Полный текст (2 242 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
طعام أهل الشمال في الآخرة وشرابهم
قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥١-٥٢] ، والضالون هنا ليس المراد بهم النصارى الضالون فحسب، بل المراد عموم من ابتعد عن كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ وكفر بالله، فدخل في ذلك أهل الشرك وأهل الإلحاد واليهود والنصارى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٥١] أي: المكذبون بالبعث ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] ، والزقوم وصفها الله بقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣-٤٦] وقال تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء:٦٠] فسرها بعض العلماء بشجرة الزقوم، وهي شجر وليست شجرة، كما قال الله: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] ، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦] ، وقال الله في صفة هذه الشجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] ، وقد جعلها الله فتنة للظالمين، حيث قال أهل الظلم: كيف تنبت الأشجار في وسط النيران؟! وخفي عليهم أن الله على كل شيء قدير، وقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] هذا تصوير لها وإن لم نرَ نحن رءوس الشياطين لكننا جميعاً نتصور أن رءوس الشياطين شيء مزعج ومخيف ومرهب، فوصفت برءوس الشياطين مع كوننا لا نعرف كيف رءوسهم، ولكنه تصوير لما انقدح في الذهن واستقر في القلب من أن الشياطين ورءوسها أشياء مخيفة.
قال الله : ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٢-٥٥] والحميم هو الماء الذي يغلي.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة:٥١-٥٣] كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] ؟ فآية الغاشية ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] وهنا يقول الله : ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥٢] فكيف الجمع؟ بعض أهل العلم يقول: فريق من أهل النار طعامهم الضريع وليس لهم إلا هذا الضريع، وفريق آخر من أهل النار طعامهم شجر الزقوم، فهم أصناف، وكل صنف اختص بأكلة معينة على حسب جرائمه التي اقترفها، أو يحمل على أنهم في سنين ما يأكلون إلا الطعام من ضريع، وليس لهم إلا هو، وفي سنين أخر يأكلون من شجر الزقوم وليس لهم طعام إلا هو، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤-٥٥] ، الهيم من الإبل: شديدة العطش التي تشرب ولا تكاد تروى.
﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الواقعة:٥٦] أي: هذه مكرمتهم التي يكرموا بها!
стр. 1052
إنكار المشركين للبعث
قال تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] ، ينكرون البعث أيضاً، فكانوا يشركون بالله وينكرون البعث، وإنكار البعث بمفرده كفر، والشرك بالله بمفرده موجب للخلود في النار.
﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] استبعاداً للبعث، وهذا يفترق به المسلمون عن غيرهم من أهل الديانات، وإن كان بعض أهل الممل كاليهود يقرون بالبعث، لكن تصورهم للبعث تصور خاطئ، فقد زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وزعموا أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، أحسنوا العمل أم لم يحسنوه، قالوا بزعمهم: إن النار تمسهم سبعة أيام، وهي تلكم الأيام التي عبدوا فيها العجل، ثم يخلفهم فيها المسلمون بزعمهم! وقول الله : ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة:٤٧] كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٧٩-٨٣] ، قال النبي ﷺ : (قال رجل ممن قبلكم لبنيه: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: كنت خير أب، قال: فإن الأبعد لم يفعل خيراً قط، والله! لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فإذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم في يوم عاصف، فلما مات وصنعوا به ذلك أحرقوه، ثم طحنوه، ثم أخذوا ترابه في يوم عاصف، وأتوا إلى البحر فذروه في البحر فلما فعلوا به ذلك قال الله له بكلمة واحدة: كن رجلاً، فإذا هو رجل قائم بين يدي الله سبحانه، فقال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب! فغفر الله له) .
قال الله : ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٧-٥٠] ، كل الأوائل والأواخر سيجتمعون في صعيد واحد كما قال رسول الله ﷺ : (ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي) داعٍ واحد يدعوهم والكل يستمعون إلى قوله، بجمع كل من كان من عهد آدم ﵇ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩-٥٠] ، وهذا دائماً يذكر به الله في ثنايا الآيات؛ لأن التذكير بالبعث واليوم الآخر يحمل على إحسان العمل.
стр. 1053
الإصرار على الذنوب
هذا بحث عاجل وسريع حول مسألة الإصرار على الحنث العظيم على تأويل من فسر الحنث العظيم بأنه الذنب وليس الشرك، أما تفسير الحنث العظيم بأنه الشرك فلا إشكال فيه؛ لأن نصوص الشريعة تشهد بأن من أصر على الشرك ومات عليه فإنه من أصحاب الشمال، لكن التوجيه على رأي من قال: إن الحنث العظيم هو الذنب العظيم ما دون الشرك، فهل الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك يجلب لصاحبه الخلود في النار؟
الجواب
القواعد الكلية لأهل السنة والجماعة تفيد أن الإصرار على الذنب العظيم الذي هو دون الشرك كالإصرار على الزنا مثلاً أو الإصرار على القتل، فالإصرار على ذلك ليس بموجب للخلود في النار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦] ولقول الله : ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] ولقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] ؛ ولحديث البطاقة الذي فيه: (أن الله سينادي رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيقول الله : انشروا له صغار ذنوبه، وأخفوا عنه كبارها، فيخرجون سجلات طويلة سجلت فيها معاصيه وذنوبه، طول هذه السجلات مثل مد البصر! فيقول الله له: أظلمناك شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب! يقول الله: أتنكر من هذا شيئاً؟ فيقول: لا يا رب! فتوضع في كفة، ثم يقول الله له: إن لك عندنا حسنة، وإنك اليوم لم تظلم، فتخرج له بطاقة فيها: لا إله إلا الله فتوضع في الكفة الأخرى، فتطيش بتلك السجلات، ولا يثقل مع اسم الله شيء) أو كما قال رسول الله ﷺ .
هذا الحديث قد يفهم على غير وجهه، كما فهمه بعض أهل الإرجاء، ولكن فهمه عند أهل السنة أنه مثال لرجل أراد الله أن يغفر له، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مجرم، وليس بلازم أن يغفر الله لكل مسرف على نفسه، بل كما سمعتم ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] ، فالمصر على المعصية حتى يموت عليها، ولم يتب منها؛ ليس بلازم عند أهل السنة والجماعة أن يعذب.
والمقام مقام تحرير المسائل العلمية، ليس مقام تخويف ولا ترهيب، فنحن في وسط إخواننا طلبة العلم، فالمقام مقام تحرير مسائل علمية، فمن أصول أهل السنة والجماعة ما سمعتموه، ويشهد لهذا المعنى حديث البغي التي كانت تتكسب من الزنا والعياذ بالله! فمرت ذات يوم بكلب يلهث من العطش، فنزعت موقها وملأته ماءً من بئر وسقته، فشكر الله لها، فغفر لها، وأدخلها الجنة، ولم يذكر في الحديث أنها تابت من هذا الذنب، فأمر ذلك إلى الله سبحانه، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦] .
стр. 1054
ترف أهل الشمال
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في دنياهم ﴿مُتْرَفِينَ﴾ ، وهل كل مترف في الدنيا يعذب في الآخرة؟ قطعاً ليس كل منعم في الدنيا يعذب في الآخرة، ولكن كما قال فريق من أهل العلم: إن عموم أهل الترف على الشر والفساد، فأهل الترف مفسدون وأهل شر، ولا يستثنى منهم إلا القليل، فدل على هذا الأصل قول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء:٨٣] ، أي: الإنسان إذا أنعمنا عليه بنعمة أعرض ونأى بجانبه، وكما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٧] أي: من رأى نفسه مستغنياً عن الله بدأ في التمرد والطغيان؛ ولذلك يقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] من العلماء من يقول: أمرنا مترفيها بأوامرنا ونواهينا فعصوا تلك الأوامر وأقبلوا على تلك المناهي فخالفوا أمرنا بذلك، فحق على هذه القرية القول ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦] .
ومنهم من يقرأها بالتشديد (أمّرنا مترفيها) أي: جعلنا المترفين أمراء فسعوا في الأرض بالفساد، فليس مجرد الترف -الذي هو النعمة في الدنيا- سبباً للعذاب، لكن سياقات الكتاب العزيز تبنى على العموم، كما قال الله جل ذكره: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ، مع أنه أثبت لبعض الأعراب إيماناً في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:٩٩] ، فليس الترف والنعيم والتنعم والاستمتاع بالدنيا وحده جالب للعذاب، فإذا أدى هذا المنعَّم في الدنيا حق الله عليه في ماله وفي صحته فهو على خير، فالنبي ﷺ يقول: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) ، وجاءه الفقراء يشكون ما لإخوانهم الأثرياء من الأجر بقولهم: (ذهب أهل الدثور بالأجور والدرجات العلى والنعيم المقيم) ، وفي آخر الحديث قال النبي ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) ، وقال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ... ) .
فليس كل منعم في هذه الحياة الدنيا من أهل النار، وليس كل شقي في هذه الحياة الدنيا من أهل الجنة، فكم من رجل -والعياذ بالله- جمع بين شقاوة الدنيا وشقاوة الآخرة، وكم من شخص في هذه الحياة الدنيا جمع بين النعيمين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
فها هو نبي الله سليمان ﵊ آتاه الله ملكاً لم يعطَ لأحد من بعده، ولم يحزه أحد من قبله فيما علمنا، ومع ذلك هو نبي صالح يقول: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] وها هو ذو القرنين كذلك كما قال الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] ، ومكنه الله غاية التمكين في الأرض، وهو رجل صالح أثني عليه خيراً في كتاب الله سبحانه.
وهذا يجرنا إلى شيء ألا وهو: إن هناك أحاديث فيها الوعيد لأصحاب جرائم ورد في ذكرهم جملة من الخصال خصلتان أو أكثر، فهل يعذبون بسبب الخصلة الواحدة أم لابد من اقتران الخصلتين معاً؟ مثال ذلك: قول النبي ﷺ : (يكون في آخر الزمان أقوام لهم حواصل كحواصل الطير، يصبغون بالسواد، لا يريحون راحة الجنة) هكذا قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح.
فهل مجرد الصبغ بالسواد هو الذي يجعلهم لا يريحون رائحة الجنة أم يضم إليها أيضاً أنهم يحلقون لحاهم ويتركون في نهايتها شيئاً مستديراً كالذي يفعله بعض السعوديين الآن، ويصبغ الشعيرات التي في آخر اللحية بالسواد؟ هل هذا الصبغ بالسواد فقط هو الذي حذا بهم إلى أنهم لا يريحون رائحة الجنة أو نضم إليه أيضاً أنهم يحلقون لحاهم، ولا يبقون إلا مثل حواصل الطير؟ أو أن فيهم أشياء أخرى لم تذكر في حديث الرسول ﵊ إنما ذكرت العلامات فقط؟ أي: أن هناك خصالاً لهؤلاء الناس الذين ذكروا في حديث النبي ﷺ لم تذكر في الحديث، ومن سيماهم: أنهم يصبغون بالسواد، وأن لهم حواصل كحواصل الطير؟ في الحقيقة أن هذا ينبني عليه فقه واسع، ليس في هذه المسألة فحسب بل في عدة مسائل، هل الصفات التي ذكرت هي وحدها الكفيلة بمنعهم من الجنة، ومنعهم أن يشموا رائحتها أم هناك صفات أخر استترت في الحديث ولم تبين، ولكن ظاهرهم أنهم يصبغون بالسواد؟ مثال آخر: وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٣٨-٤٦] ،فهل الصفة الواحدة من هذه الأشياء المذكورة كفيلة بالحكم عليهم بالإجرام وبالحكم عليهم بالخلود في النيران؟ قطعاً هذا محل نظر، فإن بعض الأشياء التي ذكرت في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] إلى آخر الآيات منها صفات مكفرة بالاتفاق، موجبة للوصف بالإجرام وللخلود في النيران، كقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٦] ، وصفات أخر مكفرة على خلاف بين العلماء وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ، وصفات أخر وهي قولهم: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر:٤٤] ليست مكفرة على رأي الجماهير.
فهل اشتباك هذه الصفات معاً هو الذي يحكم عليهم بالإجرام وبالخلود في النيران أو أن بعض الصفات هي التي تحكم عليهم بذلك؟ لكل مسألة من هذه المسائل ملابساتها الخاصة، فينبغي إمعان النظر في مثل هذه الأحوال حتى يخرج الشخص بفقه صحيح متفق مع النصوص العامة والقواعد الكلية لأهل السنة والجماعة، والله أعلم.
الشاهد: أن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] ، إذا فسرنا الترف بأنه مجرد التنعم فلا شك أن التنعم وحده ليس بكافٍ ولا بكفيل للحكم عليهم أن يكونوا من أصحاب الشمال، فكم من منعم في هذه الحياة الدنيا كان مصيره إلى الجنان! فهذا أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه من أصحاب الأموال الطائلة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ من أصحاب الأموال الطائلة، قيل: كان لـ عثمان ألف جارية! وثم صحابة آخرون آتاهم الله مالاً غزيراً، ومع ذلك أثنى عليهم رسول الله ﷺ غاية الثناء.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة:٤٥] ، ضموا مع هذا الترف ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] ، من العلماء من قال: إن الحنث العظيم هنا المراد به: الشرك، ومن العلماء من قال: إن أصل الحنث هو الذنب، يقول الشخص: حنثت، أي: وقعت في الذنب لكوني أقسمت وخالفت يميني، فالحنث أصلاً هو الذنب، لكن لاقترانه بالعظيم فسر بعض أهل العلم الحنث العظيم بالشرك، ومنهم من قال: هو الذنب العظيم، ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٦] .
стр. 1055
آيات تقر بربوبية الله سبحانه
قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة:٥٧-٥٨] تمنون أي: تقذفون المني وتسيلونه، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة:٣٧] أي: يهراق ويسال ويندفع.
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة:٥٨-٦٠] ، أي: وما نحن بعاجزين كما قول بعض أهل العلم ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] أي: نحولكم إلى صور أخرى لا تتخيلونها ولا تتوقعونها كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس:٦٦-٦٧] ، فقوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] أي: ننشئكم في صور أخرى من الخلق لا تعلمونها، قد تطمس وجوهكم فترد كالقفا كما صنع بأقوام من قبل، وليست الآية الكريمة دليلاً على المبدأ الهندوسي الكافر الذي يتبناه الكفرة من أهل الهند بقولهم بتناسخ الأرواح، أي: أن الشخص عندهم إذا مات وكان صالحاً فإن روحه تحل في شيء طيب، وإن كان فاسداً ومات، فإن روحه تذهب إلى كلب أو قط أو حية أو ضفدعة، والأرواح الطيبة بعد أن يموت صاحبها لا تموت هي، بل تتحول إلى أشياء بحسب صلاح الشخص أو فساده.
والآية لا تدل على هذا المبدأ الكافر، فالله يحذر من مسح الأجساد في هذه الآية ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٦١] كما مسخ بني إسرائيل إلى قردة وخنازير، والله أعلم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ﴾ [الواقعة:٦٢] أي: علمتم كيف خلقناكم أول مرة فلولا تتعظون وتعتبرون.
وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] ذكرت الآية الكريمة الحرث، ولم تنتقص من يحرث ويزرع، وقد أورد بعض الألمان الكفرة شبهة على أحد المسلمين قليلي العلم بسنة الرسول ﷺ ، فقال هذا الألماني الكافر لرجل من المسلمين: ما هو أصح كتبكم المعتمدة بعد القرآن الكريم؟ قال: صحيح البخاري.
قال: إن في صحيح البخاري حديثاً فيه: أن النبي ﷺ دخل على قوم، فوجد عندهم في البيت سكة من حديد -وهي بمعنى: آلة الحرث- فقال: (لا يدخل هذه الآلة قوم في بيوتهم إلا أصابهم الذل) ، أو كما قال رسول الله ﷺ ، فقال: هاهو دينكم يدعو إلى التخلف، كيف لا يدخل القوم آلة الحرث إلا أدخلوا على أنفسهم الذل؟ فالرجل علمه بالسنة ضعيف، فحاول أن ينكر هذا الحديث، فلما أثبت له أن هذا الحديث في صحيح البخاري حاول أن يؤول أو يدعي أن الحديث مدسوس، والحديث ثابت صحيح، ولكن آفة عدم الفهم هي التي تسربت إلى هذا الرجل، فهذا الحديث بعينه يدعو إلى التقدم وإلى التسلح، فمعناه: أنكم -يا معشر المسلمين- إذا رضيتم بالزرع، وتركتم آلات القتال وآلات الحروب، إذا عمدتم إلى المزارع وإلى الفئوس وإلى آلة الحرث فقط، وتركتم صناعات الحروب كالسيوف والدروع وملحقات ذلك الآن كالطائرات والصواريخ، ونحو هذه الأسلحة التي تكف شر عدوكم بإذن الله، وانعكفتم على الحرث؛ فإن عدوكم سيتسلح ويتسلط عليكم، فيسلب ما بأيديكم وينزل بأسه بكم، ولكن إذا تسلحتم وتقويتم مع هذه الآلة فإنكم ستأمنون شر أعدائكم، فهذا هو الفهم الصحيح، أما ديننا فإنه يدعو إلى الزرع والحرث، فقد قال النبي ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) ، وقال النبي ﷺ : (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة -وهي: النخلة الصغيرة التي لا تنبت إلا بعد سنوات طويلة- فإن استطاع أن يغرسها فليغرسها) ، وقال النبي ﷺ : (من كانت له أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها) ، فلا يتركها، فإما أن يزرعها هو وإما أن يمنحها أخاه.
إلى غير ذلك من النصوص الواردة عن رسول الله ﷺ في هذا الباب، وهي نصوص في غاية الكثرة.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ [الواقعة:٦٣-٦٤] أي: تنبتونه وتخرجونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٤-٦٥] محطماً مدمراً ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٥-٦٧] أي: لظلتم تتعجبون مما حدث وتضربوا بيد على الأخرى قائلين (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ [الواقعة:٦٦] فيه قولان: قيل: إننا كنا ننتظر الناتج للثمرة حتى نسدد بها الديون، والآن قد دمر هذا الزرع، فوقعنا في الغرم وهي الاستدانة، فطائفة منهم يقولون: إنا لمغرمون، وطائفة أخرى تقول: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٧] ، وقيل: هي طائفة واحدة تقول هذا ثم تقول: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة:٦٧] .
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] استدل بذلك بعض أهل العلم على أن الشرب يكون بعد الأكل، وقد خالف بعض أهل الطب في ذلك فقالوا: إن الشرب بعد الأكل مضر، ولكن من العلماء من استأنس بهذه الآية، وبقوله تعالى -مع الفارق-: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ [الواقعة:٥١-٥٢] إلى قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ [الواقعة:٥٤] ، وهنا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة:٦٣] ، ثم عقب بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة:٦٨] .
﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩] فالله هو الذي سخر السحاب، وهو الذي أنزل منها ماءً ثجاجاً.
стр. 1056
الأسئلة
стр. 1057
حكم تجديد عقد الزواج بعد الإسلام
السؤال
النصراني إذا أسلم هل يعقد مع زوجته عقداً جديداً؟
الجواب
إذا أسلم النصراني فإنه لا يعيد العقد؛ وذلك لأن أصحاب النبي ﷺ كانوا كفاراً كلهم قبل البعثة، ولما أسلموا لم يؤمر أحد منهم بعقد جديد، والأثر الذي ورد أن زينب بنت رسول الله ﷺ عقدت عقداً جديد على زوجها أبي العاص بن الربيع بين عبد شمس لا يثبت عن رسول الله ﷺ .
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1058
الحكم بعد زواج المرأة بدون ولي والبناء عليها
السؤال
إذا تم الزواج بدون ولي، وقد دخل بها الزوج وانتهى الأمر، فهل يستمر الزواج أم لا؟
الجواب
في الحقيقة أن هذه قرائن تحملنا على شيء معين، صحيح أن الرسول ﵊ قال: (لا نكاح إلا بولي) ، وصحيح أن النبي ﷺ قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل) ، فقد ورد في النهي عدة أحاديث عن رسول الله ﷺ ، ولكن قد تم الزواج، وبنى بها الزوج، وأنجبت منه، ثم بعد ذلك هدى الله الزوج والزوجة للبحث في الدين فوجد أنه لم يتزوج بولي، وفي الحقيقة أن مثل هذه المسألة يرجى أن تدخل تحت نكاح الشبهة، ويستمر العقد صحيحاً ما دام أنه قال به بعض أهل العلم، لكن كإبعاد لأي شبهة وأي شك؛ يقول الولي لهذا الزوج: زوجتك ابنتي، ويقول الزوج: قبلت، وينتهي الإشكال.
ذات مرة اتصل أحد الإخوة يسأل سؤالاً ويقول: كان في أمريكا هو وزوجته، وبعدها طلق هذه الزوجة، ورجعت إلى مصر، وبعد أن رجعت إلى مصر أقنعه أصحابه أن يرجع لزوجته، فوكل أخاه بإتمام موضوعات الزواج، فتمت الموضوعات، وأرسلت الزوجة بعقد رسمي موثق من المأذون الشرعي إلى أمريكا مرة ثانية، فعاشرها ثلاث سنوات جديدة، ثم علم بعد ذلك أنها هي التي زوجت نفسها، فاتصل بأحد الإخوة المشايخ -الله يغفر له- وحكى له الموضوع.
فأجاب هذا الشيخ وقال له: ترجعها حالاً، فالعقد باطل! فرجع الرجل مع زوجته من أمريكا يسأل: ماذا يصنع؟ سبحان الله (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين) ، فكان المفروض أن يقول هذا الشيخ لهذا الرجل: اتصل بوليها من عندك وأخبره الخبر، ثم يقول: اطلب منه أن يقول: زوجتك ابنتي أو أختي على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ولا حاجة إلى المجيء من أمريكا، لكن كلفه هذا الشيخ عفر الله له سفراً من أمريكا هو وزوجته إلى مصر، صحيح أنه قد تم النكاح، ونحن نرى أن هذا رأياً مرجوحاً، لكن من العلماء من يجيزه، كـ أبي حنيفة أما نحن فلا نجيزه ابتداءً، لكن في مثل هذه الأحوال يؤخذ بالقول الذي يعمل به في البلاد كالمحاكم وإن كان مرجوحاً؛ لأنه لا بد من قواعد تضبط الناس.
فالشاهد: أن المسألة فيها تفصيل واسع، والأحناف يستدلون بحديث الرسول ﵊: (الثيب أحق بنفسها) ، وإن كان الجمهور من أهل العلم فسروا قوله ﵊: (الثيب أحق بنفسها) بقولهم: لها الحق أن تنتقي الزوج الذي تريد، لكن ليس لها حق في العقد، أما الأحناف فقد استدلوا بعمومه على جواز الزواج بلا ولي للثيب خاصة، وهذا رأي مرجوح لكن قد تم الزواج عند المأذون الشرعي، والرسول ﵊ قال: (فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له) فعقد المأذون يقوم مقام الولي في غياب الولي، وليس في حضور الولي، فكان الأيسر أن يفتى في مثل هذه المسألة بقوله: اجعل وليها يزوجك في الهاتف؛ فالتزويج غيابياً جائز، والطلاق غيابياً جائز، فإن كانت المرأة في دولة كأمريكا -مثلاً- وأولياؤها في مصر، ولم تستطع أن تتصل بهم، ولم يستطع أهلها أن يأتوا إليها، ولكن لا تعلم رفضاً منهم، فيجوز في مثل هذه الأثناء أن توكل شخصاً بتزويج نفسها.
وقد عرضت هذه المسألة مرة في امرأة عضلها أولياؤها بلا سبب شرعي، ولا يريدون منها أن تتزوج، وقالوا لها: أنتِ تزوجتِ وأخذتِ نصيبكِ، فلا تتزوجي مرة ثانية! وهناك أولياء جهلة يمنع البنت من الزواج مع أنها ستقع في فتنة، فبحثنا بحثاً شديداً عن مخرج لهذه المسألة، إلى أن وفق الله إلى قول طيب للإمام مالك ﵀! فقد قال مالك: إنها تنصب لنفسها ولياً آخر ويكون رجلاً صالحاً؛ لأن الرسول ﵊ لما أرسل جعفر وابن رواحة وزيد بن حارثة قال: على القوم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فـ جعفر، فإن أصيب جعفر فـ عبد الله بن رواحة، فشاء الله أن يقتل الثلاثة، قتل زيد ثم قتل جعفر ثم قتل ابن رواحة، فوقف المسلمون بلا أمير، وليس هناك أمير أمره رسول الله ﷺ ، فاصطلح المسلمون على خالد، فأخذ منها مالك أن المسلمين يصطلحون على تنصيب ولي لهذه المرأة أو تنصب ولياً شرعياً إذا كان الرفض ليس له مبرر شرعي، مثلاً: قالوا لها: لا نريدك أن تتزوجي، ففي مثل هذه الحالة نقول: إن الله لا يحب الفساد، والله أباح لها أن تتزوج، لكن إذا قالوا لها: لا نريد منك أن تتزوجي بفلان بعينه، ففي هذه الحالة نقول: معكم حق إذا كانت الكفاءة غير موجودة في هذا الشخص بعينه، والله أعلم.
وكذلك البكر؛ إذا كان أبوها لا يريد منها أن تتزوج أبداً دون أي سبب شرعي! قلنا لها: وكلي أي شخص، فتنتقل الولاية إلى الأخ، فإذا كان الأخ غير موجود فتنتقل إلى العم، فتنتقل الولاية للعصبات واحداً تلو الآخر، فإن فقد الأولياء تماماً، أو أن كلهم لا يريدون لها أن تتزوج أبداً، وهي تريد أن تعف نفسها بالزواج وقالت: اختاروا لي أي شخص أتزوجه، فأبوا جميعهم، فعند ذلك: (السلطان ولي من لا ولي له) .
стр. 1059
حكم الصلاة بالنعال
السؤال
هل أصلي في النعل، وخاصة أن الظروف تتاح لذلك؛ لأن معظم صلاتنا على الأرض، ولكن ذلك أثار فتنة شديدة حولي، فهل أستمر على ذلك؟
الجواب
بالنسبة للصلاة في النعال، الأدلة عليها تقارب خمسة عشر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا كان فيها أذى تزيل الأذى وتصلي فيها، وإذا كان المسجد سيتسخ بالتراب الذي على النعلين فقد أمرنا على الجملة بتطهير المساجد وتنظيفها وتوقيرها، وإذا لم يكن هناك اتساخ وكانت النعل نظيفة لا تؤثر على فراش المسجد فلا بأس أن تصلي في النعلين بشرط: ألا تحدث فتنة في المسجد، فالناس قد لا يفهمون وجهة نظرك، أما إذا كان الشخص غبياً فيحاربك إذا بينت السنة، فعليك أن تتلطف في إظهار سنة الرسول ﷺ أولاً ثم تقدم على فعل السنة، بمعنى: لا بأس أن تقيم محاضرة في مسألة شرعية الصلاة في النعال وتبين المسألة من جميع الوجوه، وبعد ذلك تقدم على الصلاة في النعال.
ومن الأدلة على جواز الصلاة بالنعلين: ما ورد في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ أنه: (سئل: أكان النبي يصلي في النعلين؟ قال: نعم) .
стр. 1060
حكم زواج المرأة بدون ولي
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تزوج نفسها؟
الجواب
قال الرسول: (لا نكاح إلا بولي) ، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.
стр. 1061
الحث على حفظ كتاب الله مع مواصلة دراسة الجامعة
السؤال
أخونا يقول: إنه يدرس الدراسة الجامعية، ويريد أن يؤهل نفسه أثناء الدراسة لحفظ القرآن، فبماذا تنصحونه؟
الجواب
احفظ القرآن مع مواصلة دراستك في الجامعة.
стр. 1062
حكم لبس (الكرفتة)
السؤال
ما حكم لبس (الكرفتة) ؟
الجواب
الكرفتة تخنقك فقط كما قال بعض المشايخ حفظه الله، وقد سئل شخص عن رجل يلبس (البنطلون) فقال: انظروا إلى هذا الغبي؛ فإنه يوسع حيث يحتاج الأمر إلى تضييق، ويضيق حيث يحتاج الأمر إلى توسيع! فالكرفتة ما هي إلا خنقة تخنق بها نفسك.
стр. 1063
النصح أولاً
السؤال
لي زميل في العمل يسرق، فقمنا بإبلاغ المدير عنه فنهره المدير بشدة في أول الأمر، ثم اعتذر لهم مع علمه بالسرقة، واعتدل الزميل فترة من الزمن ثم عاد من جديد إلى السرقة، والآن المدير يعلم، ولكن شخصيته ضعيفة أمامه ولا يستطيع عمل شيء، فهل نقوم بإبلاغ صاحب الشركة؟
الجواب
أولاً تنصح، فإذا ما قبل نصحك بلغ صاحب الشركة: (فمن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) .
стр. 1064
حكم إعانة شخص على شراء تلفاز
السؤال
شخص يريد مني المساعدة في شراء التلفاز لمشاهدة كرة القدم، فهل أساعده؟
الجواب
لا تساعده؛ لأنه ليس لك ثواب في مساعدته، بل عليك عقاب.
стр. 1065
عدم اشتراط الصلاة على النبي بعد الانتهاء من الدعاء
السؤال
هناك حديث أن الدعاء لا يقبل إلا إذا انتهى بالصلاة على النبي ﵊؟
الجواب
ليس هذا الكلام بصحيح، فإن النبي قد دعا بعدة دعوات ولم يصلِّ فيها على نفسه، والصحابة دعوا بعدة دعوات ولم يصلوا فيها على النبي ﷺ ، لكن الأفضل والأولى الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 1066
حكم رفع اليدين عند الدعاء في خطبة الجمعة
السؤال
مسألة الإشارة بالأصبع في الدعاء؟
الجواب
روى أبو داود ومسلم أنه: (رأى عمارة بن رؤيبة بشر بن مروان رافعاً يديه يدعو بها في خطبة الجمعة، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله ﷺ يدعو وما يزيد على أن يشير بأصبعه) ، وهذا الحديث في الحقيقة فهمه مشكل شيئاً ما، فـ عمارة في الحقيقة صحابي مقل، رأى بشر بن مروان -وهو أمير- يدعو في خطبة الجمعة رافعاً يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، (لقد رأيت رسول الله ﷺ على المنبر لا يزيد على أن يشير بإصبعه) هذا الحديث كيف سيفهم؟ حمل هذا الحديث بعض العلماء على ظاهره، لكن أولاً عمارة بن رؤيبة ما أورد أن الرسول نهى أن ترفع يديك، ما أورد أن الرسول ﵊ قال: لا ترفع اليدين معاً أثناء الدعاء لكن عمارة رأى أن هذا إحداث لكون بشر بن مروان خالف مكان رفع الإصبع ورفع اليدين، لكن هل الرسول صلوات الله وسلامه عليه نهى عن رفع اليدين معاً أثناء الدعاء؟ أم أن عمارة رأى الرسول ﷺ في منظر فبنى عليه أنه لا يجوز خلاف هذا المنظر أو هذا المشهد؟ وعلى كل، ذكر العظيم أبادي في شرحه لسنن أبي داود في عون المعبود معنيين للحديث، وهناك اختلاف في رواية هذا الحديث، فبعض الروايات أنه قال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يشير بأصبعه في الخطبة) ، ورواية أخرى تقول: (يشير بأصبعه في الدعاء في الخطبة) ، فالرواة الأكثر والأثبت رووا بلفظ: (يشير بأصبعه في الخطبة) ، وبعض الرواة -ولا تعارض- قيدها بالدعاء، أي: بعض الرواة أطلق، وبعض الرواة قيد، فمن العلماء من قال: إن الأصبع يشار بها أثناء الدعاء، ويكره أن تمد يديك، هذا قول بعض العلماء، واعترض عليه بوجوه: قالوا: لم يكن من عادة الرسول ﵊ أن يشير بأصبعه عند الدعاء، فما ورد في أي حديث أنه كان يشير بأصبعه عند الدعاء إلا في هذا الحديث.
ثم إن عموم المرويات عن رسول الله ﷺ في شأن الدعاء أنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه.
ثم شيء ثالث، قالوا: من الأوجه لتوجيه هذا الحديث هو: أن هذا من شأن الخطباء الذين يقبلون ويدبرون بأيديهم في خطبهم كي يلفتوا أنظار السامعين، فاختار شمس الحق العظيم أبادي في تعليقه هذا الوجه وحاصل قوله: إن بشر بن مروان، كان يفعل هذا، ويشير باليدين معاً كإيضاحات لمن يستمعون خطبة الجمعة، فيشير يميناً ويساراً ومقبلاً ومدبراً، ويفتح يديه ويغلقهما كما يفعله سائر الوعاظ في خطبهم، فنهاه عمارة بن رؤيبة عن هذا النوع من الإحداث وقال: إن الرسول ﷺ كان يشير بإصبعه فقط، فالمعنى الأول: أنه يشير بأصبعه على ظاهره، أي: أنك إذا دعوت فإنك تشير بإصبعك أثناء الدعاء، ولا تفتح اليدين، واعترض على هذا المعنى من وجوه: أولاً: الرسول لم ينه عن رفع اليدين معاً، وإنما هذا فهم فهمه عمارة بن رؤيبة.
ثانياً: أن أكثر الرواة رووا الحديث مطلقاً بالخطبة، وليس مخصوصاً بالدعاء.
ثالثاً: أن هناك وجهاً آخر وهو أن بشر أحدث شيئاً لم يكن من هدي عليه الرسول ﵊ من الإيضاحات باليد إقبالاً وإدباراً وتأخراً وتقدماً ورفعاً وخفضاً، فهذا الذي استنكره عمارة على بشر بن مروان.
وعلى كلِّ: فالمسألة من أصلها استنكار من عمارة بن رؤبية لـ بشر، فـ عمارة هو الذي رأى أن هذا مستنكر، ويعاقب بالتقبيح، أي: أن الرسول ﷺ لم ينه عن ذلك، فلو جاء شخص وأقبل بيديه وأدبر بهما في الخطبة، فهل نقول له: لعن الله هاتين اليدين، بناءً على أن بعض الصحابة ﵃ فهم هذا الفهم؟ هذا لو نقله صحابة مجالسون للرسول ﷺ عن الرسول في عموم خطبه لقبلنا منه هذا القول، لكن هذا صحابي ﵁ مقل، صحيح أن قوله ثقة لا شك؛ لكنه مقل، وقد جاء إلى الرسول ﵊، لكنه ما عاشره كبير معاشرة، ومثل هذا حديث الرجل الذي جاء والرسول ﵊ فاتح الأزرار، فذهب هذا الرجل -وهو معاوية بن قرة - وما أغلق أزراره في صيف ولا شتاء، فهو مأجور على كل حال، لكن أصحاب الرسول ﵊ ما نقلوا هذا عن الرسول ﵊، فلنفهم الأحاديث على وجهها ليست الصحيح خير لنا من أن نلعن ونقبح، والصحابي له اجتهاده في اللعن أو التقبيح، ولعله رأى صورة من الصور ليست مرئية لدينا، إذ الأمويون كانوا مشهورين بالإحداث في سنة الرسول ﵊، والله أعلم.
стр. 1067
مسألة جلسة الاستراحة
السؤال
ما حكم جلسة الاستراحة؟
الجواب
هذه الجلسة لخدمة القيام وليست ركناً ولا واجباً، وهناك قولان في هذه المسألة، فهناك مرجحات لمن قالوا بجلسة الاستراحة، قالوا: إن الرسول قال لـ مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وقد رآه مالك مالك وهو جالس جلسة الاستراحة، ولو كانت هناك صورة مستثناة لبينها الرسول ﵊، فأجاب الأولون: إن الرسول ﷺ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) بالجملة، ولا يلزم من هذا التقييد؛ فمثلاً: إذا رأينا الرسول ﵊ يقرأ سورة لا يكون لزاماً علينا أن نقرأ بها، فهذان القولان للعلماء في جلسة الاستراحة، ومما يؤيد وجهة من قال بجلسة الاستراحة أن في بعض طرق حديث أبي حميد الساعدي ذكر جلسة الاستراحة، فالمسألة فيها الوجهان لأهل العلم، فإن اخترت أي القولين فلا بأس عليك ولا جناح عليك، وإن كان الذي يستقر في نفسي أنني أجلس، لحديث البخاري الصريح في ذلك، لكن لا أستنكر الوجهة الأخرى.
واسمحوا لي بالحديث عن وضع اليد اليمنى على اليسرى، فوضع اليد اليمنى على اليسرى الأمر فيها محسوم إلى حد كبير؛ لحديث سهل بن سعد: (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) وحديث وائل بن حجر: (رأيت النبي ﷺ واضعاً يده اليمنى على اليسرى) ، لكن هنالك من الفقهاء من قال: إن اليد اليمنى وضعها الرسول على اليسرى من أجل الدم، أي: من أجل أنه كان يقف ويطيل الوقوف فإذا وقف وأطال الوقوف، نزل الدم من يديه إلى أطراف الأصابع، فكان حينئذٍ يرفع اليد حتى يرجع الدم مرة ثانية إلى سائر اليد، كما يقول -مثلاً- أطباء العظام في اليد المكسورة أنها ترفع لأعلى حتى لا يتسرب الدم إليها فتثخن أو تمتلئ دماً، فهذا قول من الأقوال، لكنه قول مرجوح لحديث: (أمرنا بوضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة) .
وهنا أحد الإخوة يسأل عن العمرة وأركانها من أول النية وحتى العودة، فأرجو من الإخوة القائمين على المسجد حفظهم الله تعالى كالشيخ محمد غريب والشيخ فتحي أن ينظموا محاضرة في كيفية عمرة رسول الله ﷺ ، ونحتاج إلى محاضرة أخرى في قيام الليل كتوطئة لدخول شهر رمضان.
стр. 1068
تفسير سورة الواقعة [٣]
أقسم الله تعالى في سورة الواقعة بمواقع النجوم، ثم ذكر أن هذا قسم عظيم، والمقسم عليه هو القرآن الكريم كلام الله تعالى، فأقسم الله أنه قرآن كريم، محفوظ في لوح مصون من أي تلاعب أو تحريف، وأنه نزل من عند الله تعالى، وفي هذا تعظيم لشأن القرآن الكريم.
ثم ختم الله سورة الواقعة بتلخيص لأحوال الأصناف الثلاثة الذين ذكرهم في بداية السورة، فذكر مصيرهم يوم القيامة، وهم: المقربون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
стр. 1069
نار الدنيا تذكر بنار الآخرة
باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة:٧١] (تورون) من العلماء من قال: معناها: تقدحون.
أي: تقدحونها أو تستخرجونها، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات:١-٢] (فالموريات) : هي الخيل التي تضرب بحوافرها على الحجارة فيخرج منها ذلك الشرر، فيقال: إن الخيل أورت هذه النار.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ [الواقعة:٧١-٧٢] من العلماء من قال: إن المراد بالشجرة هنا: الشجرة التي توقد فتخرج منه هذه النيران، ومنهم من قال: هي شجرة مخصوصة كان يؤخذ منها بعض الخشب وبعض المواد فباحتكاكه تستخرج النار.
قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧٣] ما المراد بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧٣] ؟ جمهور العلماء قالوا: تذكرة بنار جهنم، وقد قال النبي ﷺ : (ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: إن كانت لكافية يا رسول الله! قال النبي ﷺ : لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً) ، فقوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧٣] أي: جعلناها تذكرة بنار الآخرة.
وقال تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] المقوون هم: المسافرون.
﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] فالمقوون هم: المسافرون، ولقائل أن يقول: إن هذه النار هي متاع للحاضرين وللمسافرين، فكما أن المسافر يحتاج إليها فكذلك الحاضر يحتاج إليها، فلماذا قيل: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] ؟ هذا كما قدمنا يلفت نظرنا لشيء ألا وهو: أن المستفيد الأعظم والأكبر من النار هم أهل الأسفار الذين كانوا يقطعون الفيافي والقفار على عهد رسول الله ﷺ ، فكانوا في أسفارهم يحتاجون إلى النيران، للاستضاءة، والتدفئة والطهي عليها، فاحتياجهم إليها أكثر من أهل الحضر، فقال تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] لأن المستفيد الأكبر منها هم المسافرون، ومن ثم قال موسى لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧] ، فالحاضر مستفيد والمسافر مستفيد، لكن المستفيد الأكبر هم أهل السفر في زمن رسول الله ﷺ ، فلذلك نسبت الاستفادة إليهم، ونسب المتاع إليهم، وهذا وارد في عدة آيات وعدة أحاديث لرسول الله ﷺ ، فمثلاً: قال الرسول ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ، فقد يقول قائل: إن هذا الحديث يفيد الحصر فلا يشفع رسول الله ﷺ -في ظن هذا القائل- إلا لأهل الكبائر، ثم يرد أيضاً كيف (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) والنبي ﷺ قال في شأن شفاعته: (إنها نائلة -إن شاء الله- من مات لا يشرك بالله شيئاً) ، وقال ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة) ، وهذا ليس من أهل الكبائر، فلقائل أن يستمر في سؤاله فيسأل: ما المراد بقوله ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ؟ فيجاب عليه بما يجاب في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] أن شفاعة الرسول ﵊ لأهل الكبائر ولغير أهل الكبائر، لكن المستفيد الأكبر من شفاعة رسول الله ﷺ هم أهل الكبائر، فصحيح أن هناك أناساً ترتفع درجاتهم في الجنان بشفاعة رسول الله ﷺ ، لكن المستفيد الأكبر من شفاعة رسول الله ﷺ هم أهل الكبائر فنسبت الشفاعة إليهم لكونهم المستفيد الأعظم من شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونحوه في الحديث الذي في إسناده بعض الكلام: (ألا إنها ليست للمتقين ولكنها للمتلوثين الخطائين) فقوله ﵊: (ألا إنها ليست للمتقين) أي: ليس المستفيد منها بالدرجة الكبرى المتقون، فالمتقون يستفيدون من شفاعة رسول الله ﵊، لكن الذي يستفيد أكثر وأكثر هم الذين قد استوجبوا النار أو قد ورد في شأنهم أن النار لازمة لهم فأنجاهم الله بفضل شفاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذاً: اندفع الإشكال الوارد في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] ، وقدمنا أن التذكرة هي التذكرة بنار الآخرة، والله أعلم.
стр. 1070
حكم التسبيح في الركوع والسجود
قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] ﴿فَسَبِّحْ﴾ أي: نزه ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ : من العلماء من قال: إن (الباء) هنا زائدة، والمراد: سبح اسم ربك العظيم، أي: نزه اسم ربك العظيم عن كل ما يلحد به الملحدون في أسمائه ، ونزه اسم ربك عن كل نقص وعن كل عيب، فلا تفعل كما يفعل أهل الشرك إذ يشتقون من اسم الله اللات ويطلقونها على صنم، أو يشتقون من اسم العزيز العزى ويطلقونها على صنم آخر، فقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] من أهل العلم من قال: معناها سبح اسم ربك العظيم، وقد ورد نحو هذا في قول الشاعر: تمنَ ابنتاي ألا يموت أبوهما وهل أنا إلا من ربيع أو مضر فقوما وقولا بالذي قد علمتما ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتبر وقد قدمنا ما في ذلك، قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ، قال: (اجعلوها في ركوعكم) ، وكذلك لما نزل عليه ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال ﵊: (اجعلوها في سجودكم) .
وهل قوله ﷺ : (اجعلوها في ركوعكم) يفيد الوجوب؟ كثير من أهل العلم يرون أن ذلك للاستحباب لتنوع الأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ في الركوع، والسجود، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقول في ركوعه: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وثبت أنه كان يقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) ، وثبت أنه كان يقول: (اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي) ، إلى غير ذلك من الأذكار الواردة عن رسول الله ﷺ في الركوع، فلتنوع هذه الأذكار ذهب كثير من العلماء إلى أن ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٧٤] قولها ليس بواجب، ومن تركها فصلاته صحيحة، وإن لم يقل شيئاً أصلاً فالصلاة كذلك صحيحة؛ لأن النبي ﷺ علم المسيء في صلاته فقال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) ، ثم جاء إلى الركوع فقال: (اركع حتى تطمئن راكعاً) ، ولم يوجب عليه في هذا الركوع شيئاً، وقد قال كثير من أهل العلم: إن حديث المسيء صلاته قد جمع أركان الصلاة، هذا والله أعلم.
أما من استبدلها، فمثلاً: استبدل (سبح اسم ربك العظيم) بسبحان ربي الأعلى، فقال: (سبحان ربي الأعلى) في الركوع، وقال: (سبحان ربي العظيم) في السجود، فهل يلزمه سجود سهو أو لا يلزمه؟ ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يلزمه أن يسجد للسهو، وذلك لأن (سبح اسم ربي الأعلى) في الركوع داخلة أيضاً في باب قول النبي ﷺ : (أما الركوع فعظموا فيه الرب) ، وكذلك قالوا: إن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا، يذكره ما لم يكن يذكر، حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحد فليسجد سجدتين -وفي بعض الروايات- قبل أن يسلم -وبعضها- بعد التسليم) .
فالشاهد في: (حتى لا يدري كم صلى) فهي في الأركان، والله أعلم، ثم إن الخلاف في هذه المسألة وارد أيضاً.
стр. 1071
تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم)
قال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] من أهل العلم من قال: إن معنى الآية الكريمة: أقسم بمواقع النجوم.
وقد يقول قائل: كيف يقول ربنا: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] وتقولون: تأويلها: أقسم بمواقع النجوم؟ وكيف يقول الله سبحانه: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] وأنتم تقولون: معناها أقسم بهذا البلد، فقلبتم النفي إثباتاً؟ فالإجابة: إن الحامل على ذلك أن الله أقسم بمواقع النجوم وأقسم بالبلد، فهذا الذي حملنا على أن نقلب هذا الذي زعمت أنه نفي إلى إثبات، أما قسمه بالبلد فقد قال الله تعالى، وقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين:١-٣] .
أما قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] فقد قال سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] .
فأقسم بالنجم عند سقوطه، وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق:١] فأقسم الله أيضاً بالطارق وهو النجم الثاقب كما في الآية الكريمة، فهذا يلزمنا أن نأتي بتأويل وجيه لقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] ، وقد تقدمت أمثلة لهذا متعددة، فمن العلماء من قال: إن كلمة (لا) هنا زائدة، وفي لغة العرب تأتي أحرف أحياناً زائدة، ومن العلماء من قال: إنها صلة لتقوية الكلام كما قدمنا مراراً، أي: إذا قلت: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] أقوى من أن تقول: فأقسم بمواقع النجوم، فجاءت (لا) صلة لتقوية الكلام، كما أقول لك: إذا ما جئتني أكرمتك، ويصلح أن أقول: إذا جئتني أكرمتك، لكن قوة: إذا ما جئتني أكرمتك أقوى من قولنا: إذا جئتني أكرمتك.
ولهذا أمثلة ونماذج قدمناها مراراً كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك.
وكما في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد:٢٩] فالمعنى: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء، وكما في قوله تعالى كذلك: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] أي: أنهم يرجعون، أي: محرم على قرية أن أهلكت إن يرجع أهلها مرة ثانية إلى هذه الحياة الدنيا.
فقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] قسم، ومن الأدلة على أنه قسم: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦] ، (مواقع النجوم) من العلماء من قال: أماكن سقوط الثريا، أي: الأماكن التي تسقط فيها هذه النجوم، أو التي تدور فيها هذه النجوم، ومن العلماء من نحى منحى آخر فقال: إن المراد بقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] مواطن نزول الآيات، فقال: إن القرآن نزل منجماً، فكانت الواقعة تحدث فتنزل فيها الآية، فهذه الأوقات والمواطن التي تنزل فيها الآيات عند حدوث الوقائع تسمى نجوماً، فيقال: القرآن نزل منجماً، يعني: مفرقاً على حسب الوقائع، فقال فريق من أهل العلم: إن مواقع النجوم أوقات نزول الآيات.
﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٦] في هذا ما يشير إلى أن الأقسام منها أقسام عظيمة، ومنها أقسام دونها في العظم، فالأيمان تتفاوت، فهناك لغو يمين، وهناك يمين منعقدة، فاليمين المنعقدة أقوى من لغو اليمين بل لغو اليمين لا يؤاخذ عليها العبد، والأيمان المنعقدة -في نفسها- تنقسم إلى أقسام، فالأيام المنعقدة التي تتكرر كأن تقول: أقسم بالله العظيم.
أقسم بالله العظيم.
أقسم بالله العظيم؛ أقوى من قولك: أقسم بالله.
مرة واحدة.
ومن العلماء المالكية من فسر قوله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل:٩١] قال: توكيد اليمين هو تكريرها.
والأيمان التي تنشأ ابتداءً أقل رتبة في العظم من الأيمان المصبورة التي يحبس عليها صاحبها، والأيمان المصبورة التي حبس عليها صاحبها أيضاً تتفاوت في العظم، فمثلاً: إذا حبس شخص بعد الصلاة كما قال الله سبحانه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:١٠٦] أي: صلاة العصر، فإذا حبس في مسجد كمسجد التوحيد -مثلاً- فليس ذلك كمن يحبس في مسجد رسول الله ﷺ أو عند منبر رسول الله ﷺ ، فأقواها رجل حبس على يمين بعد صلاة العصر عند منبر رسول الله ﷺ ، فهذه أعظم من اليمين الأخرى، وإن كانت كلها أيمان منعقدة.
قال الله : ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٦-٧٨] والمكنون هو: المحفوظ.
стр. 1072
تفسير قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون)
قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] والمس له معان متعددة، فأحياناً يطلق على اللمس باليد، ومنه قول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (والله! ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط) ، فالمس هنا أطلق على اللمس باليد، وأحياناً يطلق المس على الجماع كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] فالمس هنا المراد به: الجماع، وأحياناً يطلق المس على التذوق، وأحياناً يطلق المس على عموم التعامل كما في قول موسى ﵇ للسامري: ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧] أي: لن يتعامل معك أحد، ولن يقترب منك أحد، على قول بعض المفسرين.
فقول تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] .
من العلماء من قال: إن المراد بالمس في هذه الآية اللمس باليد أو بالجارحة، ثم قال: إن المراد بالمطهرون هنا هم الملائكة.
واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة:٧٩] اختلفوا في (الهاء) التي في قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة:٧٩] إلى من ترجع؟ فمن العلماء من قال: راجعة إلى المصحف الذي بين أيدينا، ومنهم من قال وهم الأكثر: إنها راجعة إلى المذكور في الآية وهو الكتاب المكنون، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨] أي: كتاب محفوظ لا يمس هذا الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، واستدلوا لذلك بقول الله تعالى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:١٣-١٦] ، فآيات سورة عبس فسرت بها آيات سورة الواقعة، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨] أي: محفوظ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] وهم الملائكة، والسفرة: هم الملائكة كما قال الرسول ﷺ : (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة) ، فهذا وجه للمفسرين، وعليه أكثرهم.
ثم أيدوا قولهم بأن قالوا: في الحياة الدنيا قد يتجرأ كافر ويلمس القرآن، فقد يأتي نصراني نجس أو يهودي جنب أو مشرك خبيث المعتقد ويمس القرآن، بل الآن هناك من يطبع القرآن في دول الكفر، وأفخر الطبعات للمصاحف تأتي من بلاد الأوروبيين.
وأوردوا حديث أن النبي ﷺ (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض الشرك) مخافة أن يناله المشركون بالتدنيس والتلويث.
ومن العلماء من قال: إن المراد بقوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] أي: المصحف الذي بين أيدينا، ثم اختلفوا في (المطهرون) من هم؟ فقال فريق من أهل العلم: إن المراد بالمطهرين المؤمنون، وغير المطهرين هم المشركون؛ لقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] .
ثم قال فريق منهم أيضاً: إن قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة:٧٩] أي: لا يتذوقه ولا يعرف حلاوته ولا يفهمه إلا أهل الإيمان، أما من حجب عن هذا القرآن من أهل الكفر فلا يفهم معانيه ولا يتأملها.
قول ثالث: ﴿لا يَمَسُّهُ﴾ [الواقعة:٧٩] أي: لا يلمسه إلا المطهرون من الأحداث، أي: من الجنابة ومن الحدث الأصغر، واستدلوا بهذا القول بحديث روي عن رسول الله ﷺ وفيه: (لا يمس القرآن إلا طاهر) ، وهذا الحديث بكل طرقه لا يثبت عن رسول الله ﵊، فهو ضعيف من كل الطرق وأشار إلى هذا الضعف الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، فتبين -والله سبحانه أعلم- أن المراد بـ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] الكتاب المكنون، والمطهرون هم: الملائكة؛ وذلك لأن سياق الآيات يدل على أن القرآن الكريم في الكتاب المكنون، وقوله: (لا يمسه) الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، والثاني: أنه فسر بآيات سورة عبس، وثم وجوه أخر لترجيح هذا الوجه، وقد قال به جمع كبير من المفسرين، والله أعلم.
على ذلك: إذا جاء شخص يقول: هل لغير المتوضئ أن يمس المصحف؟ فلقائل أن يقول بناءً على هذا التأويل السابق الذي هو تفسير المطهرين بالملائكة: لا أعلم دليلاً صحيحاً صريحاً يمنع من مس المصحف، أما من اختار أن المطهرين هم المطهرون من الأحداث وغيرها، فحينئذٍ يمنع الجنب والذي ليس على وضوء من مس المصحف، وكذلك يمنع الحائض، أما الذي يرى التأويل الأول فحينئذٍ لا يمنع من مس المصحف.
فعلى ذلك: هذه المسألة خلافية، فإذا تبين لك رأي فخذ به، ولا تشدد على من تبنى الرأي الآخر.
стр. 1073
تفسير قوله تعالى: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)
وقوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة:٨١] هذا الخطاب لمن؟ هل هو لأهل الإيمان أم هو لعموم الخلق أم هو لأهل الكفر؟ من العلماء من قال: إنه لأهل الإيمان، فمعنى (مدهنون) من الإدهان وهو: الممالأة لأهل الباطل كما قال سبحانه: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] أي: تميل فيميلون، أو تلين فيلينون، أو تقرهم على باطلهم فيقرون، فمن العلماء من قال: الخطاب موجه لأهل الإيمان، والله يتعجب من أهل الإيمان في قوله تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة:٨١] أي: عندما تداهون هؤلاء الكفار في هذا الكتاب العزيز!
стр. 1074
التحذير من استعمال نعم الله في معصيته
قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢] رزقكم هنا من العلماء من قال: شكركم، أي: تجعلون الشكر الذي ينبغي أن يقدم على نعم الله تجعلون مكان هذا الشكر تكذيباً، ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة:٨٢] يعني: نصيبكم من نعم الله عليكم التكذيب، وكما في قصة الحديبية، عندما أصبحوا على إثر سماء فقال ﵊ لأصحابه: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: قال ربكم: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته، فهذا مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ونوء كذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب) أي: النعم تأتي إليكم ويفترض أن تقدموا لها شكراً، لكنكم تقدمون لهذه النعم تكذيباً، فهل هذا يليق؟! بعض العلماء يجعل هذه الآية الكريمة أصلاً في أنه لا يستعان بنعم الله على معصية الله، فكثير من الناس يقع في هذا الجرم، فيستعين بنعم الله على معصية الله ، فمثلاً: رجل ينعم الله عليه بأن يدخل بيته تلفوناً، فهذه النعمة من الله سبحانه يقلبها إلى نقمة ويجعل شكرها أنه يتصل بالفتيات والنساء للغزل، ولقبيح الكلام، وللهجر من القول، وآخر ينعم الله عليه بسيارة فيمشي بها مختالاً فخوراً متكبراً على الناس، فنصيبه من هذه النعمة التكبر والتعالي على الناس والغرور والتباهي، وآخر ينعم الله عليه بأن يأخذ مثلاً درجة أستاذ في الكلية فتجده يمشي وقد انتفخ وانتفش كأن ما على الأرض إلا هو، وكأنه سيخلد في الحياة الدنيا، وما شعر أن من تواضع لله رفعه، وأن الله ما زاد بعبد عفواً إلا عزاً، ولا يشعر بهذه المعاني أبداً إلا أنه يجعل حظه الثناء من الناس وحب الفخر وحب الظهور.
فهناك طائفة كبيرة من الناس بل هم أكثر الخلق يجعلون رزقهم أنهم يكذبون، ويستعينون بنعم الله سبحانه على معاصيه ، فربنا يذكرنا ويحذرنا من ذلك، فقال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة:٨٢] أي: حظكم التكذيب مع نعم الله عليكم التي يفترض أن تقدموا بالشكر لله عليها، فهل يليق هذا بمؤمن عاقل؟ إنه يفترض إذا أنعم الله عليك نعمة أن تقدم شكراً لله عليها، فالنبي الكريم سليمان ﷺ لما رأى عرش ملكة سبأ مستقراً عنده ما تباهى ولا تطاول بل قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠] ، وكما قال لما أفهمه الله لغة النمل تبسم ضاحكاً من قولها وقال: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:١٩] ، فلا ينبغي أبداً أن تقدم على نعم الله كفراً وتكذيباً، إنما يجب أن تقدم لله شكراً وتواضعاً، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] .
стр. 1075
تفسير قوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم)
ثم ذكرنا الله وحذرنا فقال: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣] وحذف المشار إليه لفهم العرب له، فالذي بلغ الحلقوم هو الروح، والكل يفهم ذلك، فإذا كان الكل يفهم ذلك، فلا معنى لإيراد هذه الكلمة ما دام الناس يفهمونها، فالقرآن نزل بلسان عربي مبين.
﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة:٨٣] أي: الروح بلغت الحلقوم.
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤] وأنتم -يا أهل الميت- تنظرون إليه وهو محتضر، وتنظرون إليه والروح عند الحلقوم، ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٤-٨٥] من العلماء من قال: إن المراد بـ (نحن) : ملائكتنا؛ لأن الله قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، ومنهم من قال: نحن أقرب إليه منكم، أي: بعلمنا ورؤيتنا واطلاعنا وإحاطتنا، فإن الله سبحانه مستوٍ على العرش، وهو في السماء كما وصف نفسه في جملة من الآيات.
ويؤيد المعنى الأول -أن المراد: ملائكتنا- أن الله سبحانه قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣] لرأيت منظراً عظيماً ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٩٣] أي: بالضرب: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام:٩٣] ، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ [الأنفال:٥٠] لرأيت منظراً بشعاً ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال:٥٠] ، ضرب على الوجوه وضرب على الأدبار في ساعة الاحتضار، وأنت جالس ولكنك لا ترى هذه المناظر البشعة! وقد قال الرسول ﷺ : (إن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وإدبار من الدنيا أتته ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح ... ) الحديث إلى آخره، وفيه: (فيجلسون منه مد البصر، فيأتي ملك الموت فينتزع الروح من الجسد كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فلا يدعونها في يده طرفة عين) كل هذا يحدث وأنت جالس، ولكنك لا ترى شيئاً! يقول الله سبحانه: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة:٨٦] أي: لله ، قيل: مجزيين، وقيل: محاسبين، وقيل: غير مدينين بفضل الله ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٧] .
стр. 1076
أصناف الناس عند الموت
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الواقعة:٨٨] أي: أهل الدرجة العليا في الجنة هم المقربون الذين سلف ذكرهم في مطلع هذه السورة الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠-١١] ، فالجزاء في قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة:٨٩] .
﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٩٠-٩١] للعلماء فيها أقوال: أحدها: فسلام لك قادم من أصحاب اليمين، أي: أصحاب اليمين يرسلون إليك السلام، ويستقبلونك بالسلام، سلام لك واصل وقادم إليك من إخوانك أصحاب اليمين، فهم يقرئونك السلام، ويبلغونك إياه.
وقول آخر: (فسلام لك) أي: هنيئاً لك يا من دخلت في عداد أصحاب اليمين! وأمان لك يا من دخلت في عدادهم! وقال بعض أهل العلم: إن هذا السلام من الله سبحانه ومن الملائكة كذلك، فإن الله قال: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤] .
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ [الواقعة:٩٢] أعاذنا الله وإياكم منهم ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٣] هذه الإكرامية التي يكرم بها (نزل من حميم) أي: ماء يغلي وقد بلغ أعلى درجات الغليان، ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة:٩٤] يشوى على الجحيم -والعياذ بالله- ويصلاها، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة:٩٥] قد سبق الكلام على حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين بما حاصله: إذا ذكرت الكعبة، فكثير منا من رآها، ومنا من لم يرها، فالذي لم يرها يعلم يقيناً أن بمكة كعبة، فهذا علم يقين، لكن الذي رأها ارتقى في العلم من علم اليقين إلى عين اليقين؛ لأنه رآها بعينه، فإذا جاء ودخلها أو لمسها بيده صار عنده حق اليقين، فلذلك يسمع الناس أن هناك ناراً، فهذا لأهل الإيمان علم يقيني، فإذا رآها أصبحت عنده عين اليقين، فالذي دخلها في حقه تكون حق يقين، فالله قال عن كتابه وعبر عن هذا الكتاب بأعلى مراتب العلم فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة:٩٥] .
стр. 1077
الأسئلة
стр. 1078
صحة حديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً .)
السؤال
ما صحة حديث: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً) ؟
الجواب
(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خير له من أن يمتلئ شعراً) ، الحديث ثابت صحيح، لكن هذا في الشعر المذموم الذي قال الله في أهله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] ، أما سائر الشعر فإن الله استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] .
стр. 1079
حكم تقبيل المرأة وهي حائض
السؤال
هل يجوز للرجل أن يقبل امرأته وهي حائض؟
الجواب
نعم يجوز له ذلك.
стр. 1080
حكم اتباع جنازة تحدث فيها بدع
السؤال
ما حكم المشي في الجنازة التي تقام فيها البدع؟
الجواب
امشِ فيها، وإن استطعت أن تغير البدعة بيدك أو بلسانك فافعل، فإذا لم تستطع فغيرها بقلبك، وامشِ فيها؛ لأن اتباع الجنازة من أجل الميت، والنبي ﷺ يقول: (من تبعها حتى يصلى عليها، وتدفن فله قيراطان) ، أو كما قال ﵊.
стр. 1081
الفرق بين اليمين المؤكدة ويمين اللغو
السؤال
ما الفرق بين اليمين المؤكدة ويمين اللغو؟
الجواب
اليمين المؤكدة: أن تقسم بالله وتعقد القلب على هذا القسم، أما يمين اللغو كأن يقال لك: تعال واشرب معي الشاي، فقلت: لا، والله! فبهذه الصورة لا كفارة عليك.
стр. 1082
عدم ثبوت حديث: (خير أمتي في المدن)
السؤال
ما حال حديث (خير أمتي في المدن) ؟
الجواب
لا يثبت.
стр. 1083
حكم لبس المرأة للجيبة
السؤال
أخت تريد أن تلبس بدل الجلباب (جيبة) وخماراً طويلاً فما رأيكم؟
الجواب
إذا كانت (الجيبة) واسعة ولا تجسم فلا بأس، وإذا كان الخمار طويلاً ويغطيها فالأمر واسع في ذلك.
стр. 1084
تدليس الأعمش وسفيان
السؤال
قال لي شخص: إن الأعمش وسفيان كانا مدلسين، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الأعمش كان مدلساً، أما سفيان فتدليسه نادر جداً جداً، أما معنى المدلس، أن يحذف شخصاً حدثه، ويذكر شيخ شيخه، ويكون قد سمع من شيخ شيخه بعض الأحاديث، فالتدليس له صور فمثلاً: أشرف سمع الحديث من علي، وعلي سمع الحديث من خالد، وأشرف معاصر لعلي وخالد، وهو يسمع أحياناً من خالد، وأحياناً يسمع من علي، لكن هناك كلام معين بعينه سمعه أشرف من علي عن خالد، فجاء وقال: قال: خالد، وحذف علياً، فأنا أظن أن خالداً هو الذي حدثه مباشرة، لكنه أخفى عليّ أنه أخذه من علي، وعلي أخذه من خالد، فيقال: أشرف دلس في الإسناد، أي: حذف الواسطة، وقال: عن، فالتدليس له صور.
стр. 1085
حكم إطلاق لفظة (عاقد القران)
السؤال
ما رأيك بكلمة (عاقد القران) ؟
الجواب
لم ترد هذه الكلمة لا في الكتاب ولا في السنة، ولكن لنبدلها بما ورد في الكتاب والسنة: عقدة النكاح، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥] أو تقول: عقد زواج.
هذا، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1086
الدعاء للميت بعد دفنه
السؤال
هل الدعاء بعد دفن الميت عند القبر سراً أم يكون دعاءً جماعياً؟
الجواب
السنة بعد الدفن ما قاله الرسول ﷺ -فيما رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح من حديث عثمان -: (استغفروا لأخيكم، وسلوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل) ، فيشرع لك أن تستغفر لأخيك الميت وتسأل الله له التثبيت، ولم يرد الدعاء الجماعي عن رسول الله ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 1087
صفة التيمم
السؤال
ما هي صفة التيمم؟
الجواب
أقوى صفات التيمم: أن يضرب الأرض ضربة واحدة، وينفخ فيها، ثم يمسح بهما الوجه واليدين إلى الرسغين، وقد بوب البخاري في صحيحه بباب: التيمم ضربة واحدة، وأورد حديث النبي ﷺ في قصة عمار مع عمر لما أجنب عمار وتمرغ كما تتمرغ الدابة، قال: (إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك هكذا ضربة واحدة ومسح) .
стр. 1088
حكم القراءة من المصحف في صلاة النافلة
السؤال
هل يمكن قراءة القرآن من المصحف في صلاة النوافل لمراجعة الحفظ؟
الجواب
أجازه فريق من أهل العلم.
стр. 1089
استحباب صلاة الرجل للنافلة في بيته
السؤال
أيهما أفضل صلاة الرجل في البيت أم في المسجد بالنسبة لصلاة النافلة؟
الجواب
قال ﵊: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) ، هذا هو الذي يستشهد به؛ لأن الرسول ﵊ صلاها أصلاً في المسجد ثلاث ليال، وما امتنع عنها إلا خشية أن تفرض، وقد قال أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل.
وقد سئل الإمام أحمد: أيصلي الرجل وحده في بيته أم يصلي مع الجماعة؟ قال: سنة المسلمين أحب إليّ.
стр. 1090
استحباب صلاة المرأة في بيتها
السؤال
هل صلاة المرأة للتراويح في البيت أفضل أم في المسجد؟
الجواب
صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع الجماعة في المسجد؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] ، وقال ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) ، ولكن إذا كانت الصلاة في المسجد تنشطها أو كانت لا تحسن الصلاة في البيت، ففي هذا وجه للأفضلية.
следующие страницы →