← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

كم من حسرات في بطون المقابر من المعروف أن القبر هو أول منازل الآخرة، وهذه الخمسة وعشرون سنة! تعد (تأهيلة) فبعض الناس يقضي خمسة وعشرين عاماً في السجن على ظهر الحياة، ثم يخرج ليستأنف حياته من جديد. أين الذين ماتوا من عهد عاد؟ عشرات القرون ومئات القرون مرت على أناس يعذبون، وهم في أول منازل الآخرة، وتلك الأعوام لا تقاس بخمسة وعشرين عاماً فقط من الحياة على الأرض؟! فما أشد غربة المفقود إذا لم يكن له زاد يتزود به. وآية ذلك تصور أنك في غرفة بمفردك ولا أقول: تحاسب أو تعذب أو تؤاخذ، فلا أحد يطرق عليك الباب، ولا أحد يتصل بك، ولا أحد يكلمك، وظللت على هذا مائة عام، أضف إلى ذلك أن الإنسان جبل على حب الخلطة، فإذا لم يكن له أنيس من نفسه وصبّر نفسه ووطّنها على ذلك فإنه يصاب بالملل والضجر، وإنما سمي الإنسان إنساناً لأنه يأنس، وتأمل قول الله : ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] إذا انقطع عنك حبل أهلك، وحبل ولدك؛ شعرت بحجم الغربة، فهذا الميت يا له من غريب! كم من حسرات في بطون المقابر!! لو أذن لكل ميت أن يتكلم لقال: أهلكتني (سوف) و (السين) سأتوب سوف أتوب سأتصدق سوف أتصدق، سأصلي سوف أصلي وهكذا. مات كثير من الناس ولم يحققوا أمنياتهم، فمات وفي نفسه غصة، لكنه بكى سنين عدداً يؤاخذ على خمسة وعشرين سنة، والنبي ﷺ أعلمنا ما يستقبلنا إذا مات الإنسان. قال ﷺ : (إن الميت ليسمع وقع نعالهم إذا انصرفوا عنه) وتأمل! رجل صار فريداً يسمع وقع نعال ذويه وهم يغادرونه ويتركونه، ويسأل السؤال المعتاد الذي أعلمنا به النبي ﷺ ، ثلاثة أسئلة هي محصلة خمسة وعشرين سنة: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ لقد ظل حياته كلها لا يفكر في الإجابة عن هذه الأسئلة، والعجيب أنه في ساحة العرض، وإذا بعث العباد جميعاً، وخافوا جميعاً، يقول بعضهم لبعض: ألا منقذ ينقذنا مما نحن فيه؟ فقال بعضهم لبعضٍ: هلم إلى الأنبياء سبحان الله! ألم تر إلى هذا اللؤم؟ تذهب للنبي الآن تريد شفاعته، وقد ظللت طيلة حياتك لا تعرج على سنته، وتكتب ضد الذين يلتزمون بسنته، وتحيك المؤامرات ضد هؤلاء الذين يقتدون بسنته! تريد شفاعته الآن؟! هذه هي طبيعة اللئيم. يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١] أيها المرتشي الذي ارتشيت: لماذا قبلت الرشوة؟ يقول: أطعم أولادي؟ لماذا تاجرت بالمحرمات؟ يقول: لأولادي. فلماذا تضحي بولدك الآن؟ أنت لا تعرضه لشيء يسير، أنت تعرضه لنار جهنم، التي قال النبي ﵌ فيها: (يؤتى بأنعم أهل الأرض -الذي ما ذاق بؤساً قط، ولا مرضاً قط، وكان سيداً مطاعاً، تعقد عليه الخناصر، يؤتى بهذا الرجل- فيغمس في النار غمسةً واحدة فقط ثم يخرج، فيقال له: هل مر بك نعيم قط -أرأيت في حياتك كلها يوم راحة-؟ يقول: لا، وعزتك ما مر بي نعيم قط) فكيف إذا كان من الكافرين؟! وهذه ما هي إلا غمسةٌ واحدة فقط، فما بالك الآن أيها المجرم تعرض ولدك لدخول النار، ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج:١١]، قال: رب! إذا لم يكف ولدي ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾ [المعارج:١٢] خذوا امرأتي وخذوا أخي، وإذا لم يكف ولدي ولا امرأتي ولا أخي ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ﴾ [المعارج:١٣] خذوا الأسرة بكاملها، وإذا لم تكف الأسرة بكاملها، ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المعارج:١٤] اطرحهم جميعاً في جهنم، المهم أن أنجو أنا. فانظر إلى الأنانية! هل الأنانية لم تكن موجودةً عنده؟ بلى كانت موجودةً في الدنيا لكن لم يظهر مقتضاها، بدليل أن هذا الإنسان لو وقف رجلٌ أمامه لداسه، وكل إنسان عنده نموذج من الغبن وقلة الوفاء، لكن لم يظهر مقتضى لهذا المجرم حتى يضحي هذه التضحية، لكن لها ثمرة في الآخرة، والله ﵎ يقول عن هذا اليوم العظيم ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٤].

стр. 842

كيف تعد للسؤال جواباً ؟ إن حياتك الحقيقية إنما هي في طاعتك لله ، كل دقيقة تمضي بغير ذكر فإنها خسارةٌ على العبد، ألزم نفسك في هذه اللحظات بما يقربك إلى الله ، من ذكرٍ أو تأملٍ، أو أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكر، أو سدّ حاجة إنسان، أو تعليم جاهل، لا تضيع لحظاتك؛ فإن اللحظات هي العمر، وقد علمنا أن خمسة وعشرين عاماً فقط يسأل العبد فيها: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ بعض الناس يتصور أنه يستطيع أن يقولها، لأنها كلمة مذللة وسهلة، ولكن هذه الكلمة هي التي عناها الله بقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، هذه التربة شربت من دماء الأبرار بسبب هذه الكلمة، الذين ماتوا وضحوا وجاهدوا وتعرضوا للرهق بسبب هذه الكلمة، فهي ثقيلةٌ جداً، ولو كانت خفيفة ما أعرض عنها أكثر العباد؛ لأن لها تبعات، إنها تجعل المرء غريباً في أهله، تفقده الأنيس وهو حي في أهله، ولذلك سماها الله أمانة، وهذا يعني أن الذي لم يأت بها خائن لميثاق العبودية الذي أخذه الله على العبد يوم خلقه، كما قال ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] فقال لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، فإنما أخذ الله شهادة المرء على نفسه حتى لا تكون له حجة، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٩]. ولذلك سيأتي المجرم الأحمق يوم القيامة، الذي أغلق على نفسه الباب وهو يفعل المعصية، وظن أن الله لا يعلم كثيراً مما يفعل، فجاء يوم القيامة وقد ظن أنه بعدما استتر أن لا حجة عليه، فلما وقف أمام الله ليحاسبه قال العبد الأحمق مبادراً ربه: رب! ألم تجرني من الظلم؟ قال: بلى. قال: فإني لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي. لأنه لما فعل المعصية كان وحده، وهو يظن أن الله لا يستطيع أن يقيم عليه الحجة، لذلك بادر الله بهذا القول. فقال الله : لك ذلك، وختم على فمه، فنطقت يده، ونطقت رجلاه، ونطق فخذه بما كان يعمل، فقال: تباً لكُن، فعنكن كنت أجادل وأدافع ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩]. فكلمة التوحيد بتكاليفها أمانة، فلم تفرط وأنت على ربك قادم؟؟ الله هو الملجأ لعباده، فلا يكون الفرار منه إلا إليه. إنك إذا خفت ظالماً فررت إلى من يمنعك منه، لكن الله لا يُفرُ منه إلا إليه، فهو الذي قد أحاط بك، وأحكم قبضته عليك، وأنت تعلم أنك إليه راجع، فلماذا التمادي في العصيان وأنت ترجع إلى ربٍ غفورٍ ودود؟! وتأمل -أيها المسلم- هذا الحديث الرائع الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁، لتعلم قدر رحمة ربك، قال ﵌: (آخر رجلٍ يخرج من النار ويدخل الجنة رجلٌ يمشي مرة، ويحبو مرة -أي: ينكفئ على وجهه مرة- وتلفحه النار مرة، فهو ينادي ربه ويستغيث به، قائلاً: رب قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها، فأخرجني منها. فيقول الله له: لئن أخرجتك من النار تعاهدني على ألا تسألني شيئاً بعد ذلك؟ فيقول: وعزتك لا أسألك غيرها، فيخرجه من النار، فما إن خرج حتى التفت إليها وقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئاً ما أعطاه أحداً من العالمين، فرفعت له شجرة) الحديث. أنت في اليوم الشديد الحر تأوي إلى الظل، وتشعر بقيمة هذا الظل في الحر، فما بالك بمجرم خارج من النار أعاذنا الله وإياكم منها، فإن أعظم يوم حر على وجه الأرض قال النبي ﵌ عنه (هو نفس من جهنم) لأن جهنم اشتكت إلى ربها، قالت: رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين، مثل القدر الذي يغلي، فأنت تجعل فيه ثقباً حتى لا ينفجر القدر من البخار، فالنار يأكل بعضها بعضاً، فاشتكت إلى الله، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، قال ﵊: (فنفس الصيف هو أشد ما تجدونه من الحر، ونفس الشتاء هو أشد ما تجدونه من البرد) فالرجل خرج من النار ووجد شجرة، فلما رآها ما أطاق ولا تحمل، فنسي العهد الذي أعطاه ربه منذُ قليل، (وقال: رب! أدنني من هذه الشجرة، لأستظل بظلها، وأشرب من مائها. فقال الله : ما أغدرك يا ابن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني شيئاً بعد ذلك؟! وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيقول له: لئن أدنيتك من هذه الشجرة تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟ فيقول: إيه، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه من الشجرة)، فيشعر بالبرد، ويشرب من الماء البارد الذي حرم أهل النار منه؛ لأن الماء الساخن لا يروي، ولذلك كان النبي ﵌ يقول: (اللهم اجعل حبك أحب إلي من الماء البارد) ولا يطلب أن يكون حب الله أحب إليه من شيء إلا لأنه أعظم شيء، الماء الساخن لا يروي أبداً، فكيف إذا كان ماءً مغلياً؟ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥]، فكان هذا الرجل محروماً من نعمة الماء البارد، فأول ما رأى؛ عين ماءٍ تجري، ورأى ظلاً وارفاً لم يحتمل، ونقض العهد والميثاق، فأدناه الله من الشجرة (فاستظل بظلها وشرب من مائها، ولكن سرعان ما رفع إليه شجرة هي أعظم من الأولى، فنسي الرجل -أيضاً- العهد والميثاق، وقال: رب! أدنني من هذه الشجرة، لأستظل بظلها وأشرب من مائها. فقال الله له: ما أغدرك يا بن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني عن شيئاً بعد ذلك، وربه يعذره)، وتأمل هذه الكلمة! بعد كل نقض يقول: (وربه يعذره!) كذلك لو نقض العبد العهد والميثاق في الدنيا ومضى في غيه وضلاله سنين عدداً، واعتذر إلى الله ورجع لعذره الله؛ لأنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، لذلك أرسل الرسل حتى يعذر الناس. فقال: ما أغدرك يا ابن آدم! أولم تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟! وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فقال الله له: عبدي! لئن أدنيتك من هذه الشجرة تعاهدني على ألا تسألني عن شيء بعد ذلك؟ يقول: إيه، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه من الشجرة، ثم يفتح له باب إلى الجنة، وإذا المؤمنون يتضاحكون ويسامر بعضهم بعضاً، والرجل وحيد، فيريد أن يدخل الجنة، لكنه تذكر أنه نقض العهد مرتين فسكت، لكن غلبه ما يجد ولم يتحمل، فنقض العهد، وقال: (رب! أدخلني الجنة، فإنه لا يضرك. فقال الله : ادخل الجنة، ولك مثل الدنيا). فالرجل أول ما سمع كلمة (مثل الدنيا) لم يصدق، فكأنه يقول بلسان الحال: وأنا ظللت طيلة حياتي أكافح لتوفير راتب هزيل آكل به أنا وعيالي، ومضيت من الدنيا ولم أتمتع بأسهل متعها!! لم يصدق الرجل، كيف امتدت عينه إلى نعمٍ أنعم الله بها على أناس، لعل الله نهاه ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١] وسماها زهرة؛ لأن عمر الزهور قليل، لا روح للزهور، لو تركتها ساعتين لذبلت، ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] فكيف أمَّل؟ وكم أرسل قلبه إلى نعم، ومضى من الدنيا ولم يتمتع بأكثرها! وإذا به الآن يسمع أن له مثل الدنيا!! لذلك لم يصدق، فلما قال النبي ﵌ ذلك ضحك، فقال لأصحابه: (ألا تسألوني مم أضحك؟ قالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك من ضحك رب العزة، لما قال له الرجل: أتستهزئُ بي وأنت رب العالمين؟! -أي: أنت تعدني بكل هذا وأنت لا تعطيه، فإذا وعد الرجل أخاه ولم يعطه كأنما استهزأ به، يقول: أتستهزئُ بي وأنت ربُ العالمين؟ - فيضحك الله من قول العبدِ (أتستهزئُ بي؟!) فيقول له: أما إني لا أستهزئُ بك، ولكني على ما أشاء قادر، ادخل الجنة ولك عشرة أمثالها) إذا كان (مثل الدنيا) فقط كاد أن يطير رأسك من عدم التصديق، فأنا أتحفك بعشرة أمثالها، فلو جاز أن نقول: إن في الجنة فقيراً لكان أفقر رجل في الجنة له مثل الدنيا عشرة أمثالها. فأنت أيها الإنسان تعيش خمساً وعشرين سنة، ولن تكون أغنى الناس، ولن تكون أقوى الناس، ولن تكون أترف الناس، ولو سلمنا أنك ملك الناس في الدنيا، وأغنى وأترف الناس، فما هي إلا خمسة وعشرون سنة فقط، ولذلك قال الله لأمثال هؤلاء: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨] (قليلاً)؛ لأنه عندما يعيش لا يحاسب عن ستين سنة، إنما يحاسب عن خمس وعشرين سنة فقط ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، نسأل الله ﵎ أن يعيذنا وإياكم منها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 843

ثبات العبد عند السؤال في القبر على قدر تمسكه بالحق في الدنيا الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أول عقبة كئود تعترض الرجل بعد موته وبعد دفنه هو السؤال، إذا أحب الله عبداً ألهمه الإجابة: - من ربك؟ - ربي الله. - ما دينك؟ - ديني الإسلام. - ما تقول في الرجل المبعوث فيكم؟ - هو محمد ﵌. بعض الناس قد يجيبُ صواباً ولكنه لا يعتقده، يعني تأتي معه المسألة هكذا، أحياناً يأتي للمرء سؤال فيجيب إجابةً سديدةً بغير أن يعرف أن هذه هي الإجابة السديدة، فالناس مؤمنٌ كامل الإيمان هذا يجيب، وكافرٌ لا يجيب، وبين بين، والإشكال في هذا الصنف الأخير، إذا سئل هذه الأسئلة الثلاثة وأجاب إجابةً صحيحة فهل تظنون أنه سلم له؟ ليت الأمر كان كذلك، لكن الأمر ليس كذلك، إن الملكان يشككانه في الجواب، وينتهرانه أشد الانتهار، وقد ورد في بعض الأحاديث: (أن ملكي الموت أصواتهما كالرعد القاصف، وعيونهما كالبرق الخاطف) وهذا عبد ضعيف أمام هذه القوة الهائلة، فينتهرانه ويصرخان فيه، ويعيدان الأسئلة مرةً أخرى، فاليقين الذي لم يتحقق بـ (لا إله إلا الله) في الدنيا لن يكون موجوداً في تلك اللحظة، فيقول العبد في نفسه: إذا كانت الإجابة صحيحة لم ينتهرني الملكان؟! أكيد أنني أجبت خطأً، فيبدل الجواب وهذه هي الفتنة العظيمة التي بكى الصحابة لها، حتى إن أسماء بنت أبي بكر ﵂ لما روت هذا الحديث قالت: فلم أسمع كلام النبي ﵌ من نحيب الصحابة، لما قال لهم: (إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال) لم تستطع أسماء أن تسمع بقية الكلام قالت: فقلت لرجلٍ بجانبي: ماذا قال؟ فقال: إنه يقول: (إنكم تفتنون في قبوركم كفتنة الدجال، أو قريباً من فتنة الدجال) أتعرف فتنة الدجال؟ إنها باختصار كما قال عنها النبي ﵌: (ما بين آدم إلى قيام الساعة لا توجد فتنة كفتنة الدجال). رجل معه جنةٌ ونار، فجنته نارٌ، وناره جنة، يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تخرج كنوزها فتتبعه كيعاسيب النحل، ويأتي على الرجل فيقطعه إرباً إرباً، ثم يقول له: قم؛ فيتهلل ضاحكاً! أضف إلى ذلك أنه كلما اقتربنا من الساعة كلما غابت علوم النبوة، يظهر الجهل ويقل العلم، فتصور أناساً جهلة وأتتهم هذه الفتنة! أنا أعرف أناساً افتتنوا برجلٍ كان يستعين بالجن، فظنوا أن هذا الرجل على كل شيءٍ قدير، وسلموا له كل شيء، وهذا مذكور، وما جند له الجن إلا بعدما فتن وخرج من دينه، فتصور ظهور الدجال ومعه كل هذه الإمكانات، ثم لا يكون عند الناس من العلم والإيمان ما يعصمهم من هذه الفتنة، فيتبعه أكثر الناس ويظنونه إلهاً، لما يملك من هذه السنن الخارقة، فما يتعرض العبد له في قبره كمثل فتنة الدجال أو قريباً من فتنة الدجال، فالصحابة خافوا على أنفسهم حين سمعوا هذا الوصف لفتنة القبر، فحينئذٍ أنزل الله قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] (في الآخرة): أي في القبر، إذا انتهره الملكان وشددا عليه لا يغير جوابه، بل يعيد الجواب السديد مرةً أخرى، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم:٢٧] عنها، لا يقولونها أبداً؛ لأنهم لم يعملوا بمقتضاها في الدنيا ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. ثم يخرج العبد في قبره يوم العرض وقد غضب الله غضباً شديداً حتى خاف الأنبياء على أنفسهم، ورفضوا الشفاعة لأقوامهم، كل نبي يسأل الشفاعة، فيقول: نفسي نفسي، إن الله غضب اليوم غضباً ما غضبه قط، ولا يغضب بعده مثله قط، فجاءه كل إنسانٍ بعذره ووزره جاءه الذين قال بعضهم: أنا ربكم الأعلى كفرعون، وكل نفسٍ فيها داعية الربوبية، لو أمكن للإنسان أن يقول: أنا ربكم الأعلى؛ لقالها، لكن فرعون قدر فأظهر، وغيره عجز فأضمر، لو أمكن الإنسان أن يستعلي لاستعلى، لا يحجبه إلا الإيمان، وإلا فكل نفس فيها داعية الألوهية وداعية الربوبية كفرعون تماماً، فجاءه كل هؤلاء بعدما صبر الله عليهم كما قال النبي ﷺ : (ما أحدٌ أصبر على أذى سمعه من الله) لو أن بعضنا تعرض لسماع جزءٍ يسيرٍ مما يسمعه الله القادر لما تحمل. إنهم ليدعون أن له ولداً، وأنه لا يحيي الموتى، وأنه لا يرزقهم ويعافيهم، فالله يكون غاضباً في ذلك اليوم حتى يقنط الرسل ويخافون من مواجهته، ولا يصبر على ذلك إلا من مكنه الله وهو نبينا ﵊، ويقف العبد خمسين ألف سنة على قدمه، ينظر إلى العباد يساق ببعضهم إلى النار ويساق ببعضهم إلى الجنة، والهمُّ يقتله: ترى من أي طريق يساق؟ فهو ينتظر دوره على مدى خمسين ألف سنة، ثم بعد ذلك يسحب إلى الجحيم. كل هذا مقابل خمسة وعشرين سنة فقط يعيشها الإنسان في الدنيا؟! أهذه هي دراسة الجدوى أيها التجار؟! إن التاجر لو دخل السوق فخسر درهماً واحداً لكان عليه حزيناً! أهذه هي دراسة الجدوى؟! أهوال قادمة بخمسة وعشرين عاماً فقط يعيشها المرء، تمر كأنها أضغاث أحلام، فقد آن لنا أن نرجع إلى الله ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]؟! نسأل الله ﵎ أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يتوب علينا وأن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يجزينا بأحسن الذي كنا نعمل. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 844

صدق محبة الرسول أسباب انهيار الكيان الإسلامي كثيرة، وأهمها سببان: فالسبب الأول: هو عدم صدق محبة النبي ﷺ في قلوب كثير من المسلمين. والسبب الثاني: هو أننا ورثنا الكتاب ولم نقاتل عليه ونتعب لأجله. والمراد من إيراد هذين السببين يتضح بالنظر في أخبار الصحابة وصدقهم في محبة النبي ﷺ والدفاع عن كتاب الله.

стр. 845

انهيار الكيان الإسلامي إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمدٍ ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. فإن دخول الذي يمكر في كيان الأمة المسلمة يجب أن يلقى منها تشخيصاً دقيقاً وأميناً، والذي يخفف من المصائب التي تنزل على العالم الإسلامي لا يكون أميناً ولا صادقاً عندما يبين أن الأمة كلها بخير، وفي اعتقادي أن الأسباب التي أدت إلى الانهيار في بعض جوانب الكيان الإسلامي هي كثيرة، لكنني أتناول شيئين هما لب هذه الأسباب كلها: السبب الأول: عدم صدق المحبة عند جماهير المسلمين للنبي ﵌ وإن تبجح بها كثيرون؛ فإن أكثر أهل الأرض أدعياء، وهذا هو الذي يُفرِق بين جماهير المسلمين في القرون المتأخرة، وبين جماهيرهم في القرون الفاضلة الأولى. السبب الثاني: أننا ورثنا الكتاب، ولا شك أن الذي يرث الشيء لا يكون حريصاً عليه كالذي قاتل دونه، كما قال الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ [الأعراف:١٦٩] وليته إذ أخذ عرض هذا الأدنى أحس بأنه مجرم، لكن يقول: سيغفر لنا، فيفعل هذا الفعل الجسيم، ويقول: سيغفر لنا، ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤] مثل هؤلاء لا يرجعون؛ لأن مثل هذا يعتقد أنه يحسن، فإن أردت أن ترجعه فأنت سترجعه عن الإحسان في نظره فيستحيل أن يرجع، لذلك كان هذا النمط من الأخسرين، أي: لا خسران بعد هذا الخسران المبين.

стр. 846

دعوى محبة النبي ﷺ السبب الأول: هو عدم صدق المحبة للنبي ﵌، فضرب الأمثلة كافٍ لتوضيح المراد، إننا إذا تجاوزنا هذه السنين الطويلة، وذهبنا إلى خير القرون، وهو القرن الأول وجدنا أن الذي جعل هؤلاء الصحابة يستميتون في الذود عن حياض هذا الدين، هو هذه المحبة الصادقة للنبي ﵌ التي كانت في قلوبهم.

стр. 847

حنين الجذع للنبي ﷺ لما روى الحسن البصري حديث حنين الجذع، لما كان النبي ﵊ يخطب على جذع النخلة، فلما قالوا له: نصنع لك منبراً، قال: إن شئتم، فخطب على المنبر، قال جابر: (فسمعنا حنيناً للجذع كحنين الصبي). فقال الحسن: (يا معشر المسلمين! أيكون الجذع أشد حنيناً للنبي ﷺ منكم؟) خشبة تكون أكثر حنيناً للنبي ﷺ منكم، وذاك الذي أراد أن يرسل إلى من يحب شيئاً، فلم يجد، فبكى وأنشد قائلاً: أرسلت دمعي للحبيب هديةً ونصيب قلبي من هواه ضلوعه قال اجتهد فيما يلوح بقتلنا قلت ابتهج جهد المقل دموعه ما أستطيع أكثر من هذا.

стр. 848

سب النبي أو الرب أو الدين كفر إن محبة النبي ﷺ المحبة الصادقة يفتقدها المسلمون اليوم، لقد ذكر العلماء أن ساب النبي ﷺ يقتل ردةً لا حداً؛ لأن تعظيم النبي ﵊ لا يحتاج إلى علم، وتعظيم الله ﵎ لا يحتاج إلى علم، لذلك أفتى من أفتى من العلماء بأن الذي يسب دين الله كافر مرتد، مهما قال: أنا لا أقصد، أنا أهزل أنا غضبان، فلا يتصور أن محباً لدينه يسب ربه إذا غضب، فهذا غير معقول. وقد حكم الله ﵎ بالكفر على أمثال هؤلاء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]، فالمسألة هذه لا تحتاج إلى علم وتوقير النبي ﷺ ووجوب موالاته واتباعه لا يحتاج إلى علم، وتعظيم الرب ﵎ لا يحتاج إلى علم، لذلك حكموا أن الذي يسبه كافرٌ مرتد، إذ لا خير فيه. هذا هو الداء العضال الأول الذي تسبب في هذا الضياع الذي يعيشه المسلمون الآن، بعدهم وصدهم عن قول النبي ﷺ بضروب من التأويل البغيض الواهي، ما تقول له قولاً إلا وقال لك: يحتمل كذا، ويحتمل كذا، ويضيع دلالة الحديث باحتمالاته، وقد يكون المعنى واضحاً غاية الوضوح، وهذه شقاشق تلقفها من لا يحسن عن هؤلاء العلماء، فأخذوا أسباب الضياع، فتركوا الاتباع فضلاً عن هذه المحبة العظيمة التي يجب أن تكون في صدر كل مسلم للنبي ﵊.

стр. 849

تعظيم الصحابة للنبي ﷺ في صلح الحديبية في صحيح البخاري ومسلم من حديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه في حديث صلح الحديبية أن عروة بن مسعود الثقفي ذهب لقريشٍ، وقال لهم: (هل تخونوني؟ قالوا: لا. قال: أنتم مني بمنزلة الوالد، وأنا منكم بمنزلة الولد، دعوني آتيه ﷺ ، فقد عرض عليكم خطة رشد)؛ لأن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! ما تجيء لي قريش بخطة رشدٍ إلا قبلتها) فيقول عروة: دعوني آتيه فأسمع منه، فجاء عروة إلى النبي ﷺ فوجد الصحابة حوله، فقال: (يا محمد! لئن ظهرت على قومك -أي: انتصرت عليهم- فهل سمعت بأحدٍ اجتاح قومه قبلك؟) يعرض عليه الأمرين: حال انتصاره، وحال هزيمته، فيقول له: فرضنا أنه قام بينك وبين قريش حرب، وظهرت عليهم، وانتصرت، هل سمعت بأحد اجتاح قومه قبلك؟ (وإن كانت الأخرى -إن كان لابد من نشوب قتال- فلا أرى حولك إلا أوباشاً خليق أن يفروا ويدعوك -أي: إذا قامت الحرب- فسمع صوتاً من الخلف يقول له: أنحن نفر وندعه، امصص بظر اللات، فالتفت إلى هذا القائل، وقال: من هذا؟ فتبسم النبي ﷺ وقال: هذا ابن أبي قحافة أبو بكر، فالتفت إليه عروة وقال له -وتمعنوا لهذه الكلمة-: لولا أن لك عليَّ يداً في الجاهلية لأجبتك). الجاهليون يحفظون اليد، وكان يكلم النبي ﷺ ويمسك بلحيته، وكانت هذه عادة عند العرب أن الرجل إذا حدَّث جليسه يكثر من أن يمسك بلحيته، وهذه وإن كانت عند العرب عادة لكنها تضاد التوقير، فكان يقف شابٌ بسيفه على رأس النبي ﷺ ، فكلما مد عروة يده ضربه ذلك الشاب بذباب السيف، ويقول: (نحِ يدك عن لحية رسول الله ﷺ ، فلا يلبث عروة أن تغلبه العادة فيمس يد النبي ﵊، وإذا الواقف يعاجله بضربةٍ على يده، حتى قال له: (لئن مددت يدك لأقطعنها). وما عرفه لأنه يلبس اللثام، وكان هو المغيرة بن شعبة، وعروة بن مسعود عم المغيرة، ولمّا علم المغيرة أن عمه قادم ذهب فتلثم ووقف على رأس النبي ﵊، فلما أكثر من الضرب على يد عروة بن مسعود -وعروة يرى رجلاً ملثماً لا يعرف من هو- قال: (تنح عني، ما أظنك إلا رجل سوء -لكثرة ما يضرب يده بذباب السيف- من هذا الذي آذاني؟) فتبسم النبي ﷺ وقال (﴿هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة)، فالتفت إليه عروة، وقال له: (أي غُدر! ما زلت أسعى في غدرتك، وهل قد غسلت سوأتك إلا بالأمس؟). وكان المغيرة صاحب اثنا عشر رجلاً في الجاهلية، فلما شربوا الخمر قتلهم وأخذ أموالهم وذهب إلى النبي ﷺ مسلماً، فقدم له المال، فقال النبي ﷺ : (أما الإسلام فأقبله منك، وأما المال فلست منه في شيء، إنه أخذ غدراً) حتى لو كان من كافر، وأبى أن يأخذ المال، فلما وصل إلى القبائل أن المغيرة قتل رجالها كادت أن تقوم حربٌ بين القبائل، فقام عروة بن مسعود عم المغيرة وقال: أنا أدفع دية هؤلاء، فكفت الحرب، فيقول: (أي غدر! ما زلت أسعى في غدرتك -أي: أنا حتى الآن أدفع دية الذين قتلتهم وأخذت أموالهم- وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس -أي: عندما أسلمت-). فانظر حب المغيرة، يضرب عمه؛ لأنه يمس لحية النبي ﵊ وهي عادة، لكنها تضاد التوقير. وأخذ عروة يراقب أصحاب النبي ﵊ قال: (فوالله ما كان يتوضأ بماءٍ فيسقط على الأرض إلا يتقاتلون على ماء الوضوء، وما رأيت أحداً منهم يحد النظر إليه تعظيماً له، وإذا أمر امتثلوا أمره، وما يبصق بصاقاً فيقع في يد أحدهم إلا دلك به جلده، وما استطاع من بدنه) رأى هذه الصورة وكان قد حكم عليهم أنهم أوباش لا يستطيعون أن يثبتوا في الذود عن النبي ﷺ ، فقد رأى بأم عينيه، وظل يراقب وذهب إلى قريش، فقال لهم: (والله لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، ووالله ما رأيت أصحاب ملكٍ يعظمون ملكهم كتعظيم أصحاب محمدٍ محمداً، والله ما بصق بصاقاً فوقع في يد أحدهم إلا دلك به وجهه وجلده، وما توضأ بوضوءٍ إلا اقتتلوا عليه، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له، وإذا أمر يمتثلون أمره، وما أرى لكم قبلاً بهم). صورة عظيمة جداً لهؤلاء الصحابة دعاهم لها حب هذا النبي الكريم. المسئول عن هذا الضياع الذي يعيشه المسلمون الآن بكل صدق هو أن هذه المحبة غائبة مهما زعم الزاعمون أنهم يحبونه. لقد رأينا في سير المحبين عجباً! رأينا الرجل إذا أحب امرأةً تفانى في حبها، ولعلكم تذكرون قول القائل مجنون ليلى الذي أطلقوا عليه هذا اللقب، يقول: أمر على الديار ديار ليلى أُقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

стр. 850

موقف جابر مع النبي ﷺ في حفر الخندق في صحيح البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: (كنا نحفر الخندق فوقفت أمامنا صخرةٌ عظيمة، ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقاً -أي: لم يأكلوا شيئاً، وكانوا يستعينون بربط الحجر على البطن لتقليل حدة الجوع- قال: فذهبت إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! صخرةٌ عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام معي وأرى الجوع في وجهه، فأومأ بالمعول، وقال: باسم الله، وضربها ضربةً فكانت كثيباً أهيم -أي: صارت رملاً- قال: فاستأذنته أن أذهب إلى البيت، فذهب إلى امرأته، فقال لها: ماذا عندك من الطعام، فلقد رأيت شيئاً لا صبر لي عليه؛ رأيت الجوع بوجه النبي ﷺ أرجو أن تتذكر أن جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: ظللنا ثلاثة أيام ما ذقنا فيها ذواقاً، إذاً: هو جائعٌ أيضاً، لكن حبه للنبي ﵊ جعله يقدم حاجة النبي ﵊ على حاجته. قال: (لقد رأيت شيئاً ما لي به صبر؛ رأيت الجوع في وجه النبي ﷺ ، ماذا عندكِ من الطعام؟ قالت: ما عندي شيء، عندي عناق -جدي صغير-، وعندي صاعٌ من شعير، قال: فأخذ العناق فذبحه، وقال: اعجني هذا الصاع، قالت له: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، لكن ائتِ به وبنفر من أصحابه، فذهب جابر ونادى النبي ﵊ وقال له: كذا وكذا، عندنا عناق وصاع فقط من شعير، فإن شئت أن تأتي، ويأتي بعض أصحابك، قال جابر: وإذا بالنبي ﷺ يصرخ في أهل الخندق، يا أهل الخندق! هلموا قد صنع لكم جابر طعاماً، قال جابر: فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، ماذا أقول؟ فلما رجع إلى البيت ورأت امرأته هذا المنظر، قالت له: بك وبك، قال لها: قد قلت الذي أمرتني به، لكن النبي ﷺ صاح في أهل الخندق، قالت له: وهل أعلمته بما عندنا من الطعام؟ قال: نعم، قالت: فلا عليك، هو رسول الله ﷺ أدرى، قال النبي ﵊ لـ جابر -من فقهه-: فلا تضع اللحم على النار، ولا تدع امرأتك تخلط العجين حتى أجيء، وجاء النبي ﷺ ، قال: أين برمتكم؟ -فيها اللحم- فجيء بها، فبصق فيها وبارك، ثم قال: أين عجينكم؟ فجيء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا وتركوا وكانوا ألف رجل، وبقيت فضلة أهدينا منها لجيراننا، ووالله لقد انصرفوا والبرمة كما هي، والعجين كما هو). فانظر إلى جابر وإلى شفقته، يرى النبي ﷺ جائعاً فيحز في نفسه، فهل تتصورون أنه إذا سمع قولاً أو رأى فعلاً من النبي ﷺ أنه يخالف؟ أبداً. لقد رأينا عند علماء الأصول أن الفعل المجرد لا يقتضي الوجوب، بخلاف القول المجرد؛ فإن الأقوال المجردة تقتضي الوجوب، ما لم يكن هناك صارف، بخلاف الأفعال، فلا تقتضي الوجوب إلا بدليل خارجي. ومع ذلك رأينا الصحابة يتقَّفون أفعال النبي ﷺ التي لا تفيد الوجوب بمجردها فضلاً عن الأقوال، وهذا من شدة الحب، فهذا هو الاتباع الحقيقي، والاتباع فرع عن هذه المحبة، إذا أحببت النبي ﵊ بصدق وبكل قلبك يستحيل أن تدع اختياره لاختيارك أنت.

стр. 851

إجلال عمرو بن العاص للنبي ﷺ روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري ﵀، قال: (دخلنا على عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فحول وجهه إلى الجدار وجعل يبكي طويلاً، فجعل ابنه يقول: يا أبتِ، ألم يبشرك النبي ﵌ بكذا وكذا؟ يهدئ من روعه وبكائه، قال: فالتفت إلينا وقال: إن أفضل ما نعد لهذا اليوم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، لقد رأيتني على أطباق ثلاث -أي: على ثلاث مراحل من حياتي- لقد رأيتني وما أحدٌ أشد بغضاً للنبي ﵌ مني، ولا أحب إليّ من أن أكون استمكنت منه فقتلته، وإذا مت وأنا على هذه الحال لكنت من أهل النار، فلما أسلمتُ جئت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك فلأبايعك، قال: فبسط يده، قال: فقبضت يدي، فقال لي: مالك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أشترط أن يغفر لي، قال: يا عمرو، أو ما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، قال عمرو: فما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من النبي ﷺ ، ووالله ما كنت أستطيع أن أُحِد النظر إليه إجلالاً له، ولئن سألتموني أن أصفه لكم لما استطعت؛ لأنني ما كنت أطيق أن أُحِد النظر إليه تعظيماً له، فإن مت على هذه الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم حدثت أمور وولينا أشياء يغفر الله لنا) فساق وصيته عند الموت. فتنظر إليه وهو يقول: (ما كنت أستطيع أن أحد النظر إليه إجلالاً له) من هيبته، ومن تعظيم عمرو بن العاص له ﵌، ما كان يستطيع أن يملأ عينيه منه، فهل يتصور من مثل هذا إذا سمع قولاً للنبي ﷺ أو رآه يفعل فعلاً أن يخالفه؟ أبداً.

стр. 852

موقف ابن عمر من ابنه حين اعترض على السنة ابن عمر ﵄ وأين في الناس ابن عمر؟ لما حدَّث عن النبي ﷺ حديثاً كما في صحيح مسلم، فقال: سمعت النبي ﵌ يقول: (إذا استأذنت امرأة أحدكم أن تذهب إلى المسجد فلا يمنعها)، فقال أحد أبنائه: (لنمنعهن، يتخذنه زغلاً) والزغل هو: المكان المرتفع من الدار، يريد أن يقول: لنمنعهن؛ لأن المرأة إذا أرادت أن تقضي حاجتها احتجت بأنها تريد الذهاب إلى المسجد، فاستعظم ابن عمر أن يعارض قول النبي ﵊ ولو بتأويل، فرماه بحصيات وطرده في آخر الليل، ولم يدخل عليه حتى مات؛ لأنه فقط عارض؛ لأن النبي ﷺ كان عندهم أعظم من أن يعارض كلامه بمثل هذه المعارضة. هذه هي البركة التي رفعت هؤلاء الناس ومن ذكرت من قبل.

стр. 853

ضياع محبة النبي ﷺ على المستوى الإعلامي إن النكوص عن المحبة في صدور كثير من المسلمين هو المسئول عن هذا الضياع الذي يعانيه المسلمون الآن، منذ عدة أشهر قرأت في صحيفة الأخبار عموداً في غاية العجب، وهو أن بعض الناس ألف كتاباً أسماه: (فنانات تائبات)، وسرد قصص بعض الفنانات اللواتي اعتزلن الفن ولماذا اعتزلن؟ وأراد أن ينشر إعلاناً لهذا الكتاب في التلفاز وفي بعض الصحف الرسمية، فأبوا عليه إلا أن يغير العنوان؛ لأن معنى هذا العنوان أن الفنانات الموجودات عاصيات، وهذا جرحٌ لشعورهن، فقالوا: إذا أردت أن يُنشر الكتاب غيِّر العنوان، بينما نشر أحد الرسامين المتهتكين الذين أهلكهم الله صوراً -وأنا أقولها بمرارة كبيرة- لديك وتسع دجاجات، أظنكم فهمتم من المقصود، أغبى الناس الذي ليس له إدراك يعلم من المقصود بالصورة، فكيف إذا كان التعليق أسفل الصورة، (محمد جمعة وزوجاته التسع) كيف مرر رئيس التحرير هذه الصورة الجارحة لمشاعر ملايين المسلمين، وهنا رفضوا نشر الكتاب الذي يجرح مشاعر من لا قيمة لهن، ملئت البلاد بالفساد العريض، فعبارة (محمد جمعة وزوجاته التسع) هذه عبارة لا تحتاج إلى تأويل، ولا إلى دلالة مفهوم؛ لأنها واضحة، فكيف مرت عليهم؟ وفي عنوان الكتاب تعدوا دلالة المنطوق إلى دلالة المفهوم وأن قوله: (فنانات تائبات) معناه: أن اللاتي لا زلن في الفن عاصيات، كيف فهموا هذا؟ ولم يسمحوا أن يمرروه، وهناك عشرات الرسوم التي تطعن في دين الإسلام، ففي مجلة صلاح الدين رسام يرسم ناراً وكتب فوقها: (جهنم الحمراء) ورسم جماعة من الناس في الزاوية يصرخون ويرفعون أيديهم، وفي الزاوية الأخرى شخص عنده مروحة ويبتسم ابتسامة لذيذة تنم عن سعادة ورضا -هذا في جهنم الحمراء! - وكتب تحتها (مرسي)، أليس هذا طعنٌ في الله ﵎؟! إذا أراد الله أن يرحم أحداً لا يُسأل عما يفعل، لكن أن يضعهم في النار ويضع المروحة!! هل هذا الكلام معقول، معقول أن تمرر هذه الرسوم التي تجرح ملايين المسلمين ولا تنم عن أية صلة بهذا الدين. إن الله ﵎ يعاقب الأمة كلها إذا لم تضرب على أيدي سفهائها، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥] على أحد معاني الآية: لا تصيبن الذين ظلموا فقط، إنما تصيب أيضاً الذين سكتوا على الذين ظلموا ولم يأخذوا على أيديهم. فأين محبة النبي ﵌ على المستوى الإعلامي، وأين توجد؟

стр. 854

قصة أبي أيوب مع النبي ﷺ عندما دخل النبي ﵌ المدينة مهاجراً؛ فإنه نزل في دار أبي أيوب الأنصاري ﵁، وهذه القصة في صحيح مسلم، وكان لدار أبي أيوب طابقان، فقال النبي ﷺ لـ أبي أيوب بعدما عرض عليه أن يسكن في أعلى البيت: (يا أبا أيوب السُفل أرفق بنا يغشاني أصحابي)، السُفل: أي المكان الأسفل أرفق بنا، بحيث أن أي رجل يريد النبي ﵊ لا يدخل على بيت أبي أيوب، ثم يصعد إلى فوق. قال أبو أيوب: (وكنا نرسل إليه الطعام، فعندما نأكل نسأل من أين أكل؟ فنتحرى موضع أصابعه فنأكل منه، وكذلك إذا شرب نتحرى موضع الشرب فنشرب منه، قال: فأرسلتُ له يوماً طعاماً فيه غفنٌ أو ثوم فرده ولم تظهر يده فيه، قال: ففزعت، ونزلت، فقلت: يا رسول الله، أحرام هو؟ -يعني: البصل والثوم؛ لأنه لم يأكل منه- قال: لا لكني أنُاجى والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، قال أبو أيوب: لا جرم أن أكره الذي تكره). مع أن البصل والثوم حلال، لكن النبي ﷺ يكرهه. قال أبو أيوب: (وانتبهت ليلةً، فقلت: أأنا أمشي على سقيفتي وتحتها رسول الله!) يعني: يمشي أبو أيوب هو فوق الخشب ورسول الله تحتها، وفي بعض الروايات كما في الصحيح قال: (وانكسر لنا إناء، قال: فجففت الماء بلحافي ولحاف امرأتي، وما لنا غيره خشية أن تنزل نطفة من الماء على النبي ﷺ ، فقال لامرأته: انزوي) وانزووا جميعاً في ركن البيت حتى لا يمشيان على سقيفة تحتها رسول الله ﷺ ، فلما أصبح الصباح نشده أن يصعد، وقال: (لا أعلو سقيفةً أنت تحتها) فهل يتصور في مثل أبي أيوب الأنصاري، إذا سمع قولاً أو رأى فعلاً من النبي ﵊ أن يخالفه؟ قال الإمام تقي الدين السبكي في رسالته: (بيان قول الإمام المطلبي -وهو الإمام الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي) قال: (وليتخيل أحدكم نفسه إذا سمع الحديث أنه بين يدي النبي ﵌ يأمره أو ينهاه هل يكون بوسعه أن يخالف؟) إذا قلت لك الآن حديثاً تخيل أن النبي ﵌ هو الذي يقول لك هذا الكلام، أيكون بوسعك أن تتخلف؟ لا يكون بوسعك بطبيعة الحال، لكن بُعد المسافة عن مصدر الضوء سبيلٌ إلى الإيغال في الظلام، كلما اقتربت من مصدر الضوء كلما أصبت شيئاً من ضوئه، وكلما ابتعدت عن هذا المصدر كلما أوغلت في الظلام، وهذا المصطلح هو كلام النبي ﵌.

стр. 855

لهفة المرأة الصحابية على النبي ﷺ في غزوة أحد في غزوة أحد لما حدثت المقتلة للمسلمين، وهم قافلون إلى المدينة، قيل لامرأة كانت تنتظر: (مات زوجك، مات أبوكِ، مات ولدك، مات أخوكِ، ماذا بقي لها؟ فقالت لهم: وماذا فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير، قالت: أريد أن أراه). لا تريد خبراً عن زوجها ولا أبيها ولا أخيها ولا عن أي شيء، بل سألت عن المحبوب الأعظم ﵊ (ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: هو بخير، قالت: أروني إياه، فلما رأته قالت له: كل مصاب بعدك جلل) أي: صغير لا قيمة له، هذه المحبة هي الوقود الحقيقي الذي يدفع المسلم.

стр. 856

وراثة الكتاب وعدم العمل به السبب الثاني: أننا ورثنا الكتاب بخلاف الأوائل الذين قاتلوا على هذا القرآن وأهريقت دماؤهم بسبب تبليغ آيات الكتاب الحكيم، فالذي يضحي برقبته في سبيل الآية، لا يستوي مع الذي ورث قرآناً كاملاً لا يحسن أن يقرأه أحياناً: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] لذلك تهون عليهم آيات الكتاب فيتأولونها بتأويلٍ باطل.

стр. 857

الجمع بين الأحاديث المتعارضة عمل الجهابذة لا بأس إن كان هناك حديثان ظاهرهما التعارض أن نوفق بين الحديثين بنوعٍ من أنواع التأويل المقبول، فمثلاً: حديث أن عائشة ﵂ لما سمعت أن ابن عمر ﵄ يحدث عن النبي ﵊: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) قالت: (إنكم لا تحدثوني عن كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، غفر الله لـ أبي عبد الرحمن، إنما قال ذلك النبي ﷺ في يهودية ماتت فقال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب) بيني وبينكم كتاب الله، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فهذا الحديث كأنه يعارض الآية، وقد ذكر علماء الأصول أنه يستحيل أن يكون هناك تعارض بين آيةٍ من كتاب الله ﵎، وبين حديثٍ صحيح للنبي ﵊، إنما يكون التعارض في ذهن المجتهد، وليس في حقيقة اللفظ، فنحن إذا نظرنا رأينا أنه لا تعارض، وأن عمر وابنه لم يخطئا في الرواية، فقد روى هذا الحديث ستة أو سبعة من الصحابة، وإن جاز أن يهم ابن عمر فلا يمكن أن يهم هؤلاء الذين رووا هذا الحديث، إنما عائشة ﵂ التجأت إلى ظاهر الآية، وإلى هذه الرواية التي روتها: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب) أي: أن المسألة منفصلة، هم يبكون وهي تعذب، ليس بسبب البكاء، وبكاؤهم لا يخفف عنها، أو وهم لا يشعرون بها أو نحو ذلك. جمع العلماء بين الآية وبين الحديث، كالإمام البخاري مثلاً في الصحيح قال: (باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان ذلك من سنته). أي: أنه إذا أوصى أن ابكوا عليَّ، وانصبوا الأعلام وشقوا الجيوب وادعوا بدعوى الجاهلية، إن أوصى بهذا يُعذب، فحمل الحديث على إذا كان ذلك من سنته، أي: من سنة الذي مات، أنه أوصى بذلك، ولا شك أنه لا يجوز لأحدٍ أن يوصي بما لا يرضى الله ﵎ عنه. ومثل هذا باب واسع جداً عند أهل العلم، صنفوا فيه كتباً، ولا يستطيع أن يخوض فيه إلا الجهبذ الذي قلمت أظفاره بالعلم، فالرجل الذي لم يقرأ في الأصول قراءةً جيدة لا يستطيع أن يخوض في باب التعارض والترجيح؛ لأنه باب تزل فيه أقدام الفحول، وعندما ترى العلماء المتقدمين الذين ينظرون في الأحاديث وفي تأويلها تستشعر أن هؤلاء على علم، بخلاف كثير من المتأخرين، الذين وإن درسوا الأصول لكن عندهم شقاشق وكلامٌ كثير يحتاج إلى نظر، حتى أن بعضهم حرر بعض الأصول تحريراً فيه نظر، لا يعرف إلا عن بعض المتأخرين ولم تكن أحد من المتقدمين يقوله، فالحاصل أن التأويل كما يقول بعض العلماء عدو الأديان، وما زل من زل إلا بسبب التأويل والتوسع في التأويل، وبدعوى أن هذا تأويل حرفوا كلام الله ﵎، وكلام رسوله ﵊. نسأل الله ﵎ أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نسأل الله ﵎ أن يجعل ما قلناه وما سمعناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً ليوم القدوم عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 858

إهدار العمل بالأحاديث بالتأويل الفاسد أسباب الانهيار والسوس الذي ينخر في كيان الأمة الإسلامية الآن كثيرةٌ جداً ومتنوعة، وقفت على اثنين منها، ومن أهمها: عدم صدق المحبة الحقيقية، فترى الرجل يقترف الكذب بحجة أنه مكروه فقط، وما الذي يجبرك أن تفعل المكروه؟ وهناك أناس ينامون على بطونهم، ويقول: أنا لم أطمئن إلا إذا نمت على بطني، فإذا قلت له: إن النبي ﷺ رأى رجلاً نام على بطنه، فقال: (هذه ضجعةٌ يكرهها الله)، قال: هذا مكروه ويكاد الرجل أن ينتهي، لكن في البداية يريد أن يستريح وينام؛ لأنه متعب، وحتى يمتثل يعمل المخالفة هذه مرات عديدة، حتى يستريح، بينما كان الصحابة يمتثلون مباشرة، ولا يتوانون، والنبي ﷺ قال كما في صحيح مسلم: (لا يصلين أحدكم في ثوبٍ ليس على عاتقه منه شيء) فأفتى العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، أن كشف العاتق أو أغلبه يبطل الصلاة، يعني: لو صلى وعليه فانيلة لها محمل، فالصلاة باطلة؛ لأن للصلاة عورة تختلف عن العورة خارج الصلاة، وهذا العاتق من عورة الصلاة، واحتجوا بهذا الحديث: (لا يصلين أحدكم في ثوبٍ ليس على عاتقه منه شيء)، وهذا شيء، ويدخل في مثل هذه التأويلات، ويصد عن الحديث فيضيع الحكم، وكل هذا باسم القواعد الأصولية، ونحن عهدنا من العلماء المثقفين الذين أحكموا علوم الآلات أنهم لا يتكلمون بمثل هذا، والحكم واضح.

стр. 859

عدم انتفاع المتأخرين بالكتب المطبوعة العز بن عبد السلام لم يكن يمتلك المحلى لـ ابن حزم، ولا كان عنده المغني لـ ابن قدامة، إنما كان يرسل لـ محيي الدين بن عربي الرجل الصوفي يستعير منه المحلى والمغني إذا أراد أن يفتي، وكان يقول: ما استطبت الفتيا إلا بعد أن صار عندي المغني والمحلى، أما الآن فتجد المغني والمحلى شيئاً طبيعياً جداً من كتب الفقه العامة عند كثيرٍ من المسلمين. الشيخ: أحمد شاكر ﵀ كتب تعليقاً على المحلى عندما رأى أثراً عن عبد الرزاق في المصنف كان الشيخ أحمد شاكر يتكلم على مصنف عبد الرزاق كما لو كان الغول أو العنقاء، يعني: كأنه غير موجود على الإطلاق، ويقول: إن هذه الكتب كانت موجودة عند هؤلاء العلماء كالمصحف في أيدي الصبيان في الكتاتيب، والآن لا نعلم أنه يحفظها عالم، قال: الآن مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف سعيد بن منصور، وهذه الكتب التي تعنى بالآثار، هي الآن موجودة مطبوعة عند كثير من طلاب العلم، لكن هل استفاد المسلم من هذه الكتب ومن هذا الفقه الموجود في الكتب؟ قد يموت وهناك بعض الكتب التي كان ينام فيحلم بها، واقتناها، يموت ولا يمس منها ورقة، إرث عظيم جداً، تصوروا جميع الكتب الإسلامية الآن التي هي عن السلف القدامى، أي دولة قد تئن من ثمن هذه الكتب، يعني: لو أن هناك دولة أرادت أن تشتري الكتب القديمة لوجدت أن المخطوطات التي لم تطبع تساوي أكثر من نصف الذي طبع، وحتى الآن مئات الألوف من المخطوطات لم تر النور. كل هذا لتفسير الكتاب الكريم وتفسير الحديث النبوي، تستطيع أن تستفيد الكثير منها، المطبوع منها أو المخطوط، لكن لا تستطيع أن تنتفع بها مثل ما كان الأوائل.

стр. 860

موقف عمر ممن يسأل عن المتشابه نحن لا ننسى أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد صبيغ بسبب أنه سأل سؤالاً في أجناد المسلمين، كان أبو موسى الأشعري قائد المسلمين، فإذا برجل اسمه صبيغ العراقي يسأل المسلمين عن الآيات المتشابهات، فوصل ذلك إلى أبي موسى الأشعري، فأرسل إلى عمر، فقال عمر: أرسله إليَّ، فلما جاء به الرسول ودخل على عمر، قال: جئت بـ صبيغ، فدخل عليه صبيغ، فقال له: أنت الذي تسأل في أجناد المسلمين عن محدثة؟ ودعا بجريد رطب، والجريد الرطب أشد في الإيلام من الجريد اليابس، فما زال يضربه حتى انبجس منه الدم، فتركه عمر حتى برأ، فجاء به، فما يزال يضربه حتى انبجس منه الدم، وتركه حتى برأ، وجاء به في المرة الثالثة، وهمّ أن يضربه، فقال صبيغ: (يا أمير المؤمنين! إن كنت تريد أن تقتلني فاقتلني قتلاً جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت -تبت- فأرجعه عمر إلى أبي موسى الأشعري، وقال: هذا لا يحدثه أحد)، وامتثل المجتمع كله؛ لأن هؤلاء رباهم النبي ﵊، لا يستعظمون عين الخلق، ويستحقرون عين الله ﵎. ففي قصة كعب بن مالك في غزوة تبوك لما أمر النبي ﵊ المسلمين ألا يكلموه واشتدت عليه الوحدة، ذهب إلى أبي قتادة الأنصاري قال كعب بن مالك: (وهو ابن عم لي وأحب الناس إليَّ)، ولكن جفوة المسلمين وعدم تكليمهم إياه جعلته يكاد يبكي، كما قال الله : ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾ [التوبة:١١٨] فتسلق الجدار وأبو قتادة وحده ولا أحد معه، قال له: (السلام عليك يا أبا قتادة، قال كعب بن مالك: فوالله ما رد عليَّ السلام)؛ لأنه مأمور ألا يسلم، وهناك أناس يقولون: لا، المقصود الكلام العادي، ورد السلام واجب وليس من الكلام العادي فيصدر حكماً، بل هو مأمور بعدم السلام، وعدم السلام يدخل فيه كل كلام، قال: (فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة، ألا تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: الله ورسوله أعلم) وهذا ليس تكليماً من أبي قتادة لـ كعب بن مالك، بل يمكن أن يكلم نفسه، لكن ليس هناك كفاح ولا مواجهة. فنفذ أمر عمر بن الخطاب هذا المجتمع الذي هو كما قال رجل لـ علي بن أبي طالب: (يا أمير المؤمنين! لماذا انشقوا عليك ولم ينشقوا على عمر؟ فأجابه إجابة مفحمة، قال: لأن عمر كان والياً على مثلي، وأنا والٍ على مثلك)، هناك فرق، يأمر عمر بن الخطاب ﵁ ألا يكلمه أحد، فلا يكلمه أحد، حتى شق جداً عليه، فذهب يشتكي إلى أبي موسى، فأرسل أبو موسى لـ عمر أن حسنت توبته، فأمر المسلمين بتكليمه. وبمثل هذا صان المسلمون كتاب الله ﵎ عن دخول الأقوال الباطلة باسم التفسير، حيث كان الرجل يخشى أن يفسر تفسيراً مستقيماً فيجلد عليه، فكيف لو أنه قال تفسيراً باطلاً. فصان المسلمون كتاب الله ﵎؛ لأنهم قاتلوا عليه، فأحد أسباب الوهن الأخرى أننا ورثنا كتباً كثيرة جداً، لكن لم ننتفع بها، فتدخل على الرجل منا فتجد عنده مكتبةً لم تكن عند مشايخ الإسلام.

стр. 861

قصة إسلام أبي ذر وصبره على الأذى انظر مثلاً في قصة إسلام أبي ذر وهي في الصحيح، لما أرسل أخاه إلى مكة يتلمس الأخبار عن هذا الذي يزعم أنه نبي، ويأتي بمقاله، فذهب أخوه ثم رجع إليه يقول: (يدعو إلى مكارم الأخلاق وصلة الأرحام، فقال: لم تكفني)، فجهز زاداً وانطلق إلى المسجد الحرام، وظل ثلاثة أيام؛ لأنه لا يستطيع أن يقول: دلوني على الذي يزعم أنه نبي، وإلا فتكوا به، فظل ثلاثة أيام يمر عليه علي بن أبي طالب ينظر إليه، وينظر إليه أبو ذر، فيقول: أمَا آن للغريب أن يعرف سبيله، فقال أبو ذر: (فاستضعفت رجلاً منهم -نظر في الكفرة، فرأى رجلاً نحيلاً ضعيفاً هزيلاً- فقلت: أسألك -لأن الضعيف مأمون الغائلة غالباً أو دائماً، فقال له: أين هذا الذي يزعمون أنه صابئ؟ فأشار هذا الضعيف إلى الجلوس، وقال لهم: الصابئ الصابئ)، وهذه كالشفرة معناها: اقبضوا عليه؛ لأنه يسأل عن الرسول ﵊، قال أبو ذر: (فاستداروا عليّ بكل مدرة وعظم حتى كأنني نصب أحمر) من كثرة الدماء التي سالت عليه، فهرب منهم، وما أنقذه إلا العباس بن عبد المطلب ﵁، قال: (ويلكم! أمَا تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم يمر على غفار؟ فتركوه، خوفاً من غفار أن تنتقم وتأخذ التجارة منهم، وهربوا، فلقيه علي بن أبي طالب قال: (أمَا آن للغريب أن يعرف سبيله؟ قال: إن كتمتني قلت لك، قال: وما ذاك؟ قال: أين هذا الذي يذكرون أنه صابئ، قال: اتبعني، فإذا خفت عليك -لأن هناك جماعة يرقبونه- سأعمل كأني أريق الماء -أي: يتبول- وما زال وراءه حتى ذهب إلى النبي ﷺ ، قال: فما أن رأيته حتى علمت أن هذا ليس بوجه كذاب، فسمع منه وآمن، فقال له: (لا تجهر بها حتى نظهر) -أ: ي حتى نهاجر إلى المدينة- فقال له: والذي بعثك بالحق لأقذفن بها بين أظهرهم، وذهب إلى المسجد وصاح بالشهادة، قال: فانهالوا عليه بكل مدرةٍ وعظم، فما أنقذه إلا العباس، ويلكم! أمَا تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم يمر على غفار، فهرب منهم ثلاثين يوماً، ما له طعامٌ ولا شرابٌ إلا ماء زمزم، قال: حتى تكسرت عُكن بطني ولم أشعر في كبدي بجوع)، تكسرت عكن بطني، يعني: حتى أصبح لحم بطنه طبقات، لا يأكل ولا يشرب إلا ماء زمزم، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (إنها طعام طعم، وشفاء سقم). تصور رجلٌ مثل أبي ذر يعلم العواقب الوخيمة التي ستنهال عليه من جراء الصدع بالشهادة، فمبجرد أن سأل: أين الصابئ؟ حولوه كتلة دم، فكيف لو ذهب وجهر بالدعوة ماذا سيفعلون به؟ ومع ذلك استعذب أن يصدع بها وهو يعلم العواقب، فهل رجلٌ مثل أبي ذر إذا تلا آيةً من كتاب الله أو سمع حديثاً من النبي ﵊ يمكن أن يخالفه؟

стр. 862

تنصيص عمر على آية الرجم هذا هو الفرق بين الذين ورثوا الكتاب وبين الذين قاتلوا على الكتاب، لذلك كان الكتاب عزيزاً عليهم، وكانوا ينفون عنه أي تأويلٍ فضلاً عن تحريف، حتى أن عمر بن الخطاب ﵁ في صيانته للقرآن الكريم قال: (سيأتي أقوامٌ يكذبون بالرجم، ولقد كان فيمن نقرأ من قبل في كتاب الله ﵎: (إذا زنى الشيخ والشيخة، فارجموهما ألبتة، بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله عزيز حكيم). ثم إن الله رفع هذه الآية -وهو المعروف عند العلماء بنسخ النص مع بقاء الحكم- ولقد رجم النبي ﷺ ، ورجم أبو بكر ورجمت، ولولا أن يقول أناسٌ: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها على حاشية المصحف) الذي هو الرجم.

стр. 863

حرص عمر على عدم خلط القرآن بالحديث روى الدارمي في سننه أن عمر بن الخطاب ﵁ لما بعث جمعاً من الصحابة يعلمون الناس الإسلام قال لهم وقد خرج في بعض الطريق يمشي معهم، قال: (أتدرون لماذا مشيت معكم؟ قالوا: نحن أصحاب النبي ﵌ ولنا عليك حق، قال: لا لهذا خرجت، إنكم تأتون أقواماً لهم دوي للقرآن، فإذا رأوكم قالوا: هؤلاء أصحاب النبي ﷺ ، فلا تصدوا الناس عن القرآن بالحديث، أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأنا حليفكم) حفاظاً على المرء، حتى لا يكثر التأويل الذي يحير القارئ، بينما الآن افتح بعض التفاسير المطولة، تجد أقوالاً تشرق وأخرى تغرب، والواحد تائه بين هذه الأقوال، لا يستطيع أن يرجح ما هو المقصود، حتى إن بعض الناس فسروا آيات القرآن الكريم على العلم الحديث، فيستدل على أن الأرض كروية، وغيره يقول: الأرض بيضاوية، ويستدل بقوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠]، أي: جعلها مدحية بيضوية، والله أعلم إذا قالوا: إنها مربعة مستطيلة، يمكن أن يقول لك: القرآن يقول ذلك، وليس القرآن كتاباً جغرافياً أو كتاب تاريخ، إنما القرآن كتاب هدى، ينزل على القلب، يسمعه القارئ فيعرف مراد الله ﵎، لذلك هذه الاستنباطات التي تزيد على مجرد اللفظ، وإن كانت تفيد الباحث والعالم، لكنها تصد العوام كثيراً.

стр. 864

التأويل والتحريف لنصوص الكتاب والسنة لقد دخلت مرةً مسجداً، وفيه بعض أولئك الذين يفسرون القرآن الكريم تفسيراً يعود على النص بالإغفال، لا أسميه تأويلاً بالباطل، لكنهم يحرفون الكتاب، فيفسرون قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وهي آية واضحة جداً عند أي رجل يفقه شيئاً من لسان العرب، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي: من الذي يشفع عند الله إلا بإذن الله، هذا معنى الآية، فيقول: لا. هذا المعنى الظاهر، لكن هناك معنى أعمق، وهو (من ذل ذي (يشف) عِ) أي من (ذل) من الذل، (ذي) اسم إشارة؛ إشارة إلى النفس أي: من ذل نفسه (يشف) من الشفاء، (عِ) فعل أمرٍ من (وعى) أي: عِ هذه الحقيقة، فأدى تأويله هذا إلى إيجاد كلماتٍ مختلفة عن كتاب الله، فنفى معنى الآيات، وأتى بمعنى جديد، وهناك فرقٌ بين الذين يؤولون تأويلاً باطلاً، وبين الذين يحرفون النص، قد يقول قائل: وما الفرق؟ إذا كان التأويل باطلاً، قد أبطل النص أيضاً، وهو باطل في ظاهره، فيقال: لا؟ لأن التحريف الباطل لا يوجد من يرده، بخلاف ما إذا ظل النص سليماً كما هو فيأتي الراشدون من العلماء يبينون حقيقته، أما إذا حُرف النص فماذا يبقى بيد العلماء؟ وهذا اللون من التحريف لا يستطيع أحدٌ أن يثبته في المصحف، لكنه يمكن في غير كتاب الله ﵎، فيكون إيجاد كلماتٍ جديدة في كتابٍ خارج عن المصحف؛ وقد وجدنا أن هناك أناساً يستحلون مثل هذه الأشياء، وقد يطول على الناس زمان، يثبتون مثل هذا في المصحف، فقد ورد في بعض الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ ذكر أن الأصنام ستعبد في جزيرة العرب. ولكل ساقطة في الأرض لاقطة وكل نافقة يوماً لها خلق فالجرأة على تفسير القرآن الكريم على غير ما كان السلف الصالح يفسرونه به، هذا من أسبابه أن هؤلاء ورثوا الكتاب، كما لو ورثت مالاً عن والدك، قد تنفق هذا المال كله في لحظةٍ من اللحظات، ولا تذرف عليه دمعة إذا ضاع كله، بخلاف الذي جمع المال بنفسه، لذلك كان التعبير القرآني دقيقاً جداً: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ [الأعراف:١٦٩]؛ لأن الذي ورث ليس كالذي قاتل على آيات الكتاب.

стр. 865

قصة البقرة سورة البقرة سورة ذات شأن، وهي أطول سور القرآن ومن أكثرها أحكاماً، وفي تسميتها بهذا الاسم إشارةً إلى ضرورة النظر في القصة الواردة فيها، ومن خلال هذه القصة يتبين لنا استهزاء يهود بني إسرائيل بنبيهم، وإساءة أدبهم مع الله ، وتعنتهم وتكلفهم في الأوامر التي أمروا بها، وهذه القصة من جملة القصص التي قصها الله تعالى للعظة والاعتبار

стр. 866

أهمية سورة البقرة وسبب تسميتها بذلك إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فقصة البقرة قصة ذات شأن، وسورة البقرة هي أطول سور القرآن وأكثرها أحكاماً، ومع ذلك جعل عنوانها البقرة، إشارة إلى القصة المذكورة فيها، والعناوين أنساب المضامين، كما أن العناوين أنساب الكتب، وكما أن النسب معتبر عند بني آدم، فكذلك العنوان معتبر في المضمون، أن عنونة هذه السورة الطويلة بالبقرة إشارة إلى ضرورة النظر في القصة، وهي كما ذكرت قصة ذات شأن وكلنا يعلمها، لكن أريد أن نقف على بعض جوانبها، لنفهم حقيقة الصراع الدائر بين المسلمين والكافرين.

стр. 867

قصة بني إسرائيل مع البقرة التي أمروا بذبحها قصة البقرة هي قصة تتعلق ببني إسرائيل -باليهود على وجه الخصوص- قتل قتيل منهم فاحتاروا من الذي قتله فذهبوا إلى نبي الله موسى ﵇ ليسألوه عن قاتل هذا القتيل، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، وواضح أنه لا علاقة بين السؤال والجواب في الظاهر، فاعترض بنو إسرائيل لهذا الجهل، وهذا الفارق بين السؤال والجواب، وكان المفترض وهم يخاطبون نبياً ينقل عن الله صراحة لا ينقل عن رأيه أن يسلموا حتى وإن لم يعلموا الحكمة من الخطاب، فإذا صح نسبة خطاب إلى الله ورسوله ﷺ فلا يجوز لأحد قط أن يعترض على كلام ينسب إلى الله ورسوله، بدعوى الجهل به، وأنه لا علاقة بين السؤال والجواب، هذا غلو وتنطع يعاقب الله عليه، (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي لما سألوه (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) تواضع فنسب الأمر إلى الله، ما قال: أنا آمركم أن تذبحوا بقرة، وحتى لو قال هذه العبارة لوجب أن يمتثلوا طالما أنه نبي مرسل من عند الله، كما أن في نسبة الكلام والأمر إلى الله قداسة. فـ كعب بن مالك لما تخلف في غزوة تبوك، وتاب الله عليه وأنزل توبته، جاء كعب بن مالك فاستقبله رسول الله ﷺ فقال: (أبشر بخير يوم طلعت عليك فيه الشمس منذ ولدتك أمك، قال: يا رسول الله! أهذا من الله أم منك؟ فقال: من الله، فقال كعب بن مالك: إذاً لا معقب لحكمه)، بمعنى أنه أكثر تثبيتاً للفؤاد وليس تشتيتاً، وليس هناك فرق بين ما يأتي من عند الله وما يأتي من عند النبي ﵊، إنما إذا جاء من عند الله مباشرة يسكن القلب مباشرة. وكذلك عائشة ﵂، لما ابتليت في حديث الإفك، فقال لها النبي ﷺ : (أبشري يا عائشة! قالت أم رومان: قومي إليه فاحمديه، قالت: والله! لا أحمده ولا أحمد إلا الله، وفي بعض طرق الحديث أنها قالت: أمنك أم من الله؟) فإذا قال موسى ﵇: إن الله يأمركم وجب عليهم التنفيذ، ومن المعلوم أن الأمر المجرد من الله يفيد الوجوب، والوجوب هو طلب الفعل من المكلف على سبيل الإلزام ليس له فيه اختيار، فإذا قيل: افعل يجب أن يفعل، ليس هناك حل آخر، وهذا معنى الأمر، إذا جاء الفعل بصيغة الأمر أفاد الوجوب ابتداءً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧]، إذاً واضح أنه مبلغ عن الله، وواضح أنه جاء بأمر ليس لهم فيه اختيار: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة:٦٧] مع أن الكلام واضح أن الأمر من عند الله، قالوا: أتهزأ بنا وتسخر منا، وهذا سوء أدب؛ أن يعلم أن الأمر من الله ثم يرد هذا الأمر، ومعلوم أن الذي يستهزئ بالله كافر. نقل إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم أن من سب الله كفر، ومن سب دينه كفر، ومن سب النبي ﷺ كفر كفراً مجرداً عن الإيمان، لا يوجد كفر دون كفر في هذه المسائل الثلاثة، يكفر بمجرد ما يسب يخرج من الملة فوراً وتترتب عليه كل أحكام المرتد، فيفرق بينه وبين امرأته، ولا يدفع عنه الحكم أن يقول: أنا كنت غضبان، ولا مغلوباً على عقلي، لأنه المعروف أن السب يعني تنقيص، ولا يسب ربه رجل فيه خير، وتوقير الله لا يحتاج إلى علم، حتى يقال: أنا كنت جاهل، جاهل بقدر ربك، هذا كفر مجرد. فكأنهم ينسبون موسى إلى الكفر، وينسبونه إلى الاستهزاء بالله ، وهو يصرح ويقول (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)، فيقولون: أتتخذنا هزواً، كأنما قالوا: أنت تهزأ بنا، ونقلك عن الله غير صحيح، هذا معنى أتتخذنا هزواً، فرد عليهم رداً رفيقاً، رغم بشاعة ما قالوا في حقه من نسبته إلى الاستهزاء بأحكام الله، قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] رد رفيق ورقيق، وهكذا ينبغي عليك إذا رأيت جاهلاً أن لا تساويه في جهله فتكون جاهلاً مثله، رجل يسب لا تقل له اتق الله، لأنك إذا ذكرته بالله في غمرة الغضب سب الله، إنما سكنه ولا تقل له اتق الله، فإذا كان هائجاً والرجل يسب ويُرَجِّع في الكلام، ما هو المانع في غمرة الغضب أن يفعل ذلك، لا تعرض ربك للسب. إن النبي ﷺ (لعن من يلعن والديه، قالوا: يا رسول الله! أو يلعن أحدنا والديه؟ قال: نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه) رجل يسب رجلاً فالرجل يسب أباه وأمه كأنما هو الذي سبه لأنه هو الذي جره إلى ذلك، وقد قال الله لنا مؤدباً وناهياً ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، وأنت عندما تسب حجراً أو شجراً أو خشباً، ما هو قيمة الخشب؟ سيرد عليك عابد الحجر بسب ربك، فلا تسب الأصنام، لماذا؟ لأنهم عندما يسبون رب العالمين يرتكبون جرماً عظيماً، بخلاف ما إذا أنت سببت حجراً أو شجراً أو مدراً أو أي معبود من دون الله . بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، فقد عزر عمر بن الخطاب ﵁ وجلد رجلاً قال والله ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية جلده حد القاذف، وقال: نفيك عنهم الزنا وكونك تقول ذلك فيه إشعار إلى أنه زانٍ أو ممكن أن يزني، فوصل الأمر بصيانة الأعراض والتحذير من تهمة الزنا إلى هذا الحد، أن يجلد من ينفي الزنا عن والديه لأن فيه إشعاراً بأن هذا وقع منهما. فموسى ﵇ يرد على هؤلاء الجهلة الذين ينسبونه إلى الاستهزاء بأحكام الله رداً رفيقاً، والرد الرفيق أبلغ، وهو يوصل الكلام إلى القلب، قد يكابر الرجل عندما يسمع الحجة، وهو بداخله مقتنع، لكن حمله الكبر على عدم الاعتراف، كما قال ﵎: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ [النمل:١٤] أي بلسانهم ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤] يعني هو في دخيلة نفسه يعلم الصدق، فأنت اجعل لقلبه طريقاً. فإن الله ﵎ قال لموسى لما أرسله هو وأخاه هارون إلى فرعون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، فرد موسى ﵇ على بني إسرائيل: أعوذ بالله: أي ألجأ إليه وأحتمي به، كما قال النبي ﷺ : (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك)، وكما قال النبي ﷺ في دعائه: (أعوذ بك منك) لأنه لا يحميك منه إلا هو، أعوذ برضاك من سخطك، هو هذا معنى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [البقرة:٦٨] وهذا فيه جفاء أنهم لا ينسبون أنفسهم إلى الله، (اَدْعُ لَنَا رَبَّكَ) وهذا مثل قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] وأيضاً: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة:١١٢] كأنه رب موسى ﵇ وحده، والأخيار ينسبون أنفسهم إلى الله لأن هذا شرف كما قال يوسف ﵇: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣]، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]. وهكذا (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) إذاً هم يسألون عن ماهية الشيء، ماهية الشيء حقيقته وأصله. (اذبحوا بقرة) هذه لا تحتاج إلى وصف ماهية، لذا لو قال رجل لآخر: اشتر لي حماراً، فاشترى حماراً لأجزأه ذلك. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨] ثم جدد ذكر الأمر مرة أخرى، افتتح الكلام إن الله يأمركم، وبعد ذلك ختم فقال: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة:٦٨]، تجديد الأمر ولفظ الأمر. لا فارض: أي ليست مسنة كبيرة، كما قال الشاعر: يا رب ذي ظغن علي فارض له قرء كقرء الحائض يقول: إن هناك رجلاً كرهه لي فارض كبير، له قروء: يعني له حالات تهيج فيها عداوته علي كما تهيج الحائض في أوقات حيضها، فرب ذي ظغن علي فارض أي: كبير. ففارض لا هي كبيرة جداً ولا هي بكر لم تحمل. (عوان بين ذلك): متوسطة شابة، وهذا كلام واضح جداً. (فافعلوا ما تؤمرون) لأنه يعلم أنهم لا يمتثلون لما يؤمرون به فأكد عليهم لذلك. أنا والله -يا إخواننا- أقلب كفي عجباً بعد هذا الكلام المبين، نحن نثق بوعود هؤلاء اليهود وهم كاذبون -ولعن الله السياسة التي لا دين لها- رب العالمين يقول هؤلاء لا وعود لهم ولا عهد لهم ولا ذمة لهم، ومع ذلك نقول: لهم ذمة ولهم عهد، وهذه مخالفة صريحة للقرآن، نصف القرآن فيه ذم بني إسرائيل، وبيان لغدرهم وقتلهم للأنبياء وخلفهم للوعود. ها هي الدولة الفلسطينية قالوا لهم: (١٨%)، بعد ذلك قالوا: (١٨%) كثير، إذاً (٣%) محمية طبيعية، (١٠%) يأخذوها، ثم اعترضوا على (١٠%)، وبقي (٧%)، وهكذا يتدرجون لصالحهم لأنهم لا مبادئ لهم ولا عهد ولا ذمة، ومطلوب الآن إخراج كل الآيات القرآنية التي تذم بني إسرائيل من مناهج التربية الفلسطينية، وعلى وجه الخصوص ممنوع تدريس سورة البقرة، لأنها فيها عداء للسلام، وفيها تهييج للعداوات، وقد استجابت مدارسنا لذلك، تطبيعاً لسياسة السلام، فحذفت الآيات المتعلقة ببني إسرائيل من كتب الدين، وقد رأيت هذا بنفسي وقارنت بين المناهج السنة الماضية والسنة هذه وجدت أنه حُذف كلام رب العالمين آيات، وهذا مطبق الآن، وطالما المسألة خرج منها الدين والتقوى فسينتصر من هو أقوى عدة. إن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول للجيش إذا أرسله يغزو: (اتقوا الله واجتنبوا معاصيه؛ فإنكم إذا عصيتم ربكم استويتم مع عدوكم في المعصية؛ ففا

стр. 868

الغلو في الدين وأنواعه هذا التعنت وهذا الجحود وهذا الغلو في رد أمر الله ﵎ امتحنت به هذه الأمة، امتحنت بالغلو العقدي، وامتحنت بالغلو الجزئي في العمل، مع الفرق بين النوع الأول والثاني، الغلو الاعتقادي أشر؛ لأن صاحب البدعة لا يدع بدعته على الإطلاق مهما عُير، ثم هو يظن أن بدعته دين، فهو يريد أن يمضيه على الناس، كالخوارج مثلاً. النبي ﵊ وصف الخوارج بأنهم أعبد الناس، وأكثر الناس صلاة وصياماً، وأقرأ الناس للقرآن، قال ﷺ : (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، هؤلاء الناس ماذا يفعلون؟ قال ﵊: (يقتلون أهل الإسلام ويذرون أهل الأوثان)، يقتلون أهل الإسلام، فجماعة الهجرة والتكفير تعتقد أن دمي ودمك حلال، بينما النصارى واليهود أمنوا على دمائهم من هؤلاء. ففي مرة من المرات أحد المبتدعة مر على فرقة من فرق الخوارج، ومن المعلوم أن الخوارج يستبيحون دماء المسلمين، فأول ما عرف أنه وقع -ومن معه- في قبضة الخوارج، قال: أنا سأحتال لكم حيلة، حتى ننجو بجلودنا، فقال لأصحابه: أنا سأتكلم عنكم وأنتم لا تتكلموا، فلما دخلوا على هؤلاء الخوارج، سألوهم من أنتم؟ قال: نحن قوم مشركون، جئنا نسمع كلام الله، فنجا ومن معه من الهلاك المحقق؛ لأنه قال: أنا مشرك، لو قال لهم: أنا مسلم لقتلوه. وذلك من فهمهم لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، فأخذوهم وأسمعوهم كلام الله، وأمّنوهم فقالوا: اتركونا نفكر في كلام الله الذي سمعناه، ونجوا بذلك، فالخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. رجل اغتاب أحد المسلمين عند الحسن البصري فقال له الحسن: سلم منك اليهود والنصارى والمجوس ولم يسلم منك أخوك المسلم، يعني أنه يغتاب أخاه في هذه المدة، وقد سلم من لسانه اليهودي والنصراني والمجوسي؛ فهؤلاء يتحركون بهذه العقيدة؛ لأن هذا الانحراف والغلو العقدي أخطر بكثير من الغلو العملي الذي غاية ما فيه أنه يتعلق بالشخص ذاته. كما في حديث أنس في الصحيحين أن رهطاً جاءوا أبيات النبي ﷺ يسألون عن عمله، فلما سمعوا أنه يتزوج النساء، وأنه يقوم وينام ويصوم ويفطر، قال بعضهم لبعض. هذا رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أي: هذا رسول الله عمل أو لم يعمل فهو مغفور له، أما نحن فلابد أن نجدّ ونجتهد، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، والثاني قال: أقوم ولا أنام، والثالث قال: أنا لا أتزوج النساء، فقصت عائشة ﵂ هذا الكلام على النبي ﵊، فأزعجه الأمر، ونادى في الناس، فاجتمعوا فقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، ألا إني أتقاكم لله وأشدكم لله خشية)؛ وذلك لأنهم تقالُّوا عبادة النبي ﵊ فهؤلاء في نهاية الأمر وقعوا في الغلو الجزئي العملي الذي يعود على الشخص نفسه، بخلاف الغلو الاعتقادي، فالنبي ﷺ ذكر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، إذ أن أصحاب الثنتين والسبعين فرقة غلوا في الاعتقاد وخرجوا عن الحنيفية السمحة، لذلك قال النبي ﷺ فيهم: (كلها في النار) بسبب انحرافهم عن الجادة: (إلا واحدة). أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 869

الغلو في الطاعات ممنوع الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله ﵎ للنبي ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]، الطغيان: هو الغلو، وترك الاستقامة، ولذلك الغلو يحتاج إلى توبة حتى وإن كان في الشيء، إن النبي ﵌ قال لـ ابن عباس في الحج: (التقط لي مثل حصى الخذف وإياكم والغلو، فإنه أهلك من كان قبلكم) حصى الخذف الحصيات التي ترجم بها الجمرات في منى وتجمع من مزدلفة ينبغي أن تكون صغيرة مثل حبة الفول، هذا معنى مثل حصى الخذف، مثل الحجر الذي يوضع في المقلاع، فإذا أراد شخص أن يرمي بالمقلاع فإنه لا يأتي بحجر كبير إنما يأتي بحجر صغير، أي بمثل الحجر الذي تخذف به إذا رميت بالمقلاع. و (إياكم والغلو): أي إياك والغلو في اختيار حجم الحجر، فالشخص إذا زاد عن مثل حبة الفول في اختيار الحجر فقد غلا، حتى في هذه الجزئية البسيطة، (إياكم والغلو)، إن رمي الجمرات مسألة رمزية، أنت عندما ترمي الجمرات هذه مسألة رمزية، حتى يذكرك بالعداوة التي بينك وبين الشيطان، والتي نسيتها من جملة ما نسيت العداوات في الدين، من منا يكره اليهودي كرماً دائماً، أو النصراني كره دائم، ألم يبق في قلوبنا غيرة وحمية لرب العالمين؟! ألم يُشتم ربك؟! ألم يُسب ربك؟! قال الله ﵎: (شتمني ابن آدم، وما كان له أن يشتمني، وكذبني ابن آدم، وما كان له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله أن لي ولداً، وأنا الله الأحد، الفرد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد) هذه جريمة؛ لأن نسبة الولد إلى الله تنقيص له ﵎، فاليهود والنصارى يشتمون رب العالمين بذلك، من يكرههم في داخله أول ما يراهم ويحمل الغل عليهم، هل هذا موجود؟ لا. ما هو السبب؟ ضياع عقيدة الولاء والبراء، لو أن رجلاً سب أباك لربما دخلت معه في معركة وضحيت بحياتك؛ لأنه سب أباك، وهذا يسب رب العالمين، فأين ولاؤك له. جيء برجل نصراني مرة إلى شريك بن عبد الله النخعي -أحد قضاة المسلمين- وكان هذا الرجل وثيق الصلة بامرأة أمير المؤمنين، يخدمها، وكان يظن أن صلته بزوجة أمير المؤمنين قد ترعب القاضي، لكن القضاة في ذلك الزمن كانوا متدثرين بالدين، وعزهم كان بعز هذا الإسلام، وكان الخلفاء يوقرونهم فقضى عليه شريك بالجلد، فجلد الرجل وبعد ذلك ركب بغلته مذلولاً ومتضايقاً يضرب البغلة، فقال له شريك: ويحك لا تضربها فإن البغلة التي تركبها هذه أعبد لله منك. (وكذبني ابن آدم، وما كان له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقوله أنني لا أحيي الموتى، وليس آخر الخلق بأشق علي من أولهم) إنشاء الإنسان من عدم يختلف عن إنشائه بعدما كان له أصل، الأول أقوى، فهؤلاء كذبوا الله وشتموه. ظهر في هذه الأزمنة مصطلح الأخوة الإنسانية والوحدة الوطنية، وهذا ليس تحريضاً مني على النصارى ولا على اليهود، لكن هذه مسألة عقيدة، نحن لا نظلم أحداً، ولا نجور على أحد، ولا نستحل مال أحد، ولا نستحل دم أحد، إلا بشرع الله. لا تقولوا أنني أتعنت في ذلك، نحن لا نستحل مال ولا دم أحد ونعاشر بالمعروف ولا نظلم، لكن يبقى لي عقيدتي التي لا أفرط فيها، لا أظلمه لكن أكرهه، ولا أحبه ولا أواليه ولا أقول يوماً ما: إنه أخي أبداً ولا تخرج من فمي ولا تجري على لساني؛ لأن هذا حرام، هذه كبيرة من الكبائر، لا يحل للمسلم أن يقول: إخواننا اليهود أو النصارى، ولا أتولاهم ولا أحبهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، والنبي ﷺ يقول: (المرء مع من أحب). الغلو في الدين حتى في مقدار الحجر الذي ترمى به الجمرات ممنوع، الغلو في الدين حتى في الطاعات ممنوع، في الصحيحين من حديث أنس ﵁ (أن النبي ﷺ دخل المسجد فوجد حبلاً مربوطاً بين ساريتين، قال: لمن هذا؟ قالوا: لـ زينب إذا تعبت من كثرة القيام لله، طرحت جسدها على هذا الحبل لتريح رجليها، فقال ﵊: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد، إن الله لا يمل حتى تملوا). والنبي ﵊ يقول: (إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد فلعله يسب نفسه وهو لا يدري). حتى في هذه الطاعات الغلو ممنوع؛ لأن القلب له إقبال وإدبار: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، فالغلو حتى في العبادة ممقوت، ونهى عنه النبي ﵊، وليس هذا دعوة إلى الكسل والنوم والخلود للراحة، بدعوى عدم الغلو، لا. فالنبي ﵊ قال: (ليصل أحدكم نشاطه) آخر طاقتك افعلها، فإذا أحسست بالفتور اجلس حتى لا تكره العبادة، وحتى تكون مقبلاً على ربك ﵎. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. رب آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا.

стр. 870

مؤامرة تحرير المرأة إن الحديث عن واقع الأسرة المسلمة مؤلم جداً، فدعاة تحرير المرأة من دينها يحيكون المؤامرة تلو المؤامرة منذ عشرات السنين من أجل زعزعة البنية الاجتماعية للأسرة المسلمة، بدءاً من دعوة الطهطاوي وقاسم أمين وهدى شعراوي، وسعد زغلول وانتهاءً بالقرارات الوزارية التي تهدف إلى إفسادها وإخراجها من بيتها، فيجب علينا جيل الصحوة أن نهتم بالمرأة؛ لأنها الأساس في صلاح المجتمع.

стр. 871

قصة موسى مع ابنتي صاحب مدين وغيرته عليهما إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله تعالى فلا مضل له ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فقد كان من خبر موسى ﵇ أنه لما انكشف أمره، أنه هو الذي قتل القبطي، ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] * ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١]، الفاء في قوله تعالى: (فَخَرَجَ) فيها دلالة على المبادرة بالخروج. بمعنى أنه خرج بلا زاد، بلا أهبة استعداد، خرج بلا دليل يدله، وما بين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، خرج على الفور، خرج جائعاً، طريداً، خائفاً، ولذلك قال الله : ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، هو عار من قوى الأرض كلها، ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]؛ لم تكن له عدة على الإطلاق، إنما خرج فاراً ناجياً بنفسه، وفي قوله تعالى: (تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) فيه دلالة على أنه لم يكن يعرف أين يتوجه؟! إنما خرج هارباً، ما قصد بلداً بعينه، وهذا واضح من كلمة تلقاء. تلقاء: أي في تلقائية، ليس هناك ترتيب، إنما خرج هارباً، وهذا أدعى للحيرة، وهو المناسب للخروج بلا عدة ولا ترتيب. فتصور رجلاً خرج بلا أي زاد، ولا يدري إلى أين يذهب، يحمله ليل ويحطه نهار، مثل هذا الذي صنعه الله على عينه لا يكون معتمداً بقلبه إلا على الله، إنني أقول ذلك لتعيش هذا الدور، ولتعلم أن الذي يتوجه إلى الله بقلبه فإنه لا يخيبه، إنك لو قصدت رجلاً شريفاً نبيلاً، وقلت له: احمني فإنه لا يسلمك إلى عدوك؛ لأن هذا هو المناسب لكرمه وحلمه ونبله وشرفه. لما خرج سفيان الثوري ﵀ هارباً من الخليفة، لقيه أحد عمال الخليفة، وكان رجلاً جواداً كريماً اسمه معن بن زائدة، فلما لقيه معنٌ وكان لا يعرفه، قال له: من أنت، قال: أنا عبد الله بن عبد الرحمن، فقال: نشدتك الله لما انتسبت إلي؛ لأنه بإمكان أي واحد في الدنيا أن يقول: أنا عبد الله بن عبد الرحمن، فناشده الله أن ينسب نفسه، فقال: أنا سفيان، ومعلوم أن سفيان الثوري آنذاك كل الناس تبحث عنه، قال: أنا سفيان، قال: سفيان بن سعيد، قال: نعم. وكان من المفروض أن يقبض عليه، ومعن بن زائدة أحد عمال الخليفة، يعني بمثابة المحافظ الآن. فقال له: خذ أي طريق شئت، فوالله لو كنت تحت قدمي ما رفعتها يعني: أنا لا أسلمك. وهكذا جرت سنة الرجال النبلاء، فكيف برب العالمين!! قال ﷺ : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، حسن الظن بالله يقوي القلب على العمل. لأنك تعلم أنه يقوي ضعفك وأنه محيط بعبيده، وأنه ذو القوة المتين. فالذي خرج بتلقائية بلا إعداد ولا ترتيب: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]، دخل مدين بعد ثمانية أيام، لم يكن له طعام في هذا السفر الطويل إلا ورق الشجر، قلنا: خرج بلا زاد، إذاً: دخل مدين وهو مكدود، متعب، مجهود، يتمنى الراحة، خرج خائفاً يطلب الأمن وهو لا يدري ما تخبئ له المقادير، خرج هذا الإنسان فاراً من الخوف فوقع في خطب أعظم مما فر منه؛ لأنه لا يدري ما يخبئ له القدر. فلما دخل مدين وجد أمة من الناس، أي: خلق كثيرون: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]، تذود: أي: تكف الغنم عن البئر. هذا يوم الورد، أي ورد الماشية على السقيا، وكل رجل من هؤلاء الرجال معه غنم ومعه بهائم، والكل حريص على أن يسقي ويرجع، والكل يتزاحم، لكنه وجد امرأتين تذودان الأغنام حتى لا تختلط بأغنام القوم: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص:٢٣]، لاحظ كلامه: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]. وهنا تظهر العضلات!! والشجاعة ما خطبكما؟ والمرأة الحرة لا تخالط الرجال. المرأة الحرة درة مكنونة وجوهرة مصونة، إنما يخالط الرجال الإماء اللواتي يُشترين من الأسواق، وإنما الحرة مخبأة، لا يراها أحد؛ لأنها حرة، والقائم عليها حر، فهو يستنكر أن تخرج امرأته ليراها الخلق، ولذلك قال موسى -حين رأى امرأتين حرتين تختلطان بالرجال- قال: ما خطبكما؟ الخطب الذي هو المصيبة، يعني: أيُّ مصيبة أوقعتكما حتى اختلطتما بالرجال، المرأتان كانتا مرهفتا الحس لما سمعتا: ما خطبكما؟ قالتا: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣].

стр. 872

التحرز من مواطن الريب (وأبونا شيخ كبير) أي: لا تسيء الظن بنا، فنحن ما خرجنا لنختلط بالرجال، وإنما الذي أخرجنا أن أبانا شيخ كبير، فدعتنا الضرورة للخروج، هذا الذي جعلنا نخرج، وهكذا الحر، إذا شعر أنه وقع فيما يسيء إليه وإلى مروءته ونبله، سارع وأعطى الدليل أنه ليس كذلك. أخي الكريم! لست ملكاً كريماً ولست نبياً مرسلاً، ولم ينزل وحي بتأييدك، فلن تنجو من سوء الظن بك مهما كان قدرك، فلا تتلبس بالشبهات، ولا تستعلي وتقول: لا، أنا فلان الفلاني، أنا الذي يعرف الناس نبلي وقدري وديني وتقواي، لا. فرب العالمين سبحانه لم يؤمن به إلا القليل من عباده والأغلب كفروا به ويسبونه ليل نهار، قال الله في الحديث الإلهي: (كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، ويشتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يشتمني، فأما تكذبيه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، أوليس إعادة الخلق بأهون علي من ابتدائه وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الله الأحد الصمد، لم أَلد ولم أُولد، ولم يكن لي كفواً أحد) ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] يسبونه ليل نهار، ويشتمونه، حتى بعض الذين ينتسبون إلى الإسلام عندما تقع لأحدهم مصيبة، يقول: لماذا يا رب؟! أنا ماذا فعلت؟! لماذا اخترتني من دون الناس؟ تراه يعترض على أقدار الله وحكمته، يقول الباري كما في الحديث القدسي: (خيري إلى العباد نازل وشرهم إليَّ صاعد). ومع ذلك لم يسلم من ألسنة الخلق، وهو ربهم، ولا قوام لهم إلا برعايته إياهم، والنبي ﷺ كفر به أكثر أهل الأرض، فلا تقل: أنا رجل محترم، أو أنا رجل لي مكانة، فتتلبس بالشبهات، وتظن أن الناس تحميك أو تدافع عنك، لا. فقد جاء في الحديث: (إن النبي ﷺ كان معتكفاً فجاءته صفية، فتحدثت معه فلما أرادت أن ترجع خرج معها ليقلبها -أي: ليوصلها إلى البيت- فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ في هذا الموقف أسرعا الخطا، فناداهما رسول الله ﷺ قال: على رسلكما إنها صفية، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!! -يعني: أونظن فيك الشر أو السوء؟ أو أن تكون قد وقفت مع امرأة لا تحل لك؟ هذا في الظاهر- قال: إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً فتهلكا) أي: لو أنهما أساءا الظن بالنبي ﷺ هلكا، فإن من أساء الظن بنبيه كفر، وهذا رسول الله ﷺ وهو الذي نادى وقال: (على رسلكما إنها صفية). فالمرأتان حرتان، ومن بيت كريم. ليستا ابنتي النبي شعيب كما ذهب إليه أكثر المفسرين. ليس هذا الرجل هو شعيباً النبي. لا. إنما هو رجل صالح، والدليل على ذلك أن شعيباً ﵇ قال لقومه وهو يعظهم ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٩]، وجاءت قصة شعيب بعد قصة لوط، ولما يقول لهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٩]، أي: أن هلاك قوم لوط كان قريب العهد بهم. حتى يتسنى لهم النظر والاعتبار، ولوط ﵇ كان في زمان إبراهيم ﵇، قال تعالى بعدما ذكر قصة إبراهيم في سورة العنكبوت: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ولما جاءت الملائكة إبراهيم ﵇ وتوجهوا إلى القرية المؤتفكة ليقلبوها على من فيها، قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت:٣٢]، وما بين إبراهيم ﵇ وصاحب مدين أكثر من أربعمائة عام، فالصواب أنه عبد صالح وليس شعيباً النبي، ويدل على ذلك أيضاً أنه لو كانت المرأتان ابنتي شعيب النبي لعرف أهل مدين قدرهما، وما تركوهما، إنما كانوا أعانوهما على السقيا؛ لأنهما ابنتا النبي الكريم، نبي مدين. إنما هو رجل صالح ممن آمن بشعيب ﵇ وحمل رسالته. إذاً: المرأتان من بيت كريم سواءٌ كانتا ابنتي النبي شعيب، أو كانتا ابنتي رجل صالح، فهما من بيت كريم، بيت ملتزم، بيت يحمل لواء الدين في قرية أغلبها كفرة، فالمناسب أن لا تخرج هاتان المرأتان الحرتان إلا لضرورة. انظروا إلى واقعنا الآن، فإنه يبعث على البكاء.

стр. 873

قاسم أمين ودوره الخبيث في قضية تحرير المرأة إن قضية تحرير المرأة التي تولى كبرها قاسم أمين. قضية لها شأن، وتستحق أن نقف عندها بعض الوقت. لما قرأت مذكرات قاسم أمين، ومذكرات سعد زغلول؛ لأن سعد زغلول هو الذي شجع قاسم أمين، وقاسم أمين شاب يشع الذكاء من عينيه، ذهب إلى فرنسا، وأعداؤنا يصطادون المواهب من أمتنا ولا يتصرفون بطريقة تلقائية أو عشوائية كما يظن السذج، يعني: مثلاً: مسألة الدجاج المذبوح أو المقتول، جاء بعض الناس وقال: إنهم يقتلون الدجاج ولا يذبحونها، لماذا؟ قال: لأن نسبة من الدم يتجمد في العروق، فمع ملايين الدجاج المقتول وتجمد الدم فيها يزداد الوزن وبذلك يزداد ويرتفع، وهذا كلام ساذج. لا، هم يريدون أن يطعمونا الميتة التي حرمها الله، والمسألة ليست مسألة مال كما تظن أنت، وإنما لتأكل ما حرم الله عليك: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، هذا هو الواقع، ومن عرف عدوه، يجب عليه أن يحذره، لكن نحن ابتلينا بقوم غافلين، تجد الواحد يقول لك: يا أخي! أنت لماذا تسيء الظن بهم؟ وما أدراك؟ نعم. أنا أدري لأن الله هو الذي وصف لنا هؤلاء. وأعداؤنا لا يتصرفون هكذا بعشوائية تلقائية. فحرب الخليج -مثلاً- هم يخططون لها من عشرين سنة، وهذا الكلام لا أخرجه من كيسي، إنما هذا في مذكرات القادة العسكريين، والساسة الغربيين، إنهم يخططون لحرب الخليج من عشرين سنة، فلو أن رجلاً قال: يا جماعة! إنهم يخططون لحربكم من مدة، لضحكوا عليه وقالوا: أنت رجل سيء الظن. مع أن كتاب: بروتوكولات حكماء صهيون، كل كلمة فيه نُفِّذت. وهذا الكتاب ترجم إلى العربية، وكأن العرب قوم لا يقرءون، وإذا قرءوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون. والصهاينة هؤلاء، قالوا: سنفعل بالمسلمين كذا وكذا وكذا. وكل كلمة سطروها في هذا الكتاب فعلوها، فهم قوم لا يلعبون.

стр. 874

دعوة قاسم أمين إلى السفور في كتابه: المرأة الجديدة لـ قاسم أمين كتاب آخر كتبه وأسفر فيه عن وجهه، كتاب اسمه: المرأة الجديدة، كتبه بعد كتاب: تحرير المرأة فثار الناس عليه فانكمش وانزوى ولزم بيته، لكنها لم تكن بالحدة التي كانت على رفاعة الطهطاوي؛ رفاعة الطهطاوي الذي مجده دعاة تحرير المرأة، وكل شخص يمجده هؤلاء ففتش في سيرته تجد أن له سوءات، لا يمجدون رجلاً عفيفاً أبداً أبداً، فكل شخص يمجدونه ويرفعونه تعرف أنه خائن لهذه الأمة، رفاعة الطهطاوي هذا أتى قبل قاسم أمين وبدأ يدعو إلى تحرير المرأة، لكن العلماء والناس وقفوا له بالمرصاد فلم ينجح وماتت دعوة رفاعة الطهطاوي في مكانها، أما قاسم أمين فقد كان البناء الاجتماعي بدأ يتغير، وبدأ التفسخ والانحلال ينتشر، فلما وجد قاسم أمين ذلك أراد أن يبث سمومه، ولكنهم ثاروا عليه فانكمش وانزوى ولزم بيته، فذهب سعد زغلول إليه في بيته وقال له: قل ما تريد، واكتب ما تشاء وأنا أحميك، فلما قال له ذلك كتب كتاباً تحت عنوان: المرأة الجديدة الذي يدعو فيه إلى سفور المرأة وإلى نزع الحجاب، ويقول: نريد امرأة جديدة في هذه الأمة، كالمرأة التي في باريس، والمرأة التي في انجلترا، وبدأ بالدعوة إلى تحرير المرأة. ونقل معارك الغرب إلى الشرق. ما هي قضية المرأة في الغرب؟ إنها مسألة: المساواة في الأجور، المرأة في الغرب تعمل كالرجل جنباً إلى جنب، وتنتج نفس الإنتاج، وتشتغل نفس عدد الساعات؛ فلماذا يكون أجرها أقل من أجر كالرجل؟ هذه هي القضية التي كانت في الغرب، لكن ما هي القضية التي أثارها قاسم أمين في بلاد المسلمين بالنسبة للمرأة؟ ما هي القضية التي أراد أن ينقلها من هناك إلى بلادنا؟ هل تعرف ماذا كانت القضية؟ إنها قضية نزع الحجاب. وما علاقة الحجاب بمسألة المساواة في الأجور؟ لقد كانت الدعوى كلها قائمة على السفور، ونزع الحجاب من المرأة المسلمة، وما قرار وزير التعليم من سنتين منكم ببعيد، لما أصدر قراراً بمنع ارتداء الحجاب في المدارس، وقامت الدنيا ولم تقعد، وتراجع الوزير عن قراره، لكنه قال هذا الكلام قبل دخول المدارس بشهرين!! ماذا يعني هذا؟ يعني: لا تظن أن القرار خرج هكذا!! لا. فقبل دخول المدارس بشهرين، وفي الوقت الذي يفصل فيه أولياء الأمور الزي المدرسي للبنات، نزلت قرارات بلبس الزي، لكن الآباء فقراء، وليسوا على استعداد أن يفصلوا لبناتهم الزي المطلوب، ثم بعد ذلك يفصل لها الحجاب، وكان قد حصل الامتناع في بداية الأمر، لكن ما الذي حصل؟ حصل أنه لا بد أن يلبس البنات الزي المطلوب، ويمنعن البنات من أن يلبسن إلا خماراً واحداً، كان قبل ذلك لها أن تلبس خماراً واثنين، وكان النقاب زيادة على ذلك، فلما أصر الوزير على قراره لبسن البنات كلهن النقاب، ولبسن القميص على حسب التعليمات. وبعد ذلك يقوم الوزير ويصدر القرار بأنه ممنوع على البنت في الابتدائي أن تضع خماراً على شعرها، لماذا تمنعونها؟ قال: لأن الخمار يؤثر على عقلها: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، استخفاف بالعقول كأننا لا نفهم!! امرأة تضع الحجاب على شعرها يؤثر على عقلها!! انظروا، كل شيء خالٍ من المنطق، وخالٍ من التفكير السديد.

стр. 875

فتاة فرنسية تلعب بقاسم أمين ولما ذهب قاسم أمين إلى فرنسا وصل غريباً، وقابلته فتاة لعبت بعقله وقلبه. تخيل أن رجلاً غريباً في بلدة بعيدة ووجد من يؤنس وحدته، ومن يكرمه، ومن يدعوه على الغداء والإفطار والعشاء والمبيت، ويقول له: أنا ند لك. هكذا قابلته هذه المرأة، ولم يكن تعرفها على قاسم أمين هكذا، وإنما وضعت عمداً في طريقه، لقد لعبت به هذه المرأة، وهو يقول: إن علاقتي بهذه المرأة علاقة بريئة، صداقة بريئة. والبراءة التي يقصدها أنه لم تقع بينهم فاحشة الزنا؛ لأنه لو وقع بينهما فاحشة لسقطت المرأة في حسه وقلبه. هذه المرأة أخذته إلى النوادي والمنتديات وانبهر لما رآه، خرج من بلد فيه (حريم)، كان يطلق على النساء (الحريم)، وكان اسماً جميلاً، الحريم من الحرمة، ولأن النساء كان يحرم عليهن أن يراهن الرجال والعكس، وقديماً كانوا يسمون الطبيب (حكيماً)، وهذا أفضل ألف مرة شرعاً وعرفاً من وصف الطبيب؛ لأن الحكيم: هو الذي يضع الدواء في موضعه، هذا هو معنى الحكمة. وقد نهى النبي ﷺ أن يسمى الرجل طبيباً، كما في الحديث الصحيح: (أنه جاءه رجل ليطبّه فقال له: إني طبيب، قال: لا. أنت حكيم والله الطبيب)؛ لأن حقيقة الطبيب هو الذي يرفع العلة، ولا يرفعها إلا الله. ولهذا لما قيل لـ أبي بكر في مرض موته: أنأتيك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. أي الذي يرفع العلة ﵎ هو الذي قدر عليه الداء فخرج قاسم أمين من بلد الحريم، حيث لا يرى النساء، ولا يختلط بالنساء إلى بلد يعج بالسفور، وأول مرة يجد نساء سافرات لطيفات، خفيفات، ظريفات، يتكلمن معه، فهاب في أول الأمر، لماذا؟ لأنه ما اعتاد على ذلك، لكن سرعان ما وجد الجرأة والراحة النفسية، وأقبل على النساء بدون خوف.

стр. 876

رجوع قاسم أمين من فرنسا وتأليفه كتاب تحرير المرأة لما رجع قاسم أمين إلى بلده، رجع بوجه آخر غير الوجه الذي سافر به، وكتب كتاب: تحرير المرأة. تحرير المرأة لـ قاسم أمين لم يصرح فيه بما يريد؛ لأنه خائف من التقاليد، ولأنه لو قال للرجال: أخرجوا نساءكم، واسمحوا لهن بالكلام مع الرجال لما سمحوا له بذلك، لماذا؟! لأن التقاليد كانت أقوى، ولما سكت عليه رجال الإسلام، قام وذكر في كتابه: تحرير المرأة. فقال مثلاً: لقد أهملنا المرأة فأهملنا تعليمها وتثقيفها، فأخرجت لنا أجيالاً ممسوخة، وقد كان على حق في هذا. فالأمة قررت فعلاً حرمان المرأة من التعليم والتثقيف، حتى كان قائلهم يقول في ذلك الزمان: إن المرأة لا تخرج إلا ثلاث مرات، المرة الأولى: من رحم أمها إلى الدنيا، والمرة الثانية: من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والمرة الثالثة: من بيت زوجها إلى القبر. أي شرع يقول هذا الكلام، وقد كان أزواج النبي ﷺ يخرجن معه في السفر، وكن نساء المسلمين يخرجن أيضاً للغزوات يسقين المسلمين، ويضمِّدن الجرحى، ويشاركن بالغزوات؟ من الذي قال: إن المرأة لا تخرج إلا ثلاث مرات؟ كانت المرأة قديماً تخرج لحاجتها؛ لأن العرب لم تكن تتخذ الكنف في البيوت، وذلك: (لما خرجت سودة ﵂ -زوج النبي ﵊ وكانت امرأة بدينة، فخرجت بعدما ضُرب الحجاب، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: انظري يا سودة كيف تخرجين! فوالله ما زلت معروفة، فغضبت سودة، ورجعت إلى النبي ﷺ ، وكان في بيت عائشة يأكل، فدخلت عليه فشكت له عمر، فسكت النبي ﷺ ساعة، ولم تخرج من عنده حتى أوحي إليه، فقال لها: إنه قد أُذِن لكن أن تخرجن لحاجتكن). فالمرأة ليست كما قال هذا القائل، والحق أن الأمة فرطت في تربية النساء فعلاً، فـ قاسم أمين استغل هذا التقريط وقال: إن النساء يتكلمن في كل مكان، ولهن حق التعليم، وأنا لا أريد أن تخرج المرأة عن دينها، كما في كتابه: تحرير المرأة.

стр. 877

مسرحية نزع النساء المصريات للحجاب أمام الإنجليز عندما خرجت النساء إلى ميدان الإسماعيلية، الميدان الذي يسمونه الآن ميدان التحرير -أي: الدعوة إلى تحرير المرأة!! - وخرجت امرأة سعد زغلول مع النساء، فسئل إلى أين يذهبن؟ قال: ذهبن ليحاربن الإنجليز! بماذا يحاربن؟ قال لك يرمين الإنجليز بالورد!! أهذا هو مشروع النساء؟!! ومن كثرة الغيظ على الإنجليز خلعت امرأة سعد زغلول نقابها -هذه مسرحية- وتمضي المسرحية، وحرق الحجاب ضاع في زحمة الأحداث؛ لأن الذين كتبوا في الصحافة آنذاك لم يتعرضوا لحرق الحجاب، إنما تعرضوا لضرب الإنجليز للنساء، وبطولة النساء، وأن النساء المصريات شجاعات، وأنهن وقفن للإنجليز، وضاع الحجاب في الزحمة، هكذا أرادوا! لو أنهم وقفوا عند مسألة حرق الحجاب، وناقشوها بعقل، وقالوا لأنفسهم: ما علاقة الإنجليز بالحجاب؟ هل الإنجليز هم الذين فرضوا الحجاب على المرأة، ولأجل ذلك نكاية بالإنجليز تقوم النساء فتحرق الحجاب؟ ومضت المسألة، دون وقفة وكان مراداً، مضت المسرحية وخفت صوت أهل العلم أمام الطوفان الجديد.

стр. 878

مطالبة البنت بحق التعليم أول خطوة اتخذها الأعداء بدأت البنت تطالب بحق التعليم؛ والبنت لها الحق في التعليم، هناك مدارس للبنات، ليس فيها إلا امرأة ما عدا رجلين، المدرس الأول مدرس اللغة العربية؛ لأنهم لم يجدوا نساءً أَكْفاء يدرسن اللغة العربية، فيأتون برجل في سن ستين سنة، فيكون بمنزلة الوالد للبنات، ويكون عادة رجلاً وقوراً وعفيفاً حتى لا ينفسخ الأمر، والرجل المسئول الذي هو الأخصائي الاجتماعي، دوره وعمله في المدرسة ليقابل أولياء الأمور؛ لأنه لا يوجد في الفصل إلا نساء، وترى البنت تخرج وهي لابسة القبعة وقد دلَّت ضفيرتين على ظهرها، يقول: لا مانع يا أخي! إنها بنت صغيرة لم تبلغ الحلُم، لما تُخرج الضفيرة لا إشكال وليس هناك مانع من ذلك. وتكون الناظرة للمدرسة امرأة إنجليزية، كانت متشددة إلى أقصى درجات التشدد، بحيث لو خرجت البنت لمدة خمس دقائق تقوم بتحويلها للتحقيق، وتأتي بولي الأمر، وتقول له: البنت تلعب، البنت هذه أين كانت في الخمس دقائق؟ ما بعده التزام؟! فلماذا الرجل لا يسمح لابنته أن تذهب للمدرسة وهي تذهب في عربة إلى أن تصل، وتدخل المدرسة، وتقابلها ناظرة إنجليزية حازمة في التربية!! وبعد الانتهاء من الدرس تعود في عربة إلى البيت، إذاً: البنت لا تغيب عنهم طرفة عين، وفي نفس الوقت تتحصل على الآداب والعلوم، وتقرأ وتكتب وتستفيد، فما هو المانع. هكذا بدأ الأمر واستمر ثم خفت قليلاً قليلاً، وتصبح بعد ذلك الناظرة على المدرسة امرأة مصرية، وكان الآباء من كثرة اطمئنانهم على بناتهم لا يذهبون معهن إلى المدرسة، فصرنا نرى البنات زرافات ووحداناً يمشين وحدهن في الشوارع، واستمر الأمر هكذا حتى صار عرفاً عاماً، وإن الرجل الذي لم يدخل ابنته المدرسة كان ذلك عارٌ عليه، ولكن بعد أن تقضي البنت كل هذه السنوات من سن ست سنين إلى سن اثنين وعشرين سنة، وهي تدرس، وجئت بعد ذلك وقلت لها: اجلسي في البيت، تقول لك: إذاً: لماذا كنت أتعلم؟ إذا كان العلم إلا لمجرد أن أقرأ وأكتب فلا، تعلمت لأجل أن أعمل. يقولون: يجب أن تعلم المرأة حتى يكون معها سلاح. فيا ترى هل ستدخل في حرب؟! فصارت المسألة طبيعية تتعلم لتعمل، وهكذا أريد بأمتنا، حتى صار النساء إماءً في زي الحرائر، فأين نساءنا من هاتين البنتين كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]. فلا تسئ الظن بنا وتقول: لماذا خرجتن من بيوتكن؟ إن الذي أخرجنا هو الضرورة القصوى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] فأين الضرورة في خروج المرأة في عصرنا هذا؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 879

وجوب إعادة النظر فيما يتعلق بالمرأة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام! إن صلاح البنيان الاجتماعي لا يكون إلا بإعادة النظر في أمر المرأة، ولابد لكل دعوة إصلاحية من شهداء، أفلا تكون شهيداً، أفلا تكون طليعة من طلائع الفتح، إننا نحتاج إلى مراجعة أنفسنا فيما يتعلق بالنساء، إعادة النساء إلى البيوت مرة أخرى، نعلمهن كتاب الله ﵎، وسنة النبي ﷺ وكفى بهما، فالبنت لا تحتاج أن تتعلم الإنجليزي ولا الفرنسي، ولا جغرافيا، ولا تاريخ، ولا تربية قومية، ولا حساب مثلثات، ولا كيمياء، البنت لا تحتاج إلى هذا كله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، نحن نحتاج إلى زوجات صالحات، الأمهات يعلِّمن البنات كل شيء؛ لأنهن سيكن زوجات بعد ذلك، كثير من البنات يتعثرن في بداية حياتهن الزوجية، لماذا؟ لأن الأم لم تعلمها كيف تطبخ، ولا كيف ترعى الزوج، لم تعلمها الكياسة، ولا الفطنة، ولا الذكاء، تدخل على زوجها ومعها سلاح، ولو أن المرأة معها شهادة عليا (ماجستير) أو (ليسانس)، وتقدم رجل معه دبلوم، وهو رجل صالح، ورجل فاضل، يقولون: لا. لماذا؟ لأن هناك تفاوت في الكفاءة، أي كفاءة هذه؟ لكن انظر إلى المرأة العاقلة التي تربت في البيت الملتزم فعلاً ماذا قالت؟! ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. هذه هي مواصفات الزوج الصالح، إذا ظفرت برجل قوي أمين فعلى بركة الله زوجه ولا تتوقف، أما قولهم: إنما هي داخلة ومعها سلاح ماضٍ، وهو سلاحه أقل منها، هل هم داخلون في معركة، هذا التغير الدماغي كان سببه النساء. فلا بد حينئذ من نساءٍ يعملن لله، يقلن: نحن سنرجع الأمر إلى قوامه فعلاً كما كان، فلا يسمحن لبناتهن ولا يسمحن لنسائهن، ولا لأخواتهن أن يختلطن بالرجال، فلا بد من طائفة نسائية تقوم بهذا وتفعله هذه المرأة عن رضا، وأنها نذرت نفسها لله ، وسيؤتي هذا الغرس ثماره ولو بعد حين.

стр. 880

استمرار دعاة الانحلال في دعوتهم إلى آخر لحظة وعجزنا نحن فهذا قاسم أمين وقد وقف خطيباً في طائفة من نساء رومانيا في اليوم الذي مات في ليلته، وهن فتيات جئن من رومانيا إلى مصر، في رحلة سياحية ترفيهية، فوقف فيهن خطيباً وقال: إنني أتمنى أن أرى بنات مصر يختلطن بالشبيبة، ولا يكون بينهما أي تحرج كما أرى هؤلاء الفتيات العذارى اللاتي خرجن من بلدهن لطلب المعرفة والاستزادة من العلوم. الدعوى الخاصة به بدأت برحلته إلى فرنسا، ثم رجع، ودعا إلى تحرير المرأة، وإلى تعليمها، لكن العلماء هجموا عليه، فانزوى في بيته، ثم عاد إلى دعوته، أخذه السلطان، ثم خلصه سعد زغلول من يده، وقال له: أنا سأحميك، فانطلق من يومها داعياً إلى السفور والتبرج والاختلاط إلى آخر يوم من حياته كما مر معنا.
следующие страницы →