Полный текст (802 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
التوجيه الصحيح لقوله: (وأن تصوموا خير لكم)
قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، أن: هنا مصدرية، فالمعنى: وصيامكم خيرٌ لكم، فهنا ينبغي أن تفهم: خير لكم من ماذا؟ لأن البعض يحملها على أنها خيرٌ لكم من الإفطار في السفر، أو خيرٌ لكم من الإفطار في المرض، وهذا محملٌ ضعيف، إنما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: خير لكم من الفطر والإطعام.
قد كان الأمر أول فرض الصيام: إما أن تصوم وإما أن تفطر وتطعم، سواء كنت مسافراً أو مريضاً أو لم تكن، كان للجميع هذا الترخيص.
فقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فيه دليل على أن أعمال البر تتفاضل، وهناك فاضل، وهناك ما هو أفضل من هذا الفاضل، وهناك مفضول.
стр. 177
المراد بقوله تعالى: (فمن تطوع خيراً)
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٨٤]، قال العلماء، المراد بتطوع الخير هنا: أطعم مسكينين أو ثلاثة بدلاً من المسكين الواحد، وهذا قول له وجاهته، وقد تقدم معنا كثيراً في عدة مسائل من مسائل الفقه.
فإذا جاءنا شخص وقال: ولد لي ولد وأريد أن أذبح عنه شاتين كما حثنا رسولنا محمد ﵊، كما في الحديث: (أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة)، فيقول: أريد أن أذبح عجلاً مكان الشاتين، هل هذا يجزئ؟ فنقول: من باب الأقيسة القوية: أن النبي ﷺ جعل البقرة أو البدنة تقوم مقام سبعة في الحج، والحج أعظم من العقيقة، فمن ثم يجوز لك على هذا القياس أن تذبح عجلاً، وأجرك أعظم، والله تعالى أعلم.
стр. 178
معنى قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية)
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة:١٨٤]، أيضاً يقدر أنهم أفطروا، والفدية طعام مسكين، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤].
ذهب جمهور أصحاب النبي ﷺ إلى تأويل الآية على النحو التالي: قالوا ما حاصله: إن أصحاب النبي ﷺ في أول أمر الصيام لم يكونوا قد تدربوا على الصيام، فلما أُمِروا به رحمةً من الله سبحانه بهم، كانوا بالخيار: إما أن يصوموا، وإما أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكيناً، فكان في أول أمر الصيام، لك أن تصوم، ولك أن تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكيناً، وهذا رأي جمهور أصحاب النبي ﷺ باستثناء عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، قالوا: ثم نسخ هذا التخيير بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ إن هم أفطروا ألا وهي ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وتقدير طعام مسكين تقدير عرفي كذلك.
صحيح أنه ورد عن بعض السلف الصالح ﵏، التقدير: بمد من شعير أو مد من أقط أو مد من حنطة، لكن كان هذا هو الذي في زمانهم، وليس فيه خبرٌ ثابت عن رسول الله ﵊، فإذا كنت من بلدة أهلها يأكلون اللحم فلتطعم المسكين لحماً، إذا كنت من بلدة أهلها يأكلون الفول فلتطعم المسكين من الذي تأكل منه، أي: من الذي يأكل منه عموم الناس، وهي وجبة واحدة.
стр. 179
ما يجب على من أخر القضاء إلى رمضان آخر
قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، يؤخذ منه بعض الفقه، فالله لم يحدد متى هذه الأيام الأخر، فمن ثمّ يجاب على التساؤل الذي يصدر كثيراً من النساء: امرأةٌ كان عليها أيام من رمضان السابق، فدخل عليها رمضان هذا وهي لم تقض تلك الأيام، فماذا عليها؟ فيرى البعض أن عليها أن تصوم فيما بعد، وأن تطعم عن كل يوم مسكيناً، والإلزام بالإطعام ليس له دليل؛ لأن الله يقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولم يحدد متى هذه الأيام الأخر، فالقول بإلزامها بإطعام مع الصيام إذا دخل عليها رمضان، ولم تكن قد صامت الأيام السابقة قولٌ لا دليل عليه، وإن أورد شخصٌ علينا أثر أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها الذي فيه: كان يكون عليّ الصيام من رمضان، فلا أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان للشغل برسول الله ﷺ ، فهذا الأثر ثابت عن عائشة ﵂، إلا أن القول بالشغل برسول الله ﷺ ليس من قول عائشة، إنما هو من قول يحيى بن سعيد القطان أدخله على كلام عائشة ﵂.
فعلى كلٍ ليس في هذا الأثر إلزام بالإطعام، إنما فيه استحباب المبادرة إلى القضاء قبل أن يأتي رمضان آخر، وهذا الصنيع صحيح، ألا وهو استحباب القضاء قبل أن يأتي رمضان آخر، حتى لا تتراكم على الشخص الديون، فالله يقول: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، ويقول النبي ﵊: (دين الله أحق أن يقضى).
وقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، لم يذكر أنها على التوالي، فعلى ذلك فمن أفطر أياماً فإن له أن يُجزِّئْ قضاء هذه الأيام ولا يلزمه التتابع في قضاء ما فاته من أيام قد أفطرها في رمضان.
стр. 180
وجه التشبيه بين صيامنا وصيام من قبلنا
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣] هنا تشبيه، هل التشبيه ينسحب على أصل الفرضية؟ أعني: هل الصيام فرض عليكم كما كان مفروضاً على من كان قبلكم؟ أم أن التشبيه يقصد الصفة، أي: كتب عليكم رمضان بصفة الصيام فيه، غير الامتناع عن الطعام والشراب، كما كان على من كان قبلكم رمضان أم أن الصيام مفروضٌ عليكم كما كان مفروضاً على من كان قبلكم، مع اختلاف في صفة الصيام التي كان عليها الأمم من قبلنا؟ الذي يظهر والله أعلم: أن المشابهة إنما هي في أصل الفرض، فكما أن الصيام فرض على من كان قبلكم، فقد فرض عليكم، لكن هل الصفة هي الصفة؟ لا أعلم شيئاً صريحاً في هذا صراحة تامة، اللهم إلا أن النبي ﷺ قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وكذلك لما قدم النبي ﷺ المدينة، وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسأل عن سبب ذلك؟ فقالوا: هذا يومٌ أنجى الله فيه موسى من الغرق، فقال النبي ﷺ : (نحن أحق بموسى منهم، فصامه النبي ﷺ وأمر بصيامه)، فهذا يقرب من قول القائل: بأن صفة صيام من كان قبلنا كصفة صيامنا، والله تعالى أعلم.
стр. 181
الحكمة من الصيام هي التقوى
قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، أي: لعل التقوى تحدث لكم، وهذه هي حكمة الصيام، وكيف تحدث التقوى بالصيام؟ أورد العلماء ثلاثة أمور بها تحدث التقوى: الأمر الأول: قالوا: إن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)، فكلما كان جريان الدم سريعاً كلما كان حركة الشيطان أسرع وأوسع، فمن ثم إذا أكلت كثيراً تحرك فيك الشيطان كثيراً، ولذلك ذكر العلماء في أبواب الحروز من الشيطان ترك الفضول في كل شيء، فالفضول في الطعام يحرك الشيطان تحريكاً أقوى، ويحرك الشهوة كذلك، ومن ثم ورد في بعض الأخبار: (فضيقوا عليه مجاريه بالجوع)، فالجوع يقلل عمل الشيطان لتقليله لجريان الدم، هذا شيء.
الأمر الثاني: أن الصيام على وجه الخصوص أقوى عبادة تقوي مراقبة العبد لربه ، فالمراقبة لله سبحانه في الصيام أكثر منها في غير الصيام.
الأمر الثالث: أن هذا الصيام يشعرك بأحوال الضعفاء والمساكين، وذلك إذا جُعت أحسست بجوع الجائعين وعطش العطشى، فيحملك هذا على تقوى الله وإعطاء هؤلاء، وقد قال النبي ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاءً).
стр. 182
المراد من قوله تعالى: (أياماً معدودات)
قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، المراد بها: قليلات محصورات، يأتي عليها العد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف:٢٠]، فالمراد بالدراهم المعدودة: الدراهم القليلة، وكذلك يؤيد هذا المعنى قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (إن النبي ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم، إنما يتكلم كلمات لو عدها العاد لأحصاها).
فالمراد بقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: أياما قليلات يأتي عليها العد ويأتي عليها الحصر.
стр. 183
حد المرض والسفر الذي يباح بهما الفطر للصائم
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ما هو حد المرض الذي به يباح للصائم أن يفطر؟ حد هذا المرض عرفي، يرجع فيه إلى الأعراف، بلا إفراط ولا تفريط، فالذي يقول: إن من أصابه وجعٌ في ضرسه أو أصابته سعلة أو أصابه بعض الزكام أو بعض الصداع في الرأس يجوز له الفطر مطلقاً، قوله: مجازف وبعيد عن الصواب، وكذلك الذي قال: لا ينبغي أن تفطر إلا إذا أشرفت على الهلكة والموت، كذلك قولٌ بعيد عن الصواب، وكما قال العلماء: وكلا طرفي الأمور ذميم.
وإنما المرض الذي يفطر معه الصائم حده عرفي، كأن يقول الناس: إن فلاناً مريض فمن ثم يستحق أن يعاد، فصومه يزيده مرضاً إلى مرضه أو لا يتحمل، فهذا هو حد المرض الذي به يباح للصائم أن يفطر.
إذا كان مريضاً مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه فماذا عليه؟ الذي عليه عدة من أيام أخر وهو لا يطيقها، فماذا يصنع؟ ليس هناك دليل ملزم من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﵊ يلزمه بكفارة ما من الكفارات، إنما قول من قال: عليه أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً، إنما هو اجتهاد لبعض الصحابة، وسيأتي مزيد تفصيل فيه إن شاء الله.
قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، هل قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يعطي مدلولاً ما في التفريق بين المسافر الذي جدّ به المسير والمسافر النازل الحال؟ المسافر على حالتين: مثلاً: أنت مسافر إلى مكة، سيقال عنك: جد بك المسير، هذه الحالة الأولى.
أما الحالة الثانية: إذا نزلت مكة ووضعت رحلك، فإنك لم تعد فيمن جد بهم المسير، بل إذا وصلت إلى مكة وبقيت فيها أياماً هل لك أن تفطر أثناء إقامتك بمكة أم أن كلمة: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، تعني: المسافر الذي جدّ به المسير وقطع جزءاً من اليوم في السفر؟ كأن الأخير هو الأظهر، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، هنا مقدرٌ لابد منه، فالمقدر هو: فأفطر، فالمعنى: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، أما من كان منكم مريضاً أو على سفر فصام فلا يلزم بإعادة، فلا بد من التقدير هنا كما هو رأي الجمهور.
أما أهل الظاهر فقالوا: لا تقدير، وبعضهم لهم مقالات يتعجب منها حيث قالوا: من كان مريضاً أو على سفر، وصام في سفره وفي مرضه فإن عليه عدة من أيام آخر، وهذا غريب! لأن النبي ﵊ صام في السفر وما أعاد الأيام التي صامها، ولا أمر أحداً من أصحابه صام أن يعيد هذه الأيام، فعلى هذا ترد التقديرات في كتاب الله، وهذا كالتقدير الوارد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فهنا تقدير أيضاً: فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه فارتكب محظوراً ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، أما من كان مريضاً أو به أذى من رأسه ولم يرتكب محظوراً، فلا يلزم بفدية.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، هنا سؤال يطرح نفسه: هل الصوم في السفر أفضل أم الإفطار؟ هذه المسألة تنازع فيها سالم بن عبد الله بن عمر ﵄، وعروة بن الزبير ﵄، وذلك في مجلس أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يوم أن كان أميراً على مدينة رسول الله ﷺ ، قال سالم: أما أنا فلا أصوم في السفر، أخذته عن أبي، يعني: عن عبد الله بن عمر، وقال عروة: أما أنا فأصوم في السفر، أخذته عن خالتي، يعني: عائشة رضي الله تعالى عنها، فارتفعت أصواتهما عند عمر بن عبد العزيز، فقال لهما: إن كان يسرٌ فصوموا، وإن كان عسرٌ فأفطروا.
وبنحو ذلك قال ابن عباس: عسر ويسر فخذ بيسر الله ، واختاروا لأنفسكم ما اختاره الله لكم، فإن الله قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
والأدلة عن رسول الله ﷺ قد شهدت لهذا المعنى، ففي معرض الصوم في السفر ورد أن النبي ﷺ سافر مع أصحابه في يومٍ شديد الحر، قال أبو الدرداء: (حتى إن أحدهم ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة)، فهذا في معرض تجويز الصوم في السفر.
وكذلك جاء حمزة بن عمرو الأسلمي إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني رجلٌ أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)، وكذلك قال فريق من أصحاب النبي ﷺ : (سافرنا مع النبي ﷺ فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب المفطر على الصائم، ولم يعب الصائم على المفطر)، أما في معرض الفطر في السفر: (فإن النبي ﷺ مر على رجل من الصحابة أغمي عليه وقد ظلل عليه وكان مسافراً، وقد اجتمع حوله الناس فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مسافر وهو صائم يا رسول الله! فقال ﵊: ليس من البر الصيام في السفر).
وكان النبي في بعض المغازي، وذهب المفطرون يخدمون إخوانهم الصائمين، فقال النبي ﷺ : (ذهب المفطرون اليوم بالأجر)، وكذلك كان النبي ﷺ في بعض الغزوات فقال لأصحابه: (إنكم مصبحو العدو غداً والفطر أقوى لكم)، فحثهم النبي ﷺ على الفطر، فهذا كله يؤكد ما ذهب إليه الجمهور: من جواز الصوم في السفر، وجواز الإفطار، ولكن من شق عليه الصوم فليفطر، ومن أطاق الصيام صام، ومن أفطر قضى بصفة عامة، والله تعالى أعلم.
стр. 184
تعريف الصيام لغة وشرعاً وبيان المسائل المتعلقة به
والصيام وهو: الامتناع، هذا هو التعريف اللغوي للصيام، ومنه قوله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] أي: صمتاً عن الكلام.
أما الصيام من الناحية الشرعية: هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويكون ذلك مصحوباً بالنية أي: نية الصيام.
ومن هذا التعريف تخرّج جملة من المسائل، أعني: من تعريف الصيام الذي هو: الامتناع عن الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، تخرّج جملة من المسائل: ابتداءً يشهد لهذا التعريف قول الله في الحديث القدسي في شأن الصائم: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي).
أما بالنسبة لوقته: فإن الله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧].
أما بالنسبة للنية: فلقول النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات).
فتخرج من تعريف الصيام جملة من المسائل، فبالنسبة للطعام ترد جملة من المسائل النازلة منها: مسألة الْحُقن مثلاً، فهل الحقن طعام أو شراب يفطر به الصائم أم أنها ليست بطعام وليست بشراب؟ فلقائل أن يقول: إنها ليست بطعام يستطعم ولا بشراب يستشرب كذلك، ثم هي ليست بشهوة يقيناً، فيكون على هذا الرأي أن الحقن برمتها لا يفطر بها الصائم.
ولقائل آخر أن يفصل بين الحقن التي تقوم مقام الطعام، والتي هي للدواء فقط، فالتي تقوم مقام الطعام مفطرة، والتي لا تقوم مقام الطعام ليست بمفطرة، ولكن يرد عليه أن الحقن المغذية، ليست بطعام يطعم، فعلى ذلك الذي يبدو أن القول الصحيح هو قول من قال: إن الحقن برمتها لا تفطر.
ترد مسألة السواك: السواك يشرع للصائم لأمور ثلاث: الأمر الأول: أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، ولم يفرق النبي ﷺ بين صائم وبين مفطر، فلهذا العموم يشرع السواك.
الأمر الثاني: حديث نص في الموضوع وإن كان في إسناده كلام، وهو ما قاله بعض أصحاب النبي ﷺ :: (رأينا النبي ﷺ ما لا يحصى يستاك وهو صائم).
الأمر الثالث: أن السواك ليس بطعام وليس بشراب وليس بشهوة، فعلى ذلك فالسواك لا يفطر، ثم يلحق به معجون الأسنان مثلاً، فمعجون الأسنان ما لم يصل إلى الجوف فهو جائز مع الكراهة؛ أما الكراهة فلأنه يتبعه كثير من أعمال المضمضة، والنبي ﷺ قال: (وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فهذه بعض الملحقات التي تلحق بالطعام.
مسألة الطيب: الطيب كان موجوداً على عهد النبي ﷺ ، وقد كان البخور موجوداً على عهد النبي ﷺ ، ولم يرد أن أحداً أفطر بسبب تطيبه أو بسبب استعماله للبخور، ولم يرد أن النبي ﷺ قال: إن من استعمل الطيب أو البخور فإنه يفطر.
فعلى ذلك: لا بأس بالطيب والبخور للصائم، والمانع يلزمه الدليل.
مسألة التبرع بالدم: إخراج شيء من الدم من الجسم، هذا في الأصل ينبني على حكم الحجامة.
فالحجامة ورد فيها قول النبي ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم)، إلا أن كثيراً من أهل العلم يذهبون إلى أن هذا الحديث منسوخ؛ لأن النبي ﷺ : (احتجم وهو صائم)، واحتجامه وهو صائم، كان بعد قوله: (أفطر الحاجم والمحجوم)، فلذلك كما قال فريق من أهل العلم: إن الإفطار مما دخل وليس مما خرج، فعليه فإن إخراج الدم من الجسم بوسيلة ما من الوسائل لا يفطر الصائم، اللهم إلا دم الحيض على ما سيأتي بيانه إن شاء الله.
مسألة القطرة: لقائل أن يقول: إنها ليست بطعام وليست بشراب وليست بشهوة، وكذلك الدواء الذي يصب في الأذن يأخذ نفس الحكم من ناحية أنه لا يفطر الصائم.
فتعريف الصيام هو: ترك الطعام والشراب والشهوة، ما المراد بالشهوة؟ بالاتفاق يدخل الجماع في الشهوة، سواء صاحبه قضاء الوطر أم لم يصاحبه ذلك، أما إذا لم يحدث جماع وحدث إنزالٌ بوسيلة ما من الوسائل، كالاستمناء الذي يفعله شرار الشباب والفساق منهم، وتفعله شرار الفتيات اللواتي لا يراقبن الله، ولا يراعين حرمة الله ، ولا يراقبن ملائكة الرحمان الكرام الكاتبين، فهل الاستمناء الذي يفعله هؤلاء الشريرون يفسد الصيام أو لا يفسد الصيام؟ يرى جمهور أهل العلم: أن إخراج المني بوسيلة ما من الوسائل عن عمد يفطر الصائم؛ وذلك لقول: النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ في شأن الصائم: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي)، وهذا المستمني لم يدع شهوته بل قضاها، وهذا رأي جمهور العلماء.
ومن أهل العلم من قال: إن المراد بالشهوة في قوله تعالى: (وشهوته من أجلي): شهوة الجماع، وهم قلة من العلماء، أعني: الذين قالوا: الاستمناء لا يفطر الصائم، وحملوا الشهوة في الحديث على شهوة الجماع فقط.
مسألة: إذا أصبح الرجل جنباً من جماع غير احتلام فعليه أن يتم صومه اغتسل قبل الفجر أم لم يغتسل؛ وذلك لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان النبي ﷺ يصبح جنباً من غير احتلام ويتم صومه ﷺ .
كذلك إذا نام شخصٌ بالنهار وقدر عليه أنه احتلم فلا يفسد صومه، وعليه أن يتم صومه كأن شيئاً لم يكن.
مسألة المذي: المذي لا يفطر على الصحيح من الأقوال، والذي يُمذي لا يكون قد قضى شهوته بل ما زالت باقية فيه.
فهذا كله يخرج من تعريف الصيام: ترك الطعام والشراب والشهوة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويكون ذلك مصحوباً بالنية كما تقدم.
стр. 185
أحكام الصيام [٢]
لقد فضل الله شهر رمضان بأن أنزل فيه القرآن، وجعل فيه ليلة هي خير من ألف شهر، وقد أخبر النبي ﷺ أن من قام ليله وصام نهاره إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
فالواجب على كل مسلم أن يستغل شهر رمضان بكثرة تلاوة القرآن ومدارسته، وكثرة الصلاة والذكر والاستغفار والدعاء، والتزود فيه من الأعمال الصالحة، فهو بمثابة المحطة التي نتزود منها لسفر معادنا إلى ربنا سبحانه.
стр. 186
معنى نزول القرآن في شهر رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، شهر رمضان أنزل فيه القرآن أول ما أنزل، وإلا فالقرآن نزل على رسول الله ﷺ على مدار ثلاث وعشرين سنة، فهذا قول، وقيل: أنزل جملةً من السماء السابعة إلى سماء الدنيا كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، وكما قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان:٣]، فهذا الشهر هو شهر نزول القرآن فينبغي أن تكثر فيه من تلاوة القرآن، وقد قال النبي ﷺ : (كان جبريل يعارضني بالقرآن في كل عام مرة في رمضان ثم عارضني في هذا العام مرتين، وما أرى ذلك إلا لحضور أجلي)، فيستحب لك أن تكثر من قراءة القرآن الكريم في هذا الشهر، إذ هو شهر القرآن، ولذلك كان بعض أهل العلم يغلقون كتبهم ويقبلون على كتاب الله، لمدارسة كتاب الله، وتلاوة كتاب الله .
стр. 187
حكم الزيادة على إحدى عشرة ركعة
وهل للمصلي أن يزيد عن إحدى عشرة ركعة أو لا يزيد؟ سنجيب بإيجاز واختصار: له أن يزيد، أما ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة)، فمتعقب من وجوه: أولاً: هذا الخبر ثابت عن أم المؤمنين عائشة، لكن ينبغي إذا درسنا مسألة من مسائل الفقه أن نأخذ بجميع الأدلة التي وردت فيها، لا نأخذ بحديث واحد، وإلا فالخوارج ضلوا ضلالاً بعيداً، بسبب أنهم أخذوا ببعض الأدلة وتركوا البعض، فهم جاءوا إلى قول النبي ﷺ : (لا يدخل الجنة قاطع)، وقالوا: إن قاطع الرحم يخلد في النار، وفي المقابل ضلت المرجئة ضلالاً بعيداً، بسبب أنهم أخذوا بحديث: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقالوا: إيمانه على إيمان جبرائيل وميكائيل مهما عمل من المعاصي، وتركوا آيات الربا وآيات القتل، وسائر الآيات التي وردت في مرتكبي الكبائر والصغائر.
إذاً: علينا أن نعمل بجميع الأدلة، فحديث عائشة ﵂: (ما زاد رسول الله ﷺ عن إحدى عشرة ركعة).
ثانياً: قد ورد من حديث أم المؤمنين عائشة أيضاً وأخرجه البخاري عنها في الصحيح: (كان النبي ﷺ يصلي في الليل ثلاث عشرة ركعة)، فقال بعض أهل العلم: إن الركعتين الزائدتين تحمل إما على سنة العشاء أو على نافلة الفجر، وهذا القول مدفوع؛ لأن قولها: كان، يفيد المداومة، ثم أيضاً قد ورد عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ قام من الليل، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر)، فكان ذلك ثلاث عشرة ركعة.
وورد نحوه من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمثبت مقدم على النافي.
ثالثاً: أن حديث عائشة ﵂ فيه وصف لصلاة رسول الله ﵊، قالت: (كان يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن -أي: أربعاً طويلة- ثم يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يوتر بثلاث)، فإذا رُمت موافقة سنة الرسول ﵊ فستأخذ بالسنة صفة وعدداً، لا تأخذ السنة من ناحية العدد وتترك السنة من ناحية الصفة، فإذا جاء شخص وقال: إني قد صليت إحدى عشرة ركعة في عشر دقائق أو في نصف ساعة، هل نقول: إنك أصبت سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ صحيح أنه أصابها من ناحية العدد، ولكنه لم يصبها من ناحية الصفة.
فإذا أردت الموافقة، فلتوافق في الصفة ولتوافق في العدد، لكن هب أنني جئت أوافق في الصفة فوجدت المصلين معي لا يطيقون ولا يتحملون، بل وأنا أيضاً لا أطيق ولا أتحمل صفة صلاة رسول الله ﷺ ، فكيف أصنع؟ قال العلماء: إذا قصرت في الصفة فزد في عدد الركعات؛ وذلك حتى تصل إلى أحب القيام إلى الله قيام داود، فإن النبي ﷺ قال: (أحب القيام إلى الله قيام داود)، ولم يضبطه النبي بعدد، بل ضبطه النبي بزمن، فقال ﵊: (أحب القيام إلى الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، فالرسول ﵊ ضبطه بالزمن وليس بالعدد، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] ضبطٌ بالزمن، وكذلك: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] أي: ساعات الليل، ضبطٌ كذلك بالزمن، فلذلك قال مالك ﵀: أستحب ستة وثلاثين ركعة، لماذا -يا مالك - وأنت رويت حديث أم المؤمنين عائشة في صلاة الرسول ﷺ إحدى عشرة ركعة؟! فيرى هو وأصحابه وعموم جمهور العلماء: أن النبي ﷺ إنما كان يصلي في بيته إحدى عشرة ركعة يطول كما يشاء، كما قال ﵊: (إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول كيف يشاء)، لكن إذا كنت تصلي بالناس فتراعي حال المأمومين.
وهنا بعض المناقشات الفقهية الخفيفة: هل إطالة القراءة مع قِلّت عدد الركعات أفضل أم التخفيف في القراءة والإكثار من عدد الركعات؟ فيرى البعض: أن طول القراءة أفضل؛ لحديث النبي ﵊: (أفضل الصلاة طول القنوت) أي: طول القراءة فيها.
ويرى آخرون: أن الإكثار من السجود أفضل؛ لحديث: (أعني على نفسك بكثرة السجود).
والأمر في هذا واسع، والنظر إلى حال المأمومين أمر مهم.
رابعاً: أن هناك عمومات عن رسول الله ﷺ أفادت تجويز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، منها حديث: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة)، وهذا في الصحيحين، وحديث النبي ﷺ : (إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة أو حط عنك بها خطيئة)، وحديث النبي ﷺ : (ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد)؛ وللحديث الذي سمعتموه آنفاً: (إنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة)، وقوله: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وغير ذلك كثير كثير.
أما ما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه من جمع الناس على أبي بن كعب على إحدى عشرة ركعة، فقد ورد أيضاً من عدة طرق يشد بعضها بعضاً أنه جمعهم على أبي على ثلاث وعشرين ركعة.
وجمع العلماء بين ذلك كـ البيهقي ﵀، فقال: فعل ذلك أحياناً، وفعل ذلك أحياناً، وهو الصحيح؛ لعلة وهي: أنه خرج عليهم وهم يصلون في الليل فقال: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل، وفي رواية أخرى: أنهم كانوا ينتهون عند بزوغ الفجر من الصلاة، فدل هذا على التنويع كما اختاره البيهقي رحمه الله تعالى.
стр. 188
حكم ختم القرآن في قيام رمضان
وهل يلزم ما يفعله الأئمة الآن حيث أن الإمام يُجَزِّئُ القرآن على ثلاثين ليلة، ويقرأ بالمصلين في كل يوم جزءاً من القرآن حتى يختمه إلى آخر الشهر؟ نقول: هذا الأمر من باب المباح، أما استحبابه من عدمه فمحله النظر في حال المصلين، وإلا فلم يرد أن النبي صنع هذا الصنيع مع المصلين، فالنبي ﷺ لم يقم بالصحابة إلا ثلاث ليال، ثم ترك القيام خشية أن يفرض، ولم يرد تفصيل في هذه الأيام الثلاثة، كيف كان الرسول يقرأ؟! ما هي السور التي قرأ بها في هذه الليالي الثلاث؟! وقد قال الله ﵎: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠].
стр. 189
حكم قراءة القرآن من المصحف في الصلاة
وهل يشرع للرجل وللمرأة أن يقرأان من المصحف؟ يجوّز الجمهور ذلك؛ لأن النبي ﵊ كان يحمل أمامة في الصلاة، فحمل المصحف من باب أولى؛ ولأن ذكوان مولى عائشة كان يؤمها من المصحف، فعلى رأي الجمهور، يجوز أن تقرأ -أيها الإمام- من المصحف، أما العبث الذي يحدث وهو أن المأموم يحمل مصحفاً ويتابع الإمام، فإن النبي ﷺ قال يوماً لأصحابه: (ما لي أنازع! لعلكم تقرءون بعدي؟ قالوا: نعم يا رسول الله! قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن)، فهذه المنازعة لا تشرع، وليس فيها كبير فائدة ولا كبير معنى، والنبي ﷺ قال: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)، وهذا دليل يشجع على حضور الجماعات، وإن كان التأخير إلى الثلث الأخير من الليل أفضل لمن أطاق ذلك؛ وذلك لقول أمير المؤمنين عمر لما رأى أصحاب النبي ﷺ يصلون مجتمعين: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل؛ بل لقول رسول الله ﷺ : (فإن صلاة آخر الليل مشهودة محضورة، فينزل ربنا إلى السماء الدنيا إذا كان الثلث الأخير من الليل، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه).
стр. 190
تفسير قوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) هذا ناسخٌ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، أما ابن عباس فيرى أنه لا نسخ، وأن الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ محمولة على الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، والمرضع والحامل، قال: لهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكيناً.
стр. 191
الحكمة من تكرار قوله: (ومن كان مريضاً أو على سفر)
لماذا قيل: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] مرة ثانية، وقد تقدم ذكرها؟ قال فريق من أهل العلم: إنها أعيدت حتى لا يتوهم متوهمٌ أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ناسخٌ لكل ما تقدم بما فيه نفس الرخصة للمريض والمسافر بالإفطار، فكرر: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥] لإثبات بقاء الرخصة، حتى لا يتوهم شخص أن الرخصة لم تزل باقية للمريض والمسافر في الفطر.
стр. 192
حكم الفطر للشيخ الكبير والحامل والمرضع
فهذا يقودنا إلى معرفة ما على الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام وكيف يصنع؟ على رأي ابن عباس: أنه يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكيناً، وهكذا كان يصنع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه لما كبر سنه، كان يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكيناً.
أما الجمهور فيرون أن الآية منسوخة، فعلى هذا فالشيخ الكبير مخاطب بالصيام إن هو أطاق، فإذا لم يطق فالله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والذمم بريئة ما لم يكن هناك دليل صريح ملزم، والله تعالى أعلم.
أما المرضع والحامل، فما شأنهما؟ فيهما أقوال: القول الأول: إنهما يفطران ويطعمان ويقضيان، أقول: هذا الجمع لا أعلم دليلا عليه، أي: الإفطار مع القضاء مع الإطعام.
القول الثاني: إنهما يقضيان فقط شأنهما شأن المريض وشأن المسافر، وهو قول الأحناف قياساً على المريض وعلى المسافر.
القول الثالث: لا قضاء عليهما ولا إطعام مستدلين بحديث أنس بن مالك الكعبي القشيري: (إن الله وضع عن المرضع والحامل الصوم)، فقالوا: هذا رسولنا بين أن الله وضع عنهما هذا، لكن هل هذا الوضع مؤقت إلى أن تتحسن أحوالهما أم هو وضعٌ كلي؟ لا نستطيع الجزم بأنه وضعٌ كلي؛ لأن الصيام مكتوبٌ علينا، فعلى ذلك بالنسبة للحامل والمرضع يتلخص الأمر في شأنهما لمن أراد الاختيار: أنهما تقضيان إن استطاعتا، فإن لم تستطيعا أطعمتا، فإن لم تستطيعا القضاء ولا الإطعام فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 193
المشقة تجلب التيسير
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] هذه آية ينبغي أن يستصحبها أهل الفتيا دائماً، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهي إحدى آيات رفع الحرج عن أمة محمد ﷺ ، وهي كثيرة ومنها قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣]، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 194
وقت إكمال عدة رمضان ومشروعية الذكر بعد إتمامه
قال تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: عدة رمضان ثلاثين يوماً إن غم عليكم، وإلا فالشهر تسع وعشرون، كما قال ﵊: (الشهر هكذا، الشهر هكذا، الشهر هكذا فخنس إبهامه في الثالثة)، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥]، أخذ منه بعض العلماء مشروعية ذكر الله عند انقضاء الأعمال، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].
стр. 195
الحكمة من إدخال قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي) بين آيات الصيام
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، لماذا أدخلت هذه الآية في ثنايا آيات الصيام؟ قال كثير من أهل العلم: أدخلت هذه الآية بين آيات الصيام؛ لبيان أنه يستحب للصائم أن يكثر من الدعاء، كما قال الرسول ﷺ : (ثلاثة لا ترد دعوتهم)، فذكر منهم: (الصائم حتى يفطر)، وليس حين يفطر فقط، إنما حتى يفطر، فطول اليوم وأنت صائم، لك دعوة مستجابة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، عن أي شأن من شئون ربنا سبحانه سأل العباد نبيهم محمداً ﷺ ؟ هل سألوه عن رحمة الله؟ هل سألوه عن عفو الله؟ عن انتقام الله؟ عن صفات الله؟ كل ذلك ليس المراد هنا، إنما سألوه عن القرب والبعد، قالوا: أقريب ربنا فنناجيه يا رسول الله أم بعيد فنناديه؟! فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، فدليله أنهم لم يسألوه عن شيء في هذا الباب إلا عن القرب والبعد، فحذفت كلمة: (قل) فلم يقل الله: (فقل لهم: إني قريب) بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ للدلالة على القرب كذلك من ناحية النظم القرآني.
стр. 196
حقيقة إجابة الدعاء
وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، هذا يُشكل على من لا فقه له، فيقول: كيف يقول الله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؟! وكيف يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وهاأنذا قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي؟! فكيف يوفق بين وعد الله بالإجابة وبين تخلف الإجابة في الظاهر عن كثير من الداعين؟! أجاب العلماء على ذلك بعشرة أجوبة وأزيد، فمن هذه الأجوبة: إن النبي ﷺ قال -فيما أخرجه أحمد في المسند بسند حسن-: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحم إلا أعطي بها إحدى ثلاث: إما أن يصرف عنه من السوء مثلها، وإما أن يعطى مسألته، وإما أن تدخر له الإجابة إلى يوم القيامة)، فتقول: يا رب! ارزقني، قد ترزق عاجلاً غير آجل، وقد تدخر لك الإجابة إلى الآخرة، وقد تكون هناك مصيبة ستحل بك فصرفها الله عنك، هذه ثلاثة أجوبة.
الجواب الرابع: أن الإجابة مقيدة بمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام:٤١]، فجعلها مردودة إلى مشيئة الله.
الوجه الخامس: أنك تسأل ربك مسألةً ويعطيك ربك خيراً من هذه المسألة وأنت لا تشعر، قد يقول قائل: يا رب! زوجني فلانة، يرى أن في زواجه منها خيراً كثيراً، كما يصنع الذين أولعوا بفتاة أو بامرأة من النساء، ووقع الأمر بهم إلى الحد الذي جعل الشاعر الذي أحب امرأة سوداء يقول: أحببت لحبها السودان حتى أحببت لحبها سود الكلاب!! أحب الكلاب السوداء من أجل أن محبوبته سوداء! انظروا كيف أن الأمر وصل به إلى هذا الحد! كل يوم يدعو: يا رب! زوجني فلانة، وربنا سبحانه يختار لك الخير، فيعلم أن زواجك من هذه المرأة شرٌ عظيم وأنت لا تشعر، قد تفتنك عن دينك، هذا شيء، وقد تتزوجها وتصاب بمرض من جراء زواجك بها، قد تتزوجها فتكون عقيماً، قد تتزوجها فلا تحفظ لك فراشك، قد وقد، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
قد يقول شخص: يا رب! يسر لي (فيزة) إلى الكويت أو إلى السعودية، وطول اليوم يدعو، وربه قد ادخر له رزقاً في هذه البلاد، ويريد حجبه عن السفر لنيل هذا الرزق، ويعلم أنه قد يسافر وقد يصاب بحادث أليم فيرجع مهشم الرأس، مقطع الأوداج، وقد كُسرت عظامه، وهشم وجهه والعياذ بالله! فربنا يختار الأنفع لنا، هو يعلم ونحن لا نعلم.
الوجه السادس: قد تتأخر الإجابة كي تكثر من الدعاء فتثاب، فإنك كلما قلت: يا رب! ارزقني فإنك تثاب؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (الدعاء عبادة)، ولذلك تأخرت الإجابة عن بعض أهل الفضل والصلاح أزمنة طويلة جداً، تأخرت الإجابة عن أيوب ﵊ فلبث في بلائه ثمانية عشر عاماً، حتى رفضه القريب والبعيد إلا اثنان من أبناء عمومته.
(قال أحدهما يوماً للآخر -لما طال أمد المرض بأيوب ﵇: ترى يا هذا! لقد أذنب أيوب ذنباً لم يذنبه أحد من العالمين، قال: لماذا؟ قال: إنه مكث في بلائه ثمانية عشر عاماً وهو نبي ويدعو ولا يستجاب له، فهذا يدل على أنه صنع شيئاً لا نعرفه نحن إنما يعرفه الله، فما صبر الرجل حتى ذهب إلى أيوب وأخبره، فقال أيوب ﵇: الله أعلم بما تقولان، لكن الله يعلم أني كنت أمرُّ بالرجلين يختصمان في مال، فأكره أن يذكر الله في كذب، فأذهب إلى بيتي وآتي بمال من مالي فأدفعه إلى الخصم حتى لا يقسم بالله كاذباً، الله أعلم بما تقولان، وحزن حزناً شديداً ﵇ لهذه المقالة، ودعا ربه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
فخرج يوماً مع زوجته لقضاء حاجته، فانتظرته زوجته وقد كان حيياً ﵇، فذهب بعيداً عنها فأوحى الله إليه بقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]، فضرب برجله فخرج الماء، فاغتسل وشرب فأذهب الله ما بخارجه وما بداخله من داء، فرجع إلى امرأته في أحسن ما يكون، فقالت له: أيا عبد الله! أما رأيت نبي الله ذاك المبتلى؟ فوالله! لقد طال عليّ المقام في انتظاره، فقال لها: أنا هو، قالت: اتق الله! ولا تهزأ بي ولا تسخر مني، فقال: أنا هو، فكررت عليه المقولة وقالت: والله! ما رأيت أحداً شبيهاً به منك إذ كان صحيحاً، قال: أنا هو فحمد الله على ما كان).
الشاهد: أن البلاء لبث به زمناً طويلاً وربه لا يخفى عليه حاله، ولكن كل دعوةٍ دعا بها أبوب أثيب عليها، ومن ثم جاءت التزكية والشهادة، ليست تزكية مزورة، إنما تزكية من رب العالمين، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، ثلاث تزكيات من الله بعد هذا الجهد والعناء الطويل: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥].
كذلك تأخرت الإجابة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ شهراً أو يزيد؛ وذلك عندما قذفت بما قذفت به أم المؤمنين عائشة، ولا شك أنها كانت تدعو ربها، وأن الرسول ﵊ وأهل الإسلام كذلك كانوا يدعون ربهم أن يكشف هذه الغمة، فما جاء الخبر إلا بعد شهر من تهوك المتهوكين وإفك الأفاكين، والرسول يغتم لذلك غماً شديداً، والكل يدعو بكشف الغمة وزوالها، ولكنَّ الجواب تأخر والمصيبة ازدادت، ومصيبة أخرى وهي: أن الوحي ينقطع عن بيت رسول الله من النزول ويتأخر؛ فيتخذ ذلك أهل النفاق ذريعة للطعن في رسول الله، وفي بيت النبوة، ويقولون: ما انقطع الوحي إلا أن البيت تدنس، فبعد ذلك كله يأتي الفرج، عائشة تقول: والله! ما كنت أطمع في أكثر من أن يري الله نبيه رؤيا في منامه يبرئني الله بها، وأيضاً تقول عائشة: لشأني في نفسي أحقر من أن ينزل فيّ وحيّ يتلى، ولكن فضل الله أوسع، فلا شك أن في ذلك كله خيراً لأهل الإسلام، كما قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ﴾ [النور:١١].
فأحياناً تتأخر الإجابة حتى تدعو وتدعو وتدعو، فتثاب وتثاب وتثاب، فكما أن المصلي يثاب والمتصدق يثاب والمعتمر يثاب والذاكر يثاب، فكذلك الداعي يثاب، فالله يختار لك أفضل مما تختاره أنت لنفسك والله أعلم.
стр. 197
من أسباب عدم إجابة الدعاء
فعلى ذلك يلزمك أن تكثر من الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل قيل: وكيف الاستعجال يا رسول الله؟! قال: يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجب لي فيستحسر عن الدعاء فيترك الدعاء)، والناظر إلى حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، تجد أن اليأس لم يتسرب إلى قلوبهم، يعقوب ﵊ سنوات طوال تمر به ويقول في آخرها: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، وزكريا ﵇ مع كبره يقول: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩].
قد يحجب عنك إجابة الدعاء بسبب مظالم العباد، فأنت تدعو ومظلوم يدعو عليك، دعوتك تصعد، ودعوته تصعد تدمر دعوتك، فالنبي ﵊ يقول -فيما يرويه عن ربه ﵎: (وإياك ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين)، أي: ولو بعد زمن، فإن نصر المظلوم حقٌ على الله .
ونضرب في ذلك أمثلة لأصحاب الرسول ﵊: (أروى بنت أبي أوس اختصمت مع سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة في بئر في أرض، فادعت أروى أنها لها، ورفعته إلى مروان بن الحكم فاستدعاه مروان فقال له: أخذت أرض أروى يا سعيد، قال: أنا آخذ أرضها بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ! قال: وماذا سمعت من رسول الله؟ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه يوم القيامة من سبع أرضين، قال: والله! لا أسالك بينة بعد هذا، فقال سعيد بن زيد: اللهم! أعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، فكبرت حتى عمي بصرها، ومرت على البئر التي خاصمت فيها فسقطت فيها، فما استطاعوا إخراجها فكانت قبرها).
ونحوه صنع سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ وذلك لما طعن فيه أهل الكوفة، حين أرسلوا رسالة إلى عمر ﵁: أن سعداً لا يحكم بالسوية، ولا يخرج في السرية، ولا يعدل في القضية، فأرسل عمر إلى مساجد الكوفة من يسأل عن أخبار سعد، فذهب إلى المساجد وكل أهلها يثنون على سعد خيراً، فمر بمسجد لبني عبس، وقال -أي رسول عمر -: أناشدكم بالله أن تقولوا في سعد الذي تعلمونه، فقام رجل فقال: أما وقد نشدتنا بالله، فإن سعداً لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا يخرج في السرية! تعجب سعد من ظلم هذا الظالم المفتري الكذاب، فقال سعد: اللهم! إن كنت تعلم أن عبدك هذا قام رياء وسمعة؛ اللهم! أطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن، فكبر الرجل حتى انحنى ظهره، وسقط حاجبه على عينه، ومع هذه الحال المزرية من الكبر كان يمشي في الطرقات يغمز الجواري ويتعرض لهن، فإذا عوتب قال: أصابتني دعوة سعد رضي الله تعالى عنه.
فإياك ودعوة المظلوم، فقد تدعو ومظلوم يدعو عليك فدعوته تدمر دعوتك.
ومن أسباب حجب الدعاء أنك قد تدعو وأنت آكل للحرام كأكل الربا والرشوة وغيرهما من المحرمات، والنبي ﷺ : (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟)، قد تدعو الله بلسانٍ مغتاب تخوض به يميناً ويساراً في أعراض المسلمين والمسلمات، قد تدعو الله بقلب مليء بالغل والأحقاد والحسد للمؤمنين والمؤمنات، كيف يستجاب لك وأنت تتمنى من قلبك أن تنزل بصاحبك مصيبة، أو أن تنزل بجارك مصيبة، أو أن يخرص لسانه فلا يتكلم، أو أن يصاب بحادث؟! فكيف تدعو الله بقلب حمل هذا الدنس، وحمل هذا الوسخ؟! قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أي: فيما أمرتهم به من دعاء ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أي: ليصدقوني فيما أخبرتهم به، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، والراشد هو المستمسك بدينه على صلابة فيه.
стр. 198
تفسير قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ)
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ما المراد بالرفث الرفث بصفة عامة: يطلق على الكلام الذي يقال عند مقدمات الجماع، ويطلق على الجماع نفسه كذلك، وهنا المراد به الجماع نفسه.
ومن مجيء الرفث الذي يراد به مقدمات الجماع، ما ورد عن رسول الله ﷺ أنه ذكر عبد الله بن رواحة ﵁ فقال في شأنه: (إن أخاً لكم ليقول الرفث)، وذلك أنه قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشق معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أن ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن يمينه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة:١٨٧]، هل كان هذا الرفث حراماً حتى يقال: (أُحِلَّ)؟ كان الأمر في أول فرض الصيام إذا غربت الشمس، لك أن تأكل وتشرب إلى حد أن تنام، مثلاً: لو أن المغرب يؤذن في الخامسة، لك مباح لك أن تأكل وتشرب إلى أمدين: الأمد الأول: إلى أن تنام، أو إلى أن يأتي عليك الفجر، فإذا نمت بعد الساعة الخامسة قبل أن تأكل خمس دقائق أو ساعة حرُم عليك الأكل والشرب إلى اليوم الثاني في المغرب، يعني: إذا نمت مثلاً بعد أذان المغرب مباشرة، فإنه يحرم عليك أن تأكل وتشرب إلى غدٍ وقت الإقطار، ولو نمت في الساعة التاسعة واستيقظت الساعة الحادية عشرة ليس لك أن تأكل ولا أن تشرب.
فكان هناك صحابي يقال له: قيس بن صرمة الأنصاري، كان يعمل، فرجع مجهوداً من العمل، أصابه جهد شديد، رجع إلى بيته فقال لزوجته: هل عندكم طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق أبحث لك عن طعام، فذهبت تبحث له عن طعام، ومن شدة التعب الذي به نام، فلما رجعت ورأته نائماً، علمت أنه لن يأكل ولن يشرب إلا غداً في المغرب، فقالت له: خيبة لك، -ليس المراد بالخيبة على اصطلاحنا- فأصبح من غد صائماً، فلم يستطع أن يواصل فأغمي عليه في النهار، فنزل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ الآية﴾ [البقرة:١٨٧].
وكذلك كان قومٌ يخونون أنفسهم، فهذا عمر رجع يوماً متأخراً إلى امرأته، وأراد منها ما يريد الرجل من امرأته، فقالت له: إني نمت، فقال لها: ما نمت، قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ أي: تخونونها ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧].
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، أي: طول الليل، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، واللباس هنا: السكن والفراش، ليس كما ترجمه بعض الذين ترجموا القرآن، وهم لا يدرون عن معانيه شيئاً، ترجموه بالإنجليزية فقالوا: ((هُنَّ لِبَاسٌ))، أي: هن ( clothes) لكم وأنتم ( clothes) لهن! فهذه الترجمة تنم عن جهل المترجم بروح الدين والشريعة.
стр. 199
مشروعية الاعتكاف في عموم المساجد
وقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧]، فالجماع عند جماهير العلماء يفسد الاعتكاف.
فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فيه مشروعية الاعتكاف في عموم المساجد، أما حديث: (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة)، فالصواب وقفه على حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه، وعلى صحته فهو محمولٌ على نفي الفضيلة الكاملة، أي: لا اعتكاف أفضل من الاعتكاف في المساجد الثلاثة، وذلك لمضاعفة أجر الصلاة في هذه المساجد، والمساجد الثلاثة هي: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٧].
وفقنا الله وإياكم لكل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 200
معنى التوبة والعفو والصفح
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، أما التوبة فهي الرجوع إلى الله، فتوبوا إلى الله: ارجعوا إلى الله، أما العفو: فهو ترك المؤاخذة بالذنب، أما الصفح: فهو إزالة أثر الذنب من القلب.
فمثلاً: رجلٌ شتمك، إذا عفوت عنه لا تشتمه كما شتمك، إذا صفحت عنه تزيل أثر هذه المسبة من قلبك، كما فعل أحد السلف مع جارية أتت إليه بطعام، فلما أتت إليه بطعام كان فيه مرق، وعنده أضياف فأتت مسرعةً فسقط المرق على صاحب البيت أو على الأرض، فأراد سيدها أن يلطمها، فقالت له: إن الله يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فقال: كظمت غيظي، فخشيت أن يعاقبها فيما بعد، فقالت: ويقول: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾، قال: عفوت عنك، قالت: ويقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]، قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله، فالصفح محو أثر الذنب.
стр. 201
معنى المباشرة في الآية
وقوله تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧]، المباشرة: هنا الجماع في هذا الموطن؛ لدلالة قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: الولد.
والمباشرة أيضاً: تطلق على ما دون الجماع، لكن أبيح الجماع، وأبيح ما دونه في هذا المقام، وللصائم في النهار كذلك أن يقبل ويباشر ما دام أنه يأمن على نفسه أن يقع في الجماع؛ وذلك لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان النبي ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، قالت: أيكم يملك إربه كما كان الرسول يملك إربه؟!)، وكان عبد الرحمن زوجاً لـ عائشة بنت طلحة، فدخلا على أم المؤمنين عائشة وهما في عنفوان الشباب، وهما صائمان، فقالت له: يا عبد الرحمن! ما يمنعك أن تقبل زوجتك وتلاعبها؟ قال: يا أم المؤمنين! أقبلها وأنا صائم؟! قالت: كنت أصنع ذلك أنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 202
تفسير قوله تعالى: (وابتغوا ما كتب الله لكم)
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، فيه حثٌ على الأخذ بالأسباب، ذكر العلامة ابن القيم وغيره ما حاصله: لو قام رجلٌ حديث عهد بعرس، هو وزوجته الحسناء من الليل يصليان ويدعوان ربهما: يا رب! ارزقنا الولد، يا رب! ارزقنا الولد، كل ليلة على هذا المنوال ولم يقربها أبداً، ماذا عساها أن تقول له؟! تقول له: أبك خبل؟! أبك جنون؟! ما حدث جماع! هذا يوم ضنك، والجماع سبب من أسباب الحمل.
فالآية مما يستدل بها على مشروعية الأخذ بالأسباب.
стр. 203
بيان مفهوم: (الخيط الأبيض من الخيط الأسود)
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، تأخر نزول قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ)، فكان رجال من أصحاب النبي ﷺ يربطون خيوطاً بيضاء وخيوطاً سوداء في أرجلهم، ويأكلون ويشربون حتى يظهر لهم هذا من ذاك، إلى أن نزل: (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أن المراد: بياض النهار وسواد الليل.
أما مسألة الإمساك التي يقول بها بعض من أهل العلم، فليست أبداً على الإلزام، إنما أخذها البعض من حديث زيد بن ثابت عندما سئل: كم قدر ما بين السحور والأذان؟ قال: قدر خمسين آية، هذا وصف حال، وإلا فقد قال سهل بن سعد: (كنت أتسحر مع أهلي ثم تكون سرعتي أن أدرك السجود مع رسول الله ﷺ ، وفي الآية نصٌ على الوقت الذي لا يؤكل فيه ولا يشرب، ألا وهو: تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.
وأحب هنا أن أنبه على أثر حذيفة بن اليمان -وإن كان ظاهره الحق إلا أنه شاذ ومعلول- حيث قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ فقلت: إنه والله! النهار، إلا أن الشمس لم تطلع)، فهو لا يثبت عن حذيفة ﵁؛ لأنه معلول وشاذ.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، ليس المراد بالليل: اشتباك النجوم، إنما المراد بالليل: غروب الشمس؛ لقول النبي ﵊: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر)؛ ولقوله ﵊: (إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم)، وما وجه الخيرية في قوله ﵊: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) وإنما هي دقائق؟ قال فريق من العلماء: حتى يقطع على جمهور الموسوسين وسوستهم، والله أعلم.
أما الشيعة: ففهموا من الآية: أنهم يمتنعون عن الأكل والشرب إلى أن تظهر النجوم؛ وذلك لأنهم لم يتأملوا أحاديث النبي ﵊ في هذا الباب، فالحمد لله الذي وفقنا لسنته ﵊.
стр. 204
أدب التخاطب
لقد علمنا ديننا الإسلامي الحنيف كيف نتخاطب مع بعضنا البعض، وكذلك مع الأعداء، وبين لنا ما الذي يجوز من القول وما الذي لا يجوز، فأمرنا بحسن الكلام، ونهانا عن البذاءة والفحش واللغو والرفث، وما ذاك إلا لنسد على الشيطان الرجيم الأبواب التي يدخل منها ليفسد ذات البين، وينزغ بين المسلمين.
стр. 205
فقه التخاطب مع الناس
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فحديثنا عن فقه التخاطب مع الناس، فكما أن للصلاة فقهاً، وكما أن للزكاة فقهاً، وكما أن للحج فقهاً، وكما أن لسائر العبادات فقهاً؛ فكذلك للتخاطب مع الناس وللحديث معهم فقه، بث في كتاب الله وبث في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 206
لفت النظر بتكرار الكلمات عند مخاطبة الناس
ثم طريقة أخرى للفت النظر إليك إذا كان لحديثك شأن، ألا وهي تكرار الكلمات كما قال رسول الله ﵊: (ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، فما زال رسول الله ﷺ يكررها حتى قلنا: ليته سكت).
هذا شيء مما يتعلق بأدب الخطاب الوارد من كتاب الله، ومن سنة رسول الله ﷺ ، نسأل الله سبحانه أن يهدينا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، وأن يهدينا إلى الطيب من القول، وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وصلْى اللهُ وَسَلَّمَ وَباَرَكَ على نَبِينا محمد وآله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 207
إثارة كوامن الخير عند الناس
وعليك إذا خاطبت الناس أن تثير الكامن فيهم من خير، وهذا باب قد تقدمت مباحثه مراراً، فإن الله قال في كتابه الكريم: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣] أي: يا ذرية الصالحين المؤمنين المحمولين مع نوح في الفلك؛ لأن المحمولين مع نوح كانوا مؤمنين، فكونوا صالحين مؤمنين كآبائكم، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:٤٠] أي: يا أولاد النبي الصالح والنبي الكريم إسرائيل كونوا صالحين كأبيكم إسرائيل ﷺ ، ونحوه قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) أي: يا من آمنتم بي، وصدقتم رسلي، فهذه أساليب تحيي خصال الخير في القلوب، فتذهب إلى رجل فتقول له: يا ابن الشجاع! الذي بارز الأبطال، أبوك كان شجاعاً وأخوك كان مغواراً، وجدك قتل في سبيل الله، فتقدم وبارز الأبطال، وأحيي مجد آبائك وأجدادك، فيقبل على القتال مندفعاً إليه.
تذهب إلى آخر وتقول: يا ابن العلماء! أبوك كان عالماً، وجدك كان فقيهاً، وأخوك كان قارئاً لكتاب الله، فأقبل على العلم، فحينئذٍ يقبل إحياء لمجد آبائه، وإحياء لمجد أعمامه وإخوانه.
تذهب إلى ثالث فتقول: يا ابن المحسنين! تصدق، أبوك أنشأ مسجداً، وعمك أنشأ مدرسةً، وخالك أنشأ مستشفى، فأقبل وتصدق إن الله يجزي المتصدقين، فيقبل حينئذٍ ويتصدق.
وشتان ما بين مثل هذا القول، وآخر مسموم محموم يقول: يا ابن الجهلاء! ويا ابن الأغبياء! ويا ابن البخلاء! فماذا عساك أن تجني من رجل قلت له: يا ابن البخلاء! من صدقة؟! ماذا عساك أن تجني من رجل قلت له: يا ابن الأغبياء! أقبل وتعلم؟! أكيد أنه سينفر عنك وسيفر منك، فعليك حينئذ أن تهيّج مشاعر الناس لفعل الخير، وأن تذكرهم دائماً بفعل الخير.
وعليك كذلك أن تستعمل عبارات تلفت أنظار الناس إليك، إذا كان ثَمّ أمر تريد بثه في عموم الناس، قال النبي ﷺ لـ جرير بن عبد الله في حجة الوداع: (يا جرير! استنصت الناس -أي: أسكتهم-، ثم قال النبي ﷺ رافعاً صوته: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
لك أن تذكر الناس أيضاً مع رفع الصوت وتضمِّن المسألة شيئين: رفع الصوت، مع التذكير بالخير، كما قال العباس للأنصار يوم حنين: يا أصحاب سورة البقرة! بأعلى صوته، يا من بايعتم تحت الشجرة!.
فيذكرهم بالمناقب التي لهم خاصة، فسورة البقرة نزلت على رسول الله في المدينة، فاختص بها الأنصار، واختصوا بالبيعة أيضاً مع غيرهم، أي: كان لأغلبهم فضل في البيعة تحت الشجرة، فخاطبهم العباس بذلك: يا أصحاب رسول الله! يا أصحاب سورة البقرة! يا من بايعتم تحت الشجرة!.
بصوت مرتفع غاية الارتفاع، وقد كان العباس مشهوراً بالصوت المرتفع، حتى قالوا: لقد زجر أبو عروة الأسد بصوته المرتفع رضي الله تعالى عنه.
لك أن ترفع الصوت أحياناً، وإن كان الأصل هو التوسط في الصوت، لا ترفع الصوت ولا تخفض إلا إذا دعت الضرورات لذلك، فالنبي ﷺ كان في غزوة من الغزوات، ورأى الناس يتوضئون ولا يحسنون الوضوء، فيتركون الأعقاب بلا غسل، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار).
стр. 208
ضرورة اجتناب أهل الفحش والبذاءة والجهل ومداراتهم
ثم اتقِ أيضاً فحش الفاحش البذيء، فالناس ليسوا على شاكلة واحدة، فمنهم الصالحون ومنهم دون ذلك كانوا طرائق قدداً، منهم الذي يفهم وقد امتلأ ذكاء واستنارت بصيرته، ومنهم الجاهل الغبي الذي لا يفقه ولا يفهم، فجدير بك أن تتعامل مع هذا الجاهل بحذر، وأن تتقيه قدر الاستطاعة، فعن عائشة ﵂ قالت: (استأذن رجل على رسول الله ﷺ فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة.
فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله! قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟! قال: أي عائشة! إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه)، فلم يدخل رسولنا معه في ثرثرات أو مجادلات لا فائدة فيها.
جاءه اليهود فقالوا: السام عليك يا محمد! -والرسول يعرف قولهم جيداً، فهم يعنون: الموت لك-، فقال ﵊: وعليكم، فقالت عائشة ﵂: وعليكم السام واللعنة -وشق عليها ما ذكروه لرسول الله- فقال لها الرسول ﷺ : (يا عائشة إن الله لا يجب الفحش ولا التفحش) قالت: يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟!، قال: (قد علمت وقد رددت عليهم، فيستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا)، فالمداراة أصل، فبذيء الأخلاق يُتقى وينفرد عنه، وقد قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وهذه الآية لها مناسبة، فقد تلاها الحر بن قيس رضي الله تعالى عنه على أمير المؤمنين عمر لما جاءه عيينة بن حصن الفزاري -وكان من المؤلفة قلوبهم على عهد رسول الله- فجاء إلى ابن أخيه الحر بن قيس وهو من القراء الذين كان يدنيهم عمر منه، فكان عمر يقرب من مجلسه حملة كتاب الله، فيستشيرهم في مسائله، فكان الحر من هؤلاء الحملة لكتاب الله فقال: يا ابن أخي! إن لك وجهاً عند هذا الأمير -يعني: عمر - فاستأذن لي عليه، فاستأذن الحر بن قيس لعمه عيينة بن حصن الفزاري في الدخول على عمر، فأذن له عمر، فما هو إلا أن رأى عمر فقال له: يا ابن الخطاب! -بهذه اللهجة لهجة البدو الغلاظ الشداد- إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فتعجب عمر من هذا الداخل بهذه الصورة الشديدة اللاذعة في الكلمات، فَهَمّ عمر أن يبطش به، فقال الحر بن قيس -وهذا من بركة كتاب الله وحمله-: يا أمير المؤمنين! إن الله يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وهذا من الجاهلين، قال ابن عباس: فوالله! ما تخطّاها عمر ولا تعداها، كان وقّافاً عند كتاب الله ، فوقف عمر عند الآية ولم يتجاوزها، ولم ينزل بالرجل عقوبة، وقد أحسن في ذلك الصنيع، فالرسول ﷺ قد سمع أكثر من ذلك من عيينة بن حصن ومن غير عيينة بن حصن، ولم يؤاخذهم رسول الله ﷺ بما صدر منهم، وبما خرج من أفواههم من قبيح الحديث والكلام.
стр. 209
جواز التغيير في الألفاظ المعتادة عند التعبير عما في النفس بما يؤدي الغرض
عليك إذا أردت التعبير عما في نفسك أن تغير في الألفاظ تغييرا يؤدي الغرض، ولا يخدش كذلك، قال النبي ﵊ ل عائشة (إني أعرف غضبكِ عليّ من رضاك) قالت: وكيف ذلك يا رسول الله؟!، قال: (إن كنت عليّ غضبى قلت: ورب إبراهيم، وإن كنت عني راضية، قلت: ورب محمد)، قالت: (أجل والله لا أهجر إلا اسمك يا رسول الله!)، فأم المؤمنين تريد أن تعبر عما في نفسها لرسول الله بأسلوب حكيم مؤدب ومهذب؛ لأن رب محمد هو رب إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولكن تخاطب سيد الأنبياء وسيد ولد آدم ﵊، فيشعر بالتغيير في الألفاظ، فحينئذ يدرك أن هناك شيئاً ما قد حدث فيفتش في هذا الشيء، وكان النبي ﵊ لبيباً فاهماً، وهي ﵂ كانت على قدر كبير من الفهم والذكاء؛ فكان الرسول يدخل عليها كل يوم يمازحها ويقرأ ﵍، ولكن لما كان حادثة الإفك كانت يدخل فيقول: (كيف تيكم؟)، فشعرت أن شيئاً ما قد حدث لرسول الله ﷺ في شأنها.
стр. 210
ضرورة التأدب مع الكبار عند التخاطب معهم
عليك أن تعرف أثناء الحديث مع الناس أخبار الناس، فلا تبادر وأنت صغير بالحديث بين يدي الكبير، بل كن ورعاً وكن مؤدباً متخلقاً بأخلاق رسول الله ﷺ ، فللكبير حق وله سابقة في الخير، وعليك أن توقر وأن تحترم الكبير، قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يعرف لكبيرنا حقه) وفي رواية (ليس منا من لم يوقر كبيرنا) وجاء حويصة ومحيصة إلى رسول الله ﷺ يتحدثان، فذهب أصغرهما يتكلم، فقال النبي ﷺ : (كبر! كبر!) وقال عبد الله بن عمر ﵄: (سأل النبي ﷺ أصحابه سؤالاً، فقال لهم: إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن، فأخبروني ما هي؟ قال: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم فإذا أنا أصغر القوم، فهبت أن أتكلم فسكت) الحديث.
فللكبير حق ينبغي أن يؤدى إليه، إذا أردت أن تتكلم فاستأذنه بأسلوب مؤدب وبأسلوب مهذب، كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفعلون.
стр. 211
عدم ذكر مرتكبي الأخطاء بأسمائهم في المجامع الكبرى إلا لضرورة
كذلك لا تذكر أسماء أشخاص بأعيانهم مهما ارتكبوا، لا في المجامع الكبرى، ولا في خطب الجمعة؛ فإن رسولنا محمداً ﵊ ابتلي غاية الابتلاء، وأوذي غاية الأذى من عبد الله بن أبي بن سلول، وكان من ذلك أن قذف ابن سلول زوجةَ رسول الله بالزنا، ومع ذلك يصعد الرسول ﷺ على المنبر فيقول: (من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت عن أهلي إلا خيراً) حتى قال الصحابة: من هو هذا الرجل يا رسول الله؟! أخبرنا من هو؟! وقال سعد بن معاذ: (إن كان منا من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك) ورسول الله ﷺ لم يسمه مع شدة الأذى، وكان ﵊ يكثر أن يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا)، فلا تذكرالناس بأسمائهم بما أذنبوا وما أسرفوا فيه، ولذلك قال ربنا جل ذكره: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ثم أرشد إلى العفو بقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩] فينبغي ألا تذكر أحداً بسوء في المجامع الكبرى، إلا إذا لم يكن هناك بد من إزالة شره إلا بمثل هذا، فتكون حينئذ ضرورة تخرجنا عن أصلنا الذي هو عدم ذكر الأشخاص، والضرورة تقدر بحسبها، وقد ورد في هذا الباب حديث الرجل الذي كان له جار يؤذيه فذهب إلى رسول الله يشكوه، فما ازداد الجار إلا أذى لجاره، فأمره النبي ﷺ أن يخرج متاعه إلى قارعة الطريق، فأخرج متاعه إلى قارعة الطريق، فكان الناس يمرون به ويسألونه: لم أخرجت متاعك إلى قارعة الطريق؟ قال: جاري فلان يؤذيني، جاري يؤذيني، فكلما مر به قوم ورءوا ذلك، سبوا هذا الجار ولعنوه، فجاء الجار مهرولاً قائلاً: ارجع إلى بيتك ولن ينالك مني بعد ذلك إلا الخير.
وهذه الضرورات تقدر بقدرها وبحسبها، والله أعلم.
стр. 212
ضرورة انتقاء الألفاظ الحسنة عند التخاطب مع الناس
انتق الألفاظ التي تتحدث بها، فانتقاء الألفاظ فضل ومنة من الله يمن بها عليك، فالغرض الذي يمكن أن يؤدى بكلمة طيبة فلا تعدل عنها إلى كلمة شديدة؛ لقوله ﷺ : (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه)، وقد وردت للسلف في هذا جملة هائلة من الأقوال.
فمثلاً: رجل ضُرِبَ وجيء بك لتحقق، فإذا قلت: أين المضروب؟! وأين الضارب؟! نال منك المضروب مزيد من الإهانة بكلمتك: (أين المضروب) لكن إذا قلت: أين صاحب الحق؟! فحينئذ ترجع للمضروب شيئاً مما فقد منه، والمؤدى واحد.
روي عن عمر ﵁: أنه مر بقوم في بيتهم نار، فلم ينادي: يا أصحاب النار! وإنما نادى: يا أهل الضوء! فالمؤدى واحد، ولكن الرفق والتفاؤل مطلوب، والكلمات التي تشعر بإزعاج يجب اجتنابها، ففرق بين أن تقول: يا أهل النور! أو يا أصحاب الضوء! وبين قولك الآخر: يا أصحاب النار! أو يا أهل النار! مع أن المؤدى من هذا ومن ذاك واحد.
مثلاً: رجل متزوج بزوجة على زوجة فلا يستعمل لفظ: الزوجة القديمة والزوجة الجديدة، ولكن له أن يقول: الأولى أو الثانية، أو أم فلان وأم فلان والمؤدى واحد.
فالألفاظ التي تخرج منك ويمكن أن تؤدى وتخرج في ثوب جميل، فأدها في ثوب جميل، والمنتبه لهذا من هداه الله، والموفق من وفقه الله، فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤]، فمن الذي هداهم؟ الذي هداهم يقيناً وقطعاً هو الله، وبذلك كان رسول الله ﷺ يسأل ربه ذلك فيقول: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).
وأيضاً عليك أن تراعي مناسبات الحديث، فلكل مقام مقال كما قال الناس، بل وكما سلك رسول الله ﷺ هذه المسالك، فقد تجد من يذهبون إلى عرس ويذكرون الناس بالموت، ويستدل بعضهم بحديث (أكثر من ذكر هاذم اللذات) والحديث صحيح، لكن المناسبة لا تقتضيه، والرسول ﵊ قال ل عائشة - لما قدمت من عرس- يا عائشة!: (ماذا كان معكم من اللهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو)، فانتق مناسبات الحديث، والكلمات التي تصدر منك.
علي ﵁ يقول: (كنت رجلاً مذاءً -أي: كثير المذي- فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ؛ لمكان ابنته مني) لأن سؤال المحارم عما يتعلق بالجماع يؤذي المحارم، ويخدش حياء المحارم، أنت متزوج بفتاة، فكونك تتحدث في الجماع أمام أخيها أو أمام أبيها، أو أمام أقاربها، هذا يخدش -بلا شك- حياء الأخ، ويخدش حياء الأب، ولذلك قال علي: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ؛ لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد فسأل النبي ﷺ ، فقال: اغسل ذكرك وتوضأ)، فللكلام مناسبة.
وانظر إلى فقه الأنصار وإلى ذكاء الأنصار رضي الله تعالى عنهم، لما وقع العباس عم رسول الله ﷺ في الأسر، وجيء به إلى رسول الله ﷺ مقيداً، وأراد الأنصار أن يتركوا فداء العباس إكراماً لرسول الله ﷺ ، فلم يقولوا: يا رسول الله! ائذن لنا أن نترك لعمك فداءه، فحينئذ إذا قالوا هذه المقالة، استشعر منها أنهم يمنون ويتفضلون على رسول الله؛ لأن لعمه الفداء، ولكن انظر إلى هذا الأدب الذي تأدبوا به، فقالوا: (يا رسول الله! ائذن لنا أن نترك لابن أختنا فداءه)، فالأنصار أخوال العباس، فلم يقولوا: ائذن لنا أن نترك لعمك حتى تكون المنة منهم عليه، ولكن قالوا: ائذن لنا أن نترك لابن اختنا فداءه؛ حتى يقلبوا المنة من رسول الله ﷺ عليهم، فانتق هذه الألفاظ وتحدث بها بين الناس، والفاهم من فهمه الله .
стр. 213
ضرورة إمعان النظر في الكتاب والسنة للاستفادة من آدابهما
فأمعن النظر في كتاب الله واستفد هذه الآداب، أمعن النظر في كتاب الله، واستعمل الوسائل التي تربطك بالمخاطب، إذا كان ثَمّ تكليف منك يصدر إليهم، أو طلب منك تطلبه منهم.
فكما أسلفنا ينظر إلى أدب الطلب في قول موسى ﷺ للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، ورد الخضر معتذراً لموسى أيضاً ﵉: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧]، ثم يلتمس له العذر، فيقول له: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٨]، وفي حديث النبي ﷺ أن الخضر قال لموسى: (يا موسى! إنك على علم من الله علمك الله إياه لا أعلمه، وأنا على علم من الله علمني الله إياه لا تعلمه)، فهذا فيه التماس للعذر لموسى ﷺ في عدم قدرته على التحمل في قول الخضر له: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٨] فانظر إلى كتاب الله! وانظر إلى أساليب الخطاب التي سلكها الأنبياء مع الناس واقتبس منها! انظر إلى مقولة موسى لفرعون، وكيف اشتدّ موسى أيضاً مع فرعون مع أنه أمر في أول الأمر أن يقول لفرعون قولاً ليناً؛ لعله يتذكر أو يخشى، ولكن لما أبى فرعون هذا القول اللين، استعمل موسى طريقة أخرى في الخطاب يقتضيها المقام، فقال له فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٣ - ٢٤]، قال فرعون لمن حوله: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٥ - ٢٨]، قوله: (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) يقابل الجنون الذي اتهم به موسى ﷺ ، وإن كان لا يكافئه، وكذلك قول موسى ﵇ لفرعون لما قال له فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا * قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠١ - ١٠٢] أي: هالكاً، فكانت كلمات الشدة أحياناً تخرج على حسب ما يقتضيه المقام.
стр. 214
ضرورة التجاوز عن الزلات عند التخاطب مع الناس
خذ العفو من أخلاق الناس أثناء حديثك معهم، فإذا صدرت من بعضهم بذاءات في شأنك وحسنات، فخذ الحسنات وتجاوز عن الهفوات، وتجاوز عن الزلات، وأمعن النظر في كتاب الله سبحانه، وانظر إلى مقولات الأنبياء وأهل الفضل والصلاح إذ اتُهموا، فكيف دافعوا عن أنفسهم وقت الاتهام! وإذ ظلموا، كيف دافعوا عن أنفسهم أمام الظالمين! فهود ﵇، قومه يقولون له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف:٦٦]، فينفي ويقول: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف:٦٧]، ونوح يقولون له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف:٦٠]، فيقول: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف:٦١]، فنوح ينفي عن نفسه الضلال، وهود ينفي عن نفسه السفه، فهما لم يردا المقالة بمثلها، فهو لم يقل لهم: بل أنتم السفهاء، ونوح لم يقل لهم: بل أنتم الضلال، لا يريدان أن يسعرا حرباً أخلاقية معهم، لا فائدة فيها ولا محصلة من ورائها، ولكن غاية ما صنعا أنهما نفيا عن أنفسهما السفاهة والضلال.
وانظر أيضاً إلى سائر قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع من عاداهم، ومع من ظلمهم، واستفد من كتاب الله هذه الأخلاق الحميدة.
يوسف ﷺ هو النبي الذي اتهم من قبل امرأة العزيز، وقبل ذلك أُلقي في غيابة الجب إلى غير ذلك، وابيضت عينا أبيه من الحزن فهو كظيم لفقده، ويأتيه إخوته بعد ذلك فيقول لهم مقالة منبهة مذكرة: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف:٨٩ - ٩٠] بتواضع وخضوع، ولم يقل: أنا العزيز يوسف، أو أنا الملك يوسف، ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، فقالوا حينئذ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩١]، فيقول لهم ﵊: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ [يوسف:٩٢]، (لا تثريب) أي: لا تعيير ولا توبيخ ولا تأنيب، ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٩٢]، ويوفي بما عاهدهم عليه، فلما دخل عليه أبواه وإخوانه مصر قادمين من بلادهم قال: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف:١٠٠] ولم يقل: إذ أخرجني من غيابة الجب؛ حتى لا يُذَكِّرَ إخوانه بالذنب الذي صدر منهم، فقد وعدهم أنه لن يوبخهم ولم يؤنبهم، فلذلك قال: ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠]، ثم حمّل الشيطان التهمة كلها بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:١٠٠].
стр. 215
ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم
وينبغي أن تخاطب الناس على قدر أفهامهم، وعلى قدر عقولهم، أما إذا خاطبتهم بطريقة واحدة تخاطب عالمهم وجاهلهم بأسلوب واحد، وتحرص على ألا ينزل خطابك عن درجة معينة؛ فأنت حينئذٍ لست بمسدد ولست بموفق، قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! وروي عن ابن مسعود أنه قال: ما أنت بمحدث الناس حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، ولما أخبر النبي ﷺ أبا هريرة: (بأن من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، وخرج أبو هريرة ليخبر بذلك الناس، فكان أول من لقيه عمر، فأخبر عمر بذلك، فضربه عمر ضربة أسقطته على استه على الأرض، فرجع أبو هريرة مذعوراً إلى رسول الله ﷺ يقص عليه نبأ ما دار بينه وبين عمر، ودخل عمر في إثره، فقال: يا رسول الله! إذن يتكلوا ويتركوا العمل يا رسول الله! فقال الرسول ﷺ : إذاً: فلا تخبرهم يا أبا هريرة!)، ونحو ذلك حديث معاذ بن جبل حين قال له رسول الله ﷺ : (لا تبشرهم فيتكلوا)، ولكن معاذاً أخبر بها عند موته تأثماً، أي: خشية الوقوع في الإثم.
**.
следующие страницы →