← Джавами‘

Джавами‘ · id 7694

دروس للشيخ مصطفى العدوي

مصطفى العدوي

Полный текст (802 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سكنى المعتدة ونفقتها قال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] أي: عدوا عداً دقيقاً، وفيه دليل على الحساب، ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] فلا يجوز بحال لأي رجل طلق امرأته طلقة رجعية أن يخرجها من البيت كما يفعل بعض الجهلة من أهل زماننا، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، وسيأتي شرح معناها إن شاء الله. ولذلك عبر بقوله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] هنا تظهر النكتة والحكمة في نسبة البيوت إلى النساء، فهي في العدة ما زال البيت بيتها، ولا يحق للمرأة أن تخرج من البيت أو تأخذ ثيابها وتذهب إلى بيت أبيها وبيت أمها، ولا يحل له هو الآخر أن يخرجها. ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] قال بعض العلماء: إنها الزنا -عياذاً بالله- وقال بعضهم: هي البذاءة على أهل زوجها، مثلاً: امرأة متوحشة شرسة تضرب والد الزوج والزوج وأم الزوج، فتحدث مفسدة كبرى إذا كانت بهذه الطريقة الشرسة. وهذا كله في مسألة المطلقة الرجعية، أما المطلقة ثلاثاً التي بُتَّ طلاقها فلا سكنى لها بل تحمل ثيابها وتخرج، إذ هي أصبحت أجنبية تماماً عن هذا الزوج. ويدل لمسألة خروج المطلقة المبتوتة وأنها لا سكنى لها ولا نفقة: حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، لأنها كانت متزوجة برجل من أهل اليمن فأرسل لها بآخر ثلاث تطليقات، يعني طلقها غيابياً من اليمن، وأرسل لها مع وكيله شيئاً من الشعير فسخطته، أي: قالت: هذا قليل. فذهبت هي ووكيل زوجها إلى الرسول ﷺ ، فقال ﵊: (لا نفقة لك ولا سكنى). فأخذ بهذا أيضاً جماهير العلماء، وأبى ذلك أمير المؤمنين عمر ﵁، وكان يقضي بأن كل مطلقة رجعية كانت أو غير رجعية لها النفقة والسكنى، فقال: (لا ندع كتاب ربنا)، وفي رواية فيها كلام: (وسنة نبينا)، قال عمر: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لا ندري أنسيت أم ذكرت) فقالت عائشة: (إنما أخرجها رسول الله ﷺ من بيت زوجها؛ لأنها كانت حادة في لسانها شيء)، يعني: شديدة في لسانها على أهل زوجها. لكن أخذ الجمهور بمقتضى حديث فاطمة بنت قيس في أن المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ولا سكنى، وفريق آخر ومنهم أمير المؤمنين عمر أخذ بأن لها النفقة والسكنى لما سمعتموه. وفريق ثالث كالإمام الشافعي ﵀ فصّل في هذه المسألة فقال: لها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] أما النفقة فليست لها؛ لأن النبي ﵊ ما أقرها على مسألة النفقة. فإتيان المرأة بالفاحشة المبينة يكسبها أشياء، منها: امرأة مثلاً زنت -والعياذ بالله- وهي متزوجة، فللزوج أن يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها، أي: ليسترد منها بعض الصداق الذي أخذته منه: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩]. وتتسبب الفاحشة المبينة أيضاً في إخراجها من البيت إذا طلقت: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [الطلاق:١]. لكن هل ينسحب هذا على رجل حزن أو غاضب زوجته، وقال لها: أنا متعب اذهبي عند أهلك. هل يقال له: اتق الله ربك، ولا تخرجها من بيتها ولا تخرج؟ وهل يقاس ذلك على قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] فلا أخرج الزوجة في لحظة مغاضبة بيني وبينها إلى بيت أبويها؟ وهل نقول: إن النبي ﷺ ألحق عائشة بأبويها في حديث الإفك، هذا بعيد؛ لأن عائشة هي التي قالت: (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي) وليس الرسول هو الذي طردها إلى بيت أبويها. وعندما آلى النبي من نسائه هو الذي خرج، وعندما غاضب علي فاطمة هو الذي خرج ونام في المسجد. وأما الاستدلال بحديث كعب فليس فيه إلا الأمر باعتزال النساء، لكن نقول: إنه لا يجوز له في الأصل أن يخرجها، لكن إن قلنا: إن الرجل استشاط غضباً ويخشى من تواجدها مفسدة أعظم فاخترنا أخف المفسدتين وقلنا: اخرجي حتى يهدأ الرجل. نحن نقول: ليس من حقنا أن نخرجك، ولكن درءاً للشر وللمفسدة العظمى اذهبي إلى أهلك حتى يهدأ الرجل، هل نكون قد أثمنا؟ ربما يقول قائل: يجوز؛ لأن سيدنا إبراهيم ﵇ قال لزوجة إسماعيل ﵇: قولي لإسماعيل أن يغير عتبة الباب، يعني: أن يطلق زوجته. نقول: لا. فالمسألة حتى إذا أخرجها الزوج من باب اختيار أخف الأضرار فهو من هذا الباب، ليس من باب أنه يجوز له أن يخرجها. لكن لا ينصح في كثير من الأحيان بالإخراج، لماذا؟ لأن النساء تبدأ تثرثر في الكلام زوجي ضربني، وكثير من النساء يكذبن ويغيرن في الحديث وتأتي الجارة الشريرة في صورة المتباكية والزوجة قد سكنت فتهيجها. يقال: إن شخصاً ذهب يصالح الأعمش على زوجته، فيقول لزوجته: اصبري عليه فإنه رجل أعمى مسكين لا يرى كثيراً، وجلس يذم في الأعمش كل الذم حتى يزهدها به، فقام عليه الأعمش وضربه وقال: والله ما أتيت لإصلاحها إنما أتيت لإفسادها. فهذا دأب أهل زماننا، تقول لها: اصبري ومع كلمة اصبري عشر طعنات في الزوج فتجعلها تبغض الزوج بغضاً لا نظير له، وقليل من الناس المصلحون والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 422

تأملات في سورة الطلاق [٢] مسألة الطلاق من المسائل المهمة التي أولتها الشريعة اهتماماً بالغاً، ومن الدلائل على أهمية هذه القضية أن خصص الله لمناقشتها سورة كاملة في كتابه العزيز ألا وهي سورة الطلاق، وبالرغم من حساسية هذه القضية إلا أن هذه السورة قد أحاطت بجل أطرافها، وفض الله فيها النزاع بين الطرفين بما يرضي كلاً منهما ويعطيه حقه وافياً.

стр. 423

تفسير الآية الأولى من سورة الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]، أفادت الآية الكريمة: أنه لا يحل لرجل طلق امرأة أن يخرجها من بيته، ولا يحل لها هي الأخرى أن تخرج من هذا البيت، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]. ومن العلماء من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: الزنا والعياذ بالله. ومنهم من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: البذاءة على أهل الزوج. وأثيرت مسألة: من حدثت بينه وبين زوجته مشكلة، وخشي من تواجدها أن تتفاقم وتتصاعد القضية، فهل له أن يقول لها: اذهبي إلى بيت أبيك؛ خشية من حدوث طلاق، أم أن ذلك لا يجوز له؟ ذكرنا أن الأولى أن يخرج هو من البيت، فإن النبي ﷺ لما غاضب نساءه اعتزلهن صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخرجهن هو من البيت، كذلك علي لما غاضب امرأته فاطمة ﵂ خرج ونام في المسجد. ولكن إن استأذنت هي دفعاً للمشاكل وخرجت لبيت أبيها بإذن فلا بأس بذلك أيضاً، وذلك لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك قالت لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي)، فأذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١]، هذا في المطلقة طلاقاً رجعياً، أما المطلقة المبتوتة فليس لها نفقة وسكنى، على رأي جمهور العلماء. ومن العلماء من أثبت لها النفقة والسكنى، وهم قلة؛ منهم: أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، لكن أصحاب هذا الرأي محجوجون بما روته فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ أنه قال لها لما طلقها زوجها فبتّ طلاقها: (لا نفقة لك ولا سكنى). ومن العلماء من أجاز لها السكنى دون النفقة، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] الآية. وهذا يرد على ما يفعله العامة الآن من إخراج المرأة من بيتها لمجرد صدور الطلاق الرجعي، فهذا عملٌ ليس بصحيح وليس عملاً شرعياً، فيحرم عليه أن يخرجها، ويحرم عليها هي الأخرى أن تخرج، وذكرنا أن النكتة في نسبة البيوت إليهن في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، أنها ما دامت في العدة فالبيت بيتها لأنه نُسب إليها. قال الله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] فيجب أن توقر هذه الحدود، ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] أي: لعله يحدث شيئاً وهو رجوع من الزوج إلى زوجته، ولعله يراها بعد أن طلقت فانكسرت ورق لحالها يراها في حاجة إلى مراجعة وإلى عطف وحنان، يراها وقد تعلق بها أبناؤها وبناتها وأنها في حاجة إلى رجعة. وهي الأخرى قد ترى من حاله انكساراً بعد التطليق وأنه لا يستطيع أن يقيم نفسه، ولا أن يطهي، ولا أن يغسل ثياب نفسه، فترق هي الأخرى لحاله فيحدث تراجع منها له، أو لعله يرى منها شيئاً من جمالها يعجبه ويستدرك، وفي الحديث: (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) فيبدأ بالتراجع والتنازل عن شيء من حقوقه. وهي الأخرى كذلك ترى أنها أخطأت، أو أنها ينبغي عليها أن تصبر على زوجها؛ إذ مع مثالبه فله جملة محاسن فتتغاضى عن مثالبه بعض التغاضي حتى تستقيم المعاشرة، أو تكون هناك أمور أخر أجملت في قوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١]. فإذا طلقت المرأة وأُخرجت من بيتها أو خرجت هي من بيتها في العدة؛ عقوبة من الله سبحانه أن يسلط عليها صديقات السوء اللواتي يحملنها على النشوز، وعقوبة كذلك له أن يتسلط عليه أصدقاء السوء من أتباع هاروت وماروت الذين يفرقون بين المرء وزوجه.

стр. 424

حكم الإشهاد على الطلاق قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، فالآية قطعاً ليس المراد بها ظاهرها؛ لأن إذا بلغت المرأة الأجل ولم تحدث رجعة انتهت منه، ولم تعد له زوجة، فالمراد بقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن بلوغ الأجل. ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢]، أي: أرجعوهن إليكم ولا تجعلوا الطلاق يمضي، ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٢] أو اتركوهن حتى تنقضي العدة. وكل ذلك من المعروف. وهذا في الحقيقة يلقي ضوءاً على أخلاق المسلمين التي ساءت كثيراً في هذه الأزمان، فإن الله ما أباح للزوج أبداً أن يمسك إلا بالمعروف، وما أباح له أن يطلق إلا بالمعروف، فليس له خيار في هذا، فإن الله قال: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: ليس لك اختيار في هذا أبداً؛ فإما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان، أما الزوج الذي يحاول الإضرار بزوجته لأنه طلقها؛ فيوقع بها أشد النكال وأشد أنواع التعذيب، فهذا محرم عليه، والله قد قال: ﴿وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧].

стр. 425

لزوم الإشهاد على الطلاق قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] استدل به على وجوب الإشهاد عند الطلاق وعند الرجعة، فقوله: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] أي: منكم يا أهل الإيمان، فلا يجوز لك أن تشهد كافراً، وهل يجوز لك أن تشهد امرأة أو امرأتين على الطلاق؟ أو أن تقول: أشهد أربعاً؛ فالرجل يقوم مقام امرأتين في الطلاق قياساً على الأموال؟ أولاً: في شهادات النساء تفصيل، فشهادات النساء في الأموال مقبولة بالاتفاق كما قال الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وشهادات النساء في الحدود ردها أكثر العلماء، قالوا: لأن الحدود تدفع بالشبهات، والله يقول في شأن النساء: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢] فالضلال شبهة يدفع بها الحد. أما الطلاق والنكاح فجمهور أهل العلم على أن شهادات النساء لا تعتبر فيه، لكن من العلماء من أجازها على أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل. قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] أي: على الطلاق وعلى الإرجاع.

стр. 426

لزوم الإخلاص لله في الشهادة ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] أي: أنتم يا شهود عليكم إقامة الشهادة لا لعرض من أعراض الدنيا ولا لثناء، ولكن الشهادة تقام لله، ولذلك يقول العلماء في الشهادة على وجه الخصوص: كما أن فيها حقاً للعبد ففيها حق لله سبحانه. وشأن الشهادات بصفة عامة يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] أي: شهادتكم لله ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] فلا تشهد لفقير لكونه فقيراً فتقول: هذا ضعيف أشهد له. ولا تشهد لغني لكونه غنياً سوف يعطيك، بل الشهادة تقام على وجهها لله، ولا تراعى فيها العواطف، يقول الله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥] فالله أرحم بهما منكم؛ ليس عليك إلا أن تقيم الشهادة. فعلى ذلك هنا تحول في الخطاب، صورته أن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فهذا خطاب لعموم المطلقين ولأهل النساء، ثم تحول الخطاب إلى الشهداء في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أنتم أيها الشهداء ﴿الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ فهذا يسميه العلماء: التفات في الخطاب، وله صور في كتاب الله، ومنه في سورة الإنسان ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢٢]، فبعد أن حكا عنهم ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان:٢٢] تحول إلى الخطاب (وكان) وكذا قوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢] تحول أيضاً الخطاب. ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق:٢] الوعظ يطلق على التذكير، ويطلق على الزجر كما هو هنا، ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق:٢] أي: يزجر به، أو يذكر به، ﴿مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢] وهذه من ثمرات التقوى، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣] فيفيد أن التقوى سبب في سعة الرزق، والوقوف على حدود الله سبب في سعة الرزق وإن توهم متوهم غير ذلك. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: ومن يكل أموره إلى الله فالله كافيه وناصره وحافظه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن يتخذ الله وكيلاً له فالله يكفيه سبحانه، فهو نعم الوكيل. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق:٣] أي: ينفذ الذي يريده ، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣] أي أن كل شيء له قدر.

стр. 427

عدة الآيسة والصغيرة قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤] كبيرات السن اللواتي انقطع عنهن الحيض إذا طلقن وهن كبيرات السن فلا يعتددن بالأطهار ولا بالحيضات إنما يعتددن بالشهور، قال تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤]. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر، فـ ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] يفهمنا جواز تزويج الفتاة التي دون سنّ البلوغ، وجواز تزويج المرأة التي بها شيء من العيب والتي لا تحيض أصلاً. فمن قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ يستفاد: القول ببطلان هذا القانون المصري الذي يلزم الفتاة أن لا تتزوج، أو يحظر على الفتاة الزواج إلا بعد بلوغ سن السادسة عشرة من عمرها، وهن تحت طائلة القوانين الدولية الباطلة التي تسن في مؤتمرات السكان والمرأة بل ويريدون رفع هذه السن إلى أكثر من ذلك، وهذا كله مما يساعد على تفشي الرذيلة وانتشار الفاحشة. والرسول ﵊ قد تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين ﵊، وعمر تزوج أم كلثوم بنت علي ولا يخفى عليكم مكانها من الصغر، كذلك قال الله ربنا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء:٣] أي: في صداق اليتامى، واليتم يكون قبل البلوغ، إذ لا يتم بعد احتلام، وكل هذه الأشياء تدل على بطلان هذه القوانين الوضعية التي تمنع الفتاة من الزواج حتى تبلغ سناً معينا، ً ألا وهي السادسة عشرة من عمرها. قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ أي: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. هناك عدد أخر تختلف في شأن بعض النساء كامرأة مشركة أسلمت تعتد بحيضة واحدة كما قال النبي ﷺ في سبايا أوطاس؛ فاعتددن بحيضة واحدة. أما المختلعة فهل تعتد بثلاث حيض أو بحيضة واحدة؟ من العلماء من قال: إن المختلعة تعتد بحيضة واحدة. وهذا منقول عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه، وهذا لإثبات براءة الرحم من الحمل. ومنهم من قال: حكمها حكم المطلقة تعتد بالثلاث، والله أعلم. ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ﴾ أي: الحوامل من النساء ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] فهذه الآية خاصة بالحوامل، أي: كل امرأة مطلقة وهي حامل فهل تنقضي عدتها بوضع الحمل أم أنه عام في المطلقات والمتوفى عنهن الأزواج؟ جمهور العلماء على أن المراد في الآية النساء الحوامل سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن الأزواج؛ لأن الله قال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. بينما ذهب فريق من أهل العلم إلى أن أولات الأحمال هنا المراد بهن المطلقات، أما المتوفى عنها زوجها فتعدد بأبعد الأجلين، وما المراد بقولهم: أبعد الأجلين؟ مرادهم أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل ورد فيها نصان: النص الأول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] فهذا في المتوفى عنها زوجها بصفة عامة حاملاً كانت أو حائضاً، وهذه الآية تفيد أن الحامل أجلها أنت تضع الحمل. فلدينا امرأة حامل مات عنها زوجها، تعتد بأربعة أشهر وعشراً؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، أم أنها تعتد بوضع الحمل؟ أما القول بأقرب الأجلين فهذا القول خطأ، لأن هذا القول مقتضاه أنها إذا كانت حاملاً الآن في الشهر الأول فمر عليها أربعة أشهر وعشر وهي ما زالت في السادس يحل لها على هذا القول أن تتزوج. وهذا لا يجوز بحال، فإن الرجل الجديد سيسقي ماءه زرع غيره، فلا يحل هذا بحال وهو من أكبر الكبائر، قال النبي ﵊ لما رأى امرأة مجح على باب فسطاط فقال: (ما شأنها؟ لعله يريد أن يلم بها؛ لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره) أو كما قال ﵊. كذلك إذا وضعت، إذا قلنا: إن المرأة الآن حامل ووضعت بعد يوم واحد من وفاة زوجها، وقلنا لها: قد حللت، ألا يعكر علينا قول الله جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] فلهذا التعكير قال ابن عباس أو علي ﵄: تعتد بأبعد الأجلين، يعني: إن وضعت أولاً ولم يكن قد مضى عليها أربعة أشهر وعشر فإنها تنتظر حتى تمر عليها أربعة أشهر وعشر، وإن مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع فإنها تنتظر حتى تضع، كرأي علي أو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. لكن قد ورد من السنة ما يخالف هذا الرأي، ويبين أن أولات الأحمال مطلقات أو متوفى عنهن الأزواج -بصفة عامة- أجلهن أن يضعن حملهن، وذلك في قصة سبيعة الأسلمية: (فقد توفي عنها زوجها وهي حامل فما لبثت أن وضعت حملها، فجاء أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة للخطاب، والله إنك لا تحلين حتى تمر أربعة أشهر وعشر، فحملت عليها ثيابها وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! زعم أبو السنابل بن بعكك أني لا أحل للخطاب إلا بعد مضي الأربعة أشهر وعشر. فقال النبي ﷺ : قد حللت حين وضعت حملك). فهذا من السنة يفيد أن المتوفى عنهن الأزواج وهن حوامل أجلهن بوضع الحمل. قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. إذا حدث سقط فهل هو بمثابة وضع الحمل؟ قال بذلك فريق من أهل العلم، خاصة إن كان هذا السقط قد تخلق، أي: مرت عليه أربعة أشهر التي هي مائة وعشرون يوماً التي ينفخ فيها الروح: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة) الحديث. ثم قال الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤] فالآيات تفيد فضيلة تقوى الله، وانظر إلى ما ورد من فوائد التقوى في الآيات: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤] فالتقوى مناط خير كثير، ذكر هذه الآيات كلها في الطلاق لأن الغالب في المطلقين أنهم لا يتقون الله، حتى الملتحين الذين يصفون أنفسهم بأهل السنة، هم في الطلاق لا يتورعون، وينسون كل فضل كان بينهم، تجد أخاً ملتحياً ولا يخاف الله فيمن كانت يوماً زوجة له فيهينها، وهي الأخرى تشرده وتشنع عليه -والعياذ بالله- حتى هؤلاء كل يطعن في الآخر، فضلاً عن عامة المسلمين الذين يوشك أحدهم أن يذبح مطلقته، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]. والمرأة هي الأخرى قد تبادر وتقول: مرت علي ثلاث حيض ولا تكون قد مرت، فتكذب، وهذا شيء بينها وبين ربها : ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق:٥] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [الطلاق:٥]، هذا أيضاً في بيان فائدة تقوى الله .

стр. 428

حقوق المرأة وطفلها بعد الطلاق قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٦] أي: على قدر سعتكم. ثم قال: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق:٦] أي: إن كن حوامل ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦] أي: أجر الرضاع إن هي أرضعت لك ولدك. فالذي يطلق امرأته ويتركها تنفق على أولادها وتسعى وتكد من أجلهم آثم؛ فإن الرضاع الذي هو بثدي المرأة واللبن الذي هو من ثديها تؤتى عليه أجراً إذا أرضعت للزوج. قال تعالى: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٦] ﴿وَأْتَمِرُوا﴾ من المؤتمر، أي: تشاور أيها الزوج مع هذه الزوجة التي طلقت منك في شأن الولد الصغير بالمعروف، وابحث أيها الزوج مع هذه الزوجة عن الصالح لهذا الولد، ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق:٦] فهل يفعل ذلك الناس الآن؟ هل يقول: يا أم فلان! تعالي نتفاهم؟ ما هو الأنفع لهذا الولد؟ وما هو الأصلح له؟ لا يحدث هذا في كثير من الأحيان، بل يبتعد الولد عن أبيه وهو يحاول الإضرار بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ [الطلاق:٦] يعني: لم تتفقوا على شيء، وكنت أيها الزوج معسراً بإعطاء الأجر للأم المرضعة ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦] وإن أتى بامرأة أخرى لترضع فهي على حسابه إلا إذا كانت متطوعة. هناك نساء يطلقن بعد وضعهن مباشرة، فهل هؤلاء النساء اللاتي يطلقن بعد الوضع مباشرة ويردن الزواج، هل هن ملومات؟ وهل عليهن تثريب؟ وما قد حدث في هذه البلدة من أن امرأة مات عنها زوجها، وبمجرد انقضاء العدة مباشرة تزوجت، فالناس من أهل البلدة لاموها لوماً شديداً، والأمر أوسع من ذلك، فهي إنما فعلت شيئاً مباحاً لها خشية الوقوع في الحرام، لأن سبيعة الأسلمية لما وضعت ثم اكتحلت وتجملت ما عاب ذلك عليها النبي ﷺ ، والأمر واسع بين المسلمين. أما العادات فإن لم تخالف شرعاً فلا بأس، لكن هذه يقال: الأفضل لها كذا، والأفضل لها كذا هناك مصالح عامة ومصالح خاصة، وكل حال له ما يقتضيه. قال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] أي: على قدر السعة التي لديه، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] أي: ضيق عليه في الرزق، ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فالآية فيها رفع الحرج عن أمة محمد ﷺ . ولقلة الذمم في هذا الزمان أقيمت المحاكم لفض النزاعات، وألزمت الدولة الزوج بنفقة معينة على قدر راتبه أو دخله، فأنت تقول هذا صحيح ويعد من المصالح المرسلة؟ فإذا قلنا للزوج: ادفع ما يجب عليك. قال: هذه عشرة. فلقلة الذمم وخرابها رأت المحاكم أن تقدر دخل الزوج، والقاضي يتحرى في ذلك؛ فيرسل المخبرين وترسل النيابات المخبرين والمباحث للبحث عن حال الزوج، وعن مصادر دخل هذا الزوج؛ ومن ثمََّ يقدرون النفقة. ثم بيّن ربنا سبحانه التحذير لمن يخالفون أمره في الطلاق وغيره ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الطلاق:٨] أي: وكم من قرية، ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق:٨] في الطلاق وغيره؛ فالآية جاءت عقب آيات الطلاق ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق:٨]. ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ [الطلاق:٩] أي: عاقبة تكذيبها. ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الطلاق:٩ - ١٠] وهذه الآيات ذيلت بها آيات الطلاق كما ذيلت آيات المواريث، في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤]، وهنا ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [الطلاق:٩ - ١٠] أي: يا أصحاب العقول! اعتبروا وقفوا عند حدود الله في مسائل النكاح، والطلاق، وعموم الشرع. فهذه القرى قد أهلكت ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:٩ - ١٢] فلا تخفى عليه تصرفاتكم، ولا يخفى عليه أمركم، ولا شيء من شئونكم. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 429

حفظ اللسان اللسان شأنه عظيم وخطره جسيم، فهو سلاح ذو حدين، فقد يستخدمه العبد في الطعن وانتهاك الحرمات والخوض في الأعراض فيكون سبباً لهلاكه وتعاسته، وقد يستخدمه العبد في قراءة القرآن وذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيكون سبباً لنجاته وسعادته.

стр. 430

اعتقاد العباد عبودية الله بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. وبعد: فإن مما يفارق به المسلمون غيرهم من أهل الملل والأديان أن أهل الإسلام يعتقدون اعتقاداً جازماً أنهم عبيد لله بكل معاني العبودية، فهم عبيد لله عبودية كونية قدرية، تجري عليهم أقدار الله وتنفذ فيهم، وكذلك هم عبيد لله عبادة شرعية دينية، فهم ممتثلون لكل ما أمرهم الله به، ومنتهون عما نهاهم الله عنه، فأهل الإسلام يفارقون غيرهم في هذا، فهم لا يعتقدون ما يعتقده غيرهم، فهم عبيد لله في كل شيء، وأئمتهم من الأنبياء وأهل الفضل والصلاح يوصفون ويوسمون بهذه العبودية، فيقول الله عنهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] فوصفهم الله بأنهم عبيد له. وكذلك يقول الله سبحانه عن عيسى ﵊: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف:٥٩]، ويقول الله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١]، ويقول سبحانه عنه كذلك: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن:١٩]، ويقول سبحانه كذلك: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]. فالمسلمون كلهم عبيد لله، عبيد لله عبودية كونية قدرية، وعبودية شرعية دينية، وليسوا بأحرار في أي شيء، بل هم مقيدون في كل شيء بما أمرهم الله به وبما نهاهم الله عنه، ومن ثم تظافرت الآيات لإثبات ذلك، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، ونقول أهل الإيمان في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فليس لنا أن نخرج أبداً عن هدي ربنا لنا، ولا عن هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لنا، بل نحن لله عبيد في كل شيء.

стр. 431

نصوص تبين خطورة اللسان كل جوارحنا معبدة لله ، وليس عندنا في الإسلام ما يطلقون عليه حرية الكلمة، بل هو اصطلاح محدث باطل، فليس لنا في الإسلام حرية الكلمة، فكلماتنا في الإسلام مقيدة، فلا تتكلم كما تشاء وتهوى، بل لك شرع تُضبط به، بل ليس لك في الإسلام أن تفكر كما تريد؛ فإن الله ضبط لنا جوارحنا حتى قلوبنا، قال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وقال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢]، فنحن مقيدون في كل شيء، وعبيد لله في كل شيء. فألسنتا معبدة لله سبحانه، لا يترك لها الزمام والعنان تصول وتجول كيف شاءت، وحديثنا في يومنا هذا عنها؛ فإن النبي ﷺ حذرنا أشد التحذير من ألسنتنا، وقد جاءت نصوص كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ تضبط لنا الألسن، قال الله جل ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣]، فليس لك أن تلغو وتتكلم كما تشاء. ووصف الله أهل الإيمان بقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)، وقال النبي ﵊ كذلك: (من صمت نجا)، وقال: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال ربنا جل ذكره: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]. فهذه نصوص تذم كثرة الكلام، فليس لك تحت شعار حرية الكلمة أن تكثر من الكلام، بل الكثرة من الكلام مذمومة لهذه النصوص، ثم إن الكلمات مسطرة مسجلة، قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، وقال الحسن البصري في تفسيرها: (حتى قول الرجل لامرأته أو لفتاته وجاريته: ناوليني الطعام ما بال الطعام نقص فيه الملح، ناوليني الشراب، فكل هذا يسطر في الصحائف)، وقال سبحانه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر:٥٢ - ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالكل يسطر، والكل يسجل، والكل يثبت. ثم إن من الكلمات كلمات تردي صاحبها في جهنم -والعياذ بالله- وهو لا يشعر، قال النبي ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت يرفعه الله بها درجات، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)، وقد قال النبي ﷺ : (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه -أي: لسانه وفرجه- أضمن له الجنة)، وقال ﵊: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)، وقال صلوات الله وسلامه عليه لـ عائشة لما تكلمت بكلمة في شأن صفية بنت حيي ﵂ مشيرة بيدها إلى قصرها:: (لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته). فكثير من الكلمات تردي صاحبها في جهنم وهو لا يشعر، وكثير من الكلمات تحبط أعمال قائلها وهو لا يشعر، إذ يكون الرجل مصلياً صائماً ذاكراً لله كثيراً فيتكلم بكلمات تذهب بثواب الصلاة وبثواب الصيام وبثواب الذكر، خاصة تلك الكلمات التي فيها اعتراض على الشرع، وتلك الكلمات التي فيها تجريح للأشخاص وخوض في أعراضهم، فهي كلمات لا تدمر من قيلت في حقه فحسب، بل تدمر القائل كذلك، وتدميرها للقائل أشد من تدميرها لمن قيلت فيه. فإن رب العزة سبحانه يقول في كتابه: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦]، ومطلع هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور:٢٣ - ٢٥] ثم جاء قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور:٢٦]، ومعنى (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ) على رأي جمهور المفسرين: أن الكلمات الخبيثة تصدر من الأشخاص الخبيثين، والكلمات الطيبة تصدر من الأشخاص الطيبين، فالطيبون لا يصدر منهم إلا كل طيب، ولا يصدر منهم الشر، والخبيثون يصدر منهم التجريح، ويصدر منهم التشهير، وتصدر منهم الفضائح، فهم بها أولى وهي بهم أليق. فالمسلم عليه أن يحفظ لسانه فيما يتعلق بأعراض المسلمين، وقد ثبت في نصوص عدة عن النبي الأمين محمد ﵊ ما حاصله وفحواه أنه يجب على المسلم وجوباً أن يستر أخاه المسلم، إلا فيما دعت الضرورة إليه، كاستفتاء أو استنصاح، لكن ما سوى ذلك يجب على المسلم أن يستر أخاه المسلم، فإن هو فعل ذلك ستره الله في الدنيا والآخرة، وإن هو لم يفعل تتبعه الله حتى يفضحه في قعر بيته، قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)، وفي الحديث الآخر: (ومن تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه في قعر بيته)، أو كما روي عن رسول الله ﷺ ، وقواعد الشرع لذلك شاهدة، وهي تشهد لشيء ألا وهو أن الجزاء من جنس العمل، فمن ستر المسلمين ستره الله، ومن فضح المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضح.

стр. 432

الإعراض عن كثرة الكلام والاشتغال بالذكر لذلك جدير بكل مسلم وحري بكل مسلم أن يمسك لسانه؛ فإن كثرة الكلام تجلب سخط الرب عليه، إذا كان فيه تعلق بالأعراض وانتهاك للحرمات. وكثرة الكلام وكثرة الخوض شأن الثرثارين الذين سقطت هيبتهم وذهب وقارهم، فالثرثار الذي يتكلم كثيراً ساقط الهيبة ذاهب الوقار، قال النبي ﵊: (وإن من أبغضكم إليَّ الثرثارون المتشدقون المتفيقهون)، والثرثار: هو كثير الكلام، كما فسره جمهور العلماء. فيا عبد الله لا تتكلم كثيراً، ولا تخض في الأعراض، فاللغو مسطر عليك في صحائفك، مسود لتلك الصحائف، فلا تكثر الكلام بغير ذكر الله، وانظر إلى حال أهل الفضل وحال أهل الصلاح شُغلوا بالذكر عن قيل وقال، وشُغلوا بالذكر عن الخوض في الأعراض، فلا يصدر منهم إلا كل طيب، فيغنمون الغنائم بذلك، كما قال الرسول ﵊: (الكلمة الطيبة صدقة)، فشُغلوا بالقول الطيب لما علموا أنه يصعد إلى الله فتفتح له أبواب السماء، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، فالكلم الطيب يصعد إلى ربنا سبحانه، والله سبحانه يرفع العمل الصالح إليه. فجدير بك -يا عبد الله- أن تطيب لسانك دائماً بذكر الله وبطيب الكلام، وقد رأينا أقواماً يفترض فيهم الصلاح تركوا ذكر الله، وتركوا تلاوة القرآن، فاتجهوا إلى الخوض في الأعراض وأنساهم الشيطان ذكر الله لما شُغلوا بتتبع عيوب الناس والوقوف على عوراتهم، وقد قال الله سبحانه في شأن أهل الكفر الذين اقتبس كثير من المسلمين منهم بعض الأخلاق الرذيلة: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١١٠]، فلما اتخذ قوم آخرين سخرياً أنسوهم ذكر الله، وحينئذٍ شغلوا بعيوب الناس عن عيوب أنفسهم، كما قال الرسول ﵊: (يبصر أحدكم القذى في عين أخيه وينسى الجذع في عينه)، فنسي أقوام تهذيب أنفسهم، ونسي أقوام تلاوة كتاب ربهم، ونسي أقوام ذكر الله، فأوقعهم الشيطان في حبائله، وأوقعهم في القيل والقال، وفي انتهاك الأعراض، وفي تتبع العورات والعياذ بالله. فجدير بنا -معشر المسلمين- أن نقف مع أمر الله لنا، وأمر حبيبنا محمد ﵊ لنا، ولننشغل بالذكر، ولننشغل بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر كما علمنا إياه رسولنا محمد عليه أفضل صلاة وأتم سلام، ولننشغل بذلك عن تتبع العورات وعن فضائح المسلمين، فرطب اللسان بذكر الله حتى تبيض صحائفك يوم القيامة فترتفع درجاتك، وهذا هو فيصل ما بين أهل الإسلام ومن أطلق عليهم الديمقراطيون، وهم الكذابون البعيدون عن الإسلام، فنحن في الإسلام ليس لنا الخيار، إنما نحن في الإسلام عبيد لله، لا نخوض بالألسن كما نحب، ولا نتطاول بالألسن كما نشتهي، بل لنا دين ولنا شرع يوجهنا، ولنا نبي يعلمنا ويأمرنا وينهانا، فلا يسعنا أبداً بحال من الأحوال الخروج عن هذا الدين إلا -عياذاً بالله- إذا كفر شخص، نسأل الله الثبات حتى الممات.

стр. 433

الأثر الناتج عن استشعار العبد رقابة الله يجب علينا -معشر الإخوان- أن نقف مع أنفسنا ونسألها: ما هو الحامل لنا على الخوض بألسنتنا فيما لا يعنينا؛ فقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)، ولنسأل أنفسنا كذلك: هل نحن من أهل الامتثال بتعليم نبينا ابن عمه الحبر الكريم عبد الله بن عباس حين علمه فقال له: (احرص على ما ينفعك)؟ وهل نحن نحرص دائماً على ما ينفعنا؟ وهل حرصنا على النافع، أم حرصنا على التمزيق وتشتيت الأعراض وانتهاك الحرمات؟ فكلٌ منا عليه أن يقف ويسأل نفسه: ما هو الحامل لي على إطلاق العنان للسان بالكلام؟ إذ قد رأينا في كتاب الله أن الرقابة علينا شديدة، ولكن من ينسى مراقبة الله له لابد أن يقع في الزيغ والضلال، ومن يقل يقينه ويضعف إيمانه برقابة الله عليه تشرد منه الشوارد، وتخرج منه الأوابد والمهلكات، ففي كتاب ربنا تختم مئات من الآيات -بل إن شئت قلت الآلاف- بمراقبة الله لك. كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) فهذه الفقرة ختمت بها عشرات الآيات، فالله سميع يسمع كلامك، ويرى مقامك، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فيه أن الله يعلم أقوالك خبير بأفعالك، وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) فيه نفس المعنى، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] ما يفيد أن الله يعلم أحوالك، وفي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] ما يدل على هذا المعنى، وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١] وهي تسر بالحديث إلى رسول الله ﵊، ما يشعرك بأن الله سبحانه يسمع كلامك، ويرى مقامك، ويطلع على ما في نفسك، وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، والسؤال عنه يتأتى يقيناً بعد معرفته، والفؤاد: هو القلب. فالله يعلم ما فيه القلوب، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولو قرأت سورة واحدة من كتاب الله لظهرت لك فيها مئات من المعاني كلها تدل على إحكام مراقبة الله عليك، فهو رقيب عليك، وهو حسيب عليك، فهو رقيب حسيب ، فما بالك تطلق للسان الفنان في الكلام، وما بالك تطلق للقلب الوساوس والشكوك والظنون، فالله سبحانه عنده السر كالعلن، فعنده سبحانه السر الذي في قلبك كالعلن البادي من لسانك، فكله عند الله سواء، ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فإذا كان ذلك كذلك فاترك ما لا نفع فيه لك، واترك الخوض في الأعراض، واترك التشهير بالمسلمين، وأمسك عليك لسانك، كما قال رسول الله ﷺ .

стр. 434

آثار فضول الخلطة والمجالسة لا تكثر من المجالسة مع الناس؛ فإن فضول المجالسات من ورائها الشرور، وطول المجالسات مع الناس حتى مع الزوجات والأولاد يجرك إلى الإثم، ويجرك إلى القيل والقال، ألا ترى إلى الصحابي الكريم حنظلة لما خرج ذات يوم يشكو أمره إلى رسول الله، فقد خرج من البيت منكراً لقلبه لا يرضى عن حال قلبه، فلقيه أبو بكر فقال: إلى أين يا حنظلة؟ قال معترفاً ومقراً بذنبه: نافق حنظلة قال له: ولم ذاك؟ قال: يا أبا بكر: نكون عند رسول الله ﵊ فيحدثنا عن الجنة والنار كأنها رأي عين، فإذا خرجنا ورجعنا إلى بيوتنا عافسنا الأزواج، وعافسنا الضيعات والأولاد، فنسينا كثيراً مما ذُكرنا به. فقال أبو بكر: وأنا والذي نفسي بيده، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: (والذي نفسي بيده لو تدومون على ما أنتم عليه عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن -يا حنظلة - ساعة وساعة) فيا ليتنا وقفنا مع حديث رسولنا ساعة وساعة، ولكننا أضعنا الساعات كلها مع الأهل والأصدقاء والخلان والأقارب، ولم نترك ساعة نخلو فيها بربنا نعترف له بذنوبنا، ونرجع إليه من معصية اقترفناها. فيا عبد الله: فضول المجالسة وفضول المخالطة تجلب لك هموماً، وتجلب لقلبك قسوة، فلا تضييع كل وقتك مع الناس في المجالسات، بل عليك أن تخلو بربك أحياناً طويلة، فهذا شأن الأنبياء وأهل الفضل والصلاح، وكل كان يفعل ذلك، كل كان يتفرغ ويفرغ شيئاً من وقته لمناجاة ربه ولمراجعة ذنبه، فالخليل إبراهيم اعتزل قومه اعتزالاً، ومريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، ورسولنا محمد حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وفي حديث رسولنا محمد ﵊: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه). ألا فلتخلون بنفسك مع ربك، واذكر قول القائل: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب فاخل بربك، واستغفر ربك إنه كان غفاراً، ودعك من كثرة المجالسات مع الناس، وجالس الكتاب العزيز، وجالس سنة النبي محمد ﵊، فقد تندم كثيراً على كلمة تكلمت بها مع البشر، ولكنك يقيناً لن تندم إذا تلوت آية من كتاب الله، ولن تندم إذا قرأت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ألا فاغنموا السلامة يا عباد الله، واسألوا ربكم أن يهديكم لأحسن الأخلاق.

стр. 435

حق الجار حثنا الله سبحانه على كل ما فيه خيرنا وصلاح أمرنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، ومما وصانا الله به: أن نحسن إلى الجيران سواء أكانوا من الأقارب، أو من عامة المسلمين، أو من غير المسلمين، وقد استمرت الوصية بالجار من جبريل ﵇ لنبي الله صلوات الله وسلامه عليه حتى ظن أنه سيورثه، وما ذاك إلا لعظم حق الجار في الإسلام.

стр. 436

تعظيم الشرع لحق الجار باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فمن الحقوق التي ضيعت -يا عباد الله- حق الجار، فحق الجار قد ضاع عند كثير من الناس؛ بل عند كثير ممن يرتدون ثياب الصلاح، ضاعت عندهم حقوق الجار، ولا يخفى على هؤلاء أن رب العزة أوصى بالجار، وأوصى جبريل بالجار، وأوصى رسول الله ﷺ بالجار، قال الله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] أي: الجار القريب، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] أي: الجار الذي لا تربطك به قرابة، أي: أحسنوا -يا عباد الله- إلى الجار ذي القربى، وإلى الجار الجنب الذي ليس بقريب، أحسنوا إليهما معاً، وقال الرسول ﵊ مبيناً وصية جبريل بالجار: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) أي: سيكتب له نصيباً من الميراث كنصيب الأم، أو نصيب الأخ، أو نصيب الأخت، أو غير ذلك. وقال ﵊ حاثاً للأمة على ذلك: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)، وفي رواية: (فليكرم جاره)، وقال ﵊: (لا يمنعنّ جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) هكذا علمنا رسول الله. وحذر النبي أشد التحذير من خيانة الجار، وعدم الإحسان إليه، قال ﵊: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) يقسم النبي ثلاثة أيمان بالله أنه لا يؤمن، (قيل: من يا رسول الله؟)، من هو هذا الذي أقسمت ثلاثة أيمان أنه لا يؤمن؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه). وعدَّ النبي ﵊ خيانة الجار في أهله من أكبر الذنب، ومن أعظم الذنب، سئل النبي ﵊: (أي الذنب أعظم يا رسول الله؟! قال: الإشراك بالله، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)، فخيانتك للجار في أهله من أعظم الذنب، وترصدك وتجسسك على جارك من أكبر الحرمات.

стр. 437

الجار القريب أعظم حقاً من البعيد يا عبد الله! اتق الله في جارك، خاصة إذا كان جاراً تربطك به قرابة، شخص يسكن في بيت فيه أمه وأبوه، يدخل البيت إلى أولاده ومعه الفاكهة، معه العنب، معه اللحم، معه أنواع الفاكهة، ولا يجعل عند نفسه بعض الدم، ولا جزءاً من الحياء، فيمر بأمه ولا يعطيها شيئاً من الطعام، ولا شيئاً من الشراب، أي جفاء أشد من هذا الجفاء؟! وأي غلظة أشد من تلك الغلظة؟! قطيعة للوالدين، وعدم إحسان للوالدين، وعدم إحسان للجيران. أمك وأبوك اللذان أفنيا عمرهما لراحتك، وسهرا على مرضك وعلى بكائك، وكانت أمك تمسح الأوساخ عنك، وحينما تشب وتكبر وتتزوج تؤثر زوجتك عليها! تأتي بالطعام لزوجتك وتخفيه عن أمك! ولا تستحي من الله! تخفيه تحت الثوب! وتسرع في الصعود إلى زوجتك! وأمك العجوز الكبيرة محرومة ليس لها بعد الله إلا أنت، وتفعل معها هكذا! أنى يبارك لمثلك إذا كنت على هذه الحال من الدناءة والطمع والجشع والأنانية! ماذا ستستفيد إذا أكلت عنقودين من العنب؟! كل واحداً وأعطِ أمك واحداً، قد يمرضك هذا الثاني إذا أدخلته بطنك، قد يسبب لك المغص والتلوي، فتصدق عن نفسك بجزء لوالديك، أو لوالدك أو لوالدتك، فلا تكن جلفاً جافياً غليظا ًيا عبد الله! فإذا كان الجار من ذوي القربى؛ فحقه من أعظم الحقوق، لاسيما إذا كان الجار والداً أو والدة، وكيف تطيب لك نفس أن تجلس أنت وزوجتك تضحكون وأنتم تأكلون، وأمك المسكينة وأبوك -الذي هو على حافة القبر وعلى شفير الموت- يجلس حزيناً لرؤيته أنك صعدت إلى أولادك وتركته، ويجلس حزيناً عندما يراك تتخفى وتستتر وتطلع مسرعاً على السلم حتى لا يراك؟! يا عبد الله! اتق الله في نفسك، راقب الله، فالرب قادر على أن يقنع أبويك، وقادر على سحب النعمة منك، وإبدالها عذاباً عليك، فاتق الله في جيرانك، ولا تؤذ جيرانك، قال النبي ﵊: (يا نساء المسلمات! لا تحقرن جارة جارتها، ولو فِرْسِنَ شاة) أي: ولو حافر شاة وهو ما بين ركبة الشاة إلى الحافة، وهو من البقر بمنزلة الكوارع، فلا تحقرن جارة جارتها ولو أن تهدي لها مثل هذه الهدية الحقيرة.

стр. 438

الحذر من الزوجة إذا صدت زوجها عن الإحسان إلى الأقارب والجيران لا تغلبنك زوجتك إذاً -أيها العبد- وتحثك على العقوق، ولا تعلمنك الزوجة البخل على الوالدين، وعلى الجيران، وعلى الأرحام، فأنت القوّام على البيت، والمرأة ناقصة عقل ودين، فلا تكن تلك ناقصة العقل والدين تغلبنك على الخير، وتصدنك عن الخير، ولا يهمها منك إلا بطنها وفرجها، هذه المرأة التي على هذه الشاكلة من الطمع والجشع والأنانية لا ينبغي أن تغلب رجلاً حليماً على جيرانه وعلى بنيه، قال النبي ﵊: (إذا طبخ أحدكم لحماً فليكثر المرق وليتعاهد الجيران) فأكثر المرق وتعاهد الجيران، وماذا يمنعك أن تأتي يوماً باثنين كيلو فاكهة، وتمر على بيت الجيران، أو على شقة الجيران، وتقول: خذ يا ولد يا محمد! أو يا ولد يا إبراهيم! أو يا بنت يا فلانة من الأطفال، خذي هذا، تضحك وتقسم عليها أن تأخذه، ماذا يضرك؟ هذا في الدنيا سيدفع عنك شروراً، وعلى الأقل شرور الجار الذي يتربص بك، فإذا وجد منك الجار هذا الكرم، فماذا عساه أن يفعل معك؟ هل تظن أن جارك سيجدك كريماً ويؤذيك؟! لا أظن ذلك في الغالب إلا من غلب عليه الشقاء والعياذ بالله، فالشأن أن الإحسان يجازى بالإحسان.

стр. 439

حرمة إيذاء الجار ولا ينبغي لك في البيت أن تؤذي الجار فتأتي بمذياع أو مسجل يبث الفسق والدعارة؛ فتؤذي به الجار ليلاً ونهاراً، وأنت الآخر لا يليق بك أن تشكو جارك إلى الشرطة الذين لا يرقبون فيه إلّاً ولا ذمة، وتنتهز أي خطأ، وتشكوه إلى الشرطة. والجيرة لا تقتصر على البيوت، بل في المسجد، فلا ينبغي لك أن تؤذي جارك ولو برفع صوتك بالقرآن، قال النبي ﵊: (كلكم مناجٍ ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة)، وهذا في المسجد الذي هو بيت الله، والعبادة التي تتقرب بها إلى الله لا ينبغي أن تؤذي بها الجار في المسجد، إذا جلست في المسجد وأخوك يقرأ القرآن، فاخفض صوتك وليخفض صوته؛ حتى لا تشوش عليه، ولا تأت إلى المسجد وأنت آكل للثوم أو البصل فتؤذي جيرانك، ولا تأتِ إلى الجار في السيارة وتدخن السيجارة فتؤذيه، فأنت إذا آذيته تأثم، فلا تشرب السيجارة؛ فتضر نفسك وتضر جليسك الذي بجوارك. ولا تؤذ مؤمناً في العمل، ففي الأعمال أحقاد بين أهل الوظائف مع أنهم جيران، فالعامل الموظف معك في الوظيفة جار لك، فكونك تذهب إلى رئيسك في العمل، فتشي به وتكيد له؛ حتى تترقى وتأخذ درجة أعلى ما هذه الدرجة؟ ماذا عساك أن تفعل إذا غمست في دركات النار؟ ماذا عساها أن تفعل لك الدرجة الثالثة أو الدرجة الرابعة أو الخامسة وأنت داخل القبر؟ لن تنفعك الإدارة، ولن تنفعك الدرجات، ولن ينفعك الرياء داخل القبر، ولن ينفعك فيه منصبك ولا جاهك. فاتق الله في جارك في الوظيفة، وفي جارك في السفر، وفي جارك في البيت، وفي جارك في العمل، فتلك وصية نبيكم محمد ﵊، بل تلك وصية الله لنا في آية الوصايا العشر: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء:٣٦]، إلى قوله ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦]. إخوة أفاضل ملتحون يخرج أحدهم من بيته إلى المسجد لعبادة الله، يمر على جاره ولا يلقي ﵇، فتخاطبه فيقول: يا هذا! اتركهم، إنهم كذا وكذا، ويختلق مائة عيب؛ حتى يبرر لنفسه ما ذهب إليه من مذهب، والعياذ بالله!

стр. 440

حق الجار الكافر والجار وإن كان كافراً فله حق، قال القرطبي وغيره من أهل العلم ﵏: أطلقت الآيات وأطلقت الأحاديث الجار ولم تقيده، قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] ولم يُذكر الجار المسلم فقط، فعمت الآية ولم تخص، وقال النبي ﵊: (ما زال جبريل يوصيني بالجار)، فعمّ ولم يخص، لم يخص جاراً مسلماً من جار كافر، فللجار حق فأده إليه، سلم عليه، عده إذا مرض، اسأل عنه إذا غاب، هكذا كان رسولنا ﵊ يفعل.

стр. 441

الضرائر جارات والجيرة أيضاً تنسحب على الضرائر من الأزواج، فهن جارات، قال عمر لـ حفصة: ولا يغرنك إن كانت جارتك -يريد عائشة - هي أضوأ منك وأحبُّ إلى رسول الله ﵊ منك. فالجيرة عامة، وليست بخاصة، فراقب الله فيها، فتلك أصول من أصول ديننا، تلك مراتب من الإيمان عالية، تلك منازل من أعمال البر راقية، فاحرص عليها يا عبد الله! لا تهتم فقط بسنن هي أدنى من هذه السنن، بل احرص على العمل بجميع السنن، احرص على العمل بكبير السنن وصغير السنن، وبكل الوارد عن رسول الله ﵊. سلوا ربكم أن يهديكم لأحسن الأخلاق؛ فلا يهدي لأحسنها إلا هو، وسلوه سبحانه أن يصرف عنكم سيئها؛ فلا يصرف عنا جميعاً سيئ الأخلاق إلا هو . اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها؛ لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم اجعلنا من الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، أهل البر والإحسان، يا رب العالمين! واختم لنا بخير، واجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. اللهم اجعلنا من الذي جاءوا بالصدق وصدقوا به، واجعلنا من المتقين. وصلِّ اللهم وَسَلَّمَ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 442

دروس وعبر من قصة يوسف إن الابتلاء من سنن الله التي لا تتبدل ولا تتغير، ويكون عظم الابتلاء على قدر عظم منزلة المبتلى عند الله، ومن القصص القرآني الوارد في الابتلاء قصة يوسف ﵇ وما لقي من الظلم على يد إخوته في صباه، وما لقيه من السجن في شبابه بسبب كيد امرأة العزيز، وقد جاءت هذه القصة تسلية لنبينا صلوات الله وسلامه عليه وتثبيتاً له.

стр. 443

صبر المؤمن في الضراء وشكره في السراء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠] * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. وبعد: فما زلنا مع سيرة نبي الله يوسف ﷺ ، نستمد منها الإيمان، والأدب، والحلم، والوقار صلوات الله عليه وسلامه وعلى نبينا محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أجمعين. فَسّر نبي الله يوسف للسجينين رؤياهما، ثم: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، هكذا قدّر الله ، وكما هو معلوم لدى أهل الإيمان أن قدر الله للمؤمنين خير إن هم رضوا بهذا القدر، قال النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء فشكر فكان خيراً له)، فهذا حال المؤمن أمام النعم وأمام الابتلاءات، إن مرض حمد الله فأثيب، وإن رُزق حمد الله فأثيب كذلك، وهذا أمر المؤمن الذي يتعجب منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن القضاء الشرعي الديني والقضاء الكوني القدري في كل منهما للمؤمن خير، وهو إن امتثل للقضاء الشرعي الديني بامتثال الأوامر التي أمر بها والانتهاء عن النواهي التي نهي عنها فله في ذلك خير، وإن جهلنا الحكمة التي وراءه. قال النبي ﷺ : (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش يقع فيها، وأنا آخذ بحجزكم أن تتساقطوا في النار)، أي: أننا لخفة عقولنا ولجهلنا بعواقب الأمور ومآلها كالفراش، فالفراش مشهور بالطيش وخفة العقل، يرى النار الموقدة يحسبها نوراً فيأتي إليها فيحترق، ونحن كذلك نرى الشهوات فإذا أقدمنا عليها وقعنا في جهنم والعياذ بالله! ونبينا يأخذ بحجزنا وأحزمتنا كي لا نتساقط فيها، ونحن نجادل ونفر من رسول الله ﷺ حتى نقع في هذه النار ونحن لا نشعر، فنظرنا قاصر. وكما قال النبي ﷺ : (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: والله يا رب، لا يسمع بها أحد من الخلق إلا دخلها أو عمل لها، ثم حفها بالمكاره، فقال لجبريل: يا جبريل! فانظر إليها، فذهب ينظر إليها ثم رجع، فقال: يا رب، والله لا يسمع بها أحد -أي: بعد هذا- إلا فر منها، ولما خلق الله النار، قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر، فقال: والله لا يا رب! لا يسمع بها أحد إلا فر منها، ثم حفها بالشهوات، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: والله يا رب -بلفظ قريب- لقد خشيت أن يدخلوها جميعاً)، فالنار محفوفة بالشهوات، والنفس تواقة إلى هذه الشهوات، فإذا امتثلنا أمر الله وأمر رسوله ﷺ الذي به أمرنا نجونا ولله الحمد وإن خفيت علينا العلل، وكذلك إذا رضينا بقدر الله الذي قدره علينا رغم أنوفنا فلله الحمد؛ نكون قد سلمنا وغنمنا وارتفعت درجتنا، ولكن هذا وذاك كلاهما مقيد بقيد طاعة الله ورسوله، أي: بأن نكون مطيعين لله مخلصين له الدين، فإن أصبنا بابتلاءات ونحن عصاة فهذه الابتلاءات تكون نقماً والعياذ بالله! الشاهد: أن الصديق يوسف ﷺ أراد أمراً وأراد الله أمراً آخر. قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢]، فالسجن بؤسه شديد والعياذ بالله! والسجن لا يتحمله إلا الصابرون؛ فقال: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف:٤٢]، راجياً بذلك الخروج من السجن، ولكن لم يرد الله له ذلك في ذلك الوقت، ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، هذا قضاء الله وقدره، وربنا ليس بغافل عن يوسف وعن الهم الذي أصيب به، ولا عن الكرب والنكد والهم الذي يعانيه يوسف ﵊. ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢]، والأمور يدبرها ربنا، فهو الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وله ملائكة يدبرون الأمر بإذنه، وقد اقترب الفرج وأراد الله ما أراد من إنجاء نبيه يوسف ﷺ بعد أن نال من الحسنات ما نال بصبره على هذا البلاء الطويل في السجن من أجل عفته وطهارته ونقائه، فالهم الذي ينزل بالشخص يثاب عليه الشخص إن هو رضي بقضاء الله وقدره، قال النبي ﵊: (ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلا حط الله بها من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها)، في رواية: (حتى الهم يهمه)، فالهموم والأحزان لها ثواب إن صبرنا واحتسبنا.

стр. 444

تأويل يوسف لرؤيا الملك غنم يوسف ﵊ من الحسنات ما غنم، ثم أراد الله نجاته، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:٤٣]، فالله أرى الملك هذه الرؤيا لحكمة، فالذي يدبر الأمر هو الله، وهذا يستفاد منه أن الفرج يأتي من حيث لا تحتسب، فإن رؤيا رآها شخص في منامه كانت سبباً في تفريج كرب شخص وهو لا يشعر. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف:٤٣]، سبع بقرات سمان وفي جوارها سبع بقرات ضعاف هزال نحاف، فإذا بالسبع الضعاف النحاف يأكلن السبع السمان، فهذا أمر على غير المعتاد، فالمفترض أن البقرة السمينة هي التي تعتدي على الضعيفة الهزيلة، ولكن الأمر على غير ذلك، فلفت نظر الملك ذلك، قال تعالى: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾، قال بعض أهل اللغة، الأصل: أن السبع الآكلة هي التي تتقدم بالذكر: إني رأيت سبع بقرات هازلة تأكل سبعاً سمينة، لكن قدمت السبع السمان لعلة فهم منها ما فهم يوسف عليه الصلاة السلام. ﴿إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف:٤٣]: هذه رؤيا غريبة من الملك استحوذت على قلبه وعقله وكل فكره، وكونها تستحوذ على قلبه وعقله وكل فكره فهذا من الله، فقد نرى رؤيا وتمر مروراً عابراً، لكن هذه رؤيا عظمها ربنا سبحانه عظمها وعظم شأنها عند هذا الملك، فلم يهدأ للملك بالٌ ولم يستقر له حال حتى يقف على أمر هذه الرؤيا، فقال للملأ: (يا أيها الملأ) أي: يا أيها الأشراف يا رجال الدولة يا أيها السادة يا أهل الرأي والمشورة ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:٤٣]. فقالوا مقولة أهل الجهل، فالجاهل دائماً يتلقن تحت أي ستار. ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ﴾ [يوسف:٤٤]، وكان من اللائق أن يقولوا: الله أعلم. وأن يكلوا العلم إلى الله ، فلا يضربوا سريعاً بالغيب ويقولوا: أضغاث أحلام، وقد قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (الرؤيا على ثلاثة أنحاء: حديث للنفس، ورؤيا من الله، وحلم من الشيطان يخوف الله به أولياءه، أو تهاويل وتخاويف من الشياطين). قالوا أضغاث أحلام، أي: أغلاط، وليست من الرؤيا الحقة في شيء، فلا تقف عندها ولا تفكر فيها. ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف:٤٤ - ٤٥]، أي: أنه تذكر يوسف ﷺ إذ هو الذي فسر له الرؤيا التي فيها نجا. قال تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف:٤٦] المفهوم من السياق: أنهم آكدوا له في الذهاب إلى يوسف، فدخل قائلاً مثنياً على يوسف ﵇: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾: وفيه جواز الثناء على الأشخاص بما هو فيهم، إذا لم يكن يقطع الثناء أعناقهم. ((يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ)) أي: يا كثير الصدق، ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٦]. فتكلم يوسف مفسراً الرؤيا مباشرة ولم يعاتب هذا السجين بقوله: لمَ لم تذكرني عند ربك؟ لأنه نبيٌ يعرف أن الأمور مقدرة، فلم يقف وقفات طويلة ينتقم بها من السجين، ولم يطلب أجراً لتعبير الرؤيا فهو نبيٌ كريم ﵊! ولم يطلب خروجاً من السجن أيضاً، وقال: أنا أذهب إلى الملك فأعبر الرؤيا أمامه بنفسي، كلا وحاشاه ﵊، ولم يدعه مرة ثانية إلى التوحيد بعد أن دعاه وفصل فيه من قبل، فهذه الدعوة حينئذٍ قد تكون بمقابل، فقد قدم من النصح ما فيه كفاية من قبل. ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: متتابعة متواصلة تثمر فيها أرضكم، ثم أرشدهم إلى العلاج بلا طلب منهم، قال لهم: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ هذا ليس من تأويل الرؤيا، إنما هو علم زائدٌ أفادهم به يوسف ﷺ . قوله: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف:٤٧]، ليس من الرؤيا، إنما هو من التدبير والوقاية، فكما يقول أهل العلم وأهل الأصول: فيه جواز إجابة السائل بأكثر مما سأل إذا كان ينتفع بالجواب، وأخذ العلماء ذلك من مجيء فاطمة بنت قيس إلى رسول الله ﷺ ، تستشيره فقالت: (يا رسول الله! إن معاوية وأبا جهم خطباني فأيهما أتزوج؟ قال ﵊: أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، ولكن انكحي أسامة بن زيد) وهناك أدلة متعددة على جواز إجابة السائل بأكثر مما سأل إذا كان فيه نفع للسائل وليس فيه ضرر على أحد. فقال يوسف: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف:٤٧]، هذه هي السبع السنوات الخصاب التي هي السبع البقر السمان، ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ [يوسف:٤٧]، أخذ العلماء من هذه الآية طريقة من طرق الادخار، وهي إبقاء الحب في السنبل ليبقى سنوات طويلة، فالحصاد يبقى سنوات متعددة إذا بقي الحب في السنبل. قال تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف:٤٧]، أي: اتركوه في سنبله ولا تحصدوه. قال تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: إلا على قدر الحاجة للطعام فقط، والباقي تبقون عليه في السنبل. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف:٤٨]، وهن السبع العجاف، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يأكلن المدخر كله. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف:٤٨]، (مما تحصنون) أي: مما تدخرون للبذر في الأرض مرة ثانية. ثم أضافهم يوسف علماً ليس بالرؤيا، فقال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ [يوسف:٤٩]، فهذا لم يره الملك في رؤياه، وإنما رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، ورأى سبع سنبلات خضر وآخر يابسات، ولم ير العام الذي فيه يغاث الناس، لكن فهم يوسف ﵇ أن بعد السبع العجاف فرج ورخاء بما علمه الله، فقال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ أي: يأتيهم الغيث واسعاً كثيراً، ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف:٤٩]، لدرجة أن العنب يثمر ثمراً زائداً، ويبدأ الناس في عصره لصنع الخمر مرة ثانية، فكان الخمر مباحاً آنذاك، بل كان الخمر مباحاً في صدر الإسلام إلى أن نزل تحريم الخمر على رسول الله ﷺ ، فقد امتن الله بذلك على هذه الأمة في صدر الإسلام، فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧]، إلى أن نسخ هذا الحكم.

стр. 445

ظهور براءة يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]، فطلبه الملك ولم يرد يوسف أن يخرج إلا بريئاً ﷺ ، وهذا فيه دليل على أن الإنسان يدفع الشبهات عن نفسه، ولا يعتقد أنه بدفع الشبهة أنه ناج، بل الذي ينجي هو الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، دفع الشبهات إنما هو من باب الأخذ بالأسباب فقط، وإلا فقد تثبت الشبهة عند دفعك لها، ولكن تعلمنا من نبينا ﵊ أن ندفع الشبهات عن أنفسنا مع اعتقادنا أن البريء من برأه الله. فالنبي ﷺ : (عندما مر به رجلان من الأنصار وهو واقف مع صفية بنت حيي زوجته يكلمها عند باب المسجد، فلما رآه الأنصاريان أسرعا المسير فناداهما رسول الله ﷺ ، وقال لهما: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي، قالا: سبحان الله؟ وهل نشك فيك يا رسول الله؟ قال ﵊ معلماً لهما وللأمة كلها: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو قال: شراً). فقد يحملك الشيطان على الوقوف مع امرأة في مكان خفي، أو يحملك الشيطان على الذهاب إلى امرأة زوجها غائب أو مات عنها زوجها، ثم يحمل إخوانك على الظن السيئ بك. فيوسف الصديق ﵊ -ومشارب الأنبياء واحدة، وكلهم يستقون من الوحي النازل من السماء- لم يرد أن يخرج وهو متهم أبداً، بل قال لمن دعاه: ارجع إلى ربك أي: ارجع إلى سيدك كما أخبر الله بذلك في قوله: ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: ما شأنهن وما حالهن؟ ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠].

стр. 446

ثبوت براءة يوسف باعتراف امرأة العزيز قال تعالى: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف:٥١]، من العلماء من قال: معناها معاذ الله، ومنهم من قال: معناها ننزه الله عن العجز أن يخلق بشراً عفيفاً مثل هذا البشر. ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: قالت مظهرةً للحق، ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف:٥١ - ٥٢]، هكذا يظهر الله الحق، فلم تنس امرأة العزيز الواقعة، فالذنب لا ينسى وخاصة عند من يراجع نفسه، فالمرأة طيلة تلك المدة وهي تراجع نفسها، كيف تسببت بعبد عفيف بريء نظيف لكونه لم يقترف الفاحشة معها؟! والنفوس اللوامة هي: دائمة اللوم لأصحابها، تذكرها نفسها اللوامة بما حاصله: كيف يقر لك قرار ويهدأ لك بال، وقد تسببت في سجن شخص بريء وألصقت به التهمة وهو عفيف؟ كيف تنامين في الفرش الوفيرة وتطيبين بالطيب الجميل وقد تسببت في سجن شخص بريء؟ فالنفوس اللوامة تلوم أصحابها الطيبين دائماً، أو الذين فيهم نزعة خير، ولا تزال بهم حتى يردوا الحقوق إلى أهلها، ويبحثوا عن وقت يعتذرون فيه، هكذا فعلت امرأة العزيز، فأعلنت صراحة أمام الملأ وأمام الناس كلهم في مجلس التحقيق ما تظن أنها تنجو به، قالت: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي: تبين وظهر ﴿أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٥١]، أي: أنا الذي دعوته إلى فعل منكر، فإنه لمن الصادقين، ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف:٥٢].

стр. 447

تحقيق الملك في قضية يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف:٥١]، دليل على أن الملوك لا يعرفون دقائق الأمور، فالملك كان لا يعرف دقائق الأمور، فغاية ما يظن أنه قيل له: عبد جميل فتنت به امرأة العزيز، لكن لا يتصور الجمال ولا يتصور الأحداث، أو قال: عبد جميل حاولت الاعتداء عليه امرأة العزيز، فحاشية السوء تزين للملك أن يفعل الذي تريد. ولذلك كان من نعم الله على الملوك والوزراء أن يقيض الله لهم بطانات صالحة وجلساء من أهل الصلاح، فإن الشخص الذي يكثر من الكلام على مسامعك يؤثر فيك بلا شك، فإن كان من أهل الصلاح فإنه يدلك على الخير، وإن كان من أهل الشر والفساد فإنه يدلك على الشر والعياذ بالله! قال ﵊: (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى)، فجدير بكل منا أن ينتقي جلساءه وكل من يستمع إليهم، فلا تسمع لكل أحد أبداً، فإن أحداً من الناس قد يؤيدك على فعل الشر، فيسمع كلمة طيبة من أحد إخوانك الطيبين، فتنزل على قلبه كالبرد ترطب قلبه ويذهب الله بها الغضب عنه، ويقمع الله بها الشيطان، وآخر قد يكون في منتهى الهدوء والسكينة ولكن يأتيه آت شرير مفسد بكلمة تعكر عليه صفو حياته كلها، وتعكر عليه فكره، وترديه في الشر والعياذ بالله. فلذلك لا تسمع من كل أحد، ولا تصغِ إلى كل أحد، بل اسمع إلى المتقين وأهل الفضل والصلاح، واعرف أحوال الناس، فهناك أناس لا يأتونك إلا بالشر، وهناك أناس يأتونك بالبشارات، فاستمع إلى النصحاء الأمناء، فإن نبينا ﵊ كان يخرج فيقول لأصحابه: (لا تحدثوني عن أصحابي)، وفي معنى الحديث: (إني أريد أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر) ﷺ . ونستفيد أن الملك لم يكن يعرف شيئاً عن الذي حدث لامرأة العزيز، والعزيز غير الملك، والدليل أنه حقق في القضية، فالأمور تجري على وجه السرعة، قال: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١] وهنا يظهر الله الحق على ألسنة المعتدين، وألسنة الخصوم. ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١]، أي: ما شأنكن؟ وإن كان هذا الإظهار في بعض الأحيان لا يتم في الدنيا، لكن يتم أمام ملك الملوك .

стр. 448

تفسير قوله تعالى: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾، المفسرون لهم فيه وجهان: فمن العلماء كالحافظ ابن كثير وشيوخه وتلاميذه وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومن بعدهما يقولون: إن القائل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ هي امرأة العزيز، وقولها: مطرد، فهي تطلب رضا يوسف ﷺ ، فمع أنها تسببت بفتنته، لكنها ما زالت تجله وتوقره وتحرص على إرضائه ﵊ مع أنه عبد سجين. وهكذا المرأة أمام من لم يفعل معها الأشياء المحرمة، لكن إن فعل معها شيئاً محرماً، فتود أنها ضربته بعد ذلك بحذائها إن كان قد أجابها إلى طلبها بالمحرم، ولكن العفة والوقار حملتها على طلب رضاه، قالت: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ولم أشهد عليه شهادة زور في غيابه، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف:٥٢]، أي: لا يوفق الله الخونة أبداً، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أي: لأني بشر، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]، كل ذلك على لسان المرأة التي اعترفت بعجزها وضعفها على رءوس الأشهاد، هذا قول الحافظ ابن كثير في طائفة كبيرة من المفسرين. وطائفة أخرى من المفسرين قالوا: إن القائل لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف:٥٢] هو يوسف ﵇، وقال ما بعد ذلك أيضاً، فيكون وجه التأويل على النحو التالي: قالت: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف:٥١]، وبعد ذلك تكلم يوسف لما بلغه قولها، فقال: ((ذلك)) أي: هذا الطلب مني لا لفضيحة المرأة، فأنا لا أحب أن أفضح أحداً، ولكن ليعلم زوجها أني لم أخنه بالغيب، أي: وقد وكلني ببيته وخلَّى بيني وبين امرأته، بعد أن أكرم مثواي وأنزلني منازل طيبة، فطلبت هذا البيان، لا لأفضح النساء فليس من شأني فضيحتهن أبداً، وليس من شأني فضيحة من اتهموني وقذفوني، فهذا ليس لي بسبيل، إنما إن فضحوني سترت عليهم، ولكن ليعلم زوجها أني لم أخنه بالغيب، فالله لا يهدي ولا يوفق الخائنين، وأيضاً أنا نفسي بشر فلا أبرئ نفسي من المعاصي ولا أزكيها. فهذا حق لحق نفسه ﵊، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أي: لا أنزهها عن الخطأ والقصور: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف:٥٣]. هكذا البيان وهكذا الأدب، فسمع الملك هذه المقالات التي لا تخرج إلا من مشكاة النبوة، وسمع الملك كذلك اعترافات من النسوة، واعترافات من المرأة بلا ضرب ولا أذى، لقد سمع مقالات يوسف وهي في غاية الحسن والبهاء والجمال التي لا تصدر إلا من الأنبياء ومن سلك مسالكهم، فللأنبياء أقوال تعرف بهم ويعرفون بها، كما قال العلماء ﵏ في شأن الحسن البصري ﵀، فقد قال علي بن الحسين -الملقب بـ زين العابدين - وقد ذكر عنده الحسن البصري: ذاك الرجل الذي كلامه يشبه كلام الأنبياء. فللأنبياء سمتٌ وللأنبياء حديث، ولألفاظهم حلاوة، وعلى كلامهم طلاوة، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]، هكذا قال ربنا، فسمع الملك هذه المقالات، ولأول مرة يطرق سمعه مثل هذا القول الطيب الجميل! فحينئذ قال الملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ لا للمجيء به فقط، بل قال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف:٥٤]، أجعله خالصاً لنفسي مستشاراً لي، أستشيره في كل أموري، هكذا تتبدل الأحوال. قال الفضيل بن عياض -ولعله تلقى ذلك من الإسرائيليات-: إن الملك لما قال: ((ائْتُونِي بِهِ))، فإن امرأة العزيز رافقت العزيز حتى تشاهد الموكب الذي خرج به يوسف من السجن، فقالت عندما نظرت إلى حالها: سبحان من جعل العبيد ملوكاً لطاعته، وسبحان من جعل الملوك عبيداً لمعصيته. قال تعالى: ((وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ)) فالملك يسمع عن يوسف ويسمع كلامه عن بعد، فهو لم ير إلى الآن يوسف، ولكن لما جاء يوسف، وكلمه الملك ورآه ورأى علامات الجمال تكسوها علامات الوقار، رأى الحسن قد كمل بالنبوة والرسالة، فرأى أمراً لم يره لما كلمه، وكما قال نبينا محمد ﵊: (ليس الخبر كالمعاينة)، إذا سمعت بجمال شخص، فإنه يختلف الأمر إذا شاهدته، قال ﷺ : (ليس الخبر كالمعاينة). والحمد لله رب العالمين.

стр. 449

سلسلة هي والفتاوى - الطهارة والحيض

стр. 450

معنى حديث: (النساء شقائق الرجال) وحكمه وسبب وروده باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فهذه طائفة من الأسئلة المتعلقة بالنساء وما يحتجن إليه من فقه، نستهلها بالجواب عن سؤال قدم عليَّ عن حديث: (النساء شقائق الرجال)، هل ثبت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ؟ وهل له سبب ورود؟ وهل معناه يطرد أم لا؟ الجواب نقول -والله والموفق والهادي إلى سواء السبيل-: أما هذا الحديث: (النساء شقائق الرجال) فيحسن بمجموع طرقه، ويعمل به. أما بالنسبة لسبب وروده فحاصله: أن أم سليم رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: (يا رسول الله! المرأة ترى أن قد احتلمت -وفي رواية: إذا رأت المرأة في المنام أن زوجها يجامعها- أتغتسل؟ فقال النبي ﷺ : نعم؛ إذا رأت الماء)، هذا هو متن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما عن اطراد معناه فإنه يطرد في كل ما لم يرد فيه نص عن رسول الله ﷺ . أما المسائل التي وردت فيها نصوص من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفرق فيها بين الرجال والنساء، فنحن نتبع هذه النصوص وتكون مستثناة من حديث: (النساء شقائق الرجال) فعلى سبيل المثال ورد في كتاب ربنا ما حاصله: أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل، إذ الله ﵎ قال في كتابه الكريم: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وكذا قال الله في أبواب المواريث: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فهذه مسائل وردت فيها نصوص فتستثنى من عموم حديث النبي ﷺ : (النساء شقائق الرجال). والله أعلم. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وسلم.

стр. 451

حكم وضوء الرجل مع امرأته أو أمه أو ابنته من إناء واحد السؤال هل يجوز للرجل أن يتوضأ مع امرأته أو أمه أو ابنته من إناء واحد؟ الجواب نعم يجوز ذلك، إذ لا مانع منه ابتداءً، ثم إنه قد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون على عهد رسول الله ﷺ جميعاً)، وهذا محمول على أنه كان قبل نزول آية الحجاب، أو على أنه مختص بالمحارم. فعليه: يجوز أن يتوضأ الرجل مع ابنته من إناء واحد، إذ لم يرد دليل صحيح صريح يمنع من ذلك. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 452

حكم اغتسال الرجل مع زوجته من الجنابة السؤال هل يجوز للرجل أن يغتسل مع زوجته من الجنابة؟ الجواب نعم يجوز للرجل أن يغتسل مع زوجته من الجنابة؛ وذلك لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي أخرجه البخاري في صحيحه قالت: (كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد كلانا جنب) وفي رواية عند مسلم في صحيحه: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء بيني وبينه واحد، فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي. قالت: وهما جنبان). وقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: وأما تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين؛ لهذه الأحاديث التي في الباب، والله أعلم.

стр. 453

حكم اغتسال الرجل مع زوجته عند اغتسالها من الحيض السؤال هل يجوز للرجل أن يغتسل مع امرأته عند غسلها من المحيض؟ الجواب الذي يبدو والله تعالى أعلم أن ذلك يكره؛ وذلك لأن المرأة تحتاج في غسلها من المحيض إلى تتبع أثر الدم، وفعلها أشياء قد يتأذى الزوج بها. والله ﵎ أعلم. وعليه: فالأولى أن تغتسل المرأة من محيضها بعيداً عن زوجها؛ حتى لا يرى الزوج ما يكرهه منها، وقد يكون سبباً في نفرته عنها. والله تعالى أعلم.

стр. 454

حكم مسح المرأة على الخمار أثناء الوضوء السؤال هل يجوز للمرأة أن تمسح على الخمار أثناء الوضوء؟ الجواب يعني هذا السائل: أن بعض أهل العلم قد جوز للرجل أن يمسح على العمامة، فهل يجوز للمرأة أن تمسح على الخمار هي الأخرى؟ فهذا حاصل السؤال. فجوابه وبالله التوفيق: نعم، يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها قياساً على مسح الرجل على عمامته، وقد ثبت في صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ توضأ فمسح على الخفين ومقدم رأسه وعمامته)، وثبت عند البخاري من طريق جعفر بن عمرو عن أبيه قال: (رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه) فعلى ذلك يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها، لكن يستحب لها أن تمسح على شيء من مقدم ناصيتها ثم تتم المسح على الخمار خورجاً من الخلاف. والله ﵎ أعلم؛ وذلك لأن هناك خلافاً في مسح الرجل على عمامته، وقد رأى بعض أهل العلم في زيادة: (عمامته) في حديث البخاري أن فيها بعض الكلام، فعليه يستحب للمرأة خروجاً من أية خلاف، إذا لم ترد أن تنزع خمارها عن رأسها أن تمسح على مقدم ناصيتها، ثم تتم المسح على الخمار. والله تعالى أعلم.

стр. 455

حكم مس المرأة لفرجها وهي متوضئة السؤال إذا مست المرأة فرجها وكانت على وضوء فهل ينتقض وضوءها بذلك، أم لا ينتقض؟ الجواب يجب على المرأة أن تتوضأ من مس فرجها، وهذا على الراجح من أقوال أهل العلم في هذا الباب؛ وذلك لحديث رسول الله ﷺ الذي يصح بمجموع طرقه وبشواهده: (من مس ذكره فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ).

стр. 456

حكم مس المرأة ذكر طفلها وهي متوضئة السؤال هل مس المرأة ذكر طفلها ينقض وضوءها؟ الجواب مس المرأة ذكر طفلها لا ينقض وضوءها إذ لم يرد دليل صريح في ذلك، والطفل يختلف عن الرجل الكبير، وأيضاً قد كانت النسوة على عهد النبي ﷺ يحملن الأطفال ويغسلن الأطفال وينظفن الأطفال، فلم يرد في حديث واحد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر امرأة مست ذكر طفلها أن تتوضأ من مس هذا الذكر. والله ﵎ أعلم.

стр. 457

حكم مس المرأة دبرها وهي متوضئة السؤال هل مس المرأة دبرها ينقض وضوءها؟ الجواب لا ينقض الوضوء إذ لا دليل على ذلك، وإنما تغسل يديها لما عساه أن يكون قد لحقها من الأذى. والله ﵎ أعلم.

стр. 458

حكم مس المرأة للمتوضئ السؤال هل مس الرجل للمرأة -ولا أعني بالمس الجماع هاهنا، إنما أعني المصافحة والقبلة ونحو ذلك- هل هذا المس ينقض وضوء الرجل؟ وهل ينقض وضوء المرأة؟ الجواب الله قال في كتابه الكريم: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] اختلف أهل العلم على قولين في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]: فذهب فريق منهم إلى أن الملامسة هاهنا المراد بها الجماع، وحجتهم أن إطلاق المس في كتاب الله أغلبه منزل على الجماع، فمن ذلك قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالمس هنا المراد به الجماع، وكذا قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣] فقد اختار ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن المراد به الجماع، وكذا قول الله : ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] في آية الظهار فالمراد به الجماع. وعليه فإن بعض أهل العلم منهم: الحبر الكريم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما رأى أن مس المرأة بما دون الجماع لا ينقض وضوء الرجل، وأيضاً هو لا ينقض وضوء المرأة. بينما ذهب فريق آخر من أهل العلم، منهم: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وآخرون من أهل العلم إلى أن مس المرأة ينقض وضوء الرجل، وحملوا قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣] على عمومه. أما وجهة ترجيح القول الأول: قول عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ فبسبب ما أخرجه مسلم رضي الله تعالى عنه من حديث عائشة ﵂ قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم! إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك) فالشاهد منه: قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه) فلو كان مسح عائشة ﵂ لبطن قدم النبي ﷺ ناقضاً لخرج النبي ﷺ من صلاته، وفي البخاري ومسلم أيضاً من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما) فإذا كان المس ينقض الوضوء على عمومه لخرج النبي ﷺ من صلاته. والذي يظهر ويترجح بالأدلة والله تعالى أعلم أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، ما لم يكن جماعاً، وهذا القول قول عبد الله بن عباس ﵄، وهو الحافظ الكريم الذي دعا له رسول الله ﷺ بالفقه في الدين وتعلم التأويل. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد كان المسلمون دائماً يلمسون نساءهم، وما نقل مسلم واحد عن النبي ﷺ أنه أمر أحداً بالوضوء من مس النساء، والله ﵎ أعلم، وهذا أيضاً رأي الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. هذا وقد ورد في هذا الباب حديث فيه: (أن النبي ﷺ كان يقبل نساءه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ)، وهذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيما ذكرنا كفاية.

стр. 459

حكم غسل الجمعة بالنسبة للمرأة السؤال سائل يسأل عن غسل الجمعة: هل يجب على المرأة أن تغتسل يوم الجمعة؟ الجواب المرأة لا يجب عليها أن تغتسل يوم الجمعة؛ وذلك لأن الغسل عند أكثر العلماء إنما هو للصلاة، والمرأة لا يجب عليها أن تشهد الجمعة، فلما لم تجب عليها صلاة الجمعة لم يجب عليها الغسل ليوم الجمعة. والله تعالى أعلم. ولكن يبقى سؤال: هل يستحب لها ذلك، أم أنه لا يستحب؟ فنقول وبالله التوفيق: نعم يستحب لها ذلك، فالله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ورسوله محمد ﷺ يقول -كما في الحديث الذي أخرجه البخاري، من حديث أبي هريرة ﵁: (حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده). والله ﵎ أعلم.

стр. 460

حكم بول الغلام والجارية السؤال ما حكم بول الغلام والجارية؟ الجواب بول الغلام الذي لم يأكل الطعام يرش موضعه، أما الجارية: سواء أكلت الطعام أم لم تأكل الطعام فبولها يغسل موضعه، وبالله ﵎ التوفيق. ومما يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى، من حديث أبي السمح ﵁، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ ، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتي بـ حسن أو حسين رضي الله تعالى عنهما، فبال على صدره، فجئت أغسله فقال: يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام) والله تعالى أعلم.
следующие страницы →