← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مراقبة الله مراقبة الله ، وقد قال ربكم سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] فراقبوا الله، واعلموا وأنتم تنظرون هذه النظرات المحرمة أن الله سبحانه يعلم خائنة الأعين، ويعلم كذلك ما تكنه الصدور وما تعلن، فرأس الأمر مراقبة الله سبحانه، والخوف من عقابه جل وعلا، هذا رأس النجاة.

стр. 107

الزواج ثم إن هناك سبيلاً آخر علمنا إياه وذكرنا به نبينا محمد ﵊، قال ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، وكذلك عليك بالاستعفاف قال الله سبحانه: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣]، فرغبنا نبينا في الزواج دفعاً لهذه الفتنة العظمى، فإذا لم تجد من المال ما تتزوج به بكراً فتزوج ولو بثيب، امرأة مات عنها زوجها وترك لها أطفالاً وبُنيات صغيرات، عندها أثاث، وعندها بيت، لا تسأل إلا بعلاً يسترها، فتقدم لمثل هذه وتعفف بها، فإن نبيك محمداً ﵊ سيد ولد آدم تزوج أول ما تزوج خديجة بنت خويلد ﵂، وهي تكبره بخمسة عشر عاماً وهي ثيب، وكانت من أحب نسائه إليه، ولما كان يكثر من ذكرها عاتبته عائشة في ذلك غيرة، فقال ﵊ (إني رُزقت حبها) مع أنها كانت ثيباً وأكبر منه سناً. فإذا لم تستطع أن تتزوج ببكر فتزوج بثيب وتعفف بها، واكفل أيتامها، قال النبي ﵊: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وفرق بين أصبعيه)، وكذلك قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالصائم الذي لا يفطر، وكالقائم الذي لا يفتر) هكذا قال ﵊، لا تنتظر سنة كاملة متأخراً عن الزواج من أجل أن تجهز غرفة للسفرة، كل -يا عبد الله- على الأرض، وعجل بالبناء قبل سنة، كل على الأرض ولا يلزمك أن تؤجل عاماً من أجل أن تشتري بعض الكراسي وسفرة تأكل عليها، فكن عاقلاً وكن ذكياً في صنعك. كذلك لا تنتظر عامين آخرين حتى تجهز غرفة نوم كبرى، ولكن نم على الميسور، وإذا وسع الله عليك فوسع على نفسك، ووسع على أهل بيتك، فنبيك محمد كان ينام على الحصير حتى يؤثر الحصير في جنبه، إن نبي الله موسى ﵇ آجر نفسه ثمانية أعوام، بل أتم أكمل الأجلين وأفضل الأجلين عشر سنوات أجيراً من أجل عفة فرجه، صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم. فبادروا إلى التعفف يا عباد الله! فيا دعاة الإسلام! كونوا من ذوي الغيرة على الأعراض، وكونوا من ذوي الغيرة على النساء، لا يسمح أحدكم لامرأته ولا لابنته أن تخرج مختلطة تزاحم في المواصلات، متبرجة ينظر إليها القاصي والداني، يا دعاة الإصلاح! من منكم يرضى أن تزني أخته؟ من منكم يرضى أن ينظر الشباب الشرير المفسد إلى أخته نظرة بها أذى وبها مكروه؟ فعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم، ويعف الأجانب عن بناتكم.

стр. 108

التحذير من مكر العابثين بالأعراض أيها العباد! أيها المسلمون! في هذه الأزمان صار الذئاب يفترسون الفتاة، ولا يرضون بافتراسها مرة، بل مرات ومرات متعددة، تكثر شكاوى النساء التائبات، فتيات كن غاويات في بعض أزمانهن، فعبث بهن عابث، وارتكب معهن الفاحشة مرتكب، ثم صورها على هذه الحال، وسجل كلامها وهي على تلك الحال من الفحش، ثم لما تابت إذا هو يطاردها وإذا هو يهددها، إما أن تمكنه ثانية من نفسها وإلا نشر الأشرطة، ونشر الصور، ونشر المناظر التي جرت بينه وبينها، فتذعن المرأة وتنتكس مرات ومرات والمعصومات من عصمهن الله. فجدير بكل فتاة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتقي الله في نفسها، وأن تحذر أشد الحذر من هؤلاء الذئاب الذي لا يرقبون فيها إلاً ولا ذمة، جدير بكم أن تحذروا أخواتكم ونسائكم من هؤلاء الذئاب، الذئاب الذين يتلطفون في الحديث في الهواتف، كأنهم الحملان، يتلطفون في الحديث مع النساء في الهواتف إلى أن يوقعوا النساء في الحبائل والأشراك، ثم بعد ذلك لا يرقبون في الفتاة إلاً ولا ذمة.

стр. 109

مسئولية أولياء الأمور تجاه نسائهم وبناتهم فيا عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في بناتكم، ما معنى أن تخرج ابنتك قد لبست فستاناً وحسرته من المنتصف حتى قارب عورتها؟ ما معنى هذا إلا الدعوة إلى الفحش، ما معنى أن تخرج ابنتك وقد لبست ملابس ضيقة؟! ولم تكتف بضيقها بل شقتها من أسفل كي يرى الناس عورتها والعياذ بالله، فمن منكم يرضى لابنته أن تكون هكذا؟ إن أهل الشر والفساد سُئلوا سؤالاً: لماذا تصممون الأزياء مفتوحة من الخلف ولا تصممونها مفتوحة من الأمام؟ ليس السؤال سؤال إنكار إنما السؤال سؤال استفسار، قالوا: إنهم جربوا شق الثوب من الخلف فوجدوه أكثر إثارة من شق الثوب من الأمام، فلذلك شقوا ثوب المرأة من الخلف. وصنعوا عطوراً خاصة بالنساء كي تجذب الرجال إليهن، وصدق الهل إذ يقول: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧]. فإذا كان هناك دعاة للشر، فكونوا من أئمة الخير ومن الدعاة إليه، وإذا كان ثم دعاة إلى الفحش وإلى الرذائل، فهذه سنة لله جرت في الخلق أن يكون من العباد دعاة للشر والفساد، وفي المقابل دعاة للعفة والطهر والطهارة قال ربنا سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، فأهل الشر يريدون بكم وبنسائكم الشر، ولا يبرحون من نشر شرهم، ومن نشر فسادهم، بل يعكفون آناء الليل وأطراف النهار للتحضير لإفسادكم، ولإفساد نسائكم، ولنشر الدعارة والفسق والفجور. فكونوا -يا عباد الله- من ذوي الشهامات، ومن ذوي الكرامات، ومن ذوي الغيرة على أنفسكم وعلى بناتكم، ولكم جميعاً لقاء عند الله سبحانه يحاسبكم على ما قصرتم وعلى ما فرطتم، فقبل أن يأتي يوم تقول فيه نفس: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧] قبل هذا فانتبهوا لأنفسكم وانتبهوا لبناتكم، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). لا تترك ابنتك تقرأ المسرحيات، ولا تقرأ الصحف الداعية إلى الفسق وإلى الفجور، لا تترك ابنتك ساعات الليل والنهار تنظر إلى الأفلام الخليعة المهيجة للفواحش، لا تترك ابنتك مع خاطبها الذي خطبها ولم يعقد عليها بعد. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 110

صفات عباد الرحمن لعباد الرحمن صفات بينها الله في كتابه العزيز، فهم يتعاملون مع ربهم بحفظ حدوده وطاعة أوامره، كما يتعاملون مع عباد الله بالتواضع ولين الجانب، ولا يقترفون ما يذهب بحقوق العباد من شهادة زور وغيرها، وإذا أتوا معصية أو إثماً فسرعان ما يرجعون ويتوبون إلى الله ، وقد وعد الله من اتصف بهذه الصفات بالغرفات في جنات النعيم.

стр. 111

تفسير آيات بينات من سورة الفرقان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فلقد طلب مني أحد الإخوة حفظهم الله تعالى، أن يتحول مجرى الدرس في ليلتنا هذه إلى شيء ترق به القلوب وتسمو به الأخلاق، وخير ما ترق به القلوب وتسمو به الأخلاق هو كتاب ربنا ، وتناوله بشيء من البيان، خاصةً إن كان هذا البيان بسنة النبي محمد ﷺ خير الأنام. فلنتناول شيئاً من كتاب الله بالتأويل والبيان، وقد كتب الله رفعةً لحاملي كتابه، المبتغين بذلك وجهه ، نتناول شيئاً من سورة الفرقان، والله المستعان! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 112

مآل وعاقبة العصاة ثم جاء التهديد للعصاة: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان:٧٧] أي: لا يبالي الله بكم أيها العصاة! لا يبالي بكم، فمن أنتم حتى يبالي بكم ربكم؟! ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]: لولا إيمانكم، لولا صلاتكم، وكما قال النبي ﵊ فيما قبل مبعثه: (إن الله سبحانه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عَرَبَهم وعَجَمَهم، إلا غبرات من أهل الكتاب) أي: بقايا من أهل الكتاب كانوا يقومون على طاعة الله. فالذي لا يطيع ربه ولا يؤمن به لا يبالي به الله ، لا يُهْتَمُّ به ولا يُلْتَفَتُ إليه، بل هو كالأنعام، بل هو أضل سبيلاً. ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان:٧٧]: لولا إيمانكم، ولولا تصديقكم، ولولا صلاتكم، وإلا فالله لا يعبأ بكم. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ [الفرقان:٧٧]: أي: سوف يكون العذاب كائناً ولا بد للمكذب وللمعرض. جنبنا الله وإياكم التكذيب، ورزقنا الله وإياكم التصديق، وأورثنا الله وإياكم الغرف نحن وأزواجنا وذرياتنا والمؤمنين. وصلى الله على نبينا محمدٍ وسلَّم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 113

من صفات عباد الرحمن سؤال الله أن يكونوا أئمة صالحين ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] أي: اجعلنا أئمة لأهل التقى، اجعلنا أئمة في صلاتنا، في زكاتنا، في أقوالنا، في أفعالنا، لا يطلبون أن يكونوا أئمة في الإجرام، ولا أئمة في الفسق، إنما يطلبون أن يكونوا أئمة للمتقين، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤].

стр. 114

مآل وجزاء عباد الرحمن وسبب ذلك قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [الفرقان:٧٥] أي: الذين ثبتت صفاتهم وظهرت أعمالهم واتضحت معالمهم ومعتقداتهم. ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، والغرف في أعالي الجنان، قال النبي ﷺ : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في السماء؛ لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها أحد غيرهم؟ قال: كلا، والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. وقال النبي ﷺ : وإن أبا بكر وعمر منهم) رضي الله تعالى عنهما، نسأل الله أن يلحقنا وإياكم بهم. ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]: صبروا على ماذا؟ صبروا على التكاليف التي كلفهم الله بها، صبروا على جهل الجاهلين، صبروا على عبادة ربهم، صبروا على طاعة الله، صبروا على الجوع، صبروا على الخوف، صبروا عند البأساء وعند الضراء وحين البأس، أعرضوا عن اللغو، وصبروا على أذى المؤذين وجهل الجاهلين. ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان:٧٥] بماذا؟ هل بالأماني أم بالأعمال؟ قال تعالى: ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]: رجل ترك فراشه الدافئ وزوجته الحسناء، وامرأة تركت فراشها وزوجها، والكل قام يصلي لله رب العالمين، الكل قام يسبغ الوضوء على المكاره، طالباً رضا الله ، الكل يقتطع من ماله وينفق ابتغاء وجه الله، كل ذلك يُفْعَل سراً لا جهراً ولا رياءً ولا سمعةً، إنما يُبْتَغى بذلك وجه الرب الأعلى . ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان:٧٥] تحيةً مِن مَن؟ وتسليماً مِن مَن؟ قال تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ مسلِّمين قائلين: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]. سلام من الله، سلام من الملائكة، سلام من الأنبياء. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان:٧٥]: كل ذلك -بعد توفيق الله- بصبرهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. وكما قال تعالى عن الخليل إبراهيم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]: قام بهن خير قيام، صبر على النار إذ ألقي فيها، وصبر على ذبح ولده إذ أُمِر بذبحه، وصبر على الختان إذ أُمِر بالاختتان وهو ابن ثمانين سنة، فاختتن بالقَدُوم، آلةِ النجار المعروفة، وصبر على لقاء الجبابرة، وصبر على بناء الكعبة، صبر على خصال الفطرة، فالله قال له بعد هذا الصبر: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤]. وهكذا عباد الرحمن ﴿يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الفرقان:٧٥ - ٧٦] أي: لا يتحولون عنها أبداً، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ [الكهف:١٠٨]. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان:٧٦]: نِعْم المقر ونِعْم المقام.

стр. 115

من صفات عباد الرحمن سؤال الله الولد الصالح قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] أي: ما تقرُّ به أعيننا، فلا ننظر إلى المحرم، رجل يريد من ربه أن يُقَنِّعه بزوجته، وأن يعفه بزوجته، وأن تقر عينه بزوجته، يسأل ربه ذلك؛ حتى لا يلتجئ ببصره إلى الحرام، يسأل ربه أن يمده بأولاد صالحين طيبين محسنين؛ حتى لا يلتجئ إلى حسد أولاد الآخرين، يسأل الله أولاداً صالحين؛ حتى يدعوا ربهم له بعد موته. ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] لا يطلبون الولد للفخر ولا للخيلاء ولا للتباهي ولا للاستكثار أبداً، فإذا كان الولد سيأتي طالحاً والعياذ بالله! فبئس المجيء جاء، فليذهب وليمت في صغره، ولا يُبْكى عليه، فهاهو الخضر يقتل غلاماً بأمر الله! لِمَ قتله؟ قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف:٨٠]، وقال بعد ذلك: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]. فكم من ولد أرهق أبويه طغياناً وكفراً! فإذا كان الولد سيأتي على هذا النحو فسُحقاً وبُعداً لمثل هذا الولد. أما إذا أتى الولد صالحاً فهنيئاً لمثل هذا، وليُسأل الرب مثل هذا، كما كان عباد الرحمن يسألون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] أي: ما تقر به أعيننا.

стр. 116

من صفات عباد الرحمن الابتعاد عن اللغو قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢]: لم ينلهم شيء من هذا اللغو، ولم ينلهم شيء من هذا الباطل.

стр. 117

من صفات عباد الرحمن الانتفاع بكتاب الله قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً﴾ [الفرقان:٧٣] لم يتعامَوا عن التذكير، بل انتفعوا به، لم يكونوا كالذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] فهذا جزاءه كما قال ربنا: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]؛ ولكن يقفون عند حدود الله، إذا ذُكِّروا تذكروا، كما كان أمير المؤمنين عمر؛ إذ دخل عليه عيينة بن حصن الفزاري فقال له -أول ما دخل عليه-: اتقِ الله يا ابن الخطاب! فإنك لا تعدل. فهم عمر أن يبطش به؛ لما قال له هذه المقالة: اتقِ الله يا ابن الخطاب! فإنك لا تعدل. فقال الحر بن قيس مذكراً لأمير المؤمنين عمر - والحر كان من حملة كتاب الله-: يا أمير المؤمنين! إن هذا الرجل من الجاهلين، والله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]. قال: فوالله! ما تخطاها أمير المؤمنين عمر ولا تعداها، بل كان وقافاً عند كتاب الله . هؤلاء قوم وصفهم الله بقوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً﴾ [الفرقان:٧٣]، أي: لم يكونوا صماً عن استماعها، ولا عمياناً عن الانتفاع بها وإبصارها.

стр. 118

قبول توبة من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان:٧٠] أي: إلا من تاب وآمن فالله للذنوب والزلات غفار، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، (والله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) كما قال النبي ﵊، وقال: (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر). قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان:٧٠] فلا ينبغي لأحدٍ أن يُقَنِّطَ أحداً من رحمة الله، فهنيئاً للتائبين! ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٧٠] فضُمَّ العمل الصالح إلى التوبة.

стр. 119

معنى إبدال الله السيئات حسنات ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] كيف تُبَدَّل السيئات بحسنات؟! أفضل ما قيل في ذلك -والله أعلم بكتابه وبتأويله، إذ هو أنزله إن المذنب التائب كلما تذكر الذنب أحدث له توبة، فمن ثَمَّ يحدث له ثواب على هذه التوبة، فكأن السيئة بُدِّلت حسنة، وكما يقول العلماء: رب زلة قدم زلها شخص أورثته توبةً وإنابةً واجتهاداً في العمل الصالح، فنال بسبب هذه الزلة توبةً كبيرة واستغفاراً هائلاً وأعمال بر واسعة، فبُدلت السيئات إلى حسنات، غُفِرت السيئة ثم بقي له من ثواب الاستغفار وثواب العمل الصالح الذي أتبعه بها. ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان:٧٠ - ٧١].

стр. 120

من صفات عباد الرحمن ابتعادهم عن شهادة الزور ثم بين الله صفات هؤلاء الصالحين الأتقياء عباد الرحمن فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] هذا حالهم. الشهادة هنا بمعنى الحضور، فتقول: شهد فلانٌ الشيءَ، أي: حضر فلان الشيءَ. وتقول: شهد فلانٌ على الشيءِ، أي: أقام عليه إقراراً. فالشهادة هنا بمعنى الحضور. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] أي: لا يحضرون مجالس اللهو، ولا مجالس الشرك، ولا مجالس العبث، ولا مجالس المجون، فهذا ليس من دأبهم، ليس من ديدنهم، ليس من شأنهم. هذا شأن سَقَطَة الناس وسَفَلَة الناس، هذا شأن الغافلين من الناس. أما أولو الألباب فكما رُوِي عن يحيى بن زكريا ﵉، وهو طفل صغير صبي يأتيه أصحابه فيقولون: (يا يحيى! هلم نلعب يا يحيى! فيقول: ما للعب خُلِقنا، ما للعب خُلِقنا). وهذا من تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيَّاً﴾ [مريم:١٢]. فأولو الألباب وعباد الرحمن لا يحضرون هذه المجالس المدنسة؛ مجالس اللهو والمجون، مجالس الغزل، مجالس العشق والحب الخليع، الذي يفعله أهل الوقاحة وأهل السفور وأهل التمرد وأهل العصيان. هم لا يحضرون مثل هذه المجالس بحال من الأحوال، ولا يحضرون مجالس الشرك كذلك. وكذلك هم لا يشهدون الزور بالمعنى المعهود للشهادات، فإذا دُعُوا إلى شهادة كانوا قوامين لله شهداء بالقسط، لا يشهدون الزور، كما قال النبي ﷺ : (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت!). فهم إذا رءوا شيئاً شهدوا كما رءوا ليست شهادتهم للمشهود له، إنما شهادتهم لله، فإن الله أمر بإقامة الشهادة له، قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢]، فثَمَّ شخصٌ يرى مجرماً يظلم شخصاً، فحينئذٍ يذهب ويقول كلمة الحق، فيرهِّبه الظالم ويخوفه ويهدده بإحراق بيته، أو بإحراق سيارته، أو بمكيدةٍ يدبرها له، فتخشى على الشاهد أمُّه، فتقول له: يا ولدي! ما لك وللناس، دعنا وشأننا ودعهم وشأنهم، يحاسبهم ربهم. هكذا تقول الأم الجاهلة التي جَبُنَتْ وتقاعست عن الحق، وتلقن ابنها الجُبن، فقلبها آثم. أما الأم التقية الورعة فتقول لولدها: يا بني! توكل على الله، وقل قول الحق لله سبحانه. فهنيئاً لك إذا جئت أمام الله وأنت مقتول، وليس لك ذنب إلا أنك قلت كلمة الحق ابتغاء وجه ربك . علم هؤلاء الأفاضل من عباد الرحمن أن الشهادة لله ينبغي أن تقام لله، يجب أن تقام لله لا لأحد سواه، علموا قول الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨١ - ١٨٢]. علموا قول نبيهم محمد ﵊: (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وُلُّوا). فكذلك علموا قول الله تعالى في كاتم الشهادة: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] أي: فاجر قلبه. فلذلك قالوا كلمة الحق، قالوها ولم يخشوا في الله لومة لائم، علموا أن الله قادر على أن يستبدلهم بقوم آخرين.

стр. 121

من صفات عباد الرحمن عدم الإشراك بالله ثم يبين لنا ربنا سبحانه أصل ديننا الذي هو أصل الأصول كلها، ألا وهو توحيده سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] بل هم موحدون، وانفصل أهل الإسلام عن سائر الملل والنحل في كل البقاع، بأن أهل الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، أما سائر أهل الأديان فيجعلون لله شريكاً آخر، كل يدعي لله شريكاً غير الآخر، أما أهل الإسلام فلا يدعون مع الله إلهاً آخر، فاتخاذ إله آخر أعظم جُرم يرتكب في حق الرب. سئل النبي ﷺ : (أي الذنب أعظم يا رسول الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) ، هذا ذنب لا يُغفر بحال إذا مات عليه شخص. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨].

стр. 122

من صفات عباد الرحمن عدم سفكهم للدماء والوقوع في الزنا قال الله سبحانه في شأن أهل الإيمان أهل التوحيد: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] والحق موضح في قوله ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وجاءت أمور أُخر تندرج تحت هذه البنود السالفة: كقتال الفئة الباغية التي ذكرها الله في كتابه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، وكالمفسدين في الأرض من قطاع الطرق، وكمن عمل عمل قوم لوط، كما هو منصوص في أحاديث النبي ﵊. ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨] هذه الآية فيها رد على أهل الإرجاء الذين يقولون: إن الإيمان في القلوب فقط، وليس على عمل الجوارح ثواب أو عقاب، وهذا قول من أضل الأقوال وأبعدها عن تشريعات الحكيم الحميد سبحانه، أي: الذين يقولون: إن الأعمال تتأخر عن الاعتقاد، والله توعد القتلة وتوعد الزناة وتوعد أهل الشرك حيث قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨]. وقال النبي ﷺ : (ورأيت رجالاً ونساءً عراة على مثل التنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم فيحرق فروجهم -تلك الفروج التي استمتعوا بها في الحرام- فيُسمع لهم صراخ ويُسمع لهم ضوضاء ويُسمع لهم عويل، سألتُ: مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني) عياذاً بالله من ذلك! وقال سبحانه: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان:٦٩] أي: ذليلاً مهاناً حقيراً والعياذ بالله!

стр. 123

من صفات عباد الرحمن أنهم يرجون رحمة الله ويخافون عذابه فهكذا عباد الرحمن، ليست أمورهم مبنية على الأماني الباطلة فقط، بل قدموا أعمالاً يرجون بها رحمة ربهم . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان:٦٥] هكذا يتعوذون بالله من النار؛ لأنهم يعلمون أنه لا صارف للعذاب إلا هو . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ [الفرقان:٦٥] أي: مستديماً ملازماً. ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٦].

стр. 124

من صفات عباد الرحمن الاقتصاد في معايشهم ثم يبين الله منهج حياة هؤلاء في التعاملات مع الناس، ويبين منهجهم في اقتصادهم، وفي سيرهم كذلك، فدينُنا ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وشرعُنا خير شرع، وربنا ما فرط في الكتاب من شيء. فليس فقط يبين لنا ربُّنا حالَنا في الليل وصَلاتَنا في الليل؛ ولكن منهجنا الذي نسلكه كذلك في الإنفاق يبينه لنا ربُّنا. يبين لنا ربنا سبحانه اقتصادنا وكيف نكون فيه. قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان:٦٧] هذا حالهم في الإنفاق، ليسوا بالمتهورين المسرفين المبذرين إخوان الشياطين، وليسوا بالشحيحين البخلاء المذمومين، الذين حازوا شر الأدواء وهو داء البخل، قال النبي ﷺ : (من سيدكم يا بني عمرو بن عوف؟! قالوا: يا رسول الله! الجد بن قيس، على أنَّا نُبَخِّلُه يا رسول الله! قال: وأي داء أدوى من البخل؟! بل سيدكم فلان) وسمى لهم النبي ﷺ سيداً آخر غير الجد بن قيس. فعباد الرحمن مقتصدون في سيرتهم، مقتصدون في إنفاقهم، كما علمهم ربهم إذ قال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء:٢٩]. وكما قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٧]. وكما قال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١]. هكذا تسير وتضبط أمور الاقتصاد بضوابط ليس لها نظائر في التاريخ، وليس لها نظائر في العالم كله، إنفاق بقَدَر، وإمساك بقَدَر، وسط بين هذا وذاك، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. قال النبي ﷺ : (إن الاقتصاد والسمت الحسن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة). فكما يبين الله لنا أحوالنا في الليل، وكما يبين الله لنا أحوالنا في التفكر في آلائه، يبين لنا طريقتنا في الإنفاق كما قال ذلك : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:٦٧] أي: في اعتدال وتوسط. فالحمد لله على هذا الدين القويم.

стр. 125

من صفات عباد الرحمن قيام الليل قال الله سبحانه -مبيناً حالهم في الليل بعد أن بين حالهم في النهار-: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] فهذا مبيتهم يبيتون لربهم، فعملهم لله وحده لا شريك له، لا رياء فيه، ولا سمعة فيه، وهذا مستفاد من قوله: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ﴾، حالهم دائرٌ بين القيام والسجود. ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤]: وكما وصفهم ربهم سبحانه: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]. وكما وصفهم بقوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] لماذا؟ ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. وكما ذكرهم ربنا بقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] أي: يطيل القيام ساعات الليل الطويلة ﴿سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] هذا مطلبهم؛ حَذَرُ الآخرةِ وطلبُ رحمةِ الله ، ليلهم على هذا المنوال. هذه -يا إخوة- ليست أساطير، إنما هي سير أهل الفضل والصلاح، فهم قدوة للسالكين الذين يريدون أن يسلكوا مسلك أهل الفضل، مسلك عباد الرحمن الذين يبيتون لربهم، ليس مبيتهم في جدل طويل، وليس مبيتهم في لهوٍ وعبث، إنما مبيتهم لربهم سجداً وقياماً. ومع هذا المبيت الطويل الذي يتقلبون فيه بين السجود والقيام والركوع، مع هذا المبيت الطويل لربهم على هذا النحو وعلى ذاك المنوال، فهم يقولون: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم! هم يعملون الأعمال ويسألون الله القبول، لا يعملون الأعمال ويفتخرون بها، بل كما وصفهم ربهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]. سألت أمُّنا عائشة ﵂ نبينا محمداً ﷺ عن هذه الآية وقالت: (يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] أهو الرجل يسرق ويزني ويخاف أن يعاقب؟ قال: لا يا ابنة الصديق! إنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي ويخاف أن لا يُقْبَل منه). حالهم كحال إبراهيم الخليل ﵊، رحمة الله عليك يا خليل الرحمن! ترفع القواعد من البيت أنت وولدك إسماعيل وتقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، ثم تطلبان من الله الثبات على الطريق حتى الممات: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٢٨].

стр. 126

من صفات عباد الرحمن التواضع والسكينة والوقار قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣]: هذا حالهم، يمشون على الأرض في تواضع وسكينة ووقار، يمشون على الأرض غير مستكبرين وغير متكبرين وغير متجبرين كذلك، فثَمَّ رجل يمشي على الأرض لمالٍ قد آتاه الله إياه وابتلاه الله به، قد امتلأ صدره كبراً وغروراً، وارتفع بأنفه إلى السماء ظاناً أنه يُترك سدىً، وأن الله أكرمه بهذا المال، وهذا آخر يمشي متغطرساً مختالاً لكونه نال الشهادة، حصل على (الماجستير) أو (الدكتوراه) أو على درجة عليا في الطب، امتلأ كبراً وامتلأ فخراً وتيهاً وغروراً، وذاك أجهل منه يمشي لمنصب قد ناله يوشك أن يزول عنه، قد امتلأ هو الآخر كبراً وتيهاً وفخراً. أما عباد الرحمن فليسوا كذلك، يعلمون تمام العلم أن ما هم فيه -سواءً الذي هم فيه كان خيراً أو كان شراً- إنما هو ابتلاء وفتنة، كما قال الله في كتابه الكريم: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩]، وكما قال النبي الكريم الزكي سليمان ﵇ لما رأى عرش ملكة سبأ مستقراً عنده -لقد انتقل إليه العرش في لمح البصر قبل أن يرتد إليه طرفه-: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]. عباد الرحمن من شأنهم أنهم يمشون على الأرض هوناً، أي: متواضعين، قلوبهم خاشعة لله، قلوبهم خائفة وجلة من لقاء الله، قلوبهم خائفة من مكر الله ، فهم خائفون من إحباط السيئات التي تطالبهم، إذا فكر أحدهم في شيء يسخط الرب عليه، سرعان ما رجع إلى صوابه وسرعان ما يثوب إلى رشده.

стр. 127

من صفات عباد الرحمن القول الطيب الحسن والعفو والصفح قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]: فكم من جاهل؟!! فالله جَبَلَ الخلق على أخلاق شتى كما قال: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:١٤]، فمنهم كريم الأخلاق، ومنهم بذيء الأخلاق، سيئ الصفات، هكذا جُبِل الخلق، ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]. فعباد الرحمن إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، أي: قالوا قولاً مهدئاً، قولاً مؤمِّناً، قولاً طيباً، لا يقابلون الإساءة بالإساءة، وإنما من شيمهم العفو والصفح كما أمرهم ربهم، وكما علمهم ربهم إذ قال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥]. فهؤلاء عباد الرحمن لا توقفهم البذاءات، ولا يقفون عندها منتصرين لأنفسهم، إنما كما وصفهم ربهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. قال الله : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] فهذا سيرهم في النهار، وهذا حالهم في المشي بين الناس، مشيٌ يحمل التواضع، يحمل الانكسار لله ولخلقه، عرفوا وأدركوا تماماً قدر أنفسهم، وأنهم مُقْدِمون على يوم تشخص فيه الأبصار لله رب العباد.

стр. 128

الحكمة من اختلاف الليل والنهار قال الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان:٦٢] هذا يخلف هذا، لماذا؟ قال تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان:٦٢] لمن أراد أن يتعظ ويعتبر وينظر إلى قدرة الله سبحانه، وينظر إلى نهاية كل شيء، فالليل ينتهي، والنهار ينتهي، والدنيا تنتهي، و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. قال تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] أو أراد أن يقدم شكراً لله على ما أولاه الله من نعم، فمن فاته حزبه من الليل، ومن فاته ورده من الليل الذي كان يذكر فيه الرب، فليستدركه بالنهار، (كان النبي ﷺ إذا فاته حزبه من الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) صلوات الله وسلامه عليه. فمن أراد أن يقدم شكراً لله وكان يقدمه بالليل في صلوات أو أفعال بر، وفاته ذلك لعارضٍ فليقدمه بالنهار، ومَن كان يفعل شيئاً من ذلك في النهار وفاته هذا الصنيع فهاهو الليل لمن أراد شكوراً، هاهو الليل يأتي بما فيه من نجوم وزيناتٍ في السماوات، وفيه انتشارٍ الوحوش والحشرات، كل ذلك يدعو إلى التدبر، كل ذلك يدعو إلى التأمل. تأمل قول الله ﵎: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧١ - ٧٣]. وهذا التفكر ينبغي أن يلازم أهل الإيمان، ثم يلزمهم أيضاً للوصول إلى أعالي الجنان أن يتصفوا بهذه الصفات التي ذكرها الله في كتابه.

стр. 129

معنى: تبارك يقول الله في هذه السورة الكريمة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٣]. أما قوله تعالى: (تَبَارَكَ): فالبركة تطلق على معنيين: المعنى الأول: أن البركة هي ثبوت الخير في شيء. المعنى الثاني: أن البركة تطلق على النمو والازدياد. فعلى التأويل الثاني: ازداد خيره وكثرت نعماؤه، كذلك تنزه وتقدس وكثرت آلاؤه.

стр. 130

التفكر في أسماء الله وشرعه ومخلوقاته قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان:٦١] أما البروج فهي النجوم، ويقول أهل العلم: إن الله كما أنه يُتَعَبَّد بصلواتٍ وزكواتٍ وحجٍ وصيامٍ وصدقاتٍ واعتمارٍ وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، كذلك فالرب يُتَعَبَّد بأشياء أخر، ومن هذه الأشياء التي يُتَعَبَّد بها الرب، ويثبت لصاحبها الثواب: التفكر في آلاء الله سبحانه. فالتفكر والتدبر يثاب عليه العبد، كما يثاب على الصلاة، وكما يثاب على الصيام، وكما يثاب على الحج، ومن ثم جاءت نصوص الكتاب العزيز، بل ونصوص السنة المطهرة، تحث على التفكر وعلى التدبر والتأمل، قال الله : ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]. وقال الله : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام:١١]. والأمور التي يُتَفَكَّر فيها ويُتَدَبَّر بالنسبة لربنا ثلاثة أمور: الأول: التفكر في شرع الله سبحانه، كيف أنه شرع حكيم، يدعو إلى كل خير، وإلى كل بر، وينهى عن كل رذيلة وعن كل شر ومكروه، فالتفكر في شرع الله شيء مطلوب. الثاني: التفكر في أسماء الله الحسنى، وكيف أنها كلها حسنى. الثالث: التفكر في آلاء الله، وفي مخلوقاته . فإذا تفكرت في شرع الله تجد أنه حقاً كما قال سبحانه: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، فليس في كتاب الله آية تدعو إلى رذيلة أو فسق عياذاً بالله!، بل كله يدعو إلى الخير، وكله يدعو إلى الفضيلة. حفظ الله لنا بهذا الكتاب العزيز عقولنا، فحرم علينا الخمر التي تقود الرجل المتعاطي لها إلى أن يعبث بعذرته! وإلى أن يعبث بأمه! وإلى أن يعبث بأخته! فقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]. حفظ الله لنا بهذا الشرع أعراضنا، فلم يسوِّغ لأي أحد أن ينتهك أعراض المسلم، لم يسوغ لأي أحد أن ينظر إلى امرأتك، أو إلى ابنتك، أو إلى أختك، أو إلى أمك، مجرد النظر، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠]. وحرم الله الزنا، الذي به تختلط الأنساب. وحرم الله على الناس أموالنا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩]. وقال نبينا محمد ﵊: (كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه). وكذلك حفظ الله دماءنا، فنهانا ابتداءً عن أن نشير بسلاح في وجوه إخواننا: (رأى النبي ﷺ رجلاً قد أخرج سيفه من غمده، فقال: ألم أكن نهيتكم عن هذا؟! لعن الله من فعل هذا). وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار). الحديث. فحفظت أعراضنا بهذا الشرع الكريم، وحفظت أموالنا، وحفظت عقولنا، وحفظت دماؤنا، وحفظت كذلك تصوراتنا، فليس لك أن تصول وتجول بفكرك كيف تشاء! بل ضُبِط ذلك منك، فهذا شيء من هذا الشرع الحكيم الكريم المجيد. أما أسماء الله فتفكر في أسماء الله، إذا كنت -على سبيل المثال- محاسباً تعمل في شركة، كيف أنك ترهق غاية الإرهاق من إتمام حسابات هذه الشركة، أو إتمام جزء منها. فتصور أن الله سبحانه يحاسب كل عبد من عبيده، ليس فقط على عمله وليس فقط على قوله، إنما يحاسبه كذلك على أعمال قلبه، ويعلمها سبحانه، ويثيب عليها ويعاقب، إن كانت خيراً فخير، وإن شراً فشر، وليس أنت وحدك المحاسَب، بل كل الخلق يحاسبون، وليس بنو آدم فحسب، بل الإنس والجن كذلك يحاسبون، وليس الجن والإنس فحسب، بل كما أخبر الرسول ﷺ بقوله: (لتؤدُّنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجَلْحاء من الشاة القَرْناء)،: (رأى النبي ﵊ -كما ورد في بعض الروايات- شاتين تنتطحان، فقال لبعض جلسائه: أتدري فيم تنتطحان؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: لكن الله يدري، وسيؤدِّي لكل منهما حقها) فالشاة الجَمَّاء يقاد لها من الشاة القَرْناء، وهكذا. فربنا يحاسب الخلق أجمعين. فتفكر في هذا واعقله جيداً وافهم كيف أنه سريع الحساب. الدود في الصخور الصماء، والطيور في أوكارها، والوحوش في غاباتها، والحيتان في عالم البحار، كل ذلك يعلمه الله، ويعلم مستقر ومستودع ذلك كله ، يعلم سعي الجميع، هذا السعي المتنوع المختلف يعلمه ربنا سبحانه، وسيجازي الجميع عليه. واخرج يوماً من بيتك قاصداً سوقاً من الأسواق أو تجمعاً من التجمعات، وانظر إلى الغادي والرائح من الناس، اخرج فقط للتفكر في أحوال الناس، هذا غادٍ وهذا رائح، هذا كئيب حزين، وهذا مبتسم مسرور، فمَن الذي أضحك؟! ومَن الذي أبكى؟! إنه الله الذي أضحك وأبكى. تفكر في أحوال الناس! وانظر إلى أشكال الناس! هل ترى في الخلق شخصاً يشبه الآخر؟! ترى هذا يهتم ويجري، وهذا متكاسل، هذا ذكي ونبيه، وهذا متخبط بليد لا يدري ماذا يصنع، والجميع يعلم أحوالَهم ربي . تفكر في نفسك! مَن أنت في وسط هؤلاء الناس؟! وإلى أين مصيرك؟! وإلى أين تسير؟! تفكر في أصوات الناس ولهجات الناس وبناء أجسام الناس! هذا خفيف الدم، وهذا ثقيلٌ بارد، ثقيلٌ على القلب، لا تستطيع أن تخاطبه، هذا دمه يجري ويرغِّبك في النظر إليه، هذا طويل فارع، وهذا قزم قصير، والخلاق والعليم هو الله . فكر في هذا جيداً! وأرجع البصر إلى السماء، وانظر! هل ترى فيها ثقباً واحداً؟! ثم ركِّز البصر مرةً ثانية ينقلب إليك البصر خاسئاً مكروباً وهو حسير، أي: كئيب متعَب؛ إذ لم يستطع أن يكتشف شيئاً فيه خلل، لم يستطع أن يكتشف ثقباً واحداً. انظر إلى الرياح وسرعتها في يوم، وحملها للغبار، وانظر إلى لينها وبطئها في يوم آخر! مَن الذي سخرها؟! ومَن الذي ذلَّلها؟! هذه أمور يلزمك أن تتفكر فيها، فالتفكر فيها نوع من أنواع العبادة. جُزْ ببصرك إلى السماء، وانظر إلى الطير وهي صافات، ثم هي تقبض أجنحتها، ما يمسكها إلا الرحمن، ولا يعلم فيمَ تفكر إلا الرحمن! ثم ارجع فانظر ثانيةً إلى البحار، إلى حوت كبير متوحش، يأكل الأسماك ويلتهمها، وإلى تمساح، وإلى سمكة أخرى ضعيفة هي المأكولة ليست هي الآكلة! انظر إلى حكمة الله في هذا الخلق كله! وانظر إلى الغابات، وما فيها من الحيوانات، منها: طائفة محترمة، وطائفة جائرة ظالمة. منها: طائفة تُؤْلَفُ وتُؤَلَّفُ، ومنها طائفة أخرى لا تُؤْلَفُ ولا تُؤَلَّفُ. منها: طائفة عُرِف من خصالها كرم الأخلاق والوفاء، وطائفة أخرى عُرِف من خصالها الغدر والخيانة، طائفة عُرِف من خصالها الذكاء الخارق، وطائفة عُرِف عنها الغباء والبلادة، كل ذلك يعلمه ربي ، طائفة تعلمت المكر، وأخرى تختال في مشيتها، والكل يعلمه ربي. كذلك طيور بيضها قليل ونسلها قليل؛ ولكن عمرها مديد وبأسها شديد، كالنسور، وطيور أخر تتكاثر بالملايين آناء الليل وأطراف النهار؛ لكن موتها سريع وأجلها قريب. فهَبْ أن هذه النسور تتكاثر تكاثر العصافير، إذاً لأذهبت الأخضر واليابس. انظر إلى هذه المرأة الدميمة، وانظر إلى تلك الجميلة الحسناء، والكل مآله إلى قبر موحش مظلم! فانظر إلى حكمة الله! فهذه أمور يُتَعَبَّد الرب بها. فاخرج يوماً بعد يوم، واخلُ بنفسك يوماً بعد يومٍِ وفي وسط الأشجار كذلك، هذه زهرة حمراء تأتي إليها نحلة تمتص رحيقها، وفي الوقت نفسه وبجوارك عذرة ملقاة يأتيها الذباب! فسبحان الذي خلق الخلق وقدَّر المقادير، الذي قدَّر فهدى ! اخرج يوماً خصيصاً لهذا النظر! وانظر إلى نفسك وما حواه جسمك من خلق شديد في زمن من الأزمان! انظر إلى طبيبِ تشريحٍ كيف يشرح الرجل! وانظر إلى طبيبِ أمراضٍ للقلب وكيف يجري عمليات القلب، وكذلك تشريحات المخ، وكيف تكون! وكيف يدار الجسم! انظر إلى الدورات الدموية وإبداع الله لخلقه. فهذا نوع من السؤال غفل عنه الكثيرون! كان نبينا محمد ﷺ يقوم إذا ذهب شطر من الليل ينظر إلى السماء قائلاً: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]: أي: قائلين: يا ربنا! (ما خلقت هذا باطلاً)، أي: عبثاً (سبحانك) فأنت لا تعبث، سبحانك! أنت لا تلعب ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران:١٩١ - ١٩٢]، ثم يناجي ربه: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣]، يقرأ العشر آيات خواتيم آل عمران

стр. 131

الأسئلة باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

стр. 132

حكم من احتلمت وهي حائض ولم تغتسل السؤال هل تأثم المرأة إذا احتلمت ولم تغتسل؛ لأنها حائض؟ الجواب لا تأثم، إذ لا دليل على التأثيم.

стр. 133

حكم الرقص على أغان يذكر فيها اسم الله وحكم الزغاريد السؤال ما الرأي في نساء يرقصن على أغانٍ يُذكر فيها اسم الله في الأفراح، وهذا الأمر انتشر بين النساء؟ الجواب هذا عملٌ يدخل في اتخاذ آيات الله هزواً والعياذ بالله يرقصن على أنغام فيها اسم الله سبحانه! هذا لا يفعله ذو دِين. والرقص برمته لم يكن معهوداً في نساء الصحابة أمام بعضهن البعض. أما بالنسبة للزغاريد: فقد ورد حديث: (صوتان ملعونان: صوت رنة عند نعمة، ورنة عند مصيبة)؛ لكن الحديث إسناده ضعيف. فإذا جلس النساء يزغردن حيث لا يسمعهن رجال، ولا يفتتن بهن رجال، فالزغاريد لا أعلم نصاً يحرمها؛ لكن إن كانت هذه الزغاريد ستفتن رجالاً، فحينئذٍ اللهُ لا يحب الفساد. - أما بالنسبة للتكشف فإن التكشُّف معروفٌ حدَّه، وحد التكشّف إجمالاً كما قال بعض أهل العلم -وهذا رأي ابن تيمية -: إن عورة المرأة على المرأة من السرة إلى الركبة، وقال آخرون: إن عورة المرأة على المرأة ما يظهر غالباً من المرأة كالشعر والساق؛ لكن حيثما وجدت فتنة فاللهُ لا يحب الفساد. وصلى الله على نبينا محمد وسلَّم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 134

حكم من صلى المغرب في الحرم بعد طواف الوداع السؤال طفت طواف الوداع ثم أذَّن عليَّ المؤذن للمغرب، فهل يجوز الصلاة في الحرم؟ الجواب نعم، يجوز الصلاة في الحرم، ثم تنصرف.

стр. 135

ضعف سند حديث: (داووا مرضاكم بالصدقة) السؤال ما حال حديث: (داووا مرضاكم بالصدقة)؟ الجواب حديث: (داووا مرضاكم بالصدقة) إسناده ضعيف.

стр. 136

الدعاء عند ختم القرآن السؤال هل هناك دعوة تقال عند ختم القرآن؟ الجواب لم يرد عن النبي ﷺ شيء في ذلك، إنما الوارد أن أنساً كان يدعو هو وأهله بعد ختم القرآن.

стр. 137

حكم قراءة القرآن من المصحف في الصلاة السؤال هل يجوز القراءة من المصحف في الصلاة؟ الجواب جمهور أهل العلم على الجواز في صلاة النافلة، مستدلين بأن ذكوان مولى عائشة كان يؤم بـ عائشة من المصحف، ومستدلين بأن النبي كان يحمل أمامة في الصلاة. أما ابن حزم فله رأي في هذه المسألة ضعيفٌ، وهو أنه يقول: بعدم الجواز مستدلاً بحديث: (إن في الصلاة لشغلاً)، ولذلك يقول بالبطلان! لكن الجمهور على التجويز كما سمعتم.

стр. 138

صحة إسناد حديث صلاة التسابيح السؤال هل حديث صلاة التسابيح صحيح أم لا؟ الجواب مُنازَعٌ في صحته، والظاهر لي: أن إسناده صحيح.

стр. 139

تحريك الإصبع في التشهد السؤال أيهما أصح: تحريك الإصبع في التشهد أم رفعه فقط؟ الجواب سؤال يحتاج إلى إيضاح: فتحريك الإصبع في التشهد مِن عدمه كل ذلك مروي من طريق راوٍ يقال له: عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، قال وائل: (رأيت النبي ﷺ يشير بإصبعه في الصلاة)، رواه عن وائل على هذا النمط وبهذا السياق: (رأيت النبي يشير بإصبعه في الصلاة) عاصم عن أبيه عن وائل، ورواه عن عاصم خمسة عشر شخصاً بهذا اللفظ. وجاء شخص آخر يقال له: زائدة بن قدامة رواه عن عاصم وهو نفس الشيخ بلفظ: (رأيت النبي ﷺ يشير بإصبعه في الصلاة يحركها)، فزاد زائدة لفظة: (يحركها)، فعمل بها بعض العلماء، وأبى الآخرون أن يعملوا بها وقالوا: رواية الخمسة عشر أصح من هذا الراوي الأخير؛ لأن روايتهم ذكرت الإشارة فقط، والله أعلم.

стр. 140

معنى حديث: (ثلاثة تقطع الصلاة) السؤال نرجو توضيح حديث: (ثلاثة تقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار)؟ الجواب هذا الحديثُ ثابتٌ وصحيحُ الإسناد بلا شك. لكن ينقل النووي رحمه الله تعالى عن جماهير السلف والخلف: أنهم أوَّلوا القطع، وقالوا: إن المراد قطع الخشوع ونقص الخشوع. فلا شك أن المرأة إذا مرت أمام رجل يصلي، الشيطان يدخل له من هذا الباب، فيفكر في هذه المرأة. فنقل النووي عن جماهير العلماء أن المراد بالقطع قطع الخشوع، وليس المراد بالقطع قطع الإبطال. والله أعلم.

стр. 141

حكم تأدية صلاة الاستخارة وسنة الوضوء وقت الكراهة السؤال هل يجوز أن نصلي صلاة الاستخارة أو سنة الوضوء في الوقت المكروه؟ الجواب نعم، يجوز؛ لأنها من ذوات الأسباب، وبلال قال له النبي ﵊: (دلني على أرجى شيء عملتَه، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة! قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي).

стр. 142

حكم من حج عن أبيه من ماله الخاص السؤال أبي مات ولم يحج، فحججت عنه بمالي، فهل لي ثواب الحج؟ الجواب لك أجر، ولن يَتِرَكَ اللهُ عملَك إن شاء الله.

стр. 143

حكم الأناشيد السؤال هل هناك شيء يدعى بـ (الأناشيد الإسلامية) في عصر الرسول ﵊؟ الجواب هذا الاصطلاح: أناشيد إسلامية، وغير إسلامية، اصطلاح جديد ظهر الآن؛ لكن بالنسبة للأناشيد عموماً، منها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح، والأناشيد زمن الرسول ﵊ كان يوجد منها، وتقال في المناسبات، كما قال الرسول ﵊ لـ عائشة يوم أن ذهبت إلى عرس للأنصار ثم رجعت: (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو -والرسول لم يكن يحسن الشعر، كما لا يخفى عليكم- فقال لها: قولي: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم، ولولا الحبة السوداء، ما حلت بواديكم) إلى آخر ما قال ﵊، ولم يكن ﷺ بمتقن للشعر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]. وقد ورد أيضاً في هذا الباب أن النبي قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة). وكان في بعض الأحيان يُخَالف فيها، فيقول: (فانصر المهاجرة والأنصار)، وهذا دليل على عدم ضبطه للشعر ﷺ ، وهذا من مناقبه ﷺ ، وذلك أن ربنا قال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]، هو نبي وسيد ولد آدم ﵊. الشاهد من ذلك: أن مؤدى الأناشيد هذه: إن كان للخير وفي مناسبات ولم يُتَّخَد دَيدناً، فلا بأس به، وإن كان اتُّخِذ دَيدناً وعادةً، وفيه حث على الفجور وعلى الخمور وتصوير المحرمات وتصوير الفواحش فهو حرام، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].

стр. 144

حكم تحويل المسجد إلى مدرسة لتحفيظ القرآن السؤال زاويةٌ أسفل أحد المنازل على مسافة ستين أو سبعين متراً لا تقام فيها جمعة، يصلي فيها حوالي أربعة أشخاص أو خمسة. وتوضيح السؤال: أن السائل يقول: إنه قريبٌ منا في الشارع الخلفي مسجدٌ تقام فيه الصلوات على بُعد ثلاثين متراً، هل يجوز تحويله إلى دار لتحفيظ القرآن الكريم؟ الجواب لا يحوَّل إلى دار للتحفيظ، بل يحفظ القرآن فيه ويبقى على ما هو عليه.

стр. 145

مس النبي ﷺ صدور بعض أصحابه للحاجة السؤال هل من شأن النبي ﵊ مس صدر الصحابة بيده الشريفة؟ الجواب ورد أن الرسول ﵊ مسح صدر بعض أصحابه؛ لكن هل هي سنة مطردة أو كانت للحاجة؟ الظاهر: أنها كانت للحاجة، كما في بعض الطرق عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: (أنه كان قد ولاه الرسول ﷺ على الطائف، فجاء إلى النبي ﷺ ، وشكا إليه شيئاً يجده في الصلاة منذ أسلم، وأن الشيطان يلبِّس عليه صلاته -ففي بعض الروايات-: أن النبي ﵊ مسح على صدره). وكذلك ورد أن النبي ﵊ ضرب بيده في صدر جرير بن عبد الله لما قال: (يا رسول الله! إني لا أثبت على الخيل، فضرب النبي بيده في صدره، فقال: اللهم! ثبته، واجعله هادياً مهدياً، فلم يسقط عن خيله بعد ذلك) أو كما ورد. فالظاهر: أن هذا وارد للحاجة، والله أعلم.
следующие страницы →