Полный текст (2 242 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
حكم حديث: (كلكم على ثغر من ثغور الإسلام)
السؤال
حديث: (كلكم على ثغر من ثغور الإسلام فليحذر أحدكم أن يؤتى الإسلام من ثغره) ؟
الجواب
لا أعلم عنه شيئاً.
стр. 982
حكم حديث: (دينك دينك لحمك ودمك)
السؤال
حديث (دينك دينك لحمك ودمك) ؟
الجواب
لا أعلم عنه شيئاً أيضاً.
стр. 983
حكم القنوت في صلاة الفجر
السؤال
هل القنوت في صلاة الفجر جائز، بمعنى: لو قنت الشخص فلا إثم عليه؟
الجواب
أما الإثم فلا إثم عليه، فإن المسألة خلافية بين أهل العلم، فبعض أهل العلم ذهب إلى عدم القنوت إلا في وقت النوازل، ويكون حينئذٍ في عموم الصلوات.
стр. 984
حكم المداومة على قراءة سورة السجدة فجر يوم الجمعة
السؤال
ما الحكم على المداومة على سورة السجدة في فجر الجمعة؟
الجواب
ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ في فجر الجمعة بالسجدة وهل أتى على الإنسان، لكن لم يرد أنه كان يداوم عليهما أو لم يكن يداوم، هكذا ورد عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ في فجر الجمعة بالسجدة وهل أتى على الإنسان، فإن قرأتهما فلا بأس، وهي سنة رسول الله ﷺ ، وإن قرأت غيرهما فالله يقول: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] ، والله أعلم.
стр. 985
حكم حرق الحشرات الضارة بالنار
ف
السؤال
تقوم وزارة الزراعة بحرق أحطاب القطن التي عليها لوز مصاب بديدان اللوز، أي: أنها تحرق هذه الحشرات وقد نهى رسول الله ﷺ عن حرق هذه الحشرات بالنار، أو التعذيب بالنار، فهل يجوز في مثل هذه الأحوال حرق هذه الديدان الضارة التي تسبب خسارة كبيرة للمحصول، علماً بأنه توجد طرق أخرى لكبس هذه المخلفات في صورة قوالب؟
الجواب
إذا لم توجد وسيلة لدفع الضرر إلا بالنار فيجوز إحراقها بالنار؛ وذلك لأن النبي ﷺ قال: (لدغت نملة نبياً من الأنبياء فأمر ببيت النمل فأحرق، فأوحى الله إليه: هلا نملة واحدة؟ أهلكت أمة من الأمم تسبح) ، فأخذ العلماء من هذا الحديث: أن النملة التي آذت النبي يجوز أن تستثنى من عموم النهي عن الحرق بالنار، أو عموم القتل، فإذا قلنا: إن النبي ﵊ قال: (لا يعذب بالنار إلا رب النار) فمحل هذا إذا كانت هناك وسيلة أخرى تقوم مقام الحرق بالنار في نفس المفعول.
أما إذا قال القائل: إن الكبس لا يقضي تماماً على هذه الحشرات التي تذهب بمحصول المسلمين، فحينئذٍ نتجه إلى الحرق بالنار، إذا لم توجد وسيلة أحسن وأفضل من هذه الوسيلة للقضاء على مثل هذا أو تشابهها، والله أعلم.
стр. 986
حكم ما تفرد به الطبراني في الأوسط
السؤال
ما حكم حديث: (ذهب الشيطان إلى الشام فطرده أهل الشام، وذهب إلى العراق فقضى فيها حاجته, وذهب إلى مصر فباض وفرخ) يقول: رواه الطبراني في الأوسط؟
الجواب
ما مرّ علي هذا الحديث، لكن للمعلومية مسانيد الطبراني في الأوسط أغلبها ضعيفة، فإذا تفرد الطبراني في الأوسط بحديث على أقل تقدير (٩٠%) مما تفرد به الطبراني في الأصل ضعيفة.
стр. 987
تفسير سورة الرحمن [٣]
لقد أعد الله لمن خاف مقام ربه جنتين ذاوتي أغصان، فيهما عينان تجريان، ويتخلل هاتين الجنتين أنواع كثيرة لا تحصى من الفواكه، وليس هذا فحسب؛ بل إنهم يتنعمون بالحور العين على الفرش التي بطائنها من إستبرق، ولقد وصف الله الحور العين بالياقوت والمرجان في الحسن والجمال.
وهناك جنتان أدنى من الأوليين أعدهما الله لعباده المؤمنين.
وختم الله هذه السورة بأنه هو الذي تبارك وتقدس ذو الجلال والإكرام، تكرم على عباده بهذه الجنان وما فيها، فما على المؤمن إلا أن يجد ويجتهد؛ حتى يكون من أهلها.
стр. 988
تفسير قوله تعالى: (ذواتا أفنان)
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨] ، الأفنان: هي الأغصان الدقيقة.
وهل الجنتان ذواتا أفنان، أو أن هنا شيء مقدر محذوف؟ من العلماء من يقدر فيقول: أشجارهما ذواتا أفنان.
ومن العلماء من يقول: إن الجنة هي في الأصل الشجر المجتمع فلا حاجة إلى تقدير، فأصل معنى الجنة: الشجر المتشابك الملتف المجتمع الذي يجن من دخل فيه، ومعنى يجن من دخل فيه: أي: يغطي على من دخل فيه، وهذا من معاني الجنة، ولهذا أطلق على الجن جناً لاستتارهم واختفائهم، وأطلق على المجنون مجنوناً وللتغطية التي على عقله.
إذاً: من العلماء من قال: إن الجنة هي الشجر الكثير الملتف المجتمع، الذي من كثرته يغطى على من دخل فيه، فلا حاجة إلى تقدير على هذا المعنى، ومن قال: أشجارهما ذواتا أفنان فمعناه صحيح أيضاً.
стр. 989
تفسير قوله تعالى: (فيهما عينان تجريان .)
قال سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٤٩-٥٢] أي: صنفان، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٤٤-٥٤] والإستبرق نوع من الديباج أو الحرير كما قال بعض أهل العلم.
قال فريق من العلماء: عبر بالباطن ليدل على حسن الظاهر، فإذا كان الباطن من إستبرق فالظاهر أفضل منه بلا شك، فمن الناس مثلاً عندما ينجدون مرتبة يدخلون في داخل المرتبة أي شيء قطن أو حشو أو إسفنج أو أي شيء، لكنهم يهتمون بالمظهر الخارجي.
فإذا كان الباطن من إستبرق فما بالك بالظاهر كما قال كثير من أهل العلم؟ فيعبر بالأدنى للدلالة على الأعلى كما قال سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران:١٣٣] فإذا كان عرضها السماوات الأرض فما بالك بطولها؟ العرض يكون أدنى من الطول وأقصر.
فالله يقول: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) أي: ثمر الجنتين متدلٍ.
стр. 990
تفسير قوله تعالى: (فيهن قاصرات الطرف)
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٥-٥٦] وقاصرات الطرف: النساء اللواتي غضضن أبصارهن إلا على الأزواج، وقصرن طرفهن فلا ينظرن إلا إلى الأزواج، وهذا أدب ينبغي أن يتوافر في نساء الدنيا.
стр. 991
الرد على شبهة أن بإمكان الجني افتضاض بكارة الإنسية
قوله: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ) أي: لم يفتضهن إنس قبلهم ولا جان، ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٥٧] .
لقد أثيرت هنا مسألة وفي الحقيقة لا معنى لإثارتها، لكنها قد ذكرت ونذكرها عرضاً على وجه السرعة، ألا وهي مسألة: هل الجني يفتض إنسية؟ وهل يمكن أو يتصور أن جنياً يفتض إنسية ويفض بكارتها ويعتدي عليها أو أن هذا لا يتصور؟! في الحقيقة أن مثل هذه المسائل التي يفترض أن تكون موجودة على عهد الرسول ﷺ ؛ إذ الجن كانوا موجودين على عهد رسول الله ﵊، والنساء والفتيات كن موجودات على عهد رسول الله ﷺ ، ولم ينقل في أية حالة أن النبي ﷺ سمع شيئاً من هذا ولا أفتى فيه صلوات الله وسلامه عليه.
يعني: لم يرد على عهد الرسول ﷺ أبداً أن امرأة افتضها جني، وما ورد ذلك بحال من الأحوال، ولا سقط الحد أبداً عن امرأة اتهمت بأنها زنت وقالت: إن حملي من جني، أو إن افتضاضي من جني، ولا تسقط الحدود بمثل هذه الأقوال.
فغاية ما ورد في هذا الباب بما قد يستأنس به أن النبي ﷺ قال في المستحاضة التي تحيض ولا تطهر ويستمر دمها ويستمر نزيفها، قال: (ذاك ركضة من ركضات الشيطان) لكن إسناد هذا الخبر من طريق راوٍ يقال له: عبد الله بن محمد بن عقيل، والراجح عند أكثر العلماء أنه ضعيف الحديث.
فعلى ذلك لا يثبت في افتضاض الجني للإنسية في الدنيا أي شيء، ومن ثم مسألة زواج الإنسي بالجنية أو الجني بالإنسية فكل هذا لم يثبت فيه خبر أبداً.
أما الوارد عن سليمان ﵇، أو عن ملكة سبأ التي أطلقوا عليها بلقيس، وأن أباها كان من الجن وأمها من الإنس أو عكس ذلك، فكل ذلك لا يثبت بحال من الأحوال، وليس له دليل من الأثر الثابت عن رسول الله ﵊، ولا أعلم ذلك أيضاً عن أصحاب رسول الله ﷺ .
فالذين قالوا بجواز تزوج الإنسي بالجنية منهم من يحتج بهذه الآية فيقول: المفهوم المخالف يفيد أن الجني قد يطمث، لكن عدم ورود شيء من ذلك على عهد رسول الله ﷺ جعلنا نمنع، بل ولا نثيره، لكن شاء الله أن يثار.
стр. 992
حكم نظر المرأة للرجال الأجانب والرجل للنساء الأجنبيات
هنا تثار مسألة فقهية نتناولها على وجه السرعة ألا وهي: حكم نظر المرأة إلى الرجال الأجانب.
فمن العلماء من يشدد ويهول في نظر المرأة إلى الرجال الأجانب، ويشدد في نظر الرجل إلى النساء الأجانب.
فأيهما أعظم: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي أو نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية؟ النصوص والتقارير تفيد في الجملة أن الكل ممنوع؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] ، ولما رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: اصرف بصرك) .
وورد بإسناد ضعيف أن النبي ﷺ قال: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وعليك الآخرة) .
وورد بإسناد أشد ضعفاً بل هو تالف وإن كان المعنى صحيحاً ألا وهو: (النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من اتقاها مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) وقد أخرجه الطبراني بإسناد ضعيف واه، لكن معناه ثابت صحيح.
هذا بالنسبة لمسألة النظر على وجه الجملة، والوارد فيه من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأيضاً: (كان النبي ﷺ متجهاً من عرفات إلى مزدلفة في الحج، وقد أردف خلفه الفضل بن عباس وكان رجلاً وسيماً وضيئاً، فكان خلف رسول الله ﷺ فأقبلت امرأة من خثعم -أي: من قبيلة خثعم- وكانت أيضاً حسناء وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، في بعض مسائلها، فطفق الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فحول الرسول ﷺ وجه الفضل) .
ولم يرد في الحديث أن النبي ﷺ أمرها أن تغض بصرها في هذا الحديث، لكن النصوص الأخرى العامة كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] ، وقوله: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] تفيد الأمر بالغض.
فنرجع إلى مسألتنا: أن من العلماء من قال: إن الأمر الموجه للنساء بغض البصر أخف منه بالنسبة للرجال؛ وذلك لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تنظر إلى الأحباش في المسجد وهم يلعبون، والنبي ﷺ يحملها ويضع خده على خدها، ويقول النبي ﷺ كما في رواية النسائي بسند صحيح: (يا حميراء تشتهين تنظرين؟ فتنظر أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى الأحباش وهم يلعبون، حتى كانت هي التي ملت) .
أما الحديث الوارد الذي فيه: (أن ابن أم مكتوم دخل على رسول الله ﷺ وعنده بعض أزواجه، فأمرهن النبي ﷺ بغض البصر، فقلن: يا رسول الله، إنه رجل أعمى، فقال: أفعمياوان أنتما؟) فهو حديث ضعيف الإسناد من طريق نبهان مولى أم سلمة وهو ضعيف.
وفي الباب: أن النبي ﷺ قال لـ فاطمة بنت قيس ﵂: (اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فلا شك أنها كانت ستراه أو كانت تراه؛ لأنها تعتد في بيته.
هذا بالنسبة لما ورد في مسألة النظر.
إذاً: محل نظر النساء إلى الرجال عند أمن الفتنة، ويرجع بعض العلماء إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فكلمة (من) المراد منها التبعيض: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ﴾ [النور:٣١] أي: يغضضن بعض أبصارهن؛ لأنه يباح للمؤمنات أن ينظرن إلى أشياء، فيباح للمرأة بل يستحب لها أن تنظر إلى زوجها كي تعف نفسها، ولها أيضاً أن تنظر إلى محارمها إذا أمنت الفتنة، ولها أن تنظر إلى الرجال عموماً إذا كان الفتنة مأمونة، أما إذا كانت النظرة ستجر إلى فتنة، فالنظرة من أصلها تمنع، والله لا يحب الفساد.
ولكون عائشة ﵂ نظرت إلى الأحباش وهم يلعبون، قال بعض العلماء: إن الخطب في شأنهن يسير شيئاً ما إذا كانت الفتنة مأمونة، لكن على الإجمال فالمستحب لهن غض البصر إلا لما دعت إليه الحاجة، فإن الله وصف نساء الجنة بأنهن قاصرات الطرف أي: يغضضن الأبصار إلا عن الأزواج.
﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] .
الطمث: هو الافتضاض، أي: افتضاض الأبكار، وهو الجماع مع نزول الدم كما هو معلوم.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] تجوز بعض العلماء وأطلق الطمث على كل جماع، سواء صحب هذا الطمث بافتضاض أو كان مجرد جماع أطلق عليه طمث، وإذا أطلقت الطامث على الحائض فيقولون: امرأة حائض، وامرأة طامث، كل ذلك يعني: أنها حائض.
стр. 993
تفسير قوله تعالى: (كأنهن الياقوت والمرجان .)
ثم قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٧-٥٨] أي: في الحسن والبهاء.
стр. 994
أصل ودليل الجزاء من جنس العمل
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٥٩-٦٠] هذه الآية أصل في أن الجزاء من جنس العمل، وأن المحسن يجازى بالإحسان، وفي المقابل المسيء يجازى بإساءته، هذا الأصل وهذا التقعيد.
وقد قال ذو القرنين لما قال الله له: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٦-٨٨] .
فهذا هو الأصل والتقعيد: أن المحسن يجازى لإحسانه، وأن المسيء يجازى على إساءته، إلا أنه أحياناً تتدخل قرائن فتجعل العقوبة مثلاً تتضاعف، أو قرائن تجعل العقوبة تخف بل قد تزال أحياناً، ولهذا عشرات الأدلة بل تكاد تصل إلى مئات الأدلة ألا وهي: مسألة تضعيف العقوبات، أو تخفيف العقوبات، أو تضعيف الثواب أو الجزاء فقط على قدر العمل.
وهذه مسألة قد يفهمها شخص على غير وجهها، وإن كان دخولنا إليها عرضاً في التفسير، فمثلاً: رجل يبيع ويشتري، فجاءه شخصان فباع لأحدهما السلعة بعشرة، وفي نفس الوقت باب من الآخر بخمسة.
فقد يتوهم البعض أن هذا خطأ، ولكنه صواب؛ لقول النبي ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ولك أن تبيع بما شئت، فالله يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فالإكراميات قد تختلف، والعقوبات قد تختلف.
وقد سبق أننا بينَّا: أن الزنا حرام بالاتفاق والإجماع، ولكن صدور الزنا من شيخ كبير السن أشد جرماً، فإن النبي ﵊ قد قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وشيخ زانٍ، وعائل مستكبر) ، والزنا محرم لكنَّ الزنا بحليلة الجار أشد تحريماً، والزاني يجلد مائة جلدة، لكن إذا كانت الزانية أمة فإنه يخفف عنها العقوبة، وهكذا سائر الأمور والأحوال، فقد تزيد العقوبات وقد تخف، وقد يزيد الإحسان وقد يخف، وقد تزيد المكافآت وقد تقل.
وعلى كل من ولّاه الله عملاً أن ينظر فيمن تحت يديه بهذا المنظار، فإن الله كما أفادنا محمد ﵊: (لما عمل اليهود من الصباح إلى الظهر وأعطاهم الله أجرهم، وعملت النصارى من الظهر إلى العصر وأعطاهم الله أجرهم، وجاءت أمة محمد فعملت من العصر إلى المغرب وتضاعف لها الأجر، فاحتج اليهود والنصارى: يا رب! عَمَلُنَا أكثر وأَجْرُنَا أقل، قال الله لهم: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) .
فمن كان على عمل له أن يكافئ وله أن يعاقب على قدر مصلحة العمل، وعلى قدر الأسباب المترتبة من هذا العمل.
لكن القاعدة الكلية التي تحكم هي قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فالله قال في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨] ، فالآية أفادت: أن الجزاء من جنس العمل.
ومن الأحاديث الدالة على أن الجزاء من جنس العمل: قوله ﵊: (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) ، وقوله: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وقوله: (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) وقوله: (المستكبرون في الدنيا يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأخفافهم) كما قال الرسول ﵊، إلى غير ذلك من النصوص.
стр. 995
تفسير قوله تعالى: (ومن دونهما جنتان)
قال تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦١-٦٢] أي: أقل من الجنتين الأوليين، هما جنتان أدنى منهما منزلة، فالجنتان الأوليان أعدت للمقربين: والجنتان الأخريان هذه أعدت لأصحاب اليمين، فالناس على ثلاثة أقسام كما سيأتي في سورة الواقعة: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٧] .
فجنتان هنا للمقربين: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] لأصحاب اليمين، والدون: هو الأقل، كقوله: فلان دون فلان.
أي: أقل من فلان.
стр. 996
تفسير قوله تعالى: (مدهامتان)
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٣-٦٤] ، قال العلماء: أي: خضراوان، ومن المفسرين من قال: سوداوان، وجمع بعض العلماء فقالوا: قد اجتمع فيهما الخضار مع السواد، فالأشجار حينما تروى وتشبع من الماء، فاخضرارها من شدته يميل شيئاً ما إلى السواد، وذلك من شدة الري الذي أصابها، فهذا المعنى والله أعلم.
стр. 997
تفسير قوله تعالى: (فيهما عينان نضاختان)
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٥-٦٦] أي: فوارتان ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٧-٦٨] تقدم أن هذا من عطف الخاص على العام، فالفاكهة عامة يدخل فيها النخل والرمان، ولكن ذكر النخل والرمان تنصيصاً لبيان فضل النخل والرمان.
أما النخل فقد ضربه النبي ﷺ مثلاً للمؤمن بقوله: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن فأخبروني ما هي؟ ثم قال النبي ﷺ : هي النخلة) .
فعطف النخل والرمان على الفاكهة من باب عطف الخاص على العام.
تقول: جاء القوم وزيد.
لماذا نصصت وذكرت زيداً بالاسم؟ لبيان أهمية زيد وفضل زيد.
فعطف الخاص على العام لبيان فضل الخاص وشرفه.
كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧] ، ونحوه: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [النساء:١٦٣] فكله من باب عطف الخاص على العام لبيان فضل الخاص.
стр. 998
تفسير قوله تعالى: (فيهن خيرات حسان .)
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٦٩-٧٠] أي: حسان الوجوه وخيرات الأخلاق.
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧١-٧٢] إذاً: إذا وُصِفَتْ نساء الجنة فإنهن يُوْصَفْنَ بأنهن حور في أغلب الأحيان، وهذا مما يدل على -بالنسبة لناشدي الجمال- أن جمال المرأة أيضاً يتمثل في نظرها وفي عينها، فإن النبي ﷺ قال للمغيرة بن شعبة: (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) يعني الصغر، أي: أن أعين نساء الأنصار صغيرة.
فالذي ينشد الجمال في عين المرأة، فالله سبحانه وصف نساء الجنة بأنهن حور مقصورات في الخيام، والحور كما قال العلماء: شدة بياض في شدة سواد، يعني: عيناها سوداء شديدة السواد، والبياض الذي فيها شديد البياض، وأصله مأخوذ من البياض، فإن العلماء الذين ذكروا الحواريين، قالوا: أُطْلِق عليهم أنهم حواريون من شدة بياض ثيابهم، ومنهم من قال: كانت لهم عمائم بيضاء، وقد أطلقوا على بعض الدقيق الأبيض شديد البياض دقيق حواري، أي: دقيق أبيض.
والله قال في كتابه الكريم: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] .
وهل يذم من طلب امرأة -مثلاً- جميلة أو عينها جميلة عند الزواج أو لا يذم؟
الجواب
لا يذم من طلب ذلك، فإن النبي ﷺ قد قال: (اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً) فحث الرسول ﷺ على النظر إليها، هذه مسألة قد يفهمها البعض على غير وجهها، وقد ينتقص بعض إخواننا من يطلب ذلك، والرسول ﷺ صعد النظر إلى المرأة التي وهبت نفسها وصوبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 999
معنى قصر الحوريات في الخيام وما يستفاد من الآية
قال الله : ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] يستفاد منه: أن الحور مقصورة في خيمتها، وهذا الأصل في النساء: القرار في البيوت، وقد قال ربنا في كتابه الكريم: ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] أي: نحن لا نخالط الرجال ولا نزاحمهم، فسننتظر حتى ينتهي القوم من سقياهم، وبعد ذلك نسقي، والذي حملنا على ذلك وعذرنا في ذلك أن أبانا شيخ كبير، فهذه المقالة جمعت معنيين طيبين من هاتين الفتاتين.
أولهما: قولهما: ﴿لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص:٢٣] أي: حتى ينتهي الرعاء من سقياهم وينصرفوا، فليس لنا أن نزاحم الرجال ونخالطهم.
ثانيهما: حين أومأتا إلى الحامل لهما والعذر لهما في هذا الخروج من أصله بقولهما: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣] فلم تكن إحداهن ولاّجة ولا خراجة، لم تكن إحداهن كثيرة الخروج وكثيرة الدخول، بل كن مستقرات في البيوت، وإذا حملتهن الحاجة على الخروج استترت وخرجت، وهذا أمر قد قدر عليهن ﵅.
وقد قال الله لنساء نبيه -وهن خير أسوة-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ، وأيضاً قال ﵊: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) فكل هذه النصوص تحمل أهل الإيمان وأصحاب الغيرة على أن يقروا نساءهم في البيوت، وأن لا يخرجوا النساء إلى الأعمال التي فيها مزاحمة للرجال كما في المصالح الحكومية، وفي المدارس، والمواصلات، فيتعلمن الرجولة التي تذم في النساء: (فإن النبي ﷺ لعن المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء) .
فمن وسع الله عليه ولم يكن في حاجة إلى عمل زوجته إلا الاستزادة من عمل الدنيا، فليعلم أن هذا هو هدي نبينا محمد ﷺ ، وأمر ربنا إذ قال لنساء نبينا وهن خير أسوة: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، وقال الله سبحانه عن نساء الجنة: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] ، والخيام جمع خيمة.
وقد قال رسول الله ﷺ : (الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، لا يراهم الآخرون) ، وفي رواية: (الخيمة لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون) .
وفي هذه اللفظة من حديث رسول الله ﷺ : (للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون) ، استدل بعض العلماء على أن الحور المعدة لكل رجل تفوق الاثنتين، فقد وقف بعض أهل العلم مع قوله ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لكل امرئ منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) ، فَقَصْرُ الحورِ المعدة لكل رجل على زوجتين ضعيف من وجوه: أولاً: في حديث رسول الله: (للمؤمن فيها أهلون لا يراهم الآخرون) .
ثانياً: قول النبي ﷺ في الشهيد: (إنه يزوج اثنتين وسبعين من حور العين) .
وهنا على سبيل الجمع: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٧٢-٧٥] .
стр. 1000
تفسير قوله تعالى: (متكئين على رفرف خضر .)
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] ، والاتكاء كما هو مقرر ومعلوم عند كثير من أهل العلم: هو الميل بأحد الشقين على الأرض، ومن العلماء من قال: إن الاتكاء المراد به التربع، يعني: جلسة الرجل المتربع بلغتنا.
стр. 1001
حكم الأكل مع الاتكاء
وهذا ينبني عليه حكم فقهي ألا وهو: مسألة الأكل متكئاً، فإن النبي ﷺ قال: (إني لا آكل متكئاً) فهل قوله: (إني لا آكل متكئاً) أي: لا آكل وأنا مائل بأحد شقي على الأرض، أو لا آكل وأنا جالس جلسة المتربع التي يسميها أهل بلادنا؟ فأكثر العلماء على أن الاتكاء هو الميل بأحد الشقين على الأرض؛ لقول الراوي عن رسول الله ﷺ : (وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور) ، ففرق في هذا الحديث بين الاتكاء وبين الجلوس.
أما الذين قالوا: إن الاتكاء هو التربع فمنهم: الخطابي رحمه الله تعالى، وابن القيم رحمه الله تعالى، فعلى رأيهما يكره الأكل متربعاً، لكن على رأي الجمهور: أن المكروه هو الأكل وأنت مائل على أحد الشقين إلى الأرض، لكن هل يحرم هذا الأكل وأنت متكئ؟ رسولنا ﷺ قال: (إني لا آكل متكئاً) ، فهو يتحدث عن نفسه ﷺ ، وهل حديثه عن نفسه يفيد التحريم؟ لا يفيد التحريم إلا مع نص آخر يقوي هذا التحريم، وهذا يجرنا إلى بعض المسائل الفقهية التي فيها أمور تركها رسول الله ﷺ ، فهل مجرد تركه لها صلوات الله وسلامه عليه يجعلها محرمة؟ سنذكر مثالاً لذلك: الرسول ﷺ كان إذا أتاه قوم ليصلي على رجل قد مات، يسأل: (هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم، قال: هل ترك لدينه وفاءً؟ فإن قالوا: لم يترك لدينه وفاءً، امتنع النبي ﷺ من الصلاة عليه) لكن مع امتناعه ﵊ عن الصلاة عليه يقول: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) ، فهو نفسه ﵊ لم يصلِّ عليه وإنما قال: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) فلماذا ترك الرسول ﵊ الصلاة على من عليه دين؟ هل لأن الصلاة على من عليه دين حرام؟ ليست حراماً؛ إذ لو كانت حراماً لما قال الرسول ﵊: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) ، ولكن المفهوم والله سبحانه أعلم بالمراد: أن النبي ﵊ إنما امتنع من الصلاة عليه حتى يزجر عن الاستدانة، وحتى يرهب من مسألة الاستدانة، وحتى يحذر من مسألة المماطلة في سداد الديون، وهذا المفهوم بدليل أنه قال للصحابة: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) .
ننتقل إلى مسألة أشد وهي: مسألة المنتحر: (أتي إلى رسول الله ﷺ برجل قد قتل نفسه بمشاقص، كي يصلي النبي عليه ﵊، فلم يصلِّ عليه رسول الله ﷺ ، لكنه ما نهى الناس عن الصلاة عليه، وما أمر الناس بالصلاة عليه، فلم يقل كما في الحديث السابق: (انطلقوا فصلوا على صاحبكم) ، ولم ينه ﵊ عن الصلاة عليه، فلذلك اختلف الفقهاء في مسألة الصلاة على المنتحر: فقال فريق منهم: لا نصلي عليه؛ لأن الرسول ﵊ ترك الصلاة عليه.
وقال آخرون: إن الرسول ﷺ ما نهانا، والأصل أن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، فهذا رجل مسلم، فمادام مسلماً فالأصل أنه يصلى على المسلمين.
فرأي جمهور العلماء أنه يصلى على المنتحر، وإن ترك بعض أهل الفضل الصلاة عليه؛ زجراً لأمثاله وترهيباً لهم من الانتحار، فلأهل الفضل ذلك؛ حتى ينزجر الناس، وحتى ينكف الناس عن الانتحار، وهذا مأخذ طيب ومأخذ عليه أدلة كثيرة جداً.
وهذا يضطرنا ويسوقنا إلى بيان أفعال لأمير المؤمنين عمر ﵁، وسنرجع كرة إلى مسألة العقوبات الرسول ﵊ جلد شارب الخمر نحواً من أربعين جلدة، فجاء عمر ووجد الناس قد تساهلوا في شرب الخمر، فجلد شارب الخمر نحواً من ثمانين جلدة، وكذلك كان الطلاق الثلاث في المجلس الواحد في عهده ﵊ طلقة واحدة كما قال ابن عباس في صحيح مسلم، فلما كان في خلافة عمر قال: (أرى الناس قد استعجلوا على هذا الأمر الذي كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضى عمر الثلاث طلقات) .
فنرجع إلى المسائل التي فعلها الرسول ﵊ ولم يأمر بها ولم ينه عنها: فالأصل أنها تسن عن رسول الله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لكن ينظر بعد هذا في عمومات أخرى، هل تعارض بهذه المسائل أو لا تعارض؟ وهذا سيجرنا عن قريب إن شاء الله إلى مسألة الزيادة على إحدى عشرة ركعة في صلاة الليل في رمضان، وسيأتي حولها بحث طويل إن شاء الله.
نرجع إلى قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] فالعبقري الحسان: هي الفرش والوسائد التي يتكأ عليها والبسط الرقيقة، كل هذه مجملة في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] ، فأقوال العلماء كلها تدور على أنها السجاجيد التي تبسط والوسائد التي يتكأ عليها، أي: أنها أقرب إلى المجالس العربية من (الأنتريهات) ومن (الصالونات) أنها: ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] .
стр. 1002
تفسير قوله تعالى: (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام)
﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٧-٧٨] من العلماء من قال: إن قوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) بمعنى: تبارك ربك، وكلمة (اسم) أصحبت كما في قول الشاعر: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكي حولاً كاملاً فقد اعتذر وقد تقدم الكلام على هذا البيت الشعري بما حاصله: أن الشاعر يقول فيه: تمنى ابنتايا أن لا يموت أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما وقولا بالذي قد علمتما ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر فقوله: (إلى الحول) يعني: اعملوا الذي تريدون لمدة سنة.
(ثم اسم السلام عليكما) يعني: ثم السلام عليكم، وانتهى أمركم بعد سنة فلا تبكوا ولا تفعلوا شيئاً، وهذا كان في الجاهلية.
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكي حولاً كاملاً فقد اعتذر هذا البيت الشعري بالنسبة لمعناه منقوض في الشرع، فإن المرأة لا تحد على أحد أكثر من ثلاثة أيام إلا زوجاً أربعة أشهر وعشراً، لكن كان في الجاهلية الإحداد لمدة حول كامل، ولذلك يقول الأب: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما) فمن العلماء من قال: إن (اسم) هنا مصحبة، فالمعنى: إلى الحول ثم السلام عليكما.
فقالوا: إن كلمة: (اسم) هنا في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨] أي: معناها: تبارك ربك ذو الجلال والإكرام.
стр. 1003
معاني البركة ومن أي شيء تؤخذ وتكسب
والبركة لها معنيان: أحدهما: الكثرة والازدياد، أي: كثر خيره وازدادت بركته.
والمعنى الثاني: البركة ثبوت الخير في الشيء.
فمن أهل العلم من يقول: إن اسم هنا في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٧٨] على بابها، وأخذوا منه: أن كل شيء يبدأ فيه باسم الله يبارك فيه، واستؤنس لهذا المعنى بقول الرسول ﵊: (إذا دخل أحدكم بيته فذكر الله عند دخوله قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم، فإذا ذكر الله عند طعامه قال الشيطان: لا مبيت لكم اليوم ولا عشاء، فإذا دخل البيت فلم يذكر الله عند دخوله ولا عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء) .
فقالوا: إن ذكر اسم الله سبحانه يجلب البركة في الأشياء، حتى عند الجماع كذلك، فإن الشخص إذا جامع زوجته وقال: باسم الله عند الجماع، حصلت البركة ولم يشركه شيطان، كما قال الرسول ﷺ : (فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً) .
وقوله: ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ [الرحمن:٧٨] أي: الذي يجل عن كل نقص وعن كل عيب، وقوله: (وَالإِكْرَامِ) الذي يكرم كذلك عن كل نقص وعن كل عيب، كما تقول لشخص إذا ذكرت سيئاً: أكرمك الله، أو أجلك الله، أو أنا أجلك عن كذا وكذا، والله سبحانه أعلم.
стр. 1004
الأسئلة
стр. 1005
عدم التعارض بين كروية الأرض وقوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس)
السؤال
يقول ﵎ في سورة الكهف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] هل هذا يتعارض مع ما وصفه العلماء أن الأرض كروية؟
الجواب
ليس هناك أي تعارض، واقرأ تفسير الآية فلن تجد أي تعارض.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1006
حكم حديث: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه)
السؤال
ما حكم حديث: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) ؟
الجواب
حديث: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) ثابت عن رسول الله ﵊.
ومن العلماء من استنكر معناه، لكنه مع ثبوته عن النبي ﵊ مصروف عن الوجوب، فليس واجباً أن كل واحد قبل أن يجف عرقه يعطى أجره؛ لأن هذا الحديث محمول على استحباب التبكير بإعطاء الأجير أجره.
ومن العلماء من ذكر صوارف الوجوب لحديث: (أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه) ، ومنها: حديث صيام رمضان: أن الله يثيب الصائمين في آخر ليلة من رمضان، وذكر النبي ﷺ أن الأجير يأخذ حقه بعد انتهاء العمل، فهو صام أول يوم من الشهر وما أخذ الأجر إلا آخر الشهر، لكن هذا الحديث الأخير ضعيف.
واحتج الطحاوي في كتابه: (مشكل الآثار) على أن الأجير لا يعطى أجره قبل أن يجف عرقه، أي أنه يجوز لك أن تؤخر شيئاً ما إن دعت الضرورة إلى ذلك؛ لأن النبي ﵊ أمر علياً أن يأمر الجزار بذبح الهدي وقال: (لا يعطى الجزار منها شيئاً ونحن نعطيه من عندنا) أي: نحن نعطيه من عندنا فيما بعد.
لكن على كلٍ فاستحباب إعطاء الأجراء أجرهم عليه أدلته، فالله قال في الحديث القدسي: (ثلاثة أنا خصمهم ومنهم: رجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره ... ) .
стр. 1007
حكم من أخذت من مال زوجها دون علمه بقدر ما أخذ من مالها
السؤال
والدتي له مرتب وزوجها يسرق من مرتبها، فقامت وأخذت من ماله من ورائه بدل المبلغ الذي أخذه، ولها بنت متوفية ولها أبناء، فوالدتي تصرف عليهم من هذا المال الذي أخذته من الزوج، فهل هذا حلال أم حرام؟
الجواب
لا يجوز له أن يأخذ من هذا المال شيئاً، إلا إذا طابت نفسها بذلك، فهو معاشها تتصرف فيه كيف تشاء، فليس للزوج أن يأخذ منها شيئاً، فإذا أخذ منها فهل لها أن تأخذ من ماله بقدر ما أخذ من مالها؟ وهذه يسميها العلماء: مسألة الظفر، وحاصلها: إذا جاء شخص وأخذ مالك، ثم تمكنت أنت منه هل لك أن تأخذ من ماله بالقدر الذي أخذه من مالك؟ مثال ذلك: رجل يشتغل بقالاً عند شخص وله في الشهر مائة جنيه، اتفقوا على هذا، جاء في نهاية الشهر، فقال: هذه سبعون جنيهاً فقط، ولا أعطيك غيرها، فقال له: أعطني المائة التي اتفقنا عليها، فلم يرض، فاحتال هذا الرجل الأجير وقال في نفسه: أصبر هذا الشهر، وبعد فترة احتال وأخذ الثلاثين السابقة ووضعها في جيبه، فهل هذا الفعل جائز؟ هذه التي يسميها العلماء: مسألة الظفر.
فمن العلماء من يجيزها لعدة أدلة: من هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠] ، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] ولحديث هند بنت عتبة ﵂ أنها جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: (إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف) .
فهي عمومات: الجزاء من جنس العمل، يعني: الانتصار على قدر المظلمة.
ومن العلماء من يكره ذلك تورعاً، ويحتج بحديث فيه ضعف: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) ، لكن في هذا الحديث ضعف.
стр. 1008
حكم الاستعاذة في الصلاة لمن سمع نهيق الحمار
السؤال
من سمع صوت الحمار وهو في الصلاة فهل عليه أن يستعيذ؟
الجواب
إن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم فالصلاة صحيحة، وإن لم يستعذ فلا جناح عليه.
وقد ورد أن أمير المؤمنين علياً كان يصلي فمر به رجل من الخوارج فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] ، فالرجل يقول لـ علي: سواء صليت أو لم تصل فأنت كافر، الخارجي يقول لـ علي هكذا، وعلي يصلي، فقال علي وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] فأجابه علي بآية في الصلاة.
فإذا كان هذا جائزاً في الدفاع عن نفسه بآية، فلأن يكون امتثال حديث الرسول ﵊: (إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان) في الاستعاذة أيضاً في الصلاة من باب الجواز وليس من باب الاستحباب، فالصلاة صحيحة.
стр. 1009
الثواب المترتب على المشقة
السؤال
يسأل عن الثواب على قدر المشقة؟
الجواب
نعم، الثواب على قدر المشقة، لكن لا بد أن تكون المشقة شرعية أيضاً، أي: أن يكون لها دليل من الشرع، فالرسول ﵊ قال: (أجرك على قدر نصبكِ) ، وفي الرواية الأخرى: (أجرك على قدر نفقتك) ، لكن لابد أن يكون العمل نفسه مشروعاً.
لكن إذا كان هناك شخص واقفاً في الشمس ونذر أن يظل واقفاً في الشمس إلى الليل، فهذا ليس له ثواب؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه) .
стр. 1010
حكم استعمال العطور المخلوطة بالكحول
السؤال
ما حكم العطور المخلوطة بالكحول؟
الجواب
بالنسبة للحكم في الكحول تقدم الكلام فيه بكثرة، لكن اختصاراً: الذي أراه -والله أعلم- أن العطور الكحولية مكروهة، ولا أطيق القول بالتحريم؛ لأن القائلين بالتحريم يبنون الفتوى على أنها خمر، والقطع بأنها خمر لا نتحمله ولا نقول به، فلذلك أنا أقول: إنها تكره.
هذا على قول من قال: بأن النجاسة في الخمر نجاسة حسية، أما من قال: بأن النجاسة في الخمر نجاسة معنوية فالأمر عنده مباح، والله أعلم.
стр. 1011
حكم طلب الزوج من زوجته التنازل عن المؤخر من المهر
السؤال
هل يجوز للعاقد إذا حدثت مشاكل بينه وبين أهل العروسة، وكانوا هم السبب في هذه المشاكل، وكلما تم حل المشاكل أظهروا مشكلة أخرى، هل يجوز أن يطلب من زوجته التنازل عن المؤخر و (الشَبكة) كي يضمن حقه إذا حدث الطلاق، مع العلم أن أهل العروس هم سبب المشاكل التي حدثت؟
الجواب
لا يجوز له أن يخدع العروس ويجعلها تكتب تنازلاً له سراً، لا يجوز ذلك أبداً، فالله يقول: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] فهي التي تفتدي به، وكذلك قال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩] فالبنت ما أتت بفاحشة مبينة.
فلا يجوز لك أن تخدعها ولا أن تعضلها فحرام، وإن كنت لا تريدها فطلقها ولها نصف صداق.
стр. 1012
الجمع بين تعلم أمور الدين والدنيا
السؤال
فتاة في الكلية تريد أن تحضر مجالس الذكر ووالدتها لا توافق وتقول: عليكِ بالمذاكرة، فالمذاكرة أهم وأنتِ تتفرغين للكلية فقط، فحاولت أن تقنعها فلم تفلح؟
الجواب
لها أن تجمع بين الفعلين وتسدد وتقارب، تتعلم أمر دينها وتتعلم أمر دنياها، وتطيب خاطر الوالدة بالكلام الطيب، والله أعلم.
стр. 1013
حكم التحميد لمن عطس في الصلاة
السؤال
هل الذي يعطس في الصلاة يحمد الله؟
الجواب
نعم يحمد الله، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه سمع رجلاً من أصحابه عطس في الصلاة فقال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فقال ﵊: لقد رأيت بضعة عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها الأول) ، وهذا الحديث ورد في موطنين: الموطن الأول ما سبق.
والموطن الثاني: أن النبي ﷺ سمع رجلاً قام من الركوع فقال: (الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها الأول) ، وكلا الحديثين صحيح.
стр. 1014
حكم دفع الرشوة لاستخراج حق
السؤال
رجل ذهب لاستخراج شهادة خبرة فطلب منه الموظف المختص رشوة فأعطاه، لأنه إذا لم يعطه لعطل عليه استخراج الشهادة وهو بحاجة إليها؟
الجواب
إذا كان يأخذ شهادة الخبرة وليست عنده خبرة فالمال المدفوع حرام، وآخذها آثم، ومعطيها آثم، وإن كان يأخذ شهادة الخبرة وهي من حقه وأبى الموظف إلا مع دفع المال، فليدفع والإثم على الموظف، لكن إن استطاع أن يأخذها بدون أن يدفع فهو الأفضل، للتناهي عن الإثم والعدوان، لكن إن لم يستطع إلا بالدفع فيدفع والإثم على من أخذ؛ لأن الدافع لا يدفع إلا لأخذ حقه، ولا يدفع لسلب حق آخرين.
стр. 1015
حكم إعطاء الطبيب شهادة مرضية لشخص لم يمرض
السؤال
طبيب يقول: جاءني شخص موظف من الموظفين، وذهب بدون أن يأخذ إجازة من العمل؛ ذهب ليصلح بين قوم كادت تحدث بينهم مقتلة، فاستمرت مدة الإصلاح شهراً بدون أن يأخذ إجازة، ففصل من العمل، فقالوا: لا رجوع له إلى العمل إلا بشهادة مرضية، ونعرف يقيناً -الطبيب يقول:- أنه كان يصلح بين قوم وستحدث بينهم مقتلة والله أصلح به، ورجع بعد شهر، فهل أعطيه شهادة على أنه كان مريضاً أو أتركه يفصل من العمل؟
الجواب
هو سيفصل من العمل، أو يعطى شهادة غير حقيقية، فما رأيك وما فقهك في هذه المسألة؟ أحد الحاضرين: يعطى؛ لأنه ليس له عمل آخر.
أحد الحاضرين: هو ذهب ليصلح بينهم، والصلح خير، فأرى أنه يعطى شهادة مرضية.
الشيخ: الإصلاح محبوب، لكن لا أتكلم عن الإصلاح بل نقول له: جزاك الله خيراً على الإصلاح، الطبيب يسأل ويقول: أعطيه شهادة على أنه كان مريضاً أو أتركه يفصل والله يسهل له؟ أحد الحاضرين: ما دام أنه يجوز الكذب للإصلاح؛ فيجوز أخذ شهادة مرضية؛ وذلك لتعلقها بالإصلاح.
الشيخ: يجوز الكذب للإصلاح بين الناس، هل هناك شخص عنده إجابة ثالثة؟ أحد الحاضرين: الضرورات تبيح المحظورات.
الشيخ: الضرورات تبيح المحظورات، أحسنت، هل هناك إجابة رابعة؟ أحد الحاضرين: يجوز إعطاؤه شهادة مرضية؛ لأنه أخف الضررين.
الشيخ: أخف الضررين، هل هناك إجابة خامسة؟ أحد الحاضرين: لا يجوز إعطاؤه.
الشيخ: أي أن تلك الشهادة باطلة، وينفصل من العمل.
الشيخ: إخوانكم استدلوا بأدلة جزاهم الله خيراً.
الأخ الكريم استدل بفعل الخضر، فإن الخضر خرب السفينة، فهل التخريب هذا جائز والله يقول: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ، لكنه خرب، ولماذا خرب؟ قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩] .
وأخوكم الله يبارك فيه استدل بشيء آخر: أن الكذب من أصله للصلح جائز، فمتبوعات، الصلح من الكذب لأخذ شهادة مرضية جائزة؛ وذلك لتتميم الصلح، والرسول ﵊ رخص في الكذب في الإصلاح.
والأخ الآخر زاد زيادة أخرى وهي: مسألة اختيار أخف الضررين، فلو أن شخصاً أخذ سكيناً وقال لك: سأقتلك إذا لم تدفع ألف جنيه، نقول: ادفع الألف جنيه، مع أن الرسول ﵊ قال: (إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال) ، ولا يجوز لي أن أدفع الألف جنيه؛ لكن دفعتها خوفاً من القتل.
اليوم قرأت في الأقضية قصة طريفة ذكرت عن أمير المؤمنين علي في القضاء، والقضاء يحتاج إلى ذكاء، فأمير المؤمنين علي اختصم إليه قوم، فقال أحدهم: إنا أعطينا هذا الرجل مبلغاً من المال وقلنا له: تصدق بما أحببت من هذا المال، فالرجل أخذ تسعة أعشار لنفسه وتصدق بعشر.
مثلاً: أعطوه عشرة آلاف جنيه وقالوا له: تصدق بما أحببت من هذا المال، فأخذ العشرة آلاف وتصدق بألف ووضع التسعة آلاف في جيبه واستمتع بها، فذهبوا به إلى أمير المؤمنين علي وقالوا: نحن لا نقبل أن يأخذ التسعة آلاف ويتصدق بألف، ولكننا رضينا أن يأخذ النصف وهي خمسة ويتصدق بخمسة.
فقال أمير المؤمنين علي: قد أنصفوك، أي: أحسنوا معك التصرف.
فقال: لا، يا أمير المؤمنين، هي حقي! لأنهم قالوا: تصدق بما أحببت.
فـ علي ﵁ وجد من الرجل تعنتاً وإصراراً على أن يأخذ المال كله، فقال: اسمع، لك فقط العشر وتأتينا بتسعة أعشار.
قال: كيف تحكم بهذا؟ فقال: هم قالوا لك: تصدق بما أحببت، وأنت أحببت تسعة آلاف، فنأخذ منك التسعة آلاف التي أحببتها، ونترك لك الألف التي لم تحبها.
فكان القضاء فيه نوع من الذكاء، وهذه القصة أوردها ابن القيم ﵀ في كتابه: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية.
أحد الحاضرين: الرسول ﷺ يقول: (من مات دون ماله فهو شهيد) .
الشيخ: (من مات دون ماله فهو شهيد) أنت حر، هل قلنا لك: إنك تأثم إذا لم تعطه الألف جنيه؟
стр. 1016
حديث: أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين
السؤال
نرجو توضيح المقصود من قوله صلوات الله وسلامه عليه: (أنا بريء ممن أقام بين ظهراني المشركين) ؟
الجواب
تقدم بيان أن هذا الحديث ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﵊، وقد ذكره العلماء.
أما على فرض حسنه فمعناه: أنا بريء من المسلم الذي يعيش بين ظهراني المشركين، يعني: إن أصابه من المشركين شيء أو سوء أو مكروه فأنا لست مسئولاً عنه، فعهدتي بريئة وذمتي بريئة من الضرر الذي يصيب هذا المسلم، فلست منتصراً له إذا أصابه ما أصابه، كقول الله في شأن الذين لم يهاجروا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال:٧٢] ، فنفس المعنى مضمن في هذه الآية الكريمة.
стр. 1017
حكم السفر إلى بلاد الكفر للعمل أو الدراسة
السؤال
هل يجوز السفر إلى بلاد الكفر للعمل أو الدراسة؟
الجواب
إذا دعت الضرورة إلى ذلك فالضرورة تقدر بقدرها، وإذا لم تكن هناك ضرورة لذلك، فبلاد الكفر فيها الشر والفساد، وفيها الامتناع من الجمع والجماعات، فالمسألة بقدرها وبحسبها.
стр. 1018
حكم صلة المرأة التي تزوجت بغير إذن وليها
السؤال
شخص له أخت تزوجت رغماً عنه، وذلك مع كونه الولي، فهل يقاطعها لقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] ؟
الجواب
الأخت التي تزوجت رغماً عن أخيها هل يقال: إنها حادت الله ورسوله حتى ننزل عليها الآية؟ وما معنى حاد الله ورسوله؟ حاد الله ورسوله، أو شاق الله ورسوله بمعنى واحد، فحاد الله ورسوله: كأن يكون في جهة، وشرع الله وسنة رسول الله في جهة أخرى، وهذا عن عمد وقصد، وكذلك من شاق الله ورسوله يكون في جهة وشرع الله وسنة رسول الله في جهة أخرى، وهذا عن عمد وقصد.
لكن هذه الفتاة التي تزوجت بغير إذن أخيها، وتزوجت في المحكمة ومعها أمها أو أخوالها أو غير ذلك، فهي مخطئة لا شك في ذلك؛ لأن الرسول ﵊ يقول: (لا نكاح إلا بولي) ويقول: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) .
لكن أما وقد تزوجت عند مأذون ودخل بها زوجها وحملت منه وانتهى أمرها، فهذه لا يقام عليها حد الزنا؛ لأنها دخلت في شبهة وهي شبهة الزواج بغير إذن الأخ، لكن زوجها المأذون؛ فيرتفع عنها حكم الزنا؛ لأن النكاح نكاح شبهة، وإن كان في أصله باطل، لكن أما وقد انتهت الأمور، فما بقيت إلا الأرحام التي توصل؛ لأنه لا يشترط في صلة الرحم أن تكون الرحم صالحة، فالرسول ﷺ قد قال: (إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما أوليائي المتقون، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها) ، أي: أصلها بصلتها.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] مع المجاهدة منهم لك وإنما: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] .
ففي مثل هذه الحالة انتهى الأمر، ولو كان الأمر في بدايته لقلنا لك: قاطعها واشتد عليها، بل واضربها إذا أرادت أن تتزوج بغير إذن ولي، مادام الأمر محتملاً ومطاقاً، لكن الأمر قد تم ودخلت بزوجها وانتهت الأمور، فما بقيت إلا صلة الأرحام، والله المستعان.
стр. 1019
درجة عبد الله بن محمد بن عقيل عند المحدثين
السؤال
ما القول في عبد الله بن محمد بن عقيل؟
الجواب
أنصح الأخ السائل الذي يريد معرفة ترجمته بتوسع أن يقرأ فقط ترجمته في: تهذيب التهذيب، وسيخلص أن الرجل ضعيف.
стр. 1020
حكم التسمية عند الوضوء
السؤال
ما حكم التسمية عند الوضوء؟
الجواب
التسمية عند الوضوء مستحبة، وليست بواجبة، أما الدليل على استحبابها فما ورد أن النبي ﷺ قال: (توضئوا باسم الله) .
أما المحتج على إيجابها فيحتج بحديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ، وهذا الحديث له عن رسول الله ﷺ عدة طرق، تفوق عشرين طريقاً، لكن ما سلم منها أي طريق، وبعضها تالف وضعيف، وبعضها يعل بعضاً، فلهذه الإشكالات في هذه الطرق حكم فريق من أهل العلم على هذا الحديث بالضعف الشديد.
وبعضهم لكثرتها حسن الأحاديث الواردة فيها؛ بل وصححها، وألّفت كتب في هذا الحديث، فقد ألف بعض إخواننا الأفاضل كتاباً في إيجاب التسمية، وفي تفصيل درجة هذا الحديث، وألف آخرون كتاباً في أن التسمية لا تجب، وأن حديث التسمية ضعيف واه.
وفي الحقيقة أن كل طرق الحديث -كما سمعتم- ضعيفة وتالفة، وبعضها يعل بعضاً، لكن أيضاً إجمال القول على كثرتها منهم من حسنه بمجموعها وصححه بمجموعها، ومنهم من أبقاها في حيز الضعف.
والكلام على هذا الحديث ليس من الكتاب المعاصرين فحسب؛ بل تكلم عنه الأوائل من أهل العلم المتقدمين، فمنهم من حكم على الحديث بالضعف جملة، ومنهم من حكم عليه بالصحة.
نرجع إلى مناقشة المسألة فقهياً: فإن صح الخبر، فالنفي في هذا الحديث لا يعني نفي الأصل، إنما يعني نفي الكمال، لماذا قلنا: إنه لا يعني نفي الأصل إنما يعني نفي الكمال؟ لأن كل صفات الوضوء التي رويت عن رسول الله ﵊؛ كحديث عبد الله بن زيد، وكحديث ابن عباس، وكحديث عثمان ﵃ جميعاً، لما وصفوا وضوء رسول الله ﵊ لم يذكر واحد منهم أن النبي ﷺ سمى الله عند الوضوء، فلما لم يذكروا أن النبي ﷺ سمى الله عند الوضوء؛ استفيد أن الأمر ليس بأمر حتم وإيجاب، إنما هو أمر -إن صح- إرشاد واستحباب.
أمر آخر: نقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الشافعية الإجماع على أن من نسي التسمية وتوضأ وصلى أنه لا يعيد الصلاة، فلو كان حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) نفي الوضوء من أصله، فالرسول ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) إذاً لبطل الوضوء من أصله، ثم بطلت الصلاة، لكنهم أجمعوا -حتى القائلين بتصحيح الحديث- على أن الصلاة صحيحة، فهذا هو الحكم في هذه المسألة، والله سبحانه أعلم.
следующие страницы →