر على البال أن هذا البنك سيفلس يوماً ما، هذا بنك شيوخ الخليج! الذي لو الدنيا افتقرت كلها لاعتمدوا عليه، وعجزوا حتى الآن أن يرفعوا البنك أو يعيدوا البنك مرة أخرى. اليهود أكلوا ونهبوا وانتهى الأمر، هم أباطرة المال في الدنيا! وكل مخزون الناس من المال يبتدئ يظهر في البورصة، وفي الأخير أنت لا تعلم كيف تمشي الأمور! هذه الأموال انتهت كلها، وبالتالي اقتصاد البلد كله يدمر؛ لأن كل الأموال الموجودة مع الخلق خرجت تشتغل. قضية البورصة -مثلاً- بحاجة إلى كثير من العلماء لكي يجيبوا على أسئلة الخلق، لا بد أن يفهموا أولاً عمل البورصة، ويصير عندهم فقه في أعمال البورصة، لكي تكون الفتوى صحيحة، فلو أتاك رجل من الناس وماله بيده، وإذا به واقف على الباب: يا شيخ! أرجوك أن تفتني. لا بد أن يسأله: هذه البورصة كيف تشغل هذا المال؟ كيفية العقد في الأرباح؟ أنا لا أريد عالماً جاهلاً، هناك عالم جاهل ببعض المسائل، لكنه يقول: هذه المسائل ليست موجودة عندي اسأل غيري فالمسألة تحتاج إلى كثير من العلماء في كل بلد. إن اليهود يريدون أن يشغلوا الناس حتى يأتي الرجل إلى المسجد فلا يجد من يقول له: من أنت؟ ومن أين جئت؟ هو عنده حرارة، وإخبات، وعنده فكرة عظيمة رائعة لكل الناس الذين يرتادون المساجد. حتى أن شخصاً منهم يقول لي: الناس الملتحين هؤلاء كالملائكة، يدخل المسجد ويأتي بهذه العاطفة، يظل سنة أو سنتين أو شهراً أو شهرين ثم يهرب، ولم يكلف بشيء، ولم يقل له أ؛ د: اعمل كذا أو اترك كذا وبعدما يهرب يبدأ يرى بعض المشاكل الموجودة بين المسلمين، والأصولات البذيئة الموجودة بين المسلمين، يبدأ يهرب ويسوء ظنه، فيصعب جداً إصلاحه بعد ذلك. فالمقبلون على الله بهذا المال الحرام كثير أين الدعاة إلى الله ؟ هم الذين يصلحون أمثال هؤلاء، ويقيمونهم على طريق الله ، فهي محنةٌ من أعظم المحن. فهذه مدينة حلوان، كم مليون فيها؟ مليوني نسمة، كم فيها من الدعاة؟ انظر المحنة! لا جواب، هل ينفع هذا الكلام؟ أربعة أو خمسة لمليوني شخص؟! حلوان كم فيها أطباء؟ مئات، أليس كذلك؟ ومع ذلك المئات لا تكفي لعد سكانهم.

стр. 753

أهمية تربية الشباب على الدعوة والشعور بالمسئولية وكيف لو شعرت الجماهير بحقيقة المحنة ولم يسأل رجلٌ نفسه هذا السؤال حتى يقول لابنه: يا بني! أنت وقفٌ لله، أوقفتك كما أوقف مصحفاً أو أوقف سبيل ماء، أوقف هذا الولد الذي أنفقته لله هو الوحيد الذي في رصيدك، كما قال ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ثم ذكر: وولدٌ صالح يدعو له). قال العلماء: قيد ذكر الولد بالصلاح للدلالة على أن غير الصالح لا يلحق بأبيه، فالولد غير الصالح ليس من نسلك: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فكل ولدٍ فاسد لا ينسب إليك ولا تستفيد منه، فالله إنما ذكر ميلاد موسى وكيف ربى موسى لفرعون لنتعلم هذا، والله كان قادراً على أخذ فرعون أخذ عزيز مقتدر لكنه يعلمنا كيفية الصبر، يربيه ويتدرج موسى ﵇ ثم يخرج إلى مدين ثم يرجع إلى فرعون نبياً.

стр. 754

شبهات العلمانيين لا يدفعها إلا الدعاة من الذي يرد على الشبهات الموجودة الآن في الساحة؟ شخص الآن يتكلم على حد الرجم، ولله در عمر بن الخطاب ﵁، كأنما كان ببصيرته يخترق حجب الغيب، قال -كما في صحيح البخاري- (لقد رجم رسول الله ﷺ ، ورجم أبو بكر، ورجمتُ، فأخشى أن يطول بالناس زمان، فيقول أحدهم: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله). وذكر أنهم كانوا يقرءون فيما كانوا يقرءون من القرآن آية الرجم، وأنها رفعت، فعندما يتكلم إنسان على حد الرجم في الصحف ويقول: إن حد الرجم هذا غير صحيح، وأنه جاء في أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يعمل بها؛ والعجيب أن المعتزلة لا يقبلونها في العقيدة دون الفقه، هذا شيء في آخر الظلم. يقول: هذه أخبار آحاد، وكيف نريق الدماء بهذه الصورة البشعة، والإسلام لا يدعو أبداً إلى ذلك، المعروف أنه إنما يرجم الزاني المحصن والرجل المتزوج إذا زنى يرجم بأن تحفر له حفرة في الأرض، ثم يرجم، ويبقى وسطه في الأعلى بحيث يكون ظاهراً على الأرض، ثم يرجم بالحجارة في رأسه إلى أن يموت، هذا هو حكم الله في الزاني المحصن. فيقول هذا: الإسلام يدعو إلى الرأفة والرحمة حتى بالحيوان، وقال ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتل أحدكم فليحسن القتلة، وإذا ذبح فليحسن الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)؟ يقول لك: انظر إلى رأفة الإسلام! إن الحيوان الأعجم الأبكم لا تحد هذه السكينة أمامه؛ لأن هذا خلاف الرحمة، حد الشفرة واذبح مباشرةً؛ لأن تعذيب الحيوان ليس من الإحسان، قال: هذا وهو حيوان، وهذا مسلم موحد، فكيف تأتي بحجر وتضربه وربما يظل يموت ساعة! والله أعلم الذي يضربه هل يضرب بضربة تؤلمه أم لا؟ يظل يرمي خمسين مرة ويأتي بحجرة أخرى ويرمي، والآخر يتعذب ما هذا؟ وهل هذا شرع؟! وهذا لا يعقل، فهل الحيوان يرحم ويقول: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) ويجعل المسلم الموحد يقتل رمياً بالحجارة؟! لا يمكن الفعل هذا! الشبهة هذه جميلة! وعندما يكون الإنسان لا علم عنده ينطلي عليه مثل هذا الكلام، لكن عندما يوجد كوادر من أهل العلم تردع مثل هذا؛ الجماهير تكون في مأمن وعندها أمان، لأنه أول ما تظهر شبهة كلهم يتكلمون، ويغطون هذه الشبهة، وهي شبهة من أسقم الشبه وأتفهها؛ لأن الله ﵎ لا يشرع الشيء إلا لحكمة، وكل أوامره حكمة. الحيوان الأبكم الأعجم ما المصلحة في تعذيبه؟! لا مصلحة على الإطلاق، لذلك قال:: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). لكن هذا المجرم الآثم الذي اعتدى على عرض أخيه هو لم يقدر المصيبة التي وقعت في المجني عليها، يعني: المسألة كلها ليست عليه، هو في استمرار في منهج الانحراف، والمجني عليه والمعتدى عليها هذه.

стр. 755

طريق الدعوة والتربية طويل نحن نفهم من هذا أن طريق الدعوة طويل ويحتاج إلى صبر، وكل المصائب التي وقعنا فيها منذ القديم سببها العجلة، فالمسألة تحتاج إلى صبر خمسين سنة، الجيل المفرط الخائن يموت أو يحال إلى التقاعد، والجيل الواعد يملك، المسالة مسألة إحلال وإزالة، يكفي أن هذه الصحوة ليست من نتاجهم، فما أخذت الالتزام لا من البيت ولا من المدرسة ولا من الشارع، نحن أمة وجودنا على الأرض أحياء آية من آيات الله إذ ليس عندنا جهاز مناعة، ومعروف أن جسم الإنسان إذا أصيب الجهاز المناعي عنده يموت بأقل مرض، وهو مرض الإيدز، هذه الأمة جهازها المناعي ضعيف جداً جداً، ومع ذلك انظر الأمراض والضربات في كل لحظة ومع ذلك لا زالت حية. إذاً: هذه الصحوة ليست من نتاجهم، إنما أرادها الله للتمكين، وهو المتفضل على هذه الأمة بهذا الجيل، وإن كان هذا الجيل ليس أهلاً أن يمكن؛ لأنه تربية الجيل الذي فرط، فيه خبث! ما زال نقلوا وورثوا الضعف إليه مثل ما ورثوا الماء، لكن ولدك سيكون خيراً منك إن شاء الله؛ لأنك أبوه. إذاً: المسألة مسألة وقت، فأنت مثلاً عندما تكون بجانب جرعة ماء، وهذه الجرعة ليس فيها قطرة ماء، ما الذي يحصل؟ ترى القش والريش والحطب ينزل، وإذا بالجيف تمر عليك، ما الذي يحصل؟ جيف تصير بجانبك من الأرق، صحيح أنت عطشان الآن لكن اصبر؛ لأن معنى أن الجيف تمشي أي: أن الماء وصل، وهو الذي دفعها، فاصبر قليلاً، حتى تمر الجيف كلها فيأتي الماء الصحيح، فهي مسألة وقت فقط لا غير، والوقت يحتاج إلى صبر، لأن العجلة خسرتنا كثيراً، الذي ينظر إلى الصعيد يبكي، الرحلة في الصعيد تبكي، النقاب في الصعيد لا يوجد، الصعيد الرجال، الذين كنا لما نقول: النقاب يعني المفروض أن الالتزام بالنقاب، الالتزام واللحى خاص بالصعيد. اذهب مصر تنظر إلى المحنة وحجم المحنة، كل هذا سببه العجلة. فمعنى أن المسألة تحتاج إلى وقت أي تحتاج إلى صبر، وإعداد الكوادر العلمية لسد هذا النقص يحتاج إلى صبر، لكن لابد أن يكون هناك جدية في العمل، وطريق إعداد الكوادر العلمية طريق طويل، لكن ينبغي أن تتنبه الجماهير إلى هذا النقص والعجز الموجود في الكوادر العلمية. هناك عالم اسمه بدر الدين الزركشي، رأت فيه أسرةٌ تتمذهب بالمذهب الشافعي مخايل النجابة والذكاء، فعرضت عليه أن تزوجه وتبني له داراً، وتعطيه راتباً بشرط أن يتفرغ لنصرة مذهب الإمام الشافعي وتصنيفه، وقد كان ﵀! أفلا نكون لسنة رسول الله ﷺ مثل هذه الأسرة الناصرة للمذهب الشافعي؟ أنت إذا كان لك مال، اذهب إلى عالم أو رجل موثوق فيه ببلدك أو بحيك، وقل له: رشح لي طالباً أو اثنين أو ثلاثة من طلاب العلم أنفق عليهم، ويجلسون في البيت، وأوفر له المراجع الأساسية، فما من رجل يهتدي على يديه إلا وأنت قسيمه في الأجر، يقول النبي ﵊: (الدال على الخير كفاعله) هذه وظيفتك! أنت رجل تاجر صحيح، لكن وظفت مالك لدين الله ، لأن تنفق على الفقير أحياناً، وأنت لا تراقبه، فقد يستعين بمالك على معصية الله ، فأنت عندما تعطيه المال ولا تراقبه، ولا ترى مخالفات، لا تستثمر مالك في الناحية الدعوية المفروضة، أنا رجل أعطي أي رجل مالاً فيجب علي أن أتعاهده، إذا وجدته لا يصلي أقل له: يا أخي صل. أولادي لا يصلون آمرهم بالصلاة، إذا كان هذا الرجل محتاجاً سيستجيب لك، وبهذا تكون أنت استفدت مرتين. وفي شرح أصول السنة لللالكائي أن بعض العلماء -ولعله ربيعة الرأي - دخل عليه وهو يبكي: قالوا: ما يبكيك؟ قال: استفتي من لا علم عنده، وهذا أول الخلاص كما ذكرت؛ فأصبح الآن إيجاد طلاب العلم ضرورة.

стр. 756

الأسئلة

стр. 757

نقد كتاب: العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي السؤال ما رأيكم في كتاب "العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي"؟ الجواب هذا الكتاب يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة. والحقيقة يؤسفني كثيراً أن الكاتب لم يكن أميناً في النقل، أحياناً يأتي بعبارة يقتصها من سياق الكلام، ولا تؤدي المعنى الذي لو وضعه في السياق لتغير المعنى. وهو ليس من الكتب الموثقة التي يرفع المرء لها رأياً والله أعلم. والمسألة فيها اجتهاد، وتحتاج إلى يقرأ الإنسان الكتاب ويتمهل.

стр. 758

حكم تقديم الهداية بمناسبة مرور سنة من العمر السؤال هل يجوز تقديم الهدايا بمناسبة مرور سنة من العمر بدون أي احتفالات؟ الجواب طيب، أنا سأقول لكاتب هذا السؤال: رجل دنا من أجله سنة يبكي أم يفرح؟! إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يومٍ يدنينا من الأجل كلٌ يوم يمر أنت تقترب من أجلك، فينبغي أن تحزن وتحذر، سأل الفضيل بن عياض رجلاً، قال: كم مضى من عمرك؟ قال: مضى ستون عاماً. قال له: أنت منذُ ستين سنة وأنت سائرٌ إلى الله. فانتعش الرجل وقال: إنا لله! وما العمل؟! لأنه ما عنده خبر أنه راحل إلى الله ، قال: وما العمل؟ قال: أحسن فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى، لأن الأعمال بالخواتيم. فالرجل عندما تمر عليه سنة ينبغي أن يحاسب نفسه: ماذا فعلتُ لله ﵎؟ هل أنا فعلاً أعددت لهذا الموت؟ سيجد النتيجة -بكل أسف! - أنه غافل، فهذا ينبغي له أن يبكي، لا أن يحتفل، وبأي شيء يحتفل؟! المفروض أن يبكي ندماً على ما فرط من عمره. وأنا أقول لك: اعمل لله ومت حيث شئت، كن عاملاً لله وانتظر الموت. نسأل الله أن يحسن خاتمتنا وإياكم أجمعين.

стр. 759

الأصل في المسلم الإسلام ما لم يأت بناقض السؤال رجل يرى أن يتوقف في الحكم على رجل يصلي بالكفر أو بالإسلام مع أنه يصلي تنفلاً نرجو أن توضحوا هذه المسألة؟ الجواب الأصل في الناس الإسلام، لقول النبي ﷺ : (كل مولودٌ يولد على الفطرة) ولقول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] ولقول الله تعالى في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين). فالأصل في الناس الإسلام، فلا يجوز أن ينقل رجل عن هذا الأصل إلا بناقل، والناقل: أي كفر ناقض للتوحيد ينقل، وهذا الناقل عن التوحيد قد يكون صريحاً جداً وقد يحتاج إلى تأويل، فإذا وجدت رجلاً لا أعرفه، جاء فدخل المسجد فصلى، فهذا لا يجوز ألبتة أن تتوقف في الحكم له بالإسلام، إذا كان الأصل هو الإسلام، ثم أتى بما يدل على أنه مسلم، فكيف تتوقف في الحكم له بالإسلام؟! بل لو رأيته يفعل أفعال الكفر فلا تكفره حتى تعلم لماذا فعل، كأن تكون رأيت رجلاً يسجد لصنم، الفعل كفر بلا شك، والسجود لغير الله كفر، لكن ليس بلازم أن يكفر الفاعل؛ لاحتمال أن يكون جاهلاً بالقضية، ولاسيما إذا كنا في زمان ليس فيه علماء السنة، الجهل رايته ترفرف خفاقة في كل مكان، فمظنة وجود العلم صحيح فحينئذٍ نسأل، هناك بعض الناس يقول: هل هذه القضية تحتاج إلى بيان؟ أقول لك: نعم، لأن هناك ما هو أطم من ذلك. رجل عمره ستون سنة، وهو يصلي منذ خمسين سنة، لكنه يعتقد أن الاستنجاء لا يكون إلا من الغائط أما إذا تبول فليس ضرورياً أن يستنجي! فكان يبول ولا يستنجي، ويدخل يتوضأ ويصلي، أظن أن هذه المسألة من الذي يتردى فيها؟ إنك لتتألم أن ترى المفارقات العجيبة في بيئة الجهل وفي زمان الجهل. قد يسجد رجل لرجل، ويرى أن هذا من باب الإكرام، جاهل! بعض علماء السوء من أصحاب الطرق الصوفية، قالوا: إن هذا لا إشكال فيه، أن يقبل الأرض، ولذلك يقولون: (قف أدبا قف أدبا وقبل الأرض إن الشكر قد وجباً)! هم يقولون هكذا، إذا زرت قبر النبي ﷺ ، من الذي يقول هذا الكلام؟! من الذي سن للمسلم أن يذهب فيقبل الأرض عند الرسول ﵊؟! هذا شخص قد نظمها شعراً، ونظر أن هذا من الأدب، وهم يقولون: هذا من المريدين الجهلة، الذين لا يعرفون أبجديات التوحيد، فشخص من هؤلاء يعتقد أن هذا هو دين الله ، وأن العلماء الربانيين هم العلماء له، فهو ما فعل ذلك لا كفراً ولا رضاً بالكفر، لكن يظنه بنظرة الجاهل أن هذا هو الحق. فنحن عندما نرى رجلاً يفعل هذا، نقول له: أنت ما حملك على أن فعلت ذلك؟ يقول: أنا فعلته أدباً واحتراماً. قل له: يا أخي! لا تفعل، لأن السجود لا يكون إلا لله. لكن إذا قال لي: أنا أعبدك، أجعلك إلهاً. نقول: هذا كفر، وأنت كافر فاخرج من هذا!. الرسول ﵊ لما جاء معاذ بن جبل من الشام، ووجد الناس يسجدون لأساقفتهم، قال: ماذا تعملون في الرجال؟ قالوا: نوقرهم ونحترمهم، قال: هؤلاء أهل النار تحترمونهم، والرسول ﷺ لا نحترمه، فهو أولى أن نحترمه، فجاء إلى النبي ﵊، فأول ما رآه خر ساجداً! قال: (ما هذا يا معاذ؟! قال: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يسجدون لأساقفتهم، فأنت أولى أن أسجد لك، قال: يا معاذ! إن السجود لا يكون إلا لله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها). فانظر الرسول ﵊ عندما يرى مثل هذا الفعل -وهو فعل كفري بلا شك- فيستفسر منه لماذا فعلت؟ إذاً: الرجل إذا لم يأت بناقض للإسلام، بل أتى بما يعضد إسلامه -والأصل أنه مسلم- فلا بد أنك تتوقف في الحكم عليه، هذه هي بوابة التكفير، وخالف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.

стр. 760

حكم لبس القميص والبنطلون السؤال هل لبس القميص والبنطال حرام؟ إن كان حراماً فأت لي بالدليل؟ الجواب بالنسبة للبس البنطلون الشيخ الألباني ﵀ يقول: إن لبسه حرام؛ لأنه ليس من أزياء المسلمين، إنما جاءنا من الكافرين، أضف إلى ذلك أن البنطال يجسم العورة، ولذلك أفتوا -حتى الذين يقولون بعدم حرمة البنطال- بكراهة الصلاة في هذا البنطلون لهذه العلة: أنه يجسم العورة. الشيخ ابن باز بلغني عنه أنه قال: إن هذا جائز لماذا؟ لأن هذا مما عمت به البلوى في ديار المسلمين، فهذا جائز لكن تكره الصلاة به للعلة السابقة. فأنت إذا اضطررت إلى لبس البنطال لتذهب الجامعة أو إلى العمل -ولا يسمحون لك إلا بذلك- فلا جناح عليك أن تذهب به، لكن إذا رجعت إلى بيتك فاخلعه والبس قميصاً، فالعلماء الذين يقولون: (الضرورة تبيح المحظورات)، يضيفون قاعدة فقهية أيضاً إلى جنب هذه، فيقولون: (الضرورة تقدر بقدرها). يعني: الضرورة تبيح المحظورات ليست على إطلاقها، رجل عطشان سيموت من العطش وبينه وبين الماء كيلو متر مثلاً، فأمامه خمر، فالعلماء يقولون: لا يجوز له أن يشرب الخمر كله ويملأ بطنه ولكن يشرب من الخمر بقدر ما يوصله إلى الماء، وكذلك إذا أكل الحرام يأكل بقدر ما يوصله إلى الطعام الحلال؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات ليس على إطلاقها، إنما تقدر هذه القاعدة بقدر الضرورة وحجمها وزمانها والله أعلم.

стр. 761

معنى قوله سبحانه: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) السؤال ما معنى قول الله : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]؟ الجواب إذا قرأ سياق الآيات يعرف مباشرة أن هذه إهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] أي: يا من كنت تدعي العزة والكرامة -وكانت لك في الدنيا- ذق، فهل لك من عزة أو كرامة الآن؟! والعلماء يقولون: إن هذا أحد أدلة التعريض والغمز، نحن نعلم أن الترخيم يدل على اللطف، عندما أقول لك مثلاً: أسامة، فأناديك: يا أسيم، وعائشة، كان النبي ﷺ يناديها: يا عائش. الترخيم: هو حذف جزء من الكلمة، والمقصود به التلطف، لكن لو وجد في السياق إهانة فنحن نقول: إنه ليس على سبيل الكرامة بدليل السياق، يعني: قول الله في الحديث القدسي الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يسأل رجل يوم القيامة، فيقول الله له: أي فل! ألم أذرك ترأس وتربع، وأزوجك النساء وأكسبك الخيل؟ فأين شكرك؟ قال: أي رب! نسيت، فقال: فاليوم أنساك). فقول الله : (أي فل) اختصار لـ (فلان) وهو ترخيم، فالسياق هو الذي يوضح المعنى، إذا كان المقصود به إكرام أو المقصود به إهانة. وهذا مثل نضربه في هذا البحث: كان هناك شخص ذكي جداً بعث لأهله علبة كبريت أيام اختراع الكبريت، وقال لهم: هذا اختراع حديث وجميل، بدلاً من أن تضربوا حجرين ببعض لتخرج شرارة لأجل أن تشعلوا بها فلا تستدركونها، هذا عود كبريت وبأقل احتكاك ينتج حرارة لا بأس بها، فالناس التفوا حول علبة الكبريت وظلوا يشعلون أعواد الكبريت عوداً عوداً، فلم يشتعل شيء، فأبلغوه أنه لم يشتعل أياً من هذه الأعواد، فاستغرب وقال: كيف يحدث هذا، أنا جربتها عوداً عوداً!! (إذاً: هذا ذكي جداً) فهل أنا قصدت ذكي جداً أو قصدت غبي جداً؟ فالذي عرفني أنه غبي جداً القصة التي أوردتها، فإذاً: هذا اسمه: (باب التعريض والغمز). أنت عندما تسمع كلمة ظاهرها الكرامة وتنظر إلى سياقها، تعرف إذا كان السياق يخدم ظاهر الألفاظ أو كان العكس، والله أعلم.

стр. 762

حكم تنظيم النسل السؤال ما حكم اتخاذ وسيلة لتنظيم النسل بعد السنتين؟ الجواب هذا جائز؛ لأن هذا قائم مقام العزل، والعزل جائز بلا شك.

стр. 763

حكم إزالة الشعر من وجه المرأة السؤال إزالة الشعر من لحية المرأة وشاربها هل يدخل في النمص المنهي عنه؟ الجواب المسألة فيها ثلاثة مذاهب، وأرجح أقوال العلماء هو: أنه يجوز للمرأة أن تأخذ شعر وجهها إذا كان لها لحية أو كان لها ما يشبه ذلك، وخص أكثر العلماء النهي بما في الحاجبين وما بينهما، أما إزالة الشعر سائر جسمها ووجهها فهذا على رأي أكثر العلماء جائز، والله أعلم.

стр. 764

حكم مس الجنب والحائض والنفساء للمصحف السؤال ما حكم مس المصحف من الجنب أو الحائض والنفساء؟ الجواب الذي عليه جماهير العلماء منع مس هؤلاء للمصحف، لكن يجوز للجنب والحائض والنفساء أن يقرءوا القرآن وأن يجري على ألسنتهم، هذا لا شيء فيه لكن بدون مس.

стр. 765

نصيحة للنساء اللاتي منعن من النقاب في المدارس والجامعات السؤال ورد أكثر من سؤال عن النقاب وأن المنتقبات منعن دخول المدارس والجامعات، وما هي النصيحة التي ننصحها للمنتقبات في مثل هذا؟ الجواب نحن نقول للأخوات المنتقبات: أنتن على ثغرٍ من ثغور الإسلام، والحرب دائرة على كل الجبهات، حتى النساء دخلت أيضاً في المعارك، فلا ينبغي للمرأة المسلمة أن تخذل إخوانها من المسلمين لاسيما إذا كان الأمر منوطاً بها. نحن نقول للفتاة المسلمة: لا تتردد على الإطلاق في ترك الجامعة إذا خيرت بين نقابها وترك الجامعة، لا تتردد على الإطلاق في ترك الوظيفة إذا خيرت بين الوظيفة والنقاب، وكذلك المدارس، ولا تتردد البنت على الإطلاق لماذا؟ لأن النقاب ليس مجرد ستر الوجه، النقاب أصبح علامة، فنحن نناشد الأخوات بالله ﵎ أن لا يشمتن بنا الأعداء، وليقبلن هذا التحدي. وآخر الأسئلة التي عرضت علي هذا الأسبوع أن رجلاً وامرأته ضربوا ابنتهم المنتقبة حتى سببوا لها آلاماً شديدة ولياً في الذراع، وقالوا لها تهديداً: لن تذهبي إلى الجامعة. فقالت: أنا أرضى ألا أذهب إلى الجامعة. فلما قالت هذا الكلام انهالوا عليها ضرباً أيضاً لماذا؟ لأنها أصبحت في السنة الثالثة في الجامعة أو السنة الثانية، وهي مصرة على ألا تخلع نقابها! نحن نقول للآباء: لماذا تفعلون ذلك؟! لهم حجة واهية، وهي: أنه لا تلبس النقاب حتى تتزوج لماذا؟ لأنها إذا انتقبت فلن يتقدم لها خطاب. والحقيقة أن النقاب أسرع وسيلة للزواج الآن، الذي يريد أن يزوج ابنته مثلاً وما أتى إليه أحد ينقبها؛ لأن الخمار لم يعد علامة الالتزام الآن، تجد المرأة المختمرة يتقدم لها الإنسان المدخن، والإنسان الذي لا يصلي؛ لأن الخمار لم يعد علامة الالتزام، إنما الذي يذهب إلى المنتقبة صنفٌ واحد فقط. أنا لا أتصور في عقلي ولا أتصوره أيضاً في عقولكم أن يذهب رجل لا يصلي ويتزوج منتقبة، إذاً: المرأة المنتقبة تحفظ نفسها وتختار زوجها من خلال النقاب، لأن الذي سيتقدم لها إنسان يتقي الله ﵎، إنسان وجهته معروفة، وهي بذلك تحصن نفسها، لأن النقاب وسيلة لتحصين النفس، وهذه نصيحة للمرأة. أما هؤلاء الآباء الذين يجبرون بناتهم على خلع النقاب لأجل هذه العلة فنقول لهم: إن الزمان استدار، وأضرب لكم مثلاً: شخص ترك الوظيفة وذهب ليعمل في عمل استثماري، قال: إن مرتبه وصل إلى ألف وسبعمائة جنيه، في حين أن الوظيفة كان راتبه فيها ستة وسبعين جنيهاً، فترك الوظيفة بلا تردد -وهذه الواقعة أعلمها- فبكت أمه وقالت: يا ابني! هل يوجد أحد يترك مرتب الحكومة؟! يعني: أنت لو أنك الآن وأحببت أن تسافر، فهؤلاء الناس لن ينفعوك، لأن هذه القصة وهذا الكلام كان في الستينيات، يجد أن العاملات تتغير، صح النوم! والدنيا تغيرت، المعاش والكلام هذا الذي فات لم يصبح له قيمة على الإطلاق أبداً، يعني: هو سيأخذ من راتب شهرين أو ثلاثة أشهر رواتب سنتين في الحكومة، تجد بعض الناس يفكر بهذه العقلية، ولا زالوا أيضاً يفكرون بالنسبة للبنات بالعقلية القديمة، أنه على الدرجة الخامسة أو السادسة أو السابعة، ومعروف أن كل هذه الدركات لا قيمة لها، كانت في الماضي درجات أما الآن فهي دركات. فلذلك نحن نقول: إذا كنتم تطمعون في الدنيا فهاهي، الدنيا لهم وللمنتقبات أيضاً، إذاً: لا داعٍ لهذا الضغط، المرأة العفيفة التي استترت وحجبت نفسها رغبة إلى الله ورسوله لا ينبغي للأب أن يكون حجر عثرة. فأنا أقول للآباء: لو أنك في الآخرة من الصالحين، وأنت ستدخل الجنة مباشرةً، ربما تدخل النار بسبب ابنتك، لأنها أمانة في عنقك، أليست الزوجة أمانة في عنقك، أليس الأولاد في عنقك؟ فمن عجب رجل أن يصر رجل على دخول النار، وأن يعرض نفسه للمساءلة، فالاعتناء بالبنت يرفع عنك المساءلة، ويخفف عنك الحساب، فهي ابنة بارة بك ينبغي أن تقدرها. لا زلنا نقول: حربنا مع العلمانيين حرب ضروس، والحمد لله رب العالمين كسبنا كل الجوانب، ما خسرنا ولا جولة حتى الآن، وهذا الكم الهائل الذي نراه في المحاضرات ليس جهد الدعاة، جهد الدعاة لا يمكن أن يسفر عن هذا العدد أبداً، إنما هو الله ، هو الذي يرد الناس إلى دينهم رداً جميلاً، وإلا فالدعاة جهدهم أضعف مائة مرة من أن يكونوا هم السبب في رجوع كل هذه الجماهير. فالحمد لله! الانتصارات على كل الجبهات وعلى كل المحاور، لكن من طبيعة العلماني أنه يهضم انتصارك، ويبين أنك لم تعمل شيئاً، وأنك دائماً في تقهقر، ويصطنع انتصارات موهومة على جبهات أخرى، مثل عام (٦٧م)، يقول لك: وأسقطنا للعدو مائة طائرة، وهم قد أخذوا العلقة المحترمة على الأرض! فلا يحتاجون أن يطيروا ولا يعملوا شيئاً لماذا؟ يقول لك: هذا لابد منه لرفع الروح المعنوية. بيانات الحرب كلها كاذبة، المصائب والكوارث والزلازل والبراكين والسيول إلخ، كل الإحصائيات كاذبة وليس صحيحاً؛ لأنه لا يمكن أن يتطوع بذكر الرقم الحقيقي للمصائب، يقول لك: (النجاح له ألف أب، والفشل يتيم) الفشل يتيم لماذا؟ لأنه لا أحد يتبناه ويقول: هذا لي، أبداً، لكن النجاح له ألف أب، كل إنسان يقول: أنا الذي صنعته، فكذلك المصائب، كلها لا والد لها، يتيمة. فهم يصطنعون الانتصارات على جبهات موهومة، فيقوم أهل الحرب الذين ليسوا متحققين من المسألة أول ما تقع هذه الانتصارات الموهومة التي يذيعونها، وهم يملكون الإعلام مقروءاً ومسموعاً ومكتوباً، وعندهم القدرة على نشر كل الانتصارات على كل المحاور، قد يظنون أن هذا يفت في عضد أهل الحق، ويظنون أنهم خسروا جولات كثيرة. نقول لهم: لا، لو تقاتل بقوتك أنا أقول لك: أنت ستهزم، نحن متأكدون من النصر؛ لأننا نحارب إلى جنب الله ، هذا يجعلنا متأكدين (١٠٠%) أننا منصورون، قد لا نرى النصر بأعيننا، وهذا ليس مطلوباً منا أن نرى النصر في حياتنا، إنما المطلوب أن تسلم الراية خفاقة لا تسقط، هذا هو المطلوب منك فقط، طريق الدعوة طويل جداً، وهلكت فيه أمم في طريق الدعوة إلى الله، ولا زال في الطريق بقية إلى الله ، والكل مات. فالمطلوب أن تسلم الراية بأمان كما عظمتها من أول وهلة، لا تكن خائناً وتنفر، لكن اعط الراية إلى الذي يأتي بعدك. فنحن نقول للأخوات المنتقبات: هي فتنة، ومن نصر الله ورسوله في زمان الغربة ليس كمن نصره إذا جاء نصر الله والفتح.

стр. 766

حكم من علق اليمين بالحرام على زوجته إن دخلت منزله السؤال ما حكم من أقسم على زوجته أثناء مشكلة في منزل العائلة، أنها لو دخلت المنزل تكون محرمةً عليه، ولكنه مع الضغط عليه من أقاربه وأقاربها دخلت المنزل مرة ثانية، وكان يريد أن ينفصل هو وهي عن الزواج فما حكم هذا؟ الجواب صاحب القصة لا بد أن يسأل عن هذا السؤال؛ لأنه عندما أقول: أنت محرمة عليّ، فهذا كلامٌ يفتقر إلى نية، فنحن لا ندري أقصد الظهار أم قصد الطلاق، فالظهار حكمه معروف، والطلاق حكمه معروف. وهذه من الألفاظ التي تحتاج إلى الاستفصال من المتكلم فيها ماذا قصد؟ وماذا عنى؟ إذا كان قصد الظهار فحكم الظهار معروف، أما إذا كان قصد الطلاق فيقع الطلاق بمجرد دخول المرأة إلى البيت.

стр. 767

حكم تعري الزوجين عند المباشرة السؤال ما رأيكم في تعري الزوجين عند المباشرة؟ الجواب هذا جائز، وقد ورد في النهي عن ذلك أحاديث موضوعة: (لا يتجرد أحدكم مع زوجته تجرد العير -أو تجرد العيرين- فإن الله يمقت على ذلك) وهذا حديث مكذوب. وأقول هذا جائز لما جاء في الصحيحين أن عائشة ﵂ وهو في الصحيحين أن عائشة قالت: (كنت أغتسل مع النبي ﷺ ونحن جنبان تختلف أيدينا في الإناء أقول له: دع لي، دع لي) والمعروف أن الرجل والمرأة لا يغتسلان بالملابس ونحو ذلك، وحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك) فهذا جائز لا شك فيه.

стр. 768

المسافة الموجبة للقصر السؤال ما هي المسافة التي توجب القصر؟ الجواب القول المشهور عند العلماء هو ما زاد عن (٨٠ كم)، ومسافة القصر تحتاج إلى دليل، لأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أدخل مسألة القصر في العرف، وقال: ما كان في العرف سفراً فإنه يقصر، فلابد من ضبط العرف، ما هو العرف الذي تخصص به الأدلة الشرعية.

стр. 769

لا تبحث الأحكام والحدود إلا ببينة السؤال ما هي شروط اتهام أي شخص بالسرقة أو خلافه؟ هل لا بد من وجود البينة أم لا؟ وهل هذه البينة تكون بورق أم بشهادة أشخاص؟ وما رأيكم في من يتهم الناس بغير بينة، وإنا لله وإنا إليه راجعون؟ الجواب لا يجوز لأحد أن يتهم أحداً إلا ببينة: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) وهذه قاعدةٌ فقهية متفق عليها بين العلماء، فكل التهم لا تكون إلا ببينة، والدعاوى ما لم يقيموا عليها بينات أصحابها أدعياء إذاً: الدعوة إذا لم تقم عليها البينة يكون صاحبها دعياً لا يقبل قوله، لا عند القاضي ولا عند أي واحد ممن دونه أو ممن كان في منزلة القاضي أو كان في مكانه، وهذا شيء متفق عليه بين المسلمين، ولا نعلم أن قاضٍ من القضاة أنزل حكماً برجل إلا بعد أن يقيم الرجل المدعي البينة عليه.

стр. 770

التحلية من أصول التربية إن الغلو مفتاح كل شر، وأساس الشرك بالله ، وسبب في الابتعاد عن الطريق المستقيم وهدي سيد المرسلين؛ لذلك فقد حذر الله في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ من الغلو، فلم يترك سبيلاً إليه إلا سده وحذر منه، وإن من أخطر الغلو: الغلو في الأفاضل والمشايخ؛ لأنه ذريعة إلى الإشراك بالله كما حصل من قوم نوح ﵇، ولذلك كان النبي ﷺ يحذر أصحابه من الغلو فيه حتى في العبارات والألفاظ.

стр. 771

أصول التربية إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. فالتحلية من أصول التربية، قصدت بها أن أجمع ما تفرق في كتب العلماء عن أصول التربية، وللعلماء كلمة مشهورة يذكرونها في باب الأدب، يقولون: (علم بلا أدب كنار بلا حطب) (ونار بلا حطب. أي: لا نار؛ لأن النار لا تكون إلا بوقود. فقولهم: (بلا حطب): يعني: لا نار، وهذا يعني أن المرء إذا كان خلواً من الأدب فلا ينتفع في نفسه بعلمه، ولا ينفع غيره. وقد حرصت على نظم هذه الأصول في عبارات لطيفة خفيفة يسهل حفظها، فأذكر عشرة أصول، ولا أقول: إنني استوعبت أصول التربية بذلك، لكن هي من أصول التربية كما يبدو من العنوان، بل هي أصول من أصول التربية. الأصل الأول: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل. الأصل الثاني: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره. الأصل الثالث: ترك الاعتراض على الأكابر محمود، وكثرة المراء يورث الصدود. الأصل الرابع: من لم يصبر على جفاء أستاذه؛ تجرع الخسران بتصدع ملاذه. الأصل الخامس: تنكب في الخصومة حظ نفسك، واقهر هواك بإنصاف خصمك. الأصل السادس: من لم يخلع عنه رداء الكبر؛ ضل جاهلاً من مهده إلى القبر. الأصل السابع: وطالب العلم بلا وقار كمبتغ في الماء جذوة نار. الأصل الثامن: حسن العهد من الإيمان، والوفاء والود له ركنان. الأصل التاسع: من لزم التواضع والانكسار؛ فتح له بذاك وطار كل مطار. الأصل العاشر: ليس حمل أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك. فهذه أصول من أصول التربية، أحوج الناس إليها هم الذين يتصدرون في الدعوة إلى الله ﵎.

стр. 772

من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل فاعلم أيها المسترشد، طالب النجاة: أن الغلو هو مفتاح كل شر، ورأس كل ضر، وهو أحد أركان الكفر، وحسبك أن تعلم أن أول كفر وضع في الدنيا كان بسبب الغلو، كما رواه البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن عباس في ذكر الكفر الذي وقع في قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه خمسة أسماء لرجال صالحين من قوم نوح، فجاء الشيطان قوم نوح، فأمرهم أن يصوروا صور هؤلاء حتى لا ينسوهم، فلما مات الآباء وكانوا يعلمون حقيقة الأمر، وجاءت خلوف بعدهم -وهم الأبناء- لا يعرفون لماذا صور الآباء هؤلاء الناس، فقالوا: ما صور آباؤنا هؤلاء إلا ليعبدوهم، ومن هنا بدأ الغلو، فغلوا في هؤلاء الرجال حتى عبدوهم من دون الله ﵎، فهي أول أصنام وضعت على الأرض. ونحن نقرأ في سورة الفاتحة كل يوم مرات كثيرة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فطلبت من ربك صراطاً مستقيماً، واستعذت به من صراطين. وما من أمر يأمر الله به ورسوله ﷺ إلا وللشيطان فيه نزغتان: النزغة الأولى: إفراط، والنزغة الثانية: تفريط. فالنصارى: هم الضالون، واليهود: هم المغضوب عليهم، النصارى أكثر الناس غلواً في الرجال، ولذلك عبدوا المسيح؛ بسبب الغلو، ولم يذكر لفظة غلا أو النهي عن الغلو في القرآن غير مرتين، والخطاب موجه في المرتين إلى النصارى: في المرة الأولى: في سورة النساء، قال الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، هذا هو الموضع الأول. الموضع الثاني: في سورة المائدة، قال الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، قبل هذه الآية بآية؛ لتعلم أن الخطاب إنما وجه إلى النصارى، قال الله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥]، فالخطاب موجه إلى النصارى لماذا؟ لأنهم هم أكثر الناس غلواً؛ لذلك عبدوا المسيح ﵇.

стр. 773

نماذج من حياة علماء السلف في ترك الغلو في المشايخ هناك نماذج كثيرة جداً من العلماء والفقهاء، منها مثلاً أحد العلماء اسمه: موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة، أحد المحدثين الكبار، وهو من مشايخ أحمد وابن معين، وأدركه الإمام البخاري، وهو من كبار شيوخ البخاري. موسى بن إسماعيل التبوذكي وقد كان إمام الجرح والتعديل أبو زكريا يحيى بن معين ﵀ يجله غاية الإجلال، ويقول: ما هبت أحداً هيبتي للتبوذكي. وابن معين لم يكن يخاف من أحد، ومع ذلك يقول: ما هبت أحداً هيبتي للتبوذكي - موسى بن إسماعيل التبوذكي -. فقال له يحيى بن معين: يا أبا سلمة! حديثك عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر -وساق حديثاً في قصة الغار- هل سمعته من حماد؟ احلف لي على ذلك؟ - قال له: احلف لي على أنك سمعته من حماد -تقريباً القصة هكذا- فإن أصحاب حماد يخالفونك. - فقال له التبوذكي: كم سمعت مني؟ - قال له: سمعت منك ثلاثين ألف حديث. - فقال له أبو سلمة: صدقتني في ثلاثين ألف حديث وتكذبني في حديث، أشهد لسمعته من حماد، ولله علي لا كلمتك بعد ذلك أبداً. وأبى أن يكلمه، ولكنه حلف له أنه سمع. وكذلك أبو النعمان عارم محمد بن الفضل، عارم أخطأ في حديثين فرد عليه يحيى بن معين، فقال له عارم: لا. بل هو كما قلت أنا. فقال ابن معين: لا والله، بل كما قلت أنا. فقال له يحيى: قم هات الأصل. فدخل أبو النعمان وجاء بالكتاب فوجده كما يقول يحيى، وكان عارم محمد بن الفضل في حفظه زيف، فخرج من بيته ومعه الكتاب وهو يقول: من الذي ينكر أن يحيى بن معين سيد المحدثين؟! -أي: يعتذر عن هذه الملاحاة- من الذي ينكر أن يحيى بن معين سيد المحدثين؟! فلما يحصل نوع من الاعتراض على الشيخ -لاسيما إذا كان الشيخ مخطئاً ويرجع- يكسر حدة الغلو فيه، وإذا كان ناقصاً ويخطئ، ومن هو أدنى منه يسدده ويبين له أخطاءه؛ فهذا يكسر حدة الغلو فيه لأن الغلو مدعاة الكمال، وما غلا إنسان في إنسان إلا وهو يعتقد أنه فوق مستوى الناس، وهذا معنى شائك للغاية؛ لأن لدينا نماذج في علماء المسلمين شبيهة بهذا التعظيم، تجد مثلاً قول أحدهم: (والله ما جرأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي؛ هيبة له) وما ثبت عن بعض التابعين أنه كان يأخذ النعل ويعطيه لشيخه، يضعه تحت قدم شيخه فهذا أيضاً مدعاة للغلو، وأيضاً نماذج أخرى مثلما يحكيه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد أن الإمام أحمد كان يجلس تحت قدمي عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وكان عبد الرزاق شيخ أحمد يقول له: اجلس بجانبي، فكان يقول: لا، هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فهذا أيضاً مدعاة للغلو، فنحن وسط لا إفراط ولا تفريط ما بين الغلو المبتدع والتشريف والتبجيل إلا أن نقول: الغلو ممنوع؛ لأنه ليس في الغلو خير. إن الصوفية حازوا قصب السبق في الغلو في الشيوخ، ويتلوهم أيضاً الذين غلوا في الأئمة الكبار وقلدوهم حتى في الغلط، وما نشأت العصبية المذهبية في المسلمين إلا بالغلو في الشيوخ، وأعظم وأخطر سلاح يستخدمه الغالي أن يرمي المعتدل ببغض هذا الشيخ. فإذا قلنا: يا أخي! الإمام الشافعي ليس بمعصوم. يقول: أنت بهذا تطعن على الشافعي، أنت تكره الشافعي!! وإذا قلنا: الدسوقي رجل فاضل في ذاته، لكن ما يُفعل حول قبره لا يجوز، وهذا شرك بالله. يقولون: أنت بهذا لا يعجبك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! وإذا قلنا: إن هذا شرك لا يجوز، يقولون لك: (أنت تطعن في الأولياء)! إذاً: الغالي ليس معه إلا هذا السلاح: أن يرميك ببغض هذا الشيخ. وهناك كتاب اسمه (توشيح الديباج) في الفقه المالكي -جزء صغير- لـ بدر الدين القرافي، وبدر الدين القرافي غير شهاب الدين القرافي، فـ الشهاب القرافي هو صاحب كتاب الفروق وهو متقدم، وأما بدر الدين القرافي فمتأخر. من تشابه الأسماء: الزركشي، فهناك عالمان أحدهما حنبلي والآخر شافعي، فـ بدر الدين الزركشي شافعي، وشمس الدين الزركشي حنبلي، وهو شارح مختصر الخرقي في الفقه الحنبلي الذي شرحه ابن قدامة في المغني، وشرح شمس الدين الزركشي على مختصر الخرقي في سبعة مجلدات، وبدر الدين الزركشي شافعي، وهو صاحب كتاب: البرهان في علوم القرآن، وصاحب كتاب: البحر المحيط في أصول الفقه، وصاحب كتاب: المعتبر في تخريج أحاديث المختصر، الذي خرج فيه أحاديث مختصر ابن الحاجب. وبدر الدين القرافي -وليس شهاب الدين - يقول في كتاب: توشيح الديباج: نحن خليليون وأشهر مختصر للفقه المالكي هو لـ خليل بن إسحاق، ثم مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، والمختصر هذا في المذهب المالكي مثل مختصر الخرقي في المذهب الحنبلي. فـ بدر الدين القرافي يقول في توشيح الديباج: (نحن خليليون، ولو ضل خليل لضللنا). أي لو أن خليل بن إسحاق ضل فإنا لن ندعه أبداً. إذ لو علم أنه ضل لا أظن أنه يضل، فهو هذا الظن بالعلماء، حتى لو صدرت منهم عبارة نابية أو نشاز فلا تقبل، لكن ينبغي أن يحمل كلامهم على ما يناسب علمهم، إذ لو علم أنه ضل بيقين ما أظنه أبداً يتبعه وهناك من العلماء من يرى أن الحق في مذهبه مثل الجويني في (مغيث الخلق ببيان القول الحق) ألف هذا الكتاب لنصرة المذهب الشافعي، فرد عليه سبط ابن الجوزي بكتاب، وكذلك الخطيب البغدادي لما أورد في ترجمة أبي حنيفة ما يعاب به أبو حنيفة، مع أن الخطيب لم يقصد عيب أبي حنيفة، لكنه كمؤرخ يذكر كل ما قيل في صاحب الترجمة من حق أو باطل، هذه هي طريقة المؤرخ، وهي أن يورد كل ما يقع تحت يده مما يخص صاحب الترجمة، سواء كان بحق أو بباطل. فيرد عليه سبط ابن الجوزي بكتاب سماه (السهم المصيب لكذب الخطيب) ويرد عليه رداً شديداً جداً ومقذعاً للغاية مع أن الخطيب له أوسع الكتب في المسألة، والخطيب أورد في تراجم العلماء في تاريخ بغداد مثالب للعلماء، لا نقول: إن الخطيب كان يعتقد هذه المثالب، لكن هو كمؤرخ يورد بالسند الذي عنده كل ما يقع تحت يده مما يخص صاحب الترجمة.

стр. 774

الغلو في المشايخ سبب تفرق الأمة وتمزيقها وكذلك وجد في الأمة من عبد غير النبي ﷺ وهو ليس في كماله وشمائله وفضله، فالرسول ﵊ إنما نهى عن الغلو فيه حتى لا يعبدوه، فامتثل الصحابة لأمر النبي ﵊، ومضت خلوف وتوالت القرون، حتى رأينا الغلو في الرجال حائلاً دون وصول الحق إلى الناس، فغلت الصوفية أشد الغلو في مشايخهم، والشيخ عند الصوفية شبه إله، بل يكون إلهاً عند بعضهم! وقد قال لي رجل برهاني، ولم يأتِ ببرهان على ما يقول: أنا شيخي في السودان، وهو يراني الآن ويرى ماذا أفعل. ويتكلم بعقيدة، وقد حدث بيني وبينه مشادة، وإنما حدثت المشادة لما أظهرت له عوار شيوخهم، وهذه الطريقة سديدة: فإذا رأيت الرجل يكابر فافعل معه مثلما قال النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه) و (الهن): هو الذكر، (أعضوه بهن أبيه) والنبي ﵊ هو الذي علم الناس الأخلاق، وعلمهم مكارم وشمائل الصفات والنعوت، هو الذي يقول لنا ذلك. وقد سمع النبي ﷺ أبا بكر الصديق -في حديث المسور بن مخرمة يقول لـ عروة بن مسعود الثقفي لما قال: ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك- فقال له أبو بكر: أنحن نفر وندعه؟! أمصص ببظر اللات. ومع ذلك فالنبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر ﵁. وهذا يدل على أنه يجوز استعمال الغلظة لكن في موضعها. ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى يعني: المكان الذي يستحق أن تضع فيه الكلمة الشديدة ضعها فإنها حكمة ورحمة، والرسول ﵊ مرة قال لـ معاذ (ثكلتك أمك)، وهذا دعاء عليه، (ثكلتك أمك يا معاذ). فيجوز أن نستخدم الشدة مع المكابر الذي علمت -بعد إقامة الحجة عليه، والرفق به- أنه لا يرجع، فإذا غلب على ظنك بهذه الضوابط أنه لا يرجع، اكشف له المغطى. وأنا عندما تناقشت مع هذا الرجل كشفت له بعض الفضائح والمخازي التي ذكرها رجل من أعيان الصوفية، ولم أحك هذا عن أئمة السلف من العلماء، حتى لا يقال: كيف تروي مذمتي من عدوي؟ وإنما رويتها عن رجل من أشد المتعصبين للصوفية، وقد صنف هذا الكتاب -طبقات الشعراني- لإظهار كرامات الصوفية، فيذكر -مثلاً- في ترجمة واحد منهم يقول: (وكان ﵁ لا يمشي إلا عارياً) والذي يغيظني قوله: ﵁. كإنسان كان يقرأ في كتاب ويتعقب صاحب الكتاب، فقرأ عبارة فقال: أخطأ ﵀، وقرأ عبارة أخرى فقال: أخطأ ﵀، وجاء على عبارة لا تحتمل فقال: كفر ﵀ فما لازم ﵀؟! وقد حكم عليه بالكفر؟! فيذكر صاحب الطبقات مصيبة من المصائب ويقول لك: (وكان ﵁ لا يمشي إلا عارياً، وكان ﵁ يأتي البهائم) كل كبدة ومخ ضاني واقرأ الفاتحة للشعراني ولا يجوز عندهم مخالفة الشيخ ألبتة، وأعظم أبواب الحرمان -عندهم- أن تخالف الشيخ. الاعتراض عند الصوفية هو الداء العضال الذي يلي الكفر بالله مباشرة، مع أن مخالفة الشيخ ليست من السبع الموبقات التي ذكرها لنا الرسول ﵊، لكنه الداء العضال عند الصوفية الذي لا تقال منه العثرة، ولا تقبل منه التوبة. فمن أصولهم: أنك إذا رأيت الشيخ يفعل الشيء الحرام عندك -على ظاهر النصوص- فلا تعترض؟ لأن لديه مخارج. فباب سد الذريعة عند الصوفية ليس له أي اعتبار على الإطلاق. فوصل غلو هؤلاء في المشايخ إلى درجة أنهم جعلوا من أصول التربية عندهم: ترك الاعتراض على الشيخ حتى لو كان يفعل الحرام لاحتمال أن يكون له تأويل وأنت لا تدريه، حتى قرأت في كتبهم، قال: فلو رأيته يزاني بحليلة جاره فقل: لعله عقد عليها فهل يصح هذا الكلام؟! وعندهم لا يجوز اتهام الشيخ. وذكروا قصة عجيبة: أن بعض المريدين تردد في صدره قذف للشيخ، فقال: فنظر الشيخ إليه، وقال له: قم فاغتسل واذكر الله. اغتسل غسل ماذا؟ أي: أنه كفر، فيغتسل غسل الإسلام ويدخل في الإسلام. قال: فاغتسل ورجع فقبل يديه، وقال: تبت ولا أعود. فتصور المريد أن الشيخ يعلم الغيب وهذا يذكرني بأيام ما دخلنا الجيش، فكنا في معسكر المشاة، والمعسكر هذا لما ذهبنا إليه كانوا يقولون: المعسكر هذا وإسرائيل واحد؛ من شدته وشدة الضباط الذين يعلمون فيه، وكان هناك ضابط له كلمة معروفة، وبينما نقف في الطابور يقول: أنت الذي تحرك أصابعك في البيادة! ونحن خمسمائة واحد وقد يحرك أحدنا أصابعه داخل البيادة؟! فتصور الذي يحرك أصبعه في البيادة أن الضابط يعرف كل شيء. وهذا ما يفعله الشيخ الصوفي مع المريد ومن أصول أهل السنة والجماعة: ألا نحكم على معين بجنة ولا نار؛ لأننا لا ندري بالخواتيم، وإذا قال رجل لرجل: لست مخلصاً؛ فقد أخطأ وارتكب جرماً لأن أعمال القلوب لا يعرفها إلا الله، والإخلاص محله القلب، فلا يحل لأحد أن يحكم على ما في القلب، وهي جريمة تقدح في التوحيد! والشيخ عند الصوفية شبه إله، بل إله عند بعضهم، وهو إنسان لكن ما الذي رفعه إلى هذه المرتبة؟ إنه الغلو. وسأترك مجالاً لذكر العجائب عند شيوخ الصوفية في الأصل الذي يقول: (ترك الاعتراض على الأكابر محمود، وكثرة المراء يورث الصدود) لأن الاعتراض يجب أحياناً، ويستحب أحياناً، ويباح أحياناً، ويكره ويحرم أحياناً، أي: أن الاعتراض تجري عليه الأحكام الشرعية الخمسة التي هي: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والحرمة، والكراهة.

стр. 775

غلو الصوفية في مشايخهم ومنع الاعتراض عليهم الصوفية ينكرون الاعتراض على الشيخ، ومن هنا سهل عليهم تأليهه، لكن لو رُد عليه وقيل له: أنت أخطأت. فقال: نعم أخطأت، فيعلم المستمع أنه ليس بمعصوم، وأن الله نشر الفضل في الناس، فالفضل لم يودع لإنسان واحد ولا لاثنين ولا لأربعة، بل جعل الله الفضل مشتركاً مقسوماً بين عباده، فهذا فاضل في كذا وناقص في كذا، وذاك فاضل في كذا وناقص في كذا وهكذا. لكن لأنهم منعوا الاعتراض سهل عليهم تأليه الشيوخ، وكيف والنبي ﷺ كان يعترض عليه أصحابه، لا اعتراض جحود ولا إنكار للعمل، بل اعتراض استفهام وتعجب وليس اعتراض مكابرة حاشا لله! ما كان فيهم أحد أبداً يفعل ذلك ولا يجرؤ على فعل ذلك، لكن كان اعتراض تعجب، مثل اعتراض عمر بن الخطاب ﵁ أن يصلي النبي ﵊ على عبد الله بن أبي ابن سلول، ويقف بينه وبين الجنازة، ويقول: كيف تصلي عليه؟ ألم يفعل كذا وكذا وجعل يذكره، فتبسم النبي ﷺ وقال: (تنح عني يا عمر) وعمر لا يتنحى: كيف تفعل كذا وكذا؟ ألم يقل كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وقال يا عمر: (إني خيرت فاخترت)، حتى نزل القرآن موافقاً لكلام عمر. وكذلك كان عمر يعترض على أن تخرج زوجات النبي ﷺ بغير حجاب أو يجالسهن الرجال بغير حجاب، فكان يكثر أن يقول للنبي ﷺ : يا رسول الله! احجب نساءك. حتى نزل القرآن موافقاً لـ عمر. وأيضاً اعتراض سعد بن عبادة سيد الخزرج لما جاء هلال بن أمية الواقفي وقد رأى رجلاً مع امرأته، فجاء يرميها بالزنا، ولم يكن نزل حد الملاعنة بين الرجل وامرأته، إنما نزل حد الرجم بالزنا، فقال النبي ﷺ : (أربعة شهداء أو حد في ظهرك فقام سعد بن عبادة وقال: أدع لكاعاً يتفقدها ثم ألتمس له أربعة شهداء!! والله ما أعطيه إلا السيف غير مصفح) غير مصفح: أي: لأضربنه بحد السيف، لأن السيف له حد وصفح، الحد: هو الشفرة، والصفح: هو الجانبان، فهو يقول: (لا أضربه بصفح السيف هكذا، بل أضربه هكذا بحده) يريد: أنه سيقتله، فقال ﷺ : (انظروا ما يقول سيدكم!) مع أنه يعارض آية في كتاب الله ، ويعارض حكماً ثابتاً، فقال النبي ﷺ : (انظروا ما يقول سيدكم!). وهذا فيه دلالة على أن التكفير باللفظ المحتمل لا يكون إلا بعد ثبوت القرينة؛ لأنه لو جاء رجل فاعترض على الحكم اعتراضاً، وقال: أنا لا أؤمن بهذا الحكم؛ كفر، مع أن سعد بن عبادة رد الحكم، هذا رد وهذا رد، لكن هذا ما رد كفراً ولا جحوداً، وإنما رد تعجباً، مثلما حدث في الصحيح أن الربيع بنت النضر ضربت امرأة من قبيلة أخرى فكسرت ثنيتها -الثنية: هي مقدم الأسنان- فذهب الناس وقال النبي ﷺ : (القصاص -والقصاص: أن يكسروا أسنانها- وكان أنس بن النضر -أخوها- يحبها غاية الحب، فقال: تكسر ثنية الربيع! لا والله أبداً، لا يكون. فقال النبي ﷺ : يا أنس! حكم الله القصاص. قال: لا والله، لا والذي بعثك بالحق، لا يكون. والناس يأبون أن يأخذوا الدية، والنبي ﷺ كلما يقول له: حكم الله القصاص. يقول له: لا والذي بعثك بالحق لا يكون. حتى قبل الناس الدية، فقال ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) أي: أن أنس حلف بالله لا يكون، فأبر الله قسمه، ولم يقل له النبي ﷺ : كيف تعترض؟ قد كفرت، قم واغتسل لا، لأن هناك قرائن، ولذلك لما ترى رجلاً قال كلمة كفر فلا تسارع إلى تكفيره، فقد يقول الرجل كلمة الكفر لا يكفر بها. وشيخ الإسلام ابن تيمية ناظر رجلاً من المعتزلة حتى الصباح، فقيل له: أكفر؟ قال: لقد قال كلام الكفر. قال شيخ الإسلام: (وقلت لهم مرة: أنا لو تابعتكم على ما تقولون لكفرت، ولكنني لا أكفركم؛ لأنكم جهال) لماذا لأنه لو تابعهم على ما يقولون لتابعهم بعد معرفة الحجة، قال: (لكنني لا أكفركم لأنكم جهال). فـ سعد بن عبادة يعترض، ويقول: (والله ما أعطيه إلا السيف غير مصفح)، فقال النبي ﷺ (انظروا ما يقول سيدكم فقالوا: يا رسول الله! اعذره؛ فوالله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة فجرؤ أحدنا أن يتزوجها بعده) أي: المرأة التي يطلقها سعد بن عبادة نقضي عليها بالإعدام، فلا تتزوج بعد سعد أبداً من شدة غيرته، فقال النبي ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد، إنني أغير من سعد والله أغير مني)، ولذلك فإن من غيرة الله على أن تنتهك حرماته حرم الفواحش. فأنت تنظر إلى النبي ﵊ وتنظر إلى مسلك أصحابه، كانوا يعترضون اعتراض تعجب، ولا أزال أقول: اعتراض تعجب، يستغرب من هذا الحكم، فقد يسأل ويستغرب من هذا الحكم ويرد المسألة والنبي ﵊ يحلم عليه ويبين له حتى يستيقن ويُسلِّم. فإذا نظرت إلى الناس وهم يسددون الشيخ ويقولون له: أخطأت، أو هذا غلط، وهو يرجع إلى مقالهم؛ علمت أن هذا الرجل ليس فاضلاً من كل جانب.
следующие страницы →