← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

رجوع قاسم أمين من فرنسا وتأليفه كتاب تحرير المرأة لما رجع قاسم أمين إلى بلده، رجع بوجه آخر غير الوجه الذي سافر به، وكتب كتاب: تحرير المرأة. تحرير المرأة لـ قاسم أمين لم يصرح فيه بما يريد؛ لأنه خائف من التقاليد، ولأنه لو قال للرجال: أخرجوا نساءكم، واسمحوا لهن بالكلام مع الرجال لما سمحوا له بذلك، لماذا؟! لأن التقاليد كانت أقوى، ولما سكت عليه رجال الإسلام، قام وذكر في كتابه: تحرير المرأة. فقال مثلاً: لقد أهملنا المرأة فأهملنا تعليمها وتثقيفها، فأخرجت لنا أجيالاً ممسوخة، وقد كان على حق في هذا. فالأمة قررت فعلاً حرمان المرأة من التعليم والتثقيف، حتى كان قائلهم يقول في ذلك الزمان: إن المرأة لا تخرج إلا ثلاث مرات، المرة الأولى: من رحم أمها إلى الدنيا، والمرة الثانية: من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والمرة الثالثة: من بيت زوجها إلى القبر. أي شرع يقول هذا الكلام، وقد كان أزواج النبي ﷺ يخرجن معه في السفر، وكن نساء المسلمين يخرجن أيضاً للغزوات يسقين المسلمين، ويضمِّدن الجرحى، ويشاركن بالغزوات؟ من الذي قال: إن المرأة لا تخرج إلا ثلاث مرات؟ كانت المرأة قديماً تخرج لحاجتها؛ لأن العرب لم تكن تتخذ الكنف في البيوت، وذلك: (لما خرجت سودة ﵂ -زوج النبي ﵊ وكانت امرأة بدينة، فخرجت بعدما ضُرب الحجاب، فرآها عمر بن الخطاب، فقال: انظري يا سودة كيف تخرجين! فوالله ما زلت معروفة، فغضبت سودة، ورجعت إلى النبي ﷺ ، وكان في بيت عائشة يأكل، فدخلت عليه فشكت له عمر، فسكت النبي ﷺ ساعة، ولم تخرج من عنده حتى أوحي إليه، فقال لها: إنه قد أُذِن لكن أن تخرجن لحاجتكن). فالمرأة ليست كما قال هذا القائل، والحق أن الأمة فرطت في تربية النساء فعلاً، فـ قاسم أمين استغل هذا التقريط وقال: إن النساء يتكلمن في كل مكان، ولهن حق التعليم، وأنا لا أريد أن تخرج المرأة عن دينها، كما في كتابه: تحرير المرأة.

стр. 877

مسرحية نزع النساء المصريات للحجاب أمام الإنجليز عندما خرجت النساء إلى ميدان الإسماعيلية، الميدان الذي يسمونه الآن ميدان التحرير -أي: الدعوة إلى تحرير المرأة!! - وخرجت امرأة سعد زغلول مع النساء، فسئل إلى أين يذهبن؟ قال: ذهبن ليحاربن الإنجليز! بماذا يحاربن؟ قال لك يرمين الإنجليز بالورد!! أهذا هو مشروع النساء؟!! ومن كثرة الغيظ على الإنجليز خلعت امرأة سعد زغلول نقابها -هذه مسرحية- وتمضي المسرحية، وحرق الحجاب ضاع في زحمة الأحداث؛ لأن الذين كتبوا في الصحافة آنذاك لم يتعرضوا لحرق الحجاب، إنما تعرضوا لضرب الإنجليز للنساء، وبطولة النساء، وأن النساء المصريات شجاعات، وأنهن وقفن للإنجليز، وضاع الحجاب في الزحمة، هكذا أرادوا! لو أنهم وقفوا عند مسألة حرق الحجاب، وناقشوها بعقل، وقالوا لأنفسهم: ما علاقة الإنجليز بالحجاب؟ هل الإنجليز هم الذين فرضوا الحجاب على المرأة، ولأجل ذلك نكاية بالإنجليز تقوم النساء فتحرق الحجاب؟ ومضت المسألة، دون وقفة وكان مراداً، مضت المسرحية وخفت صوت أهل العلم أمام الطوفان الجديد.

стр. 878

مطالبة البنت بحق التعليم أول خطوة اتخذها الأعداء بدأت البنت تطالب بحق التعليم؛ والبنت لها الحق في التعليم، هناك مدارس للبنات، ليس فيها إلا امرأة ما عدا رجلين، المدرس الأول مدرس اللغة العربية؛ لأنهم لم يجدوا نساءً أَكْفاء يدرسن اللغة العربية، فيأتون برجل في سن ستين سنة، فيكون بمنزلة الوالد للبنات، ويكون عادة رجلاً وقوراً وعفيفاً حتى لا ينفسخ الأمر، والرجل المسئول الذي هو الأخصائي الاجتماعي، دوره وعمله في المدرسة ليقابل أولياء الأمور؛ لأنه لا يوجد في الفصل إلا نساء، وترى البنت تخرج وهي لابسة القبعة وقد دلَّت ضفيرتين على ظهرها، يقول: لا مانع يا أخي! إنها بنت صغيرة لم تبلغ الحلُم، لما تُخرج الضفيرة لا إشكال وليس هناك مانع من ذلك. وتكون الناظرة للمدرسة امرأة إنجليزية، كانت متشددة إلى أقصى درجات التشدد، بحيث لو خرجت البنت لمدة خمس دقائق تقوم بتحويلها للتحقيق، وتأتي بولي الأمر، وتقول له: البنت تلعب، البنت هذه أين كانت في الخمس دقائق؟ ما بعده التزام؟! فلماذا الرجل لا يسمح لابنته أن تذهب للمدرسة وهي تذهب في عربة إلى أن تصل، وتدخل المدرسة، وتقابلها ناظرة إنجليزية حازمة في التربية!! وبعد الانتهاء من الدرس تعود في عربة إلى البيت، إذاً: البنت لا تغيب عنهم طرفة عين، وفي نفس الوقت تتحصل على الآداب والعلوم، وتقرأ وتكتب وتستفيد، فما هو المانع. هكذا بدأ الأمر واستمر ثم خفت قليلاً قليلاً، وتصبح بعد ذلك الناظرة على المدرسة امرأة مصرية، وكان الآباء من كثرة اطمئنانهم على بناتهم لا يذهبون معهن إلى المدرسة، فصرنا نرى البنات زرافات ووحداناً يمشين وحدهن في الشوارع، واستمر الأمر هكذا حتى صار عرفاً عاماً، وإن الرجل الذي لم يدخل ابنته المدرسة كان ذلك عارٌ عليه، ولكن بعد أن تقضي البنت كل هذه السنوات من سن ست سنين إلى سن اثنين وعشرين سنة، وهي تدرس، وجئت بعد ذلك وقلت لها: اجلسي في البيت، تقول لك: إذاً: لماذا كنت أتعلم؟ إذا كان العلم إلا لمجرد أن أقرأ وأكتب فلا، تعلمت لأجل أن أعمل. يقولون: يجب أن تعلم المرأة حتى يكون معها سلاح. فيا ترى هل ستدخل في حرب؟! فصارت المسألة طبيعية تتعلم لتعمل، وهكذا أريد بأمتنا، حتى صار النساء إماءً في زي الحرائر، فأين نساءنا من هاتين البنتين كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]. فلا تسئ الظن بنا وتقول: لماذا خرجتن من بيوتكن؟ إن الذي أخرجنا هو الضرورة القصوى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] فأين الضرورة في خروج المرأة في عصرنا هذا؟! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 879

وجوب إعادة النظر فيما يتعلق بالمرأة الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أيها الإخوة الكرام! إن صلاح البنيان الاجتماعي لا يكون إلا بإعادة النظر في أمر المرأة، ولابد لكل دعوة إصلاحية من شهداء، أفلا تكون شهيداً، أفلا تكون طليعة من طلائع الفتح، إننا نحتاج إلى مراجعة أنفسنا فيما يتعلق بالنساء، إعادة النساء إلى البيوت مرة أخرى، نعلمهن كتاب الله ﵎، وسنة النبي ﷺ وكفى بهما، فالبنت لا تحتاج أن تتعلم الإنجليزي ولا الفرنسي، ولا جغرافيا، ولا تاريخ، ولا تربية قومية، ولا حساب مثلثات، ولا كيمياء، البنت لا تحتاج إلى هذا كله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، نحن نحتاج إلى زوجات صالحات، الأمهات يعلِّمن البنات كل شيء؛ لأنهن سيكن زوجات بعد ذلك، كثير من البنات يتعثرن في بداية حياتهن الزوجية، لماذا؟ لأن الأم لم تعلمها كيف تطبخ، ولا كيف ترعى الزوج، لم تعلمها الكياسة، ولا الفطنة، ولا الذكاء، تدخل على زوجها ومعها سلاح، ولو أن المرأة معها شهادة عليا (ماجستير) أو (ليسانس)، وتقدم رجل معه دبلوم، وهو رجل صالح، ورجل فاضل، يقولون: لا. لماذا؟ لأن هناك تفاوت في الكفاءة، أي كفاءة هذه؟ لكن انظر إلى المرأة العاقلة التي تربت في البيت الملتزم فعلاً ماذا قالت؟! ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. هذه هي مواصفات الزوج الصالح، إذا ظفرت برجل قوي أمين فعلى بركة الله زوجه ولا تتوقف، أما قولهم: إنما هي داخلة ومعها سلاح ماضٍ، وهو سلاحه أقل منها، هل هم داخلون في معركة، هذا التغير الدماغي كان سببه النساء. فلا بد حينئذ من نساءٍ يعملن لله، يقلن: نحن سنرجع الأمر إلى قوامه فعلاً كما كان، فلا يسمحن لبناتهن ولا يسمحن لنسائهن، ولا لأخواتهن أن يختلطن بالرجال، فلا بد من طائفة نسائية تقوم بهذا وتفعله هذه المرأة عن رضا، وأنها نذرت نفسها لله ، وسيؤتي هذا الغرس ثماره ولو بعد حين.

стр. 880

استمرار دعاة الانحلال في دعوتهم إلى آخر لحظة وعجزنا نحن فهذا قاسم أمين وقد وقف خطيباً في طائفة من نساء رومانيا في اليوم الذي مات في ليلته، وهن فتيات جئن من رومانيا إلى مصر، في رحلة سياحية ترفيهية، فوقف فيهن خطيباً وقال: إنني أتمنى أن أرى بنات مصر يختلطن بالشبيبة، ولا يكون بينهما أي تحرج كما أرى هؤلاء الفتيات العذارى اللاتي خرجن من بلدهن لطلب المعرفة والاستزادة من العلوم. الدعوى الخاصة به بدأت برحلته إلى فرنسا، ثم رجع، ودعا إلى تحرير المرأة، وإلى تعليمها، لكن العلماء هجموا عليه، فانزوى في بيته، ثم عاد إلى دعوته، أخذه السلطان، ثم خلصه سعد زغلول من يده، وقال له: أنا سأحميك، فانطلق من يومها داعياً إلى السفور والتبرج والاختلاط إلى آخر يوم من حياته كما مر معنا.

стр. 881

هدى شعراوي ودعوتها إلى السفور وهذه هدى شعراوي خرجت إلى باريس محجبة، وكان أبوها رجلاً أفندياً؛ وهدى هانم شعراوي هي ابنة هذا الأفندي، هذا لقب كانت النساء من البيوت الشريفة تتلقب به، مثل أفندي وباشا، هي خرجت محجبة، ولما رجعت من باريس خرج أبوها مع طائفة من الناس الكبار ليستقبلوها عندما تنزل من المركب؛ نزلت من المركب وقد نثرت شعرها على ظهرها، فاستحيا أبوها عندما رأى منظرها، فلما رجعت قامت وفتحت صالوناً واجتمع الرجال عندها، وجاء الصحفيون، فأول ما تدخل عليهم كانت تعطي للصحفي قرشين ليكتب مقالة في الصحيفة عن رقة (الهانم)، وعن عذوبة ابتسامتها، وبدأت القصة هكذا، قصة لها جذور عميقة، ألا ينبغي أن تمر هذه القضية بدون تأمل؟! إنها تحتاج إلى تأمل ووقفات، كما قلت: كل دعوة إصلاحية لا بد لها من شهداء، أفلا تتشرف وتكون شهيداً، قد يرمونك بالجمود والتخلف والتطرف، وأنك ضيعت بناتك، لكنك تدري ما تريد، تعرف قصدك وغايتك. فنحن نستفيد من موقف هاتين المرأتين حيث قلن: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]: أنه لا ينبغي لأحد أن يلقي نفسه في مواطن التهم، ويعتمد على سيرته، وعلى مكانته بين الناس، فلستَ مرضياً عند كل الطوائف، ولذلك النبي ﷺ قال: (ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه). وقال قبلها: (اتقوا الشبهات) لماذا؟ لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، مهما كان قوياً ومهما كان أصيلاً ونبيلاً كاد أن يقع فيه، ألا وإن حمى الله محارمه.

стр. 882

دور سعد زغلول في الدعوة إلى السفور والانحلال أيها الإخوة الكرام: ينبغي على الذين يتصدون للإصلاح، أصحاب الدعوات الإصلاحية، أن لا يغفلوا قراءة، مذكرات الساسة، ومذكرات من كان لهم حق إصدار القرار والتشريع، ليعلم أين الداء فيضع الدواء في موضعه. لما قرأت مذكرات سعد زغلول، وسعد زغلول تعرفون أنه زعيم وطني حسب زعمهم، وقاموا بتلميعه، وأنه قائد ثورة تسعة عشر، أراد هذا الرجل أن يخرج لنا ديناً ممسوخاً، إنه لا يعرف شيئاً عن الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا أيام البطولات، عندما تقرأ في الكتب المدرسية تجد أنهم يعرضون تاريخنا بصورة مختصرة شوهاء، ليس فيها تمجيد، إنما فيها حكايات تلقى. مثلاً: كتب التاريخ عندما يتكلمون عن الجاهلية والإسلامُ، العبارة هذه حفظناها في الكتب، يقول لك: جاء الإسلامُ والجاهليةُ تَعُمُّ جزيرة العرب، فقد كانوا يشربون الخمر ويئدون البنات، ويلعبون بالميسر، هذا فقط!! يعني: الإسلام لما جاء كانت هذه هي أخلاق الجاهلية. فالجماهير عندما لا تجد وأد البنات، ولا تجد أن هناك أصناماً منصوبة تعبد. ولا تجد شرب خمر علني ولا ميسر علني، يتصورون أن الإسلام متربع في طول البلاد وعرضها، ولا يدرون أبداً أن الإسلام جاء ليحكم، فهذا غير معروف لديهم، حتى صارت مواصفات الجاهلية عند الجماهير هي: وأد البنات، وشرب الخمر، وعبادة الأصنام. وطالما أن الأصنام غير منصوبة ولا موجودة لنعبدها، فنحن على الإسلام، وتغافلوا عن إنما مسألة توحيد الألوهية، وأن الإسلام جاء ليهيمن، ويكون الحكم لله وحده، فالمسألة هذه لا يناقشونها، وحين يعرضون القضية يعرضونها بطريقة شوهاء مختصرة، ليس فيها تمجيد وليس فيها بطولات تسترعي الانتباه، فهذا العرض الذي هو لتاريخنا عندما يعرضه جاهل، ويأتي الزعماء الجدد، ويلمعون من كان خائناً لدينه وأمته، وكيف أن سعد زغلول لما نفاه الإنجليز صبر على النفي وعاد بطلاً، فحين نتتبع هذا الإنسان ونرى صفاته نرى أنه - سعد زغلول - يشرب الخمر، وكل الذين أرّخوا له اتفقوا على هذه الحقيقة. لكن اعتذر له عباس محمود العقاد وذلك بأنه كان عنده ألم في المعدة، وأن الأطباء نصحوه بشرب الخمر، هذا أحسن اعتذار عنده، مع أن النبي ﷺ كما في صحيح مسلم جاءه رجل يسأله أن يتداوى بالخمر قال: (إنها داء وليست بدواء)، و: (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم). وهناك أدلة كثيرة تدل على حرمة التداوي بالخمر، فإذا حرم الله شيئاً على الناس، فإنه لا يجعل فيه دواءً وذلك سداً للذريعة؛ لأنه قد يأتي شخص يريد أن يشرب الخمر ويقول: أنا مريض وقد نصحني الأطباء بشرب الخمرة، وإغلاقاً لباب الذريعة والتحايل لم يجعل الله شفاء الأمة فيما حرم عليها. فلما نقرأ سيرة هؤلاء، نعلم أنهم لا يصلحون أن يكونوا قدوة، فأبناء أجيالنا متأثرون الشائعات الكاذبة والتضخيم والتلميع الذي يحصل لهذه الشخصيات، فإذا ذكر أمامك أحد هؤلاء في محل القدوة فلا تسكت ووضح للناس زيفه ومكره. فلا بد أن نقرأ مذكرات الساسة الغربيين الذين يلعبون بنا لعب الكرة، والكلام هذا إنما يهتم به القائمون على الدعوات الإصلاحية، لا يعني ذلك أن كل الناس يذهبون ويشترون المذكرات، ويظلون يقرءون، لا. الأصل أننا نتفقه في ديننا، هذا هو الأصل، لكن الذين يدعون إلى الإصلاح لا بد أن يكونوا عالمين بأعدائهم، وبطرقهم التي يحاولون إفساد جيل المسلمين بها.

стр. 883

حقيقة زاوج المسيار والمفاسد المترتبة عليه إن قضية تحرير المرأة تحتاج إلى إعادة نظر، فالمرأة ما حُرِّرت إلا من دينها فقط، هذا المختصر المفيد لقضية تحرير المرأة، وكل يوم يعملون عملية إحلال وإبدال في التشريع والدستور، فهم يريدون أن يعطوها حرية أكثر، يريدون أن ينزعوا سلطان الرجل عليها، وآخر هذه الدعوات وإن كان ظاهرها مشروعاً، لكنها ستؤثر حتماً في البنية الاجتماعية تأثيراً خطيراً بالغ الخطورة ومن يعش سيرى: (فستذكرون ما أقول لكم) زواج المسيار الذي بدأ ينتشر في القاهرة والإسكندرية والدقهلية، وبدأ ينتشر في الجامعات على وجه الخصوص، وكذلك الزواج العرفي في الجامعات كثير جداً، تأتي البنت وتقول للشاب: أنا وهبت لك نفسي، وتذهب كل يوم إلى المحاضرات مع هذا العشيق العشنّق! وحبوب منع الحمل كافية والحقنة التي يأخذونها كافية، وتركيب الواقي البلاستيكي كافٍ، ولا يدري الوالد أن البنت متزوجة، وتذهب إلى بيت العشيق، ولا تذهب إلى الجامعة، وهذا الكلام ما عرفناه إلا من الصحافة، وقد تكلم أناس كثيرون عن هذه الظاهرة الغريبة، التي هي ظاهرة الزواج العرفي في الجامعات. وزواج المسيار، هو أن يحضر الولي وشاهدان، وفيه إسقاط المرأة لمهرها ونفقتها، والرجل هذا ليس عليه أي مسئولية نهائياً، فالمرأة تقول: أنا أريد رجلاً فقط، أي: لا تريد أن تأكل ولا أن تشرب، تريد رجلاً يحميها، رجلاً يكون بجانبها، وعادة ما يكون هذا الرجل متزوجاً لكي لا تعلم المرأة الأولى بزواجه، وهذا الذي يحصل في الخليج والبلاد المجاورة. وهذا هو خلاصة زواج المسيار، فليس على الرجل أي مسئولية، فالمرأة تُسقط النفقة والمهر، وإذا أعطاها بعض المصروف فخير وبركة، وإن كان ليس معه مال فتقول له: أنا سأصرف على نفسي، بل هناك بعض النساء تنفق على الرجل. والرجل يقول: أنا لا أريد أولاداً منك، فتوافق على ذلك ولو أن هذه المرأة أنجبت من جراء هذا الزواج الشرعي، الذي فيه ولي وشهود، فالمرأة ستضحي؛ لأن الرجل أخلى مسئوليته ابتداءً من الأولاد، وبالتالي لا يهتم بهم، وهذا سيؤثر تأثيراً بالغ الخطورة في المجتمع فيما بعد، سيأتي أولاد ليس لهم أب يربيهم. إذاً: زواج المسيار قائم على المتعة فقط، فإذا كان هناك زواج شرعي بولي وشهود، فسيكون مقابله مائة زواج غير شرعي، وذلك بحضور شاهدين اثنين، يقول لك: هذا على مذهب أبي حنيفة، كما هو الحاصل الآن! إذاً: زواج المسيار حضور البنت مع الوالد مع الشهود، ويذهب الجميع إلى المحامي ويعملون عقداً، وكثير من الناس يتزوجون بهذه الطريقة، فكيف إذا كانت المرأة هي التي تعرض نفسها وتسقط حقها، فهذا مهانة كبيرة للمرأة حقيقة، فلو كانت هذه المرأة زوجة رابعة لكان أشرف لها؛ لأنها زوجة، والرجل متكفل بنفقتها وأولادها، ويقسم لها مع سائر زوجاته، ويقوم برعاية أولادها ورعايتها. لكن هؤلاء المنحرفون كل يوم يستحدثون للنساء أشياء جديدة لم تكن معروفة من قبل ذلك، بقصد تقويض بنيات هذه الأمة. الذي يميز هذه الأمة المسلمة أن النساء حتى الآن عندهن حياء. وتأمل موقف المرأة مع موسى ﵇، فهي لم تضحك ولم تمزح معه، لكنها جاءت على استحياء: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥]، إن أبي يدعوك، المرأة لم تقل: تعال لكي نجزيك، وأنت رجل أمين، وجزيت خيراً، ووجهك عليه نور، ولم تقل له: أخبرني ما حكايتك؟ لا. إنها بنت متربية ملتزمة. من بيت ملتزم والالتزام ليس في اللحية، ولا في لبس الثوب القصير، وليس معنى ذلك أن لا تعفي لحيتك، وأن تلبس الثوب المسبل، لا. الالتزام أن لا تتهجم على حكم الله، هذا هو لب الالتزام. إذا قيل لك: افعل كذا، فافعل ما أمرت به، هذا هو حق العبودية، هذا حق الله على العبيد. قال في الحديث: (أتدري ما حق الله على العبيد؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: حقه أن يعبدوه لا يشركوا به)، لا في العبادة، ولا في القرارات، ولا في الأحكام، لا يشركوا به شيئاً، لا يتلقى الأوامر إلا من الله، فيُعرف قدر الإنسان وقدر التزامه بوقوفه عند الأوامر والنواهي. فالذي يميزنا نحن الأمة المسلمة هو حياء نسائنا. وبعض الصحفيات الأمريكان اللاتي جئن إلى مصر وعشن فيها طويلة كتبن يقلن: إنهن يتمنين أن يرين في أمريكا ما رأينه في مصر، من احتجاب النساء، وعدم مخالطة النساء للرجال، وقالت إحداهن: إني رأيت في المرأة أموراً عجيبة هناك، بينما هي في الغرب مجرد سلعة، إن عملت أكلت، وإن لم تعمل لا تأكل، فيه تعمل أي عمل حتى البغي.

стр. 884

لا سلطان للأب على ابنته في الغرب المرأة التي سافرت إلى أمريكا مع أبيها وهو رجل من الصعيد صار له خمسة وثلاثون سنة في أمريكا، دخلت عليه بنته ومعها ولدها من الزنا، فقابلها على الباب وقال لها: لا. خذيه واذهبي به في أي مكان آخر، يعني: هو يعرف أن هناك زناً وقع من البنت، لكنه منعها من أن تدخل بولدها إلى بيته، فتأخذه وتذهب به إلى مكان آخر، لو كان هذا الصعيدي هنا ما كان ليسمح لنفسه بعشر معشار الكلام الذي يقوله الآن. لكن هؤلاء الأولاد من حيث البنية الاجتماعية متحللون بسبب التربية المنحرفة، وهؤلاء الآباء لا يربون أولادهم إلا على الحرية المطلقة، وعلى استتمام الشهوات مائة بالمائة، هناك في أمريكا ممنوع على الأب ضرب ولده؛ إذا ضرب ولده فإنهم يضعونه في السجن. هؤلاء الأولاد كلهم يحفظون هذا النظام، فلذلك تجدهم يفعلون ما يشاءون دون أي خوف، ولو أن الأب ضرب ابنه أو ابنته، واشتكى هذا الابن أو البنت إلى الشرطة، فإنهم يأتون ويقبضون على هذا الأب ويضعونه في السجن، ولا يخرجونه إلا بعد أن يأخذوا عليه تعهداً بأن لا يضرب ولده أو ابنته، فكيف يكون هذا الولد مستقبلاً؟! وهذا الرئيس الأمريكي والفضيحة الكبيرة، لو عنده أدنى ذرة من الدم لقتل نفسه، والشعب الأمريكي كله يعتقد بأنه هو ولد زنا، والفضيحة التي عملها هي أمر عادي عندهم، وإنما أخذوا عليه كذبه عليهم فقط، ومع هذا فقد زادت شعبيته. وهؤلاء عالم لهم مقاييس عجيبة. والشعب الأمريكي لم يؤاخذوا رئيسهم على جريمة الزنا، وإنما لماذا يكذب عليهم؟ فيأتي شخص ويكتب مقالة يمجد فيها الأمريكان، يقول لك: انظر إلى الأمريكان. الكذب عندهم جريمة نكراء، نقول: والكذب الذي يفعلونه في العالم كله، إنهم يكذبون على الحكومات وعلى الشعوب ويأكلونهم، أليس هذا كذب؟! أكل هذا صدق عندهم؟! قوم يا أخي! بلا تقاليد ولا أخلاق، حضارتهم قائمة على التهويش والبهائمية، ليس عندهم بنيان اجتماعي متماسك أبداً، هم مهتمون بسمعتهم المادية فقط، مثل الشخص الفتوة قديماً، الذي يعيش بسمعته. عندما يذهب الرجل المسلم إلى أمريكا ليطلب الدنيا، يا لخسة ما طلب، ذهب الرجل الصعيدي إلى أمريكا يعيش هناك، فالبنت عندما جاءت بولد من الزنا، وقال لها: اخرجي من البيت ماذا صنعتِ؟ لقد قامت البنت ودفعت أباها للداخل وأرادت أن تدخل، فكل الذي فعله الرجل صاحب النخوة الصعيدي أنه دفعها إلى الخارج، قامت البنت واتصلت بالشرطة، جاءت الشرطة في لمح البصر، أخذوه، وقاموا بتعذيبه لمدة واحد وعشرين يوماً. فلما خرج الرجل طاف على كل صديقات ابنته من أجل أن يتوسطن له عند ابنته بأن تسمح له في المبيت في البيت، وتفعل الذي تريده. قاعدة البنيان للأسر كلها قائمة على النساء، والنساء يقمن بأعظم دور، إذ الرجل لا يصلح إلا بامرأة على مذهبه، فدور النساء دور عظيم.

стр. 885

كثرة القرارات الخاصة بالنساء والغاية منها كل يوم تجد أعداء الله يقومون بتعديل في البنية الاجتماعية، وذلك بإصدار القرارات الخاصة بالنساء، -مثلاً- من عشر سنين، كم هي القرارات التي صدرت وهي خاصة بالنساء؟! كثيرة جداً، بدءاً من قانون الأسرة الخاص بالأحوال الشخصية، في أن المرأة لها الشقة إذا طلقها زوجها، إذاً: الرجل من أين يأتي بشقة إن هو طلق؟ فالنتيجة لابد أن يصبر الرجل على المُر. بدأت النساء يتفَرْعَنّ، تشتم الرجل وتهينه، وتقول له: إذا كنت راجلاً طلقني، وهو لا يستطيع، وهي تقولها وهي واثقة مائة بالمائة أنه لا يستطيع، فتخيل عندما يصير الرجل هكذا، والمسائل تنقلب، وتنتكس هذا الانتكاس، كيف يكون الجيل الذي يخرج؟ عندما يرى الولد أمه ويسمعها تقول لأبيه: إذا كنت رجلاً طلّقني. كيف يكون تصور الولد تجاه أبيه؟ الذي هو القدوة، الذي ينظر ويعتقد أن أباه في القمة؛ لأن أباه قدوة، ويفترض أن يكون سيداً للمرأة ولابنها، وهذا معنى كلمة البعل: أي الرجل المالك، السيد المالك. انظروا إلى مدى التغيير الخطير في البنية الاجتماعية، حسن! أليس لدينا خط دفاع مثل كريات الدم البيضاء، فكريات الدم البيضاء حين تجد الميكروبات تقوم بمقاومتها، فكريات الدم البيضاء استشهدت في المعركة ضد الجراثيم الغازية، كريات الدم البيضاء التي هي الجهاز المناعي، الجهاز المناعي لمواجهة الجراثيم والميكروبات. فهي تقتل نفسها حماية لهذا البدن. فمن الذي يتطوع، ويكون في خط الدفاع الأول؟ إنه أنت واحذر أن تستقل جهدك، وتقول: ماذا سأعمل مع كل هذه المخالفات.

стр. 886

دعوة إلى مواجهة دعاة التحرير وعدم استعجال الثمار قاسم أمين صاحب الدعوة الباطلة المنحرفة لما جاء بدعوى تحرير المرأة أخذ يدعو إلى باطله السنوات الطوال حتى حصل على مراده في تغيير البنية الاجتماعية بعد سنة ثمانية وعشرين وإلى الآن ما زلنا نتجرع غصص هذا التحرر، وهذا الكتاب والتوصيات فهذا صاحب دعوة باطلة فكيف بدعوة الحق، فكن طويل النفس، ولا تكن مستعجلاً. تنظر تحت قدمك، سيأتيك الفرج لو صدقت النية، والدليل على ذلك قصة المرأتين وحكاية موسى ﵇: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، انتبه للحالة هذه، صار له ثمانية أيام يمشي، ليل نهار، يأكل ورق الشجر، ثم أنه خائف، لو رأى شخصاً يحد النظر فيه لقال: هذا من حاشية فرعون، شخص خائف يتصور أن الشارع كله جواسيس، لو أن شخصاً قال له: من أين أنت؟ لقال: هذا يعرفني، عندما وصل موسى ﵇ إلى مدين ورأى المرأتين، سألهن ما خطبكما؟ فأهل مدْيَن كلهم يتزاحمون على بئر، وكل واحد عنده عدد من الغنم، ويريدون أن يسقوا حتى يعودوا، ماذا تفعل امرأة أو امرأتان في وسط هؤلاء الرجال؟ ﴿تَذُودَانِ﴾ [القصص:٢٣]، لا يردن للغنم أن يختلطن مع الأخرى؛ لأنه لو اختلطت أغنامهما فقد تضيع الغنم: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣]، وما أخرجنا إلا أن أبانا شيخٌ كبير، وهذا أيضاً من الأمارات أنه لم يكن شعيباً، لو كان شعيباً؛ لكان له مكانة عندهم، فعلى الأقل كان سيجد من الطائفة المؤمنة من يفعل ذلك فموسى لم يحتمل هذا المنظر؛ لأنه أبيّ النفس قام ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص:٢٤]، مكدود متعب جائع، ومع ذلك لما رأى المنظر هذا لم يتحمل، وهكذا أصحاب النفوس الأبية الكريمة، لا تبيت على الضيم طرفة عين، وتأباه فطرة وطبعاً، ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص:٢٤]، سقى لهما في وسط المجموعة هؤلاء، فما الذي فعله؟ قام موسى وأحضر البهائم وسقاهن، وهذا كان بقوة موسى ﵇، وكان أيضاً بالوقار والمهابة التي كانت عليه وفي نفس الوقت كان قوياً. يذكرون في الإسرائيليات: أن الجماعة بعدما سقوا أغنامهم قاموا كلهم ووضعوا صخرة عظيمة على فم البئر لكي لا يستطيع أن ينزعها، لكنه قام لوحده فنزع تلك الصخرة العظيمة، وسقى غنم المرأتين، فلذلك المرأة عرفت أنه قوي. فلما سقى لهما، مشى ولم يلتفت إليهما، ولم يقل: أي خدمات، أنا موجود إذا أردتموني، سلموا لي على الوالد!! لا. لذلك عرفت المرأة أنه أمين. ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص:٢٤]، هذا في حر شديد، وقت قيلولة، ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ [القصص:٢٤]، لاحظ لمن توجه؟ لم يطلب أجرة، ولا قال: أعطني خروفاً مقابل ما سقيت لكما، لا. جرّد القصد لله، لذلك ماذا قالت الآية بعد ذلك: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]، مباشرةً جاء الفرج، ليس بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أو أربعة، لا. عندما يكون الرجل خائفاً؛ فإن الله يؤمنه -كما تدين تدان- ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص:٢٤] ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ [القصص:٢٥]، الجزاء من جنس العمل. فاحذر أن تستعجل! احذر أن تستعجل وتقول: هذا المجتمع كله مخالفات، وأنا لو التزمت وأجلست بناتي أو أجلست امرأتي في البيت وغير ذلك، فما الذي سأفعله أنا في هذا المجتمع كله؟! نقول: لا. لا تحتقر نفسك ولا تحتقر جهدك؛ لأن الذي يبارك في الجهد القليل هو الله، وربنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]. اعلم أن كل هذا الذي يفعلونه سيكون كما قال الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، كل الذي يفعلونه، ها هو النقاب مثلاً الحرب ضده قائمة على قدم وساق، ما من صباح ينشق فجره إلا وترى النساء قد التزمن بالنقاب، هناك نساء تركن العمل حرصاً على النقاب، ولو قلنا لهن: اجلسن قبل أن يعتقدن ضرورة الالتزام بالحجاب لما جلسن، إن الله هو الذي يبارك في هذه الصحوة، فأنت لا تحقر نفسك، واجعل لك دوراً؛ حتى تذهب إلى الله وأنت مرفوع الرأس. وهذا أحد الصحابة لما دخل على القتال قال: اللهم لقني عدواً شديداً حرده، -يعني: شديد الغيظ عليَّ- شديداً بأسه -شديد القوة عليَّ- فيقتلني ثم يبقر بطني، ويجدع أنفي، ويقطع أذني، فتسألني فيم يا عبد الله؟ فأقول فيك يا رب، هذا هو الجهاد، أنا لا أريده أن يقتلني فقط، أريده أن يمثل بجثتي. يفتح بطني، ويقطع منخري، ويقطع أُذُني، وتسألني لماذا يا عبد الله؟ فأقول: فيك يا رب. وفي الحديث الصحيح لما تجلى الله على الشهداء قال لهم: (تمنوا -ما الذي تتمنوا؟ - يقولون: يا رب نرجع فنقاتل فنقتل فيك). ربك عزيز جداً، عزيز لو فعلت ما فعلت، ما أعطيته حقه ولا عُشر حقه، لماذا أنت واقف هكذا؟ يقول لك: ارجع ولا تريد أن ترجع!! لماذا هكذا؟ لا يكن الجماد خيراً منك!! إن الله قال للسماوات وللأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١] ائتيا هكذا أو هكذا، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، لماذا لا تعود وحدك، وترجع إلى ربك مختاراً، بدلاً من أن ترجع مكرهاً ولا جميل لك؟. فتكون راجعاً مكرهاً، فارجع مختاراً. إذاً: الصحوة هذه لابد أن يكون لها قدوات، تقتدي الجماهير بها، وإذا كان أصحاب الالتزام لا يقومون بواجبهم حق القيام، فمن يقوم به؟ فهل يقوم به أهل الدنيا الذين لم يحققوا الالتزام حتى الآن؟ لكن اصبر على الحق المر ولو كنت وحدك، فإن الصبر من اسمه مُر. نحن نحتاج يا إخواننا! أن ننقل هذا إلى بيوتنا، ونعمل لله ﵎، وربنا قال لأزواج النبي ﷺ : ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ [الأحزاب:٣٤] أين؟. في المدرسة؟ في الجامعة؟. ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٤]. فالمرأة إنما تتعلم في بيتها، هذا هو الأصل. إذا كانت هناك مدارس خاصة للبنات، ولا يوجد فيها رجال، فأدخِل البنت فيها ولا بأس، تتعلم العلوم الشرعية تتعلم أحكام الله ، ما الذي يمنع منها الله ؟ وما الذي لا يحل لها فعله؟، فالبيت هو الأساس. إذاً: تتعلم القرآن، وتتعلم السنة، وتتعلم حق الزوج، أول ما تتزوج يرى زوجها المرأة التي إن أقسم عليها أبرته، وإن نظر إليها سرته، وإن غاب عنها حفظته في عرضها، وفي نفسها، وفي ماله. إذاً المرأة هذه ستربي لنا شباباً صالحاً، ونرى أن البنية الاجتماعية ستتغير، لماذا؟ لوجود أم صالحة وأب صالح. نسأل الله ﵎ أن يجعلنا عباداً له، هذا ما نرجوه من الله، أن نكون عباداً لله، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. ربنا آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا يا رب العالمين!

стр. 887

التوكل من القصص التي تؤخذ منها العبر والعظات قصة الرجل الذي اقترض ألف دينار، وكيف أنه جعل الله كفيلاً وشهيداً عليه عندما طلب منه صاحب المال أن يأتيه بكفيل وشهيد، وكيف أنه استشعر حقيقة التوكل على الله حين لم يستطع أن يرد الدين في الموعد المحدد، حيث قام بإرسال المال في قطعة من الخشب ورمى بها في البحر، وسأل الله أن يوصلها لصاحب الدين، فاستجاب الله له لعلمه بصدقه وصدق توكله عليه .

стр. 888

شرح حديث الرجل الذي اقترض ألف درهم إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل: ذهب إلى رجل، وقال له: أقرضني ألف دينار أتَّجر بها. قال له الرجل: ائتني بكفيل. قال له: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقت، ائتني بشهيد. قال: كفى بالله شهيداً. قال: صدقت، خذ الألف دينار. فأخذ الرجل الألف دينار وانطلق يتَّجر بها في البحر، فلما حان موعد الوفاء التمس الرجلُ المدين مركباً، وكان بين الدائن والمدين بحراً فلم يجد؛ إذ كانت الأمواج والرياح شديدة، فوقفت حركة الملاحة، والرجل صاحب الدين على الشاطئ الآخر ينتظر، فلما يئس المدين أخذ خشبةً ونَقَرها ووضع فيها الألف دينار مع كتابٍ إلى صاحبه: من فلان ابن فلان ثم أحكم إغلاقها ووضعها في البحر، وقال: اللهم إنك تعلم أنني تسلفتُ من فلان ألف دينار، وأنه قد حال بيني وبينه الموج، وقد جعلتُك كفيلاً ووكيلاً، فأوصل هذا الدَّين إلى صاحبه، وقذف بالخشبة في البحر، وهو في كل ذلك جاهداً يلتمس مركباً حتى يذهب إلى صاحبه. وبينما كان الرجل -صاحب الدين- واقفاً على الشاطئ ينتظر أيَّ مركب، فلم يجد؛ لكنه وجد أمامه خشبةً تطفو فوق الماء، فقال: آخذها أستدفئ بها أنا وأولادي، فلما أخذها وذهب إلى بيته نقرها بقدوم فسقطت منها الصرة، ففتحَها فإذا بالألف دينار والرسالة: من فلان إلى فلان، إنه قد حال بيني وبينك الموج، وقد جعلت الله وكيلاً وكفيلاً، وهذا دينك. وكان الرجل المدين يلتمس في كل ذلك مركباً حتى وجد مركباً فركبه وأخذ ألف دينار أخرى وذهب إلى صاحب الدَّين، وقال: والله لقد جهدتُ أن أجد مركباً قبل هذا فما استطعتُ، خذ الألف دينار، فقال الرجل الآخر: هل أرسلتَ إلي شيئاً؟ فقال له: سبحان الله! أقول لك: هذا أول مركب وتقول لي: هل أرسلت شيئاً؟! فقال له صاحب الدَّين: قد أدى الله عنك، فخذ مالك وارجع راشداً. هذا الحديث من أجل الأحاديث في باب الورع والتوكل على الله ، قال أبو هريرة راوي الحديث: (فكنا نختلف بين يدي رسول الله ﷺ أيهما آمَن -أي: أيهما أشد إيماناً من صاحبه- الذي رمى بالخشبة في البحر وهو موقن أن الله لن يضيعه، أم الذي أخذ المال وكان أميناً؟ لأنه كان يستطيع أن يجحد ويقول: ما وصلني شيء.

стр. 889

كمال التوكل على الله الرجل عندما أخذ الألف دينار كان عازماً على قضاء هذا الدين في موعده، وقف الرجل برغم أنه يرى الرياح القوية والموج ولا يرى أي مركبٍ؛ لكنه أخذ بالأسباب، فقال: ربِّ قد جعلتك كفيلاً وشهيداً. فلم يجد هذا الرجل المؤمن إلا أن يضع المال في خشبة ويقذف بها في البحر. لو فعل هذا الفعل رجل منا الآن لاتهمه الناس بالجنون وبتضييع المال؛ لكن رؤية المؤمن تختلف عن غيره. إذا أردت أن تعيش عزيزاً كريماً توجه إلى السماء، واركن إلى رب العرش والسماء، فإنك إن ركنت إلى غيره أخطأك التوفيق. فتَعَلَّقْ بالله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] انظر إلى هذه الصفة بعد ذكر صفة الرزق: (ذو القوة المتين) بعد ذكر صفة (الرزاق). لماذا؟ حتى لا تظن أن هذا الرزاق يمكن أن يفتقر، أو أن طلبك أعظم مما في خزائنه، هو رزاق لكن قد يقدر على ذلك أن خزائنه تنفد وأن ما عنده يزول، فقال لك: لا؛ لأنه ذو القوة المتين ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. فهذا الرجل أخذ خشبة ونقرها ووضع فيها كيساً وكتاباً منه إلى صاحبه: أنه قد حال بيني وبينك الموج، ثم أحكم إغلاقها وقال: (اللهم أنت تعلم أنني تسلفت من فلان ألف دينار، وأنه قد حال بيني وبينه الموج، وقد جعلتك كفيلاً وشهيداً فأوصل هذا الدين إلى صاحبه). رب شخص يقول: لِمَ يقول هذا؟ ألم يعلم اللهُ أنه تسلف ألف دينار؟ ألم يعلم اللهُ ﵎ أن الموج عاتٍ، وأن الرياح سريعة، وأن حركة الملاحة واقفة؟ لماذا يقول هذا؟ هذا موضع نظر وتأمل دقيق: (اللهم أنت تعلم أنني فعلت) إقرار بحاله، كما لو ذهبت إلى شخص وهو يعلم أنك صادق فتقول له: أنت تعلم أنني صادق، على سبيل تأكيد حالك، ألم يقل الله ﵎: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٢ - ٢٣] مع أننا نعلم أنه حق؛ لكن يقسم على مقتضاه ﵎، والنبي ﷺ يقول: (ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مالٌ من صدقة). ونحن لا نحتاج إلى قسمه ﷺ لعلمنا التام بصدقه. فهذا تقرير بحاله فقط ليس إعلاماً لله ، فإن الله يعلم السر وأخفى. ثم قذف بالخشبة في البحر، والعجيب في الأمر أن هذه الخشبة مسخرة؛ لأن هذا الرجل أخلص دينه وقلبه لربه، ومعاذ الله أن يضيعه ربه، فشقت الخشبة طريقَها في الموج، وذهبت إلى الرجل فوقفت أمامه برغم حركة الموج السريعة العالية، فأخذها الرجل، وقال: (آخذ هذه الخشبة أستدفئ بها أنا وأولادي، فأخذها وذهب إلى أهله، فنقرها فوقعت منها الصرة ووجد فيها الألف دينار وكتاباً من صاحبه). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 890

وفاء المدين وصدق الدائن الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (يَقُوْلُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِيْ السَّبِيْلَ)، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أخذ الرجل الخشبة وصاحبه الآخر يلتمس مركباً، لأنه لم يعتمد على الخشبة أن تصل؛ لأن قضاء الديون لا يجوز أن يعتمد المرء فيه على هذه الخوارق، فلا يجوز أن تذهب بدَينك فترميه على الطريق وتقول: إن شاء الله يصل، فإذا جاء صاحبه وقال: أين دَيني؟ فتقول: أنا وضعته لك في مكان كذا وكذا، ألم يصلك؟ لا يجوز أن يُعْتَمد على هذا في قضاء الدين، فإن الأصل في أموال الناس العصمة؛ لكن هذا الرجل لأنه يعتمد بقلبه اعتماداً كلياً على ربه فعل الذي فعل، ولما علم أن هذا ليس هو سبيل قضاء الدين الشرعي أخذ ألف دينار أخرى وذهب إليه، وهذا دليل على أن الرجل ربح وكسب، وإلا فهو اقترض ألف دينار ورمى بها في البحر ولكنه أخذ ألفاً أخرى. وعندما ذهب إلى صاحبه قال: (أنت تعلم أنه قد حال بيني وبينك الموج، خذ الألف دينار، جزاك الله خيراً، فقال الرجل: ألم ترسل إليَّ شيئاً؟ -فتجاهل الرجل تماماً أنه أرسل شيئاً في البحر- قال: سبحان الله! أقول لك هذا أول مركب أجده، وتقول لي: هل أرسلتَ شيئاً؟ لم يقل له: لم أرسل؛ لأن هذا من الكذب، إنما أجاب إجابة يُفهم منها أنه لم يرسل؛ لكن ليس فيها كذب، قال: (سبحان الله! أقول لك: هذا أول مركب أجده وتقول لي: ألم ترسل شيئاً؟ قال له الرجل: ارجع بمالك راشداً، قد أدى الله عنك). قال: أبو هريرة: (فكنا نتجادل بين يدي رسول الله ﷺ أيهما آمن -أشد إيماناً من صاحبه- الذي قذف الخشبة في البحر، أم هذا الذي أبرز الأمانة؟) فلم يجحدها، ولم يأكل مال أخيه؛ لكن يظهر لي أن الذي رمى بالخشبة في البحر أشد الرجلين إيماناً. نسأل الله أن ينفعنا بها، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وأنصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم تقبل صيامنا وصلاتنا، وزكاتنا، وركوعنا وسجودنا. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هَزْلَنا وجِدَّنا، وخَطَأَنا وعَمْدَنا، وكلُّ ذلك عندنا.

стр. 891

ظهور الكذب والخداع في مسلمي هذا العصر هذا الرجل لما قال له: (كفى بالله شهيداً، كفى بالله وكيلاً، قال: صدقت، وقال له في الثانية: سبحان الله! نعم. -أي: كفى بالله شهيداً- خذ الألف دينار). التزامك بآداب دينك يريحك ويريح الطرف الآخر. أخذ الرجل الألف دينار وانطلق يعمل بها في البحر، وربح فيها، وجاء موعد قضاء الدين، فأخذ الألف دينار وانتظر على الشاطئ لعله أن يجد مركباً فلم يجد، لقوة الرياح وعلو الموج، وتوقُّف حركة الملاحة، فماذا يفعل؟ وهو يتحرق شوقاً أن يرد هذا المال في موعده؟ بقدر ما يكون لك من الإخلاص يكون الله معك. يؤسفني أن أقول: إن كثيراً من المسلمين ضربوا المثل الأسوأ في المعاملات بكل أسف في التلاعب والضحك، ولا أدري على مَن يضحكون، ومَن يخدعون، ذهب أحدهم إلى رجل فأخبره أنه مقبل على عمل شركة تجارية، وأن أرباحها كبيرة، وأن السوق فارغ ويحتاج إلى هذه البضاعة، فإذا كان معك مال فهات المال نتاجر وأوهم المسكين، فذهب الآخر وباع ذهب المرأة واقترض، لأن هذا لم يكن عنده مال؛ لكن اقترض من آخرين أموالاً وذهب ووضع المال كله في يد هذا الرجل، فأخذ ذلك المال وأنفقه، وهو يعلم أن أخاه اقترض جزءاً كبيراً من هذا المال، والعجيب أن نفسه طابت بذلك! وأنه لم يشعر بإثم ولا وزر، ولم يشعر بوخز في ضميره وهو يأخذ هذا المال! ومضت أيام وشهور وسنون. فقال له: أين التجارة؟ فقال: غداً! غداً! وحدثت مشكلة كبيرة مع أهل المرأة، وقالوا لها: أين ذهبك؟ لماذا أعطيتيه الزوج؟ نحن كنا أحق بهذا المال، ألم نطلب منك الذهب يوم كذا وكذا فأبيتي؟ وصارت قطيعة بين المرأة وبين أهلها. فلما علم الرجل أنه لا تجارة. قال لصاحبه: أعطني المال. فقال له: لا أملك شيئاً. فقال له: ما هو الحل؟ قال: أقسط لك المبلغ. وهكذا ضاع المبلغ؛ لأنك عندما تأخذ عشرين جنيهاً، ثم ثلاثين، ثم خمسين، فإن المبلغ سيضيع، لكن إذا أخذته جملة واحدة فإنك ستقضي دينك، وتعيد الذهب لزوجتك. يكاد المرء يعتصر من الحزن وهو يرى هذه المعاملات الهشة الكاذبة الخادعة! وبعد ذلك يسألون: لِمَ يتخلف نصر الله؟ لماذا نحن نعيش على هامش الحياة، لا قيمة للمسلمين؟ ولماذا أرخص دم في العالم دمهم؟ يتساءلون كل هذه الأسئلة. فأقول: منكم أنتم جاء الخلل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] فالله ليس بظلام للعبيد، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠]. ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا لا تقل: إن الماء مر، لأن فمك هو المر. بقدر ما يكون لك من الإخلاص والثبات، والوفاء بالوعد، والحفاظ على أموال الناس ومشاعرهم بقدر ما يعينك الله على ذلك، وبقدر ما يحتوي قلبك من الغل والغش والخداع بقدر ما يبتعد عنك تأييد الله ونصره.

стр. 892

التوكل على الله تعالى ووجوب تعظيمه فائدة القصة: أنك تجد فيها العبرة، والناس مطبوعون على محبة القصص، ولذلك قصَّ الله ﵎ قصص الأنبياء على المبتلين، وقصص السالفين عليهم. أراد أن يعلمهم كيف يتوكل المرء على الله، وأن الله لا يضيعه، برغم الظنون التي يظنها بعض بني آدم بربهم ﵎، وهي ظنون كاذبة خاطئة. فلا تظنن بربك ظن سَوءٍ فإن الله أولى بالجميل فهذا رجل يريد أن يقترض ألف دينار يتَّجر بها، فذهب إلى رجل موسر يقرض الناس: فقال: أقرضني ألف دينار إلى أجل. فقال له الرجل: ائتني بكفيل ائتني بشهيد. وهذا حقه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] هذا حقٌّ وحفظٌ لأموال الناس. فطَلَبُه الكفيلَ والشهيدَ مشروعٌ لاشيء فيه. فقال له: كفى بالله كفيلاً كفى بالله شهيداً. لم يقل له الرجل الآخر: أنا أعلم أن الله كفيلٌ وشهيدٌ؛ لكن أريد أن أرسِّخ دَيني، لا. إن العلاقة بين المرء وأخيه لا سيما إذا بلغ كلٌّ منهما إلى درجة عالية من هذا الاعتقاد يُجِلُّون الله ﵎ أن يوضع اسمُه: كفى بالله كفيلاً. ولا يمنع هذا أن توثِّق دينَك وأنت تعتقد أن الله كفيل؛ لكن انظر إلى قوة هذا الإيمان. هناك من الناس من لا يُجِلُّون الله ﵎، ويرضَون أن يُهانَ هذا الاسم العظيم الذي قامت به السماوات والأرض، فتُقْسِمُ له بالله أنك صادقٌ فلا يُصَدِّق، تُقْسِم بالأيمان المغلظة أنك ستعيدها، ومع ذلك يقول: لا. هناك رجل تاجر وله بنت وحيدة، وهو يجلها غاية الإجلال، وكان يكذب في تجارته: فقال له رجل: احلِفْ بالله أن البضاعة بكذا. فقال: والله إنها بكذا. فقال له الرجل: احلف بحياة ابنتك. فبَكى ورَقَّ حالُه، وأبى أن يقسم بحياة ابنته؛ لكن أن يقسمَ بالله ﵎ كذباً وزوراً فإن هذا لا يضره ولا يهتز. أليس الله ﵎ أولى بالجلالة وأحق؟! انظر إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (رأى عيسى ابن مريم ﵇ رجلاً يسرق -تأمل في هذا الحديث: رأى، وهذا نبي من أولي العزم، لا يُلَبَّس عليه في الرؤيا ولا يهم فضلاً عن أن يكذب- فقال له: أتسرق؟ قال: والله ما سرقت، -لم يقل له عيسى: أنت كاذب، لأني رأيتك تسرق، بل عَظَّم الاسم العظيم- قال: آمنتُ بالله وكذَّبتُ بصري). وهناك واقعةٌ أخرى حَدَثت في زمان النبي ﷺ ، قال ابن عبد البر ﵀: رويناها بأسانيد صحيحة؛ أن عبد الله بن رواحة شاعرَ النبي ﷺ ، وصاحب الأبيات العذبة المشهورة: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلينا فأنزلَنْ سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقَينا إن الأُلَى قد بغَوا علينا وإن أرادوا فتنةً أبَينا - هذا الشعر كان النبي ﷺ يرتجز به ويقوله، وكان شاعراً مُجِيداً عذْب النظم ﵁، وكانت له جارية فوطئها، فرأته امرأته، فجاءت وقالت: أوطئت الجارية؟ فقال لها: لا، قالت، إني رأيتك، فقال: لا، فقالت له: إن كنت صادقاً فاقرأ شيئاً من القرآن. لأنه جنب، والجنب لا يقرأ القرآن. فأنشد لها أبياتاً من الشعر. والمرأة لا تحفظ شيئاً من الكتاب؛ لكن الأبيات تلخيص لبعض الآيات في القرآن الكريم، لذلك انطلى الأمر على المرأة وصدقت، قال: شهدتُ بأن وعدَ الله حقٌّ وأن النارَ مثوى الكافرينا وأن العرشَ فوقَ الماء طافٍِ وفوقَ العرش ربُّ العالَمينا وتحمله ملائكةٌ غلاظٌ ملائكةُ الإله مسوِّمينا وكان بيدها سكين، فرمت به، وقالت: آمنتُ بالله وكذَّبتُ بصري. وهي امرأة لا تحفظ القرآن الكريم حتى انطلى عليها الأمر، وظنت أن هذا الشعر قرآن. وقد شهدتُ رجلاً اتُّهم في سرقة، فجعلوا يقولون له: احلف أنك ما سرقت. فحلف، وآخر يقول: احلف بالثلاثة. فحلف، فانبرى رجلٌ وقال: قل: والمسيح الحي. فأبى الرجل أن يقسم. لماذا أبى أن يقسم بالمسيح الحي؟! ما معنى هذه الكلمة؟! وما معنى أن يأبى أن يقسم برغم أن هذا القسم شرك؟ والنبي ﷺ قالها واضحة: (مَن حلف بغير الله فقد أشرك)، وفي الرواية الأخرى: (من حلف بغير الله فقد كفر). والذين يقولون: وحياة أبي، والنبي، وحياة العمدة، وحياة الشيخ، كل هذا شرك واضح وصريح،: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت)، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ سمع عمر بن الخطاب يحلف بأبيه، فقال له: (يا ابن الخطاب! إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) الحلف معناه: إجلال المحلوف به وتعظيمه، أليس ربك أولى بهذا التعظيم؟! لا تقسم إلا بالله، فإن القسم بغيره كفرٌ أو شرك؛ ولكنه كفرٌ دون كفر، لا يقال: إن الذي يحلف بغير الله لا سيما إن كان يجهل ذلك أنه كافر خارج من الملة، لا؛ لأنه لو كان كافراً خارجاً من الملة لقال النبي ﷺ لـ عمر لما أقسم بأبيه: إنك كفرت، فاغتسل، وانطق بالشهادتين، وادخل الإسلام من جديد. فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أن الذي يقسم بغير الله وهو يجهل أن هذا القسم شركٌ أو كفرٌ، أو نسي وأقسم بغير الله أنه لا يخرج من الملة وإن كان قَصَدَ شيئاً من أفعال الكفر.

стр. 893

حكم لقطة البحر يؤخذ من هذا الحديث ما بوب به الإمام البخاري ﵀ في صحيحه على هذا الحديث في موضع من المواضع؛ لأن الإمام البخاري روى هذا الحديث في أكثر من موضع من الصحيح، فرواه في كتاب (الكفالة)، وهل يجوز أن يكفل فلان فلاناً؟ وهو المعروف بالكفيل. الجواب واضح طبعاً من سياق الحديث أنه يجوز. ووضعه في كتاب (اللقطة) في صحيحه، وهذه هي الفائدة التي نذكرها الآن. كتاب (اللقطة): أي ما يلتقط من على الأرض، ما تجده على الأرض، سواء وجدت مالاً، أو وجدت غنمةً، أو وجدت أي شيء، فهل يجوز لك أن تأخذ هذا الشيء، فإن فعلت فما حكمه؟ وهل يجوز لك أن تتصرف فيه، أم لا بد أن تعرفه؟ وأحكام كثيرة في اللقطة ليست من موضوعنا هذا، ولكن نأخذ ما يتعلق بالحديث الآن. هذا الحديث في كتاب (اللقطة) بوب عليه الإمام البخاري بقوله: (باب لقطة البحر). أين موضع الشاهد؟ أن الرجل مد يده وأخذ الخشبة، أي: وجدها في البحر، فلو وجدت أنت لقطة في البحر هل يجوز أن تأخذها؟ هذا هو الشاهد. الجواب: نعم؛ لأن النبي ﷺ ساق هذه الحكاية مساق المدح، وهو صحيح أنه حصل في شرع مَن قبلنا في بني إسرائيل؛ لكن أي حكاية وأي خبر عن بني إسرائيل يسوقه النبي ﷺ مساق المدح أو القصة بغير أن يعقب يكون شرعاً لنا، فما الدليل على أنه شرع لنا؟ الدليل: هذا الحديث؛ لأن القاعدة عند علماء أصول الفقه تقول: (شرع مَن قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يعارضه). فمثلاً: بناء المساجد على القبور كان في شرع من قبلنا؛ لأنه واضح من سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [الكهف:٢١] فلا يقولن قائل: إن الله ﵎ ساق قول هؤلاء ولم يعقب عليه تعقيباً يدل على منع بناء المساجد على القبور، فيقال: إن الله ﵎ ساق بعض أقوال الكافرين ولم يعقب عليها، لماذا؟ لأن بطلانها ظاهر جداً، صحيحٌ أنه يرد كثيراً لكن لا يرد أحياناً، ولو سلمنا جدلاً أن الآيات التي وردت في القرآن الكريم بعد مقالات الكفار والملحدين رُدَّ عليها، فإننا نلتمس الرد إما من الكتاب أو السنة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة وهي كثيرة أن النبي ﷺ (لعن الذين يتخذون المساجد على القبور)، وكان آخر ما تكلم به ﷺ : (لعن الله اليهود النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا إني أنهاكم عن ذلك! ألا إني أنهاكم عن ذلك! ألا إني أنهاكم عن ذلك). فماذا فعلت الأمة؟ فعلت ما نهيت عنه، والنبي ﷺ كان إذا أراد أن يؤكد الشيء يكرره ثلاث مرات، وكان إذا أراد أن يُفْهِمَه كرره ثلاث مرات، ومع ذلك تجد ألوف الجنيهات تُنفق على تشييد المقابر. في كفر الشيخ مسجد يزعمون أن فيه رجلاً صالحاً، ثم قاموا بعد فترة يبحثون عن هذا الرجل الصالح، فلم يجدوا له عظْماً ولا جمجمة ولا أي شيء، فما زالوا يحفرون طمعاً أن يجدوا شيئاً، ولكنهم لم يجدوا شيئاً، ومع ذلك تجدهم يشيدون الضريح! وألوف على مآذن لا تُستخدم الآن، وفي السُّنَّة أن يصعد المؤذن على المئذنة، وهذا شيء أردت أن أنبه عليه في هذا المسجد: السنة أن لا يؤذَّن بين يدي الإمام، السنة أن يؤذن على سطح المسجد، فرُب قائل يقول: وما الحكمة طالما أنه يوجد مكبرات صوت؟ فيقال: كثير من الأحكام الشرعية غير معللة، بمعنى أنك قد لا تستطيع أن تعرف الحكمة منها، وإنما تنفذها كما جاءت في السنة؛ كتقبيل الحجر الأسود مثلاً، فلماذا نقبل الحجر الأسود؟ لا توجد علة، ولا نعرف حتى الآن لماذا نقبِّل الحجر الأسود، لكن عمر بن الخطاب ﵁ تساءل هذا السؤال وأجاب، فقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر) إذاً: لماذا تقبِّله يا عمر؟ - لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك. إذاً: هي مسألة اتباع محض، حتى وإن لم تفهم شيئاً من الحكمة، هذا هو الشيء الأول. أما الشيء الثاني: ربما كان هناك رجلٌ أصيب بصمم لا يسمع، فيرى المؤذن وهو يلتفت يمنةً ويسرةً، فيعلم أن الأذان قد حان. ولو فتشنا لوجدنا دلائل أخرى. فالسنة أن لا يؤذَّن بين يدي الإمام، إلا أن يؤذن على باب المسجد على صخرة تكون هناك، وإما أن يصعد فوق المسجد يؤذن، وإذا كان من الصعب الوصول إلى أعلى المسجد، وكان هناك صخرة أو شيء عالٍ أمام المسجد فإنه يؤذَّن عليه. المهم: ما لا يوجد في الكتاب يُلتمس في السنة، والنبي ﵊ نهى عن البناية التي توضع على القبور، والمدهش أنك ترى أعظم المساجد بناءً وزخرفةً هي التي فيها قبور، مع أن النبي ﷺ نهى عن ذلك، فلا يقال: يستشهد بآية الكهف على جواز بناء المساجد على القبور؛ لأن شرع من قبلنا شرعٌ لنا بشرط أن لا يوجد في شرعنا ما يخالفه، فإن وُجِد في شرعنا ما يخالفه فالعبرة بشرعنا لا بشرع غيرنا. كذلك أجمع العلماء جميعاً أن التماثيل حرام، مثل تمثال رمسيس، ومنقرع، وخوفو، والسنة أن تنسف وأن تزال، وأن كل المتاحف الموجودة وثنية، لا يجوز لمسلم أن يذهب إلى متحف من المتاحف لكي يتفرج على الأحجار التي أمر النبي ﷺ بكسرها، كما في صحيح مسلم أن علي بن أبي طالب ﵁ قال لـ أبي الهياج الأسدي: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تدع قبراً مُشْرِفاً إلا سويته، ولا تمثالاً إلا طمسته). لكن في سورة سبأ أخبر الله ﵎ عن سليمان ﵇ مع الجن: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣]، فهناك من يقول: هذا سليمان وهو نبي، ومع ذلك كان يصنع التماثيل، فنحن أولى أن نصنع التماثيل. لا يُحتج بفعل سليمان ﵇؛ لأنه ورد في شرعنا ما يردُّه، والعبرة بشرعنا لا بشرع مَن قبلَنا. كذلك لو أن سفينةً تمخُر عُباب البحر، وكان يركبها مائة رجل، وكادت السفينة أن تغرق، فقالوا: يا جماعة! إنكم لن تَنْجُوا إلا إذا رمينا -مثلاً- عشرة في البحر، حتى نخفف حمل السفينة، ولا شك أننا لو رمينا عشرة سنحفظ أرواح تسعين؛ لأن هذا أولى؛ لأن الشريعة جاءت بدفع أكبر الضررين، أعني أن الشريعة تقول: إذا كان هناك أمران وكلاهما ضار، ولا بد لك أن تأخذ أحدهما اختر أخفهما ضرراً؛ لأن الشريعة جاءت بدفع المضرة عن المسلم. فلا شك أننا عندما نرمي عشرة في البحر لنحافظ على حياة تسعين أن هذا من ضمن بحث الشريعة. ويحتجون بقصة يونس ﵇ ذي النون عندما ركب السفينة، وحصل أن ربان السفينة قال: إن فيكم عبداً عاصياً فليخرج، فما خرج أحد، فعملوا قرعةً: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] (ساهم) أي: اقترع، ومنه ما تعلمون من الخطأ الشائع حيث يقال: فلان ساهم في بناء المسجد، وهذا خطأ، والصواب أن تقول: فلان أسهم، أي: شارك؛ ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] أي: كلما اقترعوا وقعت عليه القرعة، فقالوا: نرمي نبياً في الماء؟! فأعادوا القرعة مرة أخرى، فتأتي عليه القرعة، فقذفوا به في الماء. فقالوا: هذا نبي وقذفوا به في الماء، فهذا حجتنا، وشرعُ مَن قبلَنا. فيقال: لا. لأن شريعتنا أتت بقول القائل: إن دم المسلم الأصل فيه العصمة؛ لأن دم الذي ستحفظه ليس أولى من دم الذي ستلقيه في الماء، لماذا ألقيت هذا لتحفظ دم ذاك، أدَمُ هذا أغلى من دَمِ ذاك؟ لا. كل الدماء معصومة، إما أن يغرقوا جميعاً وإما أن ينجوا جميعاً، لا تفاضل في الدماء، لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم، فليس هناك فرق بين أمير ولا مأمور، ولا غني ولا فقير، ولا أي شيء من هذا، دمك مثل دمه تماماً، معصوم بالنص، لا يهدر لمجرد ترجيح من عندك، فهل أنت مستيقن (١٠٠ %) أنك لو رميت العشرة ستنجو السفينة؟ إذاً: هذا ظن، ودم المسلم معصوم بيقين، فلا يُهْدَر هذا اليقين لأجل ظن رَجَح عندك، فلا يُعمل بشرع مَن قبلَنا هنا. لماذا؟ لأن شرعنا ورد فيه ما يرده، إنما يُعمل بشرع ما قبلنا إذا كان شرعُنا يؤيده، كمثل القصة التي سقناها الآن، وكمثل القرعة التي دل عليها حديث عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه)، يعمل قرعة، فمن خرج سهمها خرجت معه. وكذلك كما قال أبو عبيد ﵀ -أحد أئمة الحديث واللغة- يقول: اقترع ثلاثة من الأنبياء: اقترع زكريا ﵇ لما اختلف في كفالة مريم مع بني إسرائيل: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٤]، قال علماء التفسير: كانوا يأتون بالأقلام التي يكتبون بها التوراة، وجاءوا في ماء جارٍ وقالوا: نلقي أقلامنا، فمن وقف قلمه فهو الذي يكفل مريم -وهذا شبيه بالقرعة-: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ [آل عمران:٤٤] أي: في الماء، ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران:٤٤] أي: أيُّهم الذي يكفل مريم، فوقف قلم زكريا ﵇. ويونس في قصة السفينة، ونبينا ﷺ في قصة الإفك وغيره. إذاً: شرع مَن قبلَنا شرعٌ لنا، بشرط أن لا يَرِد في شرعنا ما يردُّه. فلم ينكر أن الرجل أخذ الخشبة من البحر، لذلك يجوز لك أن تأخذ لقطة البحر؛ لكن هناك سؤال آخر دقيق وهو: أن الإمام البخاري ﵀ بوب على هذا الحديث: (باب لقطة البحر)، فلو وجدت خشبةً بها ألف دينار، هل تأخذ الألف دينار؟ الجواب: لا بد أن تعرِّف ذلك؛ وإذا كان مبلغاً بسيطاً أو شيئاً يتسارع إليه الفساد، لا جناح عليك إن لم تعرِّفه، يعني مثلاً: إذا وجدتَ برتقالة وأنت تمشي، فأنت إذا أردت أن تعرِّف البرتقالة فإنها ستفسر فيجوز لك

стр. 894

حقيقة التوكل على الله التوكل على الله ليس معناه خلع الأسباب، وفي صحيح ابن حبان من حديث عمرو بن أمية الضمري ﵁ وأخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! أترك ناقتي وأتوكل، فقال له: اعقلها وتوكل) أي: أترك ناقتي تسيح في الأرض ويكون هذا من التوكل؟ قال: لا. اربطها بحبل وتوكل. فهذا يدل على أن التوكل ليس معناه خلع الأسباب. والتوكل الحقيقي: هو اعتماد القلب كليةً على الله مع البراءة من الاعتقاد بالسبب. إياك أن تتصور أن الحبل هو الذي يحفظ الناقة؛ لأن كثيراً من الناس ربطوا جِمالهم فضاعت! لكن لا بد مع أخذك بالسبب أن تعتقد أن الله ﵎ هو الحفيظ. هذا هو معنى التوكل، لا أن تخلع الأسباب، أو يُظن أن الأخذ بالسبب ضد التوكل، لا. لا بد وأنت تعمل الشيء أن تعلم أن الله ﵎ هو المتصرف في هذا الكون. هذا معنى التوكل، وهذه حقيقة قلبية. نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يعيننا على الأخذ بالأسباب والتوكل عليه سبحانه حقيقة التوكل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 895

معيشة أصحاب النبي لقد عاش أصحاب النبي ﷺ حياة التقشف والزهد، وصبروا على ضيق ذات اليد وشظف العيش في سبيل الله ، فجعلهم الله خير أمة، واصطفاهم لصحبة نبيه ﷺ ، فكانوا نعم أصحاب وخير أتباع. فعلينا أن نقتدي بصحابة رسول الله ﷺ في الزهد وحسن الخلق، ومحبة رسول الله ﷺ ومتابعته، لنفلح كما أفلحوا دنيا وأخرى.

стр. 896

شرح حديث (شرب أهل الصفة من قدح لبن) إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. روى الإمام البخاري وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (والله الذي لا إله غيره، لقد رأيتُني أعتمد على كبدي من الجوع، ولقد وقفتُ في طريقهم يوماً فمر بي أبو بكر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني، -وفي رواية قال: إلا رجاء أن يشبعني- فأجابني وانصرف، فمر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي، ما سألته إلا رجاء أن يستتبعني -وفي رواية: يشبعني- قال: فمر ولم يفعل، قال: حتى جاء أبو القاسم ﵌ فنظر في وجهي فعرف ما بي، فتبسم وقال: أبا هر! الحق بنا، قال: فانطلقت معه حتى دخل الدار مع بعض أصحابه فوجد قدحاً فيه لبن، فقال: من أين هذا؟ فقالوا: أهداه لك فلان الأنصاري، فقال: يا أبا هر! الحق بأهل الصفة فادعهم يشركوننا في هذا اللبن، قال: فأحزنني ذلك؛ لأنني رجوت أن أشرب شربة أقيم بها صلبي، وما يفعل هذا اللبن في أهل الصفة، وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد، فانطلق أبو هريرة ﵁ ودعا أهل الصفة، قال: وقد أحزنني أيضاً أنني دعوتهم فسأكون آخرهم شرباً، ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد، فانطلق فدعاهم فجاءوا فجلسوا، فوضع يده على الإناء وسمى الله ﵎، ثم قال: أبا هر! اسقهم، قال: فأعطيت الأول فشرب حتى رده، فأخذته فأعطيته الثاني، فشرب ورده، فأخذته فأعطيته الثالث وهكذا، حتى شربوا جميعاً واللبن كما هو، قال: فلما وصلت إليه ﷺ نظر إلي وتبسم، وقال: أبا هر! لم يبق إلا أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: أبا هر! اقعد قال: فقعدت، قال: اشرب، فشربت، ثم قال: اشرب، فشربت، ثم قال: اشرب اشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، فقال: أرني فسمى الله ﵎، وشرب الفضلة). لقد بوب الإمام البخاري ﵀ على هذا الحديث بقوله: (باب معيشة أصحاب النبي ﷺ .

стр. 897

قوة الإيمان خير من قوة الأبدان في الحقيقة أن هذا الجيل فريد، ولا أظن أن يتكرر هذا الجيل أبداً إلا أن يشاء الله رب العالمين. وهذه عاقبة الإخلاص، أي رجل يخلص لدعوته يرضى بالمر في سبيلها، الصحابة رضوان الله عليهم كانت السمة العامة لعيشهم هو الشظف، ومع ذلك بارك الله ﵎ لهم في أبدانهم وقوتهم. ربما أننا نأكل في المرة الواحدة من ألوان الطعام ما لم يأكله رسول الله ﷺ ولا غيره، ولا أقول: ربما، بل أقول: نحن نأكل طعاماً ما أكله رسول الله ﷺ أبداً، قالت عائشة ﵂: (لقد مات رسول الله ﷺ ولم يشبع من خبز الشعير)، أما خبز البر الذي هو القمح الذي نأكله الآن فما رآه بعينيه، ولا أكله قط، ولا رأى منخلاً قط بعينيه، إنما كانوا يأتون بالشعير فيذرونه في الهواء، وما بقي كانوا يعجنونه على حاله ويأكلونه. هذا هو أكل النبي ﵊، وأكل أصحابه رضوان الله عليهم.

стр. 898

طعام الصحابة في بدر وطعام الكفار في معركة بدر خرج أصحاب النبي ﵊ يريدون عير قريش، فجمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، كانوا يقتسمون التمرات، لأنهم ما خرجوا لقتال حتى يتأهبوا ويأخذوا معهم الزاد، إنما هي حفنة تمر، وانطلقوا لكي أن يقطعوا على قريش الطريق ويغنموا العير ويرجعوا، ظنوها ساعةً من نهار، وعلى الجانب الآخر خرجت قريش تريد القتال، حتى لما أرسل أبو سفيان إلى مكة بعدما نجا قال لهم: ارجعوا فقد نجت العير ولا حاجة للخروج، لكن تعس قوم رأسهم أبو جهل، قال: لا والله لا بد أن نسير، حتى نرد بدراً فنشرب الخمر وتغنينا النساء، فيسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبداً. وانطلقوا إلى بدر، وكانوا يأكلون في اليوم الواحد عشرة من الجمال، في الوقت الذي كان أصحاب النبي ﵊ يقتسمون التمرة، ويعتقبون البعير، كل واحد يركب مرحلة، لأنهم لا يوجد عندهم ظهر، كل شخص يركب مثلاً نصف كيلو وينزل، وأخوه الثاني يركب نصف كيلو وهكذا، وغلب الذين كانوا يقسمون التمرات على الذين كانوا يأكلون عشرة من الجمال. يخطئ من يظن أن جودة الطعام هي السبب الرئيس في صحة البدن. لا. وإلا لمات الفقير. بل أنا أقول انظر إلى عامل البنيان الذي يصعد بالخرسانة المسلحة على كتفه، وانظر إلى ساكن القصر الذي قبل أن يأكل لا بد أن يأخذ الحبوب، ويأخذ الدواء، وهذا الرجل فقير، يأكل خبزاً ويأكل جبناً، وبعد أن يأكل يبدأ يمارس العمل الشاق طيلة النهار، الطعام الجيد الفاخر ليس هو السبب الوحيد أبداً في حياة البدن، وإلا لما مرض غني ولما عاش فقير. فأصحاب النبي ﵊، كانت هذه هي السمة العامة لهم، هل كانوا فقراء؟ لم يكونوا جميعاً كذلك، بل كان فيهم أغنياء، وكانت حياتهم أيضاً هي حياة الزهد. عبد الرحمن بن عوف ﵁ كما في الحديث الصحيح كان صائماً، فقُرِّب إليه طعام، قال (مات مصعب بن عمير وهو أفضل مني، فلم نجد له بردة نكفنه بها، ومات حمزة وهو أفضل مني، ومات فلان وهو أفضل مني، فلا زال يبكي حتى ترك الطعام)، فـ عبد الرحمن بن عوف ﵁ غناه مشهور، حتى أنهم ذكروا أن الذهب الذي كان يملكه كان يقطع بالفئوس من غناه، وكان إذا قبض قبضة من التراب وتاجر فيها ربح؛ لكن الزهد كان سمة هؤلاء. والفرق بين هذا الجيل الفريد وبين كثير من الأجيال التي جاءت من بعده، أن الدنيا كانت في أيديهم ولم تكن في قلوبهم، لذلك كان الواحد منهم مستعداً أن يضحي بالدنيا كلها في ساعة فداءٍ لله ﵎، ولا يندم عليها، لذلك ما هزموا أبداً، وظلوا سادة حتى ماتوا. خلودُنا إلى الأرض، هو الذي صنع فينا هذا الذل، وجعلنا في هذا الموقع الذي لا ينبغي لأمة الإسلام أن تكون فيه.

стр. 899

الفرق بين أصحاب يوشع بن نون وأعدائهم الجبارين في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌ قال: (غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم) وهذا النبي هو يوشع بن نون ﵇، وكان خرج ليقاتل الجبارين، وقد قرأتُ في بعض الروايات الإسرائيلية أن هؤلاء الجبابرة كان طول أحدهم أكثر من ستين ذراعاً، وهذه الرواية فيها نكارة، لأن آدم ﵇ أول مخلوق كان طوله ستين ذراعاً، قال ﵊: (فلا زال الخلق يتناقص إلى يوم القيامة). فنتصور أنه لا يوجد إنسان في الأرض أطول من آدم ﵇؛ لكن الرواية هكذا قالت أن طولهم كان طولاً شديداً، وقوم يوشع كان طولهم معتدلاً، لدرجة أن أحد قوم يوشع ﵇ دخل بستاناً يتجسس على هؤلاء الجبارين، فأحد من هؤلاء الجبارين، يبدو أنه كان يجمع برتقالاً أو عنباً أو شيئاً من هذا، وجد هذا مختبئاً فوضعه في كمه ومضى به، فخُذ من هذه الرواية الفرق بين قوم يوشع وبين الجبارين، وحتى اسمهم (الجبابرة) يظهر منه مدى ضخامة أجسامهم وقوتهم. (فقال يوشع بن نون ﵇: لا يتبعني أحد ثلاثة نفر: لا يتبعني رجل بنى بامرأة ولما يدخل بها، ولا رجل رفع بيوتاً ولم يرم سُقُفها، ولا رجل له خلفات ينتظر نتاجها) لأن هؤلاء يُهْزَم المرء بهم، الرجل الذي عقد على المرأة ولما يدخل بها يتمنى أن يرجع حتى يبني بها، فلذلك إذا رأى بارقة السيوف هرب، لا ينتصر إلا الذي ودَّع الدنيا عندما يخرج، وأيقن أنه لن يعود، هذا هو الذي ينتصر، أما الذي يؤمل أن يعود فإنه كلما رأى بارقة السيوف هرب بجلده، لأنه يريد أن يعود حتى يتمم مراده الذي تركه. (ورجلٌ رفع بيوتاً)، أي: رفع الجدر ولا يزال السقف غير مكتمل فهو يتمنى أن يرجع ويكمل البيت لكي يسكن فيه، (ورجل له خلفات): التي هي الضأن أو المعز، (ينتظر نتاجها)، أي: عنده مثلاً مائة رأس ومنتظر أنها ستلد أيضاً مائة رأس، ويحلم أنه يكبر هذه التجارة. قال: لا يتبعني أحد من هؤلاء؛ لأن الذي يتمنى أن يعود أو يضع في حسبانه أن يعود لا ينتصر، وهنا كلمة نسبت مرة إلى أبي بكر الصديق ومرة إلى عمر بن الخطاب ﵁ لما كان يحصل نوع من المكاتبات بينه وبين عدوه كان يقول لهم: لقد جئتك برجال يحرصون على الموت حرصكم على الحياة، أنت ماذا تفعل به إذا أراد الموت، إن انتصر وغلبك كان سيداً في الأرض، وإن قتلته فاز بمراده، فما تفعل برجل ينتظر إحدى الحسنيين؛ لذلك كانوا يرهبونهم وهم في مكانهم، كما قال ﵊: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، أي: يكون بيني وبين عدوي مسيرة شهر على الأقدام وهو مرعوب مني، وأنا لم أتحرك من مكاني. فالإخلاد إلى الدنيا هو سبب هذا الوهن الذي دب إلينا. فيوشع بن نون ﵇ انطلق بالجيش ووصل القرية -كما في رواية الحاكم - يوم الجمعة، وبدأ القتال عصر يوم الجمعة، وأولئك جبارون، وهؤلاء بالنسبة للجبارين أقزام، لكن القوة هي قوة القلب، ليست قوة البدن، لو تجمع قلبك قوي ساعدك، ولو تفكك قلبك ذهبت قوتك، ولذلك أنت تجد إنساناً أول ما يخاف تنفلت أعصابه وتنهار قواه، طالما قلبه تفتت انتهت قوته، إنما الإنسان إذا تجمع قلبه قوي ساعده، والمؤمن قلبه بيد الله ، فلا يخاف الموت؛ لأنه يتمناه، لذلك ما كانوا يضعفون أبداً. هؤلاء -الذين يعتبرون أقزاماًَ بالنسبة للجبابرة- ظلوا يقاتلونهم قتالاً شديداً حتى غربت الشمس، وكادوا أن يدخلوا البلد، أي: أنهم هزموا الجبارين، ولكن ما زالوا يقاتلون فلول الجبارين الأخيرة، فلو أن الشمس غربت يكون قد ذهب جهادهم كله، ومن الممكن أن يبدءوا الجهاد من اليوم التالي، ومن الممكن ألا يضمنوا النتائج، (فالتفت يوشع ﵇ إلى الشمس وقال: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم ردها علينا، فرجعت الشمس كما كانت، فلا زال يقاتل حتى فتح له). فنحن نفهم من هذا أن الدنيا إذا كانت في القلب فهو الخور، والضعف الحقيقي، أصحاب النبي ﵊ ما كانوا كذلك، كانت الدنيا في أيديهم، وكانوا سادة الأرض، ما كان هناك في الدنيا أمة أعز من هذه الأمة؛ لكن لم تكن الدنيا في قلوبهم، كثير من الأجيال التي أتت بعد ذلك الدنيا ليست في أيديهم فقط، بل في قلوبهم، وهذه من المصائب، ليتها إذ حلت في قلوبهم كانت في أيديهم، لكن حلت في قلوبهم وليس في أيديهم منها شيء.

стр. 900

زهد الصحابة في الدنيا وحسن أخلاقهم كان زهد أصحاب النبي ﵊ في الدنيا، أما القلب فهو خالٍِ تماماً منها، إلا ما شاء الله ﵎ من ما لا يكاد ينجو منه بشر. حقيقة الزهد أن يزهد المرء بعد الوجدان، كما قال القائل: ليس الزاهد هو الذي لا يجد شيئاً، إنما الزاهد من وجد فزهد؛ لأن الذي لا يجد شيئاً فهو زاهد رغماً عنه؛ لأنه لا يوجد في يده شيء حتى يزهد فيه، إنما الزهد الذي يجد ثم يترك. فصحابة النبي ﵊ لم يكونوا جميعاً فقراء، إنما كانوا من الزاهدين العابدين. أبو هريرة ﵁ يحكي موقفاً، وأبو هريرة له مواقف كثيرة، وكل صحابي له مواقف كثيرة، لكن هذا موقف وقع لـ أبي هريرة ﵁، فيصدِّره بالقسم لأن الصورة التي يحكيها صورة عجيبة يقول: (والله الذي لا إله غيره، لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، حتى كنت أُصْرَع بين المنبر والحجرة، فيجيء الجائي فيظن أن بي جنوناً وما بي جنون، ما بي إلا الجوع)، رجل جائع إلى درجة أنه يُصرع ويعتمد على الأرض بكبده، أي: لا يستطيع أن يمشي على قدميه، إنما يزحف زحفاً، وقد كان النبي ﵊ يربط الأحجار على بطنه ويشده بالحبل، لأن هذا يخفف ألم الجوع.

стр. 901

موقف أبي هريرة مع قدح اللبن وأهل الصفة فـ أبو هريرة ﵁ أول ما دخل وجد كوب اللبن فاستبشر، قال: إذاً: سنشرب؛ لكن تبددت فرحته عندما قال له: (أبا هر! الحق بأهل الصفة يشركوننا في هذا اللبن) هو كوب! وأهل الصفة كانوا أربعمائة رجل تقريباً، يعني: لو أن كلَّ واحدٍ شَمَّهُ شَمَّةً لانتهى، وأبو هريرة جائع ويريد أن يشرب- قال: فأحزنني ذلك؛ لأنني كنت أريد أن أشرب شربةً أتقوى بها، وما يفعل هذا اللبن في أهل الصفة ثم شيء آخر أحزنه، وهو أنه طالما أنه دعاهم فهو الذي سيسقيهم، و (ساقي القوم آخرهم شرباً)، إذاً: لن يجد لبناً، لكنه قال: (ولم يكن من طاعة الله ولا طاعة رسوله بُد) أي: فلو مات من الجوع لا بد أن يسمع ويطيع، فذهب فدعاهم، فأقبلوا وجلسوا جميعاً، الرسول ﵊ قال: (أبا هر! اسقهم) وقد كان الرسول ﵊ وضع يده عليه وسمى الله ﵎، وأعطاه لـ أبي هريرة، وأبو هريرة أمسك الكوب ليعطيه لواحد يشرب حتى يروي ظمأه، واللبنُ كما هو لم ينقص، فيأخذه أبو هريرة ويعطيه للآخر فيشرب، فيأخذه منه ويعطيه للثالث وفي هذا دليل على أنه ليس من المروءة استخدام الضيف، فـ أبو هريرة لم يترك كلَّ أحد يناول أخاه، بل كان يأخذ ويعطي بنفسه، فليس من المروءة إذا جاءك ضيف أن تقول: يَدُك يا شيخ، خذ معي هذا الكرسي، وضعه هنا، أو تنتظر حتى يأتيك أضياف لتغير وضع البيت، فتنقل الدولاب هنا، والسرير هنا، وتستغل الأضياف، فهذا ليس من المروءة بل الضيف ضيف، يأتي عزيزاً ويأتي مكرماً، ويجلس ولا يفعل شيئاً. قال أبو هريرة: (فشربوا جميعاً حتى وَصَلْتُ إلى النبي ﵊، فنظر إلي وتبسم) الرسول ﵊ كان عارفاً أن أبا هريرة حزين، وكان يعلم أنه يهجس في نفس أبي هريرة أنه لن يجد لبناً، لذلك بعدما انتهى أبو هريرة من إعطاء اللبن لأهل الصفة، نظر إليه وتبسم. (وقال: أبا هر! لم يبقَ إلا أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: أبا هر! اقعد)، وفي هذا دليل على مشروعية الشرب قاعداً، والخلاف بين العلماء في المسألة معروف، والجماهير على جواز الشرب قائماً، لكنهم يفضلون القعود. وهنا لطيفة أذكرها: كان الإمام الكسائي إمام اللغة المشهور وأحد القراء السبعة من أصحاب القراءات المتواترة، واسمه: علي بن أحمد - مرة داخلاً على هارون الرشيد، وكان هارون متكئاً، فدخل عليه الكسائي فقال له هارون: اجلس، فقال له: بل (اقعد) يا أمير المؤمنين! يعني الصواب أن تقول: اقعد، لا أن تقول: اجلس، فقال له: وما الفرق بينهما؟ قال: الجلوس يكون من اتكاء، والقعود يكون من قيام. وهذا أغلب استخدامات العرب، ولا مانع أن يوضع هذا مكان ذاك؛ ومن الممكن أن يوضع الجلوس مكان القعود؛ لكن أغلب استخدامات العرب إذا كان الشخص واقفاً أن يقولوا له: اقعد، وإذا كان الرجل متكئاً يقولون له: اجلس. وحديث أبي بكرة لما كان الرسول ﵊ متكئاً فجلس قال: (ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور)، كان متكئاً فجلس. وحديث ابن عباس في الصحيحين لما اعتزل النبي ﷺ نساءه شهراً، فدخل عمر بن الخطاب، فقال: (لم أرَ في البيت شيئاً يردُّ البصر، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يوسع على أمتك، فإنه وسَّع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، قال: وكان متكئاً فجلس). فـ أبو هريرة واقف، قال: (أبا هر! اقعد. قال: فقعدت، قال: اشرب، فشربت. اشرب، اشرب، اشرب، ظل يقول له: اشرب حتى قال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً) وفي هذا دليل على جواز أن يأكل المرء حتى يشبع؛ لكن القدر المستحب أن يقسم معدته ثلاثة أثلاث، لا أن يملأ الثلاثة أثلاث أكلاً. بل يترك لنَفَسِه الثلث، وثلثاً لشرابه. فهنا حين يقول: (والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً) يدل على أنه ملأ بطنه إلى الأخير، فالنبي ﵊ ما أنكر عليه، وهذا هو الدليل؛ وهو إقرار النبي ﵊، فقال ﵊: (أرني، قال: فأعطيته الإناء، فسمى الله وشرب الفضلة). نسأل الله ﵎ أن ينفعنا وإياكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما سمعناه وما قلناه زاداً إلى حسن المصير إليه، وعتاداً إلى يوم القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. والحمد لله رب العالمين.

стр. 902

كرم الصحابة وسخاء نفوسهم كان النبي ﵊ من عادته أول ما يدخل البيت أن يتفقد بيته ويتفقد مواضع الخير في بيته، كما أمر عائشة ﵂ أن توزع الأضحية. فـ عائشة ﵂ من الخير الذي عندها وهي توزع نسيت أن تبقي لنفسها شيئاً من الأضحية، لتأكله مع النبي ﵊ حتى ذكَّرَتها الجارية، فبقي من الضأن أو الماعز الرجلان الأماميتان -اليدان- فقط، فالنبي ﵊ أول ما دخل البيت قال: (ما فعلت في الأضحية؟) يسأل ويتفقد مواضع الخير في بيته، ولذلك أول ما يدخل الإنسان لا يسأل امرأته: أجهزتِ الغداء؟ بل يسأل: أصليتِ الظهر؟ أصيلتِ العصر؟ والأولاد: أصلوا؟ فأول ما دخل ﵊ قال: (ما فعلت -أي: في الأضحية-، فقالت: يا رسول الله! ذهبت كلُّها إلا ذراعُها، فقال ﵊ -قول الرجل الذي ينظر إلى الآخرة-: بل بقيت كلُّها إلا ذراعُها) أي: بقيت عند الله ﵎؛ لأنها خرجت صدقة، فلما دخل ﵊ وجد الإناء، فقال: (من أين؟ قالت: أهداه لك فلان الأنصاري). وكان ﵊ من عادته أنه إذا جاءته صدقة أرسلها كلها إلى أهل الصفة ولم يرْزَأهم شيئاً، فإذا جاءته هدية أرسل إليهم يشركهم فيها، وكان هذا من رأفته ﵊ بأصحابه، فأهل الصفة تركوا ديارهم واغتربوا في سبيل الله، فكان يأكل معهم، إذا جاءت هدية أشركهم فيها، وإذا جاءت صدقة ذهب بها إليهم كلها، وما يرْزَأهم شيئاً؛ لأن الصدقة محرمة عليه ﵊. وأيضاً من الأمثلة على لطفه ﵊، وأنه كان يحب أن يُشْرِك الأمة معه في ذلك، ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في غزوة الأحزاب، في حفر الخندق، قال جابر ﵁: (مرت بنا ثلاثة أيام ونحن نحفر الخندق، ما ذقنا فيها ذواقاً، قال: فاعترضتنا كُدْية عظيمة لا تعمل فيها المعاول) أي: صخرة ضخمة، يكسرون فيها، ولم تنكسر، قال: (فذهبت إلى النبي ﵌، فوجدته قد ربط الحجر على بطنه من الجوع) كان النبي قدوة، أنا عندما أرى الرسول ﵊ أو أرى قائدي يربط الحجر على بطنه من الجوع فأنى أنسى الجوع؛ لكن إذا كنت أراه يأكل ويتغدى ويرمي اللحم خارجاً، وأنا رجل أعاني شظف العيش، وبعد ذلك يقوم خطيباً ويقول لي: التقشف وشد الحزام، هذا الرجل كاذب، قد أكون جباناً لا أستطيع أن أقول له: أنت كاذب؛ لكن أنا في قرارة قلبي أعلم أنه كاذب، فتقل القدوة به، ومهما يأمر ويتكلم فأنا لن أسمع، لأنه كاذب يعيش في نعيم وأنا أعاني الضنك؛ لكن الرسول ﵊ كان أول جائع فيهم. فوجده جابر رابطاً على بطنه الحجر من الجوع، فقال: (يا رسول الله! كُدْية عظيمة لا تعمل فيها المعاول، قال: فقام وأعرفُ الجوع في وجهه، فأمسك المعول، وقال: باسم الله، وضربها، فصارت كثيباً أهيل -صارت رملاً- فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أذهب البيت، فأذن له، فذهب إلى امرأته، وقال لها: لقد رأيتُ شيئاً آنفاً ما لي عليه صبر، رأيت الجوع بوجه النبي ﷺ ، فما عندك من الطعام؟) أرجو أن تستحضر أن جابراً أيضاً جائع، ظل ثلاثة أيام ما عنده طعام، فكان من المتصور أن ينسى جوع غيره لجوع نفسه، لكن المحب ينسى جوع نفسه لجوع من يحب، لذلك قال: رأيت شيئاً ما لي عليه صبر، ماذا عندك؟ (قالت: عناق -شاة أو ماعز صغيرة- وصاع من شعير، فقال: اذبحي العناق واعجني، فقالت له: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه) تعني: لا تذهب وتحضرهم كلهم؛ لأنه ليس ثَمَّ طعام عندي. فأخذ جابر الوصية وذهب إلى الرسول ﷺ وهمس في أذنه: عندنا عناق، وصاع من شعير، أي: تعال وبعض أصحابك، قال جابر: فإذا النبي ﷺ يصيح: يا أهل الخندق! قد صنع لكم جابر طعاماً، قال جابر: فأدركني من الحياء ما لا يعلمه إلا الله؛ رجل دعا أناساًَ إلى الطعام وليس عندهم طعام، فلما رجع إلى النبي ﵊، قال له: اذهب فقل لهم: أن يضعوا اللحم على النار، ولا يخبزوا حتى أجيء، وجاء بأهل الخندق جميعاً وانطلق إلى البيت، فأول ما سمعت امرأة جابر وقع الأقدام ورأت هذا العدد الكبير، قالت له: بِكَ وبِكَ! تلومه وتعنفه، ماذا يأكلون؟! أنا قلت لك، ونبهت عليك، قال: قد قلتُ الذي قلتِ لي، قالت: أوَعَلِم رسول الله ﷺ بما قلتُه لك؟ قال: نعم، قالت: فرسول الله أعلم، قال: فَسَرَّتْ عني، فلما جاء النبي ﵊ قال: أين البُرْمة -التي فيها اللحم-؟ فجِيْء بها، فبصق فيها وبارك. أين العجين؟ فِجيْء به، فبصق فيه وبارك، قال جابر: فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تحولوا وتركوه، وكانوا ألف رجل، وإن البرمة لتغط باللحم كما هو، وإن العجين ليُخْبَز كما هو. فانظر من رأفته ﵊ ما استطاع أن يستأثر بالأكل وهو عارف أن الذين يحفرون الخندق جوعى، حتى صاح فيهم: (لقد صنع لكم جابر طعاماً) مهما كان الشيء قليلاً، لكن المواساة به جيدة، ألم يقل النبي ﵊: (خير الصدقة جهد المقل)، إذا كنت محتاجاً لهذا الدينار الذي تتصدق به، فهذا أفضل الصدقة، لأنك وقيت شح نفسك، رأيت غيرك أولى منك، فهذا أفضل الصدقة، جهد المقل.

стр. 903

ملاحظة النبي ﷺ لأصحابه (قال: حتى مر أبو القاسم ﵌، قال: فلما رآني عرف ما بي فتبسم)، وهذا من حسن خلقه ﵊، الإنسان المدهوش يستحب لك أن تلاطفه وتبش في وجهه، إذا رأيت إنساناً مكروباً فاضحك في وجهه حتى يزول ما عنده من الوحشة، وبعد ذلك سله، فمثلاً: إنسان جاء فابدأ ضيفه ولاطفه، ثم قل له: خيراً! ماذا تريد؟ فالنبي ﵊ أول ما رآه عرفه، والإنسان الجائع يظهر عليه أثر الجوع مباشرة، فرجل يعتمد على كبده من الجوع ويزحف على الأرض، فهذا واضح أنه هزيل لا يستطيع أن يقوم. وقد كان أبو هريرة ليس له صنعة، كان يقول: كنت أمشي مع النبي ﵊ على ملء بطني، لأنه فقير، وكان من أهل الصفة، فأول ما رآه النبي ﵊ تبسم، قال: (فتبسم وعرف ما بي، فقال: أبا هر! الحق بنا)، ومن حسن خلقه ﵊ أيضاً أن يرخم اسم أبي هريرة، وذلك أن الترخيم يكون فيه نوع من الملاطفة، فعندما ترخم اسم شخص، مثلاً شخص اسمه محمد فتقول له: (يا أبو حِمِيد) أو أشياء من هذا القبيل فهذه ملاطفة، والنبي ﵊ كان يرخم بعض الأسماء، وهذا الترخيم يدل على الملاطفة، أي: أن بينه وبينه وُدّاً لدرجة أنه يرخم اسمه، ولا يوجد بينهما احتشام ولا حاجز ولا شيء من هذا، ووجدنا النبي ﵊ كثيراً ما يرخم في باب اللطف، والترخيم هو حذف جزء من الاسم. ومثله حديث عائشة ﵂ في صحيح مسلم قالت: (كنت نائمة، فدخل عليَّ النبي ﷺ ، ففتح الباب رويداً رويداًَ -أي: بهدوء شديد-، ومشى على أطراف أصابعه رويداً رويداً، وحمل نعله في يده، ووضع جنبه على الفراش رويداً رويداً) هي كانت تنظر هذا من تحت اللحاف، وهو يظنها نائمة، (فما هو إلا أن وضع جنبه على الفراش حتى قام فأخذ نعله رويداً رويداً، ومشى رويداً رويداً، وفتح الباب رويداً رويداً، وانطلق، قالت: فقمت فتقنعت إزاري وانطلقت وراءه) وذلك لتنظر أين يذهب، فهي امرأة عندها غيرة شديدة، فظنت أنه ذاهب إلى أم سلمة أو أم حبيبة، فانطلقت وراءه، فاستمرت تمشي وراءه حتى ذهب إلى البقيع، فرفع يديه ثلاثاً يرفعها ويخفضها، ثم انحرف راجعاً إلى البيت قالت: فانحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر -أي مشي بطيئاً- فأحضرت وسبقته، أول ما وصلت الحجرة دخلت تحت اللحاف، فهذه امرأة تجري، فكان من تتابع النَّفَس وتلاحقه أن بطنها يرتفع وينخفض، فأول ما دخل وجد اللحاف يرتفع وينخفض، فقال: ما لك يا عائش هذا هو الترخيم، فحذف بعض الاسم: (ما لك يا عائش حشيا رابية) أي: هل عندك مرض صدري، لأنه تركها مستريحة، وهذا ليس منظر امرأة نائمة، قالت: (لا شيء، قال لها: لتخبرني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ -وذكرت له ما حدث- قالت: فلهزني في صدري لهزةً أوجعتني، وقال: أظننتِ أن يحيف عليك الله ورسوله -أي: بأن تكون الليلة لك وأذهب لغيرك- إن جبريل أتاني فناداني، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعتِ ثيابك، فناداني فأخفى منك، فأجبته فأخفيته منك، وكرهت أن أوقظك فتستوحشي، فقال: إن ربكَ يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم) إلى آخر الحديث. فانظر اللطف، لما رأى بطنها يرتفع وينخفض قال: (مالك يا عائش!)، الترخيم يدل على اللطف، كذلك كان يقول لـ أسامة بن زيد: (يا أسيد) ترخيم، وأسامة بن زيد هو الحب ابن الحب، وكان محبوباً عند الرسول ﵊، فالترخيم يعرف إذا كان للطف أو للتقريع من سياق الكلام، كما يقول العلماء: إن السياق من المقيِّدات. فمثلاً في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أيضاً، قال: (يُجاء برجل فيقول الله ﵎ له: أيْ فُل!) (فُلْ) ترخيم: (يا فلان)، فهذا ترخيم، لكن هذا الترخيم استهزاء واحتقار، ونحن عرفنا أنه ترخيم استهزاء واحتقار، لأن دلالة الكلام تدل عليه قال: (أي فُلْ! ألم أذَرْك ترأس وتربع)، (تربع) كان أهل الجاهلية إذا أغاروا على قوم أخذوا ربع ما غنموا وأعطوه لكبير الحي يضيف به الضيفان، ويقوم به على النائبات، فالمعنى: كنت تأخذ المرباع وأنت جالس في بيتك، (ألم أذَرْك ترأس)، -أي: تكون رأساً قال: (وأزوجك من النساء، وأركبك من الخيل والإبل، فأين شكرك؟! قال: رب نسيت، قال: فاليوم أنساك). فواضح من السياق أن قوله: (أيْ فُلْ) ترخيم إهانة وتقريع، كما قال ﵎ لأحد الكافرين: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، ومعروف أن عبارة (العزيز الكريم) لا تكون عادةً بهذا اللفظ إلا للإكرام والعزة، فهذا السياق دل على أن عبارة (العزيز الكريم) ليس المقصود بها الإكرام، بل المقصود بها الإهانة، وهكذا. فالنبي ﵊ لما وجد ما عند أبي هريرة من الجوع والشحوب على وجهه، أولاً: تبسم حتى يزيل ما عنده من الكآبة، ثم رخم اسمه لمزيد من اللطف، قال: (أبا هر! الحق بنا) فـ أبو هريرة بالنسبة له هذه هي الغنيمة الباردة، هذا الذي كان يريد، فانطلق خلف النبي ﵊، فلما دخل وجد إناءَ لبن، قال: (من أين هذا؟)، وفي هذا دليل على استحباب أن يتفقد الرجل بيته، فلا يدخل فيلقى جهازاً كبيراً يخرق العين، ثم يمر عليه كأن أحداً لم يأت بجهاز، فمن الممكن أن يكون ولده سرق، فلا بد أول ما يدخل أن يتفقد كل شيء في بيته، أي شيء هو لم يستجلبه يقول: من أين هذا؟ ويتفقد، فلعل ولده سرقه أو نحو ذلك.

стр. 904

عزة النفس عند الصحابة فـ أبو هريرة لم يستطيع أن يمشي على قدميه، بل كان يمشي زحفاً من الجوع، فلأنه كريم وعزيز النفس، كأنه استحيا أن يقول لواحد من الصحابة: خذني أتغدى معك، فاحتال حيلة، والكريم يفضل أن يموت ولا يريق ماء وجهه، كما قال الشافعي ﵀ وهو يصور الإنسان الكريم قال: لَقَلْعُ ضرسِ وضَربُ حبسِ ونزعُ نفسِ وردُّ أمسِ ... وقَرُّ بردِ وقودُ فردِ ودبغُ جلدِ بغير شمسِ ... ونفخُ نارِ وحملُ عارِ وبيعُ دارِ بربع فلسِ ... كل هذا أهون من وقفة حرٍّ يرجو نوالاً بباب نحسِ الأشياء التي ذكرها الشافعي منها مستحيل، كرد أمس، وهو أن يُرجع يوم أمس مرة أخرى، ومنها أن يدبغ الجلد بغير شمس، وهذا لا يكون أبداً، ومنها أن يبيع داره بربع فلس، فهو يقول: إن الإنسان لو ارتكب كل هذه الأشياء، فإنه أهون من أن يقف على باب لئيم يطلب عطاءً؛ لأن عنده من حرارة النفس والعزة ما يمنعه أن يقف على باب لئيم. فـ أبو هريرة ﵁ احتال حيلة يحصل بها مقصوده ويحفظ بها ماء وجهه، فصلى الصحابة الفرض، فخرج قبلهم جميعاً وسبقهم ووقف على الطريق، فمر أبو بكر الصديق قال: (فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعي) يعني: أنا لا أجهلها، بل أحفظها وأعلم تأويلها؛ لكن سأله لعله يقول له: تعال معي نتغدى، والذي جعل أبا هريرة يفعل هذا أن جعفر بن أبي طالب ﵁ لم يكن أبو هريرة يسأله قط، إلا يقول له: لا أجيبك حتى نتغدى، فقال: إذاً نسلك هذا السبيل، وأبو بكر الصديق خير الناس بعد الرسول ﵊، وأمَّل فيه أنه لو سأله السؤال سيقول له: تعال نتمشى، فإذا وصل معه إلى باب البيت فغير ممكن أن يقول له: مع السلامة، سيقول له: تفضل! فمجرد أن يقول: تفضل يكون الرجل داخلاً بكرامته، فقال: (فأجابني وانصرف). قال: (فجاء عمر، فسألته عن آية من كتاب الله وإنها لَمَعِي، رجاء أن يستتبعني -وفي الرواية الأخرى:- رجاء أن يشبعني، قال: فأجابني وانصرف).

стр. 905

الالتفات إلى الأسباب جعل الله لكل شيء سبباً، وهذا من سننه الكونية، والأسباب لا تؤثر بنفسها، بدليل أن السبب قد يوجد ولا يوجد أثره وثمرته؛ وعليه فالاعتماد الكلي على السبب، والالتفات إليه شرك بالله تعالى في ربوبيته، وبالمقابل فإن إهمال الأسباب وتركها قدح في الشرع ومحال عقلاً والحق أن يعتمد العبد ويتوكل على ربه تعالى ويأخذ بالسبب طاعة لله تعالى وتأسياً بأنبيائه عليهم الصلاة والسلام لتتحق له بذلك مصالح الدنيا والآخرة.

стр. 906

اتخاذ الأسباب لا ينافي صدق العبودية لله إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، ونفي الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، هذه الكلمات الثلاث اشتملت على الدين كله، الالتفات -أي التفات القلب إلى الأسباب- قدح في التوحيد؛ لذلك فإن الله ﵎ ألغى السبب فيما يتعلق بدعائه والإخلاص له. نحن كما قال ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وأبو ذر في جماعة من أصحاب النبي ﵊: كنا ضلالاً لا نعرف شيئاً حتى جاءنا النبي ﵌؛ فهو الواسطة بيننا وبين الله في العلم به، وبأحكامه، وبما يحب ويكره، نحن لا نعرف لنا سبباً إلى السماء غير الرسول ﵊؛ لذلك كان هو الواسطة الطبيعية، كما يتضح ذلك جلياً في كثير من الآيات، ومنها: قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة:١٨٩] وقوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٩] وقوله جل ثناؤه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٧] وقوله ﵎: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ﴾ [البقرة:٢١٥] وقوله : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] وقوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] وقوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء:١٢٧] وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]. (قل) هذه التي هي دلالة على الواسطة، إثبات وجود الرسول ﵊ في تبليغ الأحكام الشرعية، إلا في الدعاء: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، لم يقل: فقل: إني قريب؛ وذلك حتى يلغي الواسطة؛ لأنه من الممكن أن تفرغ ما عندك من العبودية عند الواسطة، ولله المثل الأعلى. ولك أن تتصور أن يوجد أمير عادل حكيم لا يرد مظلمة إنسان، ولكن له نائب لئيم، كلما رفعت شكوى حجبها ذلك النائب ولم يرفعها للأمير، فحتى تصل شكايتك للأمير، ماذا تفعل؟ لابد أن تتزلف إلى هذا النائب اللئيم حتى يسمح بمرور شكايتك إلى الأمير، وكلما كان هذا الرجل أشد لؤماً كنت أنت أشد ذلاً، وهكذا استفرغت ما يجب أن يكون لله ﵎ -من العبادة والذل والخضوع- عند أقدام الواسطة، ولهذا ألغى الواسطة؛ حتى تكون عبوديتك كاملة لله ﵎، إذا سألت مباشرة ليس هناك واسطة. لما رأى النبي ﵌ الجماعة الذين يصرخون في دعائهم، قال: (أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً).

стр. 907

نفي الأسباب محال عقلا التفات هذا القلب إلى الأسباب قدح في التوحيد، ونفي الأسباب نقص في العقل، فلو أن رجلاً قال: أريد ولداً بغير نكاح، فكل العباد يقولون عنه: مجنون، أو قال: أريد أن أشبع بغير أكل، لقالوا: مجنون، ولو قال آخر: أريد أن أذهب إلى أول الشارع بغير سعي مني ولا مشي، يقولون: أنى لك ذلك؟! فمعنى أن يلغي العبد السبب أن يقول: لا قيمة له أبداً في الفعل، هذا القول نقص في العقل. ولعله يأتي من يقول: إنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يمكن أن ينفي أن يكون السبب مؤثراً، نقول: بلى! يوجد أناس يقال لهم: الفرماوية يرون أن الأخذ بالأسباب كفر، ويرون أن من مرض فذهب إلى الطبيب فهو كافر، ومن أراد الولد فنكح فهو كافر، مع أنهم ينكحون ويذهبون إلى الأطباء، لأنه يستحيل أن ينفي السبب بالكلية وإلا مات، ولقد رأينا بعضهم وقد انقسموا فريقين: جماعة يلبسون قمصاً بيضاء، وجماعة يلبسون قمصاً خضراء، فالذي يلبس قميصاً أبيض لا يأخذ بالأسباب لأنه وصل إلى درجة اليقين. كما أنه قيل لـ ابن الجوزي يوماً: إن فلاناً ترك الصلاة والزكاة وترك العبادة، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، وقال: إنه قد أتاني اليقين وأنا وصلت درجة رفع التكليف، فقال ابن الجوزي: نعم، وصل، ولكن إلى سقر. فالذي وصل إلى هذه الدرجة من الفرماوية يلبس القميص الأبيض، أما الذي يلبس القميص الأخضر فهذا دءوب العمل لخدمة الصنف الأول دائماً، وهو الذي يأخذ بالأسباب، ومن عجيب أمرهم أنهم يعتقدون أن الذي يلبس الأخضر كافر كفراً مؤقتاً، حتى تدب الولاية -ولاية الشيطان- في قلبه فيلبس قميصاً أبيض. وهذا الكلام لو عرضوه على أجهل خلق الله ﵎ ما قبله، لأنه يصادم صريح العقل، فإنكار أن تكون الأسباب أسباباً من حيث هي أسباب نقص في العقل بلا شك، ونحمد الله ﵎ أنه لا يوجد من هذه الطائفة أحد الآن، لقد كانوا يحرقون صحيح البخاري فلما سئلوا:، لماذا؟ قالوا: أصل البخاري شيوعي، أليس من الاتحاد السوفييتي؟! هذا لما كانت بخارى ضمن الاتحاد السوفييتي، أما الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أين سينسبوا البخاري؟ وكانوا يقولون: كل أحاديث عائشة باطلة فلما قيل لهم لماذا؟ قالوا: صوت المرأة عورة، كل حديث عن أي امرأة غير صحيح، لأن صوت المرأة عورة. وهكذا من يرد الأحاديث قائلاً: هذا مضاد لصريح العقل، وإذا وجدت حديثاً يضاد صريح العقل فاعلم أنه مكذوب!! وأنا أقول: صريح العقل ليس عقلك وحدك، إنما صريح عقل المسلمين، لأنه من الممكن أن يصادم عقلك أنت فقط، لكن لا يصادم عقل غيرك، هذا هو معنى القيد الذي وضعه علماء المسلمين عندما قالوا: إذا وجدت الحديث يخالف صريح المعقول فاعلم أنه مكذوب. وهم يقصدون بصريح المعقول أي صريح معقول عقول المسلمين، ليس عقل واحد، ولا عقل اثنين، إنما عقول المسلمين. ففعل الفرماوية هؤلاء وتأويلهم يضاد صريح عقول المسلمين، لذلك نجزم أنه من الباطل المحض الذي لا يتردد فيه إنسان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم

стр. 908

الحرص على التوحيد وحماية جنابه إن التفات القلب إلى السبب قدح في التوحيد، ومعنى ذلك أنه إذا علمت -أو ظننت- أن السبب هو المؤثر كان ذلك قدحاً في التوحيد، ولذلك ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (من قال: لولا الكلب لسرق اللص الدار؛ فقد أشرك)، لكن يجب أن يقول: لولا أن الله سخر الكلب، فلا يجعل الكلب هو الذي أنقذ الدار من السرقة. وتأمل جيداً قول إبراهيم الخليل ﵇ لما عرّف إلهه الذي يعبده إلى قومه، فقد كان في غاية الدقة، وكان الرائد في هذا المضمار، ولذا فكلامه موزون، وكذلك الداعيه إلى الله يجب أن يكون كلامه موزوناً، أليس الكفر بكلمة، والإيمان بكلمة، واستحلال أعراض الناس بكلمة؟! كل شيء في الدنيا أليس يتم بكلمة؟! لما سمع النبي ﵌ رجلاً يقول: ما شاء الله وشئت، قال: (أجعلتني لله نداً). والرجل ما أتم كلمة أشرك بها، إنما أشرك بحرف، قال: ما شاء الله وشئت، فعطف بحرف الواو، فقال له النبي ﷺ : (أجعلتني لله نداً). ونحن نعلم أن الرجل لم يقصد أن يجعل لله نداً في حقيقة أمره وقرارة قلبه وإلا فهو كافر، إنما قال كلمة درجت على لسانه، كما يقول العوام اليوم: توكلت على الله وعليك، فالقائل: لا يقصد أن يجعل هذا الرجل كالله ﵎. والنبي ﵊ لم يكتف بقوله: (أجعلتني لله نداً) بل علمه، فقال: (قل ما شاء الله ثم شئت)، فإذا كان العبد يمكن أن يشرك بحرف، ألا يمكن أن يشرك بكلمة؟! أو بجملة، فطالما أن كل شيء مبني على الكلمة، يجب الحرص على أن تكون الكلمة في موضعها. ولذلك فإن الغلام الذي حكى النبي ﵊ قصته مع الراهب والساحر، لما جاءه جليس الملك وكان قد عمي، قال: رد علي بصري! اشفني! فكان الغلام يتكلم بتؤدة وكلام يعلم عاقبته وخطره، قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله تعالى، فإن آمنت به دعوته فشفاك، فخلع نفسه، قال: أنا ليس لي إلا أن أدعو فقط، وأنت ليس عليك إلا أن تؤمن، إنما الشفاء منه ﵎.

стр. 909

التأكيد على أن الأسباب لا تؤثر إلا بمشيئة الله إبراهيم الخليل ﵇، أول ما بدأ يدعو قومه دعاهم بكلام في غاية الدقة، وقد حكى القرآن الكريم أنه قال ﵇ عن الأصنام: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٧٧]، كأنهم سألوه وما رب العالمين؟ قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨١]. تلاحظ في الآيات الثلاث الأول ضمير الرفع المنفصل (هو)، ويقول النحاة: إن هذا الضمير يأتي لتأكيد الكلام، بدليل أنك لو حذفته لا يؤثر في السياق، إنما يأتي لتأكيد الكلام، الذي خلقني فيهديني كلام مستقيم، إنما جاء (هو) لتأكيد هذا المعنى. والهداية لفظة مشتركة، فهي من العبد: الدلالة والبيان، وهي من الله: التوفيق إلى طريق الهداية حقاً، وقد أثبت الله الهداية لنبيه ﵌ مرة ونفاها عنه أخرى، قال ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فأثبتها له، وفي الآية الأخرى نفاها عنه فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، إذاً: الهداية الأولى هي هداية الدلالة والبيان، والهداية التي نفاها الله عنه توفيق العبد وإقامته على طريق الهداية حقاً. فلما التبس هذا المعنى للهداية التي هي مشتركة بين العبد وبين ربه؛ احتاج إبراهيم ﵇ أن يؤكد أن الهداية الحقة ليست لأحد، إنما هي لله وحده، فأكدها بهذا الضمير: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٧٨]، كأنه قال: فهو يهديني لا غيره، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء:٧٩]. من الجائز أن تقول: كنت سأموت من الجوع لولا أن فلاناً أطعمني وسقاني، فأراد إبراهيم ﵇ أن يقول: إن الأكل والشرب وإن كانا سبباً في دفع الجوع والظمأ؛ لكن ليسا دافعين حقيقيين للجوع والظمأ ألم تجرب -ولو مرة- أنك أكلت بنهم شديد أضعاف ما يكفيك، وتحس أنك في حاجة إلى طعام، أما مر عليك يوم شربت فيه ماءً حتى كادت بطنك أن تنفجر من الماء، ومع ذلك تحس أنك لا زلت في حاجة إلى مزيد من الماء، فالماء يدفع الظمأ، لكن ليس دائماً، كذلك إذا مرضت ألست تأخذ الدواء مرة فتبرأ بإذن الله، وتأخذه أخرى فلا تبرأ، والعلة هي العلة، والدواء هو الدواء، وإن كان سبباً في دفع المرض، لكن ليس دائماً. فكأن إبراهيم ﵇ قال: والذي إذا أطعمني أوجد فيَّ الري والشبع وهي الفائدة المقصودة من ذلك السبب، وقد ثبت في الصحيحين: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﵌ وكان كافراً، فقال: اسقني يا محمد! فسقاه لبن شاة، ثم قال: اسقني فسقاه لبن شاة أخرى اسقني حتى حلب له سبع شياه، فأسلم الرجل -لعله لما وجد من حسن الخلق- فجاء في اليوم التالي، وقال: اسقني يا رسول الله! فحلب له لبن شاة واحدة، فشرب وأفضل شيئاً، وحمد الله، فقال ﵊: المؤمن يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) كما قال ﵊ لأصحابه يوماً: (كلوا والبركة من الله). إذاً: إيجاد الري وإيجاد الشبع من الله ﵎، وإن كان الأكل سبباً في دفع ذلك، لكن ليس بالضرورة أن يدفع، فأراد إبراهيم الخليل أن يؤكد أنه: ليس بمجرد أن يأكل يشبع، إنما الذي يطعمه ويسقيه ويوجد فيه الرِّيَّ، ويوجد فيه الشبع -وهما المقصودان من الأكل- هو الله ﵎ لا غيره. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، من الجائز أن يقول العبد: كنت سأموت لولا أن الطبيب الفلاني أنقذني، أنت ترى ضعفاء الإيمان إذا كان أحدهم مريضاً بمرض خطير، وأُدخِل غرفة العمليات، يقف مرافقوه عند باب الغرفة ينتظرون الطبيب، فإذا ما خرج الطبيب، نظروا إلى شفتيه قالوا جميعاً: خير يا دكتور! -وكأنه هو الذي سيقول الكلمة الأخيرة- لو قال: أبشروا فإنهم يكادون يموتون من الفرح، ولو قال: ليس هناك أمل، يرتمي بعضهم على الأرض من وقع كلامه الباعث على اليأس، كأن الطبيب يملك من الأمر شيئاً، هؤلاء يعاملون الطبيب كما لو كان له الكلمة الأخيرة، وليس لأحد كلمة أخيرة، إنما الكلمة الفاصلة لله ﵎، والعباد في قرارة أنفسهم يتصرفون خلال ذلك. كما أنه من الممكن أن يكون لعبد ما ولد، وقال له جميع الأطباء: وفر فلوسك، لا أمل، فهو ميت لا محالة، ومع ذلك يخرج الرجل بابنه من عند هذا الطبيب ليذهب إلى طبيب آخر، لماذا مع أنهم قالوا له: لا أمل؟ هو يقول في قرارة نفسه: من الجائز أن الله ﵎ يجعل شفاءه عند رجل آخر، وإذا لم يكن عنده فلس واحد فإنه يستدين، وهو موقن أنه ميت، وهو يعلم أنه لا أمل في شفاء ابنه، لكن لماذا يقترض؟! لماذا يثقل كاهله بالديون؟! لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه ليس لعبد كلمة أخيرة، فإن الله ﵎ يصرف المقادير حيث شاء. وعلى سبيل المثال -كي نعلم أن الأمر كله لله- امرأة مغربية، مرضت بالسرطان ذهب بها أولادها إلى كل أطباء العالم، وكلهم يقول: بقي من عمرها شهر أو أقل، فقالوا لها: أَلا تعتمرين!! فذهبت المرأة تعتمر، ثم طاب لها المقام في الحرم، فكان ليس لها طعام ولا شراب إلا ماء زمزم، فمضى شهر وشهران وثلاثة أشهر وأربعة وستة وعشرة، والمرأة بصحة جيدة، ثم ذهبت إلى إحدى مدن المملكة، وعمدت إلى أشهر أطباء المملكة وكلهم يقول لها: ليس عندك شيء، قالت: هؤلاء لا يفهمون، حتى أولادها قالوا: الطب عند العرب متأخر، سنذهب إلى البلاد التي وصلت إلى القمة، عندما ذهبوا إلى الأطباء في تلك البلاد إذا بهم يشدهون، أين ذهب المرض؟! عند من تعالجت؟! قالوا: أبداً، الوضع كذا وكذا وصدق النبي ﵌ لما قال في ماء زمزم: (إنه طعام طعم، وشفاء سقم)، فهذا فضل الله، ولو أن الأولاد تركوها لحكموا عليها بالإعدام. إذن الإنسان يتحرك من داخله بعقيدة أنه ليس لأحد شيء، وإن كانت تصرفاته -أحياناً- غير ذلك، لكنه مجبول ثابت في فطرته أن الكلمة الأخيرة الفاصلة لله ﵎ في كل شيء، فمن الجائز أن يقول العبد: فلان الطبيب شفاني، فأكد إبراهيم ﵇ إن الذي يشفي ويرفع المرض هو الله ﵎ لا غيره. هذه القضايا الثلاث التي ذكرها إبراهيم مشتركة بين العبد وبين ربه، العبد له جزء من المعنى والله ﵎ له جزء ٌ آخر، أما القضية الأخيرة فلا خلاف بين جميع العباد عليها فلم يؤكدها، وهي: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي) لم يقل: فهو يحيين لماذا؟ لأنه لا خلاف بين العباد كلهم أن الذي يحيي ويميت هو الله ﵎، وهذا نفي من إبراهيم ﵇ للسبب، وللواسطة. لذلك كان التفات القلب إلى هذه الأسباب قدحاً في توحيد العبد، ويجب أن لا يلتفت القلب إلى السبب، وليكن يقيننا أن الذي يجعل التأثير في الأشياء هو الله ﵎ وحده، كما قال : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، رمى: الأولى بمعنى أصاب، ورمى الثانية بمعنى سدد الرمية، ورمى الثالثة بمعنى أصاب، فيكون معنى الآية: وما أصبت إذ رميت ولكن الله أصاب، ليس لأنك سددت الرمية، بدليل أن العبد قد يصاب برصاصة في عنقه فيموت، ورجل آخر يضرب برصاصة في نفس الموضع فلا يموت، فإن كان لابد أن يموت إذا جاءت الرصاصة في هذا الموضع لمات كل من أصيب بها، لكن إنما يصيب الله ﵎، ليس لأنك أحدثت الأثر، لا. إنما الله ﵎ هو الذي أحدث الأثر. ومن العجائب، هذا القلب الذي يُعد ملك البدن، إذا اجتمع القلب وجدت في أعضائك قوة، وإذا تفرق همك وجدت في أعضائك الخور كله، لذلك همة العبد إنما تكون باجتماع قلبه، فإذا اجتمع قلبك اجتمعت جوارحك تبعاً للقلب، أليس هو ملك البدن، هذا القلب الذي قوام حياتك به، لو توقف لمت، فتصور أن قلبك الذي تتحرك به أنت لا تملكه، أليس هذا من أعظم دلائل العجز؟ ومما يدل على أن العبد لا يملك قلبه قوله ﵌: (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء) وكان أكثر دعائه يقول: (يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك) وكان قسمه الذي يكثر أن يقسم به يقول: (لا. ومقلب القلوب). ومثالاً على ذلك -من الواقع-: ألم تحب إنساناً يوماً ما حتى غُلبت على حبه، وكدت تهلك في حبه، فقيل لك: انْسَ، قلت: لا أستطيع، تمضي في أقصى مكان في الأرض، والذكرى لا تفارق قلبك، لو كان قلب العبد بيده، لما كفر طرفة عين، لكن ليس قلبه بيده، وهذا من أعظم دلائل عجزه وافتقاره إلى الله ﵎، أليس هو صندوق الإخلاص في البدن، ومحل السر فيه، وفيه ما لا يمكن للإنسان معرفته حتى مع تطور علم التشريح، على سبيل المثال العلقة التي استخرجها الملك من قلب النبي ﵊ علقة محسوسة ترى وتمس باليد، هل يستطيع إنسان على وجه الأرض إذا شَرَّحَ القلب أن يحدد موضعها، سر عظيم من أسرار الله ﵎ في بدن العبد. فإذا التفت هذا الملك -ملك البدن- إلى الأسباب هلك العبد، إذاً هو إنما بقلبه، كما قال ﵊: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر البدن، وإذا فسدت فسد سائر البدن، ألا وهي القلب).

стр. 910

وجوب الأخذ بالأسباب وعاقبة إهمالها الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. الإعراض عن الأسباب قدح في الشرع؛ لأن كل شيء في الكون لا يتم إلا بسبب من العبد، ولا يوجد شيء في الكون إلا له سبب. ومن ألطف ما يذكر في ذلك قوله ﵎ لـ مريم ﵍: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥]، تصوروا نخلة مثمرة وجاء أربعون رجلاً من أشداء الرجال فهزوا النخلة هل تنزل تمرة؟ تهتز النخلة ولا تسقط شيئاً، فكيف بامرأة نفساء، والمرأة إذا وضعت تكون أضعف ما يكون، إذ تكون قد فقدت كل قواها، لذلك عظم حقها على أبنائها كما في الأدب المفرد بسند قوي أن رجلاً حمل أمه وطاف بها حول البيت وهو يقول: أنا لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لن أذعر يقول: أنا بعير لها أحملها وأطوف بها، ولا أذعر كما تذعر البعران، ثم ذهب إلى ابن عمر، قال: يـ ابن عمر! أتراني وفيتها؟! قال له: لا. ولا بزفرة والزفرة التي هي الآه التي تطلقها المرأة أثناء الولادة، أو الصراخ الذي تصرخه حال الولادة، أي: مهما فعلت لها لن توفيها حقها ولا بزفرة من زفراتها. فما بالكم بامرأة نفساء تهز النخلة، هل يمكن مع ضعفها أن تهتز النخلة؟ لا يمكن ذلك، وإنما كان هذا الأمر إشارة لطيفة إلى ضرورة الأخذ بالسبب، وقد أحسن الشاعر جد الإحسان لما نظم هذا المعنى، فقال: توكل على الرحمن في الأمر كله ولا ترغبن بالعجز يوماً عن الطلب ألم تر أن الله قال لمريم وهزي إليك الجذع يساقط الرطب فلو شاء أن تجنيه من غير هزه جنته ولكن كل رزق له سبب فهذه امرأة نفساء وهي أعذر ما تكون إذا تركت الأخذ بالأسباب، وذلك من أعظم الدلالة على أنه لابد أن يأخذ العبد بالسبب. وإن العبد إذا قصر في الأخذ بالسبب عوقب بحرمان الثمرة، مثلاً: قال ﵌: (لتسوون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فالسبب الذي إذا أراد المسلمون أن تأتلف قلوبهم يجب أن يأخذوا به هو أن يسووا صفوفهم، فإذا لم يسووا الصفوف نفرت القلوب، فتسوية الصف سبب من أسباب اجتماع القلوب، فلما قصر المسلمون في ذلك، نفرت قلوبهم، يصادف أن يصلي رجل بجوار رجل آخر بينهما شحناء، تصور أنهما يخرجان من الصلاة أشد كدراً من دخولها، يقول لك: أنا أول ما رأيته قلبي انقبض، ما نفعتك صلاتك إذاً، وقفت في الصلاة وقلبك في الشارع، هل صفّت الصلاة الشحناء التي في قلبك؟ وآخر صلى وهو هادئ الأعصاب، وخرج منها يتضور، أي صلاة هذه؟ أي صلاة هذه؟! ذهب رجل إلى أحد المفتين وقال له: أرأيت إن صليت إلى جانب رجل عن يساري وأنا أبغضه، تُرى ماذا أفعل؟ قال: يكفيك تسليمة واحدة، حتى لا ينظر إلى هذا الذي يبغضه عن يساره. لم يأخذ العباد السبب فمنعوا الثمرة. إن هذه الصلاة شرعت خمس مرات في اليوم حتى لا يصاب أحد بضغناء ولا شحناء على أحد، تُرى هل ينعقد قلبك على كره إنسان إذا كنت في كل يوم خمس مرات تلتصق قدمك بقدمه وكتفك بكتفه، لكن نحن عجزنا عن استثمار هذه الصلوات، فلما قصرنا في الأخذ بالسبب منعنا الثمرة التي من أجلها شرعت صلاة الجماعة، وهو أن يجتمع المسلمون على قلب رجل واحد. نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما جهلنا، وأن يأخذ بأيدينا ونواصينا إلى الخير. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا، وكل ذلك عندنا

стр. 911

وجوب تسوية الصفوف ومخالفة كثير من المسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من الأشياء التي ينبه عليها بمناسبة الكلام على السبب وأنه يجب على كل إنسان أن يفعل ما أُمر به: أولاً: هذا الخط الموجود على الأرض في المساجد لتسوية الصف -زعموا. -. هذا أولاً هو بدعة ثانياً: لماذا وضع هذا الخط على الأرض؟ وضع بعدما قصر الإمام في أداء مهمته، فتراه يقول للناس: استووا وظهره باتجاههم، أو يقول: استووا، قبل أن يقوم الناس إلى الصفوف، ولا يقفون في الصف إلا وقد بدأ يقرأ في الفاتحة، وهذا لا ينبغي، إنما المفروض أن يفعل الإمام ما هو مأثور عن رسول الله ﷺ من تسويته للصفوف وحث الناس على ذلك، وهذه هي مهمة الإمام، وللأسف تجد عند كثير من المسلمين أن الإمام لا يطبق سنة تسويته للصفوف، وإذا لم يكن حاضراً يتدافع الناس كل يدفع غيره للإمامة، ويمتنع عن التقدم ولو كان عنده علم، وقد يتقدم جويهل لا يعرف السنة. وبالمقابل أناس يحرصون على الإمامة على جهل بالسنة، وهذا شيء عظيم خطير؛ لذلك الرسول ﵊ نهى عن الاندفاع إلى الإمامة، بسبب خطرها وجسامة منصبها، وإننا قصرنا جداً في فهم ما يناط بنا، لدرجة أنك لو دخلت مسجداً من مساجد المسلمين، وصادف أن الإمام غائب أو أن المسجد ليس له إمام راتب، تنظر العجب، كل واحد يعزم على الثاني يقول له: تفضل، والآخر يقول: لا -والله- أنت تفضل، وقد يتقدم من ليس له علاقة أبداً بالإمامة، وقد يكون أول مرة يصلي بالناس، مع أن المفروض في الإمام أن يكون فقيهاً، يعرف أحكام الصلاة، ويعرف ما ينبغي في الصلاة، لكن هذا يدخل وليس عنده فكرة عن الصلاة. وفي ذات مرة تعازموا أيضاً على نفس المنوال، وكان هناك واحد رآهم يتدافعون فحسم الموقف ودخل هو، وبعد وذلك التفت إليهم وجعل يفرك في يديه، ما هو الذي يقوله الأئمة قبل الصلاة؟!! يسأل نفسه. وهي يقصد قولهم: استووا واستقيموا، لكنه لا يعلم ذلك لأنه لا يحضر الجماعة وإنما دائماً غائب، فقعد يفرك يده ويفكر في نفسه: ماذا يقول الأئمة قبل الصلاة؟ فقال لهم أخيراً: (جاهزين يا رجالة؟ نعم يا معلم!) تصور عندما يكون هذا هو الإمام، مع أن الإمامة شأنها عظيم كما ورد في سنن الدارقطني، قال: (تخيروا أئمتكم فإنهم وفدكم إلى ربكم). أي: أن الإمام كأنه هو رئيس الوفد معك إلى الله، فلابد أن يكون قدوة في فقهه وعلمه وأخلاقه، كما أننا لو عيَّنّا شخصاً أنوك (أحمق) نجعله لنا رأساً، ماذا يقول الناس عنا؟ وكذلك أي دولة عندما تختار سفيراً، فإنها تختاره حسب أعلى المستويات لأن هذا السفير لو كان سيئاً في تصرفه سيؤدي بسمعة الدولة في الحضيض، فلازم أن يكون السفير ذا ذوق، متكلم، مجامل إلخ هذه الصفات التي يتطلبها عمله. وعليه فوفدنا إلى الله في الصلاة إذا كان رأسه لا يدري شيئاً، فهذا إزراء بكل المصلين؛ لأن الرأس إذا لم يكن مستقيماً أزرى بكل مرءوسيه. ولذلك لما تولى عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة، جاءت بعض القبائل تهنيه، فقبيلة من القبائل أرسلت وفداً يرأسه شاب، فدخل الشاب يهنئ عمر بن عبد العزيز بالخلافة، فكأنه استصغره، ووجد أنه ليس أسن القوم، قال: يا بني! أما وجدوا من هو أكبر منك؟!! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت المسألة بالسن لكان هناك من هو أولى منك بالخلافة، قال له: أفلحت. فالرأس مهم، إذا كان الرسول ﵊ شدد ولفت النظر إلى الصف الأول وأكد على فضله وأهميته فقال: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فما بالك بالإمام، يجب أن يكون أولى بهذه الصفات السامية من الصف الأول؛ لأنه (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأكبرهم سناً) يعني: إذاً المفترض أنه لا يوجد في الصف الأول أحد يساوي الإمام، طالما والمسألة مفاضلة، وبعد ذلك يليه في الفضل الصف الأول، وهذا هو المفروض؛ لقوله ﵊: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فإذا كان إمامهم يقول لهم: (جاهزين يا رجالة!) تصور للصف الأول كلهم (معلمين) إذاً، يعني: ليس فيهم أهل أن يقف في الصف الأول فضلاً عن أن يكون إماماً، الصف الأول يجب أن يكون فيه أولوا الأحلام والنهى لماذا؟ لأنهم أدرى الناس بما يلابس الإمام في الصلاة حتى لا يختل نظام الصلاة، ولك أن تتصور -مثلاً- أن الإمام وهو في الركعة الأولى اكتشف أنه ليس متوضئاً، ماذا يفعل؟ المفترض أنه ينسل ليستخلف ممن وراءه ويذهب يتوضأ ويرجع ويصلي مأموماً مع الإمام الجديد. والإمام الجديد الذي استخلفه يبني على ما مضى من الصلاة يبني على ما مضى في الركعات وليس في القراءة، أي ليس بالضرورة إذا كان الإمام يقرأ في سورة معينة أن الإمام المستخلف يأتي فيواصل القراءة من نفس السورة، إنما يبني على ما مضى أي في عدد الركعات، فإذا كان الصف الأول ليس فيه من هو أهل للإمامة، فتصور كيف يكون نظام الصلاة. ذكر ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين في فصل الحمقى والمغفلين من الأئمة، أن شخصاً اكتشف في الركعة الثانية أو الثالثة أنه ليس متوضئاً فشد شخصاً ممن وراءه وذهب ليتوضأ، ثم إن هذا الإمام المستخلف، وقف لا ينطق لا يتكلم لا يتحرك، فلما يئسوا منه شدوه وقدموا رجلاً آخر، فأتم الصلاة، وبعد الصلاة سئل الثاني: لماذا لم تفعل شيئاً؟ كيف وقفت ساكتاً؟ قال ظننت أن الإمام يقول: احفظ مكاني حتى أجيء. فالمفروض أن يحرص على الصف الأول أفضل الموجودين، ثم إن التخلف عن الصف الأول ليس من الورع، فقد يقول لك قائل: صليت في الصف الأول كأني أزكي نفسي، هذا ورع كاذب، لأن النبي ﵊ رأى رجلاً يتأخر عن الصف الأول، فقال كما في الصحيح: (لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله). لا يوجد ورع في هذه المسألة، الصف الأول لا يوجد فيه شيء اسمه ورع، فالنبي ﵊ قال: (لو علم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) لو دخل رجلان فوجدا فرجة في الصف الأول حضهما على أن يستهما عليه -أي: يعملان قرعة- من الذي يصلي في الفرجة التي بقيت في الصف الأول؟ إذاً: كيف يتخلف الإنسان عن الصف الأول؟! فالواجب أن يكون أفضل من في المسجد هم الذين يحرصون على الصف الأول. فلما كان أئمتنا هكذا، لا يعلمون شيئاً عن واجباتهم في الصلاة، فهذا هو الذي جعل الناس يضطرون إلى الخط الذي يوجد على الأرض والسبب هو أن الإمام غائب عن مهمته. والمفروض على الإمام أنه لا يقيم الصلاة حتى يطمئن إلى تسوية الصف، ونحن حاولنا أن نفعل هذا فضج المصلون، لنا شهران أو ثلاثة ننبه حول هذا الموضوع، ولا توجد أية فائدة لم يستطيعوا أن يستسيغوا الموضوع، وغاية ما يريد أحدهم أن يصلي ويخرج مسرعاً كأنه مسجون. في صلاة الجمعة المفروض على الإمام ألا يصلي حتى يذهب إلى آخر صف ويجدهم استووا تماماً، أو يرسل شخصاً يسوي الصفوف، ثم تبدأ الصلاة، حاولنا عبثاً مع جماهير المصلين، وكل مرة ننبه، ونقول: نحن وإن تأخرنا خمس دقائق لكي نسوي الصفوف؛ لأن الرسول ﵊ قال كذا وكذا، ومن أثر تسوية الصفوف أن تلتئم القلوب، وتحاول اقناعهم، (وأول ما تخلص الصلاة يقوم فلان من الناس ويصيح قائلاً: حبستمونا ممن أعمالنا. فمتى تلتئم القلوب، وهو مع ذلك يقف على باب الجامع ربع ساعة ونصف ساعة يتكلم فيما لا يفيد، أما بين يدي الله، فهو عجل، يتعجل الفراق، أنى يفتح لمثل هذا؟ ونكرر أن هذا الخط الذي على الأرض هذا، إنما كان بسبب عدم أخذ الإمام بما يجب عليه، التفات القلوب بعضها عن بعض إنما كان بسبب أننا لم نأخذ بما وجب علينا من السبب، لذلك منعنا الأثر، نحن نقول للمسلمين: الأخذ بالسبب ضروري، لكن يجب أن نعلم أن السبب ليس مؤثراً دائماً وإنما بمشيئة الله كما ذكرنا ذلك، بل أنت قد تفعل كل ما في وسعك ولا تصيب الثمرة، لماذا؟ لعدم إخلاص القلب، فلو علم الله ﵎ منا أننا صرنا عبيداً له أعطانا الثمرة، ولو بأقل مجهود، ليس دائماً، لابد أن تحسن عملك مثلاً ١٠٠% لتصيب الثمرة ١٠٠%، لا. فيمكن أن تكون ضعيفاً، وجهدك لا يصل إلا إلى ٢٠% فقط، ويتمم لك الله الثمرة ١٠٠% لماذا؟ لما علم من حسن توجهك، ولا يلومك على العجز، لأنه فوق طاقتك وإمكانك. إنما أنبه على ذلك حتى لا يلتبس المعنى إذا قرأ واحد منا حديث النبي ﵊ الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث عوف بن مالك ﵁ (أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى على رجل، فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال ﵊: ردوا علي الرجل، فردوه، قال: ماذا قلت؟ قال: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قال له: إن الله يلوم على العجز، ولكن إذا غلبك شيء فقل حسبي الله ونعم الوكيل). إن الله يلوم على العجز، العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، فإذا أساء العبد التصرف بحمقه، فلا يلومن إلا نفسه، إنما إذا سلك الأسباب كما أمر فغلب على ذلك فليقل حسبي الله ونعم الوكيل. (إن الله يلوم على العجز) العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، بخلاف الكلام الذي أنا أذكره، الذي قلت: إن الله ﵎ إذا عجز العبد لا يلومه، أي: إذا عجز العجز الذي هو ضد الإمكان؛ لأنه إذا لم يستطع أن يفعل فإن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها.

стр. 912

العبودية لله تعالى سبب للتمكين كثر كلام المتكلمين في أسباب ضعفنا، وأننا لم نأخذ بالقوة المادية المجردة عن القيم والمبادئ، أصخوا أسماعنا بأن الغرب سبقونا بأقمار التجسس وسبقونا بحرب النجوم وسبقونا بهذه الأشياء، ونحن لابد أن نكون على منوالهم، وصاروا يدندنون على ذلك ونسوا أهم خطوة في الموضوع. منذ عدة أشهر علا موج المحيط، ودخل هذا الموج العاتي على ولاية فلوريدا الأمريكية، فكانت الخسائر المبدئية ثلاثين مليار دولار، بعدها بأسبوع، علا موج المحيط، فدخل على مدينة هاواي الأمريكية، مدينة الدعارة، فكانت الخسائر المبدئية خمسة مليارات دولار، فكان المجموع خمسة وثلاثين ألف مليون دولار، في كم؟! في نصف ساعة! عدوك إذا أراد الله أن يهلكه كم من الوقت يأخذ؟! لكن بعد أن تكون عبداً لله، كلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا عبد لله فعلاً؟ هل استطعت أن أعبّد نفسي وأهلي لله فعلاً؟ أيها الصارخ! حنانيك، يا أيها الذي تريد أن تحكم العالم غداً! رويدك إن شيطاناً بداخلك، إنك عاجز أن تأمر امرأتك بالحجاب، إنك عاجز أن تأمر بناتك بالحجاب، أنت عاجز أن تأمر ولدك أن يصلي، تريد أن تحكم العالم غداً، وأنت عاجز أن تحكم أسرة، لا تستطيع أن تقيمها، وتريد أن تحكم العالم، إذا صرنا عبيداً لله، حكمنا العالم. المسلمون في مكة، ماذا قال الله لهم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٧٧] بالله عليكم أنحن أقمنا الصلاة؟ خمس دقائق نقولها للمسلمين صبروا أنفسكم حتى نسوي الصف، يزمجر كثير منهم، أهذه هي إقامة الصلاة، لابد أن نكون عبيداً لله أولاً، فإذا ما صرنا عبيداً لله، مكّن لنا، كيف يُمكَّن لنا في الأرض ونحن لم نطبق الشرط المطلوب منا للتمكين، وهو: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، تصور لو مكن لبعض المسلمين الآن، أو بعض الدول الإسلامية، أو التي تزعم أنها إسلامية، أيكون حالهم أحسن من حال الكفرة الممكنين حالياً في الأرض؟! الجواب لا. إن الله ﵎ لا يحابي أحداً من عباده، أبداً، ولو حابى أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، كما قال تعالى لنوح في ابنه ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، ولما نهى النبي ﷺ أن يستغفر لأمه، مع أنه خرج دامع العينين لما نهي أن يستغفر لأمه، كيف لا؟! والله ﵎ كان يقول له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أسفاً هنا مؤخرة في السياق: أي لعلك قاتل نفسك أسفاً على آثارهم لأنهم لا يؤمنون بهذا الحديث، من شدة شفقته ﷺ على الناس يكاد يموت من الحزن عليهم لأنهم لا يؤمنون، فكيف بأمه التي ولدته، لو أن الله يحابي أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، لكنه لا يحابي أحداً، ألم يقل ﵎: (إني حرمت الظلم على نفسي)، ولو ظلم -وحاشاه- لما سأله أحد، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، فنحن ما قمنا بما يجب علينا من الأخذ بالسبب في العبودية، فلم يقم لنا القلب، لذلك صرنا أذلة في كل مكان. كثير من الذين يحاضرون، يتكلمون عن أسباب ضعف المسلمين، والتنبيه عليه واجب، لكن ألفت النظر إلى شيءٍ خطير يقعون فيه غالباً، وهو أنهم يأخذون جل المحاضرة في عرض السيئات، وفي عرض أسباب الخلل، ثم يذكر العلاج في خمس دقائق، فينصرف الجماهير، وعندهم أسى وشعور قاتل بالهزيمة، لا يوجد لديهم العلاج، لأن المحاضر تكلم ساعات في أسباب ضعفنا، وبعد ذلك رأى أنه بقي من الوقت خمس دقائق، وبدأ يذكر العلاج بإيجاز: تقوى الله وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله حسناً: الجماهير ليس عندهم تصور لتقوى الله، وإنما الذي لديهم فقط تصور لأسباب الخلل، تماماً مثل المسلسلات العربية، تتكون من أربعة عشر حلقة ونصف يعرض فيها كيف أن اللص يكسر الأقفال ويسرق البنوك، وبعد ذلك قبل ما الخمسة عشر حلقة تنتهي بربع ساعة ينتهي المسلسل بأن اللص قبض عليه، وبعد ذلك يقول لك حقاً: إن الباطل زاهق وبعد ذلك ينتهي المسلسل. فالنتيجة أن كل الجماهير التي تفرجت عرفت بعد هذا المسلسل كيف تفك الأقفال، لكن مسألة أنها تتوب وتعرف أن الحق غلاب وتتشبع بالرادع عن الجريمة، ما صار عندها أي تصور لذلك لأنه طرح في خمس دقائق فقط. تصور مثلاً جيلاً مهزوماً كجيلنا الآن وجيل آبائنا الذي تجرع جميع الهزائم، فعندما يقال: لدى أعدائنا ألفي إذاعة وأربعمائة مجلة وخمسمائة جريدة، وأربعين قمراً صناعياً تُصوِّر حتى (الفانلة) التي أرتديها. أنا رجل ليس عندي شيء إطلاقاً، فما المتوقع مني بعدما أسمع هذا؟ المتوقع مني هو أن أصاب باليأس، إذ أن هناك أربعين قمراً صناعياً فوق منطقة الشرق الأوسط يراقبون حتى ما ألبسه فماذا أفعل؟ أبدل أن أعمل سقف البيت بسمك عشرة سنتمترات أعمل سقف البيت بسمك متر؟ لأنني وأنا أمشي أحس أنني مكشوف، لو خطر ببالي يوماً ما أن أنتفض وأثأر لكرامتي سأعلم أنني مكشوف، فأقول في نفسي، وماذا أفعل وأنا مكشوف، فأستسلم للأمر الواقع، وأصاب بالإحباط. نحن نقول للذين يلقون محاضرات في مساوئ المسلمين الآن وأسباب الخلل: (إذا عرضت أسباب الخلل جملة وفصلت العلاج أصبت) فعندما تُعلم الناس كيف يكونون عبيداً لله هنا نقول: أصبت، لأنك عند أن تعرض أسباب الخلل وليس في يديك العلاج لا يكون لذلك العرض قيمة، لأن غاية قولك تعريف المستمع أنه ضعيف وإقناعه بذلك، وأنت تنازع أنك ضعيف، أنا وأنت نعرف أننا ضعفاء، لكن يا أخي! كيف سبيل العلاج، لا أريد أن أسمع أسباب الخلل، نحن نعرفها، أعظم أسباب الخلل أننا لسنا عبيداً لله.

стр. 913

خطوة في طريق التمكين من أعظم أسباب النصر: أن نرجع عبيداً لله ﵎، فلما تركنا هذا السبب، حرمنا ثمرة التمكين، مثالاً على ذلك بعض الجماعات في أنحاء العالم مر عليها خمسون سنة، وأخرى ستون سنة وأخرى مائة سنة تسعى حثيثاً أن تقيم دولة في أي مكان في الأرض، أو أن يكون لها كيان في أي مكان في الأرض، ومع ذلك عجزوا جميعاً. النبي ﵊ وأصحابه صنعوا دولة بإذن الله في عشر سنوات، هي مدة مكث النبي ﵊ في المدينة، لماذا استطاعوا فعل ذلك بهذه السرعة؟ لأنهم فعلوا ما يجب عليهم من تعبيد أنفسهم لله ﵎، فلما نظر الله ﵎ إليهم ووجدهم أهلاً لذلك مكن لهم. فنحن إذا أردنا التمكين فلا نهتم بشيء إلا أن نكون عبيداً لله، افعل ما يمكنك فعله، أنت بإمكانك أن تعبِّد امرأتك تعبِّد أولادك تعبِّد نفسك لله، هذا بإمكانك، لكن ليس بإمكانك أن تخضعني لأنني قد أغلبك، لأنني صعب المرام، لكن امرأتك لك عليها ولاية أولادك لك عليهم ولاية، كيف تركتهم هملاً، ثم تريد أن تقيم الدين علي أنا، لو أن كل إنسان انشغل بتعبيد أولاده وأهله لله تعالى؛ ففي بضع سنوات يمكِّن الله ﵎ للمسلمين، مثلما مكن لأسلافهم. نسأل الله تبارك أن يعبدنا وأولادنا وذوينا له، ﵎ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 914

تمكين الله للصحابة لتحقيقهم العبودية لله تعالى الصحابة الأوائل يجسدون الصورة الحقيقية للإسلام قلباً وقالباً، هذا كما قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر إلى قلوب العالمين فاختار قلب محمد ﵌ لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين فاختار أصحابه له) فهؤلاء الأصحاب كانوا من اختيار الله له صلوات ربي وسلامه عليه، فأصلحهم الله ﵎ لصدق عزمهم ومسابقتهم إلى فعل الخيرات. ولو أننا فعلنا ما أمرنا به، لصدقت فينا بشارة ربنا وكنا لها أهلاً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] لا شك أنه بيننا من يلبس خاتم الذهب أو دبلة الذهب، فإذا قلت لهذا اللابس: أيها الأخ المسلم! إذا سمعت النبي ﵌ يقول لك: هذا حرام عليك أن تلبسه، ماذا أنت صانع الآن، هل تمد يدك فتنزعه -في خفة- وتضعه في جيبك، وتقسم أنك لا تلبسه بعد ذلك، كم من المسلمين الآن يمد يده ينزعه، بينما ترى بعض المسلمين لا يفعل، فإذا سئل: لماذا؟ يقول: زوجتي تغضب!! مهلاً أيهما أشد وقعاً في قلبك غضب الرسول ﵊ أم غضب الزوجة، ماذا تفعل؟ أنا لا أتصور إلا أن يجيب بـ () لكن، وبعد لكن يهدم ما قاله قبل ذلك. وتصور لو أن النبي ﵊ موجود الآن، ورآك أيها المسلم تلبس الذهب، فقال: اخلع عنك هذا، ماذا تفعل، أنا أعلم أنك ستبادر -أيها المسلم- وتقول: أخلعه فوراً، فأقول: ما الفرق بين وجوده ﵊ أمامك يأمرك وبين أن يصلك كلامه؟! ما هو الفرق؟! لا فرق. وهذه صورة مماثلة وأسوة مشرقة ساطعة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جاء إلى النبي ﵌ يوماً وعليه حلة حمراء، فلما رآه النبي ﵊ أعرض بوجهه عنه -الصحابة طبعاً يعلمون جيداً- إن الإعراض بالوجه لم يكن من خصاله ﵊، كان إذا رأى العبد هش وبش، حتى قال القائل: (من خالطه أحبه، ومن لم يخالطه هابه)، كنت إذا سلمت عليه تحس أنك صديقه الوحيد، تحس بألفة وتحس أنه احتواك قلبه لأنه يقبل عليك بتمام وجهه ﵊. فالصحابة لم يتعودوا أنه يعرض عن أحد منهم، فلم يسأله لماذا أعرضت عني؟ إنما نظر إلى نفسه وأدرك أن عيني النبي ﵊ ثبتت قليلاً على قميصه الأحمر، فرجع إلى البيت، فوجد أهله يسجرون التنور-الفرن- وعلى الفور خلع قميصه الأحمر ورماها في الفرن، ثم لبس حلة أخرى ورجع إلى النبي ﵊ فأقبل عليه بوجهه وقال له: ماذا فعلت؟ -أي بثوبك- قال: سجرته التنور، قال: هلا أعطيته بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء، أي أن الرسول ﷺ لم يقل له: كيف تلبس الأحمر؟ لا. مجرد ما يحس الصحابي أن الرسول ﵊ لا يحب هذا، كان على الفور ينفيه، ولذلك سادوا. صورة أخرى: أبو أيوب الأنصاري ﵁ لما نزل الرسول ﵊ في المدينة عليه -لما هاجر من مكة إلى المدينة ونزل على أبي أيوب - كان الرسول ﵊ نزل في دار أبي أيوب في الدور الأرضي وأبو أيوب جهد أن يقول له: اطلع يعني اصعد في الأعلى، فأبى النبي ﵊ وقال: (السفل أرفق بنا يغشاني أصحابي) لكن أبا أيوب الأنصاري بينما هو يمشي بالليل إذ فزع، وقال لنفسه: (أأنا أمشي على سقيفة تحتها رسول الله)، ورأى أن هذا من سوء الأدب أنه يمشي على سقف الرسول تحته ﵊، فلما أصبح أقسم عليه أن يصعد، وقال: (والله لا أعلو سقيفة أنت تحتها). وكان أبو أيوب الأنصاري، يرسل إليه الطعام، ولا يأكل هو وامرأته إلا بعدما ينزل الطعام، فيتحرون مواضع أصابعه وفمه فيأكلون منها، فأرسلوا إليه ذات يوم طعاماً به ثوم، فلم يأكل منه ورجع الطعام كما هو، قال أبو أيوب: (ففزعت وصعدت إليه، وقلت: يا رسول الله! لِمَ لم تأكل؟! أحرام هو؟ قال له: لا. ولكني أناجي من لا تناجي -أي جبريل ﵇ وإن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم فقال أبو أيوب: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره) أي: كيف أحب شيئاً أنت تكرهه برغم أن البصل حلال، وهكذا الصحابة كانوا على هذا المنوال. وهذا سعد بن معاذ (لما استشار الرسول ﵊ أصحابه في شأن غزوة فقام المهاجرون فتكلموا وأحسنوا، والرسول ساكت ﵊، ففطن إليها سعد بن معاذ -ذاك السيد الذي اهتز له عرش الرحمن يوم مات- فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يريد أن يعرف رأي الأنصار أصحاب الدار والإيمان، قال: يا رسول الله! صل حبل من شئت واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت، ووالله! ما أخذت أحب إلينا مما تركت). أرأيتم الرجال؟ فقوم بهذه الصورة كيف يهزمون؟! كيف يتخلف عنهم نصر الله وهم هكذا؟!! في غزوة بدر التي خرج المسلمون إليها ضعافاً على غير أهبة قتال، قال الله ﵎ لهم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]، والملائكة -فقط- لو دخلت في حرب لدعم جيش ما فهو منتصر يقيناً، لا شك في ذلك ولا ريب، لاسيما إذا كان فيهم جبريل ﵇، الذي ورد في بعض الآثار أنه قلب قرى قوم لوط بطرف جناحه، ولما دعا النبي ربه ﵎ في بدر كان يقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إنه إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ما إن دعا النبي ﵊ حتى علت ثغره ابتسامة -وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، كما يقول كعب بن مالك - وقال: يا أبا بكر! أبشر هذا جبريل نزل معتجراً بعمامته راكباً فرسه، وأول ما رأى جبريل على ثناياه النقع -أي: الغبار- قال له: أبشر) يعني أبشر بالنصر، فالملائكة إذا تحيزت إلى جيش انتصر، والسبب أنه يوجد مقتضى نزول النصر وهو ما تقدم من تحقيق العبودية قدر الإمكان. إذا صرنا مثل الصحابة نلنا ما نال الصحابة من النصر ومن العون. إن الغربة علينا في هذه الأيام أشد من غربة الصحابة الأوائل في مكة، إي والله أتدرون لماذا؟ لأن الصحابة يوم كان يقسوا عليهم كفار قريش، كانوا يعتصمون بإيمانهم، كانوا إذا آذوهم اعتصموا بالإيمان بالله فخف عليهم البلاء، أما نحن الآن ينزل علينا البلاء وليس عندنا من الإيمان ما نلجأ إليه عند نزول البلاء، فلذا غربتنا مضاعفة. ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ هذا من أجود ما قال المتنبي، ذكر بعض العلماء القدامى بسنده أنه قال: قلت للمتنبي: هل ادعيت النبوة؟ قال: ذاك شيءٌ كان في الحداثة، قال له: وما آية نبوتك؟ أي: هل معك آية تبين أنك نبي؟ فقال: نعم ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ فكأن المتنبي يقول هذا أجود ما قلته، لدرجة أنه يعرضه كما لو كان وحياً. وفي الواقع يضطر الإنسان في زمان الغربة مع عدم وجود الإيمان الذي يعتصم به أن يداهن الذي يكره، يداهن عدوه، لأنه ليس عنده من القوة ما يستطيع أن يكون له الغلبة.

стр. 915

صفات أهل الجنة وأهل النار إن الله ابتلى المؤمنين بمجاهدة الكافرين، وبين لهم أن الحرب سجال، ولكنه وعد عباده أن الغلبة والنصرة لهم في الدنيا والآخرة. وقد بين الله الصفات التي يتصف بها العباد ليكونوا من أصحاب الجنة، التي يتصف بها من يئول مصيره إلى النار.
следующие страницы →