Полный текст (2 242 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
حكم الوصية لأحد الورثة
السؤال
هل يجوز أن يوصي الشخص بالثلث لأحد الورثة؟
الجواب
الوصية بالثلث تكون لغير الورثة، (لا وصية لوارث) ، فإذا كان لك ابن، فهو وارث، ولا يُعطى شيئاً من الثلث وصية.
فالوصية تكون لغير الورثة، بأن تتخير من مصالح الخير فمثلاً: أنت لك زوجة وأولاد وأم وأب، ولك إخوة، الإخوة ليس لهم شيء في الميراث، فأشفقت على أخيك وقلتَ: أريد أن أعطيه شيئاً؛ لأن التركة عندما تقسم فإنه ليس له منها شيء، وله أولاد مساكين، فيجوز لك أن تتصرف وتوصي لإخوانك في حدود ما لا يتجاوز الثلث، وكذلك غيرهم من أقاربك الذين لا يرثون منك.
стр. 72
حكم من أعطى ابن ابنته وأخته من التركة مع بنته
السؤال
رجل موجود على قيد الحياة، وكتب ممتلكاته لبنته الوحيدة النصف، والنصف الآخر لابن ابنته المتوفية وأخته بالتساوي، أهذا حرام؟
الجواب
نعم هذا حرام! كيف لا؟! فهو أعطى البنت النصف، والنصف الآخر لابن ابنته المتوفية وأخته بالتساوي، ابن ابنته المتوفية له أن يوصي له؛ لكن هنا شيء: أنه إذا أوصى له فإن الحكومة تجيء فتعطيه أيضاً إضافةً إلى الوصية؛ مع أن ابن ابنته المتوفية في الأصل ليس له في الميراث شيء، وهنا لو أوصى له فنحن نخشى من الحكومات؛ لأنها جعلت لابن البنت وصية واجبة، فتسلم له ثلث التركة، فيأخذ نصيبان، فيكون هذا فيه جور على سائر الورثة.
والله أعلم.
- ما حكم الوصية الواجبة؟ هي ليست واجبة في الشرع، أما في القضاء أو في المحاكم فسل الشيخ صالح عبد الجواد حفظه الله، فإنه يفهم في هذا الكلام جيداً.
стр. 73
حكم حديث النهي عن صوم يوم السبت والجمعة
السؤال
كيف نفهم نهي رسول الله ﷺ عن صوم يوم السبت إلا من فريضة، على رأي مَن صححه، وعن نهي النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة إلا يوماً قبله ويوماً بعده؟
الجواب
ابتداءً إذا سقط الحديث من ناحية الإسناد فلا داعي للتكلف في الجمع.
فابتداءً حكم الإمام مالك على حديث: (لا تصوموا السبت إلا فيما افتُرِض عليكم) أنه كذب، قال الإمام مالك: هذا حديث كذب، وقال أبو داوُد: هذا حديث ضعيف، وقال النسائي: هذا حديث مضطرب، وضعَّفه غيرُ هؤلاء عددٌ كبير من أهل العلم وأطبقوا على هذا.
والعلة التي لعلها خفيت على بعض العلماء: أن الحديث -على ما أذكر الآن إن لم يكن دخل عليَّ حديثٌ في حديثٍ- في إسناده يونس، ويونس معروفٌ أنه ثقة؛ لكن يقول الإمام أحمد في بعض مقالاته: اطلعت على كتاب يونس فلم أرَ هذا الحديث في أصل كتابه، فهذه المقولة من أحمد جعلتنا نوقِّر كلام الإمام مالك لما قال: هذا الحديث حديثٌ كذبٌ على رسول الله ﷺ .
فلعل بعض المحققين لم يلتفت إلى هذه النقطة التي نقلها الإمام أحمد حيث قال: لم أرَ هذا الحديث في أصل كتاب يونس، ومن ثم قال مالك: إنه كذب.
فضلاً عن هذا فهناك الأحاديث المعارضة له التي في الصحيحين وغيرهما، ففي صحيح مسلم: (لا تصوموا الجمعة إلا يوماً قبله أو يوماً بعده) فقد يكون سبتاً.
وحديث عبد الله بن عمرو في الصحيحين: (صم يوماً وأفطر يوماً فذاك أحب الصيام إلى الله) ولم يأمره باستثناء سبت ولا أحد ولا جمعة ولا غير ذلك.
فرأينا أن الحديث ضعيف، والحمد لله النفس مطمئنة إلى ذلك تماماً.
أما إذا أردنا أن نلتمس التماساً لمن قال بحسن الحديث من المتأخرين، فيقال: إن المنهي عنه -والله أعلم- تخصيص السبت بالصيام؛ لأنك إذا خصصت السبت بالصيام كدت أن تشارك اليهود، لما قال الله لهم: ﴿لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء:١٥٤] .
والله سبحانه أعلم.
стр. 74
تفسير سورة النساء [١٥-٢١]
اشتملت هذه الآيات من سورة النساء على العديد من المسائل والأحكام التي ينبغي على المسلم معرفتها، منها: الجمع بين عقوبتي الجلد والرجم على الثيب وأقوال العلماء فيه، وعضل النساء والحالات التي جوز فيها للزوج العضل، وحكم خدمة المرأة لزوجها، وغير ذلك مما سيجده القارئ في صفحات هذه المادة.
стр. 75
خلاف العلماء في الجمع بين الجلد والرجم للثيب الزاني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فإذا زنت امرأة ثيب -أي: سبق لها زواج- وأتت بفاحشة، فالحديث يفيد أن عليها جلد مائة والرجم، لكن هل تجمع عليها العقوبتان، الجلد والرجم أو أن الرجم وحده يكفي؟ ذهب جمهور العلماء: إلى أن الرجم وحده كافٍ، وليس عليها شيء إلا الرجم، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : (واغد -يا أنيس - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، فلم يأمر النبي بشيء مع الرجم.
بينما ذهب أمير المؤمنين علي ﵁: إلى أنها ترجم وتجلد، قال: جلدتها بكتاب الله، -أي: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]- ورجمتها بسنة رسول الله ﷺ .
وكانت عقوبة المرأة إذا زنت في أول الأمر أن تحبس في البيت حتى تموت، فتبقى محبوسة لا تخرج من البيت حتى تموت، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] ، والسبيل هو الذي سمعتموه من حديث رسول الله ﷺ .
стр. 76
نوع النسخ في قوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت .)
هذه الآية هل فيها نسخ الأخف بالأثقل أم الأثقل بالأخف إن قلنا بأنها منسوخة؟ كان أول الأمر الحبس المطلق إلى أن تموت، ثم جاء الأمر بالرجم في حال كون الزانية ثيباً، أو بالجلد والتغريب للبكر، والمرأة لا تغرب، فالتغريب لا يكون في شأن النساء، فإن المرأة إذا زنت وغربت اضطررنا إلى أن نخرج معها رجلاً من محارمها يغرب معها؛ لقول النبي ﵊: (لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم) ، وما هو الذنب الذي اقترفه محرمها حتى نغربه هو الآخر؟! ولم يرد أن النبي ﷺ غرب امرأة، إنما التغريب في حق الرجال.
فالشاهد: أن المرأة إذا زنت وكانت ثيباً فعليها الرجم، وإذا كانت بكراً فعليها جلد مائة، وأول الأمر كان الحبس حتى الوفاة، فهل هو نسخ للأخف بالأثقل أم للأثقل بالأخف؟ قد يرى البعض: أنه نسخ للأخف بالأثقل وذلك في حالة الرجم، فالحبس في البيوت أقل من الرجم.
لكن قد يقول آخر: إن جلد المائة أخف من الحبس في البيوت طول الحياة، فلكل وجه.
لكن على كل حال: نسخ الأخف بالأثقل وارد في كتاب الله، ونسخ الأثقل بالأخف وارد كذلك في كتاب الله، أما نسخ الأخف بالأثقل فمثاله قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤] ، ففي بداية الأمر كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مكان كل يوم يفطره مسكيناً، على رأي الجمهور احترازاً من رأي عبد الله بن عباس، فجاء الأمر بالإلزام بالصيام في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فالإلزام بالصيام أثقل من التخيير بين الصيام والإطعام.
أما مثال نسخ الأثقل بالأخف فهو قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] فنسخت على رأي أبي هريرة وابن عباس وابن عمر ﵃ بقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وكذلك مصابرة المؤمن لعشرة من الكفار نسخت بمصابرته لاثنين فقط لقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٦] .
فالآية تشعر بالتدرج في الأحكام، مثل التدرج في أحكام الخمر، وتقدّم أنه كان على أربع مراحل: الإباحة المطلقة، بل والمن بالإباحة: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل:٦٧] ، ثم ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] ، ثم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، ثم الاجتناب الكلي: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] .
وكذلك في الجهاد: الأمر بكف اليد ابتداءً: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء:٧٧] ، ثم الإذن: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ [الحج:٣٩] ، ثم الأمر بالقتال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥] .
стр. 77
الشهود في جريمة الزنا
وقال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [النساء:١٥] استشهدوا أي: اطلبوا أربعة شهود، ((مِنْكُمْ)) [النساء:١٥] أي: من الرجال، وهنا تختلف الشهادات، وشهادات الأموال لها حكم، وشهادات الحدود لها حكم، وشهادات الرضاع لها حكم، فلا يكفي في شهادات الحدود إلا أربعة شهود من الرجال، شهادات الأموال: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو شاهد ويمين، ففي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين) ، وشهادات الرضاع يكفي فيها المرضعة إذا كانت ثقة، قال الله سبحانه: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] .
ونوع الأذى الوارد في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] أي: من رجالكم في جريمة اللواط أو جريمة الزنا، ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] ما هو نوع الأذى الذي يؤذيان به؟ قال المفسرون: هو التعيير والتوبيخ والتأنيب والشتم، فإن قال قائل: هل يجوز في الشرع الشتم؟ فالإجابة أن في مثل هذه المواطن التي أذن فيها الله يجوز فيها ذلك، والنبي قال: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار) قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر:٤٩-٥٠] ، وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٧٥] إلى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ [الأعراف:١٧٦] ، وقال أبو بكر لـ عروة بن مسعود الثقفي: (اذهب فامصص بظر اللات) فإن احتيج إلى شيء من ذلك فعل في الموطن الذي أذن فيه الشارع، والله أعلم.
فالإيذاء يتمثل في التعيير والتوبيخ والتأنيب والشتم، وهذا الأذى هو دون الحد.
стр. 78
التوبة قبل الغرغرة
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النساء:١٦] يعني: إن تاب الرجل وأصلح فليس لك أن تعنفه بكلام قبيح بعد ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦] يعني: باب التوبة مفتوح وباب الرحمة مفتوح، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:١٦] .
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] من قريب أي: قبل الموت، فإن النبي ﵊ قال: (إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر) ، وقال ﵊: (إن للتوبة باباً مفتوحاً لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها) ، وقال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) فكلمة من قريب: قال كثير من المفسرين: أي: من قبل الموت (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي: إنما قبول التوبة على الله.
والذين يتوبون هل يجب على الله أن يقبل التوبة منهم لقوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) ؟ لا يجب على الله شيء، إنما قال سبحانه: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١] ، فإذا تبت وأراد الله لك العذاب عذبت، وإذا لم تتب وأراد الله لك الرحمة رحمك، إنما توبتنا من باب الأخذ بالأسباب المقربة إلى مرضاة الله ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، وفرعون تاب عند معاينته للموت ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] ، فأجيب بقوله تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨] أليماً أي: مؤلماً موجعاً.
стр. 79
عضل النساء
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ [النساء:١٩] (لا يحل) أي: يحرم، وهذا أيضاً يعتبر نصاً صريحاً في التحريم، فأنتم تعلمون أن نصوص التحريم منها نصوص ظنية الدلالة في التحريم، ونصوص قطعية الدلالة في التحريم، أحل الله كذا: نص صريح الدلالة في التحليل، حرم الله كذا: نص صريح الدلالة في التحريم.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ)) [النساء:١٩] المعنى: يا أيها الذين آمنوا يحرم عليكم ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩] لا يحل لك أن ترث المرأة سواءً بإكراه أو بغير إكراه كذلك، إنما قوله: (كرهاً) خرجت مخرج الغالب؛ لأن هذا هو الذي كان متبعاً قبل عهد رسول الله ﵊.
وتوضيح الآية: أن الرجل كان إذا مات أبوه عمد إلى امرأة أبيه، ووضع عليها ثوباً، فهو وإخوانه يتسابقون إليها، وأيهم وضع عليها ثوباً أولاً يكون قد ورثها، يفعل فيها ما يشاء: إن شاء أن يزوجها لشخص آخر زوجها، وإن شاء أن يتزوجها هو تزوجها، وإن شاء عضلها وأبقاها، وكان هو أحق بها من أوليائها، وفي ذلك يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩] فكانت المرأة في الجاهلية مهانة غاية الإهانة، فإذا مات زوجها يعمد الأولياء متسابقين إليها بوضع ثوب عليها فمن كان أسبق فهو يتصرف بها كيفما شاء.
﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ [النساء:١٩] أي: لا يحل لكم أيضاً أن تعضلوهن، وأصل العضل: المنع، والمراد بقوله: (ولا تعضلوهن) المنع من تزويجهن، امرأة تريد أن تتزوج وأنت تمنعها، ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] أنت متزوج امرأة وكرهتها تبقى معلقة لا أنك طلقتها ولا أنك قمت بواجب الزوجية نحوها، تتركها معلقة وأنت معضل لها، تحتال هذه الحيلة لكي تتنازل لك عن شيء من الصداق، فإخواننا الذين يكرهون نساءهم ولا يطلقوهن كي تتنازل له المرأة عن صداقها آثمون مرتكبون لمحرم لقوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لتأخذوا بعض الصداق الذي أعطيتموه لهن إلا في حالة واحدة.
стр. 80
الحالات التي يجوز فيها للزوج العضل
﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩] يعني: يجوز لك أن تعضل زوجتك إذا أتت بفاحشة مبينة.
مثلاً: رجل تزوج امرأة، وكلفه الزواج عشرة آلاف جنيه، وبعد أن كلفه الزواج عشرة آلاف جنيه إذا بزوجته على صلة برجل آخر -عياذاً بالله- فماذا يصنع؟ إن قال: أطلق، هي تريد أن تتطلق، فقد أخذت المهر، وتريد أن تتزوج شخصاً آخر وتفعل معه نفس الفعل الذي فعلته مع الأول، وتأخذ الصداق من الآخر أيضاً، فحينئذ يجوز للزوج أن يعضلها حتى تفتدي نفسها منه لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩] ، ويلحق بالفاحشة المبينة متبوعاتها، مثل: رجل تكلف وتزوج امرأة وأنفق، وبعد أن أنفق جاءت فقالت له: أريد أن أخرج متبرجة، وأخرج لابسة للملابس الضيقة أنا حرة! ينصح فلا ينفع النصح، يشق عليه جداً أن يرى زوجته متبرجة تلبس فوق الركبة، حينئذ يجوز له أن يعضلها لكي ترد إليه المهر وترجع إلى بيت أهلها، هذه الحالات التي يجوز للزوج إعضال الزوجة، أما ما سوى ذلك فرب العزة ما أجاز ذلك، اللهم إلا في حالة الخلع وليس في الخلع إعضال؛ لأن المرأة في الخلع هي نفسها التي تطلب الطلاق.
﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩] أي: من الصداق، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء:١٩] .
стр. 81
معاشرة النساء بالمعروف
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] هذه الآية أصل في الإحسان إلى النساء في المعاشرة، (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أمر من الله سبحانه للأزواج أن يعاشروا النساء بالمعروف، وبهذا أمر النبي ﷺ في حجة الوداع التي مات بعدها بنحو ثلاثة وستين يوماً، قال في الخطبة الفاذة الجامعة في عرفات: (ألا واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) الحديث، وفيه أن الرسول أوصى بمعاشرة النساء بالمعروف، ورب العزة يوصي بمعاشرة النساء بالمعروف، والنبي يوصي بذلك، فقد قال الله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، وقوله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) يجرنا إلى شيء من أحكام معاشرة النساء، وبالنسبة لمعاشرة النساء أُلفت فيها كتب ككتاب عشرة النساء للنسائي ﵀، استخلص من كتاب السنن الكبرى في مصنف، وكثير من أهل العلم يوردون أبواب عشرة النساء في ثنايا مصنفاتهم.
стр. 82
خدمة المرأة لزوجها
خدمة المرأة لزوجها هل هي على الإيجاب أم على الاستحباب؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن خدمة المرأة لزوجها على الاستحباب، وليست على الإيجاب، وذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن خدمة المرأة لزوجها واجبة عليها، وفريق ثالث قال: إن مرد هذا الأمر إلى الأعراف السائدة في البلاد وإلى أحوال النساء، فإن كانت من بيت غنى يُخدم مثلها فتخدم وإلا فلا، فهي ثلاثة أقوال لأهل العلم.
وما هي الأدلة من كتاب الله أو من سنة رسول الله ﷺ على ذلك؟ استدل بعض القائلين بالإيجاب بقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ [النساء:٣٤] قالوا: معنى قانتات أي: مطيعات -هذا قولهم- أي: إذا أمرها الزوج بأمر أطاعته، فإذا أمرها بالخدمة خدمته.
وقال فريق آخر من أهل العلم الذين وجهوا الوجوب: قوله تعالى: (قانتات) أي: مطيعيات، مطيعات لمن؟ ليس في الآية تقييد، وإن قلنا: مطيعات للأزواج، فمطيعات للأزواج في الذي أمرهن الله به من الطاعة، فإذا قال لها الزوج مثلاً: أعطيني مالك! فليس لها أن تطيعه فإن المال مالها، أي: إذا قال لها الزوج: أنت معك ألف جنيه أعطيني الألف جنيه، فلا يقول أحد أنه يجب عليها أن تعطيه الألف جنيه؛ لأن الله قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] ، فإن لم تطب نفسها فليس لها أن تعطيه، قالوا: فلما لم يكن له أن يجبرها على إعطاء المال كذلك ليس له أن يجبرها على إعطاء الخدمة، إنما الذي له: (إذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته ... ) الحديث.
استدل آخرون بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] لكن قيل: ما هي هذه الدرجة؟ أجيب أن الدرجة منها القوامة في البيت فإذا أمرها أطاعته، فإذا دعاها للفراش وجب عليها أن تطيعه، فإذا دعته هي للفراش لا يجب عليه أن يطيعها.
دليل آخر لو صح لكان الفيصل في الباب وهو ما ورد من طريق عاصم بن ضمرة أن النبي ﷺ قضى على علي بالخدمة الظاهرة، وعلى فاطمة بالخدمة الباطنة، يعني: على علي الخدمة التي خارج البيت، وعلى فاطمة الخدمة التي داخل البيت، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، لكن علة هذا الحديث: أنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، ولا يثبت له سماع من رسول الله، بل هو تابعي متأخر فضعف الحديث، ثم إن المشهور في قصة علي أن فاطمة أتت إلى رسول الله ﵊ تسأله خادماً فقال: (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم؟ إذا أتيت مضجعك تسبحين ثلاثاً وثلاثين، وتحمدين ثلاثاً وثلاثين، وتكبرين أربعاً وثلاثين، فإنه خير لك من خادم) هذا أصل الحديث، فلعل شخص رواه بالمعنى بلفظ: (قضى بالخدمة الباطنة وبالخدمة الظاهرة) ، لكن ليس هذا تعليلنا، إنما التعليل لأنه مرسل من طريق عاصم بن ضمرة، أما هذا الحديث (ألا أدلك على ما هو خير لك من خادم) ، ففي الصحيحين، وليس فيه إيجاب، وإنما غاية ما فيه أن النبي ﵊ اختار لأهل بيته الأفضل.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه، ورواه عن حكيم ابنه بهز وأبو قزعة أنه جاء إلى رسول الله فقال: (يا رسول الله! ما حق أحدنا على زوجته؟ وما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أما حق أحدكم على زوجته فعليها أن تطيعه إذا أمرها، وإذا دعاها إلى الفراش أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) الحديث، وليس فيه أنه أوجب عليها الخدمة، وقال: (ألا تمنعه نفسها وإن كانت على قتب وألا توطئ أحداً فرشه إلا بإذنه) ، وهناك نصوص قد أضافت حقوقاً أخرى للزوج مثل: لا تصم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تخرج إلى المسجد إلا بإذنه، فكل ما أتى من الأدلة ليس فيها دليل صريح يوجب عليهن هذه الخدمة.
وبعض أهل العلم استدل بحديث: (انظري إنما هو جنتك أو نارك) ، وليس في الحديث دليل على أنه يجب عليها الخدمة، فجنتك أو نارك تعني: أنك إذا أعطيته حقوقه التي شرعها الله تدخلين الجنة، وإذا لم تعطيه الحقوق التي أمرك الله بها دخلت النار، وليس معناه أنه يسلبها شيئاً ليس من حقه، (فجنتك أو نارك) : تعني: أنك إذا اتقيت الله فيه دخلت الجنة، وإذا لم تتقي الله فيه لم تدخل الجنة، إذا سرقت من أمواله -مثلاً- دخلت النار، وإذا أطعتيه وحفظت ماله ونفسك دخلت الجنة، فالحاصل أن المسألة فيها جملة أدلة وكلها بين راد ومردود، وقد فصلت القول فيها في رسالة موسعة فيما يقارب التسعين صفحة في هذا الباب.
فالشاهد: هذا بالنسبة لما يتعلق بخدمة المرأة لزوجها، بعد ذلك: كيف كان رسول الله في بيته؟ سئلت عائشة: (كيف كان النبي ﷺ في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله) ﵊.
ومن باب المعاشرة بالمعروف التلطف مع النساء، فقد قال رسول الله ﷺ : (خيركم خيركم لأهله) ، ولا يخفى عليكم أن النبي كان يسابق عائشة، فكان يأمر الجيش بالتقدم ثم يسابقها، ثبت هذا مرتين مرة سبقها ومرة سبقته، وكان يخدم أهله ﵊ في البيت، وقد قال النبي ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) .
قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ويدخل في المعاشرة بالمعروف تزينك لزوجتك كما تحب أن تتزين لك زوجتك، وبهذا قال محمد بن الحنفية، وروي عن عبد الله بن عباس، ﵃ أجمعين.
قد تكرهها لكنها ميمونة في بيتها غير مشئومة، قال الرسول ﷺ : (الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار) ، فقد تجد امرأة جميلة أو وضيئة وحسناء، لكن كلما دخلت عليها البيت وأنت قادم من العمل أحدثت لك مشكلة مع الجيران، أو أعطيتها الراتب كي تنفق منه على البيت فتنفق الراتب في يوم أو يومين في ثياب أو في نعل أو في حقيقبة! فضيعت عليك المال كله، فكما قال رسول الله ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) ، لا تتوقع أبداً أنك ستجد في المرأة كل ما تريد، قد تكون المرأة جميلة ووضيئة وحسناء؛ لكنها بذيئة اللسان لسانها طويل، قد تكون المرأة هادئة وجميلة وحسناء لكنها لا تحسن الطهي ولا الخبز، فـ أسماء بنت أبي بكر كانت تعلف للزبير فرسه وتطيعه لكن قالت: (لم أكن أحسن الخبز) ، قد تكون المرأة دميمة لكنها تقوم الليل وتصلي وتراقب ربها فيك، فكما قال الرسول: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) يعني: في المائة جمل واحد قوي تلقاه صابراً على الجوع، سريعاً في المشي، لا يؤذي، في الإبل المائة واحد، فمن باب أولى أن يكون ذلك في النساء.
стр. 83
مقدار مهر المرأة وحكم أخذه بعد الإفضاء
قال النبي ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) ، وفي ذلك يقول الله : ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا * وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:١٩-٢٠] في الآية أن الأفصح أن يقال: زوج، ولا يقال: زوجة بالتاء المربوطة، وإن كان لفظ زوجة بالتاء المربوطة له شاهد، قال عمار بن ياسر كما في صحيح البخاري في شأن عائشة: (إني لأعلم أنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم أتتبعونه أم تتبعونها) ، فزوجة بالتاء المربوطة جائز لكن الأفصح زوج.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾ [النساء:٢٠] تطليق امرأة وتزوج امرأة أخرى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠] أي: أعطيتم التي تريدون أن تطلقوها قنطاراً من الفضة أو من الذهب كصداق ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠] ، اللهم إلا في حالة واحدة هي حالة الخلع قال الله سبحانه: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩] .
(وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) يدل على جواز الإكثار من المهر، وفي الحقيقة أنه لا حد لأكثر المهر ولا لأقله، إنما مرد ذلك إلى الأعراف السائدة، إنما التخفيف في المهور على وجه الإجمال مستحب؛ لأن النبي حث على ذلك وإن كان حديث: (أقلهن مهوراً أكثرهن بركة) عندي ضعيف لجملة أسباب مبسوطة في محلها، لكن وجه استحباب تقليل المهور يؤخذ من أن النبي ﵊ -كما في صحيح مسلم- سأل بعض أصحابه: (كم سقت إليها؟ قال: وزن كذا وكذا من ذهب، قال: إنما تنحتون من عرض هذا الجبل!) أو كما ﵊، لكن التحرير: أنه لا حد لأقل المهر ولا لأكثر المهر، بل يلزم في بعض الحالات أن تبلغ بالمرأة أعلى سنتها في الصداق، مهور النساء خمسة آلاف جنيه، ومنهن من تأخذ مهر سبعة آلاف، ومنهن من تأخذ مهر ثلاثة آلاف، فهناك حالات يلزمني أن أدفع سبعة آلاف، فإذا كانت المزوجة يتيمة لابد أن تبلغ باليتيمة أعلى سنتها في الصداق كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ﴾ [النساء:٢٠] أي: أعطيتم ﴿إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠] أي: كصداق ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾ [النساء:٢٠] بهتاناً أي: بغير حق، كما قال الرسول ﷺ : (وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) يعني: تكلمت فيه بغير حق وظلمته بغير حق، فالبهتان هنا: الظلم وأكل المال بغير حق، فإخواننا الذين يضيقون على النساء كي يرددون إليهم جزءاً من المهور يأكلون المهور بهتاناً ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠] .
وحادثة عمر في هذا الباب مختصرة لها طرق تصح بمجموعها: أنه خرج لينصح الناس بعدم المغالاة في المهور قال: (فعرض لي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء:٢٠] فأمسكت) أخرجه عبد الرزاق بإسناد مرسل قوي، ويشهد لأصل القصة قصة المرأة التي راجعته.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا﴾ [النساء:٢٠] أي: ظلماً بغير حق، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء:٢٠] .
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ [النساء:٢١] بأي حق تأخذونه؟! ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٢١] أي: الجماع؛ لأنك إذا جامعتها فكما قال الرسول ﷺ : (لها الصداق بما استحللت من فرجها) يعني: الصداق أصلاً مقابل الاستمتاع بالفرج، فإذا جامعتها استحقت بالجماع الصداق، فبأي وجه تأتي تسلبها هذا الصداق؟ بأي وجه حق تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض؟ ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١] ، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وجزاكم الله خيراً.
стр. 84
الأسئلة
стр. 85
خروج المرأة للنزهة مع زوجها من غير اختلاط بالرجال
السؤال
ما حكم خروج المرأة مع زوجها للنزهة إذا كان من غير اختلاط بالرجال بحجة أن القلوب تمل؟ وهل هذا ينافي القرار في البيت، مع العلم أنها إذا خرجت إلى حديقة تتذكر عظمة الخالق؟
الجواب
بل له في ذلك سنة وهو مسابقة الرسول ﵊ لـ عائشة.
стр. 86
المصادر المعتمدة في تفسير سورة النساء
السؤال
نريد معرفة الكتاب الذي تشرح منه تفسير سورة النساء؟
الجواب
تفسير القرطبي وابن كثير رحمهما الله.
стр. 87
مدى ثبوت الأثر الوارد عن أحد الصحابة في عدم أكل لحم الغراب
السؤال
هل ثبت أنه سئل أحد الصحابة عن عدم أكله للغراب فقال: (ليس لي أن آكله وقد سماه الرسول فاسقاً) ؟
الجواب
لا أعلم.
стр. 88
الأذكار الصحيحة التي تقال عقب الصلاة
السؤال
ما هي الأحاديث الصحيحة التي تقال في ختام الصلاة؟
الجواب
راجع كتاب الأذكار.
стр. 89
معنى حديث: (أميطوا عنه الأذى)
السؤال
قلت سابقاً: إن حلق رأس المولود ضعيف، فما معنى (أميطوا عنه الأذى) في الحديث الذي رواه البخاري؟
الجواب
كلامي في حلق رأس المولود كان مقيداً، حلق رأس المولود والتصدق بوزنه ذهباً ضعيف يقيناً عندهم، لكن ما معنى (أميطوا عنه الأذى) ؟ إماطة الأذى له أنواع عدة، من إماطة الأذى قص الأظافر، من إماطة الأذى حلق الشعر، من إماطة الأذى تغسيله وتنظيفه، لإماطة الأذى عدة أنواع، لكن حلق الرأس والتصدق بوزنه ذهباً لا يثبت عن رسول الله ﷺ .
стр. 90
الحصول على وظيفة مقابل دفع مبلغ من المال
السؤال
رجل يريد أن يتوظف في إحدى الشركات، فطلب منه مدير الشركة -وهي حكومية- مبلغ ألفين جنيه على أن يوظفه مؤقتاً من بين مائة وخمسين متقدماً للوظيفة، وقال له: لا يشترك في امتحان الوظيفة، هل يجوز هذا مع العلم أن حال الرجل صعب، ومدير الشركة لن يوظف أي أحد إلا بهذه الطريقة؟ وإذا طلب منه شهادة خبرة، فهل يجوز له عمل شهادة خبرة مزورة؟
الجواب
كل هذا لا يجوز حرام؛ لأنك تؤكل غيرك الآن، وهذه الرشوة بعينها؛ لأنها تأخذ حقوق الآخرين، المفروض أن يتقدم للعمل عدة أشخاص فيختار منهم الأكفأ؛ لأنه من باب الظلم أن تأخذ شخصاً غير كفء وتعينه في مكان يحتاج إلى كفاءة، مثلاً: مستشفى طلب طبيباً، أو السعودية طلبت طبيباً أو أي مكان طلب طبيباً، أو مستشفى الجامعة طلب طبيباً، تقدم لها عشرة أطباء، مسئوليتي أنا أن آخذ أكفأ طبيب لعلاج المسلمين، لا آخذ طبيباً رديئاً يهلك المسلمين، كذلك لا آخذ شخصاً جاهلاً بالحسابات يخرب الشركات، فهذه رشوة حرام ولا يجوز أن تأتي بشهادة خبرة مزورة، ولا يجوز أن تدفع للرجل رشوة، حرام، قولاً واحداً.
стр. 91
تحريك السبابة عند الجلوس بين السجدتين
السؤال
هل من السنة تحريك السبابة عند الجلوس بين السجدتين؟
الجواب
الحديث ضعيف شاذ.
стр. 92
المواطن التي ترفع فيها اليدان عند التكبير
السؤال
هل من السنة رفع اليدين عند كل تكبيرة سواءً في القيام والسجود وبين السجدتين؟
الجواب
الرفع بين السجدتين رواية شاذة، وإنما هي أربعة مواطن فقط التي ترفع فيها اليدان: عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي للركوع، والقيام منه، وعند القيام من التشهد الأوسط، والروايات الأخرى شاذة.
стр. 93
قيام من رزق مولوداً بالدعوة إلى طعام
السؤال
رزقني الله مولوداً ذكراً، ولكني لا أستطيع مادياً أن أعمل له عقيقة الآن، ولكني أريد أن أحضر بعض اللحم فأدعو إليه الإخوة، فهل هذا يجزئ؟
الجواب
أولاً: العقيقة ليست واجبة، إنما هي مستحبة.
ثانياً: الدعوة إلى الطعام بمناسبة المولود لم نقف فيها على سنة عن رسول الله، فهي من الأمور المباحة تدعو أو لا تدعو كما تشاء.
стр. 94
الأثر المترتب على معرفة حكم خدمة المرأة لزوجها
السؤال
طلب فاطمة ﵂ للخادم يدل بمفهومه على أن فاطمة هي التي كانت تخدم البيت بدليل طلبها للخادم؟
الجواب
وهل نحن قلنا: فاطمة لم تكن تخدم؟! فاطمة كانت تخدم في البيت ولا خلاف في ذلك، لكن هل خدمتها للبيت كانت واجبة عليها أو مستحبة لها؟ ما نازعنا أنها كانت تخدم، بل تشققت يداها من الرحى ولا نزاع في ذلك، لكن هل هذا على سبيل الفضل منها أو على سبيل أن ذلك واجب عليها؟ وليس معنى أنها مستحبة، أننا نقول للنساء: لا تطبخن ولا تخبزن، فإن هذا فهم سقيم، ما معنى مستحب؟ يعني: يستحب لها ويفضل لها أن تخدم في بيت زوجها وتثاب على ذلك، لكن حينما نقول: إنه واجب، أي: عليها أن تخدم في البيت، وذلك حتى يعرف الزوج حقه، وحتى تعرف الزوجة حقها، وحينما نقول: إنه مستحب حتى يعرف الزوج أن الطعام الذي تطبخه المرأة في البيت هي تتفضل بعمل ذلك، فيشكر لها معروفها ويتأدب معها، لكن إذا عرف أنه واجب عليها فإذا قصرت في أي شيء، يضرب بالعصا! فهناك فرق بين الوجوب والاستحباب.
مداخلة: إذاً: يا شيخ! اخترت رأي الجمهور؟ طبعاً، رأي الجمهور نقله عنهم النووي، والحافظ ابن حجر، والبيهقي في السنن، وعدة علماء.
стр. 95
كيفية تعامل الزوج مع زوجة بها صفة الكبر
السؤال
رجل تزوج فتاة منذ عامين، رزقه الله منها ولداً، وخلال هذين العامين كانت تعامله بغلظة لأن بها صفة التكبر، وهو متحامل على زوجته تحاملاً شديداً ويسأل: أطلقها أم لا؟
الجواب
لا أستطيع أن أقول لك: طلقها أو لا، بناءً على سماع كلامك الآن، لابد من أناس منصفين يتدخلون بالإصلاح، وينصحونك بناءً على ما يرونه.
стр. 96
تفسير سورة النساء [٢٢-٢٣]
عدد الله في كتابه الكثير من المحرمات، ومن تلك المحرمات: نساء يحرم على الرجل نكاحهن، وهن سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من المصاهرة، كل ذلك حفاظاً للأنساب وصيانة للأعراض، ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من الاستهانة بذلك، وقد اعتنى أهل العلم ببيان ذلك خاصة بالمحرمات من الرضاع؛ لكثرة خلط الناس فيها، واشتباه الأمور فيها على كثير من الناس.
стр. 97
حكم نكاح زوجة الأب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد: يقول الله سبحانه في كتابه الكريم في بيان المحرمات من النساء: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢] .
المراد بالنكاح في قوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء﴾ عقد التزويج، فإذا عقد الأب على امرأة حرمت هذه المرأة على جميع أولاده بالإجماع، سواء دخل بها الأب أو لم يدخل بها.
﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: لا تتزوجوا من تزوجهن آباؤكم، سواء دخل الآباء بهن أو لم يدخلوا.
إن ذلك ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ .
فإن قال قائل: لماذا صُدِّرت المحرمات بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ولم تصُدَّر بتحريم الأمهات، مع أن نكاح الأمهات أخطر وأشد جرماً من نكاح امرأة الأب، فرجل تزوج امرأة أبيه أقل جرماً من رجل تزوج بأمه، فلماذا صُدِّرت الآية بتحريم امرأة الأب؟ قال فريق من أهل العلم: صدرت الآية بتحريم نكاح امرأة الأب؛ لأن المشركين كانوا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فجاءت الآية علاجاً لوضع تفشّى في الناس، ولذلك قدمت امرأة الأب على الأم، ولم نجد أحداً من المشركين تزوج أمه إلا طائفة من الهنود وأهل الزيغ من البهرة الذين يثنون على إمامهم، فيقولون: أحل البنات مع الأمهات ومن فضله زاد حل الصبي فالذين يحلون نكاح الأمهات طائفة من الهنود وطائفة من المجوس، أما المشركون فكانوا يحرمون الأمهات، لكن لا يحرمون امرأة الأب، ولا يحرمون الجمع بين الأختين، فصدرت المحرمات بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢] ، قال بعض أهل العلم: (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم فقد عفونا لكم عنه إذا فارقتموهن.
(إنه) أي: إن نكاح امرأة الأب ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ، فقد تزوج عمرو بن أمية الضمري امرأة أبيه، وكان له أخ من أبيه يقال له: أبو العيش، فمات أبوه فتزوج عمرو بن أميه الضمري امرأة أبيه التي هي أم أبي العيش، فولدت له مسافراً، فكان مسافر أخاً لـ أبي العيش من الأم، وأبو العيش عمه إذ هو أخو أبوه، فكان هذا يسبب مقتاً -عياذاً بالله منه- وقد قال البراء بن عازب: (رأيت خالي الحارث ومعه لواء قد عقد، فقلت له: إلى أين تذهب؟ قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى فلان عرَّس بامرأة أبيه كي أضرب عنقه) .
هذا ما يتعلق بهذه الآية الكريمة، والله أعلم.
стр. 98
حكم المرأة التي زنى بها الأب
تأتي تفريعات على ما سبق، منها: إذا زنى الأب بامرأة هل يجوز لولده أن يتزوجها؟ هذا مبني على تفسير النكاح في قوله تعالى: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ ، هل المراد بالنكاح الوطء، أم المراد به عقد التزويج؟ قال كثير من أهل العلم: إن المراد به عقد التزويج.
ولكن منع كثير منهم زواج الرجل من المرأة التي زنى بها أبوه تَكْرُمة للأب.
وقال الآخرون: إن الحرام لا يحرم حلالاً، ولم يرد نص صريح يحرم التي زنى بها الأب، وكيف نكرّم أباً زانياً؟!! فلا كرامة له أصلاً.
стр. 99
المحرمات من النساء
المحرمات في الشرع على ثلاثة أقسام: محرمات بالنسب، ومحرمات بالرضاع، ومحرمات بالمصاهرة.
стр. 100
المحرمات من النساء بالرضاع
ثم قال الله : ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، وكم رضعة أرضعتك حتى تحرم عليك؟ هنا بحوث نذكرها بسرعة: الأول: ما هي عدد الرضعات المحرمات؟ والثاني: ما هي صفة الرضاع المحرم؟ والثالث: ما هو وقت الرضاع المحرم؟ والرابع: يتعلق بمسألةٍ يسميها العلماء: لبن الفحل.
أما عدد الرضعات المحرمات، فقد تقدم الكلام عليها بما حاصله: أن الجمهور على أنها رضعة واحدة، لقوله تعالى: ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ)) [النساء:٢٣] ولم يذكر عدداً: وفريق من أهل العلم يقول: إن الذي يحرم هو ثلاث رضعات مشبعات لقول النبي ﵊ (لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان) ، قالوا: إذاً الذي يحرم ثلاث، والقول الثالث: أن الذي يحرم خمس رضعات لما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: (كان فيما أنزل على رسول الله ﷺ : عشر رضعات يحرمن فنسخَ بخمس رضعات معلومات يحرمن، وتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يتلى من القرآن) .
والذي يظهر من هذه الأقوال أن أصحها -والله أعلم- قول من قال: إن الخمس رضعات هي التي تحرم، فهي خمس رضعات على ما اختاره فريقٌ من أهل العلم.
ووقت هذه الرضعات في الصغر، لقول النبي ﷺ (إنما الرضاع ما فتق الأمعاء وأنبت اللحم ... ) ، وقال ﵊ (إنما الرضاعة من المجاعة) ، أي: الرضاعة المعتبرة هي التي تسد الجوع، ولا يكن هناك طعامٌ غيرها، وليس هناك بديل عنها.
وقد رأت أم المؤمنين عائشة أن رضاع الكبير يحرم، مستدلة بحديث سهلة: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إن سالماً مولى أبي حذيفة كان مما حيث تعلم -تربى في بيت أبي حذيفة - وإنه شب وبلغ مبلغ الشباب، وإني أرى في وجه أبي حذيفة الكراهية من دخول سالم علينا، فقال: أرضعيه -يا سهلة - تحرمي عليه، قالت: كيف أرضعه وهو ذو لحية يا رسول الله؟! قال: قد علمت، أرضعيه -يا سهلة - تحرمي عليه؛ فأرضعته فأذهب الله ما في وجه أبي حذيفة من الكراهية) .
فكانت أم المؤمنين عائشة تستدل بهذا الحديث على أن رضاع الكبير يحرم، فكانت إذا أرادت أن يدخل عليها شخصٌ أمرت إحدى قريباتها أن ترضعه فيكون محرماً لـ عائشة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﵊، كما في سنن النسائي بسند صحيح قلن: (والله لا يدخل علينا أحدٌ أبداً بتلك الرضعة، إنما هذا شيءٌ خاصٌ بـ سالم) .
فالجمهور منعوا من إرضاع الكبير، وقالوا: مطلقاً، إن رضاع الكبير لا اعتبار له على الإطلاق، وأم المؤمنين عائشة رأت جوازه على الإطلاق، وتوسط قومٌ فقالوا: له اعتبار عند الضرورات، والجمهور استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، قالوا: فتمام الرضاعة عند الحولين ولا اعتبار للرضاعة بما بعدها، والله أعلم.
أما صفة الرضاع المحرم: فالجمهور من العلماء على أن كل رضاع يحرم، سواء مص الصبي اللبن من ثدي المرأة، أو وضع له اللبن في كوب وشربه، أو صنع له مع طعام وخلط له مع طعامٍ وأكله، كل ذلك يحرم.
أما ابن حزم ﵀ فتمسك بمعنى الرضاع اللغوي، فقال: لا يحرم إلا إذا مصه الطفل من الثدي، فعلى ذلك قال: لو وضع له لبن المرأة في كوب ثم شربه لا تحرم عليه المرأة، وهذا مبنيٌ على ظاهريته المشهورة، كالمسألة المشهورة عنه في البول في الماء الراكد، قال: إن النبي نهى عن البول في الماء الراكد، لكن إذا بلت في كوب وخلطت الكوب في الماء الراكد فلا حرج.
وهذه ظاهرية جلدة لا يوافق عليها أبو محمد ابن حزم بحالٍ من الأحوال، وأبشع منها ظاهريته المنقولة في مسألة استئذان البكر والثيب، يقول: إن البكر إذا طُلبت للنكاح واستأذنت فإن قالت: أنا موافقة، فالعقد باطل! وإن قالت: غير موافقة، فالعقد باطل! ماذا تقول إذاً؟! قال: تسكت؛ لأن الرسول قال: (تستأذن البكر، قيل: إنها تستحي يا رسول الله! قال: إذنها صماتها) ، فقال ابن حزم: إذا تكلمت سواء رفضاً أو إيجاباً فالعقد باطل، وهذه من الزلات الخطيرة، فلو أمعن النظر في الحديث لوجد أن فيه: أن البكر تستحي، فقال: (إذنها صمتها) ، أي: إذن التي تستحي صمتها، أما التي لا تستحي فتقول: أنا موافقة، وهذا من الشذوذ ومن الفقه البارد في هذه الجزئية، نسأل الله العافية والسلامة! لكن لا يمنع أن يكون لـ ابن حزم آراء مسددة في كثير من المسائل.
إذاً: يحصل الرضاع: سواء رضع اللبن في قدر، أو خلط بطعامٍ، أو شربه الطفل من الثدي، كل ذلك يحرم إذا انطبقت سائر الشروط.
أما مسألة لبن الفحل فقد تقدم شرحها، وصورة لبن الفحل نضرب لها مثالاً واحداً وليس على سبيل الحصر: رجلٌ له زوجتان، الزوجة الأولى أرضعت ولداً أجنبياً بعيداً عن الزوج وعن الزوجة الثانية، والزوجة الثانية أرضعت بنتاً أجنبية فهذا الولد الأجنبي لم يجتمع على الثدي مع الطفلة، إنما هو رضع من امرأة والطفلة رضعت من امرأة، لكن اللبن الذي در لهذه المرأة إنما جاء بسبب الفحل وهو الرجل، فيكون هذا الولد أخاً لتلك البنت من الأب في الرضاعة فيحرم عليها.
وهذه المسألة يسميها العلماء لبن الفحل، دليلها من سنة رسول الله ﷺ ما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة: أن أفلح أخا أبي القعيص جاء يستأذن عليها فلم تأذن له، وأبو القعيص هو زوج المرأة التي رضعت منها عائشة إذاً: أبو القعيص نفسه أبو عائشة من الرضاعة؛ لأنها رضعت من لبن زوجته، ويكون أفلح عم عائشة من الرضاعة، فجاء أفلح يستأذن على عائشة فرفضت أن تدخله البيت، فلما جاء الرسول ﵊ قالت: (يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيص يستأذن أن يدخل عليَّ قال: ائذني له إنه عمك، قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل يا رسول الله! قال: قد علمت؛ إنه عمك فليلج عليك) أي: ليدخل عليك.
تلخص من مسألة لبن الفحل: أن كل من اجتمع على ثدي المرأة فهم إخوة لبعضهم البعض من الرضاع، ولبن الفحل ينشر الحرمة والله أعلم، هذا بالنسبة لمسألة الرضاع وما يتعلق بها.
قال الله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] ، ذكر في الآية صنفان فقط من المحرمات بالرضاعة، ولكن رسول الله ﷺ قال (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، والمحرم من النسب سبع، والمحرم من الرضاع كذلك سبع، فأمك من الرضاعة حرام وكذلك أختك وعمتك وخالتك وبنات الأخ وبنات الأخت.
стр. 101
المحرمات من النساء بالنسب
أما المحرمات بالنسب: فسبع، والمحرمات بالرضاع: سبع أيضاً، لقول النبي ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ، والمحرمات بالمصاهرة: أربع: امرأة الأب، وامرأة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، هؤلاء المحرمات بالمصاهرة، وامرأة الأب سواء دخل بها الأب أو لم يدخل، قال سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، وهذا في بيان المحرمات بالنسب، فقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ، نص قطعي الدلالة بالتحريم، وقد تقدم أن النصوص التي تحرم على قسمين: نصوص ظنية الدلالة في التحريم، ونصوص قطعية الدلالة في التحريم.
فقوله تعالى: (حُرِّمَتْ) : نص قطعي الدلالة في التحريم، لكن إذا قال لك قائل: هل السجائر حرام أو ليست بحرام؟ فإن قلت: إنها حرام، فهو استنباط من النصوص؛ كحديث (لا ضرر ولا ضرار) ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] ، هذه النصوص ليست قطعية الدلالة في التحريم إنما هي ظنية الدلالة.
فنصوص التحريم على قسمين: إما قطعي الدلالة؛ كأحل الله كذا أو حرم الله كذا، أو ظني الدلالة كالذي سمعتموه، فقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، فهنا مقدر محذوف في الآية، لابد أن تقدر شيئاً، فالرضاع من أمهاتنا حلال، فلا يقول شخص: حرم عليكم الرضاع من أمهاتكم، ولا يقول شخص: حرمت عليكم السكنى مع أمهاتكم، لكن هنا مقدر اتفق عليه العلماء وهو: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، أو حرمت عليكم أمهاتكم أن تنكحوهن، والتقدير المحذوف يرد كثيراً في القرآن، بل وفي لغة العرب، وقد مُلئت لغة العرب بالتقديرات المحذوفة التي فهمت من السياق، كما في قول الشاعر: وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمراً بسوقهم نهارا أي: فسبح أهل المدينة، ومثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: واسأل أهل القرية.
قال الله : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) والمراد بالأم هنا: الأم التي ولدت، وهي مبهمة لا تحل بأي حال من الأحوال، وليس هناك أي منطق تحل به الأم، وليست هناك أي وسيلة تستطيع بها أن تتزوج أمك، فسميت مبهمة لانسداد الطرق الموصلة إلى نكاحها، فلا تحل بأي حالٍ من الأحوال.
ويقصد الأم وإن علت، أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، وهي أولى المحرمات بالنسب.
﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، المراد بهن: البنات للأصلاب ليس المراد بنات التبني، فإذا تبنيت طفلة وألحقتها بك يحل لك أن تتزوجها، فالتبني لا يحرم إنما المحرم هنا البنت للصلب -يرحمك الله- وهي أيضاً مبهمة، أي: أن ابنتك لا تحل لك بأي حال من الأحوال.
ويلحق بالبنت هنا مسألةٌ نبهنا من قبل على أن قدم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى زلت فيها، وهي مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، يعني رجلٌ زنى بامرأة فولدت له بنتاً، هذه بنت الزنا هل يحل للزاني أن يتزوجها؟ الجمهور من العلماء قالوا: لا، بل يحرم عليه أن يتزوجها، والإمام الشافعي ﵀ وعفا عنه يرى جواز ذلك، وقاس النكاح على الميراث، قال: كما أنها لا ترث شرعاً إذاً يجوز التزوج بها كما أنها لا ترث، إذاً: فهي أجنبية ويجوز التزوج بها، فتعقب بتعقباتٍ لاذعة، إلى أن قال الشاعر الذي يتستر ويخفي مذهبه: إن يسألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه كتمانه لي أسلم إلى أن قال: فإن شافعياً قلت قالوا: بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم فهذا مراده بهذه الجزئية، (أبيح نكاح البنت) أي: المخلوقة من ماء الزاني، والبنت تحرم، ومن العلماء من قال: إن الشافعي قال: إنني أكره نكاحها ولم يقطع بالتحريم أو بالإباحة، ولكن هذا هو الثابت عند الشافعية، وقد حاول الحافظ ابن كثير -باعتباره شافعي المذهب- أن ينتصر بعض الانتصار أو يومئ بعض الإيماء إلى سلامة ما اختاره الشافعي في هذا، لكن المشهور عند الشافعية الإباحة، أما الجمهور فعلى المنع، وقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ للمنع بما حاصله: ليست كل من لا ترث يحل الزواج بها؛ فأمك من الرضاعة لا ترث ولا يحل لك أن تتزوج بها، وابنتك من الرضاعة لا ترث ولا يحل لك الزواج بها، وأطال النفس في تعقباته على هذا الرأي، والله أعلم.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، وهي الثانية من المحرمات، وهي مبهمة أيضاً من المحرمات بالنسب.
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] سواء الأخت الشقيقة أو الأخت لأم أو الأخت لأب محرمة، وهي مبهمة أيضاً، أي: لا تستطيع أن تصل إلى الزواج بها بأي حال من الأحوال.
﴿وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، عمتك وإن علت أو عمة أبيك أو عمة جدك أو عمة أمك.
(وخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء:٢٣] والخالة وإن علت كما سبق في العمة، وكذلك بنات الأخ سواء كان أخاً شقيقاً أو أخاً لأمك أو أخاً لأبيك وبنات الأخت كذلك.
فهؤلاء السبع: أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت من المحرمات بالنسب.
стр. 102
المحرمات من النساء بالمصاهرة
قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، يعني: إذا عقدت على امرأة حرمت عليك أمها عند الجمهور، سواء دخلت بالبنت أم لم تدخل، فأمها تحرم عليك تحريماً مؤبداً؛ لأن الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ ، ولم يذكر دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن.
لكن إذا عقدت على امرأة ولها بنت فلا تحرم البنت إلا إذا دخلت بأمها، لا ينعكس، فإذا عقدت على بنت حرمت عليك أمها مباشرةً دخلت بها أو لم تدخل.
قال الله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، (وربائبكم) : الربيبة: بنت الزوجة.
﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء:٢٣] ، فبنت الزوجة التي دخل الشخص بأمها حرام على الشخص، وهنا في قوله تعالى: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، لفظ في حجوركم: هل له مفهوم أو أنه خرج مخرج الغالب؟ الجمهور يقولون: خرج مخرج الغالب، سواء كانت الربيبة في الحجر أو ليست في الحجر فهي حرام عليك إذا دخلت بأمها، لكن علي بن أبي طالب يرى غير ذلك، فقد جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين علي فوجده حزيناً قال: (إني تزوجت امرأة وماتت، فقال له علي ﵁: ألها ابنة؟ قال: نعم، قال: أين هي؟ قال: هي بالطائف -يعني: في بلد أخرى- قال: فتزوجها، قال: كيف أتزوجها وأمها كانت عندي؟ قال: إن الله يقول: ﴿رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، فهي لم تكن في حجرك فلم تتربى عندك) فهذا رأي أمير المؤمنين علي، وهو رأي أبي محمد بن حزم، أما الجمهور فقالوا: إنها خرجت مخرج الغالب، فمن الغالب أن الربيبة تكون في الحجر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣] ، يعني لا تكره الفتاة -التي هي الأمة- على الزنا إن أرادت عفةً وتحصناً، فهب أن الفتاة التي عندك لم ترد تحصناً، هل يجوز لك أن تكرهها على البغاء؟ لا يجوز ذلك في أي حال من الأحوال، فـ (إن أردنَّ تحصناً) خرجت مخرج الغالب، فلو أن البنت قالت: لن أزني لأن الأجر قليل، لا لأنها تريد عفة، هل يجوز لك أن تجبرها؟ لا يجوز أبداً.
ومما خرج مخرج الغالب قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء:١٩] لوفرض أن امرأة مات زوجها لا يحل لك أن ترثها سواء بإذنها أو بغير إذنها، إنما المال لأوليائها.
وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فـ (أضعافاً مضاعفة) خرجت مخرج الغالب، فيمن يقرض الآخر مبلغاً وإذا حل وقت الدين قال: سدد، قال: ما عندي سداد، قال: أؤخرك عاماً والمائة بمائتين، فنزلت الآية: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ، لكن ليس معناها أنه يجوز لي أن آكل الربا نصف الضعف، ومثله قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] .
هل يجوز لي أن أقتل ولدي بغير خشية الإملاق؟ لا يجوز بحال.
فالجمهور قالوا: إن هذه الأشياء خرجت مخرج الغالب، ومنها قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ ، ولكل من القولين وجه، ورأي أمير المؤمنين أصح.
قال الله : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] ، هذا في المحرمات بالمصاهرة: الربيبة، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، والتقييد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ لإخراج أبناء التبني، وقد كان رسول الله ﷺ قبل الإسلام متبنياً لـ زيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد، وكان في الجاهلية يحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه! فلما تزوج رسول الله زينب بنت جحش شنع المشركون على رسول الله تشنيعاً بليغاً، وقالوا: محمد تزوج زوجة ابنه، يعني زوجة زيد بن حارثة؛ لأنه كان يقال له: زيد بن محمد؛ فنزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧] ؛ لأنهم ليسوا أبناء حقيقيين، فهنا جاء الاحتراز بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٣] .
فالمحرمات بالمصاهرة أربع: امرأة الأب، وامرأة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة.
أما أم الزوجة فتحرم بمجرد العقد على ابنتها، لكن البنت لا تحرم إلا بالدخول بأمها، وأن تكون في حجر وليها على رأي أمير المؤمنين علي، أما زوجة الابن فتحرم بمجرد عقد الولد عليها، عند عقد الولد على امرأة أو على بنت حرمت البنت على أبيه مطلقاً، سواء دخل الولد بالبنت أو لم يدخل؛ لأن الله ما قيدها بالدخول، بل قال: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ ، وكذلك زوجة الأب، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٣] .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.
стр. 103
الأسئلة
стр. 104
موقف الشرع من المحاكمات العسكرية
السؤال
ما رأي الشرع في المحاكمات العسكرية؟
الجواب
المحاكم العسكرية الظاهر أنها لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة، فما دامت لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة فأي محكمة عسكرية أو وضعية أو أي محكمة لا تحكم بالكتاب والسنة فأحكامها شرعاً باطلة، وهي كما قال القائل: حكوا باطلاً وانتظوا صارماً فقالوا: صدقنا فقلنا: نعم أمسكوا بسيف ظالم، وتكلموا كلاماً غليظاً ثم قالوا: هل نحن صح أو غلط؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن الله هو الذي يكشف الغم، واعلم تمام العلم أن الذي يسلط قوماً على قوم هو الله، فاطلب من ربك أن يفرج الهم، هو الذي يكف أذى قوم عن آخرين، فلو جئت بالأمثلة من الناحية العقلية، ما الذي يمنع أمريكا أن تحتل مصر؟ وما الذي يمنع إسرائيل أن تدخل علينا بالصواريخ والقنابل الذرية التي موجودة عندها الآن؟ هو الله، ليست قوتنا ولا شيء، فادع الله أن يزيل ما بك من هم وغم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.
стр. 105
حكم الزواج بالأخت من الرضاعة
السؤال
هل يجوز للرجل أن يتزوج فتاةً مع رضاعه من أمها مع العلم أنه رضع مع أختها؟
الجواب
لا، لا يجوز، فإذا كان رضع وهو كبير يجوز، أما إذا كان رضع وهو صغير فلا يجوز، ولو اجتمع على الثدي مع المرأة سواءً الآن أو بعد عشرين سنة، يعني امرأة أرضعت طفلاً الآن وبعد عشرين سنة أرضعت طفلة فهو أخوها من الأم من الرضاعة، والله أعلم.
стр. 106
وجه تخصيص النكاح بالنساء
السؤال
لِمَ قال الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢] ، هل يمكن أن ينكح غير النساء؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ما قرأت توجيه العلماء لهذه الجزئية بالذات، لكن على شاكلتها جزئيات كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام:٣٨] ، وأي طائرٍ إذا طار يطير بجناحيه! فقالوا: إنها ذكرت تأكيداً والله أعلم، لكن لعل للعلماء في هذه الجزئية شيئاً آخر.
стр. 107
التفريق بين الجامع بين الأختين وناكح زوجة أبيه
السؤال
هل فرق الرسول بين من جمع بين الأختين ومن نكح زوجة أبيه بعد نزول آية التحريم؟
الجواب
نعم، ثبت التفريق بذلك، لكن الأسانيد لا يحضرني الحكم عليها الآن.
стр. 108
صورة إرث النساء كرهاً
السؤال
لماذا حرم الله أن نرث النساء كرهاً؟
الجواب
كانت المرأة إذا مات زوجها يتسابق الورثة إليها، فإذا ألقى أحدهم ثوبه عليها قبل الآخر أصبحت ملكاً له، يتصرف فيها كيف شاء، يزوجها يطلقها يعضلها يتزوجها هو، فقال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] ، فأبوها أولى بها منك لأنك أجنبي، والله أعلم.
стр. 109
موقف الشرع من الأحكام العرفية
السؤال
ما الحكم في الجلسات العرفية التي تقام لفض المنازعات بين الناس، حيث يحكم فيها بمبلغ من المال للمظلوم؟
الجواب
إن كانت الجلسات العرفية تقضي بشيءٍ يخالف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ مخالفة صريحة وواضحة فهي حرام، وإن كانت لا تقضي بشيء يخالف كتاب الله وسنة رسول الله فهي من الإصلاح ما لم تحرم حلالاً أو تحلل حراماً، والله أعلم.
стр. 110
تفسير سورة النساء [٢٤]
أباح الله ورسوله أنكحة وصحح عقودها، وفي المقابل حرم أخرى وأبطل عقودها فأباح الزواج بكل امرأة غير متزوجة أو ليست في العدة، أو كانت ملك يمين، وحرم نكاح المحصنات، وأبطل نكاح الشغار والتحليل والمتعة؛ كي تحفظ الأنساب ولا يسقي رجل زرع غيره، وتصان الفروج عن العبث والإهانة والفوضى التي تعيشها المجتمعات الكفرية.
следующие страницы →