Полный текст (802 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تعليم الأولاد آداب الطعام
ومما ينبغي تربية الأولاد عليه: آداب الطعام: علم ولدك التسمية عند الطعام كما علم رسول الله ﷺ الأطفال، تخيل أن الرسول جلس يأكل مع أصحابه فجاءت جارية كأنما تدفع ووضعت يدها في الطعام، فنزع الرسول يدها من الطعام، ورسول الله أرحم الخلق ﵊، فينزع يدها من الطعام ويمنعها من الأكل، ويأتي غلام يجري كأنما يدفع فيضع يده في الطعام، فينزع الرسول ﷺ وهو أرحم الخلق يده من الطعام، ويقول له: (إن الشيطان يستحل الطعام إذا لم يذكر اسم الله عليه)، وإنه أتى بهذه الجارية وبهذا الغلام كي يستحل بهم الطعام، (والذي نفسي بيده إن يده - أي: يد الشيطان- مع يديهما في يد).
ويقول: (يا غلام! إذا أكلت فسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
فلا يأخذك الحياء بل علمهم واتق الله فيهم، فكما قال القائل: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه فليس من يلقنه أبوه كل يوم كتاب الله وسنة رسول الله كمن يلقنه أبوه الكفر والعربدة.
يقول عكرمة: (لقد رأيتني وإن ابن عباس لموثقي على تعلم القرآن) يقول: أنا أذكر ابن عباس وهو رابطني حتى أتعلم القرآن، وكان ابن عباس قد رأى في عكرمة نباهة زائدة، فربطه حتى يتعلم كتاب الله، ربطه في وقت التعليم، حتى يحفظ كتاب الله ، فجدير بالشخص أن يراعي أولاده.
стр. 702
تعليم الأولاد آداب الاستئذان
ومما ينبغي أن يربى عليه الأولاد: الاستئذان: علم ولدك الاستئذان كما في قوله تعالى في هذه الآيات الذي فرط الناس في العمل بها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور:٥٨]، فينبغي على الأب يعلم ولده الاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، فلو أن الأب والأم في غرفة النوم قبل الفجر، أو في الظهيرة، أو من بعد صلاة العشاء فعليهما أن يعلما الأبناء الاستئذان ولا يفتحان الباب مباشرة، حتى لا ترتسم صورة في ذهن الطفل فيخرج يطبقها مع أخته أو مع أخيه، فأمر الله بالاستئذان في هذه الأوقات حتى تبقى تصورات الأطفال نظيفة وبعيدة عن التشويش والفساد.
وهذا يسوقنا إلى منع الأطفال عن الأفلام التي تعرض في التلفزيونات، وقد امتلأت بالدعارة والرقص والفساد، فالطفل يملأ سمعه وبصره وفؤاده بالمناظر التي يراها من هذا التلفزيون الفاسد، فيخرج يطبقها مع أخته وجارته، وهذا من أهم الأمور التي يجب أن تراعى وهي: إبعاد الأطفال عن التلفزيونات والمسلسلات الخليعة وما ينشر فيها من الفساد، فإن هذا يهدم كثيراً مما تبنيه.
فأنت تعلم الولد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٣] فيضيع هذا التعليم أمام التلفاز وما يعرض فيه من الفساد، فيدمر كل ما علمته إياه.
فجديرٌ بكل أب يريد أن يحافظ على أولاده أن يبعد التلفزيون من بيته جملة واحدة؛ فإن النفع الذي فيه لا يشكل أدنى نسبة بالنسبة للشر الذي فيه، فجدير بكل أب غيور وإن كانت هناك بعض الأشياء التي يراها منافع من التلفزيون؛ أن يبعد التلفزيون جملة وتفصيلاً من البيت سداً للذريعة الموصلة إلى الفساد، وهذا من أهم الأمور التي يركز عليها في تربية الأطفال، فينبغي أن يكون مشرب الأطفال مشرباً واحداً ألا وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما إن تعددت المشارب التي يشرب منها الطفل، فالشهوات -والعياذ بالله- لها قبول عند كثير من الناس، فعندما تجد الشهوات القلب فارغاً من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنها تتمكن منه، فجديرٌ بالشخص أن يبعد أولاده تماماً عن هذه التلفزيونات.
وينبغي على الآباء أ، يعلموا أولادهم معالي الأمور، فقد كان أصحاب رسول الله يمرنون أبناءهم على معالي الأمور، بل تخيل أن الصحابي كـ ابن عمر ﵁ يقول: عرضت للجهاد في أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة -يريد أن يمسك سيفاً ويبدأ في قتال الكفار وهو في هذا السن- فردني رسول الله ﷺ ، ثم عرضت عليه في العام المقبل يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
انظر ابن خمس عشرة سنة يشارك في القتال مباشرة.
وقال عبد الله بن عمر ﵄: كنت جالساً مع أصحاب النبي ﷺ ، فسأل النبي أصحابه سؤالاً فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن، فأخبروني ما هي؟)، فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم وأقول: هي النخلة يا رسول الله! فإذا أنا أصغر القوم، فامتنعت عن الكلام، فقال الرسول: (هي النخلة)، فقلت لأبي: يا أبتي! قد وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم.
بمَ يفرح عمر؟ هل يفرح لأن ولده أتى بـ (١٠٠%) في الثانوية، أم يفرح لأن الولد أجاب على مسألة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟
стр. 703
تعليم الأولاد حسن الخلق
ومما يربى عليه الأبناء: حسنالخلق: فلا تعلم ولدك سباب أمه كما يفعل الجهلة والذين لا يعلمون، فتجد الوالد الغبي يفرح بولده الذي يسب أمه، وتفرح الأم الجاهلة بابنها الذي يسب أباه، ولا يشعران أن هذا إثم عليهما، وفيه شرٌ عليهما.
علم ولدك احترام الكبير، وحقوق الكبير بينها له: قال النبي ﷺ : (ليس منا من لم يوقر كبيرنا)، وقال النبي ﷺ : (أراني الليلة في المنام وأتيت بسواك كي أتسوك به، فناولته لصغير فقيل لي: كبر -يعني: أعطه الأكبر-)، وجاء رجلان إلى رسول الله ﷺ فذهب أحدهما يتكلم وكان هو الأصغر، فقال له الرسول ﷺ : (كبر كبر) يعني: الكبير هو الذي يتكلم.
فلزاماً أن تعلم ولدك حق الكبير، فعلمه إذا التقى بكبير أن يبدأ الكبيرَ بالسلام -الصغير يسلم على الكبير- كما قال رسول الله ﷺ : (يسلم الصغير على الكبير)، فالصغير هو الذي يبدأ.
وعلمه خدمة الأضياف كما كان أبو بكر يعلم ولده عبد الرحمن، إذ يرسله بالأضياف كي يخدمهم ويقوم عليهم.
أيضاً: أعط ولدك حقه الذي شرع له، فكان النبي ﷺ جالساً ذات يوم وعن يمينه غلام، وعن يساره أشياخ، فأوتي النبي بشراب فاستأذن الغلام، في أن يسقي هؤلاء الذين هم عن يساره؛ فإنه عن اليمين وله حق في ذلك وكان عن اليسار أبو بكر وعمر وأقوام من كبار الصحابة، وعن اليمين غلام، فتخيل سيد ولد آدم يستأذن هذا الطفل الصغير، فيقول الغلام: لا يا رسول الله! لا أوثر بنصيبي منك أحداً.
أي: أنا أريد أن أشرب بعدك يا رسول الله! شفتاي تأتي في موطن شفتيك يا رسول الله، ويصر الطفل فيجيبه النبي ﷺ إلى طلبه ويسقيه.
وقد مرض غلام من اليهود كان يخدم رسول الله، فانطلق إليه رسول الله ﷺ في بيته فيزوره الرسول يعود غلاماً صغيراً مرض في البيت، تخيل الروح المعنوية التي ترتفع في الطفل لما يرى زميلاً لأبيه جاء يزوره، جاء صديق الأب يزور الولد الصغير في البيت وأتى للطفل بهدية صغيرة، تخيل مدى تأثير هذه الهدية على الطفل، فذهب محمد ﵊ إلى بيت رجل يهودي.
لماذا يطرق الرسول ﷺ البيت على هذا اليهودي؟ ماذا تريد يا محمد؟ فيقول: أريد أن أزور ابنك الصغير، فيدخل الرسول ﷺ يزور الولد الصغير وهو مريض فيقول له: (قل لا إله إلا الله) أي: أسلم، فينظر الولد إلى أبيه فيقول أبوه له: أطع أبا القاسم ﷺ ، فيقول الولد: لا إله إلا الله، فيقول النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار).
فعلم ولدك حفظ السر، وقل له: لا تنقل كل شيء تراه أو تسمعه.
فهذا أنس يقول: أرسلني رسول الله ﷺ في أمر فأسر إلي به وأنا صغير، فسألتني أمي - أم سليم - إلى أين تذهب؟ فقلت: ما كنت لأفشي سر رسول الله، فقالت له: إذاً لا تفشي لأحدٍ أبداً هذا السر الذي علمك إياه أو أخبرك به رسول الله ﷺ .
فينبغي أن تعلمه حفظ الأسرار وعدم نقل أسرار البيت إلى الخارج فكل بيت له عورات، قل له: لا تنقل كل ما تراه أو تسمعه، فهذا خطأ، وأدبه بهذا الأدب الذي كن الصحابيات يؤدبن به أبناءهن.
قل له إذا رفع صوته أمام أمه أو أخته أو أخيه: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] كما قال لقمان ﷺ لابنه، فلا تترك الولد يعبث بالبيت ويصيح ويجري هنا وهنا ويبطش بهذا وبذاك بل أدبه، فإذا لم يجد معه التأديب بالكلام فانتقل إلى ما هو أشد من الكلام إن احتاج الأمر إلى ذلك.
وقد ورد حديثٌ في هذا الباب صححه بعض أهل العلم (علق السوط حيث يراه أهل البيت)، أي: ضع العصا في مكان حيث يراه أهل البيت من الأطفال، فهناك أطفال نظرة واحدة تكفي لزجرهم، وأطفال آخرون لا يكفي النظر، ولا يكفي الكلام لزجرهم بل يحتاج معهم إلى نوع من التأديب سواءً باليد أو بالضرب ونحو ذلك، فالله لا يحب الفساد، فلا يترك الولد يسرق ويعبث ونقول: نحتاج إلى أدلة خاصة، بل الأدلة العامة تضبط لنا هذه القضية، فمنها: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥].
стр. 704
تعويدهم على أعمال الخير والبر
ومن تربية الأبناء أن تجتهد أن ترسم في ذهن ولدك مناظر البر وأعمال الخير، فخذه معك للحج أو للعمرة إذا وسع الله عليك، فقد رفعت امرأة صبياً لها وقالت: (يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) فإذا أخذت ولدك -المميز خاصة- إلى الحرم وحببته في الكعبة وفي الطواف حول الكعبة، ووقفت به على الصفا والمروى، ونزلت به وشربت من زمزم أنت وهو، وارتسمت في ذهنه هذه المناظر؛ كنت أنت مأجور؛ لأنك تعلم ولدك الخير وتملأ قلبه وسمعه وبصره وفؤاده بلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
وهل تستوي أنت مع من أخذ ولده إلى المصيف ورأى العراة والعرايا، أو من أخذه إلى السينما ورأى الفساد العريض، أو إلى المسارح ووجد فيها هذا الفساد المدمر؟ أو هل تستوي أنت مع من أخذ ولده إلى النادي يشجع الكابتن فلان والكابتن فلان؟ لا يستويان ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، إذا سويت بين الرجل الذي يأخذ ولده ويمرنه على صلاة الفرض والنفل والتراويح، ويعوده على صلاة الجنائز في الحرم، والطواف حول البيت العتيق، ويريه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل، ويريه الركن اليماني، ويعلمه الدعاء ورمي الجمار، بمن مرن أولاده على شرب الخمر، وأرسل ولده يشتري له السجائر، أو المخدرات فهذا ظلم عظيم.
فخذ ولدك معك لأعمال البر وخذه معك إلى المساجد، وعلمه الورع.
يقول الحسن بن علي وقد كان صغيراً في زمان رسول الله: (حفظت من رسول الله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، ورأى النبي ﷺ تمرة في فم الحسن بن علي من تمر الصدقة فنزعها من فِيه، وقال: (كِخ كخ، أما علمت إنَّا آل محمد لا نأكل الصدقة) انظر إلى هذا الورع وهو طفل صغير غير مكلف، لكن مع ذلك فالرسول ﷺ لا يقره على أن يدخل في بطنه لقمة لا تحل له، فقال: (كخ كخ، أما علمت إنَّا آل محمد لا نأكل الصدقة) فانظر إلى تصرف رسول الله مع الحسن! ينزل مرة من على المنبر وهو يخطب للناس الجمعة فيحتضن الحسن ويقبله، ثم المرة الثانية يستخرج التمرة من فيه، فالمباح لا بأس بالإقبال عليه وعمله، والمحرم يجب أن يوقف عنده ولا يتمادى معه.
стр. 705
تعليم الأولاد الصلاة فرضها ونفلها
ومما يربى عليه الأبناء بعد التوحيد: إقامة الصلاة، قال الرسول ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة) وتعليمه الصلاة يبدأ من سن السابعة.
ولكن قبل السابعة هل أعلمه الصلاة أم لا؟ المسنون قبل السابعة اصطحاب الصبيان إلى المسجد، لقول النبي ﷺ : (إني أدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه عليه)، وقال لما أمر بالتخفيف في الصلاة: (من أمَّ الناس فليخفف؛ فإن وراءه الكبير والصغير وذا الحاجة) فالصغار كانوا يصطحبون إلى المسجد، والنبي ﷺ كان يحمل أمامة على كتفه وهو يصلي؛ فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها ﷺ .
بل أن النبي ﷺ كان يخطب خطبة فرأى الحسن والحسين مقبلين فنزل من على المنبر واحتضنهما وقال: (صدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، رأيت هذين فلم أصبر عليهما).
الشاهد: أن الشخص يشرع له أن يعلم الأولاد الصلاة وهم أبناء سبع لقول النبي ﷺ : (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) لكن قبل السبع إن علمهم فلا يشدد عليهم في التعليم، فهذا هديه ﷺ .
وليعلم أن يختلفون فمنهم من يستوعب قبل السبع، ومنهم من لا يستوعب، ولكن التقعيد العام أن الأولاد يبدأ تعليمهم الصلاة وهم أبناء سبع كما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعلمون ويمرنون على الفرض مع النفل، فالرسول ﷺ كان يصلي في الليل واليتيم خلفه والعجوز خلفهما، واليتيم يطلق عليه يتيم؛ لأنه دون البلوغ، فيمرن الأطفال على صلاة الفرض والنفل، وإن كان فيهم كفاءة فلا مانع أبداً أن يقدموا للصلاة، فيقدم ويشجع إذا كان ذكاؤه يسمح بذلك ويتسع له، ويعلم أيضاً الصوم ويدرب عليه، وينبغي للأم أن لا تحملها شفقتهما على أن تمنع ولدها من الصيام، فإذا بكى الولد من الجوع فلا ينبغي للأم أن تأخذها العاطفة، وتطعمه وتفطره من الصيام، والربيع بنت معوذ ﵂ قالت: (كنا نصوم عاشوراء ونصومه صبياننا، فإذا جاع أحدهم جعلنا له اللعبة من العهن - أي: من الصوف - حتى يأتي وقت المغرب) ليس بمجرد الجوع أو البكاء من الجوع تقدم له الإفطار، بل قالت: إذا بكى أحدهم - أي: من شدة الجوع- جعلنا له اللعبة من العهن؛ لأن كثيراً من الآباء يخاف على ولده من الصوم، ويمنعه منه، وكثير من الأمهات إذا خرج ولدها لصلاة الفجر تمنعه حتى لا يصاب بالبرد، فهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون أولادهم وبناتهم الصيام وعمر يقول لرجلٍ سكران: (ويحك! وصبياننا صيام)، يعني: أنت تفطر يا كبير وعندنا الأطفال الصغار يصومون.
ويسن أيضاً: تعويدهم على صوم الفرض والأطباء يعرفون ما في الصيام من فوائد.
стр. 706
توحيد الله أول ما يربى عليه الأبناء
أصل التربية: أن يعرف الأبناء بربهم وبنبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتغرس محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قلوبهم، فيعلمون الله له الأسماء الحسنى كلها، وأن الله يراهم في كل موقف ومقام كما قال لقمان ﵇ لولده الوصية الجامعة التي جمعت الأصول والفروع معلماً إياه كما قال الله: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فتحذر الولد من الشرك تحذره تحذيراً شديداً، وتخبره أن الشرك يجعل صاحبه خالداً في النار، وتبين له صور الشرك، وتعلمه أن قوله: (لولا الكلب لجاءنا اللصوص) من الشرك في الألفاظ، وتعلمه أن دعاء غير الله لا يجوز، وتعلمه أن كلام الشيعة الذين يقولون: إن السماء تمطر بإذن علي بن أبي طالب أن هذا باطل، وتعلمه المعتقد الصحيح الذي اعتقده رسول الله ﷺ واعتقده أصحابه، ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
وهذه الوصية أيضاً وصى بها يعقوب ﵇ بنيه عند الموت فقال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] جمعهم عند الموت فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة:١٣٣]، فالذي يبدأ به الإنسان في تعليم، ويعلمه الأطفال؛ التوحيد؛ لأن الله قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
ثم يأتي التحول في الخطاب فيقول الله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] لم يحك هذا على لسان لقمان ﵇، فيستفاد من هذا التحوّل في الخطاب: أن الوالد لا يطلب حقه مباشرة من الولد، فلا يقول له: من حقي عليك أن تفعل لي كذا وكذا، وإن كان هذا جائز، لكن يلمح له بطريق آخر، حتى لا يظن الولد أن في تعليم أبيه له مصلحة له، فلذلك تحول السياق وقال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤]، فلم تأت على لسان لقمان بل جاءت في سياق أنها من كلام الله ، فلو كان لك حق على الولد فلا تقل له: حقي عليك كذا وكذا، وتعدد حقوقك على ولدك فيسأمك ويضجر منك، ولكن عرّض له تعريضاً وعلَّمه تعليماً.
والتعليم الذي صدر من لقمان بدأ بالأصول أصلاً أصلاً ثم بدأ بالتدريج.
قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٤ - ١٥]، والملاحظ أنه ركز على ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، فيؤخذ من هذا التركيز: أن تعلم ولدك مصادقة أهل الصلاح، وأن يتبع سبيل من أناب ورجع إلى الله، فعلمه مصادقة الصالحين، وقل له: لا تصادق أهل الشر والفساد، فإن النبي ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً نتنة) ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] قل له: يا بني! اختلط بأهل الصلاح والخير، فهم أصدقاء لك في الدنيا والآخرة، واتل عليه قول الله سبحانه: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧].
ثم قال في الوصية: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦] كل هذا تعريف بالله .
من هو الله الذي تعبده؟ هو: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٨ - ٢١٩]، هذا هو الله الذي تعبده.
﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦].
стр. 707
ما ينبغي على الآباء مراعاته في تربية الأبناء
علينا أثناء تربية الأولاد أن نعدل بين الأولاد؛ فإن عدم العدل يسبب فساداً في البيت، فلا نقول العدل بين البنين والبنات فإن هذا أصل لابد منه أيضاً، إنما نقول العدل بين الأبناء وبعضهم البعض.
جاء بشير بن سعد إلى رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله! إني نحلت ابني هذا نحلة -يعني: وهبته هبة- وجئت أشهدك يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ : (ألك ولد غيره؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: وكل ولدك أعطيته مثل هذا؟ قال: لا يا رسول الله! قال: ارجع فإني لا أشهد على جور)، فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم، واعلموا أن عدم العدل يسبب فساداً بين الأولاد.
والعدل يكون في كل شيء حتى في المحبة القلبية؛ إذا أبرزتها حدث فساد بين الأولاد، وإن كانت المحبة القلبية لا يملكها شخص لكن يحاول جاهداً أن يضبطها أمام الأولاد، ألا ترى أن إخوة يوسف قالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٨ - ٩]، ما هو الحامل لهم على قتل يوسف؟ ليس كما قال بعض المفسرين: إن يوسف قص الرؤيا عليهم، الرؤيا التي رآها؛ ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، لذا فخططوا لقتله، فقد تقلد هذا القول بعض المفسرين وهو قولٌ ليس عليه دليل، إنما الدليل الصريح هو ما ذكروه ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف:٨] ثم اتجه تخطيطهم للاغتيال: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف:٩] لا تكن في البيت يا عبد الله! سيء الأخلاق، تخال أنك إذا سببت زوجتك وابنك وابنتك فإنك ستجني عاقبة ذلك ولو بعد حين، حتى المرأة إذا سبت ابنتها فإن ابنتها سوف تتعلم هذه الأخلاق، ثم ما تلبث أن تتزوج فإذا تزوجت اتبعت مع زوجها الأسلوب الذي اتبعته أمها مع أبيها، لكن الزوج الجديد له خصال أخرى، فلا تلبث إلا يسيراً وتطلق وترجع إلى أمها البذيئة فتجني عاقبة ووبال أمرها.
فلا تجعل في البيت صخباً ولا سباباً ولا إثماً فالأولاد يتعلمون منك، ويلقطون الخصال الطيبة أو السيئة منك، فليكن الأب حتى إن دبت بينه وبين زوجته مشكلة متأنياً متأدباً بآداب الإسلام مراعياً لأولاده، فلا يحطم نفسيات الأم أمام الأطفال، ولا يظهر المشاكل أمامهم، وإذا أراد أن يعاتبها فليأخذ زوجته في مكان بعيداً عن الأطفال وليعاتب بعيداً عنهم، حتى لا تدمر نفسيات الأطفال، فإذا سمع مقالات سيئة من أمهم أو أبيهم فإنهم يتعدون على ذلك.
الشاهد: أن الأخلاق الطيبة في البيت من الأبوين تنعكس على الأولاد والبنات.
وينبغي أن لا تفرق بين البنين والبنات في التعامل كالجهلة الذين يطعمون البنين أولاً ثم يتركون الفتات للبنات، فالله يقول: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء:١١] لا تدري هل البنت أنفع لك في دنياك وأخراك، أو الولد أنفع لك في دنياك وفي أخراك؟! وبالجملة فكن ودوداً مع ابنك، واجعله يعرف قدرك، ويعرف أنك أب بأسلوبٍ طيب مهذب، واسمع إلى مشاكله أحياناً وله حدودٌ لا يرتقي فوقها، فلا تمرنه على رفع الصوت على أمه، بل اضبطه وازجره عن رفع الصوت على أمه، وكن دائماً متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الباب.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 708
ما يقال للزوج في ليلة الزفاف
ليلة الزفاف هي أول ليلة يلتقي فيها الزوجان، وقد يقع بينهما من سوء التفاهم ما يضر بالعلاقة الزوجية، فعلى الزوج أن يعالج ذلك بحكمة، وكذلك قد تتصرف الزوجة تصرفاً غير سليم يحتاج من الزوج إلى صبر، ولا يعالج الخطأ بالخطأ.
стр. 709
فضل الصلاة على النبي ﷺ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فبين يدي كلمتنا نذكّر بشيء من فضل الصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ : يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً)، ويقول النبي ﷺ : (ما من مسلم يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇، ويقول ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام)، هناك -كما لا يخفى عليكم- ملائكة موكلون برحم المرأة، وملائكة موكلون بقبض الأرواح، وملائكة وقفوا على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، وملائكة وقفوا على أبوب القرى يسجلون الذين يزورون إخوانهم في الله، وملائكة وكلت بالرعد، وملائكة وكلت بالحفظ والكتابة، وملائكة وظيفتهم حمل الصلاة والسلام إلى النبي محمد ﷺ من المصلين عليه، هذه وظيفتهم فقط، فهم يبحثون في الطرقات إن وجدوا أحداً تلفظ بالصلاة والسلام على النبي ﷺ حملوا ذلك إليه قائلين: فلان بن فلان يسلم ويصلي عليك يا رسول الله، فيرد النبي ﷺ عليك مصلياً مسلماً، فإذا غنمت من هذا المجلس خمس صلوات على رسولك محمد، صلى الله عليك بها خمسين صلاة، وكذلك صلى وسلم عليك نبيك محمد ﵊، فينبغي أن يُحرص على الاستكثار من الصلاة والسلام على النبي محمد ﷺ ؛ امتثالاً لأمر الله حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، ورغبة في الأجر والثواب.
стр. 710
عبرة وعظة من قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً)
موضوعنا في ليلتنا هذه إن شاء الله تعالى، كلمات حول آية من الآيات لعلنا والزوج ننتفع بها، وأنتم تعرفون أن كتاب الله كتاب مبارك كله خير، شهد الله له بذلك، فقال تعالى عن كتابه الكريم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠] فكتاب الله كتاب مبارك، كل كلمة منه فيها نفع، يقتبس منها هدي، ويُتأدب منها بأدب، وقد قال رسولنا ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) وقال ربنا: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] فتعلُمنا آية يرفعنا الله بها درجة، فضلاً عن الاستفادة في الآداب والأخلاق وغير ذلك.
والآية التي تناسب المقام والزوج هي قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم:٣].
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم:٣] ما السر الذي أسره النبي ﷺ إلى أزواجه؟ ابتداءً: للآية ولما قبلها من الآيات سببان من أسباب النزول كلاهما صحيح، وكما يقول علماؤنا يرحمهم الله: (قد تتعدد أسباب النزول للآية الواحدة)، فيحصل أمر، ثم يحصل أمر آخر، ثم يحصل أمر ثالث، فتنزل الآية في كل الأسباب التي حدثت، فيأتي صحابي جليل يقول: الآية نزلت في كذا، ويأتي الآخر يقول: الآية نزلت في كذا، وقد نزلت الآية فيهما جميعاً، فأحياناً تتعدد أسباب النزول للآية الواحدة.
فهذه الآية والآيات التي سبقتها تعددت لها أسباب النزول وهي صحيحة، فمنها: أن النبي ﷺ كان يحب الحلوى والعسل، فكان يدخل عند أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂، فيطيل المكث عندها فتسقيه عسلاً، فغارت عائشة وحفصة ﵄، فتواطأتا فيما بينهم، وقالت واحدة منهما للأخرى: أيتُنا دخل عليها الرسول ﷺ فلتقل له: ما هذه الريح التي أجدها منك يا رسول الله؟ هل أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير.
وكان رسول الله ﷺ يحب دائماً أن يكون طيب الرائحة، وكان يحث على ذلك ويحذر من رديء الرائحة وخبيثها، وكان يقول: (من عُرض عليه ريحان فلا يرده فإنه طيب الريح خفيف المحمل)، وكان يقول للذي أكل ثوماً أو بصلاً: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا وليعتزل مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) فكان الرسول طيب الرائحة، يقول أنس: (ما شممت ريحاً قط أطيب من ريح رسول الله ﷺ .
فالشاهد: أن النبي ﷺ خرج من عند زينب وقد شرب عسلاً، فلما دنا من عائشة واقترب منها قالت: ما هذه الريح التي أجدها منك يا رسول الله؟ أأكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير يا رسول الله؟ فشق ذلك على رسول الله وقال: (لا، ولكني شربت عسلاً) فقالت عائشة ﵂: جرست نحله العرفط، يعني: أنت شربت عسلاً، والنحل الذي أخرج هذا العسل كان يرعى في شجر ليس بطيب الرائحة وهو شجر العرفط، فأخرج عسلاً ليس بطيب الرائحة فسكت الرسول ﵊.
ثم ذهب إلى حفصة ﵂، فلما اقترب من حفصة قالت: يا رسول الله! ما هذه الريح التي أجدها منك؟ هل أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير، قال: (لا، ولكني شربت عسلاً ولن أعود، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً) فنزلت الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢].
الآيات.
وهناك سبب نزول آخر: كما لا يخفى عليكم أن الرجل إذا كان متزوجاً باثنتين لزمه أن يقسم لكل واحدة منهما يوماً وليلة، ولكن إذا كانت عنده أمة من الإماء فلا يجب عليه أن يقسم لها، إنما يأتيها في الوقت المتيسر له من ليل أو نهار، فكانت عند رسول الله ﷺ تسع نسوة، وكانت عنده جارية يقال لها: مارية، فكان يقسم للتسع ولا يقسم لـ مارية؛ لأنها أمة من الإماء.
فالحاصل أن النبي ﷺ دخل على مارية ليلة، فعلمت بذلك حفصة، فقالت: أفي نوبتي وعلى فراشي؟ قال: (لن أعود ولا تخبري بذلك أحداً وقد حلفت)؛ فنزلت ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١] فهذان سببان من أسباب النزول.
ويستفاد مما سبق: أن النساء ذوات حيل، كما قال الرسول ﵊: (إنكُن لأنتنُ صواحب يوسف)، فالنساء ذوات حيل قد تكون في الخير أو تكون في غيره.
وهذه أسماء بنت أبي بكر ﵂ جاءها رجل من الفقراء ذات يوم فقال لها: يا أم عبد الله! إني أريد أن أبيع في ظل داركِ، قالت: إن الزبير رجلٌ غيور، وإذا جئت تبيع في ظل داري غار الزبير، فانتظر حتى يأتي الزبير فاسأله واستأذنه، فلما جاء الزبير جاء الرجل الفقير يقول: يا أم عبد الله! إني أريد أن أبيع في ظل داركِ فهل تأذنين لي؟ قالت: الدور كثيرة أما وجدت غير ظل داري فابتعد الرجل، فقال الزبير وقد أخذته الشفقة بالرجل: كيف تمنعين رجلاً فقيراً من البيع في ظل داركِ؟ قالت: تأذن له أنت؟ قال: آذن، قالت: من أجلك أذنت له أن يبيع في ظل داري.
إذاً: قد تكون الحيلة في الخير وقد تكون الحيلة في غير ذلك.
الشاهد: أن النبي أسر إلى بعض أزواجه حديثاً، قيل إنها حفصة، والسر هو قوله ﷺ : (لا تخبري بذلك أحداً) فالذي أسر بالسر هو الرسول ﵊، وأسره لفاضلة من الفضليات وأم من أمهات المؤمنين، وأكد عليها بقوله: (فلا تخبري بذلك أحداً) فأفشت زوجة رسول الله سر رسول الله، فأطلع الله النبي ﷺ على هذا الإخبار، وعلم رسول الله ﷺ أن زوجته أفشت السر، ونزل عليه قول ربه تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣].
стр. 711
الحث على الرفق بالمرأة والتجاوز عنها
من قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣] نتعلم آداباً وأخلاقاً كريمة؛ فقوله: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم:٣] يقول العلماء يرحمهم الله: إن المرأة إذا أخطأت عشرة أخطاء فإن من الظلم لها أن تؤاخذها في الأخطاء العشرة، وإنما تؤاخذها في بعض الأخطاء وتعفو عن البعض الآخر؛ لأن الرسول ﷺ قال في شأن النساء: (إنهن ناقصات عقل ودين)، فإذا جئت تعامل ناقص العقل كما تعامل الكبير العاقل ظلمت ناقص العقل؛ فإذا كان هناك طفل، وجئت أُعامله معاملة الكبير وأحاسبه كما أحاسب الكبير، قال الناس عني: مجنون، ولكن هذا الطفل الصغير يُعفى له عن بعض أخطائه ويؤاخذ بالبعض الآخر.
فكذلك المرأة إذا صدر منها أخطاء -لأنهن ناقصات عقل ودين- فلا تؤاخذ المرأة بكل الأخطاء التي تصدر منها، ولكن تؤاخذها في البعض وتعفو لها عن البعض، والرسول ﷺ يقول ما يؤيد ذلك، يقول: (إن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوجاً، فاستوصوا بالنساء خيراً)، ويقول الرسول ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبالغ في انتقاصها وازدرائها- فإن كره منها خلقاً رضي منها آخر)، ويقول ﵊: (الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة)، فالناس عموماً كالإبل المائة، إذا جئت تختار ناقة سريعة المشي، قليلة الأكل، طيبة المركب، هادئة الطبع، فقد تجد ناقة واحدة تتوافر فيها الخصال القوية والجيدة في مائة ناقة.
كذلك الناس، كإبل المائة، تبحث عن رجل صالح وطيب، واصل للرحم، مقيم للصلوات، متبع للجنائز، يحضر مجالس العلم، ينكر المنكر، ويقر المعروف، تجد في المائة واحد، فإذا كان الناس كذلك، فالنساء من باب أولى، فلابد وأن تجد في المرأة عيباً، وإذا ظننت أنك لن تجد عيباً في المرأة فأنت مخطئ؛ لأن النبي ﷺ قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسيا ومريم ﵉.
فإذا جئت تبحث عن امرأة جميلة، فقد تجد الجميلة لكن نسبها ليس بطيب، وقد تجد الجميلة ذات النسب الطيب لكنها مبذرة مسرفة، وقد تجدها مقتصدة لكنها فاشلة في عمل البيت لا تعرف الطهي، فيفسد بسببها الطعام يوماً بعد يوم، وقد تجدها جميلة وطيبة وتعرف الطهي ومقتصدة، لكن تفاجأ بأنها عقيم لا تلد، وقد تجدها ولوداً لكن سليطة اللسان، فلزاماً أن تجد خللاً في المرأة؛ لأن النساء ناقصات في الأصل، ويدل على ذلك وصف الرسول لهن بذلك، وقد قال ربنا أيضاً: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] والسفهاء تفسيرها عند أكثر العلماء: النساء والصبيان، وقد قال الله تعالى أيضاً في شأن النساء: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف:١٨] أي: ينشأ من الصغر في الحلية والزينة، فالبنت من صغرها تُلبسها أمها ثوباً جميلاً، وعقداً وحلقاً وغير ذلك.
كما قال الشاعر: وما الحلي إلا زينة من نقيصة يتمم من حسن إذا الحسن قصّرا أما إذا كان الجمال موفراً فحسنكِ لم يحتج إلى أن يزوّرا المرأة أصلاً ناقصة العقل، ولن تستطيع أن تجدها كاملة أبداً، وأسوق لك أمثلة على ذلك من خير القرون، قرن النبي ﵊، فمثلاً: أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: إن سألت عن نسبها، فهي ذات نسب، فهي ابنة عمة رسول الله ﵊، وإن سألت عن جمالها فهي في غاية الجمال، تقول عائشة: -مع أن زينب كانت ثيباً- فهي التي كانت تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ .
من ناحية النسب فهي ذات نسب، من ناحية الجمال جميلة جداً، من ناحية الدين فقد كانت في غاية الاجتهاد في العبادة، وكانت تقوم من الليل تصلي، فإذا تعبت علقت حبلاً في السقف تربط به وسطها حتى لا تسقط وهي تصلي، إلى أن رأى النبي ﷺ الحبل فقال: (ما هذا؟ قالوا: حبلٌ لـ زينب إذا قامت تصلي من الليل ففترت تعلقت به، فقال ﵊: حلوه، ليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد) فهي ﵂ مصلية كثيرة التطوع.
كذلك إن سألت عن صدقتها ﵂ فقد كانت كثيرة الإحسان والتصدق، تشتغل في بيتها شغلة فتأتي بالجلود وتدلكها تمهيداً لدباغتها، وتأخذ مقابل ذلك نقوداً لا لشيء إلا كي تتصدق بهذه الأموال، حتى إن النبي ﷺ قال لأزواجه ذات يوم: (أسرعكن لحاقاً بي -يعني: التي ستموت من بعدي- أطولكن يداً) فكن نساء النبي يقسن الأذرع: من أطولهن ذراعاً؟ فكانت سودة بنت زمعة أطولهن ذراعاً، لكنهن فوجئن بأن التي ماتت بعد الرسول هي زينب بنت جحش، فعلمن أن المراد بطول اليد طول اليد بالصدقة، فقد كانت يدها ﵂ كريمة سخية بالصدقة.
إذاً: من ناحية النسب هي ذات نسب، من ناحية الجمال ذات جمال، من ناحية العبادة ذات عبادة، من ناحية الصدقة متصدقة محسنة.
قبل أن يتزوجها الرسول ﷺ تزوجها زيد بن حارثة ﵁، ولكنها ﵂ كان في لسانها حِدة تسرع، لكنها تراجع نفسها سريعاً، وقد تصدر منها كلمات شديدة ثم بعد ذلك تعتذر عن هذه الكلمات، فكانت ﵂ مع زيد بن حارثة ﵁ وعنها على هذا المنوال، فيأتي زيد يشكوها للرسول ﷺ فيقول: زينب تصنع وتصنع يا رسول الله، وتقول كذا، فيقول الرسول ﷺ واعظاً له: (أمسك عليك زوجك واتق الله)، ولكن قدر الله وما شاء الله فعل، آل الأمر إلى أن طلقت من زيد بن حارثة، فقال الرسول لـ زيد لما انقضت عدتها: (اذهب فاخطبها لي) فذهب يخطبها للرسول، فقالت لـ زيد: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أستخير ربي -أي: لست بموافقة ولا رافضة حتى أستخير الله فذهبت إلى مصلاها تصلي، فزوجها الله من فوق سبع سماوات: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] فدخل عليها الرسول ﷺ بدون إذن منها ولا من أوليائها، فقد زوجها الله من فوق سبع سماوات، وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ وتقول: (كلكن زوجكن أهاليكن وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات).
الشاهد من هذا معشر الإخوة: أنها ﵂ مع كل ما فيها من خير وجد فيها شيء وهو حدة لسانها.
تقول عائشة: ما رأيت امرأة أورع ولا أخشى لله، ولا أتقى لله، ولا أتقن للعمل الذي تتقرب به إلى الله من زينب بنت جحش، وهي التي كانت تساميني من نساء النبي ﷺ في المنزلة عند رسول الله، وهي وإن كانت حادة اللسان إلا أنها كانت تراجع نفسها بعد ذلك.
هذه امرأة مع ما فهيا من خير اعترتها حدة اللسان.
ننتقل إلى عائشة أم المؤمنين ﵂، فهي عالمة، فقيهة، جميلة حسناء، صديقة بنت صديق، تزوجها النبي ﷺ بكراً، خصال الخير مجتمعة فيها، لكن قدر الله أن تكون عقيماً لا تلد للرسول ﷺ ، وأيضاً فقد كانت شديدة الغيرة، أرسلت امرأة من أزواج النبي ﷺ طعاماً للنبي في قصعة وهو عند عائشة، فقامت عائشة ﵁ إلى حجر وضربت القصعة بقوة فكسرت القصعة بما فيها.
فقد كانت ﵂ شديدة الغيرة حتى قال الرسول ﷺ : (غارت أمكم غارت أمكم).
وننتقل إلى امرأة أخرى من النسوة الفضليات: إلى ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر ﵄، أسماء ذات النطاقين، كانت تعلف فرس الزبير زوجها وتسوسه، وتجمع النوى وتدقه للفرس، وتخدم الزبير، وفيها خصال خير كثيرة جداً، لكنها كما تقول هي عن نفسها: (لكني كنت لا أحسن الخبيز، فكانت لي جارات صدق كنّ يخبزن لي ويهدينني الخبز).
стр. 712
هدي السلف في التعامل مع أخطاء الزوجة
الحاصل من ذلك أيها الأخ الكريم: أنك إذا أردت أن ترى في المرأة كل خصال الخير ستفشل في الحياة معها، وتأكد من هذا، فالنساء ناقصات عقل ودين، وخصال الخير ما اجتمعت في امرأة إلا في امرأتين آسيا ومريم ﵉، فإذا أخطأت زوجتك عشرة أخطاء فتجاوز لها عن خمسة وعاقبها في خمسة.
قال عبد الله بن عباس ﵄: والله إني لا أحب أن استنصف جميع حقي على امرأتي -يعني: أنا لا أحب أن آخذ جميع حقوقي من امرأتي- لأن الله يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨].
يعني: لابد أن تكون أنت الأفضل، أما إذا أخطأت المرأة عشرة أخطاء، وجئت تؤاخذها بالأخطاء العشرة فأنت رجل ناقص العقل، قد جعلت نفسك كالمرأة بالضبط سواءً بسواءً، ولكن أهل الفضل يتركون لمن دونهم أخطاءً يخطئون فيها، وأهل العقل الكامل يتركون للمجانين ولأصحاب أنصاف العقول شيئاً من الأخطاء يخطئون فيها؛ وإلا فلو آخذوهم بكل الأخطاء التي تصدر منهم لظلموهم.
فعلى الزوج أن يراعي الزوجة ويعلم أنها ليست كالرجل، فإذا جاء يعاملها كما يعامل الرجال سيفشل، فإذا جاء يطبق المعاملات مع الرجال هي هي سواءً بسواء مع النساء سيفشل، فالرجل مع الرجل قد يتكلم بكلمة شديدة، لكن النسوة لا يتحملن ذلك.
والرسول ﷺ يقول: (رفقاً بالقوارير) قد تشتد مع الرجل في الكلمة وتشتمه أحياناً، ويتحمل لأنه رجل، كما يقولون: جثته قوية يتحمل، لكن بالنسبة للمرأة فلو تتكلم بكلمة يسيرة جداً ترى الدمع يذرف من عينها، فالنساء رقيقات القلوب، والنبي ﷺ أوصى بهن خيراً، لما كان الرسول في سفر وكان أنجشة حادياً لرسول الله، يغني للإبل أغاني أو يحدو بكلمات ينشط الإبل على المسير، فكان ينشط الإبل فتسرع الإبل في المسير، والنسوة فوق الإبل، فيقول الرسول: (يا أنجشة رويدك، رفقاً بالقوارير).
يعني: إذا حدوت كثيراً فالإبل حينئذٍ ستمشي سريعاً، فيخشى على النساء من السقوط، (يا أنجشة رويدك يا أنجشة، رفقاً بالقوارير).
وفي هذا الباب أيها الإخوة -باب المؤاخذة ببعض الشيء والعفو عن الشيء الآخر- أذكرّ بما حدث للنبي ﵊ مع عائشة رضي الله تعالى عنها، وأذكر موقفين حدثا لرسولنا محمد ﷺ مع عائشة ﵂.
تعلمون أن رسول الله ﷺ ، كان يحب خديجة حباً شديداً، فقد حزن النبي ﷺ حزناً شديداً على فراق خديجة رضي الله تعالى عنها، وكان النبي ﵊ حسن العهد لا ينكر المعروف، ولا يجحد الإحسان، فلما ماتت كان النبي ﷺ يكثر من ذكرها، وإذا ذبح ذبيحة يقول لنسائه: (أرسلوا إلى أصدقاء خديجة) وهذا من حسن العهد.
وفي يوم جاءت هالة بنت خويلد، أخت خديجة تستأذن على الرسول ﵊، فارتاح النبي ﷺ بقدومها، فغارت بسبب ذلك عائشة ﵂، فقالت للرسول: كل يوم تذكر خديجة، خديجة، خديجة، ما تذكر من امرأة عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين -تعني: أن أسنانها سقطت من فمها، وأنها كبيرة في السن، ولم يبق في فمها إلا حمرة الشدقين- قد أبدلك الله خيراً منها، فقال النبي ﷺ : (إني رزقت حبها) ولم يشدد ﷺ على عائشة ﵂ لما تكلمت بهذا الكلام، وإنما قال: (إني رزقت حبها).
والشاهد في ذلك أنه لما كان الحامل لـ عائشة على ما قالته هو الغيرة الشديدة لم يشدد النبي ﷺ في مؤاخذتها ﵂.
وحصل موقف آخر من عائشة ﵂، حاصله: أن عائشة ﵂ قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله حسبك من صفية كذا وكذا -أي: يكفيك من صفية كذا- وأشارت بيدها إلى أنها قصيرة -يعني: ما الذي عند صفية - فقال ﵊ حينئذٍ: (يا عائشة! لقد تكلمتِ بكلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) واشتد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على عائشة رضي الله تعالى عنها.
فالشاهد: أن الزوج عليه أحياناً أن يؤاخذ، ولا يترك المجال دائماً للزوجة تتصرف كما تشاء، وعليه أحياناً أن يعفو، وله أحياناً أن يؤاخذ، على حسب ما يقتضيه المقام، فهذا هدي نبيكم محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وكان ﵊ أحياناً يمازح عائشة ﵂، بل ويسابقها، وفي الوقت نفسه يقول ﵊: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي فأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي فأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) كان ﷺ أحياناً يسابقها فقد خرج مسافراً ذات يوم، فأمر الجيش بالتقدم وعائشة كانت معه فقال: (سابقيني يا عائشة فسابقته عائشة فسبقته) وكانت صغيرة، ثم لما تقدم بها العمر قال: (سابقيني يا عائشة -في واقعة مشابهة- فسبقها النبي ﷺ وقال: هذه بتلك) ومع ذلك فهو ﷺ لا يقصر في إيقاظها للصلاة، فإذا أراد أن يوتر أيقظها فأوترت رضي الله تعالى عنها.
فرسولنا ﷺ كان وسطاً في أموره وأذكر على ذلك مثالاً يتعلق بالاحتياط مع حسن الظن بالزوجة: قال رسول الله ﷺ : (إذا طال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلاً يتخونهم يلتمس عثراتهم) يعني: إذا تأخرت في السفر فلا تأت تفاجئ الزوجة بالطرق والفتح السريع تتخونها، فقد نهى الرسول ﷺ عن ذلك وقال: (ولكن أمهلوا حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) أي: حتى تزيل شعر عانتها للفترة التي غاب عنها زوجها.
في ذات يوم رجع أبو بكر ﵁ وكان قد تزوج بـ أسماء بنت عميس بعد مقتل زوجها جعفر ﵁، فوجد في البيت رجالاً، فذهب يشكوها إلى النبي فقال النبي ﵊: (يا أبا بكر هل رأيت شيئاً تكرهه؟ قال: ما رأيت إلا خيراً يا رسول الله، قال ﵊ -مدافعاً عن أسماء - إن الله قد برأها من ذلك) أي: برأها مما تظنه بها، ثم قام خطيباً فقال: (ألا لا يدخلن رجل على امرأة مغيبة بعد يومي هذا إلا ومعه الرجل أو الرجلان والثلاثة) فمع أنه كان حسن الظن إلا أنه أيضاً سلك سبيل الاحتياط لأمته، فقال ما قد سمعتموه، وقد قال مع ذلك أيضاً: (إياكم والدخول على النساء، فقام رجل فقال: أرأيت الحمو يا رسول الله -يعني: أخو الزوج- فقال ﵊: الحمو الموت) أي: خطره كخطر الموت، فمنع الرسول من دخول ابن العم أو ابن الخال أو قريب الزوج على الزوجة، وبين أن خطره كخطر الموت وقال: (ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).
وأرجع فأقول موصياً نفسي والزوج وإخواني: إذا أخطأت الزوجة في عشرة أخطاء فلا تؤاخذها في الأخطاء العشرة، فإن النبي ﷺ عرف بعضه وأعرض عن بعض، بل آخذها في خمسة وأعفو لها عن خمسة، ولا تظن أيها الزوج أن المرأة كالرجل، فالله يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] فالرجل جُبل على أمور وهي جُبلت على أمور، جُبلت هي على الضعف، وأنت قواك الله، فلا تستطل ولا تبغِ عليها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء:٣٤] أي: الله أكبر منك إن ظننت أنك قوي على زوجتك تظلمها بلا سبب ولا مبرر، فأيقن أن الله أقوى منك وأقدر عليك منك على زوجتك، فكن رحيماً رفيقاً.
يقول نبيكم محمد ﵊: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وقال في رواية: (خيركم ألطفهم بأهله)، وقال ﵊: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه)، وقال ﷺ : (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق، وإذا حرمهم الرفق فقد حرموا الخير) أو كما قال ﵊.
وفقنا الله وإياكم لعمل ما يرضيه، ولحسن التعامل مع القريب والبعيد، ومع الزوجة والولد، والجار الجنب والصاحب بالجنب، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 713
مراعاة الأحاسيس
جاءت تكاليف الشريعة وفق استطاعة المكلف، قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، ومن أعظم سمات هذا الدين رفع الحرج عن المكلفين، ومراعاة قدراتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم، وهذا دليل على أن الإسلام دين يسر وسهولة، لا دين مشقة وحرج.
стр. 714
مراعاة مشاعر الأحياء بالكف عن موتاهم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: فقد جاء الشرع الكريم بالرحمة والرأفة ورفع الحرج، فما جعل علينا في الدين من حرج، وراعى قدرات الخلق وإمكاناتهم وأجاز أموراً ممنوعة للضرورة، قال تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، فالشاهد من ذلك: أن قدرات الناس يجب أن تراعى، وكذلك الأحاسيس والمشاعر.
ومن ذلك: مجيء عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ لما مات أبوه عبد الله بن أُبي، وكان رأس المنافقين كما هو معلوم، فجاء إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! استغفر لأبي، وألبسه قميصك!) يعني: لعله أن يُرحم بسبب ذلك، وكان هذا قبل أن ينزل قول الله ﵎: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، ففعل النبي ﷺ ما طلبه عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول منه، فاستخرجه وألبسه قميصه، ونفث فيه من ريقه واستغفر له، ولما جاء عمر وقال: يا رسول الله! تستغفر له وقد قال كذا يوم كذا وكذا؟ فقال: (أخر عني يا ابن الخطاب! إني خُيرت فاخترت) يعني: أن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].
فما دام أنه لم يكن هناك نهي وثمّ جبر لخاطر عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول وهو رجل مؤمن؛ فلا مانع من جبر الخاطر وتهدئة المشاعر، لذا قال النبي ﷺ : (أخر عني يا ابن الخطاب!) إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤]، فانتهى رسول الله ﷺ بعد.
ومن مراعاة الأحاسيس أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، فسب الأموات فيه أذىً للأحياء، ولذا فإن النبي ﷺ نهى عن سب الأموات مراعاة لأحاسيس الأحياء، والله ﵎ أعلم.
اللهم! إلا إن كان هذا الميت قد سن سنة سيئة في المسلمين، فحينئذٍ يُذكر للتحذير منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ [القصص:٨]، وكما قال النبي ﷺ : (رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار) يعني: أمعاءه، إذ هو أول من سيب السوائب، فكان يأتي إلى الناقة فيشق أذنها ويقول: هذه سائبة، أي: متروكة للآلهة لا تقرب بسوء ولا ينتفع بها ولا بلبنها، ولا بأصوافها ولا بأوبارها.
فالشاهد من ذلك: أن النبي ﷺ ذكر عمرو بن لحي؛ لكونه سيب السوائب، وذكر أنه رآه يجر قصبه في النار، وقد قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢]، فالشاهد: أن لمسألة سب الأموات فقهاً، وأن الأصل عدم سب الأموات، اللهم إلا إذا دعت ضرورة لسبهم ولبيان أحوالهم؛ لكونهم سنوا في الناس سنناً سيئة، فحينئذٍ يُذكرون بمساويهم؛ حتى يحذرهم الناس، ويحذروا سننهم، والموفَّق هو الله .
أما إذا لم تكن ثمّ حاجة إلى ذكرهم بسوء، فحينئذٍ يضرب الذكر صفحاً عنهم، قال فرعون لموسى على نبينا وعلى موسى السلام: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥١ - ٥٢]، وقد قال عدد من العلماء لما سُئلوا عن الخلافات التي دارت بين الصحابيين الكريمين علي ومعاوية ﵄، قالوا: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤].
стр. 715
مراعاة المشاعر والأحاسيس بمراعاة القدرات
من مراعاة المشاعر القدرات: قول النبي ﷺ : (إني أدخل الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه عليه)، فيخفف النبي ﷺ الصلاة؛ بسبب بكاء الصبي شفقةً عليه وعلى أمه.
وقال النبي ﷺ لـ معاذ بن جبل لما صلى بالناس صلاة العشاء وأطال في الصلاة إذ استفتح بالبقرة، فانفض رجل من خلف معاذ وفارقه وأتم صلاته وحده، فبلغه أن معاذاً نال منه، فذهب إلى النبي ﷺ يشكوه إليه، فقال رسول الله ﷺ : (أفتانٌ أنت يا معاذ!؟ أفتانٌ أنت يا معاذ!؟ أفتانٌ أنت يا معاذ!؟ من صلى بالناس فليخفف؛ فإن من ورائه الضعيف والسقيم وذا الحاجة، وإذا صلى لنفسه فليطول ما يشاء) أو كما قال النبي ﷺ .
стр. 716
مراعاة المشاعر والأحاسيس بدفع الشبه
من مراعاة الأحاسيس والمشاعر أيضاً: قول النبي ﷺ لدفع الشكوك عن شخصين من أصحابه: (على رسلكما إنها صفية)، فقد جاءت صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها إلى النبي ﷺ تزوره في معتكفه، فمكثت عنده ساعة، فذهب النبي ﷺ يردها إلى بيتها، وكان بيتها قريباً من دار أسامة بن زيد، فرآها رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال النبي ﷺ : (على رسلكما إنها صفية!) فقالا: سبحان الله! وشق ذلك عليهما، فقال النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً -أو قال: شراً- فتهلكا).
стр. 717
مراعاة المشاعر والأحاسيس بتجنب النَّجوى
من مراعاة الأحاسيس والمشاعر أيضاً قول النبي ﷺ : (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَ اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن ذلك يحزنه)، وعلى الإطناب يقول العلماء: إذا كنتم خمسة فلا يتناجَ أربعة دون الخامس، وإذا كنتم عشرة فلا يتناجَ تسعة دون العاشر، كل ذلك لدفع الشكوك عن المسلمين، ولمراعاة مشاعر المسلمين وجبر خواطرهم، لكن إن دعت ضرورة إلى التناجي حينئذٍ يُتناجى بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة، وإلا فرب العزة يقول: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٠]، وقد ناجى النبي ﷺ ابنته فاطمة في حضور أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، وعنده سائر أزواجه أيضاً، فخص فاطمة رضي الله تعالى عنها بسر، فسألتها عائشة ﵂ عن سر النبي ﷺ فلم تبح لها به، ثم لما مات صلى الله عليه سولم أباحت لها به، لدفع الشكوك عن عائشة بعد موت رسول الله ﷺ .
стр. 718
مراعاة المشاعر والأحاسيس بترك بعض المندوبات لتأليف القلوب
من مراعاة المشاعر أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـ عائشة: (يا عائشة! لولا أن قومكِ حديثو عهد بكفر؛ لنقضت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولكن أخشى يا عائشة! أن تنكر قلوبهم).
стр. 719
مراعاة المشاعر والأحاسيس بدفع الشكوك عن المسلمين
من أبواب مراعاة المشاعر والأحاسيس: دفع الشكوك عن المسلمين، وفي ذلك: أن النبي ﷺ كان إذا أتاه الخصوم ليقضي بينهما قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله وذلك كالوارد في حديث العسيف لما جاء النبي رجل فقال: يا رسول الله! إن ابني كان عسيفاً عند هذا فزنا بامرأته -أي: كان أجيراً عند هذا فزنا بامرأته- وإنهم قضوا بأن على ابني مائة شاة ووليدة، وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال النبي ﷺ مطيباً الخواطر: (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله .
وكذا لما جاء بنو مخزوم إلى النبي ﵊ يستشفعون عنده بـ أسامة بن زيد كي يتجاوز عن قطع يد السارقة، قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) كل ذلك لدفع الظنون والشكوك عن هؤلاء القوم.
فهذا باب يجب أن يُراعى، ألا وهو مراعاة الأحاسيس والمشاعر والقدرات، ودوماً الموفق من وفقه الله، وفقنا الله وإياكم لكل خير، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وآله وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 720
موعظة الحكيم لقمان
لقد احتوى كتاب الله الكثير من المواعظ والدروس والعبر، ومن هذه المواعظ: موعظة لقمان لابنه، حيث حذره فيها من الشرك بالله، وأنه ذنب عظيم، وأمره بإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك، وحثه على الأخلاق العالية السامية مع الغير.
стр. 721
حاجة الناس إلى المواعظ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
وبعد: إن الله أمر نبيه محمداً ﷺ أن يذكّر وأن يعظ، فقال الله في كتابه الكريم: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣]، وقد امتثل رسول الله ﷺ هذا الأمر من ربه، فكان يعظ خير المواعظ، حتى إن العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغةً وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا) فذكر الحديث.
وكان الوعظ أيضاً من شأن الأنبياء عموماً، فقد خرج نبي الله موسى ﵇ ذات يوم إلى بني إسرائيل فوعظهم موعظة بليغة حتى ذرفت الدموع على اللحى، فكان -ولا يزال- الوعظ عملاً مأموراً به أمر الله به في كتابه، وفعله رسولنا محمدٌ ﷺ في سنته.
وخير وعظ دوماً وعظ يستقى وتستقى مادته من كتاب ربنا ومن سنة نبينا محمد ﷺ ، إذ الله قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق:٤٥]، وقال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية:٦].
стр. 722
موعظة لقمان الحكيم لابنه
بين أيدينا موظعة لقمان الحكيم لابنه، وبين يدي الموعظة يقدم ربنا ثناءً على الواعظ حتى تتقبل موعظته، وتبلغ محلها من القلوب، فيقول تعالى مقدماً تلك الموعظة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢]، يثني ربنا على الواعظ الحكيم لقمان فيقدم مقدمةً بين يدي تلك الموعظة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢].
فيذكر ربنا أنه آتى لقمان الحكمة؛ فعلى ذلك يستعد لاستقبال ما يعظ به لقمان، فالذي أثنى عليه هو ربه ﵎، فمن ثمّ ينبغي أن تستقبل موعظته بآذان صاغية واعية.
أما عن لقمان فلم يرد له ذكرٌ في الكتاب العزيز إلا في هذا الموضع، ولم يرد له ذكرٌ في الثابت الصحيح -فيما علمت- من سنة النبي ﷺ إلا في حديث ضعيف: (خير السودان ثلاثة: بلال ولقمان ومهجع مولى عمر بن الخطاب) ﵁، إلا أن الخبر لا يثبت، فعلى هذا يكتفى بتعريف لقمان من الوارد في هذه الآيات، بيد أن روايات من الموقوفات على الصحابة أو التابعين ومن الإسرائيليات أفادت مطلقةً على ذلك أن لقمان كان عبداً أسود حبشياً قصيراً ذا مشافر -أي: شفاه عظيمة- عظيم القدمين مشقق القدمين، فهذه كلها في الجملة في نظرنا صفات دمامة، إلا أن الحكمة غطت هذا كله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
فهو وإن كان أفطس الأنف أسود الوجه ذا مشافر مشقق القدمين لكن الحديث يقول: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)، وقال ﷺ : (التقوى هاهنا) -وأشار صلوات ربي وسلامه عليه إلى صدره ثلاث مرار.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢]، فنعم ما أوتي لقمان؛ إذ الله تعالى قال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩]، ونبي الله قال: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين).
وكل نعمة تحتاج إلى شكرٍ يلائمها ويناسبها، فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] أي: حتى تزداد عليك هذه النعم قدم لله شكراً يوازيها، وقدم لله شكراً يكافئها.
فحتى تزداد علينا نعم ربنا يلزمنا أن نقدم لها شكرا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢]، عائدة شكرك فعائدة عليك، وشكرك عائدٌ أثره الجميل عليك، وإلا فالله غني عن العالمين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢]، فإن الله غني عنه وعن شكره، حميدٌ للشاكرين.
стр. 723
حث لقمان ولده على التواضع
يقول لقمان لولده ناهياً عن الكبر حاثا على التواضع: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨] أي: لا تكلم الناس وأنت معرضٌ عنهم بوجهك، بل كلمهم وأنت مقبل بوجهك عليهم.
كما قال ﵊: (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط)، قال: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]، بل كلمهم ببشاشة وطلاقة وجهٍِ وإقبالٍ عليهم، فهكذا يعلم لقمان ولده.
قال تعالى عن لقمان: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨] أي: لا تمش مختالاً متعالياً، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] قال تعالى عن لقمان: ((
الجواب
=٦٠٠٣٤٨٧>> وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان:١٩]، والمراد: الاعتدال في المشي غير الإسراع الزائد المخل بالتوازن، وغير مشية البطيء المتمارض، وهذا وجهٌ، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فالمشي المتوسط مشي لا تكاد معه تسقط ويختل منك التوازن، ولا مشية المريض المتباطئ، بل التوسط مطلوب.
وهناك وجهٌ آخر أن المعنى: (واقصد في مشيك)، أي: اقتصد في أعمالك فالاقتصاد والسمت الحسن جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة كما قال النبي ﵊.
قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩]، فليس من الأدب رفع الصوت.
قال فريق من العلماء: إن الحمار يبدأ بزفيرٍ لا يبدأ بشهيق، فيكون صوته أسوأ الأصوات وأعلاها، ورفع الصوت تشبه عن التشبه بالحمير.
فالوصايا بدأت بعظائم الأمور، فبدأت بالنهي عن الشرك، وانتهت بآداب وأخلاق ومعاملات، وصدق سلمان لما قالت له اليهود: يا سلمان! نرى نبيكم يعلمكم كل شيء، فهل علمكم الخراءة -أي: كيف تقضون الحاجة-؟ قال: أجل علمنا نبينا كل شيء، وعلمنا نبينا كيف نقضي حاجتنا إذا دخلنا الخلاء وذكر طرفا من آداب ذلك ومنه: (ألا نستقبل القبلة ببول أو غائط ولا تستدبر، ولا نستنجى باليمين، وعلمنا الإيتار عند الاستنجاء)، وذكر جملة الآداب رضي الله تعالى عنه.
فهذا وعظٌ مستقى من كتاب ربكم، فاقرءوا كتاب الله قراءة المتدبر الذي يريد أن يعمل، لا قراءة المتصفح المتفكه بما في الكتاب من قصص وحكايات، بل اقرءوا كتاب ربكم قراءة العامل المتدبر، وقراءة قارئٌ يقرأ ليفقه ثم ليعمل، ثم لينجو أمام ربه، وليكون القرآن حجة له لا عليه، أسأله جل وعلا أن يجعل كتابه حجة لنا جميعاً لا حجة علينا.
стр. 724
أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال تعالى عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧].
الصلاة هي عمود الدين، كما قال النبي ﷺ ، فهي أعظم ركنٍ بعد الشهادتين.
قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان:١٧]، أي: لا تتقاعس يا بني عن الأمر بالمعروف، بل أمر بالمعروف وانهَ عن المنكر، ولا تترك -يا بني- الفساد يستشري، وذكّر الناس بأمر الله، وحذرهم من معصيته، ولا تكن جباناً خواراً ضعيفاً، ولا تكن ساكتاً عن الحق.
والأمر والنهي يستتبعان في الغالب ابتلاءات، فهنا تأتي الوصية بالصبر: (واصبر على ما أصابك).
أي: يا بني! إن أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر فابتليت -وأنت تلزم الحكمة والموعظة الحسنة- فاصبر على ما أصابك، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فالتواصي بالحق يستتبع بلاءً، فمن ثم جاء الحض على التواصي بالصبر، فدع الجبن جانبا.
فيا معشر الدعاة دعوا الجبن جانباً، ودعوا الخور جانباً، إن الطيب عند الله هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمقيم لحدود الله، أما الساكتون عن الحق فهؤلاء شياطين، والذين يرون المنكرات ويقرونها ولا تهتز لهم شعرة وحدود الله تنتهك وأوامر الله تضيع ليس لهم من الأجر نصيب.
إن أمة محمد فضلت على سائر الأمم بقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
ولقد حث ربنا على الأمر بالمعروف وذكّر به، قال تعالى في كتابه الكريم.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:١١٦]، ومعنى (أولوا بقية) أي: من صلاح، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينجيه الله تعالى.
وقال ﵊: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فلماذا ترضون بالدنية في دينكم وتختارون دوماً حالات أضعف الإيمان؟ ولماذا تؤثرون أضعف الإيمان في كل الحالات وقد علمتم أن الآمر الناهي ناجٍ بإذن الله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].
стр. 725
تعريف لقمان ابنه بسعة علم الله
يقول لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]، فيبين لقمان لولده سعة علم الله وإحاطته بجميع الأمور، فيقول لولده -وهكذا ينبغي أن نعلم أولادنا، ونعرفهم بربنا-: (يا بني إنها) أي: المعمولة سواءٌ أكانت خطيئة أو حسنة: ﴿إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ﴾ [لقمان:١٦] أي: فتكن عملت في صخرة: أي: عملتها وأنت داخل صخرةٍ أحاطت بك من جميع جوانبها (أو في السموات أو في الأرض) أي: عملت في صخرة.
أو في السماوات، أو في أي مكان في السماوات، أو في أي مكان في الأرض (يأت بها الله) أي: توافى بها يوم القيامة، فأي سيئةٍ عملت في قاع البحار، أو وراء أبواب قد أوصدت، وفي غرف قد أغلقت (يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)، فهكذا يعرّف لقمان ولده بربه سبحانه، وهكذا ينبغي أن نعرف أولادنا بربهم وخالقهم، وسعة علمه وإحاطته وعظيم فصله وقضائه وقدره، وأن الأمر كله إلى الله، فهو الذي يعز ويذل، وهو الذي يرفع ويخفض، وهو الذي يوفقك -يا بني- في الامتحانات، وهو الذي يخذلك إن عصيته، فهكذا نعرف أبناءنا بربنا وخالقنا.
стр. 726
أول وصايا لقمان لابنه
بدأت استهلالات تلك الموعظة، بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ [لقمان:١٣] أي: واذكر أيها الذاكر، واذكر يا رسول الله، واذكر يا من تتلو كتاب الله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، هذه أولى وصايا لقمان ﵇ وأولى وصايا الأنبياء، وآخر وصاياهم كذلك، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣].
وفي وصيته أيضاً قال الله تعالى عنه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، فبدأ لقمان في وصيته محذراً من الشرك الذي يحبط الأعمال جميعها، قائلاً: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤]، ولم يجر هذا على لسان لقمان لحكمة بليغةٍ إذ هو الذي يعظ، فلا يعظ لتعود عليه عائدة من وعظه، حتى لا يُفهم أمره على غير وجهه، فجاءت الوصية بالوالدين من غير لقمان وهو الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، جاء بالتذكير بالوالدة بعد الوالدين؛ إذ هي أحق الناس بحسن الصحبة -كما قال ﷺ وقد سئل: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك.
قال: ثم من؟ قال: أمك.
قال ثم من؟ قال: أمك.
قال ثم من؟ قال: أبوك).
والوصايا بالوالدين تكررت كثيراً في كتاب ربكم، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦].
وفي الحديث: (أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: الصلاة على وقتها.
قيل: ثم أي؟ قال: ثم بر الوالدين، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)، فَقُدّم بر الوالدين على الجهاد معشر الكرام، وكذا في أبواب الجرائم، في الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قيل: الشرك بالله، قال: ماذا؟ قال: ثم عقوق الوالدين.
وكان متكئاً فجلس.
فقال: ألا وقول الزور.
ألا وقول الزور.
ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قال الصحابة: ليته سكت)، فبر الوالدين عملٌ يستشفع به لدفع البلايا والمصائب، وتعلمون أن الثلاثة أصحاب الغار فرّج عنهم بأعمالهم، وكان عمل أحدهم بره بوالديه، وأويس الذي كان به برص دعا الله فشفاه من البرص بسبب بره بوالدته، والنصوص في هذا متظافرة متكاثرة.
قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] أي: ضعفاً على ضعف، قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ في عامين﴾ [لقمان:١٤] أي: وفطامه في عامين، وهو آخر أمد من الرضاعة كما قال الجمهور من العلماء، فكل رضاعةٍ بعد الحولين لا تحرم على الصحيح من قول الجماهير.
قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، فقدم شكراً -أيها المرء- لربك، ثم قدم شكراً لوالديك.
ثم قال تعالى مبيناً أمراً: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، فطاعة الله فوق كل طاعة، ثم طاعة رسول الله ﵊ من طاعة الله، وهي فوق كل طاعة كذلك، ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥]، فقد أسلم سعد وكان من السابقين ﵁، وأبت أمه إلا الكفر، فدعته فقالت له: يا سعد: يا بنيّ: ما هذا الدين الذي اعتنقت؟ -وكان بارّاً بأمه- لتراجعن نفسك، ولترجعن عن دينك أو لأمتنعن عن الطعام وعن الشراب حتى أموت فتعيّر ويقال لك: يا قاتل أمه.
فقال لها سعد: يا أمي! لن أرجع عن ديني -إن شاء الله- ما حييت، فامتنعت عن الطعام يوماً وليلة، فأصبحت وقد أجهدت، ثم واصلت الامتناع يوماً آخر وليلة، ويوماً ثالثاً وليلة، حتى كانوا يفتحون فمها بالقوة ويصبون لها الطعام والشراب، ففي بعض الروايات عند الطبراني أنه قال: والله -يا أميّ- لو أن لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفسا ما تركت دين محمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، فأكلت.
وفي ذلك نزلت: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥]، فلا طاعة في معصية الله، ولكن مع ذلك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] أي: اسلك سبيل الصالحين، اقتفِ آثار الصالحين، اعمل كعمل الصالحين، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، فللمؤمنين سبيلٌ ينبغي أن يُسلك.
يقول تعالى: ﴿ثم إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥]، أي: مرجع المطيعين وكذا مرجع العصاة، وإليّ مرجع الآباء وكذا مرجع الأبناء، (فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
стр. 727
حكم الاحتفال بالإسراء والمعراج
إن الإسراء والمعراج، نقول: الإسراء والمعراج حق، ولا شك في هذا ولا مراء، وقد ثبت ذلك بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، فقد أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بورك حوله، ثم عُرج به إلى السماوات، وهنالك فرضت الصلوات، وهذا ثابت بالكتاب وبالسنة وبالإجماع، ثم إن جمهور أهل السنة على أن الإسراء كان بروح الرسول وجسده، وكان ذلك يقظة كذلك، وهذا ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة وفقهم الله لكل خير.
وقد أراه الله سبحانه آيات عجائب، وأراه الأنبياء، وكانت هذه الحادثة فتنة للناس، وفتنة لمن في قلبه مرض، أما أهل الإيمان فيعلمون أن الله على كل شيء قدير، ثم كان فيها من وجوه الإعجاز ما كان فيها، فكانت فيها جملةُ وجوه من وجوه الإعجاز.
ومن هذه الوجوه: أن النبي ﵊ لما كذبته قريش وسألته عن المسجد الأقصى، قالت له: تزعم أنك ذهبت إلى المسجد الأقصى وصليت بالأنبياء فيه، فصف لنا هذا المسجد؟ ولم يكن النبي قد أدركه إدراكاً كاملا، فجلّى الله له المسجد الأقصى فرآه رأي عين، فطفق يصفه لهم وصفاً دقيقاً فتعجبوا وقالوا: أما الوصف فقد صدق فيه.
ﷺ .
فلا شك ولا امتراء أن قضية الإسراء والمعراج حق.
ولكن لم يثبت سندٌ ببيان تاريخ هذه الحادثة، فهل هي في ليلة السابع والعشرين من رجب؟ أم هي في شهر ربيع؟ أم هي في ذي القعدة؟ أم هي في شعبان؟ أم في أوائل رجب؟ فلم يثبت بذلك خبرٌ عن المعصوم ﵊، ولا عن أحدٍ من صحابة رسول الله ﷺ ، بيد أنها وقعت إجماعاً كما بينا، ثم على فرض ثبوت تاريخ هذه الليلة، لم يرد أن النبي ﷺ احتفل بها، ولم يرد أن الصحابة من بعد رسول الله احتفلوا بها وجعلوها عيداً كما يصنع الناس الآن، ولم يرد أن التابعين احتفلوا بذلك، ولا أتباع التابعين، ولم يرد أن أصحاب المذاهب الفضلاء الأربعة احتفلوا بها، والغالب على الظن أن الذين أدخلوها هم المنسوبون كذباً على فاطمة بنت رسول الله ﷺ الذين يقال لهم: (الفاطميون) وهم البرابرة الذين أتوا من المغرب واستوطنوا مصر فأحدثوا فيها، وأدخلوا في الدين ما ليس منه، وأدخلوا في الدين هذه البدع والخرافات والترهات التي تجدونها في الموالد التي يُشرك بها بالله، ويسأل من غير الله المدد، فضلاً عما فيها من البدع.
فمن كان مقتدياً برسوله محمد فليقتد به في سنته، قال تعالى:: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، أما أن تزعم محبة هذا الرسول وأنت تعصي أمره، وتزعم المحبة وأنت تشتري الحلوى وتشارك في البدع والمنكرات فليست تلك بمحبةٍ لرسول الله ﷺ ، وليست من اتباع السنن بحال من الأحوال.
стр. 728
كلمة في الانتخابات الديمقراطية
إن الله سبحانه أخذ العهود والمواثيق على من أوتوا علما أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فقال الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧]، ولقد قال ربنا -وهي أشد على من أوتي علماً- في كتابه ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣].
فنظرة إلى ما يجري حولنا من أمور الانتخابات نجد أنه فيها كلٌ يدلي بصوته، فالرجل يدلي بصوته، والمرأةٌ تدلي بصوتها، والمسلمٌ يدلي بصوته، والكافرٌ يدلي بصوته، والفاسق الفاجر يدلي بصوته، وكل هذا لا وجه له في الشريعة الغراء، فليس في الشريعة الغراء لكافر وجه في الإدلاء بصوته، وليس في الشريعة الغراء أن فاسقا فاجراً سكّيرا عربيدا يدلي بصوته، وفي الشريعة الغراء فرق بين الرجل والمرأة، ثم إذا رجعنا إلى عهد سلفنا الصالح لم نر تلك الانتخابات بهذا التوصيف، لا على عهد أبي بكر، ولا عمر ولا عثمان، ولا علي، ولا غير هؤلاء.
والعلماء يقولون: تنعقد الخلافة بأحد أمور أربعة: الأمر الأول: أن يكون هناك نص من الكتاب والسنة على واحد بعينه، فهذا لا محيد عنه.
ولكن هذا لم يعد متحققاً بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وبعد تمام لدين، وكان هذا في الأمم من قبلنا؛ إذ الله تعالى قال: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]، وكذلك كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم.
الأمر الثاني: أن تجتمع في الخليفة صفاتٌ تؤهله لذلك سماها نبينا، وبينت في كتاب ربنا ، ثم يبايع أيضاً من قِبل أهل الحل والعقد من المسلمين.
الأمر الثالث: أن يأتي إلى السلطة بالقوة، فيحكم الناس عنوةً ويقيم الشرع، فهو ما وصل إلى مقامه باستخلاف رشيد، وإنما وصل بالقوة وهو يقيم الشرع، فقال كثير من العلماء -كما نقل عنهم القرطبي: -: يسمع له ويطاع في المعروف حقناً لدماء المسلمين.
الأمر الرابع الذي يتأتى به الاستخلاف -كما قال العلماء-: أن يستخلف خليفة راشد خليفة راشداً آخر، كما استخلف أبو بكر عمر ﵁.
ومن الجدير بالذكر أن عمر في مرض موته لما طُعن أتاه القوم فقالوا له: استخلف يا أمير المؤمنين.
قال: إن أترك -أي: إن أترك الناس بلا استخلاف- فقد ترك من هو خيرٌ مني رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول لم ينص صراحة على استخلاف أحد، وإنما استفاد بعض العلماء من الإشارات استخلاف أبي بكر في حديث: (مروا أبا بكر فليصلِ بالناس)، واستفاد بعضهم استخلاف علي لحديث: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، والحق أنه لم يستخلف؛ لقول عمر: (إن أترك فقد ترك من هو خيرٌ مني، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خيرٌ مني -يعني: أبا بكر -، ثم قال: لكني أترك الأمر شورى في هؤلاء الستة الذين مات الرسول وهو عنهم راض، فسمى عثمان وعلياً وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فهذه الأمور الأربعة التي ذكرها علماؤنا للوصول إلى الحكم.
стр. 729
من لوازم الإمارة أو الرئاسة
من الشروط التي وضعها العلماء في الخليفة أو الرئيس الذي ينبغي أن يكون رئيساً ويجدر بنا أن نرشحه ونبايعه أن يكون ممن يقيم دين الله، وممن يقود الناس بشريعة الله بكتاب ربهم وسنة نبيهم محمد ﵊، وقد قال الله تعالى لخليله إبراهيم ﵊: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة:١٢٤] أي: يا رب! واجعل من ذريتي أئمة، قال الله: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤] أي: ليس لظالم عندي عهد أن يكون إماماً.
وقال رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش ما أقاموا الدين)، وهذا الشرط الثاني الذي عليه جمهور أهل السنة، فالأئمة من قريش، لكن ذلك مقيد بقوله: (ما أقاموا الدين).
، فالناظر إلى عموم المرشحين يجد أن من برامجهم فصل الدين عن السياسية، وهذا منكرٌ من القول وزور، وهذا مخالفٌ لكتاب الله ولسنة نبي الله، قال تعالى:: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]، فأي مرشح كائنا من كان يعلن في برنامجه أنه يفصل الدين عن السياسة، لا يستحق ولا يجدر بنا أن ننتخبه إن صحت الانتخابات، وهذا دينٌ ندين ربنا به، ألم تسمعوا قول خالقكم: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]، ألم تقرأوا قول ربكم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وفي الثالثة: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، ولا أقصد الحكم بكفر شخص، فهناك كفرٌ دون كفر، كما هو مقررٌ عند أهل السنة، إلا إذا استحلوا الحكم بغير ما أنزل الله، فينتقل الأمر إلى الكفر عياذاً بالله.
فمن شروط الإمام المستخلف: أن يقيم الدين، وأن يعلن عن وجهته صريحةً أنه سيقيم دين الله، أما أن يتسابق القوم المرشحون في إرضاء أهل الكفر وأتباع المذاهب الباطلة، فذلك جديرٌ أن يحملنا على هجران كل تلك الترهات.
فديننا لا يقر بحزب سوى حزب الرحمن، وإننا نقر ببطلان كل هذه المبادئ المعلنة، فديننا ليس فيه اشتراكية، ولا ديمقراطية، وليس فيه حزب التكامل ولا التكافل، ولا غير ذلك، إنما ديننا فيه حزب الله، وحزبنا الوحيد حزبٌ يأتمر بأمر الله وأمر رسوله محمد ﵊، ليس لنا دين إلا ذلك، وكفانا ترهات وضلالات، فكل شخص يأتي يفرض مذاهبه ثم من يسبح بحمده.
وكنا في زمن رئيس أسبق ينادى فيه بالاشتراكية، ويؤلف فيه المؤلفون، وينادي الشعراء الماجنون فيقول قائلهم: الاشتراكيون أنت إمامهم.
ويسبون الرسول، ويوصف النبي ﷺ بالاشتراكية، وآخر يصف النبي بالديمقراطية، عياذاً بالله من هذه الترهات).
وقد ذكر العلماء من لوازم الإمارة ومن لوازم الملك والرئاسة أن يكون المرشح مُلماً بشيءٍ ما من أمر دينه، فيعرف الحلال والحرام، ويعرف أنواع القضاء، ويستدل لذلك بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فهذه وجوه اصطفاء.
فهذه بعض لوازم الإمارة والرئاسة، ومطالعها لا تنبي عن أنها تتوافق مع أحد من هؤلاء الذين يسعون لإرضاء الأمريكان.
فالحمد الله الذي حفظ علينا عقولنا، ونسأل الله ألا يجعلنا من السفهاء، ونسأل الله ألا يجعلنا نماري ولا نجامل في دينه؛ لأننا سنسأل بين يدي خالقنا عن كل كلمة نتكلم بها، وعن كل شهادة ندلي بها، والله على ما أقول وكيل، والله من وراء القصد وبالقصد، عليمٌ ومحيط .
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم يا ولي الإسلام وأهله: ثبتنا على الإسلام والإيمان حتى نلقاك.
اللهم: ثبتنا على الإسلام والإيمان حتى نلقاك، اللهم: ثبتنا على الإسلام والإيمان حتى نلقاك، اللهم: ولِّ علينا خيارنا واصرف عنا شرارنا، اللهم: ولِّ علينا خيارنا واصرف عنا شرارنا، اللهم: ولِّ علينا خيارنا واصرف عنا شرارانا، اللهم: خيِّر لنا واختر لنا.
اللهم: خير لنا واختر لنا.
اللهم: خير لنا واختر لنا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا يا رب العالمين، ربنا: هذا زاد المقل، وهذا دعاء الداعي، فمنك الإجابة وعليك التكلان، ومنك السداد يا أرحم الراحمين.
стр. 730
وقفات مع سورة يوسف
إن الله قد أورد القصص في كتابه الكريم للتدبر والتفكر والاستفادة، وقصة يوسف هي أحسن القصص في القرآن الكريم، وفيها عبر ودروس لمن كان له قلب، فقد عفا يوسف عن إخوته رغم ما فعلوه به، والمظلوم لابد أن ينصره الله وإن طال الأمد.
стр. 731
تفسير قوله تعالى: (وجاء إخوة يوسف)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فهذه آيات من كتاب الله كريمات نتناولها بالبيان والتأويل سائلين الله أن ينفعنا وإياكم بها.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨]، بعد طول غياب جاء إخوة يوسف ﵊ من بلاد كنعان، جاءوا في سنوات شداد حلت فيها مجاعات بالبلاد، كما كان النبي ﷺ يتمثل بذلك وهو يدعو على المشركين فيقول: (اللهم أعني عليهم بسنين كسنين يوسف).
فجاء إخوة يوسف وقد ضربتهم المجاعة يلتمسون الزاد والطعام من بلاد مصر التي منّ الله عليها آنذاك بأن أصبح يوسف ﷺ عزيزاً عليها يدبر أمورها بما علّمه الله .
стр. 732
علة إرجاع يوسف لبضاعة إخوته بعد دفع قيمتها
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف:٦٢] أمر يوسف ﷺ الفتيان أن يجعلوا البضاعة في الرحال لغرضين: الغرض الأول: أن القوم قد لا تكون عندهم أموال يأتون بها إلى مصر مرة ثانية لشراء الطعام، فإذا وجدوا البضاعة ردت إليهم، أسرعوا في المجيء.
الوجه الثاني: الاستهلال بذلك عند أبيهم على كرم يوسف ونبل أخلاقه ﷺ ، وهذا من الحيل المشروعة، والحيل على قسمين: الأول: حيل محرمة مذمومة كتلك التي صنعها الإسرائيليون إذ اعتدوا في السبت كما حكى الله صنيعهم في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:١٦٣].
والثاني: حيل مشروعة: كتلك التي ذكرها الله سبحانه في شأن نبيه أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤]، ومن الحيل المشروعة كذلك: التعريض بالخطبة للمتوفى عنها زوجها وهي في عدتها؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥].
الشاهد: أن يوسف قال ﵇: ﴿اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ [يوسف:٦٢] (وانقلبوا) معناه: رجعوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١] لماذا؟: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف:٦٢].
стр. 733
طلب يوسف من إخوته المجيء بأخيه الشقيق
قال تعالى: ﴿جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٨ - ٥٩]، يقول أهل العلم من المفسرين: إن هذا الأخ هو (بنيامين)، أما سنة النبي ﷺ فلم يرد فيها تسمية لهذا الأخ، إلا أن جمهور المفسرين على أن هذا الأخ هو (بنيامين).
قال يوسف لإخوته: ﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف:٥٩] هو شقيق يوسف ﷺ ، ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٥٩ - ٦٠]، يقول أهل العلم في ذلك: إنه يستحب للقائم على الأمور أن يستعمل الشدة في محلها، وأن يستعمل اللين في محله كذلك، وقد جمع يوسف ﷺ بين هذا وذاك في قوله: ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩]، ثم عرج على الشدة ولوح بالتهديد في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف:٦٠]، ونحو ذلك وارد في قول ذي القرنين إذ قال الله له: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٦ - ٨٨]، فاللين وإن كان أفضل لقول النبي ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، ولقول الرسول ﷺ كذلك: (إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق)، لكن إن احتيج إلى الشدة اتجه إليها كذلك، وقد قال سليمان ﵇: ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١]، فأخذ من ذلك: أن اللين له محله والشدة لها محلها كذلك.
قال يوسف ﷺ : ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [يوسف:٥٩] أي: أنا خير من أكرم الأضياف، فإكرام الضيف خصلة يمتدح بها الشخص، وقد حث على ذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وقال ﷺ : (أيما رجل نزل بقوم فلم يقروه، كان له أن يأخذ منهم بقدر قراه)، وما زال الناس يذمون البخلاء، فيقول شاعرهم: رأيت الفضل متكئاً ينادي الخبز والسمك فزمجر حين أبصرني ونكس رأسه وبكى فلما أن حلفت له بأني صائم ضحك وأحسن من ذلك: قول رسول الله ﷺ : (من سيدكم يا بني عمرو بن جموح؟ قالوا: يا رسول الله! الجد بن قيس على أنّا نبخّله، فقال ﵊: وأي داء أدوأ من البخل؟) قال يوسف الصديق ﷺ : ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلا تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف:٦٠ - ٦١] ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ والمراودة: هي المطالبة برفق.
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا)
﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف:٦٣] زهنا لفتة عارضة تستفاد من قولهم: ((يَا أَبَانَا)) أنه ينبغي أن نتخاطب فيما بيننا، وأن نعلم أبناءنا اللغة التي نزل بها كتاب ربنا، فلم يقولوا: يا (بابا) منع من الكيل.
إنما قالوا: ((يَا أَبَانَا)) فلزاماً علينا -إن كنا نحب نبينا محمد ﷺ أن نتأسى به وبالكتاب الذي نزل عليه، وقد قال الرسول ﷺ : (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي) ولم يقل: استأذنت ربي أن أزور قبر (ماما)، كما يفعله المتهوكون الحيارى المتبعون لليهود والنصارى.
﴿قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ فهل منع الكيل منهم حتى يقولوا منع منا الكيل؟ كلا.
ما منع منهم كيل، بل أخذوا حقهم ونصيبهم غير منقوص، بل وردت بضاعتهم إليهم مرة أخرى، فكيف قالوا: منع منا الكيل؟ يقول أهل العلم: إن هذا إطلاق باعتبار ما هو آت، كالوارد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف:٣٦] والخمر في الأصل معصور، ولكن المعنى إني أراني أعصر عنباً فيئول العنب بعد ذلك إلى خمر، وكالوارد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء:١٠] أي: ستئول هذه الأموال إلى نار والعياذ بالله! فقولهم: ((مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ)) أي: سيمنع منا الكيل.
وقد يطلق اللفظ باعتبار ما قد فات كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٢] أي: الذين كانوا يتامى، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١٢٠] أي: الذين كانوا سحرة، إذ لا سحر مع سجود.
قال الله سبحانه: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف:٦٤ - ٦٥].
((قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي)) ماذا نطلب وماذا نريد؟ ((هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا)) أي: نجلب لأهلنا الميرة، وهي الطعام ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف:٦٥] * ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] والموثق: هو العهد المؤكد باليمين ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ ومن أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تهلكوا عن آخركم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف:٤٢].
стр. 735
علة دخول إخوة يوسف من أبواب متفرقة
﴿وَقَالَ يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف:٦٧] ذلك -والله أعلم- خشية العين، فإخوة يوسف كانوا أيضاً على درجة من الجمال والبهاء إذ هم من ذرية إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ قال الله في شأنهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] أي: الأقوياء العلماء، ثم إن جدتهم أيضاً هي سارة ﵍ ولم يكن لها مثيل في الجمال في زمانها كما ورد في الصحيح: (إذ دخلت بلاد الجبار فقالوا له: قد دخلت بلادك امرأة لم يُرَ مثلها) فلا جرم أن يأتي أبناؤها وأحفادها على هذا النحو، فيعقوب ﷺ قال لأبنائه: ﴿يَا بَنِيَ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ قال كثير من أهل العلم: ذلك خشية العين، فالعين حق كما قال الرسول ﷺ : (العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين) وقال ﵊: (إن العين لتولج الرجل القبر، وتولج الجمل القدر) وذهب النبي ﷺ إلى أسماء بنت عميس بعد مقتل زوجها جعفر بثلاث ليالٍ، ووجدها وقد التف حولها أبناؤها وفيهم نحافة فقال لها: (مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ قالت: تسرع إليهم العين يا رسول الله، قال: فاسترقي لهم) وأيضا: رأى النبي ﷺ في وجه جارية لـ أم سلمة تغير وسواد، فقال: (إن بها النظرة، فاسترقوا لها) وأيضا: كان على عهد النبي ﷺ صحابي جليل من صحابته الكرام وهو سهل بن حنيف ﵁، وكان رجلا وسيماً أبيض، قام سهل بن حنيف يغتسل فرآه عامر بن ربيعة فقال عامر عندما رأى سهلاً ورأى بياض جلده: ما هذه الجلدة البيضاء؟! والله ما رأيت جلداً مثلها! ولا كأنها جلد بكر.
فسقط سهل صريعاً في الحال، فذهب أصحابه إلى النبي ﷺ وقالوا: يا رسول الله! أدرك سهلاً، فقال ﵊: (من تتهمون.
قالوا: نتهم عامر بن ربيعة، فدعاه النبي ﷺ ، وقال: على ما يحسد أحدكم أخاه؟ هلا دعوت له بالبركة، ثم أمره أن يتوضأ وأن يغسل ركبتيه وداخل إزاره، ثم أخذ هذا الماء فصب على سهل بن حنيف، فقام كأنما نشط من عقال)، أي: كأنه كان مربوطاً بحبل وفك من هذا الحبل رضي الله تعالى عنه.
وقد ورد في كتاب الله ما يثبت ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١] فمن ثَم ولا جرم أن طلب يعقوب من أبنائه أن يدخلوا من أبواب متفرقة كان خوفاً من هذا الأمر.
ووجه آخر عند المفسرين: حتى لا يكيد لهم الكائدون؛ فإذا دخل هؤلاء -وعددهم أحد عشر شخصاً- من مكان كاد لهم الكائدون.
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٦٨].
﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا﴾ بمعنى: لكن، ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ يؤخذ من ذلك أدب من آداب الخطباء وخلق من خلق التوجيه وهو: أنك إذا بينت أن شخصاً ما عنده خلل في ذاته، فينبغي أن تعقب هذا البيان بثناء حسن على هذا الشخص ولا تضيع حقوقه، هذا إذا سلمنا أنه إنسان مخطئ، ولكن ليس هذا بخطأ من يعقوب ﷺ ، بل قد أثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ولكن المقام مقام رد الأمور إلى الله ، وإنما الذي صنعه يعقوب ﵊ من باب الأخذ بالأسباب.
فنقول: من أدب التخاطب إذا كنت تريد التنبيه على شيء صدر من شخص، أن تتكلم بهذا التنبيه بطيب الكلام، وبطيب الثناء ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨] * ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ وأثنى الله على داود أيضاً فقال الله سبحانه: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩] فينبغي أن يثني على الشخص الآخر أيضاً.
стр. 737
أخذ يوسف لأخيه
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩].
﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ أي: ضمه إليه ﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وفيه دليل على أن شقيق يوسف لاقى عناء وشدة أيضاً هو الآخر بعد غياب أخيه ﷺ ، ومن ثَم سلاّه وجبر خاطره بقوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف:٦٩].
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف:٧٠] السقاية: هو صواع الملك، ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أي: نادى منادٍ ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: يا أصحاب العير! يا أصحاب الإبل! ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ [يوسف:٧٠ - ٧١] ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أخذ من ذلك: أن المتهم إذا كان بريئاً فإنه يكون جريئاً، فهؤلاء جاءوا ولم يهربوا ولم يشردوا، وحتى العجماوات تفهم ذلك، يقول بعض العلماء: إن القطة إذا كانت بجوارك، وأنت تأكل سمكاً فألقيت إليها سمكة فإنها تأكلها بجوارك آمنة مطمئنة، لكنها إذا سرقت السمكة فإنها تأخذها وتهرب، فكأنه قذف فيها معرفة الحلال من الحرام بما أودعه الله سبحانه فيها.
قال تعالى: ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧١ - ٧٢].
﴿وَأَنَا بِهِ﴾ يقوله المنادي ﴿زَعِيمٌ﴾ أي: ضمين، وأخذ من هذا حكم يتعلق باللقطة، فإذا وجد شخص لقطة في الطريق عليه -كما هو معلوم- أن يعرّفها إذا كانت من ذوات القيمة، فإن نادى منادٍ فقال: يا أيها الناس! فقد مني كذا وكذا، ولمن يأتني به كذا وكذا فلا جناح على الذي وجده أن يقبله؛ لأن الآية فيها: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ لكن ليس لمن وجدها أن يشترط ذلك، لكن إن أعطي شيئاً فله أن يقبل للآية الكريمة: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف:٧٣].
﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ أي: والله، فأحرف القسمة ثلاثة: الواو والباء والتاء، تقول: والله، وبالله، وتالله، ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٣ - ٧٥] أي: من يوجد هذا الصواع في رحله يؤخذ كعبد مسترق لصاحب الصواع، وقد كان هذا في شريعة يعقوب ﵇، فنحن في شريعتنا شريعة محمد ﵊ أن السارق تقطع يده، أما في شريعة يعقوب فكان السارق يؤخذ كعبد مسترق مقابل السرقة، بمعنى: أن يأخذه صاحب المتاع المسروق كعبد مسترق مقابل السرقة، وفي الروايات الإسرائيلية على ما سيأتي عند قوله تعالى: ((إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)) أن عمة يوسف كانت قد أحبته في صغره حباً شديداً فطلبته من أبيه يعقوب فأبى عليها يعقوب ذلك، فدست له شيئاً أي: يوسف واتهمته به حتى تضمه وتؤيه إليها، وهذا من الإسرائيليات التي لا ينبغي أن تصدق ولا تكذب، ولكنها تفيد في بعض البيان والله تعالى أعلم.
قال تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] أي: في شريعة يعقوب، فشرائع الأنبياء تتنوع لكن أصل الدين وهو التوحيد ثابت، قال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] لكن الأصل واحد لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
قال الله: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ لنفي التهمة، ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ فالذي دبر هذا ويسره ليوسف هو الله، فالمعلَّم من علمه الله؛ وقد قال النبي ﷺ : (إن الله خلق كل صانع وصنعته).
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فليدرك كل عالم ذلك ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦].
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:٧٧] قالوا وأبانوا عما في صدورهم تجاه أخيهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعرضون بيوسف ﵊.
стр. 738
ازدياد حزن يعقوب بعد فقد ابنه الآخر
قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف:٨٣].
قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: زينته وحسنته، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ صبرٌ لا تبث معه الشكوى إلا لله.
قال الله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤].
قوله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرض عنهم، ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فلم يذكر (بنيامين) فالمصائب يرقق بعضها بعضاً، وحب يوسف وفقده أنساه سائر أبنائه، ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ غماً وهماً.
قيل للحسن البصري ﵀ وقد بكى على بعض أبنائه إذ مات: أتبكي يا حسن؟! قال: سبحان الله، ما أنساك ليعقوب ﵇ إذ قال الله في شأنه: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ممتلئ هما وغماً.
стр. 739
كظم يوسف ﵇ لغيظه
قال الله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾.
يقول أهل العلم: ينبغي أن يتسم المدير أو القائم أو المسئول بضبط النفس وكظم الغيظ ولا يكون طائشاً متهوراً، فيوسف ﵇ لم ينفعل بل كان كما قال تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ فلنستق أخلاقنا من كتاب ربنا ومن سير أنبيائنا عليهم الصلاة والسلام كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠].
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨] ((قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ)) فيه: جواز إطلاق لفظ (العزيز) على بعض البشر.
﴿إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ فتوسلوا إلى يوسف بشيخوخة أبيهم، وبكبر سن والدهم، فللكبير حق معروف عند المتقدمين والمتأخرين، وإلى هذا الأدب مع الكبار أرشدنا نبينا محمد ﵊.
قال ﷺ : (ليس منّا من لم يوقر كبيرنا) وقال ﵊ (رأيتني الليلة أتسوك، فأتاني رجلان فدفعت السواك للأصغر منهما، فقيل لي: كبر كبر) وجاء حويصة ومحيصة إلى النبي ﷺ فذهب أصغرهما يتكلم، فقال له النبي ﵊: (كبر كبر) فالكبير له حق، ويجب أن يعطى حقه، فكم سجد هذا الكبير من سجدة! وكم ركع من ركعة! وكمن ابتلي فصبر! فله حق ينبغي أن يؤدى إليه، وجعل النبي ﵊ من المقدمين في الإمامة عند تساوي الحفظ الأكبر سناً حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً) هكذا للكبير حق ينبغي أن يؤدى إليه ولا يضيع.
وهذا عبد الله بن عمر يعلمنا أدباً لزمه مع الكبار عندما سأل النبي ﷺ أصحابه ذات يوم فقال: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن أخبروني ما هي؟) قال عبد الله بن عمر: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة، فجئت أتكلم فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت، فقال النبي ﷺ : (هي النخلة) الشاهد من ذلك: أدب ابن عمر مع كبار السن، ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٧٨] فعلامات الإحسان على يوسف بادية وظاهرة، وهكذا كما قال تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩].
قال الله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩] وهكذا الأمور فلا تزر وازرة وزر أخرى وهذا مما كان في الصحف الأولى ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٩] ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام:١٦٤].
قال يوسف: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ فإن فعلنا ذلك ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩].
قال الله: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ كان بعض الأعراب يعجب غاية العجب من هذا الأسلوب في كتاب الله، وذكر بعض السلف ﵏ أن هذا اللفظ: ((خَلَصُوا نَجِيًّا)) حمل البعض على الإسلام، انظر إلى دقة التعبير، فقد كانوا يتذوقون القرآن ويفهمونه، وعلى قدر بصيرتك وتقواك وإيمانك تفهم كتاب الله.
وعرضاً أذكر أثراً -وإن لم يسعفني الوقت لتحقيقه- فقد كان ابن عباس يفهم كتاب الله، والأثر فيه: أن أمير المؤمنين عمر ﵁ كان إذا صلى الفجر دخل مجلسه ودخل معه حملة القرآن من أصحاب النبي ﷺ ، وكان يدخل معهم عبد الله بن عباس، فيتدارسون القرآن ويتلوه تالٍ، ويؤله مؤول، ويفسره مفسر، فدخل ابن عباس مع أمير المؤمنين عمر ومعه رجال من الصحابة ﵃، فبدأ التالي يتلو قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤] وابن عباس ينصت تمام الإنصات ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] وابن عباس ينصت، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] وابن عباس ينصت وينتبه، ثم قرأ القارئ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] فضرب ابن عباس وبشدة رجل جليسه، وصاح: (اقتتلا والله اقتتلا والله، قال عمر متعجباً: ماذا قلت يا ابن عباس؟! فاستحيا أن يتكلم، فأعاد عليه عمر: ماذا قلت يا ابن عباس؟! فاستحيا ابن عباس، فأعاد عليه عمر: ماذا قلت يا ابن عباس؟! قال: يا أمير المؤمنين! قلت: اقتتلا والله، اقتتلا والله.
فقال عمر: من هما يا ابن عباس؟! قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إن الله ذكر في كتابه رجلاً مجرماً أصبح والياً أو أميراً، فلما تولى ﴿سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ يقتل هذا، ويضرب هذا، ويسمم بهائم هذا، ويحرق ثمر هذا، فقام له قوم يذكرونه ويقولون له: اتق الله، فما يزيده التذكير إلا فساداً، وتأخذه العزة بالإثم، فقام رجل مؤمن محتسب شرى نفسه ابتغاء مرضات الله لوقف زحف هذا العدو الصائل فحصلت المعركة بينهما.
انظر كيف كان ابن عباس يسير مع الآيات ويفهمها ﵁.
قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨٠ - ٨١].
فقوله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ أي: هذا الذي رأيناه، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [يوسف:٨٢].
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: اسأل أهل القرية.
ومن العلماء من قال: القرية على ظاهرها، فإن الأنبياء لهم ما ليس لغيرهم، إن النبي ﵊ قال (إني أعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ إني أعرفه الآن) أخرج ذلك مسلم في صحيحه.
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: واسال القرية واسأل العير.
وإن المتأمل لهذه الآيات ليرى عظيم الابتلاء الذي حل بيعقوب ﵊، فتخيل إذا رجعت القوافل كلها آمنة مطمئنة، ورجعت قافلتك وأحد أبنائك فقد لسرقته، ماذا سيكون؟ فابتلاؤه ﷺ شديد، إذا يرجع الناس آمنون مطمئنون وابن يعقوب ﵇ يرجع وقد سرق وأخذ كعبد مسترق مقابل السرقة إنه لبلاء عظيم!!
стр. 740
تحريم اليأس والقنوط من رحمة الله
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٥ - ٨٧].
فقوله: ﴿وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ إذ اليأس من روح الله كبيرة من الكبائر ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ لقد عدّ أهل العلم اليأس من رحمة الله من الكبائر؛ بدليل هذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] فينبغي ألا ييئس أحد أبداً من رحمة الله، فلا ييئس مكروب من الفرج، ولا مبتلىً في بدنه ولا في ولده من الفرج، ولا ينبغي أن تيأس امرأة عقيم من رحمة الله، فهكذا علمنا ربنا سبحانه بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
следующие страницы →