Полный текст (802 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
من فقه الدعوة إلى الله تعالى
فقال الرجل: فإني متبعك، قال: (إنك لا تستطيع ذلك الآن ولكن ارجع إلى بلادك) ففيه أيضاً نوع من أنواع الفقه: أن الشخص والداعي إلى الله والآمر والناهي للناس ينبغي أن يكلفهم -إذا كلفهم- بما يطيقون، ويكلفهم بما يحتملون فإنك إذا كلفت الناس بما لا يطيقون ولا يحتملون فقد خالفت أمر ربك ابتداء ولم تُجب إلى مطلبك انتهاء، ولكن كان رسول الله ﷺ إذا كلف أصحابه بعمل كلفهم من الأعمال ما يطيقون وما يحتملون، وقد دعا أهل الإيمان ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] فقال الله ﵎ لما قال أهل الإيمان ذلك: (قد فعلت قد فعلت)، وفي حديث وإن كان في إسناده كلام: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟! قال: يتحمل من البلاء أو يتعرض من البلاء لما لا يطيق) فرسولنا ﵊ الذي أرسل رحمة للعالمين، الذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، قال لـ عمرو بن عبسة: (إنك لا تطيق ذلك الآن، فارجع إلى بلدك) وإن أسلمت وشهدت الشهادتين، لكن لا تظهر ذلك الآن، ونفس القول قاله النبي ﵊ لـ أبي ذر الغفاري لما جاء وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، قال الرسول: (ارجع إلى بلدك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) قال أبو ذر: والله لأصرخن بها بين أظهرهم، وخرج وقالها في الملأ من قريش في قصة لا تخفى عليكم.
قال رسول الله ﷺ لـ عمرو: (ارجع إلى بلدك فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني) فرجع إلى بلده، وكان يتحسس أخبار النبي ﵊، ويتسمع لها لأن هذا الأمر هو الذي يهمه بالدرجة الأولى قبل المطعم والمشرب، والزوجة والولد، والعشيرة والأقربين.
فسمع أن الرسول ﵊ قد زال عنه بعض الشر الذي كان يحيط به، وزالت عنه بعض الشدة التي كانت تحل به، وهكذا فإن مع العسر يسراً، فالله يكشف الضر دائماً.
стр. 352
الأصول التي دعت إليها شرائع الرسل
فدخل عمرو سائلاً: ما أنت؟ قال: (أنا نبي) ولم يعرف الرجل معنى النبي، فقال: وما نبي؟ أي: وما معنى قولك نبي؟، قال: (أرسلني الله فسأله وبما أرسلك الله ؟ قال: (أرسلني بصلة الأرحام) أي: آمر الناس بأن يصلوا أرحامهم.
وهذا من الأصول التي دعت إليها الشرائع كلها، فقد دعا إليها نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، ليس في هذا اختلاف وليس في هذا افتراق، والنصوص في هذا الأمر لا تخفى عليكم، ويكفي أن القاطع ملعون كما قال الله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣] ويلحق بذلك كل من سعى في تقطيع أرحام غيره، فإذا عمد شخص إلى التفريق بين أخ وأخيه، أو بين أخ وأبيه، أو بين امرأة وبنتها فهو ملعون مسحوب عليه اللعنة، وأعمى الله بصيرته كما قال تعالى في كتاب الكريم.
(أرسلني بصلة الأرحام، وبكسر الأوثان) هكذا قال رسولنا محمد ﵊ أرسلني ربي بكسر الأوثان، وسيأتي لذلك تفصيل إن شاء الله تعالى.
(وأن يوحد الله لا يشرك به شيء) وهذا الفارق بين أهل الإسلام وغيرهم من جميع الملل والنحل الأخرى، الفارق بيننا وبين غيرنا ما جاء في كتاب ربنا بوضوح وجلاء وصفاء: أن الله واحد لا شريك له، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] ورد ذلك في كتاب الله في جملة هائلة من المواطن، ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل:٥١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] لا شريك لله ، هذا الفارق بيننا وبين أهل الملل الأخرى، فبجلاء ووضوح وصفاء في كتاب الله في عدة مواطن -بل في كل المواطن- يتضح هذا المعنى، وسيقت الآيات كلها لتقرير هذا المبدأ: أن الله واحد لا شريك له سبحانه، ومن ثَم قال رسولنا: (وأن يوحد الله لا يشرك به شيء) ثم قال عمرو بن عبسة لرسول الله: فمن معك على هذا الأمر، قال: (معي حر وعبد) هذا أيضاً من محاسن هذا الدين الذي لا يفرق بين الحر والعبد، ولا بين الأبيض والأسود، ولا بين ذي المنصب والوضيع, ولا بين الغني والفقير.
أما الأديان الأخرى فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، أطاعوا السادات والكبراء فأضلوهم السبيل، ديننا ليس فيه فرق بين أبيض وأسود، فربنا لا ينظر إلى الصور والأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب والأعمال، قد تجد الرجل من ذوي الشارات الحسنة، والوضاءة في الوجوه، والوسامة فيها، قد تراه يعجبك منظره، لكن ربنا يقول عن أقوم: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ [التوبة:٥٥]، ويقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] فلا توقير في كتاب الله إلا لأهل التقوى.
стр. 353
موقف المتكبرين من رسل الله
ركب عمرو بن عبسة راحلته حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدخل على الرسول ﵊ فوجد القوم مجترئين على رسول الله، سفيههم يتسلط على الرسول، وكبيرهم يَسُنُّ سنناً سيئة للتعدي على أنبياء الله، فيسخر الصغير والكبير من رسول الله، بل ويسخر العبد من رسول الله، فكان هذا شأن أهل الشرك مع رسول الله، يغرون به السفهاء، ولكن دائماً العاقبة للتقوى، وجد عمرو الرسول ﷺ وقد تجرأ عليه القوم، وسخروا منه، كما هو الحال مع عموم الأنبياء وأهل الصلاح قاطبة يسخر منهم أهل الإجرام ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولكن ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة:٢١٢] لم تمنع عمرو بن عبسة سخرية الساخرين من رسول الله عن أن يقدم عليه، وأن يستمع منه، ويعلم منه ما الذي يريده ويدعو عليه؟
стр. 354
من معالم توحيد الألوهية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
стр. 355
معلم كسر الأوثان والأصنام
توافرت النصوص لتدمير الشرك وتقويضه، ولإبراز هذا المعنى ولإظهاره، فليس في الإسلام شرك، وليس في الإسلام أوثان.
نبينا محمد ﷺ أُرسل بكسر الأوثان صلوات الله وسلامه عليه، ولما ينزل عيسى ﵊ حين ينزل أول ما يصنع قبل قتله للدجال -على قول- يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، فكان من المقاصد في شرعنا: ألا تبقى أي وجهة إلا وجهة واحدة فيها ربنا سبحانه، تسلم الوجوه كلها لله .
قال علي ﵁ لـ أبي الهياج الأسدي وهو من أمرائه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﵊: لا تدعن صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، وقال رسولنا محمد ﵊ لـ جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: (ألا تريحني يا جرير! من ذي الخلصة) وهو صنم دوس الذي كان يعبد في الجاهلية، فقد كان لقبيلة خثعم من اليمن صنم يعبد وبيت مبني يقال له: ذو الخلصة، وكان يقال له: الكعبة اليمانية؛ لأن أهل اليمن يقصدون هذه الكعبة لتوقيرها وللطواف بها، وكان هذا يؤرقه ﵇ ويشغله شغلاً زائداً أن ينصرف وجه من الوجوه إلى شيء غير بيت الله الحرام أو إلى شيء غير الله ، قال: (ألا تريحني يا جرير! من ذي الخلصة الكعبة اليمانية، فقال: يا رسول الله! إني لا أثبت على الخيل، فضرب النبي بيده في صدره، وقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً) فانطلق جرير في رجال من أحمس -من قبيلته- إلى ذي الخلصة فحرقها، وأشعل فيها النيران، ثم رجع إلى الرسول فقال: يا رسول الله! والله ما تركتها حتى جعلتها كالجمل الأجرب، أي: حتى أحرقتها وأنهيتها تماماً، فبرك رسول الله ﵊ على خيل أحمس وبرك على رجالها.
وكذلك قال رسول الله ﷺ : (يا خالد بن الوليد! اذهب إلى العزى فأحرقها) فذهب إليها خالد، وكانت على تلال السمرات، فحرق السمرات -السمرات: أشجار كانت تحيط بها- ورجع إلى الرسول، فقال قد حرقتها يا رسول الله! قال: (ما صنعت شيئاً! اذهب فأحرقها ثانية) فذهب خالد، فإذا امرأة قد خرجت من هذا الوثن ناشرة لشعرها، وإذا بالحجبة والسدنة والكهان يخرجون وهم يمعنون الفرار في الجبل ويقولون: يا عزى! خبليه، أي: أصيبيه بالخبل وبالجنون، يعنون خالداً، فأقبل إليها خالد غير مبال بشعوذات المشعوذين ودجل الدجالين، فتجللها بالسيف فقتلها وحرق العزى، ورجع إلى الرسول فأخبره الخبر، فدعا له رسول الله ﵊ أن يبارك الله فيه رضي الله تعالى عنه.
فليس ثم وثن يعبد من دون الله، وليس ثَم وجهة يتجه إليها مع الله ، إن النبي ﵊ دخل الكعبة يوم دخل فاتحاً لمكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعن في وجوهها ويكبها على وجوهها صنماً صنماً، ويقول: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] فجعل النبي يطعن في وجوهها، ويكبها على وجوهها صنماً صنماً، حتى كسرها رسول الله ﵊.
فتكسير الأوثان وإزالة الأصنام والتماثيل مطلب شرعي يتأكد على المستطيع أما غير المستطيع فليس له أن يفعل؛ لأن الرسول لما لم يكن في وسعه أن يفعل كان يصلي في الكعبة ﵊ والأصنام بها وهو بمكة لا يستطيع أن يغيرها، فلما مكنه الله ما تردد وما تأخر في تدميرها، وهذا فقه المسألة.
стр. 356
معلم إسلام الوجه لله
معشر الإخوة! لزاماً علينا أن نسلم وجوهنا لله، لا لشيء سواه في حال من الأحوال، ولذلك تضافرت نصوص الشرع توجهنا وتأمرنا وترشدنا إلى إسلام الوجه لله، وإخلاص العمل لله وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] أي: وانحر لربك كذلك، فكل وجهة غير وجهة الله فهي باطلة؛ لذلك منعنا من الصلاة في المساجد التي بها القبور حتى لا تتجه قلوبنا إلى ميت من الأموات في هذه القبور، وحتى لا نشرك بالله في ذلك.
أمرنا بألا نحلف إلا بالله حتى لا تتجه القلوب والوجوه إلى شخص يعظم مع الله ، أمرنا بعدم الطواف بأي قبر ولا بأي بيت إلا ببيت الله العتيق حتى لا تنصرف الوجوه والقلوب عن ربها وبارئها .
أمرنا ألا نعظم إلا الأعياد التي عظمها ربنا امتثالاً منا لأمر الله ، فليس ثم عيد عند أهل الإسلام إلا العيد الذي شرعه الله.
стр. 357
ما تدل عليه كلمة التوحيد
مما لا يخفى عليكم أن كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، قد جمعت بين أمرين: الأمر الأول: التبرؤ من كل الآلهة.
والأمر الثاني: إثبات الألوهية لله وحده؛ فـ (لا إله) فيها تبرؤ من كل الآلهة، و: (إلا الله) إثبات الألوهية لله وحده، وهذا المعنى ظاهر في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وأيضا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: لا انكسار لها حتى تصل به إلى الجنان، فالآية صدّرت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، والطاغوت على أرجح الأقوال: هو كل ما عبد من دون الله ، فيدخل فيه الساحر، والشيطان، والكاهن، والصنم، والوثن، والحاكم بغير ما أنزل الله، وكل شرع شرعه البشر لم يشرعه الله، فجدير بكل مسلم أن يكفر بالطاغوت إذ بُعث الأنبياء بذلك كما قال الله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فيجب أن نتبرأ من كل طاغوت، وكاهن وشيطان، وحاكم وحكم يخالف حكم الله، ويخالف ما جاءت به رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا ليس بنافلة ولا بفضل منك، بل هو واجب من أوجب الواجبات ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] أي: وتكفروا بما سواه من الآلهة، والأنداد، والأصنام، والأوثان، فلنا في إبراهيم أسوة حسنة في هذا الباب الذي ذكرنا الله تعالى به.
стр. 358
إزالة الأصنام في الوقت الحاضر
نقول وبالله التوفيق: في بلادنا مصر أوثان وأنصاب وأزلام وقبور يعبد الأموات فيها من دون الله، وتماثيل وخلاف ذلك، ولكن لما لم تكن لنا في إزالتها من طاقة، وإزالتها يحمل الكثيرين ما لا يطيقون ولا يحتملون فنقول: يرجأ ذلك بالنسبة لنا إلى أن يمكننا ربنا سبحانه، فحينئذٍ إذا مكننا ربنا فالأمر متجه إلينا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] أمّا وقد مكن إخواننا في بعض الدول من إزالة صنم، ومن إزالة تمثال لرجل كافر ملحد وهو (بوذا) الذي عبد مع الله، وليست العبادة مقتصرة على السجود له فقط، إنما الطاعة أيضاً عبادة من أعظم العبادات، فإذا مكن الله إخواننا في دولة من الدول من إزالة هذا التمثال والصنم الذي كان صاحبه المجرم الأثيم يشرع شرائع لم ينزل بها كتاب منير، ولم يأت بها رسول كريم، فمكن الله إخواننا من تدميره، فنقول لهم هنالك: جزاكم الله خيراً، فمعلم من معالم الكفر أزيل، ومعلم من معالم الكفر دمر، وينبغي أن يبث في الناس هذا الفهم: أنه ليس في الإسلام صنم، وليس في الإسلام تمثال، وليس في الإسلام وثن.
لو كان في الإسلام أصنام وتماثيل لصنع لنبينا محمد أفضل الخلق وسيد ولد آدم تمثال يعظم به، ولصنع لأصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وعمار وصهيب وسلمان تماثيل أيضاً، ولصنع للأئمة المهديين من بعدهم كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد ﵏، ولكن أين هذا كله؟ ليس في الإسلام شيء من هذا، بل يجب أن تتجه الوجوه كلها لخالقها وبارئها مسلمة خاضعة إليه.
وإنه لعار على قوم يحملون علماً أن يظهروا تباكياً على ما وقع، وأن يأتوا بفلسفات فارغة للإنكار على ما فعل، ويشجبوا صنيع إخواننا؛ إذ كسروا الأوثان وأزالوا معلماً من معالم الشرك، وأزالوا عقيدة تتقلد من دون الإسلام، عار على رجال تقلدوا علماً أن يذهبوا ليواسوا أهل الكفر في المصاب الأليم الذي ألم بهم بزعمهم، ويتركوا المسلمين يذبحون في الأرض المباركة التي بارك الله فيها للعالمين، ولم نسمع أن شيخاً ذهب يشجب هذه الصنائع، وسمعنا عن أقوام يظهرون تباكياً على وثن أزيل.
فنقول بوضوح وجلاء وصفاء: إن الله سبحانه ما أذن لهذه الأوثان أن تقوم، وما أذن لهذه الأوثان أن تعبد، وما شرعت هذه الأوثان في دين الإسلام أبداً، إنما هي من شرائع الكفار والمشركين، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فلا تأخذوا ثقافتكم من صحف وجرائد ومجلات، ولا تغتروا بذهاب مبعوث من الأمم المتحدة الكافرة يبكي ويتباكى ويناشد، ولم يذهب هذا المبعوث لوقف إراقة دماء المسلمين التي تسال يوماً بعد يوم في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، فالحمد لله على نعمته، وكما قال نبينا محمد: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)؛ فقه المسألة واضح وجلي، المستضعف يؤجل ذلك ولا يفعله؛ كأمثالنا في مصر نؤجل ذلك ولا نفعله لاستضعافنا، وقد أخر النبي ذلك لما صلى بمكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، ولكن إذا جعل الله لنا دولة فحينئذ ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
معشر الإخوة! إن إبراهيم ﵇ الذي أمرنا الله بالاقتداء به: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] كسر الأوثان صنماً صنماً، ثم قال ساخراً من قومه: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣].
فيا عباد الله! اعلموا تمام العلم وتيقنوا تمام اليقين: أن التوحيد يبلغ بالعبد درجة عليا لا تبلغه بها الصلاة ولا الصيام، ولا الحج، التوحيد وإخلاص العمل لله وإسلام الوجه لله يبلغ بالعبد درجة عليا في أعالي الجنان، أما من أشرك بالله، وإن كان في الظاهر يصلي فعمله حابط ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، إنه لا ينبغي لنا في هذه الحال أن نتغنى بتراث الكفار، ولا ينبغي لنا بحال أن نتغنى وأن نفتخر بخوفو وبخفرع وبمنقرع وبأبي الهول وغير ذلك من الأوثان، لا ينبغي لنا أن نفتخر إلا بإيماننا وبإسلامنا، فوالله ليست هذه الأصنام بنافعة لنا في قبورنا، ولا في دنيانا، ولا في أخرانا كذلك، بل يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم ببعضاً، ومأواهم النار وما لهم من ناصرين، وقد قال النبي ﵊ في حديثه (ينادي منادٍ يوم القيامة: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد؛ فيتبع أهل الأوثان أوثانهم، ويتبع أتباع الطواغيت طواغيتهم، ويتبع أهل الصليب صليبهم)، وهكذا تتبع كل أمة ما كانت تعبد.
فجدير بكل شخص منكم أن يوحد ربه، وألا يشرك به شيئاً، وألا يظهر تباكياً على صنم يزال، فتراث كافر لا يحق أن يقال عنه تراث أو تاريخ أو حضارة، إنما إن كانت لها مقام فللعبرة، كما قال تعالى في شأن قوم من الكفار: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨].
فجدير بنا أن نأخذ العبرة من مصارع هؤلاء الغابرين الهلكى، ونعلم تمام العلم أن ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].
أهل الإيمان أسلموا الوجوه كلها لله، وأهل الكفر أسلموا الوجوه لآلهة متعددة، فمنهم من أسلمها لحجر يظن أنه ينفع ويضر، ومنهم من أسلمها لشجر يتبرك به ويتمسح به، ومنهم من أسلمها لقبر يزعم أن فيه ولياً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ومنهم من أسلم الوجوه لقبور ولمقبورين فيها، يذهب يمسح قلنسوته وجلبابه بقبر هالك من الهلكى يظن أنه ينفعه، وقوم أسلموا الوجوه لبقر يعبدونها مع الله، فنشهد الله على البراءة من كل دين يخالف دين الإسلام.
نشهد الله أنا رضينا به رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، ونسأل الله سبحانه أن يمسكنا بالعروة الوثقى حتى نلقاه، نسأله سبحانه أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، نسأله أن يثبتنا بالقول الثابت عند سؤال الملكين لنا في قبورنا من ربك؟ فهل نقول ربنا بوذا؟ أو خوفو، أو البدوي؟ كلا وحاشى، فمن قال ذلك ومن تقلد شيئاً من ذلك حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، بل ربنا ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص:٦٦] فاعبدوه وأسلموا له الوجوه.
اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مسكنا بالعروة الوثقى حتى نلقاك.
شهدنا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وسمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأهلك الكفرة أعداءك أعداء الدين، واختم لنا بخير أجمعين، وارحم أمواتنا وأموات المسلمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 359
الحقوق الأسرية
تعتبر الأسرة النواة التي يقوم عليها المجتمع، وإذا صان رب الأسرة أسرته عن المشاحنات والمنافسات فقد توطدت أركان هذه الأسرة؛ ولا يستقيم حال الأسرة إلا إذا أُعطِي كل فرد فيها حقه وأعطى ما عليه من حق، وتعتبر الحقوق المالية ركيزة مهمة تعتمد عليها الأسرة في المحافظة على كيانها في نطاق الشرع وحدود العرف.
стр. 360
حق قيم البيت على أهل بيته
اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن؛ قولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق.
ثم أما بعد: فمحاضرتنا في الحقوق الأسرية، فللزوج حق وللزوجة حق وللابن حق، ويجب أن يعطى كل ذي حقه كما أمرنا رسول الله ﷺ ، فقد قال: (إن لزوجك عليك حقاً، وإن لولدك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً)، وقال الله في كتابه الكريم: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:٢٦].
فجدير بكل منا أن يعرف ما له وما عليه في بيته، فما منا إلا أب أو ابن أو أخ أو أخت أو زوجة أو زوج فإن النبي ﷺ قال: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)، فكل ينبغي أن يعرف ما له وما عليه في البنية الأسرية.
أولاً: بالنسبة للزوج أو للأب فهو القيم في البيت، وهذا المنصب نصبه الله فيه، قال الله في كتابه الكريم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]، وقال النبي ﷺ : (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته).
فالقيم في البيت هو الرجل وهو الزوج، فله حقوق من أعظمها بل أولاها وأولها حق السمع والطاعة في البيت، فلابد أن يسمع أهل البيت وأن يطيعوا للزوج، وذلك في طاعة الله سبحانه وطاعة رسوله ﷺ .
فطاعة الأبوين من طاعة الله سبحانه ومن طاعة رسوله ﷺ ، وهي من البر بالوالدين، فقد أمر الله بذلك في كتابه الكريم، قال الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال النبي ﷺ لما سئل: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: الصلاة لوقتها.
قيل: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين)، وتعددت الآيات التي تثبت هذا المعنى، قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]، والآيات في هذا الباب في غاية الكثرة ولا تخفى عليكم، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فمن حق الأب في البيت أن يسمع له ويطاع، ولكن السمع والطاعة هذه مقيدة بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، فإذا أمر الأب أو أمرت الأم بمعصية الله فلا سمع لهما حينئذٍ ولا طاعة، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]، ويقول الله سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، وقال سبحانه في شأن الأب الكافر: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢].
إذا أمر الأب أو أمرت الأم بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة لهما حينئذٍ، قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إنما الطاعة في المعروف)، وجاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن ابنتي تمرق شعرها وإن زوجها يستحثني على الدخول بها، أفأصل شعرها يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : إن الله لعن الموصلات) أي: اللواتي يصلن شعورهن بشعور أخرى، وفي هذا يقول النبي ﷺ كذلك: (لعن الله الواصلة والمستوصلة)، فمنع النبي ﷺ هذه الأم من وصل شعر ابنتها وإن طلب الزوج منها ذلك.
ولكن مع معصية الأبوين في دعوتهما إلى الحرام ينبغي بل ويجب أن يصاحبا بالمعروف كذلك، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فمع عدم الطاعة هناك مصاحبة بالمعروف كذلك.
وفي هذا المعنى يقول الخليل إبراهيم ﷺ لأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وسلام عليك هنا معناها: أمان عليك مني، فلن أتعرض لك بأذىً ولن أمسك بسوء، فأنت أب وأنت والد وإن كنت مشركاً.
وفي هذا المعنى يقول النبي ﷺ : (إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون، ولكن لهم رحم سأبلها ببلالها) أي: لهم رحم سأصلها بصلتها، أي: لهم حق الصلة.
وفي هذا أيضاً قول الله في كتابه الكريم: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
وفي هذا قصة أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها، فقد جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت له: (يا رسول الله! إن أمي أتتني وهي راغبة -وهي مشركة- أفأصل أمي يا رسول الله؟! قال: صلي أمك) فالأب وإن كان مشركاً والأم وإن كانت مشركة لهما حق البر والصلة ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥]، فلا يطاعان في ذلك، ومع هذا لا تقطع صلتهما، فإن الله قال في كتابه الكريم: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، إن أرسلاك إلى مكان سوء مثلاً فلا يطاعان، وذلك استنباطاً من حديث الساحر والراهب مع الغلام، فكان أهل الغلام يرسلونه إلى الساحر فيختلف إلى عابد فيستمع منه، ثم يرجع إلى أهله فيقول لهم: حبسني الساحر.
وإذا تأخر على الساحر وأتاه قال: حبسني أهلي، فإذا أرسل إلى مكان فيه شر أو سوء فلا يستمع إلى الأبوين ولا يطعهما في معصية الله .
стр. 361
حق رب الأسرة في زواج أبنائه وطلاقهم
تأتي بين الأوامر بالطاعة والأوامر بالمعصية أوامر أخرى فيها نزاع بعض الشيء بين أهل العلم، فمثلاً: إذا أمر الأب ولده بتطليق زوجته، هل يطيع الولد والده في تطليق الزوجة أو لا؟ وكذلك إذا ما أمر الوالد ولده بالزواج من فتاة بعينها، هل عليه أن يطيع والده في الزواج بها؟ وكذلك إذا ما أجبرت الفتاة على أن تتزوج رغماً عنها هل تفسخ عقود الأنكحة؟ هذه مباحث نتعرض لها على وجه السرعة.
فإذا كان الأب صالحاً ومقصده مقصداً شرعياً في أمره بتطليق الزوجة لرؤيته لها تخالف أوامر الله، وتخالف أوامر رسول الله ﷺ ، وكان الباعث له على الأمر بتطليقه هذه المرأة هو الوقوف على حدود الله؛ فيسمع له حينئذٍ ويطاع، قال ابن عمر: (كانت تحتي امرأة وكنت أحبها وكان عمر يبغضها، فذهب وشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ لي: أطع أباك؛ فطلقتها) وبهذا أوصى الخليل إبراهيم ﵇ ولده إسماعيل ﷺ ، أن يغير عتبة بابه، ألا وهي تلك المرأة التي كانت متسخطة لأقدار الله غير مستبشة بالأضياف وغير مكرمة لهم، فأوصاه أبوه بأن يغير عتبة بابه.
أما إذا كان الباعث للوالد على الأمر بتطليق المرأة هو عفتها وتحجبها وعدم اختلاطها بأبناء البنين، فلا يسمع له ولا يطاع؛ حينئذٍ فإن في السمع والطاعة له نوعاً من أنواع الشر، ونوعاً من أنواع الفساد، والله لا يحب الفساد، فقد قال الله : ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨].
فهذا بالنسبة لمسألة التطليق.
أما بالنسبة لمسألة التزويج، فهل للأب أن يتدخل لتزويج ولده أم أنه ليس له الحق في ذلك؟ له الحق من جانب، وليس له الحق من جانب آخر، ليس له الحق في أن يفرض على ولده الزوجة التي يريدها، وقد ينفعل الأب أو ينجذب تجاه من يحب وليس الشخص مكلفاً بما يحب غيره، بل القلوب مردها إلى الله ، لكن للوالد أن يشير، قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: (زوجني أبي من امرأة لها منصب وجاه فكان يتعاهدها فيسألها عن حالها مع زوجها، فقالت: والله ما كشف لنا ثوباً منذ أن دخلنا عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث وفي آخره أن النبي ﷺ قال: (ولكني أنام وأرقد وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وفي الحديث: (وإن لأهلك عليك حقاً) أو كما ورد عن رسول الله ﷺ .
وليس للأب أن يجبر ابنته بحال من الأحوال على أن تتزوج بشخص لا تريده، قال النبي ﷺ : (لا تنكح البكر حتى تستأذن، قيل: إنها تستحي يا رسول الله! قال: إذنها صماتها) وقالت خنساء بنت خدام: (زوجني أبي بابن عم لي ليرفع به خسيسته، وأنا كارهة، فذهبت إلى رسول الله ﷺ فرد نكاحي).
стр. 362
حق الزوج في تزين الزوجة له
هل من حق الزوج على زوجته أن تتزين له، أم أن ذلك من المستحبات وليس من الواجبات؟ ليس هناك دليل يوجب على المرأة أن تتزين لزوجها، إنما زينتها للزوج من باب المستحب لها فقط واتباع آثار السلف الصالح؛ فـ عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: (استعرت قلادة من أسماء) والقلادة هي العقد، وذلك كي تتزين بها لرسول الله ﷺ ، فذكرت الحديث الطويل الذي فيه فقدانها للقلادة، ثم عثورها على القلادة، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها لبعض التابعين: انظر إلى ثوبي هذا إن جاريتي هذه تستنكف أن تلبس هذا الثوب وما كانت امرأة بالمدينة تقيم -أي: تزف- لزوجها إلا أرسلت إليّ تستعيره مني، وهذه الجارية تأنف أي تستكبر أن تلبس هذا الثوب.
فيجرنا هذا إلى بحث فقهي سريع مختصر وهو: ما هو حكم استعارة الزوجة لثياب كي تتزين بها لزوجها؟ هل يشرع لها أن تستعير من امرأة أخرى ثياباً تتزين بها للزوج؟ الظاهر أن ذلك يجوز، لكن في أمر الثياب تفصيل، فثم ثوب من الثياب إذا استعارته امرأة كي تتزين به لزوجها وأخبرت زوجها لمن هذا الثوب، وخاصة تلكم الثياب الداخلية؛ فإن زوجها يتصور المرأة التي تلبس هذا الثوب، فيكون المنع من قبل حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها، ولا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) ففي مثل هذه الحالة عندما تصف له امرأة أخرى بهذا الفعل فقد تثير فيه الشر وتحرك فيه الفساد، فالنصوص العامة حينئذٍ تمنع من مثل هذا.
وإن لم يكن في المسألة نص خاص من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، ولكن ثم ثياب عامة تستعار كفساتين العرس أو الزفاف التي تزف بها المرأة، فإنها لا تكاد تصور امرأة ما بعينها وبشخصها، فالمناط مع هذا إن وجد الشر والفساد والوصف امتنعت الاستعارة، وإن لم يوجد ما يهيج على الفساد ويعين على الرذيلة فالأصل فيه الإباحة لما سمعتموه من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، ومن فعل فعلها، فيجوز حينئذٍ للمرأة أن تستعير الثياب والقلائد، وأن تستعير الخواتيم، تتزين بها لزوجها، وليست نساؤنا بخير من نساء رسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 363
حق الزوج في خدمة زوجته له
هل من حق الزوج في البيت على زوجته أن تقوم بخدمته، أم أن هذا من الأمور المستحبة؟ يستحب للمرأة استحباباً شديداً أن تخدم في بيت زوجها، وذلك هو شأن النساء الصالحات وفضليات النساء من نساء الأنبياء وبنات الأنبياء رضي الله تعالى عنهن.
فهذه سارة كما ذكرها الله في كتابه الكريم، لما أقبل الأضياف على زوجها قال سبحانه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ [هود:٧١] أي: قائمة على خدمة الأضياف.
وجاءت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى النبي ﷺ لما سمعت بمقدم رقيق -أي: خدم- إلى رسول الله ﷺ ، وشكت إلى عائشة رضي الله تعالى عنها ما تلقى في يديها من أثر الرحى التي كانت تطحن بها، وطلبت منها أن تنقل شكواها إلى رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فلما جاء النبي ﷺ ونقلت له عائشة ما لقيت فاطمة من أثر الرحى في يديها؛ إذ يداها تشقت من العمل الشاق المرهق المتعب في طحن البر وإدارة الرحى، فأتى رسول الله ﷺ فاطمة وعلياً وقال لهما (ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ تسبحان عند النوم ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان ثلاثاً وثلاثين، وتكبران أربعاً وثلاثين؛ فذلكم خير لكما من خادم)، استنبط منه العلماء أن ذكر الله يورث قوة في البدن تعوض عن الخدم.
وقبل أن ننتقل من هذه المسألة يطرح سؤال مفاده: هل يشرع تواجد الخدم في البيت؟ أو أن الأولى ترك الخدم؟ ورد في باب الخدم الذي سمعتموه من قول رسول الله لـ علي وفاطمة: (ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم) وأرشدهما الرسول إلى التسبيح والتحميد والتهليل، لكن بيت رسول الله ﷺ نفسه كان به الخدم، في قصة ذهاب النبي إلى بعض أزواجه فأتى الخدم بصحفة من عند بعض أزواج النبي ﷺ ، فقامت الزوجة التي عندها رسول الله فقلبت الصحفة وهي في يد الخادم.
فأثبت هذا الحديث وجود الخدم في بيت رسول الله، وكذلك في بيت أبي بكر الصديق قالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنها -وهذا في باب خدمة المرأة لزوجها-: (كنت أسوس فرس الزبير وأجمع له النوى وأدق النوى قالت: ثم أتى إلى أبي بكر الخدم فأرسل إليّ خادماً فكأنما أعتقني).
فالخادم يجوز اتخاذه إذا وجدت سعة في ذلك.
مع أن الأولى والأفضل ما أرشد إليه رسول الله، فكان النبي ﷺ يختار لأهل بيته الأفضل خاصة ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها، باعتبارها سيدة نساء أهل الجنة، كان الرسول ﷺ يختار لها الأكمل والأفضل.
وقد ذهب النبي ﷺ إليها ذات ليلة فوجد على بابها ستراً موشياً فلم يدخل البيت ورجع مغضباً، فأرسلت فاطمة في إثره علياً تقول له: ماذا صنعت يا رسول الله، لم تدخل البيت؟ فقال: ما هذا الستر؟ قالت: يا رسول الله! مرني فأصنع به ما تشاء.
قال: (أرسلي به إلى بيت فلان) أهل بيت لهم فيه حاجة، فأرسلت فاطمة رضي الله تعالى عنها بهذا الستر إلى أهل البيت؛ فكان الرسول ﷺ يختار لأهل بيته الأفضل.
ففي باب خدمة المرأة لزوجها شكت فاطمة ما تجد من أثر الرحى في يديها لرسول الله، وقالت أسماء: كنت أسوس فرس الزبير وأعلفه، وأجمع له النوى وأدق له النوى، وكان ذلك على بعد ثلاثة فراسخ من مدينة رسول الله.
وأيضاً في الباب قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ جابر: (يا جابر! تزوجت؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: بكراً أم ثيباً؟ قال: بل ثيباً يا رسول الله! قال: هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك.
فقال: يا رسول الله! إن عبد الله قد توفي وترك لي تسعة أخوات بنات، فخشيت أن أجيهن بفتاة خرقاء لا تحسن صحبتهن، فتزوجت بامرأة ثيب تحسن صحبتهن، وتمشطهن وتقوم بخدمتهن) أخذ من هذا أيضاً أن حال النساء على عهد رسولنا محمد ﵊ كان في خدمة الأزواج.
وقال صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها)، وقال النبي ﷺ لامرأة: (أذات زوج أنتِ؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: كيف أنتِ منه؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه -أي: لا أقصر في حقه إلا في شيء لا أطيقه- قال: انظري أين أنتِ منه؟ فإنما هو جنتك أو نارك)، وجاءت فتاة إلى رسول الله مع أبيها وأبوها يشكوها إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن ابنتي هذه أبت أن تتزوج، فقالت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أتزوج حتى تخبرني بحقي على زوجي وبحق زوجي عليَّ، قال: لو كانت به قرحة فلحستها ما أدت حقه، قالت: إذاً والذي بعثك بالحق لا أتزوج.
قال النبي ﷺ : لا تنكحوهن إلا بإذنهن).
وبهذا استدل فريق كبير من أهل العلم بل الجمهور على أن النكاح لا يجب على المرأة، حتى ابن حزم الظاهري الذي أبعد في مسائل النكاح مباعد شتى لم يقل بوجوب النكاح على النساء لهذا الحديث ولغيره.
ومن الأدلة التي سيقت في باب خدمة النساء للرجال في البيوت ما ورد عند ابن أبي شيبة بإسناد فيه ضعف فحواه: (أن النبي ﷺ قضى على علي ﵁ بالخدمة الظاهرة، وقضى على فاطمة ﵂ بالخدمة الباطنة) ولكن إسناد هذا الخبر لا يثبت عن رسول الله ﵊.
ومما استدل به كذلك على مسألة خدمة المرأة لزوجها قول الله جل ذكره: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، هذه عمدة استدلالات من قال باستحباب خدمة المرأة لزوجها في البيت في حدود استطاعتها وفي حدود طاقتها.
وجمهور أهل العلم يرون أن هذه الخدمة على الاستحباب وليست على الإيجاب، فليس هناك نص صريح يوجب عليها الخدمة فهي إما نصوص تبين حال الفضليات، والصحابيات، فقد سئل النبي ﷺ سؤالاً صريحاً في هذا الصدد فقيل له: (يا رسول الله! ما حق أحدنا على زوجته؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه -في مجمل الروايات-: ألا تمنع نفسها وإن كانت على قتب) أي: إذا دعاها إلى الجماع لا تمنعه نفسها، وفي روايات أخر (وألا تجلس أحداً على تكرمته إلا بإذنه) وفي روايات أخر: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) أي: صوم التطوع.
قالوا: فهذه الحقوق وجبت بنصوص: (لا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب)، (وألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه) و (ألا تصوم إلا بإذنه)، وكذلك الخروج من البيت لا تخرج إلا بإذنه، قالت أم المؤمنين عائشة لرسول الله ﷺ في حديث الإفك: (يا رسول الله! ائذن لي أن آتي أبوي، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، فدل ذلك على أن خروجها من البيت يكون بإذن، ودل على الاستئذان أيضاً قوله صلوات الله وسلامه عليه: (إذا استأذنكم نساؤكم إلى المساجد فائذنوا لهن).
بقي مبحث آخر يتعلق بما ذكر وهو إذا كان الزوج غائباً هل يلزم المرأة أن تستأذنه في صوم التطوع؟ للعلماء في ذلك وجهان: أحدهما: لا يلزمها أن تستأذنه في صوم التطوع، وذلك لأن النبي قال: (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) أي حاضر إلا بإذنه، فإذا لم يكن الزوج شاهداً فلا ينتحل هذا الحديث، ثم إن المعنى الذي من أجله تمتنع عن الصوم غير موجود.
أما الذين قالوا: تستأذن -وهم قلة- فقالوا: إن له الحق في أن تكون زوجته ذات جمال ووسامة، ومن حقه أن يؤدي بها إلى ما يتعفف به، فهذا هو الوجه في ذلك.
نرجع إلى الذي كنا بصدده وهو: مسألة خدمة المرأة لزوجها، فرأى فريق من العلماء وهو الجمهور: أن ذلك يستحب لها استحباباً شديداً، ورأى آخرون الوجوب، والقائلون بالاستحباب أكثر، والله سبحانه أعلم.
стр. 364
حكم تصدق المرأة من مالها أو مال زوجها
وهل من حق الزوج أن يمنع زوجته من التصدق من مالها الخاص بها إلا بإذنه؟ هذه المسألة جمهور العلماء فيها على أنه ليس للزوج أن يمنع زوجته من أن تتصدق بمالها إذا شاءت أن تتصدق، وقد جاء في هذا الباب جملة من الأدلة العامة والخاصة، فمن الأدلة العامة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وقال في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] وعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وهي مخاطبة بقوله تعالى في الآية: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)).
وأدلة خاصة في هذا الباب منها ما ورد في الصحيح من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ صلى العيد ثم اتجه إلى النساء فقال: (يا معشر النساء! تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار، قلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير).
الشاهد: (فقامت المرأة تلقي خرصها في حجر بلال، وبلال يجمع الصدقات) ونحوه في حديث جابر ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم جميعاً، فهذه الأحاديث أفادت أن النبي لما حثهن على الصدقة بادرن بالصدقة، ولم يرد أنهن ذهبن إلى الأزواج فاستأذن الأزواج للتصدق إنما بادرن بإلقاء الصدقة في ثوب بلال.
وقد ورد في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تحل للمرأة عطية من مالها إلا بإذن زوجها)، فهذا الحديث أشكل على بعض أهل العلم لتعارضه مع العمومات التي ذكرت من أن النسوة قمن فتصدقن في حجر بلال، وبالنسبة لإسناد هذا الحديث فهو من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمقرر عند أهل الحديث أن هذا الإسناد حسن إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، أما إذا عورض بما هو أقوى منه، فالأمر كما قال الإمام أحمد: إن أهل العلم إذا شاءوا أن يحتجوا برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده احتجوا، وإن شاءوا أن يردوا رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ردوها.
هنا يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في خبر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرأة عطية من مالها إلا بإذن زوجها) قال: هذا الخبر ليس بثابت عندنا، ثم هو مخالف للكتاب، ثم هو مخالف للسنة، ثم هو مخالف للأثر، ثم هو مخالف للمعقول، والأمر كما قال الشافعي رحمه الله تعالى.
وحمله بعض أهل العلم على الأدب لا على الإيجاب، وعلى التوادد والتراحم، فإن المرأة إذا تصدقت من مالها بغير إذن زوجها كان في نفس الزوج شيء، قالوا: قد يدفع هذا الشيء إلى التحسس إذ العلاقات بين الزوجين مبنية على التوادد والتراحم، كما قال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
ثم ننتهي إلى شيء آخر: هل للمرأة أن تتصدق من مال زوجها من بيته بغير إذنه التحرير يقتضي أن ذلك مبني على حجم الصدقة، وعلى الأعراف السائدة، وذلك لقول النبي ﵊: (إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها النصف، وللخادم النصف، وللزوج مثل ذلك) فقيد الإنفاق هنا بغير الإفساد، فمثلاً في اصطلاحاتنا إذا كانت المرأة تخبز خبزاً ومر بها فقير فناولته رغيفاً فلا بأس بذلك؛ إذ الأعراف قد جرت على ذلك، ثم إنها إن امتنعت وصفت في أوساط النساء بالشح، وبالبخل، وقد جاءت الشريعة الغراء بحفظ الأعراض من سيئ الأوصاف.
(وللخادم): الخادم الذي يكون في بيوت الأثرياء القائم على المخزن، أحياناً الزوجة تقول له: أعط هذا السائل كذا، فمن الخدم من هم بخلاء، ومنهم من هم كرماء يفرحون بأمر سيدهم لهم، أو بأمر صاحب البيت لهم بالإنفاق، أما الإفساد فالأمر فيه ليس على ذلك.
ثم: هل من حق الزوج أن يقبل من زوجته صدقة عليه؟ أي هل للزوجة أن تتصدق على زوجها، أو ليس لها ذلك؟ الأموال التي يأخذها الزوج من زوجته إما كهبات تهبها الزوجة لزوجها، جائز له أخذها، فإن الله قال في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] وفي قوله هذا فقه للعطاء، فلا ينبغي للمرأة أن تعطي للزوج كل صداقها، بل إن أعطته تعطيه شيئاً وتدخر شيئاً لنفسها، فإن النبي ﷺ ذكر في الحديث: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) فقال: (دينار أنفقته على نفسك ودينار أنفقته) إلى آخر الحديث لكن أفضلها دينار (أنفقته على نفسك)، فإن وهبت المرأة شيئاً لزوجها فلا تهبه كل صداقها إنما تهبه بعض الصداق لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤].
كذلك في قوله جل ذكره: ﴿فَإِنْ طِبْنَ﴾ [النساء:٤] أي: إن طيبت المرأة نفساً بالعطاء فكله هنيئاً مريئاً، أما إذا احتلت أنت أو ضغطت عليها كي تعطيك الأموال أو ابتززت أموالها بأي صورة من الصور فالله يقول: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٢٩] فلا يحل مال امرأة مسلم إلا عن طيب نفس منها، فليس للزوج أن يأخذ من مال زوجته شيئاً إلا عن طيب نفس، للآية الكريمة: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء:٤]، ولقول النبي ﵊ في الحديث الذي صحح بمجموع طرقه: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه) فإذا وهبت المرأة شيئاً من مالها لزوجها جاز للزوج أن يقبل هذا المال، إذا طيبت نفساً بذلك، لكن هذا هو الشق الأول من الأموال، أو النوع الأول من الأموال التي تعطيها الزوجة لزوجها.
ثم صدقة النفل: هل للزوجة أن تتصدق صدقة نفل على زوجها؟ نقل الصنعاني رحمه الله تعالى في سبل السلام الإجماع على جواز ذلك، أي: على جواز تصدق المرأة صدقة النفل على زوجها، أما صدقة الفرض ففيها شيء من الخلاف، والراجح أن صدقة المرأة صدقة الفريضة على زوجها جائزة إذا كان من المصارف الثمانية.
стр. 365
مشروعية إعطاء الزوجة زوجها زكاة مالها والعكس
بالنسبة لصدقة الفرض هل يجوز للمرأة أن تتصدق أو أن تخرج زكاة أموالها في زوجها؟ الراجح والله سبحانه أعلم من أقوال أهل العلم جواز ذلك، وذلك لقول الله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠]، فإذا كان الزوج من المصارف الثمانية، فليس هناك دليل يمنع المرأة من أن تخرج الزكاة فيه.
هذا شيء.
الشيء الآخر هو مجيء زينب امرأة عبد الله بن مسعود إلى رسول الله ﷺ ، وقولها لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله إن لي أيتاماً في حجري، وإن عبد الله -تعني: ابن مسعود - زعم أنه أحق هو وأولاده بالصدقة من غيرهم، فقال النبي ﷺ : صدق ابن مسعود هو وأولاده أحق من غيره).
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (هل يحق لي يا رسول الله! أن أتصدق على زوجي وعلى أيتام لي في حجري؟ قال: نعم، ولك أجران؛ أجر الصلة وأجر الصدقة)، أو كما قال رسول الله ﷺ ، فهذا الاستدلال لجواز إخراج المرأة لزكاة أموالها لزوجها؛ إذ لا يجب عليها أن تنفق عليه، أولاً لعموم الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] إلى آخر الآية، ثانياً: عدم وجود المانع، ثالثاً: حديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنها في هذا الباب.
والأمر لا ينعكس، فلا يجوز للزوج أن يخرج زكاة أمواله في زوجته؛ إذ نفقتها واجبة عليه، واستثنى بعض أهل العلم هذه الحالات: إذا كانت المرأة قد استدانت قبل الزواج فللزوج أن يخرج زكاة أمواله لسد الدين عنها، إذ لا يجب أن يسد الدين عنها، أو إذا استدانت في أمر لا يجب على الزوج، كأن تكون استدانت مثلاً لصلة أهلها ثم عجزت عن الوفاء، أو استدانت لإعطاء أبويها الفقراء، ثم لم تستطع سداد هذه الديون التي حلت وألمت بها، فلها حينئذٍ أن تأخذ من زكاة مال زوجها لسداد ما عليها من الديون في مثل هذه الحالة.
وهل يتصدق الرجل، أو يخرج الرجل زكاة أمواله في أبنائه؟ لا يجوز للرجل أن يخرج زكاة أمواله في أبنائه الذين تلزمه نفقتهم، وكل الذين تلزمه نفقتهم.
قال العلماء أو جمهور أهل العلم: يجب على الأب أن ينفق على الأبناء الذكور من الولادة حتى سن البلوغ، وبعد سن البلوغ لا يجب، إلا إذا كانوا فقراء أو كانوا سيضيعوا بسبب عدم إنفاقه عليهم، أما إذا كان لهم أعمال يمارسونها فالجمهور على أن الإنفاق إلى البلوغ وعلى الإناث إلى عقد الزواج، وبعد عقد الزواج تنتقل النفقة من الأب إلى الزوج على رأي جماهير العلماء، ومن أهل العلم من يقول في شأن المعقود عليها وهم قلة: إن النفقة على المعقود لا تجب إلا بالتمكين، أي: إذا انتقلت عنده، لكن القول الذي عليه الأكثرون هو الأول، والله أعلم.
أما إذا كان للرجل ولد متزوج ومعيشته مستقلة، فلا يجب على الوالد الإنفاق عليه، فحينئذٍ للأب أن يخرج له عند فريق من أهل العلم زكاة أمواله، إذ الإنفاق عليه ليس بواجب.
كذلك إذا كان للأب بنت متزوجة وهي وزوجها فقراء، أو زوجها فقير؛ فللأب أن يخرج الزكاة في ابنته إذ لا يجب عليه أن ينفق عليها.
والله أعلم.
стр. 366
الهبة للأولاد وأحكامها
فريق من أهل العلم على أنه يجب على الأب ويجب على الأم أن يعدلا في الهبة، وذلك لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: (ذهبت أمي عمرة بنت رواحة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني نحلت ابني هذا نحلة، أي: أعطيته هبة -وكان معها زوجها بشير - فأردت أن أشهدك على هذه النحلة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألك ولد غيره؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: أكل ولدك أعطيته مثل هذا؟ قالت: لا يا رسول الله! قال: ارجعي فأشهدي على هذا غيري) وفي رواية: (فإني لا أشهد على جور)، وفي ثالثة: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم).
فأخذ فريق من أهل العلم من هذه النصوص وجوب العدل بين الأولاد في الهبات، ورأى فريق من العلماء وهم الجمهور: أن العدل بين الأولاد في الهبات مستحب وليس بواجب، ومن عمدة أدلتهم على القول بالاستحباب: أن الرجل أحق بماله ويتصرف فيه كيف يشاء، وإنما قول الرسول: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) أمر ندب وإرشاد واستحباب حتى لا تتولد الضغائن بين المسلمين.
ومن الأدلة التي استدلوا بها على ذلك: ما ورد عن أبي بكر الصديق ﵁ بسند صحيح: (أنه رضي الله تعالى عنه أعطى عائشة ﵂ عشرين وسقاً من تمر بالغابة، وهي على بعد أميال من مدينة الرسول ﵊، ثم لما حضرته الوفاة قال: يا بنيتي! إني كنت قد أعطيتك عشرين وسقاً -والوسق: ستون صاعاً كما هو معلوم- من مالي بالغابة فإن كنت جلبتيه فهو لك -أي: إن كنت أخذتيه إلى رحلك فهو لك- وإن كنت لم تأخذيه فإنما هو مال وارث فلا يحل لك أن تأخذيه)، ولم يكن أعطى سائر إخوانها مثل الذي أعطاها رضي الله تعالى عنها، حتى أسماء ما أعطاها.
فعمدة استدلالات الجمهور القائلين بأن العدل بين الأولاد في الهبات ليس بواجب وأنه مستحب: أن الأب أحق بماله، وأن احتياجات الأبناء تختلف، فهذا مثلاً ابن يدرس في الجامعة واحتياجاته تختلف عن ابن يدرس في الابتدائي، أو هذا ابن يدرس في الطب واحتياجاته تختلف عن ابن عامل، فهذا ينفق في العام ألفين أو ثلاثة آلاف، وهذا يدر دخلاً على الوالد، فمسألة التسوية في الهبات في مثل هذه الحالة تشق على الناس، فحينئذٍ قال جمهور العلماء: بأنها مستحبة، والله أعلم.
لكن من أهل العلم من قال: إن الرجل عليه أن يعدل في الهبات قدر الاستطاعة، وما خرج عن وسعه وجهده فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، أما أمر رسول الله الصريح: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)؛ فلا يعدل عنه إذ هو حديث الرسول وهو كالنص في المسألة والله سبحانه أعلم.
ترد مشاكل ومسائل: رجل له أولاد تعلموا في كليات وأبناء آخرون لم يتعلموا، أو رجل له ولدان أحدهما عامل في شركة أو فلاح يدر على أبيه في كل يوم دخلاً، والآخر من الأبناء يأخذ من أبيه أضعاف هذا الدخل الذي يدره هذا الولد، فهذا عمل ودر دخلاً على البيت، وهذا يأخذ من الأب أموالاً كثيرة طائلة كي يتعلم بها، وهذه الأموال التي يدفعها الأب ليست بواجبة على الأب إنما هو من باب الفضل، فهل يجوز والحالة هذه أن يعطي الأب ولده العامل شيئاً من التعويض مقابل المال الذي أعطاه؟ النصوص الشرعية والقواعد العامة تجيز ذلك إذا مكنه منه قبل الوفاة، أما بعد الوفاة فكما قال الرسول ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث).
ومن أهل العلم من استثنى الزمنى من الأبناء، أي: الذين عندهم مرض مزمن، وقال: يجوز للأب أن يخص من عنده مرض مزمن من أبنائه -كالبنت الكسيحة أو العرجاء التي يظن أنها لن تتزوج- بشيء من المال كهبة يسلمها إياها في دنياها كي تستعين به على نوائب الدهر.
وهذا رأي له وجاهته، ومما يشهد له قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقوله: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته)، (فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 367
العشر الأوائل من ذي الحجة
فضل الله العشر من ذي الحجة على بقية أيام العام، وجعل العمل فيها أحب إليه من غيرها، وحث سبحانه على الذكر فيها فقال: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)، فيستحب فيها الإكثار من الأعمال الصالحة، ويرى بعض أهل العلم أن الصيام داخل في العمل الصالح المرغب فيه في هذه العشر، وقد سن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه أن من عزم على أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره -أسوة بالحاج- حتى يضحي.
стр. 368
فضل العشر الأول من ذي الحجة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإنا إن شاء الله على مشارف أفضل عشرة أيام في العام، على مشارف الأيام المعلومات التي ذكرها الله في كتابه، حيث قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]، والأيام المعلومات عند جماهير أهل العلم: هي العشر الأول من ذي الحجة، وهي أفضل أيام العام على الإطلاق، وقد أقسم الله بها في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢].
стр. 369
كلمات قليلة أجورها عظيمة
قال ﵊ في بيان بعض أفراد الذكر: (لئن أقول: سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)، أحب من الآلاف بل من الملايين من الجنيهات، بل أحب إليه من كل شيء طلعت عليه الشمس من قصور وبيوت وتجارات وعمائر، ألا وهي كلمة: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكب).
وقال ﵊ (من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، الخطايا تحط وإن كانت مثل زبد البحر -من كثرتها- بقوله: سبحان الله وبحمده مائة مرة.
وقال ﵊: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وثَمَّ ذكر آخر فيه نفع وفضل، قال ﵊ لـ أبي موسى الأشعري: (يا أبا موسى! هل أدلك على كلمةٍ هي كنزٌ من كنوز الجنة، قل: لا حول ولا قوة إلا بالله)، فلا حول ولا قوة إلا بالله، كنزٌ من كنوز الجنة.
стр. 370
في الذكر قوة حسية
كيف يقوى البدن؟! هل يقوى البدن بذكر الله؟ نعم، يقوى البدن بذكر الله، ففي انشراح الصدور تقوى الأبدان، وتدفع الأمراض، وكما قال رسولنا لابنته فاطمة -لما جاءت تسأله خادماً-: (أولا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ تسبحين وتحمدين وتكبيرين عند النوم ثلاثاً وثلاثين فهي خيرٌ لك من خادم)، أو كما قال ﵊، وكما سمعتم قول الله ﵎: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ [هود:٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢]، فبعد هذا الفضل العظيم والثواب الجزيل للذكر، هل يليق بك -يا عبد الله! يا من آتاك الله الرشد! ورزقك الله العقل- أن تغفل عن ذكر الله؟ هل يليق بك أن تعدل عن الذكر إلى الاغتياب والنم، فتجني حصاداً مراً في الاغتياب وذكر الناس، وتجني إماتةً لقلبك بترك ذكر الله وإدمان ذكر الناس.
стр. 371
الحرص على الذكر في عشر ذي الحجة
جدير بك يا عبد الله! أن ترتب لنفسك أوقاتاً خاصةً في هذه الأيام العشر، تسبح الله فيها كثيراً، وتحمده فيها كثيراً، وتهلل وتكبر، ولتقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، حدد لنفسك أوقاتاً طويلة، تذكر الله فيها، وتصلي فيها على رسول الله ﵊، وقد علمت ما فيها من الأجر، قال ﵊: (من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، هل يليق بك ذلك يا عبد الله؟! فيا عبد الله! لا تغفل عن الذكر، ولا تغفل عن الشكر.
عند دخولك البيت اطرد الشياطين بقولك: باسم الله.
إذا أخذت المضجع اطرد عنك الشياطين التي تؤذيك وأنت نائم بقولك: (باسمك ربِّي وضعت جنبي وبك أرفعه)، أو الأحاديث الواردة في ذلك.
أغلب ما يفعل بالأيام العشر، هو ذكر الله ، ثم سائر أعمال البر.
стр. 372
فضل الذكر
إن شأن الذكر لعجيب، فالعبادات التي افترضها الله علينا إنما افترضت كي يذكر الله فيها، قال الله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] أي: وأقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال النبي ﵊: (إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لذكر الله ، فالعبادات التي افترضها الله علينا إنما افترضت كي نذكر الله فيها، ولا جرم؛ فإن الله يقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، ويقول النبي ﵊ لما كان في سفر مع أصحابه، (سبق المفردون سبق المفردون! قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، وليس من عجب أن يدعو موسى ﷺ ربه أن يمده بأخيه هارون؛ لعلة كبرى، قال موسى ﵊: ﴿هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٠ - ٣٢]، لماذا؟ قال: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥]، فموسى يطلب من الله أن يعينه بأخيه هارون، وأن يمنّ على أخيه هارون بالنبوة هو الآخر؛ لعلة لا شك أنها من أعظم العلل، ألا وهي: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٥].
فلا جرم -إذاً- أن ذكر الله فيه منتهى النفع؛ إذ العبادات شرعت من أجله، والأنبياء ما رخص لهم في تركه بحال من الأحوال، زكريا ﵊ لما منع من الكلام، قال الله له: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١]، أي: أنك لا تستطيع الكلام ثلاثة أيام، ومع عدم استطاعة الكلام لا تمتنع من الذكر، بل قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]، ولم تسقط الصلوات التي هي محل ذكر الله في أشد الأوقات؛ لم تسقط عن أي مريض، ولم تسقط عن أي مسافر، ولم تسقط عن أي مقاتل، قال النبي ﷺ : (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع، فعلى جنب)، وفي بعض الروايات: (فأومئ إيماء)، فذكر الله ينبغي ألا يفارق العبد، بأية حال من الأحوال.
ذكر الله به تذكر في الملأ الأعلى، قال الله سبحانه: (من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير من ملئه)، فتخيل وأنت واقف مع إخوانك تذكرهم بالله أن ربنا يذكرك في الملأ الأعلى ، قال الله في الحديث القدسي: (أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه)، وحسّن بعض العلماء حديثاً لرسول الله ﵊: (ألا أدلكم على خير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله).
- ذكر الله يجلب محبة ربك لك: قال النبي ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها).
- ذكر الله به تطمئن القلوب الوجلة المضطربة: القلوب الخائفة تطمئن بذكر الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]، فحقاً إنها نعمة ينعم الله بها على أهل الإيمان، إذا أصيبوا بمصيبة، أو حلت بهم كارثة، أو ابتلوا بفقدان مال أو عيال، أن يلهموا الذكر، فذكر الله يطمئنهم.
- ذكر الله خير عوض لهم عما فات: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، يقوم الشخص من نومه، منزعجاً من رؤيا رآها فبذكر الله يطمئن قلبه ويسكن خاطره، إذا ذكر الله ، وتعوذ بالله من شرها.
- ذكر الله سبحانه يقوي القلب: قال تعالى في شأن من خوفهم الناس من عدوهم: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فماذا كان؟ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]، قالها أهل النفاق مرجع الرسول ﷺ من أحد، وقد أنهكت قواه وقوى أصحابه، وقتل من قتل، وشج رأس نبينا محمد ﵊، وانصرف آنذاك أبو سفيان مفتخراً متباهياً، قائلاً: اعلُ هبل! فأجابه عمر، بل الله أعلى وأجل، فانصرف رسول الله وأصحابه، فجاء أهل النفاق بالإرجاف إلى رسول الله وإلى أصحاب رسول الله، يقولون لهم: إن أبا سفيان ومن معه سيأتون لاستئصالكم -مع أن القوة منهكة، والنفوس كسيرة- فماذا قال رسول الله هو وأصحابه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢]؟! قالوا جميعاً: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، فماذا كان؟ كفاهم الله شر عدوهم قال سبحانه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٤]، وكذلك كانت حال غلام ضعيف في وسط جبابرة ظلمة أخذوه ليلقوه من أعلى جبل، وأخذوه ليلقوه في وسط البحار، وما له معتصَم إلا بالله وبذكر الله، فقال -في كلا الحالتين-: اللهم اكفنيهم بما شئت، فكفاه الله سبحانه بما شاء، ورجع سالما آمناً غانماً.
ذِكر الله نور لك في السماء نور لك في قبرك نور لك في أُخراك.
- ذكر الله سبحانه حصنٌ لك من الشيطان الرجيم: قال الله : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨].
ذكر الله -بما فيه من استغفار- تستدر به الأرزاق، وتتسع به المضايق: قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣]، وكما قال نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٢].
ذكر الله -بما فيه من استغفار- تدفع به البلايا: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]، فجدير بك ألا تفارق الذكر في هذه الأيام الطيبة المقبلة عليك على وجه الخصوص، ولا تغفل عن ذكر الله أبداً، فإنك إن غفلت عن الذكر، انقضت عليك شياطين الإنس، بل وشياطين الجن كذلك، فالشيطان وسواس، وتدفع وسوسته ويبعد شره بذكر الله .
стр. 373
ما هو العمل الصالح المنصوص عليه في فضل العشر ؟
تجتمع في هذه الأيام جملةٌ من الفضائل: فهي الأيام المعلومات كما ذكر ربنا سبحانه، وهي داخلةٌ في الأشهر الحرم، إذ هي من ذي الحجة، وذو الحجة من الأشهر الحرم، وكذلك فهي تحوي أفضل يوم في العام، وهو يوم عرفة، وكذلك تحوي يوم النحر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر -أي: عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج أحدكم -أي: إلى الجهاد- بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء)، أما من خرج ورجع بنفسه وماله فالعمل الصالح أفضل من الجهاد، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما هو العمل الصالح الذي هو أفضل شيء في هذه الأيام؟ فمن أهل العلم من خص العمل الصالح بالذكر، فقال: المراد بالعمل الصالح ذكر الله ؛ وذلك لأن العمل الصالح أفضل من الجهاد، والجهاد من الأعمال الصالحة، فلو أطلقنا العمل الصالح لدخل فيه الجهاد، ولكن أريد به هنا صورة مخصوصة، ألا وهي الذكر، وقد وضحت هذه الصورة أفعال صحابة النبي الأمين عليهم رضوان الله، لقد أخرج البخاري معلقاً: أن ابن عمر وأبا هريرة ﵄ كانا يخرجان إلى السوق في هذه الأيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، أخرج البخاري معلقاً عن ابن عمر وأبي هريرة ﵄: (أنهما كانا يخرجان في هذه الأيام العشر إلى السوق يذكران الله ويكبران، فيكبر الناس بتكبيرهما).
стр. 374
حكم صيام التاسع من ذي الحجة
هل يسن للشخص صوم هذه الأيام التسع من ذي الحجة؟ ورد في ذلك عن رسول الله ﵊ حديثان: أحدهما ينفي، والآخر يثبت.
أما الذي نفى فقد ورد عن أم المؤمنين عائشة ﵂ بسند صحيح، قالت: (ما رأيت النبي ﷺ صائماً العشر قط)، ما كان النبي ﷺ يصوم العشر قط، وورد في معرض الإسناد حديث رواه راوٍ يقال له: هنيدة بن خالد، رواه مرة عن أمه عن بعض أزواج النبي ﷺ ، ومرةً عن امرأته عن بعض أزواج النبي ﷺ ، ومرة عن حفصة، قالت: (كان النبي ﷺ يصوم العشر الأول أو التسع الأول من ذي الحجة)، وقد عمل بهذا الحديث بعض أهل العلم.
ومن العلماء من أعله بالاختلاف وقالوا: إن الأصوب حديث عائشة.
وعلى كلٍ: قد أدخل فريق من أهل العلم الصيام في العمل الصالح الذي ينبغي أن يحافظ عليه.
стр. 375
ما ينبغي فعله على من أراد أن يضحي
قال ﵊: (إذا دخل العشر من ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً)، يعني: يا عبد الله! إذا كنت تريد أن تضحي ودخلت عليك أول ليلة من ليالي العشر من ذي الحجة، فلا تأخذ من شعرك، ولا من أظفارك أي شيء، طيلة هذه العشر إلى أن تنحر، وهل هذا النهي عن الأخذ على التحريم أم هو على الكراهة؟ ذهب أكثر العلماء إلى أنه على الكراهة، وليس على التحريم، فقالوا -في معارض التعليل لكونه على الكراهة- إن الأضحية من أصلها ليست بواجبة فمتبوعاتها لا تجب، وهذا قول.
لكن استدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على جواز الأخذ من الشعر والأظفار، حتى للمضحي بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (كنت أفتل قلائد النبي ﷺ بيدي فيرسل بها من المدينة إلى مكة ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم)، وهذا كما سبق يفيد بيان سنة من السنن أصبحت مهجورة وهي: أن الموسر الذي لم يحج، يذبح أو يرسل هديه أو ما استطاع من الهدي إلى مكة، وهذا فعل لرسول الله ﵊ أغفله الكثيرون.
الشاهد: أن أم المؤمنين عائشة كانت تفتل القلائد، أي: الحبال التي توضع في رقاب الإبل ورقاب الأنعام المتجهة إلى الكعبة، والرسول يرسلها ولا يمتنع عن شيء مما يمتنع منه المحرم، فدل ذلك على أنه يجوز له أن يأخذ من شعره، ومن أظفاره، لكن هذا مفهوم.
أما المضبوط فهو: (إذا أراد أحدكم أن يضحي ودخل العشر فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئاً)، وهذا منطوق، والمنطوق الصريح أولى بالأخذ من المفهوم غير الصريح، فالرسول نهى نهياً صريحاً عن الأخذ من الشعر والأظفار لمن أراد أن يضحي فكذلك فافعلوا.
стр. 376
تلاوة القرآن في عشر ذي الحجة
من الذكر الذي لا ينبغي أن يغفل: كتاب الله، فعليك أن توليه مزيداً من الاهتمام في هذه العشر كذلك، قال الله جل ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠]، فكتاب الله لا ينبغي أن يهمل؛ لأن تلاوة كتاب الله تعمر الديار، وترك التلاوة يخرب الديار، قال النبي ﵊: (مثل الذي يقرأ القرآن والذي لا يقرأ كمثل الحي والميت).
معشر الإخوة! لقارئ القرآن بكل حرف من تلاوته حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، وليست (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، كما ثبت عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
كتاب الله -معشر الإخوة- يطرد الشياطين، قال ﵊: (إن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ينفر منه الشيطان)، آية الكرسي تطرد عنك الشيطان عند منامك.
تلاوة كتاب الله خير لك من الإبل وخير لك من الأنعام، كما قال الرسول ﵊، فعليكم بكتاب الله فهو لكم نور، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦].
تلاوة كتاب الله تتنزل بسببها السكينة، وتحفك بسببها الملائكة.
كتاب الله يأتيك شفيعاً يوم القيامة، يدافع عنك، قال النبي ﵊: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، تقدمه البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان أو غيايتان، من طير صواف تحاجان عن صاحبهما)، تأتي سورة البقرة تدافع وتحاج عن صاحبها وتشفع لصاحبها: يا رب! عبدك كان يتلوني، كان يقرأ بي في الصلوات، وكان يقرأ بي في الخلوات، كان يذكرك بي وكذلك آل عمران هذه السور تأتي تدافع عن أصحابها يوم القيامة.
فيا عباد الله! كتاب الله عليكم به لا تهجروه، ولا تتركوه، خاصة في هذه الأيام الطيبة المباركة، ففرغ من وقتك لذكر الله فيه.
стр. 377
حال كثير من المسلمين في عشر ذي الحجة
العجيبٌ والغريب من إخوة ظاهرهم السنن، والصلاح؛ أن المؤذن يؤذن وهم في عملهم غافلون! الصلاة تقام وأحدهم يفتح دكاناً ينجر نجارةً يخيط ثوباً يبيع في البقالة، ما هذا الغباء المستحكم يا عباد الله؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]، هذا كلام الله، الرجل ينتظر أن يرجع إلى امرأته فتقول له: كم رزقت من مال؟ لا تقول له: كم صليت من صلاة في جماعة؟! ولا كم تلوت من آية؟ لا.
تقول له: كم ربحت؟ فيجتهد هذا الغبي المتجاهل المتغافل عن الذكر، ويغفل عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون:٩]، صدق الله سبحانه! ومن أصدق من الله قيلاً؟! جديرٌ بك يا أيها الأخ البقال! أن تغلق المحل عند الأذان فوراً ولا تتباطأ.
جدير بك أيها الأخ الذكي! أن تغلق أي محل وتغفل أي عمل عند الأذان، إذا سمعت قول القائل: حي على الفلاح، أي غباء أصابك وأنت لا تجيب المؤذن؟ قال لك: حي على الفلاح، يعني: أقبل على السعادة أقبل على الخير أقبل على الفوز، ولكن أهل الجهل لا يعلمون.
جدير بكل طبيب أن يغلق العيادة حين سماع المؤذن.
بعض إخواننا يجهلون أو يتجاهلون عند أن يترك عاملاً أو عاملين من البالغين في المحل أن هذا لا يجوز، كأن الصلاة ليست مكتوبة على العمال! بل الصلاة مكتوبة عليك وعلى عاملك، وبئس العامل الذي يقف في المحل والصلاة تقام، بئس العامل، وليس بأمين ذلك العامل الذي يستأجر فيترك الصلاة، ويقف في الدكان، ابنة يعقوب صاحب موسى ﵇ تلك الفتاة الذكية تقول لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]، قد تترك المحل -وفيه العامل- وتذهب للصلاة فيسرقك العامل جزاءً وفاقاً، قد ورد في حديث صحيح -العبرة منه ورادة-: أن رجلاً كان يقرض أمواله للناس، الدرهم بدرهمين -وهو حديث إسناده ثابت صحيح- وعلى هذه الوتيرة طيلة حياته، فجمع الأموال كلها، فوضعها في صندوق وسافر بها على الباخرة، وغفل ونام فجاء قردٌ ففتح الصندوق، وجعل يرمي ديناراً في البحر ويضع ديناراً على جانب في المركب، حتى أتى على الدنانير كلها، ألقى نصفها في البحر وأبقى نصفها في المركب، صحيحٌ أن متاع الدنيا ألقي، لكن هل يعذبه الله في الآخرة؟! نقف عن هذا فالله تعالى أعلم، لكن ربنا قد قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]، فالحرام يذهب جفاء، والحلال يمكث في الأرض ينفع الله به الناس.
فيا معشر الإخوة! -وخصوصاً الملتحين- كونوا قدوة حسنة في هذه الأبواب، إذا سمعتم داعي الله ينادي: حي على الصلاة، فامتثلوا قول ربكم، امتثلوا قول إخوانكم من الجن المؤمنين: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣١]، وهنا يبرز اليقين فيما عند الله.
فالتقي الذكي يفهم أن الرزق لن يفوت وأنه مدخر وباقٍ، قال النبي ﵊ -في الحديث الذي حسنه بعض العلماء-: (إن روح القدس نفث في روعي، أن نفسا لن تموت حتى تستوفي أجلها ورزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، وفي بعض الروايات: (ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تنالوه بمعصية الله ، وللحديث شواهد عامة في كتاب الله ومن سنة رسول الله ﵊، فالرزق مسطر لك ومقدر، وأنت في بطن أمك يكتب لك رزقك، ويكتب لك أجلك، فاتق الله وأجمل في الطلب، وما أدراك أن المال الكثير فيه خيرٌ لك؟! من أدراك بذاك؟! ومن أعلمك به؟! وربنا يقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، ويقول ربنا: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣]، فالمال ليس بخير في كل حال، إلا إذا اكتسب من الحلال وأنفق في الحلال، واتقى الله العبد فيه، فاستغفروا ربكم معشر الإخوة! وأنيبوا إليه من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، اتقوا ربكم وارجعوا إليه من قبل: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧]، فهذه آيات الله بين أيديكم، وعلى مسامعكم فاتلوها وتدبروها، وفقنا الله وإياكم لكل خير، اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم! رطب ألسنتنا بذكرك، اللهم! رطب ألسنتنا بذكرك، وبالصلاة على نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اللهم! احشرنا مع الذاكرين لك كثيراً والذاكرات، اللهم! منّ علينا بذكرك كثيراً يا رب العالمين! اللهم! اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً ومن الذاكرات يا رب العالمين! اللهم! غنمنا الخير حيث كنا، وغنمنا السلامة حيث كنا يا رب العالمين! وامنن علينا جميعاً -يا ربنا- بالحشر مع نبينا محمد ﵊ في الفردوس، وامنن علينا وتفضّل بالسقيا من حوضه يا رب العالمين! يا أكرم الأكرمين! وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 378
الغيبة وأخطارها
الغيبة من الأمور المحرمة التي وقع فيها الكبير والصغير، والعالم والجاهل، ولعظيم خطرها ينبغي معرفة معناها، وأدلة الكتاب والسنة على تحريمها، وعظم إثم مرتكبها عند الله، ومتى تباح، وما هي كفارتها.
стр. 379
الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
وبعد: فبين يدي حديثنا في ليليتنا هذه إن شاء الله نذكر بأننا في شهر من الأشهر الحرم التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، وفصلها النبي ﷺ بقوله: (ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، وشهر الله المحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان).
وقد قال الله في كتابه الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧]، فالإثم في الشهر الحرام ليس كالإثم في غيره، والذنب في الشهر الحرام ليس كالذنب في غيره، فجدير بنا أن نمتثل أمر ربنا ، وأن نحذر ظلم أنفسنا أو ظلم غيرنا من عباد الله، قال تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦].
стр. 380
ما يجب على من سمع الغيبة
ما هو اللائق بك إذا وجدت قوماً يغتابون الناس؟ يليق بك ألا تشاركهم في الأكل من هذه الجيفة، فلا تشاركهم ولا تلوث لسانك، وتمرض بطنك بهذا القبيح الخبيث.
وعليك أن تقف موقف رجل عاقل تنصرهم ظالمين، قال النبي ﷺ : (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا: كيف ننصره ظالماً يا رسول الله؟! قال: تمنعه من الظلم فذاك نصرك له) فقف عند هؤلاء وانههم عن المنكر، وذكرهم بالله قل لهم: لا يليق بكم أيها الفضلاء! أن تخوضوا في الأعراض، لا يليق بكم أيها الفضلاء! أن تلوثوا أفواهكم بالخبيث من القول، أنتم طيبون لستم للاغتياب بأهل، فاتقوا الله في أعراض إخوانكم، وليتذكر كل واحد منا قوله ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
فلو وجدت قوماً يغتابون الناس فذكرهم بالله، تؤجر على هذا التذكير، وترفع درجتك عند الله .
دعا عتبان بن مالك ذات يوم رسول الله ﷺ إلى بيته، فقال: يا رسول الله! تعال إلى بيتي صل فيه، أتخذ من ذلك المكان الذي صليت فيه مصلىً، فذهب النبي ﷺ إلى بيت عتبان فصلى ثم جلس مع أصحابه، فقد حبسهم عزان على طعام صنعه لهم، فإذا بأصحابه يطعنون في رجل يقال له: مالك بن الدخشن، ويقولون إنه منافق، فما كان من رسولنا محمد ﵊ إلا أن قال لهم: (أليس قد قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ولكن نرى وده ومجلسه مع المنافقين، قال ﵊: إن الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)، فالشاهد أن النبي ﷺ دافع عن مالك في بيت عتبان.
وكذلك في غزوة تبوك سأل النبي ﷺ عن كعب بن مالك: أين هو؟ فقام رجل يتكلم في كعب بن مالك، قال: يا رسول الله! حبسه برداه، والنظر في عطفيه, أي: عجبه اختياله بثيابه، ونظره في أكتافه وغروره بهذه الثياب وشغله عن الجهاد في سبيل الله، فقام معاذ وقال: لا والله يا رسول الله! ثم قال للرجل: بئس ما قلت، ثم قال: والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراًً، فدافع عن كعب بن مالك أمام هذا المغتاب.
فإذا جاء رجل يقول: فلان من الناس بخيل، فقل له: يا أخي! اتق الله وهذا لا يجوز وأنا ذهبت إليه وأكرمني، وفلان ذهب إليه وأكرمه، وصنع أعمالاً من المعروف، وإذا قال رجل عن آخر: إنه متكبر، قل له: ليس هكذا يا أخي! أنا رأيته متواضعاً أنا رأيته يجالس الفقراء أنا رأيته يحمل متاع الفقراء أحياناً ويساعدهم رأيته دعاه فقير من الفقراء إلى بيته فأجاب، فليس هو بمتكبر أبداً، فدافع عن عرض إخوانك، فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.
فأول واجب عليك أخي المسلم! أن تنهى عن المنكر، قال النبي ﷺ : (من رد عن عرض أخيه المسلم قيض الله له ملكاً يرد عن وجهه النار يوم القيامة) أو كما قال ﷺ ، فهذا جدير بك.
أما إذا ضعفت أمام هؤلاء الجالسين وكان جمهورهم جمهور قبيح مغتاب، فلا ترضهم أبداً بسخط الله، قال النبي ﵊: (من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس).
فإن لم تستطع الإنكار فاترك هذا المجلس، ولا تحاول إرضاء الأصحاب بمعصية ربهم ، بل اترك المجلس قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٤٠].
فلا يليق بك أن تشاركهم في هذا النتن الذي يقولون، وأن تلوث لسانك، وأن تلوث فمك، وأن تضيع حسناتك على هؤلاء الذين تقوم باغتيابهم، فحسناتك تلقائياً تتحول إلى من اغتبته، ولذلك ورد عن ابن سيرين أن رجلاً أتاه وقال: اغتبتني يا ابن سيرين! قال: أأنت أبي حتى أغتابك، قال: كيف تقول هذا الكلام؟ قال: إني لا أرضى أن تذهب حسناتي على أحد إلا أن تذهب حسناتي لأبي، فلم أكن لأضيع حسناتي لك ولغيرك.
فلا تذهب بحسناتك سدىً بعد أن اجتهدت في تحصيلها، بعدما صليت وصمت وزكيت واعتمرت وحججت لا تضيع الحسنات على أقوام هم في بيوتهم آمنين مطمئنين، وأنت تهدي إليهم هذه الحسنات التي تعبت فيها واجتهدت فيها.
جدير بك أن تكون عاقلاً نبيهاً في كيفية اغتنام الحسنات، هذا واجب عليك أمام مجالس الاغتياب، ولا يليق بك أن تغتاب الصغير أيضاً، فهو مسلم عرضه كعرض المسلمين، ولا يجوز أن يغتاب على الرأي الراجح من أقوال العلماء، وكذلك المجنون لا يجوز أن يغتاب فهو مسلم من المسلمين.
стр. 381
اهتمام الكتاب والسنة ببيان عظيم خطر اللسان
ولهذا جاءت نصوص الكتاب والسنة تحثنا على قلة الكلام وعدم الإكثار منه، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء:١١٤] أي: لا خير في أكثر الكلام الذي يتكلم به الناس: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤].
وقال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) قال النووي ﵀: فإن استوى عندك الوجهان في الكلام ولم تدرِ أفي الكلام خيرٌ أم لا؟ فأمسك عن الكلام، لقول النبي ﷺ : (من صمت نجا)، وقوله ﵊: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
ولذلك كانت كلماته ﵊ قليلة معدودة، قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يتكلم كلاماً لو عده العاد لأحصاه, لم يكن يسرد الحديث سرداً كسردكم).
ولذلك شدد ﷺ على الاهتمام باللسان الذي هو مصدر الغيبة والنميمة, روى أبو سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ مرفوعاً -وقد روي موقوفاً عن أبي سعيد ﵁, ومن العلماء من قال: له حكم الرفع-: (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا والأعضاء كلها تكفر اللسان).
أي: تخضع وتذل لللسان, وتلح على اللسان, تقول له: اتق الله فينا فإنما نحن بك, أي: نجاتنا بك, فإن أنت استقمت استقمنا, وإن أنت اعوججت اعوججنا.
وقال النبي ﷺ : (رأس الأمر الإسلام, وعموده الصلاة, وذروة سنامه الجهاد, ثم قال لـ معاذ -فيما حسنه بعض العلماء-: هل أخبرك بملاك ذلك كله؟ ثم أمسك بلسانه فقال: أمسك عليك هذا, قال: يا رسول الله! أوإنا مؤاخذون بما نتكلم؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم).
وقال النبي ﵊ كذلك: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) أخرجه البخاري في صحيحه.
فربَّ كلمة توبق على صاحبها دنياه وأخراه, هذا الرجل الذي قال لصاحبه: والله لا يغفر الله لك, قال الله له: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ اذهب فقد غفرت له وأحبطت عملك, قال النبي ﵊: (تكلم والله بكلمة أوبقت عليه دنياه، وأوبقت عليه أخراه).
فيا عباد الله! حافظوا على ألسنتكم، فالغيبة خارمة للمروءة، ومردية في النار، قال الرسول ﵊: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا)، ينجو المسلمون من النار، منهم من أتى بدرجة عليا، إن جئت تشبهها بدرجات الدنيا ٩٠ أو ٩٥%، أو ١٠٠%, وكل يأتي طامعاً في الدرجات العلى في الجنان فإذا بأقوام يوقفونه قائلين: قف مكانك! لنا عندك مظالم، اغتبتني يوم كذا وكذا أكلت مالي يوم كذا وكذا ضربتني يوم كذا وكذا طعنت في عرضي يوم كذا وكذا، فهذا ينهش من حسناته، وهذا يأخذ، حتى يصل إلى الدرجات السفلى، أو يوبق كما قال الرسول في حديث المفلس: (أتدرون من المفلس؟ من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وحج وصيام ويأتي شتم هذا وضرب هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
وقد جاءت النصوص عن رسول الله ﵊ تحذر من الإنسان اللسان أيما تحذير، قال ﵊: (من يضمن لي ما بين لحييه -يعني لسانه- وما بين رجليه -يعني فرجه- أضمن له الجنة؟).
هكذا يقول نبيكم محمد ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة؟)، ومن المعلوم أن كل كلمة نتكلم بها تسجل وتحصى، يقول الله : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، ((وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢].
وكما قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] فجدير بك أن تحفظ لسانك، وأن تمسك عن الشر، وأن تمسك عن الخوض في أعراض المؤمنين والمؤمنات، قال الحسن البصري ﵀: عجبت والله من قوم يحترز أحدهم غاية الاحتراز من بوله أن يرتد على ثوبه، ولا يحترز من اغتياب المسلمين والمسلمات، وهو كما قال الحسن ﵀، فأعراض المسلمين نتن كما قد سمعتم من كتاب ربكم: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
стр. 382
المرء مخبوء تحت لسانه
إذا أردت أن تقيّم شخصاً انظر ما الذي يخرج من فيه، هل خرج منه ثناء على الناس، وستر على المسلمين وستر على المسلمات؟ أم أن الخارج منه طعن في المسلمين وطعن في المسلمات؟ فإذا سمعت الكلم الطيب يخرج من فمه فاعلم أنه على خير، وإن رأيته ثرثاراً طعاناً فاعلم أنه على سوء وشر -والعياذ بالله-.
واعلم كذلك أن في إيمانه نظراً، قال النبي ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالذيء)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة).
وقال سبحانه لنا بما يفيد هذا الأصل -وهو أن الكلمات شعار لقائلها- فقال: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: إن كنتم من أهل الفهم فنحن بينا لكم الآيات من الكلمات التي تخرج من أفواه أعدائكم.
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٠] تستطيع أن تقيم من أمامك بشيء من الهدوء، تنظر في كلماته التي تخرج منه، وتنظر في حركاته وفي مدلولات الكلمات، وتعطيه حكماً بعد ذلك يناسبه أو يناسبك في التعامل معه كذلك.
إذا رأيته ثرثاراً كثير الكلام فاعلم أن هذه الثرثرة تجره ولابد إلى اغتياب المسلمين والمسلمات، فقد قال النبي ﷺ : (إن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون) والثرثار كما قال الترمذي رحمه الله تعالى: هو كثير الكلام.
стр. 383
الغيبة كبيرة من الكبائر
وصنف آخرون فقالوا: إن هناك ملابسات تعظم أمر الغيبة وقد تصل بها إلى أكبر الكبائر، فتتوقف هذه الجريمة على قدر المغتاب، وعلى القدر الذي اغتيب به، وعلى المجلس الذي اغتيب فيه، قال الإمام أحمد ﵀: (إن لحوم العلماء مسمومة) وقال آخرون: إن اغتياب أهل الفضل والصلاح أشد من اغتياب غيرهم؛ لأن الله قال: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)؛ ولما مر أبو سفيان بـ سلمان وصهيب وعمار عام الفتح قالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر لهم: أتقولون هذا لسيد قريش؟ ثم انطلق أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر، فقال له النبي ﷺ : (يا أبا بكر! إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك .
وهذه عائشة ﵂ لما قالت يوماً لرسولنا محمد ﵊: (حسبك من صفية هكذا يا رسول الله! -وأشارت إلى قصرها- قال صلوات الله وسلامه عليه: لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته).
وصح عن أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ سئل عن رجل طاف قبل أن يرمي، فقال: لا حرج، فسئل عن رجل نحر قبل أن يرمي، قال: لا حرج، فما سئل في يوم النحر عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: لا حرج لا حرج، إلا على رجل وقع في عرض أخيه المسلم فهذا الذي أصيب بالحرج وأصيب بالهلاك.
فجدير بنا معشر الإخوة أن ننتبه لأنفسنا أمام هذا الداء، فثمّ رجل مع زوجته في فراش الزوجية الذي يفترض فيه أن يحمد الرب لكونه منّ بهذا الوئام، وبهذا الاجتماع، فتحاول المرأة جاهدة أن ترضي زوجها بذكر عيوب الناس، وبالطعن في الأعراض، هو الآخر يسعى في ذلك، فتتبدل ما بينهما من معيشة إلى نكد وهم وكرب وبلاء.
يتساهل زوج من الأزواج فيخرج إلى إخوانه وإلى أشقائه فيخبرهم بحال زوجته في البيت، أو يخبرهم بالخصال التي تكرهها الزوجة، ظناً منه أنه لا اغتياب بين الزوج وزوجته، وهذا اغتياب يكاد يكون أبشع، وقد يكون أظلم، فيخبر أمه بالذي كان من زوجته، من عدم تنظيف البيت، أو من عدم إدخال الطعام، أو من عدم الإحسان للأولاد، وخفي عليه أن النبي ﵊ قال: (ذكرك أخاك بما يكره) فتلقنه أمه درساً تقول له: النساء سواها كثير، وتملؤه غيظاً وحقداً على زوجته، فيرجع إلى البيت وتحدث مشكلة كبرى قد يكسر ما أمامه على إثرها لذنبه الذي صدر منه.
وقد يحدث العكس، يذهب الزوج إلى زوجته، فيخبرها بما تكرهه الأم، حينئذٍ تثيره الزوجة على الأم فيحدث له نوع من أنواع العقوق المردي والعياذ بالله.
فهذه أنواع من أنواع الاغتياب يسلكها الناس وهم لا يشعرون، والغيبة كما تكون باللسان تكون بالجوارح كذلك فالمحاكاة على سبيل الإيذاء والإزدراء والسخرية تدخل في هذا الباب كذلك، كأن تحكي مشية شخص على سبيل الاستهزاء وعلى سبيل السخرية منه.
وأحياناً يأتي الشيطان إلى أقوام فيزين لهم الاغتياب تحت ثوب قشيب فيعمد كثير من المتفقهة بزعمهم إلى الاغتياب تحت ستار إحسان الألفاظ، تسأله عن شخص فيقول: الحمد لله الذي هدانا! ويريد بذلك الطعن في أخيه المسلم، أو يقول: الحمد لله على العافية! أو يقول: نسأل الله السلامة! والمستمع يفهم من ذلك النيل الشديد بالمتكلم فيه.
كذلك تأتي امرأة تلبس الاغتياب ثوب الترحم، فتقول -مظهرة الشفقة على أختها المسلمة-: مسكينة فلانة، مسكينة فلانة، مظلومة فلانة، ثم بعد هذه التقدمة والثوب الذي تلبسه للغيبة تقول: صنع بها زوجها كذا وكذا، وقال بها أخوها كذا وكذا، وتذكر كل ما تريد تحت هذا الثوب الذي تصنعت وتسترت به ألا وهو ثوب الترحم على أختها المسلمة.
وقد علمت تمام العلم أن أختها المسلمة تكره أن يذكر عنها هذا الذي ذكر تحت أي ثوب كان، وتحت أي شعار كان، فبعضهم يغتاب تحت ثوب الترحم، وتحت ثوب التعجب، عجبت من فلان! ألا تعجب إلى فلان، وتذكر المساوئ، أو تحت ثوب الغضب.
فالله سبحانه يعلم كل ذلك، ويعلم المقاصد ويعلم ما تكن الصدور وما تعلن، ومن ثم يثيبه على ذلك أو يعاقبه، قال الله في أصحاب النبي ﷺ ، قال: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١٨] أي: من خير وإيمان، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، فالله يثيب على ما تكنه القلوب، إن شراً فشر، وإن خيراً فخير.
стр. 384
حذر السلف وورعهم من الغيبة
وهذا الداء البغيض قد رأى فريق من أهل العلم إنه يؤثر على الصيام، فيفطر الصائم، واستدلوا على ذلك بحديث النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)، وبقوله ﵊: (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب) وإن تكلم في إسناده لكن معناه قوي للشاهد الثالث.
فرأى فريق أن الغيبة تؤثر في الصيام، بل بالغ بعضهم وقال: إنها تفطر الصائم، وإن كان الجمهور على خلاف ذلك، لكن هذا يبين مدى خطر الاغتياب.
ومنهم من أورد سبباً لورود حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وإن كان في السبب نظر من جهة الإسناد أن المرأتين كانتا تغتابان الناس، أو أن الرجلين كانا يغتابان الناس، فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم).
وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن الغيبة تنقض الوضوء، وقد وردت جملة من الأحاديث في هذا الباب، لكن في أسانيدها مقال، والجمهور على أنها لا تنقض الوضوء، لكن على كل حال هذا يبين خطر هذه الغيبة.
وقال فريق من أهل المعاني: عجبت والله من أمر رجل يغتاب المسلمين ثم يقوم إلى الصلاة وقد قال رسول الله ﷺ : (مضمضوا من اللبن فإن له دسماً) واللبن حلال، فكيف نؤمر بالمضمضة من اللبن الحلال الذي له دسم، ولا نمضمض من النتن المتسرب إلى الأفواه من جراء أكل لحوم العباد.
فجدير أن نتبع هذا القول بأن يقال: إن المضمضة اللائقة بهذا هي الاستغفار والدعاء لهذا الذي قد اغتيب، والثناء على هذا الذي قد اغتيب، فهو دواء لازم وواجب على كل من اغتاب، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله ﵎.
ثم إن هذا الاغتياب من خوارم المروءة لا شك، وأنت كمسلم عاقل رزين تستطيع أن تقيم الشخص الذي أمامك من الكلمات التي تصدر منه.
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذا ذكر عنده رجل بثناء حسن سأل: كيف هو إذا ذكر عنده أصحابه هل يطعن فيهم أم يثني عليهم؟ فإن قالوا: دائم الثناء على الناس، قال: إني أرجو له الخير، وإن كان دائم الطعن في الناس، قال: والله إني لا أظن الذي تظنون، أي: لا أظن به هذا الظن الحسن الذي تظنون.
وأحسن من هذا قول الله ﵎: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] فأقوى الأقوال في تأويل هذه الآية أن الكلمات الطيبة تصدر من الأفواه الطيبة، ومن أصحاب القلوب الطيبة، والكلمات الخبيثة تصدر من الخبثاء، فهم لها أهل.
стр. 385
مدى اهتمام الشرع برعاية وصون الأعراض
ونذكر بأن النبي ﷺ قال في شهر من هذه الأشهر الحرم ألا وهو شهر ذي الحجة، وفي أفضل يوم فيه، وهو يوم النحر وفي أفضل بقعة من البقاع وهي مكة، قال ﷺ لأصحابه: (أتدرون أي يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، -ظناً منهم أنه يريد أن يسميه بغير اسمه-، فقال: أليس بيوم النحر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أتدرون أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -ظناً منهم أنه يريد أن يسميه بغير اسمه-، قال: أليس بذي الحجة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أتدرون أي بلدة هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أليست البلدة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! -يعنون البلدة التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٩١]-، قال رسول الله ﷺ : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه سمع).
فبين رسول الله ﷺ أن حرمة الدماء وحرمة الأموال وحرمة الأعراض عظيمة عند الله كحرمة البلد الحرام، مع حرمة يوم النحر، مع حرمة شهر ذي الحجة.
إذاً فلنتناول في ليلتنا هذه شيئاً مما تضمنه هذا الحديث، ومما تضمنته هذه الوصية الجامعة من رسول الله ﷺ .
نتناول داءً عضالاً ألم بأمة محمد ﷺ ، ألم بكبيرها وبصغيرها، ألم بذكرانها وإناثها، ألم بعالمها كما ألم بجاهلها، ألم برؤسائها كما ألم بالمرءوسين، ألا وهو داء الغيبة أعاذنا الله وإياكم منه.
هذا الداء به قطعت أواصر المودة والمحبة بين أمة محمد ﷺ ، وجلبت الشحناء، وجلبت البغضاء، وذهبت حسنات أناس سدى، أناس اجتهدوا في الصلوات واجتهدوا في الصدقات، واجتهدوا في الحج والاعتمار، وضيعوا الحسنات باغتيابهم للمؤمنين والمؤمنات.
стр. 386
تعريف الغيبة
فلنتناول شيئاً مما يتعلق بهذا الداء من أحكام وآداب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
داء الغيبة متفشٍ ومنتشر في أوساط أمة محمد ﷺ ، والغيبة عرفها رسول الله ﷺ كما ورد في صحيح مسلم: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
стр. 387
أدلة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة
أما النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ التي وردت بتحريمها فهي فوق الحصر وفوق العد، فمن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
وورد حديث -وإن كان في إسناده مقال- في قصة ماعز الأسلمي رضي الله تعالى عنه، ارتكب فاحشة الزنا، فأرقت عليه مضجعه، وأقلقت باله ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، فأزعجته أيما ازعاج! وكيف لا تزعجه هذه الجريمة والنبي ﷺ ذكر: (أنه رأى أقواماً عراة رجالاً ونساءً في متن تنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم فيحرق فروجهم فيسمع لهم ضوضاء، فسأل: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد!).
كيف لا ينزعج والله يقول: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) [الفرقان:٦٨ - ٧٠] الآيات.
انزعج ماعز غاية الانزعاج من هذه الكبيرة التي ارتكبها، فأتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (طهرني يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ وأشاح بوجهه إلى اليمين، فأتى إلى النبي ﷺ من قبل يمينه، وقال: طهرني يا رسول الله! فأشاح النبي ﷺ بوجهه إلى اليسار، فتدارى مع رسول الله ﷺ وآتاه من قبل اليسار، قال: طهرني يا رسول الله! قال الرسول ﷺ : لعلك قبّلت، قال: لا يا رسول الله! قال: لعلك فاخذت، قال: لا يا رسول الله! ثم قال: إنه يعرف الزنا، وإنه قد زنى، فقال ﵊: أبك جنون؟ قال: لا، يا رسول الله! ليس بي جنون، فأمر به النبي ﷺ فرجم) إمضاء لأمر الله سبحانه، وإقامة لحد من حدود الله رجم ماعز، فقال رجل من جلساء النبي ﷺ لصاحب له: عجبت من هذا الرجل الذي أتى إلى رسول الله ﷺ والرسول يرده مرة بعد مرة، فلم يرض إلا أن رجم كما يرجم الكلب، فحزن رسول الله ﷺ وسكت، ثم مر بهذين الرجلين على حمار شائل، أي: ميت قد انتفخ، وخرجت منه رائحة في غاية الخبث لا تطاق، فمر النبي ﷺ مع هذين الرجلين وقال لهما: (انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، قالا: نأكل من هذه الجيفة يا رسول الله؟! قال: والذي نفسي بيده! للذي نلتما من أخيكما أشد نتناً من هذه الريح، إنه والله الآن ينغمس في أنهار الجنة).
وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه جالساً يوماً مع بعض أصحابه، فهاجت ريح نتنة، فقال لأصحابه: (أتدرون ما هذه الريح؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه ريح الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم).
وقال ﷺ في حديث آخر: (مررت ليلة عرج بي بأقوام لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم).
وقال صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه الله ولو في قعر بيته).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (إن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).
هذه بعض النصوص الواردة في ذم الغيبة، وقال ﵊، في النميمة عندما مر بقبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير -أي: ما يعذبان في كبير في أنظاركم- ثم قال: بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
وفي كتاب ربنا: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] (هماز) يعني: يعيب الناس.
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] وهو الطعان العياب الذي يطعن في الناس ويعيب في الناس، هذه بعض النصوص ثم كم هائل منها يفيد تحريم هذا الداء المقيت.
وقد نقل فريق من أهل العلم كالحافظ ابن كثير ﵀، والحافظ ابن حجر ﵀، وكذلك ابن حزم ﵀، الإجماع على تحريمها.
أما القرطبي ﵀ فنقل الإجماع على أنها كبيرة، وإن كان في نقله للإجماع نظر إلا أن أكثر أهل العلم على أن الغيبة من الكبائر، ولذلك ذكرها العلماء الذين صنفوا في الكبائر، وذلك للوعيد الشديد الذي ورد عن رسول الله ﷺ في شأن المغتابين.
стр. 388
كفارة الغيبة
نختم البحث في مسألة وهي مسألة التحلل من الذي اغتبناه، فهب أن شخصاً اغتاب شخصاً وعلم بعد ذلك أن الغيبة محرمة كما قد سمعتم، فهل يجب أن يتحلل المغتاب ممن اغتابه، أو يكفي أن يستغفر ويدعو الله له، ويثني بخير عليه؟ يرى الأئمة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة ﵏ وقول عن أحمد أنه يجب أن تتحلل من الذي اغتبته وهذا محله -كما حمله العلماء- إذا بلغت الغيبة هذا الشخص الذي اغتيب، وكان من أدلتهم على مسائل التحلل في الأبدان والأعراض، قول الرسول ﵊: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) وقوله ﷺ : (من كانت له عند أخيه مظلمة من عرضه أو من شيء فليتحلل منه قبل ألا يكون دينار ولا درهم) وبحديث: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا).
فاستدلوا بهذا على أن التحلل لازم، وخاصة إذا كانت الغيبة وصلت إلى الشخص الذي اغتيب.
ومن العلماء من قال: إن قياس الأعراض على الأموال والأبدان غير سائغ؛ لأن التحلل من الأموال والأبدان يرجع بفائدة على الذي ضرب، أما التحلل من الأعراض إذا ذهبت إلى شخص وقلت له: أنا اغتبتك فسامحني، فليست كل النفوس تتسع لهذا الكلام، وإنما هناك أناس صدورهم متسعة يفرحون بذلك منك، ويدعون الله لك بالتوفيق وبالمغفرة، وهناك أقوام يدخل لهم الشيطان بضعف في قلوبهم فيسألونك: أمام من اغتبتنا؟ ماذا قلت في حقنا؟ ويفتحون معك مسائل فتشوش أنت عليهم فكرهم، وتزيدهم هماً إلى الهم الذي وقع عليهم بسبب اغتيابك لهم.
ففي هذا المقام ترجع المسألة إلى مسألة المفاسد والمصالح، فحيث رجي من التحلل خير قدمت على التحلل، وحيث لا يرجى من التحلل خير اكتفيت بالثناء الحسن على من اغتبته، والاستغفار له، والتصدق من أجله إن شئت، فكل ذلك عمل صالح يكفر الله به عنك خطاياك، وقد قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
فجدير بمن اقترف شيئاً من ذلك منا جميعاً، وكلنا ضعفاء، وكلنا خطاءون كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، جدير بمن صدر منه شيء من ذلك أن ينظر في أمر نفسه قبل أن يقف بين يدي الله ، وقبل أن ترد المظالم إلى أهلها، ثم عليه أن يستغفر الله استغفاراً كثيراً؛ لأن الغيبة تترك أثراً أيضاً على القلوب فتسودها، كما قال النبي ﷺ : (إذا أذنب العبد ذنباً ينكت على قلبه نكتة سوداء، فإن تاب وأقلع محيت، وإن عاد نكتت نكتة أخرى سوداء حتى تغطي القلب كله -ثم قال-: هذا هو الران الذي ذكر الله في كتابه، وتلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]).
فأكثروا من الاستغفار فالله غفَّار للذنب والزلات، وصلى الله على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 389
متى تباح الغيبة
والغيبة كما سلف محرمة أيما تحريم، ولكن كما هو معتاد في أمور المحرمات فإن الله جعل حالات يكون فيها المسلم مضطراً ويصيبه الحرج إن لم يغتب، فدفعاً لهذا الحرج عن أمة محمد ﷺ جاءت الرخصة بهذا الأمر، فكما أن لحم الميتة محرم وأكل الخنزير محرم لكن كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] فالمضطر ضرورته تقدر بقدرها، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
وهناك أحوال تلجئني إلى أن أذكر شيئاً في أخي يكرهه، فحينئذٍ إذا جاءت تلك الضرورة فإنها تكون بقدرٍ كما هو الحال مع أكل الميتة، وكما هو الحال مع التلفظ بكلمة الكفر.
فالأصل في الاغتياب أنه محرم إذ أعراض المسلمين محرمة كما سلف، وعندها يرد
السؤال
ما هي الأمور التي تباح فيها الغيبة؟ أول هذه الأمور: التظلم، وهي ذكر مظلمة ظلمني بها هذا الشخص، وقد قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ففي هذه الآية جاءت أقوال العلماء، أحدها: إن من ظلم جاز له أن يجهر بالسوء من القول في حق من ظلمه، وثم قول آخر: إن من ظلم جائز له أن يدعو على من ظلمه، والقول الأول هو اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، أي: إنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم في عرض ظالمه.
ومن هذا الباب يقول الرسول ﷺ : (مطل الغني ظلم) والمطل من المماطلة، والمراد بالغني الغني الذي عليه دين وحل موعد السداد فيماطل، فمماطلته ظلم وفي حديث أبي داود بسند حسن: (لي الواجد ظلم) واللي هو المماطلة، والواجد أي الغني قال: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، أي: يحل لنا أن نتكلم في عرضه وأن نعاقبه، أما العقوبة فبالحد، فهذا الدليل الثاني على جواز الاغتياب لرد المظلمة.
ولكن لهذا ضوابط: أولاً: يقول ربنا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] فمثلاً شخص أكل مالك، أو تأخر في سداد التزام لك عليه، فعرضه حلال ولك أن تقول: هو أكل مالي، لكن ليس لك أن تقول: هو يسرق، هو يزني، ابنته صفتها كذا، أخته صفتها كذا، أمه صفتها كذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ويقول النبي ﷺ : (المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما ما لم يعتدِ المظلوم) (المتسابان ما قالا) هذا سب، وهذا رد عليه السباب، إثم ذلك كله على البادي منهما ما لم يعتد المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم تحول الحق عليه بعد أن كان له.
فمثلاً: رجل أكل مالك فهو آثم بأكل مالك، فإذا ذهبت أنت تقول للناس: يا ناس! فلان أكل مالي، فلك ذلك، مع أن العفو أفضل؛ لأن الله قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] ثم أرشد إلى العفو بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] لكن على كلٍ يجوز لك أن تنتصر بقدر المظلمة، فإذا صدر منك هذا واستطلت في عرضه قائلاً: هو يمشي مع النساء زوجته تمشي مع الرجال ابنته صفتها كذا وكذا، حينئذٍ سيأخذ هو من حسناتك وقد تفوق هذه الحسنات الدين الذي لك عنده، ويضيع حقك تماماً أمام الله بسبك وطعنك فيه، فإنك حينئذٍ قد تكون قاذفاً إذا أنت قلت فيه ما يدل على القذف.
ومن الأدلة على جواز غيبة الظالم بذكر مظلمته، ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن، أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ كان له جار يؤذيه، فذهب وشكاه إلى رسول الله ﵊ مرة بعد مرة والرجل لا ينتهي عن الظلم والأذى، فأمره النبي ﵊ أن يخرج متاعه إلى الطريق، فأخرج متاعه إلى الطريق، فمر به الناس وقالوا: ما هذا المتاع؟ قال: جاري يؤذيني، فكل من يمر يسب في هذا الجار، فلما بلغ الجار هذا الصنيع وهذا السباب ذهب إلى المظلوم وقال له: ارجع إلى بيتك فلن ينالك مني أذى بعد اليوم، فهذا من باب التظلم.
كذلك تجوز الغيبة في الاستفتاء، فقد جاء أن هند بنت عتبة شكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فهل عليّ جناح أن آخذ من ماله بغير إذنه -وهو لا يعلم- قال: خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف)، فوصفته بالشح وهو يكره ذلك، لكن كان المقام مقام فتيا فحينئذٍ لم يعنفها الرسول ﵊، فهذا وجه ويكون بقدر كما سبق.
وإن كان من أهل العلم من يقول: هذا جائز بلا شك لتجويز الرسول ﷺ ، لكن الأولى أن تعرّض، تقول المرأة: ما رأيك في رجل شحيح لا يعطي زوجته ما يكفيها وولدها ولا تسمي، حتى تبتعد عن الغيبة، فالأفضل ألا تسمي ولا تذكر أحداً باسمه، مادام الغرض سيتحقق والفتيا ستنال.
ومن هذا الباب -باب الاستفتاء- كذلك مجيء امرأة رفاعة القرضي إلى رسول الله ﷺ وقولها: (يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده بـ عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله يا رسول الله! ما معه إلا مثل هدبة الثوب، وأشارت إلى طرف ثوبها -ولا شك أن زوجها يكره ذلك- قال ﵊: لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذيق عسيلتكِ وتذوقي عسيلته).
ومما تجوز فيه الغيبة أيضاً عند الاستشارة كما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله ﵊، قائلة: (يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم فقال ﵊: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه لكن أسامة) أي: أشير عليك بـ أسامة بن زيد.
كذلك باب التعريف والبيان والتحذير، إذا كان رجلاً مشهوراً بالشر والفساد، مشهوراً بالاتجار بالمخدرات أو بالخيانة في النساء، أو بسرقة الأموال والسلب والنهب، جائز لك أن تحذر الناس منه، بل لزاماً عليك آنذاك أن تحذر الناس منه.
أقبل رجل على رسول الله ﷺ وهو بجوار عائشة ﵂، فقال لها: (بئس أخو العشيرة! فلما أقبل عليه ألان له النبي القول، قالت: قلت فيه ما قلت يا رسول الله! ثم ألنت له القول، قال: يا عائشة! إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه)، فهذا في باب المداراة.
وقال ﵊ كذلك: (ما أظن فلاناً وفلاناً يعلمان من ديننا شيئاً) أو إذا كانت هناك مصلحة تعود على المسلمين بالنفع العام كما فعل زيد بن أرقم مع رسول الله ﷺ ، فلما قال عبد الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذهب زيد بن أرقم وأخبر النبي ﵊ بهذا الخبر الذي كان.
ومن ذلك الجرح والتعديل لمن يتكلمون بأحاديث الرسول ﵊، فرب رجل يكذب على رسول الله وهو لا يشعر، ونصح فلم ينتصح، فجدير بك أن تبين أمره، وهذا المسلك سلكه علماء الجرح والتعديل الأوائل كالإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغير هؤلاء الأفاضل.
أما الشيعة فقلّ فقههم في هذا الباب وطفق قائلهم يطعن في ابن معين؛ لأنه طعن في رجال كثيرين من رجال الشيعة: ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والرقيب شهيد فإن يك حقاً فهي غيبة وإن يكن زوراً فالوعيد شديد وهذا من جهل هذا القائل فإن ابن معين كان ينافح عن سنة رسول الله ﵊، ويبين حال الكذابين الذين افتروا الكذب على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهذه مواطن تشرع فيها الغيبة بالضوابط الشرعية التي سمعتموها، وقد صاغها بعض العلماء في أبيات شعر، وزاد بعضهم في هذه الأقسام التي ذكرت، وقلل بعضهم فيها، وأدمج بعضهم بعضها في بعض، والأمر في هذا كله قريب.
ثم في ختام هذا الدرس هناك أمور ينبغي أن تفعلها أنت حتى لا توقع الناس في اغتيابك، منها المداراة كما بين النبي ﵊، فمداراة الناس مطلوبة، وكذلك إكرام الناس مطلوب، وكذلك اتقاء مواطن الشبهات، فلا تقف في موقف شبهة ومن ثمّ يطعن فيك الناس وأنت لا تشعر.
стр. 390
أمور تقيك من الغيبة
من الذي يجنبك الغيبة الذميمة والمقيتة والبغيضة: إكثارك من ذكر الله، فهي وصية جامعة أرسلها سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء للأخوة التي كان النبي ﵊ آخى بينهما بسببها، قال سلمان لـ أبي الدرداء بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل: (أما بعد, فإني أوصيك بالإكثار من ذكر الله فإنه دواء، وبالإقلال من ذكر الناس فإنه داء، والسلام عليكم ورحمة الله).
كانت هذه رسالة موجزة وبليغة من سلمان، فقللها بعد ذلك ابن عون فقال: ذكر الله دواء وذكر الناس داء، وهذا يصدقه قول ربنا سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨] لن تندم أبداً يوماً من حياتك لكونك قلت: سبحان الله، لن تندم أبداً يوماً من حياتك لكونك قلت: الحمد لله، ولكن قد تندم أيما ندم إذا ذكرت فلاناً من الناس بشر، لكن لن تندم لا في دنيا ولا في آخرة على كونك ذكرت .
فعليك بالإكثار من ذكر الله فهو يشغلك عن ذكر الناس فضلاً عن ترطيب اللسان، فضلاً عن قمع الشيطان، فضلاً عن إرضاء الرحمن والارتفاع في الدرجات العلى، والترقي في النعيم المقيم.
فهذا من أنجع الأسباب للوقاية من الغيبة، فينبغي أن تتقي مجالس السيئين الشريرين الذين هم كما وصفهم نبينا محمد ﵊ كأنهم نافخو كير، بل والله هم أشد من نافخ الكير، قال ﵊: (ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة) هذا الصاحب السيئ ما إن تغادر مجلسه حتى يغتابك أنت ويصورك بتصويرات مشينة مهينة أمام زملائك الذين كنت معهم.
فعليك بمجالسة أهل الفضل وأهل الصلاح؛ لأنهم في غيابك يدعون الله لك بالتوفيق.
هذه بعض البواعث التي قد تبعث على الغيبة.
ومن البواعث التي قد تبعث على الغيبة دفع الشائعات، فمثلاً: يبلغ عن شخص أنه قال في عرضك كذا وكذا، تقول: لا ما حصل مني كذا، بل هو الذي صدر منه كذا وكذا وكذا، وتقع في اغتيابه نتيجة شائعة جاءت إليك من مغرض من المغرضين.
فيجب أن تنتبه لمثل هذه الشائعات وأن تتقي هذه الأدواء، وأن تسأل الله أن يهديك لأفضل الأخلاق والأعمال، وتستعيذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء.
следующие страницы →