Полный текст (1 719 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أصول التربية
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
فالتحلية من أصول التربية، قصدت بها أن أجمع ما تفرق في كتب العلماء عن أصول التربية، وللعلماء كلمة مشهورة يذكرونها في باب الأدب، يقولون: (علم بلا أدب كنار بلا حطب) (ونار بلا حطب.
أي: لا نار؛ لأن النار لا تكون إلا بوقود.
فقولهم: (بلا حطب): يعني: لا نار، وهذا يعني أن المرء إذا كان خلواً من الأدب فلا ينتفع في نفسه بعلمه، ولا ينفع غيره.
وقد حرصت على نظم هذه الأصول في عبارات لطيفة خفيفة يسهل حفظها، فأذكر عشرة أصول، ولا أقول: إنني استوعبت أصول التربية بذلك، لكن هي من أصول التربية كما يبدو من العنوان، بل هي أصول من أصول التربية.
الأصل الأول: من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل.
الأصل الثاني: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره.
الأصل الثالث: ترك الاعتراض على الأكابر محمود، وكثرة المراء يورث الصدود.
الأصل الرابع: من لم يصبر على جفاء أستاذه؛ تجرع الخسران بتصدع ملاذه.
الأصل الخامس: تنكب في الخصومة حظ نفسك، واقهر هواك بإنصاف خصمك.
الأصل السادس: من لم يخلع عنه رداء الكبر؛ ضل جاهلاً من مهده إلى القبر.
الأصل السابع: وطالب العلم بلا وقار كمبتغ في الماء جذوة نار.
الأصل الثامن: حسن العهد من الإيمان، والوفاء والود له ركنان.
الأصل التاسع: من لزم التواضع والانكسار؛ فتح له بذاك وطار كل مطار.
الأصل العاشر: ليس حمل أثقل من البر، من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك.
فهذه أصول من أصول التربية، أحوج الناس إليها هم الذين يتصدرون في الدعوة إلى الله ﵎.
стр. 772
من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل
فاعلم أيها المسترشد، طالب النجاة: أن الغلو هو مفتاح كل شر، ورأس كل ضر، وهو أحد أركان الكفر، وحسبك أن تعلم أن أول كفر وضع في الدنيا كان بسبب الغلو، كما رواه البخاري ﵀ في صحيحه من حديث ابن عباس في ذكر الكفر الذي وقع في قوم نوح ﵇: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه خمسة أسماء لرجال صالحين من قوم نوح، فجاء الشيطان قوم نوح، فأمرهم أن يصوروا صور هؤلاء حتى لا ينسوهم، فلما مات الآباء وكانوا يعلمون حقيقة الأمر، وجاءت خلوف بعدهم -وهم الأبناء- لا يعرفون لماذا صور الآباء هؤلاء الناس، فقالوا: ما صور آباؤنا هؤلاء إلا ليعبدوهم، ومن هنا بدأ الغلو، فغلوا في هؤلاء الرجال حتى عبدوهم من دون الله ﵎، فهي أول أصنام وضعت على الأرض.
ونحن نقرأ في سورة الفاتحة كل يوم مرات كثيرة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، فطلبت من ربك صراطاً مستقيماً، واستعذت به من صراطين.
وما من أمر يأمر الله به ورسوله ﷺ إلا وللشيطان فيه نزغتان: النزغة الأولى: إفراط، والنزغة الثانية: تفريط.
فالنصارى: هم الضالون، واليهود: هم المغضوب عليهم، النصارى أكثر الناس غلواً في الرجال، ولذلك عبدوا المسيح؛ بسبب الغلو، ولم يذكر لفظة غلا أو النهي عن الغلو في القرآن غير مرتين، والخطاب موجه في المرتين إلى النصارى: في المرة الأولى: في سورة النساء، قال الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، هذا هو الموضع الأول.
الموضع الثاني: في سورة المائدة، قال الله : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]، قبل هذه الآية بآية؛ لتعلم أن الخطاب إنما وجه إلى النصارى، قال الله : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥]، فالخطاب موجه إلى النصارى لماذا؟ لأنهم هم أكثر الناس غلواً؛ لذلك عبدوا المسيح ﵇.
стр. 773
نماذج من حياة علماء السلف في ترك الغلو في المشايخ
هناك نماذج كثيرة جداً من العلماء والفقهاء، منها مثلاً أحد العلماء اسمه: موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة، أحد المحدثين الكبار، وهو من مشايخ أحمد وابن معين، وأدركه الإمام البخاري، وهو من كبار شيوخ البخاري.
موسى بن إسماعيل التبوذكي وقد كان إمام الجرح والتعديل أبو زكريا يحيى بن معين ﵀ يجله غاية الإجلال، ويقول: ما هبت أحداً هيبتي للتبوذكي.
وابن معين لم يكن يخاف من أحد، ومع ذلك يقول: ما هبت أحداً هيبتي للتبوذكي - موسى بن إسماعيل التبوذكي -.
فقال له يحيى بن معين: يا أبا سلمة! حديثك عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا بكر -وساق حديثاً في قصة الغار- هل سمعته من حماد؟ احلف لي على ذلك؟ - قال له: احلف لي على أنك سمعته من حماد -تقريباً القصة هكذا- فإن أصحاب حماد يخالفونك.
- فقال له التبوذكي: كم سمعت مني؟ - قال له: سمعت منك ثلاثين ألف حديث.
- فقال له أبو سلمة: صدقتني في ثلاثين ألف حديث وتكذبني في حديث، أشهد لسمعته من حماد، ولله علي لا كلمتك بعد ذلك أبداً.
وأبى أن يكلمه، ولكنه حلف له أنه سمع.
وكذلك أبو النعمان عارم محمد بن الفضل، عارم أخطأ في حديثين فرد عليه يحيى بن معين، فقال له عارم: لا.
بل هو كما قلت أنا.
فقال ابن معين: لا والله، بل كما قلت أنا.
فقال له يحيى: قم هات الأصل.
فدخل أبو النعمان وجاء بالكتاب فوجده كما يقول يحيى، وكان عارم محمد بن الفضل في حفظه زيف، فخرج من بيته ومعه الكتاب وهو يقول: من الذي ينكر أن يحيى بن معين سيد المحدثين؟! -أي: يعتذر عن هذه الملاحاة- من الذي ينكر أن يحيى بن معين سيد المحدثين؟! فلما يحصل نوع من الاعتراض على الشيخ -لاسيما إذا كان الشيخ مخطئاً ويرجع- يكسر حدة الغلو فيه، وإذا كان ناقصاً ويخطئ، ومن هو أدنى منه يسدده ويبين له أخطاءه؛ فهذا يكسر حدة الغلو فيه لأن الغلو مدعاة الكمال، وما غلا إنسان في إنسان إلا وهو يعتقد أنه فوق مستوى الناس، وهذا معنى شائك للغاية؛ لأن لدينا نماذج في علماء المسلمين شبيهة بهذا التعظيم، تجد مثلاً قول أحدهم: (والله ما جرأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي؛ هيبة له) وما ثبت عن بعض التابعين أنه كان يأخذ النعل ويعطيه لشيخه، يضعه تحت قدم شيخه فهذا أيضاً مدعاة للغلو، وأيضاً نماذج أخرى مثلما يحكيه ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد أن الإمام أحمد كان يجلس تحت قدمي عبد الرزاق بن همام الصنعاني، وكان عبد الرزاق شيخ أحمد يقول له: اجلس بجانبي، فكان يقول: لا، هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا.
فهذا أيضاً مدعاة للغلو، فنحن وسط لا إفراط ولا تفريط ما بين الغلو المبتدع والتشريف والتبجيل إلا أن نقول: الغلو ممنوع؛ لأنه ليس في الغلو خير.
إن الصوفية حازوا قصب السبق في الغلو في الشيوخ، ويتلوهم أيضاً الذين غلوا في الأئمة الكبار وقلدوهم حتى في الغلط، وما نشأت العصبية المذهبية في المسلمين إلا بالغلو في الشيوخ، وأعظم وأخطر سلاح يستخدمه الغالي أن يرمي المعتدل ببغض هذا الشيخ.
فإذا قلنا: يا أخي! الإمام الشافعي ليس بمعصوم.
يقول: أنت بهذا تطعن على الشافعي، أنت تكره الشافعي!! وإذا قلنا: الدسوقي رجل فاضل في ذاته، لكن ما يُفعل حول قبره لا يجوز، وهذا شرك بالله.
يقولون: أنت بهذا لا يعجبك أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون! وإذا قلنا: إن هذا شرك لا يجوز، يقولون لك: (أنت تطعن في الأولياء)! إذاً: الغالي ليس معه إلا هذا السلاح: أن يرميك ببغض هذا الشيخ.
وهناك كتاب اسمه (توشيح الديباج) في الفقه المالكي -جزء صغير- لـ بدر الدين القرافي، وبدر الدين القرافي غير شهاب الدين القرافي، فـ الشهاب القرافي هو صاحب كتاب الفروق وهو متقدم، وأما بدر الدين القرافي فمتأخر.
من تشابه الأسماء: الزركشي، فهناك عالمان أحدهما حنبلي والآخر شافعي، فـ بدر الدين الزركشي شافعي، وشمس الدين الزركشي حنبلي، وهو شارح مختصر الخرقي في الفقه الحنبلي الذي شرحه ابن قدامة في المغني، وشرح شمس الدين الزركشي على مختصر الخرقي في سبعة مجلدات، وبدر الدين الزركشي شافعي، وهو صاحب كتاب: البرهان في علوم القرآن، وصاحب كتاب: البحر المحيط في أصول الفقه، وصاحب كتاب: المعتبر في تخريج أحاديث المختصر، الذي خرج فيه أحاديث مختصر ابن الحاجب.
وبدر الدين القرافي -وليس شهاب الدين - يقول في كتاب: توشيح الديباج: نحن خليليون وأشهر مختصر للفقه المالكي هو لـ خليل بن إسحاق، ثم مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، والمختصر هذا في المذهب المالكي مثل مختصر الخرقي في المذهب الحنبلي.
فـ بدر الدين القرافي يقول في توشيح الديباج: (نحن خليليون، ولو ضل خليل لضللنا).
أي لو أن خليل بن إسحاق ضل فإنا لن ندعه أبداً.
إذ لو علم أنه ضل لا أظن أنه يضل، فهو هذا الظن بالعلماء، حتى لو صدرت منهم عبارة نابية أو نشاز فلا تقبل، لكن ينبغي أن يحمل كلامهم على ما يناسب علمهم، إذ لو علم أنه ضل بيقين ما أظنه أبداً يتبعه وهناك من العلماء من يرى أن الحق في مذهبه مثل الجويني في (مغيث الخلق ببيان القول الحق) ألف هذا الكتاب لنصرة المذهب الشافعي، فرد عليه سبط ابن الجوزي بكتاب، وكذلك الخطيب البغدادي لما أورد في ترجمة أبي حنيفة ما يعاب به أبو حنيفة، مع أن الخطيب لم يقصد عيب أبي حنيفة، لكنه كمؤرخ يذكر كل ما قيل في صاحب الترجمة من حق أو باطل، هذه هي طريقة المؤرخ، وهي أن يورد كل ما يقع تحت يده مما يخص صاحب الترجمة، سواء كان بحق أو بباطل.
فيرد عليه سبط ابن الجوزي بكتاب سماه (السهم المصيب لكذب الخطيب) ويرد عليه رداً شديداً جداً ومقذعاً للغاية مع أن الخطيب له أوسع الكتب في المسألة، والخطيب أورد في تراجم العلماء في تاريخ بغداد مثالب للعلماء، لا نقول: إن الخطيب كان يعتقد هذه المثالب، لكن هو كمؤرخ يورد بالسند الذي عنده كل ما يقع تحت يده مما يخص صاحب الترجمة.
стр. 774
الغلو في المشايخ سبب تفرق الأمة وتمزيقها
وكذلك وجد في الأمة من عبد غير النبي ﷺ وهو ليس في كماله وشمائله وفضله، فالرسول ﵊ إنما نهى عن الغلو فيه حتى لا يعبدوه، فامتثل الصحابة لأمر النبي ﵊، ومضت خلوف وتوالت القرون، حتى رأينا الغلو في الرجال حائلاً دون وصول الحق إلى الناس، فغلت الصوفية أشد الغلو في مشايخهم، والشيخ عند الصوفية شبه إله، بل يكون إلهاً عند بعضهم! وقد قال لي رجل برهاني، ولم يأتِ ببرهان على ما يقول: أنا شيخي في السودان، وهو يراني الآن ويرى ماذا أفعل.
ويتكلم بعقيدة، وقد حدث بيني وبينه مشادة، وإنما حدثت المشادة لما أظهرت له عوار شيوخهم، وهذه الطريقة سديدة: فإذا رأيت الرجل يكابر فافعل معه مثلما قال النبي ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه) و (الهن): هو الذكر، (أعضوه بهن أبيه) والنبي ﵊ هو الذي علم الناس الأخلاق، وعلمهم مكارم وشمائل الصفات والنعوت، هو الذي يقول لنا ذلك.
وقد سمع النبي ﷺ أبا بكر الصديق -في حديث المسور بن مخرمة يقول لـ عروة بن مسعود الثقفي لما قال: ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك- فقال له أبو بكر: أنحن نفر وندعه؟! أمصص ببظر اللات.
ومع ذلك فالنبي ﷺ لم ينكر على أبي بكر ﵁.
وهذا يدل على أنه يجوز استعمال الغلظة لكن في موضعها.
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى يعني: المكان الذي يستحق أن تضع فيه الكلمة الشديدة ضعها فإنها حكمة ورحمة، والرسول ﵊ مرة قال لـ معاذ (ثكلتك أمك)، وهذا دعاء عليه، (ثكلتك أمك يا معاذ).
فيجوز أن نستخدم الشدة مع المكابر الذي علمت -بعد إقامة الحجة عليه، والرفق به- أنه لا يرجع، فإذا غلب على ظنك بهذه الضوابط أنه لا يرجع، اكشف له المغطى.
وأنا عندما تناقشت مع هذا الرجل كشفت له بعض الفضائح والمخازي التي ذكرها رجل من أعيان الصوفية، ولم أحك هذا عن أئمة السلف من العلماء، حتى لا يقال: كيف تروي مذمتي من عدوي؟ وإنما رويتها عن رجل من أشد المتعصبين للصوفية، وقد صنف هذا الكتاب -طبقات الشعراني- لإظهار كرامات الصوفية، فيذكر -مثلاً- في ترجمة واحد منهم يقول: (وكان ﵁ لا يمشي إلا عارياً) والذي يغيظني قوله: ﵁.
كإنسان كان يقرأ في كتاب ويتعقب صاحب الكتاب، فقرأ عبارة فقال: أخطأ ﵀، وقرأ عبارة أخرى فقال: أخطأ ﵀، وجاء على عبارة لا تحتمل فقال: كفر ﵀ فما لازم ﵀؟! وقد حكم عليه بالكفر؟! فيذكر صاحب الطبقات مصيبة من المصائب ويقول لك: (وكان ﵁ لا يمشي إلا عارياً، وكان ﵁ يأتي البهائم) كل كبدة ومخ ضاني واقرأ الفاتحة للشعراني ولا يجوز عندهم مخالفة الشيخ ألبتة، وأعظم أبواب الحرمان -عندهم- أن تخالف الشيخ.
الاعتراض عند الصوفية هو الداء العضال الذي يلي الكفر بالله مباشرة، مع أن مخالفة الشيخ ليست من السبع الموبقات التي ذكرها لنا الرسول ﵊، لكنه الداء العضال عند الصوفية الذي لا تقال منه العثرة، ولا تقبل منه التوبة.
فمن أصولهم: أنك إذا رأيت الشيخ يفعل الشيء الحرام عندك -على ظاهر النصوص- فلا تعترض؟ لأن لديه مخارج.
فباب سد الذريعة عند الصوفية ليس له أي اعتبار على الإطلاق.
فوصل غلو هؤلاء في المشايخ إلى درجة أنهم جعلوا من أصول التربية عندهم: ترك الاعتراض على الشيخ حتى لو كان يفعل الحرام لاحتمال أن يكون له تأويل وأنت لا تدريه، حتى قرأت في كتبهم، قال: فلو رأيته يزاني بحليلة جاره فقل: لعله عقد عليها فهل يصح هذا الكلام؟! وعندهم لا يجوز اتهام الشيخ.
وذكروا قصة عجيبة: أن بعض المريدين تردد في صدره قذف للشيخ، فقال: فنظر الشيخ إليه، وقال له: قم فاغتسل واذكر الله.
اغتسل غسل ماذا؟ أي: أنه كفر، فيغتسل غسل الإسلام ويدخل في الإسلام.
قال: فاغتسل ورجع فقبل يديه، وقال: تبت ولا أعود.
فتصور المريد أن الشيخ يعلم الغيب وهذا يذكرني بأيام ما دخلنا الجيش، فكنا في معسكر المشاة، والمعسكر هذا لما ذهبنا إليه كانوا يقولون: المعسكر هذا وإسرائيل واحد؛ من شدته وشدة الضباط الذين يعلمون فيه، وكان هناك ضابط له كلمة معروفة، وبينما نقف في الطابور يقول: أنت الذي تحرك أصابعك في البيادة! ونحن خمسمائة واحد وقد يحرك أحدنا أصابعه داخل البيادة؟! فتصور الذي يحرك أصبعه في البيادة أن الضابط يعرف كل شيء.
وهذا ما يفعله الشيخ الصوفي مع المريد ومن أصول أهل السنة والجماعة: ألا نحكم على معين بجنة ولا نار؛ لأننا لا ندري بالخواتيم، وإذا قال رجل لرجل: لست مخلصاً؛ فقد أخطأ وارتكب جرماً لأن أعمال القلوب لا يعرفها إلا الله، والإخلاص محله القلب، فلا يحل لأحد أن يحكم على ما في القلب، وهي جريمة تقدح في التوحيد! والشيخ عند الصوفية شبه إله، بل إله عند بعضهم، وهو إنسان لكن ما الذي رفعه إلى هذه المرتبة؟ إنه الغلو.
وسأترك مجالاً لذكر العجائب عند شيوخ الصوفية في الأصل الذي يقول: (ترك الاعتراض على الأكابر محمود، وكثرة المراء يورث الصدود) لأن الاعتراض يجب أحياناً، ويستحب أحياناً، ويباح أحياناً، ويكره ويحرم أحياناً، أي: أن الاعتراض تجري عليه الأحكام الشرعية الخمسة التي هي: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والحرمة، والكراهة.
стр. 775
غلو الصوفية في مشايخهم ومنع الاعتراض عليهم
الصوفية ينكرون الاعتراض على الشيخ، ومن هنا سهل عليهم تأليهه، لكن لو رُد عليه وقيل له: أنت أخطأت.
فقال: نعم أخطأت، فيعلم المستمع أنه ليس بمعصوم، وأن الله نشر الفضل في الناس، فالفضل لم يودع لإنسان واحد ولا لاثنين ولا لأربعة، بل جعل الله الفضل مشتركاً مقسوماً بين عباده، فهذا فاضل في كذا وناقص في كذا، وذاك فاضل في كذا وناقص في كذا وهكذا.
لكن لأنهم منعوا الاعتراض سهل عليهم تأليه الشيوخ، وكيف والنبي ﷺ كان يعترض عليه أصحابه، لا اعتراض جحود ولا إنكار للعمل، بل اعتراض استفهام وتعجب وليس اعتراض مكابرة حاشا لله! ما كان فيهم أحد أبداً يفعل ذلك ولا يجرؤ على فعل ذلك، لكن كان اعتراض تعجب، مثل اعتراض عمر بن الخطاب ﵁ أن يصلي النبي ﵊ على عبد الله بن أبي ابن سلول، ويقف بينه وبين الجنازة، ويقول: كيف تصلي عليه؟ ألم يفعل كذا وكذا وجعل يذكره، فتبسم النبي ﷺ وقال: (تنح عني يا عمر) وعمر لا يتنحى: كيف تفعل كذا وكذا؟ ألم يقل كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وقال يا عمر: (إني خيرت فاخترت)، حتى نزل القرآن موافقاً لكلام عمر.
وكذلك كان عمر يعترض على أن تخرج زوجات النبي ﷺ بغير حجاب أو يجالسهن الرجال بغير حجاب، فكان يكثر أن يقول للنبي ﷺ : يا رسول الله! احجب نساءك.
حتى نزل القرآن موافقاً لـ عمر.
وأيضاً اعتراض سعد بن عبادة سيد الخزرج لما جاء هلال بن أمية الواقفي وقد رأى رجلاً مع امرأته، فجاء يرميها بالزنا، ولم يكن نزل حد الملاعنة بين الرجل وامرأته، إنما نزل حد الرجم بالزنا، فقال النبي ﷺ : (أربعة شهداء أو حد في ظهرك فقام سعد بن عبادة وقال: أدع لكاعاً يتفقدها ثم ألتمس له أربعة شهداء!! والله ما أعطيه إلا السيف غير مصفح) غير مصفح: أي: لأضربنه بحد السيف، لأن السيف له حد وصفح، الحد: هو الشفرة، والصفح: هو الجانبان، فهو يقول: (لا أضربه بصفح السيف هكذا، بل أضربه هكذا بحده) يريد: أنه سيقتله، فقال ﷺ : (انظروا ما يقول سيدكم!) مع أنه يعارض آية في كتاب الله ، ويعارض حكماً ثابتاً، فقال النبي ﷺ : (انظروا ما يقول سيدكم!).
وهذا فيه دلالة على أن التكفير باللفظ المحتمل لا يكون إلا بعد ثبوت القرينة؛ لأنه لو جاء رجل فاعترض على الحكم اعتراضاً، وقال: أنا لا أؤمن بهذا الحكم؛ كفر، مع أن سعد بن عبادة رد الحكم، هذا رد وهذا رد، لكن هذا ما رد كفراً ولا جحوداً، وإنما رد تعجباً، مثلما حدث في الصحيح أن الربيع بنت النضر ضربت امرأة من قبيلة أخرى فكسرت ثنيتها -الثنية: هي مقدم الأسنان- فذهب الناس وقال النبي ﷺ : (القصاص -والقصاص: أن يكسروا أسنانها- وكان أنس بن النضر -أخوها- يحبها غاية الحب، فقال: تكسر ثنية الربيع! لا والله أبداً، لا يكون.
فقال النبي ﷺ : يا أنس! حكم الله القصاص.
قال: لا والله، لا والذي بعثك بالحق، لا يكون.
والناس يأبون أن يأخذوا الدية، والنبي ﷺ كلما يقول له: حكم الله القصاص.
يقول له: لا والذي بعثك بالحق لا يكون.
حتى قبل الناس الدية، فقال ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) أي: أن أنس حلف بالله لا يكون، فأبر الله قسمه، ولم يقل له النبي ﷺ : كيف تعترض؟ قد كفرت، قم واغتسل لا، لأن هناك قرائن، ولذلك لما ترى رجلاً قال كلمة كفر فلا تسارع إلى تكفيره، فقد يقول الرجل كلمة الكفر لا يكفر بها.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ناظر رجلاً من المعتزلة حتى الصباح، فقيل له: أكفر؟ قال: لقد قال كلام الكفر.
قال شيخ الإسلام: (وقلت لهم مرة: أنا لو تابعتكم على ما تقولون لكفرت، ولكنني لا أكفركم؛ لأنكم جهال) لماذا لأنه لو تابعهم على ما يقولون لتابعهم بعد معرفة الحجة، قال: (لكنني لا أكفركم لأنكم جهال).
فـ سعد بن عبادة يعترض، ويقول: (والله ما أعطيه إلا السيف غير مصفح)، فقال النبي ﷺ (انظروا ما يقول سيدكم فقالوا: يا رسول الله! اعذره؛ فوالله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة فجرؤ أحدنا أن يتزوجها بعده) أي: المرأة التي يطلقها سعد بن عبادة نقضي عليها بالإعدام، فلا تتزوج بعد سعد أبداً من شدة غيرته، فقال النبي ﷺ : (أتعجبون من غيرة سعد، إنني أغير من سعد والله أغير مني)، ولذلك فإن من غيرة الله على أن تنتهك حرماته حرم الفواحش.
فأنت تنظر إلى النبي ﵊ وتنظر إلى مسلك أصحابه، كانوا يعترضون اعتراض تعجب، ولا أزال أقول: اعتراض تعجب، يستغرب من هذا الحكم، فقد يسأل ويستغرب من هذا الحكم ويرد المسألة والنبي ﵊ يحلم عليه ويبين له حتى يستيقن ويُسلِّم.
فإذا نظرت إلى الناس وهم يسددون الشيخ ويقولون له: أخطأت، أو هذا غلط، وهو يرجع إلى مقالهم؛ علمت أن هذا الرجل ليس فاضلاً من كل جانب.
стр. 776
نهيه ﷺ عن إطرائه والغلو فيه
في مسند الإمام أحمد، وفي مسند عبد بن حميد بسند على شرط مسلم من حديث أنس ﵁ قال: (أن رجلاً قال: يا محمد! يا خيرنا وابن خيرنا، يا سيدنا وابن سيدنا، فقال ﵊: قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله ولا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله ، قولوا: عبد الله ورسوله).
وهو سيدهم ﵊، وهو خيرهم ﵊، لكن هذا وإن كان حقاً لكنه مدعاة إلى الغلو.
стр. 777
غلو الصوفية في النبي ﷺ
لقد وجدنا من بعض المسلمين المبتدعة من صنف كتاباً سماه (تشنيف الآذان باستحباب ذكر الزيادة ﵊ في التشهد والإقامة والأذان).
يعني: أن تقول: أشهد أن سيدنا محمداً رسول الله، أو تقول: اللهم صل على سيدنا محمد.
وجمعني مجلس ببعض من ينتحل هذه البدعة، فقلت له: إن هذا لا يجوز، والأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة.
فواحد من الجلوس قال: يا أخي! الرسول يقول: (لا تسيدوني في الصلاة) يعني: يعاضدني وينصرني عليه، فقال له: هو قال هذا تواضعاً ونحن سنسيده، هل أنت تريده أن يقول: سيدوني وهو سيد المتواضعين؟ لا.
فانظر سوء الأدب! مع أن الحديث لا يصح ولا أصل له (لا تسيدوني) واللفظ السليم: (لا تسودوني) من السؤدد، والحديث لا يصح، لكن انظر إلى سوء أدب هذا المبتدع، حتى لو صح الحديث لا تسودوني في الصلاة، فكيف يقول: لا، سنسودك؟! وبصراحة هو يحتاج إلى تسويد، لأنه هو المتكلم بها، محتاج إلى سلطان شرعي يسودها عليه، كيف خالف النبي ﷺ في تعليمه، يقول: لا تفعلوا، يقولون: بل سنفعل وهذا من سوء الأدب! وهو بداية الغلو، أليسوا هم الذين يقولون: يا نور عرش الله! يا بحر جاري في علوم الله! وهم الذين يقولون: حضرة النبي، وبنوا هذا الكلام على قصة تافهة لا قيمة لها، فقد زعموا أن النبي ﷺ يحضر بجسده مجالس الصوفية، ولذلك سموا الجلسة (حضرة) لأنه ﷺ يحضر، وهي إشارة إلى أنه يحضر بجسده ﷺ .
فهناك طوائف ينتمون إلى المسلمين كفروا بالله ورسوله بسبب الغلو في النبي ﵊، أليست بردة البوصيري التي كادوا أن يجعلوها قرآناً يقول فيها: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم من علومك!! و (من) هذه تفيد التبعيض، يعني: جزء مما عندك من العلم علم اللوح والقلم! حسناً: الذي هو جزء من علومه علم اللوح والقلم لا يعرف متى تقوم الساعة!! لا يعرف متى ينزل الغيث ولا ما في الأرحام! وهذه مسائل النبي ﵊ لم يكن يعلمها حتى أوحي إليه فكيف نقول: إن عنده علم اللوح والقلم.
ومما يدل على أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب حديث صفوان بن أمية لما قال لـ عمر بن الخطاب: أريد أن أرى النبي ﷺ وهو يوحى إليه، وكان الرسول ﷺ في الحج، في خيمة، فجاءه رجل متضمخ بالطيب، فسأل عن ذلك؟ فسكت، وأخذه ما يأخذه عند نزول الوحي -العرق الشديد واحمرار الوجه والغطيط، فنادى عمر بن الخطاب صفوان بن أمية وقال له: انظر- وبعد أن سري عنه قال: انزع جبتك واغتسل.
فكيف نقول: إن عنده علم اللوح والقلم وهو في هذه المسألة سكت حتى نزل عليه الوحي؟ وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب؛ فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين.
قالت فانكفأت راجعة ورسول الله ﷺ في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق؛ فدخلت فقالت: يا رسول الله! إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا.
قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه؛ فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن).
فهناك مسائل لم يكن الرسول ﵊ يعلمها، ولا يجيب عنها حتى ينزل الوحي، وكثيراً ما سئل، ولم يجب حتى ينزل الوحي: مثلاً ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥]، نزل الوحي، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١]، نزل الوحي وهكذا، كان يُسأل السؤال وينزل الوحي يسألونه عن الساعة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، فكان ينزل الوحي، ولم يكن عنده جواب ذلك حتى يعلمه الله ﵎.
فلما يأتي رجل يريد أن يمدح النبي ﵊ ويقول: (ومن علومك علم اللوح والقلم) هذا غلو مرفوض، والنبي ﵊ نهى أصحابه عن أقل من ذلك، فنهاهم أن يقوموا له؛ لأن القيام مظنة التعظيم، وقد صح عن أنس ﵁ أنه كان يقول: (كان رسول الله ﷺ يقبل وما على الأرض شخص أحب إلينا منه فما نقوم له لما نعلم من كراهيته لذلك) لأن القيام تعظيم، ولذلك من سوء التربية في المدارس؛ أنهم يأمرون الطلبة بالقيام للأستاذ، وهذا ليس من التربية، إذ لو كان خيراً ما نهى الرسول ﷺ عنه، فالطالب إذا لم يقم للأستاذ يغضب عليه ويعاقبه وقد يفصله من المدرسة؛ لأن هذا -عندهم- من الأدب والتعظيم والنبي ﵊ نهى عن القيام له، كل هذا مع أنه معظم عندهم، وهو سيدنا في الدنيا والآخرة، بل وسمح لهم أن يفعلوا في بعض المواقف ما هو أعظم ألف مرة من القيام، مثلما حدث في حديث المسور بن مخرمة (لما صدت قريش النبي ﷺ وأصحابه عن البيت، وأرسلوا عروة بن مسعود الثقفي فلما جاء إلى النبي ﷺ توضأ ﵊ وهو حاضر يرى ويسمع، فقال: فما نزلت قطرة ماء على الأرض، وما تنخم نخامة، إلا تلقفوها جميعاً، فما تقع في يد رجل حتى يدلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له، ولا يرفعون الصوت عنده) وهذا أعظم من القيام، ومع ذلك تركهم النبي ﷺ يفعلون ذلك، وهذا من أعظم الغلو، ولكنه تركهم؛ لأن الموقف كان يستدعي ذلك.
جاء عروة بن مسعود مرسلاً من قريش يهدد النبي ﵊ أنه إذا قامت بينه وبين قريش حرب أنه لا يثبت؛ لأنه ليس عنده رجال يثبتون لحرب قريش، فأراد النبي ﵊ أن يقول له: هؤلاء الرجال الذين وصفهم عروة بن مسعود بالأوباش، وفي رواية البخاري (أوشاب)، قال: (ما أرى حولك إلا أوباشاً خليقاً أن يفروا ويدعوك) وفي الرواية الأخرى: (ما أرى حولك إلا أوشاباً خليقاً أن يفروا ويدعوك).
أي: إذا قامت حرب لا يصمدون أمام قريش، فأراد النبي ﷺ أن يقول له: إن هؤلاء لا يخلون بيني وبين قريش أبداً، وتركهم يفعلون ذلك، فلذلك أول ما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا المنظر رجع إلى قريش وقدم هذا التقرير: قال لهم: (يا قوم! لقد وفدت على الملوك، وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت أصحاب ملك يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمد محمداً، ووالله ما توضأ فسقطت قطرة ماء على الأرض، ولا تنخم نخامة فوقعت في يد رجل إلا دلك بها وجهه وجلده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له، ولا يرفعون الصوت عنده، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها) اقبلوها؛ لأنه لا قبل لكم بهؤلاء، فالمنظر الذي رأيته أنا لا قبل لكم بهؤلاء، لأن العرب كانوا لا يملكون مع فارس ولا الروم لا يداً ولا لساناً، فهم ينهزمون دائماً أمام فارس والروم، فهو يمهد لهم بهذه المقالة.
قال: (ما رأيت أصحاب ملك يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمد محمداً، لقد وفدت على الملوك: كسرى وقيصر والنجاشي) الذين يغلبونكم دئماً، ومع ذلك ما رأيت ناساً يعظمون ملكهم أو سيدهم كتعظيم هؤلاء لمحمد ﷺ ! ولذلك قبلت قريش الخطة مباشرة.
فكان هذا الترك مناسباً جداً؛ حتى يبلغ هذه الرسالة لقريش.
إذاً: فهمنا أن هذا له علة، فإذا خلت المسألة من العلة رجعنا إلى الأصل، وعملنا بسد الذريعة.
فالنبي ﵊ كان يحول بينهم وبين تعظيمه الذي يؤدي إلى تأليهه يوماً ما، وقد ظهر في المسلمين من أله غير النبي ﵊، لقد ألهوا علي بن أبي طالب كما في صحيح البخاري (أن جماعة قالوا: علي هو الله.
فطلبهم علي بن أبي طالب وحرقهم بالنار، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت مكانه ما حرقتهم؛ لأن النبي ﷺ قال: لا يعذب بالنار إلا رب النار).
لكن ما سيفعل ابن عباس بهم؟ قال: (لقتلتهم، لأن النبي ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه) فبلغت مقالة ابن عباس علي بن أبي طالب فقال: (يا ويح أمه!).
وإنما توجع علي بن أبي طالب لأحد أمرين: إما أنه توجع لأنه لم يكن عنده علم بالنهي وخالف النبي ﷺ من حيث لا يدري؛ فتوجع أن كان قضاؤه وحكمه على خلاف السنة.
أو أنه توجع أن ابن عباس حمل الأمر على التحريم وهو يراه على الكراهة فقط.
стр. 778
النهي عن قول: (ما شاء الله وشئت)
وكما قلت: الغلو أحد أركان الكفر، وهو رأس كل شر؛ ولذلك الرسول ﵊ كان يحول بين الصحابة وبين الغلو فيه، ولم يترك سبيلاً إلا سده، حتى في العبارة، وإن لم يكن المتكلم يقصد غلواً.
روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها: (أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود؛ فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود.
قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى؛ فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى.
فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله.
قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وما شاء محمد.
فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: هل أخبرت بها أحداً.
قال: عفان.
قال: نعم.
فلما صلوا خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن طفيلاً رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها.
قال: لا تقولوا ما شاء الله وما شاء محمد).
فانظر جعل اليهود والنصارى الكلمة عدلاً لقولهم: عزير ابن الله.
المسيح ابن الله.
يعني: لو قال ما شاء الله وشاء محمد كأنما قال محمد ابن الله، وهكذا قاسوها، وجعلوها من الشرك، وكأنهم قالوا له: لا تعيرنا، نحن وأنتم سواء، نحن قلنا: المسيح ابن الله، وأنتم تقولون: ما شاء الله ومحمد.
فكأنهم نزلوا العبارتين على معنى واحد.
فالرسول ﵊ خطب الناس ونهى أن يقول المسلم: ما شاء الله ومحمد؛ لأنه إذا قال ما شاء الله ومحمد، فهذا تشريك في المشيئة.
وفي الحديث الصحيح -الصحيحين- (أن النبي ﷺ لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله ثم شئت)، فقوله: (أجعلتني لله نداً؟!) يعني: لو قال ما شاء الله ومحمد كأنما جعل محمداً إلهاً ﷺ لذلك قال: (أجعلتني لله نداً) نداً: عدلاً، وفي اللفظ الآخر (عدلاً)، برغم أن المتكلم لا يقصد حقيقة المعنى.
ووصل الأمر في سد الذرائع إلى هذا الحد: أن العبارة لو كانت موهمة عدلها، حتى وإن لم تقصدها، فأنت لا تدري السامع كيف يؤولها وكيف يفهمها، ولذلك الرسول ﵊ لما نهى عن بعض الأسماء التي فيها إيهام بمعنى قبيح، نهانا عن التسمية بها، فقال (لا تسمين غلامك يساراً، ولا رباحاً، ولا نجاحاً، ولا فلاحاً -وفي رواية نجيحاً- حتى إذا قيل: أثمَّ هو؟ قال: لا) مع أن المتكلم ما قصد ولا سبق إلى ذهنه هذا المعنى، لا في حال الكلام ولا في حال الاستماع، (إذا قيل: أثمَّ هو.
قال: لا): يعني: مثلاً أن تقول: نجاح موجود؟ فيقولون: لا نجاح.
يسار موجود؟ لا يسار، كأنما نفى النجاح واليسار عن البيت، برغم أن المتكلم لا يقصد نفي اليسار ولا النجاح ولا الفلاح، ولكن المسألة ليست في المتكلم فحسب، بل ينبغي أن يراعي المستمع، ولذلك النبي ﷺ في باب الأيمان قال -كما في الحديث الذي رواه مسلم -: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) يعني: في التورية قد تتكلم بكلام لا يسبق إلى ذهن المستمع، وأنت تتخلص من الكذب بهذه التورية.
مثلاً: رجل دعاك إلى طعام، وأنت تعرف أن طعامه حرام أو فيه شبهة، كرجل -مثلاً- يعمل في بنك ربوي وليس له أي وظيفة إلا العمل في البنك الربوي، وأنت لا تريد أن تأكل عنده؛ لأن ماله حرام؛ لحرمة العمل في البنك.
فقال لك: تقدم فكل.
فقلت له: إني صائم، ومعنى صائم الذي يخطر على بال المستمع: أي: أنك صائم الصيام الشرعي الذي فيه امتناع عن الطعام، لكنك لست صائماً، وإنما قصدت أنك صائم عن طعامه، أي: أنا صائم عن الحرام، أو أنا صائم عن الكلام الفاحش، وهذه المعاني أنت قصدتها لكنها لم تخطر على بال المستمع.
وفي باب الأيمان -في الحلف- الرسول ﵊ يقول: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك) فلو حلفت على التورية صارت كذباً، يعني: قلت: أنا صائم، لست بكذاب، إذا قلت أنا صائم وقصدت الصيام الخاص عن طعام هذا الإنسان، لكن إذا قال لك: احلف أنك صائم، فلو حلفت وقعت في الكذب؛ لأن اليمين على ما سبق إلى ذهن صاحبك وليس على ما قصدته أنت، إذاً: أنت في حل ما لم تحلف، فإذا حلفت على المعاريض انقلبت كذباً، ففي بعض المواقف يراعى فيها حال المستمع.
فالرسول ﵊ نهى أن يسمي المرء غلامه نجاحاً أو فلاحاً أو يساراً؛ لأن هناك طرفاً آخر -المستمع- ربما سبقت الكلمة إلى ذهنه وفهمها على غير ما قصدتها.
والمستمع قد يسبق إلى ذهنه بدلالة العبارة معنى لم يخطر على بال المتكلم، فينبغي أن يراعى المستمع، ومن هذه الأسماء إسلام مثلاً، مع أنه اسم ذكر، إلا أن فيه نفس العلة التي من أجلها نهى الرسول ﷺ عن التسمي بيسار ونجاح ورباح.
يقال: إسلام موجود؟ لا يوجد إسلام.
لا يوجد إسلام.
يعني: نفي الإسلام عن البيت، وما قصد المتكلم ذلك لكن كانت كلمة مستبشعة عند المستمع.
فهو لما يقول: ما شاء الله وشئت، ما خطر على بال المتكلم، لكن وقعت في ذهن المستمع، ولذلك النبي ﵊ قال: (أجعلتني لله نداً -أو عدلاً-؟! قل: ما شاء الله ثم شئت) و (ثم) تفيد التراخي، وجود مسافة بين المشيئتين، فلا تسوي بين مشيئة الله وبين مشيئة النبي ﷺ .
هناك قصة مشهورة يذكرها العلماء حدثت بين الكسائي وبين أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ﵀، فكان الكسائي يقول: - من علم اللغة صار فقيهاً.
- فأنكر عليه أبو يوسف هذه المقالة، وقال: إن الفقه له قوانين وضوابط وأصول.
- فقال: فناظرني في مسألة.
- فقال له أبو يوسف: هات - فقال الكسائي: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق، ورجل قال لامرأته: أنت طالق وطالق وطالق، ورجل قال لامرأته: أنت طالق ثم طالق ثم طالق أيّ هذه تكون طلقة بائنة؟ فقال أبو يوسف: كلها.
ومذهب الأئمة الأربعة وجماهير أصحابهم: أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد تقع ثلاث طلقات، فلو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ تصير طالقاً ألبتة، لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، وخالفهم في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وقليل من العلماء ممن سبقه وأتى بعده، وهم الذين قالوا: لا يقع الطلاق إلا في مجالس منفصلة، وصارت عليه الفتوى من بعد شيخ الإسلام إلى الآن في المحاكم الشرعية.
- فقال أبو يوسف: كلها.
مع أن الأظهر على أصول الأئمة أن يقع تكرار الطلاق، يعني: لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً، فالأصل أنها تحسب واحدة، لكن متى يقع الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد؟ إذا كرر لأن العدد لا يفهم إلا مع التكرار، فلو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، وهو في مجلس واحد في جلسة واحدة، فعند الأئمة يقع ثلاثاً، لكن لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً، بمفهوم العدد لا يقع إلا واحدة، لأن العدد لا يفهم إلا مكرراً.
فلو قال مثلاً قال النبي ﷺ : (من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وكبر ثلاثاً وثلاثين، وحمد ثلاثاً وثلاثين -وفي رواية وكبر أربعاً وثلاثين بدل ثلاث وثلاثين- فتلك مائة؛ غفرت له ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر) فلو قال رجل: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، الحمد لله ثلاثاً وثلاثين، الله أكبر ثلاثة وثلاثين فهذه كم مرة؟ هل قالها مائة أو قالها ثلاث مرات فقط؟ ثلاث مرات؛ لأن العدد لا يفهم إلا مكرراً، أن أقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله أظل أعد ثلاثاً وثلاثين مرة، لكن لو قلت: الحمد لله ثلاثاً وثلاثين، لا تقع إلا مرة واحدة.
فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق بالثلاث فلا تقع إلا واحدة، إنما لو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق في مجلس واحد ومتكررة وراء بعضها، فعند الأئمة وعند جماهير الأصحاب تقع ثلاث مرات.
لذلك قال أبو يوسف ﵀: كلها تقع لماذا؟ لأن المرة الأولى قال لها: طالق طالق طالق، فكانت ثلاث طلقات، والثانية قال: طالق، وطالق، وطالق، والثالثة: طالق ثم طالق ثم طالق.
فاعترض الإمام علي بن حمزة الكسائي -صاحب القراءة المتواترة المشهورة، وهو أحد القراء السبعة- فقال: بل لا تقع ثلاثاً إلا الثالثة، التي هي: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، إنما: قوله: أنت طالق طالق طالق، خرج مخرج التأكيد اللفظي، كما لو قال رجل لرجل: أنت الكريم الكريم الكريم، كما قال النبي ﷺ عن يوسف ﵇: (هو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم)، كل هذا تأكيد للفظ الكريم، فلما تؤكد صفة تأكيداً لفظياً وتكرره فهي نفس الصفة ولم تتغير.
وفي المثال الثاني قال: أنت طالق وطالق وطالق، والواو لمطلق الجمع، وتفيد العطف أيضاً، والمعطوف الثاني هو عين المعطوف الأول، والمعطوف الثالث هو عين المعطوف الثاني وهو عين المعطوف الأول، فلم يبق في هذه الصيغ ما يقال: أنه منفصل -كل طلقة منفصلة عن أختها- إلا (ثم) التي تفيد التراخي، أي: كأنه قال: أنت طالق ثم فصل المجلس، ثم جاء فقال: أنت طالق ثم فصل المجلس، يعني: هناك تراخٍ بين الطلقة الأولى والطلقة الثانية، وبين الطلقة الثانية والطلقة الثالثة.
فالنبي ﵊ نهى أصحابه أن يقول أحدهم: ما شاء الله وشاء محمد، وقال: (إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها) فيمكن أن يستشكل إنسان هنا، ويقول: وهل يعمل النبي ﷺ بالحياء في مسائل التوحيد؟
стр. 779
وجوب التعصب للنبي ﷺ مطلقاً بلا قيد ولا شرط
كل هذا كان داعيته الغلو، لذلك تنبه العلماء ﵃ إلى مثل هذا الغلو، فكفوا أتباعهم عنه، وبينوا أن الوحيد الذي يجب له التعصب مطلقاً بلا قيد ولا شرط هو النبي ﷺ ، فتواترت هذه الكلمة على ألسنتهم جميعاً: (إذا صح الحديث فهو مذهبي).
وتراشق المقلدون من أصحاب المذاهب في البلاد بسهام الملام، وبدأت العصبية المذهبية تعمل عملها، فبدءوا يجعلون مدارس في كل بلد خاصة بتدريس كل مذهب، فالمدرسة النظامية التي بناها نظام الملك -مثلاً- في بغداد كانت لتدريس المذهب الشافعي فروعاً، والأشعري عقيدة، وصارت هناك المدارس التي تدرس المذهب الحنبلي والمذهب الشافعي والمذهب الحنفي والمذهب المالكي.
وأيضاً صارت العصبية في الوظائف، مثلاً: إذا استطاع عالم من العلماء أن يقنع رأس الدولة أن يكون حنفياً؛ فقضاة الدولة يكونون من الأحناف، وفقهاء الدولة من الأحناف، وأصحاب الوظائف من الأحناف، ويبدأ هذا الرجل الإمام الكبير الذي هو الرأس يبني المدارس لنشر المذهب الذي يعتقده صواباً، فإذا كانت الوظائف لا تقبل إلا من حنفي، فأنا أحتاج أن أدخل المدرسة الحنفية حتى أصير قاضياً؛ فصارت دراسة المذهب سلماً للوظيفة، وصار الرجل الكبير حتى وإن بلغ درجة الاجتهاد في المذهب لا يستطيع أن يخالف أقوال المذهب وإلا عزلوه، مع أنه بلغ مرتبة الاجتهاد، مثل تقي الدين السبكي وتقي الدين السبكي قرين ابن تيمية وصاحب الحرب الضروس عليه، وحامل لوائها وكذا ابن الزملكاني وابن تقي الدين السبكي تاج الدين عبد الوهاب -صاحب طبقات الشافعية- كان أشد من أبيه ألف مرة في التعصب، كان متعصباً للمذهب الأشعري بطريقة شديدة حتى أن الأشعري نفسه قد لا يتعصب لمذهبه مثل تعصب عبد الوهاب السبكي له، وقد ذبح شيخه الذهبي بسكين باردة، والإمام الذهبي صاحب كتاب: ميزان الإعتدال، وسير أعلام النبلاء، وابن السبكي عالة على شيخه الذهبي في التراجم؛ لأن الذهبي إمام التراجم كلها، فكل كتبه في التراجم، وقد تميز بذلك فقد كان يأخذ الترجمة بنصها، ومع ذلك كان شديد العقوق لشيخه الذهبي، ولم يتق الله فيه، ولم يرع أستاذيته، وكل هذا بسبب التعصب البغيض للمذهب الأشعري، ولأن الذهبي كان شافعياً في الفروع حنبلياً في العقيدة، ونحن نعرف أن أئمة العقيدة السلفية على مدار العصور هم الحنابلة، فهم الطائفة الوحيدة التي نجت من الابتداع، وقلما تجد فيها مبتدعاً في العقيدة، بخلاف الطوائف الأخرى.
فتجد ابن الجوزي -مثلاً- مبتدع في بعض مسائل العقيدة، وكذا ابن عقيل ليس على العقيدة السلفية، ولكن علماء الحنابلة كلهم هم حاملو لواء العقيدة السلفية.
أي: المذاهب الثلاثة أكثر علمائها يدورون ما بين الأشعرية، والماتريدية، والاعتزال، فحصل بينهم حروب شديدة بسبب التعصب للمذهب.
وتقي الدين السبكي كان رأس الشافعية في زمانه، وبلغ مرتبة الاجتهاد بحيث يسوغ له أن يخالف قول الشافعي بالدليل، فجرت محاورة بين ولي الدين العراقي ابن الحافظ زين الدين العراقي المحدث المشهور صاحب الألفية، وبين سراج الدين البلقيني، فقال ولي الدين للبلقيني: لم تمذهب تقي الدين بـ الشافعي وقد بلغ رتبة الاجتهاد؟ فسكت البلقيني.
فقال ولي الدين: أظن ذلك للأعطيات.
وقد كان هو قاضي القضاة، وإذا عُزل كان سيحرم عطاءه، قال: فتبسم البلقيني وكأنما أقره على ذلك.
فالعصبية من أجل المذاهب الفقهية في الفروع أدت إلى انشطار الأمة إلى طوائف وأحزاب كل حزب بما لديهم فرحون، ووصل الأمر أن هناك بعض الكتب الفقهية يبطلون صلاة الشافعي خلف الحنفي؛ لأن الحنفي -مثلاً- لا يوجب الوضوء من مس الذكر، ويفرضون الصورة الآتية: (حنفي مس ذكره، وتقدم للإمامة هل يصح لشافعي أن يصلي خلفه؟ الجواب لا لماذا؟ قال: لأن عند الشافعي مس الذكر ينقض الوضوء، فهذا الإمام بعدما مس ذكره في حكم غير المتوضئ، إذاً: صلى بغير وضوء، وعليه لا يجوز لشافعي أن يصلي خلف حنفي).
وأيضاً: لا يجوز لحنفي أن يصلي خلف شافعي؛ لأن الشافعية يجيزون الاستثناء في الإيمان، والإيمان عند الحنفية هو التصديق، والتصديق لا يتصور فيه النقص، يعني: -مثلاً- أنه لا يكون مصدقاً (١٠٠%)، فيقول: إما مصدق وإما مكذب، والإيمان تصديق، فإما كامل الإيمان وإما مسلوب الإيمان، والشافعية يجيزون أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، يقول: (إن شاء الله) استثناء في الإيمان فيكون شك، والشاك في إيمانه كافر، وعليه فلو أن رجلاً شافعياً كان إماماً ويشك في إيمانه فلا يجوز لحنفي أن يصلي خلفه.
وتفرع على ذلك
السؤال
هل يجوز لحنفي أن يتزوج شافعية؟ فأفتى مفتيهم بأنه لا يجوز! حتى أكرم الله الأمة بمفتي الثقلين -كان اسمه هكذا لأنه كان يفتي حتى الجن- فقال: أنزلوها بمنزلة أهل الكتاب.
أي: كأنها يهودية أو نصرانية، ودعوا الحنفي يتزوجها.
فانظر لو أنهم جميعاً قضوا من معين واحد ولم يعظموا الرجال؛ ما اتسع الخرق إلى هذا الحد، فلماذا تتعصب لـ أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد؟ يتعصب لأنه يظن أن شيخه هو أفضل الشيوخ جميعاً وعلم ما جهلوه جميعاً أليس هذا غلو؟ هذا غلو إذا اعتقدت أن شيخك أفضل الشيوخ، لكن هناك من هو أفضل منه في بعض الجزئيات، أو أن الجزئيات التي لا تتناهى ويمكن أن يُتَعقب شيخك فيها؛ كان مدعاة لعدم الغلو، إذا قلت: أخطأ شيخك في هذا قبلت، لكن هم يعتقدون أن الشيخ هو مجمع الفضائل ولا يخطئ، فكان في ذلك إعراض عن سنة النبي ﷺ وعن الحنيفية السمحة.
لدرجة أنه سئل رجل عالم سؤالاً: إذا أفتى أحد العلماء المعتبرين بفتوى، وكان حديث النبي ﷺ على خلاف الفتوى من نتبع؟ قال: اتبع فتوى العالم!! أهذا يقوله مسلم قرأ قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]؟! هل هناك رجل يقول مثل هذا الكلام؟! طبعاً يعتقد في نفسه أن العالم يجمع الأحاديث الواردة في الباب، فيمكن أن العالم هذا يكون وقف على حديث خصص الحديث الذي تحتج أنت به أو قيده، أو يمكن أن الحديث الذي تحتج أنت به في مقابل الفتوى منسوخ مثلاً، فالعالم قبل أن يقول يجوز أو لا يجوز يسمع الأدلة كلها ويجمع الأدلة بعضها على بعض، ويبين الخاص من العام، والمقيد من المطلق، ويفهم الناسخ من المنسوخ، ويفهم المجمل على ضوء المبيّن مثلاً، العالم هذا عمله فيمكن أن العالم قد جمع بين الأحاديث وعلم ناسخها ومنسوخها، ثم قال لك: لا يجوز، فأنت إذا أخذت بقول النبي ﷺ ربما أخذت بحديث منسوخ أو بعام خُصص، أو بمطلقٍ قُيد، أو بمجملٍ بُيِّن، فيقول لك: الأحوط والأسدّ أن تتبع قول العالم.
ونحن نرد على هذا الكلام ونقول: ألا يجوز على العالم أن يخطئ؟ أم يجب أن يكون مصيباً؟ قد يخطئ، فإذا كان العالم بعد هذا الجهد يمكن له أن يخطئ، فلا شك أن اتباع الذي لا يخطئ أولى من اتباع الذي يجوز عليه الخطأ، فلو لم يكن عندي إلا قول النبي ﵊، وفي مقابله فتوى عالم يمكن له أن يخطئ، فلا شك أن اتباع المعصوم الذي لا يخطئ أولى من اتباع الذي يخطئ.
ثم إن فيه تعظيماً للنبي ﵊، فلو عودنا الناس على رد حديث النبي ﵊ بقول كل عالم لضاعت السنة كلها؛ بل لضاع الدين كله، فأين الآيات التي فيها تعظيم النبي ﵊ وأنه لا يجوز لأحد أن يقدم قول أحد على قوله كائناً من كان؟! أين هذه الأدلة القطعية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟! إذاً: في حالة عدم وجود من يرجح ويبين سبب مخالفة الفتوى للنص بسبب النسخ أو حمل المطلق على المقيد وغير ذلك؛ يجب وجوباً أن نتبع الحديث ولا نتبع قول العالم لأن هذا هو الأسدّ، وهذا هو الواجب عليك تبعاً للنصوص القطعية في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.
стр. 780
الأسئلة
стр. 781
حكم الموسيقى
السؤال
ما حكم الموسيقى؟
الجواب
الموسيقى حرام كلها حتى الدُّف، إلا في ما يتعلق بالضرب عليه للجواري في الأفراح؛ لأن الدفَّ من المعازف، والرسول ﵊ يقول كما في الحديث الذي رواه البخاري معلقاً، ورواه البيهقي وغيره موصولاً: (ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ -الذي هو الفرج، بمعنى الزنا-، والحرير، والخمر، والمعازف).
فالمعازف معطوفة على بقية المحرمات، وكلمة (يستحلُّون): إشارة إلى أنها كانت حراماً، فاستحلوها، وجعلوها حلالاً.
ولهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة اتفق العلماء على تحريم الغناء.
وشيخُنا أبو عبد الرحمن الألباني حفظه الله له كتاب لطيف نُشِر هذا العام اسمه: تحريم آلات الطرب.
هذا الكتاب كتبه قبل قرابة أربعين سنة، وكان رداً على مقال نُشر في جريدة بعض الأحزاب الإسلامية آنذاك، وكتب فيه نفس المقال، وأنا لما قرأت المقال تعجبتُ؛ لأنني كنتُ كتبتُ كتاباً ضليعاً للكتاب، في الرد على الشيخ محمد الغزالي ﵀، اسمه شمس اللآلي في الرد على الشيخ محمد الغزالي، وأنا أتكلم على مسألة الغناء، فقلت: إنه ثمة بعض أناس يقولون: نريد المسلم في كل مناحي الحياة، حتى إذا قامت دولة الإسلام تجد المسلمين في كل مجال! يا أخي! حتى تأتي دولة الإسلام نكون غير موجودين أصلاً؛ لأننا سنكون قد انتهينا.
فلو دخل أحدنا في السياحة والفنادق على أمل أن يأتي الإسلام ويحكم، فهل سيعيش إلى ذلك الوقت؟ فإذاً: يا إخوة! هو كان يريد من هذا الكلام -حسب زعمه- تخصصاً ملتزماً.
فهم عندهم هكذا، يقولون: نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، والمزارع المسلم، والفلاح المسلم، والنجار المسلم.
ونحن نقول: من قال: إننا لا نريد هؤلاء؟ نحن أيضاً نقول: نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، ونريد المسلم المتخصص في كل شيء، ولكن بالضوابط الشرعية.
فأنا قلت: ولربما قال: والموسيقي المسلم، والطبَّال المسلم، والزمَّار المسلم.
فبعض الناس لامني، وقال: إن كلمة الموسيقي المسلم، والطبال المسلم، فيها استفزاز وتجاوز.
فلما وقفتُ على كتاب شيخنا الألباني حفظه الله ووجدتُ المقال الذي ألّف الشيخ ناصر لأجله هذا الكتاب، عرفت أنني من أصحاب الجرح مع أنني لستُ بدكتور، لكني أفتي من غير أن تكون معي شهادة.
هذا المقال ماذا يقول؟ يقول نص المقال في هذه المجلة: إننا نحتاج المسلم في كل شيء، الغرب لديهم معزوفة هادئة تسمى السيمفونية، ونحن ليس عندنا، مع أن الأمة مليئة بالعباقرة، لِمَ لَمْ يعمل لنا شخصٌ موسيقى إسلامية هادئة؟ فأنا -في الحقيقة- استغربت وضحكت! أنا أريد أن أعرف كيف تكون موسيقى إسلامية؟! أيكون الوتر مقلوباً إلى اليمين مثلاً؟! أو مثلاً يعزف بلسانه مثلاً أو يعزف برءوس أنامله؟! في الموسيقى الغربية يكون المغني يتنطط -كما في موسيقى الجاز وغيرها- مثل الجربان، ونحن نغني بوقار فنركِّب لحيةً، ونلبس الطاقية، ونعدل الطربوش، ونعزف؟! أنا أريد أن أعرف هذا الكلام؟ ما معنى موسيقى إسلامية؟! وأيضاً صاحب المقال في المجلة زعلان! لأن المسلمين ليس فيهم حتى الآن عبقري واحد يقف أمام بيتهوفن، ويعمل شيئاً يشرفنا ويطيل رقابنا عند الغرب! انظر المسألة كيف وصلت إلى هذا الحد! هذه الأمة لن تنتصر أبداً، إذا كانت همها الموسيقى والأغاني، والمشكلة أن الشباب يحتجون بعلمائها، فعندما يسمع عالماً كبيراً يُشار إليه بالبنان يظل نحواً من خمسين عاماً يحل الأغاني -ونحن لا ننكر أن الله فتح قلوباً به وفتح آذاناً صماً بكلامه- ولكن لِمَ يقول هذا الكلام؟! فكل الذين يسمعون الأغاني يسمعون لفتاوى هؤلاء.
الحقيقة: أنا لا أعلم أحداً من العلماء الذين تدور عليهم الفتوى قال: إن الغناء حلال، أو إن الموسيقى حلال، بل إن الموسيقى كلها حرام، ومنها الدُّف إلا في المناسبات للنساء.
أما الذين ينشدون في الأعراس ويقولون: إنهم فرقة إسلامية ويضربون الدف، وتجدهم كلهم قد لبسوا ملابس موحدة.
ذهبت مرة لأصلي في المسجد التابع للمعهد الديني الأزهري، وللمرة الأولى أرى دفوفاً وفرقة على الباب، فاستغربت جداً، وقلت: ما هذا؟ فقيل: هذه فرقة، جاءت للإنشاد.
قلت: ما هذا الكلام؟ قيل: هذه فرقة إسلامية.
ماذا تعني (إسلامية)؟ قيل: لأننا نعمل بديلاً للفرق صاحبة (الكابريهات) وما شابهها.
فهذه أيضاً هي نفس فكرة الموسيقى الإسلامية الهادئة الهادفة.
ألا فليعلم هؤلاء جميعاً أن هذا لا يجوز ولا يحل، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والذي يُستغل كلامُه على حلق اللحية، ويقال: شيخ الإسلام أفتى بجواز حلق اللحى لضرورة التخفي في دار الحرب.
أقول: لهم: خذوا كلام شيخ الإسلام كله، ولا تأخذوا كلام شيخ الإسلام في موضع، وتتركوه في موضع آخر، بل خذوه كله.
سئل شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، عن حكم ضرب الدف للرجال، فقال هذه العبارة: لا يفعله إلا الفساق.
وقد نقل عن مالك والشافعي التشديد على هؤلاء، وأنه لا يحل للرجل أن يضرب بالدُّف.
إذاً: فضرب الدُّف لا يجوز للرجال، إنما يجوز للنساء في المناسبات.
فلعل بعض الناس يقول: كلمة (المناسبات) واسعة، فماذا تعني بها؟ أعني بها: الأفراح مثلاً، وما جرى مجرى الفرح، لما ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إنني نذرتُ إن أرجعكَ الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ، فقال لها: أوفي بنذركِ).
فلا شك أن رجوعه سالماً ﵌ أجل من العيد، بالإضافة إلى جواز ضرب الدف للنساء فقط، فهو شيءٌ مباحٌ في حقها، وقد نَذَرته، وفي يوم عيد وهو رجوعه ﵊ سالماً، فقال لها ﷺ : (أوفي بنذركِ).
والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 782
الأصول العشرة في التربية
السؤال
نرجو من الشيخ إعادة ذكر الأصول العشرة في التربية.
الجواب
بعضُ الإخوة يريد أن أتلو مرةً أخرى الأصول العشرة حتى يتمكن من كتابتها! الأصل الأول: (مِن أوسع أودية الباطل الغلوُّ في الأفاضل).
الأصل الثاني: (دَعْ ما يسبق إلى القلوب إنكارُه، وإن كان عندك اعتذارُه).
الأصل الثالث: (ترك الاعتراض على الأكابر محمود، وكثرةُ المِراء يورث الصدود).
الأصل الرابع: (مَن لم يصبر على جفاء أستاذِه؛ تجرَّع الخسران بتصدُّع ملاذِه) الأصل الخامس: (تنكَّب في الخصومة حظَّ نفسِك، واقهرْ هواكَ بإنصاف خصمِك).
الأصل السادس: (مَن لم يخلع عنه رداء الكبر؛ ظلَّ جاهلاً من مهده إلى القبر).
الأصل السابع: (وطالب العلم بلا وقار كمبتغ في الماء جذوةَ نار).
الأصل الثامن: (حسنُ العهد من الإيمان، والوفاءُ والودُّ له ركنان).
الأصل التاسع: (مَن لَزِم التواضعَ والانكسار؛ فُتِح له بذاك وطار كلَّ مطار).
الأصل العاشر: (ليس حمل أثقل من البِر، مَن بَرَّك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك).
стр. 783
حكم الترضي والترحم على العلماء
السؤال
هل يجوز أن نقول عن العلماء إذا ذكرناهم: ﵃، أو نقول: ﵏؟
الجواب
أما قول: ﵃ فجائز؛ لكن هناك اصطلاح معمول به عند العلماء حيث جعلوا الصلاة على الأنبياء، والترضِّي على الصحابة، والترحُّم على سائر العلماء، بدءاً من التابعين إلى عصرنا.
وقد صح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (لا يُصَلَّى -أو قال: لا يُسَلَّم- إلا على نبي).
لماذا؟ لأن من شعار بعض أهل البدع الصلاة أو التسليم على غير الأنبياء، مثل: الشيعة.
فالشيعة إذا ذكروا علياً وسائر أهل البيت يقولون: علي ﵇، ولا يسلمون على نساء النبي ﷺ ، والآية التي في الأحزاب نزلت فيهن، ومع ذلك لا يسلمون عليهن، بل يفسرون قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] فيقولون: إنها عائشة.
وبُغضُهم هو لسائر نساء النبي ﵊ فيما عدا مَن روت أحاديث في فضائل آل البيت مثل أم سلمة، ويقولون: إن جميع الصحابة ماتُوا على النفاق ما عدا البعض.
فشعار أهل البدع كالشيعة أنهم يخصون السلام على أهل البيت: علي بن أبي طالب وفاطمة وأولادها: الحسن والحسين، فلذلك صح عن ابن عباس أنه قال: (لا يُصَلَّى إلا على نبي، أو لا يُسَلَّم إلا على نبي).
إذاً: المسألة مسألة اصطلاحية، فيجوز أن تقول: محمدٌ من باب أنه عزيزٌ وجليل، ومع هذا فسائر العلماء لا يذكرون هذه الصيغة إلا مع الله ﵎.
كذلك إذا قلت: أبو بكر صلى الله عليه، فهذا سائغٌ؛ لأن النبي ﵊ صلى على بعض أصحابه، كما في الحديث الصحيح: (أنه دخل يزور جابر بن عبد الله الأنصاري، فجلس عنده -وكان جابر قد أمر زوجته أن لا تطلب من رسول الله ﵌ شيئاً- فقبل أن يخرج النبي ﵊ تبعته امرأة جابر وقالت: يا رسول الله! صلِّ عليَّ وعلى زوجي، فقال: صلى الله عليكِ وعلى زوجك).
فالصلاة هنا بمعنى: الدعاء والرحمة.
وكذلك في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (اللهم صلِ على آل أبي أوفى).
ومع أن هذا سائغ فالعلماء يخصون الصلاة بالأنبياء دفعاً للإيهام، كذلك إذا قلتَ: (عن سعيد بن المسيب ﵁ فالجماهير قد تتصور أنه صحابي.
فلا مُشاحَّة في الاصطلاح إذا قيل في العالِم: ﵁، جاز ذلك.
والله أعلم.
стр. 784
حكم الأغاني
السؤال
لماذا الأغاني حرام؟
الجواب
الأغنية مركَّبة من: مغنٍّ -أعني: صوتاً-.
وكلمات.
وألحان.
فإذا كان المغني امرأة؛ فقد اتفق العلماء جميعاً على حرمته، لا سيما إذا كانت تواجه الجماهير، فالمسألة هنا تكون أعظم، وإذا أضيفت إليها المزامير فالمسألة أطم.
إنما الرجل إذا أنشد شيئاً من الشِّعْر بصوتٍ جميل، جاز له ذلك بشرط ألاَّ يكون في الشعر كلام منافٍ للعقائد أو للآداب أو للنصوص أو لغيرها؛ لأن الشعر حَسَنُه حَسَنٌ، وقبيحُه قبيح.
يقول حسان بن ثابت: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ هجوتَ محمداً براً تقياً رسولَ الله شيمتُه الوفاء أتهجوهُ ولستَ له بكُفءٍ فشرُّكما لخيرِكما الفداءُ فإن أبي ووالدَه وعرضي لِعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ هذه أبيات جميلة، فإن قام شخص -مثلاً- وذَكَرها، وحسَّن صوتَه بها فهذا جائز.
إذاً: المسألة لها ثلاثة أركان: - المرأة لا يحل لها ذلك، لا بموسيقى، ولا بغير موسيقى.
- يبقى الكلام حَسَنُه حسنٌ، وقبيحُه قبيح.
- فإذا انضافت الموسيقى إلى المغنِّي؛ رجلاً كان أو امرأةً، فإنه يحرم باتفاق علماء المسلمين جميعاً، ولم يشذ عن علماء المسلمين المعتبَرين أحدٌ أذكرُه إلا ابن حزم، وإذا كان معه ابن طاهر -مثلاً-، وهذا الشذوذ قد رد عليه العلماء كلهم.
وتجد في هذا الباب شيئاً غريباً، وهو أن الذين يتكلمون عن الغناء اليوم، يزعمون كذباً أن هذا هو مذهب الكافة من العلماء! والعلماء الأربعة وجماهير أصحابهم على تحريم الغناء قاطبة، ولم يشذ إلا ابن حزم، والواحد يتعجب من ابن حزم في هذه القضية مع شدته على المخالف في الفروع، إلا أنه متسامح جداً في هذا الباب.
ولعل نشأة ابن حزم كانت قد أثرت عليه في ذلك، فـ ابن حزم نشأ في الأندلس، واللواتي ربَّين ابن حزم نساء كلهن، وأنا أستغرب كيف أن هذا الغضنفر خرج من بين هذه الأيادي الناعمة، فأنا أتصور أن الذي تربيه النساء يخرج متساهلاً، يقال: هذا تربية امرأة، ليس بتربية رجل.
فكيف خرج هذا الأسد والغضنفر والقسورة من بين أيدي النساء؟! إن كتابه ما ألف مثله أحد، وألفاظه قوية جداً، حتى قيل: سيف الحجاج ولسان ابن حزم صديقان؛ لأن سيف الحجاج ما كان يفرق بين رقاب الناس، وكذلك هو لا يفرق بين دماء المسلمين ودماء العلماء، إذا وجد عالماً خالف فمباشرة يرد.
فشذَّ ابن حزم في هذا، وولع المتأخرون بفتوى ابن حزم تحت ضغط الجماهير، وضغط الواقع المخالف، حتى تجد العالم منهم يفتي بفتوى عجيبة الشكل، مثلاً أكبر رأس دينية عندنا سئل في ميلاد المغني الشهير العندليب، سئل سؤالاً: أهذا الرجل في الجنة أم في النار؟ فقال لهم: وهل أنا مَن لديه المفتاح؟ بالله عليكم أهذه إجابة؟! وآخر قيل له: أهو في الجنة أم في النار؟ فقال: طبعاً في النار.
لماذا؟ قال: لأنه مات مسيحياً.
فهذا رجل صريح، ويفتي على أصول، ولا خافَ وحدةً وطنية ولا غيرها.
أما هذا الجواب الذي أجاب به الأول: (وهل أنا مَن لديه المفتاح) فنعم.
صحيحٌ، نحن نعرف أن المفتاح ليس معك ولا مع غيرك؛ لكن كان ينبغي أن تأتي بفتوى واضحة، فصحيحٌ أنه لا يُفتى لمعين بجنة ولا نار؛ لكن نقول: إن هذا الذي فعله فسق، ونحن لا نحكم على الفاسقين أنهم في النار، ولا على العصاة أنهم في النار، لعل لهم حسنات ماحيات، أو لعل لهم أشياء لا نعرفها، أو يتغمدهم الله برحمته ابتداءً مثلاً، أو لعل الله رزقه توبة بين يدي موته، فنحن لا نحكم لمعين بجنةٍ ولا نار، إلا إذا كان عندنا نصٌ من المعصوم، مثل: فلان في النار.
وهذا معنى قول العلماء: مَن لم يكفِّر الكافر فهو كافر، أي مَن لم يكفِّر مَن كفره الله ورسوله، بدليلٍ قطعيٍ لا يتطرق إليه الشك من جهة الثبوت فهو كافر؛ لأنه يردُّ على الله ورسوله، إنما أي واحد ليس عندنا دليل قطعي في تكفيره، لا يحل لنا أن نُقْدِم على تكفيره لوجود الاحتمال.
فصحيح أن المفتاح ليس معه؛ لكن يندد بما كان يفعل.
فيقول مثلاً: كان يغني بالحرام، ففي بعض كلماته: القَدَر الأحمقُ الخُطى سَحَقَتْ هامتي خُطاه أو أنه كان يحلف بعيني محبوبته أو بمخها، أو بعقلها، أو بأي شيء، وهذا كله شرك ولا يجوز، فضلاً عن الموسيقى والتأوهات والكلام الفارغ الذي كان يقوله، فهذا كله حرام؛ لأن هذا كله فتح لباب الفسق على مصراعيه.
فما كان ينبغي أن تمر هذه الفتوى بدون هذه الإدانة؛ لكنه خائف من (الدستور) و (روز اليوسف)؛ فهذه بعض كلاب مسعورة تنهش أي شخص، فإذا قال بكلام مثل هذا قالوا: هذا هو الإرهاب الذي يريد أن يلغي المتعة؛ لأن أعصاب الناس متعَبة، والاقتصاد منهار، والغلاء فاحش، فهم يريدون أن يسمعوا كلمتين غنائيتين لينسوا واقعهم المر.
فيهجمون عليه.
إن عندنا طابوراً خامساً عمله أن يأكل في الخارج، ويتغوط عندنا.
وعندما أصدر شخص كتاباً عن الفنانات التائبات، وأراد أن يعمل إعلاناً مدفوع الأجر عن الكتاب في التلفاز، فقال: أنا أدفع المال، وأريد أن أعمل إعلاناً عن فنانات تائبات، فالعباقرة رفضوا نشر الإعلان؛ قالوا: لأن معنى تائبات أن اللاتي لم يتبن يكن عاصيات، أي: أننا نحارب قطاع الفن ونهدم شغلنا بأيدينا، ولكن غير العنوان وسننشر لك الإعلان.
ينبغي للعالِم ألا يهاب أحداً، فإذا تعلق قلب العالِم بنصر العوام إياه، هُزم في أول جولةٍ من أضعف عدو، لكن العالِم يتعلق قلبه بالله فقط.
٠ لا يوجد عالِم من المتأخرين أخذ شهرة الإمام أحمد حتى قيل: إذا رأيت الرجل يبغضُ أحمد، فعادِه على الإسلام، جعلوا أحمد رمز الإسلام، وما نال أحمد ﵀ هذا إلا بعد الفتنة التي رفعت مناره.
فالإمام أحمد العدل الثقة الثبت الرضا، لما أُبتلي بمحنة خلق القرآن، وكان يحضر مجلسه مائة ألف محبرة، دخل أحمد وجلد، ماذا فعلت المحابر؟ هل نصروه؟ هل فعلوا له شيئاً؟ ما فعلوا شيئاً، في حين أن كتب التاريخ تذكر أن المأمون سمع همهمةً ودمدمةً خارج قصره: أيها العرب! ماذا تريدون؟ قالوا: نريد لحماً.
فأرسل إلى بلاد أخرى وأتى لهم باللحم.
إذاً: العوام يهمهمون، ولا يخافون من الأمن المركزي، ولا شيئاً من هذا، لقد ذهبوا إلى أمام قصر الخليفة، وقالوا بصوت عالٍ: نريد أن نأكل لحماً.
فقال: أعطوهم لحماً.
فالعوام لا يتحركون إلا لهذا الهدف فقط.
فالعالِم إذا مضى في طريقه وهو ينتظر من العامة أن ينتصروا له، أو يثأروا له، أو أن يخرجوا مظاهرات من أجله أو شيئاً من هذا؛ فهذا مغلوب قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٩] هذا هو مذهب العالِم.
فأنا لما أرد على هذه الفتوى أقول: أنا لا أحكم بجنةٍ ولا نارٍ؛ لأن مذهب أهل السنة كذا وكذا وكذا؛ لكن ما فعله هذا الرجل، كان فسقاً وفجوراً، وكان كذا وكذا، وهو ميت، لا أترك الفتوى مبتورة، هذا هو واجب العالِم؛ لأن العالِم ناصح، وتَرْكُ إسناد الفتوى بهذه الصورة خيانة لأمانة العلم والرسالة.
فالغناء اتفق العلماء على حرمته، ومن العَجيب أن هناك ممن يُشار إليه بالبنان يكتب وهو يتكلم عن حل الغناء فيقول: لا أرى في الغناء بأساً، وأنا أحب أن أسمع أغنية: أخي جاوز الظالمون المدى فحق الجهاد وحق الفدا وكذلك: وُلِد الهدى فالكائنات ضياءُ وفمُ الزمان تبسمٌ وثناءُ كلامٌ جميل.
وفيروز كذلك لها أغانٍ جميلة أيضاً في آخر الليل، تُحَب.
لاحظ الكلام! آخر الليل؟! عند قيام الركَّع السجود، وتجلي الله ﵎ للخلق، ونزولِه للسماء الدنيا: (هل من تائبٍ فأتوب عليه؟) وقال النبي ﷺ بعد أن سئل عن أفضل الصلاة بعد الفريضة: (في ثلث الليل الآخر) في هذا الوقت أقعد أنا أسمع لـ فيروز؟! والذي يقولها رجلٌ يشار إليه بالبنان؟! ﵀، وسامحه، وتجاوز عنه.
ويحتجون به علينا، ويَصْدُرُ هذا الكلام في كتاب، وينشر ويُطبع في ثلاث عشرة صفحة.
ورجلٌ آخر ممن يشار إليه بالبنان يقول: لا زال العلماء الكبار يقولون بذلك، وقد قال حسن العطار شيخ الجامع الأزهر: مَن لم يصغِ إلى حنين الأوتار فطبعه أجلف من طبع الحمار.
هذا هو الدليل الذي جاء به.
فأنزلوا كلام حسن العطار منزلة كلام المعصوم.
لا يعرفون ما معنى الدليل، لو تسأل أحدهم وتقول له: ما هي الأدلة في أصول الفقه؟ تجده لا يعرف شيئاً، وهذا يذكرني بالرجل الآخر الذي قيل له: يا مولانا قيل: إن الصلاة في المساجد التي فيها قبور حرام.
فقال: يكفي أنني أصلي في المسجد، فجعل فعله دليلاً، أي: بما أنه يصلي في الجامع الذي فيه القبور فكيف يكون حراماً وهو يصلي فيه؟! فهؤلاء لا يعرفون معنى الأدلة، ولا يعرفون إقامة الفتوى بدليلها.
من أراد أن يتبع العلماء، ويستمع إلى الفتوى الصحيحة التي ما قال بها أحد إلا احتج به؛ فليتبع فتاوى الأئمة الأربعة الذين صرحوا بتحريم الغناء، بل إن بعض العلماء -وهذا يدل على أنه كان مشهوراً عندهم- مثل الإمام أبو بسطام شعبة بن الحجاج ﵀، الذي كان شامة في جبين المحدثين، رفع اسم البصرة إلى السماء، ترك الرواية عن أحد شيوخه الثقات واسمه: المنهال بن عمرو وكان من رجال البخاري؛ لأنه وهو مار بجانب الدار سمع صوت مزمارٍ أو عود ينبعث من دار المنهال، فترك الرواية عنه وأسقط بذلك روايته؛ لأنه بهذه الصورة صار فاسقاً.
وقال الشافعي ﵀: إذا اشترى رجلٌ جارية فوجدها تغني؛ ردَّها بالعيب.
الإمام أحمد بن حنبل رد كلام شعبة، وقال: لعله كان يعزف على العود وهو لا يدري، أ
стр. 785
الحاجة إلى العلماء الربانيين
حاجة الناس إلى العلماء كبيرة جداً؛ فهم بمثابة المنارات التي تضيء للناس الطريق خلال سيرهم إلى الله ، ولولا هذه المنارات لانحرف الناس عن الطريق الصحيح، وصار كل أحد يجتهد ويأخذ برأيه، مما يؤدي إلى تفرق المسلمين واختلافهم فيما بينهم.
стр. 786
مساواة الإسلام بين الشريف والوضيع
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
من السالف المعروف أن العرب في الجاهلية الأولى كانوا شذر مذر، لا تربطهم عاطفة، ولا يجمعهم جامع، وليس بينهم قاسم مشترك، إنما هي العصبية للدم والعرض، فالقبيلة القوية هي التي تسود، والضعيفة تحت الأقدام هذا هو موقف الجاهلية الأولى.
لذلك لما أراد بعض الناس أن ينقل هذا المنطق إلى الإسلام رفضه النبي ﷺ رفضاً قاطعاً، فإنه لما سرقت المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده، فثبت أنها جحدت -سرقت- فرفع الأمر إلى النبي ﵊، فخرج حكمه بقطع يدها، فاستشاط بنو مخزوم، فقالوا: يا للعار! امرأة من بني مخزوم التي حازت الشرف، ولها موقع عالٍ في وسط العرب تعير بأن امرأة منهم سرقت! وقطعت يدها! لا، فذهب الرجال بعضهم خلف بعض يشفعون، وقالوا: ندفع أي فدية، نفعل أي شيء.
ولكن النبي ﷺ أبى إلا أن يقطع يدها، فأرسلوا إليه الحب بن الحب أسامة بن زيد بن حارثة، ظناً منهم أن النبي ﷺ يمكن أن يداهن في حدود الله بحبه لرجل، فلما ذهب إليه أسامة، وهو الحب بن الحب، قال له النبي ﵌: (أتشفع يا أسامة في حدٍ من حدود الله؟! والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها).
تنفيذ الحد حق الله ﵎، ليس حق بشر، فإذا رفعت الحدود فلا شفاعة فيها، وليس للنبي ﷺ الحق في إسقاط الحد بعد أن يرفع إليه، وفي السنن أن صفوان بن أمية ﵁ قال: (جاء رجلٌ فاستل بردتي من تحت رأسي، فأمسكته، فذهبت إلى النبي ﵌، وكانت البردة تساوي ثلاثين درهماً، فأمر بقطع يده.
فقلت: يا رسول الله! تقطع يده في ثلاثين درهماً! وهبتها له، لا أريدها، فقال ﵊: هلا قبل ذلك -هلا عفوت عنه قبل أن ترفع الحد إليّ- ثم أمر بقطع يده).
وقال النبي ﵌ يعقب على هذا الخُلق: (إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) فهل دم الضعيف أرخص من دم الشريف؟ لماذا تقيسون الرجال بالشرف والمال؟ وحين جاء النبي صلى الله عليه قلب المفاهيم التي كانت في الجاهلية، وأقامها على الجادة، وأصبح الرجال يوزنون عند الله بقلوبهم لا بأجسامهم، حتى أنك ترى الرجل العظيم لا يساوي عند الله جناح بعوضة، جاء في الصحيح: (أن رجلاً مر، له شارةٌ حسنة، وعليه سمت حسن.
فقال النبي ﵌ لأصحابه: ما تقولون في هذا؟ قالوا: هذا حري إذا تكلم أن يسمع له، وإذا تزوج أن ينكح، فسكت فمر رجلٌ فقير، عضه الفقر بنابه، قال لهم: ما تقولون في هذا؟ قالوا: هذا حري إن تكلم ألا يسمع له، وإن تزوج ألا ينكح؟ فقال ﵊: هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا) ولك أن تتخيل سعة الأرض.
فالله ﵎ يزن الناس بالقلوب؛ قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] فألغى مظاهر التفريق، وأرجع المسلمين كلهم إلى رجلٍ واحد، فقال ﵊: (إنما المؤمنون كرجلٍ واحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) هذا لفظ مسلم، وفي الصحيحين: (مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد).
ظل الأوس والخزرج يقتتلون أربعين عاماً، فلما جاء الإسلام أعطى بعضهم ماله -بل وزوجته- لأخيه الذي هاجر، وهذا النوع من الأخلاق لم يكن من أخلاق العرب، فقد كان العرب عندهم غيرة شديدة على النساء، ومن ذلك ما حكي عن سعد بن عبادة أنه لم يكن يسمح لرجلٍ أن يتزوج امرأته إذا طلقها؛ لأن سعداً يغار، فكان الرجل منهم بعد أن مس الإسلام قلبه يتنازل عن امرأته لأخيه، حتى أنهم صاروا جسداً واحداً فعلاً.
لما اختصم رجل من المهاجرين مع رجلٍ من الأنصار قال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فخرج النبي ﷺ مغضباً؛ كأنما فقئ حب الرمان في وجهه من حمرته، يقول: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة، دعوها فإنها منتنة).
стр. 787
حرص الإسلام على تقوية روابط الأخوة بين المسلمين
حرص الإسلام على أن يجعل شعائر جماعية للمسلمين حتى تذكرهم بهذه الآصرة القوية برحم الإسلام، فجعل شعيرة يومية: وهي الصلوات الخمس، وأسبوعية: وهي صلاة الجمعة، وسنوية وهي الحج؛ لأن الإنسان ينسى، وقد قال ابن عباس: (إنما سمي الإنسان إنساناً لكثرة نسيانه)، وكما قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، فهل استفاد المسلمون من هذه الشعائر في تقوية روابط الأخوة فيما بينهم؟ أم أنهم ينسون بعد كل اجتماع فيحتاجون إلى تذكير آخر؟ فلذلك جعل الله شعائر الاجتماع على فترات، فبعد الصلوات الخمس تأتي شعيرة الجمعة، وبعد الجمعة تأتي شعيرة الحج.
لماذا تفرق المسلمون اليوم؟ ولماذا صار المسلمون وحدهم هم الذين يطعنون ويضربون؟ لماذا أصبح دمهم أرخص دمٍ في العالم؟ أدمهم أرخص من دم عباد البقر ومن دم أولاد القردة والخنازير؟ أدمهم أرخص من دم عابد الحجر؟ لماذا رخص دمهم؟! لأنهم ليس لهم كيان، وليست لهم دولة على وجه الأرض هذه هي الحقيقة وإن كانت مرة.
أذل شيء على الإنسان -إذا كان حراً- أن يكون ضعيفاً، هذا هو الذي يذل الحر ويكسر نفسه.
في البوسنة والهرسك قتل منهم ثلاثة عشر ألف رجل مسلم بيد النصارى، ومجلس الأمن يفكر في عقد اجتماع، بينما أحداث الخليج لم تستغرق أكثر من أسبوع حتى حسمت القضية.
هل يجهلون هؤلاء الألوف الذين يقتلون؟ وبعض الناس يغضب من ظاهرة عدم وجود المسلمين، فأقول له: حنانيك بعض الشر أهون من بعضه، أليس من عدة أشهر سب رسول الإسلام على صفحات الصحف العربية ووصف بأنه أحمق! ولم يتحرك أحد؟! ليست هناك دولة تتبنى هذا الرسول؟! يسب، ويكتب صاحب المقال اسمه، ومقر الصحيفة معروف، ومع ذلك ما فعل أحدٌ شيئاً، والرجل آمن في داره، والصحيفة ما زالت تصدر حتى الآن بم يفسر هذا؟! إن بعض الناس الآن إذا أراد أن يتكلم على رئيس دولةٍ عظمى لا يكتب اسمه؛ لأنه لا يأمن غوائله، هذا يدل على ضعف شديد جداً، المسلمون لا ينطقون على ساحة العالم، ماذا استفادوا من الاجتماعات الأسبوعية واليومية والسنوية؟ قال الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] (حتى يغيروا ما) وليس (حتى يغيروا أنفسهم) لأن الله ﵎ يوم خلق الناس خلقهم على الفطرة، فالفطرة هي الإسلام، لكن إذا طال به العهد اجتالته الشياطين عن هذه الفطرة، فهذا هو الذي عناه ربنا ﵎ بقوله: (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)، أي: حتى يغيروا الذي علق بأنفسهم.
المؤمنون كرجلٍ واحد فهل شعرت بعضو من بجسدك ينضح عليك بالألم، وأنت تسمع أن ثلاثة عشر ألف مسلم يقتلون في عدة أشهر؟ هل المؤمنون الآن كرجلٍ واحد؟ لا.
إن عمورية فتحت لأن رجلاً يهودياً فعل شيئاً لا يساوي ذرة على الشمال مما فعله اليهود بالمسلمين الآن، فالذي حدث في عمورية هو أن امرأة مسلمة كانت في السوق تشتري، فعصب أحد اليهود طرف إزارها من خلف حتى إذا قامت انكشفت سوءتها، فصاحت المرأة وهي في السوق: وامعتصماه! فكيف علم المعتصم بأمرها؟ سمعها مسلم عنده عزة الإسلام، فقال: والله لأبلغنها المعتصم! ورحل الرجل يركب الأيام والليالي حتى وصل إلى المعتصم، وقال له الذي سمع، فتحركت النخوة في دم المعتصم، لفتح عمورية، وساق إليها الجيوش الجرارة لامرأة ظهرت سوءتها.
ولقد أظهر اليهود اليوم عورات نساء المسلمين؛ لأنهم ملوك الموضة، وهل الذي نراه في شوارع المسلمين إلا من غرس أيديهم؟! فإنك عندما تنزل بلاد المسلمين، ثم تنزل بلاد الكافرين لا ترى فرقاً بينها، أين عزة الإسلام؟ إن المسلمين لم يستثمروا هذه الاجتماعات؛ فإنك تجد المسلم يصلي بجانب أخيه خمس سنوات وهو لا يعرف اسمه ولا نسبه ولا داره، ولا يزوره، وهو يراه في كل صلاة، فلماذا شُرعت إذاً الصلوات الخمس في جماعة؟ ألمجرد أن نقف بجانب بعض فقط؟ لا.
كان أصحاب النبي ﵌ -وقد استفادوا هذا الخلق من النبي ﵊ يعرف بعضهم بعضاً، بحيث لو وطئت قدم رجلٍ غريب المدينة، فإنهم يعلمون به وهذا ظاهر في أحاديث كثيرة؛ من أشهرها حديث عمر بن الخطاب ﵁، الذي انفرد به مسلم، قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله ﵌، إذ جاءه رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد).
كانوا يحفظون المدينة كلها؛ لأن النبي ﷺ كان يتفقد أصحابه، ففي إحدى المرات نظر في وجوه أصحابه فلم ير ثابت بن قيس، فأرسل إليه أنس بن مالك، فوجده معتكفاً في داره يبكي، فقال له: (إن النبي ﵌ يسأل عنك ما حجبك؟ فقال: أنا من أهل النار، حبط عملي، لأنني كنت أرفع صوتي على صوت النبي ﵌.
وكان ثابت جهوري الصوت.
فذهب أنس بن مالك ﵁ يحمل هذا الكلام إلى النبي ﷺ ، فقال له النبي ﵊: بل أخبره أنه من أهل الجنة.
قال أنس: فكان يمشي بيننا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة).
стр. 788
فوائد الشعائر التي فيها اجتماع المسلمين
من أعظم ثمرات الصلوات الخمس: أن يعرف المسلمون بعضهم بعضاً، ويؤاسي بعضهم بعضاً، ويشتركون في المسرات والمضرات، فإن العبد إذا رأى غيره يشاركه خف عليه إذا كان متألماً، أو زادت سعادته إذا كان سعيداً، كما قالت عائشة ﵂ في حديث الإفك: (فظللت يومي وليلتي أبكي، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، فاستأذنت عليّ امرأةٌ من الأنصار فجلست تبكي معي) لما ترى غيرها يشاركها في البكاء يخف عليها الألم، حتى أشارت الخنساء إلى ذلك في بعض قولها في أخيها كليب لما قتل، فقالت: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي فالعبد إذا رأى غيره يشاركه خف عليه الألم وتزداد سعادته.
لماذا فقدنا حلاوة الصلوات الخمس؟ لأننا لا نستقيم كما أمرنا الله، كما في حديث النعمان بن بشير عند البخاري ومسلم، قال ﵊: (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) فعدم تسوية الصف ينتج عنه أن الله ﵎ يفرق بين الوجوه.
وفي رواية أبي داود لهذا الحديث: (أو ليفرقن الله بين قلوبكم)، ويمكن الجمع بين اللفظين: بأن استواء الباطن معناه استواء الظاهر، فإذا اختلفت الفروض تغيرت الوجوه.
إذاً: قلبك لا يكون مع قلب أخيك؛ لأنك لا تسوي الصف، فالذين يستهينون بتسوية الصفوف، ويقولون: إن هذه مسألة جزئية، فكيف تهتمون بتسوية الصفوف وتقيمون الدنيا عليها، بينما المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يذبحون ويقتلون، وهذا قول خطأ؛ لأننا نكون بذلك قد تركنا سنة من السنن ولم نجد حلاً لمشاكل المسلمين.
وعندما تذهب إلى موسم الحج الأكبر ترى المسلمين متنافرين في عبادتهم، فيتعجب الإنسان قائلاً: هل هؤلاء يجمعهم دين واحد؟! وفي الطواف يأتون بأذكار غير مشروعة، مثل: أذكار الشوط الأول، أذكار الشوط الثاني، وأذكار الشوط الرابع، من أين لهم هذا؟ هل النبي ﵌ شرع لهم ذلك؟ فيأتون بأشياء لم يأذن بها الله ورسوله، فأنى يستجاب لهم؟ وفي صفوف الحجاج لا تجد بينهم الرحمة، فإذا سقط أحدهم فقد حكم عليه بالموت، فإذا لم تكن فتياً فلا تستطيع أن تطوف؛ لجهل المسلمين، هل المسلمون يعجزون أن ينظموا في الحج؟ لو أرادوا أن يفعلوا لفعلوا، لكن الدولة هناك لا تتبنى تنظيم الحج، إنما تتبنى تنظيم السفر إلى الحج، وتوفير الأكل والشرب.
ولا نقول: إنهم لا يولون الحج اهتماماً كلياً، وإنما اهتمام ضعيف، فالبدع العلنية تفعل عند الكعبة، ومكة والمدينة مليئتان بالروافض، وهم الذين يسكنونها، حتى أن الدولة لما أرادت أن تُصلح أجهزة التكييف على الغرفة النبوية هاج الروافض في المدينة، وقالوا: يريدون أن ينبشوا القبر؛ فتوقفت الدولة خوفاً من الروافض، وخافت أن يثور الروافض في العالم.
وقد كان أحد هؤلاء الروافض يجلس في المسجد الحرام، وكان الناس يأتونه ويقبلون يده ورجله، فلما اشتدت النكارة عليه ذهب إلى المدينة.
التنظيم قد يكون صعباً لكن ليس مستحيلاً، فالذين يأتون من ديارهم قد يكون بينهم من لا يفقه شيئاً عن الحج، يعرف كل شيء إلا الحج، يعرف قيمة تذاكر الباخرات، والحافلات، والطائرات، ويظل سنة كاملة يحسب لها، وما فكر أن يسأل عالماً ماذا يفعل في الحج! يقول النبي ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، ويقول ﵊: (الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة) ما معنى المبرور؟ أي: الحج على السنة، فمعظم الذين يذهبون إلى الحج لا يعلمون شيئاً عنه، فإنك عندما تذهب إلى الجمرات ترى العجب، فترى البعض منهم يرجمون الشيطان بالنعال، ورأيت رجلاً أتى بدف يريد أن يرجم به الشيطان! حنانيك أيها الراجم للشيطان! إن شيطاناً يعشش في داخلك ويجري منك مجرى الدم في العروق، فهل رجمته يوماً؟ ماذا استفاد المسلمون من مناسك الحج وليس عندهم الرحمة ولا الود؟ هل إذا رأوا رجلاً ضعيفاً أخذوا بيده؟ لو وقع رجلٌ ولم يستطع النهوض يموت.
وكم مات أناس تحت أقدام الحجاج، ولو كان المسلمون كالبدن الواحد لوجد هذا الذي سقط من يأخذ بيده.
قال النبي ﵌: (مثل الصلوات الخمس، كمثل نهرٍ جارٍ على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه -أي: وسخه- شيء.
قال: ذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا).
وعلى مستوى الجمعة قال النبي ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة كفارةٌ لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر).
وعلى مستوى الحج: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)، و (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
فإذا كان العبد تشمله عناية الله يومياً وأسبوعياً وسنوياً، فمن أين يدركه الشقاء؟ لماذا شقي إذاً ولم تدركه العناية؟ لأنه لم يقم بالفرض كما أمر.
إذاً: نرجع أدراجنا فننظر في صلاتنا: الصلوات الخمس، والجمعة، وننظر في الحج، فإذا استطاع المسلم أن يجبر الكسر الذي أحدثه في هذه الشعائر الجماعية حينئذ تدركه عناية الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 789
دواؤنا في وجود العالم الرباني
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال النبي ﵌: (تداووا عباد الله، فإن الله ﵎ ما جعل داءً إلا وجعل له دواءً).
فدواؤنا في وجود العالم الرباني، إذ لا يمكن أن يستقيم حال المسلمين بغير وجود العلماء، نريد العالم الرباني الذي نتعلم من سمته كما نتعلم من علمه، نريد العالم الرباني الذي يصدع بالحق ويستقيم عليه، نريد العالم الرباني الذي إذا رأيناه ذكرنا الله أين هؤلاء العلماء؟ ولا يستقيم حال الدنيا إلا بوجودهم، فكيف أغفل المسلمون البحث عنهم؟ في بلدنا كم طيباً يكفيهم؟ وكم مهندساً يكفيهم؟ وكم موظفاً في الجهة الفلانية يكفيهم؟ لا شك أنها ألوف مؤلفة، وإلا تعطلت مصالح الناس، كم عالماً يكفيهم؟ ألف ألفان ثلاثة آلاف عشرة آلاف؟ قليل، كم موجود منهم الآن؟ تستطيع أن تعدهم بأصابع اليدين، بل لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة عند العالمين وغير العالمين.
لو تصورنا أن الناس أضربوا عن دخول كليات الطب، فسوف نرى على صفحات الصحف والمجلات الكل يتكلم، ويقولون: المسلمون آثمون؛ لأنهم قصروا في فرض الكفاية، ومعلوم أن فرض الكفاية: أن يقوم جماعةٌ بشيء فيسقط عن الآخرين، فإذا قصروا جميعاً عن القيام بالفرض الكفائي صار فرضاً عينياً عليهم جميعاً حتى يقوم فيهم من يفعله، فيسقط حينئذٍ عن الباقين، فلو تمالأ أهل قرية على ترك الأذان، ونحن نعلم أن رفع الأذان فرض كفاية، إذا قام به فرد سقط الفرض عن باقي المسلمين.
ولو تمالئوا جميعاً على ترك شعيرة الأذان أثم جميع الموجودين حتى يقوم رجل فيرفع الأذان؛ فيسقط الإثم عن الباقين، هذا هو الفرض الكفائي.
لماذا لا نرى أيضاً الذين يقولون: يأثم المسلمون جميعاً بعدم وجود العلماء الربانيين؟ لأن المسلم لا يستطيع أن يبلغ يسير في طريقه إلى الله ﵎ بسلام إلا إذا وجد هذا العالم.
من الذي يعرفهم السنة من البدعة؟ من الذي يعرفهم الحق من الضلال إلا العالم الرباني، لاسيما إذا غابت أنوار النبوة اشتدت الحاجة إلى هذا العالم أشد من الطعام والشراب.
стр. 790
تعرض العلماء للأذى من قبل أعدائهم
إن حاجة الناس إلى العالم الرباني أهم من حاجتهم إلى الأكل والشرب، بدلاً من أولئك الذين يضللون الناس قصداً أو جهلاً عن سنة النبي ﵊، ويقفون في وجه العلماء الربانيين يحاربونهم وينبذونهم بأقذع الألفاظ والنعوت.
وقديماً دافع الشافعي عن آل البيت وأظهر حبهم؛ فنبذوه، وقالوا: رافضي.
الروافض هم شر أناس في الشيعة، مثل روافض شيعة إيران الآن؛ فإن إيران أغلبهم روافض.
ما هو الفرق بين الشيعي والرافضي؟ الشيعي: هو الذي يفضل علياً على عثمان، لكنه يقر للشيخين أبي بكر وعمر بالتقدم، وأنه لا يوجد أحد يتقدم عليهما.
أما الرافضي: فهو الذي يقدم علياً على الكل، ويزري بـ أبي بكر وعمر.
وعلى رأس الروافض الموجودين: الخميني، فالذين يقرءون كتب الخميني الموجودة الآن يقطعون بكفره، ولذلك كفره جماهير علماء أهل السنة، وله دعاء يلعن فيه أبا بكر وعمر يقول: (اللهم العن الطاغوتين: أبي بكر وعمر، اللذين حكما في دين الله بأهوائهما، والعن ابنتيهما) والذي لا يصدق أن هذا الكلام صدر منه فليقرأ كتابه (تحرير الوسيلة).
ويقول إمامهم صاحب كتاب الكافي الذي يساوي صحيح البخاري عندنا، يصرح ويقول: (إذا صافحت رجلاً من أهل السنة فاغسل يديك سبع مرات).
فوصف أولئك الشافعي بأنه رافضي، فأنشد أبياتاً يدافع عن نفسه، وكان منها: إن كان رفضاً حب آل محمدٍ فليشهد الثقلان إني رافضي إذا كان حب آل محمد رفضاً فأنا أول الرافضين، كما قال الله ﵎ لنبيه ﵌: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، وقديماً قالها أيضاً شاعر السنة -أو عالم السنة- لما نبذوه بأنه وهابي، لما رأوه على السنة، فقال: إن كان ناصر دين محمدٍ متوهباً فأنا المقر بأنني وهابي إذاً: هؤلاء العلماء هم منارات على الطرق، لا يبصر العباد طريق الله إلا بوجود هذه المنارات.
فنسأل الله ﵎ أن يأخذ بأيدي المسلمين أخذاً جميلاً، ويردهم إلى دينهم رداً حميداً.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 791
بيان أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم
روى الإمام الترمذي في سننه بسندٍ صحيح عن زر بن حبيش رحمه الله تعالى قال: (أتيت صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخفين، فقال: ما جاء بك يا زر؟ قلت: ابتغاء العلم.
قال: إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، فقال: قد حز في صدري شيء من المسح على الخفين بعد الغائط والبول، فكنت امرأً من أصحاب النبي ﵌، هل سمعت منه فيه شيئاً؟ فقال: نعم، رخص لنا رسول الله ﷺ وأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ بلياليهن إذا كنا سفراً -أو قال: مسافرين- إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.
فقلت له: هل سمعت منه في الهوى شيئاً؟ قال: نعم، كنا معه في سفرٍ، فطفق أعرابي ينادي بصوت له جهوري: يا محمد! فأجابه النبي محمد ﷺ بأحسن من صوته هاءٌ -وفي رواية أخرى قال له: يا لبيك- فقلت للرجل: اغضض من صوتك، أو لم تنه عن هذا؟ فقال الأعرابي: والله لا أغضض من صوتي.
فقال للنبي ﷺ : إن المرء يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال ﵊: المرء مع من أحب).
هذا الحديث فيه جمل من العلم.
أول هذه الجمل: على المسلم إذا حز في صدره شيء أن يطلبه بدليله، فإن زر بن حبيش لما حز في صدره شيء ليس من المسح، إنما في جزئية في المسح سأل.
الخف هو: حذاء من جلد لكن لا نعل له، كالجورب -الشراب- بحيث أنك تستطيع أن تمشي به.
فروى أكثر من أربعين صحابي عن النبي صلى عليه وسلم أنه كان يمسح على الخفين، ويُشترط في المسح على الخفين: أن تلبسهما على طهارة؛ تتوضأ وضوءك للصلاة، ثم تلبس الخف على طهارة.
لما قال صفوان لـ زر بن حبيش -وهو أحد الصحابة-: ما جاء بك يا زر؟ قال ابتغاء العلم.
فقال له: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع).
هذا الكلام وإن كان من قول صفوان، لكن ثبت أن النبي ﷺ قاله في غير ما حديث، وحتى لو لم نجد هذا الكلام معزواً إلى النبي ﵊، فالقاعدة عند العلماء تقول: إذا قال الصحابي شيئاً من الغيب الذي لا يعرف فيحمل على أنه سمعه من الرسول ﵊.
فإذا قرأت -مثلاً- قولاً لصحابي: (إن في الجنة شجرة من ذهب) هل الصحابي دخل الجنة ورآها ثم أتى فوصفها؟ لا؛ لأن الجنة غيب، فهو إذاً من كلام النبي ﵊، وهو ما يسميه العلماء: (مرفوعٌ حكماً) أي: أنه ينسب إلى النبي ﵊.
فقول صفوان: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، إنما هو من كلام النبي ﷺ .
ذكر الإمام النووي في كتابه المعروف (بستان العارفين)، والسند كل رواته أئمة: أن بعض أهل الحديث رأى رجلاً ماجناً يلبس قبقاباً -الخشب المعروف- ولكنه وضع فيه بعض المسامير، فقالوا له: لم هذه المسامير؟ قال: حتى أخرق أجنحة الملائكة.
فيبس.
-أي: شُل- لأنه يستهزئ بكلام الرسول ﵊، فهذا جزاء من لا يوقر الحديث، ولا يوقر كلام النبي ﵊.
وقد حدثت حادثة شبيهة بهذه الحادثة في حياة الرسول ﵊ كما في الصحيح أن النبي ﷺ رأى رجلاً يأكل بشماله، فقال له: (كل بيمينك.
قال: لا أستطيع.
قال: لا استطعت؛ فشلت يده، قال ﵊: ما منعه إلا الكبر) لذلك شلت يده؛ لأنه لا يتصور أن رجلاً يستطيع أن يستخدم يمينه فيأكل بشماله؛ لأن هذا داخل تحت النهي (لا يأكل الرجل بشماله)، لكن إذا كانت بيمينه علة، ولا يستطيع أن يستخدم يمينه في الطعام، هل يقال له: لا بد أن تستخدم يمينك على رغم أنفك؟ لا، معروف أن الشرع جاء لرفع الحرج، فالنبي ﵊ علل لماذا شلت يد هذا بقوله: (ما منعه إلا الكبر) يرفض أن ينصاع لكلام الرسول ﵊.
فهذه عقوبة الذي يتكبر أو يستهزئ بكلام الرسول ﵊: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يطلب)، قالها صفوان بن عسال المرادي حتى يهون على زر ما وجده من تعبٍ في رحلته لأجل هذا السؤال، ولا يزال العبد يطمع في المزيد إن علم أنه يؤجر، وهذه طبيعة العبد، فالله ﵎ جعل عمله الصالح بمقابله الجنة، قال ﵊: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
يقول بعض الناس: لا تعبد الله رجاء الجنة؛ ويقولون: نحن نعبد الله لذاته! وينسبون مقالة إلى رابعة العدوية، ولا نعرف هذه المقالة عن رابعة حتى نعتبرها صحيحة، حتى وإن قالتها رابعة فإنه يرد عليها قولها.
يقولون: إنها كانت تقول: (اللهم إن كنت عبدتك خوفاً من نارك؛ فأحرقني بها، وإن كنت عبدتك طمعاً في جنتك؛ فاحرمني من جنتك، وإن كنت عبدتك لذاتك؛ فلا تحرمني من لقاء وجهك) ما هذا الكلام؟ أين نذهب بعشرات الأحاديث التي جاءت عن الرسول ﵊ يستعيذ فيها من النار؟! وأين نذهب بقوله ﵎: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، وقوله ﵎: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ [الصافات:٦١] لمثل دخول الجنة وتجنب النار (فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].
كيف يقال هذا الكلام؟ وهل هناك أحد يعبد ربنا لذاته هكذا؟! الذين يقولون بهذا القول هم من يقولون بمسألة الفناء، وهذا القول لا يعرف عن النبي ﷺ ، ولا يعرفه أحد من أصحابه أو التابعين ولا الأئمة المتبوعين، ولا أحد ممن تبعهم بإحسان.
ويقولون بوحدة الوجود وهو: أن كل ما تراه بعينك فهو الله؛ لأنه حل في كل شيء، تعالى الله عن قول الظالمين علواً كبيراً.
стр. 792
أهمية وجود الحافز في عمل الإنسان
معروف أن الإنسان لا يعمل العمل إلا إذا كان فيه حافز، وهذا شيء مفطور عليه الإنسان، ومهما أراد أن يكسره فإنه لا يفلح أبداً، لذلك فنظام الحوافز في الدنيا مشتق من النصوص، فعندما تجد الرجل يعمل ليل نهار؛ فإنما يعمل ذلك للحافز، فإذا علم العبد أنه لا يؤجر على فعله قل عمله وجهده.
ومثل هذا قوله ﷺ : (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها) لأن العبد متعود أن يجني الثمرة من الفعل، فالعبد إذا أراد أن يغرس الفسيلة -التي هي النخلة، والنخلة تمكث عدة سنوات حتى تعطي الثمار- وعلم أن الساعة ستقوم يقول: من الذي يستفيد منها؟ فالنبي ﵊ يقول له: اغرسها، وإن كنت لا تستفيد منها لأنه يعلم العبد أن لا يفعل الشيء إلا إذا كان هناك مقابل.
وهناك حكاية لرجل طيب مشهور، لكنه لم يرزق بالولد، وكان متزوجاً بابنة خاله، وكان يحبها ويرجو الولد منها، فطاف على الأرض شرقاً وغرباً، وأنفق ألوفاً من الأموال ابتغاء ولدٍ واحد، ولكنه رجع بخفي حنين.
وكان هذا الرجل في أول شبابه عنده طموح؛ لأنه كان يظن أنه إذا لم يرزق بولد هذا العام فسيرزق العام القادم يحدوه أمل، لاسيما وهو طبيب، والنتائج كلها تقول: لا توجد فيه علة.
بعض الدكاترة المشهورين ذهب إليه أحد هؤلاء وله أكثر من عشرة أعوام لا ينجب، وبعدما كشف عليه الطبيب لم يجد به علة، وقال له: إن لم أجعلك تنجب لأعتزلن الطب، عباد لا يعرفون قدر أنفسهم، فالله إذا لم يأذن فلا يستطيع أحد أن يعمل شيئاً.
فذلك الرجل لم تكن به علة ولا امرأته، لذلك كان يحدوه أمل، فكان يذهب إلى أي مكان يأمره الطبيب، مرة يقول له: انتظرني في إيرلندا، ومرة يقول له: انتظرني في هولندا، وبعد فترة قال له: انتظرني في أستراليا، والرجل دائخ وراءه ابتغاء ولد! وكان قد اشترى عمارة ومصنعاً، وفتح عيادة وعنده أموال كثيرة، فلما بلغ الخمسين من عمره يئس تماماً، فبدأ يبيع ويصفي كل ممتلكاته، فسئل عن السبب فقال: لمن أتركها؟ إذاً: هذا الرجل كان يعمل لكي يترك لأولاده ثروة، هذا هو السبب الذي جعله يعمل ليل نهار، وهو الذي جعله يقلص أوقات راحته حتى يستطيع أن يدخر هذه الأشياء لأولاده، فلما يئس وعلم أنه لا سبيل للانتفاع بكل ما جمع، بدأ يبدد هذا الذي جمعه.
إذا لم يكن هناك حافز للإنسان على العمل فإن همته تضعف، وكأنه لذلك لما جاءت امرأةٌ إلى النبي ﵌ تسأله، ومعها صبي صغير، قالت: (يا رسول الله! ألهذا حجٌ؟ قال: نعم.
ولك أجر) مع أن المرأة لم تسأل: هل أنا أؤجر على المسألة هذه أم لا؟ لكنه قال لها: (ولكِ أجر) حتى يحفز المسلمين أن يصحبوا أولادهم من الصبيان إلى شهود مناسك الحج.
ولذلك أنت عندما تعلم أنك ستؤجر، فهذا حافز لك أن تصطحب ابنك.
стр. 793
الحث على سؤال أهل العلم عند الجهل بمسألة ما
قال زر بن حبيش لـ صفوان يشرح له سبب مجيئه: (إنه حز في صدري شيء) وهذا دليل على أن المسلم إذا حز في صدره شيء في الحكم الشرعي أن يسأل عنه.
قال: (حز في صدري شيء في المسح على الخفين بعد الغائط والبول -وانظر إلى السؤال! وكما قيل: حسن السؤال نصف العلم- هل سمعت من النبي ﷺ فيه شيئاً -لم يقل له: ما رأيك في الموضوع؟ بل نسب الكلام لصاحب الشرع، نريد أن نسمع حكم صاحب الشرع- هل سمعت من النبي ﷺ شيئاً؟ قال: نعم، أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إذا كنا سفراً -أو قال: مسافرين- إلا من جنابة؛ لكن من بول أو غائط أو نوم) أي: لا ننزع خفافنا إلا من الجنابة، لكن في الغائط والنوم والبول لا ننزع خفافنا.
إذاً: أنت إذا أصابتك جنابة تخلع الخف؛ لأنك ستغتسل، فإذا اغتسلت ابتل الخف، فإذا ابتل الخف فما الحكمة في مسحه إذاً؟ أنت تمسح حتى لا يصل الماء إلى قدميك، وقد وصل، ولا بد من غسل القدمين في حال الغسل؛ إذاً: يلزمك نزع الخف.
لكن إذا تغوط المرء أو تبول أو نام -وكل هذا ينقض الوضوء- فلا يلزمه أن ينزع الخف.
وطالب العلم عندما يجلس إلى من هو أعلم منه فإنه لا يكتفي بسؤال، قال زر:، فقلت له: (هل سمعت في الهوى شيئاً؟) أي من الرسول ﵊، (الهوى) أي: الميل، يسأل عن الهوى حتى يجعل ميله وهواه على وفق ما يريد الله ورسوله، لكن انظر إلى الذي يقول لك: الهوى هواي! أرأيت عبداً أضل من هذا؟! كالذي قال الله فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، أي: جعل هواه إلهه الذي يعبده.
وهناك من الناس من يسأل عن الهوى حتى يجعله نيله وهواه على وفق ما يريد الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود:١١٢]، لا يستقيم كما أمر إلا إذا جعل هواه تبعاً لما جاء به النبي ﵊، وهو ميل القلب، وهذه من أعلى درجات الإيمان: أن تجعل ميل قلبك لما يحبه الله ورسوله، وإن كانت مصلحة في غير ذلك، وأوصى عمر بن الخطاب ﵁ رجلاً، فقال له: (إذا أشكل عليك أمران -لا تعرف الصواب من الخطأ- فانظر أقربهما إلى نفسك فخالفه، فإن النفس تحب الهوى) انظر إلى ما تحبه من الأمرين واتركه لماذا؟ لأن النفس تحب الهوى، هذا نوع من أنواع التربية، والإنسان يذل هذه النفس؛ حتى يقيمها على أمر الله ﵎.
وكان أبو مسلم الخولاني ﵀ يصلي من الليل حتى تعجز قدماه عن حمل جسمه، فإذا شعر بالإعياء أخذ العصا وضرب بها قدميه، ويقول: (والله أنتما أحق بالضرب من دابتي، أيظن أصحاب محمد ﷺ أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً، والله لأزاحمنهم على الحوض) وما يستطيع المرء على أمر الله إلا إذا ملك نفسه.
ولذلك قال الرسول ﵊: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه) لأنه إذا ملك نفسه ملك غيره، فإن عجز عن ملك نفسه فهو أعجز عن غيره من باب أولى (ليس الشديد بالصرعة -أي: الذي يصرع الناس- ولكن الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب).
فهذا التابعي الجليل يسأل عن الهوى: هل سمعت في الهوى شيئاً-؟ قال: نعم.
كنا في سفر فصاح أعرابي -وأنتم تعرفون أن الأعراب فيهم غلظة وجفاء، والأعرابي صوته عالٍ، خليقة؛ لأن الإنسان يتكيف بالبيئة، تجد مثلاً الذي يسكن في البراري -المسافات الواسعة جداً- فيحتاج أن ينادي بصوت عالٍ فيكون صوته جهورياً، أما أهل الحضر فبين الجار وجاره نصف طوبة، فتجدهم يتهامسون همساً.
لذلك الرسول ﵊ لم يكن يشدد عليهم في ذلك، مع أن رفع الصوت على الرسول ﵊ منهي عنه، وجعل غض الصوت عنه من علامات الإيمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وذم أقواماً آخرين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] فقد كانوا يصرخون من وراء الحجرات: يا محمد! اخرج لنا.
فذم أقواماً برفع الصوت، ومدح أقواماً بخفض الصوت، ومع ذلك الرسول ﵊ لم يكن يشدد على مثل هذه الأمور التي قد تبدو جبلية، كما في حديث صفوان بن المعطل السلمي لما شكته امرأته إلى النبي ﷺ ، قالت: (يا رسول الله! إن صفوان يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الصبح إلا بعد شروق الشمس.
وكان صفوان جالساً، فقال: يا رسول الله! لا تعجل علي، أما قولها: (فيضربني إذا صليت) فإنها تصلي بعد الفاتحة بسورتين، وقد نهيتها.
فقال: أطيعي زوجك، وأما قولها: (يفطرني إذا صمت) فأنا رجل شاب، وهي تتعمد الصوم -أي بدون إذني، فكان يقع عليها فيفسد عليها صومها، فقال رسول الله ﷺ : لا تصوم امرأةٌ تؤمن بالله واليوم الآخر وزوجها شاهد إلا بإذنه)، غير رمضان.
وأما قولها: (ولا يصلي الصبح إلا بعد شروق الشمس) -وهذا محل الشاهد- قال: إنا أهل بيتٍ عرف عنا ذلك، أي: أن نومه ثقيل، وهذا معروف عن أسلافه، وهو شيء جبلي، وقد جاءت الشريعة برفع الحرج، فماذا قال له ﵊؟ قال له: (إذا استيقظت فصل) طالما أنه عمل بالأسباب الشرعية حتى يستيقظ في الفجر، فلا يسهر أحد حتى الساعة الواحدة أو الساعة الثانية أمام مسلسل وبعد ذلك قبل الفجر بساعة ينام، فكيف سيستيقظ؟ وأدهى من هذا أنه يصحو الساعة السابعة أو الساعة الثامنة ولا يريد أن يستيقظ! فالصحابي اتخذ الأسباب الشرعية، ونام مبكراً من بعد العشاء، ومع ذلك نام حتى ذهب وقت الفجر، قال: (إذا استيقظت فصل) هذه المسائل الجبلية كان النبي ﷺ لا يشدد فيها؛ ابتغاء رفع الحرج.
стр. 794
وجوب خفض الصوت والتأدب مع رسول الله ﷺ
استنكر بعض الصحابة منهم صفوان بن عسال على الأعرابي الذي رفع صوته ونادى: يا محمد.
وقد ارتكب هذا الأعرابي خطأين: الخطأ الأول: أنه رفع صوته.
الخطأ الثاني: أن لم يتأدب في النداء قال: يا محمد! والله ﵎ أدب أقواماً فقال لهم: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]؛ لأن الله ﵎ ما دعاه باسمه في حال المناداة أبداً، وإنما قال: (يا أيها النبي) (يا أيها الرسول)، وذكر جميع الأنبياء بأسمائهم، ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦]، إلا النبي ﵊، فإنه لما ناداه ناداه بالرسالة والنبوة تشريفاً له، وما ذكره باسمه إلا بمعرض الذكر المجرد، كقوله ﵎: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩]، أو كقوله ﵎: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وهذا ليس فيه نداء، أعرابي أخطأ مرتين: مرة في رفع الصوت، والمرة الأخرى بأنه نادى النبي ﵊ باسمه.
كان في عصر الصحابة رجل من المسلمين يكنى بأبي القاسم، فناداه أحدهم قال: (يا أبا القاسم! فقال له النبي ﷺ : يا لبيك -انظر الأدب! - قال له: لم أعنك -أي: لم أقصدك- فقال ﵊ -تعقيباً على هذا الموضع-: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) فمنعهم أن يكنوا بأبي القاسم تأدباً مع النبي ﵊.
قال: (فأجابه النبي ﷺ بنحو صوته -أي: رفع صوته- وقال له: هاؤم.
-أي: أقبل، أو ماذا تريد؟ وفي الرواية الأخرى قال له: يا لبيك -قال صفوان: فقلت له: اغضض من صوتك، أو لم تنه عن ذلك -أي: عن رفع الصوت-؟! فقال له: والله لا أغضض من صوتي).
فالرسول ﵊ لما جاءه الأعرابي لم يؤاخذه؛ لأنه أعرابي، وكان يتسامح معهم، وكانوا أحياناً يقومون بأشياء قد يكفر قائلها لولا أنه قد عذرهم، مثل الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي وغيره بإسنادٍ قوي، عن قتيبة بن زيد الأنصاري قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فابتاع جملاً من أعرابي، -أي: اشترى- وكنا في سفر، فقال: نأخذ إذا رجعنا -أي: إلى المدينة- فجاء أقوام يشترون الجمل، وهم لا يعلمون أن النبي ﵊ اشتراه، فقال لهم الأعرابي: بكم؟ -لم يخبرهم أن الرسول ﷺ اشترى الجمل، كان له أن يقول: لا، هذا الجمل بيع- فأعطوه أكثر من الثمن الذي كان الرسول ﵊ قرضه، فعلم الرسول ﵊ بذلك، فقال: أولم تبعني الجمل؟ قال: ما بعتك شيئاً؟ قال: كلا، بل بعتني الجمل.
فقال: كلا، ما بعتك شيئاً.
هذا تكذيب للرسول ﵊، فقال الأعرابي: هلم شهيداً -أي: ائتني بشهيد يشهد معك أنني بعتك الجمل، فأحجم الصحابة؛ لأن الرسول ﵊ على ما يبدو من ظاهر الرواية أنه اشترى الجمل من الأعرابي دون أن يُشهد أحداً والصحابة لم يحضر أحد منهم البيعة، فلم يشهد أحد، لكن خزيمة بن ثابت الأنصاري انبرى، وقال: أنا أشهد أنك بعته -مع أنه لم يحضر- فقال النبي ﵊: بم تشهد يا خزيمة؟ قال: بتصديقك.
فجعل شهادته بشهادة رجلين).
وفي الصحيح: (أن رجلاً من الأعراب دخل على النبي ﷺ ، فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً معنا) كما قال النبي ﵊: (الرحمة مائة جزء، أنزل الله إلى الأرض جزءاً واحداً، تتراحم به الخلائق) من والإنس والجن، من لدن آدم ﵇ إلى أن تقوم الساعة، حتى أن الدابة لترفع حافرها عن وليدها خشية أن تدوسه.
أحياناً من كثرة الشفقة على إنسان يمكن قلبك أن ينفطر، فتكاد أن تموت من الرحمة على هذا الشخص، كما قال الله ﵎ لنبيه ﵊: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، (لعلك باخع) أي: قاتل نفسك أسفاً عليهم أنهم لا يؤمنون.
فيأتي الأعرابي ويقول: (اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم أحداً معنا، فقال ﵊: لقد حجرت واسعاً -أي: ضيقت ما وسعه الله- فلم يلبث أن بال في المسجد، فهم الصحابة به أن يأذوه -فقال ﵊: لا تزرموه- لا تزعجوه، لا تفزعوه- إنما بعثتم ميسرين، ألقوا على بوله ذنوباً من ماء) وإذا كانت المسألة لها حل فلماذا تشدد؟ فإذا ارتكب إنسان خطأً وهو جاهل به فارفق به، ولا تعامله كأنه معاند وتشدد عليه في الكلام.
عند الخرائطي في مكارم الأخلاق، وقد روى هذا الحديث، فقال له النبي ﷺ : (ما حملك على أن بلت في مسجدنا، أو لست برجل مسلم؟ فقال: والذي بعثك بالحق! ما ظننته إلا كمثل هذه الصعدات) أنا ظننت أن هنا مثل الخارج، وماذا يعني لو وضعتم عليه جدران؟ هل أصبح أحسن من الخارج؟ ظننت أن هنا كهناك، كلها أرض الله، وكما أتبول في أي مكان تبولت في المسجد.
هذا جاهل أم لا؟ جاهل ما عنده علم، فلذلك تلطف الرسول ﵊ معه.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا.
стр. 795
الصبر
اعلم أن الشيطان لا يريد من الإنسان إلا قلبه، الذي هو محل إخلاصه، وذلك ليفسده عليه، وثمة أمور كثيرة تفسد القلوب، ولقد ذكر العلماء من هذه المفسدات خمساً، تعد جماع فساد القلب وهلاكه، وهي: تعلق القلب بغير الله، وكثرة الاختلاط بالناس، والأماني، وكثرة الأكل، وكثرة النوم، فمن أراد السلامة لقلبه فليجتنبها، وليكن على حذر منها.
стр. 796
أهمية الصبر
إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الله ﵎ امتن على بني إسرائيل، وبين كثيراً من النعم التي خصهم بها وكانت سبب التمكين لهم، وذكر أنه اصطفى منهم أنبياءه وهداة أتقياء وأئمة هدى، وبيّن سبحانه سبب نيلهم ذلك، فقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
فبين أن الصبر هو أول ما نال به أئمة الهدى تلك الدرجة العالية الرفيعة، ولذا فإن الصبر لازم للعبد -وليس للمؤمن فقط، بل لا يستغني عنه الكافر، ولا الحيوان البهيم- فهو مطية المؤمن لا يضل راكبها أبداً ولا يشقى.
والصبر مر كاسمه.
وما أحوجنا إلى الصبر، ونحن في مفترق الطرق، وأمام قوانين وضعية تُشرِّع لنا من القوانين مالم يأذن به الله، بدلاً عن الشريعة الإسلامية، ويسمع الحر ذلك فيتمزق قلبه لما يراه ويسمعه، ويتعجب من سكوت العلماء، فكيف لا يهبون ويدافعون عما يعتقدون؟! يسمع الحر هذا فيتفتت كبده من هذا السكوت! ولكنها مسألة تحتاج إلى صبر في هذه الآونة أكثر من أية آونة مضت.
ولكن ما هي الأسباب المعينة على الصبر؟! وعليك أن تصبر بغير ذل؛ لأن هناك فرقاً بين الذل والمسكنة وبين الصبر: فالصبر: أن تسكت وتعمل، أما الذل والاستكانة: فهي أن تسكت ولا تعمل، فالصابر يصبر ويعمل بمقتضى ما أمر به، وإذا نظر الله إلى قلوب عباده فرآهم عادوا إلى دينهم وراجعوا معنى العبودية؛ مكن لهم كما مكن لبني إسرائيل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، يقين مضاف إلى الصبر.
ويعرف الصبر بأنه: (ثبات باعث الدين إذا اعترته بواعث الشهوات).
مثل: رجل مصاب بعلة يصف له الطبيب شيئين: دواء يخفف العلة، والدواء الآخر يقويه.
فإذا كان الصبر هو ثبات باعث الدين؛ فما هو المعين على هذا الثبات في مقابل باعث الشهوات؟! وما هو المضعف لهذا الباعث الآخر؟ اعلم أن الشيطان لا يريد إلا قلبك: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣] ومحل الإخلاص: القلب، فلا يريد الشيطان إلا قلبك.
стр. 797
مفسدات القلوب
ومفسدات القلب خمسة: تعلق القلب بغير الله، ثم كثرة الاختلاط بالناس، ثم الأماني، ثم كثرة الأكل، ثم كثرة النوم.
وهذه خمسة أشياء تفسد القلب:
стр. 798
المفسد الأول: تعلق القلب بغير الله
أعظمها وأهولها: تعلق القلب بغير الله، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢]، إن الذي يعبد شيئاً إنما يعبده ليحميه، وليأخذ العز منه، فعبدوا من دون الله آلهة لتكون لهم عزاً، فتعلق القلب بغير الله أصل الشرك.
стр. 799
المفسد الثاني: كثرة الاختلاط بالناس
المفسد الآخر: كثرة الاختلاط بالناس، فكثرة الاختلاط بالناس تورثك الهم والغم، وتشتت عزم قلبك، فقد ترى رجلاً غنياً فتسأله عن غناه، يقول لك: أنا أعمل كذا وكذا، وعندي خطط، ودراسات جدوى، وأعمل عشرين ساعة، أنا لست كسولاً، والحياة صراع فـ (كن ذئباً وإلا أكلتك الذئاب) فيدخل على قلبك الغم، فتفكر في سبيل الغنى اقتداء به، وتريد أن تكون كهذا الرجل، ورجل آخر يخوفك من الدعوة إلى الله، قائلاً: لا تسلك هذا الطريق، لا تصدع بكلمة الحق، لا تنكر منكراً، كن آمناً، كن في حالك، لا تتكلم! وأنت تريد أن تتقرب إلى الله؛ فيدخل على قلبك الغم والخوف الذي بثه وهكذا.
الاختلاط بالناس لابد أن يكون بقدر حاجتك، واختلط معهم فيما يفيد: في الجمعة والجماعات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اعتزلهم في فضول المباحات فضلاً عن المعاصي والمحرمات.
стр. 800
المفسد الثالث: الأماني
الأماني، وهذا بحر لا ساحل له ولا شاطئ، يركبه مفاليس العالم، فالأماني رءوس أموال المفاليس، وما ضيع أكثر العباد إلا الأماني، فاليهود والنصارى ضيعتهم الأماني، والمفرطون من هذه الأمة ضيعتهم الأماني، وهذا شرَك عظيم وخطير، فأمانيك تستغرق عمرك وعمر أولادك وأحفادك، وقد نبه النبي ﷺ إلى هذا كما في صحيح البخاري أن النبي ﵊: رسم لأصحابه على الأرض مربعاً -أربعة أضلاع- ثم قال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به لا يفر ولا يخرج منه، ثم رسم خطاً مستقيماً بدءاً من الضلع الأخير من المربع وخرج خارج المربع، ثم رسم خطوطاً قصاراً حول هذا الخط المستقيم داخل المربع، فقال: (هذا الإنسان وهذا أجله، والخط الطويل أمله) -أمله خرج من أجله، تلك الآمال تستغرق عمره وعمر أولاده وأحفاده- وهذه الخطوط القصار التي هي داخل المربع حول الخط الطويل قال فيها: (هذه الأعراض والابتلاءات والأمراض، إذا نجا من عرض نهشه الآخر) -أي: لابد أن يبتلى، لا ينجوا أبداً-.
ونفهم من هذا: إن الأمل الطويل والرغبة في الحياة هي التي تمكن الشيطان من قلب العبد، فيقول: أنا سأفعل غداً وبعد غد، والعام القادم سأفعل وأفعل، وهو ميت هذه الليلة.
أعرف رجلاً ﵀ سلمت عليه في محله بعد صلاة الظهر، ووجدت بجانبه بطانية فقالت: ما هذا؟ قال: بطانية أسبانية، وفرشها طولاً، وقال: على الإنسان أن يتغطى، فالجو بارد وأنا سأتغطى بها الليلة، ولكنه بات في قبره، مات بعدما تركته بساعة، ودفنوه بعد العصر، وما استمتع بها.
ولذلك قال من قال من السلف: (ما ذُكر الموت في واسع إلا ضيقه، ولا في ضيقٍ إلا وسعه).
وأنت جالس مع أولادك وكلهم بعافية، وأنت رجل موسر تأكل وتشرب وتضحك، لو ذكرت الموت تتعكر عليك هذه اللذة، ولو ذُهِلْتَ عنهم خمس دقائق فقط وفكرت أنك ستنزع من بين هؤلاء الأولاد، وتسأل نفسك: هؤلاء الصغار كيف يكون حالهم من بعدي لو مت؟ أترى أنهم يسلمون تقلب الزمان ونوائب الدهر؟ سيصير، أترى هناك من يحنو عليهم بعدي؟! فتضيع عليك اللذة الحاضرة ولا تستمتع بها.
فكنت في سعة فضيقها عليك.
وكذلك أنك رجل مبتلى بالمصائب من كل جانب، وتذكرت الموت والبلاء، وأن ظالمك لن يخلد بعدك، وأن هناك قصاصاً، وأنك ستقتص من ظالمك، فأول ما تفكر في هذه المعاني يتسع عليك الأمر وتصبر.
وهذا مصداق قولهم: (فما ذكر الموت في واسع إلا ضيقه، ولا في ضيق إلا وسعه)، والأماني أخطر شيء يعكر صفو القلب بعد تعلق القلب بغير الله.
стр. 801
المفسد الرابع: كثرة الطعام
قال لقمان لابنه: (يا بني! إن المعدة إذا امتلأت نامت الفكرة، وكفت الأعضاء عن العبادة)، إن كبير البطن لا يحرز شيئاً في السبق -لو تسابق الناس لا يحرز شيئاً- واعتبر بحال الجياد، إن الجواد الذي تركبه لتفوز بالسبق فيه لابد أن يكون مضمر البطن لا عظيمها).
стр. 802
المفسد الخامس: كثرة النوم
واعلم أن كثرة الطعام مجلبة للنوم، وكثرة النوم مظنة الفساد، وفوات المصالح وقد سئل عمر بن الخطاب ﵁ عن جده في نهاره وقيامه في ليله، وأن في هذا إرهاقاً وأي إرهاق، يقول: (إنني لو نمت في نهاري ضيعت رعيتي، ولو نمت في ليلي ضيعت نفسي، فكيف الخلاص منهما؟!).
وكان أبو حصين ﵁ كثير قيام الليل، وكان يضع عصاه بجانب مصلاه، فإذا أحس أن رجليه لا تقويان على رفعه ولا على حمل بدنه، كان يضرب رجليه بالعصا، ويقول لهما: (أنتما أحق بالضرب من دابتي، أيظن أصحاب محمد ﷺ أنهم لم يخلفوا بعدهم رجالاً؟ والله لأزاحمنهم على الحوض ويقوم)، وهذه لا يفعلها رجل ممتلئ البطن، وهذا ما يدل عليه قول لقمان الحكيم فيما يروى عنه: (إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وكفت الأعضاء عن العبادة.
وكذلك إذا امتلأت المعدة ازداد الشبق، وعظمت الشهوة، وبدأ الشيطان يلعب بصاحبها ويفكر؛ كيف يصرف هذه الشهوة، ولذلك النبي ﷺ قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) -يعني: وقاية يتترس بها من عدوه-.
فإذا كان الصيام -الجوع- وقاية من حدة الشهوة؛ فإن كثرة الطعام مجلبة لهذه الشهوة؛ ولذلك أكثر الناس عصياناً أصحاب الترف، الذين يأكلون ما شاءوا ويشربون مالذ لهم ويملئون بطونهم، وعندهم من المال ما يستطيعون به تنفيذ أهوائهم.
стр. 803
أمور تساعد على تقوية باعث الدين
فهذه مفسدات القلب، والشيطان لا يريد إلا قلبك، فإذا عجزت عن قتله بالكلية فَقَوِّ باعث الدين؛ فإنه يقتل البقية الباقية في بواعث الشهوات، واستعن على تقوية باعث الدين بأمور منها:
стр. 804
أن تعلم أن الجزاء من جنس العمل
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
من جملة شهود غضبه وانتقامه ﵎، وأجارنا الله وإياكم من غضبه ومن ناره أن تعلم أن الجزاء من جنس العمل، فإذا علمت ذلك وخشيت أن الله ﵎ إذا غضب عليك لا يرحمك أحد؛ كان ذلك باعثاً على زيادة دينك وهادماً لشهواتك.
واعتبر بالحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال لنا مرة: أتاني آتيان بعد صلاة الغداة -أو قال: ذات غداة- فانطلاقا بي، فإذا رجل مضطجع ورجل آخر قائم بصخرة عظيمة يهوي بها على رأسه، فيثلغ بها رأسه، فيتدهده الحجر، فيذهب ليأتي به، فيرجع بهذه الصخرة ويضربه مرة أخرى.
قلت: سبحان الله! ما هذان؟ فقالا لي: انطلق انطلق.
قال: فجئت فإذا رجل مضطجع على قفاه، وآخر معه كلوب من حديد -الكلوب: خطاف- فيشرشر شدقه إلى قفاه -ينزعه من شدقه إلى قفاه- ومن منخره إلى قفاه، ومن عينه إلى قفاه، ثم يذهب إلى الشق الآخر فيشرشره إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فما أن يشرشر هذه الناحية حتى تعود الأخرى صحيحة فيرجع عليها وهكذا.
قلت: سبحان الله! ما هذان؟! قال لي: انطلق انطلق.
قال: فجئت رجلاً يسبح في بحر من دم، وعلى شاطئ البحر رجل عنده صخر كثير، يسبح ويجيء، فيلقمه الواقف على الشاطئ حجراً فيلتقمه ويدور ثم يجيء، فيرميه بحجر يلتقمه وهكذا.
قلت: سبحان الله! ما هذان؟! قال لي: انطلق انطلق.
قال: وجئت فرأيت تنوراً -فرن من الأفران العظيمة- وفيه رجال ونساء عراة، ولهب يأتيهم من أسلف، فإذا وصل إليهم اللهب ضوضوا -صرخوا- فقلت: ما هؤلاء؟! قالا لي: انطلق انطلق)، وساق بقية الحديث.
ما أريده هو هذا الجزء من الحديث: الرجل الأول فسره الملكان للرسول ﵊ (رجل مضطجع، وآخر معه صخرة عظيمة يضربه بها، فيثلغ رأسه، ويتدهده الحجر) هل تعرف ما معنى يتدهده؟ يعني يصير رملاً، هذا الصخر العظيم من هول الضربة يصير رملاً، فقالا له: هذا هو الذي ينام عن الصلوات المكتوبات، والجزاء من جنس العمل، ثقل رأسه فلم يجب المنادي، لم يجب داعي الله، فكان هذا هو الجزاء، ولقد أخذ بعض الجزاء في الدنيا، قال ﷺ : (ما من رجل ينام ليله كله إلا بال الشيطان في أذنه) وإذا نام الإنسان يعقد الشيطان على قفاه ويقول: (نم، عليك ليل طويل).
فأما الرجل الثاني المضطجع على قفاه، وآخر قائم بالكلوب يشرشر شدقه، فقالا له: هذا الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق.
أما الرجل الثالث -الذي يسبح في بحر من الدم، والآخر يلقمه حجراً- فذلك آكل الربا، الذي مص دماء الناس وأموالهم، وهو يسبح فيها الآن في البرزخ، هذا الذي يسبح فيه دماء الخلق التي مصها، ثم هو لم يخرج بشيء من دنياه إلا الحجر: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة:٢٦٤] صفوان عليه تراب يغرك منظره، تراب كنت تظنه أرضاً صالحة، يأتيه الوابل -الذي هو المطر الغزير- فيدعه صلداً، وتكتشف أن هذا مجرد حجر لا يصلح للزراعة، والحجر لا ينفع، ومنه قول النبي ﷺ : (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) يعني: الولد لا ينسب إلا إلى فراش الزوجية الذي أتى بعقد صحيح، مثلاً رجل تزوج امرأة بعقد صحيح.
فأولدها، فهذا الولد الذي جاء على فراش الزوجية بالعقد الصحيح ينسب إلى أبيه، ولو أن رجلاً زانياً فجر بالمرأة على فراش زوجها وأولدها ولداً، فإن الولد لا ينسب إلى الزاني، باتفاق العلماء، وينسب إلى أمه وليس إلى أبيه، فهذا ينزل بمنزلة الأنعام.
حسناً: (الولد للفراش) والعاهر الذي فجر بالمرأة ما هو جزاؤه؟ أو ما هي الفائدة التي حصلها؟ قال ﷺ (وللعاهر الحجر) أي: الذي لا قيمة له، يعني أخذ الخيبة والخسران.
فهذا هو حال آكل الربا وهذا هو مآله -والعياذ بالله- فاحذروا البنوك وفوائد البنوك، فإنها ربا، ولا تسمعوا للمفتي، ولا لشيخ الأزهر ففوائد البنوك ربا! حرام! ومن وضع ماله في بنك فليخرجه، وليتقِ الله لا يأكل حراماً، هكذا أفتى كل العلماء الذين تعقد عليهم الخناصر، وهذه هي الفتوى الرسمية للأزهر، وأيضاً هي الفتوى الرسمية لمجمع الفقه في مكة، وفي دبي، وفي المغرب، وقد اتفقوا على ذلك.
وأما التنور الذي فيه رجال عراة ونساء عرايا، قال ﷺ : (هم الزناة والزواني) عادت نار الشهوة -التي كان يشعر بها في قلبه- تنوراً يحرقه، آه لو صبر وفعل ما أمر به -كالصيام مثلاً- لكسر حدة شهوته وفاز ونجا من ذلك الهول العظيم.
فليستحضر العبد العاقل مثل هذه المشاهد، فإن ذلك فيه تقوية على باعث الدين، وفيه هدم -أيضاً- لباعث الشهوات.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.
стр. 805
استحضار مشهد غضبه وانتقامه
إذا لم تؤثر فيك محبته ولا إحسانه وإنعامه؛ استحضر مشهد غضبه وانتقامه، والله إذا غضب على أحد لا يقوم لغضبه شيء، فضلاً عن هذا العبد الضعيف.
واعتبر بحال الجبل الذي تجلى الله له، ما غضب عليه، وإنما تجلى فقط فجعله دكاً، فلا يقوم شيء لغضبه أبداً فضلاً عن هذا العبد الضعيف.
واعلم أن العقوبة من جنس الفعل، فإذا علمت ذلك خفت من الله ، فإن قوماً لا يؤثر فيهم القرآن يؤثر فيهم السلطان؛ كما قال عثمان ﵁: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) مات أناس أصحاء أقوياء ما مرضوا قط، وصاروا تراباً وأكلتهم الأرض، وإذا شعرت بهذه القسوة فلابد أن تتدارك الخطر الداهم على هذا القلب، كيف لا تذهب إلى رجل وتقول له: قلبي قسا، ما علاجه؟ إن ميمون بن مهران ﵀، وكان كاتباً لـ عمر بن عبد العزيز ﵀ ورضي عنه- قال لابنه عمرو: (يا بني! خذ بيدي -وكان قد كف بصره- واذهب بي إلى الحسن البصري.
قال: فانطلقت به أقوده، فاعترضنا جدول ماء - (جدول ماء) يعني: قناة ماء، والرجل لا يستطيع أن يمر- قال: ففرشت نفسي على القناة فعبر عليَّ الشيخ، وانطلقت أقوده حتى ذهبنا واستأذنا على الحسن، فخرجت جارية الحسن فقالت: من؟ فقال لها: عمرو بن ميمون.
قالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قال: نعم.
قالت: يا شيخ السوء ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء؟! فبكى عمرو وعلا نحيبه؛ فخرج الحسن على بكائه فاعتنقا، فقال عمرو: يا أبا سعيد! شعرت بغلظة في قلبي فجئتك، هل أصوم لها -يستشيره هذه الغلظة التي وجدتها في قلبي علاجها أن أصوم لها-؟ يا أبا سعيد، قل لي شيئاً، فقال الحسن: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] فخر ميمون بن مهران مغشياً عليه، فجعل الحسن يفحص رجله كما تفحص رجل الشاة المذبوحة، وأفاق بعد مدة، فخرج ميمون مع ابنه عمرو، فقال ابنه له: يا أبتي! أهذا الحسن -يعني: هذا الرجل الضخم الذي أنت تصفه لي-؟ قال: نعم يا بني.
قال: ظننته أكبر من ذلك.
قال عمرو: فوكزني أبي في صدري، وقال: يا بني! لقد تلا آية لو تدبرتها لألفيت لها كلوماً في قلبك -لألفيت لها جراحاً في قلبك-).
وتأمل! ميمون الثقة الثبت، الإمام الكبير العلم، يذهب إلى الحسن يقول له: (آنست في قلبي غلظة)، قلبك لا يموت فجأة، فكيف قصرت في الدفاع عن هذا القلب الذي حياتك الأبدية متعلقة بسلامته من سهام الشيطان التي لا تكف عنك طرفة عين، تركته غرضاً للسهام ثم تبغي النجاة! أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
стр. 806
استحضار عظمة الله والحياء منه
الأول: أن تستحضر جلال الله ، وأنه يراك حين تعصيه، فإن القلب إذا قام في هذا المقام لا يقوى على معصية الله أبداً: والنبي ﷺ جاءه رجل فقال: (عظني.
قال: استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالحي قومك)، أي: فإنك لا تجرؤ على أن تعصي الله وتأتي بالقبائح أمام الصالحين، فليكن جلال الله في قلبك أفضل وأقوى من إجلالك لهذا الرجل الذي تستتر وراء الجدار وتغلق الباب حتى لا يراك؛ حياءً منه، فالذي لا يغفل عنك طرفة عين ولا ما دونها أولى بالحياء.
وروى عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد بسند صحيح عن الزبير بن العوام ﵁ قال: (سمعت أبا بكر يخطب على المنبر فيقول: يا أيها الناس! استحيوا من الله، فوالله إنني لأتقنع -يعني: يتلثم بعمامته- إذا خرجت إلى الخلاء؛ حياءً من الله وهو يقضي حاجته حياءً من الله ﵎ فهكذا فليكن الحياء.
стр. 807
محبته
ثانياً: استحضر مشهد محبته ﵎، وأن المحب لا يعصي من يحبه، وأن الطاعة أسهل ما تكون على المحبين، وأن خدمة المحب متعة، يصلي ويستمتع، يخرج من حر ماله ويستمتع، يناله ما يناله من الأذى وهو مستمتع! (دخل بعض السلف على أخيه وهو مريض فسمعه يئن، فقال له: ليس بمحب من لم يصبر على ضرب حبيبه.
فقال له الرجل: صدقت، بل ليس بمحب من لم يلتذ بضرب حبيبه!)، فنقلها إلى نقلة أعلى وأفضل، وليكن لسان حالك: (لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) إذا كنت محباً استعن بهذا الحب على تقوية باعث الدين ودحر باعث الشهوات.
стр. 808
استحضار إحسانه
ثالثاً: استحضر إحسان الله إليك، وأنه المبتدئ عليك بنعمه قبل أن تستحقها، وليس من شيمة الكريم أن يرد الإحسان وأن يعقبه بالإساءة، فاستحضر إحسانه عليك: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] لا تستطيع أن تعدها في بدنك فضلاً عن السماوات والأرض، ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، استحضر أسماءه وصفاته وآثارها في الكون، لا تعصه طرفة عين، هو لا يستحق منك ذلك، وهو المتفضل عليك.
واعتبر بحياة الناس: إذا لم تعلم صفات الرجل ما الذي يغضبه، وما الذي يحبه؛ فلا تستطيع أن تمد جسور الود بينك وبينه، كما أنك لا تستطيع أن تستلب قلوب الناس إلا إذا علمت ما يحبون فتفعله، وما يكرهون فلا تفعله، وقد ذكر العلماء في ترجمة شريح القاضي ﵀ أنه جالس الشعبي عامر بن شراحيل، وكلاهما من التابعين الكبار، فقال له الشعبي: (يا شريح! كيف حالك مع أهلك -مع زوجتك-؟ قال: والله -يا شعبي - تزوجتها منذ عشرين عاماً فما رأيت منها سوءاً قط.
قال له: وكيف ذلك؟ قال: في الليلة التي دخلت بها رأيت جمالاً نادراً وحسناً فتاناً أخاذاً، فقلت: لأتطهرن وأصلين لله ﵎ شكراً، فقمت فتطهرت وصليت، فلما سلمت وجدتها صلت بصلاتي وسلمت بسلامي، فمددت يدي نحوها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية -ويستحب للزوجة إذا نادت زوجها أن تناديه بكنيته، كما قالت امرأة إبراهيم ﵇: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢] (بعلي): والبعل هو السيد، وكانت امرأة أبي الدرداء إذا نادته تقول له: يا سيدي- قالت: على رسلك يا أبا أمية، فإنني امرأة غريبة، وابتدأت الخطبة، فقالت: إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، وأصلي وأسلم على محمد وآله.
أما بعد: فأنت رجل غريب عني وأنا غريبة عنك، ولا علم لي بأخلاقك، فقل لي ما تكرهه فأجتنبه، وما تحبه فأفعله، وقد ملكت فافعل كما أمرك الله : ﴿إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، واعلم أنه في قومك من كانت كفئاً لك وتستحقك، وكان في قومي من كان كفئاً لي ويستحقني، ولكن إذا أراد الله شيئاً فعل أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
قال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة -أي: أنها خطبَتْ خطبة عصماء! فهو سيخطب في مقابلها خطبة أخرى- فقال: إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، وأصلي وأسلم على محمد وآله.
أما بعد: فقد قلتِ قولاً لو ثبتِ عليه نفعكِ، وإن كنتِ تدعينه كان حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا.
فقالت له: وكيف صلتك بأهلي -أي: الزيارات لأهلها-؟ قال: لا أحب أن يملني أصهاري -يعني: نجعل الزيارات متباعدة-.
قالت: وجيرانك؟ قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، قال: وبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها عشرين عاماً ما اختصمت معها إلا في مرة واحدة، وكنت ظالماً لها).
لماذا عِشرة عشرين سنة بلا مشاكل؟ لأنها تعرفت على صفاته، يكره كذا ويحب كذا، كذلك الله -وله المثل الأعلى- يكره كذا ويحب كذا، فلا يراك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك، وهذا في الناس مثل ضربته، ولله المثل الأعلى، قال لك: افعل كذا وكذا، فكيف لا تفعل؟ ونهاك أن تفعل كذا وكذا، فكيف تجرأت على الفعل؟
стр. 809
لا يستوي الطائع والعاصي عند الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آله محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
سابعاً: إن شهود أسماء الله وصفاته في الكون من أعظم البواعث على تقوية باعث الدين، وعلمك أن الله لا يسوي بين الطائع والعاصي، وأن الله ﵎ منتقم وشكور، ولا يظلم مثقال ذرة، لما تجمع هؤلاء الثلاثة؛ هذا يكون حافزاً لك على الإحسان، قال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] هكذا قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم، وقرأ بقية السبعة كـ نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء - (سواءٌ محياهم ومماتهم) وهناك فرق عظيم بين القراءتين: أما (سَوَاءً): فهي داخلة مسبوكة في معنى الآية (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا) اجترحوا: يعني اكتسبوا، ومنها الجوارح، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ): فيقول: هم يتصورون ممات الكافرين كممات المؤمنين، وحياة الكافرين كحياة المؤمنين! إذاً المعنى جاء مسبوكاً في بقية الآية أولها، وآخرها (ساء ما يحكمون) طبعاً لا يمكن.
وعلى قراءة: (سواءٌ) بالرفع، تقرأ هكذا ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١] وتقف ﴿سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١] فـ (سواء) خبر مقدم، أي: أن حياة الكافرين ومماتهم واحد، هو ميت قبل أن يموت، هذا الجسم الذي تراه عبارة عن قبر متحرك لقلب ميت، ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨٠ - ٨١] قرأ حمزة وغيره ((وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم)) إذاً هؤلاء هم المقصودون بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، ﴿سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
فإذا كنت على معرفة جازمة أن الله لا يسوي أبداً بين الطائع والعاصي، ثم كما هو ﵎ من لطفه أن نصب لك الأدلة ونصب لك الثواب والعقاب؛ حتى لا تقول: يا رب! أخذت على حين غرة.
قال ﵎: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] (أملي لهم): يمد لهم حبال الأماني، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] هذا استدراج، يزين له المعصية ويقيم الدلائل عليها، لو كان ربنا يكرهنا لحرمنا من الأولاد والمال، ولكنه أعطانا الأولاد حتى نتقوى، والأموال لنفعل ما لذ وطاب، إذاً أكيد هو يحبنا ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] كلمة (يحسبون) أي: يقيمون الشبهة دليلاً ويتكئون عليها.
وكما قالت اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فرد الله عليهم الرد الدامغ الذي لا يخطئه أبداً ذو عقل: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] أي: أن الحبيب يتجاوز عن الذنب -هذا معنى الآية- فإن كنتم أبناء الله وأحباؤه فعلاً يعذبكم بذنوبكم؟ فالأصل أن يتجاوز، ولا يؤاخذ ولا يعاقب كما ذكر الله عن يوسف وإخوته: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩١ - ٩٢] (الحبيب لا يرى ذنباً، والبغيض لا يرى حسناً).
وهذا ترجمة المثل العامي: (حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط) الزلط -الحصى- الذي لا يُبلع -أصلاً- صديقك يبلعه؛ لأنه حبيب.
فالله ﵎ نصب الأدلة، وبين لك منذ البدء أنه بينك وبين هذا الشيطان عداوة قديمة، وأن الله ﵎ مكنك من الشيطان بكلمة واحدة فقط: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فأنت أقدر على شيطان الجن منك على شيطان الإنس، شيطان الجن بمجرد أن تستعيذ بالله منه يولي الأدبار، أما شيطان الإنس فلو جلست وقرأت عليه القرآن كله؛ يقول لك: الآية هذه معناها كذا وهذه معناها كذا، والعلماء قالوا كذا، والعالم الفلاني قال كذا يشوش عليك، وإذا قلت له: أعوذ بالله من شرك؛ يقول لك: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] وبرغم أن شيطان الجن أقوى، ولديه إمكانات وصلاحيات أن يصير كالجبل العظيم أو كالذر يجري في الدم! ومع ذلك أول ما تقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يولي الأدبار، ويضعف كيده وبأسه.
إذاً: الله ﵎ مكنك منه، ثم أبان لك عداوته، والرسول ﵊ ترجم هذه العداوة في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة ﵁ في الصحيحين، قال ﷺ : (ما من مولود يولد إلا وينخسه الشيطان؛ لذلك يستهل صارخاً) يصرخ؛ لأن الشيطان ينخسه، وما زال أبيض الصفحة، لم يفعل شيئاً، كأن الشيطان بهذه النخسة يقول له: أنا إنما نصبت لك، ولن تفلت مني.
يذكره به، يقول له: هذه نخسة لكي أذكرك.
فما من مولود يولد إلا يستهل صارخاً بسبب نخسة الشيطان، إلا مريم وابنها، واقرءوا إن شئتم: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦].
هذه العداوة بينها ربنا في القرآن -على أنها عداوة ظاهرة- ولا تخفى أبداً إلا على أعمى القلب.
ثم يقول الله ﵎ بعد ما بين العداوة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠] بئس البدل: أنك تتولى الشيطان، ولا تتولى الله .
إذاً: شهود انتقامه وشهود إنعامه، وأنه شكور، وأنك إذا فعلت الفعل اليسير أجزل لك المثوبة، وإذا فعلت الذنب العظيم كتبه ذنباً، وقد يمحوه، هذا كله مشجع وحافز لك لكي تحسن، إذا زلت بك القدم، فأنت عند رب محسن ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] لأنك تعلم أن ربنا قد يتجاوز لك، لكن لا تكن كالمرجئة، يفعل الشيء ثم يقول: إن الله غفور رحيم لا، اعمل صالحاً وحاول ألا تغلط، فإن أخطأت وزللت فتب إلى الله ، واعلم أن الصبر على أمره، والانتهاء عن نهيه عاقبته التمكين والعز، قال الله ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
стр. 810
الأسوة الحسنة في زمن الفتن والمتغيرات
أيها الرجل: إن كنت رجلاً حقاً فلك أسوة في إبراهيم، رجل يساوي أمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] فلك أسوة بهذه الأمة كما تأسى نبينا محمد ﷺ به، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣].
فإن فترت همتك ولم تكن رجلاً، فتأس بالصبيان بإسماعيل ﵇ مع أبيه إبراهيم ﵉: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] انظر هذا الاستثناء الجميل! (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ) كأنما لم يثق بقوة عزمه فقد يتراجع حال الذبح؛ فوكل ذلك إلى الله، وهضم حق نفسه وأشار إلى ضعفه وخوفه أن يخور عزمه وهو يشعر بحد السكين على عنقه، فما أعقله من صبي (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، ولو تأسيت به لكنت كبيراً، مع أنه يوم قالها كان صبياً.
ثم إن نزلت همتك عن همة الصبيان فتأسَ بالنساء، لا أقول لك: تأسَ بامرأة حرة بل أمة -وتعد ربع رجل؛ إذ أن المرأة الحرة تعدل نصف رجل، والأمَة تعدل نصف حرة- بـ هاجر ﵍، لما دخل إبراهيم ﵇ وسارة إلى مصر، وكان يحكمها جبار عنيد، لا يسمع بامرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه، وقد كانت سارة ﵍ آية في الجمال، فالجواسيس أول ما رأوا جمال سارة، قالوا له: هناك امرأة جميلة شكلها كذا وكذا، فإبراهيم ﵇ قال لها: إذا سألك فقولي له: إنني أخته، فأنا لا أعلم أحداً يعبد الله غيري وغيرك وهذا تعريض، وهي من الكذبات الثلاث التي كذبها إبراهيم ﵇، ولكنه كذبها في الله.
فلما رآها جميلة جداً أراد أنه يصل إليها، فشلت يده، فقال: ادعي الله لي أن يخلصني ولن أمسك بسوء.
فدعت الله ، فأراد أن يمد يده مرة أخرى، فشلت، فقال: ادعي لي، فدعت الله، فارتدت يده، فمد يده مرة ثالثة وهذا يشبه حال الكافرين في الآخرة بعد اعترافهم ومعايشتهم العذاب قال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨].
ولذلك أمثال هؤلاء ممن لم يعاينوا التكليف في هذه الحياة الدنيا، كالأصم يأتي يوم القيامة، فيقول: يا رب! أنا أصم، لا أسمع، ولو جاءني الرسول لآمنت، وكذلك الولد الذي مات صغيراً قبل أن يبلغ الحلم يقول: أنا كنت صغيراً ولم أسمع، وكذلك المجنون يقول: أنا لم يكن لي عقل، ولو كان لي عقل وأتاني الرسول لآمنت.
فيقول لهم الله : لئن أرسلت إليكم رسولاً لتؤمنن به؟ فأعطوه الموثق على ذلك: نعم، سنؤمن به، فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فمن أبى أن يدخلها قذف إليها، وهذا لو كان في الدنيا وجاءه الرسول كان سيكذب.
إذاً: ما هي العلاقة ما بين النار في الآخرة وما بين التكليف في الدنيا؟ أنت ربما تعذب في الدنيا وتدخل النار بسبب ثباتك على دينك، مثل أصحاب الأخدود، فهؤلاء رموا في الأخدود؛ لأنهم آمنوا بالله ، وكذلك كان في الأمم السابقة كما قال النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل فينشر بالمنشار -وهو حي- حتى يفصل ما بين اللحم والعظم ما يرده ذلك عن دينه) فهذه هي النار، فشابهت النار في الآخرة نفس ثمار التكاليف في الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨].
فهذا خبيث! مرة ثالثة -أيضاً- يمد يده فشلت، فطلب منها أن تدعو الله أن يرسل يده فدعت الله فأرسل يده، وأحضر الجاسوس وشتمه، وحتى يتقي شرها أعطاها هاجر أمةً لها، فتزوجها إبراهيم ﵇، وحملت وولدت، فغارت سارة منها.
عن ابن عباس قال: إن أول من اتخذ المنطق -الحزام الذي تربطه النساء على الوسط- هاجر ﵍، وكان المنطف عبارة عن قطعة قماش تجره وراءها على الأرض لتمحو آثار أقدامها عن سارة، بسبب ماذا؟ بسبب الغيرة.
أخذها إبراهيم ﵇ من الشام ورحل بها وجاء بها مكة كما قال الله : ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] لا إنسان ولا حيوان، واد خال تماماً، هي وابنها الرضيع، وتركها وابنها في مكة ولم يكلمها، وانطلق راجعاً إلى الشام، فنادته: (يا إبراهيم! يا إبراهيم! يا إبراهيم! وهو لا يرد، فانطلقت وراءه حتى وصلت إلى مشارف مكة تقول: يا إبراهيم! حملتني إلى هذا الوادي ولا يوجد إنسان! لمن تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يرد عليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه أن نعم، قالت: إذاً: لا يضيعنا، ورجعت).
هي هذه ربع الرجل! لو كنت متأسياً فتأسَ بمثل هذا الربع: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال الرواية الأخرى في البخاري لهذه القصة قال ابن عباس: (فانطلقت وراءه ونادته، وقالت: لمن تتركنا يا إبراهيم؟! فسكت ولم يرد.
فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، أمرني.
قالت: رضيت بالله).
في الرواية الأولى: قالت: لن يضيعنا، والرواية الثانية قالت: رضيت بالله، وكفى بالله وكيلاً.
أرجو يا إخواننا! أن تتصوروا حال هاجر وهي في مكان مقفر مظلم، إذا جاء الليل تسمع دوي الريح! وليس معها إلا وليدها وقد وجف ضرعها، وكاد الولد يموت عطشاً وجوعاً، فلما رأته يموت قالت: أذهب فأعلل نفسي حتى يموت.
لا تريد أن تراه وهو يموت، تنصرف وتأتيه بعد ساعة أو ساعتين ويكون قد مات فتدفنه، وينتهي الأمر.
فذهبت تبحث عن ماء، فرجعت فإذا جبريل ﵇ قد ضرب بعقبه الأرض -وقيل: بجناحه- فانفجرت عين زمزم وجعلت تفور، وهذا فرج عظيم بعد شدة مدلهمة، وهكذا رزق الله تعالى أوليائه من حيث لم يحتسبوا.
ولا تقل هذا خاص بالأنبياء، فهذا لأولياء الله في كل وقت، إذا حسُن توكلك عليه، كما حصل لـ خبيب بن عدي في موقعة بئر معونة، لما جاء رجل من بني الحارث وقال للنبي ﵊: (لو أرسلت من يعلم الناس القرآن.
قال: إني أخاف عليهم قومك؟ قال: لا، أرسلهم، وأنا جار لهم) أي: هم في حمايتي، فأرسل الرسول سبعين قارئاً للقرآن من خيار الصحابة آنذاك، كان منهم عاصم بن ثابت قريب لـ عمر بن الخطاب، وكان منهم خبيب بن عدي، لكنهم بعد أن ساروا قليلاً سمعوا وقع أقدام الخيل وراءهم، فقال عاصم بن ثابت: هذا أول الغدر.
أول ما جاء الفرسان قالوا: سلموا.
قالوا: لا نسلم.
فقتلوا عاصم بن ثابت الأنصاري وجماعة من الصحابة.
فبقي خبيب بن عدي ورجلان على خيولهم، فأعطوهم العهد والميثاق ولهم الأمان.
فنزلوا على العهد والميثاق فعندما نزلوا كتفوهم، فأحد هؤلاء الثلاثة قاتل وظل يقاوم حتى قتلوه، فبقي اثنان: خبيب بن عدي والآخر.
أما خبيب بن عدي فقد كان من خبره أن هؤلاء الناس باعوه لبني الحارث، وكان خبيب قد قتل رجلاً من بني الحارث عظيماً في الجاهلية، فأردوا أن يقتلوه قصاصاً.
فلما سلموه لبني الحارث كانت الأشهر الحرم قد دخلت، وكان العرب يوقرون الأشهر الحرم، فأجلوا قتل خبيب بن عدي إلى انتهاء الأشهر الحرم، ووكلوا به امرأةً كسجان عليه- فهذه المرأة في يوم من الأيام طلب منها خبيب بن عدي موسىً يستحد بها -لأن الرسول ﷺ قد وقت لشعر العانة ألا يبقى أكثر من أربعين يوماً- فهذه المرأة نامت وغفلت عن ابنها، وقد كان على حجرها، فنزل ودخل إلى خبيب بن عدي، فوضعه خبيب على حجره، فأفاقت المرأة فنظرت، فإذا الولد على رجل خبيب بن عدي فشهقت، وخافت أن يقتله خبيب بالموسى.
فقال لها: أتظنين أني قاتله؟ والله! ما كنت لأفعل ذلك.
فقالت المرأة: والله! ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، لقد رأيته يوماً يأكل عنباً وليس في مكة ثمرة، والرواية الأخرى: ما على الأرض حبة عنب؛ لأن مكة البلد الوحيد الذي تجد فيه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، قال ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] ليس عندهم أزمة في أي شيء، يؤكل فيها العنب والبطيخ، والفاكهة كلها في غير أوانه ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] إذا كان لا يوجد في مكة حبة عنب، إذاً لا يوجد على الأرض حبة عنب.
المهم أن هاجر ﵍ كما تقدم ذهبت تبحث عن الماء وبدأت السعي بين الصفا والمروة.
ويا لضخامة الأمر على هذه المرأة الوحيدة! يا ليت معها زوجاً يهون عليها، لكنها امرأة وحيدة لا تجد من يعينها ويسقي وليدها.
عليك أن تستحضر كل تلك المعاني وأنت تسعى بين الصفا والمروة، في ظل التكييف الممتاز، والرخام الجميل، فتفرغ العبادة من مضمونها، تطوف وتتمنى أن تنتهي من السعي لشدة الإعياء، وتقول للذي بجانبك: عد معي، نحن وصلنا أي شوط؟! الشيخ الألباني ﵀ حججت معه سنة (١٤١٠هـ)، وكان في هذا الحج زحام شديد، ما رأيت مثل هذا الزحام قط، أنا شاب والشيخ الألباني ﵀ كان سنه في ذلك الوقت حوالي (٨١) سنة.
طبعاً لما أتيت لأسعى صعدت إلى الدور الثاني؛ لأنه من المستحيل أن تجد في الأسفل موضعاً لقدمك، بعدما رجعنا إلى منى، ودخلت لأسلم على الشيخ في خيمته وجدت على
следующие страницы →