Полный текст (2 242 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وجه تخصيص النكاح بالنساء
السؤال
لِمَ قال الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢] ، هل يمكن أن ينكح غير النساء؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ما قرأت توجيه العلماء لهذه الجزئية بالذات، لكن على شاكلتها جزئيات كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] ، وأي طائرٍ إذا طار يطير بجناحيه! فقالوا: إنها ذكرت تأكيداً والله أعلم، لكن لعل للعلماء في هذه الجزئية شيئاً آخر.
стр. 107
التفريق بين الجامع بين الأختين وناكح زوجة أبيه
السؤال
هل فرق الرسول بين من جمع بين الأختين ومن نكح زوجة أبيه بعد نزول آية التحريم؟
الجواب
نعم، ثبت التفريق بذلك، لكن الأسانيد لا يحضرني الحكم عليها الآن.
стр. 108
صورة إرث النساء كرهاً
السؤال
لماذا حرم الله أن نرث النساء كرهاً؟
الجواب
كانت المرأة إذا مات زوجها يتسابق الورثة إليها، فإذا ألقى أحدهم ثوبه عليها قبل الآخر أصبحت ملكاً له، يتصرف فيها كيف شاء، يزوجها يطلقها يعضلها يتزوجها هو، فقال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] ، فأبوها أولى بها منك لأنك أجنبي، والله أعلم.
стр. 109
موقف الشرع من الأحكام العرفية
السؤال
ما الحكم في الجلسات العرفية التي تقام لفض المنازعات بين الناس، حيث يحكم فيها بمبلغ من المال للمظلوم؟
الجواب
إن كانت الجلسات العرفية تقضي بشيءٍ يخالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ مخالفة صريحة وواضحة فهي حرام، وإن كانت لا تقضي بشيء يخالف كتاب الله وسنة رسول الله فهي من الإصلاح ما لم تحرم حلالاً أو تحلل حراماً، والله أعلم.
стр. 110
تفسير سورة النساء [٢٤]
أباح الله ورسوله أنكحة وصحح عقودها، وفي المقابل حرم أخرى وأبطل عقودها فأباح الزواج بكل امرأة غير متزوجة أو ليست في العدة، أو كانت ملك يمين، وحرم نكاح المحصنات، وأبطل نكاح الشغار والتحليل والمتعة؛ كي تحفظ الأنساب ولا يسقي رجل زرع غيره، وتصان الفروج عن العبث والإهانة والفوضى التي تعيشها المجتمعات الكفرية.
стр. 111
الأنكحة المحرمة في الإسلام
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فبصدد بيان المحرمات يقول الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٢٤] .
стр. 112
حكم الزواج بخدينة الأب
تأتي صور فيها منازعة، وهي: -رجل زنى بامرأة -عياذا بالله- فهل يجوز لابنه أن يتزوجها؟
الجواب
قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] يفيد الجواز، لكن الذين قالوا: إن النكاح يراد به الوطء سواءً كان وطئًا شرعياً صحيحاً أو غير شرعي يمنعون من مثل هذه الحالة، ولكن الصحيح من أقوال العلماء ما قاله فريق منهم: أن الحرام لا يحرم حلالاً، والحلال لا يحل حراماً، فإذا كان الشيء من أصله حلال فإن الحرام لا يحرمه، فمثلا: أصل زواج الرجل بالمرأة حلال فجاء أبوه زنى بها، فالزواج ما زال حلالاً له، أو العكس: ابن زنى بامرأة فهل يجوز لأبيه الزواج بها؟ كل هذا على نمط واحد، لكن المانعون يمنعون احتياطاً؛ لأن الرجل إذا كان متزوجاً بامرأة وابنه زنى بها عياذاً بالله، فإنه يتمكن من الدخول عليها كثيراً لكونه ربيباً لها، فالمسألة تكون عظيمة، فيمنعون منه سداً للذريعة.
وما هي الأدلة على سد الذريعة؟ هناك أدلة كثيرة على سد الذريعة، وقبلها ما تعريف قولنا: (سداً للذريعة) ؟ مثلاً: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] ، سداً للذريعة الموصلة إلى الزنا، ومثله: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] ؛ فسب هبل واللات والعزى جائز، لكن إذا كنت ستسبهم ويسب الكفار رب العزة جل وعلا، فلا تسب آلهة المشركين.
قال رسول الله ﷺ : (لا يسب الرجل أباه؟ قالوا: وكيف يسب الرجل أباه يا رسول الله؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) .
ومنها: كما قال فريق من العلماء: تحريم التصاوير، ومنها: النهي عن البيعتين في بيعة، وذكر ابن القيم ﵀ في كتابه: إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً على سد الذريعة، وقال: نكتفي بهذا القدر الموافق لأسماء الله الحسنى، فمن أراد الرجوع إليها فليرجع؛ لأن سد الذريعة باب مهم جداً في الفقه في الدين.
يعني: مثلاً تتعامل به مع كل الناس حتى مع الشرير المفسد، تتعامل به مع الشرار والمباحث، وتتعامل به مع التجار، وتتعامل به مع أي صنف من الناس، مثلاً: باب يأتي لك منه أذى قد تسده بطريقة شرعية وتمنع عن نفسك الأذى بشيء يقره رسول الله ﷺ ، ومنه: قول النبي ﵊: (لولا أن قومك حديثي عهد بكفر لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) ، فسد الذريعة التي تدخل الشك على قلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] .
(كتاب) أي: كتبه الله وفرضه الله عليكم، وننبه على أن الباب ليس كتاباً مستقلاً لـ ابن القيم إنما هو باب في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين، والفصل طويل جداً واسمه: سد الذرائع، لكن يؤخذ في الاعتبار: أن من الأحاديث التي استدل بها العلامة ابن القيم ﵀ أحاديث بعضها ضعيف لا يثبت عن رسول الله ﷺ : لكن قد يسلم له من هذا الباب خمسون دليلاً مثلاً.
стр. 113
نكاح الشغار تعريفه وتحريمه
قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، استثني منه: الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، واستثني منه نكاح التحليل.
أما نكاح الشغار فقد اختلف في تفسيره.
أولاً: نهى النبي ﷺ عن الشغار ولا شك في هذا، ولكن ما هو الشغار؟ القدر الذي اتفق عليه أكثر العلماء في الشغار هو: أن يقول الرجل للرجل: زوجني أختك أو ابنتك أو موليتك، على أن أزوجك أختي أو موليتي أو ابنتي ليس بينهما صداق.
من العلماء من رأى هذا التفسير، سواءً كان بينهما صداق أو ليس بينهما صداق، المهم أنك لا تجعل زواج الشخص بامرأة شرطاً لزواج الآخر بأخته أو بابنته، فسواء كان بينهما صداق أو ليس بينهما صداق فإنه يعد شغاراً عند كثير من العلماء.
وتفسير الشغار كما في الحديث: (أن يقول الرجل للرجل: زوجني أختك أو ابنتك على أن أزوجك ابنتي أو أختي ليس بينهما صداق) .
قوله: (الشغار أن يقول الرجل للآخر) هل هو مدرجٌ على حديث الرسول ﷺ ، أم هو من كلام رسول الله؟ هل الرسول نهى عن الشغار، وقال: الشغار كذا وكذا، أم أن أحد الرواة عن رسول الله هو الذي قاله؟ الحديث مروي من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ .
الإمام الشافعي يقول: لا أدري تفسير الشغار من قول رسول الله ﷺ أم من قول ابن عمر أم من قول نافع، أم من قول مالك؟ ومن أهل العلم من قال: إن تفسير الشغار من قول مالك، ومنهم من قال: إنه من قول نافع، ومنهم من قول: إنه من قول ابن عمر، ومنهم من قال: إنه من قول رسول الله.
لكن جمهور العلماء قالوا: إن تفسير الشغار من قول نافع.
وأحياناً الإدراج يشكل ويسبب خلافاً طويلاً في المسائل الفقهية، ولعلنا مثلّنا من قبل هذا لمسألة ذات أهمية في هذا الباب وهي: (أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم) والسبعة الأعظم جاء تفسيرها: الجبهة -وأشار إلى أنفه- واليدين، والركبتين، وأصابع القدمين، فكلمة: (وأشار إلى أنفه) فهل هي من قول رسول الله، أم هي من قول الصحابي الذي يرويها عن رسول الله، أم من قول التابعي الذي يرويها عن الصحابي، أم غير ذلك؟ لأنه ينبني عليها حكم فقهي قوي: فمن سجد ولم يجعل أنفه تمس الأرض فقد أخطأ، وكثير من الناس يسجد وأنفه مرتفعة، فهل صلاته صحيحة؛ لأن النبي ﷺ أشار إلى أنفه، أم ليست صحيحة؛ لأنه لم يجعل الأنف تمس الأرض؟ فالحكم بالدرجة الأولى حكم فقهي؛ لكنه مبني على الحديث.
والمهمة هنا مهمة أهل الحديث لا أهل الفقه؛ لأن المدار على تصحيح زيادة: (وأشار إلى أنفه) ، إن كانت من قول الرسول فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب كما يقول القائل، وإن كانت من قول طاووس فقد أصبحت محتملة للأخذ والرد، والمدققون من أهل الحديث من المتقدمين بينوا أن هذه من قول طاووس وليس من قول رسول الله ﵊، فإذا ثبت أنه من قول رسول الله فقد انقطع النزاع، فإذا قال الرجل للآخر: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، لكن صداق ابنتك ألف وصداق ابنتي ألفين جاز ذلك والمعنى: أنه إذا كان بينهما صداق جاز الشغار على هذه الرواية.
وقد جاءت رواية في صحيح مسلم من طريق عبد الله بن نمير أيضاً: يرويها بإسناده إلى رسول الله ﷺ فيها: (نهى رسول الله ﷺ عن الشغار، والشغار أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي) ، واقتصر على هذا الحد، ولم يذكر كلمة: (ليس بينهما صداق) ، فلذلك دبّ الخلاف بين العلماء في من قال للآخر: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي وكان بينهما صداق، هل يصح الزواج أو لا يصح؟ فرأى فريق من أهل العلم: أنهما إذا جعلا بينهما صداقاً يصح؛ لأن تفسير نافع: (ليس بينهما صداق) ، وهؤلاء كان بينهما صداقاً.
والذين بنوا على رواية ابن الزبير قالوا: إن جعل زواج هذه شرطاً لزواج تلك فإن العقد لا يصح، واستدل له العلماء بحديث معاوية: أن ولداً من أولاد العباس تزوج بامرأة، قال له: أزوجك ابنتي على أن تزوجني ابنتك، وجعلا لكل منهما صداقاً، ففرق بينهما معاوية وقال: هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله.
إذاً: فرق بينهما ﵁ مع أنهما قد جعلا لكل واحدة صداقاً.
لكن الجمهور قالوا: إن هذا استنباط من معاوية وهذا من فهمه، ونقل هذا الفهم عن رسول الله، لكن غيره نقل عن رسول الله أنهما ليس بينهما صداق.
والشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ له رسالة في هذا الموضوع، واختار فيها رأي أمير المؤمنين معاوية، سواء تزوجها على صداقٍ أو لا فالعقد باطل، لكن إن جاء عفواً وتزوجت أخت رجل، والرجل بعد ذلك تزوج أختك بدون مواطأة ولا اشتراط فالنكاح صحيح ولا إشكال فيه.
فقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، استثني منه نكاح الشغار، ونكاح التحليل، والجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
стр. 114
حرمة نكاح التحليل
واستثني من الأنكحة الجائزة: نكاحُ التحليل.
فالرسول ﷺ : (لعن المحلل والمحلل له) ، وفي بعض الروايات المتكلم فيها: (أن النبي ﵊ وصف المحلل بالتيس المستعار) .
فهذا التيس الذي استعير لتحليل المرأة لزوجها الأول مرتكبٌ لكبيرة؛ وذلك لأن النبي ﷺ لعنه، وكل من لعنه رسول الله ﵊ يعتبر مرتكباً لكبيرة، فالرسول ﷺ لعن المحلل والمحلل له، فلو أن رجلاً تزوج امرأة وفي نيته أن يحللها لزوجها الأول، فإنها لا تحل للزوج الأول إلا إذا نكحت زوجاً غيره وجامعها هذا الزوج الجديد ثم طلقها برغبة منه، فحينئذٍ يجوز للأول أن يتزوجها، ولو أن رجلاً أضمر النية في قلبه أنه سيتزوج فلانة كي يحللها لفلان لكنه لم يصرح بذلك عند العقد، فالعقد صحيح ولا إشكال فيه.
وهذا يجرنا إلى مسألة وهي: الزواج بنية الطلاق: رجلٌ نزل بلدة من البلدان، وخشي على نفسه الفتنة فيها، فقال: أتزوج امرأة من هذه البلدة وبعد ذلك إذا جئت لأسافر طلقتها، فالجمهور من أهل العلم على أن العقد صحيح؛ واستدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لصحته بحديث: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها) ، فقال: قد يقدم الرجل الزواج بهذه النية وبعد ذلك تتعدل نيته، ولسنا مأمورين بالنظر في النيات، فكم من رجل تزوج امرأة وفي نيته دوام المعاشرة وبعد مدة تفسد نيته ويطلقها أو تتغير نيته ويطلقها.
واستدل بأثرين عن عمر في كليهما ضعف، أحدهما: أثر ذو الرقعتين من طريق محمد بن سيرين: أن امرأةً كانت تحت رجلٍ قرشي فطلقها القرشي ثلاثاً، فبت طلاقها، فلم تعد تحل له إلا إذا نكحت زوجاً غيره، فذهب قومها يفتشون ويبحثون عن رجلٍ يتزوجها ويطلقها وترجع لزوجها الأول، فأرسلوا امرأةً إلى رجل كان يجلس عند باب المسجد يلبس ثوباً مرقعاً فقالت له المرأة الوسيطة: هل لك يا ذا الرقعتين أن نزوجك امرأة الليلة تبيت معها وتستمع بها، ونأتيك بثوبين جديدين، وتفارقها الصباح! قال: نعم أفعل، ففي الليل أعجبت به المرأة وأعجب بها، وكانت متبرمة من زوجها الأول، فقالت له: إنهم سيأتون في الصباح ويأمرونك بالطلاق فلا تطلقني، إن اشتدوا عليك فاذهب إلى أمير المؤمنين عمر فأخبره بذلك، فبعد صلاة الفجر إذا بالباب يطرق ويقولون له: اخرج، قال: لماذا أخرج فهذه زوجتي؟ فاشتدوا عليه فذهب إلى أمير المؤمنين عمر، فأمره عمر أن يبقى معها ولا يطلقها، وعزر المرأة التي كانت وسيطاً في الزواج، وكان عمر كلما قابله قال: مرحباً بك يا ذا الرقعتين، سبحان من كساك هذه الرقعتين.
فقال أتباع الإمام الشافعي ما حاصله: إن الرجل تزوجها وفي نيته أن يطلقها، والنية هذه لا تعتبر شيئاً ولم تؤخذ بالاعتبار، إنما أمضى عمر الطلاق مع علمه أن الرجل أقبل عليها وفي نيته أن يطلقها فدل ذلك على صحة العقد.
واستدلوا بدليل آخر، وهو: ما أخرجه البخاري في صحيحه: أن امرأة رفاعة القرظي أتت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، يعني: انتهت التطليقات التي هي له عليّ، وإني تزوجت بعده بـ عبد الرحمن بن الزبير فوالله يا رسول الله ما معه إلا مثل الهدبة -وأشارت إلى هدبة من طرف ثوبها- لا يغني عني شيئاً -أي: أن ذكره قصيرٌ لا يشبعها- فتبسم النبي ﷺ ، وجاء زوجها الجديد عبد الرحمن بن الزبير، فقال: يا رسول الله! إنها والله امرأةٌ ناشز، وإني أنفضها نفض الأديم وأتى معه بولدين، فرأى إليهما النبي ﷺ فإذا بهما أشبه بأبيهما كما أن الغراب يشبه الغراب، فقال: هذا الذي تزعمين أن ما معه إلا مثل الهدبة، لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) .
فقال هؤلاء المستدلون من الشافعية: إن النبي ﷺ قال للمرأة: (لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة) ، فتزوجت عبد الرحمن وفي نيتها أن تُطلّق، لكن النبي ﷺ صحح العقد، وما قال: إن العقد باطل.
ولكن: أجيب على هذا الاستدلال: بأن نية المرأة لا تؤثر في الطلاق بشيء، فإن الطلاق هو بيد الرجل، والله أعلم.
стр. 115
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها
قال تعالى في بيان المحرمات المحصنات بعد أن ذكر المحرمات بالنسب وهن سبع، ومن الرضاعة وهن سبع، وبالمصاهرة وهن أربع.
قال سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: غير المذكور كله حلال لكم، وقوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) تفيد: أن كل النساء اللواتي لم يذكر تحريمهن في الآية حلال، ولكن كما لا يخفى أن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن فتخصصه أحياناً، وتنسخه أحياناً أخرى، وتقيده أحياناً، فالسنة أحياناً تزيد عليه أحكاماً أخرى، فمثلاً: يقول الله سبحانه في مسألة الإشهاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ، أضيف صنف ثالث، وهو أن النبي ﵊ قضى بالشاهد ويمين الشاهد، إذا لم يوجد رجل وامرأتان ولا رجلان، فيأتي الشاهد ويقسم، فمسألة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام:١٤٥] ، معنى الآية: ليس في الشيء الذي أوحي إلي في القرآن شيء محرم على آكل يأكله إلا ثلاثة: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ [الأنعام:١٤٥] ، لكن السنة أضافت أشياء أخر محرمة، فالنبي ﷺ حرم كل ذي مخلبٍ من الطير، وكل ذي ناب من السباع، فأضيف إلى المحرمات شيءٌ آخر.
كذلك في النكاح، قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) يفهم كل مسلم: أن النسوة حلال إلا اللواتي ذُكرن، لكن جاءت السنة بمنع أصناف من النساء، ومن هذه الأصناف: الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، فهذا لم يذكر في كتاب الله، ولكن في المتفق عليه: أن النبي ﷺ : (نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها) .
ففي هذه تحريم للجمع بين المرأة والعمة أو المرأة والخالة.
والعلماء يقولون: إن هذا التحريم خشية القطيعة التي تحدث بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، ومن هنا: إذا كانت هناك امرأتان متصادقتان ومتحابتان، فهل يستحب لهما أن يتزوجا برجلٍ واحد أو يكره لهما ذلك؟! يكره ذلك خشية القطيعة؛ لأنه لو كان مستساغاً لاستسيغ الجمع بين المرأة وأختها وهن أقرب مودة من المرأة وصديقتها.
ويستنبط من قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] ، وحديث الرسول ﵊: (نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها) ، يستنبط: أن المرأتين إذا كانتا متصادقتين لا يتزوجا برجل واحد؛ لأن الغيرة تنبت فيهما، ويحدث بينهما شيءٌ مما يحدث بين سائر النساء، فلسن هن خيرٌ من أزواج النبي ﷺ التي كسرت إحداهن صحفة أخرى وأسقطت الطعام على الأرض أمام رسول الله ﵊.
قال الله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، قيل: إنه أضيف إليها الجمع بين المرأة وعمتها: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، استثني منه: الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
стр. 116
نكاح السبايا الحوامل
في حالة واحدة يجوز لكم فيها أن تتزوجوا المحصنات، أو يجوز لكم فيها أن تطئوا المزوجات، وهي: حالة الحرب إذا كنّ من سبايا الحرب، فإذا حدثت معركة بين المسلمين والكفار، وسبى المسلمون نساء كافرات، جاز لهم -أي: للمسلمين- أن يطئوا ويجامعوا هؤلاء الكافرات؛ وذلك لأن النبي ﷺ غزى غزوة يقال لها: غزوة أوطاس -وأوطاس بلدة قريبة من الطائف- فأصاب سبياً -أي: من النساء- وكان لهؤلاء السبي أزواج، فتحرج الصحابة من وطئهن، فأباح لهم النبي ﷺ أن يطئوهن إذا استبرءوهن بحيضة، لكي يتأكد من سلامة الرحم من الحمل تحيض المرأة منهن حيضة، كما في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم، ولا يجوز وطؤهن في حالة واحدة، وهي: إذا ما كن هؤلاء السبايا حوامل؛ لأنه والحالة هذه -حالة كونهن حوامل- الولد ينسب للزوج الجديد أو القديم؟ ولقد رأى النبي ﷺ امرأةً مجح على باب فسطاط -أي: حامل وظهر حملها واستبان- فقال: (ما له، لعله يريد أن يلم بها -أي: يجامعها- لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره) كيف يأخذ شيئاً وهو لا يحل له؟! فالسبايا إذ كن حوامل يحرم على الذي سباهن أن يطأهن إلا -وإلا هنا بمعنى: لكن- إذا لم يكن حوامل فيستبرأهن بحيضة، ويجامعهن بعد الحيضة، كما هو رأي الجمهور، والله أعلم.
стр. 117
معنى المحصنات في الشرع
قوله تعالى: (والمحصنات من النساء) معناه: والمحصنات من النساء حرام عليكم أن تتزوجوهن.
من المراد بالمحصنات؟ كثير من العلماء يقولون: إن المراد بالمحصنات هنا: المتزوجات؛ فحرام عليك أن تتزوج امرأة لها زوج.
هذا رأي جمهور المفسرين في تفسير المحصنات هنا.
أي: حرام عليكم أن تتزوجوا المتزوجات إلا إذا طلقهن الأزواج.
ومن العلماء من قال: إن المحصنات هنا المراد بهن: الحرائر.
أي: والحرائر لا يجوز لكم أن تتزوجوهن إلا بولي وصداق.
لكن جمهور المفسرين على القول الأول، وتقدم أن الإحصان يطلق على عدة معاني، منها: العفة، فالعفيفة محصنة، ودليله قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم:١٢] ، والمؤمنة محصنة، والحرة محصنة، والمزوجة محصنة.
فكل هؤلاء محصنات.
وأصل الإحصان مأخوذٌ من المنع، فالزواج يحصن فرج المرأة من الزنا.
أي: يمنعها من الزنا، والإسلام كذلك يمنع المرأة من الزنا، والحرية كذلك تمنع المرأة من الزنا، ومن هذا الباب ما ورد بإسناد فيه كلام: (أن النبي ﷺ لما أخذ البيعة على النساء وذكر: أن لا يسرقن ولا يزنين، قالت هند: أوتزني الحرة يا رسول الله؟) ، فأفاد هذا الكلام: أن الزنا لم يكن متفشياً في الحرائر بل كان متفشياً في الإماء.
فالشاهد: أن الحرية تحصن.
أي: تمنع من الزنا؛ فالإسلام والحرية والعفة والزواج كله يحصن المرأة.
أي: يمنعها من الزنا.
وكل هذه الأصناف من النساء يطلق عليهن محصنات.
لكن المراد بالآية الكريمة معنىً واحد من معاني الإحصان وهو: الزواج، فالمتزوجات من النساء حرام عليكم أن تتزوجوهن إلا إذا طُلقن، أو فسخ عقدهن نكاحهن، أو انخلعن، أو فارقن أزواجهن بأي سبب من أسباب الفراق.
стр. 118
الأنكحة الجائزة في الإسلام
стр. 119
نكاح ملك اليمين
أما ملك اليمين فهي حلال لكن قوانين الأمم المتحدة الكافرة منعتها، وإلا فالأصل أن ملك اليمين حلال، تذهب إلى السوق تشتري أمة من الإماء -ليست من الحرائر- أو من سبايا الحرب، تشتريها وتستمتع بها، وإن شئت أن تكرمها وتعتق رقبتها وتتركها حرة لوجه الله فهذا بابٌ طيب محمود، حث عليه رب العزة حين قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد:١٣-١٤] ، وقال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢] ، وقال في كفارة الصيام: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩] ، وسئل النبي ﷺ : (أي الرقاب أفضل -أي: في العتق- قال: أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمناً) ، كل ذلك حث عليه رسول الله، وكانت الرقاب من الإماء والعبيد موجودة في السعودية إلى عهد قريب، إلى أن شنع جمال عبد الناصر على الملك فيصل عند ما حدثت بينهم خلافات، وقال عبد الناصر: إن أولاد سعود يبيعون ويشترون في النساء والبشر، فأصدر الأخير قراراً بإعتاق كل الرقاب، وعمل عملاً جيداً، فإنه لم يجبر الناس على أن يعتقوا الرقاب، بل اشترى الرقاب من الناس واعتقها، فخرج بمنفذ شرعي: أنه اشترى الرقاب من الناس، وكان في الناس من له خمسمائة رقبة وأربعمائة رقبة من عبيد وإماء، فاشتراهن كلهن وأعلن أنهم عتقاء وأحرار.
فلذلك تجد هناك من القبائل من هو إلى الآن من قبيلة فلان ابن فلان المولد، والمولد تعمل له أصلاً، فقد يكون مولداً من عبيد مع حرائر، ولا زال بعضهم موجوداً إلى الآن في موريتانيا، وجزر القمر، ونيجيريا.
قال الله : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: تتطلبوا بأموالكم، وهو الصداق الذي تدفعونه.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ [النساء:٢٤] أي: متعففين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء:٢٤] أي: غير زناه، أن تتزوجوا ولا تزنوا، وهذا خلاف الواقع الذي نعيشه، فيباح الآن في بعض الدول اتخاذ العشيقات ويمنع الحلال، ففي بعض الدول كتونس وغيرها إذا زنا الرجل بمائة امرأة لا شيء عليه، لكن إذا تزوج بأخرى سُجن، ورب العزة يقول: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ، في الحلال (غير مسافحين) يعني: غير زناة، بنكاح غير سفاح.
стр. 120
نكاح المتعة ونسخ جوازه
قال تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] ، قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) ما المراد به؟ البعض يقولون: المراد به نكاح المتعة، لكنه نسخ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤] يعني: التي تتمتع بها من النساء فرض عليك أن تدفع إليها الأجر.
إذاً: من العلماء من يقول: إن هذا كان في نكاح المتعة الذي كان جائزاً في أول الأمر ثم نسخ.
ومنهم من يقول: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤] أي: الصداق، وهذا في: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) أي: بالزواج.
وعلى أي تفسيرٍ كان فنكاح المتعة منسوخ، كما هو رأي جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة، فنكاح المتعة كان في أول الإسلام وفي أواخره أيضاً: وكان الرجل إذا تقابل مع امرأة فأعجبته ولم تكن ذات زوج، فإنه يتفق معها على أن يتعاشرا يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل في مقابل قدر من المال أو الأشياء العينية التي يعطيها لها، ثم بعد ذلك يفترقان من غير طلاق إذا انتهت المدة المتفق عليها، وهذا النكاح كان جائزاً ثم نسخ.
قال: سبرة بن معبد الجهني ﵁: تقابلت أنا وابن عم لي بامرأةٍ بكر عيطاء -بكر يقصد: كالناقة- فعرضنا عليها أنفسنا أنا وابن عمي، فقالت: ماذا تبذلان؟ قلت: أن أبذل بردي، أي: ثوبي أو شيء مشابه للثوب، وقال ابن عمي: وأنا أبذل بردي، وكان برد ابن عمي أجمل من بردي -يعني: ثوبي كان قديماً جداً وثوب ابن عمي كان جديداً- ولكني أحسن من ابن عمي وأجمل، فجعلت تنظر إليّ وإلى بردي، فتراني جميلاً وترى ثوبي مهلهلاً، وتنظر إلى ابن عمي وإلى برده، وفي آخر الأمر قالت: هذا بردٌ جيد، وهذا بردٌ لا بأس به، وتعاشرت معها ثلاثاً، ثم سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: (من كان تمتع من هذه النساء بشيء فليتتاركا؛ ففارقتها) .
جاء تحريم نكاح المتعة عن رسول الله ﷺ في جملة مواطن: فقد جاء أنه حرم المتعة عام خيبر، وعام الفتح، وفي غزوة أوطاس، وفي غزة تبوك، وفي حجة الوداع، لكن الرواية أنه حرمها في غزة تبوك ضعيفة، والرواية التي حرمها في حجة الوداع ضعيفة أيضاً، والثابت أنها حرمت في خيبر، وغزوة أوطاس، وعام الفتح، فقال بعض العلماء: إن الصحابة قد تمتعوا في عهد أبي بكر: قال جابر: (متعتان نهى عنهما عمر بن الخطاب ﵁: متعة الحج: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] ، ومتعة النساء) .
وهذا ثابت إلى جابر ﵁، لكنه قد أشكل على من قال: إن المتعة حرمت عام أوطاس، فقال: لو كانت حرمت عام أوطاس فلماذا استمتع الناس في حياة أبي بكر الصديق؟ ووصفوا الروايات التي فيها: أن المتعة حرمت في خيبر، ثم حرمت في الفتح، ثم حرمت في أوطاس أنها مضطربة لكون هذه بعد تلك، وقالوا: فإذا كانت حرمت في خيبر فلماذا حرمت مرة ثانية في الفتح، ولماذا حرمت في أوطاس؟ وهذا الرجل سبرة بن معبد تمتع في أوطاس وهي بعد الفتح؟ فأجيب: بأن النبي ﷺ أباحها، ثم حرمها، ثم أباحها، ثم حرمها إلى الأبد.
أما ما ورد أن بعض الصحابة تمتعوا في حياة أبي بكر ﵁؛ فلربما فعلوا ولم يصلهم النهي عن رسول الله ﷺ ، فالعبرة بالحجة الدامغة من النبي ﷺ ، فالنبي نهى عن جملة أشياء ولم تبلغ كبار الصحابة، وقد نهى رسول الله عليه والصلاة والسلام عن التطبيق في الصلاة.
والتطبيق: هو أن يضع الرجل يده اليمنى مع اليسرى مضمومتين بين فخذيه وهو راكع، وفعل ذلك ابن مسعود وخفي عليه حتى فعله وهو في زمن أبي بكر، حتى قال سعد بن أبي وقاص: (يرحم الله أبا عبد الرحمن قد كنا نفعل ذلك ثم نهينا عنه) .
وقد ثبت أن الرسول ﷺ حرم المتعة إلى الأبد، وكون بعض الصحابة فعلها في حياة عمر، فهذا لا يطعن فيهم؛ لأن الصحابي قد لا يبلغه حديث رسول الله ﷺ ، ويبلغ صحابة آخرين، وهذا له جواب يجاب به على هذه المسألة.
وبعض الصحابة كـ عبد الله بن عباس أخذ من كون النبي ﷺ أحلها ثم حرمها ثم أحلها ثم حرمها فقهاً، قال: هذا يرجع إلى إمام المسلمين إن شاء أباحها للناس وإن شاء حرمها، لكن ردّ عليه ردٌ شديد في هذا الباب خاصة من قبل علي، فقال له: يا ابن عباس كيف تفتي بإباحة نكاح المتعة؟! إنك رجلٌ تائه! لقد حرم النبي ﷺ الحمر الأهلية عام خيبر ونكاح المتعة، ولذا وصفه علي ﵁ بأنه رجلٌ تائه.
والعجب من الشيعة البغضاء أنهم يدعون محبة علي بن أبي طالب ﵁، وعلي ينهى أشد النهي عن نكاح المتعة، كما في الصحيحين وغيرهما، وأنه يصف عبد الله بن عباس بأنه رجلٌ تائه لما أباح نكاح المتعة، ولكنهم قومٌ متبعون للأهواء لا للدليل عن رسول الله ﷺ .
وقد كانت بين ابن الزبير وبين ابن عباس أيضاً مشادة في هذا الباب.
قال ابن الزبير معرضاً بـ ابن عباس -وكان ابن عباس كبر فعمي- ما بال أقوام أعمى الله بصيرتهم كما أعمى بصائرهم يفتون بجواز نكاح المتعة؟! فقال له عبد الله بن عباس: والله إنك لجلف جافٍ، ولقد فعلت على عهد إمام المتقين ﷺ ، فقال له ابن الزبير: جرب بنفسك فوالله لئن فعلت لأرجمنك كما رجم قبر فلان، فاشتدت المسألة بينهما في هذا الصدد وجمهور الصحابة على منع نكاح المتعة منعاً باتاً؛ لأن النبي حرمها إلى الأبد ﵊.
стр. 121
ما يشرع من المهور في الأنكحة
يقول الله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] أي: لا إثم عليكم: ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:٢٤] .
وفي قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ ، دليل على وجوب الصداق، ودليل على أن الصداق من حق المرأة وليس من حق أبيها؛ لأن الله قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، فدل ذلك على أن الصداق للمرأة، ونحوه: قول النبي ﵊: (فلها صداق بما استحللت من فرجها) ، فالصداق للمرأة، ثم إن شاءت بعد ذلك أن تتصدق به على أبويها فعلت، ولا تجبر على ذلك.
قال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا أثم عليكم.
﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ يعني: إذا أرادت هي أن تتنازل لك على شيء من الصداق تنازلت، وإن شئت أن تزيدها شيئاً فوق الصداق زدتها ما دامت الأنفس متراضية وطيبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٢٤] .
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 122
الأسئلة
стр. 123
صلاة المأسور في غير بلده
السؤال
ما حكم صلاة الأسير الذي يبعد عن بلده بكثير، هل عليه قصر؟
الجواب
إذا كان بعيداً عن بلده فله القصر.
стр. 124
حكم مصافحة النساء الأجنبيات
السؤال
ما حكم مصافحة النساء الأجنبيات؟ وما صحة حديث معقل بن يسار عن رسول الله ﷺ : (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خيرٌ له من أن يمس امرأة أجنبية) ؟
الجواب
الحديث ثابت وصحيح؛ أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، وأقل أحواله إن تشددنا في أمره أن ننزل به فقط إلى الحسن من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خيرٌ له من أن يمس امرأة لا تحل له) ، وفي البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: (لا والله ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، إنما يقول: قد بايعتك كلاماً) ، أما الوارد من حديث عمر: (أنه كان يبايع النساء ويصافحهن من وراء ستار) ، فهو حديث ضعيف، وفي إسناده مسلم بن خالد الزندي، وهو ضعيف.
أما حكم الإمام السيوطي ﵀ على الحديث فلا يعتبر؛ لأنه ليس من المدققين في التصحيح والتضعيف، ومن ثم استدرك عليه جماهير العلماء جملة تحصيلات لم يوفق بها، وجملة تصحيحات لم يصب فيها أيضاً، والله تعالى أعلم.
стр. 125
تفسير سورة النساء [٢٦-٢٩]
لقد أجاز الله الزواج بالأمة المحصنة، ولكن الأفضل الصبر وعدم المبادرة إلى ذلك، وقد بين الله في كتابه أن أهل الكفر والفسوق حريصون على إضلال الصالحين بشتى الوسائل.
стр. 126
تفسير قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم .)
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد:
стр. 127
إثبات الإرادة لله
يقول الله في كتابه الكريم: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء:٢٦] .
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ فيه إثبات الإرادة لله خلافاً لمن نفاها من أهل البدع، وإثبات الإرادة لله وارد في جملة من الآيات: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] ، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء:٢٨] إلى غير ذلك.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: يبين لكم شرائعكم وما أحل لكم وما حرم عليكم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ﴾ أي: طرق ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: الطرق الحميدة التي سلكها الذين من قبلكم.
وهل المراد بذلك الشرائع، أي: شرائع المتقدمين الذين سبقونا، أو المراد غير ذلك؟ قال ذلك فريق من العلماء، لكن على تحفظ في شيء وهو المنسوخ من شرائع المتقدمين، فشرائع المتقدمين هل تلزمنا، أو لا تلزمنا؟ لأهل العلم أقوال في ذلك: منهم من يقول: إنها تلزمنا إلا إذا جاء في شرعنا ما ينسخها.
يعني: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت من شرعنا ما ينسخه، واستدلوا لذلك بهذه الآية، وبقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٨٤-٨٦] إلى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] .
ولما جاء عبد الله بن عباس ﵄ عند قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] قال: داود ممن أُمر نبيكم ﵊ بالاقتداء به، أي: أن داود ﵇ خر راكعاً وأناب أي: ساجداً، فكذلك سجد النبي ﷺ ، فقد أمرنا بالاقتداء بداود ﵊.
فمن أهل العلم من قال: إن شرائع المتقدمين من الأنبياء تلزمنا إلا إذا جاء من شرعنا ما ينسخها.
ومنهم من قال: إن لكل نبي شرعته، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] أي: سبيلاً وسنة.
والقول الأول قوي، والجمع بينه وبين الاستدلال الأخير ممكن، والله أعلم.
стр. 128
هداية الله لعباده وسعة رحمته بهم
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء:٢٦] هل المراد بالهداية هنا هداية الدلالة، بمعنى: يدلكم على طرق الذين تقدموكم وسبقوكم أو أن المراد هداية التوفيق، بمعنى أن يوفقكم إلى اتباع شرائع من كان قبلكم؟ الظاهر: أن الهداية في الآية تعم القسمين معاً، فالله وفق أهل الإيمان وهذه دلالة توفيق، وبيّن لهم وهذه هداية دلالة، وكلاهما حصل في حق أهل الإيمان.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه الآية من آيات الرجاء، ومن الآيات التي بينت سعة رحمة الله، فرب العزة يريد أن يتوب علينا وهو الغفور الرحيم، فالله أخبر أنه يريد أن يتوب على أهل الإيمان، فعلى ذلك إذا أذنب المؤمن فلا يقنط من رحمة الله، فالله يريد أن يتوب عليه، فعليك إذاً الاستغفار والإقبال على الله، فإن من التهلكة أن يذنب العبد ذنباً ثم يسوّل له الشيطان أنه لا يتاب عليه، فيقنطه من رحمة الله، فيقع بعد الذنب في كبيرة ألا وهي كبيرة القنوط من رحمة الله ، والله حذر من هذا، إذ قال نبيه إبراهيم كما في كتاب الله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] ، وقال يعقوب ﷺ : ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، فإذا علم الشخص أن ربه سبحانه يريد أن يتوب عليه بادر بالتوبة ولم يجد الشيطان سبيلاً على هذا المؤمن بإذن الله، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:٢٥] .
стр. 129
تفسير قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم .)
أكدت الآية السابقة بقوله تعالى ثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٧] ، الأولى: يريد الله أن يتوب عليكم صدرت بالفعل، وهنا صدرت بالفاعل، لفظ الجلالة: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)) [النساء:٢٧] ، وهذا مزيد تأكيد ومزيد بيان بتوبة الله على العباد: ((وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)) أي: افعلوا ما يستوجب لكم توبة الله ، فذلك يتأتى بالاستغفار والإنابة إلى الله.
стр. 130
حرص أهل الكفر والفسوق على إضلال الصالحين
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] أي: أهل الكفر وأهل الفسوق والعصيان يريدون لأهل الإيمان الزلل والميل إلى طريق الردى والهلاك، وهذا كما قال القائل: إن اللص إذا اكتشف أنه سارق وعلم الناس عنه أنه سارق تمنى أن يكون الناس كلهم لصوصاً، وأن الزانية إذا كشف زناها تمنت أن النساء كلهن زوانٍ؛ حتى يشتركن معها في المصيبة والعار، فيخفف هذا الاشتراك شيئاً عنها في الحياة الدنيا، فالذين يتبعون الشهوات يريدون لأهل الإيمان أن يميلوا ميلاً عظيماً.
ونحو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران:١١٨] أي: أحبوا لكم العنت والهلاك ورغبوا لكم فيه، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة:١٠٩] ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩] ، فكل هذه الآيات أفادت أن أهل الكفر يريدون لأهل الإيمان الزيغ والضلال والانحراف.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٢٧] ، فلذلك هم يجتهدون في إغوائكم وإضلالكم بكل الطرق، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ لماذا؟ (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢] لعلهم يرجعون عن دينهم، وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧] فهم بكل الطرق يبذلون ما في وسعهم حتى ينفض أهل الإسلام عن إسلامهم، والمثبت من ثبته الله ، قال الله لنبيه: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤] .
стр. 131
تفسير قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً .)
لنرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النساء:٢٥] .
стр. 132
حكم زنا الأمة وهي محصنة
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: الإماء، إذا أحصن بالزواج، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة﴾ المراد بها الزنا، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ ، فقوله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: إذا تزوجن، ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَة﴾ بعد الزواج، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ يعني: عليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، أي: من الحد، فإن قال قائل: إن الرجم لا يتنصف، فماذا على الأمة المزوجة؟ يعني: الأمة قبل الزواج إن قلنا: إن الحرة إذا زنت قبل الزواج تجلد مائة جلدة، فالأمة تجلد خمسين جلدة، والحرة إذا تزوجت وزنت رجمت، فالأمة إذا تزوجت وزنت ماذا عليها والرجم لا يتنصف؟! فنقول هنا صالت عقول وجالت، وأبعدت عما يقتضيه العقل الصحيح.
والجمهور ابتداءً ذكروا أن الرجم لا يتنصف فعليها الجلد، خمسون جلدة، سواءً كانت ثيباً أو كانت بكراً، متزوجة أو غير متزوجة.
أما ابن حزم فقال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ قال: بالنسبة للأمة غير المزوجة إذا زنت تجلد مائة جلدة؛ لأن الله قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، وإذا زنت بعد الزواج تجلد خمسين جلدة، قال ابن حزم: لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَاب﴾ .
وقال قوم: إن زنت الأمة قبل الزواج لا شيء عليها.
стр. 133
حكم الزواج بالإماء
قال تعالى: ومن لم يستطع منكم -يا أهل الإيمان- طولاً.
أي: سعة وغنىً، فالطول يطلق على السعة الغنى.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ المراد بالمحصنات هنا: الحرائر، أي: فمن لم يستطع منكم أن يتزوج النسوة الحرائر لغلاء مهورهن فهناك الإماء، فدل ذلك على هذا الشيء، وهو: أن الحرائر كانت مهورهن أعلى من مهور الإماء، فيأخذ منه من طرف خفي مشروعية مهر المثل، فللحرائر سنة في الصداق، وللإماء سنة في الصداق، ومهر المثل قد تقدمت بعض الأدلة عليه، في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (تقسطوا في اليتامى) -كما فسرتها عائشة -: أي: تبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق.
فدل ذلك على أن أو للنساء سنة في الصداق.
أي: قدر معين، وهذا القدر ليس بثابت بل هو يختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: سعة، ﴿أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ أي: الحرائر منهن، ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فمن الإماء، ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إذا تزوجت الأمة لزمك أن تعدل بينها وبين الحرة، لكن إذا اشتريت الأمة فلا يلزمك أن تسوّي بينها وبين الحرة في القسمة.
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ .
أي: مؤمنات في نظركم، فقد تكون مؤمنة في الظاهر وليست مؤمنة حقيقة، فلذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ يعني: لكم أن تحكموا بالظاهر وتقدموا على زواج الإماء المؤمنات، فأنت قد تقدر وتحكم بأن هذه الأمة مؤمنة لكن في الحقيقة الله أعلم بها، فلذلك جاء الاحتراز لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْب﴾ بماذا؟ ليس حافظات للغيب باجتهادهن، ولا بقوتهن، ولا بصلابتهن، إنما حافظات للغيب بما حفظ الله، حتى لا تظن الصالحة أنها تحفظ غيب زوجها باجتهادها، فالمرأة أصلاً ضعيفة، ولكن حفظها للغيب بتثبيت من الله وبفضل منه ، وهذا تنبيه حتى لا يبتعد الشخص أبداً عن ربه ، بل يكون دائماً طالباً من الله الثبات والنجاة، والسداد، والحرص، والتوفيق في الحكم على الأشخاص.
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: من الإماء المؤمنات ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ فدل ذلك على الولاية في النكاح وكون المرأة لا تنكح إلا بإذن أوليائها، فمن كتاب الله آيات تحث على الولاية في النكاح، كما أن في سنة رسول الله أحاديث كحديث: (لا نكاح إلا بولي) وحديث: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل) .
أما الآيات التي في كتاب الله تحث على الولاية في النكاح: فمنها: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ .
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] ، فقوله: ﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: لا تزوجوا المشركين، فيه دليل على أن الذي يزوج هو الولي.
وكذلك في قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور:٣٢] ، (وأنكحوا) أي: زوجوا، فدل على أن الأولياء هم الذين يزوجون.
﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ المراد بالأجور هنا: المهور، ﴿بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفائف غير زوانٍ، ﴿وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ والأخدان هم العشّاق، فلا هي زانية، ولا هي متخذة خليل.
أي: عاشق.
إذاً: الأمة تنكح إذا كانت (محصنة) أي: عفيفة.
(غير مسافحة) : غير زانية، (ولا متخذات أخدان) أي: عشاق.
﴿ذَلِكَ﴾ في هذا الحكم والحث على زواج الإماء، ﴿ذَلِكَ﴾ الترخيص لكم في زواج الإماء، والإرشاد لكم في زواجهن ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: للذي يخشى على نفسه العنت، والعنت: هو الشدة، والمراد به: الوقوع في الفحشاء عياذاً بالله، فالذي يخشى على نفسه العنت له أن يتزوج الإماء.
وقد طرح بالأمس القريب
السؤال
شاب في العشرينات، متخرج من الجامعة، ولا يجد مالاً يتزوج به، ولا يجد مسكناً يتزوج فيه، ولا يستطيع أن يحصل على المسكن وعلى تكاليف الزواج الباهضة التي فرضها الأولياء فيكسرون بها ظهور الأزواج، وأمامه سنوات وقُدِّر عليه في عمله أن يعمل في وسط نسوة وهو شاب قوي، فيسر الله له امرأة مات عنها زوجها وترك أولاداً معها، وعندها شقة مفروشة، وهي موافقة على أن تتزوجه، ويدخل عليها في الشقة ويعفها ويرعى أولادها، وهو في الوقت نفسه يبتغي وجه الله برعاية الأيتام، ويعف نفسه من الوقوع في الفاحشة، فجاءت أمه واعترضت على هذا الزواج، والشاب يخشى العنت، فهل يجاب بأن يقال له: أطع أمك التي لا تستند في تصرفها إلى دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله إلا الأسلاف والأعراف السائدة، فهل نقول له: أطع أمك أم عف نفسك؟ فالإجابة: عف نفسك وبر والدتك أيضاً بكلام طيب حتى تنجو من العنت الذي أنت فيه، فرب العزة رخص في الزواج من الأمة، وهذه المرأة أحسن حالاً بلا شك من الأمة؛ لأنها حرة، بل أضف إلى كونها حرة أن النبي ﵊ قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا كنت أنا وهو في الجنة كهاتين) ، وقال: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) ، وقال: (السعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله) إلى غير ذلك من الأدلة.
فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ فيه ترخيص لمن خشي العنت من الشباب ولا يجد مالاً أن يتزوج الإماء، فمن باب أولى أن يتزوج الثيبات اللواتي يوفرن عليه المال.
والنبي محمد ﵊ خير الناس وسيد ولد آدم سلك هذا المسلك، فقد كان فقيراً ﵊ ثم تزوج بالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها.
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: أن تصبروا عن نكاح الإماء، وليس النساء اللواتي هن أرامل، إنما الصبر عن نكاح الإماء خير من المبادرة إلى نكاحهن.
لماذا: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ؟ ذلك لأن الولد يسترق، فأمه أمة عند شخص فالولد يأتي مسترقاً، وتلك هي العلة من التوقف أو الصبر عن زواج الإماء، لكن الناس يختلفون.
والآية فيها: إباحة زواج الإماء لمن خشي العنت: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ ، فهل من لم يخش العنت يحرم عليه أن يتزوج الإماء؟ لا يحرم عليه على الصحيح، وله أن يتزوج الإماء؛ لأن الله قال بعد أن ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، فقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ غاية ما فيه: مزيد ترخيص لمن لم يستطع طولاً أن ينكح المحصنات من المؤمنات، ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
стр. 134
تفسير قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم .)
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ في التكاليف ونحو ذلك.
إن الشريعة الإسلامية قد تميزت بالتخفيف، فلما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله سبحانه (قد فعلت) وروي عن رسول الله ﵊ بإسناد فيه بعض الكلام، لكن المعنى يصح: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، فالمكره على الشيء لا يلزمه من جراء الإكراه إثم، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:١٠٦] .
قال تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ)) هذه من آيات رفع الحرج، ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨] ، قال رسول الله ﷺ : (لما خلق الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف حوله، فلما رأى أنه خلق أجوفاً علم أنه خلق خلقاً لا يتمالك) أي: يسقط بسرعة وتزل قدمه سريعاً.
стр. 135
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل .)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا أهل الإيمان! يا من رضيتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً! يا من صدقتم المرسلين! ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ (أموالكم) أي: أموال إخوانكم، فهي كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.
стр. 136
صور لأكل أموال الناس بالباطل
﴿بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل له صور منها: الرشوة في الحكم، كأن يعطى القاضي مالاً حتى يقضي لخصم ظالم.
ومن الباطل: أكل أموال اليتامى ظلماً.
ومن الباطل: ثمن الكلب، ومهر البغي، أي: أجرة الزانية.
ومن الباطل: الربا.
فالباطل: كل ما جاء من مال بغير حق شرعي.
стр. 137
معنى التجارة بالتراضي
﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا﴾ (إلا) بمعنى: لكن، وتأتي (إلا) بمعنى لكن في كثير من آي الكتاب العزيز: قال الله سبحانه: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ﴾ [الدخان:٥٦] لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى التي قد ماتوها فهي التي ذاقوها فقط، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ أي: لكن تكون تجارة (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) ، ومن تمام التراضي كما قال العلماء: إثبات خيار المجلس، وخيار المجلس مأخوذ من حديث رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) ، فإذا كنت أنا وأنت جالسين في البيت أو في أي مكان واشتريت منك سلعة وكتبت العقد معك، وأنت وقعت لي عليه وأنا وقعت لك عليه، وسلمتك المال واستلمت العقد، ثم بعد ذلك ونحن في المجلس قلت لك: أنا راجع في كلامي عن البيع أو الشراء، جاز لي أن أرجع، ووجب عليك أن تقبل الرجوع، فأي طرف له الحق في عدم إتمام العقد وإن كان قد تسلم المال، وإن كان قد كتب العقد، فله الحق في نقض العقد ما داما في المجلس، أما إذا خرج أحدهما ورجع فقد انتهى البيع وتم، لذلك كان ابن عمر إذا اشترى سلعة فأعجبته بعد أن يعقد العقد يخرج ثم يدخل؛ لأن النبي ﷺ قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن نصحا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) ، فمن تمام التراضي: إثبات خيار المجلس، وهو رأي جمهور العلماء.
وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وثمّ أنواع أخر غير التجارة، ولكن التجارة أهم صور المال الحلال، والرسول ﷺ قال: (أفضل الكسب عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور) .
هناك صور أخرى للكسب الطيب كأن يعمل والرجل أجيراً عند رجل آخر، فذلك من عمل الرجل بيده.
стр. 138
معنى قتل النفس
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ وهل المراد بقتل النفس هنا: الانتحار أو جلب ما يتسبب في إهلاكه في الدنيا أو الآخرة؟ الاحتمالان واردان، فالنهي عن قتل النفس جاء عن رسول الله، فقال ﵊: (من تحسّى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً -وإن كان البعض من العلماء يعلّ كلمة مخلداً- ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى خالداً مخلداً أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يقتل بها نفسه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) ، وكذلك روي عن عمرو بن العاص أنه كان في سرية مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فصلى بهم الفجر، وكانت الليلة شديدة البرد، وكان قد أجنب فتيمم وصلى بالناس، فكأنهم أنكروا عليه، فلما أتوا إلى رسول الله وعاتبه الرسول ﵊، قال: ذكرت قول الله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ .
لكن هذا الأثر عن عمرو بن العاص معلول بعلة قادحة مؤثرة فيه.
ونحوه معلول كذلك حديث: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال) ، فهو كذلك معلول بعلة مؤثرة قادحة فيه.
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ الآية محمولة إما أن تجلب آثاماً لنفسك فتهلك وتردي بها نفسك في النار، أو تقتل نفسك في الدنيا.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فيه دليل على أن الله أرحم بعبده من نفسه، فهو سبحانه حافظ لك على بدنك، فدل ذلك على أن الله أرحم بك من نفسك، وأرحم بك من والدك، فالله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] ، فالله أرحم بالولد من أبيه، بنص الآية الكريمة: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ، ويذكر الله الولد بأبيه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦] ، فالله رحيم بعباده أرحم بهم من أنفسهم، والنبي ﷺ قال: (لله أرحم بعبده من هذه بولدها) ، فنحمد الله على ذلك.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 139
سورة النساء [٣١-٣٤]
اجتناب الكبائر سبب في تكفير السيئات، والكبائر مختلف في تعريفها بين أهل العلم، ولقد جعل الله سبحانه قوامة الرجل على المرأة، وبين سبحانه ما يعمل الأزواج عند نشوز زوجاتهم.
стр. 140
تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر .)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: فيقول الله سبحانه في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] .
стр. 141
تعريف الكبيرة
من أهل العلم من قال: إن الكبائر هي التي نص عليها رسول الله ﷺ في صريح حديثه، وبيّن أنها من الكبائر، كقوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف) .
فمن العلماء من قال: إن الكبيرة هي التي نص النبي ﷺ على أنها كبيرة، وما لم ينص عليه رسول الله ﵊ وما لم يوضح أنه كبيرة فلا يدخل في عداد الكبائر، وهذا القول قد يبدو لأول وهلة صحيحاً، ولكن بإمعان النظر فيه نجده قولاً ضعيفاً واهياً، فثم جملة أمور لم ينص عليها النبي ﷺ ولم يذكر أنها كبائر، مثال ذلك: نكاح الرجل أمه أو أخته، فلم يرد نص عن رسول الله ﵊ يفيد أنها كبيرة، فزواج الرجل بأمه لم يرد فيه نص يفيد أنها كبيرة، لكن جاء في كتاب الله تهديد لمن فعل ذلك، وقال الله تعالى في نكاح امرأة الأب الذي هو أيسر من نكاح الأم: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] .
فهذا حذا ببعض العلماء إلى أن يضعوا تعريفات للكبيرة، فكان حاصل تعريفهم أن الكبيرة: ما توعد فاعلها بلعن أو غضب من الله، أو طرد من رحمة الله، أو بالعذاب، أو بالنار، أو بحد من حدود الدنيا ونحو ذلك، فكل ذلك يعد من الكبائر.
فالله يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾ [النساء:٣١] فهي الكبائر التي ضبطت بالضابط المتقدم، وثم بعض الأمور اختلف فيها: هل هي كبيرة أم صغيرة؟ فللعلماء أخذ ورد فيها.
من ذلك مثلاً: مسألة مصافحة المرأة الأجنبية، فقد ورد فيها حديث معقل بن يسار عند الطبراني بإسناد حسن على أقل الأحوال أن النبي ﷺ قال: (لئن يطعن أحدكم بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له) ، هذا الحديث كما سمعتم إسناده حسن يفيد أن الشخص إذا طعن بمخيط من حديد في رأسه خير له من أن يمس امرأة لا تحل له، ولكن جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] جاء في تفسير اللمم ما قاله ابن عباس: (ما رأيت شيئاً أشبه في اللمم مما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﵊ إذ قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعين تزني وزناها النظر، والرجل تزني وزناها المشي، واليد تزني وزناها البطش، واللسان يزني وزناه الكلام، والنفس تهوى وتتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) .
ولما جاء الرجل الذي لقي امرأة في الطريق ففعل معها كل شيء إلا الجماع ثم أتى إلى رسول الله ﷺ يشكوا إليه حاله، فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] ، وفي هذا الصدد أمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين، فقال: (ألي خاصة يا رسول الله! أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة) .
والشاهد: أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) ، فإذا كانت الصلوات الخمس لا تقوى بمفردها على تكفير الكبائر فمن باب أولى ألا يقوى النفل على تكفير الكبائر، والرسول ﷺ قال: (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر) فإذا كانت الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان لا يقويان -إلا إذا شاء الله- على تكفير الكبائر إلا إذا انضم إليهما شيء آخر؛ فصلاة ركعتين لا تقوى على تكفير الكبيرة، فهذا حدا ببعض الناس أن يعدوها من الصغائر.
فالمسألة إذاً في هذه الجزئية تكاد تكون مسألة خلاف بين العلماء.
يعني: هناك أمور كبيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور صغيرة القول فيها قولاً واحداً، وأمور بين ذلك تنازع فيها العلماء وتجاذبوا فيها الأقوال.
стр. 142
معنى تكفير السيئة
إن الله يقول لعباده: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] نكفر: أصل التكفير التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] الذين يضعون البذرة في الأرض ويغطون عليها، وقول الشاعر: في ليلة كفر الغمام نجومها أي: غطى الغمام نجومها، فأصل التكفير التغطية.
﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: نغطيها ولا نؤاخذكم بها، ففي باب السيئات عفو ومغفرة وتكفير، فالعفو: المحو بالكلية والإزالة، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فالمغفرة: الستر، والتكفير: التغطية وعدم المؤاخذة.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] .
يعني: إذا اجتنبتم الكبائر كفرنا عنكم الصغائر.
وقد تقدم أن السيئة لها اصطلاحات، وكل اصطلاحٍ يعطي معنىً من المعاني يفهم من السياق الذي وردت فيه كلمة السيئة، وقد تقدم شرح هذا، فقيل: إن السيئات أو السيئة تطلق على الكفر أحياناً.
قال الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧] والخلود لا يكون إلا للكفار، وقال سبحانه في شأن قوم لوط: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:٧٨] أي: الجريمة المعهودة وهي من الكبائر، وهنا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: الصغائر.
فوجه الخطأ الذي يخطئ فيه الكثيرون أن يلبسوا اصطلاحاً من الاصطلاحات معنىً من المعاني ليس هو معناه المراد.
فهذا باب يخلط فيه كثير من العلماء فضلاً عن المبتدئين في طلب العلم، وهو أن يلبسوا الاصطلاح معنىً غير معناه الصحيح، وأحياناً تأتي أخطاء أخر نتيجة رواية حديث بالمعنى والخطأ في روايته بالمعنى، أو اختصار الحديث والخطأ في اختصاره، ومن النماذج على ذلك: ما أورده ابن حزم وابن القيم ﵏ في مسألة طلاق الحائض: هل إذا طلق الرجل امرأة وهي حائض هل تعتْبر هذه طلقة وتحسب عليه أو لا تحسب عليه؟ فالجمهور من أهل العلم على أنها تحسب عليه طلقة، لقول ابن عمر: (حسبت عليّ طلقة) ، أورد ابن حزم ﵀ وكذلك ابن القيم ﵀ أثراً عن ابن عمر وغلطا فيه، وهذا الأثر روياه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال: (وسئل عن طلاق الرجل امرأة في حيضتها؟ قال: لا يعتد بذلك) رويا الحديث مختصراً مقتصراً على هذا اللفظ فقالا: ها هو ابن عمر يفتي بأن طلاق الحائض لا يقع والقصة حدثت له.
وهذا كلام غير مقبول لوجوه: منها: أن ابن عمر نفسه قال: (حسبت عليّ تطليقة) كما في صحيح البخاري، فلما بحثنا عن إسناد الحديث في بعض الكتب في المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وجدنا الحديث من نفس طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (أنه سئل عن طلاق المرأة وهي حائض قال: لا يعتد بتلك الحيضة) الرواية التي أوردها ابن حزم وابن القيم ﵏ وشنعوا بها (لا يعتد بذلك) هذه الرواية التي في المصنف (لا يعتد بتلك الحيضة) وهناك فرق.
(لا يعتد بتلك الحيضة) ما معناها؟ يعني: لا يعتد بأن الحيضة تحسب من الأقراء، يعني: إذا طلقها وهي حائض وبدأت تعتد كما أمرها الله ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] هل يحسب هذا الحيض الذي طلقت فيه من الأقراء أو لا يحسب؟ فقال ابن عمر (لا يعتد بتلك الحيضة) ولم يقل: (بتلك التطليقة) فوهما رحمهما الله وظنا أنه قصد بقوله: (لا يعتد بذلك) التطليقة.
ولذلك كل الروايات الواردة عن ابن عمر تؤيد أنها حسبت عليه.
كما في الرواية: (فذهب عمر إلى رسول الله ﵊ فأمره أن يراجعها وعدّها واحدة) ، أي: أمره الرسول ﵊ أن يراجعهما.
وهو أقوى مما يقول به ابن حزم.
والشاهد من هذا: أن الاختصار أحياناً قد يخل.
стр. 143
معنى اجتناب الكبائر
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء:٣١] الاجتناب: أشد من النهي، والأمر به أشد من النهي المجرد، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] فهو أبلغ من النهي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] فالأمر بالاجتناب أشد من النهي المجرد، فيقول الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] .
стр. 144
تفسير قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به .)
قال الله : ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] .
هل الآية على ظاهرها: فلا يجوز لنا أن نتمنى أي شيء أوتيه شخص منا؟ لا.
بل هناك أشياء نتمناها، ورخص لنا الشرع في تمنيها، بل وحثنا على ذلك، مثل: حمل القرآن والعمل به، وإنفاق المال في سبيل الله.
قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) .
ويجوز لي -أيضاً- أن أتمنى ذرية صالحة، فإذا وجدت رجلاً عنده ذرية صالحة قلت: يا رب! ارزقني ذرية صالحة، وها هنا يقول عباد الرحمن ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] .
إذاً: هناك شيء مراد بالآية: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٢] والله أعلم ما مراده، ولكن سياق الآية يفيد شيئاً وهو ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] يعني: لا تأتي المرأة تقول: يا ليت لي ميراث كالرجل، أو يا ليتني رجلاً، فـ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء:٣٢] فاقنع بالشيء الذي قدر لك به واسأل ربك المزيد من فضله على وجه الإجمال، لكن لا تتمنى أن تكون امرأة مثلاً، أو أن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً، أو تتمنى أن يقسم لها في الميراث مثل ما للرجل ونحو ذلك.
والتمني بصفة عامة هو: نوع إرادة يتعلق بالمستقبل، قال الله لـ عبد الله والد جابر لما قُتل: (عبدي تمنى عليّ فقال: أرد إلى الدنيا فأقتل في سبيلك) ، فهذا نوع من التمني، والرسول ﷺ قال: (والذي نفسي بيده، لقد وددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل، ثم أحيا فأقتل) أو كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والتمني فيه مسائل ومباحث طويلة لا يسع المقام لذكرها، وقد أفرد البخاري في كتاب القدر من صحيحه: باب ما جاء في اللو.
فهي من أبواب التمني، ويقابله أيضاً التلهف.
قال الله: ((وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) [النساء:٣٢] ، قال النبي ﷺ : (إذا نظر أحدكم إلى من فوقه في المال والرزق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه هو في المال والرزق) أو كما قال ﵊.
قال الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢] * ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء:٣٣] .
في أول الأمر لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، فكان المهاجري يرث الأنصاري دون أقاربه، والأنصاري يرث المهاجري، دون أقاربه حتى نزل قوله تعالى على رأي كثير من أهل العلم: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] فنسخ التوارث بين المهاجرين والأنصار، وبقيت الموالاة والمحبة في الله، وإذا أردت أن تعطيهم شيئاً فأعطهم ما شئت، لكن التوارث أصبح بين أولي الأرحام الذين ذكرهم الله في كتابه وفي قوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب:٦] .
стр. 145
تفسير قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان .)
يقول الله ﵎: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [النساء:٣٣] .
следующие страницы →