Полный текст (802 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
تعريف الغيبة
فلنتناول شيئاً مما يتعلق بهذا الداء من أحكام وآداب، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
داء الغيبة متفشٍ ومنتشر في أوساط أمة محمد ﷺ ، والغيبة عرفها رسول الله ﷺ كما ورد في صحيح مسلم: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله! أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته).
стр. 387
أدلة تحريم الغيبة من الكتاب والسنة
أما النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ التي وردت بتحريمها فهي فوق الحصر وفوق العد، فمن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:١٢].
وورد حديث -وإن كان في إسناده مقال- في قصة ماعز الأسلمي رضي الله تعالى عنه، ارتكب فاحشة الزنا، فأرقت عليه مضجعه، وأقلقت باله ولم يهدأ له بال، ولم يستقر له قرار، فأزعجته أيما ازعاج! وكيف لا تزعجه هذه الجريمة والنبي ﷺ ذكر: (أنه رأى أقواماً عراة رجالاً ونساءً في متن تنور، يأتيهم لهب من أسفل منهم فيحرق فروجهم فيسمع لهم ضوضاء، فسأل: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك يا محمد!).
كيف لا ينزعج والله يقول: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) [الفرقان:٦٨ - ٧٠] الآيات.
انزعج ماعز غاية الانزعاج من هذه الكبيرة التي ارتكبها، فأتى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: (طهرني يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ وأشاح بوجهه إلى اليمين، فأتى إلى النبي ﷺ من قبل يمينه، وقال: طهرني يا رسول الله! فأشاح النبي ﷺ بوجهه إلى اليسار، فتدارى مع رسول الله ﷺ وآتاه من قبل اليسار، قال: طهرني يا رسول الله! قال الرسول ﷺ : لعلك قبّلت، قال: لا يا رسول الله! قال: لعلك فاخذت، قال: لا يا رسول الله! ثم قال: إنه يعرف الزنا، وإنه قد زنى، فقال ﵊: أبك جنون؟ قال: لا، يا رسول الله! ليس بي جنون، فأمر به النبي ﷺ فرجم) إمضاء لأمر الله سبحانه، وإقامة لحد من حدود الله رجم ماعز، فقال رجل من جلساء النبي ﷺ لصاحب له: عجبت من هذا الرجل الذي أتى إلى رسول الله ﷺ والرسول يرده مرة بعد مرة، فلم يرض إلا أن رجم كما يرجم الكلب، فحزن رسول الله ﷺ وسكت، ثم مر بهذين الرجلين على حمار شائل، أي: ميت قد انتفخ، وخرجت منه رائحة في غاية الخبث لا تطاق، فمر النبي ﷺ مع هذين الرجلين وقال لهما: (انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار، قالا: نأكل من هذه الجيفة يا رسول الله؟! قال: والذي نفسي بيده! للذي نلتما من أخيكما أشد نتناً من هذه الريح، إنه والله الآن ينغمس في أنهار الجنة).
وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه جالساً يوماً مع بعض أصحابه، فهاجت ريح نتنة، فقال لأصحابه: (أتدرون ما هذه الريح؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه ريح الذين يغتابون الناس، ويقعون في أعراضهم).
وقال ﷺ في حديث آخر: (مررت ليلة عرج بي بأقوام لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم).
وقال صلوات الله وسلامه عليه كذلك: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه الله ولو في قعر بيته).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (إن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم).
وقال صلوات الله وسلامه عليه: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه).
هذه بعض النصوص الواردة في ذم الغيبة، وقال ﵊، في النميمة عندما مر بقبرين: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير -أي: ما يعذبان في كبير في أنظاركم- ثم قال: بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
وفي كتاب ربنا: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١٠ - ١١] (هماز) يعني: يعيب الناس.
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] وهو الطعان العياب الذي يطعن في الناس ويعيب في الناس، هذه بعض النصوص ثم كم هائل منها يفيد تحريم هذا الداء المقيت.
وقد نقل فريق من أهل العلم كالحافظ ابن كثير ﵀، والحافظ ابن حجر ﵀، وكذلك ابن حزم ﵀، الإجماع على تحريمها.
أما القرطبي ﵀ فنقل الإجماع على أنها كبيرة، وإن كان في نقله للإجماع نظر إلا أن أكثر أهل العلم على أن الغيبة من الكبائر، ولذلك ذكرها العلماء الذين صنفوا في الكبائر، وذلك للوعيد الشديد الذي ورد عن رسول الله ﷺ في شأن المغتابين.
стр. 388
كفارة الغيبة
نختم البحث في مسألة وهي مسألة التحلل من الذي اغتبناه، فهب أن شخصاً اغتاب شخصاً وعلم بعد ذلك أن الغيبة محرمة كما قد سمعتم، فهل يجب أن يتحلل المغتاب ممن اغتابه، أو يكفي أن يستغفر ويدعو الله له، ويثني بخير عليه؟ يرى الأئمة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة ﵏ وقول عن أحمد أنه يجب أن تتحلل من الذي اغتبته وهذا محله -كما حمله العلماء- إذا بلغت الغيبة هذا الشخص الذي اغتيب، وكان من أدلتهم على مسائل التحلل في الأبدان والأعراض، قول الرسول ﵊: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) وقوله ﷺ : (من كانت له عند أخيه مظلمة من عرضه أو من شيء فليتحلل منه قبل ألا يكون دينار ولا درهم) وبحديث: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا).
فاستدلوا بهذا على أن التحلل لازم، وخاصة إذا كانت الغيبة وصلت إلى الشخص الذي اغتيب.
ومن العلماء من قال: إن قياس الأعراض على الأموال والأبدان غير سائغ؛ لأن التحلل من الأموال والأبدان يرجع بفائدة على الذي ضرب، أما التحلل من الأعراض إذا ذهبت إلى شخص وقلت له: أنا اغتبتك فسامحني، فليست كل النفوس تتسع لهذا الكلام، وإنما هناك أناس صدورهم متسعة يفرحون بذلك منك، ويدعون الله لك بالتوفيق وبالمغفرة، وهناك أقوام يدخل لهم الشيطان بضعف في قلوبهم فيسألونك: أمام من اغتبتنا؟ ماذا قلت في حقنا؟ ويفتحون معك مسائل فتشوش أنت عليهم فكرهم، وتزيدهم هماً إلى الهم الذي وقع عليهم بسبب اغتيابك لهم.
ففي هذا المقام ترجع المسألة إلى مسألة المفاسد والمصالح، فحيث رجي من التحلل خير قدمت على التحلل، وحيث لا يرجى من التحلل خير اكتفيت بالثناء الحسن على من اغتبته، والاستغفار له، والتصدق من أجله إن شئت، فكل ذلك عمل صالح يكفر الله به عنك خطاياك، وقد قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
فجدير بمن اقترف شيئاً من ذلك منا جميعاً، وكلنا ضعفاء، وكلنا خطاءون كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، جدير بمن صدر منه شيء من ذلك أن ينظر في أمر نفسه قبل أن يقف بين يدي الله ، وقبل أن ترد المظالم إلى أهلها، ثم عليه أن يستغفر الله استغفاراً كثيراً؛ لأن الغيبة تترك أثراً أيضاً على القلوب فتسودها، كما قال النبي ﷺ : (إذا أذنب العبد ذنباً ينكت على قلبه نكتة سوداء، فإن تاب وأقلع محيت، وإن عاد نكتت نكتة أخرى سوداء حتى تغطي القلب كله -ثم قال-: هذا هو الران الذي ذكر الله في كتابه، وتلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]).
فأكثروا من الاستغفار فالله غفَّار للذنب والزلات، وصلى الله على نبينا محمد وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 389
متى تباح الغيبة
والغيبة كما سلف محرمة أيما تحريم، ولكن كما هو معتاد في أمور المحرمات فإن الله جعل حالات يكون فيها المسلم مضطراً ويصيبه الحرج إن لم يغتب، فدفعاً لهذا الحرج عن أمة محمد ﷺ جاءت الرخصة بهذا الأمر، فكما أن لحم الميتة محرم وأكل الخنزير محرم لكن كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٧٣] فالمضطر ضرورته تقدر بقدرها، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
وهناك أحوال تلجئني إلى أن أذكر شيئاً في أخي يكرهه، فحينئذٍ إذا جاءت تلك الضرورة فإنها تكون بقدرٍ كما هو الحال مع أكل الميتة، وكما هو الحال مع التلفظ بكلمة الكفر.
فالأصل في الاغتياب أنه محرم إذ أعراض المسلمين محرمة كما سلف، وعندها يرد
السؤال
ما هي الأمور التي تباح فيها الغيبة؟ أول هذه الأمور: التظلم، وهي ذكر مظلمة ظلمني بها هذا الشخص، وقد قال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ففي هذه الآية جاءت أقوال العلماء، أحدها: إن من ظلم جاز له أن يجهر بالسوء من القول في حق من ظلمه، وثم قول آخر: إن من ظلم جائز له أن يدعو على من ظلمه، والقول الأول هو اختيار ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، أي: إنه يجوز لمن ظلم أن يتكلم في عرض ظالمه.
ومن هذا الباب يقول الرسول ﷺ : (مطل الغني ظلم) والمطل من المماطلة، والمراد بالغني الغني الذي عليه دين وحل موعد السداد فيماطل، فمماطلته ظلم وفي حديث أبي داود بسند حسن: (لي الواجد ظلم) واللي هو المماطلة، والواجد أي الغني قال: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، أي: يحل لنا أن نتكلم في عرضه وأن نعاقبه، أما العقوبة فبالحد، فهذا الدليل الثاني على جواز الاغتياب لرد المظلمة.
ولكن لهذا ضوابط: أولاً: يقول ربنا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] فمثلاً شخص أكل مالك، أو تأخر في سداد التزام لك عليه، فعرضه حلال ولك أن تقول: هو أكل مالي، لكن ليس لك أن تقول: هو يسرق، هو يزني، ابنته صفتها كذا، أخته صفتها كذا، أمه صفتها كذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ويقول النبي ﷺ : (المتسابان ما قالا فعلى البادي منهما ما لم يعتدِ المظلوم) (المتسابان ما قالا) هذا سب، وهذا رد عليه السباب، إثم ذلك كله على البادي منهما ما لم يعتد المظلوم، فإذا اعتدى المظلوم تحول الحق عليه بعد أن كان له.
فمثلاً: رجل أكل مالك فهو آثم بأكل مالك، فإذا ذهبت أنت تقول للناس: يا ناس! فلان أكل مالي، فلك ذلك، مع أن العفو أفضل؛ لأن الله قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] ثم أرشد إلى العفو بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠] لكن على كلٍ يجوز لك أن تنتصر بقدر المظلمة، فإذا صدر منك هذا واستطلت في عرضه قائلاً: هو يمشي مع النساء زوجته تمشي مع الرجال ابنته صفتها كذا وكذا، حينئذٍ سيأخذ هو من حسناتك وقد تفوق هذه الحسنات الدين الذي لك عنده، ويضيع حقك تماماً أمام الله بسبك وطعنك فيه، فإنك حينئذٍ قد تكون قاذفاً إذا أنت قلت فيه ما يدل على القذف.
ومن الأدلة على جواز غيبة الظالم بذكر مظلمته، ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن، أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ كان له جار يؤذيه، فذهب وشكاه إلى رسول الله ﵊ مرة بعد مرة والرجل لا ينتهي عن الظلم والأذى، فأمره النبي ﵊ أن يخرج متاعه إلى الطريق، فأخرج متاعه إلى الطريق، فمر به الناس وقالوا: ما هذا المتاع؟ قال: جاري يؤذيني، فكل من يمر يسب في هذا الجار، فلما بلغ الجار هذا الصنيع وهذا السباب ذهب إلى المظلوم وقال له: ارجع إلى بيتك فلن ينالك مني أذى بعد اليوم، فهذا من باب التظلم.
كذلك تجوز الغيبة في الاستفتاء، فقد جاء أن هند بنت عتبة شكت أبا سفيان إلى رسول الله ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فهل عليّ جناح أن آخذ من ماله بغير إذنه -وهو لا يعلم- قال: خذي ما يكفيك وولدكِ بالمعروف)، فوصفته بالشح وهو يكره ذلك، لكن كان المقام مقام فتيا فحينئذٍ لم يعنفها الرسول ﵊، فهذا وجه ويكون بقدر كما سبق.
وإن كان من أهل العلم من يقول: هذا جائز بلا شك لتجويز الرسول ﷺ ، لكن الأولى أن تعرّض، تقول المرأة: ما رأيك في رجل شحيح لا يعطي زوجته ما يكفيها وولدها ولا تسمي، حتى تبتعد عن الغيبة، فالأفضل ألا تسمي ولا تذكر أحداً باسمه، مادام الغرض سيتحقق والفتيا ستنال.
ومن هذا الباب -باب الاستفتاء- كذلك مجيء امرأة رفاعة القرضي إلى رسول الله ﷺ وقولها: (يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده بـ عبد الرحمن بن الزبير وإنه والله يا رسول الله! ما معه إلا مثل هدبة الثوب، وأشارت إلى طرف ثوبها -ولا شك أن زوجها يكره ذلك- قال ﵊: لعلكِ تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذيق عسيلتكِ وتذوقي عسيلته).
ومما تجوز فيه الغيبة أيضاً عند الاستشارة كما جاءت فاطمة بنت قيس إلى رسول الله ﵊، قائلة: (يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم فقال ﵊: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه لكن أسامة) أي: أشير عليك بـ أسامة بن زيد.
كذلك باب التعريف والبيان والتحذير، إذا كان رجلاً مشهوراً بالشر والفساد، مشهوراً بالاتجار بالمخدرات أو بالخيانة في النساء، أو بسرقة الأموال والسلب والنهب، جائز لك أن تحذر الناس منه، بل لزاماً عليك آنذاك أن تحذر الناس منه.
أقبل رجل على رسول الله ﷺ وهو بجوار عائشة ﵂، فقال لها: (بئس أخو العشيرة! فلما أقبل عليه ألان له النبي القول، قالت: قلت فيه ما قلت يا رسول الله! ثم ألنت له القول، قال: يا عائشة! إن شر الناس منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه)، فهذا في باب المداراة.
وقال ﵊ كذلك: (ما أظن فلاناً وفلاناً يعلمان من ديننا شيئاً) أو إذا كانت هناك مصلحة تعود على المسلمين بالنفع العام كما فعل زيد بن أرقم مع رسول الله ﷺ ، فلما قال عبد الله بن أبي ابن سلول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذهب زيد بن أرقم وأخبر النبي ﵊ بهذا الخبر الذي كان.
ومن ذلك الجرح والتعديل لمن يتكلمون بأحاديث الرسول ﵊، فرب رجل يكذب على رسول الله وهو لا يشعر، ونصح فلم ينتصح، فجدير بك أن تبين أمره، وهذا المسلك سلكه علماء الجرح والتعديل الأوائل كالإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وغير هؤلاء الأفاضل.
أما الشيعة فقلّ فقههم في هذا الباب وطفق قائلهم يطعن في ابن معين؛ لأنه طعن في رجال كثيرين من رجال الشيعة: ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها والرقيب شهيد فإن يك حقاً فهي غيبة وإن يكن زوراً فالوعيد شديد وهذا من جهل هذا القائل فإن ابن معين كان ينافح عن سنة رسول الله ﵊، ويبين حال الكذابين الذين افتروا الكذب على النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهذه مواطن تشرع فيها الغيبة بالضوابط الشرعية التي سمعتموها، وقد صاغها بعض العلماء في أبيات شعر، وزاد بعضهم في هذه الأقسام التي ذكرت، وقلل بعضهم فيها، وأدمج بعضهم بعضها في بعض، والأمر في هذا كله قريب.
ثم في ختام هذا الدرس هناك أمور ينبغي أن تفعلها أنت حتى لا توقع الناس في اغتيابك، منها المداراة كما بين النبي ﵊، فمداراة الناس مطلوبة، وكذلك إكرام الناس مطلوب، وكذلك اتقاء مواطن الشبهات، فلا تقف في موقف شبهة ومن ثمّ يطعن فيك الناس وأنت لا تشعر.
стр. 390
أمور تقيك من الغيبة
من الذي يجنبك الغيبة الذميمة والمقيتة والبغيضة: إكثارك من ذكر الله، فهي وصية جامعة أرسلها سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء للأخوة التي كان النبي ﵊ آخى بينهما بسببها، قال سلمان لـ أبي الدرداء بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل: (أما بعد, فإني أوصيك بالإكثار من ذكر الله فإنه دواء، وبالإقلال من ذكر الناس فإنه داء، والسلام عليكم ورحمة الله).
كانت هذه رسالة موجزة وبليغة من سلمان، فقللها بعد ذلك ابن عون فقال: ذكر الله دواء وذكر الناس داء، وهذا يصدقه قول ربنا سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨] لن تندم أبداً يوماً من حياتك لكونك قلت: سبحان الله، لن تندم أبداً يوماً من حياتك لكونك قلت: الحمد لله، ولكن قد تندم أيما ندم إذا ذكرت فلاناً من الناس بشر، لكن لن تندم لا في دنيا ولا في آخرة على كونك ذكرت .
فعليك بالإكثار من ذكر الله فهو يشغلك عن ذكر الناس فضلاً عن ترطيب اللسان، فضلاً عن قمع الشيطان، فضلاً عن إرضاء الرحمن والارتفاع في الدرجات العلى، والترقي في النعيم المقيم.
فهذا من أنجع الأسباب للوقاية من الغيبة، فينبغي أن تتقي مجالس السيئين الشريرين الذين هم كما وصفهم نبينا محمد ﵊ كأنهم نافخو كير، بل والله هم أشد من نافخ الكير، قال ﵊: (ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة) هذا الصاحب السيئ ما إن تغادر مجلسه حتى يغتابك أنت ويصورك بتصويرات مشينة مهينة أمام زملائك الذين كنت معهم.
فعليك بمجالسة أهل الفضل وأهل الصلاح؛ لأنهم في غيابك يدعون الله لك بالتوفيق.
هذه بعض البواعث التي قد تبعث على الغيبة.
ومن البواعث التي قد تبعث على الغيبة دفع الشائعات، فمثلاً: يبلغ عن شخص أنه قال في عرضك كذا وكذا، تقول: لا ما حصل مني كذا، بل هو الذي صدر منه كذا وكذا وكذا، وتقع في اغتيابه نتيجة شائعة جاءت إليك من مغرض من المغرضين.
فيجب أن تنتبه لمثل هذه الشائعات وأن تتقي هذه الأدواء، وأن تسأل الله أن يهديك لأفضل الأخلاق والأعمال، وتستعيذ بالله من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء.
стр. 391
بواعث الغيبة
هناك بواعث تبعث على الاغتياب جدير بنا أن نتقيها حتى لا نقع في هذه الغيبة المذمومة المحرمة، ومن هذه البواعث: قلة العلم بالله وبحدود الله؛ لذلك نجد الذين لا يعرفون حدود الله، ولا يوقرون أمره، ولا يعرفون حقوق أهل الإسلام هم الذين يغتابون، هم الذين، وهم الذين فلذلك العلم بحدود الله من أفضل الوسائل لكف الشخص عن الاغتياب.
كذلك قلة الورع، فمن قل ورعه طعن في الأعراض، أما من زاد ورعه فكما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في شأن زينب بنت جحش ﵂، قالت في شأن زينب مع حديث الإفك: (لما استشارها رسول الله ﷺ قائلاً: يا زينب! ما تقولين في عائشة؟ قالت: أحمي سمعي وبصري يا رسول الله! أهلك وما علمت عليها إلا خيراً، قالت عائشة: فعصمها الله بالورع).
فالورع يعصم الشخص من الوقوع في الأعراض، أما قليل الورع -عياذاً بالله- فيخوض يمنة ويسرة في أعراض المسلمين والمسلمات.
ثم كذلك الدافع إلى هذا الداء البغيض الحسد الذي يجب أن نتخلص منه، فالحسد يحمل على الغيبة، ويحمل على النميمة، كما قال الشاعر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أنداد له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً إنه لذميم فالحسد يجعلك دائماً تنتقد الناس، وتنتقص الناس، فجدير بك أن تسأل ربك أن يخلصك من هذا الداء.
كذلك من البواعث على الغيبة المذمومة المقيتة هو ترك الانشغال بعيوب النفس والنظر في عيوب الناس، كما قال رسولنا محمد ﵊: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينه)، (يبصر أحدكم القذاة -الشيء اليسير- في عين أخيه وينسى الجذع في عينه).
فإذا انشغلت بنفسك وجدت فيها متسعاً للخوض فيها ومعها لإصلاحها، وابتعدت عن عيوب الناس، إذا انشغلت بنفسك لإصلاحها وجدت متسعاً للبعد عن الغيبة وللبعد عن النميمة.
وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن الذي دار بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فأجاب بآية كريمة لعلنا نتعلم منها قال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
لن يسألك ربك سبحانه فيقول لك: من الذي كان على الصواب يا عبدي! علي أو معاوية؟ لن يسألك ربك عن هذا، إنما يسألك الله سبحانه كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] هذا الذي سيسألك ربك عنه.
فلا تكن إذاً من الذين عميت عليهم الأنباء يومئذٍ فهم لا يتساءلون، سيسألك ربك عن نبيك محمد ماذا أجبته؟ كما قال ﵊: (إنكم مسئولون عني، فماذا أنتم قائلون؟) فأنت مسئول بالدرجة الأولى عن نبيك وعمّا جاء به، فهل اتبعت هذا الرسول الكريم؟ هل امتثلت أمره؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
فاشتغل بعيوب نفسك، واسأل نفسك ما الذي امتثلت من أمر الله وما الذي ضيعته من أمر الله سبحانه؟ هل أنت ممن ستأتي يوم القيامة قائلاً: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] فيا حسرتا، تعالي وحلي على هذا الشخص الذي فرط في جنب الله.
стр. 392
عظم إثم غيبة الأموات
أما الأموات فغيبتهم أشد من ثلاثة وجوه أو أربعة: أولها: أنهم مسلمون وإخوة لنا، لأن أخوة الإيمان لا تنقطع بالموت فإن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقال الرسول ﵊: (وددت أن أرى إخوة لنا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، إخواني الذين يأتون من بعدي) أو كما قال ﵊.
فأخوة الإيمان لا تنقطع بالموت، فللميت حرمة، وحرمته ميتاً كحرمته حياً، وكسر عظمه ميتاً ككسر عظمه حياً، هذا أول شيء.
الشيء الثاني: أن النبي ﷺ قال: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا) فرب ميت تقوم بسبه وقد حط رحله في الجنة، قد ﵁ وتجاوز عن سيئاته، وعفى له عما كان من سوء صنيعه واستقر في الجنة، وأنت فيما أنت فيه من هم وبلاء ونكد وشقاء.
ثالثاً: أن النبي ﵊ قال: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء).
فلهذه القرائن المجتمعة: لا يسب الأموات، ولا يخاض في أعراضهم.
стр. 393
الأسئلة
стр. 394
حكم غيبة المغتاب
السؤال
هل يجوز لي الدفاع عن أختي في الله أمام الآخرين وبهذا سأضطر إلى أن أغتاب من ظلمها؟
الجواب
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم لا تغتب من اغتاب بل عرض، وهنا يظهر ذكاء المؤمن وفقه المؤمن، (ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).
стр. 395
استحباب لبس الجلباب والسروال للرجال
السؤال
لماذا يستحب أن يلبس الرجال الجلباب والسروال بدلاً من البدلة؟
الجواب
لأن أحب اللباس إلى رسول الله كان القميص والسروال لستر العورات تحته.
стр. 396
هل يجوز مصافحة العجائز قياساً على البنات الصغيرات ؟
السؤال
هل تقاس مصافحة العجائز على مصافحة البنات الصغيرات؟
الجواب
لا تقاس؛ لأن العجائز نساء، والعجوز تدخل في حديث النبي ﷺ : (لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس يد امرأة لا تحل له) العجوز امرأة لكن الصفة ليست بامرأة، ثم ما معنى حديث النبي ﵊: (إني لا أصافح النساء) وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط) ﵊، والحديث الآخر المعروف: (لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).
وكما قال القائل: (لكل ساقطة لاقطة) فقد تكون عجوزاً في نظرك وتشتهى عند غيرك.
стр. 397
ما معنى أن المال المسروق يجب أن يكون محرزاً ؟
السؤال
قرأت في تفسير الشيخ فلان أن المال المسروق يجب أن يكون محرزاً، أرجو التوضيح؟
الجواب
إن من شروط السرقة أن يكون المال محرزاً، يعني مثلاً يكون المال موضوعاً في بيت، أو يكون محرزاً في جيب، أو في مخبئه، فيأتي شخص فيقتحم المخبأ ويأخذ المال، لكن إذا كان مالاً في الطرقات، فالمال الذي في الطرقات ليس محرز، وشبهة أنه لقطة تدفع الحد عن السارق، فهذا المراد بالمال المحرز، والله أعلم.
стр. 398
ما ينبغي على من اغتاب شخصاً ثم طلب منه أن يسامحه فرفض
السؤال
إذا تكلمت عن أخ مسلم وذهبت إليه وذكرت له ما قلت فيه، وطلبت منه أن يعفو عني، فرفض، هل الله يعفو عني هذه الغيبة؟
الجواب
الله أكرم! لابد أن تعرف أن ربك كريم، وأنه يعلم ما في القلوب ويثيب على ما في القلوب، إذا ذكرت لأولادك بعض الصفات الذميمة في أصدقائهم، وإذا كان لزاماً أن تحذرهم من أصدقاء مخصوصين فافعل، وإن وجدت سبيلاً إلى التعريض عرضت، والله أعلم.
стр. 399
ضرورة الحكمة في الدعوة إلى الله
السؤال
صديقتها دائمة الشكوى وتنصحها، لكن أحس بصدقها وأعلم ذلك، ولكنها مخنوقة، ودائماً ترتاح لي فقط، ماذا أفعل؟
الجواب
الضرورة تقدر بقدرها.
أحياناً يأتيني شخص منفعل إنفعالاً شديداً جداً من شخص ظلمه فيتكلم في حق الذي ظلمه، وإذا قلت له: اسكت لا تغتب، فقد يسبه، ويمكن أن يتطرق إلى مسألة أعظم، فحينئذٍ أفوت له بعض الأمر مع مداومة التذكير في وقت هدوئه.
ومن الأدلة على ذلك: أن النبي ﷺ -كما لا يخفى عليكم- كان يحب خديجة حباً شديداً ﵊، حتى بعد موتها كان يتعاهد أصدقاء خديجة بالهدايا، فإذا ذبح ذبيحة قال: (أرسلوه إلى أصدقاء خديجة) فجاءته يوماً هالة بنت خويلد أخت خديجة تستأذن عليه ﷺ ، فعرف صوت هالة وارتاع لصوتها وقال: (اللهم هالة).
فغارت عائشة ﵂ غيرة شديدة وهجمت هجوماً شديداً على خديجة ﵂ فقالت: (ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين قد هلكت في غابر الدهر أبدلك الله خيراً منها؟ فقال ﵊: إني رزقت حبها).
فماذا كان من رسول الله ﵊ في هذا الموقف الذي هو مشتعل غيرة؟! فلربما أنه إذا نصح النصيحة ترد عليه، وإذا ردت على رسول الله؛ وقعت في الكفر أو الكبيرة والعياذ بالله، فقال ﵊: (إني رزقت حبها) وهذا هو أدب ولطف رسول الله ﷺ .
الشاهد أنه لم يتعقب ما صدر من عائشة رضي الله تعالى عنها من اغتياب في مثل هذا الموقف الذي صحبه انفعال، وليس معنى هذا أن يترك الشخص يسترسل، لكن أحياناً يتجوز بعض التجوز عن خطأ يصدر من شخص بكون المقام لا يتناسب مع تقديم العلاج.
أحياناً الطبيب الذي يريد أن يصف دواءً معيناً يجد الجسم لا يتحمل الدواء، فيقول: اذهب وائت غداً وأنا أصف لك الدواء، والله أعلم.
стр. 400
هل تقييم الموظفين يدخل في باب النميمة ؟
السؤال
ما حكم الكلام في موظفين مرءوسين من رؤسائهم بغرض التقييم؟
الجواب
لا بأس بذلك ولا يدخل في الغيبة.
стр. 401
هل الاستشارة والسؤال عن فلان يعد من الغيبة ؟
السؤال
ماذا يكون الرد إذا سألكم أحد عن شخص؟
الجواب
إذا سأل سؤال المستنصح المستشير المستفتي أكلمه بالذي أعلمه فيه، أما إذا سأل سؤال الفضولي المتتبع للعورات فلا يجاب بل يستر عليه.
стр. 402
ما معنى قوله ﵊: (البكر تستأمر)
السؤال
ما معنى حديث النبي ﷺ : (البكر تستأمر)؟
الجواب
يعني أنها تستأذن، فيقال لها: هل توافقين على الزواج من فلان أو لا توافقين؟ هذا معنى: (البكر تستأمر).
стр. 403
حكم إرغام البنت على الزواج ممن لا ترغب فيه
السؤال
إذا تقدم إلى امرأة زوج ديِّن لا عيب فيه، ولكنها لا تقبله ولا تشعر نحوه بالارتياح، فهل يجوز لوليها أن يرغمها على الزواج؟
الجواب
لا يجوز له ذلك بحال؛ لأن النبي ﵊ قال: (لا تكرهوهن)، وقال: (لا تنكح البكر حتى تستأذن)، وفي الصحيح أن خنساء بنت خدام أتت إلى النبي ﷺ -وفي رواية: امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن أبي زوجني بابن عم لي، ليرفع بي خسيسته، فرد النبي ﷺ نكاحها، فقالت: يا رسول الله! قد أجزت ما صنع أبي، ولكني جئت لأعلم أن ليس للآباء من الأمر شيء) أو لفظ قريب من هذا اللفظ، أي: ليس لهم شيء في إجبار المرأة على الزواج بشخص تكرهه.
стр. 404
حكم غيبة أولي الأمر
السؤال
ما حكم الغيبة في أولي الأمر لدرء المفاسد؟
الجواب
إذا كانت المفاسد ستدرأ بهذا فتقدر بقدرها، ولكني لا أظن أن المفاسد تدرأ بمثل هذا الكلام، لكن نبتعد شيئاً ما عن مسألة أولي الأمر، ونرجع كرة إلى مسألة شخص فاسق، هل يجوز اغتياب هذا الفاسق أو لا يجوز؟ وأعني بالفاسق هنا: المجاهر بالفسق، الذي يظهر فسقه عياناً جهاراً، أما إذا كان مستتراً، فلا ينبغي أن تفضح هذا المستتر، والنبي يقول: (من ستر مسلماً) سترته من ماذا؟ سترته من شيء شانه.
لكن الكلام على المجاهر بالمعصية، فالمجاهر بالمعصية القول المختار -والله تعالى أعلم- أنه إذا كان من وراء اغتيابه نفع عام أو تحذير عام فحينئذٍ نبين ما فيه محذرين وطالبين للنفع العام، أما إذا كان لمجرد التشفي فيه فإنا لم نؤمر بالتشفي في المسلمين، والله تعالى أعلم.
стр. 405
حكم تصرف المرأة بمالها دون إذن زوجها
السؤال
إذا ورثت المرأة مالاً عن أبيها، فهل يجوز لها التصرف فيه بدون إذن زوجها وفي أي حدود؟
الجواب
نعم على رأي جمهور العلماء، يجوز لها التصرف في هذا المال بغير إذن زوجها؛ لأنه مال خاص بها، ورد عن رسول الله ﷺ حديث تمسك به البعض في منع المرأة من ذلك، وهو حديث: (لا يحل لامرأة عطية من مالها إذا ملك رجل عصمتها إلا بإذن زوجها) وهذا الحديث وإن كان في إسناده بعض الأخذ والرد، لكن على فرض تحسينه فهو معارض بما هو أقوى منه، وهو أن النبي ﷺ اتجه إلى النساء يوم العيد بعد أن قضى خطبة العيد فحثهن ورغبهن في الصدقة، فكانت المرأة تلقي خرصها وسخابها في حجر بلال، ولم يرد أنهن ذهبن واستأذن الأزواج، هذا أول دليل وهو ثابت في الصحيح.
والدليل الآخر: هو أن النبي ﷺ دخل على ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، فقالت له: (يا رسول الله! أما شعرت أني أعتقت وليدتي؟ -تعني أمة من الإماء- قال ﵊: أما إنكِ لو أعطيتها لأخوالك لكان خيراً لكِ).
الشاهد من ذلك: أنها أعتقت وليدة لها بغير إذن زوجها الذي هو رسول الله ﵊، إذ قالت له: (أما شعرت أني أعتقتها يا رسول الله؟).
فعلى ذلك: يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها وإن لم يأذن لها زوجها، لكن من باب المودة والرحمة التي يفترض أن تكون بين الزوجين، يستحب لها أن تتفاهم مع زوجها أين تنفق؟ ولمن تنفق؟ استحباباً وليس إيجاباً، والله تعالى أعلم.
стр. 406
المواساة في الشريعة
شرعت المواساة في شريعتنا الإسلامية بصور متعددة، منها: المواساة بالمال، والمواساة بالجاه، والمواساة بالصلة، والمواساة بالتعزية، والمواساة بعيادة المريض، وغير ذلك.
وانتشار المواساة في أوساط المسلمين يقوي الروابط الأخوية ويزيدها صلابة وتماسكاً.
وقد أثر عن النبي صلوات الله وسلامه عليه وعن الصحابة وأئمة السلف كثير من المواقف التي تجلت فيها أهمية المواساة، فحري بكل مسلم الاقتداء بها.
стр. 407
صور المواساة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فإن ديننا القيم كله محاسن، ومن محاسن هذا الدين القيم أنه شرعت فيه المواساة بين أبنائه ومعتنقيه والمتدينين به، ولهذه المواساة صور متعددة، فبالمواساة تتضمد الجراح وتطيب، فكل من جرح بجرح له من يواسيه، وكل من ابتلي بابتلاء وجب على المسلمين أن يلتفوا حوله، وفرضت له عليهم حقوق كي تضمد جراحه، وكي يجبر كسره.
شرعت المواساة في ديننا بصور متعددة: فهناك مواساة بالأموال، وهناك مواساة بالأبدان، وهناك مواساة بالوجاهات، وهناك صور أخر من صور المواساة كالمواساة بالتعزية وغيرها من أنواع المواساة، فلا تكاد تبتلى إلا وتجد من يواسيك ويذكرك بالله، ويسليك بحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
شرعت المواساة بالمال، قال رسول الله ﷺ في شأن أبي بكر الصديق ﵁: (آمن بي إذ كذبتموني، قلت لكم: أنا رسول الله إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وبماله) رضي الله تعالى عنه، فهذه مواساة من الأدنى للأعلى، ومن المفضول للفاضل، والمواساة هنا بالمال.
стр. 408
مواساة الفقراء والمحتاجين
ولا تقتصر أنواع المواساة على من ابتلوا بالموت، بل يواسى الفقراء أيضاً، ويواسى المساكين، ولذا قال ربنا في شأن الضعفاء لنبينا محمد ﵊: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤].
يواسى الفقراء كما واسى المهاجرون الأنصار؛ قدم المهاجرون إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وكانت لهم في بلادهم بيوت، وكانت لهم في بلادهم أموال ودور، لكنهم تركوا ذلك كله مع محبة شديدة له، فتركوا الديار وفارقوا البلاد مع حبهم الشديد لديارهم وبلادهم، دل على ذلك قول رسول الله ﷺ وهو خارج من مكة، وهو واقف على جبل الحزورة ينظر إليها والدمع يذرف من عينيه على وجهه وخديه، يقول لها: (والله يا مكة! إنك أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت) ثم يفارقها رسول الله ﷺ وأصحابه.
لكنهم وجدوا من يواسيهم، وجودوا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبونهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، بل ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] حتى قال سعد بن الربيع لـ عبد الرحمن بن عوف: يا عبد الرحمن! انظر إلى أي زوجتي هاتين أعجبتك حتى أنزل لك عنها فتتزوجها! وقال: يا عبد الرحمن! إني رجل كثير المال فهلم أقسم مالي بيني وبينك نصفين! صور من المواساة افتقدها أهل الإسلام في هذه الأزمان، قال رسول الله ﷺ في شأن الأشعريين وهم قبيلة أبي موسى الأشعري ﵁: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم، جمع كل منهم ما عنده من طعام، ثم طرحوه، ثم اقتسموه بينهم بالسوية فأنا منهم وهم مني) (إذا أرملوا في الغزو) أي: قلَّ زادهم، وقلَّ طعامهم، (جمعوا ما عندهم من طعام)، فكل يأتي بالقليل أو بالكثير الذي عنده، صاحب القليل يأتي بقليله، وصاحب الكثير يأتي بكثيره، ثم يطرحونه جميعاً في مكان واحد، ثم يقتسمونه بينهم بالسوية، قال رسول الله ﷺ : (فهم مني وأنا منهم).
هذه صور من صور المواساة يجب أن تتفشى فيما بيننا، ويجب أن ندفع الشح عن أنفسنا، فلنعد إلى حياتنا ما فقد من سيرة نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن سير أصحابه الكرام، ألا فاستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.
стр. 409
مواساة آل بيت رسول الله
وكان أبو بكر هو الآخر يقول: (ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته)، أي: من أراد أن يحسن إلى رسول الله فليحسن إلى أهل بيته بعد موته ﷺ .
ويقول أبو بكر ل علي كذلك: (والله يا علي! لأن أصل قرابة رسول الله ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي)، فهي مواساة لأهل بيت رسول الله بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فقد نزع من بينهم رسولهم وكبيرهم ومعلمهم وقريبهم محمد ﷺ ، فكان لابد من المواساة.
واقعة أخرى في شأن آل زيد بن حارثة، كان عبد الله بن عمر ﵄ جالساً في المسجد، فرأى شاباً يجر ثوبه ويمشي في المسجد، بطريقة فيها نوع من الفخر لا يكاد يذكر.
الشاهد: أنه قال متغيظاً عليه رضي الله تعالى عنه: من هذا الفتى؟ ويهم ابن عمر ﵄ أن يقول له قولاً شديداً، فقالوا له: هذا هو أيمن بن أسامة بن زيد، فنكس ابن عمر رأسه في الأرض، وقال: لو رآه رسول الله ﷺ لأحبه، وأعرض ابن عمر عن الانتقاد الشديد الذي كان سيوجهه لـ أيمن بن أسامة بن زيد، مواصلة لمسيرة المحبة لأهل زيد التي بدأها رسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 410
مواساة الأيتام والأرامل
فهذه معشر الإخوة أنواع من المواساة لمن ابتلوا بفقدان قريب، أو لمن ابتلوا بفقدان عزيز، بأن تواصل معهم الخير الذي كان يعطى، وتواصل معهم رفع المعنويات والمحبة والمودة، وغيرها من أنواع الصلة.
المواساة مشروعة في ديننا بصور أخر، فجعلت التعزية من حقوق المسلم على أخيه المسلم، والصحيح أنها لم تقيد بزمن، ولم تخصص بوقت، فحديث (لا عزاء بعد ثلاث) لا يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل قد ورد ما يعكر عليه، ألا وهو: أن النبي ﷺ لما قتل جعفر أمهل ثلاثاً، ثم ذهب إلى أهل بيته يعزيهم، فذهب إلى أسماء بنت عميس وكان ﵊ يمسح على رءوس أطفاله اليتامى، ويطمئنهم ويطمئن أمهم.
فأمهم تبكي وتخاف عليهم العيلة، أي: الفقر، فقال رسول الله ﷺ مطمئناً لهذه الأرملة آنذاك (أتخشين العيلة عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة) ودعا رسول الله ﷺ ل عبد الله بن جعفر دعوة بقيت له طيلة حياته، قال ﵊: (اللهم بارك لـ عبد الله بن جعفر في صفقة يمينه) فكان لا يبيع ولا يشتري شيئاً إلا ربح فيه، حتى التراب، فجعل الله له الربح ببركة دعوة رسول الله ﷺ .
فلزاماً علينا أن نواسي من ابتلوا بفقد أبيهم، نواسي الأيتام الذين فقدوا أباً عزيزاً عليهم، كان يدخل عليهم في يومه بما رزقه الله من فاكهة وطعام وشراب فحرموا هذا العطاء، فلابد لهم ممن يواسيهم وهذا من محاسن هذا الدين القيم، قال رسول الله ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وأشار ﵊ بالسبابة والوسطى.
فليوصل كل من ابتلي، وليعز كل مصاب، وليعد كل مريض، شرعت عيادات المرضى، وشرعت التعازي في الجنائز، وشرع الرفق بالأيتام والحنو عليهم، وشرعت الشفقة على الأرامل؛ شرع كل ذلك تخفيفاً للجراح التي يبتلى بها العباد، وقد أثني على رسول الله ﷺ بهذا كله في جاهليته قبل أن يبعث ﵊، يقول أبو طالب في شأن رسولنا محمد ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
стр. 411
مواساة من كان يحبه النبي
أسامة بن زيد كان يحبه رسولنا محمد ﷺ حباً جماً هو وأباه، وكما لا يخفى فهو الحب بن الحب، فمات عنه رسول الله ﷺ ، فواصل عمر مسيرة الحب لـ أسامة بن زيد ومسيرة المودة له.
حتى إن عمر ﵁ حين كان يقسم الغنائم والعطاءات كان يقدم البدريين في القسمة على من جاء من بعدهم، وكل بحسب سبقه للإسلام؛ فجاء عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد كي يأخذا عطاءهما، فأعطى عمر أسامة بن زيد أكثر من عطيته لابنه عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر ﵄: يا أبت! إن أسامة لم يسبقني بمشهد في الإسلام، ولم يسلم قبلي، ولم يسبقني بغزوة من المغازي، فلمَ فضلته عليّ يا أبي؟! قال عمر: يا بني! إن رسول الله ﷺ كان يحبه أكثر منك، وكان يحب أباه أكثر من حبه لأبيك؛ فلذلك فضلته عليك! فواصل عمر ﵁ مسيرة المودة لـ أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما.
стр. 412
مواساة صديقات الزوجة وأقاربها
ومن حسن العهد أيضاً ما فعله النبي ﷺ مع أصدقاء خديجة ومع أقارب خديجة.
كانت خديجة أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانت من أحب الناس إليه صلوات الله وسلامه عليه، وكانت تواسيه بكلماتها الطيبة في أول بعثته، كقولها: (والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتنصر المظلوم، وتعين على نوائب الحق)، وقدمت له أموالها مواساة ومؤازرة منها، فكان رسول الله ﷺ يحبها.
وبعد أن ماتت كان يكثر من الدعاء لها، وكان كلما ذبح ذبيحة من الذبائح أرسل إلى أصدقاء خديجة من هذه الذبيحة، وكان يتعاهد أصدقاء خديجة بالهدايا والعطايا، وكانت هالة بنت خويلد أخت خديجة ﵂ كلما جاءت إلى رسول الله ﷺ تستأذن، ارتاح لها رسول الله ﷺ وقابلها بحفاوة بالغة وقال: (اللهم هالة).
غارت أم المؤمنين عائشة من ذلك، فقالت: (وما تذكر يا رسول الله! من عجوز حمراء الشدقين -أي: قد تساقطت أسنانها فأصبح مكان الأسنان حمرة- هلكت في غابر الدهر، أبدلك الله خيراً منها، فقال رسول الله ﷺ : إن الله رزقني حبها) وفي روايات أخرى (واستني بمالها، وواستني وواستني وفعلت وفعلت) فهذا من حسن عهد رسول الله ﵊، وفعله المعروف بأصدقاء خديجة ﵂.
стр. 413
مواساة أبي بكر وعمر لأم أيمن
قال أبو بكر لـ عمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ : يا عمر! انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها -وأم أيمن هي أم أسامة بن زيد ﵁ قال: فقد كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما دخلا عليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك يا أم أيمن؟! فـ أبو بكر وعمر ظنا أنها تبكي لفقدان رسول الله ﵊، فكان هو الذي يدخل عليها، فإذا بالذي يدخل عليها الآن رجلان آخران غير رسول الله ﷺ ، وهذا شيء يحزن بلا شك، ولكن ما هو سبب حزنها الأكبر؟ قالا لها: ما يبكيك يا أم أيمن؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، قالت أم أيمن: أعلم ذلك، والله إن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع، فهيجتهما على البكاء فجعلتهما يبكيان معها، بكت لأن جبريل الذي كان ينزل على النبي ﵊ فيوجه المؤمنين: يا أيها الذين آمنوا افعلوا كذا، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كذا، الذي كان ينزل بما يرقق القلوب، الذي كان ينزل بما يجلي الأمور قد انقطع، فكان هذا سبب الفجيعة الكبرى لـ أم أيمن، فبكت وبكى أبو بكر وعمر معها ﵃.
الشاهد من ذلك: قول أبي بكر لـ عمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها؛ فقد كان رسول الله ﷺ يزورها، فأرادا أن يعوضاها عن المصيبة التي ابتليت بها من فقدان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 414
مواساة أقارب وأصدقاء الوالد
ومن صور المواساة أيضاً المواساة في حسن العهد، وهذا يؤخذ من حديث رسول الله ﷺ : (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد موته).
فمن أفضل أنواع البر: أن تبحث عن الذين كان يصلهم أبوك، وعن الذين كان يساعدهم أبوك، وعن الذين كان يعولهم أبوك، فتواصل المساعدة، وتواصل المعاونة؛ جبراً لكسر هؤلاء الذين فقدوا عزيزاً عليهم، والذين يظنون أن مورداً من موارد الرزق سينقطع عنهم.
فقال رسول الله ﷺ : (إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه بعد موته)، فتبحث عن أصدقاء أبيك، وعن أقارب أبيك، فتصلهم كما كان الأب يصلهم.
стр. 415
تأملات في سورة الطلاق [١]
شرع الله لعباده الزواج لبقاء النسل ولتحقيق الاستخلاف في الأرض، ولكن هذه العلاقة قد يشوبها ما يعكرها، حتى يؤدي إلى ضرورة انتهائها، فجعل الله من الطلاق حلاً لمثل هذه الأحوال، وقد تحدث الفقهاء عن مسائل هذا الباب وذكروا أحكام المطلقة مفصلة، وبينوا أن الطلاق ينقسم إلى: طلاق سني، وطلاق بدعي.
стр. 416
من أحكام الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: سورة الطلاق سورة مدنية، وفيها بيان كم كبير من أحكام الطلاق بعد أن استقرت إلى حد كبير أحوال المسلمين بمدينة رسول الله ﷺ .
стр. 417
الطلاق لغة وشرعاً
معنى الطلاق لغة: حلّ الوثاق، أي: حلّ الرباط، ومنه الإطلاق، كشخص أطلق شخصاً، أي: كان آخذاً به أو موثقاً إياه ثم أطلقه.
فهذا من الناحية اللغوية.
ومن الناحية الشرعية: حلّ عقدة النكاح، أو حلّ عقدة التزويج، فالتزويج أو النكاح ينعقد بقول الرجل الذي هو ولي المرأة للزوج: زوجتك موكلتي.
أو: موليتي.
أو: ابنتي.
أو: أختي.
فهذه العقدة تنحل بلفظ الزوج: أنتِ طالق، أو طلقتكِ، أو سرحتكِ، إذا كان التسريح مصحوباً بنية الطلاق، أو فارقتك، إذا كان الفراق مصحوباً بنية الطلاق.
стр. 418
الألفاظ التي يقع بها الطلاق
ألفاظ الطلاق منها ما هو صريح؛ فلا يحتاج القاضي معه إلى سؤال المطلق عن نيته، وهي كلمة: أنتِ طالق.
أو: طلقتك.
ومنها ما ليس بصريح لكنه يقع به الطلاق إذا كان ينوي ذلك أو يقصده.
فكلمة: (سرحتك) التسريح يدل على الطلاق؛ فإن الله قال: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] والتسريح أيضاً بمعنى: الإطلاق كما قال الله: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]، وقال: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، على رأي من قال: إن المراد بالتسريح بالإحسان الطلاق.
وفي ذلك قولان للعلماء.
وكلمة (فارقتك) كذلك، قال الله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، فإذا قال الرجل لامرأته: قد فارقتكِ.
يسأل عن نيته، ماذا تقصد بقولك: قد فارقتكِ؟ إن قال: أقصد الطلاق وقع الطلاق، وإن قال: أقصد فراق المجلس، أو فراق هذه الليلة.
لا تقع طلقة، أي: أن هناك ألفاظاً صريحة، وألفاظاً تحتاج إلى النية.
أما قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلكِ، اعتبرها فريق من العلماء تطليقاً إذا كانت مصحوبة بالنية، وأبى ذلك آخرون، ووجهوا ما ورد في كلام الرسول: (الحقي بأهلك) لـ ابنة الجون في بعض الروايات: (أنتِ طالق الحقي بأهلك) بتوجيهات، لكن سيأتي تحرير القول في ذلك إن شاء الله.
стр. 419
أقسام الخطاب الموجه للنبي ﷺ
قال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، لماذا قال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١] ولم يقل: (إذا طلقت)، والسياق يقتضي أن يقول: (يا أيها النبي إذا طلقت النساء)؟ الخطاب الموجه لرسول الله ﷺ يقوم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: المراد به الرسول نفسه ﵊، كما قال الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
القسم الثاني: خطاب للرسول يراد به أمته، كما قال الله للنبي: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣]، ليس المراد به الرسول قطعاً؛ لأن والدي الرسول ماتا وهو في الصغر.
القسم الثالث: خطاب للرسول المراد منه هو وأمته، كهذا الخطاب: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق:١]، ومن العلماء من قال: إن الضمير هنا خاص بالأمة، فالمعنى: يا أيها النبي! قل للمؤمنين: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن.
стр. 420
أحكام طلاق المعتدة
قال تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، أي: مستقبلات عدتهن، أو حيث يقمن لعدتهن، يعني: لا تطلقوهن وهن في الحيض، بل طلقوهن وهن مستقبلات الحيض، أي: طلقوهن وهن أطهار.
قال آخرون: وهو نص حديث الرسول ﵊: (طلقها في طهر لم تجامعها فيه) وهذا طلاق السنة، وطلاق السنة: هو أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل قد استبان حملها.
وأضاف إليه بعض العلماء شيئاً آخر: أو يطلقها إذا كانت لم تحض؛ وهي الصغيرة التي لم تحض أو الكبيرة التي حيضها منقطع.
فهذا طلاق السنة بالنسبة للمرأة التي تحيض، أن يطلقها زوجها في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل قد استبان حملها، أي: ظهر حملها.
لكن فرضاً أنه طلقها وهي حائض، أو طلقها في طهر جامعها فيه، فهذا ليس بطلاق على السنة إنما هو طلاق بدعي؛ فقد جاء عمر إلى رسول الله ﷺ يخبره أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب النبي ﷺ لذلك غضباً شديداً وقال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق) وفي رواية أخرى: (مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر) أي: جعل لها طهرين في هذه الرواية الأخيرة، (ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق)، لكن حمل العلماء هذه الرواية الأخيرة التي فيها المكث طهرين أنها على الاحتياط أو الاستحباب لا الإيجاب، إنما هو طهر واحد، يمسكها حتى تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك قبل أن يمسها.
فترد علينا مسألة على عجل، ألا وهي: هب أن رجلاً طلق امرأته وهي حائض، مخالفاً بذلك سنة النبي ﷺ ، فهل تقع هذه الطلقة أو التطليقة أم أنها لا تقع؟ ذهب جماهير السلف والخلف إلى أن هذه التطليقة تحتسب وإن كانت خلاف السنة، ومن هؤلاء مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم، بينما ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتبعه تلميذه ابن القيم ﵀ إلى أنها لا تقع.
وفي الحقيقة أن حجة شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الموطن حجة داحضة، وليست بسديدة بحال -وسيأتي بيان ذلك-والصواب في ذلك ما رآه جماهير العلماء من السلف والخلف، ومنهم الأئمة الأربعة: أنها تقع؛ مع ما فيها من إثم على المطلق.
أما حجة الجماهير القائلين بالوقوع، فمنها ما يلي: أولاً: قول النبي ﷺ لـ عمر: (مره فليراجعها) قالوا: فلا مراجعة إلا وقد وقع طلاق.
الثاني: قول ابن عمر ﵄: (حسبت عليّ تطليقة)، وفي الرواية الثالثة قيل له: (أوتحتسب تلك تطليقة؟ قال: أومه.
أفرأيت إن عجز واستحمق؟).
ثالثاً: أنه قال لها: (أنتِ طالق) وهذه كفيلة بالمراد.
أما حجج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليه فتتلخص في الآتي: أولاً: أورد من طريق ابن الزبير عن ابن عمر أنه قال: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فلم يرها النبي ﷺ شيئاً).
الإجابة على هذا: هذه الرواية ابتداءً أعلها جماهير المحدثين، وضعفها من الناحية الحديثية جماهير المحدثين، ويكفينا الدليل والأثر الصحيح بقول هؤلاء الأئمة الجهابذة أنها ضعيفة، وجماهير المحدثين وأهل العلل أعلوا رواية ابن الزبير التي فيها أن النبي لم يرها شيئاً، بل ورد عند الطيالسي أنه قال: (فعدها واحدة)، هذا شيء.
الشيء الآخر في حالة صحة: (فلم يرها النبي شيئاً)، أي: لم يرها شيئاً على السنة، بل هي على البدعة وليس فيها تعلق بالوقوع من عدمه.
الدليل الثاني الذي احتجوا به: رواية مختصرة رواها ابن حزم الأندلسي ﵀، وتبعه على هذا الاختصار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد اختصرت اختصاراً أخل بالمعنى إخلالاً شديداً أوقع الباحث في ورطة، وها هو بيان هذا الاختصار ووجهه.
احتجوا بما ذكره ابن حزم بإسناده إلى ابن عمر أنه: (سُئل عن طلاق المرأة وهي حائض؟ فقال: لا يعتد بتلك)، فهذا الأثر شنع به ابن القيم ﵀ تشنيعاً شديداً في زاد المعاد، وفرح به فرحاً شديداً لتقرير مذهبه، وفي الحقيقة أنه اختصار مخل غاية الإخلال، فالرواية من نفس الإسناد إلى ابن عمر مذكورة عند ابن أبي شيبة في المصنف في باب الأقراء، بهذا الطول: (سُئل ابن عمر عن طلاق المرأة وهي حائض فقال: لا يعتد بتلك الحيضة) فزاد كلمة (الحيضة) أي: لا يعتد بتلك الحيضة أنها من الأقراء، أي: زمن العدة التي تعدتها المرأة.
فلما اختصرت قدرها ابن القيم تقديراً آخر، فالرواية: (لا يعتد بتلك الحيضة)، اختصرها إلى (لا يعتد بتلك)، وقدر محذوفاً وهو: (لا يعتد بتلك الحيضة).
يعني: المرأة إذا طُلقت وهي حائض هل تحسب هذه الحيضة في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]؟ يعني الحيضة التي طلقت فيها المرأة تحتسب من زمن العدة، أو لا تحتسب؟ فلما كانت الرواية (لا يعتد بتلك الحيضة)، واختصرها ابن حزم وتبعه ابن تيمية على لفظ: (لا يعتد بتلك)، وحذفوا كلمة (الحيضة) وحملهم حذفهم أو روايتها محذوفة عندهم على أن يقدروا ما ساغ لهم من تقدير، وهو: لا يعتد بتلك التطليقة، وهذا خطأ مصادم لظاهر الرواية التي هي مطولة عند ابن أبي شيبة، وبوب لها ابن أبي شيبة كما أسفلنا في باب الأقراء.
فكان في الحقيقة ما سطره ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد مساغ ضحك، إذ طفق يصول ويجول على مذهبه وعلى طريقته من إطالة النفس في المسائل التي ينتصر لها ﵀، كما أطال النفس في عدة مواطن، ولكن الرواية الثابتة: (لا يعتد بتلك الحيضة)، دحضت ما دندن حوله رحمه الله تعالى.
فكانت هذه أقوى الحجج التي احتج بها شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
مضافاً إلى ذلك عندهم: أنه عمل محدث، والنبي يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وهذا ليس من هذا الباب، أيضاً إذا وقفنا مع حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وفهمناه هذا الفهم الغريب الذي فهمه شيخ الإسلام لكشفنا الكرب عن أقوال الكثيرين.
هل في ديننا القتل؟ هل في ديننا أن شخصاً مسلماً يقتل آخر؟ فإذا قلنا: لا عقوبة عليه، والعمل مردود رفعنا عنه حرج القتل.
هل في ديننا الأيمان الفاجرة أو الأيمان الغموس؟ هل يستدل لرفع الكفارات عمن أقسم يميناً غموساً؟ هل يرتفع عنه الحكم؟ أو هل ترتفع عنه العقوبة بهذا الفهم؟ باب العقوبات شيء آخر، لا يقال فيه: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
فهل من الإكرام له أن نقول لمن طلق امرأته وهي حائض وخالف السنة أن نقول له: خالفت السنة ولا حرج عليك.
والذي طلقها وهي طاهر نقول له: لا عليك الطلاق واقع لأنك وافقت السنة.
كيف يقبل هذا عقلاً؟ إذا جئنا من ناحية العقل فـ شيخ الإسلام يقول ما حاصله: كيف نأمر المطلق امرأته وهي حائض أن يراجعها؟ ثم بعد أن تطهر نقول له: طلقها مرة ثانية؟ فنكون قد أوقعنا عليه تطليقتين.
فهذه حجته.
فنقول له: نحن قلنا له: راجعها، ثم بعد ذلك إن شئت أمسك وإن شئت طلق، ولم نأمره أمراً أن يطلقها إذا طهرت، إنما قلنا له: إذا طهرت إن شئت طلقت وإن شئت أمسكت، لكن الذي سبقت وقعت عليك، فهي إلى التأديب والتعزير أقرب.
فلا يقال أبداً: إن من طلق امرأته أو خالف السنة وطلق وهي حائض أن طلاقه ليس بواقع، وإن من اتبع السنة طلاقه واقع، وهذا كلام واضح غاية الوضوح، فلما أراد شيخ الإسلام أن يرفع مطلق البدعة عمن طلق المرأة وهي حائض ويقول له: طلاقك ليس بواقع، أنزله بعكس من طلق على السنة، وهذا ليس بسوي ولا بصحيح، وقد قال ابن عمر فيما سمعتم: (حسبت عليّ تطليقة)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (مره فليراجعها).
كذلك من طلق امرأته في طهر جامعها فيه طلاقه أيضاً واقع؛ إذ ليس هناك أي دليل يفيد أنها لا تطلق، فما هو الدليل الذي يفيد أنه لا يقع؟ فقد سمعتم ما في الاستدلال بقوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) من توجيه.
فعلى ذلك كما أسلفنا وأكدنا أن رأي الجماهير من العلماء ومنهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى هو الرأي الأسد، وهو الرأي الأصوب، والعلم عند الله .
فلا داعي إذا جاء شخص وقال: أنا طلقت زوجتي ثلاث تطليقات أن نفتح له أبواب الشياطين، هو يقول: طلقتها منذ عشر سنوات، فهل أفتش هل كانت تلك أيام في حيضها أو لا؟ هل كنت جامعتها أو لم تجامعها؟ كل هذا لم يرد عن أصحاب رسول الله ﵊ ورضي الله تعالى عنهم، إنما هي وساوس واتباع للآراء الشاذة المرجوحة لغير دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، والله أعلم.
стр. 421
سكنى المعتدة ونفقتها
قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] أي: عدوا عداً دقيقاً، وفيه دليل على الحساب، ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] فلا يجوز بحال لأي رجل طلق امرأته طلقة رجعية أن يخرجها من البيت كما يفعل بعض الجهلة من أهل زماننا، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وسيأتي شرح معناها إن شاء الله.
ولذلك عبر بقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] هنا تظهر النكتة والحكمة في نسبة البيوت إلى النساء، فهي في العدة ما زال البيت بيتها، ولا يحق للمرأة أن تخرج من البيت أو تأخذ ثيابها وتذهب إلى بيت أبيها وبيت أمها، ولا يحل له هو الآخر أن يخرجها.
﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] قال بعض العلماء: إنها الزنا -عياذاً بالله- وقال بعضهم: هي البذاءة على أهل زوجها، مثلاً: امرأة متوحشة شرسة تضرب والد الزوج والزوج وأم الزوج، فتحدث مفسدة كبرى إذا كانت بهذه الطريقة الشرسة.
وهذا كله في مسألة المطلقة الرجعية، أما المطلقة ثلاثاً التي بُتَّ طلاقها فلا سكنى لها بل تحمل ثيابها وتخرج، إذ هي أصبحت أجنبية تماماً عن هذا الزوج.
ويدل لمسألة خروج المطلقة المبتوتة وأنها لا سكنى لها ولا نفقة: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، لأنها كانت متزوجة برجل من أهل اليمن فأرسل لها بآخر ثلاث تطليقات، يعني طلقها غيابياً من اليمن، وأرسل لها مع وكيله شيئاً من الشعير فسخطته، أي: قالت: هذا قليل.
فذهبت هي ووكيل زوجها إلى الرسول ﷺ ، فقال ﵊: (لا نفقة لك ولا سكنى).
فأخذ بهذا أيضاً جماهير العلماء، وأبى ذلك أمير المؤمنين عمر ﵁، وكان يقضي بأن كل مطلقة رجعية كانت أو غير رجعية لها النفقة والسكنى، فقال: (لا ندع كتاب ربنا)، وفي رواية فيها كلام: (وسنة نبينا)، قال عمر: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري أنسيت أم ذكرت) فقالت عائشة: (إنما أخرجها رسول الله ﷺ من بيت زوجها؛ لأنها كانت حادة في لسانها شيء)، يعني: شديدة في لسانها على أهل زوجها.
لكن أخذ الجمهور بمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى، وفريق آخر ومنهم أمير المؤمنين عمر أخذ بأن لها النفقة والسكنى لما سمعتموه.
وفريق ثالث كالإمام الشافعي ﵀ فصّل في هذه المسألة فقال: لها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] أما النفقة فليست لها؛ لأن النبي ﵊ ما أقرها على مسألة النفقة.
فإتيان المرأة بالفاحشة المبينة يكسبها أشياء، منها: امرأة مثلاً زنت -والعياذ بالله- وهي متزوجة، فللزوج أن يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، أي: ليسترد منها بعض الصداق الذي أخذته منه: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩].
وتتسبب الفاحشة المبينة أيضاً في إخراجها من البيت إذا طلقت: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق:١].
لكن هل ينسحب هذا على رجل حزن أو غاضب زوجته، وقال لها: أنا متعب اذهبي عند أهلك.
هل يقال له: اتق الله ربك، ولا تخرجها من بيتها ولا تخرج؟ وهل يقاس ذلك على قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] فلا أخرج الزوجة في لحظة مغاضبة بيني وبينها إلى بيت أبويها؟ وهل نقول: إن النبي ﷺ ألحق عائشة بأبويها في حديث الإفك، هذا بعيد؛ لأن عائشة هي التي قالت: (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي) وليس الرسول هو الذي طردها إلى بيت أبويها.
وعندما آلى النبي من نسائه هو الذي خرج، وعندما غاضب علي فاطمة هو الذي خرج ونام في المسجد.
وأما الاستدلال بحديث كعب فليس فيه إلا الأمر باعتزال النساء، لكن نقول: إنه لا يجوز له في الأصل أن يخرجها، لكن إن قلنا: إن الرجل استشاط غضباً ويخشى من تواجدها مفسدة أعظم فاخترنا أخف المفسدتين وقلنا: اخرجي حتى يهدأ الرجل.
نحن نقول: ليس من حقنا أن نخرجك، ولكن درءاً للشر وللمفسدة العظمى اذهبي إلى أهلك حتى يهدأ الرجل، هل نكون قد أثمنا؟ ربما يقول قائل: يجوز؛ لأن سيدنا إبراهيم ﵇ قال لزوجة إسماعيل ﵇: قولي لإسماعيل أن يغير عتبة الباب، يعني: أن يطلق زوجته.
نقول: لا.
فالمسألة حتى إذا أخرجها الزوج من باب اختيار أخف الأضرار فهو من هذا الباب، ليس من باب أنه يجوز له أن يخرجها.
لكن لا ينصح في كثير من الأحيان بالإخراج، لماذا؟ لأن النساء تبدأ تثرثر في الكلام زوجي ضربني، وكثير من النساء يكذبن ويغيرن في الحديث وتأتي الجارة الشريرة في صورة المتباكية والزوجة قد سكنت فتهيجها.
يقال: إن شخصاً ذهب يصالح الأعمش على زوجته، فيقول لزوجته: اصبري عليه فإنه رجل أعمى مسكين لا يرى كثيراً، وجلس يذم في الأعمش كل الذم حتى يزهدها به، فقام عليه الأعمش وضربه وقال: والله ما أتيت لإصلاحها إنما أتيت لإفسادها.
فهذا دأب أهل زماننا، تقول لها: اصبري ومع كلمة اصبري عشر طعنات في الزوج فتجعلها تبغض الزوج بغضاً لا نظير له، وقليل من الناس المصلحون والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 422
تأملات في سورة الطلاق [٢]
مسألة الطلاق من المسائل المهمة التي أولتها الشريعة اهتماماً بالغاً، ومن الدلائل على أهمية هذه القضية أن خصص الله لمناقشتها سورة كاملة في كتابه العزيز ألا وهي سورة الطلاق، وبالرغم من حساسية هذه القضية إلا أن هذه السورة قد أحاطت بجل أطرافها، وفض الله فيها النزاع بين الطرفين بما يرضي كلاً منهما ويعطيه حقه وافياً.
стр. 423
تفسير الآية الأولى من سورة الطلاق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]، أفادت الآية الكريمة: أنه لا يحل لرجل طلق امرأة أن يخرجها من بيته، ولا يحل لها هي الأخرى أن تخرج من هذا البيت، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١].
ومن العلماء من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: الزنا والعياذ بالله.
ومنهم من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: البذاءة على أهل الزوج.
وأثيرت مسألة: من حدثت بينه وبين زوجته مشكلة، وخشي من تواجدها أن تتفاقم وتتصاعد القضية، فهل له أن يقول لها: اذهبي إلى بيت أبيك؛ خشية من حدوث طلاق، أم أن ذلك لا يجوز له؟ ذكرنا أن الأولى أن يخرج هو من البيت، فإن النبي ﷺ لما غاضب نساءه اعتزلهن صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخرجهن هو من البيت، كذلك علي لما غاضب امرأته فاطمة ﵂ خرج ونام في المسجد.
ولكن إن استأذنت هي دفعاً للمشاكل وخرجت لبيت أبيها بإذن فلا بأس بذلك أيضاً، وذلك لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك قالت لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي)، فأذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١]، هذا في المطلقة طلاقاً رجعياً، أما المطلقة المبتوتة فليس لها نفقة وسكنى، على رأي جمهور العلماء.
ومن العلماء من أثبت لها النفقة والسكنى، وهم قلة؛ منهم: أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، لكن أصحاب هذا الرأي محجوجون بما روته فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ أنه قال لها لما طلقها زوجها فبتّ طلاقها: (لا نفقة لك ولا سكنى).
ومن العلماء من أجاز لها السكنى دون النفقة، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] الآية.
وهذا يرد على ما يفعله العامة الآن من إخراج المرأة من بيتها لمجرد صدور الطلاق الرجعي، فهذا عملٌ ليس بصحيح وليس عملاً شرعياً، فيحرم عليه أن يخرجها، ويحرم عليها هي الأخرى أن تخرج، وذكرنا أن النكتة في نسبة البيوت إليهن في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، أنها ما دامت في العدة فالبيت بيتها لأنه نُسب إليها.
قال الله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] فيجب أن توقر هذه الحدود، ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] أي: لعله يحدث شيئاً وهو رجوع من الزوج إلى زوجته، ولعله يراها بعد أن طلقت فانكسرت ورق لحالها يراها في حاجة إلى مراجعة وإلى عطف وحنان، يراها وقد تعلق بها أبناؤها وبناتها وأنها في حاجة إلى رجعة.
وهي الأخرى قد ترى من حاله انكساراً بعد التطليق وأنه لا يستطيع أن يقيم نفسه، ولا أن يطهي، ولا أن يغسل ثياب نفسه، فترق هي الأخرى لحاله فيحدث تراجع منها له، أو لعله يرى منها شيئاً من جمالها يعجبه ويستدرك، وفي الحديث: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) فيبدأ بالتراجع والتنازل عن شيء من حقوقه.
وهي الأخرى كذلك ترى أنها أخطأت، أو أنها ينبغي عليها أن تصبر على زوجها؛ إذ مع مثالبه فله جملة محاسن فتتغاضى عن مثالبه بعض التغاضي حتى تستقيم المعاشرة، أو تكون هناك أمور أخر أجملت في قوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١].
فإذا طلقت المرأة وأُخرجت من بيتها أو خرجت هي من بيتها في العدة؛ عقوبة من الله سبحانه أن يسلط عليها صديقات السوء اللواتي يحملنها على النشوز، وعقوبة كذلك له أن يتسلط عليه أصدقاء السوء من أتباع هاروت وماروت الذين يفرقون بين المرء وزوجه.
стр. 424
حكم الإشهاد على الطلاق
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، فالآية قطعاً ليس المراد بها ظاهرها؛ لأن إذا بلغت المرأة الأجل ولم تحدث رجعة انتهت منه، ولم تعد له زوجة، فالمراد بقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن بلوغ الأجل.
﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، أي: أرجعوهن إليكم ولا تجعلوا الطلاق يمضي، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢] أو اتركوهن حتى تنقضي العدة.
وكل ذلك من المعروف.
وهذا في الحقيقة يلقي ضوءاً على أخلاق المسلمين التي ساءت كثيراً في هذه الأزمان، فإن الله ما أباح للزوج أبداً أن يمسك إلا بالمعروف، وما أباح له أن يطلق إلا بالمعروف، فليس له خيار في هذا، فإن الله قال: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: ليس لك اختيار في هذا أبداً؛ فإما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان، أما الزوج الذي يحاول الإضرار بزوجته لأنه طلقها؛ فيوقع بها أشد النكال وأشد أنواع التعذيب، فهذا محرم عليه، والله قد قال: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].
стр. 425
لزوم الإشهاد على الطلاق
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] استدل به على وجوب الإشهاد عند الطلاق وعند الرجعة، فقوله: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] أي: منكم يا أهل الإيمان، فلا يجوز لك أن تشهد كافراً، وهل يجوز لك أن تشهد امرأة أو امرأتين على الطلاق؟ أو أن تقول: أشهد أربعاً؛ فالرجل يقوم مقام امرأتين في الطلاق قياساً على الأموال؟ أولاً: في شهادات النساء تفصيل، فشهادات النساء في الأموال مقبولة بالاتفاق كما قال الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وشهادات النساء في الحدود ردها أكثر العلماء، قالوا: لأن الحدود تدفع بالشبهات، والله يقول في شأن النساء: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] فالضلال شبهة يدفع بها الحد.
أما الطلاق والنكاح فجمهور أهل العلم على أن شهادات النساء لا تعتبر فيه، لكن من العلماء من أجازها على أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل.
قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] أي: على الطلاق وعلى الإرجاع.
следующие страницы →