← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حكم تأدية صلاة الاستخارة وسنة الوضوء وقت الكراهة السؤال هل يجوز أن نصلي صلاة الاستخارة أو سنة الوضوء في الوقت المكروه؟ الجواب نعم، يجوز؛ لأنها من ذوات الأسباب، وبلال قال له النبي ﵊: (دلني على أرجى شيء عملتَه، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة! قال: ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي).

стр. 142

حكم من حج عن أبيه من ماله الخاص السؤال أبي مات ولم يحج، فحججت عنه بمالي، فهل لي ثواب الحج؟ الجواب لك أجر، ولن يَتِرَكَ اللهُ عملَك إن شاء الله.

стр. 143

حكم الأناشيد السؤال هل هناك شيء يدعى بـ (الأناشيد الإسلامية) في عصر الرسول ﵊؟ الجواب هذا الاصطلاح: أناشيد إسلامية، وغير إسلامية، اصطلاح جديد ظهر الآن؛ لكن بالنسبة للأناشيد عموماً، منها ما هو محرم، ومنها ما هو مباح، والأناشيد زمن الرسول ﵊ كان يوجد منها، وتقال في المناسبات، كما قال الرسول ﵊ لـ عائشة يوم أن ذهبت إلى عرس للأنصار ثم رجعت: (ماذا كان معكم من اللهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو -والرسول لم يكن يحسن الشعر، كما لا يخفى عليكم- فقال لها: قولي: أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم، ولولا الحبة السوداء، ما حلت بواديكم) إلى آخر ما قال ﵊، ولم يكن ﷺ بمتقن للشعر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩]. وقد ورد أيضاً في هذا الباب أن النبي قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة). وكان في بعض الأحيان يُخَالف فيها، فيقول: (فانصر المهاجرة والأنصار)، وهذا دليل على عدم ضبطه للشعر ﷺ ، وهذا من مناقبه ﷺ ، وذلك أن ربنا قال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]، هو نبي وسيد ولد آدم ﵊. الشاهد من ذلك: أن مؤدى الأناشيد هذه: إن كان للخير وفي مناسبات ولم يُتَّخَد دَيدناً، فلا بأس به، وإن كان اتُّخِذ دَيدناً وعادةً، وفيه حث على الفجور وعلى الخمور وتصوير المحرمات وتصوير الفواحش فهو حرام، ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].

стр. 144

حكم تحويل المسجد إلى مدرسة لتحفيظ القرآن السؤال زاويةٌ أسفل أحد المنازل على مسافة ستين أو سبعين متراً لا تقام فيها جمعة، يصلي فيها حوالي أربعة أشخاص أو خمسة. وتوضيح السؤال: أن السائل يقول: إنه قريبٌ منا في الشارع الخلفي مسجدٌ تقام فيه الصلوات على بُعد ثلاثين متراً، هل يجوز تحويله إلى دار لتحفيظ القرآن الكريم؟ الجواب لا يحوَّل إلى دار للتحفيظ، بل يحفظ القرآن فيه ويبقى على ما هو عليه.

стр. 145

مس النبي ﷺ صدور بعض أصحابه للحاجة السؤال هل من شأن النبي ﵊ مس صدر الصحابة بيده الشريفة؟ الجواب ورد أن الرسول ﵊ مسح صدر بعض أصحابه؛ لكن هل هي سنة مطردة أو كانت للحاجة؟ الظاهر: أنها كانت للحاجة، كما في بعض الطرق عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: (أنه كان قد ولاه الرسول ﷺ على الطائف، فجاء إلى النبي ﷺ ، وشكا إليه شيئاً يجده في الصلاة منذ أسلم، وأن الشيطان يلبِّس عليه صلاته -ففي بعض الروايات-: أن النبي ﵊ مسح على صدره). وكذلك ورد أن النبي ﵊ ضرب بيده في صدر جرير بن عبد الله لما قال: (يا رسول الله! إني لا أثبت على الخيل، فضرب النبي بيده في صدره، فقال: اللهم! ثبته، واجعله هادياً مهدياً، فلم يسقط عن خيله بعد ذلك) أو كما ورد. فالظاهر: أن هذا وارد للحاجة، والله أعلم.

стр. 146

حكم من ألقي ﵇ وهو في الخلاء السؤال ماذا يفعل من ألقي ﵇ وهو داخل الخلاء؟ وما حكمه؟ الجواب مَن كان داخل الخلاء فهو بين أمرين: - إما أنه قاعد على حاجته يقضيها يبول أو يتغوط، فهذا جاء له نظير من سنة النبي ﵊، من حديث ابن عمر: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد النبي ﷺ ﵇. -وفي بعض الروايات-: أن النبي ذهب إلى جدار بعد أن قضى حاجته، وتيمم، ورد ﵇. - وإما أن يكون في الخلاء ولا يبول، فلا أعلم مانعاً من الرد إذا كان واقفاً مجرد وقوف، إلا أن من أهل العلم من يقول: إن من توقير اسم الله ألا يكون في مثل هذا الموطن، فينبغي أن تخرج وترد ﵇؛ لكن ورد في الباب حديث كذلك، مؤداه: (أن النبي ﷺ ذكر الرجلين قد كشفا عن عورتيهما يتخليان، يتغوطان ويتحدثان، فقال: إن الله يمقت على ذلك)؛ لكنه حديث ضعيف الإسناد. والله سبحانه أعلم.

стр. 147

الصدق والصادقون الصدق صفة من الصفات الكريمة، وخلة من الخلال الحميدة، أمرت الشريعة الإسلامية بالتحلي به، والصديقون يحشرون في زمرة الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وبالصدق يشعر العبد بالطمأنينة، وينجو من الهلاك، وتحل به البركة. وقد حرم الإسلام الكذب بكل صوره، ولم يجزه إلا في ثلاثة مواطن: في الحرب، وبين الزوجين، وفي الإصلاح بين الناس.

стр. 148

الصدق من صفات الله ﵎ بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: عباد الله: إن لله صفات يحب أن يتخلق بها عباده، ولله صفات لا يحب أن يتخلق بها عباده، فهي له وحده ، فمن الصفات التي هي لله سبحانه ويحب أن يتخلق بها عباده صفة الكرم، فهو كريم يحب الكرماء، وكذلك صفة العفو عن الناس، فهو عفو يحب العافين عن الناس، وكذلك صفة الجمال، كما قال النبي ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال)، وصفة الرحمة، فالله رحيم يحب من عباده الرحماء. ومن هذه الصفات أيضاً صفة الصدق، وعليها مدار الحديث إن شاء الله، فالله قال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]، وقال عن نفسه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧]، وقال عن نفسه: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥]، فالله فيه هذه الصفة، فهو صادق فيما وعد، وصادق فيما أخبر، وصادق في كل شيء ، وليس أحد أصدق من الله قيلاً أبداً، وليس أحد أصدق من الله حديثاً، وأمر الله نبيه أن يقول هذه الكلمة فقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٩٥].

стр. 149

الصدق من صفات الأنبياء والمرسلين إن رسل الله عليهم الصلاة والسلام اتسموا بهذه الصفة وهي صفة الصدق، كما قال تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١]، وقال عن إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، وقال عن إدريس: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦]، وقيل عن يوسف ﵊ ذلك أيضاً بشهادة الكفار كما حكى الله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦].

стр. 150

حث الشريعة على الصدق والتحذير من الكذب صفة الصدق في الحديث حث الله عليها، وحث عليها نبينا محمد ﵊، فقد قال النبي ﷺ فيما صح عنه في الصحيحين وغيرهما: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)، فقوله: (عليكم بالصدق) أي: الزموا الصدق، ولا تنحرفوا عنه، ولا تحيدوا عنه، وإن كان في ظاهره المضرة عليكم، وقوله: (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً) أي: على المرء أن يمرن نفسه ويعود نفسه أن يكون صادقاً، فإن كذب مرة يستغفر ويتحرى أن يصدق في المرة القادمة، وبعد الصديق يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ثم قال ﵊: (وإياكم والكذب -يحذرنا النبي ﷺ من الكذب-؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).

стр. 151

ثمار الصدق

стр. 152

الشعور بالطمأنينة الصدق سبب للطمأنينة، فإذا كذبت قذفت إلى قلبك الشك والوساوس، وجلست في هموم وفي غموم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (دع ما يريبك -أي: ما تتشكك فيه- إلى ما لا يريبك) فأي شيء تشعر أن فيه إثماً وتحتار في أمره اتركه، واعمد إلى الشيء الذي لا شبهة فيه ولا ريب فيه، فقوله: (دع ما يريبك)، أي: ما يشكك ويجعلك توسوس قائلاً: هل هو حلال، هل هو حرام فأحياناً شيطانك ينتصر ويحل لك الحرام، وأحياناً تنتصر أنت وتجنح إلى أنه حرام فعلاً، فحينئذٍ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة) كما قال ﵊.

стр. 153

حصول البركة الصدق -يا عباد الله- سبب للبركة، قال النبي ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، فإن قلت للمشتري: سلعتي فيها من العيوب كذا وكذا وكذا وبينت له بارك الله في بيعكما، واعلم أن بيانك له العيب لن يمنع رزقاً ساقه الله إليك أبداً، فرزقك مكتوب لك وأنت في بطن أمك، كما قال النبي ﵊ فيما أخبر به عبد الله بن مسعود عنه: (ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فرزقك مكتوب وأنت في بطن أمك، فلا تظن أبداً أن الصدق -الذي هو طاعة لله سيسبب لك نقصاً في الرزق، ولا تظن هذا الظن السيئ أبداً، بل على العكس، فالصدق بركة والكذب ممحق للسلعة مذهب للبركة، والذي يخبر بأن البركة ستحل هو رسول الله ﵊ حيث قال: (إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما). ومن الناس من يغش في كل شيء، حتى إن بعضهم عند بيعه البقرة ونحوها يخزن اللبن في ضرعها ثلاثة أيام حتى يوهم المشتري أنها غزيرة اللبن، وأقوام آخرون عند بيعهم الدجاج يطعمونه طعاماً مليئاً بالملح حتى يشرب الدجاج ماءً كثيراً فيزن وزناً أكبر، فصور الغش والخداع لا تنتهي، ومن صور الغش، من يتاجر في اللبن فيخلط اللبن البقري بغيره ويغش الناس ويقول: أنا أبيعه بالبنط. والعامي لا يفهم البنط، وإنما يذهب العامي يشتري على أنه لبن من لبن أهل بلده فإذا به مغشوش، والبائع يقول: أنا أبيعه بالبنط ويحترف النصب على الناس. فيا عباد الله: كلٌ يتفنن كيف يصل إلى المال عن أي طريقٍ حلالٍ أو حرامٍ، ولا يهمه إلا جمع أكبر قدر من المال، ويحتال بأي حيلة، ويلتمس أي سبب يخادع به نفسه، ويغش به نفسه أولاً، وماذا يضير المشتري إذا شرب لبن بقر مخلوط بغيره؟! لكن أنت -يا غشاش- ستقف بين يدي ربك ، ويسألك: لماذا غششت العباد؟ ويؤخذ من حسناتك إلى إخوانك، ويطرح من سيئات إخوانك عليك؛ لأمر قد تراه يسيراً.

стр. 154

ظهور الصدق على وجه صاحبه الصدق يظهر على وجه صاحبه، والكذب يظهر على وجه صاحبه، قال عبد الله بن سلام ﵁: لما سمعت بمقدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة أتيت فنظرت في وجه النبي ﷺ فإذا هو ليس بوجه كذاب، إنما هو وجه رجل صالح صادق. فالصدق يظهر على وجه صاحبه، والكذب والغش والخيانة كل ذلك يظهر على وجه صاحبه كذلك، وإن حاول أن يرسم على وجهه الابتسامات ليسترها إلا أن الله يفضحه لغشه وخيانته -والعياذ بالله-، ولأكله أموال الناس بالباطل.

стр. 155

النجاة الصدق نجاة وإن ظننت أنه هلكة، ولا تخفى قصة كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك مع رسول الله ﵊، فلما رجع الرسول سالماً غانماً آمناً من غزوته جلس في المسجد بعد أن صلى فيه ركعتين -وهذه سنته إذا رجع من الأسفار-، ثم جلس في المسجد فجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وجاء المعذرون يلتمسون المعاذير الكاذبة المنتحلة، فما جاءوا يستغفرون بل جاءوا يختلقون الأكاذيب أمام رسول الله ﵊ حتى يعفو عنهم رسول الله ﷺ ، وحتى يقبل معذرتهم، فكلٌ التمس سبباً. وانظر كيف جاء أهل الصدق وأهل الإيمان، فقد جاء كعب بن مالك، فلما سأله النبي ﵊: (ما خلفك يا كعب عن الغزوة؟ -وهو الرجل الصادق ﵁ قال: والله -يا رسول الله- لم يكن لي عذر في التخلف عنك، ووالله -يا رسول الله- لو جلست بين يدي أي رجل من أهل الدنيا لاستطعت أن أخرج منه بمخرج، ولكني أخشى إن كذبت عليك أن ينزل الله فيَّ قرآناً يفضحني الله به -أو كما قال كعب - فاقض فيَّ يا رسول الله. فقال النبي ﵊ لأصحابه في شأن كعب -وكان النبي ﷺ يقبل أعذار المنافقين-: أما هذا فقد صدق، فامكث حتى يقضي الله فيك). وهُجر كعب بن مالك خمسين ليلة لا يكلمه أحد من أهل الإسلام، ولا يردون ﵇، ولا يبايعونه، ولا يشترون منه، إلى أن جاء أمر أكبر، حيث أمره النبي أن يترك زوجته، حتى اشتد به البلاء، واشتد به الكرب، وكما هو موجود في كل عصر، فإنك إذا صدقت يأتيك شيطان من شياطين الإنس يقول لك: لماذا تصدق؟ كنت ستتكلم بأي كلمة وتخرج من المأزق، وشياطين الإنس لا يخلو منهم زمان ولا يخلو منهم مكان، وضعاف الإيمان لا يخلو منهم زمان ولا يخلو منهم مكان، فجاءه بعض أقاربه وقالوا: يا كعب! ما منعك أن تكون ذهبت إلى رسول الله فقلت له: خلفني كذا وكذا! وبعد ذلك سيستغفر لك الرسول كما استغفر لفلان وفلان من المنافقين، قال كعب: فمن شدة مقالتهم عليَّ هممت أن أذهب إلى رسول الله ﵊ فأكذب نفسي، وأقول له: يا رسول الله كان لي عذر وأختلق الأكاذيب، قال كعب بن مالك: ولكني سألت -وهنا تنفع مجالسة الصالحين والتأسي بهم- هل هناك أحد من الناس قال مثل مقالتي؟ قالوا: نعم. قال مثل مقالتك هلال بن أمية ومرارة بن الربيع، قال: فذكروا لي رجلين صالحين لي فيهما أسوة أتأسى بهما، فهما قد شهدا بدراً مع رسول الله ﵊، قال: وهل لقيا مثل ما لقيت؟ قالوا: نعم، لقيا مثل ما لقيت من رسول الله، يهجرهم الناس وأزواجهم كذلك، إلا أن امرأة هلال استأذنت رسول الله فقالت: (يا رسول الله: إن هلالاً شيخ كبير ضائع لا يستطيع أن يخدم نفسه، فهل عليَّ جناح أن أخدمه؟ قال: لا. ولكن لا يقربكِ قالت: والله -يا رسول الله- ما له في النساء من حاجة، والله -يا رسول الله- منذ أن قلت له ما قلت ما زال يبكي). فانتبه كعب بن مالك إلى أن له أسوة، وصبر حتى أنزل الله التوبة عليه، قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨] أي: تاب الله على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، قال كعب بن مالك: والله لقد نفعني الله بالصدق، فإن الله تاب عليَّ. أما أهل النفاق فقال الله فيهم شر مقالة، ووصفهم شر وصف، قال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥ - ٩٦] فهكذا وصفهم الله، ومعنى: (إنهم رجس) أي: نجس. فانظر إلى عاقبة الصدق، وقد ذهب كعب إلى رسول الله وقال: إن من توبتي يا رسول الله أن انخلع عن كل مالي صدقة لله وصدقة لرسول الله ﵊، قال النبي ﷺ : (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)، هكذا علمه رسول الله ﵊.

стр. 156

شهادة أهل الكفر بصدق النبي ﵊ يجب عليك -يا عبد الله- أن تتحلى بهذه الحلة الكريمة، وتتمثل بهذه الخصلة القويمة خصلة الصدق، فهي دعوة رسولك، فقد سأل هرقل أبا سفيان: بماذا يأمركم محمد؟ قال: يأمرنا محمد بالصدق فـ هرقل الكافر علم أن الصدق من خصال الرسل، فقال: والله ما كان ليصدق مع الناس ويكذب على الله، فإذا كان محمد يعلمكم الصدق فكيف يصدق في حديثه مع الناس ويكذب على الله؟! فما كان ﵊ ليكذب على الله، وشهد له بذلك أهل الكفر من المشركين، كما قال ابن عباس ﵄: (لما نزلت: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، ذهب رسول الله ﷺ إلى جبل الصفا ونادى: يا معشر قريش، يا بني عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله، فاجتمعت له قريش، فقال ﵊ لهم: يا معشر قريش: لو أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد غزوكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً قط ﵊ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). فالزم هذه الخصلة -يا عبد الله- مهما كلفتك، والزم هذه الخصلة الطيبة، وتخلق بهذه الخصلة الجميلة تسعد في الدارين، وتعرف نفسك -إذا كنت صادق الحديث- بأن ترى الرؤيا في الليل فتصبح وقد تحققت الرؤيا كما رأيتها، كما قال ﷺ : (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً)، أي: إذا كنت صادقاً في الحديث فرؤياك تتحقق، ولما كان نبينا محمد أصدق الناس لهجة كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.

стр. 157

الحالات التي يجوز فيها الكذب من العلماء من ذكر بعض المباح من الكذب بناءً على حديث النبي ﵊؛ حيث رخص في الكذب في ثلاثة مواطن: الكذب في الحرب؛ إذ الحرب خدعة، والكذب للإصلاح بين المتخاصمين حيث تذهب إلى فلان فتقول له: فلان ما قال فيك إلا خيراً، وقال فيك كلاماً طيباً وتلتمس أي كلمة طيبة خرجت من في خصمه حتى تصلح فيما بينهما، قال النبي ﵊: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً). لكن هناك قوم يذهبون إلى الإفساد بين الناس بالكذب والخيانة، وقوم يفسدون الزوجات على أزواجهن غدراً وخيانة، فيكون هناك خلاف بين زوج وزوجه، ويدخل رجل مرتدياً ثوب الإصلاح وثوب الحريص المشفق على الزوجين، يريد أن يدخل -بزعمه في الظاهر- ليصلح بين زوجين، وفي باطنه يسعى سعياً حثيثاً لتدمير الأسرة حتى يتزوج هو تلك المرأة التي تطلق، فهذا ملعون، قال النبي ﵊: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)، فهو يسعى سعي الواشين المكرة المفسدين الظلمة للإصلاح في الظاهر وفي ثنايا كلامه يقول لزوجته: اصبري عليه فإن فيه كذا، ويطعن بما يريد تحت مقولة: (اصبري عليه)، ويسرد كل العيوب التي فيه، عياذاً بالله. فأنى يبارك لمثل هذا المفسد؟ فالكذب شرع للإصلاح، ولم يشرع الكذب للتفريق بين الزوجين، ألا فليستبشر هذا بأنه من ورثة هاروت وماروت، ومن جند هاروت وماروت اللذين يفرقون بين المرء وزوجه، فليبشر من كان على هذه الخصلة الذميمة للتفريق بين الأحبة، وللتفريق بين الزوجين، ولتشتيت الأسر بالطلاق، فليبشر هذا بأنه من سرايا إبليس الذين يبثهم لفتنة الناس، وأنه أقرب جنديٍ إلى إبليس؛ فإن إبليس يضم من فرق بين الزوجين ويدنيه ويقول: أنت أنت أي: أنت الرجل أنت الرجل. فللإصلاح بين الزوجين أن يكذب الرجل على زوجته لإرضائها، لا بوعد وإخلاف وأكل حقوق وتضييع حقوق، وإنما يبالغ لها -مثلاً- في وصف حبه لها، وتبالغ له هي الأخرى في وصف حبها له، ويبالغ في وصف جمالها أمامها، وتبالغ في وصف رجولته أمامه، فالكلمة الطيبة صدقة تطمئن القلب وتخمد الشيطان، فالكذب يباح في ثلاثة مواطن: في الحرب، وبين الزوجين، وللإصلاح بين الناس. وقد قال بعض أهل العلم: إن هناك صدقاً مذموماً، وفي الحقيقة لا نوافق من قال بأن هناك صدقاً مذموماً، فالصدق كله خير، وإن كان معنى كلامهم صحيح، كاغتياب الناس وإن كان فيهم ما تقول إن كنت صادقاً فيما تخبر عنه، كأن تذهب إلى شخص وتقول له: فلان قال فيك كذا وكذا وكذا وأنت صادق، لكنك مذموم تأكل النتن، وتأكل الجيف، وتأكل لحم أخيك ميتاً، وإن كنت صادقاً في نقلك، وقد حذر النبي ﷺ من الغيبة فقال رجل: (فإن كان في أخي ما أقول يا رسول الله؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته). ألا فالزموا الصدق يا عباد الله، وادعوا ربكم أن يحشركم مع الصديقين، واستغفروه إنه كان غفاراً.

стр. 158

إتقان العمل في الحج جدير بنا في كل عمل من الأعمال، وفي أي طاعة من الطاعات أن نحرص على الإتقان، وذلك من خلال رجوعنا إلى كتاب ربنا وسنة نبينا محمد ﷺ . والحج هو أحد الأعمال العظيمة التي اعتنت بها الشريعة، وحتى يتم أداء هذه الشعيرة على التمام فلابد من اتباع تعاليم الإسلام، واجتناب كل ما من شأنه أن يخل بهذه الفريضة الجليلة.

стр. 159

صور سعي العباد إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: أقسم الله في كتابه الكريم بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:١ - ٣]، يقسم الله بهذا كله على شيء ألا وهو: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] أي: السعي الذي نقوم به في حياتنا الدنيا متنوع ومختلف ومتعدد، فمنا من يسعى للآخرة، ومنا من يسعى للدنيا، منا من يسعى لطلب المال والجاه في الحياة الدنيا، ومنا من يسعى لرفعة درجاته في الآخرة، منا من يسعى في أعمال البر والصلاح، ومن الناس من يسعى في أعمال الشر والفساد، وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٩ - ٤١]، فأفادة الآية الكريمة أن السعي الذي نقوم به في دنيانا سنراه في أخرانا، كما قال تعالى في الآية التي سمعتموها: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٤٠ - ٤١]، فمنا من سعيه مشكور، كما قال الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤]، وفي هذا أيضاً يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٩]، وقال الله في شأن أقوام آخرين: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، فلابد من أن نرى جزاء سعينا كما وعد ربنا، فهو أصدق القائلين ، وكذلك لا بد أن تبلى السرائر كما قال ربنا ، والحَكَم على السعي الصالح المحمود المشكور والسعي الباطل المردود هو كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، فمن أراد أن يتقن السعي فلينظر إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ ؛ ففيهما الحكم على سعيك، هل هو سعي مشكور يشكره لك ربك أم هو سعي باطل مردود؟ ولذلك كان لزاماً علينا كي نتقن العمل أن نتعلم كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، فليس كل عامل يثاب على عمله، بل هناك من يعمل ويعاقب على هذا العمل؛ فالله ذم المرائين في كتابه، وبين أنه قد أحبط عملهم، وكذلك ذمهم نبينا محمد ﷺ في سنته، قال سبحانه في شأنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال الله في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) أو كما قال ﵊. فجدير بنا في كل عمل من أعمالنا أن نتعلم كيفية إتقان العمل من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، فكثير من الناس يتقنون أمر دنياهم أيما إتقان، يسهرون الليل والنهار لإتقان أمور دنياهم؛ لنيل المراتب العلية في الدنيا، ولنيل المال الوفير في الدنيا، ويغفلون تمام الغفلة عن إتقان العمل للآخرة، وقد تقدم شيء مما يتعلق بإتقان العمل في الصلاة.

стр. 160

مسائل متعلقة بالحج واليوم نذكر شيئاً مما يتعلق بإتقان العمل في الحج، فهذا موسمه، نسأل الله أن يكتبه لنا ولكم من حضر ومن غاب منا أجمعين.

стр. 161

المبيت بمزدلفة ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: في رجوعكم من عرفات اذكروا الله عند المشعر الحرام -وهو المزدلفة- وكما هو معلوم يشرع المبيت فيها إلى أن يسفر الصبح جداً، أما ذوو الأعذار فلهم أن ينطلقوا من المشعر الحرام فيتجهوا إلى منى بعد غياب القمر، كما أباح لنا ذلك نبينا محمد ﵊ إذ قالت أسماء: إن النبي قد أذن للضعفة في ذلك. وينبغي أن ينتبه الحاج إلى هؤلاء المطوفين الذين يسرعون في مرورهم من مزدلفة، فيأتون من عرفات يقفون فقط لالتقاط الجمرات من مزدلفة، ثم ينصرفون رأساً إلى منىً، هذا صنيع فيه ترك لواجب ألا وهو المبيت بمزدلفة، وعلى الأقل إلى غياب القمر، فهذا الذي رخص فيه النبي ﵊ للضعفة من النساء أو لأصحاب الأعذار من الرجال، فجدير بك أن تنتبه لهذا؛ لأن كثيراً من أهل العلم يوجبون دماً على من لم يفعل هذا، وإن كانت المسألة فيها بعض النزاع. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨]، فتذكر نعمة الله عليك بالهداية في هذه الأماكن ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩]، وفي تأويل الآية: أن القرشيين كانوا إذا حجوا، انطلق الناس إلى عرفات، وبقي القرشيون بمزدلفة ولم يتجاوزوها؛ لأنهم من الحمس -أي: من الأحمسيين- وليس لهم بزعمهم أن يتجاوزوها، قال جبير بن مطعم: رأيت النبي ﷺ واقفاً بعرفات، فقلت: ما لهذا يقف هذا الموقف وهو من الحمس؟! وكانت قريش تظن أن النبي ﷺ سيتجه من منى إلى مزدلفة ولن يتجاوز مزدلفة بحال، فطفقوا يرقبونه، فلما تجاوز النبي ﷺ مزدلفة متجهاً إلى عرفات تعجبوا من أمره! ولكن ذلك منه صلوات الله وسلامه عليه إمضاء لقول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩].

стр. 162

الاجتهاد في ذكر الله عند الانتهاء من المناسك قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:٢٠٠] أي: اجتهدوا في ذكر الله كما يذكر أحدكم أباه أو كما يذكر أحدكم نفسه بل أشد من ذلك. قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]، ليس له حظ ونصيب في دعاء الآخرة، فكل تركيزه في الدعاء على أمر الدنيا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فلك أن تسأل ربك من خيري الدنيا والآخرة، وهذه كانت أكثر دعوة يدعو بها النبي ﵊، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٢ - ٢٠٣]، وهي: أيام التشريق ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣]. فيا معشر الإخوة! عظموا شعائر الله؛ فإن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].

стр. 163

من تعذر عليه الحج وفي نيته أن يحج معشر الإخوة! الحج خير دليل على امتثالنا لأمر ربنا، فكم من تساؤلات تجري في الحج ليس لنا أي إجابة عليها إلا أن نقول: إنا والحمد الله من أهل الإسلام، نتبع ما أمرنا به ربنا، وما أمرنا به نبينا محمد ﵊، قال زنديق: لمَ يذهب ذاهب إلى كعبة يطوف حولها سبعاً، وإلى جمرات فيرجمها بسبع حصيات، وإلى عرفات فيقف في الشمس طويلاً، وإلى مزدلفة فيبيت هناك؟ فنجيب على ذلك كله بأننا والحمد لله من أهل الإسلام، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، فما في وسعنا إلا الامتثال لأمر ربنا، فإنا مسلمون ممتثلون لأمر الله، متبعون لسنة رسول الله، سواء علمنا الحكمة من وراء ذلك أم لا، وهذا جوابنا لكل سؤال من أهل زندقة أو من أهل إلحاد أو من أهل نفاق، شعارنا: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، اتبعنا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. إن العبد يغنم غنائم كبيرة لا تكاد تحصى، وهو لم يقدم كبير عمل إلا أنه تعذر عليه الحج وفي نيته أن يحج، وقد قال رسولنا ﷺ عن بعض أصحابه وهم في المدينة: (إن بالمدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شاركوكم الأجر) يعني: في الخروج للغزو: (إلا شاركوكم الأجر)، فلك أن تغنم غنائم وأنت في بيتك قد حيل بينك وبين الحج بقلة مال، أو لضعف في بدن، أو لعدم تيسر الحصول على تأشيرة للحج، وأنت في بيتك تغنم غنائم كثيرة لأنك أصلحت نيتك، وسألت الله بصدق تيسير أداء فريضة الحج، وقد قال رسولنا محمد ﵊: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه)، وربنا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢]، فإذا كانت نيتك صحيحة تريد من قلبك أن تحج أو أن تجاهد في سبيل الله أو أن تتصدق أو أن تصلي وسلكت الأسباب المؤدية لذلك وحيل بينك وبين ذلك؛ فمن فضل الله -إذ هو كريم سبحانه، وعلينا أن نعرف حق المعرفة أنه كريم سبحانه- أن يثيب من كانت هذه نواياه، حتى أن النبي ﵊ قال: (من خرج من بيته يريد الصلاة) -يعني: أنه لم يقصر في الخروج لكنه خرج يريد الصلاة- (فوجد القوم قد صلوا، كتب له أجر الجماعة)، فجدير بكل مسلم أن يصلح نواياه، والله سبحانه ذو فضل على المؤمنين، وهو ذو الفضل العظيم يثيب على النوايا كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى﴾ [الأنفال:٧٠] الذين حزنوا على ما أعطوه من فداء: ﴿َيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] أي: يعوضكم الله مكان هذه الأموال التي دفعتموها ﴿خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]، وكما قال الله تعالى في شأن أصحاب نبيه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] أي: من الحب للخير ومن الإيمان، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:١٨ - ١٩]، فإذا لم يستطع أحد الحج فجدير به أن يكثر من سؤال ربه التيسير للحج فإن الله يثيبه على ذلك، وييسر له أيضاً، فهذا من فضله ومن كرمه ، فإذا لم يتيسر له هذا السبيل، فليصلح نيته والله يجزيه على ذلك، وعلى العموم من صلحت نواياهم أكرمهم الله من فضله، إن ربي رحيم ودود كريم مجيب .

стр. 164

زاد الحاج قال الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أمرنا الله في هذه الآية الكريمة بزاد من زاد الدنيا وهو الطعام والشراب، وسبب نزول هذه الآية أن أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة والمدينة سألوا الناس، ومدوا أيديهم للناس! فقال الله سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ أي: بالطعام وبالشراب، ثم أرشدنا الله إلى زاد آخر هو أعظم ألا وهو زاد التقوى، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي: تزودوا بالزادين معاً: زاد الحياة الدنيا وهو الطعام والشراب، وزاد الآخرة وهو زاد التقوى، ولهذا نظائر متعددة في كتاب الله، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]، وهو الثياب الذي نتزين به، ثم قال تعالى مرشداً إلى لباس آخر هو أهم وأعظم: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]، أي: كما أنكم تكتسون بثياب وزينة من الثياب الظاهرة التي تستر الأبدان، فكذلك فلتكتسوا بلباس التقوى فإن لباس التقوى خير، وكما قال الله لداود ﵇: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] اعمل الدروع التي تستتر بها عن الكفار وعن سهامهم ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أتقن صنعتك في نسج الدروع، ثم قال الله له: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١١]، فهي إشارات لكل عامل مجتهد في دنياه أن يجتهد كذلك في عمل الآخرة، قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: خافوني، وخافوا عقابي، واحذورا عقابي، واحذروا نقمتي، واحذروا بأسي، واحذروا غضبي ﴿يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾: يا أصحاب العقول! فيا أصحاب العقول! لا تغتروا بعقولكم ولا بكبير أعمالكم إنما اتقوا الله ربكم، واحذروا بأسه، واحذروا غضبه.

стр. 165

البيع والشراء للحاج ثم أباح الله لنا شيئاً فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]، قال العلماء: رفع الله الإثم عن الشخص الذي يتاجر في الموسم، فلا بأس أن تبيع وأن تشتري وأنت تحج، ولا بأس أن تذهب معتمراً أو حاجاً وتأتي بسلع تتاجر فيها، مبتغياً فضل الله ﵎ في ذلك، فإن كانت خسارة فلا يدخل عليك الشيطان ويقول لك: إنما خسرت لأنك فعلت محظوراً، بل أنت سلكت أبواب الرزق الحلال، فإن النبي ﵊ قال: (إن أطيب الكسب: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور،) قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة:١٩٨] أي: ليس عليكم إثم ولا حرج: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨].

стр. 166

حرمة الرفث والفسوق والجدال في الحج وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: من ألزم نفسه بالحج وأوجبه على نفسه فعليه أن يتخلق بأخلاق الحجيج، قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧] فالأماكن تختلف من حيث شدة الحرمة فيها، فثَم مكان الذنب فيه أعظم من مكان آخر، وثَم زمان الذنب فيه أعظم من زمان آخر، فالرفث والفسوق والجدال كل ذلك مذموم في الجملة -اللهم إلا بعض أنواع الرفث- لكن حرمة ذلك في الحج آكد فمن تلبس بالحج ﴿فَلا رَفَثَ﴾ والرفث: كل كلام قبيح، وحتى الكلام في هذا الموطن هو من الرفث الممنوع، فلا يتحدث الحاج بشأن النساء خاصة في حضور النساء بما يتعلق بأمور الجماع.

стр. 167

أشهر الحج قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وهذه الأشهر هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة، لأنه لا يشرع حج بعد انقضاء عرفات وليلة المزدلفة، فمن أهل العلم من يقول: تنتهي بانتهاء اليوم العاشر من ذي الحجة، أو تنتهي بطلوع فجر العاشر من ذي الحجة، فإذا لم يكن أدرك عرفات فلا يشرع لأحد حج إلا من العام المقبل. ومن أهل العلم من قال: أشهر الحج تمتد إلى نهاية يوم الثالث عشر من ذي الحجة؛ لأن أعمال الحج ما زالت باقية فيه، ومنهم من قال: تمتد إلى نهاية ذي الحجة، والله سبحانه أعلم.

стр. 168

حكم ارتكاب محظور من محظورات الإحرام قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، هنا مقدر محذوف ولا بد ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ أي: من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام كأن حلق شعره -مثلاً- أو غطى رأسه فحينئذ كما قال الله سبحانه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ وهو: ثلاثة أيام، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهو: إطعام ستة مساكين، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ وهو: شاة على الأقل، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، الذي يتمتع بعمرته إلى حجه يتحلل بينهما؛ أعني: يعتمر عمرة ثم يتحلل من عمرته ويبقى حلالاً، يلبس ما يشاء، يتطيب كيف يشاء، يأتي أهله كيف يشاء، إلى أن يأتي يوم الثامن من ذي الحجة فيهل بالحج، فهذا الذي يقال له: متمتع، وحكمه من ناحية الدماء أن عليه دماً كما قال ربنا سبحانه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] ن فمفاده أن الذي لا يتمتع بالعمرة إلى الحج ليس عليه دم من الأصل، والقارن يلحق بالمتمتع من ناحية الدم، فعلى القارن دم كما أن على المتمتع دماً كذلك. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]، لم ينص على تحديد هذه الأيام ربنا سبحانه في كتابه ولا نبينا ﵊ في سنته، فمن العلماء من قال: يوم السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، ومنهم من قال: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر وثمَّ أقوال أخر، والأمر في ذلك واسع كما قال كثير من أهل العلم، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦] من باب التأكيد حتى لا يتسرب إلى الذهن أنها ثلاثة أو سبعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] (بِيَمِينِكَ) والخط إنما يكون باليمين، إنما جيء بذلك للتأكيد، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] (بِجَنَاحَيْهِ) والطير لا يطير إلا بجناحيه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦].

стр. 169

حكم المحصر وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: إن منعتم من إتمام الحج والعمرة ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، ومحل ذلك إذا لم تشترط، فإذا اشترطت عند إحرامك من الميقات قائلاً: اللهم! محلي حيث حبستني، أي: أتحلل -يا رب- في المكان الذي أمنع فيه، فحينئذ إذا اشترطت هذا عند الحج فليس عليك دم إذا أنت منعت من أداء الحج، أما إذا لم تشترط عند إهلالك بالحج، ومنعك عدو، أو منعت لفقدان جواز سفرك، أو منعت لكسر حل بك، أو منعت لمرض نزل بك، فعليك إذا لم تشترط هدي، وأقله شاة عند كثير من أهل العلم، ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦] يعني ربنا سبحانه: إذا منعت -أيها الحاج- من إتمام الحج بعلة من العلل، ولم تكن قد اشترطت؛ فاذبح ما استيسر من الهدي -وأقله شاة- قبل أن تتحل من إحرامك، ولكن أين محل هذا الهدي الذي قال الله فيه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]؟ فما فمحل هذا الهدي الذي ينبغي أن يتحلل فيه المحرم؟ مثلاً: إذا أنت خرجت مهلاً بالحج من أي ميقات من المواقيت، من أبيار علي، أو من ذي الحليفة، أو من رابغ التي هي ميقات لأهل مصر، ثم بعد أن تجاوزت الميقات وأهللت منعت لأي عارض؛ حينئذ تذبح هدياً، ولكن أين محل هذا الهدي الذي ينبغي أن يتحلل فيه المحرم؟ يقول فريق من أهل العلم: لابد أن يرسل هذا الهدي إلى مكة ويذبح هنالك، وتبقى في إحرامك حتى يصل هديك إلى مكة، فإذا تيقنت أنه قد ذبح فحينئذ تحل من إحرامك؛ لأن الله يقول: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣] هذا قول. لكن جماهير العلماء أنك تتحلل حيث حبست، وتذبح حيث حبست؛ لأن النبي ﵊ خرج عام الحديبية فصده المشركون عن بيت الله الحرام عند الحديبية، فكان النبي ﷺ هو وأصحابه عند الحديبية خارج الحرم، في منطقة يقال لها: الشميسي، فتحلل النبي هناك ونحر هديه هنالك، ولم يكن ذلك داخل الحرم، فهذا هو الذي قوى وجهة نظر الجمهور القائلين بأن الشخص إذا منع من الحج يتحلل حيث منع، ويذبح حيث منع، ويتأكد هذا ويتأيد بأنه لا يستطاع في كثير من الأحيان بالنسبة للذي أحصر أن يرسل هدياً إلى مكة، قد لا يستطاع في كثير من الأحيان ذلك، فليتحلل حيث منع وحيث حبس.

стр. 170

تفسير قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] أتموا الحج والعمرة لله إذا بدأتم فيهما، فأتموهما ولا تنقضوهما، هذا قول من الأقوال، وهكذا كل عبادة إذا شرعت فيها لا ينبغي لك أن تنقضها وأن تتركها، بل كما قال ربنا: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]، اللهم إلا إذا جاءت بعض النصوص في بعض المسائل المستثناة كما قال النبي ﷺ : (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فيرى الكثير من العلماء: أنه يستحب لك أن تخرج من صلاة النافلة وأن تدخل في صلاة الفريضة لهذا الحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، ولقول الله تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه). وإن كان البعض من أهل العلم يستدلون بالآية الكريمة: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] على مشروعية الإتمام والتجوز فيه، والأمر في ذلك غريب! لأن هذا من المسائل التي فيها نص، أما التي ليس فيها نص فإذا شرعت في عبادة فلتتم عبادتك، هذا هو الأصوب والأقرب. فمن الأقوال في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] إذا شرعتم فيهما فأتموهما. وهناك قول آخر: حجوا واعتمروا لله لا لأحد غير الله ، لا تجعلوا مع الله شريكاً في الحج، ولا تبتغوا بذلك رياءً وسمعة عند الناس، فإن من شعائر الحج: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، فلا تستهل الحج بلفظ هو صواب غاية الصواب بقلب بعيد عن هذا اللفظ، قلب رجل مراء -والعياذ بالله تعالى-، فقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] أي: لا تشركوا مع الله أحداً في تلبيتكم لله سبحانه، وكما لا يخفى عليكم أن أهل الشرك كانوا يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ثم يقولون: إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وكان نبينا محمد ﷺ إذا قال أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، يوقفهم صلوات الله وسلامه عليه عند هذا القدر، ولكنهم يأبون عليه، ويستمرون في جعل الشريك لله . ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] وثمة أقوال أخر، منها: أن تحرم من دويرة أهلك، وقيل غير ذلك، وهذا ليس محلها.

стр. 171

الأضحية حكمها وشروطها معشر الإخوة ينبغي لمن كان منا موسراً أن يضحي، فالأضحية سنة سنها لنا نبينا محمد ﵊، وقد قال ربنا في كتابه الكريم: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أي: وانحر لربك، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. الأضحية قربة يتقرب بها العبد إلى الله، فلو اشتريت بألف جنيه لحماً، واشتريت شاة بمائتي جنيه، فإنك تثاب على ذبح الشاة أكثر من ثوابك على شراء اللحم، فالذبح في نفسه نسك وقربة وعبادة يتقرب بها إلى الله ، دلت على ذلك الآيات والأحاديث، قال النبي ﵊: (لعن الله من ذبح لغير الله)، فالذبح نفسه عبادة، فالأضحية سنة مستحبة عن رسولنا محمد ﵊، ولقد (ضحى النبي ﵊ بكبشين أملحين أقرنين سمينين). للأضحية شروط كما لا يخفى عليكم، فلا يضحى إجمالاً بذوات العيوب، ولا يضحى إجمالاً إلا بالمسنة، كما قال النبي ﵊: (لا تذبحوا إلا المسنة إلا أن يعسر عليكم فلتذبحوا الجذعة من الضأن) والمسنة: هي الثني من كل شيء، فالثني من المعز من له سنة تامة ودخل في الثانية، والثني من البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، والثني من الإبل ما له خمس سنوات ودخل في السادسة، لا يجزئ إلا ذلك، يعني: لا يصح أن تذبح من الماعز ما عمره أقل من سنة، ولا من البقر ما عمره أقل من عامين، ولا من الإبل ما عمره أقل من خمس سنوات، فإن فعلت فهو لحم وليس من النسك (إلا أن يعسر عليكم فلتذبحوا الجذعة من الضأن)، ومن أهل العلم من قال: جذعة الضأن عمرها سنة، ومنهم من قال: جذعة الضأن ستة أشهر والأمر في تحديدها قريب، فلتستعدوا بذلك، وإن لم يكن هذا بواجب، فالنبي ﵊ (ضحى عمن لم يضح من أمته) ولكنها سنة مستحبة، سنة لخليل الله إبراهيم وسنة لنبي الله محمد خاتم النبيين عليه أفضل صلاة وأتم تسليم. فمن وجد سعة فليضح، والله يثيبه على هذه الأضحية، فلا تكن مريضة بين مرضها، ولا عرجاء بين عرجها، ولا عوراء بين عورها، ولا تكن من ذوات العيوب الظاهرة الواضحة، ولا تكن هزيلة كذلك، فإن سلفنا الصالح -أهل الفضل والصلاح- كانوا عند تقربهم لله ينتقون أفضل وأجل وأعظم قربة يتقربون بها إلى الله ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، يا من بخلتم! ويا من عمدتم إلى الرديء فأخرجتموه وذبحتموه! اعلموا أن الله غني حميد، غني عنكم وعن قرباتكم، والأمر كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فجدير بكم أن تستعدوا بأضحية إن كان ربنا قد وسع عليكم، فلا تبخلوا عن أنفسكم، والأضحية تجزئ عن أهل البيت الواحد.

стр. 172

حكم اجتماع جنازة مسلم وكافر في آن واحد معشر الإخوة! نبين بعض المسائل الفقهية التي عرضت لنا وهي مسألة اجتماع أكثر من جنازة؛ أحد هؤلاء الأشخاص كان متمسكاً بدينه، والآخر كان مسرفاً على نفسه بالذنوب والمعاصي أو كان تاركاً للصلاة أو كان مشركاً من المشركين، إذا اجتمعت جنازة -على سبيل المثال- ميت ساحر وميت آخر مسلم وصالح فما العمل؟ رأى فريق من أهل العلم ترك الصلاة على الساحر لكفره، واستدل العلماء على كفر الساحر بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، قال تعالى: ﴿يعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، فمن العلماء من يستدل على كفر الساحر بهذه الآية الكريمة، فإذا كان الميت ساحراً واجتمعت جنازته مع جنازة مسلم فما العمل؟ ابتداءً ينبغي أن ينصح أهل الميت الصالح بألا يجمعوا الجنازة مع هذا الساحر، بل تميز جنازة أهل الفضل وأهل الصلاح عن جنازة السحرة والكفار، بل هو واجب إذا استيقنت من سحره ومن كفره أن تميز جنازة أهل الفضل فيصلى عليها، وأما الساحر فلا يصلى عليه أصلاً، لا يصلى على الكافر لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة:٨٤] فلا يصلى على أهل النفاق، ولا على أهل الكفر، ويلحق بهم السحرة فلا يصلى عليهم، لكن قدر وأتي بجنازة فيها ميت ساحر مع ميت ليس بساحر فهل نترك الصلاة عليهما معاً لوجود الساحر أم ماذا نصنع؟ فمن أهل العلم من يجوز الصلاة ويقول: إن النبي ﵊ مر على مقبرة مشركون، ويهود، وأهل نفاق، وفيهم مسلمون، فسلم عليهم النبي ﷺ جميعاً، وقد نهينا عن ابتداء اليهود بالسلام؛ لقوله ﵊: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام)، فمن العلماء من قال: صل وادع للمسلم ولا تدع للكفار، هذا وجه قوي، وحق المسلم لا يسقط، وإن امتنع أهل الفضل عن الصلاة، ليس لأن الصلاة على المسلم حرام آنذاك، ولكن امتنعوا عن الصلاة زجراً لكل ساحر ومشعوذ، فحينئذ قد سلك نبينا محمد مسلك الزجر في جملة من المواطن، وترك الصلاة على أقوام أحياناً مع أنهم من أهل الإسلام حتى ينزجر غيرهم، فكان ﵊ إذا أتي بجنازة ليصلي عليها سأل: (هل عليه دين؟) إن قالوا: لا، صلى عليه، وإن قالوا: عليه دين، سأل: (هل ترك لدينه وفاء؟) فإن قالوا: نعم، صلى الله النبي ﵊، وإن قالوا: لا، لم يصل عليه النبي ﵊، فعل ذلك إلى أن أغناه الله فقال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من ترك كلاً أو ضياعاً فعلي، ومن ترك مالاً فلورثته)، هكذا قال ﵊. فالشاهد أن المدين مسلم ومع ذلك كان ﵊ يترك الصلاة عليه قبل أن يوسع الله سبحانه على نبيه محمد ﵊، وهذا للترهيب من الدين، ومن أكل أموال الناس، ومن المماطلة في سداد الديون، فإن ترك أهل الفضل الصلاة عليهما معاً من أجل أن ينزجر القوم، ولا يجعلوا ميتهم يصلى عليه مع هذا الماجن وهذا الساحر، فحينئذ هذا وجه سديد سلكه بعض العلماء، والزجر بالهجر وارد، والأدلة عليه كثيرة متعددة كما لا يخفى عليكم، هذا ما أردنا أن نلفت النظر إليه.

стр. 173

حكم قضاء دين الميت هنا أيضاً في هذه البلدة -جزى الله أهلها خيراً- يقف واقف عند القبر ويقول: من له دين على الميت فقد أحيل الدين على فلان، فأخوه فلان متكفل به، جزاه الله خيراً على هذا القول، لكن تبين أن كثيراً من هؤلاء يكذبون، يقولون هذا عند القبر، وبعد أن ينصرفوا من القبر يأتي أصحاب الديون يطالبونهم فإذا بهم يماطلون، أول يوم تأخذهم الشفقة على الميت، ثم يئول بهم الأمر إلى الترك، فنقول: إن هذا الصنيع الآن جرى من طرف واحد ولابد أن يرضى الذي أحيل دينه على هذا، وإلا فالذمم ما زالت متعلقة، أعني: إن ذمة الميت لا تبرأ إلا إذا وافق صاحب الدين على الإحالة، قال النبي ﵊ (من أحيل على مليء فليتبع)، لكن إذا مات شخص وهو مدين ومثقل بالديون، فجاء أخوه وقال: من له دين فهو عليّ فهل بهذا تبرأ الذمة؟ هب أنه وجد أن الديون كثيرة؛ يعني قال: من له دين فعليّ، وكان يظن أن الذي عليه فقط ألف جنيه وبوسعه أن يتحملها، فإذا به يفاجأ أن الديون مائة ألف، فهل نقول: عليك المائة ألف كاملة؟ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وتبقى ذمة الميت محملة بالدين، صحيح أن النبي ﵊ أجاز لما قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله! قال النبي ﵊: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم)، فقال أبو قتادة: عليّ دينه يا رسول الله! ولم يستفصل الرسول ﵊ عن قدر الدين كم هو، هذا محله أن يكون في حيز المستطاع، وأن يكون القائل: علي دينه رجل من الأمناء، أما إذا كانت أموال الناس ستضيع فكم من شخص مسرف على نفسه قال: عليّ دين الميت، فذهب الناس يطالبونه بعد أسبوع من موت الميت، فإذا به يسبهم وإذا به يشتمهم، فحينئذ إذا أقر صاحب الدين بالحوالة أي بأنه قبل بأن يتحول دينه على فلان حينئذ تبرأ ذمة الميت، تبرأ ساحة الميت، فينبغي أن يذهب إلى أصحاب الديون! ويقال: يا أصحاب الديون أنتم رضيتم أن يحال الذي لكم على فلان من الناس إن قالوا: قبلنا، برأت ساحة الميت، وسقطت عنه كل الديون، وتحولت إلى الذي تحمل هذه الحمالات، وإن لم يرضوا بذلك لفجور أو للمماطلة في الذي أحيل عليه أو لفقر الذي أحيل عليه حينئذ ذمة الميت ما زالت متعلقة بالدين، وتؤخذ الديون من أصل الميراث الذي تركه هذا الميت. هذا ما أردنا أن نبينه، وإن كان في المسألة خلاف، لكن هذا الذي ظهر والله سبحانه أعلم بالصواب، وأعلم بتأويل كتابه، وأعلم بسنة نبيه محمد ﵊، فإن أصبنا فمن الله، وإن أخطأنا فمن أنفسنا ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان مما نقول من خطأ، ونسأل الله أن يلهمنا وإياكم الصواب في القول والعمل. اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم! ألف بين قلوب عبادك المؤمنين، وخذ بأيديهم إلى النصر والتمكين يا رب العالمين! يا مجيب السائلين! وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

стр. 174

أحكام الصيام [١] لقد شرع الله الصيام لحكم عظيمة، ومن أعظم هذه الحكم امتثال أمر الله . وللصيام فوائد كثيرة منها: التضييق على الشيطان بالجوع؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والصوم يضيق مجاري الدم. ومن الفوائد المترتبة على الصوم أيضاً: إحصان الفرج وغض البصر؛ والإحساس بما يعانيه فقراء المسلمين من الجوع، فيكون ذلك سبباً في سخاء النفس عند البذل لهم.

стр. 175

تفسير آيات الصيام وبيان الأحكام المتعلقة بها باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فنتكلم عن تفسير آيات الصيام وما يتعلق بها من أحكام: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]. قوله تعالى: (كُتب)، أي: فرض، وإن كانت الكتابة أحياناً تأتي بمعانٍ أخر، فتأتي أحياناً الكتابة بمعنى: التقدير، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: ما قدره الله لكم، لكن قوله: (كُتب) في هذا الموضع، معناه: فرض وأوجب.

стр. 176

التوجيه الصحيح لقوله: (وأن تصوموا خير لكم) قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، أن: هنا مصدرية، فالمعنى: وصيامكم خيرٌ لكم، فهنا ينبغي أن تفهم: خير لكم من ماذا؟ لأن البعض يحملها على أنها خيرٌ لكم من الإفطار في السفر، أو خيرٌ لكم من الإفطار في المرض، وهذا محملٌ ضعيف، إنما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم من الفطر والإطعام. قد كان الأمر أول فرض الصيام: إما أن تصوم وإما أن تفطر وتطعم، سواء كنت مسافراً أو مريضاً أو لم تكن، كان للجميع هذا الترخيص. فقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فيه دليل على أن أعمال البر تتفاضل، وهناك فاضل، وهناك ما هو أفضل من هذا الفاضل، وهناك مفضول.

стр. 177

المراد بقوله تعالى: (فمن تطوع خيراً) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٤]، قال العلماء، المراد بتطوع الخير هنا: أطعم مسكينين أو ثلاثة بدلاً من المسكين الواحد، وهذا قول له وجاهته، وقد تقدم معنا كثيراً في عدة مسائل من مسائل الفقه. فإذا جاءنا شخص وقال: ولد لي ولد وأريد أن أذبح عنه شاتين كما حثنا رسولنا محمد ﵊، كما في الحديث: (أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)، فيقول: أريد أن أذبح عجلاً مكان الشاتين، هل هذا يجزئ؟ فنقول: من باب الأقيسة القوية: أن النبي ﷺ جعل البقرة أو البدنة تقوم مقام سبعة في الحج، والحج أعظم من العقيقة، فمن ثم يجوز لك على هذا القياس أن تذبح عجلاً، وأجرك أعظم، والله تعالى أعلم.

стр. 178

معنى قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية) قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤]، أيضاً يقدر أنهم أفطروا، والفدية طعام مسكين، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. ذهب جمهور أصحاب النبي ﷺ إلى تأويل الآية على النحو التالي: قالوا ما حاصله: إن أصحاب النبي ﷺ في أول أمر الصيام لم يكونوا قد تدربوا على الصيام، فلما أُمِروا به رحمةً من الله سبحانه بهم، كانوا بالخيار: إما أن يصوموا، وإما أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكيناً، فكان في أول أمر الصيام، لك أن تصوم، ولك أن تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً، وهذا رأي جمهور أصحاب النبي ﷺ باستثناء عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قالوا: ثم نسخ هذا التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]. فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ إن هم أفطروا ألا وهي ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وتقدير طعام مسكين تقدير عرفي كذلك. صحيح أنه ورد عن بعض السلف الصالح ﵏، التقدير: بمد من شعير أو مد من أقط أو مد من حنطة، لكن كان هذا هو الذي في زمانهم، وليس فيه خبرٌ ثابت عن رسول الله ﵊، فإذا كنت من بلدة أهلها يأكلون اللحم فلتطعم المسكين لحماً، إذا كنت من بلدة أهلها يأكلون الفول فلتطعم المسكين من الذي تأكل منه، أي: من الذي يأكل منه عموم الناس، وهي وجبة واحدة.

стр. 179

ما يجب على من أخر القضاء إلى رمضان آخر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، يؤخذ منه بعض الفقه، فالله لم يحدد متى هذه الأيام الأخر، فمن ثمّ يجاب على التساؤل الذي يصدر كثيراً من النساء: امرأةٌ كان عليها أيام من رمضان السابق، فدخل عليها رمضان هذا وهي لم تقض تلك الأيام، فماذا عليها؟ فيرى البعض أن عليها أن تصوم فيما بعد، وأن تطعم عن كل يوم مسكيناً، والإلزام بالإطعام ليس له دليل؛ لأن الله يقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولم يحدد متى هذه الأيام الأخر، فالقول بإلزامها بإطعام مع الصيام إذا دخل عليها رمضان، ولم تكن قد صامت الأيام السابقة قولٌ لا دليل عليه، وإن أورد شخصٌ علينا أثر أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الذي فيه: كان يكون عليّ الصيام من رمضان، فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان للشغل برسول الله ﷺ ، فهذا الأثر ثابت عن عائشة ﵂، إلا أن القول بالشغل برسول الله ﷺ ليس من قول عائشة، إنما هو من قول يحيى بن سعيد القطان أدخله على كلام عائشة ﵂. فعلى كلٍ ليس في هذا الأثر إلزام بالإطعام، إنما فيه استحباب المبادرة إلى القضاء قبل أن يأتي رمضان آخر، وهذا الصنيع صحيح، ألا وهو استحباب القضاء قبل أن يأتي رمضان آخر، حتى لا تتراكم على الشخص الديون، فالله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ويقول النبي ﵊: (دين الله أحق أن يقضى). وقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، لم يذكر أنها على التوالي، فعلى ذلك فمن أفطر أياماً فإن له أن يُجزِّئْ قضاء هذه الأيام ولا يلزمه التتابع في قضاء ما فاته من أيام قد أفطرها في رمضان.

стр. 180

وجه التشبيه بين صيامنا وصيام من قبلنا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] هنا تشبيه، هل التشبيه ينسحب على أصل الفرضية؟ أعني: هل الصيام فرض عليكم كما كان مفروضاً على من كان قبلكم؟ أم أن التشبيه يقصد الصفة، أي: كتب عليكم رمضان بصفة الصيام فيه، غير الامتناع عن الطعام والشراب، كما كان على من كان قبلكم رمضان أم أن الصيام مفروضٌ عليكم كما كان مفروضاً على من كان قبلكم، مع اختلاف في صفة الصيام التي كان عليها الأمم من قبلنا؟ الذي يظهر والله أعلم: أن المشابهة إنما هي في أصل الفرض، فكما أن الصيام فرض على من كان قبلكم، فقد فرض عليكم، لكن هل الصفة هي الصفة؟ لا أعلم شيئاً صريحاً في هذا صراحة تامة، اللهم إلا أن النبي ﷺ قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وكذلك لما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسأل عن سبب ذلك؟ فقالوا: هذا يومٌ أنجى الله فيه موسى من الغرق، فقال النبي ﷺ : (نحن أحق بموسى منهم، فصامه النبي ﷺ وأمر بصيامه)، فهذا يقرب من قول القائل: بأن صفة صيام من كان قبلنا كصفة صيامنا، والله تعالى أعلم.
следующие страницы →