← Джавами‘

Джавами‘ · id 7693

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 719 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وجوب تسوية الصفوف ومخالفة كثير من المسلمين إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. من الأشياء التي ينبه عليها بمناسبة الكلام على السبب وأنه يجب على كل إنسان أن يفعل ما أُمر به: أولاً: هذا الخط الموجود على الأرض في المساجد لتسوية الصف -زعموا. -. هذا أولاً هو بدعة ثانياً: لماذا وضع هذا الخط على الأرض؟ وضع بعدما قصر الإمام في أداء مهمته، فتراه يقول للناس: استووا وظهره باتجاههم، أو يقول: استووا، قبل أن يقوم الناس إلى الصفوف، ولا يقفون في الصف إلا وقد بدأ يقرأ في الفاتحة، وهذا لا ينبغي، إنما المفروض أن يفعل الإمام ما هو مأثور عن رسول الله ﷺ من تسويته للصفوف وحث الناس على ذلك، وهذه هي مهمة الإمام، وللأسف تجد عند كثير من المسلمين أن الإمام لا يطبق سنة تسويته للصفوف، وإذا لم يكن حاضراً يتدافع الناس كل يدفع غيره للإمامة، ويمتنع عن التقدم ولو كان عنده علم، وقد يتقدم جويهل لا يعرف السنة. وبالمقابل أناس يحرصون على الإمامة على جهل بالسنة، وهذا شيء عظيم خطير؛ لذلك الرسول ﵊ نهى عن الاندفاع إلى الإمامة، بسبب خطرها وجسامة منصبها، وإننا قصرنا جداً في فهم ما يناط بنا، لدرجة أنك لو دخلت مسجداً من مساجد المسلمين، وصادف أن الإمام غائب أو أن المسجد ليس له إمام راتب، تنظر العجب، كل واحد يعزم على الثاني يقول له: تفضل، والآخر يقول: لا -والله- أنت تفضل، وقد يتقدم من ليس له علاقة أبداً بالإمامة، وقد يكون أول مرة يصلي بالناس، مع أن المفروض في الإمام أن يكون فقيهاً، يعرف أحكام الصلاة، ويعرف ما ينبغي في الصلاة، لكن هذا يدخل وليس عنده فكرة عن الصلاة. وفي ذات مرة تعازموا أيضاً على نفس المنوال، وكان هناك واحد رآهم يتدافعون فحسم الموقف ودخل هو، وبعد وذلك التفت إليهم وجعل يفرك في يديه، ما هو الذي يقوله الأئمة قبل الصلاة؟!! يسأل نفسه. وهي يقصد قولهم: استووا واستقيموا، لكنه لا يعلم ذلك لأنه لا يحضر الجماعة وإنما دائماً غائب، فقعد يفرك يده ويفكر في نفسه: ماذا يقول الأئمة قبل الصلاة؟ فقال لهم أخيراً: (جاهزين يا رجالة؟ نعم يا معلم!) تصور عندما يكون هذا هو الإمام، مع أن الإمامة شأنها عظيم كما ورد في سنن الدارقطني، قال: (تخيروا أئمتكم فإنهم وفدكم إلى ربكم). أي: أن الإمام كأنه هو رئيس الوفد معك إلى الله، فلابد أن يكون قدوة في فقهه وعلمه وأخلاقه، كما أننا لو عيَّنّا شخصاً أنوك (أحمق) نجعله لنا رأساً، ماذا يقول الناس عنا؟ وكذلك أي دولة عندما تختار سفيراً، فإنها تختاره حسب أعلى المستويات لأن هذا السفير لو كان سيئاً في تصرفه سيؤدي بسمعة الدولة في الحضيض، فلازم أن يكون السفير ذا ذوق، متكلم، مجامل إلخ هذه الصفات التي يتطلبها عمله. وعليه فوفدنا إلى الله في الصلاة إذا كان رأسه لا يدري شيئاً، فهذا إزراء بكل المصلين؛ لأن الرأس إذا لم يكن مستقيماً أزرى بكل مرءوسيه. ولذلك لما تولى عمر بن عبد العزيز ﵁ الخلافة، جاءت بعض القبائل تهنيه، فقبيلة من القبائل أرسلت وفداً يرأسه شاب، فدخل الشاب يهنئ عمر بن عبد العزيز بالخلافة، فكأنه استصغره، ووجد أنه ليس أسن القوم، قال: يا بني! أما وجدوا من هو أكبر منك؟!! فقال: يا أمير المؤمنين! لو كانت المسألة بالسن لكان هناك من هو أولى منك بالخلافة، قال له: أفلحت. فالرأس مهم، إذا كان الرسول ﵊ شدد ولفت النظر إلى الصف الأول وأكد على فضله وأهميته فقال: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)، فما بالك بالإمام، يجب أن يكون أولى بهذه الصفات السامية من الصف الأول؛ لأنه (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأكبرهم سناً) يعني: إذاً المفترض أنه لا يوجد في الصف الأول أحد يساوي الإمام، طالما والمسألة مفاضلة، وبعد ذلك يليه في الفضل الصف الأول، وهذا هو المفروض؛ لقوله ﵊: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)، فإذا كان إمامهم يقول لهم: (جاهزين يا رجالة!) تصور للصف الأول كلهم (معلمين) إذاً، يعني: ليس فيهم أهل أن يقف في الصف الأول فضلاً عن أن يكون إماماً، الصف الأول يجب أن يكون فيه أولوا الأحلام والنهى لماذا؟ لأنهم أدرى الناس بما يلابس الإمام في الصلاة حتى لا يختل نظام الصلاة، ولك أن تتصور -مثلاً- أن الإمام وهو في الركعة الأولى اكتشف أنه ليس متوضئاً، ماذا يفعل؟ المفترض أنه ينسل ليستخلف ممن وراءه ويذهب يتوضأ ويرجع ويصلي مأموماً مع الإمام الجديد. والإمام الجديد الذي استخلفه يبني على ما مضى من الصلاة يبني على ما مضى في الركعات وليس في القراءة، أي ليس بالضرورة إذا كان الإمام يقرأ في سورة معينة أن الإمام المستخلف يأتي فيواصل القراءة من نفس السورة، إنما يبني على ما مضى أي في عدد الركعات، فإذا كان الصف الأول ليس فيه من هو أهل للإمامة، فتصور كيف يكون نظام الصلاة. ذكر ابن الجوزي في أخبار الحمقى والمغفلين في فصل الحمقى والمغفلين من الأئمة، أن شخصاً اكتشف في الركعة الثانية أو الثالثة أنه ليس متوضئاً فشد شخصاً ممن وراءه وذهب ليتوضأ، ثم إن هذا الإمام المستخلف، وقف لا ينطق لا يتكلم لا يتحرك، فلما يئسوا منه شدوه وقدموا رجلاً آخر، فأتم الصلاة، وبعد الصلاة سئل الثاني: لماذا لم تفعل شيئاً؟ كيف وقفت ساكتاً؟ قال ظننت أن الإمام يقول: احفظ مكاني حتى أجيء. فالمفروض أن يحرص على الصف الأول أفضل الموجودين، ثم إن التخلف عن الصف الأول ليس من الورع، فقد يقول لك قائل: صليت في الصف الأول كأني أزكي نفسي، هذا ورع كاذب، لأن النبي ﵊ رأى رجلاً يتأخر عن الصف الأول، فقال كما في الصحيح: (لا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله). لا يوجد ورع في هذه المسألة، الصف الأول لا يوجد فيه شيء اسمه ورع، فالنبي ﵊ قال: (لو علم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) لو دخل رجلان فوجدا فرجة في الصف الأول حضهما على أن يستهما عليه -أي: يعملان قرعة- من الذي يصلي في الفرجة التي بقيت في الصف الأول؟ إذاً: كيف يتخلف الإنسان عن الصف الأول؟! فالواجب أن يكون أفضل من في المسجد هم الذين يحرصون على الصف الأول. فلما كان أئمتنا هكذا، لا يعلمون شيئاً عن واجباتهم في الصلاة، فهذا هو الذي جعل الناس يضطرون إلى الخط الذي يوجد على الأرض والسبب هو أن الإمام غائب عن مهمته. والمفروض على الإمام أنه لا يقيم الصلاة حتى يطمئن إلى تسوية الصف، ونحن حاولنا أن نفعل هذا فضج المصلون، لنا شهران أو ثلاثة ننبه حول هذا الموضوع، ولا توجد أية فائدة لم يستطيعوا أن يستسيغوا الموضوع، وغاية ما يريد أحدهم أن يصلي ويخرج مسرعاً كأنه مسجون. في صلاة الجمعة المفروض على الإمام ألا يصلي حتى يذهب إلى آخر صف ويجدهم استووا تماماً، أو يرسل شخصاً يسوي الصفوف، ثم تبدأ الصلاة، حاولنا عبثاً مع جماهير المصلين، وكل مرة ننبه، ونقول: نحن وإن تأخرنا خمس دقائق لكي نسوي الصفوف؛ لأن الرسول ﵊ قال كذا وكذا، ومن أثر تسوية الصفوف أن تلتئم القلوب، وتحاول اقناعهم، (وأول ما تخلص الصلاة يقوم فلان من الناس ويصيح قائلاً: حبستمونا ممن أعمالنا. فمتى تلتئم القلوب، وهو مع ذلك يقف على باب الجامع ربع ساعة ونصف ساعة يتكلم فيما لا يفيد، أما بين يدي الله، فهو عجل، يتعجل الفراق، أنى يفتح لمثل هذا؟ ونكرر أن هذا الخط الذي على الأرض هذا، إنما كان بسبب عدم أخذ الإمام بما يجب عليه، التفات القلوب بعضها عن بعض إنما كان بسبب أننا لم نأخذ بما وجب علينا من السبب، لذلك منعنا الأثر، نحن نقول للمسلمين: الأخذ بالسبب ضروري، لكن يجب أن نعلم أن السبب ليس مؤثراً دائماً وإنما بمشيئة الله كما ذكرنا ذلك، بل أنت قد تفعل كل ما في وسعك ولا تصيب الثمرة، لماذا؟ لعدم إخلاص القلب، فلو علم الله ﵎ منا أننا صرنا عبيداً له أعطانا الثمرة، ولو بأقل مجهود، ليس دائماً، لابد أن تحسن عملك مثلاً ١٠٠% لتصيب الثمرة ١٠٠%، لا. فيمكن أن تكون ضعيفاً، وجهدك لا يصل إلا إلى ٢٠% فقط، ويتمم لك الله الثمرة ١٠٠% لماذا؟ لما علم من حسن توجهك، ولا يلومك على العجز، لأنه فوق طاقتك وإمكانك. إنما أنبه على ذلك حتى لا يلتبس المعنى إذا قرأ واحد منا حديث النبي ﵊ الذي رواه أبو داود وأحمد وغيرهما من حديث عوف بن مالك ﵁ (أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى على رجل، فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال ﵊: ردوا علي الرجل، فردوه، قال: ماذا قلت؟ قال: قلت حسبي الله ونعم الوكيل، قال له: إن الله يلوم على العجز، ولكن إذا غلبك شيء فقل حسبي الله ونعم الوكيل). إن الله يلوم على العجز، العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، فإذا أساء العبد التصرف بحمقه، فلا يلومن إلا نفسه، إنما إذا سلك الأسباب كما أمر فغلب على ذلك فليقل حسبي الله ونعم الوكيل. (إن الله يلوم على العجز) العجز هنا هو الحمق وسوء التصرف، بخلاف الكلام الذي أنا أذكره، الذي قلت: إن الله ﵎ إذا عجز العبد لا يلومه، أي: إذا عجز العجز الذي هو ضد الإمكان؛ لأنه إذا لم يستطع أن يفعل فإن الله لا يكلف نفساً إلا ما آتاها.

стр. 912

العبودية لله تعالى سبب للتمكين كثر كلام المتكلمين في أسباب ضعفنا، وأننا لم نأخذ بالقوة المادية المجردة عن القيم والمبادئ، أصخوا أسماعنا بأن الغرب سبقونا بأقمار التجسس وسبقونا بحرب النجوم وسبقونا بهذه الأشياء، ونحن لابد أن نكون على منوالهم، وصاروا يدندنون على ذلك ونسوا أهم خطوة في الموضوع. منذ عدة أشهر علا موج المحيط، ودخل هذا الموج العاتي على ولاية فلوريدا الأمريكية، فكانت الخسائر المبدئية ثلاثين مليار دولار، بعدها بأسبوع، علا موج المحيط، فدخل على مدينة هاواي الأمريكية، مدينة الدعارة، فكانت الخسائر المبدئية خمسة مليارات دولار، فكان المجموع خمسة وثلاثين ألف مليون دولار، في كم؟! في نصف ساعة! عدوك إذا أراد الله أن يهلكه كم من الوقت يأخذ؟! لكن بعد أن تكون عبداً لله، كلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا عبد لله فعلاً؟ هل استطعت أن أعبّد نفسي وأهلي لله فعلاً؟ أيها الصارخ! حنانيك، يا أيها الذي تريد أن تحكم العالم غداً! رويدك إن شيطاناً بداخلك، إنك عاجز أن تأمر امرأتك بالحجاب، إنك عاجز أن تأمر بناتك بالحجاب، أنت عاجز أن تأمر ولدك أن يصلي، تريد أن تحكم العالم غداً، وأنت عاجز أن تحكم أسرة، لا تستطيع أن تقيمها، وتريد أن تحكم العالم، إذا صرنا عبيداً لله، حكمنا العالم. المسلمون في مكة، ماذا قال الله لهم؟ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٧٧] بالله عليكم أنحن أقمنا الصلاة؟ خمس دقائق نقولها للمسلمين صبروا أنفسكم حتى نسوي الصف، يزمجر كثير منهم، أهذه هي إقامة الصلاة، لابد أن نكون عبيداً لله أولاً، فإذا ما صرنا عبيداً لله، مكّن لنا، كيف يُمكَّن لنا في الأرض ونحن لم نطبق الشرط المطلوب منا للتمكين، وهو: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، تصور لو مكن لبعض المسلمين الآن، أو بعض الدول الإسلامية، أو التي تزعم أنها إسلامية، أيكون حالهم أحسن من حال الكفرة الممكنين حالياً في الأرض؟! الجواب لا. إن الله ﵎ لا يحابي أحداً من عباده، أبداً، ولو حابى أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، كما قال تعالى لنوح في ابنه ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، ولما نهى النبي ﷺ أن يستغفر لأمه، مع أنه خرج دامع العينين لما نهي أن يستغفر لأمه، كيف لا؟! والله ﵎ كان يقول له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أسفاً هنا مؤخرة في السياق: أي لعلك قاتل نفسك أسفاً على آثارهم لأنهم لا يؤمنون بهذا الحديث، من شدة شفقته ﷺ على الناس يكاد يموت من الحزن عليهم لأنهم لا يؤمنون، فكيف بأمه التي ولدته، لو أن الله يحابي أحداً لحابى أنبياءه في ذويهم، لكنه لا يحابي أحداً، ألم يقل ﵎: (إني حرمت الظلم على نفسي)، ولو ظلم -وحاشاه- لما سأله أحد، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، فنحن ما قمنا بما يجب علينا من الأخذ بالسبب في العبودية، فلم يقم لنا القلب، لذلك صرنا أذلة في كل مكان. كثير من الذين يحاضرون، يتكلمون عن أسباب ضعف المسلمين، والتنبيه عليه واجب، لكن ألفت النظر إلى شيءٍ خطير يقعون فيه غالباً، وهو أنهم يأخذون جل المحاضرة في عرض السيئات، وفي عرض أسباب الخلل، ثم يذكر العلاج في خمس دقائق، فينصرف الجماهير، وعندهم أسى وشعور قاتل بالهزيمة، لا يوجد لديهم العلاج، لأن المحاضر تكلم ساعات في أسباب ضعفنا، وبعد ذلك رأى أنه بقي من الوقت خمس دقائق، وبدأ يذكر العلاج بإيجاز: تقوى الله وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله حسناً: الجماهير ليس عندهم تصور لتقوى الله، وإنما الذي لديهم فقط تصور لأسباب الخلل، تماماً مثل المسلسلات العربية، تتكون من أربعة عشر حلقة ونصف يعرض فيها كيف أن اللص يكسر الأقفال ويسرق البنوك، وبعد ذلك قبل ما الخمسة عشر حلقة تنتهي بربع ساعة ينتهي المسلسل بأن اللص قبض عليه، وبعد ذلك يقول لك حقاً: إن الباطل زاهق وبعد ذلك ينتهي المسلسل. فالنتيجة أن كل الجماهير التي تفرجت عرفت بعد هذا المسلسل كيف تفك الأقفال، لكن مسألة أنها تتوب وتعرف أن الحق غلاب وتتشبع بالرادع عن الجريمة، ما صار عندها أي تصور لذلك لأنه طرح في خمس دقائق فقط. تصور مثلاً جيلاً مهزوماً كجيلنا الآن وجيل آبائنا الذي تجرع جميع الهزائم، فعندما يقال: لدى أعدائنا ألفي إذاعة وأربعمائة مجلة وخمسمائة جريدة، وأربعين قمراً صناعياً تُصوِّر حتى (الفانلة) التي أرتديها. أنا رجل ليس عندي شيء إطلاقاً، فما المتوقع مني بعدما أسمع هذا؟ المتوقع مني هو أن أصاب باليأس، إذ أن هناك أربعين قمراً صناعياً فوق منطقة الشرق الأوسط يراقبون حتى ما ألبسه فماذا أفعل؟ أبدل أن أعمل سقف البيت بسمك عشرة سنتمترات أعمل سقف البيت بسمك متر؟ لأنني وأنا أمشي أحس أنني مكشوف، لو خطر ببالي يوماً ما أن أنتفض وأثأر لكرامتي سأعلم أنني مكشوف، فأقول في نفسي، وماذا أفعل وأنا مكشوف، فأستسلم للأمر الواقع، وأصاب بالإحباط. نحن نقول للذين يلقون محاضرات في مساوئ المسلمين الآن وأسباب الخلل: (إذا عرضت أسباب الخلل جملة وفصلت العلاج أصبت) فعندما تُعلم الناس كيف يكونون عبيداً لله هنا نقول: أصبت، لأنك عند أن تعرض أسباب الخلل وليس في يديك العلاج لا يكون لذلك العرض قيمة، لأن غاية قولك تعريف المستمع أنه ضعيف وإقناعه بذلك، وأنت تنازع أنك ضعيف، أنا وأنت نعرف أننا ضعفاء، لكن يا أخي! كيف سبيل العلاج، لا أريد أن أسمع أسباب الخلل، نحن نعرفها، أعظم أسباب الخلل أننا لسنا عبيداً لله.

стр. 913

خطوة في طريق التمكين من أعظم أسباب النصر: أن نرجع عبيداً لله ﵎، فلما تركنا هذا السبب، حرمنا ثمرة التمكين، مثالاً على ذلك بعض الجماعات في أنحاء العالم مر عليها خمسون سنة، وأخرى ستون سنة وأخرى مائة سنة تسعى حثيثاً أن تقيم دولة في أي مكان في الأرض، أو أن يكون لها كيان في أي مكان في الأرض، ومع ذلك عجزوا جميعاً. النبي ﵊ وأصحابه صنعوا دولة بإذن الله في عشر سنوات، هي مدة مكث النبي ﵊ في المدينة، لماذا استطاعوا فعل ذلك بهذه السرعة؟ لأنهم فعلوا ما يجب عليهم من تعبيد أنفسهم لله ﵎، فلما نظر الله ﵎ إليهم ووجدهم أهلاً لذلك مكن لهم. فنحن إذا أردنا التمكين فلا نهتم بشيء إلا أن نكون عبيداً لله، افعل ما يمكنك فعله، أنت بإمكانك أن تعبِّد امرأتك تعبِّد أولادك تعبِّد نفسك لله، هذا بإمكانك، لكن ليس بإمكانك أن تخضعني لأنني قد أغلبك، لأنني صعب المرام، لكن امرأتك لك عليها ولاية أولادك لك عليهم ولاية، كيف تركتهم هملاً، ثم تريد أن تقيم الدين علي أنا، لو أن كل إنسان انشغل بتعبيد أولاده وأهله لله تعالى؛ ففي بضع سنوات يمكِّن الله ﵎ للمسلمين، مثلما مكن لأسلافهم. نسأل الله تبارك أن يعبدنا وأولادنا وذوينا له، ﵎ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

стр. 914

تمكين الله للصحابة لتحقيقهم العبودية لله تعالى الصحابة الأوائل يجسدون الصورة الحقيقية للإسلام قلباً وقالباً، هذا كما قال ابن مسعود ﵁: (إن الله نظر إلى قلوب العالمين فاختار قلب محمد ﵌ لرسالته، ثم نظر في قلوب العالمين فاختار أصحابه له) فهؤلاء الأصحاب كانوا من اختيار الله له صلوات ربي وسلامه عليه، فأصلحهم الله ﵎ لصدق عزمهم ومسابقتهم إلى فعل الخيرات. ولو أننا فعلنا ما أمرنا به، لصدقت فينا بشارة ربنا وكنا لها أهلاً، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] لا شك أنه بيننا من يلبس خاتم الذهب أو دبلة الذهب، فإذا قلت لهذا اللابس: أيها الأخ المسلم! إذا سمعت النبي ﵌ يقول لك: هذا حرام عليك أن تلبسه، ماذا أنت صانع الآن، هل تمد يدك فتنزعه -في خفة- وتضعه في جيبك، وتقسم أنك لا تلبسه بعد ذلك، كم من المسلمين الآن يمد يده ينزعه، بينما ترى بعض المسلمين لا يفعل، فإذا سئل: لماذا؟ يقول: زوجتي تغضب!! مهلاً أيهما أشد وقعاً في قلبك غضب الرسول ﵊ أم غضب الزوجة، ماذا تفعل؟ أنا لا أتصور إلا أن يجيب بـ () لكن، وبعد لكن يهدم ما قاله قبل ذلك. وتصور لو أن النبي ﵊ موجود الآن، ورآك أيها المسلم تلبس الذهب، فقال: اخلع عنك هذا، ماذا تفعل، أنا أعلم أنك ستبادر -أيها المسلم- وتقول: أخلعه فوراً، فأقول: ما الفرق بين وجوده ﵊ أمامك يأمرك وبين أن يصلك كلامه؟! ما هو الفرق؟! لا فرق. وهذه صورة مماثلة وأسوة مشرقة ساطعة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ جاء إلى النبي ﵌ يوماً وعليه حلة حمراء، فلما رآه النبي ﵊ أعرض بوجهه عنه -الصحابة طبعاً يعلمون جيداً- إن الإعراض بالوجه لم يكن من خصاله ﵊، كان إذا رأى العبد هش وبش، حتى قال القائل: (من خالطه أحبه، ومن لم يخالطه هابه)، كنت إذا سلمت عليه تحس أنك صديقه الوحيد، تحس بألفة وتحس أنه احتواك قلبه لأنه يقبل عليك بتمام وجهه ﵊. فالصحابة لم يتعودوا أنه يعرض عن أحد منهم، فلم يسأله لماذا أعرضت عني؟ إنما نظر إلى نفسه وأدرك أن عيني النبي ﵊ ثبتت قليلاً على قميصه الأحمر، فرجع إلى البيت، فوجد أهله يسجرون التنور-الفرن- وعلى الفور خلع قميصه الأحمر ورماها في الفرن، ثم لبس حلة أخرى ورجع إلى النبي ﵊ فأقبل عليه بوجهه وقال له: ماذا فعلت؟ -أي بثوبك- قال: سجرته التنور، قال: هلا أعطيته بعض أهلك، فإنه لا بأس به للنساء، أي أن الرسول ﷺ لم يقل له: كيف تلبس الأحمر؟ لا. مجرد ما يحس الصحابي أن الرسول ﵊ لا يحب هذا، كان على الفور ينفيه، ولذلك سادوا. صورة أخرى: أبو أيوب الأنصاري ﵁ لما نزل الرسول ﵊ في المدينة عليه -لما هاجر من مكة إلى المدينة ونزل على أبي أيوب - كان الرسول ﵊ نزل في دار أبي أيوب في الدور الأرضي وأبو أيوب جهد أن يقول له: اطلع يعني اصعد في الأعلى، فأبى النبي ﵊ وقال: (السفل أرفق بنا يغشاني أصحابي) لكن أبا أيوب الأنصاري بينما هو يمشي بالليل إذ فزع، وقال لنفسه: (أأنا أمشي على سقيفة تحتها رسول الله)، ورأى أن هذا من سوء الأدب أنه يمشي على سقف الرسول تحته ﵊، فلما أصبح أقسم عليه أن يصعد، وقال: (والله لا أعلو سقيفة أنت تحتها). وكان أبو أيوب الأنصاري، يرسل إليه الطعام، ولا يأكل هو وامرأته إلا بعدما ينزل الطعام، فيتحرون مواضع أصابعه وفمه فيأكلون منها، فأرسلوا إليه ذات يوم طعاماً به ثوم، فلم يأكل منه ورجع الطعام كما هو، قال أبو أيوب: (ففزعت وصعدت إليه، وقلت: يا رسول الله! لِمَ لم تأكل؟! أحرام هو؟ قال له: لا. ولكني أناجي من لا تناجي -أي جبريل ﵇ وإن الملائكة لتتأذى مما يتأذى منه بنو آدم فقال أبو أيوب: لا جرم يا رسول الله! أكره الذي تكره) أي: كيف أحب شيئاً أنت تكرهه برغم أن البصل حلال، وهكذا الصحابة كانوا على هذا المنوال. وهذا سعد بن معاذ (لما استشار الرسول ﵊ أصحابه في شأن غزوة فقام المهاجرون فتكلموا وأحسنوا، والرسول ساكت ﵊، ففطن إليها سعد بن معاذ -ذاك السيد الذي اهتز له عرش الرحمن يوم مات- فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا، وكان صلوات ربي وسلامه عليه يريد أن يعرف رأي الأنصار أصحاب الدار والإيمان، قال: يا رسول الله! صل حبل من شئت واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت، ووالله! ما أخذت أحب إلينا مما تركت). أرأيتم الرجال؟ فقوم بهذه الصورة كيف يهزمون؟! كيف يتخلف عنهم نصر الله وهم هكذا؟!! في غزوة بدر التي خرج المسلمون إليها ضعافاً على غير أهبة قتال، قال الله ﵎ لهم: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]، والملائكة -فقط- لو دخلت في حرب لدعم جيش ما فهو منتصر يقيناً، لا شك في ذلك ولا ريب، لاسيما إذا كان فيهم جبريل ﵇، الذي ورد في بعض الآثار أنه قلب قرى قوم لوط بطرف جناحه، ولما دعا النبي ربه ﵎ في بدر كان يقول: (اللهم نصرك الذي وعدت، اللهم إنه إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ما إن دعا النبي ﵊ حتى علت ثغره ابتسامة -وكان إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر، كما يقول كعب بن مالك - وقال: يا أبا بكر! أبشر هذا جبريل نزل معتجراً بعمامته راكباً فرسه، وأول ما رأى جبريل على ثناياه النقع -أي: الغبار- قال له: أبشر) يعني أبشر بالنصر، فالملائكة إذا تحيزت إلى جيش انتصر، والسبب أنه يوجد مقتضى نزول النصر وهو ما تقدم من تحقيق العبودية قدر الإمكان. إذا صرنا مثل الصحابة نلنا ما نال الصحابة من النصر ومن العون. إن الغربة علينا في هذه الأيام أشد من غربة الصحابة الأوائل في مكة، إي والله أتدرون لماذا؟ لأن الصحابة يوم كان يقسوا عليهم كفار قريش، كانوا يعتصمون بإيمانهم، كانوا إذا آذوهم اعتصموا بالإيمان بالله فخف عليهم البلاء، أما نحن الآن ينزل علينا البلاء وليس عندنا من الإيمان ما نلجأ إليه عند نزول البلاء، فلذا غربتنا مضاعفة. ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ هذا من أجود ما قال المتنبي، ذكر بعض العلماء القدامى بسنده أنه قال: قلت للمتنبي: هل ادعيت النبوة؟ قال: ذاك شيءٌ كان في الحداثة، قال له: وما آية نبوتك؟ أي: هل معك آية تبين أنك نبي؟ فقال: نعم ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بُدُّ فكأن المتنبي يقول هذا أجود ما قلته، لدرجة أنه يعرضه كما لو كان وحياً. وفي الواقع يضطر الإنسان في زمان الغربة مع عدم وجود الإيمان الذي يعتصم به أن يداهن الذي يكره، يداهن عدوه، لأنه ليس عنده من القوة ما يستطيع أن يكون له الغلبة.

стр. 915

صفات أهل الجنة وأهل النار إن الله ابتلى المؤمنين بمجاهدة الكافرين، وبين لهم أن الحرب سجال، ولكنه وعد عباده أن الغلبة والنصرة لهم في الدنيا والآخرة. وقد بين الله الصفات التي يتصف بها العباد ليكونوا من أصحاب الجنة، التي يتصف بها من يئول مصيره إلى النار.

стр. 916

شرح حديث (خلقت عبادي حنفاء) إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أخرج الإمام مسلم والنسائي وأحمد من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁، قال (خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فكان مما قال في خطبته: ألا إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً، وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً، قلت: رب! إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، والذي لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب والفحاش والشنظير الفحاش). قال الله للنبي ﷺ : (وإنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك). إذاً: المسألة سجال، يبتلي به ويبتليه، ولكن الله وعدنا؛ فقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] أي: في الدنيا والآخرة، فلابد أن يظهر هذا الحق مهما طال الزمان، فما هو السلاح الماضي الذي ميز الله به نبيه وطائفته بحيث يغلبوا في النهاية في هذه الحرب.

стр. 917

وجوب مجاهدة الكفار والمشركين في هذا الحديث يقول الله ﵎ للنبي ﷺ : (وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً. قلت: رب! إذاً: يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزة) أي: يفتحون دماغي، كما يفتح الرجل رغيف الخبز إذا أراد أن يأكل، أي: لا طاقة لي بهم، والعدة والعتاد الذي معي لا يقاوم قريشاً بجبروتها وإمكانياتها. حينئذ قال له: (استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغْزك -أي: نعينك على غزوهم- وأنفق فسننفق عليك) المسألة ليست مسألة خزائن ولا مال، فالذي ينفق عليه هو الملك سبحانه الذي له ميراث السموات والأرض، كما قال النبي ﷺ : (يد الله ملأى سحاء ينفق كيف يشاء، انظر إليه كم أنفق منذ خلق السموات والأرض على عباده)، فإذا كان هذا الغني الذي لا منتهى لغناه، هو الذي يمده، إذاً: سيفلس عدوه وهو يقاتل؛ ولذلك قال: (وأنفق فسننفق عليك)، وقد قال الله لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]، حسناً يا رب! هم الذين يعمرون الأسواق، وهم الذين يحضرون البضاعة، ونحن بالتالي نشتغل ونكسب، معنى (المشرك لا يقرب المسجد الحرام) فقال : ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة:٢٨] فهذا وعد من الله. ثم قال: (وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله)، أي: من الملائكة، وكما ورد في الأخبار أن الله لما أمر جبريل ﵇ أن يقلب قرى قوم لوط: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم:٥٣]، المؤتفكة: هي المنقلبة، قالوا: إنه قلبها بريشة من جناحه، فكيف إذا دخل جبريل المعركة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال:١٢]، أي: الملائكة ورب الملائكة، قال: (وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك).

стр. 918

أصناف أهل الجنة وقوله:: (وأهل الجنة ثلاثة)، هنا لا بد من وقفة أصولية مهمة، ونحن في أمس الحاجة لفهمها؛ لأن الجهلة الذين يعتدون على السنة يتكئون عليها، وما من مبطل يحتج بدليل صحيح إلا وكان في الدليل إهدار لاستدلاله لو كان يدري. قال: (ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال)، فهل هؤلاء هم الذين يدخلون الجنة فقط أو سيدخلها الألوف والملايين بألوف وملايين الأعمال؟ فما معنى حصر الكلام على هؤلاء؟ نقول: هذا كقوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وعدهم، فهل هؤلاء هم الذين ينعمون بالظل فقط؟ لا. فقد ثبت في أحاديث أخرى أن آخرين ينعمون بظل الله ﵎. فما معنى قوله: (سبعة) وعدهم، والأرقام قطعية الدلالة لا تحتمل تأويلاً، ولا يختلف العاد منها. والعلماء يقولون: إن النبي ﷺ تلقى القرآن منجماً، ولو شاء الله لأنزل القرآن جملة واحدة، وإنما أنزل الله ﵎ الآيات مفرقة على رسوله ﷺ رعاية للحوادث؛ ويكون للكلام مقتضى، فمثلاً ينزل قوله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فيسمع الآية أبو الدحداح ﵁، فيقول: (يا رسول الله! الله يطلب منا القرض، فيقول: نعم) ولأنه ﵁ معظم لربه عرف معنى القرض بمعناه الصحيح، وليس أن ربنا فقير ويريد أن يقرضه أي أحد مثلما قالت اليهود عندما سمعوا هذه الآية، قالوا: إن رب محمدٍ افتقر. وما ذاك إلا لأنهم كفار بالله لا يعظمونه، ومن يعبد العجل من دون الله خليق به أن ينسب كل نقيصة إلى ربه، لكن أبا الدحداح مسلم ومعظم لله، ففهمه على معناه الصحيح. (قال: الله يطلب منا القرض؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله! إن لي حائطاً فيه ستمائة نخلة، فما لي عند ربي إن أقرضته حائطي. قال: لك الجنة. قال: أشهدك أني أقرضته حائطي) فهذه آية نزلت بمفردها، وربما لو نزلت مع جملة السورة ما انتبه لها أبو الدحداح. وكذلك ما حصل عند موت النبي ﷺ من عمر بن الخطاب ﵁ عندما شرع يلوح بسيفه ويقول: (من قال: إن رسول الله مات لأعلونه بسيفي هذا. حتى جاء أبو بكر، فقال: على رسلك أيها الحارس، ثم تلا قوله ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فسقط السيف من يده، وقال: والله لكأني ما سمعتها إلا الآن). فهذه آية كان يقرؤها عمر لكنه لم يكن لها مقتضى عنده، لذلك مر عليها ولم يستطع أن يستحضرها لهول المصاب وجسامة الخطب، ذهبت عن باله. وفائدة نزول القرآن منجماً: أنه يكون له مقتضى، وينفعل المسلمون له كما انفعل أبو الدحداح حين خرج وترك المجلس وذهب إلى امرأته، ووقف على باب البستان ولم يدخل، ونادى امرأته، وقال: يا أم الدحداح! اخرجي بأولادك، فإني أقرضت حائطي هذا ربي. فقالت المرأة: ربحت البيح يا أبا الدحداح. فخرجت المرأة بعيالها، ولم تراجعه ولم تقل له: يا رجل! لو كنت تركت نصف المال وأقرضت ربنا نصفه، كما يفعل كثير من الناس، إذا طولب أن يبذل شيئاً نظر إلى رأس ماله، ثم يقول: أعطيه الربع، أعطيه الثلث. إن النبي ﷺ سمع بلالاً يقول كلمة فأعجبته ورددها خلف بلال، سمع بلالاً يقول: (أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) فأعجبته الكلمة! والقرآن نزل منجماً؛ حتى يكون له مقتضى، كذلك النبي ﷺ ، لم يكن يستوفي كلامه كله على المسألة الواحدة في المجلس الواحد، وإنما كان يتكلم على مقتضى المجلس، فليس من شرط المتكلم إذا أراد أن يتكلم في مسألة أن يذكر كل ما يتعلق بالمسألة؛ فإن هذا أمر يطول، والإنسان ليس عنده من الوقت ما يكفيه لذلك، لكن حسبه أن ينبه على ما يقتضيه المقام. أي: كلمة مجملة، وهذه الكلمة قد فصلها في مجلس آخر، فليس بالضرورة كلما قال كلاماً مجملاً أن يفصل فيه مرة أخرى، ولكن على المستدل إذا أراد أن يجمع المتفرق من الكلام حتى يستقيم له المعنى. إذاً: مهمة الجمع -الأقوال كلها- إنما تكون على عاتق من يريد الاستدلال، وليست على عاتق المتكلم، إذ يصعب عادةً أن يتكلم المرء على المسألة في كل مرة بكل الكلام الذي يحيط بها. فهكذا كانت مجالس النبي ﷺ ، فكان ينزل الكلام على المقتضى، وإلا لو أخذنا كل حديث لوحده سنضيع الدين، واسمع هذه الجملة من الأحاديث، وخذ كل حديث وحده. قال ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله قدميه على النار)، خذ هذا الحديث لمفرده، وخذ مثالاً: رجل لا يصلي، ولا يزكي، ولا يصوم، ولا يعمل شيئاً، ولما جاء الغزو ذهب وعفر رجليه، هذا الرجل هل سيحرم الله قدميه على النار وهو لا يصلي ولا يزكي ولا يعمل شيئاً، لكن حقق الذي ورد في الحديث. قال ﷺ : (من قاتل في سبيل الله فُواق ناقة وجبت له الجنة) (فواق ناقة): أي: بمقدار حلب الناقة، يعني: قاتل في سبيل الله ربع ساعة تقريباً فوجبت له الجنة. حسناً هناك آخر قاتل في غزوة كاملة، وقتل ثمانية؛ ودخل النار، كما في الحديث الصحيح: (أن رجلاً رأوه في القتلى في آخر رمق، وكانوا قد تركوه كافراً، فلما رأوه بين القتلى، قالوا: يا فلان! مالك؟ ما الذي جاء بك؟ أأسلمت؟ فقال: لا. إنما جئت حدباً على قومي). عصبية، أتى ليحارب مع أولاد عمه، وهناك مثل جاهلي (أنا وابن عمي على الغريب) أي: عصبية. وقد يقول قائل: هذا كافر والجنة محرمة على الكفار، فنقول: وهذا آخر مسلم، وكان شجاعاً وقاتل وقتل، فذكروه عند النبي ﷺ : أنه شجاع، وأنه قاتل قتال الأبطال، فقال ﵊: (هو في النار. فقالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بعباءة غلها)، انظر الخذلان! عباءة سرقها من المغانم قبل أن توزع فدخل النار بها. نعوذ بالله من الخذلان. وقد يقول قائل: إذاً: أحاديث النبي ﷺ تناقض بعضها بعضاً؟ فمن قاتل فواق ناقة وجبت له الجنة، وهذا رجل قاتل عشر ساعات تقريباً ودخل النار لأجل عباءة غلها. فكان لابد من الجمع بين الأحاديث، فنقول: النبي ﷺ يقول: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين صبراً، أدخله الله النار وحرم عليه الجنة قالوا: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن قضيباً من أراك) أي: سواك. وما قيمة السواك؟! ولو أن شخصاً أخذه من شخص آخر، وقال: هذا السواك لي، كان جزاء الرجل ما ثبت عن الرسول ﵊: (أدخله الله النار وحرم عليه الجنة). والخوارج يستدلون بهذا الحديث وما شابهه على تكفير المسلمين بالكبائر؛ لأنهم أخذوا هذا الحديث وحده. والمتأمل في الحديث يجد أن هذا ذنب، وهو كبيرة من الكبائر، وقد وعد الله عباده؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، وكل وعيد في القرآن لا يتحقق إلا إذا أصر عليه صاحبه، ولم يتب منه، لأن التوبة تسقط الوعيد. فإذاً: لا بد من جمع الأحاديث ومن ثم نحكم على المعنى كله، لا أن نأخذ حديثاً واحداً ونحكم به، فهذا عمل منكر عند جمهور العلماء، ويئول بصاحبه إلى الكفر، لأنه سيتهم رب العالمين بالتناقض والظلم تعالى الله عن ذلك. وكذلك القرآن فيه آيات ظاهرها التعارض، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، يعني: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١]، هذا معنى الآية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] فليس عليك شيء من وزر أبويك، ولا من وزر أحد، وفي الآية الأخرى يقول الله : ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] يعني: أثقالاً أخرى. أي: أنه سيحمل ما ارتكبه هو وما ارتكبه غيره فكيف نوفق بين الآيتين؟ نقول: كلام أهل العلم في هذا أوضح من أن يخفى على الجهلة، وهو أن المعني بهؤلاء الذين يحملون أثقالهم وأثقال غيرهم الذين أضلوا الناس. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 919

حفظ الله لكتابه من التحريف والتبديل قال: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً). ومن المعلوم أن النجاسات إنما تزال بالماء خصوصاً المائعات، شرعاً وطبعاً، فإذا أصاب ثوب أحدنا نجاسة، وأراد أن يطهر النجاسة بالزيت أو بالسمن مثلاً، وهما من جملة المائعات، فإن النجاسة لا ترتفع عن هذا الثوب شرعاً وطبعاً، ولو أراد أن يغسله باللبن لم ترتفع النجاسة شرعاً وطبعاً، وإنما يرفع النجاسة الماء، ولذلك كان النبي ﷺ في دعاء الاستفتاح يقول: (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وكلها ترجع إلى الماء، فلما كان أعظم نجاسة يبتلى بها الإنسان، ويتلطخ بها الروح هي الذنوب، سأل النبي ﷺ ربه أن يغسل الذنب بالماء، مع أن الذنب عادةً لا يزال بالماء، وإنما ضرب لنا المثل تشبيهاً لتقريب الفكرة. والنجاسات المحسوسة تزول بالماء، وأعظم النجاسات الذنب، فلما كان مستقراً في أذهاننا أن الماء هو الذي يزيل النجاسة سأل الله ﵎ أن يزيل الذنب بالماء، فلما قال له ﵎ في هذا الحديث: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء) أي: لا يُمحى أبداً، ولا يستطيع أحدٌ أن يزيله ولا يزيل تأثيره. إن أعداءنا في محافلهم العامة، وفي مناقشاتهم الخاصة يجمعون أن زوال القرآن من أعظم أسباب انتصارهم وتمزيق هذه الأمة. ونحن نقول لهم: إن الله وعدنا في القرآن وكما في السنة أنه سبحانه الحافظ لكتابه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، استحفظ الله اليهود التوراة فخانوا وبدلوا، واستحفظ النصارى الإنجيل فخانوا وبدلوا، فلم يستحفظ المسلمين القرآن؟ لأنه كتاب مهيمن وخاتم وفرقان، والكل يرجع إليه، فلا بد أن يكون محفوظاً لا يتطرق إليه شك، وهذا وعد الله. ولو أن رجلاً زاد في القرآن كلمة أو حرفاً لرد عليه آلاف من المسلمين في الأرض، ولا نعلم كلاماً قط في الأرض يحفظ كله ولا يغادر منه حرف إلا القرآن، وترى الطفل الصغير الذي لا يحسن المعاني، ولا يعرف حقيقة الكلام يحفظ كلام الله ولا ينساه. وكثير من الناس الذين حفظوا (المعوذتين) في مطلع صباهم لا يعلمون تفسير كثير من ألفاظها، فلو قلت لأحدهم ما معنى: الفلق في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١]؟ ربما تندهش لأن هناك رجالاً وصلوا إلى درجة الدكتوراه، وأناساً يدرسون، وأناساً لهم مناصب قيادية، ويحفظون السورة منذ ابتداء الكلام، ولا يعرفون معنى: الفلق!! فضلاً عن أن يعرف معنى (الغاسق إذا وقب) ونحن نعرف بداهة أن الكلام الذي لا ينطوي على معنى يزول، ولا يحفظه الذهن، فكيف حفظ الطفل هذا الكلام وهو لا يعرف له معنى؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] يحفظه الكبير والصغير، فهذا وعد من الله أن القرآن محفوظ. وقوله في الحديث: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، إنما مثل القرآن بالماء لجملة المؤآمرات التي تحاك بهذا الكتاب لتمحوه كما يمحو الماء النجاسة، وشبكة الإنترنت كل يوم يظهر عليها قرآن مفترى، وقديماً افترى مسيلمة الكذاب قرآناً، وضحك العقلاء منه؛ لوشاشته وسماجته؛ ولأنه ليس له من المعنى والجلالة ما لكتاب الله . فيؤلف الحاقدون كل يوم قرآناً جديداً، فسورة (الكافرون) سيضعون بدلها سورة (المسلمون)، ويطعنون على المسلمين وعلى دين المسلمين، ويأتي أطفالنا الذين لا يميزون بين الشمال واليمين ويقولون: هذا كذب، فكتاب الله (لا يغسله الماء) ولا يستطيع أحدٌ قط أن يبدل فيه شيئاً، ولو حرفاً واحداً، وهذا هو أقوى عدة المقاتل: القرآن، لأن فيه الوعد الحق أن الله ناصره.

стр. 920

فضل العلم وشرفه [١] إن العلم هو أساس كل شيء، ولذلك فضل الله العلم وأهله، وامتن به على أنبيائه، ولم يأمر نبيه ﷺ أن يزداد من شيء إلا من العلم، ولشرفه فإنه القاضي على كل شيء في الدنيا، وهو سلطان القلوب، ولذلك لم يدخل أهل النار النار إلا بسبب الجهل، إذاً فالعلم هو الذي يحملك على خشية الله، ومن زاد علمه زادت خشيته لله، ومن خشي الله لم يعصه.

стр. 921

فوائد قصص القرآن الكريم إن الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فإن أفضل سورةٍ في قصص القرآن هي سورة يوسف ﵇، فقد افتتح الله هذه السورة بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [يوسف:٣]، واختتمها بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١]. ولما قص الله علينا قصة أصحاب الكهف قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] ولما قص علينا قصة موسى وفرعون قال: ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص:٣]، وهذا معنى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١]؛ لأنه حق. ويستدل بهذه الآية على تحريم التمثيليات، وإن كانت تهدف إلى الخير؛ لأنها كذب، وقد قال الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] لماذا كان أحسن القصص؟ لأنه حق: ((مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى))، يؤلفه المؤلف، ((وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: من القرآن، ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [يوسف:١١١] إذاً: لا يقصص القصص لإملاء الفراغ ولا لتسلية الناس، ولكن القصص فيها ثلاث فوائد: أنها عبرة، وأنها هدى، وأنها رحمة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ثم قال: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [يوسف:١١١] فهذه فوائد القصص. وهذا هو الدرس الأول من قصة سليمان ﵇، كما قصها الله ﵎ علينا في سورة النمل، وقد انفردت بتفصيل قصة سليمان ﵇ أكثر من أي سورة في القرآن. وقد ورد في سورة (ص) بعض قصة سليمان ﵇، وفي سورة الأنبياء إشارةٌ أيضاً إلى قضاء قضاه سليمان ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩].

стр. 922

فضل العلم وأهله افتتح الله قصة داود وسليمان في سورة النمل بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل:١٥ - ١٧]، فذكر الله في افتتاح القصة أنه فضل سليمان عليه وسلم بشيئين: الشيء الأول: العلم. الشيء الثاني: الملك. لكنه قدم العلم على الملك؛ لأن العلم هو رأس كل خير، فلا بد أن ينضاف إلى الملك العلم، وإلا صار شهوةً وأداةً للظالمين والظلم والطغيان، فافتتح الله منته على داود وسليمان بالعلم. فيكفي بشرف العلم: أن الله أباح لك أن تأكل صيد الكلب المعلم، ونهاك أن تأكل صيد الكلب الجاهل: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة:٤]، فأنت لو كنت صياداً تصطاد الطيور، ومعك كلبٌ معلم، علمته أن يعرف الطير الذي اصطدته أنت بعلامة الرصاصة التي تكون في الصيد، فيذهب الكلب فيأتيك بهذا الصيد. ففي حديث عدي بن حاتم في الصحيحين قال: (يا رسول الله! لو أني أرسلت كلبي المعلم -أي: الذي علمته أنا- فأتى بالصيد آكل؟ قال: كل. قال: وإن قتلها؟ قال: وإن قتلها) أي: إن نزل الصيد وفيه رمق، ولم يمت من الرصاص، فأمسكه الكلب وقتله، فالذي قتلها إذاً هو الكلب وليست الرصاصة، فهو يسأل النبي ﵊: (وإن قتلها؟ -في حالة أن كلب الصيد قتلها- آكلها؟ قال: وإن قتلها). ولكنه ﵊ اشترط شرطاً: وهو ألا يكون معه كلب غير معلم، فأباح لك أن تأكل ما أمسك عليك الكلب المعلم، ونهاك أن تأكل ما أمسك عليك غيره، فصار الكلب المعلم مفضلاً بالعلم.

стр. 923

أصل العلم خشية الله الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. إن من أفضل ما يميز به أهل العلم قول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وهذه الآية من أفضل الآيات في تزكية أهل العلم، كفى بالاغترار بمعصية الله جهداً، وكفى بالوقوف عند حدوده علماً، إنما العلم الخشية، وليس العلم بكثرة المسائل، كما يقول مالك: أن يكون عندك العلم الكثير حتى تفتي وتتكلم في كل مسألة لا، ليس هذا هو العلم (إنما العلم الخشية). فإذا ورثك العلم الخشية فاعلم أن علمك ينفعك، وإلا فلا تزداد به إلا سفالاً؛ لأن الله يقيم الحجة به عليك: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فكلما خشيت ربك كان أفضل لك، فإن الخوف من الله ممدوح، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، ما هو مقام الله؟ كقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣]. إذاً: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن:٤٦] أي: ولمن خاف قيام الله عليه، ونظره إليه، ومراقبته له. فمقام الله: قيامه على العبد، وأن العبد لا يغيب عنه طرفة عين، فيا له من عبد! كيف هان نظر الله عليه، وتوارى عن عباد الله وهو يفعل المعصية، وهم لا يملكون له موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا يملكون له نفعاً ولا ضراً؟! كيف هان عليه نظر الله؟! إذاً: من أجل ما يورثه العلم لصاحبه: أنه يخشى الله، فإذا خشيه تمت له السعادة الأبدية في الدنيا والآخرة.

стр. 924

أمر الله لنبيه بالازدياد من العلم من فضائل العلم: أن الله أمر نبيه بالازدياد منه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. وما نعلم أن الله أمر نبيه أن يزداد من شيء إلا من العلم، فدل على أنه أفضل شيءٍ؛ لأن الله لا يختار لنبيه إلا الأكمل والأفضل؛ بينما المال كان النبي ﵌ يقول: (اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً) والنبي ﵊ لا يدعو لنفسه إلا بالأكمل والأفضل، (قوتاً) أي: إذا وجد العشاء ربما لا يجد الإفطار، وإذا وجد الإفطار ربما لا يجد الغداء، فكأنه قال: اللهم اعطني غدائي فقط، فإذا جاء وقت العشاء دعوتك، أو إذا جاء وقت الإفطار دعوتك، يفعل هذا ليتعلق قلبه بالله، فأكثر الأغنياء غافلون عن ذكر الله؛ لأن لديهم رصيداً في البنك، ولديهم تجارة، فهم لا يخشون الفقر على الإطلاق، بل كلما أرادوا شهوةً فهم يعلمون أن عندهم ما يقضيها من المال، لذلك قل أن يسأل ربه؛ لأنه غير مفتقر، ولا محتاج. أليس من العقوق أن تجلس على مائدة فيها كل ألوان الطعام والشراب، ولا تذكر اسم الذي أنعم عليك كل هذه النعم؟ أليس هذا عقوقاً أنك لا تهتف باسمه، وتقول حتى: باسم الله الذي رزقني هذا، وما حرمني؟! أقل درجات الوفاء: أن تذكر اسم الذي أنعم عليك، لكنه لا يذكره، ولا يسمي؛ لأنه ركن إلى ما عنده من المال، بخلاف الفقير، الذي يهتف باسم ربه بكرةً وعشياً، فهو محتاج: يا رب! اغنني، يا رب! سد جوعتي، يا رب! ارفع عني، فهو دائم الحاجة إلى الله؛ فكأن النبي ﷺ لما دعا فقال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) حتى لا يتعلق قلبه إلا به، فهو الذي يقضي الحوائج للناس، أما إذا قام مقامه شخص آخر، فلربما تعلق القلب به، وهذا بداية الشرك: أن يتعلق القلب بغير الله . فلم يستكثر من الدنيا، بل لما مات ﷺ لم يكن في بيته غير سبعة دنانير فقط، ولما أفاق من كرب الموت قال لـ عائشة: (أخرجي الدنانير، ثم أغشي عليه، فلما أفاق سأل عائشة: أأخرجت الدنانير؟ قالت: شغلني مرضك، فقال: ما ظن محمدٍ بربه إذا لقي الله وعنده هذه) كأنما أراد أن يطهر بيته من دنس الدنيا قبل أن يلقاه، ولو كانت الدنيا خيراً لحازها ولحرص عليها؛ لكنه كان يقول لنا: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء). ويرحم الله الحسن لما قال: (هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، إنهم وإن طقطقت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؛ فإن ذل المعصية لا يفارق وجوههم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه). وأي معصية أعظم من أن يتعلق قلب المرء بالدنيا، أمر الله نبيه أن يدعوه: بأن يزداد من العلم وزوى الدنيا عنه؛ لخساستها، ولو رضيها لأوليائه ما مكن الكافرين منها، وعنده مقاليد كل شيء، أفيعطي المال لـ قارون ويحجبه عن النبي ﷺ ؟ والله ما أعطاه لـ قارون إلا لهوان قارون عليه، قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]، فأثبت الجهل لهم: (لا يعلمون) ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. رجل عقيم يتمنى الولد، بذل كل ماله في طلب الولد، وأخيراً جاءه الولد، لكنه أذله الولد إلى الأبد ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلم لا تسلم لربك وترضى بقضائه عليك؟ فإذا حرمك الولد، فقل: إنه يرعى مصلحتي؛ لأنه لو رزقني الولد ربما أتعبني، فحسن ظني بربي يقتضي أنه رءوف بي لم لا تقل هذا؟ لم لا تقل كما قال أيوب ﵇: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء:٨٣]، لم يقل: فاشفني، احتمال أن الرجل المريض إذا صح عصى الله بصحته، فيكون مرضه خيراً من صحته، وما يدريك؟ وإنما قال: ((وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ))، فحسن الظن بك يا رب يقتضي أنك جعلت لي الأمثل والأفضل والأصلح. فلماذا لا تعامل ربك هذه المعاملة؛ يشملك حسن الظن به: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، لكن هذه الآية: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢] أي: من حيث يجهلون أن هذا يضرهم ولا ينفعهم ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. اللهم اغفر ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم قنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اغفر لنا هزلنا وجدنا، وخطأنا وعمدنا

стр. 925

العلم هو العاصم من الأهواء الهوى له مركبان: من ركب واحداً منهما هوى: الجهل والمال، فأي أحد يركب مركب من هذين ولا يستضيء بنور العلم هوى، فتخيل الرجل الجاهل الذي لا يعرف الله ومعه مال كثير فما الذي تتصوره أن يفعل هذا الرجل بالمال؟ سيركب كل شهوةٍ يشتهيها. إذاً: قوله ﵊: (فسلطه على هلكته في الحق) كلمة (الحق) لا يعطيها له إلا العلم، أي: في حق المال، ما هو حق المال؟ قال ﵌ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو كبشة الأنماري عند الترمذي وأحمد وابن ماجة: (إنما الدنيا لأربعة نفر) فأي شخص في هذه الدنيا فهو من هؤلاء الأربعة، فأنت نفسك بأمانة: أي واحد من هؤلاء الأربعة أنت؟ ولا تخدع نفسك: (إنما الدنيا لأربعة نفر: رجل آتاه الله علماً ومالاً، فهو يتق الله فيه، يصل به رحمهُ، ويضع لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل. ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله. فهو ونيته؛ فهما في الأجر سواء. ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً، فهو يخبط في ماله، لا يرعى لله فيه حقه، ولا يصل به رحمهُ؛ فهذا بأخبث المنازل. ورجلٌ لم يؤته الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أن لي كفلان لعملت بعمله. فهو ونيته؛ فهما في الوزر سواء) عالم غني، عالم فقير، غني جاهل، فقير جاهل، ومرد الثاني والرابع للأول والثالث. إذاً: الناس قسمان على الحقيقة: تابعٌ، ومتبوع، مجتهدٌ ومقلد. التابع: العالم الغني، والغني الجاهل. والمتبوع: العالم الفقير، والفقير الجاهل. فوظيفة المال يصل به رحمه، ويضع لله فيه حقه. وأيضاً من حق المال ووظيفته: قوله ﷺ : (يقول الله: ابن آدم: مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا -هذه وظيفة المال- ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت). هذه وظيفة المال: إما أنك تأكل، وإما أنك تلبس، أو أنك تتصدق، فإذا أكلت فإلى المجاري، وإذا لبست فإلى البلى، وإذا تصدقت بقيت لك، وهل يستطيع الرجل أن يتصدق إلا إذا كان عالماً موقناً بفضل الصدقة، وإلا فإن الإنسان أصله شحيح، فلو تصدق لتصدق على خلاف هواه، ولا يستطيع رجل أن يخالف الهوى إلا بعلم، فرجعت الفضيلة إلى العلم، وأنه لا يستطيع أن يغلب شيطانه، وهو يقول له: تنفق المال وتذر ورثتك فقراء؟! فيحمله ذلك على الشح، كما ورد في بعض الأحاديث الذي يقويها بعض أهل العلم: (الولد مبخلةٌ مجبنة) أي: ولدك يحملك على البخل، تتمنى أن تتصدق، تتمنى -مثلاً- أن تنفق على الناس؛ فيحملك ولدك على البخل، تقول: بدل ما أنفق على الناس ولدي أولى؛ فلا تتصدق لأجل الولد. فإذا دعيت إلى قتال فيهرب المرء لماذا؟ لأنه سيقتل وييتم أولاده، فيحمله ذلك على الجبن. إذاً: رجعت الفضيلة في الأخير إلى العلم، وأن العلم هو العاصم من الهوى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 926

العلم ينجيك من النار وحسبك أيضاً شرفاً للعلم: أن الذين دخلوا النار دخلوها بسبب الجهل، قال تعالى على لسان هؤلاء: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١]. وأصل العلم: السمع والعقل، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. إذاً: أصل العلم: السمع، والعقل، والفهم. والسمع في القرآن يطلب على ثلاثة معانٍ: ١ - سمع إدراك. ٢ - وسمع فهم. ٣ - وسمع استجابة. فسمع الإدراك: كقول الله ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، قالت عائشة ﵂ فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح: (سبحان من وسع سمعه الأصوات). وسمع الفهم: كقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] وإلا فإن المشركين يسمعون الصوت ولكن لا يفقهون ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة:١٧١]، فاستوى الكافر مع سائر الأنعام في الدنيا؛ فإن الراعي إذا نادى الغنم سمعته، وإذا نادى البهيمة سمعته؛ ولكنها لا تعقل ما يقول الراعي. فالله يحكي حال الذين كفروا في حال استماعهم للقرآن، وعدم فهمهم لحجج الله ، كمثل راعي غنم ينادي على الغنم، فالغنم تسمع الصوت ولا تفهم ما يقول الراعي، وهؤلاء الكفار يسمعون الصوت ولا يفهمون حجج القرآن؛ فهم كالأنعام. فالله يقول: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] مع أن حجة الله قامت على المشركين بسماع القرآن. إذاً: سمعوا سماع الآلة -أي: سماع الأذن- ولكنهم لم يفهموا فهم القلب، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٣] أي: لأفهمهم، وفهموا عن الله ما أراده منهم. أما سمع الاستجابة، فمثل قول الله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٧] أي: مستجيبون، وقال الله حاكياً عن اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة:٤١]، أي: يستمعون الكذب فيستجيبون له، وقال النبي ﷺ : (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) لأنه ليس كل ما سمع يكون كله صدقاً، بل يكون كذب، فإذا نقل كل ما سمع تعرض لنقل الكذب، وإن لم يكن معتقداً له، لكنه ترك بنقل الكذب، بل إن العبد إذا كان جاهلاً فكثير من الحيوانات أفضل منه؛ فإن في الحيوانات من هو أكثر أكلاً منه، وأشد بطشاً، وأسرع عدواً، وأكثر جِماعاً وأولاداً، إنما فُضّل الإنسان على الحيوان بالعلم، فإذا فقد العلم فاقته كثير من الحيوانات واستوى مع الحيوانات في مثل هذه الصفات البهيمية، وليس هذا كلامي، وإنما هو كلام الله : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣] أي: لأفهمهم.

стр. 927

العلم قاضٍ على كل شيء ومن شرف العلم: أن العلم قاضٍ على كل شيء في الدنيا: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [يونس:٦٨]، وكل سلطان ورد في القرآن إنما هو سلطان الحجة: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس:٦٨] هل عندكم حجة بهذا؛ بأن لله ولد؟ والحجة هي: حجة العلم. وقال تعالى في مجادلة يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف:٤٠] أي: ليس عندكم حجة تستطيعون أن تقيموا بها قولكم أن مع الله آلهة أخرى؛ فالسلطان في القرآن هو الحجة، إلا في قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] فلأهل العلم فيها قولان: القول الأول: الناس والحكم والجاه. القول الثاني: العلم. فقوله: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] أي: انقطعت حجتي أمام الله، أو زال مالي وجاهي. فالعلم قاضٍ على كل شيء، وقد تنازع العلماء أيهما أفضل: مداد العلماء، أم دم الشهداء؟ وفي هذه المفاضلة دلالة على تفضيل العلم أيضاً؛ فإن قلت: من أي وجه؟ نقول: لأنه سيقضي على أحد الخصمين العلم: فإذا قلت: دم الشهداء؛ فلا بد أن يكون عندك علم. وإذا قلت: مداد العلماء؛ فلا بد أن يكون عندك علم، فالعلم هو القاضي والخصم. فإن قلت: فكيف يكون العلم خصماً، والأصل أن الخصم لا يكون حكماً؟ فنقول: هذا شرف أيضاً لمرتبة العلم؛ لأنه لماذا لم يُجعل الخصم حكماً؟ لأنه سيميل إلى انتصار نفسه، والنبي ﵊ قد قال: (لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان)، لماذا؟ لأنه إذا قضى وهو غضبان قلت مواهبه، وسيميل مع حض نفسه أو مع هواه، ولكن إذا أمن القاضي على نفسه أنه لن يحيف أو يجور وهو غضبان حل له أن يقضي وهو غضبان، وليس هذا إلا للنبي ﷺ ؛ فإن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ كان يكتب ما يقوله النبي ﵊، فغضب النبي ﷺ يوماً، فأمسك عبد الله عن الكتابة فقال له: (لم لا تكتب؟ قال: يا رسول الله! أنت غضبان. قال: اكتب، فوالذي بعثني بالحق -أو والذي نفسي بيده- ما أقول إلا حقاً) فاستوى غضبه ورضاه في الحكم؛ لأنه لا يحيف إذا غضب، إنما يحيف أمثالنا. لذلك يُنهى جميع الناس بدءاً من أبي بكر الصديق إلى أقل الناس أن يقضي بين اثنين وهو غضبان، حاشا رسول الله ﷺ ، لأن غضبه يستوي مع رضاه؛ لأن مظنة الحيف في الحكم منتفية عنه، فإذا كان العلم هو الخصم والقاضي كان ذلك أرفع لرتبة العلم؛ فالعلم قاضٍ على الممالك، وقاضٍ على الناس جميعاً، والناس مقبورون تحت سلطان العلم أكثر من سلطان الأمراء، فإن العلم ينقاد له القلب، أما سلطان اليد فينقاد له البدن. فهل كل قرارٍ أصدره أمير أو حاكم رضيت عنه الرعية؟ كثير من الناس ينفذون الأوامر وهم كارهون، ويدعون على الذي سن هذا القانون، ويلعنونه في الصلوات وفي الجهر والسر، فهم ينقادون له عنوة، بخلاف العالم؛ فإنه إذا بسط حجته انقاد القلب له، والقلب ملك البدن، فإذا انقاد القلب انقادت الجوارح تبعاً لانقياد القلب، مع الفرق الهائل بين هذا الانقياد والانقياد لسلطان الأمير.

стр. 928

فضل العلم على المال العلم ممدوح بكل لسان، ويكفي أن النبي ﷺ قال: (لا حسد إلا في اثنتين، رجلٌ آتاه الله القرآن -وفي رواية: العلم، وفي رواية: الحكمة، وهذه الروايات كلها يفسر بعضها بعضاً- فهو يعلمه للناس، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق)، فقدم العلم على المال، كما قدم الله العلم على الملك، لما ذكر ما وهبه لسليمان ﵇، إذ لا يتم الملك إلا بعلم. وقوله: (لا حسد) أي: لو جاز لأحدٍ أن يحسد أحداً لكان ينبغي له أن يحسد أحد رجلين: إما رجلٌ آتاه الله العلم، ويرحم الله الإمام أحمد حين كان يقول وهو يشير إلى تفضيل العلماء: (بيننا وبينكم شهود الجنائز). انظروا إلى جنازة أكبر عالم، وإلى جنازة أكبر غني؛ فسترون الفرق هائلاً! فكل الناس يقولون عن الغني: ماذا عمل؟ مسكين! انظروا إلى الفلل التي تركها، والأموال، والضياع هل أخذ معه شيئاً؟ لا يدوم إلا الله، ويتكلمون على الزهد في الدنيا، وأن الرجل مضى ولم يأخذ شيئاً، لكن هل قال واحدٌ منهم: يرحمه الله، أو ﵁؟ لا، لماذا؟ لأنه كان يحرم الناس من رفده، وعطائه، جمع ماله للورثة. لكن انظر إلى الناس في جنازة العالم! يبكون عليه ويحزنون، وليس بينه وبينهم أي نسب ولا أعمال، وما كان بينهم إلا ما تعدى العالم إليه وهو العلم، وإذا ذكروه ترضوا عنه وعن والديه. فإن جاز لك أن تغبط رجلاً فلا تكن سافل الهمة، فتقول: ليت أن معي كفلان محلات وو لا، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، فقد صيرك المال خادماً، وصيرك العلم سيداً. العلم يحرسك من الشبهات التي يلقيها أعداء الله، ومن الكفر الذي يزينه أعداء الله، فكلما وردت عليك شبهة كفر، أو شبهة وسواس صد العلم عنك وعن قلبك، لكن المال أنت تحرسه، لا تنام عينك خشية اللصوص، ولأنك تريد الازدياد منه، كل لحظة يقوم من الليل يعد الفلوس ويرتبها ويفعل ذلك مرات، إذاً: هناك متعة عنده في مسألة عد الفلوس. وهكذا يضيع عمره في مثل هذا؛ فصار خادماً، والمال عبد جيد لكنه سيد رديء: (عبد جيد) كما في قوله ﵊: (ورجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق) أنت السيد، ومعك المال، تنفق المال يمنةً ويسره، إذاً: أنت السيد وهو العبد لأنك عندما تنفقه لا يعترض عليك، ولا يقول لك: لم وضعتني في هذا الموضع؟ إذاً: إذا صار المال عبداً صار عبداً جيداً؛ لأنك ستصل به الرحم، وتفرج به الكروب، وتبني به المدارس والمستشفيات، وترصف الطرق إلى آخره من أعمال البر والخير المباحة. لكنه إذا استحوذ على صاحبه كان سيداً سيئاً رديئاً. فأولى الناس بالغبطة بالحسد هذان: (رجلٌ آتاه الله العلم، فهو يقضي به، أو يعلمه آناء الليل وأطراف النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق). وقوله ﵊: (في الحق) قيد ضروري لا يأتي إلا بالعلم، فالله لما قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] سماه أحسن القصص؛ لأنه وصفه بالحق: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣]، فهذا القيد ضروري في إنفاق المال. هذا القيد: (ورجلٌ آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته) ولم يقل: (في الحق).

стр. 929

فضل العلم وشرفه [٢] العلم من أجل نعم الله على الإنسان، فهو قوام حياته، إذ يحتاج إليه في كل مناحي حياته، وفي كل شأن سواء كان صغيراً أم كبيراً، والعلم شرف لحامله، فكلما ازداد الإنسان منه ازداد رفعة، فما علينا إلا أن نجد سعينا في طلب العلم، ونشكر الله على ما من به علينا فله الفضل أولاً وآخراً.

стр. 930

مكانة العلماء والأمراء الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وبعد: أيها الأحبة: إن الملك لا يستقيم إلا بالعلم، فيعرف فضل الحاكم إذا قرب أهل العلم، إذا قضى عن وفق كلامهم وفتواهم ومشورتهم. وتعرف خبثه وبعده عن الحق والعدل والخير؛ إذا أبعد أهل العلم عن مجلسه، لذلك كان جماعة الملوك قديماً كبني أمية وبني العباس كانوا يهذبون أولادهم عند العلماء تمهيداً لإقامة سياسة الملك، فكان أكبر العلماء هم الذين يؤدبون أولاد الخلفاء، حتى إذا تولى استقام له الأدب واستقامت له الحكمة؛ لذلك كانوا إذا وعظ الواحد منهم، وذكر بالله يذكر، فـ هارون الرشيد مثلاً لما طلب الإمام مالكاً ليقرأ عليه الموطأ، فقال: يا أمير المؤمنين! لا تكن أول من أذل العلم فيذهب الله ملكك، العلم لا يأتي ولكن يؤتى إليه. فلا تكن أول من أهان العلماء، فحملهم على أن يحملوا علمهم ويذهبوا إلى بيوت الخلفاء؛ فيذهب الله ملكك! فلم يتكبر هارون الرشيد لأنه كان من خيار الخلفاء ومن أفاضلهم، وكان رجلاً عابداً، وكان محترماً للعلماء، وكان مجاهداً، ولكن نصارى الروم وأشباه الرجال عندنا ممن تأدبوا بأدب الغرب هم الذين شوهوا سيرة هؤلاء الخلفاء. فلم يتكبر هارون الرشيد، ولم تأخذه العزة بالإثم، ولم يعاقب الإمام مالكاً، وإنما جاء إلى مالك فركن ظهره إلى الحائط، فلما ركن ظهره إلى الحائط أشار إليه مالك أن هذا ليس من أدب طالب العلم؛ فأنت الآن لست خليفة، أنت طالب علم، فإذا جئت مجلس العلم وقد استحضرت غناك أو جاهك؛ فلن تفلح أبداً، فإذا كنت ابن العمدة، أو ابن رئيس الديوان -أو أي شخص- ودخلت وأنت تعتقد أن كل الناس ينظرون إليك؛ فهذا من اغترار النفس ولن ينفعك العلم. إن العلم لا ينال إلا ببذل النفس وبذل ماء الوجه، فإذا جاء إلى مجلس العلم وفي نفسه كل معاني الملك فلن يفلح أبداً. فبمجرد أن يركن ظهره ينبهه الإمام مالك أن هذا ليس من أدب الطلب؛ فيعتدل مباشرة، ويطلب العلم ويشكر مالكاً؛ لذلك استقامت لهم الدنيا سنين عدداً. فيعرف فضل الحاكم إذا قرب منه أهل العلم، وكان أول رجل ذكره النبي ﵊ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل فمن أين يأتيه العدل إذا كان جاهلاً؟ فهذا الحجاج بن يوسف الثقفي على ما كان فيه من طغيان -قلامة ظفره أفضل بكثير ممن جاء بعده- فقد كان أحياناً يخضع للحق، فإذا ذكّره إنسان بالله يذكر. فذات مرة طلب أن يُقبض على رجل، فلم يجدوا الرجل فقبضوا على أخيه، فقال المقبوض عليه: أنا مظلوم. فقالوا: والله بحثنا عن أخيك فلم نجده، فأخذناك. قال: حسناً دعوني أكلم الخليفة. فقال: أصلح الله الخليفة، إن هؤلاء أرادوا أخي فلم يجدوه فأخذوني، وقبضوا على ابني، وهدموا داري، ومنعوا عطائي. فقال له الحجاج: هيهات! ألم تسمع قول الشاعر: جانيك من يجني عليك وربما تعدي الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب عشيرة ونجا المقارف صاحب الذنب الأول هو الجمل السليم عندما يقعد في مبرك أجرب فيأخذ الجرب معه، فأيضاً أنت من أجل أنه أخوك ذق، واليوم كثير من الناس يعادون الملتزمين لماذا؟ يقول له: أنت بسببك كنت سأتوظف ومنعوني، قالوا: أليس من أقاربك فلان؟ نعم، قريب فلان؛ إذاً: ليس لك عندنا وظيفة، ولا كيل لكم عندي ولا تقربون، وستظل مشرداً في الأرض، من أجل أنك قريب فلان. حسناً لماذا تعاقبونني بفلان؟ فهذا يقول له: ولرب مأخوذ بذنب عشيرة ونجا المقارف صاحب الذنب فقال الرجل -وكان ذكياً-: أصلح الله الخليفة، فإني سمعت الله يقول غير ذلك. قال: وماذا يقول الله ؟ قال: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٨ - ٧٩]. فحينئذٍ أطرق الحجاج ساعة، وقال: علي بفلان -صاحب الشرطة- فقال له: فك لهذا ابنه، وابنِ له داره، ومر له بعطاء، ومر منادياً ينادي: أن صدق الله وكذب الشاعر. فهذا عنده شيء من الدين، وإن كان ظالماً وسفاكاً للدماء، ولكنه كان إذا ذكر بالله ذكر، ولا يستقيم الملك إلا لعالم أو لرجلٍ قرب أهل العلم.

стр. 931

منزلة الإمام العادل الإمام العادل أول من يستظل بهذا الظل في يوم الحرور، وهذا ليس كما في الشهر الثامن الناس نائمون على الأسطح، ولا تستطيع أن تنام من الحر، وهذا ليس أشد الحر، بل إذا أردت أن ترى الحر الشديد فاذهب إلى الكويت، أو الإمارات، أو السعودية، درجة الحرارة (٦٥م)، يغلي منها الدماغ، وهذا في الظل، وهناك أحر من هذا، قال النبي ﵊: (استأذنت جنهم ربها في نفسين) تتنفس مرتين لماذا؟ لأنها مؤصدة، إذا جعلت نفسك على النار ولا يوجد أي نفس فيها، ربما تنفجر من البخار، وأنت تعلم عندما يكون هناك غرفة وأنت مقفل شبابيكها في الحر الشديد كيف يكون الحر! فجهنم مؤصدة -أي: مقفلة- فلا أبواب ولا شبابيك ولا يوجد بها شيء يمكن أن يسرب الحرارة نسأل الله العافية منها! فاستأذنت ربها نفسين: (نفس في الصيف، ونفس في الشتاء، فنفس الصيف هو أشد ما تجدون من الحر، وفي الشتاء هو أشد ما تجدون من الزمهرير). فلا نقول: إن الحر شديد لا، بل إن الشمس تنزل إلى السماء الدنيا، وهي الآن في السماء الرابعة، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة سنة، ومع ذلك أنت لا تطيقها الآن، فتعرف معنى الظل في يوم القيامة عندما تستحضر هذا، وليس ظل شجرة ولا ظل حائط ولا شيء من هذا، هذا ظل الله! فهذا يبين لك عظمة هذا الظل. فأول شخص يستمتع بهذا الظل هو الإمام العادل، مثل عمر بن الخطاب ﵁، والذي كان آخر كلمة قالها قبل أن يموت، وقبل أن يكبر للصلاة -كما في صحيح البخاري- وكان واقفاً بين عمرو بن ميمون وابن عباس، ويتكلم معهما، ثم سوى الصف ودخل في الصلاة، وطعنه المجوسي، قال: (لئن عشت إلى قابل -إلى السنة القادمة- لا أدعن أرملةً في العراق تحتاج إلى أحدٍ بعدي). فانظر إلى نبل عمر! فآخر شيء كان يشغله الرعية، كيف يمهد للرعية ويريح هؤلاء الناس، فلا يكون المرء عادلاً إلا إذا كان عالماً، فرجع الأمر إلى العلم، فكل شيءٍ لا يستقيم لك إلا بالعلم، حتى في الدنيا لا يستقيم لك إلا بالعلم.

стр. 932

حال الأمراء إذا تركوا العلماء من علامات الشؤم: أن يُعظم أهل الدنيا ولا يلتفت إلى أهل الآخرة، ولا عيش إلا عيش الآخرة، وهناك كتاب اسمه بروتوكولات حكماء صهيون، وهذا الكتاب فيه ذكر ما يحدث في بلاد المسلمين؛ ومن العجيب أن أعداءنا كتبوا خططهم، وأظهروها للناس. حسناً! لماذا لا تخبئوها؟ قالوا: أصلاً هم أغبياء. ماذا يعني عندما تكتب خطتك أمام شخص غبي؟ كأنك لم تكشفها. هذا يذكرني بالعتابي، كان في بادية الشام يقص على الناس الحكايات، هل سمعتم بالموالد التي يقعدون فيها يخترعون الحكايات، مثل: ميمونة والجمل وغيرها، فالعتابي كان أحد هؤلاء. المهم أن العتابي كان قاعداً على الطريق يأكل، فقال له أحد الأشخاص: يا أخي! الأكل عورة. مع أنه ليس بعورة أبداً، لأن هذا ليس له أصل في السنة. فقال له: يا أخي! الناس يمشون وينظرون إليك وأنت تأكل! قال: أرأيت إن كان في بيتك بقر، وكنت تأكل أمامها أكنت تستحي أن تأكل أمامها؟ قال له: لا. قال: فاصبر حتى أريك أنهم بقر. يقول له: الناس الذين تراهم الآن حولي أعطني مهلة واحلم عليّ لكي أثبت لك أنهم بهائم. وبعد أن انتهى من الأكل قام في الجامع يقص حكايات بين قيس وليلى إلخ، والناس مندهشون، وبعد ذلك قام يرمي رميته في نص الكلام والمستمعون مشدوهون، قال: حدثني فلان عن فلان أن النبي ﵌ قال: من مس لسانه أرنبة أنفه دخل الجنة!! فما بقي منهم رجل إلا أخرج لسانه يريد أن يمس أرنبة أنفه. فأحدهم قال له: من أين أتيت بهذا الحديث؟ هل كان لسانه مثبت من الأمام أم مثبت من الخلف؟ فقال: أو لم أعلمك أنهم بقر! فالعلم -وهو القاضي على كل هذه المهالك- به تنال الرفعة، وكل شيء مرده إليه فالعلم هو الحكم، ومن شرفه أن يكون الخصم هو الحكم، هذه أول مرة نرى الخصم حكماً؛ لأن كل شيء في الدنيا فيه نزاع لا بد أن يقضي فيه العلم، فرجع إلى العلم في النهاية؛ فهو أشرف خصم وأشرف حكم. إذاً: بدءاً من الإمامة الكبرى، التي فيها صلاح الناس، والعلماء يقولون: إن النبي ﷺ بدأ بالإمام العادل؛ لأن خيره متعدٍ وشره متعدٍ، فلو كان ظالماً فسيتضرر بظلمه الملايين، ولو كان عادلاً سيستفيد بعدله الملايين، ولا غرو أن قال الإمام أحمد: (لو كانت لي دعوةٌ مستجابة لادخرتها للحاكم؛ لأن به صلاح الدنيا). فبدءاً من الخلافة الكبرى العظيمة التي هي أعلى شيء في الدنيا وهي الإمامة، إلى أدنى شيء في الدنيا يحتاج إلى العلم، وجماعة بروتوكولات حكماء صهيون قالوا: نحن الذين سنختار القادة، ونحن الذين سنختار أصحاب المواقع الحساسة. فكيف سيختارونه؟ يأتون بواحد من بلاد المسلمين ليدرس عندهم، وينظرون في مواهبه هل هو: إنسان عميل، دنيء الهمة، يمكن أن يتجسس على قومه ويبيع البلاد كلها في مقابل حفنة دراهم. ولا مانع من أن يعطوه الدكتوراه الفخرية، وهبة النيل، وهبة الكونجرس، وهبة كل شيء، ويحتفل به في المجتمع الأمريكي على أساس أنه نجم المجتمع، ويقابله الرئيس الأمريكي، ورئيس الكونجرس، ورئيس الوزراء، ويعملون له مأدبة احتفال في أستراليا، ولندن، وباريس. فأنت تقول: هذا ابن بلدي ويعملون له كل هذا! تعال! نحن محتاجون إليك. وبالتالي يقولون له: هذا الرجل ينفع أن يكون في المكان الفلاني، هذا ينفع -مثلاً- أن يكون وزير التربية والتعليم، نحن لا نعلم كيف يكون هذا الرجل العبقري لديكم وأنتم لا تعيروه أي اهتمام! ولو كان عندنا لجعلناه وزيراً للتربية والتعليم فيستدرجونه كما استدرجوا صدام حسين في حرب الخليج، قبل أن يدخل الكويت، قالت له أمريكا: نحن ليس لدينا أية خطة دفاع مشتركة مع الكويت ما معنى هذا الكلام؟ ولماذا قالت له هذا الكلام؟ يعني: ادخل الكويت ونحن لن نكون ضدك؛ لأنه ليس بيننا وبينهم خطة دفاع مشترك. فدخل الكويت، وظهر الرئيس الأمريكي بوش وقال: أنا أناشد الرئيس العراقي ألا يفضحنا؛ لأنه يعلم أن جيشه خطير! فله ثماني سنوات وهو يحارب إيران، وهو جيش عملي، والجنود لا يزال عظمهم ناشف، فليس من الضروري أن نبيد الكرة الأرضية، لأن جيشه عتيق وعريق وإلخ، وأنا بصراحة لن أقول لكم ولا أخفيكم: أنا جعلت ثمانية عشر ألف كفن مبدئي، والحانوتي سيأتي بالباقي من أجل الذين سيموتون من الأمريكان وقوات التحالف في حرب الخليج، فأنا أقول للرئيس العراقي: اعمل معروفاً، ولا تحارب؛ لأننا لسنا نداً لك. فكبرت في دماغه، وقال: إذا كانت أمريكا تقول لي: اعمل معروفاً، فما الذي يجعلني أعمل معروفاً إذاً؟ فلماذا لا أستغل ضعفهم وأقوم وأدخل فجأة -مثلما دخل إيران- وهي مجرد طلقة هنا وطلقة هناك إلخ. فهم يحاولون أن يهدئوه فلم يستطيعوا أن يعملوا شيئاً، فدخل إلى أم الهزائم، وأخذ (علقة ساخنة -مثلما يقولون- حمار في مطلع). فهؤلاء يريدون أن يعينوا أي شخص عميل في بلاد المسلمين بأن يأخذوه ويلمعوه ويكبروه، ويعلموا فيه تقارير، وبصراحة نحن لنا الفخر أن الرجل هذا جاء إلينا، وهكذا! فتكبر في دماغنا ونقول: هذا الرجل هو الذي ينفع، وهو الذي سيصلح المسألة ويعدل الميل، تعال إذاً اجلس وإذا به يزيل الآيات من القرآن التي تسب اليهود، ويزيل الآيات التي تكفر النصارى؛ ويقول: إن هذا ضد الوحدة الوطنية، وعيب عليك أن تقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، بل اجعلها في قلبك، لأن هذا لا ينفع إلخ. ويبدأ القرآن يتقلص، وبعد هذا نبدأ نقول: الحجاب إرهاب! واللحية إرهاب إلخ! وأن الدين سماحة ويسر وأخلاق، وبعد ذلك نقول: إن منع الاختلاط عبارة عن إرهاب وكبت، وإلا فالمفروض أن يبقى الرجال مع النساء، ويأتي لك بكتب الدين: (علي عيان، قام إبراهيم وأخذ أباه وأمه وراحوا يزورون علي، فقام أبو إبراهيم يقابل أم علي على الباب إلخ). الله وهل هذا كتاب الدين؟! فكيف بكتاب الفنون؟ وكتاب التربية الموسيقية والرسم؟ فإذا كان في كتاب الدين (أبو إبراهيم يقابل أم علي! ويجلسون كلهم على طاولة واحدة: وألف سلامٍ على إبراهيم، وإلخ). دع كتاب الدين هذا والكلام الذي فيه، فهذا يجعل الأجيال تُمسخ، وينتج لنا جيلاً ممسوخاً ليس له هوية، مثل الجيل الذي نعاني منه الآن، جيل ليس له أي مواهب، وهذا الكلام في الجملة، وإلا هناك مواهب، لكنها ليست كثيرة. فهذا من علامة عدم التوجيه: وأهل الآخرة يظل أكثرهم لا يرفع لهم رأساً، مع أن صلاح الدنيا بصلاح ورفعة العلماء الربانيين، وصلاح الدنيا لا يكون إلا بالدين، أن تكون على وفاق ما يريد الله ، فالعلم تحتاجه في أعلى شيء وفي أدنى شيء، فلا تستغني عنه على الإطلاق، وتفتقر إليه في كل خطوة تخطوها في حياتك، هذا هو العلم الذي بدأ الله بذكره في قصة داود وسليمان، وفضائل العلم أكثر من أن يحصرها مجلساً أو اثنان أو ثلاثة، إنما السعيد من انتفع بالقليل، والمكابر لا ينتفع لا بقليل ولا بكثير. نحن نرجو أن يكون فيما ذكرته دافعاً ورفعاً للهمم، لترجع وتطلب العلم مرة أخرى، فمهما ازددت منه فإنه لن يضرك، وكل شيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده إلا العلم، فكلما ازددت منه زادك رفعةً.

стр. 933

فضل العلم وعواقب الجهل انظر إلى علمائنا كـ ابن جرير الطبري (دخل عليه أحد أصحابه وهو يجود بنفسه -أي: يحتضر- فسأله - ابن جرير عن مسألة في المواريث- فقال: أفي هذا الحال -يعني: وأنت تحتضر- قال: أخرج من الدنيا وأنا عالم بها خيرٌ لي من أفارقها وأنا جاهلٌ بها). فإنك لأن تلقى الله بمعرفة هذا خيرٌ لك من أن تلقاه جاهلاً بها. فربنا ذكر العلم، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، العلماء يقولون: النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وفي سياق النفي تفيد العموم. قوله: (ولقد): تحقيق، واللام للتأكيد، و (قد) دخلت على الفعل الماضي، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ [النمل:١٥]، فيها أي أداة نفي؟ هذه الجملة مثبتة، والنكرة في الآية؟ (علماً) الاسم عموماً، الاسم الخالي من الألف واللام. إذا دخلت الألف واللام على الاسم يبقى معرفة، تقول مثلاً: (علم) نكرة، (العلم): صار معرفة، أي: معرفاً بالألف واللام. فهذه النكرة -التي هي (علماً) - جاءت في سياق الإثبات فأفادت الإطلاق، أي: علم يشمل جزئيات كثيرة؛ لأن الرجل ملك الجن والإنس والطير، ﴿وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:١٦] إذاً: (كل شيء) لا بد أن يكون عالماً بكل ما أوتي، فهذا يكون معنى كلمة (علم)، هذه النكرة التي جاءت في سياق الإثبات: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ [النمل:١٥]، وهذا يدل على أن هذا من فضل الله، هو الذي آتى داود وسليمان: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل:١٥]، فدوام النعمة إنما يكون بدوام الشكر عليها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. وانظر إلى الأعرابي الجاهل: ذات مرة لدغته حية -والإنسان لابد أن يحمد ربه على كل شيء، حتى على المكروه، فإذا لدغته حية عليه أن يقول: الحمد لله- فقال: الحمد لله. فقام أحدهم وقال له: ((لئن شكرتم لأزيدنكم)) قال: لا شكراً، لا شكراً. فهو إذا شكر ستلدغه مرة أخرى، فهو فهم معنى: (لأزيدنكم) أي: من لدغ الحيات، وقال: لا أريد أكثر من هذا فهذا جاهل، والذي قرأ له الآية جاهل كذلك، وأنت تعلم أن الكلام الحق إذا وضع في غير موضعه صار قبيحاً، فما بالك في القبح إذا كان في موضعه. كإنسان -مثلاً- كان مقرئاً للقرآن، وكان يأخذ في الربع أو في الثلاثة أرباع أربعمائة جنيه -وهذا الكلام كان في سنة ستة وسبعين تقريباً- فكانت الأربعمائة جنيه تساوي مثلاً الآن أربعة آلاف، وإذا قلت: أربعة آلاف فليست مبالغةً، لأن السعر كل يوم يتغير، وليس كل شهر أو كل سنة. فكان يأخذ أربعمائة جنيه في المرة الواحدة، فأحدهم اعترض على ذلك فقال له: الله يقول: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة:٤١]، أي: خذ ما تقدر من فلوس؛ لأنك كلما أخذت كثيراً فأنت توقر كلام الله. فهو عندما يضع الآية في مثل هذا الموضع تنظر إلى قبح هذا الاستدلال، وهو لو بذل الدنيا كلها لشطر آية لكان قد اشترى بكلام الله ثمناً قليلاً فما هي الدنيا أمام كلمة من كلام الله؟ تساوي ماذا؟! كذلك لو قال لك شخص: أنت ذاهب إلى أين؟ تقول: أنا ذاهب للجامع. يقول: قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤]، المعنى هكذا. مع أنه كلام الله. أو ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] مثلما قال أبو نواس: ما قال ربك ويل للأولى سكروا وإنما قال ويل للمصلينا وهو فعلاً قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون:٤] لكنه نزع الكلام من السياق وحرفة. فالقصد: أن الكلام قد يكون في نفسه جميلاً، لكنه إذا وضع في موضعه، فمن تمام حق الله عليك أن تذكره في النعم، وهذا ما فعله داود وسليمان: ﴿وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ [النمل:١٥].

стр. 934

شكر الله على نعمة العلم ورد الفضل إليه هل ذكر ربنا سبحانه شيئاً غير العلم؟ ذكر العلم، فلما قالا: (الحمد لله الذي فضلنا) دل على تفضيلهم بالعلم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ﴾ [النمل:١٥] انظر إلى حكمة التواضع وهضم حق النفس! ولا تظن مهما أوتيت من العلم والفضل أنك وحيد عصرك وفريد دهرك، أو أنك إنسان عقمت أرحام النساء أن تلد مثلك لا. كم في الزوايا خبايا وكم في الناس بقايا والنبي ﵊ يقول: (رب أشعث أغبر، مدفوع بالأبواب، ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبره)، فسبحان من يعلم أقدار خلقه إلا هو! رجلٌ يمشي على الأرض بقدميه مثلنا، يوم يموت يهتز له عرش الرحمن! ما هي قيمة هذا الرجل وما قدره لكي يهتز له عرش الرحمن؟! فلا تحتقر أحداً، ولا تظن أنك أفضل الناس، بل كلما هضمت حظ نفسك ارتقيت، فإن من خالف الهوى حصل له ضد الهوي، كما يقول العلماء، أنت تعلم أن (هوى): أي: نزل، فإذا خالفت الهوى ارتفعت، فالإنسان إذا خالف هواه ارتفع، وربنا ﵎ قد عاتب نبياً من أولي العزم أن صدر على لسانه كلمة مثل هذه. ففي الصحيحين من حديث أبي بن كعب: (أن موسى ﵇ وعظ بني إسرائيل وذكرهم حتى رقت القلوب وذرفت العيون، فانطلق فتبعه رجلٌ، فقال: يا كليم الله! تعلم أحداً في الأرض هو أعلم منك؟ قال له: لا -فعتب الله عليه أنه لم يرد العلم إليه، لماذا تقول: أنا لا أعلم أحداً أعلم مني؟ قل: الله أعلم. فعاتبه الله أنه لم يرد العلم إليه- قال الله له: إن لي عبداً في مجمع البحرين هو أعلم منك). موسى ﵇ الذي يريد أن يتعلم، والله أمر النبي ﷺ فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وكل ما نبل قدر الإنسان جمع أنفس الأشياء، وهو العلم، فموسى ﵇ عندما سمع هذا الكلام، (قال: رب! كيف لي به؟) أنا أريد أن أطلب العلم على يديه، مع أنه كليم الله، وأحد أولي العزم، واتفق العلماء أن موسى أفضل من الخضر وأعلم، ولكن موسى ﵇ لما عاتبه ربه حين لم يُرجع العلم إليه، قال: كيف لي به؟ (قال: خذ معك مكتل وحوت) الحوت: سمكة كبيرة تشويها وتتغدى بها أنت وغلامك، يوشع بن نون، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ [الكهف:٦٠]، وهنا لفتة لطيفة فيها فضل العلم! ولم يكن يوشع عبداً لموسى، إنما قيل له: فتى؛ لأنه كان متعلماً وتلميذاً، فأخذ من هذا بعض العلماء حين قالوا: من علمني حرفاً صرت له عبداً، كما أن يوشع صار فتى لموسى، مع أنه لم يكن خادماً له ولا مملوكاً، وإنما لما تبعه على شرف العلم صار فتىً له، أي: صار بمنزلة العبد إذا أمره ائتمر. والمكتل: -مثل الإناء-، ثم انطلق والسمكة المشوية حين ترجع لها الحياة ستقفز إلى الماء فعندها يعرف أنه في هذا المكان. فالسمكة المشوية في مكان معين في مجمع البحرين قفزت من المكتل ونزلت البحر، وكان موسى ﵇ نائماً، فقام فتاه يوقظه، وبعد أن استيقظ من النوم واصلا الرحلة، وفي أثناء الطريق قال له: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] فقال له: أنا نسيت أن أقول لك: إن في المكان الفلاني خرج الحوت من المكتل ونزل الماء، قال: هو هناك إذاً ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، فرجعوا يقطعون الطريق مرة أخرى، لأنهم قد مروا وتركوا مجمع البحرين، وأمسك الله الحوت عن الجريان في الماء -جعله ساكناً في الماء- حتى إذا رجع موسى يراه، فبينما هو ينظر في الماء رأى الحوت محبوساً في وسط دائرة معينة، فقال: إذاً هو هنا، فلقي رجلاً متدثراً بعباءة خضراء -ملاءة خضراء- قال له: السلام عليكم. قال: وهل بأرضي سلام؟ قال: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال له: بلى. قال: يا موسى! اعلم ورأى عصفوراً مر من فوق الماء وأخذ قطرة ماء صغيرة، فقال له: هل ترى هذا العصفور؟ قال: نعم. قال: علمي وعلمك إلى علم الله كهذه القطرة التي أخذها العصفور بالنسبة للبحر!!. هل تعلم ماذا تعني هذه الكلمة؟ كأنه يقول له: ليس معنى أن ربنا أرسلك ليعلمك أن عندي شيئاً، فهو يعلمه التواضع الذي عاتب الله موسى عليه. فأول درس أخذه موسى ﵇ قبل أن يركبا في السفينة هو التواضع: علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله -وهذا مجرد تمثيل، وإلا فالمسألة أقل من هذا بكثير، كهذه القطرة التي أخذها العصفور من هذا البحر العظيم. فانظر إلى موسى ﵇ كيف عاتبه الله مع رفعة مكانته، وأنت تعرف أن الإنسان كلما عظمت مكانته كلما تظهر عيوبه. ولهذا قال الله لنساء النبي ﷺ : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، قال لهن: (لستن كأحد من النساء) أي: لستن مثل النساء. حسناً ما الذي يترتب على هذا إذا صرن نساء فاضلات؟ قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، لماذا؟ لأنها ليست مثل النساء، وفي نفس الوقت قال لهن: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١] لأنهن أيضاً لسن كالنساء، إذاً: يضاعف لهن العقوبة ويضاعف لهن الثواب. فداود وسليمان ﵉ احترزا وقالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ﴾ [النمل:١٥]، إذاً: هناك أفضل منهما لكننا أفضل من كثير من الناس، فدل هذا على أنهما يعترفا أن من خلق الله من هو أفضل منهما، وهذا يزيد المرء رفعة: (من تواضع لله رفعه)، (ولا يزال المتكبر في سفال حتى يخرج من غروره). ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥] هذا القيد مهم؛ لأنك عندما تقول: أنا أفضل من نتنياهو؛ إذاً: أنت بهذا شتمت نفسك، فلا يصح أن تقول: أنا أفضل من الكافر؛ لأن الكافر ليس له فضل أصلاً، إنما إذا أردت أن يظهر فضلك فقارن نفسك بأهل الفضل. ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟ عندما تأتي وتقول لي: هذا السيف أحسن من العصا، فأنت بهذا انتقصت السيف. إذاً: قول سليمان وداود ﵉ فيه دلالة على أن المرء لا يحرز النبل والفضل إلا إذا قورن بأهل الفضل، ليس مثل أي أحد في الدنيا لا، ﴿فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥]، وهذا يدلك أيضاً على تفاضل أهل الإيمان، وهذا ثابت في ديننا في القرآن والسنة، أن أهل الإيمان يتفاضلون بالإيمان عند الله ﵎ يوم موتهم، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل، أي: أنك عندما تعترف بفضل أخيك المؤمن عليك إياك أن تتصور أنك أنت تحط من نفسك لا، بل كلما اعترفت بفضل الناس زاد فضلك، كقول النبي ﷺ : (ما دعا رجل لأخيه بظهر الغيب إلا وكل الله له به ملكاً يقول له: ولك مثله) أيهما أفضل؟ الذي يدعو له الملك يدعو له، أي: إذا أنا دعوت لأبي فقلت: اللهم ارحمه. دعائي قد لا يستجاب، فيقول الملك: ولك بمثل، فدعاء الملك مستجاب، إذاً: الداعي هو الأفضل؛ لأن الملك هو الذي يدعو له، لكن أنت تدعو لصاحبك، فانظر أنت بهذا صرت أفضل، فأنت عندما تأتي تقول: فلان أعلم مني وأفضل مني إياك أن تتخيل أنك تحط من درجتك لا. جلس سفيان بن عيينة ﵀ في مجلس يخطب الناس، فسأل: هل هناك أحد من أهل الكوفة؟ قال فلان: أنا. قال: ما فعل - الوليد بن مسلم مثلاً أو أي عالم من العلماء؟ قال له: مات. قال: فهل فيكم أحد من أهل البصرة؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل فلان؟ قالوا: مات. قال: هل فيكم أحد من بلاد ما وراء النهر؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل فلان؟ قالوا: مات. قال: هل فيكم أحد من مصر؟ قالوا: نعم. قال: ما فعل فلان؟ قال: مات. فحينئذٍ بكى سفيان وأنشد قائلاً: خَلَتِ الديارُ فسُدْتُ غير مُسَوَّدِ ومن الشَّقاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدَدِ أي: أنا ما وصلت إلى هذا السؤدد إلا أن الديار خلت ولم يبق إلا مثلي. وكذلك أبو سفيان ﵁: ما ترأس المشركين في أحد إلا بعد ذهاب أكابرهم. فـ سفيان بن عيينة كأنه يقول: إني سدت الديار لما خلت من هؤلاء الأكابر، مع أني لا أستحق هذه السيادة هل وضع هذا من قدر سفيان؟ خَلَتِ الديارُ فسُدْتُ غير مُسَوَّدِ -أي: وأنا لا أستحق التسويد- ومن الشَّقاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدَدِ يشعر لهذا كل إنسان جرد القصد لله من أهل العلم، يحس بالمحنة عندما يكون وحده في الساحة، إياك أن تتخيل أن العالم الذي قصد الله أن يكون منبسطاً أن كل الخلق حوله لا، إنما يشعر بالمحنة أنه وحده؛ لأن القصد مصلحة الناس، مهما كان العالم جليلاً لا يستطيع الناس جميعاً أن يجتمعوا في مكان واحدٍ فيسمعوا كلام الله ورسوله. ولكن تخيل أن البلاد هذه فيها -مثلاً- ألف عالم، إذاً: نحن ضمنا أن الحق والهدى سيصل إلى أغلب الناس أم لا؟ وليس أن الواحد لوحده مشهور ومحبوب، وكل الناس حوله، فيصير هذا يدعوه إلى الفرح لا بل هذه محنة، مثل كلام سفيان: أن الإنسان إذا كان فريداً لا يجري معه أحداً من أهل الفضل في مضماره أن هذه محنة، وليست منحة ولا شيئاً. إذاً: فضلك يظهر بمقارنتك بأهل الفضل وليس بكل الناس؛ ولذلك خصص داود وسليمان ﵉ المؤمنين، إذ لا يظهر لهم فضل إلا في وسط أهل النبل -أهل الإيمان: ﴿

стр. 935

احذروا خطوات الشيطان [١] لابد للمسلم من تحقيق معنى الشهادتين، وذلك بالعلم والعمل، ولا يتم ذلك إلا بمتابعة النبي ﷺ في أمره ونهيه، فيجب علينا ترسم خطاه ﷺ ، وتربية أبنائنا على حبه، وتقديم أوامره على غيره، ونسلك في ذلك الوسائل المختلفة.

стр. 936

تحقيق الشهادتين إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قال الإمام مسلم ﵀: حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر، ح. وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري -وهذا حديثه- حدثنا أبي حدثنا كهمس عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: (كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وخبيب بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ داخلاً المسجد؛ فاستلمته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام). قوله: (يا محمد) ناداه باسمه حتى يظن الصحابة أنه من جفاة الأعراب، وهم يمتازون بالغلظة والشدة قال الله عن بعضهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) [النور:٦٣] لا تقولوا: يا محمد، حتى الكنية نفسها -وكنيته ﵊ أبو القاسم- ثبت عنه من طرق كالجبل الأشم أنه قال: (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) لكن أهل العلم على خلاف في هذه المسألة، فمنهم من رأى تحريم التكني بكنيته، ومنهم من رأى جواز ذلك، وإنما اختلفوا في العلة: فمن نصب علة فقال -كما ورد في الحديث- إن سبب قول هذا الحديث أن رجلاً نادى آخر، فقال: يا أبا القاسم! ينادي صاحبه، فقال له النبي ﷺ : لبيك! فقال: لم أعنك، أي: أنا أقصد رجلاً آخر، فقال النبي ﷺ : (تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) لأن نداءه هو السبب وقد زال السبب بموته ﷺ . فحينئذ الحكم يدور مع العلة وجودا ًوعدماً، فحيث وجدت العلة وجد الحكم، وحيث انتفت العلة انتفى الحكم، وقد انتفت العلة، هذا كلامهم، لذلك قالوا: لا نرى بأساً أن يدعى الرجل بأبي القاسم، وعليه فقد تكنى بها جماعة من العلماء والمحدثين من أشهرهم أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وابن عساكر صاحب التاريخ الكبير الذي هو تاريخ دمشق طبع منه خمس وستين مجلداً حتى الآن. من كرامة الرجل أن تناديه بكنيته، أو تناديه بلقبه، لا تناديه بالاسم، فالأعراب كانوا ينادون: يا محمد! فقال الله لهم: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] يعني: إذا أردت أن تنادي فلا تقل: يا محمد! بل يجب أن تعظمه، فإما أن تناديه بكنيته فتقول: يا أبا القاسم، أو تناديه بلقبه فتقول: يا رسول الله! فقال: (يا محمد!) زيادة في تعمية أمره، وكأنه أعرابي من الجهال، قال: (أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا). وسنقف مع كل ركن من هذه الأركان، أولاً: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ما معنى أن تشهد؟ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [السجدة:٦]، إذاً: الغيب ضد الشهادة، فالغيب هو ما غاب عنك، والشهادة ما ترى بعينك، فالشهادة هنا: هي الرؤيا، أو كأنها الرؤيا، وهذا يرسلنا مباشرةً إلى آخر الحديث عندما قال له أخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه). ولما جاء صحابي إلى النبي ﷺ فقال: (أوصني يا رسول الله! قال: أوصيك أن تستحيي من الله كما تستحيي من رجلٍ من صالحي قومك)، فهل يستطيع رجلٌ منا أن يقوم قلبه على مشهدٍ من مشاهد العصيان ويراه أحد؟ لا يستطيع ولا يقوى قلب إنسان أن يقوم بالمعصية وأحد يراه، ولذلك يحرز نفسه إذا أراد أن يعصي، فتراه يغلق الباب والنافذة ويأمن نفسه، ويتعرف على مواعيد خروج ودخول الآخرين، ثم يقوم بعمل هذه المعصية. (أن تعبد الله كأنك تراه): يعني: إذا اعتقدت أن الله يراك، وقام قلبك لهذا المشهد، فلا يمكن أن يقوى قلبك على العصيان ألبتة، فليس معنى أن تشهد أن لا إله إلا الله أن الأمر انتهى، ليس هذا معنى الشهادة، فالكلمة أنت قلتها، ولكن الشهادة يشترط فيها العلم والصدق، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، إذاً: لابد أن تشهد بحقٍ وبعلم. إذاً: تحقيق معنى الشهادة: أن تعتقد أن الله ﵎ يراك. يعني مثلاً: هناك بعض الإخوة يمكن أن يصلي الفجر وأخذ شكل الالتزام الظاهر، لكن عنده بلايا قديمة لم يستطع أن يتخلص منها حتى الآن، فهو قد قلل من الذنب، كان يفعله جهاراً فأصبح يفعله سراً، والتدخين مثلاً، بعض الناس مبتلون بالتدخين، فتنظر إليه تجده متسنناً، وتراه لا يترك صلاة في المسجد، وتراه رجلاً منافحاً عن السنة، ونحن لا نقول: إنه بهذه المعصية لا يحب الله ورسوله؛ فإن محبة الله ورسوله قد تجتمع مع العصيان، فقد جاء في البخاري وغيره: (أن رجلاً جيء به إلى النبي ﷺ وقد شرب الخمر، فقال: فمنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه، ومنا الضارب بالعصا، فقال له رجلٌ: لعنك الله! فقال: لا تعن الشيطان على أخيك). وفي رواية خارج الصحيحين قال: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله)، وحديث آخر في الصحيح أيضاً: أنه لما لمزه شخص وقال إنه من المنافقين قال: (إنه يحب الله ورسوله)، فالإنسان قد يحب الله ورسوله وتجتمع فيه شعبة من شعب المعاصي، أي: أنه يفعل معصية وهو يحب الله ورسوله، لكنه حبٌ غير تام، إذ لو أحب الله لاستحيا أن يبارز الله بالعصيان، ثم قارف العصيان من خلف الجدار حياء من الناس. فكلمة (أشهد أن لا إله إلا الله) ينبغي أن يقوم قلبك بمعنى الشهادة فيها، كأن الله يراك، فإذا وصلت إلى هذا المعنى فقد حققت معنى (أشهد أن لا إله إلا الله). (وأشهد أن محمداً رسول الله) يعني أن تشهد أيضاً أن محمداً رسول الله، ونفس المعنى أن تشهد كل حديث يأتيك عن النبي ﵊، وتعتبر أنه هو الذي يأمرك وأنت واقف أمامه تشهده وتنظر إليه. مثلاً أنا رجل ثقة ولم تجربوا علي كذباً، وقلت لكم -وأنا أعلم الصحيح من الضعيف- صح عن النبي ﷺ ، ونقلت حديثاً لم أصححه أنا فحسب، وإنما أجمعت الأمة على صحته، فما أنا إلا مبلغ، فقلت لك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، لماذا لا تبادر إلى فعله؟ نحن لن نحقق معنى الشهادة إلا بالاتباع. ما هو الفرق بين أن يقول لك النبي ﷺ بنفسه: افعل! وبين أن يقول لك أحد أصحابه أو أتباعه: افعل؟! وهل تواجده ﵊ شرطٌ في البلاغ، فلقد كان يرسل أصحابه إلى الآفاق بدعوة الإسلام، وكان يقاتل الذين لا يستجيبون لدعوة الإسلام على لسان فردٍ من أصحابه، وكان يصدق صاحبه فيما قال، فإذا قال: إن هؤلاء ردوا الإسلام، أرسل لهم بدفع الجزية، فإذا رجع صاحبه وقال: أبوا أن يدفعوا الجزية جهز الجيش وذهب ليغزوهم بخبر واحد، ولا نعلم أن واحداً من الذين أرسل إليهم في الآفاق قال لأحد أصحاب النبي ﵊: يشترط أن يأتينا بنفسه، ما قال أحد هذا الكلام، إنما تقوم الحجة بالمبلغ، وقد نقل ابن القيم ﵀: إجماع الأمة على أن الرد إلى النبي ﷺ في حياته إليه وبعد مماته إلى سنته، ولا يعلم سنته إلا العلماء، فإذا قال العالم: افعل كذا، فما الذي يصدك عن الاتباع؟

стр. 937

أثر المحبة في الاتباع فالذي لم يحقق معنى: (أشهد أن لا إله إلا الله) لم يحب النبي ﷺ ، ففي قضية الدبلة مثلاً يأتي لك شخص فيقول: أنا سأعمل مشكلة، وأنا إنما ألبسها لأنهم يعاكسونني وكذا ولو علموا أن ألبس دبلة فضة سيقولون: كذا وكذا، وهناك بعض الناس يقول مثل هذا الكلام المتهافت، يريد أن يقول: أنا مضطر. فنقول له: لا تلبس الدبلة الفضة أيضاً؛ لأن المشكلة ليست هي أن تلبس فضة أو ذهباً، ولكن المشكلة أن الدبلة نفسها ليست من شرعنا، فهي اصطلاح نصراني محض، وهكذا اصطلحوا عليه، إذا وضعها في اليمين فهو خاطب، وبعدما يتزوج ينقلها إلى الشمال، فهذا تقليد نصراني ليس من ديننا، فنحن منهيون عن لبس الدبلة أصلاً، رجالاً ونساءً، لا فضة ولا غير فضة. لكن البس خاتماً، والخاتم زينة الإصبع، فالخاتم نوع من التزيين للإصبع، وسواء لبست فضة أو ألمازاً أو أي معدن من المعادن النفيسة، لكن الذهب لا، والذهب بكل درجاته وكل ألوانه لا، ذهب أبيض أو أصفر، وكل مسمّى الذهب الحقيقي، لأن بعض الناس قد يسمي الشيء بغير اسمه، مثل ما يأتي لك بقماش في السوق ويقول لك: حرير، وهو ليس بحرير، أو ليس بالحرير المنهي عنه، ولكن نحن سميناه زوراً حريراً، ولو أتى بعض الناس فقال: هل ألبس المازاً، وهو أغلى من الذهب؟ نقول له: ليس هناك مانع؛ لأن لديك الصوف وهو أغلى من الحرير، ورغم ذلك تلبس الصوف الغالي وتترك الحرير وإن كان أقل سعراً. إذاً: الاتباع باعثه الحب، فإذا قلت لك: قال رسول الله ﷺ ، فعليك أن تعظم، فإذا فاتك هذا التعظيم ولم يعلمك إياه أبوك، فعلمه ولدك، فتكون قد قمت بجزء مما عليك، فالولد امتداد لك، وكلما كان الولد صالحاً طال عمرك، لأن الولد الصالح يقال له: الله يرحمك ويرحم والديك! والولد الملعون يلعنونه ويلعنون أباه، فيموت الأب والولد يستجلب اللعنات له، بينما الولد الصالح يستجلب لك الرحمات، فالولد الصالح هو الامتداد لك، بينما الولد الفاسد قُطع أثرك به يوم أن مت وكأنك لم تخلف أصلاً: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] يعني: ليس بابنك، وإنما ابنك هو امتداد لك، فالولد الصالح فقط هو ابنك.

стр. 938

تربية الأولاد على الاتباع عليك أن تبدأ بتدريب ولدك على تحقيق معنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأنت بذلك تعظم ربك ، فإذا ذكر الله رفعت صوتك في السماء بذلك؛ لأن الولد مثل المسجلة، فإذا ذكرت الله في البيت وسمعك ابنك ولم يتكلم قلت له: لم أنت ساكت هكذا؟ لماذا لم تكبر وتعظم الله؟ وقل هذا الكلام بحماس، فأول ما يسمع الولد لفظ الجلالة يكون متعوداً على التعظيم، فالذكر بالصوت العالي يكون فيه حفاوة، يعني مثلاً: الرسول ﵊ قال: (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه). يعني أن صاحب أبيك الذي كان دائماً يأتيه، من أبر البر أن تذهب إليه بعد أن يموت أبوك، وتأخذ معك هدايا وما شابه. فإذا كنت في حياة أبيك تعرف رجلاً معيناً أو اثنين أو ثلاثة، إذا وصلوا البيت أن أباك يقوم بالترحاب ويقابلهم بالعناق وما شابه، ويقول الكلمة المعتادة: نحن زارنا النبي! وزارنا النبي المقصود بها أنه ليس هناك أغلى منه، يريد أن يقول: ليس هناك أغلى منك، وطبعاً هناك تحفظ على هذا التعبير، لأن هناك أناساً قد تدخلنا في المتنبئين الكذبة، ولا يجوز قول هذا الكلام، وهو من المستبشع في اللفظ ولا يحل ذكره. فإذا رأيت أباك يعظم أحد أصحابه، يظل تعظيم هذا الصاحب عندك طوال عمرك، وهذا الصاحب يأخذ قدره بقدر ما كان يأخذه في حياة أبيك، وكذلك عليك تعظيم ربك وإذا ذكر فحذار من أن تخنس أو تثني عليه بصوت منخفص، ولكن ارفع صوتك، وهلل وكبر، وأمر أولادك أن يرفعوا أصواتهم ويهللوا ويكبروا، وإن كان صغيراً سمع كلامك فيتأثر به. وإذا ذكر الرسول ﵊ فقل: أشهد أن محمداً رسول الله، ﵊، ﷺ وأحياناً يا أخي قد تدركك العبرة، فأحياناً إن كنت صادقاً تدركك العبرة، فيراك ابنك ويرمق هذه الدمعة منك، فيربط بين الدمعة وبين ذكرك للنبي ﷺ ، أو بين ذكرك لربك وبين هذه الدمعة؛ فتؤثر فيه. قال الإمام مالك ﵀: كنا نأتي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فإذا ذُكر النبي ﷺ بكى حتى نرحمه، وهكذا المحب، كلما ذكرته بحبيبه بكي، وهو دائم البكاء؛ في اللقاء يخشى الفراق، وفي الفراق للاشتياق، فطالما حبيبه بعيد يبكي يريد أن يقابله، فإذا قابله بكي، فهو دائم البكاء جيئة وذهاباً. فهؤلاء الجماعة كانوا معظمين للنبي ﷺ ، ومحققين معنى كلمة (أشهد)، يعني عندما يسمع الكلام يتخيل النبي ﷺ واقفاً أمامه وهو كأنه أحد الصحابة ويتلقى الأمر، ويريد أن يشرف نفسه، هل سينفذ الأمر مباشرة أم سيتوانى ويكسل؟ فلو كان الإنسان مستحضراً أن الرسول ﵊ موجود أمامه، فمن الممكن أن يبكي إذا مس الحديث أوتار قلبه. إذاً: ممكن أن يربط ابنك بين الدمعة والشهادة فتعظم المسألة عنده، وبعض الناس أراد أن يعلم ابنه حب النبي ﷺ ، فقال له: يا بني! من أغلى الناس؟ فقال له: أنت يا أبي! فقال له: لا. أغلى الناس رسول الله ﷺ ، إذا أمر أمراً ينبغي أن يطاع، وأي أحد في الدنيا يخالفه ويقول شيء غير الذي قاله من ستسمع فيهم؟ فقال له: أسمع كلام الرسول ﵊، وظل يكرر عليه الكلام. وابنك -كما قلنا قبل ذلك- لا يستوعب معنى اللفظ كاملاً، لا تظن أنك عندما تقول له هذا الكلام أنه اهتضم مائة بالمائة، وأن الرسول بالفعل أصبح أغلى شخص عنده، وأن كلامه لا يجب أن يخالف، لا. بل هوأخذ منك كلامك على قدر فهمه هو، فإذا خالفك بعد ثانية واحدة فلا تقل له: لم تعاندني؟ هو لم يقصد أن يعاندك ولكن لم يفهم، فلعل عقله لم يستوعب من الكلمة إلا عشرها أو أقل من عشرها، فأنت محتاج إلى أن تكرر الكلمة الواحدة مرة ومرتين وعشر مرات إلى مائة، فكل يوم تقول له: إذا كان الرسول ﵊ أغلى واحد هل تخالفه؟ فيقول: لا، ولو خالفه شخص من ستطيع؟ فيقول: الرسول. وكل يوم على هذا المنوال. وظل الرجل مدة طويلة وهو يقول له هذا الكلام كل يوم حتى حفظها الولد، فأراد أن يختبر الولد يوماً، وهذا بعدما علمه أن الكذب حرام وأن الذي يكذب يغضب منه الرسول فجاء شخص ودق الباب فقال له: قل له لست هنا! فالولد مباشرة خرج وقال له: أبي ليس هنا!! لماذا؟ لأن أباه حاضر أمامه، وهذا هو معنى الشهادة. فالولد يخشى أن يوقع أبوه العقوبة به، فلما أمن الولد جانب العقوبة قال مباشرة: أبي ليس هنا، فمباشرة خرج الرجل ونادى صاحبه وأفهمه الموقف، وبأن هذا الولد أنا أقوم بتدريبه على كذا وكذا، وقلت له كذا وكذا، ثم جئت أختبره. ثم جاء الولد، فقال له: لماذا قلت للرجل أني لست هنا؟ فقال الولد: أنت قلت لي هكذا، فقال له: ألم أقل لك قبل ذلك أن الرسول ﵊ لا يحب الكذب؟! وأن الرسول عندما يقول لا تكذب، وأنا أكذب، فعليك أن تسمع كلام الرسول!! فلم يضربه، لأنه لو ضربه لكره التعليم، فلا تعاقب ولدك بالصراعات في مقتبل العمر. ذات مرة أراد أحد المدرسين أن يكون ابنه الأول على المدرسة؛ لأنه مدرس ويحب الطالب المتفوق في الصف، وكل مدرس عنده هذه القضية مستقرة في نفسه، ومهما كلمته عن ملكات الأطفال، وأن مستوى الذكاء متفاوت، يقل لك: لا، لازم يطلع الأول، وتأتي لآخر يريد أن يلبس ابنته الحجاب والبنت لا تريد أن تلبس الحجاب أبداً، فيقول لها: أقسم بعزة الله إن لم تكوني الأولى على المدرسة لألبسنك الحجاب!! أي نكد هذا، يعني لو لم تكن الأولى على المدرسة سنعاقبها ونلبسها الحجاب؟!! أي تربية هذه، فيحصل انطباع عند البنت بأن الحجاب هذا عقوبة، فتكرهه من قلبها، فلا تجعل العقوبة هي الطاعات وأنت تعلّم الولد، إنما عندما يصير للولد أهلية للثواب والعقاب عاقبه إذا أخطأ، لماذا؟ لأن المعاني ستكون مستقرة عنده، فتقول له: لا تعمل هذه، وهو كبير عمره خمس عشرة أو عشرين سنة، فيفهم الموقف، لكن إذا كان الولد صغيراً وقلت له: لا تعمل هذه، هو فهم منها عشرة بالمائة، والتسعين بالمائة في اللعب الذي هو يريد أن يلعبه، فعندما يكون له أهلية عاقبه على قدر استعيابه، لكن طالما كان صغيراً لا تعاقبه، أقلل من العقوبة طالما كان الولد صغيراً، وحفزه دائماً. وأنا أعرف مسجداً افتتح بحارتنا سنوا فيه سنة كبيرة جداً، وهي أنهم وضعوا كيساً من الشوكولاته والحلوى فأمس فقط وجدت أولاد أناس من جيراني لا يدخلون المسجد، ودخلوا المسجد مرة فأخذوا حلوى، وإذا بهم كل يوم في المسجد، فأخذت أتكلم مع الإمام بعد أن خرج الناس وما زال الأطفال جالسين، فاستغربت ماذا يريد هؤلاء الأطفال؟ وأنا لا أعرف السبب، فذكر لي أنهم كل يوم يأتون ليأخذوا حلوى، ألا تنزل هؤلاء الأولاد منزلة المؤلفة قلوبهم، تألف قلوبهم، فربنا فرض سهماً في الزكاة للمؤلفة قلوبهم. يعني لو أنّ لديك رجلاً غير ملتزم وتريد منه أن يلتزم لا تكلمه، إنما استخدم رجلاً آخر كسفير بينك وبينه يعطيه هدية منك، وتستطيع بذلك أن تكسر الحاجز النفسي الذي بينك وبينه عن طريق الهدية، والهدية عطية. والصحابة الذين كانوا يأخذون سهم المؤلفة قلوبهم لم يأخذوها بعد ذلك، فقال قائلهم: والله لا آخذ على الإسلام أجراً، لأنه أسلم في البداية من أجل أن يأخذ مالاً، لكن بعد ذلك ما رضي أن يأخذ أجراً، وحسن إسلامه. فكيس الحلوى الذي بثلاث جنيهات تجعل الأولاد الطامحين كلهم يصلون، فالولد الصغير تنطبع عنده كل هذه الأشياء، وأنت من تعظيمك لله ورسوله ولهجك بالثناء عليهما، هذا كله يلاحظه الولد فيرثه، فإذا عظم يبدأ بتدوير معنى آخر بداخله لا تعلم أنت ما هو. هذا ما عجزت أنت عن تحقيقة إذ فرط أبوك في تربيتك، فلا تفرط أنت مع أولادك، أقم الصلاة وآت الزكاة وصم رمضان وحج البيت، كل هذا مبني على معنى (أشهد). هناك جماعة يذهبون للحج؛ لكن لم يحققوا معنى كلمة (أشهد)، وقد رأيت أناساً بعيني على جبل الرحمة في يوم عرفات يدخنون السجائر، وأناساً في الخيمة يشربون المعسل، وانظر إلى شخص جالس في يوم عرفة -الذي يباهي فيه الله بالجمع: (أتوني شعثاً غبراً ضاحين) - يشرب السجائر، وآخر يشرب المعسل في الخيمة. هؤلاء لم يحققوا معنى كلمة (أشهد). لما حجيت أول مرة مع الشيخ الألباني ﵀، ونحن خارجون من باب الفندق لقينا رجل مصري وهو يشرب بالشمال، فقال له الشيخ: يا فلان أو يا شيخ -ولا أذكر لفظ الشيخ بالضبط- لا تشرب بالشمال! فرد عليه قائلاً: هذا دواء!! وهل الدواء يشرب بالشمال؟! وأنا توقعت الإجابة، فعندما يقول له: قال الرسول ﵊: (لا يشربن أحدكم بشماله، ولا يأكلن بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) فيأتي يقول هو: هذا دواء، ليس بأكل ولا بشرب، وهكذا يكون خرج من الحديث فينظره السقيم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [النساء:١٠]، فيقول لك: أنا لا آكله -ظاهرية جامدة على اللفظ- لو أحرقته لا أقع تحت الآية، لكن لو أكله يقع تحتها، وما الفرق بين الإحراق والأكل وكله إتلاف، والقصد أنك لا تتلف مال اليتيم، وليس معنى هذا أن تحرقه ولا تأكله فيكون عليك حراماً. فلما قال له: قال الرسول ﵊ كذا وكذا قال له: هذا دواء، ولا يوجد أحد من الصحابة إطلاقاً خالف في هذه المسألة، فكل مخالفة في الفعل يأتي بها المكلف سببها أنه لم يحقق معنى كلمة (أشهد) التي تفيد الشهادة والحضور والنظر، سواء كان في شطر الشهادة الأول: أشهد أن لا إله إلا الله، أو في الشطر الثاني: أشهد أن محمداً رسول الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 939

الأسئلة نجيب عن بعض الأسئلة

стр. 940

موقف الشيخ ابن باز من حكم الألباني على الأحاديث السؤال سمعنا من بعض طلبة العلم يقولون على لسان الشيخ عبد العزيز بن باز: إن الشيخ الألباني يقول: نتساهل مع بعض الرواة وكذلك التحسين والتصحيح والتضعيف في تحسين الحديث الضعيف، ويقولون: الشيخ ابن باز له تعقب على تحسينات الشيخ الألباني للحديث، فما رأيكم في هذا؟ الجواب فنقول: من ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه ونقول أيضاً: من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط وأقول ثالثا: إن الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، من أشد الناس تعظيماً وتوقيراً للشيخ الألباني، وحدثني بعض أكابر أصحاب الشيخ ابن باز أنه كان في مكة في مجلس يضم الشيخ ابن باز والشيخ الألباني، فأبى الشيخ عبد العزيز بن باز أن يدخل قبل دخول الشيخ الألباني وقدّمه، وقال إنما ينبغي أن يقدم أهل الفضل. ودخل الشيخ ابن باز مرة في بيت بعض الشاميين الذين لا يحبونه وينتقصونه في دروسه العلمية، فالشيخ ابن باز ﵀ دخل على هذا الرجل، وأنا أعرفه، فالشيخ ابن باز كان يعلم أن صاحب هذا الدار يتكلم على الشيخ الألباني، فدارت مناقشات علمية في بعض الأحاديث، فالشيخ ابن باز قال: هل عندك كتاب إرواء الغليل، وهو كتاب للشيخ الألباني ﵀ يقع في ثمانية مجلدات، خرج فيه أحاديث منار السبيل، وهو كتاب من مجلدين فقط في الفقه الحنبلي، فالشيخ الألباني خرج أحاديث وآثار هذا الكتاب وحكم عليها بالصحة والضعف أو ما يناسبها في ثمانية مجلدات، فالشيخ ابن باز قال لصاحب الدار: هل عندك إرواء الغليل؟ قال: نعم، قال: ائت به، ماذا قال الشيخ الألباني في هذا الحديث؟ والحديث كان صححه الألباني. فالشيخ ابن باز حفظه الله فقيه، ومن أعف الناس لساناً، وأنا لا أعلم أحداً من العلماء الكبار في السعودية يعظم الألباني كتعظيم الشيخ ابن باز. وأنا قدمت هذه المقدمة حتى أرد على من يقول: الشيخ ابن باز رد على الشيخ الألباني، ويبين أنهم يتناحرون فيما بينهم، والشيخ الألباني ليس معصوماً، وسئل الشيخ ابن باز -ولم أسمع هذا منه مباشرة إنما حدثت عنه- عن الشيخ الألباني فقال: لا أعلم أحداً تحت أديم السماء أعلم بالحديث من الألباني، وهذه شهادة حق، فأعلم الناس بالحديث في هذا الزمن هو الشيخ الألباني، على رغم أنف الحسود. وليس معنى أنه أعلم الناس ألا يكون له زلة، أو لا يطالب بحكم من الأحكام، بل الشيخ الألباني لما طبعت كتبه الجديدة مثل السلسلة الصحيحة مثلاً رجع عن بعض أحكامه التي حققها منذ ثلاثين عاماً، مثل حديث صحيح رأى أنه ضعيف، وضعيف رأى أنه حسن، وضعيف رأى أنه موضوع إلى آخره، فتغيرت المراتب، وهو نفسه يقول: وحتى لا يظن أحد أن هذا خطأ مطبعي إذا وجدت شيئاً تغير حكمه، فلي أستاذ في السلف من العلماء الذين كانت تتغير أحكامهم، لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، والشافعي له مذهبان: مذهب قديم ومذهب جديد، يُقال: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد، وأحمد ﵀ له أقوال في المسألة قد تصل إلى خمسة، ولم يقل واحد من المنتسبين لـ أحمد ولا غير المنتسبين: إن هذا تناقض من أحمد، بل يحملون قول أحمد على دلالة وقوله الآخر على دلالة أخرى، ويقولون: ربما هذا المتقدم وهذا المتأخر، ويلتمسون الأعذار للعلماء، فلم لا يلتمسون الأعذار لعلماء الحديث، والقول واحد والصورة واحدة. والشيخ الألباني ﵀ ليس معصوماً، نعم. غلط في الأحاديث وكان الحق مع مخالفيه، فبعض الناس خالفوه في أحاديث حسنها وكانت ضعيفة وكان الحق مع مخالفيه، وكذلك صحح أحاديث والحق مع مخالفيه في أنها مثلاً حسنة أو ضعيفة، ولكن حسنات الشيخ أكبر بكثير من سيئاته. فانتقاد الشيخ ابن باز ﵀ لبعض ما يكون من الشيخ الألباني ليس هجوماً من الشيخ ابن باز على الألباني، وثانياً النظراء يختلفون. وفي سير أعلام النبلاء قال يونس بن عبد الأعلى ﵀ وهو واحد من أصحاب الشافعي، قال: اختلفت مع الشافعي في مسألة فجاءني وطرق بابي، ثم أخذ بيدي وقال لي: ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة، قال الذهبي ﵀ معلقاً على قول الشافعي: ما أثمن عقل هذا الإمام! فما زال النظراء يختلفون. والشافعي ﵀ تكلم على مالك، فلما جاء من العراق إلى مصر ومصر كانت مالكية، فبدأ الشافعي يتكلم وينتقد مالكاً في بعض ما ذهب إليه من أحكام، فهاج عليه المالكية، ومنهم محمد بن عبد الله بن الحسن، وكان قرين الشافعي في الأخذ، وعظم على الشافعي أن يخالف مالكاً، فلزم الشافعي بيته ولم يخرج، لأنهم عظموا عليه أن يخالف مالكاً، فذكر أبياتاً بين فيها أن ما عليه من جناح إن خالف مالكاً، لأن هذا لا يضر، وكذلك خالف الشافعي محمد بن الحسن الشيباني وقد تتلمذ له، ولا زال النظراء يختلفون، ولا زال التلاميذ يخالفون شيوخهم، فما بالك بأعلم رجلين في هذا العصر إذا خالف أحدهما الآخر في مسألة أو في تصحيح حديث، فالمسألة محتملة، لا سيما إذا دخلت في باب الاجتهاد، قد يكون الحكم على حديث داخلاً في باب الاجتهاد، فكلما رسخ السبب والمنطق العلمي كلما أصاب الرمية بتحقيق. نسأل الله ألا يجعل في قلوبنا غلاً لعلمائنا ولا للذين آمنوا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

стр. 941

تعليق الإيمان بمشيئة الله السؤال ما حكم أن يقول الرجل: أنا مؤمنٌ إن شاء الله؟ الجواب يجوز على أرجح أقوال العلماء أن يقول الرجل: أنا مؤمنٌ إن شاء الله، وليس الاستثناء شكاً في الإيمان، خلافاً للمرجئة، وقد قال الله عن الأمر المحقق: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧]، ولم يكن الاستثناء هنا شكاً في دخول المسجد الحرام، بل كان أمراً متحققاً، والله أعلم.

стр. 942

عدة الرجل السؤال يقول السائل: هل الرجل له عدة مثل المرأة؟ الجواب نعم، الرجل له عدة؛ لكن عدة اعتبارية، ليس للرجل عدة كعدة المرأة، ولكن له عدةٌ اعتبارية، بمعنى أنه يمنع من زواج بعض النساء إلى أن ينتهي الأجل، كأن يكون مثلاً متزوجاً بأربع نساء، وطلق امرأةً في هذا اليوم، فإنه لا يحل أن يتزوج امرأةً غيرها حتى تنقضي عدة المرأة الرابعة؛ لأن المرأة التي طلقت لا زالت على عصمته، فالرجل هنا يمنع من الزواج، فلو قلنا إنها عدة فإنها تكون عدة اعتبارية، وكذلك إذا تزوج الرجل بامرأة واحدة وطلقها، فلا يجوز له أن يتزوج أخت امرأته ولا خالتها ولا عمتها في العدة، إذاً: من قال في كتب بعض أهل العلم: إن الرجل له عدة: فهي عدة اعتبارية، بمعنى: أنه يمنع من أن يتزوج صنفاً من النساء لوجود علة، فإذا زالت هذه العلة فله أن يتزوج.

стр. 943

حكم الدروس الخصوصية السؤال سائل يقول: ما حكم الشرع في الدروس الخصوصية؟ الجواب الدروس الخصوصية كثر عنها القيل والقال، والذي وضع القوانين ليس الفقهاء، والقانونيون هم الذين أفتوا بحرمة الدروس الخصوصية، إنما الحكم الشرعي أن الدروس الخصوصية جائزة ومالها حلال، ولا عصيان فيها، بشرط أن المدرس يتقي الله ، ويقوم بشرح الدرس في حصته كما ينبغي له أن يشرح، وإذا طلب منه التلميذ معلومة فلا يدخرها عنه، ولا يحتكرها، ولا يحجبها، وإذا طلب منه التلميذ أنه يعيد الدرس ثانية أو معلومة ثانية، فإذا وافق ذلك وقتاً في الحصة فينبغي عليه أن يفعل، فإذا فعل المدرس ذلك وجاءه الطالب بعد ذلك يقول: أريد أن تعطيني درساً، فالمسألة تدخل في باب التجارة. فلو أتاني شخص ليستأجر وقتي الذي صار ملكي، أستريح فيه، وأعطيه لأولادي، وانتهى وقت العمل الرسمي، فجاء رجل يستأجر وقتي وجهدي مع أولادي؛ كيف لا أؤجره؟ فإن أنا أجرته وأخذت في مقابله مالاً جاز بالاتفاق، ولم تكن إجارة مكروهة، فضلاً عن أن تكون محرمة، بل هي إجارة صحيحة لا إشكال فيها ولكن بالضابط الذي قلناه، والله أعلم.

стр. 944

حديث: (الوعاء يستخدم) موضوع السؤال يسأل سائل عن صحة حديث: (الوعاء يستخدم) الحديث الجواب روى هذا الحديث ابن مجدوح لا ﵁، وهذا حديث مكذوب على النبي ﷺ .

стр. 945

نسبة كتاب الروح إلى ابن القيم السؤال يقول السائل: أشيع أن كتاب الروح مدسوس على شيخ الإسلام ابن القيم ﵀، فهل هذا صحيح؟ الجواب لا، لكن بعض العلماء المتأخرين قالوا: إن ابن القيم صنف هذا الكتاب قبل أن يلقى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فبعدما لقي شيخ الإسلام ابن تيمية تنقحت كثير من أفكاره وآرائه، وعليك دائماً بالمتأخر من كتب العلماء، حيث تعمل بمذهبه الأخير، والله أعلم.

стр. 946

عليكم هديا قاصدا الإسلام دين يسر لا دين عسر، فهو سهل في تشريعاته وأحكامه قال تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) كما أن الله قد رفع عنا الحرج في الدين فقال: ((َمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)). وقد جاء في السنة النبوية الكثير من الأحاديث التي تدعو إلى التبشير والتيسير، وتنهي عن التشديد والتنفير، ولكن الناس هم الذين يشددون على أنفسهم ظناً منهم أنهم بذلك إنما ينالون مزيداً من الأجر والثواب.

стр. 947

بيان أن الإسلام دين يسر إن الحمد لله نحمده تعالى، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه والسياق للمسند من حديث حصين بن عبد الرحمن ومغيرة بن مقسم الضبي عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: زوجني أبي امرأة من قريش ذات حسب، فلما دخلت علي جعلت لا أنحاش لها مما أجد بي من القوة في العبادة، فجاء عمرو بن العاص إلى كنته فسألها، كيف حال عبد الله معك؟ فقالت: عبد الله نعم العبد لربه من رجل لم يفتش لنا كنفاً ولم يعرف لنا فراشا، قال: فأقبل علي أبي فعزمني وعضني بلسانه، وقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فعضلتها، ثم شكاني إلى رسول الله ﷺ ، فأرسل إلي رسول الله ﷺ فقال لي: (أتصوم النهار؟ قلت: نعم. قال: أتقوم الليل؟ قلت: نعم. قال: ولكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). قال حصين في حديثه: قال ﷺ : (إن لكل عمل شرة وفترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد هدي، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك). ثم قال له: (كيف تقرأ القرآن؟ قال: أقرأه كل يوم، قال: فاقرأ القرآن في شهر، قال: إني أجد بي من القوة أكثر من ذلك، قال: فاقرأ القرآن في عشرة أيام، قال: إني أجد بي قوة، قال: فاقرأ القرآن في ثلاث، ثم قال له: كيف تصوم، قال: أصوم كل يوم، قال: فصم ثلاثة أيام في الشهر، قال: إني أقدر، قال فلم يزل يرفعني حتى قال: صم يوماً وأفطر يوماً، هذا خير الصيام صيام أخي داود). قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو لما كبر يصوم الأيام متتالية، ثم يفطر بعدد تلك الأيام، وكان يقرأ القرآن لا يوفي -يعني في اليوم الواحد- لكنه كان يقرأ ويدع غير أنه كان يوفي في كل سبعة أيام، كان يقرأ القرآن مرة، ويقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ ، غير أنه كره أن يدع شيئاً مات رسول الله ﷺ وهو يفعله. وجاء في صحيح البخاري قول النبي ﵊ لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: (لعله أن تطول بك حياة) فندم عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شدد على نفسه في أيام إقباله على العبادة. أيها الإخوة الكرام! إن أفضل ما يميز ديننا أنه دين سهل يسير، وقد نفى الله الحرج في الدين، فقال ﵎: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]. يقول علماء الأصول: النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهكذا في هذه الآية، فلفظة (حرج) نكرة، وجاءت في سياق منفي: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فمعنى هذا أنه لا يوجد أدنى حرج يذكر في دين الله ﵎، قوله (من) هي التبعيضية، كما لو قلت: أكلت من الرغيف، يعني: أكلت بعض الرغيف، أو شربت من الماء، يعني: شربت بعض الماء، فـ (من) هنا تبعيضية، فهذا الحرج المنفي نفياً كاملاً، مبعّض أيضاً، وهذا كله يؤكد أنه لا حرج ألبتة في دين الله ﵎. ومما يبين أن ديننا يسر: أن الله شرع الرخص، والرخصة لا تكون إلا لمزيد من التيسير، والرخصة معناها إسقاط جزء من العزيمة، وهذا كله يبين أن دين الله ﵎ يسر لكن الرخص لا تناط إلا بالطاعات، يعني لا يجوز أن يستمتع عاص بالرخصة، فإن الرخصة لا يستمتع بها إلا طائع، وإلا فالأصل أن الرجل المنحرف يشدد عليه، لا يرخص له، فلو افترضنا جدلاً أن رجلاً سافر سفر معصية، فلا يحل لهذا الرجل في سفر المعصية أن يقصر الصلاة، ولا يحل له أن يفطر في رمضان. وبهذا الأصل احتج شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الذاهب إلى قبر النبي ﷺ وقد شد الرحل إليه، لا يجوز له أن يقصر الصلاة، قال: لأن شد الرحل إلى القبر معصية، إنما المسنون هو أن يشد الرحل إلى مسجد النبي ﵊، كما قال ﷺ في الحديث المتفق عليه: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). كذلك المرأة التي تحمل من سفاح، لا يحل لها أن تجهض حملها؛ لأنها عاصية، والعاصي لا يستمتع بالرخصة. لكن إذا حملت المرأة من زوجها، وقيل: إن صحتها لا تتحمل، وأن هناك خطورة حقيقية على حياة المرأة، فيكتب الطبيب هذا التقرير ولا يفتي، لأنه لا يجوز للطبيب أن يفتي المرأة بالإجهاض، فالمفتي بناءً على ما يقرأ يقول: نعم، يحل شرعاً للمرأة أن تجهض، فالمرأة التي تحمل من زوجها وعرض لها مثل هذا العارض يجوز لها أن تجهض الحمل، هذه رخصة لها. فإذا أضفت إلى ذلك أن فضيحة المرأة إذا حملت من سفاح أمر أراده الله ورسوله، تأكد أنه لا يجوز لها أن تجهض الحمل، نحن نعلم أن الأصل الستر على المسلم العاصي، فإذا زنى رجل بامرأة وكانا غير محصنين، فحكمهما كما يقول ﵎: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، فهذا ضد الستر، لماذا؟ حتى تتم العظة وتتم العبرة، فإذا رأى الرجل فضيحة نظيره الذي ارتكس في هذه الفاحشة، وأن الناس يشهدون عذابه، فإنه يحذر أن يقع في مثل هذه المعصية. أما إذا كان الزاني محصناً فالحد الذي أجمع أهل العلم عليه: الرجم، وقد كان الرجم ثابتاً في كتاب الله ، ثم نسخت الآية ورفع لفظها، وهذا اللفظ رواه الحاكم في مستدركه، وكان لفظ الآية: (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) ثم رفع لفظ هذه الآية وثبت الحكم بسنة النبي ﵊، فالرجل إذا زنى وهو محصن -يعني: متزوج- أو المرأة إذا زنت وهي محصنة -أي: متزوجة- فالحكم هو الرجم، فيحفر لكل واحد حفرة في الأرض ويدفن نصفه الأسفل، ثم يرجم بالحجارة في رأسه إلى أن يموت، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]. فهذه الفضيحة جزء أرادها الله ، وليس فيها ستر على الإطلاق إذا تحقق أمر الزنا، ويتحقق إما بالاعتراف، وإما بظهور الحمل، وإما بأربعة شهداء، فهذه المرأة لا يحل لها أن تجهض حملها؛ لأنه لو جاز لها أن تجهضه فإنها ستمارس الفاحشة أكثر من مرة، لكن إذا علمت أنه لا سبيل إلى الإجهاض على الإطلاق، وأن المسألة فيها فضيحة وفيها قتل إلى آخره، فإنها ستمتنع من مقارفة هذا الجرم، فالرخص في دين الله ﵎ إنما شرعت للطائع ولم تشرع للعاصي، فوجود الرخص في ديننا أمر يدل على التيسير.

стр. 948

النهي عن وتكلف المشقة في دين الله ﵎ نفى الله ﵎ الغلو والمشقة في دينه ﵎، وهذا كله يدل على الرخصة. قال الرسول ﵊ لـ ابن عباس وهو بجمع مزدلفة، قال: (القط لي مثل حصى الخذف وإياكم والغلو) حصى الخذف يعني حصيات صغيرة. قال: (إياكم والغلو) يعني: لا تكبر حجم الحصاة مرة رأيت رجلاً جاء مندفعاً كالسهم يحمل حجراً كبيرة، ويقول: يا ابن كذا، وشتم شتمتين يؤاخذ عليها الشرع، فرجم بالحجر فوقعت في العمود فإذا بالحجر ترجع له ثانياً، فهذا الرجم غير محسوب له، طالما أنه ضرب الحجر في العمود ورجعت ثانياً، فعليه أن يعيد الرجم مرة أخرى، لأنه لابد أن تقع الحصى في الحوض. وترى هناك أناساً يضربون العمود بالنعل، فيظن أنه بذلك يضرب الشيطان، فسبحان الله! هذا الرجل الذي عنده غل على هذا الشيطان، نقول له: إن بداخلك شيطاناً يحتاج إلى الرجم كل يوم، الشيطان القابع داخلك والذي يدعوك للفواحش ويجعلك تؤخر الصلاة ولا تقوم بما يجب عليك من دين الله، هو هذا الشيطان الذي يستحق أن يرجم كل يوم. المشقة غير مقصودة على الإطلاق في دين الله ، قال الرسول ﵊ لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك)، فليس معنى هذا الحديث أنه كلما قصدت المشقة أجرت، لا. فمثلاً: أردت أن تحج وعندك إمكانية مادية أن تركب الطائرة، فقلت: سأركب سيارة قديمة كي تتعبني، ولكي أكون متعباً طوال الطريق، فيظل يسافر يومين أو ثلاثة أيام، وهو إنما فعل ذلك لظنه أن الأجر على قدر المشقة، فنقول له: لا. الرسول ﵊ أنكر على الذين يشقون على أنفسهم تقرباً إلى الله . أبو إسرائيل لما نذر أن يقف في الشمس وهو صائم، قال ﵊: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليقف في الظل). ونذرت امرأة أن تحج ماشية، مع أن بإمكانها أن تركب، فقال لها رسول الله ﷺ : (إن الله غني عن تعذيب أختك نفسها، مرها فلتركب). إذاً: كون الشخص يقصد المشقة ليؤجر، فهذا ضيق عقل وقلة فهم، أما قوله ﷺ : (أجرك على قدر نصبك) فمعناه: أن المشقة إذا كانت ملازمة للعمل لا تنفك عنه ولا حيلة لك فيه، فهذه هي المشقة التي تؤجر عليها، فإذا لم تكن لك القدرة على السفر للحج فوق الطائرة، وإنما أقصى قدرتك أن تركب بعيراً، فركبت البعير لمدة شهر أو عشرين يوماً، فذهبت إلى هناك وجسمك في غاية التعب، فهذا هو معنى قوله ﷺ : (أجرك على قدر نصبك) لأن المشقة لا تنفك عن العمل، ولا حيلة لك في دفع هذه المشقة، أما أن يقصد شخص المشقة قصداً فهذا ليس من دين الله ﵎، وقد ضمن الله لنا أن هذا الدين ليس فيه أدنى حرج قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 949

الأمر بالشيء نهي عن ضده يقول الأصوليون: (الأمر بالشيء نهي عن ضده)، فإذا قلت لك مثلاً: أكرم ضيفك، فأنا نهيتك عن ضده، يعني: لا تهن ضيفك، فالأمر بالشيء نهي -لازم- عن ضده لأن الكلام له ظاهر وباطن، فظاهر الكلام اسمه: المنطوق، وباطن الكلام اسمه: المفهوم. ونحن نقصد مفهوم المخالفة، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فإن منطوق الكلام -أي: المعنى الذي من أجله وضع الكلام- إذا جاءك الفاسق بنبأ فلا تصدقه حتى تتأكد منه، وباطن الكلام: إذا جاءك العدل الصادق بنبأ فلا تتبين هذا المنطوق والمفهوم من الآية. كذلك قول النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين)، فغير المحرمة تنتقب وتلبس القفازين؛ لأن الحكم إنما علق بالقيد الظاهر وهو الإحرام. فهذا ما يطلق عليه العلماء: مفهوم المخالفة، الذي هو معنى الكلام لا في محل النطق. لكن العمل بمفهوم المخالفة يشترط له: أن لا يكون الكلام خرج مخرج الغالب، فإذا خرج الكلام مخرج الغالب كان المفهوم ملغى، وبسبب الغفلة عن هذا المعنى، ألف أحدهم كتاباً سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب. فلما رد عليه الناس وسفهوه وقالوا: إنه جاهل، وعندما نشر الكتاب مرة أخرى توجع وقال: إنهم ما قرءوا الكتاب، ولو قرءوه لوجدوا أنني على حق. فهذا عجيب! لأن العنوان يدل على الحكم، فلو كان العنوان موهماً أو غير واضح، فله أن ينكر على الذين أنكروا عليه لكن الكتاب الذي ألفه لا يحتاج إلى قراءة؛ لأنه وضع الحكم في العنوان: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، فلو ألف أحد كتاباً -مثلاً- وسماه: غاية المنى بتحريم الزواج واستحباب الزنا، فهل نحتاج إلى قراءة الكتاب حتى نحكم على مؤلفه. وتوجد عناوين موهمة قد تعطيك عكس ما في الكتاب، وبعض الناس يعتبر هذا فناً، لكن هذا خطأ، فمثلاً: الشيخ أبو بكر الجزائري له كتاب اسمه: إلى التصوف يا عباد الله، فأي أحد يقرأ العنوان يقول: هذا يدعو إلى التصوف، لكن الكتاب هجوم على التصوف، فلماذا وضع هذا العنوان؟ قال: لأنني أريد أن يقرأ الكتاب المتصوفة أنفسهم، فالمتصوف عندما يرى عنوان الكتاب: (إلى التصوف يا عباد الله) يقول: هو هذا الذي أريده، فيأخذ الكتاب ويقرأه، فإذا به يفاجأ أن الكتاب يرد عليهم، فلربما تعجبه كلمة أو كلمتان فيرجع عن مذهبه المنحرف، فالكلام هذا فيه نظر؛ لأن العناوين أنساب الكتب، ولابد أن يكون العنوان مطابقاً لما في الكتاب. والسيوطي له رسالة اسمها: إسبال الكساء على النساء، فعند قراءتك لعنوان الكتاب تظن أنه يتكلم عن الحجاب واللباس والنقاب، مع أنه يتكلم عن المرأة هل ترى ربها في الآخرة أم لا؟ فما علاقة إسبال الكساء على النساء؟ قال: لأن الذين يقولون إن المرأة لا ترى الله يكون عليها إسبال فلا ترى الله. تشتري الكتاب على أساس أنه كتاب في اللباس والزينة، وإذا بك تفاجأ أن الموضوع مختلف تماماً. قال صاحب كتاب: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، بعد أن انتقده الناس على هذا العنوان قال: إن مفهوم المخالفة لا يعمل به؛ لأننا لو عملنا بمفهوم المخالفة فسنقع في عدد كثير من الإشكالات. قال: الإشكال الأول: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، فلو أخذنا بمفهوم المخالفة، فإنه يجوز أن نأكل ضعفاً واحداً. الإشكال الثاني وهو: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فمفهوم المخالفة: أنه يجوز الرفث والجدال والفسوق في غير الحج وبدأ يأخذ آيات وأحاديث على مثل هذه الوثيقة، كل هذا لأجل أن يرد على العلماء الذين احتجوا على النقاب بحديث النبي ﷺ : (لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس قفازين) إذاً: ما هو الرد؟ نقول: إن الكلام إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، فالعرب عندما كانوا يضعفون الربا نزل الكلام تنبيهاً على غالب ما يفعلون، وإلا فربنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٨]، (ما) من صيغ العموم تفيد القليل والكثير، لكن نزل هذا الكلام تنبيهاً على ما كان العرب يفعلونه. فمثلاً: الربيبة هل يجوز للرجل إذا دخل بأمها أن يتزوجها؟ مثلاً: امرأة زوجها مات وعندها بنت صغيرة، فأنت تقدمت وتزوجت هذه المرأة، فابنتها تكون ربيبة بالنسبة لك، يقول في آية المحرمات: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فإذا خطبت الأم ولم تدخل بها فإنه يجوز لك أن تطلقها وتتزوج ابنتها، لكن لو عقدت على البنت تحرم عليك الأم إلى يوم القيامة، والبنت لا تحرم عليك إلا إذا دخلت بالأم. قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، في حجوركم: الحجر يعني أنت الذي تربيها، فأنت عندما تزوجت الأم أتت بابنتها معها، فصارت البنت في حجرك. فإذا افترضنا أن هذه المرأة التي لها بنت قرر زوجها الأول أن يأخذ البنت ويربيها فإنها بهذا لن تكون في حجرك فالسؤال هو: هل يجوز أن تتزوجها؟ لأن الآية تقول: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فيكون هذا القيد خرج مخرج الغالب، فمفهومه هدر. قولنا: (خرج مخرج الغالب) فإنه لما كانت العادة أن الأم تكون حاضنة لمثل هذه البنت، فتأخذها إلى بيت زوجها الجديد، بخلاف العكس، فكان هذا هو غالب فعل الناس، فنزل هذا القيد على الغالب من فعلهم، فهذا لا مفهوم له، لأن الكلام خرج مخرج الغالب. قال الله ﵎: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣]، لا يأتي أحد ويقول: افرض أنهن لم يردن تحصناً فهل يجوز أن نكرههن على البغاء؟ نقول: لا؛ لأنه كان من غالب أمرهم أنهم كانوا يكرهون الفتيات على البغاء، فنزل الكلام منزل الغالب. ومنه قول النبي ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) غير رمضان، قوله: (وزوجها شاهد) فلو سافر زوجها وقال لها: لا يحل لك أن تصومي أي صيام تطوع وأنا غائب، فهل تطيعه أم لا؟ نعم، تطيعه، لكن مفهوم المخالفة أنه يجوز لها أن تصوم وهو غائب؛ لأن كلمة (شاهد) خرجت مخرج الغالب؛ لأن الرجل إنما يحتاج إلى امرأته وهو شاهد، فلعل المرأة تستأنف الصوم -صيام التطوع- وهو يريدها فتكدر عليه، فالرسول ﵊ راعى المسألة هذه، لأن شهود الرجل فيه حاجة له، لكن غيابه ما فيه أية حاجة له من أمرأته، فيكون هذا القيد خرج مخرج الغالب، وإلا فلو نهاها وهو غائب لا يحل لها أن تصوم. والعلماء لا يختلفون أن دلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم؛ لأن المنطوق هو الذي وضع لأجله الكلام ابتداءً، فلو تعارض منطوق ومفهوم، فإنه يقدم المنطوق؛ لأنه أقوى في الدلالة، فقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذا منطوق فلو أنه لم يكمل الآية فإننا سنفهم أنه لا يريد بنا العسر بدلالة المفهوم، لكنه أتى بنفي العسر أيضاً بدلالة المنطوق، ليكون أقوى، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] تأكيد، فهذا كله يدل على أن الله ﵎ لما شرع لنا هذا الدين أراد بنا اليسر.

стр. 950

الكلام على مسألة الأخذ بالأحوط هناك مسألة خطيرة، وهي مسألة: الأحوط الأحوط هذا يلتحق باليسر أو بالعسر؟ يلتحق بالعسر مثلاً: أتاك رجل وقال لك: أنا كهربائي وقد طلب مني صاحب مقهى أن أصلح له الكهرباء، وهذا المقهى تشرب فيه الشيشة ويلعبون فيه طاولة وكلها معاصٍ في معاصٍ؛ فهل يجوز لي أن أصلح لهم الكهرباء أم لا؟ هو لماذا سأل؛ لأن عمل الكهرباء حلال، واللعب هذا حرام، فحصل له شبهة، فجاء يسأل، فتقول له: الأحوط أنك لا تصلح لهم الكهرباء. فتكون بهذا قد ضيعت عليه صفقة عمل بسبب الأحوط. فالأحوط معناه: الأشد فالأشد. مثال آخر: ما يحكون عن أبي حنيفة ﵀ أنه جاء إليه رجل فأخبره أن شاه سرقت منه فذهب أبو حنيفة لرجل قصاب أو إلى -راعي غنم- يعرف أسنان الماشية فسأله: كم سنة تعيش الشاة؟ فقال له: أقصى مدة عشر سنين، فحرم أكل لحوم الشياة على نفسه عشر سنين، لماذا؟ قال: لأن السارق قد يكون باعها لجزار فلعلي أشتري من ذلك الجزار فأكون قد أكلت حراماً، لكن الأحوط لي أن أمتنع عن أكل لحم الشاة عشر سنين فلا شك أنه أخذ بالأحوط، فالأحوط هنا معناه الأشد المفتي عندما يستخدم كلمة الأحوط فإنه يضيق على الناس، ويضيع اليسر في دين الله، الذي تكفل الله لنا أن يكون يسيراً، فإذا كان المفتي ممن يأخذون بالأحوط، فإنما هو من الجهلة أصحاب البضاعة القليلة. يقول سفيان الثوري رحمه لله: إنما الدين الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد. يعني مثلاً: إنسان ليس عنده علم ولا ترجيح، فعندما تسأله يقول لك: يا أخي! الأحوط أنك تترك وتستريح؛ لأنه عاجز عن تحقيق المناط. في قرن من القرون كانت الحرب على أشدها بين الشافعية والحنفية، فقد كانا أكثر المذاهب تناحراً؛ لأن أكثر سواد المسلمين إما أحناف وإما شافعية، والأحناف أكثر؛ لأن أكثر بلاد العجم أحناف، ثم الشافعية، ثم المالكية، ثم الحنابلة، فكانت الحنفية والشافعية في شجار دائم، فيحكى أن رجلاً شافعياً تصدر للإفتاء -وأنتم تعلمون أن المذهب الشافعي فيه مذهب قديم ومذهب جديد- فكان عندما يسأله أحد يقول: للشافعي فيه قولان -الذي يحكي هذه الحكاية شخص حنفي، وأنا لا أستبعد أن تكون مكذوبة أو موضوعة- فقال أحد الأذكياء له -وهذا الذكي لابد أن يكون حنفياً- فقال له: أفي الله شك؟ فقال ذلك الرجل: للشافعي فيه قولان المفتي عليه أن يفتي بالراجح، وله أن يتورع في نفسه إلى أقصى حد، فإذا أراد أن يمتنع عن أكل اللحم فهو حر في نفسه، لكن لا يجوز له أن يحرم على غيره لاحتمال أن يكون اللحم مسروقاً ويبتدئ ينظر له هذا التنظير، وعليه فورع المتقين لا يثبت حكماً. يبقى الأصل بالنسبة للإفتاء: أن يتحقق الرجل من الدليل، فإذا لم يستطع أن يرجح فعندنا الأدلة القاضية باليسر ورفع الحرج وهي أدلة محكمة غير منسوخة، والنبي ﵊ كان إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، هذا أصل عندنا، فإذا لم تستطع تحقيق المناط وعرض عليك أمران، وليس فيهما إثم -هذا شرط- ليس فيهما إثم فعليك بالأيسر، لأن هذا هو المناسب للأدلة العامة بنفي الحرج عن دين الله ﵎.
следующие страницы →