← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

استحضار عظمة الله والحياء منه الأول: أن تستحضر جلال الله ، وأنه يراك حين تعصيه، فإن القلب إذا قام في هذا المقام لا يقوى على معصية الله أبداً: والنبي ﷺ جاءه رجل فقال: (عظني. قال: استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالحي قومك)، أي: فإنك لا تجرؤ على أن تعصي الله وتأتي بالقبائح أمام الصالحين، فليكن جلال الله في قلبك أفضل وأقوى من إجلالك لهذا الرجل الذي تستتر وراء الجدار وتغلق الباب حتى لا يراك؛ حياءً منه، فالذي لا يغفل عنك طرفة عين ولا ما دونها أولى بالحياء. وروى عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد بسند صحيح عن الزبير بن العوام ﵁ قال: (سمعت أبا بكر يخطب على المنبر فيقول: يا أيها الناس! استحيوا من الله، فوالله إنني لأتقنع -يعني: يتلثم بعمامته- إذا خرجت إلى الخلاء؛ حياءً من الله وهو يقضي حاجته حياءً من الله ﵎ فهكذا فليكن الحياء.

стр. 807

محبته ثانياً: استحضر مشهد محبته ﵎، وأن المحب لا يعصي من يحبه، وأن الطاعة أسهل ما تكون على المحبين، وأن خدمة المحب متعة، يصلي ويستمتع، يخرج من حر ماله ويستمتع، يناله ما يناله من الأذى وهو مستمتع! (دخل بعض السلف على أخيه وهو مريض فسمعه يئن، فقال له: ليس بمحب من لم يصبر على ضرب حبيبه. فقال له الرجل: صدقت، بل ليس بمحب من لم يلتذ بضرب حبيبه!)، فنقلها إلى نقلة أعلى وأفضل، وليكن لسان حالك: (لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) إذا كنت محباً استعن بهذا الحب على تقوية باعث الدين ودحر باعث الشهوات.

стр. 808

استحضار إحسانه ثالثاً: استحضر إحسان الله إليك، وأنه المبتدئ عليك بنعمه قبل أن تستحقها، وليس من شيمة الكريم أن يرد الإحسان وأن يعقبه بالإساءة، فاستحضر إحسانه عليك: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] لا تستطيع أن تعدها في بدنك فضلاً عن السماوات والأرض، ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، استحضر أسماءه وصفاته وآثارها في الكون، لا تعصه طرفة عين، هو لا يستحق منك ذلك، وهو المتفضل عليك. واعتبر بحياة الناس: إذا لم تعلم صفات الرجل ما الذي يغضبه، وما الذي يحبه؛ فلا تستطيع أن تمد جسور الود بينك وبينه، كما أنك لا تستطيع أن تستلب قلوب الناس إلا إذا علمت ما يحبون فتفعله، وما يكرهون فلا تفعله، وقد ذكر العلماء في ترجمة شريح القاضي ﵀ أنه جالس الشعبي عامر بن شراحيل، وكلاهما من التابعين الكبار، فقال له الشعبي: (يا شريح! كيف حالك مع أهلك -مع زوجتك-؟ قال: والله -يا شعبي - تزوجتها منذ عشرين عاماً فما رأيت منها سوءاً قط. قال له: وكيف ذلك؟ قال: في الليلة التي دخلت بها رأيت جمالاً نادراً وحسناً فتاناً أخاذاً، فقلت: لأتطهرن وأصلين لله ﵎ شكراً، فقمت فتطهرت وصليت، فلما سلمت وجدتها صلت بصلاتي وسلمت بسلامي، فمددت يدي نحوها، فقالت: على رسلك يا أبا أمية -ويستحب للزوجة إذا نادت زوجها أن تناديه بكنيته، كما قالت امرأة إبراهيم ﵇: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢] (بعلي): والبعل هو السيد، وكانت امرأة أبي الدرداء إذا نادته تقول له: يا سيدي- قالت: على رسلك يا أبا أمية، فإنني امرأة غريبة، وابتدأت الخطبة، فقالت: إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، وأصلي وأسلم على محمد وآله. أما بعد: فأنت رجل غريب عني وأنا غريبة عنك، ولا علم لي بأخلاقك، فقل لي ما تكرهه فأجتنبه، وما تحبه فأفعله، وقد ملكت فافعل كما أمرك الله : ﴿إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، واعلم أنه في قومك من كانت كفئاً لك وتستحقك، وكان في قومي من كان كفئاً لي ويستحقني، ولكن إذا أراد الله شيئاً فعل أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. قال شريح: فأحوجتني والله يا شعبي إلى الخطبة -أي: أنها خطبَتْ خطبة عصماء! فهو سيخطب في مقابلها خطبة أخرى- فقال: إن الحمد لله نحمده، ونستعين به ونستغفره، وأصلي وأسلم على محمد وآله. أما بعد: فقد قلتِ قولاً لو ثبتِ عليه نفعكِ، وإن كنتِ تدعينه كان حجة عليك، أحب كذا وأكره كذا. فقالت له: وكيف صلتك بأهلي -أي: الزيارات لأهلها-؟ قال: لا أحب أن يملني أصهاري -يعني: نجعل الزيارات متباعدة-. قالت: وجيرانك؟ قال: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، قال: وبت معها بأنعم ليلة، وعشت معها عشرين عاماً ما اختصمت معها إلا في مرة واحدة، وكنت ظالماً لها). لماذا عِشرة عشرين سنة بلا مشاكل؟ لأنها تعرفت على صفاته، يكره كذا ويحب كذا، كذلك الله -وله المثل الأعلى- يكره كذا ويحب كذا، فلا يراك حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك، وهذا في الناس مثل ضربته، ولله المثل الأعلى، قال لك: افعل كذا وكذا، فكيف لا تفعل؟ ونهاك أن تفعل كذا وكذا، فكيف تجرأت على الفعل؟

стр. 809

لا يستوي الطائع والعاصي عند الله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آله محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. سابعاً: إن شهود أسماء الله وصفاته في الكون من أعظم البواعث على تقوية باعث الدين، وعلمك أن الله لا يسوي بين الطائع والعاصي، وأن الله ﵎ منتقم وشكور، ولا يظلم مثقال ذرة، لما تجمع هؤلاء الثلاثة؛ هذا يكون حافزاً لك على الإحسان، قال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] هكذا قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم، وقرأ بقية السبعة كـ نافع وابن كثير وأبي عمرو بن العلاء - (سواءٌ محياهم ومماتهم) وهناك فرق عظيم بين القراءتين: أما (سَوَاءً): فهي داخلة مسبوكة في معنى الآية (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا) اجترحوا: يعني اكتسبوا، ومنها الجوارح، (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ): فيقول: هم يتصورون ممات الكافرين كممات المؤمنين، وحياة الكافرين كحياة المؤمنين! إذاً المعنى جاء مسبوكاً في بقية الآية أولها، وآخرها (ساء ما يحكمون) طبعاً لا يمكن. وعلى قراءة: (سواءٌ) بالرفع، تقرأ هكذا ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١] وتقف ﴿سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية:٢١] فـ (سواء) خبر مقدم، أي: أن حياة الكافرين ومماتهم واحد، هو ميت قبل أن يموت، هذا الجسم الذي تراه عبارة عن قبر متحرك لقلب ميت، ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل:٨٠ - ٨١] قرأ حمزة وغيره ((وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم)) إذاً هؤلاء هم المقصودون بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، ﴿سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]. فإذا كنت على معرفة جازمة أن الله لا يسوي أبداً بين الطائع والعاصي، ثم كما هو ﵎ من لطفه أن نصب لك الأدلة ونصب لك الثواب والعقاب؛ حتى لا تقول: يا رب! أخذت على حين غرة. قال ﵎: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] (أملي لهم): يمد لهم حبال الأماني، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] هذا استدراج، يزين له المعصية ويقيم الدلائل عليها، لو كان ربنا يكرهنا لحرمنا من الأولاد والمال، ولكنه أعطانا الأولاد حتى نتقوى، والأموال لنفعل ما لذ وطاب، إذاً أكيد هو يحبنا ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] كلمة (يحسبون) أي: يقيمون الشبهة دليلاً ويتكئون عليها. وكما قالت اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فرد الله عليهم الرد الدامغ الذي لا يخطئه أبداً ذو عقل: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] أي: أن الحبيب يتجاوز عن الذنب -هذا معنى الآية- فإن كنتم أبناء الله وأحباؤه فعلاً يعذبكم بذنوبكم؟ فالأصل أن يتجاوز، ولا يؤاخذ ولا يعاقب كما ذكر الله عن يوسف وإخوته: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ * قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف:٩١ - ٩٢] (الحبيب لا يرى ذنباً، والبغيض لا يرى حسناً). وهذا ترجمة المثل العامي: (حبيبك يبلع لك الزلط، وعدوك يتمنى لك الغلط) الزلط -الحصى- الذي لا يُبلع -أصلاً- صديقك يبلعه؛ لأنه حبيب. فالله ﵎ نصب الأدلة، وبين لك منذ البدء أنه بينك وبين هذا الشيطان عداوة قديمة، وأن الله ﵎ مكنك من الشيطان بكلمة واحدة فقط: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فأنت أقدر على شيطان الجن منك على شيطان الإنس، شيطان الجن بمجرد أن تستعيذ بالله منه يولي الأدبار، أما شيطان الإنس فلو جلست وقرأت عليه القرآن كله؛ يقول لك: الآية هذه معناها كذا وهذه معناها كذا، والعلماء قالوا كذا، والعالم الفلاني قال كذا يشوش عليك، وإذا قلت له: أعوذ بالله من شرك؛ يقول لك: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] وبرغم أن شيطان الجن أقوى، ولديه إمكانات وصلاحيات أن يصير كالجبل العظيم أو كالذر يجري في الدم! ومع ذلك أول ما تقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يولي الأدبار، ويضعف كيده وبأسه. إذاً: الله ﵎ مكنك منه، ثم أبان لك عداوته، والرسول ﵊ ترجم هذه العداوة في الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة ﵁ في الصحيحين، قال ﷺ : (ما من مولود يولد إلا وينخسه الشيطان؛ لذلك يستهل صارخاً) يصرخ؛ لأن الشيطان ينخسه، وما زال أبيض الصفحة، لم يفعل شيئاً، كأن الشيطان بهذه النخسة يقول له: أنا إنما نصبت لك، ولن تفلت مني. يذكره به، يقول له: هذه نخسة لكي أذكرك. فما من مولود يولد إلا يستهل صارخاً بسبب نخسة الشيطان، إلا مريم وابنها، واقرءوا إن شئتم: ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]. هذه العداوة بينها ربنا في القرآن -على أنها عداوة ظاهرة- ولا تخفى أبداً إلا على أعمى القلب. ثم يقول الله ﵎ بعد ما بين العداوة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠] بئس البدل: أنك تتولى الشيطان، ولا تتولى الله . إذاً: شهود انتقامه وشهود إنعامه، وأنه شكور، وأنك إذا فعلت الفعل اليسير أجزل لك المثوبة، وإذا فعلت الذنب العظيم كتبه ذنباً، وقد يمحوه، هذا كله مشجع وحافز لك لكي تحسن، إذا زلت بك القدم، فأنت عند رب محسن ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] لأنك تعلم أن ربنا قد يتجاوز لك، لكن لا تكن كالمرجئة، يفعل الشيء ثم يقول: إن الله غفور رحيم لا، اعمل صالحاً وحاول ألا تغلط، فإن أخطأت وزللت فتب إلى الله ، واعلم أن الصبر على أمره، والانتهاء عن نهيه عاقبته التمكين والعز، قال الله ﵎: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤].

стр. 810

الأسوة الحسنة في زمن الفتن والمتغيرات أيها الرجل: إن كنت رجلاً حقاً فلك أسوة في إبراهيم، رجل يساوي أمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] فلك أسوة بهذه الأمة كما تأسى نبينا محمد ﷺ به، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]. فإن فترت همتك ولم تكن رجلاً، فتأس بالصبيان بإسماعيل ﵇ مع أبيه إبراهيم ﵉: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] انظر هذا الاستثناء الجميل! (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ) كأنما لم يثق بقوة عزمه فقد يتراجع حال الذبح؛ فوكل ذلك إلى الله، وهضم حق نفسه وأشار إلى ضعفه وخوفه أن يخور عزمه وهو يشعر بحد السكين على عنقه، فما أعقله من صبي (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)، ولو تأسيت به لكنت كبيراً، مع أنه يوم قالها كان صبياً. ثم إن نزلت همتك عن همة الصبيان فتأسَ بالنساء، لا أقول لك: تأسَ بامرأة حرة بل أمة -وتعد ربع رجل؛ إذ أن المرأة الحرة تعدل نصف رجل، والأمَة تعدل نصف حرة- بـ هاجر ﵍، لما دخل إبراهيم ﵇ وسارة إلى مصر، وكان يحكمها جبار عنيد، لا يسمع بامرأة جميلة إلا اصطفاها لنفسه، وقد كانت سارة ﵍ آية في الجمال، فالجواسيس أول ما رأوا جمال سارة، قالوا له: هناك امرأة جميلة شكلها كذا وكذا، فإبراهيم ﵇ قال لها: إذا سألك فقولي له: إنني أخته، فأنا لا أعلم أحداً يعبد الله غيري وغيرك وهذا تعريض، وهي من الكذبات الثلاث التي كذبها إبراهيم ﵇، ولكنه كذبها في الله. فلما رآها جميلة جداً أراد أنه يصل إليها، فشلت يده، فقال: ادعي الله لي أن يخلصني ولن أمسك بسوء. فدعت الله ، فأراد أن يمد يده مرة أخرى، فشلت، فقال: ادعي لي، فدعت الله، فارتدت يده، فمد يده مرة ثالثة وهذا يشبه حال الكافرين في الآخرة بعد اعترافهم ومعايشتهم العذاب قال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. ولذلك أمثال هؤلاء ممن لم يعاينوا التكليف في هذه الحياة الدنيا، كالأصم يأتي يوم القيامة، فيقول: يا رب! أنا أصم، لا أسمع، ولو جاءني الرسول لآمنت، وكذلك الولد الذي مات صغيراً قبل أن يبلغ الحلم يقول: أنا كنت صغيراً ولم أسمع، وكذلك المجنون يقول: أنا لم يكن لي عقل، ولو كان لي عقل وأتاني الرسول لآمنت. فيقول لهم الله : لئن أرسلت إليكم رسولاً لتؤمنن به؟ فأعطوه الموثق على ذلك: نعم، سنؤمن به، فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، فمن أبى أن يدخلها قذف إليها، وهذا لو كان في الدنيا وجاءه الرسول كان سيكذب. إذاً: ما هي العلاقة ما بين النار في الآخرة وما بين التكليف في الدنيا؟ أنت ربما تعذب في الدنيا وتدخل النار بسبب ثباتك على دينك، مثل أصحاب الأخدود، فهؤلاء رموا في الأخدود؛ لأنهم آمنوا بالله ، وكذلك كان في الأمم السابقة كما قال النبي ﷺ : (يؤتى بالرجل فينشر بالمنشار -وهو حي- حتى يفصل ما بين اللحم والعظم ما يرده ذلك عن دينه) فهذه هي النار، فشابهت النار في الآخرة نفس ثمار التكاليف في الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. فهذا خبيث! مرة ثالثة -أيضاً- يمد يده فشلت، فطلب منها أن تدعو الله أن يرسل يده فدعت الله فأرسل يده، وأحضر الجاسوس وشتمه، وحتى يتقي شرها أعطاها هاجر أمةً لها، فتزوجها إبراهيم ﵇، وحملت وولدت، فغارت سارة منها. عن ابن عباس قال: إن أول من اتخذ المنطق -الحزام الذي تربطه النساء على الوسط- هاجر ﵍، وكان المنطف عبارة عن قطعة قماش تجره وراءها على الأرض لتمحو آثار أقدامها عن سارة، بسبب ماذا؟ بسبب الغيرة. أخذها إبراهيم ﵇ من الشام ورحل بها وجاء بها مكة كما قال الله : ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم:٣٧] لا إنسان ولا حيوان، واد خال تماماً، هي وابنها الرضيع، وتركها وابنها في مكة ولم يكلمها، وانطلق راجعاً إلى الشام، فنادته: (يا إبراهيم! يا إبراهيم! يا إبراهيم! وهو لا يرد، فانطلقت وراءه حتى وصلت إلى مشارف مكة تقول: يا إبراهيم! حملتني إلى هذا الوادي ولا يوجد إنسان! لمن تتركنا يا إبراهيم؟ فلم يرد عليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فأومأ برأسه أن نعم، قالت: إذاً: لا يضيعنا، ورجعت). هي هذه ربع الرجل! لو كنت متأسياً فتأسَ بمثل هذا الربع: فلو كان النساء كمن ذكرنا لفضلت النساء على الرجال فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال الرواية الأخرى في البخاري لهذه القصة قال ابن عباس: (فانطلقت وراءه ونادته، وقالت: لمن تتركنا يا إبراهيم؟! فسكت ولم يرد. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، أمرني. قالت: رضيت بالله). في الرواية الأولى: قالت: لن يضيعنا، والرواية الثانية قالت: رضيت بالله، وكفى بالله وكيلاً. أرجو يا إخواننا! أن تتصوروا حال هاجر وهي في مكان مقفر مظلم، إذا جاء الليل تسمع دوي الريح! وليس معها إلا وليدها وقد وجف ضرعها، وكاد الولد يموت عطشاً وجوعاً، فلما رأته يموت قالت: أذهب فأعلل نفسي حتى يموت. لا تريد أن تراه وهو يموت، تنصرف وتأتيه بعد ساعة أو ساعتين ويكون قد مات فتدفنه، وينتهي الأمر. فذهبت تبحث عن ماء، فرجعت فإذا جبريل ﵇ قد ضرب بعقبه الأرض -وقيل: بجناحه- فانفجرت عين زمزم وجعلت تفور، وهذا فرج عظيم بعد شدة مدلهمة، وهكذا رزق الله تعالى أوليائه من حيث لم يحتسبوا. ولا تقل هذا خاص بالأنبياء، فهذا لأولياء الله في كل وقت، إذا حسُن توكلك عليه، كما حصل لـ خبيب بن عدي في موقعة بئر معونة، لما جاء رجل من بني الحارث وقال للنبي ﵊: (لو أرسلت من يعلم الناس القرآن. قال: إني أخاف عليهم قومك؟ قال: لا، أرسلهم، وأنا جار لهم) أي: هم في حمايتي، فأرسل الرسول سبعين قارئاً للقرآن من خيار الصحابة آنذاك، كان منهم عاصم بن ثابت قريب لـ عمر بن الخطاب، وكان منهم خبيب بن عدي، لكنهم بعد أن ساروا قليلاً سمعوا وقع أقدام الخيل وراءهم، فقال عاصم بن ثابت: هذا أول الغدر. أول ما جاء الفرسان قالوا: سلموا. قالوا: لا نسلم. فقتلوا عاصم بن ثابت الأنصاري وجماعة من الصحابة. فبقي خبيب بن عدي ورجلان على خيولهم، فأعطوهم العهد والميثاق ولهم الأمان. فنزلوا على العهد والميثاق فعندما نزلوا كتفوهم، فأحد هؤلاء الثلاثة قاتل وظل يقاوم حتى قتلوه، فبقي اثنان: خبيب بن عدي والآخر. أما خبيب بن عدي فقد كان من خبره أن هؤلاء الناس باعوه لبني الحارث، وكان خبيب قد قتل رجلاً من بني الحارث عظيماً في الجاهلية، فأردوا أن يقتلوه قصاصاً. فلما سلموه لبني الحارث كانت الأشهر الحرم قد دخلت، وكان العرب يوقرون الأشهر الحرم، فأجلوا قتل خبيب بن عدي إلى انتهاء الأشهر الحرم، ووكلوا به امرأةً كسجان عليه- فهذه المرأة في يوم من الأيام طلب منها خبيب بن عدي موسىً يستحد بها -لأن الرسول ﷺ قد وقت لشعر العانة ألا يبقى أكثر من أربعين يوماً- فهذه المرأة نامت وغفلت عن ابنها، وقد كان على حجرها، فنزل ودخل إلى خبيب بن عدي، فوضعه خبيب على حجره، فأفاقت المرأة فنظرت، فإذا الولد على رجل خبيب بن عدي فشهقت، وخافت أن يقتله خبيب بالموسى. فقال لها: أتظنين أني قاتله؟ والله! ما كنت لأفعل ذلك. فقالت المرأة: والله! ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، لقد رأيته يوماً يأكل عنباً وليس في مكة ثمرة، والرواية الأخرى: ما على الأرض حبة عنب؛ لأن مكة البلد الوحيد الذي تجد فيه فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، قال ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] ليس عندهم أزمة في أي شيء، يؤكل فيها العنب والبطيخ، والفاكهة كلها في غير أوانه ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] إذا كان لا يوجد في مكة حبة عنب، إذاً لا يوجد على الأرض حبة عنب. المهم أن هاجر ﵍ كما تقدم ذهبت تبحث عن الماء وبدأت السعي بين الصفا والمروة. ويا لضخامة الأمر على هذه المرأة الوحيدة! يا ليت معها زوجاً يهون عليها، لكنها امرأة وحيدة لا تجد من يعينها ويسقي وليدها. عليك أن تستحضر كل تلك المعاني وأنت تسعى بين الصفا والمروة، في ظل التكييف الممتاز، والرخام الجميل، فتفرغ العبادة من مضمونها، تطوف وتتمنى أن تنتهي من السعي لشدة الإعياء، وتقول للذي بجانبك: عد معي، نحن وصلنا أي شوط؟! الشيخ الألباني ﵀ حججت معه سنة (١٤١٠هـ)، وكان في هذا الحج زحام شديد، ما رأيت مثل هذا الزحام قط، أنا شاب والشيخ الألباني ﵀ كان سنه في ذلك الوقت حوالي (٨١) سنة. طبعاً لما أتيت لأسعى صعدت إلى الدور الثاني؛ لأنه من المستحيل أن تجد في الأسفل موضعاً لقدمك، بعدما رجعنا إلى منى، ودخلت لأسلم على الشيخ في خيمته وجدت على

стр. 811

تعلم الإيمان قبل القرآن إن الإيمان هو مصنع الرجال أصحاب التضحيات والأخلاق الفاضلة حيث أن وجوده في ضمير الإنسان يولّد رقابة وبذلاً لا ينقطعان. ولذلك ربى النبي ﷺ أصحابه على ذلك، حتى قال قائلهم: (تعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن). فلما تعلموا الإيمان تعلموا القرآن وأدوا حقه أحسن أداء.

стр. 812

الإيمان أولاً لو كانوا يعلمون إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين. أما بعد: فقد ثبت عن حذيفة بن اليمان وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة ﵃، أنهم قالوا: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، وإنه يأتي أقوامٌ يتعلمون القرآن، ثم يتعلمون الإيمان) هذا فرق جوهري بين جيل الصحابة وبين كثير من الأجيال التي جاءت من بعدهم، تعلموا الإيمان فلما جاء القرآن يأمر وينهى، وذكر النبي ﷺ أشياء لا مجال للعقل فيها، قالوا: سمعنا وأطعنا؛ لما كان عندهم من الإيمان السابق للكتاب. قالوا: (إنه يأتي أقوامٌ يتعلمون القرآن، ثم يتعلمون الإيمان)، كأمثال كثير من الأجيال التي جاءت بعد ذلك، يتعلم القرآن لكنه ما تعلم الإيمان قبل القرآن، فتعرض عليه قضايا في القرآن فلا يسلم بها؛ لأنه لم يتعلم الإيمان أولاً، فصار المسلمون يكذبون بآيات قرآنية، وبعض المسلمين يكذب بأحاديث للرسول ﵊. ومن الفروق بيننا وبين الجيل الأول أنهم قاتلوا على آيات الكتاب، أما نحن فورثنا الكتاب، وهناك فرقٌ واضح بين الذي يقاتل على آيات الكتاب، وبين الذي ورث الكتاب، كما قال ﵎ وهو يذكر صنيع اليهود، وأنهم حرّفوا وبدلوا، فقال : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩]، فهم ورثوا الكتاب، فهناك فرق بين الذي قاتل كالصحابة، وبين الذي ورثه.

стр. 813

الإيمان يصنع الرجال

стр. 814

الإيمان والتجارة الرابحة ومثال ثالث على الإيمان وأثره في الاستقامة على شرع الله وإيثار الآخرة على الدنيا: أبو الدحداح ﵁ له قصة رويت بأكثر من لفظ، وسأذكر لفظاً هو صحيحاً: روى البزار وغيره: (أن أبا الدحداح ﵁ كان عند النبي ﵊ يوماً، فنزل على النبي ﷺ قوله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقال أبو الدحداح: يا رسول الله! الله يريد منا القرض؟ قال: نعم، قال: عندي حائط في المدينة -وكان في هذا الحائط ستمائة نخلة، ونعلم أن البضاعة الرائجة في زمانهم كانت هي التمر- مالي عند ربي إن أقرضته حائطي هذا؟ قال: لك الجنة، قال: فإني أشهدك أنني أقرضت حائطي هذا ربي، وخرج من المجلس وذهب إلى البستان، وكان في داخل البستان زوجته وأولاده، فوقف على الباب، وقال: يا أم الدحداح، اخرجي بأولادك فإني أقرضت حائطي هذا ربي، فقالت المرأة: ربح البيع يا أبا الدحداح). انظر إلى استعلاء المرأة بالإيمان، ما قالت له مثلاً: أنت ضيَّعتنا، لو كنت تبرعت بثلاثمائة نخلة فقط، وأبقيت لنا ثلاثمائة ما أبقيت لأولادك؟ وما إلى ذلك. لماذا؟ لأنها استعلت بإيمانها، وأبو الدحداح لم يدخل البستان؛ لأنه لم يعد يملكه لأنه أقرضه لله ﵎، لذلك وقف على باب البستان، وقال: (اخرجي بأولادك، فإني أقرضت حائطي هذا ربي)، وقد صح عن أبي طلحة الأنصاري نحو هذا، وأنه لما نزل قوله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] قال: يا رسول الله، عندي بستان كذا وكذا، فهو في سبيل الله، فقال: قسمه ما بين أقربائك وذوي رحمك، فنزلت الآية. بخلاف اليهود حيث قالوا عندما نزلت الآية: افتقر رب محمد، إنه يطلب القرض، أما الصحابة فقد استجابوا لذلك وقدموا لأنفسهم، فالقرآن كما ذكر الله تعالى يكون هدى وشفاء لأقوام، ويكون عمى على آخرين. وهذا كله كان فرعاً عن محبتهم للنبي ﵊، حيث كانوا يفدونه بالآباء والأمهات والأنفس. كما صح في صحيح البخاري أن النبي ﵊ لما قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! أنت أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي، فقال رسول الله ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: أنت الآن أحب إليَّ من نفسي، قال: الآن يا عمر)، فانظر لماذا استثنى عمر ﵁ نفسه أولاً؟ لأن الرسول ﵊ لم يذكر النفس في الحديث، وإلا فهل تتصور إذا كان الحديث هكذا (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ونفسه والناس أجمعين). أكان ممكناً أن يقول عمر: أنت أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي؟ هذا غير ممكن، فلذلك لما قال له رسول الله ﷺ : (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، قال: فأنت الآن أحب إلي من نفسي). وهذا يعني أن هذا الحب كان جاهزاً في نفس عمر بن الخطاب ﵁. فلذلك الصحابة عندما كانوا يسمعون النصوص كانوا يلتزمون بها، بخلاف كثير من الأجيال المتأخرة قد يسمع النص ويخالفه، فإذا قلت لأحد مثلاً: اتق الله، يقول: اللهم اجعلني من المتقين، وهو واقع في المخالفة، فهو ما يخشى من ذلك، مع أنه يقول: اللهم اجعلني من المتقين. أما الصحابة فلم يكونوا كذلك. ففي الحقيقة نحن نحتاج لأن نعيد النظر في محبتنا للنبي ﵊، هل نحن نحبه حقاً أم لا؟ ولينظر كل إنسان، فكل امرئ حجيج نفسه، وسيقف بين يدي ربه غداً وحيداً فريداً، فينظر كم من المخالفات التي في بيته؟ فهو رب البيت، ولا سلطان لأحد عليه، كم من المخالفات في بيته وهو مقصر في رفعها، وفي القيام بأمر الله ﵎ في أهله وفي أولاده؟ ينظر الإنسان في نفسه: هل يحب النبي ﵊ ذاك الحب الذي يجب عليه، كما قال النبي ﷺ : (حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين)، و (حتى أكون أحب إليك من نفسك)؟ يقول تقي الدين السبكي في رسالة له لطيفة اسمها: بيان قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي -الإمام المطلبي: هو الإمام الشافعي ﵀ يقول وقد سُئل: إذا ورد حديث وفتوى عالم، والحديث يضاد فتوى المذهب، وورد حديث نصّه يخالف فتوى المذهب، فبأي الفتويين نأخذ؟ قال: خذوا بالحديث، وليفرض أحدكم نفسه بين يدي النبي ﵊، وأمره بهذا الأمر أكان يسعه أن يتخلف؟ لا يسعه أن يتخلف، حينئذٍ نسأل: فما هو الفرق بين أمر النبي ﵊ المباشر، وبين أن يصلك أمره، وقد اتفق العلماء على أن رد الأمر إلى النبي ﷺ في حياته، وبعد مماته إلى سنته، فلا فرق بين أن يقول لك النبي ﵊ أمراً مباشراً، وبين أن يصلك أمره بعد ذلك على لسان ثقة ممن يؤتمن في نقله. يجب علينا يا إخواننا أن ننظر في أنفسنا، وفي من نعول، ونتقي الله ﵎ فيهم، فإن الرجل لو تيسر حسابه يوم القيامة، يمكن أن يوقفه أهله على شفير النار لو هو قصر، ولم يقم بأمر الله ﵎، فإن النبي ﵊ قال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، إذاً: الحمل عليك ثقيل، ليس هيناً، فليس أنت فقط، بل أولادك مسئول عنهم، وكذلك امرأتك، وكذلك من يكون لك عليهم الولاية الواجبة. نسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم حبه ﵎، وحب من يحبه، وحب كل أمر يقربنا إلى حبه إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 815

مثال الإيمان والتضحية أضرب لذلك مثلاً: قصة إسلام أبي ذر ﵁، ففي الصحيح في قصة إسلامه وقبل أن يذهب إلى النبي ﵊ قال: (ودخلت المسجد الحرام، فتضعفت رجلاً منهم) أي: نظر إلى رجل نحيف، وكانت قريش آنذاك تؤذي أي شخص يسأل عن الرسول ﵊ أشد الإيذاء، سواء كان على دينه، أو ينوي الدخول فيه، فهو نظر إلى شخص نحيف ضعيف -لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً- فقال له: (أين ذلك الذي يقولون: إنه صابئ)، فصاح ذلك الضعيف بين الناس، قائلاً: عليكم بهذا فإنه صابئ، قال: فانقلبوا عليَّ بكل مدرة وعظم، فما زالوا يضربونني حتى كأني نُصُبٌ أحمر، من كثرة الدماء التي سالت عليه، فاحتبس ثلاثة أيام في زمزم حتى وفق للقاء علي بن أبي طالب ﵁، فأخذه إلى النبي ﵊ فأسلم. ورغم هذا الضرب الشديد الذي لقيه أبو ذر من هؤلاء المشركين، إلا أنه لما أسلم قال للنبي ﷺ : (والذي بعثك بالحق لألقين بها بين أكتافهم) وذهب إلى المسجد الحرام مرة أخرى، وقال على الملأ: لا إله إلا الله محمد رسول الله. قال: (فمازالوا يضربونني حتى كأني نصبٌ أحمر، فما خلصني منهم إلا العباس، قال: ويلكم! ألا تعلمون أنه من غفار، وأن تجارتكم تمر بها)، فتركوه لهذا، فانظر هل مثل أبي ذر الذي جهر بهذه الكلمة -وهو يعلم مسبقاً العناء والبلاء الذي سيقع عليه- يمكن أن يحرف في آيات الكتاب، أو يمكن أن يهون عليه أن يرى رجلاً يحرف في آيات الكتاب، ثم يسكت عنه؟ الجواب لا، هؤلاء قاتلوا على هذا الكتاب، لذلك فما كانوا ليتنازلوا عنه أو يرضوا بتحريفه، وعندما تنظر إلى الأجيال التي جاءت بعد ذلك، وإلى المارقين الذين تناولوا القرآن الكريم بالتحريف، كأمثال محيي الدين بن عربي فإن له تحريفات -بدعوى تفسير القرآن- يشيب لها الولدان. فمثلاً قوله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] المعقول من أي إنسان عربي يسمع هذا الكلام، يعرف أن معنى هذه الآية: من الذي يمكن أن يشفع عند الله إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، أما ابن عربي فقال: هو الفهم السطحي والتوقف على ظاهر النص، لكن لابد أن تغوص في المعنى!!. ثم يقول: الآية معناها: من ذلَّ ذي يَشْفَ عِ، فعجن الكلام وأتى بكلام جديد، (من ذلَّ): من الذل، (ذي) اسم إشارة بمعنى النفس، أي: من ذل نفسه وهضم الكبرياء والأنفة والشموخ، (يشف) أي: يشفى من الأمراض والكبر والبطر وهذه الأشياء، (عِ) فعل أمر من وعى أي: عِ هذا الكلام. فهل في الآية ما يشير من قريب أو بعيد إلى مثل هذا. كان أبو بكر ﵁ مرة يخطب في أصحابه، فقرأ قوله ﵎: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١]، فقال: الفاكهة عرفناها فما الأب؟ ثم سكت، ثم قال: إن هذا لهو التكلف يا أبا بكر، فهل مثل أبي بكر لم يكن يعرف معنى كلمة أَب في اللغة، والقرآن نزل بلغتهم، وليس فيه حرف واحد إلا وهم يعرفون معناه، ثم هم يعرفون معنى كلمة الأب الذي هو العشب؟! لكن كأن مقصود أبي بكر ﵁ حقيقة الأب وما وراء معنى اللفظ، فيقول: إن هذا لهو التكلف؛ لأننا ما أُمرنا بذلك، والقرآن ما أنزل كتاب علوم أو جغرافيا، إنما أنزل كتاب هداية، فالذي ينظر في القرآن على أنه كتاب علوم أو جغرافيا، لا يصل إلى حقيقة الهداية التي نالها الصحابة من هذا الكتاب العظيم.

стр. 816

الإيمان بالغيب دون شك أو زيغ مثال آخر لإيمان الصحابة بكتاب الله دون نقاش: ما روى الإمام الدارمي في سننه من أنه كان هناك رجل عراقي اسمه صبيغ -وبلاد العراق بلاد فتن وضلالات- كان يسأل المسلمين عن معنى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١]، والمعروف أن المقصود بها الريح، لكن صبيغاً أراد أبعد من ذلك، فلما علم أبو موسى الأشعري ﵁ بذلك -وكان هو قائد الجيش آنذاك- كتب لـ عمر بن الخطاب يقول: معنا رجل يسأل المسلمين عن معنى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١] ففهم عمر مقصده، فقال: أحضره إلي، فجاءوا به إليه، فقال له عمر بن الخطاب: تسأل عن محدثة، وجعل يضربه على ظهره حتى أدماه، فتركه حتى برئ، ثم دعا به فضربه حتى أدماه، وتركه حتى برئ، ثم دعا به، فلما هم أن يضربه قال له: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برئت، فأرسله، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: لا أحد يكلم صبيغاً أبداً، فكان صبيغ العراقي يمشي ولا يجد أحداً يكلمه؛ فشق ذلك عليه، فشكى إلى أبي موسى الأشعري، فكتب إلى عمر: إن الرجل حسنت توبته وأفاق، وذهب الداء الذي كان به، فأذن عمر بن الخطاب في أن المسلمين يكلمونه ويجالسونه. انظر! لو أن أحداً مثل ابن عربي هذا موجود في زمن عمر، وقال مقولته تلك في آية الكرسي؛ لضرب عنقه. هان عليه القرآن؛ لأنه ورثه. مثل ذلك مثل من عانى من الفقر، ثم مكنه الله من جمع الملايين، فتجده لا ينفق ديناراً إلا في مصرفه المناسب، حتى قد يصل به الأمر إلى البخل، أما من ورث المبالغ الطائلة بدون جهد أو تعب، تجده يصرف المال يمنة ويسرة دون حساب أو عقاب. فلذلك تجد من يقول بتفسير الإشارة، ويحرف القرآن الكريم. وقد فسر ابن عربي أيضاً قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٦ - ٧] بقوله: هذه الآية إنما نزلت في أهل الورع!! -وماذا نعمل بقوله: (الذين كفروا)؟ - قال: أي: الذين كفروا إيمانهم، أي: غطوه؛ لأن أصل الكفر هو التغطية، وسمي الزارع كافراً كما في قول الله ﵎: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]؛ لأنهم يوارون البذر في باطن الأرض، وسمي الليل كافراً لأنه يغطي النهار، وسمي الكفر كفراً لأنه يغطي الإيمان، فيأتي هو ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:٦] أي: غطوا إيمانهم خشية أن يحبط بالرياء والسمعة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:٦]، أي: لا يصدقون بتكذيب الناس ((خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)) فلا يدخلها غيره، ((وَعَلَى سَمْعِهِمْ)) فلا يسمعون إلا منه، ((وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)) فلا يرون غيره انظر إلى التحريف. هان عليه القرآن الكريم حتى حرفه بدعوى التفسير. وصدق من قال: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا فمجرد المقارنة بين السيف والعصا تعتبر امتهان لمكان السيف. فجيل الصحابة لا يقارن بمن بعده. فهم جيل فريد قاتل وجاهد في سبيل نشر هذا الدين، وخضعوا كل الخضوع لكتاب الله، وطبقوه حق التطبيق.

стр. 817

حسن الوفاء وقبح الغدر الوفاء بالعهد من مكارم الأخلاق التي حثنا عليها ربنا ﵎ في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه ﵊. والناظر في حياة الرسول ﷺ وسيرة صحابته الكرام يجد أن الوفاء بالعهد من شيمهم ومزاياهم، ولذلك خضع الناس لهم واتبعوا دعوتهم، فقد كانوا أسوة حسنة لمن هو دونهم في مكارم الأخلاق، والله توعد أهل الغدر بالعقاب، ولكنه خص منهم ثلاثة أصناف لعظم جنايتهم، وذكر أنه خصمهم، ومن كان الله خصمه فقد خصم.

стр. 818

الوفاء بالوعد خلق الأنبياء إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الله ﵎: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٦ - ٢٨]. روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير ﵀ قال: (جاءني رجل يهودي فسألني: أي الأجلين قضى موسى ﵇؟ فقلت له: لا -أي: لا أجيبك- حتى آتي حبر العرب - ابن عباس ﵁ قال: فجئت ابن عباس فسألته عن أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: أفضلهما وأطيبهما، وإن رسول الله ﷺ إذا قال فعل) (رسول الله) أي: موسى ﵇، أو هو اسم علم لكل الرسل، أي: أن أي رسول لله ﵎ إذا قال فعل، وهذا لأنه في محل الأسوة والقدوة، وقبيح جداً أن يكون الرأس كذاباً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لأنه يقول ويفعل، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة:٤]؛ ولذلك فإن القلوب والأفئدة تهوي إلى كلام الله ورسوله؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] فالنبي ﷺ في حياته العامرة بالوفاء والأمانة ضرب المثل الأعلى للناس. ولذلك نقول للذين يسنون القوانين: اطمئنوا ليس لقوانينكم قداسة في النفوس؛ لأننا نعلم أنكم أول من يخالفها، وهذا داء قديم لا حديث. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منها في ذات الله، وواحدة في سارة). وذلك أن إبراهيم ﵇ دخل بلداً فيها جبار، وكان هذا الجبار له عيون يرسلها في أنحاء البلد، إذا وجدوا امرأة جميلة يأتون بها إليه، وكان هذا الجبار الذي وضع القانون يستثني الأخوات، فيأخذ امرأة الرجل وأمه، وخالته وعمته، لكنه لا يأخذ أخته، وكان إبراهيم ﵇ على علم بهذا القانون، فقال إبراهيم ﵇ لـ سارة: إذا جاءك هذا الجبار فقولي: أنت أختي في الإسلام، فوالله ما أعلم أحداً على الإسلام غيري وغيرك. وكانت سارة جميلة جداً، فلما رآها هذا الجاسوس ذهب إلى الملك، وقال له: إن امرأة بأرضك لا تصلح أن تكون إلا لك، فجيء بها، وبالرغم أنها قالت: إنها أخت إبراهيم، إلا أنه خالف مذهبه وأراد أن يقربها، فدعت عليه فشل، كما في الحديث المعروف. فهؤلاء يصنعون القوانين ثم يخالفونها لأهوائهم، لذلك لا تجد قانوناً محترماً إذا سنه البشر؛ لأنهم يسنون القانون لعلة ثم يلغونه لعلة أيضاً، وما العلة إلا الهوى؛ لكن رسول الله إذا قال فعل؛ لذلك تمت الأسوة بهم، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] (وفى) من الوفاء، وهو أنه كمل العبادة لله. لما ألقي في النار جاءه جبريل ﵇، وما أدراك ما جبريل؟!! خلق عظيم، له ستمائة جناح، قلب قرى قوم لوط بريشة من جناحه! قال ﵊: (رأيت جبريل على رقرقٍ -أي: على كرسي- يملأ ما بين السماء والأرض). عندما أتى جبريل إلى إبراهيم ﵇ قال له: (هل لك إليَّ حاجة؟ قال: أما إليك فلا) لأنه عبد يفتقر إلى شيء معين وهو رب العالمين، فإذا كان رب العالمين يمكنك أن تصل إليه بلا حاجز، فلماذا تتخذ حاجزاً وتطيل المسافة على نفسك؟! قال: (أما إليك فلا) وهو في النار، وقد كاد له العالمون جميعاً، لكنه وفى العبودية حقها، ولم يلجأ إلا إلى رب العالمين ﵎ وهنا محل الوفاء. فقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] أي: أنكحك إحدى ابنتي على أن تخدمني ثماني سنين ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ [القصص:٢٧] إن أكملتها عشراً ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] فهو تطوع ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:٢٧] لن أجبرك على أن تخدم العشرة ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧] أي: إذا عاشرتني، وعلمت كريم أخلاقي ستتم العشرة ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ [القصص:٢٨] هذا هو عقل الوفاء ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص:٢٨] إن أخذت بالحد الأدنى الذي شرطته عليَّ وقضيت إلى سبيلي ﴿فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص:٢٨]، أي: لا تشق عليَّ بأن تلزمني بالخدمة ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨].

стр. 819

شرح الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم) روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم -وعند ابن حبان وابن خزيمة: ومن كنت خصمه خصمته-: رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حراً وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره) مع أن الله خصم للظالمين جميعاً إلا أنه نبه على هؤلاء الثلاثة.

стр. 820

معنى قوله: ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره يقول النبي ﷺ : (ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه -أي: العمل المطلوب- ولم يعطه أجره) يأتي به لقضاء عمل معين على أجرة معلومة، وما أكثر الذين يرتكبون هذا، كأن يذهب الشخص بعقد عمل إلى أي بلد من البلدان وبأجرة معلومة فعندما يصل يقول له صاحب العمل: أعطيك تسعمائة ريال فقط، فيجد هذا الرجل نفسه مضطراً إلى أن يعمل بهذا المبلغ؛ لأنه اقترض ثمن التذكرة وثمن عقد العمل -الفيزة- ولا يستطيع أن يرجع، فالله خصم لهذا الرجل.

стр. 821

معنى قوله: من أعطي بي ثم غدر قوله: (من أعطي بي ثم غدر) كأن تقول لرجل: أعطني هذه الأمانة، والله على ما أقول وكيل، أو الله شهيد على ما نقول، أو أعطني هذه بالله، فيغتر الرجل بكلامك ويعطيك، يظنك معظماً لله ، فإذا أكل الآكل هذه العطية فإن الله خصمه، ومن كان الله خصماً له فقد خصمه -أي: غلبه- قال تعالى: ﴿يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨] فإذا دخلت في حمى الملك لا يستطيع أحد أن يصل إليك، وإذا أرادك هو فلا يحميك أحد منه قط، وهذا هو معنى: ﴿يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨] عز جاره، فلا يغلب ولا يؤذى من كان الله جاراً له. فقوله: (من أعطي بي ثم غدر) لأنه لم يقدر الله حق قدره، إذ لو علم قدر ربه لخاف، ولعظم أن يحنث في اسمه، أما الذي يوفي فإن الله يسخر له من أسباب الكون ما لا يخطر لأحدٍ على بال، هذا هو جزاء الوفاء. من وفى لله وفى الله له، وبقدر ما تبذل لربك يبذل الله لك من أسباب الفوز، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري أن النبي ﵌ قال: (إن رجلاً من بني إسرائيل استلف من رجل ألف دينار، فقال صاحب المال للذي يريد أن يقترض منه: ائتني بوزير -وفي رواية: بكفيل- قال: كفى بالله كفيلاً. قال: ائتني بشهيد. قال: كفى بالله شهيداً. قال: صدقت، وأعطاه الألف دينار -بلا مستند- فأخذ الرجل المال وانطلق به يتاجر في البحر، فلما حان موعد الوفاء التمس الرجل المدين مركباً يؤدي الدين في الموعد المعلوم، فلم يجد مركباً وهدأ البحر -توقفت حركة الملاحة- والرجل الآخر على الشاطئ الآخر ينتظر مركباً ليأتي صاحبه -وعند ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة -: أن الرجل صاحب المال جعل يسأل عن صاحبه الذي اقترض منه المال، فقالوا له: إنه في مكان كذا وكذا. قال: رب! إني أعطيت المال بك فاخلف عليَّ. -كأنه ظن أن الرجل غدر به وأكل المال؛ لأنه موجود، سأل عنه فقيل: في المكان الفلاني طيب لماذا لم يأت؟ - قال: رب إني أعطيت بك فاخلف عليَّ. والرجل ينتظر مركباً ولا يجد، فلما يئس نظر إلى السماء، وقال: رب! أنت وكيلي -يعني: ماذا أفعل وقد أخذت المال بك؟ وماذا يقول الرجل عني؟ يظن أني غدرت، حنثت، كذبت، جعلتك جنة حتى أخذت المال بك. هناك بعض الناس -والعياذ بالله- الله ﵎ عندهم رخيص، فتجده يحلق بأغلظ الأيمان لدرهم واحد وهو كاذب، يحلف بالأيمان الغلاظ التي تدخل أمة كاملة في جهنم، اليمين الغموس هو أحد الكبائر والموبقات الذي يجعل الديار بلاقع، الرجل يبذل يميناً يقتطع بها حق امرئ مسلم، فما أهون الله عند هؤلاء! الرجل حزين واقع في كرب حائر تأكله الهواجس، فلما قال: رب! أنت وكيلي، أخذت المال بك، فأوصل هذا المال إلى صاحبه، ونقر الخشبة ووضع الكيس فيها مع رسالة من صاحبه، وقذف بها في البحر فابتلعها الموج، وكان الرجل على الشاطئ الآخر ينتظر، فلما يئس أن يأتي صاحبه وجد خشبة تروح وتجيء أمامه -ومعنى حركة الملاحة متوقفة، أي: أن البحر هائج وهناك رياح عاصفة وأمطار غزيرة وبرد- فقال: آخذ هذه الخشبة أستدفئ بها، فأخذها، فلما ذهب إلى الدار ألقاها إلى امرأته، وقال: أوقدي بها، فكسرت المرأة الخشبة فنزل منها الكيس، فقرأ الرسالة في الكيس وعد المال، وكان الرجل الآخر ينتظر مركباً حتى وجد أول مركب، فركب وأخذ ألف دينار أخرى وذهب إلى صاحبه؛ فقال: هذا أول مركب. قال: هل أرسلت إليَّ شيئاً؟ قال: أقول لك هذا أول مركب. قال: ارجع راشداً فقد أدى عنك وكيلك). وفي صحيح ابن حبان: قال أبو هريرة: (فلقد رأيتنا يكثر لغطنا ومراؤنا عند النبي ﵊ أيهما آمن من صاحبه -من أشد إيماناً من الآخر- الذي أعطى المال بالله بلا مستند، أم الذي رمى بالمال في البحر وهو لا يضمن أن يصل هذا المال إلى صاحبه). فإذا جعلت الله وكيلك كان أفضل منك، وكان أرعى للأمانة منك، كما يقول بعض العلماء: إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب كان لك من الحظ أفضل منه، فقيل له: لم؟ قال: لأنك إذا دعوت لأخيك بظهر الغيب قيض الله لك ملكاً يقول: ولك بمثل ذلك، ودعاء الملك أثقل من دعاء العبد بنفسه، ملك، مسخر، مطيع، لا يعصي ربه أبداً، فإذا قلت: اللهم اغفر لأخي، وارزقه، وارحمه؛ قيض الله لك ملكاً يقول: ولك بمثله. فدعاء الملك لك أثقل من دعائك لأخيك.

стр. 822

معنى قوله: ورجل باع حراً فأكل ثمنه فهؤلاء الثلاثة الذين يخصمهم رب العالمين أولهم: (من أعطي بي فغدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه) كأن يكون عنده عبد فيعتقه، ويقول له: أنت حر لوجه الله، ويكتم نبأ العتق، ثم يقع في ضائقة فيأخذ هذا العبد ويبيعه في الأسواق على أنه عبد، مع أن الله أنجاه من ربقة العبودية بالحرية، فهذا الرجل خصمه رب العالمين. وإن أكبر مشكلة ومصيبة يتعرض لها المرء في حياته أن يكون عبداً مسترقاً، لأنه لا يملك من أمر نفسه شيئاً، حتى لو أراد أن يتزوج لا يستطيع إلا إذا أذن له سيده، حتى وإن بلغت به العزوبية غاية المشقة فلا يجرؤ ولا يستطيع الزواج. قال ﷺ : (أيما عبد تزوج بغير أذن مواليه فهو عاهر) أي: فاجر. يحتاج أن يتزوج، ولكن سيده تعنت، قال له: لا زواج؛ فلا يستطيع الزواج. وكذا إذا شق عليه سيده بالخدمة فلا يستطيع أن يفر بجلده أبداً، ولابد أن يضل مكانه؛ لأن العبد كما قال ﵊: (إذا أبق من سيده لا تقبل له صلاة ولا زكاة ولا صيام حتى يرجع). ولذلك قال ﷺ : (لا يؤدي ولد حق والده إلا أن يجده مملوكاً فيعتقه) هذه هي التي يستطيع الولد أن يقول لأبيه: أنا معك رأس برأس إنما غير ذلك، فلا يستطيع أن يؤدي حق والده أبداً. فهذا الرجل عندما يعطي هذا المملوك حريته، ويكتمها ويبيعه بعد أن صار حراً يكون الله خصيمه يوم القيامة. فهذا الرجل الذي باع الحر وأكل ثمنه الله خصمه.

стр. 823

من هديه ﷺ في الوفاء وترك الغدر الوفاء من شيمة الأنبياء، كما روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس، في الحديث الطويل لما حدثت مناظرة بين هرقل وأبي سفيان في أمر النبي ﵊، (فقال هرقل لـ أبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال له: لا. قال: فهل يغدر؟ قال له: لا. قال: فبم يأمركم؟ قال: يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة). سبحان الله! أفمثل هذا يقاتل، إنهم -أي: العرب- فعلوا مثل ما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ [النمل:٥٦] لماذا؟ ما ذنبهم؟ ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل:٥٦] (فقال لـ أبي سفيان: ما كان ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله -ولما جاء على الغدر- قال: وكذلك الأنبياء والرسل لا يغدرون). وفي كتاب الشهادات طرف من هذا الحديث عند البخاري أيضاً: قال هرقل لما قال له أبو سفيان: (إنه يأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، قال: وهذه صفة نبي) أي: أنه لا يفعل مثل هذا إلا نبي.

стр. 824

قصة المغيرة بن شعبة والنفر الذين قتلهم وسلب أموالهم جاء في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة ﵁ في حديث صلح الحديبية، قال في هذا الحديث: (وجاء عروة بن مسعود الثقفي فأتى المغيرة بن شعبة -وفي رواية: أنه تلثم-) وضع لثاماً على وجهه لما وجد أن عمه قادم -وهو عروة - وجاء بالسيف يظن أن عروة يريد شيئاً أو يؤذي النبي ﵊، فجاء بالسيف، ووقف على رأس النبي ﵊، فكان عروة يخاطب النبي ﵊، فيمد يده فيمس لحية النبي ﵊ فيضربه المغيرة بظهر السيف، فينظر عروة فلا يعرفه -أي: لا يستطيع أن يميزه لأنه ملثم- ثم يعود عروة فيمس لحية النبي ﵊ فيضربه المغيرة، حتى إذا تكرر ذلك أكثر من مرة قال عروة للنبي ﷺ : (من هذا الذي أزعجني وضرب يدي؟ فتبسم النبي ﷺ ، وقال: هذا ابن أخيك، هذا المغيرة بن شعبة، فقال عروة للمغيرة: أي: غدر! -أي: يا أيها الغادر- لا زلت تسعى في غدرتك، وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس). وكان من خبر المغيرة -وهذا هو الشاهد- أنه صحب ثلاثة عشر نفراً من قريش قبل أن يسلم، فشربوا الخمر جميعاً، فقام عليهم المغيرة فقتلهم وسلب أموالهم، وفر إلى النبي ﷺ فأسلم، وقص عليه ذلك. فقال له ﵊: (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء، إنه أخذ غدراً) ورد المال عليه ولم يأخذه، حتى يترفع عن الدنايا، وأنت تعلم أن الأنبياء أكمل الناس مروءة، فلا يفعلون شيئاً يشينهم عند العوام حتى لو كان مباحاً. موسى ﵇ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كان بنو إسرائيل يغتسلون عرايا، وكان موسى ﵇ رجلاً حيياً يستحيي أن يُرى شيء من جلده، فكان يغتسل في مكان بعيد، فقالوا: ما الذي يجعله أن يغتسل بعيداً عنا. إنه آدر) آدر: يعني: لديه عيب في الخصية؛ ولذلك هو لا يريد أن ينكشف أمامنا، فكونهم يغتسلون عرايا ولا ينكر عليهم موسى ﵇ دل على أن هذا كان مباحاً عندهم، ولكنه ليس من المكارم، فإن النبي ﷺ قال: (إن الله حييٌ ستير، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر)، ولما قال له بعض الصحابة: (إنني أكون وحدي فأكشف عن فخذي، قال: إن الله أحق أن تستحيي منه) فهذا وإن كان مباحاً لكنه ليس من مكارم الأخلاق، لذلك عافه موسى ﵇ ولم يفعله، وكان يغتسل وحده بعيداً حتى اتهموه بهذه الفرية. قال النبي ﷺ : (فوضع موسى ﵇ ثوبه يوماً على حجر ونزل يغتسل كالعادة، فأخذ الحجر ثوبه وفر، فلما رأى موسى ﵇ أن الحجر أخذ ملابسه، انطلق يجري خلف الحجر وهو ينادي عليه يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر -أي: هات ثوبي أيها الحجر- فمر موسى عارياً يجري خلف الحجر، فمر على بني إسرائيل وهم يغتسلون عرايا فرأوه، فقالوا: ما بالرجل من بأس -أي: هذا الذي رميناه به ليس فيه-) وقد ذكر الله ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 825

قصة حذيفة بن اليمان وأبيه مع كفار مكة لقد ضرب نبينا ﷺ المثل الأروع في الوفاء وترك الغدر، حتى مع أعدائه، ولذلك احترموه؛ وكانوا يهابونه ويوقرونه، وكثير من الذين دخلوا الإسلام كان بسبب ما رأوا من شمائله، وقبل أن يعرفوا شيئاً من أحكام الإسلام، وكذلك الرأس، فكثير من الناس لا يفرق بين الدعوة والداعية، فإذا رأوا داعية كذاباً ممارياً ممارئاً مماطلاً ظنوا أن الدعوة كذلك؛ لأنهم لا يفرقون، وإذا رأوه وفياً كريماً سخياً اعتقدوا صحة هذه الدعوة. وأناس كثيرون دخلوا الدعوة لما نظروا إلى شمائل النبي ﵊، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ قال: (خرجت أنا وأبي فلقينا كفار قريش، قالوا: إلى أين؟ قلنا: إلى المدينة. فقالوا: لا. إنكم تريدون محمداً. قلنا: لا نريد إلا المدينة. قال: فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه ألا نقاتل مع النبي ﷺ ، قال حذيفة: فجئت النبي ﷺ ، فقلت له ذلك، فقال: نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم). وهؤلاء أعداء لكنهم أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه، فلا يكون النبي ﷺ هو أول من يضع أمر الله ﵎، فيقول: هؤلاء أعداء، قال: (نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم) لذلك قال حذيفة: (فشهدنا بدراً ولم نقاتل) كانوا حاضرين في القتال، وهذا من تعظيم الوفاء بالعهد.

стр. 826

من هديه ﷺ في معاملة الناس واللطف بهم الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فترك الغدر فضيلة، وأفضل منه الوفاء بالعهد؛ لأن الوفاء بالعهد فيه ترك الغدر أيضاً، فكان النبي ﷺ لا يغدر، ويأمر أصحابه أن يتركوا الغدر كما في حديث بريدة ﵁ في صحيح مسلم قال: (كان النبي ﷺ إذا أمر أميراً -يعني في غزة من الغزوات- يوصيه في خاصة نفسه بتقوى الله، ويقول: اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تقتلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا) كان كلما أمر أميراً يوصيه بترك الغدر؛ لأن ترك الغدر يخضع له القلب، وأنت رجل رأس في محل الأسوة، فقبيح جداً بالرأس أن يكون غداراً كذاباً. وفي الحديث عن النبي ﵊ كما رواه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن من حديث عائشة ﵂: (أنه اشترى بعيراً من أعرابي بأوسق من تمر الذخيرة -أي: عجوة- وقال: يا أيها الأعرابي! إني مشترٍ منك هذا الجمل، ثم دخل البيت يبحث عن تمر فلم يجد، فخرج الأعرابي، وقال: يا أعرابي! إنني ظننت أن في البيت تمراً من تمر الذخيرة لكني لم أجد، فقال الأعرابي: وا غدراه! - (وا غدراه)! يصف النبي ﷺ بالغدر- فزجره الصحابة: ويلك! إن النبي ﷺ لم يكن ليغدر -الرجل أيضاً لا زال يتكلم: وا غدراه! - والنبي ﵊ يقول: إني ظننت أن عندي تمراً -يعني: إنما قال ذلك ظناً منه- قالت عائشة: فلما وجد -أي: النبي ﵊ الأعرابي لا يفقه ما يقول أرسل إلى خويلة بنت حكيم بن أمية إذا كان عندها تمر من تمر الذخيرة، فوجد عندها تمراً فأعطى الرجل، وأخذ منه البعير، فقال الأعرابي: جزاك الله خيراً، لقد وفي). وفي هذا درس لكل رأس، وعلى وجه الخصوص الذين يوقعون في الأرض عن الله ورسوله: العلماء والدعاة هم أحوج الناس إلى هذه الوصية، تقول عائشة: (فلما رأى أن الرجل لا يفقه ما يقول سأل خويلة بنت حكيم) لابد من رحمة الناس، رجل لا يفقه لا تقل له: اضرب رأسك في الحائط، أنت حر، افعل ما بدا لك لا تقل هذا الكلام؛ لأن هذا يعود على دعوتك، فنحن نفتدي الدعوة بأنفسنا وأبنائنا وأموالنا وأعراضنا، فالنبي ﵊ رحم هذا الرجل؛ ووفى له؛ حتى لا يضل يقول: وا غدراه! وكل مجلس يقول: غدر بي. إذاً لما فعل النبي ﷺ ذلك أراد أن يرحم الرجل من نفسه؛ لأنه لا يفقه. والنبي ﵊ أبعد الناس عن الغدر، وهذه كانت سيرته، بل كان سيد الأوفياء ﵊، فورث منه ذلك أصحابه، فلله در أبي بكر صديق الأمة كما رواه البخاري في صحيحه من حديث جابر قال: (لما جاء أبا بكر مال من العلاء بن الحضرمي قال: من كان له دين على النبي ﷺ فليأتني) نتمنى أن تكون علاقة المسلمين ببعضهم بعضاً، كعلاقة النبي بـ أبي بكر وعلاقة أبي بكر بالنبي ﷺ (من كان له دين على النبي ﷺ فليأتني، ومن كان له وعد - مجرد وعد من النبي ﷺ ، وليس ديناً- فليأتني. قال جابر: فقلت له: إنه وعدني وحثا ثلاث حثيات في يدي. فلم يسأله أبو بكر بينة -لأنه لو سأله بينة في هذا الموقف الراقي العالي لعكر الموضوع- فأعطاه أبو بكر خمسمائة وخمسمائة وخمسمائة). لا ترم الناس بقلة الوفاء أيها الرامي، فلربما كنت تتقلب في ثياب الغدر، ولربما كنت أغدر الناس: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] والأيام دول. يقول النبي ﷺ : (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم) الذي يقول: كل الناس غدارين، كل الناس كفار، كل الناس فسقة هو أفسق الناس، وهو أضل الناس؛ لأنه لا يعلم أقدار الخلق، من الذي جعله حاكماً بهذا في الشمول والعموم على خلق الله؟!! أتخذ عند الله عهداً، أم أطلعه الله على الغيب؟!! هذا نوع من الافتراء وعدم معرفة قدر النفس، لهذا عوقب بأنه أهلك الناس: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم). وقد ثبت في الصحيحين (أن موسى ﵇ وقف في بني إسرائيل مذكراً فوعظ موعظة ذرفت منها العيون، ورقت لها القلوب، فلما قضى موعظته انطلق فانطلق خلفه رجل، فقال: يا رسول الله! هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال له: لا) مع أنه أحال الحكم إلى موسى، يقول له: هل تعلم أنت في حدود علمك أن هناك من هو أعلم منك؟ قال: لا. ولو سئل المرء عن معرفته فقال: لا. فقد وقف عند ما علم، وقد أفلح من وقف عند ما علم، لكنها من نبي الله كبيرة؛ إذ أنه موصول بالسماء، ولا يتكلم إلا بأمر ربه، فعاتبه الله لأنه لم يرد العلم إليه؛ فقال: (بلى. إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال: أي رب! كيف لي به؟) ثم قص النبي ﷺ علينا قصة موسى والخضر. فالرجل الذي يقول: هلك الناس، أو فسق الناس، أو كفر الناس، أو الناس كلهم مبتدعة، فقد جاء حكم النبي ﷺ عليه: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم). الوفاء بعقد النكاح من شيم النبلاء، فالنبي ﵊ قال في آخر وصاياه: (استوصوا بالنساء خيراً -وفي اللفظ الآخر: اتقوا الله في النساء- فإنكم أخذتموهن بكلمة الله). انظر إلى موسى ﵇: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ [القصص:٢٨] رجل يعرض ابنته، وبعض ضعاف العقول والقلوب يتصور أن الرجل لو عرض ابنته أنه يرميها، أو أن البنت رخيصة، فلذلك نقول لهذا العارض: انتقي من تعرض عليه، إن اللئام في الدنيا كثير، فأول ما يعرض ابنته يتصور هذا الزوج أن الوالد رماها، أو لعله يعيره بهذا العرض مع أنه لا يعير به، لكن صالح مدين انتقى واختار رجل يفر من فرعون، وعليه علامات الصلاح والتقوى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]. إذاً: أنت عندما تذهب لتخطب امرأة من أبيها إنما أخذتها بكلمة الله، أي: أن الرجل عندما يخطب البنت ويقول له: يا عم، وأنا تحت أمرك! ولما يتزوجها لا يقول هذا لماذا؟ هل أنت عندما أخذت المرأة من أبيها كان من ضمن ما ظهر منك أنك تسب وتجزع أو أنك تعاشرها بالمعروف؟! هذا لون من ألوان الغدر والخيانة. ولون من ألوان الغدر أيضاً: أن يأمل فيك الناس فلا يرونك حيث أملوا فيك، كأن يتمنى مثلاً والد العروس يتمنى أن هذا الولد يكون مثل ابنه مثلاً، فإذا بزوج البنت يخذله، وكلما وقع الرجل في ورطة لا يجد زوج البنت بجانبه، مع أنه لما تقدم للبنت أظهر أنه صاحب مروءة، هذا لون من ألوان الغدر، ينبغي على الإنسان العاقل اللبيب أن يترفع عنه. وقد كان من السلف إذا أمل الناس فيه أملاً فلم يجدوه عندهم يبكون، كـ سفيان بن عيينة ﵀: جاءه سائل يسأل فلم يجد عنده، فلما انطلق السائل بكى سفيان، فقيل له: ما يبكيك وأنت ما قصرت؟ قال: وأي مصيبة أعظم من أن يؤمل فيك رجل فلا يجد أمله! يرى أن هذه مصيبة. هنا درس في الوفاء لنتعلمه من بيت إبراهيم ﵇: إبراهيم ﵇ مدحه الله تعالى في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] كل هذه أوصاف إبراهيم ﵇، ولا أعلم أن الله ﵎ جعل الأسوة مفعولة إلا فيه وفي نبينا ﵊؛ لشمول فعله، أي: إبراهيم ﵇ نحن نعلم شيئاً عن أسرته وحياته، ونبينا ﵊ نعلم كل شيء عنه، فلا تتم الأسوة إلا إذا كانت جوانب حياة المتأسى به مضيئة، بحيث يتأسى به الناس على اختلاف مشاربهم، فلا يتأسى به في العقيدة مثلاً أو في الجهاد أو في الصبر فقط؛ بل في شتى مجالات الحياة. ونحن لا نعلم هذا إلا لنبينا ﵊، ففي أي جانب من جوانب الحياة، مثلاً في المزاح: فالنبي ﵊ سن لنا سنناً، بل قد علمنا كيف نقضي حاجتنا.

стр. 827

من هديه ﷺ في الأكل لقد علمنا النبي ﷺ آداب الأكل، قال ﵊: (يا غلام! سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك). أنت تمد يدك أمام صاحبك وتأكل أكله أو تأكل من أمامه، فهذا من قلة المروءة، والنبي ﵊ نهى عن القران في التمر، أي: أن تأخذ تمرتين بتمرتين. وفي ذات مرة قال سليمان بن عبد الملك لبوابه: التمس لي أحداً يتغدى معي ونتفكه معه قليلاً. والأعراب رغم أنهم جفاة إلا أن لهم لفتات جميلة، فيمكن أن ينادمك بأبيات من الشعر، وبحكايات وغيرها. فجاء بأعرابي ووضعوا خروفاً محشواً بالفستق واللوز، فوضعه أمام الأعرابي وجعل يأكل، وكانت هناك شعرة على الخروف، فأخذها الأعرابي، فقال له سليمان: استل الشعرة من اللقمة، فوضع الأعرابي اللقمة على المائدة، وقال له: إنك لتراقبني مراقبة من يرى الشعر -أي: أن تركيزك علي لدرجة أنك ترى الشعرة! وهو لم يكن يقصد أن يراقبه أبداً، ولكن غرضه أن يزيل الشعرة من الطعام- فقال الأعرابي: والله لا آكلتك بعد اليوم أبداً، فقام وذهب. فهذه مسألة تتعلق بالمروءات، والنبي ﵊ لما علمنا آداب المزاح، وآداب الأكل والشرب وغيرها من الآداب لماذا؟ حتى تتم مروءة الرجل، ويكون شديد الاحتشام.

стр. 828

من هديه ﷺ في المزاح كان النبي ﷺ يمزح، ولا يقول إلا حقاً، وهذا هو الفرق بينه وبين سائر الناس، إذاً: سن لنا هدياً حتى في المزاح ﷺ ، وإبراهيم ﵇ سيد الحنفاء، قال ﷺ : (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله) فسبحان الله! كذبة في الله، فما بالك بصدقه؟!! والنبي ﵊ كان يمزح، ولا يقول إلا حقاً، فقد قال مرة لرجل: (إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله! وما أفعل بولد ناقة -كيف أركب عليه-؟ فقال له: وهل تلد الإبل إلا النوق) وهذا الكلام صحيح، الجمل عمره مائة سنة، هو في الأصل ابن ناقة. إذاً: يمزح ولا يقول إلا حقاً. وما يروون عنه ﷺ أنه لقي امرأة، فقال لها: (الحقي بزوجك فإن في عينيه بياضاً) -البياض في العين يعني العمى، قال تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤] (ابيضت) أي: صارت كلها بيضاء، وأنت تعلم أن الحدقة التي يرى الإنسان بها تجدها ملونة وليست بيضاء، فأول ما تبيضّ فهذا دليل العمى. فقال لها: (الحقي بزوجك فإن في عينيه بياضاً فحزنت لذلك فلما جاءت زوجها قال لها: مالك؟ فقالت: إن النبي ﷺ قال كذا وكذا، فرجعت إلى النبي ﷺ ، وقالت: يا رسول الله! إني ألفيته يرى -ليس أعمى وما به شيء- قال: أوليس في عينيه بياض؟) نعم! في عينيه بياض، والمرأة فهمت أنه عمي، وهو ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. وقال لامرأة عجوز: (لا تدخل الجنة عجوز؟ فجعلت المرأة تبكي، فقال: إن الله ﵎ خلقهم يوم عُرباً أتراباً) وأهل الجنة أبناء ثلاثين سنة -كما ورد في الحديث- لا يهرمون ولا يشيخون. فهذا مزاح النبي ﷺ ، وابن عمر مثلاً -الذي هو آخر ضرب من مشكاة النبوة- كان يقول لجارة له: (خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام؛ فكانت تبكي، فقال لها: خالق الكرام واللئام واحد) فهي ظنت أن خالق اللئام خلقها إذاً: هي لئيمة. فالنبي ﵊ سن لنا ذلك؛ رعاية لمقصد شرعي، وهو عدم الوقوع في الكذب، ورعاية لمقصد آخر، وهو: استتمام المروءة؛ لأن المرء الذي يكذب، ويتحرى الكذب، ويضحك الناس بالكذب؛ ساقط المروءة لا حشمة له، والذين يقولون: ساعة لربك وساعة لقلبك لا حشمة لهم، وكذلك كل الممثلين والذين يضحكون الناس بالحركات الساقطة لا حشمة لهم أيضاً. قال عمر بن الخطاب ﵁: (من أكثر من ذكر شيء عرف به) فنبينا ﵊ محل الأسوة، فكل جانب من جوانب حياته مكشوف لنا. والحمد لله رب العالمين.

стр. 829

حق الزوج للزوج على الزوجة حقوق مختلفة ينبغي للزوجة القيام بها، فلا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها بغير إذنه، ولا تُدْخل أحداً بيته إلا بإذنه، كما يجب عليها أن تهيئ له البيت ليكون سكناً له، يأوي إليه بعد يوم حافل بالأعمال والسعي في فجاج الأرض طلباً للرزق، كما أن على الزوج إعانة زوجته في أعمال المنزل، وخير أسوة لنا في ذلك رسول الله ﷺ كما جاء ذلك عن عائشة ﵂.

стр. 830

اختلاف العلماء في حكم خدمة المرأة لزوجها إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﵊ سألته بعض النساء عن الجهاد وفضله، وأن الرجال يحوزون الأجر العظيم بذلك، فما للنساء في هذا الباب؟ فقال: (خدمتكن لأزواجكن تعدل ذلك) أي: تعدل الجهاد في سبيل الله، وهذا الباب فيه أحاديث مجتمعة يمكن أن يؤخذ منها حكم شرعي، وهذه الأحاديث تشير إلى حقيقة واضحة جلية، وهي: وجوب خدمة المرأة لزوجها. والمطالع لبعض الكتب الفقهية يرى بعض الآراء التي تقول: إن خدمة المرأة لزوجها ليست بواجبة، والوجوب الشرعي هو ما يلزم المكلف أن يفعله وإلا وقع في الإثم. وقال علماء الأصول في تعريف الواجب الشرعي: ما طلب فعله على سبيل الحتم والإلزام، بحيث يثاب فاعله ويعاقب تاركه. ولأن الألفاظ عندنا لها دلالات فيجب أن نبين معنى اللفظ، عندما نقول: (وجوب خدمة المرأة لزوجها) أي: أن المرأة إن لم تخدم زوجها فهي آثمة، مستحقة للعقاب، فهذا البحث يختلف فيه بعض العلماء، فمنهم من يقول: إن الخدمة واجبة، ومنهم من يقول: إن الخدمة مستحبة فقط، بمعنى: أن المرأة إن خدمت زوجها فبها ونعمت، وإن لم تفعل فلا إثم عليها هذا هو رد القائلين باستحباب الخدمة فقط، مع أن القول بوجوب الخدمة هو الراجح، بل هو الصواب؛ لأن الله ﵎ قد قال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨] لهن وعليهن، فما لهن عند الرجال؟ أن يعاشروهن بالمعروف، وكما في الحديث: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت). كما أن الإنفاق عليها وعلى أولادها واجب وحتم لازم على الرجل، بحيث أنه يأثم إذا لم ينفق على امرأته؛ لقوله ﵌: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) وهذا يدلك على عظم الإثم.

стр. 831

حق الرجل على المرأة إذا كان للمرأة على الرجل مثل هذه الحقوق، فما هو الحق المقابل للرجل على المرأة؟

стр. 832

عدم خروج الزوجة من البيت إلا بإذن زوجها من حق الرجل على المرأة: ألا تخرج من بيته بغير إذنه، سواء كانت في بيته بعد العقد عليها أو كانت في بيت أبيها قبل البناء بها، لقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة أن تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه) وهذا واضح أن المقصود به بعد أن يبني الرجل بها. ولكن هناك حديث مطلق يمنع خروج المرأة من البيت بغير إذن الزوج، فسواء كانت المرأة في بيت أبيها أو كانت في بيت زوجها، طالما أنها زوجة لأحد الرجال، سواء بنى بها أو لم يبن، فلا يجوز لها أن تخرج من البيت إلا بإذنه. وهذا أدب عالٍ؛ لأن المرأة أسيرة عند الرجل، كما ورد في الحديث الصحيح: (اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم) والعاني هو: الأسير، وكما يقول ابن القيم ﵀: لا شك أن النكاح ضرب من الرق. والدليل على ذلك: أن المرأة لا تستطيع أن تتزوج وهي متزوجة؛ لأنها مسترقة، ولا تستطيع أن تطلق نفسها وهي تحت الرجل، فهذا يدل على أنها أسيرة، فهذه المرأة المأسورة لا يحل لها أن تخرج من الأسر إلا بإذن زوجها. ليس معنى هذا أنه امتهان للنساء أنهن عبيد، لكن معنى الرق: أي أنها ليست ملك نفسها، أي: لا تستطيع أن تتصرف في نفسها، لا بد أن ترجع إلى المالك، والزوج هو المالك.

стр. 833

ألا تدخل الزوجة في بيت زوجها من يكره لا يجوز للمرأة أن تأذن للدخول في بيته إلا بإذنه، فلا يجوز لها أن تدخل أباها أو أمها أو أخاها بيته إن كان يأبى ذلك إلا بإذنه، ولا تثخن بصدره، أي: لا تأتي من الأفعال ما يثخن صدره ويؤلم قلبه. وقد رأى النبي ﷺ أسماء بنت يزيد، فقال لها: (أي هذه! أذات بعل أنت -أي: ذات زوج-؟ قالت: نعم. قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه -أي: لا أقصر في خدمته- قال لها: فانظري أين أنت منه، فإنه جنتك أو نارك) هل هناك امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسمع مثل هذه الأحاديث ثم تعق زوجها؟ (انظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك أو نارك) أي: إن أطعته دخلت الجنة، ولكن بفعل الطاعات الأخرى؛ لأن بعض النساء يتصورن أنهن إن أطعن أزواجهن وتركن كل شيء دون ذلك أنهن في الجنة وهذا محال! كل هذا بشرط أن تؤدي الواجبات المفروضة عليها كمسلمة، ثم تطيع زوجها، أما أن تظن أن طاعة الزوج ممكن أن تنجيها إن تركت الصلاة أو صوم رمضان أو نحو ذلك هيهات! (إنما هو جنتك أو نارك) فدل على أن طاعة الزوج من أسباب دخول المرأة الجنة. وفي الحديث الصحيح: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة الثمانية شئت) فهذا الحديث يدل على أن طاعة الزوج من الأشياء التي إذا فعلته المرأة دخلت الجنة. جاء في سنن الترمذي وغيره أن النبي ﵊ قال: (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا لعنتها الحور العين؛ تقول لها: قاتلك الله لا تؤذيه، إنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا). وقد أخذ بعض العلماء من هذه الجملة الأخيرة (يوشك أن يفارقك إلينا) أن الرجل إذا أحب زوجته في الدنيا وجمع الإيمان بينهما كانت زوجته في الآخرة، وأنه إن كرهها في الدنيا وملها أبدله الله تعالى من الحور العين.

стр. 834

ألا تخرج الزوجة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه لا يجوز للمرأة أن تخرج شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه، كما لا يجوز لها أن تتصدق إلا بإذنه، ولا تعطي أهلها شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه، وفي سنن أبي داود والترمذي وحسنه عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﵊ قال في حجة الوداع: (لا تخرج امرأة شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه. قالوا: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذاك أفضل أموالنا) ومعنى الحديث: أنه إن لم يجز للمرأة أن تخرج شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه فكيف تخرج الطعام الذي هو أفضل أموالنا؟! لا يجوز لها. لكن إذا نظر المرء إلى بعض الأحاديث الأخر رأى قوله ﷺ -كما في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً-: (إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها بغير إذنه فله مثل أجرها) فهذا بظاهره يؤذن أن تنفق المرأة من بيت زوجها بغير إذنه. وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: (إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها بغير أمره كان لها نصف الأجر) فهذا يدل على أنها ليست آثمة، بدليل أن لها نصف أجر زوجها الذي اكتسب. وهذه الأحاديث لا يضاد بعضها بعضاً؛ لأن الأمر في الحديث الأول إنما يفرض على العرف، بمعنى أن يأذن الرجل إذناً دائماً للمرأة أن تنفق، أو أن تعلم المرأة من حال زوجها أنه إذا علم بإنفاقها للصدقات لم يتضايق ولم يمنعها -من خلال قرائن الأحوال- فإذا علمت المرأة ذلك من أمر زوجها، وأنه إن علم بتصدقها من البيت لم يغضب؛ جاز لها أن تنفق ولها نصف الأجر. أما إن كانت تعلم أن الرجل لا يأذن ويتضايق، فلا يجوز لها أن تتصدق، قال الإمام البغوي: أجمع العلماء على أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج شيئاً من بيت زوجها إلا بإذنه، فإن فعلت فهي مأجورة غير مأزورة، وهذا الإجماع إنما خرج من معاني بعض الأحاديث الصحيحة كحديث أبي أمامة الباهلي. إذاً: لا تضارب بين الأحاديث، لكن ينبغي أن نعلم شيئاً، وهو: أن المرأة إن كان لها مال خاص؛ كأن يكون مهرها، لأن بعض النساء يأخذن المهر كله، فهذا المهر حقها، فلها مطلق الحرية أن تتصرف فيه بغير إذن زوجها. وهناك صورة أخرى ذكرها العلماء، قالوا: إن أعطاها الرجل مالاً خاصاً بها فلا ترجع إلى زوجها في الإذن، فلو كان يعطيها مصروفاً شخصياً فلها أن تتصرف به بحد معرفتها؛ لأنه صار ملكاً لها، لكن ينبغي للنساء أن يستأذن -ولا أقصد بـ (ينبغي) أنه واجب شرعاً- أزواجهن حفاظاً على قلوبهن من التغير، فهذا من حق الرجل على المرأة: أن تصون ماله، لا تبعثره ولا تنثره، إنما القيد في مثل هذه المعاملات بالمعروف. كما جاءت هند بنت عتبة إلى النبي ﵊، فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليَّ جناح أن آخذ من ماله بغير إذنه؟ قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: لا تأخذ بقصد تبديد مال الزوج؛ فإن هذا حرام ولا يجوز.

стр. 835

القيام بخدمة الزوج قال هؤلاء: الاستمتاع؛ لأن العقد إنما نص فيه على الاستمتاع وليس على الاستخدام. فيقال: إن المرأة أيضاً تستمتع بالرجل، فهذا حق مشترك، كلاهما يستمتع بصاحبه، فما هي التبعة على المرأة مقابل هذه الخدمات الهائلة بالنسبة للرجل؟ هل الرجل يعجن ويخبز ويغسل الملابس وينظف البيت؟ فما عمل المرأة إذاً؟! وأين قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]؟ ما الذي عليهن إذاً؟ إذا كان الرجل يفعل كل ذلك، ويضرب في الأرض حتى يكسب قوته وقوت أولاده من عشرات الأفواه والأيدي كل يوم، ثم يأتي في خاتمة اليوم أو خاتمة الأسبوع أو الشهر فيعطيها ما تريد كيف يقال: إن المرأة ليس عليها أن تخدم الرجل؟! بل وصل الشطط ببعض هؤلاء العلماء إلى أن قال: يلزم الرجل إن كانت زوجته تدخن أن يأتي لها بالسجائر! ويزعم أن هذا معروف، كيف والتدخين حرام؟ يعني كيف لو أرادت المرأة -مثلاً- أن تخرج متبرجة أو تشرب خمراً، يكون عقوقاً من الرجل أن يمنعها من ذلك؟! هذا شطط. والذين يقولون باستحباب الخدمة فقط، لا أتصور أحداً منهم لو جاء بأضياف إلى البيت فقال لامرأته: أعدي طعاماً. فقالت له: إن الخدمة مستحبة، أي: لا جناح علي ولا إثم إن لم أخدمك أنت وأضيافك، التمس من يفعل لك ذلك. لا أتصور أن يقف الرجل عند القول باستحباب الخدمة، بل لعله يطلقها. المعروف في العقود غير الموقوف عليها أن العرف هو الذي يتحكم فيها، فإن كان على الرجل حق فعلى المرأة حق أيضاً، وإلا لم يكن هذا من العشرة بالمعروف. قالوا أيضاً: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعاً وإحساناً، وهذا من أعجب ما يكون، هل خدمة فاطمة كانت إحساناً؟ في الحديث الذي رواه الشيخان: أن فاطمة ﵂ ذهبت إلى النبي ﷺ تطلب خادماً، وقد جاءه رقيق. وفي بعض الروايات: أن علياً لما رآها تخدم وقد تورمت يداها من الخدمة قال لها: قد جاء أباك رقيق، فاستخدميه -استخدمي أحد هؤلاء الرقيق- فذهبت إلى البيت فلم تجده، فتركت الخبر عند عائشة ﵂، فلما جاء النبي ﷺ وقصت عليه عائشة مطلب فاطمة ﵂ ذهب إلى البيت، فوجدهما قد أخذا فراشهما، قال: مكانكما، فصعد على الفراش، قالت فاطمة: حتى وجدت برد قدميه عند صدري. فقال لها: (أفلا أدلك على خير لكما من خادم؟ -وفي بعض الروايات-: قال لهما: أفلا أدلكما على خير من خادم؟ تسبحا الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثاً وثلاثين، وتكبراه أربعاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم) سئل علي: أما تركت هذا؟ قال: قط. قيل: ولا ليلة صفين -المعركة المشهورة- قال: ولا ليلة صفين). لو كانت خدمة المرأة مستحبة فقط لقال النبي ﵊ لـ علي: إن الخدمة ليست بواجبة عليها، أما وقد قال ذلك وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحداً؛ فدل ذلك على أن الخدمة واجبة على المرأة، وهو قول ابن حبيب، وقول أبي ثور، وهو وجه في مذهب الحنابلة. وفي مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن أسماء ﵂، قالت: (كنت أقوم على خدمة الزبير فكنت أحتز لفرسه، وأعلفه، وأسوسه، وأقوم عليه) ومعلوم أن هذا كله كان يقوم على عين النبي ﵊، وكان يرى ذلك. وفي صحيح البخاري أن أسماء ﵂ كانت تقول: (وكنت لا أحسن أخبز، وكن لي جارات صدق من الأنصار كن يخبزن لي) فخدمة المرأة لزوجها كانت مشتهرة، ولا شك أن بعض النساء كن يكرهن ذلك على عهد النبي ﵊، فلم يؤثر قط أنه قال لرجل من الرجال: إن خدمة المرأة مستحبة فقط، ويلزمك أن تأتي للمرأة بخادم؛ فدل ذلك على أن خدمة المرأة لزوجها واجبة. ومسألة أن العقد إنما هو للاستمتاع فقط مسألة في غاية التهافت؛ لأن كثيراً من الأحاديث الصحيحة دلت على أن خدمة المرأة لزوجها واجبة، لكن الخدمة إنما تكون بالمعروف، لا تكلفها فوق طاقتها، فإنه ليس على المرأة حتم لازم أن تخدم أم الرجل، أو تخدم أباه، هذا ليس حتم لازم على المرأة، ولكن تندب إليه، فلا تكلفها غصباً بالأعمال الجسيمة؛ لأن كل شيء مقيد بالمعروف، فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية وليست كخدمة الحضرية، كل فعل إنما يكون بالمعروف. ثم لا تنس أن الخدمة وإن كانت على المرأة واجبة إلا أنه يستحب للرجل أن يشارك أهل بيته في بعض العمل، وفي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﵌ يكون في خدمة أهله) وفي الشمائل للترمذي: (يفلي ثوبه، ويقوم على إصلاح نعله، فإذا أذن للصلاة خرج إلى الصلاة) هذا هو مقتضى المعروف: أن تشارك زوجك في بعض العمل لاسيما إن وجدتها أثقلت بكاهل الولد أو أثقل كاهلها بالعمل.

стр. 836

التشديد على الأمر بطاعة الزوج هناك حقوق أخرى للرجل على امرأته لعظم حقه عليها، فحق الرجل أعظم وآكد، ويدل عليه قوله ﷺ : (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وقد ظن بعض الناس أن السجود ليس هو المشهور المعروف أن تسجد على الأرض، وإنما السجود أن تحني ظهرها. شبيه بتحية الأعاجم وهذا خطأ، وإخراج للفظ عن مدلوله بغير دليل. يقول علماء البيان: إن الألفاظ قوالب المعاني، فمثلاً: إذا سمعت كلمة (يد) فإن المعنى المتبادر إلى ذهنك أنها اليد التي تتكون من خمسة أصابع، هل يخطر على بالك إذا سمعت كلمة (اليد) أنها بمعنى النعمة؟ لأن المعنى الذي وضع هذا اللفظ له يقتضي هذا المعنى المتبادر إلى أذهان الجميع. كقوله ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] الذين لجئوا للتأويل قالوا: إن (اليد) هنا بمعنى النعمة، وهذا إخراج للفظ عن الغالب المعروف، ولكن لا نشبه ربنا بخلقه، تعالى الله عن ذلك، كل شيء يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، له يد ﵎ كما أثبت لنفسه، لكن ليست كيد المخلوقين، لا نستطيع أن نتصورها. إنما إن قلت: إن فلاناً له عليّ يداً، فالمقصود باليد هنا النعمة، والجملة تؤدي إلى هذا المعنى، وهذا ما يسميه العلماء بالقرينة الصارفة للفظ عن معناه الحقيقي المجرد، كقوله ﷺ كما في صحيح مسلم: (بينما رجل في الطريق يزور أخاً له، إذ بعث الله له ملكاً في صورة رجل، قال له الملك: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إلى قرية كذا أزور أخاً لي. قال له: هل ترى أن له عليك يداً؟ -أي: نعمة، فأنت تزوره بمقتضى هذا الجميل؟ - قال: لا، غير أني أزوره في الله ﵎، قال: فإني رسول رسول الله إليك، يخبرك أنه يحبك كما أحببته فيه). فاللفظ: (هل ترى له عليك يداً؟) لا يقال: (عليه يد) هي اليد الحقيقية؛ لأن الجملة لا تعين على ذلك، فإذا ورد لفظ السجود في الحديث لا يتبادر منه إلا السجود المعروف (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مما يدل على أن المقصود بالسجود هو السجود على الأرض: ما ورد في سياق هذا الحديث وغيره (أن معاذاً ﵁ لما كان بالشام رأى النصارى يسجدون لأساقفتهم، فأول ما رجع ورأى النبي ﵊ خر على الأرض ساجداً، قال: ما هذا يا معاذ؟ قال: يا رسول الله! رأيتهم يسجدون لأساقفتهم فأنت أحق أن أسجد لك، فقال: إن السجود لا يكون إلا لله) فالسياق واضح جداً، وهو أن السجود كان على الأرض. ومن هذا الحديث استدل العلماء على العذر بالجهل؛ لأن الرجل إن سجد لصنم أو لبشر وهو يعلم أن السجود لا يكون إلا لله كفر. وأخذ العلماء من هذا الحديث أن الرجل إن سجد وهو لا يدري أن مثل هذا السجود يكفر العبد بفعله؛ عذر بجهله، وإلا لو كان لا يعذر بجهله لقال النبي ﵊ لـ معاذ: قد كفرت بهذا الفعل، اذهب فاغتسل، وقل الشهادتين وادخل في الإسلام، أما أنه لم يقل له شيئاً من هذا، وأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ فدل على أن الجاهل إذا فعل فعلاً من أفعال الكفر لا يعلم به أنه يعذر. فهذا يدل على أن السجود المقصود به: السجود الحقيقي المعروف، أفرأيت إلى هذا الحديث، يقول: (إن كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، ثم تأتي امرأة تقصر في حق زوجها! لا ينبغي لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تفعل ذلك.

стр. 837

التحذير من الوقوع في الخلافات العائلية إن الحياة الدنيا قصيرة لا تتسع للنزاعات، لأنك إن اشتغلت بالنزاع مع غيرك أو مع زوجك ضاعت حياتك، وضاع الوقت الذي ابتلاك الله فيه بالعمل، أن تلقى الله وقد خاصمت الكل، وملأت صدرك بالحقد؛ لأجل مسائل توافه ليس لها ثمرة. هذه الدنيا قصيرة جداً، كما ورد في بعض الأحاديث -ولكنها غير صحيحة، لكن ورد هذا على بعض ألسنة السلف-: أن الدنيا خطوة رجل مؤمن فيروى في بعض الأحاديث أو بعض الإسرائيليات أن نوحاً ﵇ -وهو أطول الأنبياء عمراً- سئل عن الدنيا؟ فقال: باب دخلت منه وباب خرجت منه، ولا يحس المرء بهذه الحقيقة المرة إلا وهو يعايش ملائكة الله تبارك تعالى وهي تنزع الروح، الذين عاشوا ستين أو سبعين سنة سلهم: هل الدنيا قصيرة أم لا؟ تجدها قصيرة، فهي لا تستحق النزاعات. لقد وصف الله الزواج أنه سكن، بل وصف الرجل مع المرأة في عشرتهما بأبلغ من ذلك: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] فانظر إلى قوة هذا التعبير كلاهما لبس الآخر ملابسة! لم الخصومة والنزاع؟ وتتصور المرأة أن الرجل متسلط عليها؟ هب ذلك، إن الظلم لا يدفع بظلم مثله، والمثل الجائر الفاسد الذي يجري على ألسنة الناس (الكبر على أهل الكبر صدقة) متى كان الكبر صدقة؟ متى كانت المعاصي تدخل في جملة الصدقات التي يتقرب إلى الله بها؟ لا يجوز أن يُدفع الباطل بباطل، إنما يدفع بحق أو يصبر، لا تقل: كما ظلمني أظلمه إذا ظلمك أحد فادفع ظلمه بحق أو اصبر عليه، لكن الله ﵎ الذي حرم الظلم على هذا الإنسان حرمه عليك أيضاً، فالمرأة لا تتصور أن الزوج خصم لها، فتصبر عليه، فإن صبرها عليه لها به أجر. أين نحن من مثل قوله ﷺ -كما في الترمذي وغيره-: (رحم الله عبداً استيقظ من الليل، فأيقظ امرأته -أي: لتصلي معه- فإن أبت نضح الماء على وجهها، ورحم الله امرأة استيقظت من الليل فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت الماء على وجهه فأيقضته). صورة مختلفة تماماً للبيت المؤمن الصالح، ولكن ينبغي الالتزام أو فهم معنى النضح، النضح ماء خفيف جداً، يكون باليد أو بالفم، فلا تأت بوعاء ماء وترشه! لا، ماء خفيف جداً. ثم يجب على الرجل أو المرأة أن يترفق كلاهما بالآخر في هذا الباب، هب أن الرجل متعب أو المرأة متعبة كأن تكون طيلة اليوم في عمل البيت، ليس واجباً أن توقظها، إنما هذا ندب تندب إلى هذا الفعل إن علمت راحة المرأة. عرضت علي حالة في غاية العجب: رجل تزوج امرأة، وأرادا أن يطبقا هذا الحديث، ولكن المرأة تستيقظ في الفجر والرجل لا يستيقظ؛ من شدة تعبه وعمله في اليوم، وكان يعمل عملاً شاقاً، ويأتي في الليل متأخراً، فكانت توقظه فيأبى، فأغلظت المرأة عليه في الإيقاظ، وقالت: كيف تصلي الفجر متأخراً؟ طلقني. ولم يكن مضى على زواجهم أكثر من ثلاثة أسابيع، قال لها: اذهبي فأنت طالق. ثم جاءت المرأة تستفتي في هذا الأمر، فقالت: هل يجوز أن أقول هذا؟ والنبي ﵊ عرضت عليه قصة كما في سنن أبي داود أن امرأة صفوان بن المعطل السلمي شكت زوجها للنبي ﵊ وهو جالس، فقالت: يا رسول الله! إن صفوان يضربني إذا صليت، ويفطرني إذا صمت، ولا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس. فقال صفوان: يا رسول الله! لا تعجل علي. فأما قولها: (يضربني إذا صليت) فإنها تصلي بسورتين -أي: بعد الفاتحة- وقد نهيتها عن ذلك، وأمرتها أن تصلي بسورة واحدة، فقال لها: أطيعي زوجك -لأن الصلاة تنعقد بالفاتحة فقط بدون قراءة سورة، فكيف إذا كانت المرأة تؤمر بسورة واحدة، وهذا مستحب، وطاعة الزوج فرض-. وأما قولها: (يفطرني إذا صمت) فإني رجل شاب، وهي تستأنس الصوم، ولا تستأذنني، فكنت آتيها فأفسد عليها صومها. فقال ﵊: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) وهذا في غير رمضان. أما قولها: (لا أصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس) فإنا آل بيت عرف عنا ذلك، فواضح من سياق الحديث أن هذه جبلة، فإنه إذا نام ينام نوماً عميقاً لا يستيقظ، ولا يملك أن يستيقظ وإن أيقظه أحد، والشريعة سمحة- فقال ﵊: إذا استيقظت فصلِ؛ لأنه جاء في حديث آخر قال النبي ﷺ : (إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة)، وقوله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) فكيف تقول له: طلقني؟ لا يجوز للمرأة أن تفعل ذلك. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا

стр. 838

دراسة جدوى حياة مسلم إن الإنسان الكيس والتاجر الحصيف إذا أراد أن يدخل في مشروع من المشاريع فإنه يقارن بين ما سينفقه في هذا المشروع وما سيعود عليه من مكاسب منه، ولا يقبل بالمكسب القليل فضلاً عن الخسارة. والإنسان المسلم في هذه الحياة إنما مثله كمثل التاجر، فينبغي عليه أن يكون تاجراً حاذقاً؛ فلا يقبل بأقل من ربح حياته الأخروية التي لا انقطاع لمداها ولا إحاطة بمنتهاها، ولا يحتاج منه لأجل ذلك إلا العمل لها في حياته الدنيا ذات السنين المحدودة، والأنفاس المعدودة.

стр. 839

قياس الأعمار بالأعمال إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلاله، وكل ضلالةٍ في النار. قال الله : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢١ - ٢٤]. فما هي هذه الحياة التي ندم الكافر على تضييعها حين وقف على شفير النار، ورآها يحطم بعضها بعضاً؟ هذه الحياة هي التي عناها الله بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]، و (الحيوان): مصدر حياة، أي: هي الحياة الحقيقية، وهي الحياة الدائمة التي لا تنقطع. هذه الحياة هي التي ندم الكافر على تضييعها، ولا يحسب من عمر المرء حقاً إلا ما كان ذاكراً فيه لله ، كما قال النبي ﷺ : (ما من ساعة يضيعها ابن آدم لا يذكر الله فيها إلا ندم عليها يوم القيامة). فإذا كانت الحياة الحقيقية هي طاعة الله ، فتعالوا لنتأمل في دراسة جدوى حياة إنسان يعيش ستين سنة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يتجاوز ذلك) فنسبة الوفيات الكبرى من أعمار هذه الأمة تكون ما بين الستين إلى السبعين عاماً، وقليل هو الذي يصل إلى الثمانين، وأقل من ذلك من يصل إلى المائة، وأقل القليل من يتجاوز المائة.

стр. 840

حين تكون تجارتك مع الله دراسة جدوى حياة الإنسان إذا أراد أي تاجر أن يفتتح محلاً تجارياً، فقبل أن يقدم على هذه الخطوة فإنه يصنع ما يسمى بدراسة الجدوى، فينظر إلى المكان، وينظر إلى القوى الشرائية في هذا المكان أهي عالية أم لا، ثم ينظر إلى حاجة المشتري حتى يعين نوعية البضاعة التي يبيعها، فإذا هو لم يحسب هذه الحسابات كلها كان تاجراً خاسراً. فدراسة الجدوى شيء أصيل عند بني آدم لمحبتهم للبيع والشراء، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] اشترى: أي أن القضية عبارة عن صفقة وعقد بيع، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٨٦]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]، وقال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] (يشرون) أي: يبيعون. فهذه المعاني أوصلها الله لنا في صورة عقد بيع وشراء؛ لأن العباد بطبيعتهم جبلوا على حب البيع والشراء، فتعالوا لنغرس أعظم رأس مال للإنسان، وهو حياته وأوقاته، لنرى هل يخرج من هذا السوق مغبوناً أم خاسراً، فالذي ضيع وفرط في حياته الماضية ينبغي عليه أن يفيق؛ فإن العمر يمر. أنت الآن اقتربت من الموت خطوة عن الأمس، وبالأمس كنت أبعد عن الموت يوماً، وأنت الآن أيضاً أبعد عن الموت منك في غدٍ -إذا حفظ الله حياتك إلى غد- وهكذا. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم يقربنا من القبر حياة الإنسان ستون سنة: أولاً: هو ينام عشرين سنة، لأن ثماني ساعات في اليوم في ستين سنة محصلتها عشرون سنة، فهو بهذا لا يحاسب على عشرين سنة من حياته، لقول النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة، منها: النائم حتى يستيقظ)، وعن النبي ﷺ قال: (النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون). ثم هو لا يؤاخذ حتى يصل إلى سن البلوغ، وسن البلوغ ينحصر بين عشر سنين وخمس عشرة سنة، فبإضافة خمس عشرة سنة مع عشرين سنة يكون مجموعها خمساً وثلاثين سنة، وهو لا يؤاخذ من يوم أن يولد حتى يبلغ؛ لقول النبي ﷺ في ذات الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة، منها: عن الغلام حتى يحتلم). كم بقي من الستين عاماً؟ خمسة وعشرون سنة، وقد يطول نومك فتزيد سنوات النوم، وقد تمرض وتلزم الفراش عشر سنوات أو خمس سنوات أو سنة أو شهرين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل، لكننا إذا افترضنا أن المرء كان صحيح البنية، لم تعترضه الآفات فالعمر الحقيقي الذي يؤاخذ به أمام الله خمسة وعشرون عاماً فقط، وهذه هل تستحق أن يضيع المرء من أجلها حياته الأبدية؟! أين القصور من عهد عاد؟!

стр. 841

كم من حسرات في بطون المقابر من المعروف أن القبر هو أول منازل الآخرة، وهذه الخمسة وعشرون سنة! تعد (تأهيلة) فبعض الناس يقضي خمسة وعشرين عاماً في السجن على ظهر الحياة، ثم يخرج ليستأنف حياته من جديد. أين الذين ماتوا من عهد عاد؟ عشرات القرون ومئات القرون مرت على أناس يعذبون، وهم في أول منازل الآخرة، وتلك الأعوام لا تقاس بخمسة وعشرين عاماً فقط من الحياة على الأرض؟! فما أشد غربة المفقود إذا لم يكن له زاد يتزود به. وآية ذلك تصور أنك في غرفة بمفردك ولا أقول: تحاسب أو تعذب أو تؤاخذ، فلا أحد يطرق عليك الباب، ولا أحد يتصل بك، ولا أحد يكلمك، وظللت على هذا مائة عام، أضف إلى ذلك أن الإنسان جبل على حب الخلطة، فإذا لم يكن له أنيس من نفسه وصبّر نفسه ووطّنها على ذلك فإنه يصاب بالملل والضجر، وإنما سمي الإنسان إنساناً لأنه يأنس، وتأمل قول الله : ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] إذا انقطع عنك حبل أهلك، وحبل ولدك؛ شعرت بحجم الغربة، فهذا الميت يا له من غريب! كم من حسرات في بطون المقابر!! لو أذن لكل ميت أن يتكلم لقال: أهلكتني (سوف) و (السين) سأتوب سوف أتوب سأتصدق سوف أتصدق، سأصلي سوف أصلي وهكذا. مات كثير من الناس ولم يحققوا أمنياتهم، فمات وفي نفسه غصة، لكنه بكى سنين عدداً يؤاخذ على خمسة وعشرين سنة، والنبي ﷺ أعلمنا ما يستقبلنا إذا مات الإنسان. قال ﷺ : (إن الميت ليسمع وقع نعالهم إذا انصرفوا عنه) وتأمل! رجل صار فريداً يسمع وقع نعال ذويه وهم يغادرونه ويتركونه، ويسأل السؤال المعتاد الذي أعلمنا به النبي ﷺ ، ثلاثة أسئلة هي محصلة خمسة وعشرين سنة: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ لقد ظل حياته كلها لا يفكر في الإجابة عن هذه الأسئلة، والعجيب أنه في ساحة العرض، وإذا بعث العباد جميعاً، وخافوا جميعاً، يقول بعضهم لبعض: ألا منقذ ينقذنا مما نحن فيه؟ فقال بعضهم لبعضٍ: هلم إلى الأنبياء سبحان الله! ألم تر إلى هذا اللؤم؟ تذهب للنبي الآن تريد شفاعته، وقد ظللت طيلة حياتك لا تعرج على سنته، وتكتب ضد الذين يلتزمون بسنته، وتحيك المؤامرات ضد هؤلاء الذين يقتدون بسنته! تريد شفاعته الآن؟! هذه هي طبيعة اللئيم. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] أيها المرتشي الذي ارتشيت: لماذا قبلت الرشوة؟ يقول: أطعم أولادي؟ لماذا تاجرت بالمحرمات؟ يقول: لأولادي. فلماذا تضحي بولدك الآن؟ أنت لا تعرضه لشيء يسير، أنت تعرضه لنار جهنم، التي قال النبي ﵌ فيها: (يؤتى بأنعم أهل الأرض -الذي ما ذاق بؤساً قط، ولا مرضاً قط، وكان سيداً مطاعاً، تعقد عليه الخناصر، يؤتى بهذا الرجل- فيغمس في النار غمسةً واحدة فقط ثم يخرج، فيقال له: هل مر بك نعيم قط -أرأيت في حياتك كلها يوم راحة-؟ يقول: لا، وعزتك ما مر بي نعيم قط) فكيف إذا كان من الكافرين؟! وهذه ما هي إلا غمسةٌ واحدة فقط، فما بالك الآن أيها المجرم تعرض ولدك لدخول النار، ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]، قال: رب! إذا لم يكف ولدي ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢] خذوا امرأتي وخذوا أخي، وإذا لم يكف ولدي ولا امرأتي ولا أخي ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣] خذوا الأسرة بكاملها، وإذا لم تكف الأسرة بكاملها، ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المعارج:١٤] اطرحهم جميعاً في جهنم، المهم أن أنجو أنا. فانظر إلى الأنانية! هل الأنانية لم تكن موجودةً عنده؟ بلى كانت موجودةً في الدنيا لكن لم يظهر مقتضاها، بدليل أن هذا الإنسان لو وقف رجلٌ أمامه لداسه، وكل إنسان عنده نموذج من الغبن وقلة الوفاء، لكن لم يظهر مقتضى لهذا المجرم حتى يضحي هذه التضحية، لكن لها ثمرة في الآخرة، والله ﵎ يقول عن هذا اليوم العظيم ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٤].

стр. 842

كيف تعد للسؤال جواباً ؟ إن حياتك الحقيقية إنما هي في طاعتك لله ، كل دقيقة تمضي بغير ذكر فإنها خسارةٌ على العبد، ألزم نفسك في هذه اللحظات بما يقربك إلى الله ، من ذكرٍ أو تأملٍ، أو أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكر، أو سدّ حاجة إنسان، أو تعليم جاهل، لا تضيع لحظاتك؛ فإن اللحظات هي العمر، وقد علمنا أن خمسة وعشرين عاماً فقط يسأل العبد فيها: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ بعض الناس يتصور أنه يستطيع أن يقولها، لأنها كلمة مذللة وسهلة، ولكن هذه الكلمة هي التي عناها الله بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، هذه التربة شربت من دماء الأبرار بسبب هذه الكلمة، الذين ماتوا وضحوا وجاهدوا وتعرضوا للرهق بسبب هذه الكلمة، فهي ثقيلةٌ جداً، ولو كانت خفيفة ما أعرض عنها أكثر العباد؛ لأن لها تبعات، إنها تجعل المرء غريباً في أهله، تفقده الأنيس وهو حي في أهله، ولذلك سماها الله أمانة، وهذا يعني أن الذي لم يأت بها خائن لميثاق العبودية الذي أخذه الله على العبد يوم خلقه، كما قال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] فقال لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، فإنما أخذ الله شهادة المرء على نفسه حتى لا تكون له حجة، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]. ولذلك سيأتي المجرم الأحمق يوم القيامة، الذي أغلق على نفسه الباب وهو يفعل المعصية، وظن أن الله لا يعلم كثيراً مما يفعل، فجاء يوم القيامة وقد ظن أنه بعدما استتر أن لا حجة عليه، فلما وقف أمام الله ليحاسبه قال العبد الأحمق مبادراً ربه: رب! ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى. قال: فإني لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي. لأنه لما فعل المعصية كان وحده، وهو يظن أن الله لا يستطيع أن يقيم عليه الحجة، لذلك بادر الله بهذا القول. فقال الله : لك ذلك، وختم على فمه، فنطقت يده، ونطقت رجلاه، ونطق فخذه بما كان يعمل، فقال: تباً لكُن، فعنكن كنت أجادل وأدافع ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. فكلمة التوحيد بتكاليفها أمانة، فلم تفرط وأنت على ربك قادم؟؟ الله هو الملجأ لعباده، فلا يكون الفرار منه إلا إليه. إنك إذا خفت ظالماً فررت إلى من يمنعك منه، لكن الله لا يُفرُ منه إلا إليه، فهو الذي قد أحاط بك، وأحكم قبضته عليك، وأنت تعلم أنك إليه راجع، فلماذا التمادي في العصيان وأنت ترجع إلى ربٍ غفورٍ ودود؟! وتأمل -أيها المسلم- هذا الحديث الرائع الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁، لتعلم قدر رحمة ربك، قال ﵌: (آخر رجلٍ يخرج من النار ويدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة، ويحبو مرة -أي: ينكفئ على وجهه مرة- وتلفحه النار مرة، فهو ينادي ربه ويستغيث به، قائلاً: رب قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فأخرجني منها. فيقول الله له: لئن أخرجتك من النار تعاهدني على ألا تسألني شيئاً بعد ذلك؟ فيقول: وعزتك لا أسألك غيرها، فيخرجه من النار، فما إن خرج حتى التفت إليها وقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من العالمين، فرفعت له شجرة) الحديث. أنت في اليوم الشديد الحر تأوي إلى الظل، وتشعر بقيمة هذا الظل في الحر، فما بالك بمجرم خارج من النار أعاذنا الله وإياكم منها، فإن أعظم يوم حر على وجه الأرض قال النبي ﵌ عنه (هو نفس من جهنم) لأن جهنم اشتكت إلى ربها، قالت: رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين، مثل القدر الذي يغلي، فأنت تجعل فيه ثقباً حتى لا ينفجر القدر من البخار، فالنار يأكل بعضها بعضاً، فاشتكت إلى الله، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، قال ﵊: (فنفس الصيف هو أشد ما تجدونه من الحر، ونفس الشتاء هو أشد ما تجدونه من البرد) فالرجل خرج من النار ووجد شجرة، فلما رآها ما أطاق ولا تحمل، فنسي العهد الذي أعطاه ربه منذُ قليل، (وقال: رب! أدنني من هذه الشجرة، لأستظل بظلها، وأشرب من مائها. فقال الله : ما أغدرك يا ابن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني شيئاً بعد ذلك؟! وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيقول له: لئن أدنيتك من هذه الشجرة تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟ فيقول: إيه، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه من الشجرة)، فيشعر بالبرد، ويشرب من الماء البارد الذي حرم أهل النار منه؛ لأن الماء الساخن لا يروي، ولذلك كان النبي ﵌ يقول: (اللهم اجعل حبك أحب إلي من الماء البارد) ولا يطلب أن يكون حب الله أحب إليه من شيء إلا لأنه أعظم شيء، الماء الساخن لا يروي أبداً، فكيف إذا كان ماءً مغلياً؟ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، فكان هذا الرجل محروماً من نعمة الماء البارد، فأول ما رأى؛ عين ماءٍ تجري، ورأى ظلاً وارفاً لم يحتمل، ونقض العهد والميثاق، فأدناه الله من الشجرة (فاستظل بظلها وشرب من مائها، ولكن سرعان ما رفع إليه شجرة هي أعظم من الأولى، فنسي الرجل -أيضاً- العهد والميثاق، وقال: رب! أدنني من هذه الشجرة، لأستظل بظلها وأشرب من مائها. فقال الله له: ما أغدرك يا بن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني عن شيئاً بعد ذلك، وربه يعذره)، وتأمل هذه الكلمة! بعد كل نقض يقول: (وربه يعذره!) كذلك لو نقض العبد العهد والميثاق في الدنيا ومضى في غيه وضلاله سنين عدداً، واعتذر إلى الله ورجع لعذره الله؛ لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، لذلك أرسل الرسل حتى يعذر الناس. فقال: ما أغدرك يا ابن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟! وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فقال الله له: عبدي! لئن أدنيتك من هذه الشجرة تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟ يقول: إيه، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه من الشجرة، ثم يفتح له باب إلى الجنة، وإذا المؤمنون يتضاحكون ويسامر بعضهم بعضاً، والرجل وحيد، فيريد أن يدخل الجنة، لكنه تذكر أنه نقض العهد مرتين فسكت، لكن غلبه ما يجد ولم يتحمل، فنقض العهد، وقال: (رب! أدخلني الجنة، فإنه لا يضرك. فقال الله : ادخل الجنة، ولك مثل الدنيا). فالرجل أول ما سمع كلمة (مثل الدنيا) لم يصدق، فكأنه يقول بلسان الحال: وأنا ظللت طيلة حياتي أكافح لتوفير راتب هزيل آكل به أنا وعيالي، ومضيت من الدنيا ولم أتمتع بأسهل متعها!! لم يصدق الرجل، كيف امتدت عينه إلى نعمٍ أنعم الله بها على أناس، لعل الله نهاه ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١] وسماها زهرة؛ لأن عمر الزهور قليل، لا روح للزهور، لو تركتها ساعتين لذبلت، ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] فكيف أمَّل؟ وكم أرسل قلبه إلى نعم، ومضى من الدنيا ولم يتمتع بأكثرها! وإذا به الآن يسمع أن له مثل الدنيا!! لذلك لم يصدق، فلما قال النبي ﵌ ذلك ضحك، فقال لأصحابه: (ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك من ضحك رب العزة، لما قال له الرجل: أتستهزئُ بي وأنت رب العالمين؟! -أي: أنت تعدني بكل هذا وأنت لا تعطيه، فإذا وعد الرجل أخاه ولم يعطه كأنما استهزأ به، يقول: أتستهزئُ بي وأنت ربُ العالمين؟ - فيضحك الله من قول العبدِ (أتستهزئُ بي؟!) فيقول له: أما إني لا أستهزئُ بك، ولكني على ما أشاء قادر، ادخل الجنة ولك عشرة أمثالها) إذا كان (مثل الدنيا) فقط كاد أن يطير رأسك من عدم التصديق، فأنا أتحفك بعشرة أمثالها، فلو جاز أن نقول: إن في الجنة فقيراً لكان أفقر رجل في الجنة له مثل الدنيا عشرة أمثالها. فأنت أيها الإنسان تعيش خمساً وعشرين سنة، ولن تكون أغنى الناس، ولن تكون أقوى الناس، ولن تكون أترف الناس، ولو سلمنا أنك ملك الناس في الدنيا، وأغنى وأترف الناس، فما هي إلا خمسة وعشرون سنة فقط، ولذلك قال الله لأمثال هؤلاء: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨] (قليلاً)؛ لأنه عندما يعيش لا يحاسب عن ستين سنة، إنما يحاسب عن خمس وعشرين سنة فقط ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، نسأل الله ﵎ أن يعيذنا وإياكم منها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 843

ثبات العبد عند السؤال في القبر على قدر تمسكه بالحق في الدنيا الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أول عقبة كئود تعترض الرجل بعد موته وبعد دفنه هو السؤال، إذا أحب الله عبداً ألهمه الإجابة: - من ربك؟ - ربي الله. - ما دينك؟ - ديني الإسلام. - ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ - هو محمد ﵌. بعض الناس قد يجيبُ صواباً ولكنه لا يعتقده، يعني تأتي معه المسألة هكذا، أحياناً يأتي للمرء سؤال فيجيب إجابةً سديدةً بغير أن يعرف أن هذه هي الإجابة السديدة، فالناس مؤمنٌ كامل الإيمان هذا يجيب، وكافرٌ لا يجيب، وبين بين، والإشكال في هذا الصنف الأخير، إذا سئل هذه الأسئلة الثلاثة وأجاب إجابةً صحيحة فهل تظنون أنه سلم له؟ ليت الأمر كان كذلك، لكن الأمر ليس كذلك، إن الملكان يشككانه في الجواب، وينتهرانه أشد الانتهار، وقد ورد في بعض الأحاديث: (أن ملكي الموت أصواتهما كالرعد القاصف، وعيونهما كالبرق الخاطف) وهذا عبد ضعيف أمام هذه القوة الهائلة، فينتهرانه ويصرخان فيه، ويعيدان الأسئلة مرةً أخرى، فاليقين الذي لم يتحقق بـ (لا إله إلا الله) في الدنيا لن يكون موجوداً في تلك اللحظة، فيقول العبد في نفسه: إذا كانت الإجابة صحيحة لم ينتهرني الملكان؟! أكيد أنني أجبت خطأً، فيبدل الجواب وهذه هي الفتنة العظيمة التي بكى الصحابة لها، حتى إن أسماء بنت أبي بكر ﵂ لما روت هذا الحديث قالت: فلم أسمع كلام النبي ﵌ من نحيب الصحابة، لما قال لهم: (إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال) لم تستطع أسماء أن تسمع بقية الكلام قالت: فقلت لرجلٍ بجانبي: ماذا قال؟ فقال: إنه يقول: (إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال) أتعرف فتنة الدجال؟ إنها باختصار كما قال عنها النبي ﵌: (ما بين آدم إلى قيام الساعة لا توجد فتنة كفتنة الدجال). رجل معه جنةٌ ونار، فجنته نارٌ، وناره جنة، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تخرج كنوزها فتتبعه كيعاسيب النحل، ويأتي على الرجل فيقطعه إرباً إرباً، ثم يقول له: قم؛ فيتهلل ضاحكاً! أضف إلى ذلك أنه كلما اقتربنا من الساعة كلما غابت علوم النبوة، يظهر الجهل ويقل العلم، فتصور أناساً جهلة وأتتهم هذه الفتنة! أنا أعرف أناساً افتتنوا برجلٍ كان يستعين بالجن، فظنوا أن هذا الرجل على كل شيءٍ قدير، وسلموا له كل شيء، وهذا مذكور، وما جند له الجن إلا بعدما فتن وخرج من دينه، فتصور ظهور الدجال ومعه كل هذه الإمكانات، ثم لا يكون عند الناس من العلم والإيمان ما يعصمهم من هذه الفتنة، فيتبعه أكثر الناس ويظنونه إلهاً، لما يملك من هذه السنن الخارقة، فما يتعرض العبد له في قبره كمثل فتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال، فالصحابة خافوا على أنفسهم حين سمعوا هذا الوصف لفتنة القبر، فحينئذٍ أنزل الله قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] (في الآخرة): أي في القبر، إذا انتهره الملكان وشددا عليه لا يغير جوابه، بل يعيد الجواب السديد مرةً أخرى، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] عنها، لا يقولونها أبداً؛ لأنهم لم يعملوا بمقتضاها في الدنيا ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ثم يخرج العبد في قبره يوم العرض وقد غضب الله غضباً شديداً حتى خاف الأنبياء على أنفسهم، ورفضوا الشفاعة لأقوامهم، كل نبي يسأل الشفاعة، فيقول: نفسي نفسي، إن الله غضب اليوم غضباً ما غضبه قط، ولا يغضب بعده مثله قط، فجاءه كل إنسانٍ بعذره ووزره جاءه الذين قال بعضهم: أنا ربكم الأعلى كفرعون، وكل نفسٍ فيها داعية الربوبية، لو أمكن للإنسان أن يقول: أنا ربكم الأعلى؛ لقالها، لكن فرعون قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر، لو أمكن الإنسان أن يستعلي لاستعلى، لا يحجبه إلا الإيمان، وإلا فكل نفس فيها داعية الألوهية وداعية الربوبية كفرعون تماماً، فجاءه كل هؤلاء بعدما صبر الله عليهم كما قال النبي ﷺ : (ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله) لو أن بعضنا تعرض لسماع جزءٍ يسيرٍ مما يسمعه الله القادر لما تحمل. إنهم ليدعون أن له ولداً، وأنه لا يحيي الموتى، وأنه لا يرزقهم ويعافيهم، فالله يكون غاضباً في ذلك اليوم حتى يقنط الرسل ويخافون من مواجهته، ولا يصبر على ذلك إلا من مكنه الله وهو نبينا ﵊، ويقف العبد خمسين ألف سنة على قدمه، ينظر إلى العباد يساق ببعضهم إلى النار ويساق ببعضهم إلى الجنة، والهمُّ يقتله: ترى من أي طريق يساق؟ فهو ينتظر دوره على مدى خمسين ألف سنة، ثم بعد ذلك يسحب إلى الجحيم. كل هذا مقابل خمسة وعشرين سنة فقط يعيشها الإنسان في الدنيا؟! أهذه هي دراسة الجدوى أيها التجار؟! إن التاجر لو دخل السوق فخسر درهماً واحداً لكان عليه حزيناً! أهذه هي دراسة الجدوى؟! أهوال قادمة بخمسة وعشرين عاماً فقط يعيشها المرء، تمر كأنها أضغاث أحلام، فقد آن لنا أن نرجع إلى الله ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]؟! نسأل الله ﵎ أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يتوب علينا وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 844

صدق محبة الرسول أسباب انهيار الكيان الإسلامي كثيرة، وأهمها سببان: فالسبب الأول: هو عدم صدق محبة النبي ﷺ في قلوب كثير من المسلمين. والسبب الثاني: هو أننا ورثنا الكتاب ولم نقاتل عليه ونتعب لأجله. والمراد من إيراد هذين السببين يتضح بالنظر في أخبار الصحابة وصدقهم في محبة النبي ﷺ والدفاع عن كتاب الله.

стр. 845

انهيار الكيان الإسلامي إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. فإن دخول الذي يمكر في كيان الأمة المسلمة يجب أن يلقى منها تشخيصاً دقيقاً وأميناً، والذي يخفف من المصائب التي تنزل على العالم الإسلامي لا يكون أميناً ولا صادقاً عندما يبين أن الأمة كلها بخير، وفي اعتقادي أن الأسباب التي أدت إلى الانهيار في بعض جوانب الكيان الإسلامي هي كثيرة، لكنني أتناول شيئين هما لب هذه الأسباب كلها: السبب الأول: عدم صدق المحبة عند جماهير المسلمين للنبي ﵌ وإن تبجح بها كثيرون؛ فإن أكثر أهل الأرض أدعياء، وهذا هو الذي يُفرِق بين جماهير المسلمين في القرون المتأخرة، وبين جماهيرهم في القرون الفاضلة الأولى. السبب الثاني: أننا ورثنا الكتاب، ولا شك أن الذي يرث الشيء لا يكون حريصاً عليه كالذي قاتل دونه، كما قال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] وليته إذ أخذ عرض هذا الأدنى أحس بأنه مجرم، لكن يقول: سيغفر لنا، فيفعل هذا الفعل الجسيم، ويقول: سيغفر لنا، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] مثل هؤلاء لا يرجعون؛ لأن مثل هذا يعتقد أنه يحسن، فإن أردت أن ترجعه فأنت سترجعه عن الإحسان في نظره فيستحيل أن يرجع، لذلك كان هذا النمط من الأخسرين، أي: لا خسران بعد هذا الخسران المبين.
следующие страницы →