Полный текст (802 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
كيفية الجمع بين إخفاء النعمة عن الحاسد وبين الإحسان إليه
السؤال
كيف التوفيق بين أن تخفي النعمة عمن تظنه يحسدك وأن تعطيه وتحسن إليه؟
الجواب
نقول: حتى لا يصل الشخص إلى مرتبة الحساد فأكرمه قبل أن يحسدك، والله أعلم.
стр. 317
أقسام الرؤى
السؤال
امرأة ترى في المنام ما يرى الرجال، وهي ترى رجالاً يعاشرونها معاشرة الزوج وهي لا تعرفهم! هل هؤلاء جن؟
الجواب
هذه الرؤيا من الشيطان -والعياذ بالله- أو حديث نفس، الرؤى على ثلاثة أقسام: إما رؤيا من الله، أو حديث للنفس، أو رؤيا تخويف من الشيطان.
стр. 318
المقصود من حديث: (من صلى لله أربعاً في أول النهار)
السؤال
حديث: (من صلى لله أربعاً في أول النهار) هل يقصد بها صلاة الضحى؟ وما تخريج الحديث؟
الجواب
لا يقصد بها صلاة الضحى، يقصد بها صلاة أربع ركعات أول النهار.
أما تخريج الحديث فهو في مسند الإمام أحمد، وفي سنن الترمذي من حديث نعيم الغطفاني وإسناده صحيح.
стр. 319
الدعاء سبيل الشفاء
السؤال
أخ قريب كان ملتزماً وهو طالب في كلية الهندسة، وأصيب بمس منذ خمس سنوات وعولج بالقرآن وكذلك عولج عند طبيب نفسي ولكنه ما زال مريضاً؟
الجواب
الله هو الذي يكشف الضر : ﴿َيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٤١]، لا يلزم من كونك تقاضيت العلاج أن تشفى، فالله هو الذي يكشف الضر، وأيوب ﷺ لبث به بلاؤه ثمانية عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلى أن دعا ربه، فباب دعاء الله مفتوح لا يغلق، فعليك به.
стр. 320
فروق بين عدة كلمات في باب النكاح
السؤال
ما الفرق بين الزواج والنكاح والعقد والتسري والوطء والدخول والبناء؟
الجواب
التفريق الدقيق لا أستطيعه الآن، الزواج والنكاح: الزواج من الازدواج أن يكون للشخص زوجة، الزواج أن يتزوج الشخص، والعقد يجعلك بدل أن تكون شخصاً تكون زوجاً معك زوجة.
أما النكاح: فأغلب ما يطلق في كتاب الله على عقد الزواج فحينئذ يتساوى مع الزواج، لكن أحياناً يطلق النكاح على الجماع كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] أي: حتى يتزوجها ويجامعها.
أما العقد: فمعروف، يتساوى مع الزواج.
أما التسري: أن تتملك أمة من الإماء فتستمتع بها، فالتسري مع الإماء ليس مع الزوجات.
أما الوطء فهو الجماع، والدخول هو: الجماع، والبناء كذلك.
стр. 321
حكم العمليات الاستشهادية
السؤال
قرأت في إحدى مجلات التوحيد في العام الماضي فتوى بعدم شرعية العمليات الاستشهادية لحركة حماس! وقد استأت جداً لهذا الكلام، وخاصة أن الكثير من العلماء اعتبرها من أفضل أنواع الجهاد؟
الجواب
هذه المسألة مازالت محتاجة إلى تحرير دقيق؛ لأن مسألة النصوص الخاصة فيها قليلة، فعند الفتيا فيها تحتاج إلى تجميع نصوص عامة وبعض المرويات الخاصة في هذا الباب، فمثلاً: قد يقول قائل بالجواز -مع أننا نحكي فقط ولا نقطع في الحكم الآن والله أعلم- لأمور ظهرت في أول وهلة عند البحث في هذه الجزئية، مثل ما صح في قصة أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال الراوي عنه: خرجنا إلى غزو الروم ومعنا أبو أيوب الأنصاري فخرجت لنا الروم بجمع عظيم، وخرجنا نحن المسلمون أيضاً بجمع عظيم، فلما تصاففنا قفز رجل من المسلمين إلى صفوف الروم ودخل في وسط الروم يقتلهم فقتل، فقال المسلمون: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: كلا، ما ألقى بيديه إلى التهلكة إنكم تفهمون -أو قال لفظاً قريباً من هذا- الآية على غير وجهها، إن هذه الآية: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: نزلت فينا معشر الأنصار.
стр. 322
حديث الأذان والإقامة في أذن المولود
السؤال
ما صحة حديث الأذان والإقامة في أذن المولود؟
الجواب
الأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في الأذن اليسرى حديث ضعيف، كذلك: (تصدق بوزن شعره ذهباً) حديث ضعيف.
стр. 323
حديث: (من استنجى من فساء أو ضراط)
السؤال
ما حال حديث: (من استنجى من فساء أو ضراط ليس مني)
الجواب
لا أعرف شيئاً عن هذا الحديث أبداً، وأظنه إلى الوضع أقرب منه إلى الضعف.
стр. 324
علاج السحر بالرقى الشرعية
السؤال
بالنسبة لربط الرجال عند الزواج، هل يجوز الذهاب إلى الشيخ لعلاج هذا الربط؟
الجواب
أي شيخ؟! ارق نفسك بـ (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، واصدق في التوكل على الله، وذلك أولى من أن تذهب إلى شيخ إلا إذا لمست الصلاح في رجل ليس هو المتخصص الذي يعالج من العفاريت، ويضع يده على النساء، ويغش الناس، ويجعل النساء في غرفة ويقرأ على الجميع، والتي تصرخ تصرخ والتي تصيح تصيح! هذه الخرافات التي لم تكن على عهد الرسول ﵊، إذا لمست الصلاح في شخص يأتي ليرقيك رقية شرعية كما كان الرسول يرقي، أو ارق نفسك بنفسك، فقد كان الرسول ﷺ إذا اشتكى نفث في يديه المعوذات ومسح بهما سائر جسده.
وأبو سعيد الخدري لما كان في سفر ووجد رجلاً لديغاً -ولم يكن متعلماً للرقية- ولا شيء، جلس ورقاه بفاتحة الكتاب، قال: (وما أدري أنها رقية)، فارق نفسك، وأحسن الصدق والتوكل على الله، وأكثر من الأذكار الواردة عن رسول الله في هذا الباب مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، والآيتين الأخريين من سورة البقرة، وكل ما ورد فيه نص.
стр. 325
حكم إسبال اليدين بعد الرفع من الركوع
السؤال
ما الأصح من أقوال العلماء في اسدال اليدين بعد الرفع من الركوع؟ هل توضع على الصدر أم تسدل؟
الجواب
هذه المسألة من المسائل التي تحتمل الوجهين، فيجوز لك -على رأي فريق من العلماء- أن تسدل يديك، ويجوز لك أن تضع اليمنى على اليسرى؛ لأن الأدلة ليست صريحة في هذا الباب، فمن قال: تسدل، قال: لأن النبي ﷺ كان إذا قام من الركوع رجع كل مفصل إلى موضعه، وقالوا: هذا هو الوضع الطبيعي للمفصل، ومن قال: تضع اليد اليمنى على اليسرى استدل بعموم: (رأيت النبي ﷺ واضعاً يده اليمنى على اليسرى في الصلاة) و (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة)، وثم أدلة لهؤلاء، وأدلة لهؤلاء لكن ليست صريحة.
стр. 326
مسألة تقديم اليدين أم الركبتين عند السجود
السؤال
هل تقدم اليدين أم الركبتين عند النزول إلى السجود في الصلاة؟
الجواب
بعد ما درست المسألة وقرأت بعض كتب إخواننا الأفاضل من المحققين وكتب علمائنا الأوائل الأفاضل الذين بحثوا المسألة اتضح لي أن الأحاديث الواردة في الباب لا تثبت، وقد أُلفت رسائل في هذا الباب ومنها: رسالة لأخينا الشيخ الفاضل: أبي إسحاق حفظه الله بعنوان: نهي الصحبة عن النزول بالركبة، ورسالة في المقابل لأحد إخواننا أيضاً في السعودية في إثبات النزول بالركبة، ولـ ابن القيم بحث في إثبات النزول في الركبة في تعليقه على سنن أبي داود.
فبعد النظر في الأقوال وجدت أن الأقوال محتملة، فهناك مسائل تحتمل الوجهين للعلماء، فإذا تبنيت رأياً واعتقدت صحته اعمل به، ولكن في مثل هذا الموطن لا تثرب على من رأى الرأي الآخر مادام مدعماً بالدليل.
стр. 327
حكم مصافحة العمة والخالة
السؤال
ما حكم مصافحة النساء المحارم مثل: الخالة والعمة؟
الجواب
لا بأس في ذلك.
стр. 328
حكم الرجوع في الهبة
السؤال
اقترض شخص مبلغاً من المال ولما قام بالسداد حلف الآخر بعدم أخذه، ثم رجع وطالب به، فهل من حقه أم لا؟
الجواب
الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه، لكن لعله احتاج أن ترد إليه ماله، فلا تتشبث بالمال فيكون كريم الأخلاق وتكون دنيء الأخلاق، فقد أقرضك مبلغاً من المال فجئت تسدد إليه المال، قال: لا والله! لن آخذه، كرماً منه وفضلاً منه، فلعل الله وسع عليه في ذلك الوقت، وأرجأه منك إلى وقت آخر، لكن هب أنه قال: لن آخذه وليس إرجاءً، وبعد ذلك احتاج إليه فطلبه، فكن أنت كريماً ولا تسأل: هل من حقه أو ليس من حقه؟ فأخلاق الكرام لا تستدعي مثل هذا الموقف، بل أخلاق الكرام: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 329
حكم أخذ المخطوبة شيئاً من المهر بعد الفسخ
السؤال
بعد فسخ الخطوبة كان الرجل هو الراغب، هل من حق المخطوبة أخذ (الشبكة) مع العلم أنها جزء من المهر؟
الجواب
الخطبة لا تجيز للمرأة أن تأخذ أي شيء من الصداق، أما العقد فيجعل المرأة تأخذ نصف الصداق إذا طلقت قبل الدخول بها، أما الخطوبة فلا يحل للمرأة إلا الهدايا التي تتداول، فالراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه.
стр. 330
وقت أذكار المساء
السؤال
متى تقال أذكار المساء بعد العصر أم بعد المغرب؟
الجواب
رأي الأكثرين أنها بعد العصر، والله أعلم.
стр. 331
منهج ابن حزم في العقيدة
السؤال
هناك قول يقول: إن ابن حزم جهمي في العقيدة! هل هذا صحيح؟
الجواب
نعم، وصف ابن حزم بأنه جهمي جلد في العقيدة، مع أنه ظاهري في مسائل الفقه إلا أن قدمه زلت في العقيدة زللاً شديداً حتى وصفه عدد من العلماء بأنه جهمي جلد.
стр. 332
حكم إرضاع الطفل حولين كاملين
السؤال
: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] هل هذه الآية للوجوب؟
الجواب
ليست للوجوب؛ لأن في الآية ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فليست للوجوب.
стр. 333
وجوب رد الحقوق إلى أهلها
السؤال
شخص عند استلام مرتبه وجد به زيادة خمسين جنيهاً عن مرتبه ولم يقم بإعادتها للخزينة، وقد تم سداد العجز للخزينة من زيادات رصيد مبيع قسم البيع، ولما لم يعرف الآن صاحب المال قام بالإنفاق بقيمة المال على المسجد فهل قد سقط الدين عنه؟
الجواب
نرجو الله أن يكون قد سقط الدين عنه مادام أنه لم يدفعها لشخص بعينه، أما إذا كان القائم على الخزينة هو الذي يتحمله فلا يسقط عنك الدين، لكن مادمت قلت: إن قسم البيع قد سدد المبلغ، ففي هذه الحالة سقط عنه، والله أعلم.
وإذا كانت حكومة فالأمر غير القطاع الخاص، فالمسجد أيضاً من مهمات الحكومة أن تنفق عليه، لكن إذا كان قطاعاً خاصاً فلا بد أن يرجع إلى صاحب المال، فالقطاع الخاص لا بد أن ترد المال إلى صاحب العمل.
стр. 334
فضل حلق الذكر
السؤال
أحضر كثيراً من دروس العلم التي لست بحاجة إليها الآن، وهذا يضيع كثيراً من وقتي، حيث أن هناك أشياء أهم بالنسبة لي، فأنا أرى أن أقرأ الكتب بنفسي في المنزل، فما الرأي في ذلك؟
الجواب
عليك أن تقدر مصلحة نفسك، لكن على الأقل لا تحرم نفسك بين الحين والآخر من أن تحفك الملائكة، ومجالس الذكر (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) ثم إن هناك شيئاً قد تقرأه بنفسك وتضل ولا تفهم شيئاً على وجهه الصحيح، ولكن عند مجالستك إخوانك يظهر لك الشيء الذي خفي عليك.
كنت أدرس مرة في بداية تحقيق الأحاديث منذ سنوات طويلة فوجدت في السند رجلاً اسمه الحرث، فجلست أبحث مدة يوم كامل في كتب الرجال والجرح والتعديل فما وجدت أبداً هذا الاسم، فبكل بساطة قال لي أحد إخواني الذين سبقوني في الطلب: هو أصلاً الحارث، لكن الأوائل لا يكتبون الألف بل يكتبونها: الحرث، كهاشم لا يكتبون الألف، ويكتبون: هشم، ويضعوا ألفاً قد تسقط أحياناً، وقد جلست يوماً كاملاً وأنا في البحث حتى كدت أتعقد من التعب والإرهاق! فأحياناً إخوانك الكبار يفيدونك.
وأحد الإخوة تعب تعباً شديداً في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]،لم يفهم الآية، يقرأ التفاسير ولم يفهم أيضاً فذهب للشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمة الله عليه، وبكلمة واحدة فسر له الآية، قال: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لهذا الولد، لكنه مستحيل أن يكون للرحمن ولد فأنا لن أعبد إلا الله.
مثال ثالث: شخص كان داخل البيت ثم جاء وهو مهموم بهم بالغ اعتراه، فسئل: لماذا -يا أخي- أنت مهموم؟ فكل البيوت تحدث فيها مصائب، والابتلاء لكل مسلم فما هو الشيء الذي يجعلك مهموماً؟ فقال: أنا أحتلم كثيراً ولا أجد ماء، فماذا أصنع؟ وكأن هم الدنيا كله فوق رأسه، فإذا كنت تحتلم كثيراً ولا تجد الماء فتيمم، فكأن الهم أزيح من على قلبه، وهو أمر يعرفه القاصي والداني! ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣] لكن غاب عنه مسألة التيمم، فأحياناً كلمة واحدة تشفى بها من إخوانك، وبركة مجلس العالم ومجالس الذكر تثبت بها، وكذلك الملل الذي يتسرب إليك وأنت في البيت.
وحلق الذكر تحضرها الملائكة وتنزل عليها السكينة، تحضرها ملائكة أخر غير الملائكة الذين يحفون بأجنحتهم، وهم الملائكة الذين ينقلون الصلاة إلى الرسول ﷺ ، فأوقات المجالس في صحائف الأعمال يوم القيامة فكلها خير وبركة، أما في البيت فجلوسك مع زوجتك قد يشغلك عن المذاكرة.
стр. 335
خطورة حمل السلاح خوفاً من اعتداء شباب سيئين
السؤال
هل يجوز لي حمل السلاح بسبب الخوف من شباب فاسد تشاجرت معهم، فأخاف وأشعر بالرعب منهم، وهذه الحالة سببت لي عدم التركيز؟
الجواب
استغفر الله من ذنبك الذي سلط عليك هذا العدو؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، فاستغفر الله وقل: حسبي الله ونعم الوكيل، وأكثر منها، فلما قال الناس لأصحاب رسول الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]، فأنت تذكر أن حالتك هي عدم التركيز، فأنت في هذه الحالة العقلية قد تبطش بالذي أمامك، فلا تحمل سلاحاً في مثل هذا الموطن، فقط أكثر من الذكر والاستغفار، وادفع بالتي هي أحسن السيئة، وأدخل وسطاء يصلحون بينك وبين هؤلاء الأشقياء.
والله الهادي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 336
أفضل أيام العام
أيام العشر الأول من ذي الحجة من أفضل أيام العام وأجلها على الإطلاق، فحري بالمسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم بالتقرب إلى الله تعالى بالطاعات والأعمال الصالحات، حتى ينال من الجواد الكريم أعلى الدرجات، ومن هذه الأعمال الصالحة التي ينبغي للعبد أن يحرص عليها في هذه الأيام: الصلاة، والصيام، والصدقة، وذكر الله، والحج، والإقلاع عن الذنوب والمعاصي.
стр. 337
فضل العشر الأول من ذي الحجة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإننا في مطالع الأيام المباركة، فالعشر الأول من ذي الحجة خير أيام العام على الإطلاق، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني: العشر الأول من ذي الحجة-، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم بنفسه وبماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء)، فهذه هي أفضل أيام العام على الإطلاق، تفوق أيام رمضان، ولما قابل العلماء بين هذه الأيام وبين العشر الأخيرة من رمضان كان توسط قولهم أن قالوا: إن نهار الأيام العشر الأول من ذي الحجة أفضل من نهار أيام العشر الأخر من رمضان، وليالي العشر الأخر من رمضان أفضل من ليالي العشر من ذي الحجة.
فعلى كل لهذه الأيام فضيلة كبرى سمعتموها في حديث رسول الله ﷺ الآنف، بل قد أقسم بها ربنا في كتابه الكريم -على قول لبعض المفسرين- فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، فهذه أفضل أيام العام على الإطلاق، ومن المعلوم أن فضائل الأيام إذا عظمت عظمت حرمات هذه الأيام كذلك، فكما أن الحسنات تتضاعف لمن أقبل فيها على العمل الصالح، فكذلك الذي ينتهك حرمة هذه الأيام بالذنوب والمعاصي تتضاعف آثامه، كما قال فريق من أهل العلم.
فنحن في يوم من أيام العشر من ذي الحجة في شهر من الأشهر الحرم وفي يوم جمعة فتوالت الفضائل في يومنا هذا الذي نحن فيه، فكما سلف أن فضائل يوم ما أو شهر ما إذا زادت زادت الآثام فيها لمقترف الآثام، وهذا له أدلته من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، فقد سأل النبي ﷺ أصحابه يوماً -ألا وهو يوم النحر- قائلاً: (أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: أليس بيوم النحر؟ قالوا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس بالشهر الحرام؟ قالوا: بلى، ثم قال: أي بلدة هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليست البلدة الحرام؟ قالوا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد)، فإذا عظمت الفضائل عظمت الحرمات.
ولذلك لما عظم قدر نبينا محمد ﷺ عظم الافتراء عليه، فقال ﵊: (إن كذباً عليَّ ليس ككذب على أحدكم، من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، ولما عظم قدر أزواج النبي ﷺ وعظم فضلهن كذلك عظم الذنب منهن، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣١]، وقال سبحانه في شأن بيته الحرام: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥] وفي الوقت نفسه فإن الصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة.
فلهذا قال فريق من أهل العلم: إن الأيام إذا عظمت حرماتها عظم ثوابها وعظم الإثم على من اقترفه، وقد قيّد ذلك أيضاً بعدة من الأدلة، فقد عظّم النبي ﷺ مسجده -المسجد النبوي- والصلاة فيه تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، ولذلك من حلف على يمين فاجرة عند منبر رسول الله ﵊ في وقت فضيل ألا وهو بعد صلاة العصر فإنه مرتكب لكبيرة من أبشع الكبائر، ومن حلف على يمين فاجرة في مسجد رسول الله بعد صلاة العصر إثمه أبشع، وجرمه أكبر.
стр. 338
الأعمال المستحبة في العشر الأول من ذي الحجة
وبعد هذا الاستهلال نذكر بهذه الأيام، وبشيء من العمل الصالح الذي ينبغي أن يُفعل فيها، إذ المقام بذلك أليق.
فمن المعلوم أن الفرائض كلما عظمت عظم نفلها كذلك، ومن المعلوم أن الإسلام بني على خمسة أركان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، ,وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) فلما كان الإسلام مبنياً على هذه الخمسة كان نفل هذه الخمسة أعظم النفل على الإطلاق، فنفل الفرائض هو أعظم النفل، فلذلك قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله الذي به ينعقد إسلام الشخص، هو أفضل القربات التي يتقرب العبد بها إلى ربه ، كما ورد عن رسول الله ﷺ في حديث يصح لشواهده: (أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله) ولا إله إلا الله كذلك يرد معها عموم ذكر الله ، فإن الله سبحانه قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
أما ما المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]؟ فالعلماء لهم فيه أقوال مشهورة.
أشهرها: أن ذكر الله لك إذا أنت ذكرته أكبر من ذكرك له، كما في الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) فهذا القول الأول.
والقول الثاني: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] أي: ذكر الله في الأصل أعظم من الصلاة، فإن الصلاة إنما شرعت لذكر الله، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] أي: أقم الصلاة لتذكرني فيها.
والقول الثالث: أن قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] أي: مراقبة الله عند محارمه أعظم من الصلاة كما قال بعض المفسرين، وإن كان أكثرهم على القول الأول.
стр. 339
الحج
وأما الحج من سبق به فهنيئاً له بالسبق، ومن منع الحج وحرمه -فكما أسلفنا- يسأل ربه سبحانه أن يكتب له ثوابه، فإن الله سبحانه كما أنه يجازي على الأعمال الصالحة فهو سبحانه من كرمه يجازي على النيات الصالحات، وقد قدمنا في ذلك حديث نبينا محمد ﷺ : (إن في المدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شاركوكم الأجر، حبسهم العذر).
стр. 340
التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي
فيا عباد! الله اغنموا أعمالاً صالحات في هذه الأيام، ذكروا الناس بالله، من كان مسرفاً على نفسه فليقلع عن إسرافه، ومن كان مداوماً على عادة سيئة خبيثة فليقلع عنها، وليستح من ربه في هذه الأيام الطيبة المباركة، ومن كان ملازماً لعادة التدخين الخبيثة فليقلع عنها، ولينصح إخوانه بالإقلاع عنها، فالمدخن والله لا يسمي الله عند تدخينه، إذا تناول السيجارة هل يقول عند تناولها: باسم الله؟ إذا انتهى من شربها هل يقول: الحمد لله؟ هل يفعل ذلك؟ هل يدخل إهداء رجل لرجل سيجارة تحت حديث نبينا محمد ﵊: (تهادوا تحابوا) هل يدخل في هذا الباب؟ هل تدخل السيجارة في الطيبات، أم أنها تدخل في الخبائث؟ هل تدخل في النافع للأجسام والأبدان، أم أنها تدخل في المضر للأجسام والأبدان؟ هل هناك طعام يطعم أو شراب يشرب ثم يمتهن ويهان كالسيجارة؟ فبعد شربها توطأ بالأقدام، هل رائحتها طيبة؟ إذا جئت تصافح المدخن وإذا جئت تسلم عليه هل رائحته طيبة أم إن رائحته خبيثة؟ ولكنك تجده يتعامى عن مشاعر المسلمين! إن النبي ﵊ قال: (إذا أكل أحدكم ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مساجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) أما هذا المدخن المتعامي شارب السيجارة، والله إن أهل الخير والصلاح يتقززون منه عند الاقتراب من فمه لما يخرج من فمه من رائحة نتنة، ومن رائحة خبيثة، فالشيطان قد أفسد عليه أمره، وأعماه عن خبث رائحته، كما هو فعل الشيطان بأوليائه ومريديه ومطيعيه، هل الملائكة تقبل عليه كما تقبل على حامل المسك؟ فإذا طيب العبد فمه بالسواك تقبل الملائكة على فمه كما قد حُسن في ذلك حديث، فلا يخرج شيء من فيِّ القارئ المطيب بالسواك إلا وقد دخل في فيِّ الملك، كما حسنه بعض العلماء، هل هذا يكون مع الذي لوث فمه بالسيجارة؟ فاعقلوا يا عباد الله! وليتق الله أصحاب البقالات الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويؤثرون الدنيا على الآخرة، ولا يبالون إلا بإدخال المال عليهم، ألا يتقي الله بقال يجلب السجائر ويبيعها للناس، يضر بأجسامهم ويذهب بأموالهم مقابل متاع رخيص زائل فانٍ ألا وهو جنيهات معدودات، يدخلها على بيته فيصبح بيته مهدداً بالأوبئة والأمراض، وقد يخرج أحد أبنائه عاقاً يذهب له بالأول كما يذهب له بالآخر.
إن البركة من الله سبحانه، البركة في الرزق الحلال الطيب يا عباد الله! فمن كان ملازماً عادة خبيثة وسيئة كشرب السجائر، وكالإدمان على النظر في شاشات التلفاز القبيحة، وفي (الفيديوهات) المدمرة، وفي أجهزة البث، وأجهزة الإعلام المفسدة للأخلاق، المدمرة للإيمان، المدمرة لأعراض المسلمين والمسلمات، من كان مديماً للنظر في هذه القاذورات فليقلع عنها فإن رب العزة يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦].
هل تظن يا من نظرت إلى امرأة متبرجة في التلفاز أنك لست بآثم، ويا من نظرت إلى رجل في التلفاز هل تظنين أنك لست بآثم؟ أين قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]؟ هل تظن يا من تنظر إلى امرأة متبرجة في التلفزيون أنك لا ترتكب معصية؟ إن كل ذي فطرة سليمة وكل ذي ذوق سليم يعلم تمام العلم أنه آثم بنظره إلى ما حرم الله، ولكن ثم مكابرون، وثم مجادلون، وكما قال ربنا لنبينا محمد: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فإذا جادلت البشر فمن ستجادل يوم القيامة؟ إذا جادلت عن نفسك وعن ذنوبك في الحياة الدنيا أمام عباد الله، فكيف ستجادل ربك يوم القيامة؟ إن يوم القيامة ليس كأيام الدنيا ﴿تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١] لكن كما قال تعالى: ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١].
فالزم مراقبة الله، وأخرج من بيتك هذه القاذورات، لا تدخل بيتك سيجارة، ولا تدخل بيتك تلفزيون، ولا تدخل بيتك تصاوير تطرد الملائكة الكرام من بيتك، (فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة) كما قال النبي ﵊.
فيا عباد الله! هذه أيام طيبة، تكرم الله وتفضل بها علينا، فأكثروا فيها من عمل الصالحات وأقلعوا فيها عن الذنوب والمعاصي والآثام، ووالله إن أمركم جميعاً لا يخفى على ربكم سبحانه، فها أنتم في هذه البلدة كبيرة الحجم تودعون وتشيعون كل يوم عزيزاً عليكم تقبرونه، ويقف جميعكم أمام القبر، يذكر بالله، أو يستغفر للميت، ولا يرجع بعبرة، فخذوا العبر من دنياكم ومن أنفسكم، ففي ذلك آيات لأولي النُهى.
اللهم آتنا رشدنا يا رب العالمين! واجعلنا من السابقين إلى الخيرات بإذنك يا رب العالمين! اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأفعال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
стр. 341
الأضحية للموسر
ثم مع ذلك معشر الإخوة من وجد منكم سعة فليضح، فإن الأضحية قربة يتقرب العبد بها إلى ربه ، ويمتثل فيها أمره حيث قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ويمتثل أمر ربه حيث قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، هذه قربة من القربات نتقرب بها إلى الله سبحانه، فالزم شروطها التي سنها رسولك محمد ﵊، وقد سبق بيانها، ولتكن بعد صلاة العيد لا قبله، فإن النبي ﵊ لما جاءه أحد أصحابه وقال: (إن ذبحت قبل الصلاة يا رسول الله؟! قال: شاتك شاة لحم) أي: ليست من النسك في شيء.
стр. 342
الإصلاح بين الناس
فيا عباد الله! تذكروا إخوانكم الجياع والعراة، وتذكروا الأيتام، وتذكروا كذلك الأرامل في هذه الأيام، تذكروا أيضاً من بينهم خصومات من إخوانكم، واتقوا الله وبادروا بالصلح فيما بينهم، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١] فاتقوا الله! فإن لم يكن كلام ربنا موجهاً لنا فلمن؟ ولمن وجه قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]؟ فبادروا بالصلح بين أهل الخصام، بادروا بالإصلاح بين المتخاصمين ابتغاء وجه الله، لا ليقال عنكم إنكم أهل إصلاح، ولكن بادروا بالصلح ابتغاء وجه الله، وليعلم المظلوم أن الله قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤].
стр. 343
الصلاة
أما الصلاة فشأنها عظيم وشأن مقدماتها عظيم، فابتداؤها أذان المؤذن، وفي فضل المؤذن أنه لا يسمع مدى صوته إنس ولا جان إلا شهد له يوم القيامة، ولا يسمع صوته حجر ولا مدر ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة، ثم أنت بذهابك إلى الصلاة تخطو خطوة ترتفع بها درجة وخطوة أخرى تزال عنك بها خطيئة، ووضوءك للصلاة يغسلك من الذنوب ويغسلك من الخطايا، كما قال النبي ﵊: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل ترون أن ذلك يبقي من درنه شيئاً؟ قالوا: لا يبقي ذلك من درنه شيئاً -أي: من أوساخه شيئاً- يا رسول الله! فقال ﵊: وكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
آثار الخطى إلى المسجد تكتب لك في صحائف أعمالك، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وكذلك دخولك المسجد فعلى باب المسجد ملائكة يسجلون اسمك في عداد الداخلين، صلاتك ترقبها الملائكة، بل ويرقبها رب العالمين سبحانه، وتشهدك لله ترتفع به درجة، وكذلك سجودك فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط الله بها عنك خطيئة، وانتظارك للصلاة في المسجد سبب في صلاة الملائكة عليك، ولاستغفار الملائكة لك، كما أن انتظارك للصلاة من الرباط الذي قال فيه الرسول ﵊: (وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذالكم الرباط فذالكم الرباط)، صلاة في جوف الليل ترفعك درجات في عليين.
стр. 344
الصوم
أما الصوم فأجره عظيم -قد قدمنا ما يتعلق به في هذه العشر- ويكفي فيه قول ربنا في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، وقوله ﵊: (والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وقول الرسول ﵊: (إن في الجنة باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد غيرهم)، وقال ﵊: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بين وجه وبين النار سبعين خريفاً).
стр. 345
الصدقة
فهذا الذي سمعتموه أعمال صالحة يزكي بها العبد نفسه، ولكن ثم أعمال بر وصلاح متعدية النفع إلى العباد، ومنها: الصدقات، لقد قال النبي ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة)، قال ﵊ في مطلع هذا الحديث: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فإن استطاع أحدكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل، فإن رجالاً يوم القيامة ينظرون عن أيمانهم فلا يرون إلا النار، وينظرون عن شمائلهم فلا يرون إلا النار، وينظرون إلى الأمام فلا يرون إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة) أو كما قال ﷺ .
فجدير بكل مسلم أن يكون متعدي النفع إلى غيره من العباد، قال النبي ﷺ : (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك)، وقال النبي ﵊: (إذا تصدق أحدكم بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب؛ فإن الله سبحانه يقبلها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو مهره، حتى تأتي يوم القيامة كالجبل العظيم).
فجدير بكل منكم أن يتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، وأن يتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان:٩ - ١٠]، ويتأمل كذلك حديث النبي ﵊ إذ قال: (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينزل ملكان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، وليتذكر أحدكم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]، وليتذكر كذلك أصحاب الجنة الذين تمالئوا على البخل وتمالئوا على الشح وتمالئوا على حرمان الفقراء فأقسموا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨]، فكان من أمرهم وأمر جنتهم أن ﴿طَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٩ - ٢١] إلى أن قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم:٣٠ - ٣٢].
فليتأمل أحدكم ذلك كله، ولتعلم أن بطنك لن تشكرك، ولكن يشكر لك ربك سبحانه حسن صنيعك، فاجعل طعامك يوماً بدل اللحم فولاً، وتصدق بالفارق على الفقراء، فما هي إلا دقائق معدودة وتستوي أنت ومن طعم الفول ومن طعم البطاطس، وإنما هي بطن تملأ وجوف يعبأ، (ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) كما قال رسول الله ﵊، فالكل يستوي، والعاقبة للتقوى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦].
فيوم من الأيام من سنتك أن تأكل فيه لحماً، فآثر الفقراء على نفسك وقدم اللحم لهم، فإنك إن فعلت ذلك وقيت النار بإذن الله، كن حريصاً على أُخراك كحرصك على دنياك، تستوي الجبنة الرومي مع الطعمية والكل سواء، وفارق ذلك ادفعه لمسكين أو يتيم، يبارك الله لك في أهلك وفي بدنك وفي أموالك، فالدنيا أمرها إلى زوال، وعاقبتها إلى فناء.
стр. 346
ذكر الله
إن ذكر الله يعظم في هذه الأيام، ويستحب الإكثار منه في هذه الأيام، وليس في هذه الأيام فحسب، بل على الدوام كذلك، قال رجل لرسول الله ﷺ : (إن شرائع الإسلام قد تكاثرت عليَّ يا رسول الله! فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال رسول الله: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله فالأفواه تطيب وترطب بذكر الله ، والذاكرون هم السابقون، وإن كان عملهم سهلاً عليهم ويسيراً إلا أنهم هم السابقون، قال النبي ﷺ لأصحابه وقد كان في سفر معهم فمروا بجبل يقال له: جمدان، قال: (سيروا هذا جمدان سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات).
وقد حسن بعض أهل العلم حديث النبي ﷺ : (ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله).
والذاكر في حرز من الشيطان الرجيم طالما أنه يذكر ربه، في حرز من الشيطان طالما هلل عشراً في الصباح والمساء، الذاكرون لهم مغفرة وأجر عظيم، كما قال ربنا: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، الذاكرون قلوبهم مطمئنة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، الذاكرون أبدانهم صحيحة، وقلوبهم سليمة، وذكر الله يقوي البدن، لذلك أرشد نبينا محمد ﵊ ابنته فاطمة -سيدة نساء أهل الجنة- إلى ما هو خير لها من خادم فقال لها: (تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين عند النوم فهو خير لكِ من خادم) فهذا شيء من فضل ذكر الله.
فلذلك سأل موسى الكليم ﵇ ربه ﵎ أن يمده بأخيه هارون قال: ﴿هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣١ - ٣٥]، وما منع الله زكريا ﵇ من الكلام عند بشارته بالولد لم يرخص له في ترك الذكر، قال تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١].
فداوم على ذكر الله يا عبد الله! ذكر الناس بربهم، أدخل في خطابك معهم ذكر الله، قل لهم: عفا الله عنكم، سامحكم الله، جزاكم الله خيراً، الله المستعان، لا حول ولا قوة إلا بالله، فكلما تيسر لك إدخال ذكر الله أو إدخال اسم الله في جملة فأدخله، ولذلك كره البعض أن يقال: جُزيت خيراً، بحذف لفظ الجلالة، ولا أعلمها واردة عن رسولنا محمد، إنما الوارد جزاك الله خيراً، فالذي يقول: جُزيت خيراً ويحذف لفظ الجلالة خالف الأولى، وخالف الأفضل، فالأفضل تطييب الأفواه بذكر الله.
فكن دائم التذكير للناس بربهم، ذكر المعتدين بربهم، وذكر أصحاب المعروف بربهم، وذكر الفقراء بربهم، وذكر الأغنياء بربهم، كلما سنحت لك فرصة فذكر فيها بالله، فهذا ولد آدم يذكر أخاه بربه فيقول: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]، وهذه مريم ﵍ تمثل لها جبريل بشراً سوياً فظنته رجلاً معتدياً فذكرته بالرحمن وقالت له: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨]، وهذه ابنة العم لما قعد ابن عمها بين رجليها قالت له مذكرة: (اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه)، وها هو رسولنا يذكر المتلاعنين بعد أيمانهما فيقول لهما مذكراً بالله: (الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟)، ورسولنا يرى أبا مسعود البدري رضي الله تعالى عنه يضرب غلاماً له، فيناديه من خلفه: (اعلم أبا مسعود! لله أقدر عليك منك على هذا الغلام، فالتفت أبو مسعود فإذا برسول الله ﵊ من خلفه، فقال له: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، قال النبي ﵊: لو لم تفعل للفحتك النار) أو كما قال ﷺ ، وها هو يعقوب يقول لبنيه بعد أن أصابه منهم من الهم والكرب ما يكاد يغلبه قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨]، فغلب على لسانك ذكر الله في هذه الأيام، بل وعلى الدوام كذلك.
стр. 347
التوحيد
إن أعظم ما دعا إليه الأنبياء والرسل هو توحيد الله تعالى، ورغم أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية إلا أنهم أنكروا توحيد الألوهية فجعلوا لله شركاء معه، وقد جاءت الدعوة المحمدية لترسيخ هذه العقيدة في قلوب العباد، فهدمت الأصنام، وحذرت من كل ما هو ذريعة إلى الشرك من دعاء عند قبور الأولياء والصالحين، والتقدم إليهم بالقرابين، ونحو ذلك من مظاهر الشرك وصوره.
стр. 348
عمرو بن عبسة يحكي قصة إسلامه
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١].
وبعد: فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه حديثاً طويلاً من حديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنه -نذكره باختصار وإيجاز لما فيه من النفع والفوائد- قال: (كنت وأنا في الجاهلية أرى الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يزعم أنه نبي، فركبت راحلتي حتى أتيته، فإذا قومه جرآء عليه -أي: قومه متجرئون ومتسلطون عليه ﷺ قال: فتلطفت حتى دخلت عليه، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله ، قلت: وبم أرسلك الله ؟ قال: أرسلني الله بصلة الأرحام، وبكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء، قلت: فمن تبعك على هذا الأمر الذي تدعو إليه؟ قال: معي حر وعبد -وكان معه آنذاك أبو بكر وبلال ﵄ قلت: إني متبعك على هذا الأمر، قال: إنك لن تستطيع ذلك الآن، ولكن ارجع إلى بلدك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني، فرجعت إلى بلدي، وطفقت أتحسس الأخبار، فعلمت أنه قد هاجر إلى المدينة وترك بلده مكة، فقدمت علي طائفة من أهل يثرب، فقلت لهم: ما شأن هذا الرجل الذي وفد إلى بلادكم وحلّ بها؟ قالوا: حاول قومه قتله فلم يستطيعوا، والناس يتبعونه سراعاً، ويدخلون في دينه أفواجاً، فركبت راحلتي حتى أتيت المدينة، فلقيت النبي ﷺ ، فقلت: أتعرفني؟ أتذكرني؟ قال: نعم، أنت الذي أتيتني بمكة، فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فعلمني يا نبي الله! مما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة يا رسول الله! قال ﵊: صلِّ الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت الشمس فصلّ فإن الصلاة حينئذٍ مشهودة محضورة، ثم إذا استقل الظل بالرمح -يعني: وقت الزوال- فإن جهنم تسجر حينئذ -أي: تتوقد وتشتعل حينئذٍ- فأقصر عن الصلاة حتى يرى للتلول فيء -أي: حتى يظهر للتلال ظل- ثم صلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة، ثم صلِّ حتى تصلي صلاة العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، ثم صلِّ، قلت: فالوضوء يا رسول الله؟! قال: أما الوضوء فإن أحدكم إذا قام يتوضأ فمضمض واستنشق واستنثر خرجت خطاياه، أو خطايا وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ثم إذا غسل وجهه تساقطت ذنوبه من وجهه مع قطر الماء الذي يتساقط من لحيته، ثم إذا غسل يديه إلى المرفقين خرجت الخطايا التي ارتكبتها يداه، وتساقطت هذه الخطايا مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ثم إذا مسح رأسه تساقطت خطايا رأسه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، ثم إذا غسل رجليه خرجت الخطايا التي ارتكبتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا أقبل على الصلاة يصلي وجمع قلبه لله خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، هذا الحديث بإيجاز واختصار أخرجه الإمام مسلم ﵀ بشيء من الطول، وإنما ذكرنا المستفاد منه بمعناه.
الشاهد من ذلك: أن عمرو بن عبسة ﵁ كان رجلاً كافراً، إلا أنه كان يظن ويعتقد من قلبه أن الناس على ضلال وهم يعبدون الأوثان، وأن هذا ليس بدين وليس بشرع يتبع قوم يعبدون أحجاراً، أو أشجاراً، أو أصناماً، أو أوثاناً.
كان عمرو بن عبسة ﵁ يظن أن هذا كله عبث، وهذا الذي ظنه متوافق مع الفطر الصحيحة المستقيمة السوية، كما حدث نفس الشيء لـ زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن زيد هو زوج أخت عمر بن الخطاب من السابقين الأولين إلى الإسلام ﵁.
أما أبوه فكان قبل مبعث رسول الله ﵊، وكان قد استقر في نفسه كذلك أن الناس ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، وكان رجلاً من أهل التوحيد والاستقامة على الطاعات، حتى إن الحاكم في مستدركه أخرج بإسناد صحيح: أن رسول الله ﷺ قبل أن يبعث ذهب هو وزيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه إلى زيد بن عمرو بن نفيل ببعض اللحم قبل أن يبعث الرسول ﵊، فنظر زيد بن عمرو بن نفيل إلى اللحم الذي أتيا به، فرفض أن يأكل منه، وقال: إني لا آكل من لحمكم، إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، الله خلق الشاة ثم ساق لها الرزق، ثم تذبحونها على غير اسم الله، وكان يبني على العموم، وطفق زيد يبحث عن الدين الحق المستقيم، وخرج إلى البرية يبحث عن دين سوي غير دين الشرك يتعبد به ربه سبحانه، حتى قدم على يهود، فقال: أريد الدخول في دينكم معشر يهود، قالوا: إنك لن تستطيع الدخول في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله ، قال: والله لقد فررت من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئاً، وكيف أتحمل غضب الله، هل عندكم شيء آخر؟ قالوا: ليس عندنا شيء آخر إلا أن تكون حنيفاً قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵇، ثم ذهب إلى النصارى فقال: يا معشر النصارى! إني أريد أن ادخل في دينكم، قالوا: لن تدخل في ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: والله لا أتحملها، ولا أطيقها، فهل عندكم من شيء آخر؟ قالوا: لا إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف؟ قالوا: ملة إبراهيم ﵊، فخرج من عند هؤلاء وأولئك قائلاً وناظراً إلى السماء: اللهم إني أشهدك أني على ملة إبراهيم ﷺ ، وبه كان يفتخر الشاعر فيقول: وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأدِ
стр. 349
فوائد حديث عمرو بن عبسة
كان هناك ثَم قوم أنار الله بصائرهم، وأراد لهم الهداية يبحثون عن الحق لاتباعه، ويبحثون عن الدين القويم لاعتناقه، ولا يخفى عليكم أمر سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فهذه الطوائف أهمها أمر دينها، لم تههمها بالدرجة الأولى بطونها ولا فروجها، ولا الدراهم والدنانير، وإنما أهمهم أمر دينهم.
стр. 350
ما ينبغي على المسلم تعلمه بعد الشهادتين
جاء عمرو إلى مدينة رسول الله ﵊ فعرفه الرسول ولم ينسه ﵊، وقربه إليه، فبدأ الرجل يسأل عن حاجته ويتعلم دينه، فقد كان في بادية وأهلها جهلاء، فسأل عن أهم الأمور بعد الشهادتين، سأله عن الصلاة، والظاهر أنه سأله عن مواقيتها؛ بدليل جواب النبي ﵊، قال له: (صل الصبح ثم أقصر عن الصلاة) أي: امتنع عن الصلاة (حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان)، فلا نفل بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وحتى ترتفع في السماء قدر رمح؛ ذلك (لأنها تطلع بين قرني شيطان، والكفار حينئذ يسجدون لها)، وقد نهينا عن مشابهة الكفار في صنائعهم، حتى لا يظن ظان أن ساجداً يسجد للشمس، وكذلك حتى لا يتعاظم الشيطان ويتعالى أثناء صلاة الناس وقت طلوع الشمس، إلا أن فريقاً من أهل العلم يستثني بالنص ذوات الأسباب من الصلوات؛ وذلك لأن الرسول ﵊ صلى ركعتي الظهر بعد العصر لما شغله وفد عبد القيس عنها، ولأن النبي ﵊ قال: (يا بلال! أخبرني عن أرجى عمل عملته؛ فإني سمعت دف نعليك في الجنة؟ قال: يا رسول الله! ما توضأت وضوءاً ولا تطهرت طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا وصليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي).
ولحديث: (يا بني عبد مناف! لا تمنعوا أحداً طاف بالبيت وصلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار)، فدلت هذه النصوص على جواز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي.
ثم رخص الرسول في الصلاة حتى وقت الزوال حيث قال: (حتى يستقل الظل بالرمح، ثم إذا رأيت للتلول فيئاً فصلِّ؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة، ثم إذا جاء وقت العصر وصليت العصر فأقصر عن الصلاة حتى تغرب؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، ثم صلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة).
ثم بيّن له النبي فضل الوضوء لما سأل عنه، وأن الخطايا تخرج مع الماء أو مع آخر قطر الماء تخرج خطايا الفم والأنف، والعينين، وتخرج خطايا الرأس والأذنين، وتخرج خطايا الأيدي والأرجل؛ كل ذلك بسبب الوضوء، فكما قال ﵊: (الطهور شطر الإيمان)، وكما قال ﵊: (أولا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؛ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط).
ثم بيّن النبي صلوات الله وسلامه عليه فضل صلاة ركعتين، بشرط أن تقبل فيهما بوجهك على الله سبحانه، وتقبل فيهما على الله بقلبك، وتجمع قلبك عليهما وعلى القراءة والاستغفار والذكر فيهما، فإنك إن فعلت ذلك خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.
وفقنا الله وإياكم لأعمال البر والخير.
واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.
стр. 351
من فقه الدعوة إلى الله تعالى
فقال الرجل: فإني متبعك، قال: (إنك لا تستطيع ذلك الآن ولكن ارجع إلى بلادك) ففيه أيضاً نوع من أنواع الفقه: أن الشخص والداعي إلى الله والآمر والناهي للناس ينبغي أن يكلفهم -إذا كلفهم- بما يطيقون، ويكلفهم بما يحتملون فإنك إذا كلفت الناس بما لا يطيقون ولا يحتملون فقد خالفت أمر ربك ابتداء ولم تُجب إلى مطلبك انتهاء، ولكن كان رسول الله ﷺ إذا كلف أصحابه بعمل كلفهم من الأعمال ما يطيقون وما يحتملون، وقد دعا أهل الإيمان ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله ﵎ لما قال أهل الإيمان ذلك: (قد فعلت قد فعلت)، وفي حديث وإن كان في إسناده كلام: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟! قال: يتحمل من البلاء أو يتعرض من البلاء لما لا يطيق) فرسولنا ﵊ الذي أرسل رحمة للعالمين، الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، قال لـ عمرو بن عبسة: (إنك لا تطيق ذلك الآن، فارجع إلى بلدك) وإن أسلمت وشهدت الشهادتين، لكن لا تظهر ذلك الآن، ونفس القول قاله النبي ﵊ لـ أبي ذر الغفاري لما جاء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قال الرسول: (ارجع إلى بلدك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) قال أبو ذر: والله لأصرخن بها بين أظهرهم، وخرج وقالها في الملأ من قريش في قصة لا تخفى عليكم.
قال رسول الله ﷺ لـ عمرو: (ارجع إلى بلدك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) فرجع إلى بلده، وكان يتحسس أخبار النبي ﵊، ويتسمع لها لأن هذا الأمر هو الذي يهمه بالدرجة الأولى قبل المطعم والمشرب، والزوجة والولد، والعشيرة والأقربين.
فسمع أن الرسول ﵊ قد زال عنه بعض الشر الذي كان يحيط به، وزالت عنه بعض الشدة التي كانت تحل به، وهكذا فإن مع العسر يسراً، فالله يكشف الضر دائماً.
стр. 352
الأصول التي دعت إليها شرائع الرسل
فدخل عمرو سائلاً: ما أنت؟ قال: (أنا نبي) ولم يعرف الرجل معنى النبي، فقال: وما نبي؟ أي: وما معنى قولك نبي؟، قال: (أرسلني الله فسأله وبما أرسلك الله ؟ قال: (أرسلني بصلة الأرحام) أي: آمر الناس بأن يصلوا أرحامهم.
وهذا من الأصول التي دعت إليها الشرائع كلها، فقد دعا إليها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ليس في هذا اختلاف وليس في هذا افتراق، والنصوص في هذا الأمر لا تخفى عليكم، ويكفي أن القاطع ملعون كما قال الله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ويلحق بذلك كل من سعى في تقطيع أرحام غيره، فإذا عمد شخص إلى التفريق بين أخ وأخيه، أو بين أخ وأبيه، أو بين امرأة وبنتها فهو ملعون مسحوب عليه اللعنة، وأعمى الله بصيرته كما قال تعالى في كتاب الكريم.
(أرسلني بصلة الأرحام، وبكسر الأوثان) هكذا قال رسولنا محمد ﵊ أرسلني ربي بكسر الأوثان، وسيأتي لذلك تفصيل إن شاء الله تعالى.
(وأن يوحد الله لا يشرك به شيء) وهذا الفارق بين أهل الإسلام وغيرهم من جميع الملل والنحل الأخرى، الفارق بيننا وبين غيرنا ما جاء في كتاب ربنا بوضوح وجلاء وصفاء: أن الله واحد لا شريك له، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] ورد ذلك في كتاب الله في جملة هائلة من المواطن، ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] لا شريك لله ، هذا الفارق بيننا وبين أهل الملل الأخرى، فبجلاء ووضوح وصفاء في كتاب الله في عدة مواطن -بل في كل المواطن- يتضح هذا المعنى، وسيقت الآيات كلها لتقرير هذا المبدأ: أن الله واحد لا شريك له سبحانه، ومن ثَم قال رسولنا: (وأن يوحد الله لا يشرك به شيء) ثم قال عمرو بن عبسة لرسول الله: فمن معك على هذا الأمر، قال: (معي حر وعبد) هذا أيضاً من محاسن هذا الدين الذي لا يفرق بين الحر والعبد، ولا بين الأبيض والأسود، ولا بين ذي المنصب والوضيع, ولا بين الغني والفقير.
أما الأديان الأخرى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، أطاعوا السادات والكبراء فأضلوهم السبيل، ديننا ليس فيه فرق بين أبيض وأسود، فربنا لا ينظر إلى الصور والأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، قد تجد الرجل من ذوي الشارات الحسنة، والوضاءة في الوجوه، والوسامة فيها، قد تراه يعجبك منظره، لكن ربنا يقول عن أقوم: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥]، ويقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] فلا توقير في كتاب الله إلا لأهل التقوى.
стр. 353
موقف المتكبرين من رسل الله
ركب عمرو بن عبسة راحلته حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدخل على الرسول ﵊ فوجد القوم مجترئين على رسول الله، سفيههم يتسلط على الرسول، وكبيرهم يَسُنُّ سنناً سيئة للتعدي على أنبياء الله، فيسخر الصغير والكبير من رسول الله، بل ويسخر العبد من رسول الله، فكان هذا شأن أهل الشرك مع رسول الله، يغرون به السفهاء، ولكن دائماً العاقبة للتقوى، وجد عمرو الرسول ﷺ وقد تجرأ عليه القوم، وسخروا منه، كما هو الحال مع عموم الأنبياء وأهل الصلاح قاطبة يسخر منهم أهل الإجرام ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] لم تمنع عمرو بن عبسة سخرية الساخرين من رسول الله عن أن يقدم عليه، وأن يستمع منه، ويعلم منه ما الذي يريده ويدعو عليه؟
стр. 354
من معالم توحيد الألوهية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
стр. 355
معلم كسر الأوثان والأصنام
توافرت النصوص لتدمير الشرك وتقويضه، ولإبراز هذا المعنى ولإظهاره، فليس في الإسلام شرك، وليس في الإسلام أوثان.
نبينا محمد ﷺ أُرسل بكسر الأوثان صلوات الله وسلامه عليه، ولما ينزل عيسى ﵊ حين ينزل أول ما يصنع قبل قتله للدجال -على قول- يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، فكان من المقاصد في شرعنا: ألا تبقى أي وجهة إلا وجهة واحدة فيها ربنا سبحانه، تسلم الوجوه كلها لله .
قال علي ﵁ لـ أبي الهياج الأسدي وهو من أمرائه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵊: لا تدعن صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، وقال رسولنا محمد ﵊ لـ جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: (ألا تريحني يا جرير! من ذي الخلصة) وهو صنم دوس الذي كان يعبد في الجاهلية، فقد كان لقبيلة خثعم من اليمن صنم يعبد وبيت مبني يقال له: ذو الخلصة، وكان يقال له: الكعبة اليمانية؛ لأن أهل اليمن يقصدون هذه الكعبة لتوقيرها وللطواف بها، وكان هذا يؤرقه ﵇ ويشغله شغلاً زائداً أن ينصرف وجه من الوجوه إلى شيء غير بيت الله الحرام أو إلى شيء غير الله ، قال: (ألا تريحني يا جرير! من ذي الخلصة الكعبة اليمانية، فقال: يا رسول الله! إني لا أثبت على الخيل، فضرب النبي بيده في صدره، وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً) فانطلق جرير في رجال من أحمس -من قبيلته- إلى ذي الخلصة فحرقها، وأشعل فيها النيران، ثم رجع إلى الرسول فقال: يا رسول الله! والله ما تركتها حتى جعلتها كالجمل الأجرب، أي: حتى أحرقتها وأنهيتها تماماً، فبرك رسول الله ﵊ على خيل أحمس وبرك على رجالها.
وكذلك قال رسول الله ﷺ : (يا خالد بن الوليد! اذهب إلى العزى فأحرقها) فذهب إليها خالد، وكانت على تلال السمرات، فحرق السمرات -السمرات: أشجار كانت تحيط بها- ورجع إلى الرسول، فقال قد حرقتها يا رسول الله! قال: (ما صنعت شيئاً! اذهب فأحرقها ثانية) فذهب خالد، فإذا امرأة قد خرجت من هذا الوثن ناشرة لشعرها، وإذا بالحجبة والسدنة والكهان يخرجون وهم يمعنون الفرار في الجبل ويقولون: يا عزى! خبليه، أي: أصيبيه بالخبل وبالجنون، يعنون خالداً، فأقبل إليها خالد غير مبال بشعوذات المشعوذين ودجل الدجالين، فتجللها بالسيف فقتلها وحرق العزى، ورجع إلى الرسول فأخبره الخبر، فدعا له رسول الله ﵊ أن يبارك الله فيه رضي الله تعالى عنه.
فليس ثم وثن يعبد من دون الله، وليس ثَم وجهة يتجه إليها مع الله ، إن النبي ﵊ دخل الكعبة يوم دخل فاتحاً لمكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعن في وجوهها ويكبها على وجوهها صنماً صنماً، ويقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] فجعل النبي يطعن في وجوهها، ويكبها على وجوهها صنماً صنماً، حتى كسرها رسول الله ﵊.
فتكسير الأوثان وإزالة الأصنام والتماثيل مطلب شرعي يتأكد على المستطيع أما غير المستطيع فليس له أن يفعل؛ لأن الرسول لما لم يكن في وسعه أن يفعل كان يصلي في الكعبة ﵊ والأصنام بها وهو بمكة لا يستطيع أن يغيرها، فلما مكنه الله ما تردد وما تأخر في تدميرها، وهذا فقه المسألة.
следующие страницы →