Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
حديث: أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين
السؤال
نرجو توضيح المقصود من قوله صلوات الله وسلامه عليه: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين) ؟
الجواب
تقدم بيان أن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﵊، وقد ذكره العلماء.
أما على فرض حسنه فمعناه: أنا بريء من المسلم الذي يعيش بين ظهراني المشركين، يعني: إن أصابه من المشركين شيء أو سوء أو مكروه فأنا لست مسئولاً عنه، فعهدتي بريئة وذمتي بريئة من الضرر الذي يصيب هذا المسلم، فلست منتصراً له إذا أصابه ما أصابه، كقول الله في شأن الذين لم يهاجروا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال:٧٢] ، فنفس المعنى مضمن في هذه الآية الكريمة.
стр. 1017
حكم السفر إلى بلاد الكفر للعمل أو الدراسة
السؤال
هل يجوز السفر إلى بلاد الكفر للعمل أو الدراسة؟
الجواب
إذا دعت الضرورة إلى ذلك فالضرورة تقدر بقدرها، وإذا لم تكن هناك ضرورة لذلك، فبلاد الكفر فيها الشر والفساد، وفيها الامتناع من الجمع والجماعات، فالمسألة بقدرها وبحسبها.
стр. 1018
حكم صلة المرأة التي تزوجت بغير إذن وليها
السؤال
شخص له أخت تزوجت رغماً عنه، وذلك مع كونه الولي، فهل يقاطعها لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] ؟
الجواب
الأخت التي تزوجت رغماً عن أخيها هل يقال: إنها حادت الله ورسوله حتى ننزل عليها الآية؟ وما معنى حاد الله ورسوله؟ حاد الله ورسوله، أو شاق الله ورسوله بمعنى واحد، فحاد الله ورسوله: كأن يكون في جهة، وشرع الله وسنة رسول الله في جهة أخرى، وهذا عن عمد وقصد، وكذلك من شاق الله ورسوله يكون في جهة وشرع الله وسنة رسول الله في جهة أخرى، وهذا عن عمد وقصد.
لكن هذه الفتاة التي تزوجت بغير إذن أخيها، وتزوجت في المحكمة ومعها أمها أو أخوالها أو غير ذلك، فهي مخطئة لا شك في ذلك؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (لا نكاح إلا بولي) ويقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) .
لكن أما وقد تزوجت عند مأذون ودخل بها زوجها وحملت منه وانتهى أمرها، فهذه لا يقام عليها حد الزنا؛ لأنها دخلت في شبهة وهي شبهة الزواج بغير إذن الأخ، لكن زوجها المأذون؛ فيرتفع عنها حكم الزنا؛ لأن النكاح نكاح شبهة، وإن كان في أصله باطل، لكن أما وقد انتهت الأمور، فما بقيت إلا الأرحام التي توصل؛ لأنه لا يشترط في صلة الرحم أن تكون الرحم صالحة، فالرسول ﷺ قد قال: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) ، أي: أصلها بصلتها.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] مع المجاهدة منهم لك وإنما: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] .
ففي مثل هذه الحالة انتهى الأمر، ولو كان الأمر في بدايته لقلنا لك: قاطعها واشتد عليها، بل واضربها إذا أرادت أن تتزوج بغير إذن ولي، مادام الأمر محتملاً ومطاقاً، لكن الأمر قد تم ودخلت بزوجها وانتهت الأمور، فما بقيت إلا صلة الأرحام، والله المستعان.
стр. 1019
درجة عبد الله بن محمد بن عقيل عند المحدثين
السؤال
ما القول في عبد الله بن محمد بن عقيل؟
الجواب
أنصح الأخ السائل الذي يريد معرفة ترجمته بتوسع أن يقرأ فقط ترجمته في: تهذيب التهذيب، وسيخلص أن الرجل ضعيف.
стр. 1020
حكم التسمية عند الوضوء
السؤال
ما حكم التسمية عند الوضوء؟
الجواب
التسمية عند الوضوء مستحبة، وليست بواجبة، أما الدليل على استحبابها فما ورد أن النبي ﷺ قال: (توضئوا باسم الله) .
أما المحتج على إيجابها فيحتج بحديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ، وهذا الحديث له عن رسول الله ﷺ عدة طرق، تفوق عشرين طريقاً، لكن ما سلم منها أي طريق، وبعضها تالف وضعيف، وبعضها يعل بعضاً، فلهذه الإشكالات في هذه الطرق حكم فريق من أهل العلم على هذا الحديث بالضعف الشديد.
وبعضهم لكثرتها حسن الأحاديث الواردة فيها؛ بل وصححها، وألّفت كتب في هذا الحديث، فقد ألف بعض إخواننا الأفاضل كتاباً في إيجاب التسمية، وفي تفصيل درجة هذا الحديث، وألف آخرون كتاباً في أن التسمية لا تجب، وأن حديث التسمية ضعيف واه.
وفي الحقيقة أن كل طرق الحديث -كما سمعتم- ضعيفة وتالفة، وبعضها يعل بعضاً، لكن أيضاً إجمال القول على كثرتها منهم من حسنه بمجموعها وصححه بمجموعها، ومنهم من أبقاها في حيز الضعف.
والكلام على هذا الحديث ليس من الكتاب المعاصرين فحسب؛ بل تكلم عنه الأوائل من أهل العلم المتقدمين، فمنهم من حكم على الحديث بالضعف جملة، ومنهم من حكم عليه بالصحة.
نرجع إلى مناقشة المسألة فقهياً: فإن صح الخبر، فالنفي في هذا الحديث لا يعني نفي الأصل، إنما يعني نفي الكمال، لماذا قلنا: إنه لا يعني نفي الأصل إنما يعني نفي الكمال؟ لأن كل صفات الوضوء التي رويت عن رسول الله ﵊؛ كحديث عبد الله بن زيد، وكحديث ابن عباس، وكحديث عثمان ﵃ جميعاً، لما وصفوا وضوء رسول الله ﵊ لم يذكر واحد منهم أن النبي ﷺ سمى الله عند الوضوء، فلما لم يذكروا أن النبي ﷺ سمى الله عند الوضوء؛ استفيد أن الأمر ليس بأمر حتم وإيجاب، إنما هو أمر -إن صح- إرشاد واستحباب.
أمر آخر: نقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الشافعية الإجماع على أن من نسي التسمية وتوضأ وصلى أنه لا يعيد الصلاة، فلو كان حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) نفي الوضوء من أصله، فالرسول ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) إذاً لبطل الوضوء من أصله، ثم بطلت الصلاة، لكنهم أجمعوا -حتى القائلين بتصحيح الحديث- على أن الصلاة صحيحة، فهذا هو الحكم في هذه المسألة، والله سبحانه أعلم.
стр. 1021
تفسير سورة الواقعة [١]
يوم القيامة يوم لا شك في مجيئه، وفي ذلك اليوم ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، وقد ذكر الله في سورة الواقعة ما أعده للصنفين الأولين من نعيم أبدي سرمدي، وما أعده للصنف الثالث من عذاب أليم.
стр. 1022
ضعف أحاديث فضل سورة الواقعة
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: نفسر سورة الواقعة، والواقعة المراد بها من الناحية اللغوية: السقطة العظيمة الشديدة، ومنه قولهم: وقع الشيء، وقولهم أيضاً: واقعة الحرة، فالواقعة: هي السقطة الشديدة العظيمة، لكن المراد بالواقعة هنا: القيامة بلا اختلاف على ما علمته بين أهل العلم.
سورة الواقعة ورد في فضلها بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، وفي كل منها مقال، ومن هذه الأحاديث التي وردت في سورة الواقعة: ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: (لما دخل عليه عثمان في مرض موته فقال له عثمان: ماذا تشتكي؟ قال: أشتكي ذنوبي، قال: وما ترجو؟ قال: أرجو رحمة ربي، قال: ألا نأتي لك بالطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني، قال: أفلا نأمر لك بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه، منعتني منه في صحتي فتعطيه لي عند موتي! قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: إني لا أخشى على بناتي الفاقة بعد الذي سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة) ، لكن هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله ﷺ .
وكذلك ورد حديث في تصحيحه نزاع، إذ في كل طرقه مقال، ألا وهو الحديث المشهور: (شيبتني هود والواقعة) إلى آخر الحديث، فقد تكلم فيه بعض العلماء كذلك.
стр. 1023
تفسير قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة .
ليست لوقعتها كاذبة)
يقول الله : ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] : قال بعض أهل العلم: إن المراد: إذا قامت القيامة.
وقال آخرون قولاً قريباً من هذا القول إن لم يكن هو نفسه: إن المراد بالواقعة: النفخة.
فالقولان متلازمان.
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢] للعلماء فيها أقوال: أحدها: ليس لوقوعها نفس تكذب هذا الوقوع إذا وقعت، أي: إذا وقعت الواقعة لم يعد هناك منكر ينكر وقوعها، بل الكل أيقن بهذا الوقوع، فليس عند وقعتها نفس مكذبة لهذا الوقوع، فقد انتفت عنهم الشكوك، وزالت عنهم الريب، وأيقن الجميع بوقوع الواقعة.
القول آخر: إن المراد بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة:٢] كالمراد بقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج:١-٢] أي: ليس له من يدفعه، فكذلك ليس هناك من يدفع وقوع هذه الواقعة، وثم أقوال أخر.
﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣] ، خافضة لأقوام قد ارتفعوا في الدنيا، ورافعة لأقوام قد انخفضوا في هذه الحياة الدنيا، والواقعة لا تخفض ولا ترفع، إنما الذي يخفض ويرفع هو الله ، فهذا مفهوم من السياق، ومفهوم لكل مسلم، لكن لما كان هذا الخفض والرفع يحدث يوم القيامة فنسب إليها، والله يقول: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة:٣] ، فكم من رجل مرتفع في هذه الحياة الدنيا يذل ويهان في الآخرة، كما قال النبي ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأخفافهم) ، فكم من ملك وكم من أمير وكم من رئيس وكم من وزير قد ارتفع في هذه الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة كأمثال الذر كما قال رسول الله ﷺ ! وكم من طغى عليه بالمال في دنياه يحشر يوم القيامة فقيراً وكم من مكسو في هذه الحياة الدنيا يحشر يوم القيامة عارياً! قال رسول الله ﷺ لنسائه: (لا إله إلا الله من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين؟ يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة!) ، أي: كم من نفس مكسوة ومستورة في هذه الحياة الدنيا تتعرى يوم القيامة وتفضح! لخلوها من الثواب، ولخلوها من العمل الصالح، فالآخرة فيها خفض لأقوام ورفع لآخرين، فيحشر هذا المؤذن الذي يزدريه الناس ويحتقرونه أطول الناس عنقاً يوم القيامة، كما قال الرسول ﷺ : (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) .
قال الله : ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة:٤] ، والرج هو: الهز الشديد، فرجت الأرض رجاً، أي: حركت تحريكاً شديداً، وهزت هزاً شديداً، ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٥] ، أي: فتتت الجبال تفتيتاً، كما قال الله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل:١٤] ، وكما قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥-١٠٧] ، فقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:٥] أي: فتتت الجبال تفتيتاً، هذه الجبال الصلبة الجامدة تدمر وتفتت تفتيتاً من شدة الأهوال.
﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦] (الهباء) قال بعض أهل العلم هو: التراب، وقال آخرون: هو الغبار، وقال غيرهم: هو هذا الغبار المتطاير الذي يرى في شعاع الشمس كالذرات.
﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٦] أي: منتشراً متفرقاً.
стр. 1024
أصناف الناس يوم القيامة
أما أحوال الناس يوم القيامة فينقسم الناس إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم تحته أقسام، لكن التقسيم الكلي إلى ثلاثة أقسام: قال سبحانه: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] أي: أصنافاً ثلاثة، أي: وكنتم -يا معشر الإنس والجن- أصنافاً ثلاثة.
قال سبحانه: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:٨-١١] ، فهذه هي الأصناف الثلاث، أصحاب الميمنة وهم جمهور وأكثر أهل الجنة، وأصحاب المشأمة وهم أهل النار، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠-١١] ، وهم أصحاب المراتب العالية في الجنان، قال سبحانه: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الواقعة:٧] أي: أصنافاً، فالأزواج تطلق على الأصناف في كثير من الأحيان، وتطلق على الأقران كذلك، وتطلق على الزوجات والأزواج بالاصطلاح المعهود لدينا.
فقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه:١٣١] أي: أصنافاً منهم.
قال سبحانه: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٧-٨] وهم الذين يتلقفون الكتب بالأيمان.
стр. 1025
المقربون وما لهم يوم القيامة
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١٠-١٢] تأخر السابقون في الذكر عن أصحاب الميمنة وعن أصحاب المشأمة، لكن شرح حالهم وبين حالهم قبل أصحاب الميمنة، وقبل أصحاب المشأمة، فالله قال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة:٨] ، ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة:٩] ، ثم قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] ، وفصل حال السابقين قبل أن يفصل حال أصحاب اليمين، وقبل أن يفصل حال أصحاب الشمال، وهذا مما يسميه علماء البلاغة: اللف والنشر، فاللف والنشر فحواه: أن الذي يلف آخراً عند فرده، ينشر أولاً، كأنك أتيت بشريط تلفه، فالذي لف في آخره، إذا أردت أن تفرده يخرج أولاً، وكمثال حسن له قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ﴾ [آل عمران:١٠٦] فذكر أهل الوجوه السود بعد أهل الوجوه البيض، ثم لما ذكر الجزاء قدم أهل الوجوه السود في الذكر على قاعدة اللف والنشر كما هنا.
قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] السابقون قطعاً هم السابقون بالخيرات والدرجات، والسابقون إلى الإيمان، والتصديق، فلأهل السبق في الخيرات دائماً فضل، ولذا يراعى تقدير أهل السبق في الإسلام، فمن طال عمره في طاعة الله واتباع كتابه وسنة نبيه ﷺ لابد أن يحفظ له هذا القدر، ولا يسفه ولا يزدرى ولا ينتقص، قال الله في كتابه الكريم: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فالذين أنفقوا قبل الفتح لابد وأن يحفظ لهم هذا الإنفاق، إذ أنهم أنفقوا في وقت شدة، فإسلامهم متقدم، وإنفاقهم نافع في حينه، ولذلك قال رسول الله ﷺ لـ خالد لما كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فقال له خالد: أتعيرونا بأيام سبقتمونا بها إلى رسول الله ﷺ ؟ فبلغت هذه المقالة رسول الله ﷺ فقال لـ خالد: (لا تسبوا أصحابي -مع أن خالداً ﵁ من الصحابة لكن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أسبق- قال: لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده! لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفة) .
ومن هذا الباب أيضاً قول النبي ﷺ في شأن الأنصار: (إن الأنصار قد أدوا ما عليهم، وبقي الذي لهم، فمن ولي منكم أمراً فليقبل من محسنهم، وليتجاوز عن مسيئهم) وفي رواية: (فليكرم كريمهم، وليتجاوز عن مسيئهم) ، فأهل السبق لهم فضل، وقد قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فذكر الحديث وفيه: (فأقدمهم هجرة) ، فجعل لقدم الهجرة قدر.
وعلى ذلك فلتكن تعاملاتنا مع الناس، يوقر ويقدر من له سابقة في الخير، ومن شاب شيبة في الإسلام لا يزدرى ولا ينتقص، قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] ، وهذا حث على الامتثال السريع لأمر الله ولأمر رسول الله ﷺ حتى لا يقع تحت قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩] .
قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠-١١] وهم في أعلى الدرجات وأعلى المراتب ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٢-١٣] ، الثلة المراد بها: الجماعة.
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤] .
стр. 1026
تفسير قوله تعالى: (ثلة من الأولين .
وقليل من الآخرين)
من المراد بالأولين والآخرين؟ قال فريق من أهل العلم: إن المراد بالأولين: الأمم التي تقدمت أمة محمد ﷺ ، وإن المراد بالآخرين: أمة محمد ﷺ ، وأيد هذا القائل مقالته بقول النبي ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) ، وهذا القول تقلده بعض أهل العلم، واحتجوا له أيضاً ببعض الاحتجاجات مثل: الأوائل كانوا يصلبون على الخشب، وينشرون بالمناشير، ويوضع المنشار فوق رأس أحدهم فيشق نصفين، ولا يتزحزح عن دينه، وتخد لهم الأخاديد ويقذفون في النار، ولا يتزحزحون عن دينهم، لكن هذا قول مرجوح.
والراجح قول من قال من أهل التفسير: إن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٣] أي: من الأولين من أمة محمد ﷺ ، أي: من صدر أمة محمد ﷺ ، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤] أي: من متأخري أمة محمد ﷺ ، وذلك لأن النبي ﷺ قال لأصحابه: (والذي نفسي بيده! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة) ، قال ذلك لأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وهذه الآية فسرت عند كثير من أهل العلم بآية فاطر التي هي: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ، فالطوائف الثلاث داخلة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] ، والذين اصطفاهم الله من العباد هم أمة محمد ﷺ ، فهذا هو الأولى وهو الأقوى، فيقال: إن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٣] أي: من أوائل هذه الأمة الذين آمنوا بالله وصدقوا رسول الله ﷺ .
فعلى ذلك: تظهر هذه الآية فضيلة أصحاب محمد ﷺ ، وقد سمعتم قول رسول الله ﷺ : (خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
ثم يفشو الكذب) ، وأما حديث: (مثل أمتي مثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره) ، فليس بثابت عن رسول الله ﵊، وكذلك حديث: (المتمسك بما أنتم عليه له أجر خمسين منكم ... ) إلى آخره؛ فهذا أيضاً الراجح ضعفه وعدم ثبوته عن رسول الله ﵊، فقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٣] أي: جماعة من صدر هذه الأمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم الذين آمنوا به وصدقوه، فإنفاقهم خير إنفاق، وجهادهم خير جهاد، وثباتهم خير ثبات؛ فمن جاء من بعدهم فالفضل لله ثم لهم في وصول الدين إلينا.
وقد ناقش بعض أهل العلم مسألة تبين هذا المعنى، فلما قارنوا بين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ورحمه الله ومعاوية ﵁، كان التقرير: أن مشهداً شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من مائة مثل عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه الله.
وكذلك عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قالوا في ترجمته: اجتمعت فيه خصال الخير، فكان يحج عاماً، ويجاهد عاماً، وختموا الترجمة النيرة له بقولهم: ولم يسبقه أصحاب رسول الله ﷺ بشيء إلا برؤيتهم رسول الله ﷺ والجهاد مع رسول الله ﷺ ، فليس من جاهد مع الرسول كمن جاهد بعد رسول الله؛ بدليل الآية الكريمة: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد:١٠] ، ولحديث رسول الله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي) ، ولقول النبي ﷺ في شأن البدريين: (يا عمر! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم!) .
стр. 1027
غربة الدين آخر الزمان
قال الله : ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠-١٤] هذا فيه بيان لانصراف الناس عن الدين في آخر الزمان، وكما قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري من حديث أنس ﵁: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) ، فبسبب بعد العهد عن الرسالات ينسى الناس كثيراً مما ذكروا به، كما قال الله لعباده المؤمنين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ [الحديد:١٦] أي: طال عليهم الأمد بينهم وبين الرسل الذين كانوا يذكرونهم، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون.
فبالبعد عن أزمنة الخير ينسي الناس كثيراً مما ذكروا به، فكما قال القائل: تزينت الدنيا لخطابها، فنسي الناس كثيراً مما ذكروا به، وانغمسوا في ملذاتها وشهواتها، فقل منهم الصابرون على تعاليم الدين، وقل منهم الصابرون على سنة النبي ﷺ ، فقد أصبحوا موضع اتهام لاتباعهم كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ! فطعن فيهم الطاعنون، وأرجف وضحك منهم المرجفون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٢٩-٣٢] ، فلم يصبر كثير من الناس على ازدراء أهل الغفلة، ولم يصبر كثير من الناس على ظلم أهل الظلم والعدوان، فنكصوا على أعقابهم، ورجعوا تاركين وراءهم سنة رسول الله ﷺ ، بل وتاركين لكتاب ربهم، فقل أهل الفضل وأهل الخير، وقل أهل الثبات والصلاح في الأمم المتأخرة وأصبحوا غرباء.
فلذلك قال في شأن المقربين: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤] أي: قلة قليلة من الأمم التي بعد عهدها عن رسول الله ﷺ ، وتأخرت أزمانها عن أزمنة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم قال سبحانه في بيان ما أعد الله لهؤلاء المقربين ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة:١٥] أي: منسوجة، قال العلماء: منسوجة بالذهب ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا﴾ [الواقعة:١٦] وتقدم تفسير الاتكاء.
وفي قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٦] أدب من آداب المجالسة، فإذا جالست قوماً أو تخاطبت مع قوم فأقبل عليهم بوجهك، وأصغ إليهم بسمعك، لا تقابلهم وأنت ثاني العطف كما قال تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] ، ولا وأنت مصعر لخدك كما حذر لقمان ولده من ذلك ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨] ، فكل هذه من المقابلات المذمومة، ولكن فصل الخطاب مع الناس وحسن اللقاء معهم يستلزم منك أن تقبل عليهم بوجهك، وأن تصغي لهم بسمعك، فالله يصف أهل الجنة بقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٦] أي: بعضهم يقابل بعضاً، وبعضهم يقبل بوجهه على بعض.
стр. 1028
تفسير قوله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون)
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة:١٧] ، وصف الولدان بأنهم مخلدون لبيان أن الهرم والشيب لا يتسرب إليهم كأهل الدنيا، فأهل الدنيا قال الله في شأنهم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤] ، فترى الولد من أهل الدنيا وسيماً، ثم ما هي إلا سنون تمر عليه حتى يبدأ في الضعف والانهيار، ثم بعد ذلك في الانحناء كما قال الشاعر: يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة يفعل يرد الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا ما رام القيام ويحمل أما غلمان الجنة وخدمها الذين يطوفون على أهلها فهم مخلدون في سن واحدة، لا يكبرون ولا يشبون ولا يهرمون.
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧-١٨] ، الأكواب هي التي لا عرى لها، أي: لا أيدي لها، والأباريق هي التي لها الأيدي ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] قال بعض أهل العلم: هي الخمر الصافية، ومن العلماء من قال: إن الكأس لا يطلق عليها كأس إلا إذا كانت مليئة بالشراب، أما إذا كانت فارغة فلا يطلق عليها كأس، ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ [الواقعة:١٨-١٩] أي: لا يصابون بالصداع من جراء تناولها، ﴿وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] أي: ولا تذهب بعقولهم كما تفعل خمر الدنيا.
﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] قال بعض أهل العلم: يستدل بذلك على أن الشخص له أن يتخير من أنواع الفاكهة التي تقدم له في الدنيا، فإن الله أجاز ذلك في الآخرة، ولعل المعنى يتضح بحديث رسول الله ﷺ : (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فقول صلوات الله وسلامه عليه: (وكل مما يليك) له فقه بلا شك، أي: إذا لم تتعدد الأصناف فلا تأكل إلا مما يليك، وأما إذا تعددت الأصناف فلك أن تمد يدك إلى صنف بعيد، وقد ورد بذلك حديث فيه ضعف، وآخر ثابت صحيح: أما الذي فيه ضعف وكلام فهو حديث: (أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ يقال له: عكراش، فقدم إليه رسول الله ﷺ ثريداً، فكان يمد يده من بعيد، فقال له الرسول ﷺ : يا عكراش! كل مما يليك فإنه طعام واحد، ثم أتي إلى رسول الله ﷺ برطب وبتمر، فقال له: يا عكراش! كل حيث شئت، فقد تعددت الأصناف) ، لكنه حديث فيه ضعف.
أما الثابت الصحيح فهو: (أن النبي ﷺ قدمت إليه قصعة طعام وفيه الدباء، فكان يتتبع الدباء من أطراف القصعة ﷺ ؛ فعلى ذلك إذا كان على المائدة عدة أصناف، وصنف منها مرغوب لديك، وهو ليس أمامك، فلك أن تمد يديك إلى البعيد، وتأتي بالصنف الذي تشتهيه، أما إذا تساوت الأطعمة وكان الطعام واحداً فكل مما يليك كما أدبنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكذلك إذا قدمت إليك أنواع من الفواكه، وكان هناك صنف منها بعيد عنك، فلك أن تتخير منها ما شئت كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] ، فيه أن الطير جائز، ومرغوب فيه في الدنيا وفي الآخرة، وقد تقذر رجل من أكل الدجاج، ولكن رد عليه هذا الاستقذار أبو موسى رضي الله تعالى عنه، وكان يأكل دجاجاً رضي الله تعالى عنه، أما الجلالة فلها أحكامها، وقد تقدم شيء من أحكامها.
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] تقدم أن بعض أهل العلم يقول: قدم ذكر الفاكهة على اللحم، فيؤخذ أن صاحب البيت يقدم الفاكهة قبل تقديم الطعام؛ لأن الله قدمها في الذكر بقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠-٢١] ، وهذا من الناحية الشرعية فيه نظر، فإن الواو لا تقتضي الترتيب في كل الأحوال؛ بل قد تقتضي مطلق التشريك، كأن تقول: جاء زيد وعمرو، ولا تعني أن زيداً جاء أولاً ثم تبعه عمرو، فقد تعني أنهما أتيا معاً، فكذلك قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠-٢١] لا يقتضي أن الفاكهة تقدم أولاً، ثم على إثرها لحم الطير، إلا أن بعض المشتغلين بالطب يقرر أن استفادة الجسم من الفاكهة قبل الطعام أسرع من استفادته منها إذا قدمت بعد الطعام، فالله أعلم بذلك، والأمر مباح ما دمت تقصد إكرام الضيف، إلا إذا قصدت بخلاً كما يفعل البعض، إذ يملئون الأجواف بالماء والتمر حتى إذا أتى الطعام تقلل الضيوف من أكلهم، فلك نيتك، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد:٣٨] والرسول ﵊ يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) .
وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢-٢٣] تقدم الكلام على ذلك، وذكرنا أن المكنون هو: المحفوظ الذي لم تمسه الأيدي.
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٤] .
أفادت الآية الكريمة أن هذا النعيم المذكور جزاءً بما كانوا يعملون، فكيف يجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قول رسول الله ﷺ : (لن يدخل أحدكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل) ؟ جمع بعض أهل العلم بين هذا الحديث الأخير وبين تلك الآية بأوجه من الجمع منها: أن دخول الجنة أولاً يكون برحمة الله سبحانه وبفضل الله سبحانه، ثم الترقي في الدرجات يكون بناءً على الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] .
стр. 1029
أصحاب اليمين وما أعده الله لهم
ثم قال سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧] تعظيماً لشأنهم، وهم الدرجة الثانية من أهل الجنة الذين يعبر عنهم في بعض المواطن بالأبرار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٥-٦] فالأبرار هنا هم أصحاب اليمين، وعباد الله الذين ذكروا في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٦] هم المقربون.
فأهل اليمين ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٨] ، وقد تقدم أن بعض الأعراب ذكر لبعض السلف الصالح ﵏ هذه الآية وقال: كل ما في القرآن حسن، لكني أقرأ آية فيها ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤] ، والسدر شجر ذو شوك وهو مؤذٍ، فقال له العالم رحمه الله تعالى: ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٨] ؟ فالمخضود الذي أزيل شوكه، أي: الذي أبعد شوكه.
فلما أبعد منه الشوك ما بقي منه إلا الحسن، كما تقدم في تأويل قوله تعالى: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:١٤] أي: شجرة السدرة التي تغشاها من أمر الله ما تغشاها، فأصبحت لا تكاد توصف، بل لا توصف مما حل بها من البهاء والحسن والجمال.
قال الله : ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٩] ، والطلح -على رأي الأكثرين- الموز، أما المنضود فمعناه: المتراكب بعضه فوق بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠] أي: متراكب بعضه فوق بعض، فالطلح المنضود هو الموز، إذ يكون بعضه مركباً فوق البعض الآخر كما هو معلوم ومشاهد.
قال تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] ، قال الرسول ﷺ : (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها) ، قال أبو هريرة، وفي بعض الروايات أن القائل هو رسول الله ﷺ : (واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠] ) فالظل الممدود هو الظل الطويل كما بينه حديث رسول الله ﷺ .
﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣١-٣٣] .
يقول الله سبحانه: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٤] من العلماء من قال: إن المراد بالفرش السرر كما فسرتها الآية الأخرى ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣] ، وقد يكون المقصود أنها مرفوعة المكان والقدر، ومن ذلك يستفاد أنه يجوز في الدنيا أن تنام على سرر مرفوعة، وقد كان للنبي ﷺ سرير ينام عليه ﷺ .
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٤-٣٥] يقيناً أنها لا ترجع إلى الفرش لقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦] ، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] أي: خلقناهن خلقاً جميلاً، وهو راجع إلى شيء محذوف مفهوم من السياق، إذ يستحيل أن يرجع إلى ما قبله؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٥-٣٦] ، إلا أن قائلاً قال: إن المراد: من ينام على الفرش، لكن الأولى والأوجه أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] أي: خلقناهن خلقاً جميلاً ووسيماً وفيه كل صفات الحسن عائد على شيء محذوف مفهوم من السياق.
وهذا يتكرر كثيراً جداً في كتاب الله، وقد ضربت له أمثلة: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢] أي: حتى توارت الشمس بالحجاب، ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣] ، فالتي بلغت الحلقوم هي الروح، وقد فهمت من السياق، وكذلك هنا ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] ، فبعد أن كن نساء الدنيا عجائز، وكن عمشاً ورمقاً -كما قال العلماء- ردهن الله رداً جميلاً وخلقهن خلقاً حسناً، فقال: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة:٣٦] أي: رددن إلى البكارة مرة ثانية، ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧] ، والعرب من النساء هن المتحببات إلى الأزواج، وهن النساء اللواتي أحببن أزواجهن، وتلطفن مع أزواجهن بالمقال وبالأسلوب والعبارات، وهن المتغنجات للأزواج كما قال العلماء.
وهذا كله يستحب في زوجة الدنيا، أي: يستحب أن تتحبب إلى زوجها، وتتعمد ذلك بالكلام الطيب الهادئ المريح، بل يشرع لها أن تبالغ في ذلك بل وأن تكذب في ذلك كي يقبل عليها زوجها ويحبها، فإن الرسول ﷺ رخص في كذب المرأة على زوجها، ومحل هذا أن تظهر له عظيم محبتها وودها له.
﴿عُرُبًا﴾ [الواقعة:٣٧] أي: متحببات إلى الأزواج ﴿أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٧] في سن واحدة، ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨] .
стр. 1030
حوار مع أحد الطلاب
ونطرح الآن الأسئلة والنقاش في مسائل تفتح الأذهان بإذن الله.
стр. 1031
جواز رفع القبور للضرورة
الشيخ: ما رأيك في المقابر المرتفعة التي يدفن فيها الناس الآن، هل هي على السنة أم أنها تخالف السنة؟ الطالب: غير شرعية.
الشيخ: ماذا نصنع كي تكون شرعية؟ الطالب: لا نرفعها.
الشيخ: عندما حفرنا في الأرض متراً خرج من الأرض ماء فهل نحفر أيضاً أم ماذا؟ يعني: شخص بلدته لا يرشح الماء فيها، وكل المقابر في البلدة عالية، ولا يسمح له بحفر قبر جديد، فاشترى أرضاً، وحفر خمسة قبور في هذه الأرض، فأصبحت مقابره فقط هي الدفينة في الأرض، فجاء الأطفال ولعبوا فوقها، وجاء الناس ومشوا من فوقها، فهم لا يعرفون أنها مقابر، فصارت لا توقر، والكلاب تقبل وتدبر عليها، فهل يتركها هكذا أم يرفعها؟ الطالب: تترك كما هي ولا يرفعها.
الشيخ: تقول: الأفضل أن تترك، والرسول ﷺ يقول: (لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، فتحرق جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر) .
لكن ما مناط الحكم في المسألة؟ فالمشكلة في انخفاضه وليس في ارتفاعه، فماذا يصنع؟ الطالب: يتركها منخفضة الشيخ: الأطفال يلعبون عليها، والناس يمشون فوقها! الطالب: يرفع قليلاً.
الشيخ: الرفع للضرورة فقط يجوز، وإلا فرفع القبور محرم لقول رسول الله ﷺ : (لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) .
стр. 1032
الأسئلة
стр. 1033
من أمثلة الطلاق البدعي
السؤال
هل هناك طلاق بدعي وطلاق سني؟
الجواب
نعم الطلاق البدعي المخالف للسنة، والسنة هي ألا تخالف سنة رسول الله ﵊، فيذكرون من الطلاق البدعي: طلاق المرأة في طهر جامعها فيه، أو طلاق المرأة وهي حائض، أو طلاق الثلاثة مجتمعة في مجلس واحد، فهذه كلها من صور الطلاق البدعي التي لا توافق سنة الرسول ﵊.
والطلاق البدعي منه طلاق يقع، وطلاق لا يقع، فطلاق الرجل لامرأته في طهر جامعها فيه يقعد عند جماهير السلف والخلف، وطلاق الحائض لا يقع عند بعض العلماء مع مخالفة بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن القيم، لكن جماهير السلف والخلف على أن طلاق الحائض يقع.
стр. 1034
حكم الولد المولود من جماع المخطوبة قبل العقد
السؤال
هل ينسب الولد لأبيه إذا كان الأب قد جامع الأم أثناء الخطبة قبل العقد؟
الجواب
العبرة بالولادة، فإذا ولد الولد على فراش الزوجية، أي: أن أباه وأمه على فراش الزوجية فالولد للفراش، أما إذا ولد على غير فراش الزوجية فلا ينسب لأبيه.
стр. 1035
حكم التتابع في القضاء
السؤال
شخص أفطر أربعة أيام فهل يلزم التتابع في القضاء؟
الجواب
لا يلزم.
стр. 1036
حكم صلاة المرء في بيته لعجز أصابه
السؤال
يوجد لدينا مسجد تحت البيت، وأنا رجل مقعد، هل تصح صلاتي وأنا بالطابق الذي فوق المسجد مباشرة وتحسب جماعة أم لا؟
الجواب
أنا متوقف في هذه المسألة.
стр. 1037
اتصال الصفوف ليس شرطاً في صحة الصلاة
السؤال
ما الدليل على أن اتصال الصفوف شرط في صحة الصلاة؟
الجواب
عندما نقول: ينبغي أن تتصل الصفوف، فلا يعني ذلك أن نجعلها شرطاً في البطلان، في الحرم المكي الناس يصلون أمام باب الملك عبد العزيز، وآخرون في شارع أجياد على بعد مائة متر، فقد جاء مستعجلاً فيركع، وهكذا صفوف أخرى، فأنا أسأل: ما هو الدليل على أن اتصال الصفوف شرط في صحة الصلاة؟ الطالب: حديث رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) .
الشيخ: حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) ، النفي هنا عند الجمهور نفي الكمال لا نفي الصحة؛ لأن أبا بكرة جاء وركع خلف الصف ثم دخل في الصف وهو راكع، فالعلماء يستدلون بهذا الحديث ويقولون: لو كانت الصلاة باطلة خلف الصفوف لبطلت تكبيرة الإحرام التي عقدها أبو بكرة خلف الصف، فلما أجازها الرسول ﷺ فهم أن (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) على سبيل نفي الكمال لا نفي الصحة.
وبالمناسبة: فإن بعض أهل العلم سئل عن صلاة الملوك في القصور التي خلف الحرم، فقال: جائزة، وفي جلسة خاصة: سئل: على أي أساس أجزتها؟ قال: لأنه إذا نزل فسوف يؤذي المصلين كلهم، فالجنود سيبعدون المصلين ويشتتونهم، فليصل الملك في قصره، وهذا بينه وبين الله ، وهذا منطق مسدد لعلة درء المفسدة.
وعلى ذلك نقول: اتقوا الله ما استطعتم، فيجوز لي أن أصلي منفرداً ولي أجر الجماعة، أي: إذا صليت منفرداً وربي يعلم من حالي أني أريد الجماعة كتبت لي جماعة، قال رسول الله ﷺ : (إذا خرج أحدكم من بيته يريد الجماعة فوجد الناس قد صلوا كتب له أجر الجماعة) وهذا لأصحاب الأعذار.
стр. 1038
حكم ترك صلاة الجماعة من أجل الحراسة
السؤال
جندي في الجيش عندما يكلف بالخدمة لا يتمكن من أداء الصلاة جماعة، فماذا يفعل؟
الجواب
صل على قدر استطاعتك، ولا تلزم بالجماعة ما دمت مكلفاً بالحراسة، فصل قبل أن يخرج وقت الفريضة.
стр. 1039
حكم الأكل في بيوت من يتعاملون بالربا
السؤال
كثيراً ما نتعرض لدخول بيوت إخواننا ونأكل منها، فهل يحرم علينا أن نأكل من بيوت من غلب على ظننا أنهم يتعاملون مع البنوك؟
الجواب
كل والإثم عليهم، فإن النبي ﵊ دخل وأكل من بيت امرأة يهودية، ولم يستفصل عليه الصلاة السلام، والمعهود من اليهود أنهم يرابون، وقد ورد أثر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يؤيد هذا المعنى حيث قال: (كل وخذ ما أعطاك، والإثم عليه) ، أورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم، وإن كانت المسألة لا تخلو من نزاع، لكن فعل النبي ﷺ وأكله عند اليهودية يقوي الرأي القائل بأننا نأكل، اللهم إلا إذا كانت هناك مصلحة مرجوة في عدم الأكل، كأن يكون في عدم الأكل زجر لهذا الرجل عن الربا، فحينئذٍ يفعل الأصلح، والله أعلم.
стр. 1040
حكم صلاة المرأة بعباءة البيت
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصلي في عباءة البيت وعليها خمار فقط؟
الجواب
يجوز أن تصلي في عباءة البيت، وعليها خمار.
стр. 1041
هيئة الجلسة بين السجدتين
السؤال
ما هو الصحيح في هيئة الجلسة بين السجدتين؟
الجواب
لك أن تفترش اليسرى وتنصب اليمنى، ولك أن تنصبهما معاً، وهاتان الصفتان وردتا عن النبي ﷺ .
стр. 1042
حكم قطرة العين للصائم
السؤال
ما حكم قطرة العين للصائم؟
الجواب
قطرة العين ليست بطعام ولا بشراب ولا بشهوة، والرسول ﷺ ذكر فيما روي عن ربه ﵎: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) ، وهي ليست بطعام ولا بشراب ولا بشهوة.
стр. 1043
حكم وضع ميت في قبر قد دفن شخص فيه من قبل
السؤال
حفرت خمسة قبور لمن يموت من عائلتنا، فإذا دفنا خمسة فيها، هل يجوز لنا أن نفتح هذه القبور مرة أخرى ونضع فيها موتى آخرين؟
الجواب
عائلتك لها خمسة قبور، ثم فجأة مات منكم هذا الشهر خمسة فدفنوا في هذه القبور الخمسة، وبعد شهر مات ثلاثة فإذا جئت تفتحها فإن الرائحة في غاية الكراهة، فماذا تصنع؟ نقول: يوجد مقابر صدقة فتدفن الميت فيها.
стр. 1044
عدم ثبوت حديث: (تحترقون تحترقون)
السؤال
حديث (تحترقون تحترقون ثم تحترقون ثم إذا صليتم الظهر) .
الجواب
الحديث لا يثبت عن رسول الله ﵊.
стр. 1045
حكم تأخير قضاء الصوم حتى مجيء رمضان الآخر
السؤال
امرأة وضعت قبل رمضان الماضي بشهر ونصف وما زالت في حالة رضاعة حتى الآن، فهل تكفر عن رمضان الماضي مع العلم بأنها ضعيفة البدن؟
الجواب
شخص عليه صيام من رمضان الماضي يجب عليه قضاؤه، وسيدخل عليه رمضان الآتي وهو لم يصم القديم، فكثير من الفقهاء يفتون فيقولون: إذا دخل عليك رمضان جديد ولم تصم فلتكفر بإطعام، لكن هذا القول ليس عليه دليل، فهل منكم أحد يذكر دليلاً يشهد لهذا القول المتداول؟ فرب العزة يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ، فالآية الكريمة أطلقت قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] لم يحدد الله لنا سنة أو سنتين أو ثلاثة، بل الآية الكريمة أطلقت، فالذي يقيدنا ويقول: لزاماً أن تصوم قبل رمضان القادم؛ عليه أن يأتينا بالدليل، والذي يقول: عليكم بكفارة إذا دخل رمضان ولم تصوموا، فعليه بالدليل، فالدليل هو الحكم ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، والبعض يستدل بقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (كان يكون عليّ الأيام من رمضان فلا أستطيع أن أقضيها إلا في شعبان، للشغل برسول الله ﵊ لفظة: (للشغل برسول الله ﵊ ليست من قول عائشة وإنما ذكرها يحيى القطان، وهو الذي فهم ذلك، لما قالت: (لا أستطيع أن أقضيها إلا في شعبان) ، قال يحيى: للشغل برسول الله ﷺ ، هي لم تقل هذه اللفظة، لكن على فرض أنها قالتها أم لم تقلها ليست هذه محل المناقشة، وإنما قولها: (لا أستطيع أن أقضيها إلا في شعبان) ، لا يفيد إيجاب القضاء قبل دخول رمضان، وإنما هو فعل استحبته عائشة، فاستحبت ألا تتراكم عليها ديون من رمضان السابق مع رمضان الآتي، لكن جعله كدليل يوجب كفارة على من أخر الصوم السابق حتى دخل الآخر لا يصح، ولا أعلم دليلاً، والآية صريحة في هذا ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ، فأطلقت لنا ولم تقيدنا، والذي يقيد عليه أن يأتي بالدليل، والمجال مفتوح لمن عنده أي دليل يلزم به.
وأما قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ليست في محل النزاع في الأصل، فهذا كان في أول الإسلام، فالشخص في أول الإسلام كان مخيراً بين صيام رمضان وبين الإطعام، وإن كان مستطيعاً للصيام، لكن نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، لكن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] ليست منسوخة.
فما دام أنكم لا تحفظون دليلاً لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، والله يأمرنا عند النزاع أن نرد الأمر إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فالأصل أن الذمم بريئة، وتقضي متى شاءت، لكن ينبغي أن الديون تؤدى سريعاً، فصحيح من هذا الباب، لكن أن تفرض عقوبة فهذا ليس عليه دليل.
وأما إذا مات قبل أن يقضي ما عليه من صيام فالنزاع في شأنه قائم على تفصيل واسع، فمن العلماء من يستدل بعموم حديث النبي ﵊: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) ، فيقول: يقضي عنه أولياؤه، وبعض أهل العلم يفصل تفصيلاً آخر فيقول: إذا جاء رمضان وانتهى وهو مريض وأفطر فيه، ثم استمر به مرضه بعد رمضان إلى أن مات فليس عليه ولا على أوليائه أي نوع من أنواع القضاء، إذ مرضه متواصل، ولم تأتِ فرصة كي يصوم فيها، أما إذا جاء رمضان وأفطر فيه أياماً ثم انتهى رمضان وشفاه الله زماناً يمكن فيه القضاء ولم يقضِ فقد أصبح القضاء معلقاً في الذمة، فيقضي عنه الأولياء إذا مات.
قال رسول الله ﷺ : (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) وكذلك المرأة التي أتت تسأل النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن أمي ماتت ولم تحج قال لها: أفرأيتي لو كان على أمك دين أكنتِ قاضيته؟ قالت: نعم يا رسول الله! قال: فدين الله أحق أن يقضى) ، وهل يؤخذ من هذين الحديثين أن على الأبناء أن يحجوا وأن يصوموا عن آبائهم الذين فاتوا وعليهم صوم وحج أم أن هذا على الاستحباب؟ الجواب: هذا على الاستحباب على قواعد الجمهور؛ لأن النبي ﷺ ذكر الصيام، فقال له قائل: (هل عليّ غيره؟ قال له: لا؛ إلا أن تطوع) ، فهو على الاستحباب لا على الإيجاب، والله لم يوجب على شخص ثلاث حجات: حجة عن نفسه، وحجة عن أمه، وحجة عن أبيه، إنما هو على سبيل الاستحباب.
стр. 1046
حكم أخذ مال فاسق بدون حق
السؤال
سائق تاكسي أوصل امرأة إلى بيتها، ثم طلبت منه أن يدخل البيت ويحمل الحقيبة، فحملها وفجأة قالت له: إما أن تمارس الفاحشة وإلا سأصرخ! فوافقها، فأعطته نقوداً ليشتري لها طعاماً، فأخذ النقود وهرب، فهو يسأل عن حكم هذه النقود؟
الجواب
تصدق به عنها لعل الله أن يكفر بهذا المال عنها.
стр. 1047
حكم معالجة الطبيب للمتبرجات
السؤال
أنا طبيب أمراض جلدية، وتأتي إليَّ نساء متبرجات لديهن مشاكل في جلد الرأس، فأعطيهن العلاج لذلك، فهل عليّ وزر إذا أعطيتهن العلاج، علماً بأن جلد الرأس إذا لم يعالج فإن شعرها سيتأذى، فهل أعطيهن علاجاً كي يتقوى شعرهن أم يتركن بلا علاج؟
الجواب
الظاهر -والله أعلم- أنه يعالجهن ويذكرهن بالله؛ لأن الأصل أن نأخذ المسألة بدليل أيضاً، فالأصل: أنه يجوز أن تعالج شخصاً كافراً، يعني أتاك نصراني أو ملحد أو كافر كي تعالجه، وهذا النصراني ليس بمحارب للمسلمين، أما إذا كان محارباً فاتركه يهلك، أما إذا كان كافراً غير محارب فيشرع علاجه لحديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه البخاري لما مر على قوم، وفيهم لديغ، فرقاه أبو سعيد بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم، فهؤلاء النسوة خذ منهن أجرتك وعالجهن، وادعهن إلى الله .
стр. 1048
حكم الحج بمال مستدان
السؤال
هل يصح الحج إذا اقترضت مبلغاً من المال من أجل الحج أم يكون الحج فاسداً؟
الجواب
الحج صحيح، لكن لم يوجب الله عليك أن تقترض، فإن كنت تطمع في فضل الله وفي رزقه وكان عندك ميراث إذا مت يسد منه الدين فلا بأس، والحج صحيح.
стр. 1049
تفسير سورة الواقعة [٢]
لقد بين الله في سورة الواقعة ما أعده من عذاب شديد لأصحاب الشمال، فذكر طعامهم وشرابهم ومأواهم، وأنه حميم في حميم؛ وذلك لأنهم كفروا بالله تعالى ولم يلتزموا بشرعه ولا بأمره ونهيه.
ثم ذكر الله تعالى جملة آيات دالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته.
стр. 1050
مصير أصحاب الشمال، وصفاتهم
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: يذكر الله الصنف الثالث من أهل الآخرة، فيقول سبحانه: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤١-٤٥] .
قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١] أطلق عليهم أصحاب الشمال كما قال فريق من أهل العلم: لأنهم يتلقون كتبهم بشمالهم.
وكيف يجمع بين تلقيهم الكتب بالشمال كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] وبين قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق:١٠] ؟ فمن العلماء من قال: يؤتاه بالشمال من وراء ظهره كذلك، فتمتد اليد الشمال خلف الظهر ويتلقى الكتاب على هذه الحال والعياذ بالله! ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة:٤١] ، تكريرها لبيان هول وعظم ما أعد لهم، أي: وأصحاب الشمال وما أدراك ما حال أصحاب الشمال؟! إنه حال سيئ ومذل ومخز، والعياذ بالله! حالهم ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٢] (السموم) : الريح الحارة الشديدة، و (الحميم) : الماء الحار الشديد الذي قد انتهى إلى أعلى درجات حرارته.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٣] الدخان الأسود الشديد، وهذا هو الذي يظللهم، فريح حارة شديدة، والظل الذي يستظل به دخان أسود كثيف مؤذٍ، والماء الذي ظن أنه يتبرد به من الحميم.
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة:٤٣-٤٤] هذا مصيرهم في الآخرة.
стр. 1051
طعام أهل الشمال في الآخرة وشرابهم
قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥١-٥٢] ، والضالون هنا ليس المراد بهم النصارى الضالون فحسب، بل المراد عموم من ابتعد عن كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ وكفر بالله، فدخل في ذلك أهل الشرك وأهل الإلحاد واليهود والنصارى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٥١] أي: المكذبون بالبعث ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] ، والزقوم وصفها الله بقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣-٤٦] وقال تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] فسرها بعض العلماء بشجرة الزقوم، وهي شجر وليست شجرة، كما قال الله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦] ، وقال الله في صفة هذه الشجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] ، وقد جعلها الله فتنة للظالمين، حيث قال أهل الظلم: كيف تنبت الأشجار في وسط النيران؟! وخفي عليهم أن الله على كل شيء قدير، وقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] هذا تصوير لها وإن لم نرَ نحن رءوس الشياطين لكننا جميعاً نتصور أن رءوس الشياطين شيء مزعج ومخيف ومرهب، فوصفت برءوس الشياطين مع كوننا لا نعرف كيف رءوسهم، ولكنه تصوير لما انقدح في الذهن واستقر في القلب من أن الشياطين ورءوسها أشياء مخيفة.
قال الله : ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٢-٥٥] والحميم هو الماء الذي يغلي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة:٥١-٥٣] كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] ؟ فآية الغاشية ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] وهنا يقول الله : ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] فكيف الجمع؟ بعض أهل العلم يقول: فريق من أهل النار طعامهم الضريع وليس لهم إلا هذا الضريع، وفريق آخر من أهل النار طعامهم شجر الزقوم، فهم أصناف، وكل صنف اختص بأكلة معينة على حسب جرائمه التي اقترفها، أو يحمل على أنهم في سنين ما يأكلون إلا الطعام من ضريع، وليس لهم إلا هو، وفي سنين أخر يأكلون من شجر الزقوم وليس لهم طعام إلا هو، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤-٥٥] ، الهيم من الإبل: شديدة العطش التي تشرب ولا تكاد تروى.
﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦] أي: هذه مكرمتهم التي يكرموا بها!
стр. 1052
إنكار المشركين للبعث
قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] ، ينكرون البعث أيضاً، فكانوا يشركون بالله وينكرون البعث، وإنكار البعث بمفرده كفر، والشرك بالله بمفرده موجب للخلود في النار.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] استبعاداً للبعث، وهذا يفترق به المسلمون عن غيرهم من أهل الديانات، وإن كان بعض أهل الممل كاليهود يقرون بالبعث، لكن تصورهم للبعث تصور خاطئ، فقد زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وزعموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، أحسنوا العمل أم لم يحسنوه، قالوا بزعمهم: إن النار تمسهم سبعة أيام، وهي تلكم الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم يخلفهم فيها المسلمون بزعمهم! وقول الله : ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٧٩-٨٣] ، قال النبي ﷺ : (قال رجل ممن قبلكم لبنيه: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أب، قال: فإن الأبعد لم يفعل خيراً قط، والله! لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فإذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم في يوم عاصف، فلما مات وصنعوا به ذلك أحرقوه، ثم طحنوه، ثم أخذوا ترابه في يوم عاصف، وأتوا إلى البحر فذروه في البحر فلما فعلوا به ذلك قال الله له بكلمة واحدة: كن رجلاً، فإذا هو رجل قائم بين يدي الله سبحانه، فقال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب! فغفر الله له) .
قال الله : ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٧-٥٠] ، كل الأوائل والأواخر سيجتمعون في صعيد واحد كما قال رسول الله ﷺ : (ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي) داعٍ واحد يدعوهم والكل يستمعون إلى قوله، بجمع كل من كان من عهد آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩-٥٠] ، وهذا دائماً يذكر به الله في ثنايا الآيات؛ لأن التذكير بالبعث واليوم الآخر يحمل على إحسان العمل.
стр. 1053
الإصرار على الذنوب
هذا بحث عاجل وسريع حول مسألة الإصرار على الحنث العظيم على تأويل من فسر الحنث العظيم بأنه الذنب وليس الشرك، أما تفسير الحنث العظيم بأنه الشرك فلا إشكال فيه؛ لأن نصوص الشريعة تشهد بأن من أصر على الشرك ومات عليه فإنه من أصحاب الشمال، لكن التوجيه على رأي من قال: إن الحنث العظيم هو الذنب العظيم ما دون الشرك، فهل الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك يجلب لصاحبه الخلود في النار؟
الجواب
القواعد الكلية لأهل السنة والجماعة تفيد أن الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك كالإصرار على الزنا مثلاً أو الإصرار على القتل، فالإصرار على ذلك ليس بموجب للخلود في النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] ولقول الله : ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] ؛ ولحديث البطاقة الذي فيه: (أن الله سينادي رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيقول الله : انشروا له صغار ذنوبه، وأخفوا عنه كبارها، فيخرجون سجلات طويلة سجلت فيها معاصيه وذنوبه، طول هذه السجلات مثل مد البصر! فيقول الله له: أظلمناك شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! يقول الله: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فتوضع في كفة، ثم يقول الله له: إن لك عندنا حسنة، وإنك اليوم لم تظلم، فتخرج له بطاقة فيها: لا إله إلا الله فتوضع في الكفة الأخرى، فتطيش بتلك السجلات، ولا يثقل مع اسم الله شيء) أو كما قال رسول الله ﷺ .
هذا الحديث قد يفهم على غير وجهه، كما فهمه بعض أهل الإرجاء، ولكن فهمه عند أهل السنة أنه مثال لرجل أراد الله أن يغفر له، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مجرم، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مسرف على نفسه، بل كما سمعتم ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] ، فالمصر على المعصية حتى يموت عليها، ولم يتب منها؛ ليس بلازم عند أهل السنة والجماعة أن يعذب.
والمقام مقام تحرير المسائل العلمية، ليس مقام تخويف ولا ترهيب، فنحن في وسط إخواننا طلبة العلم، فالمقام مقام تحرير مسائل علمية، فمن أصول أهل السنة والجماعة ما سمعتموه، ويشهد لهذا المعنى حديث البغي التي كانت تتكسب من الزنا والعياذ بالله! فمرت ذات يوم بكلب يلهث من العطش، فنزعت موقها وملأته ماءً من بئر وسقته، فشكر الله لها، فغفر لها، وأدخلها الجنة، ولم يذكر في الحديث أنها تابت من هذا الذنب، فأمر ذلك إلى الله سبحانه، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] .
стр. 1054
ترف أهل الشمال
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في دنياهم ﴿مُتْرَفِينَ﴾ ، وهل كل مترف في الدنيا يعذب في الآخرة؟ قطعاً ليس كل منعم في الدنيا يعذب في الآخرة، ولكن كما قال فريق من أهل العلم: إن عموم أهل الترف على الشر والفساد، فأهل الترف مفسدون وأهل شر، ولا يستثنى منهم إلا القليل، فدل على هذا الأصل قول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣] ، أي: الإنسان إذا أنعمنا عليه بنعمة أعرض ونأى بجانبه، وكما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] أي: من رأى نفسه مستغنياً عن الله بدأ في التمرد والطغيان؛ ولذلك يقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] من العلماء من يقول: أمرنا مترفيها بأوامرنا ونواهينا فعصوا تلك الأوامر وأقبلوا على تلك المناهي فخالفوا أمرنا بذلك، فحق على هذه القرية القول ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] .
ومنهم من يقرأها بالتشديد (أمّرنا مترفيها) أي: جعلنا المترفين أمراء فسعوا في الأرض بالفساد، فليس مجرد الترف -الذي هو النعمة في الدنيا- سبباً للعذاب، لكن سياقات الكتاب العزيز تبنى على العموم، كما قال الله جل ذكره: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، مع أنه أثبت لبعض الأعراب إيماناً في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:٩٩] ، فليس الترف والنعيم والتنعم والاستمتاع بالدنيا وحده جالب للعذاب، فإذا أدى هذا المنعَّم في الدنيا حق الله عليه في ماله وفي صحته فهو على خير، فالنبي ﷺ يقول: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) ، وجاءه الفقراء يشكون ما لإخوانهم الأثرياء من الأجر بقولهم: (ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى والنعيم المقيم) ، وفي آخر الحديث قال النبي ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ، وقال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ... ) .
فليس كل منعم في هذه الحياة الدنيا من أهل النار، وليس كل شقي في هذه الحياة الدنيا من أهل الجنة، فكم من رجل -والعياذ بالله- جمع بين شقاوة الدنيا وشقاوة الآخرة، وكم من شخص في هذه الحياة الدنيا جمع بين النعيمين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
فها هو نبي الله سليمان ﵊ آتاه الله ملكاً لم يعطَ لأحد من بعده، ولم يحزه أحد من قبله فيما علمنا، ومع ذلك هو نبي صالح يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] وها هو ذو القرنين كذلك كما قال الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] ، ومكنه الله غاية التمكين في الأرض، وهو رجل صالح أثني عليه خيراً في كتاب الله سبحانه.
وهذا يجرنا إلى شيء ألا وهو: إن هناك أحاديث فيها الوعيد لأصحاب جرائم ورد في ذكرهم جملة من الخصال خصلتان أو أكثر، فهل يعذبون بسبب الخصلة الواحدة أم لابد من اقتران الخصلتين معاً؟ مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (يكون في آخر الزمان أقوام لهم حواصل كحواصل الطير، يصبغون بالسواد، لا يريحون راحة الجنة) هكذا قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح.
فهل مجرد الصبغ بالسواد هو الذي يجعلهم لا يريحون رائحة الجنة أم يضم إليها أيضاً أنهم يحلقون لحاهم ويتركون في نهايتها شيئاً مستديراً كالذي يفعله بعض السعوديين الآن، ويصبغ الشعيرات التي في آخر اللحية بالسواد؟ هل هذا الصبغ بالسواد فقط هو الذي حذا بهم إلى أنهم لا يريحون رائحة الجنة أو نضم إليه أيضاً أنهم يحلقون لحاهم، ولا يبقون إلا مثل حواصل الطير؟ أو أن فيهم أشياء أخرى لم تذكر في حديث الرسول ﵊ إنما ذكرت العلامات فقط؟ أي: أن هناك خصالاً لهؤلاء الناس الذين ذكروا في حديث النبي ﷺ لم تذكر في الحديث، ومن سيماهم: أنهم يصبغون بالسواد، وأن لهم حواصل كحواصل الطير؟ في الحقيقة أن هذا ينبني عليه فقه واسع، ليس في هذه المسألة فحسب بل في عدة مسائل، هل الصفات التي ذكرت هي وحدها الكفيلة بمنعهم من الجنة، ومنعهم أن يشموا رائحتها أم هناك صفات أخر استترت في الحديث ولم تبين، ولكن ظاهرهم أنهم يصبغون بالسواد؟ مثال آخر: وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٣٨-٤٦] ،فهل الصفة الواحدة من هذه الأشياء المذكورة كفيلة بالحكم عليهم بالإجرام وبالحكم عليهم بالخلود في النيران؟ قطعاً هذا محل نظر، فإن بعض الأشياء التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] إلى آخر الآيات منها صفات مكفرة بالاتفاق، موجبة للوصف بالإجرام وللخلود في النيران، كقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] ، وصفات أخر مكفرة على خلاف بين العلماء وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ، وصفات أخر وهي قولهم: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] ليست مكفرة على رأي الجماهير.
فهل اشتباك هذه الصفات معاً هو الذي يحكم عليهم بالإجرام وبالخلود في النيران أو أن بعض الصفات هي التي تحكم عليهم بذلك؟ لكل مسألة من هذه المسائل ملابساتها الخاصة، فينبغي إمعان النظر في مثل هذه الأحوال حتى يخرج الشخص بفقه صحيح متفق مع النصوص العامة والقواعد الكلية لأهل السنة والجماعة، والله أعلم.
الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] ، إذا فسرنا الترف بأنه مجرد التنعم فلا شك أن التنعم وحده ليس بكافٍ ولا بكفيل للحكم عليهم أن يكونوا من أصحاب الشمال، فكم من منعم في هذه الحياة الدنيا كان مصيره إلى الجنان! فهذا أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من أصحاب الأموال الطائلة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أصحاب الأموال الطائلة، قيل: كان لـ عثمان ألف جارية! وثم صحابة آخرون آتاهم الله مالاً غزيراً، ومع ذلك أثنى عليهم رسول الله ﷺ غاية الثناء.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] ، ضموا مع هذا الترف ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] ، من العلماء من قال: إن الحنث العظيم هنا المراد به: الشرك، ومن العلماء من قال: إن أصل الحنث هو الذنب، يقول الشخص: حنثت، أي: وقعت في الذنب لكوني أقسمت وخالفت يميني، فالحنث أصلاً هو الذنب، لكن لاقترانه بالعظيم فسر بعض أهل العلم الحنث العظيم بالشرك، ومنهم من قال: هو الذنب العظيم، ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] .
стр. 1055
آيات تقر بربوبية الله سبحانه
قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٧-٥٨] تمنون أي: تقذفون المني وتسيلونه، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة:٣٧] أي: يهراق ويسال ويندفع.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة:٥٨-٦٠] ، أي: وما نحن بعاجزين كما قول بعض أهل العلم ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] أي: نحولكم إلى صور أخرى لا تتخيلونها ولا تتوقعونها كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس:٦٦-٦٧] ، فقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] أي: ننشئكم في صور أخرى من الخلق لا تعلمونها، قد تطمس وجوهكم فترد كالقفا كما صنع بأقوام من قبل، وليست الآية الكريمة دليلاً على المبدأ الهندوسي الكافر الذي يتبناه الكفرة من أهل الهند بقولهم بتناسخ الأرواح، أي: أن الشخص عندهم إذا مات وكان صالحاً فإن روحه تحل في شيء طيب، وإن كان فاسداً ومات، فإن روحه تذهب إلى كلب أو قط أو حية أو ضفدعة، والأرواح الطيبة بعد أن يموت صاحبها لا تموت هي، بل تتحول إلى أشياء بحسب صلاح الشخص أو فساده.
والآية لا تدل على هذا المبدأ الكافر، فالله يحذر من مسح الأجساد في هذه الآية ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] كما مسخ بني إسرائيل إلى قردة وخنازير، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٦٢] أي: علمتم كيف خلقناكم أول مرة فلولا تتعظون وتعتبرون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] ذكرت الآية الكريمة الحرث، ولم تنتقص من يحرث ويزرع، وقد أورد بعض الألمان الكفرة شبهة على أحد المسلمين قليلي العلم بسنة الرسول ﷺ ، فقال هذا الألماني الكافر لرجل من المسلمين: ما هو أصح كتبكم المعتمدة بعد القرآن الكريم؟ قال: صحيح البخاري.
قال: إن في صحيح البخاري حديثاً فيه: أن النبي ﷺ دخل على قوم، فوجد عندهم في البيت سكة من حديد -وهي بمعنى: آلة الحرث- فقال: (لا يدخل هذه الآلة قوم في بيوتهم إلا أصابهم الذل) ، أو كما قال رسول الله ﷺ ، فقال: هاهو دينكم يدعو إلى التخلف، كيف لا يدخل القوم آلة الحرث إلا أدخلوا على أنفسهم الذل؟ فالرجل علمه بالسنة ضعيف، فحاول أن ينكر هذا الحديث، فلما أثبت له أن هذا الحديث في صحيح البخاري حاول أن يؤول أو يدعي أن الحديث مدسوس، والحديث ثابت صحيح، ولكن آفة عدم الفهم هي التي تسربت إلى هذا الرجل، فهذا الحديث بعينه يدعو إلى التقدم وإلى التسلح، فمعناه: أنكم -يا معشر المسلمين- إذا رضيتم بالزرع، وتركتم آلات القتال وآلات الحروب، إذا عمدتم إلى المزارع وإلى الفئوس وإلى آلة الحرث فقط، وتركتم صناعات الحروب كالسيوف والدروع وملحقات ذلك الآن كالطائرات والصواريخ، ونحو هذه الأسلحة التي تكف شر عدوكم بإذن الله، وانعكفتم على الحرث؛ فإن عدوكم سيتسلح ويتسلط عليكم، فيسلب ما بأيديكم وينزل بأسه بكم، ولكن إذا تسلحتم وتقويتم مع هذه الآلة فإنكم ستأمنون شر أعدائكم، فهذا هو الفهم الصحيح، أما ديننا فإنه يدعو إلى الزرع والحرث، فقد قال النبي ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) ، وقال النبي ﷺ : (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -وهي: النخلة الصغيرة التي لا تنبت إلا بعد سنوات طويلة- فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها) ، وقال النبي ﷺ : (من كانت له أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها) ، فلا يتركها، فإما أن يزرعها هو وإما أن يمنحها أخاه.
إلى غير ذلك من النصوص الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، وهي نصوص في غاية الكثرة.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] أي: تنبتونه وتخرجونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٤-٦٥] محطماً مدمراً ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٥-٦٧] أي: لظلتم تتعجبون مما حدث وتضربوا بيد على الأخرى قائلين (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة:٦٦] فيه قولان: قيل: إننا كنا ننتظر الناتج للثمرة حتى نسدد بها الديون، والآن قد دمر هذا الزرع، فوقعنا في الغرم وهي الاستدانة، فطائفة منهم يقولون: إنا لمغرمون، وطائفة أخرى تقول: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٧] ، وقيل: هي طائفة واحدة تقول هذا ثم تقول: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٧] .
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] استدل بذلك بعض أهل العلم على أن الشرب يكون بعد الأكل، وقد خالف بعض أهل الطب في ذلك فقالوا: إن الشرب بعد الأكل مضر، ولكن من العلماء من استأنس بهذه الآية، وبقوله تعالى -مع الفارق-: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥١-٥٢] إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤] ، وهنا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] ، ثم عقب بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] .
﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩] فالله هو الذي سخر السحاب، وهو الذي أنزل منها ماءً ثجاجاً.
следующие страницы →